225

الكلام في أولياء العقد

قد مضى منّا نقل كلام الشيخ الأنصاري رحمه الله حيث أفاد: أنّ من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع(1)، ومن أبرز من يكون مأذوناً من الشارع في إجراء العقود هم أولياء العقود، فمَن هُم؟

الأوّل: الأب والجد للأب

أوّل من ذكره الشيخ الأنصاري رحمه الله بهذا العنوان هو الأب والجدّ بمعنى أب الأب فقال رحمه الله: «يجوز للأب والجدّ أن يتصرّفا في مال الطفل بالبيع والشراء، ويدلّ عليه _ قبل الإجماع _ الأخبار المستفيضة المصرّحة في موارد كثيرة...»(2).

وأفاد السيّد الخوئي رحمه الله: «ولاية الأب والجدّ على الطفل وثبوتها كاد أن يكون من ضروريّات الفقه؛ إذ لم يختلف فيها إثنان هذا، مضافاً إلى الأخبار والروايات المستفيضة الواردة في الأبواب المختلفة المصرّحة بولاية الأب والجدّ على الطفل:

منها: ما ورد في النكاح من أنّهما وليّان على تزويج البنت والابن.

ومنها: ما ورد في المضاربة، ودلّ على جواز تصرّفهما في مال الطفل بإعطائه للغير من باب المضاربة.

ومنها: ما ورد في الحجر من أنّ الصغير لا يتمكّن من التصرّف في ماله، وإنّما يتصرّف فيه الأب والجدّ.

وغير ذلك ممّا ورد في أبواب الفقه»(3).

أقول: أمّا الطائفة الأُولى ممّا أشار رحمه الله من روايات النكاح فبخصوص نكاح الصغيرة


(1) کتاب المكاسب، ج3، ص345.

(2) المصدر السابق، ص535.

(3) موسوعة الإمام الخوئي(رحمه الله)، ج37، ص136 _ 137.

226

لم أجد فيما ورد من رواياته إلّا ما دلّ على ولاية الأب، من قبيل صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصبية يزوّجها أبوها ثم يموت وهي صغيرة فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها، يجوز عليها التزويج أو الأمر إليها؟ قال: يجوز عليها تزويج أبيها»(1). ودلالة ذلك بالأولوية العرفية على ولاية الأب في مال الطفل واضحة.

وهذه الرواية خاصّة بالصغيرة إلّا أنّ صحيحة أبي عبيدة مصرّحة بعدم الفرق بين الصغيرة والغلام: عن أبي جعفر عليه السلام «... قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك. قال: يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية»(2).

فبشأن الغلام أيضاً نتعدّى بالفهم العرفي من باب النكاح إلى باب الأموال. ولكن هذه الرواية أيضاً خاصّة بالأب. وفرض إطلاق ذلك لأب الأب باعتباره يسمّى أباً أيضاً مشكل.

نعم، هناك روايات واردة في ولاية الجدّ، لكن الظاهر أنّها راجعة إلى تزويج الكبيرة لا الصغيرة، من قبيل صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال: «إذا زوّج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، ولابنه أيضاً أن يزوّجها. فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً وجدّها رجلاً فقال: الجدّ أولى بنكاحها»(3).

فأنت ترى أنّ المألوف المتعارف في اختلاف هوى الأب عن هوى الجدّ في الزواج بل وفي أصل زواج الابنة هو زواج البالغة، فظاهر الرواية أنّها ناظرة إلى عنوان زواج الابنة، ولا علاقة لها بعنوان زواج الصغيرة، أي أنّها تريد أن تحلّ مشكلة زواج الابنة کابنة، لا مشكلة زواج الصغيرة كصغيرة، وأحد العنوانين غير الآخر.


(1) وسائل الشيعة، ج20، ص275، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح1.

(2) المصدر السابق، ج26، ص219، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، ح1.

(3) المصدر السابق، ج20، ص289، الباب11 من أبواب عقد النکاح وأولياء العقد، ح1.

227

ومقصودنا بهذا الكلام أنّنا نناقش في إطلاق الرواية لزواج الصغيرة، لا بمجرّد دعوى أنّ ذلك فرد نادر حتّى يقال: إنّ الانصراف الناتج من الندرة ليس إلّا انصرافاً بدويّاً، بل لدعوى أنّ ظاهر الرواية هو علاج مشكلة زواج الابنة كابنة، وهذا عنوان مختلف عن عنوان مشكلة زواج الصغيرة كصغيرة، فلا يتمّ الإطلاق.

نعم، قد يقال: لو تمّت ولاية الجدّ في زواج الكبيرة ثبتت ولايته في زواج الصغيرة بطريق أولى أو بالمساواة في الفهم العرفي.

ولكنّا نقول: إنّه بناء على ما تعارف القول به في الفقه من أنّ ولاية الأب والجدّ على زواج الكبيرة تختلف بطبيعتها عن ولايتهما على زواج الصغير، _ والتي هي المقصود إثباتها في المقام _ يشكل التعدّي. والفرق بين الولايتين هو أنّ الولاية على الصغير _ والمطلوب في المقام إثباتها للجدّ كالأب _ تكون بمعنى نفوذ الزواج على الصغير، لكن الولاية على الكبيرة لا تكون إلّا بمعنى شرط إذن الأب أو الجدّ في نفوذ النكاح، لا بمعنى نفوذه حتّى مع عدم رضاها، وهي مخصوصة بالابنة الكبيرة، ولا تشمل الابن الكبير، ولا ملازمة بين إحدى الولايتين والأُخرى.

ونحوها موثّقة عبيد بن زرارة قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟ فقال: الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضارّاً إن لم يكن الأب زوّجها قبله، ويجوز عليها تزويج الأب والجدّ»(1).

ونحوها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: «سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى أن يزوّج أحدهما وهوى أبوه الآخر، أيّهما أحقّ أن ينكح؟ قال: الذي هوى الجدّ أحقّ بالجارية؛ لأنّها وأباها للجدّ»(2)، إن وافقنا على دلالتها على الولاية.


(1) المصدر السابق، ح2.

(2) المصدر السابق، ص291، ح8.

228

ونحوها صحيح هشام بن سالم ومحمد بن حكيم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إذا زوّج الأب والجدّ كان التزويج للأوّل، فإن كانا جميعاً في حال واحدة فالجدّ أولى»(1).

ونحوها موثّقة الفضل بن عبدالملك (أبي العبّاس البقباق) عن أبي عبدالله عليه السلام «قال: إنّ الجدّ إذا زوّج ابنة ابنه وكان أبوها حيّاً وكان الجدّ مرضيّاً جاز. قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوى وهوى الجدّ هوى وهما سواء في العدل والرضا؟ قال: أحبّ إليّ أن ترضى بقول الجدّ»(2).

وهناك روايات أُخرى غير تامّة السند(3).

ويمكن أن يقال في مقابل ما مضى: أنّ هناك وجوهاً للتعدّي من ولاية الجدّ على _ الكبيرة المستفادة من روايات الباب _ إلى الولاية المطلوب إثباتها في نكاح الصغيرة:

الوجه الأوّل: التمسّك بما مضى من صحيح هشام بن سالم ومحمد بن حكيم، وهي الرواية ما قبل الأخيرة من الروايات التي عرضناها: «إذا زوّج الأب والجدّ كان التزويج للأوّل، فإن كانا جميعاً في حالة واحدة فالجدّ أولى».

وذلك بتقريب أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فالرواية مطلقة تشمل الكبيرة والصغيرة، والقرينة التي ذكرنا أنّها تصرف الروايات إلى حلّ مشكلة الابنة كابنة دون حلّ مشكلة الصغيرة كصغيرة _ وهي مسألة ذكر الهوى الخاصّة عادة بزواج الكبيرة _ لا توجد في هذه الرواية.

ولكن هذا الوجه غير تامّ؛ وذلك لأنّنا بعد أن عرفنا أنّ مشكلة زواج الابنة كابنة غير مشكلة زواج الصغيرة كصغيرة والولاية في إحديهما غير الولاية في الأُخرى لم يكن الإطلاق والغلبة توجب الانصراف إلى الغالب، فإنّ الغلبة وإن كانت لا توجب


(1) وسائل الشيعة، ج20، ص290، الباب11 من أبواب عقد النکاح وأولياء العقد، ح3.

(2) المصدر السابق، ح4.

(3) المصدر السابق، الباب11 من أبواب عقد النکاح وأولياء العقد.

229

انصراف المطلق إلّا انصرافاً بدويّاً، ولكن حينما لم يمكن الإطلاق فالغلبة توجب الانصراف إلى المعنى الذي ينسجم مع الغالب بلا إشكال.

الوجه الثاني: أن يقال: إنّ روايات الباب وإن كانت واردة في ولاية الجدّ بمعناها الثابت في الولاية على الكبيرة لا بمعناه الثابت في ولاية الصغيرة، لكن العرف يستنبط بفهمه العرفي العلّة في المقام، وهي أنّ الجدّ أي أب الأب يعتبر أباً، أو قل: إنّ الأب وبنته لأبيه، وهذه العلّة موجودة في الولاية الأُخرى وهي الولاية على الصغيرة، فالتعدّي العرفي يتمّ في المقام.

الوجه الثالث: أنّنا حتّی لو لم نقبل بما ذكرناه في الوجه الثاني من استنباط العرف للعلّة في المقام فالعلّة مذكورة في إحدى روايات الباب، وهي الرواية الثالثة من الروايات التي عرضناها، وهي صحيحة عليّ بن جعفر التي ورد فيها قوله: «الذي هوى الجدّ أحقّ بالجارية؛ لأنّها وأباها للجدّ»(1).

وهناك رواية أُخرى من هذا القبيل أو أصرح من هذه إلّا أنّها ضعيفة السند بسهل بن زياد، وهي رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنّي لذات يوم عند زياد بن عبيدالله الحارثي(2) إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح الله الأمير، إنّ أبي زوّج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاحه باطل. قال: ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول يا أبا عبدالله؟ فلمّا سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله(صل الله عليه وآله) أنّ رجلاً جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا فقال له رسول الله(صل الله عليه وآله):


(1) المصدر السابق، ح8.

(2) التعبير بعبيدالله الحارثي وارد في الكافي، ج5، ص395، باب الرجل یرید أن یزوج ابنته ویرید أبوه أن یزوّجها رجلاً آخر من کتاب النکاح، ح3، ولهذا سجّلناه هنا، ولكن الوارد في الوسائل (عبدالله)، والله العالم.

230

أنت ومالك لأبيك؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا وهو وماله لأبيه، ولا يجوز نكاحه؟! قال: فأخذ بقولهم وترك قولي»(1).

ثم إنّ تمامية الاستدلال بروايات ولاية الجدّ على الكبيرة على ولايته بالمعنى الآخر من الولاية على نكاح الصغير بأحد الوجوه الثلاثة التي عدّدناها متوقّف على الإيمان بتلك الولاية للأب في الصغير حتّى يدّعى: أنّ أولوية الجدّ من الأب أو مساواته له في الولاية بالمعنى الثابت في نكاح الكبيرة تسري إلى تلك الولاية الأُخرى في الصغير، أمّا إذا لم نؤمن أصلاً بتلك الولاية الأُخرى للأب في نكاح الصغير ذكراً أو أُنثى فلا ننتهي إلى النتيجة المطلوبة؛ إذ لم تثبت هذه الولاية على الصغير حتّى يتعدّى من باب النكاح إلى باب التصرّف في أمواله بالبيع والشراء، ولو آمنّا بولاية الأب على نكاح الصغيرة فحسب فقد تمّ التعدّي إلى باب الأموال بشأن الصغيرة، أمّا بشأن الصغير الذكر فيتوقّف التعدّي إلى باب الأموال على دعوى عدم احتمال الفرق في باب الأموال بين الصغيرة والصغير.

ونحن لا نقصد هنا الدخول في ثبوت ولاية الأب بمعنى النفوذ الكامل على نكاح الصغيرة أو الصغير، وإنّما نكتفي بما مضت الإشارة إليه من وجود بعض الروايات بذلك، فقد مضى بشأن الصغيرة ذكر صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع(2)، ومضى أيضاً ذكر صحيحة أُخرى تسوّي في ذلك بين الصغيرة والصغير وهي صحيحة أبي عبيدة الحذّاء(3) وهما لا يخلوان من المعارض(4)، والبحث موكول إلى محلّه. وأظنّ أنّ رأي المشهور مطابق لهاتين الصحيحتين.


(1) وسائل الشيعة، ج20، ص290، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح5.

(2) المصدر السابق، ص275، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح1.

(3) المصدر السابق، ج26، ص219، الباب11 من أبواب ميراث الأزواج، ح1.

(4) راجع المصدر السابق، ج20، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح8.

231

وأمّا الطائفة الثانية: وهي ما وردت بشأن المضاربة ودلّت على جواز تصرّفهما في مال الطفل بإعطائه للغير لأجل المضاربة فأيضاً لم أجد فيها ما يكون وارداً بشأن الجدّ، وهي روايتان واردتان بشأن الأب:

الأُولى: موثّقة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام «أنّه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بوُلده وبمال لهم وأذن له عند الوصيّة أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم، فقال: لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك وهو حيّ»(1).

والثانية: رواية خالد الطويل _ ولم تثبت وثاقته(2)_ قال: «دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بنيّ اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح وأعطهم النصف وليس عليك ضمان، فقدّمتني أُمّ ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى فقالت: إنّ هذا يأكل أموال ولدي. قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أُجزه، ثم أشهد عليّ ابن أبي ليلى إن أنا حرّكته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقصصت عليه قصّتي ثم قلت له: ما ترى؟ فقال: أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما بينك وبين الله(عز وجل) فليس عليك ضمان»(3).

نعم، لو ضممنا إلى هذه الروايات التعليل الماضي في باب النكاح في صحيحة علي بن جعفر... «قال: الذي هوى الجدّ أحقّ بالجارية؛ لأنّها وأباها للجدّ»(4) تمّ الاستدلال.


(1) المصدر السابق، ج19، ص427، الباب92 من كتاب الوصايا، ح1.

(2) نعم، ورد في هامش المخطوط قول الشيخ الحرّ: «في نسخة: إضافة ابن بكير» فبناءً على هذه النسخة يتمّ السند.

(3) وسائل الشيعة، ج19، ص427، الباب92 من كتاب الوصايا، ح2.

(4) المصدر السابق، ج20، ص291، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح8.

232

وأمّا الطائفة الثالثة: وهي ما ورد في الحجر من أنّ الصغير لا يتمكّن من التصرّف في ماله، وإنّما يتصرّف فيه الأب والجدّ فهذه أغرب ما استشهد به السيّد الخوئي رحمه الله على المقصود؛ فإنّ تلك الروايات إنّما دلّت على الحجر على مال الصغير، ولا علاقة لها بمسألة اتّجار الولي بمال الصغير أو كفاية إذن الولي في التصرّف بماله، فمثلاً صحيحة هشام عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام، وهو أشدّه، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيهاً أو ضعيفاً فليمسك عنه وليّه ماله»(1)، تراها لا علاقة لها بمسألة تصرّف الولي في مال الطفل.

ونحوها صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: إذا علمت أنّها لا تفسد ولا تضيّع. فسألته: إن كانت قد زوّجت؟ فقال: إذا زُوّجت فقد انقطع ملك الوصيّ عنها»(2).

ولعلّه رحمه الله إنّما يقصد الاستدلال بهذه الروايات على أصل الولاية باعتبار أنّ إمساك المال عنه أو عنها نوع ولاية عليه أو عليها.

ولكن لو حملنا كلامه _ ولو من باب الحمل على الصحّة _ على ذلك خرج الكلام عمّا نحن فيه.

على أنّه لم تُعرف من هذه الروايات أنّ الولي الشرعي من هو، فلعلّه الأب فحسب ووصيّه دون الجدّ، إلّا أن نضمّ إلى ذلك مرّة أُخرى صحيحة علي بن جعفر التي ذكرت أحقّية الجدّ من الأب(3).


(1) وسائل الشيعة، ج18، ص409، الباب الأوّل من كتاب الحجر، ح1.

(2) المصدر السابق، ص410، ح3.

(3) المصدر السابق، ج20، ص291، الباب11 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح8. نعم، لا إشكال في أنّ ذيل الحديث الذي أثبت ملك الوصيّ يثبت ملك الموصي وهو الأب بلا إشكال ولكن هذا غير مسألة الاستدلال بعنوان روايات الحجر على الصغير على المقصود.

233

ومن جملة الروايات التي يمكن الاستدلال بها على المقصود روايات جواز أكل الأب من مال ابنه لدى الحاجة، وهي واردة في الوسائل في باب حكم الأخذ من مال الولد والأب(1).

والظاهر أنّ أكثرها خارجة عن مسألة ولاية الأب على مال ابنه الصغير لنفس الصغير، وإنّما هي واردة في مقام بيان مقدار ما يجوز للآباء من الاستفادة من أموال الأولاد، فبعض تلك الروايات ما يلي:

1_ صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه؟ قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف. وقال: في كتاب علي(عليه السلام): إنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً إلّا بإذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها، وذكر أنّ رسول الله(صل الله عليه وآله) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك»(2).

2_ صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صل الله عليه وآله) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك. قال أبو جعفر(عليه السلام): ما أُحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه ممّا لابدّ منه إنّ الله لا يحبّ الفساد»(3).

3_ صحيحة أو موثّقة(4) سعيد بن يسار قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): أيحجّ الرجل من مال ابنه وهو صغير؟ قال: نعم، قلت: يحجّ حجّة الإسلام، وينفق منه؟ قال: نعم بالمعروف، ثم قال: نعم يحجّ منه وينفق منه، إنّ مال الولد للوالد، وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلّا بإذنه»(5).


(1) المصدر السابق، ج17، ص262 _ 266، الباب78 من أبواب ما يكتسب به.

(2) المصدر السابق، ص262، ح1.

(3) المصدر السابق، ص263، ح2.

(4) هذا الترديد في الكلام لأجل وجود عثمان بن عيسى فى السند.

(5) وسائل الشيعة، ج17، ص264، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، ح4

234

4_ صحيحة ابن سنان قال: «سألته يعني أبا عبدالله(عليه السلام): ماذا يحلّ للوالد من مال ولده؟ قال: أمّا إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئاً، وإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلّا أن يقوّمها قيمة تصير لولده قيمتها عليه، قال: ويعلن ذلك. قال: وسألته عن الوالد أيرزأ من مال ولده(1) شيئاً؟ قال: نعم، ولا يرزأ الولد من مال والده شيئاً إلّا بإذنه...»(2).

نعم، لهذه الرواية الأخيرة ذيل قد يمكن التمسّك به للمقصود، وهو قوله عليه السلام مباشرةً بعد النصّ الذي ذكرناه: «فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحبّ أن يفتضّها فليقوّمها على نفسه قيمة ثم ليصنع بها ما شاء، إن شاء وطئ وإن شاء باع»(3).

والكلام تارة يقع في سند الحديث، وأُخرى في دلالته:

أمّا سند الحديث فالموجود في الوسائل: سند الشيخ إلى الحسين بن سعيد عن حمّاد عن عبدالله بن المغيرة عن ابن سنان(4) عن أبي عبدالله(عليه السلام). وهذا بظاهره سند تامّ، ولكن الوارد في التهذيب بدلاً عن «الحسين بن سعيد عن حمّاد»: «الحسين بن حمّاد»(5)، فيشكل السند إمّا بدعوى عدم ثبوت وثاقة حسين بن حمّاد أو بدعوى ضعف في سند الشيخ إلى حسين بن حمّاد.

ولكن السيّد الخوئي رحمه الله جزم في رجاله في ذيل ترجمة الحسين بن حمّاد بن ميمون(6) بشأن هذا الحديث بغلط النسخة وأنّ الصحيح: «الحسين بن سعيد عن حمّاد»، والقرائن التي جمعها على ذلك عبارة عمّا ورد في الاستبصار وفي الوسائل وفي الوافي


(1) أي يصيب منه.

(2) وسائل الشيعة، ج17، ص263، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، ح3.

(3) المصدر السابق، ذيل الرواية3.

(4) يعني عبدالله بقرينة الطبقة.

(5) تهذيب الأحکام، ج6، ص345، باب المکاسب من کتاب المکاسب، ح89

(6) معجم رجال الحديث، ج6، ص243، رقم: 3379.

235

مع اختلاف نسخ التهذيب؛ إذ ورد في بعضها: «الحسين عن حمّاد».

أقول: ويؤيّد ذلك وضع الطبقة؛ فإنّ الحسين بن حمّاد من أصحاب الباقر والصادق(عليهما السلام). وقد روى أيضاً عن الصادق عليه السلام بواسطة شخص واحد هو إسحاق بن عمّار، في حين أنّ هذه الرواية عن الصادق عليه السلام بواسطتين.

وأمّا دلالة الحديث فلو كان الوارد في الرواية موضوع الوطء فحسب أمكن حملها على مسألة حاجة الأب إلى الوطء، فحالها حال روايات وطء الأب لجارية الولد بعد تقويمها على نفسه(1)، ولكنّه قد عطف على مسألة الوطء البيع.

يبقى في المقام احتمال اختصاص الحكم بالأب وعدم التعدّي إلى الجدّ، ويمكن حلّ ذلك بضميمة ما مضى من صحيحة علي بن جعفر الذي ذكر أحقّية الجدّ من الأب(2).

هل يشترط في إعمال ولاية الأب والجدّ لحاظ المصلحة أو عدم المفسدة؟

بقي الكلام في أنّه هل يشترط في إعمال الأب أو الجدّ الولاية في البيع والشراء للصغير لحاظ المصلحة أو عدم المفسدة أو لا يشترط لا هذا ولا ذاك؟

لعلّ خير ما يمکن جعله دليلاً علی عدم اشتراط هذا ولا ذاك دعوی إطلاق أدلّة الولاية.

ولکن يکفي جواباً عليه اقتضاء مناسبات الحکم والموضوع للانصراف إلی عدم المفسدة على أقلّ تقدير.

ولعلّ خير ما يمكن جعله دليلاً على اشتراط عدم المفسدة أمران:

الأوّل: الانصراف الذي ذكرناه وفقاً لمناسبات الحكم والموضوع، ومع هذا الانصراف تنفى الولاية فيما فيه المفسدة بأصالة عدم الولاية؛ فإنّ الأصل يقتضي عدم ولاية أحد على أحد إلّا فيما ثبتت ولايته من قِبل الله تعالى.


(1) راجع وسائل الشيعة، ج21، ص140، الباب40 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

(2) المصدر السابق، ج20، ص291، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح8.

236

والثاني: صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام): «أنّ رسول الله(صل الله عليه وآله) قال لرجل: أنت ومالك لأبيك. قال أبو جعفر(عليه السلام): ما أُحبّ أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه ممّا لابدّ منه، إنّ الله لا يحبّ الفساد»(1). وذيل الرواية إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللّٰهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾(2).

والوجه في الاستدلال بهذه الرواية _ رغم خروجها عمّا نحن فيه وورودها في مسألة أكل الأب من مال ولده _ هو تعليله عليه السلام للحكم بالآية الشريفة: ﴿وَاللّٰهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾، فهذا التعليل يشمل فرض إعمال الأب للولاية على مال الطفل.

ولعلّ خير ما يمكن جعله دليلاً على شرط المصلحة هو التمسّك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوْا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(3)؛ فإنّ التي هي أحسن عبارة عمّا فيه المصلحة، وليس مجرّد عدم المفسدة، وهذا يشمل بإطلاقه يتيم الأب الذي يكون جدّه حيّاً، فلا يجوز للجدّ أن يقرب مال اليتيم إلّا بما فيه المصلحة، ويتعدّى من ذلك إلى الأب؛ لما مضى من أنّ ولاية الجدّ أقوى من ولاية الأب عند المزاحمة.

وقد أجاب عن ذلك السيّد الخوئي رحمه الله على ما في التنقيح بأنّ النهي عن القرب لو تعلّق بفعل من الأفعال كشرب الخمر أو الزنا ونحو ذلك كان ذلك نهياً عن الفعل، أمّا حينما يتعلّق بالمال من قبيل: ﴿لَا تَقْرَبُوْا مَالَ الْيَتِيمْ﴾ فهذا نهيٌ عن الأكل، ولا علاقة له بإعمال الولاية بمثل البيع والشراء للصغير؛ فإنّ هذا لا يعدّ أكلاً لماله، فالآية أجنبية عن المقام، وإنّما الآية تنظر إلى ما يفعله غير الملتزمين من استغلال ضعف اليتيم بأكل ماله، وتكون خطاباً لعامّة الناس، بمعنى النهي عن أكل أموال اليتامى إلّا بالمجوّزات الشرعية، وهي الطريقة الوسطى في الإسلام، أي لا تأكلوها إلّا بطريقة شرعية، كما


(1) المصدر السابق، ج17، ص263، الباب78 من أبواب ما يكتسب به، ح2.

(2) البقرة: 205.

(3) الأنعام: 152.

237

يشهد لذلك تأنيث الموصول، فمعنى الآية أنّه ما لم يثبت جواز أكل مال اليتيم بطريقة شرعية لا تأكلوه(1).

الثاني من أولياء العقد: وصيّ الأب

وقد دلّت على ذلك موثّقة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام): «أنّه سُئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصيّة أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم؟ فقال: لا بأس به من أجل أنّ أباهم قد أذن له في ذلك وهو حيّ»(2).

فلو لم نفت بجواز إذن الوصيّ بالمضاربة من دون الإذن الخاصّ بها من الأب فلا إشكال في أنّ صدر الحديث واضح في أنّ السائل كان فارغاً عن أصل نفوذ الوصاية على الأولاد الصغار وأموالهم وصرف مالهم عليهم من قِبل الوصيّ، والإمام عليه السلام قد أقرّه على فهمه هذا بعدم الردع. نعم، لا إطلاق للحديث لفرض عدم لحاظ المصلحة، كما أنّه لا إطلاق أيضاً للحديث لفرض حياة الجدّ؛ إذ لم يكن مباشرة بصدد بيان جواز جعل الوصيّ على الأطفال وأموالهم مع وجود الجدّ الذي هو وليّ أصلي.

ونتعدّى من تعيين الوصيّ من قبل الأب مع عدم حياة الجدّ إلى تعيين الوصيّ من قِبل الجدّ مع عدم حياة الأب بصحيحة علي بن جعفر الذاكرة لأحقّية الجدّ من الأب بالجارية معلّلةً بأنّها وأباها للجدّ(3).

وتدلّ أيضاً على نفوذ وصاية وصيّ الأب صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: إذا عُلمت أنّها لا تفسد ولا تضيّع. فسألته: إن كانت قد تزوّجت؟ فقال: إذا تزوّجت فقد انقطع ملك


(1) موسوعة الإمام الخوئي(رحمه الله)، ج37، ص150.

(2) وسائل الشيعة، ج19، ص427، الباب92 من كتاب الوصايا، ح1.

(3) المصدر السابق، ج20، ص291، الباب6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، ح8.

238

الوصيّ عنها»(1)، فقد دلّت على أنّه قبل زواجها ورشدها يكون ملك الوصيّ ثابتاً عليها. نعم، هذه أيضاً لا إطلاق لها في غير دائرة لحاظ المصلحة.

وأيضاً ممّا يمكن الاستدلال به على ولاية وصيّ الأب على الأطفال وأموالهم ما ورد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن سعد بن إسماعيل عن أبيه قال: «سألت الرضا عليه السلام عن وصيّ أيتام يدرك أيتامه فيعرض عليهم أن يأخذوا الذي لهم فيأبون عليه كيف يصنع؟ قال: يردّ عليهم، ويكرههم عليه»(2)، رواه الصدوق بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى(3)، وكذلك الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى(4)، وكذلك الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى(5).

ودلالته على نفوذ وصاية وصيّ الأب واضحة ولا إطلاق له لغير فرض لحاظ المصلحة.

ويقع الكلام في سنده، فلا دليل على وثاقة سعد بن إسماعيل، ولا على وثاقة أبيه إسماعيل، إلّا إذا ثبت اتّحاد سعد مع سعد بن سعد بن الأحوص واتّحاد أبيه إسماعيل مع إسماعيل بن سعد الأحوص، والقرينة على هذا الاتّحاد ما ورد في الكافي، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن سعد بن إسماعيل بن الأحوص عن أبيه(6)، فإن تمّت هذه القرينة فبها وإلّا سقط الحديث سنداً.

وأيضاً ممّا يمكن الاستدلال به على نفوذ وصاية وصيّ الأب الروايات التي سنذكرها إن شاء الله في ولاية عدول المؤمنين، فإنّه يظهر من فرض السائل فيها عدم الوصيّة


(1) وسائل الشيعة، ج19، ص366، الباب45 من کتاب الوصايا، ح1.

(2) المصدر السابق، ص371، الباب47 من کتاب الوصايا، الحديث الوحيد في الباب.

(3) من لا يحضره الفقيه، ج4، ص222، باب ما جاء فيمن يمتنع من أخذ ماله بعد البلوغ من کتاب الوصيّة، ح5525.

(4) الکافي، ج7، ص68، باب الوصيّ يدرك أيتامه... من کتاب الوصايا، ح1.

(5) تهذيب الأحکام، ج9، ص245، باب من الزيادات من کتاب الوصايا، ح44

(6) الکافي،‌ ج7، ص63 _ 64، باب النوادر من كتاب الوصايا،‌ح23، 24 و25.

239

من قِبل الأب أنّ أصل ولاية الوصيّ كانت مسلّمة ومرتكزة عندهم، فلكي ينفسح المجال للسؤال عن كيفية التصرّف في أموالهم وأنّه مَنِ الذي يشرف على ذلك؟ يفترضون في موضوع سؤالهم عدم وصيّ للأب.

وعلى أيّ حال فالظاهر أنّ أصل نفوذ وصاية وصيّ الأب على الأطفال وأموالهم في حدود لحاظ المصلحة من مسلّمات الفقه أو ضروريّاته، وكأنّه لهذا السبب لم يتعرّض الشيخ الأنصاري ولا شرّاح كتابه والمعلّقون عليه لهذا البحث، ولكن كان لابدّ لنا من الرجوع إلى هذه الروايات لكي نرى هل يوجد لدينا إطلاق لأكثر من دائرة لحاظ المصلحة أو لا، وقد اتّضح عدم وجود إطلاق من هذا القبيل.

الثالث من أولياء العقد لدى فقدان الوليّين الأوّلين: عدول المؤمنين

وقد يستدلّ على ذلك بعدّة روايات:

منها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبدالحميد القيّم بماله، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبدالحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهنّ؛ إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيّته وكان قيامه فيها بأمر القاضي؛ لأنّهنّ فروج. قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر عليه السلام وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلّف جواري فيقيم القاضي رجلاً منّا فيبيعهنّ أو قال: يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه؛ لأنّهنّ فروج، فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: إذا كان القيّم به مثلك ومثل عبدالحميد فلا بأس»(1).

وحاصل البحث عن هذه الرواية: أنّ قوله(عليه السلام): «إذا كان القيّم به مثلك ومثل عبدالحميد فلا بأس» لم يرد فيه التصريح بأنّ المقصود المثلية في أيّ شيء، فالمفروض


(1) وسائل الشيعة، ج17، ص363، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح2.

240

أن نأخذ في ذلك بالقدر المتيقّن؛ لأنّ الولاية أساساً خلاف الأصل، وعليه فلابدّ من الاقتصار على من تجتمع فيه صفتان: التشيّع بالنسبة للعوائل الشيعية، والعدالة التي هي أخصّ من الوثاقة في تصرّفه وفق المصلحة، أمّا شرط الفقاهة فالمناسبات العرفية في هذا المستوى من دائرة الولاية تصرف الكلام عنه.

ومنها: صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري قال: «سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصيّة وترك أولاداً ذكراناً وغلماناً صغاراً وترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم، وعن الرجل يموت بغير وصيّة وله ولد صغار وكبار أيحلّ شراء شيء من خدمه ومتاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك. فإن تولّاه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة في البيع وقام عدل في ذلك»(1).

وهذه الرواية ظاهرة في شرط العدالة وكفايتها.

ومنها: صحيحة علي بن رئاب قال: «سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك غلماناً وجواري ولم يوص، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أُمّ ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: إن كان لهم وليّ يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم، وكان مأجوراً فيهم. قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أُمّ ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم»(2).

وهذا الحديث ظاهر في كفاية الوثوق بعمل القيّم ونظره فيما يصلحهم بلا حاجة إلى شرط العدالة.


(1) وسائل الشيعة، ج17، ص362، الباب16 من أبواب عقد البيع وشروطه، ح1.

(2) المصدر السابق، ص361، الباب15 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث الوحيد في الباب؛ وج19، ص422، الباب88 من کتاب الوصايا، ح1.

241

وأفاد السيّد الخوئي رحمه الله: أنّ هذه الرواية لا تعارض ما دلّ على شرط العدالة؛ وذلك لأنّها إنّما دلّت على وجوب عمل القيّم أو الولي بالنظر فيما يصلحهم، أمّا ما هي شرائط تلك القيمومة أو الولاية؟ فليست الرواية بصدد بيانها، فيحتمل في ذلك شرط العدالة(1).

أقول: المفروض في موضوع الحكم بجعل الولاية في هذه الروايات على الأطفال وأموالهم للعدول أو الثقات فقدان الولي حتّى من الدرجة الثانية وهي الوصاية، وهذا يعني أنّ عنوان الولي أو القيّم المأخوذ في موضوع هذه الروايات ظاهر في الولي العرفي أو القيّم العرفي؛ إذ لولا هذا الجعل فلا ولاية أو قيمومية شرعية للناس الاعتياديّين، فلكي يكون من هو ولي أو قيّم بالفعل شرعيّاً يشترط أن يكون ناظراً فيما يصلحهم، لا أنّ الموضوع هو الولي أو القيّم الشرعي حتّى يقال: ليس الحديث بصدد بيان شرائط موضوع نفسه.

فللحديث إطلاق لمطلق من يوثق بتصرّفه، أو قل: لمطلق الناظر فيما يصلحهم.

نعم، النتيجة بعد فرض التعارض بين هذا الحديث وحديث إسماعيل بن سعد الأشعري: «وقام عدل في ذلك» هي أنّ الاحتياط يقتضي الاقتصار على القدر المتيقّن، وهو العدل.

ومنها: موثّقة سماعة قال: «سألته عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصيّة وله خدم ومماليك وعُقَد(2) كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس»(3)، وهذا أيضاً ظاهره كفاية الوثاقة.

ولكن أفاد السيّد الخوئي رحمه الله في التنقيح «أنّ هذه الرواية غير منافية لاشتراط


(1) موسوعة الإمام الخوئي(رحمه الله)، ج37، ص180.

(2) عُقَد: جمع عقدة فسّر بالضيعة والمكان الكثير الشجر.

(3) وسائل الشيعة، ج19، ص422، الباب8 من کتاب الوصايا، ح2.

242

العدالة في القيّم بوجه، وذلك لأنّ الثقة أخصّ من العدالة، ومعناها من يؤمن به في جميع أفعاله وأخلاقه ودينه، ومنه ثقة الإسلام لقب الكليني(قدس سره)، وأمّا إطلاق الثقة في اصطلاح الرجاليّين على من لا يكذب في الحديث فقط وإن كان فاسقاً في حدّ نفسه أو كان كافراً مثلاً فهو اصطلاح خاصّ للرجاليّين، وإنّما اصطلحوا بذلك لأنّه مشغلتهم، حيث إنّ شغلهم التفتيش عن صدق الرواة وكذبهم في الخبر، وأمّا الثقة على نحو الإطلاق كما وقع في الحديث فهي عبارة عمّن يؤمن به في جميع الأُمور على نحو الإطلاق، وهو أرقى من العدالة وأخصّ منها، كما لا يخفى»(1).

أقول: لا إشكال في أنّ لقب «ثقة الإسلام» للكليني رحمه الله يعطي معنى الوثاقة في كلّ شيء ممّا هو أرقى من العدالة _ كما أفاده السيّد الخوئي رحمه الله _ ولكن أين هذا من قوله في هذه الرواية: «إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلا بأس» إذ من الواضح أنّ كلمة الثقة هنا لا تعطي معنى أكثر من كونه ثقة في المقاسمة.

وعلى أيّ حال فلا إشكال في أنّ مقتضى الاحتياط اختيار العدل دون مطلق الموثوق.

ولكن لا يبعد كون الأقوى كفاية الوثوق بناء على ما نقّحناه في علم الأُصول من عدم الإيمان بمفهوم القضية الشرطية على مستوى السلب الكلّي وأنّه لا يثبت بها أكثر من السلب الجزئي، فما دلّ على شرط العدالة يأتي فيه احتمال أنّه إنّما ذكر العَدل بنكتة أنّ من عُرفت عدالته وثقوا بأمانته في البيع والشراء، بخلاف من كان فاسقاً. إذاً فالدليل الدالّ على كفاية الوثاقة يكون أقوى دلالة من دليل شرط العدالة.


(1) موسوعة الإمام الخوئي(رحمه الله)، ج37، ص180 _ 181.

243

ولاية الفقيه

بقي الكلام فيما تعرّضوا له في المقام من مسألة ولاية الفقيه.

وولاية الفقيه يمكن أن تطرح على عدّة مستويات:

المستوى الأوّل: مستوى ولاية عدول المؤمنين أو ثقاتهم في العقود. وهذا ممّا لا نشكّ فيه بعد أن أثبتنا أنّ الثالث من أولياء العقد هم عدول المؤمنين أو ثقاتهم، فإنّنا نقصد في مصطلحنا الفقهي بالفقيه الجامع للشرائط: الفقيه الثقة العدل، ولا نحتمل أنّ فقاهته تُنقصه شيئاً.

المستوى الثاني: مستوى إمكانه لعزل الأولياء السابقين أعني: الأب والجدّ والوصيّ وعدول المؤمنين رغم وجدانهم لشرائط الولاية. وهذا خلاف إطلاق أدلّة ولاية أُولئك الأولياء، فهو بحاجة إلى فرض دليل أقوى من تلك الإطلاقات بحيث يُقدّم عليها.

المستوى الثالث: مستوى ﴿النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِيْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾(1). وهذا هو الذي قصدناه ممّا قلناه في المستوى الثاني من أنّه بحاجة إلى فرض دليل أقوى من إطلاقات أدلّة أولياء العقود.

والواقع أنّنا لو فسّرنا الآية المباركة بمعنى أنّ النبي بما هو نبي يوحى إليه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أي: أنّ الآية تعني أنّ أحكام الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وليس امتياز النبي إلّا أنّه توحى إليه تلك الأحكام، فمن الواضح أنّ هذا لا علاقة له بالحدّ من إطلاق أدلّة ولاية الآباء والأجداد والأوصياء والعدول بواسطة الفقيه.

ولو فسّرناها بمعنى أنّ النبي بما هو شخص أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأنّ نبوّته حيثية تعليلية لذلك، فيكون معنى الآية: أنّ من حقّ النبي(صل الله عليه وآله) أن يضحّي بمصالح المؤمنين في سبيل مصالحه الشخصية، فمن واضحات الفقه أنّ هذا لا يكون لغير


(1) الأحزاب: 6.

244

المعصومين الذين سوف لن يفعلوا ذلك، أي: سوف لن يضحّوا بمصلحة أحد من الأُمّة في سبيل مصالحهم الشخصية رغم إعطائهم هذا الحقّ، ومن واضحات الفقه أنّ هذا المقام ليس للفقهاء، فلا ترانا بحاجة إلى بحث فيه.

المستوى الرابع: مستوى الولاية على إدارة الحكومة الإسلامية. وهذا خروج عمّا نحن فيه، وهذا ما بحثناه في عدد من كُتبنا المطبوعة سابقاً أوّلها كتابنا «أساس الحكومة الإسلامية» وآخرها كتابنا «ولاية الأمر في عصر الغيبة».

ورغم خروج ذلك عن بحثنا الأصلي نبدأ إن شاء الله ببحث ذلك بشكل مضغوط نزولاً على رغبة بعض فضلاء البحث.

أدلّة ولاية الفقيه

فنقول _ بحول الله وقوّته _:

إنّنا نذكر في المقام من أدلّة ولاية الفقيه على مستوى إدارة الحكومة والدولة وجوهاً خمسة محيلين التفاصيل على الكتب المفصّلة:

الدليل الأوّل: على مبدأ ولاية الفقيه لإقامة الدولة وإدارتها هو مبدأ الأُمور الحسبية؛ بتقريب أنّ مقام استلام السلطة وإدارتها مقام لا نشكّ في أنّه مع الإمكان لا ترضى الشريعة بفواته، ولا يمكن ذلك إلّا برئيس يرأسها، والقدر المتيقّن من ذلك الفقيه الجامع للشرائط، وبما أنّ مقتضى الأصل عدم ولاية أحد على أحد فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن.

وهذا دليل تامّ لا عيب فيه ولا نقص ما عدا شيء جزئي، وهو أنّ المصالح غير الضرورية لا تجوّز للسلطان على هذا الأساس إعمال الولاية ضدّ أصحاب الحقوق الأوّلية، فمثلاً مصلحة فتح بعض الشوارع أو بعض الإصلاحات الزراعية أو تقسيم الأراضي وما شابه ذلك على خلاف رضا الملّاك الأصليّين إنّما يجوز بمقدار ما وصل

245

الأمر فيها إلى حدّ الضرورة واللابدّية التي نقطع معها بعدم رضا الشارع بفوات ذلك، أمّا لو أمكن إرضاؤهم ولو ببذل المال غير المجحف بوضع الدولة أو كانت المصلحة كمالية بحتة يصحّ غضّ النظر عنها لدى عدم رضا الملّاك فلا تثبت الولاية على إرغامهم لما تريده الدولة.

الدليل الثاني: آيات الاستخلاف.

إنّ آيات الاستخلاف في القرآن على قسمين:

القسم الأوّل: ما قد يدّعى احتمال حملها على استخلاف فئة لفئة أُخرى بمعنى تبدّل الأُولى بالثانية بسبب ورودها ضمن سياق فئة هالكة وفئة أُخرى حالّة محلّ الأُولى، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوْا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيَّنݧݧݧَاتِ وَمَا كَانُوْا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فݭِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ﴾(1).

وقوله تعالى: ﴿َكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فݭݭِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنٰاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوْا بِآيَاتِنَا فَاْنْظُرْ کَيْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذِرِينْ﴾(2).

وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوْا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوْحٍ﴾(3).

وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوْا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾(4).

فقد يقول قائل: إنّه يحتمل حمل هذه الآيات على استخلاف فئة مكان فئة دون استخلاف الله تعالى.

والقسم الثاني: الآيات الواضحة في إرادة استخلاف الله في الأرض بسبب عدم


(1) يونس: 13 _ 14.

(2) يونس: 73.

(3) الأعراف: 69.

(4) الأعراف: 74.

246

وجود سياق من هذا القبيل، فبطبيعة الحال يكون ظاهر كلام مالك الملوك وخالق السماوات والأرض جلّ وعلا حينما يذكر استخلاف البشر هو استخلافه عن نفسه في الأرض؛ لأنّ تقدير فئة أُخرى هالكة بحاجة إلى مؤونة زائدة. وذلك من قبيل قوله تعالى:

1_ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنَّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيْفَةً﴾(1).

2_ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ﴾(2).

3_ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فݭݭِي الاَْرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾(3).

4_ ﴿وَأَنْفِقُوُا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِيْنَ فِيهِ﴾(4).

5_ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الاَْرْضِ﴾(5).

وعدّ الآية الأُولى من هذه الآيات ضمن آيات الخلافة الإلهية موقوف على استظهار أنّ المقصود بـ ﴿جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ هو خلافة البشر لا خلافة شخص آدم(عليه السلام)، ولو بقرينة تخوّف الملائكة الذي هو تخوّف من جنس البشر، لا من شخص آدم(عليه السلام).

فظاهر الخلافة في هذه الآيات هو الخلافة عن الله في مُلكه في الأرض، من قبيل قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقَّ﴾(6) الواضح في إرادة الخلافة عن الله بقرينة تفريع الحكم بالحقّ عليها، إلّا أنّ المقصود في هذه الآية هي الخلافة الشخصية لداود عليه السلام والمقصود في تلك الآيات هي الخلافة النوعية لجنس البشرية.

فإذا ثبتت بهذه الآيات أنّ البشرية خليفة الله تعالى في أرضه وهذا يعني أنّ الله


(1) البقرة: 30.

(2) الأنعام: 165.

(3) فاطر: 39.

(4) الحديد: 7.

(5) النمل: 62

(6) ص: 26.

247

جعل إجراء ما له من الحاكمية على وجه الأرض بيد البشرية من أحكام تكليفية ووضعية فكلّ يعمل بالجزء الذي يرتبط به، ومنها الحكومة العادلة بما يُفهم عرفاً من الصلاحيّات للحكومة العادلة، ورئيس الحكومة لا يكون طبعاً إلّا من يكون واجداً لصفات معيّنة، وبما أنّ حكومة أحد على أحد خلاف الأصل فلابدّ في ذلك من الاقتصار على القدر المتيقّن، ومن جملة الصفات المحتمل دخلها في الحاكم في الحكومة الإسلامية مع فقدان المعصوم هي الفقاهة، فلابدّ من الاقتصار على ذلك.

وهذا الطريق فرقه عن الطريق الأوّل أعني مبدأ الأُمور الحسبية أنّ النقص الجزئي الذي أشرنا إليه في ذاك الطريق غير موجود فيه، فهذا الوجه يعطي تماماً آثار إثبات ولاية الفقيه بنصّ خاص.

الدليل الثالث: كالدليل الثاني ما عدا أنّه تبدّل آيات الاستخلاف بآية عرض الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾(1).

فممّا لا شكّ فيه أنّ المفهوم من هذه الأمانة هي أمانة الإيمان والتكليف بما لها من الشعَب المختلفة التكليفية والوضعية، فهذه أمانة بيد جنس الإنسان، وعلى كلّ أحد أن يطبّق المقدار المرتبط به، ومنها الحكم العادل بين الناس، وبما أنّ الأصل يقتضي عدم حكم أحد على أحد، فلابدّ في شخص الحاكم الإسلامي من الاقتصار على القدر المتيقّن، ولا شكّ في أنّ من الصفات المحتمل دخلها في شخص الحاكم الإسلامي لدى فقدان المعصوم هي الفقاهة. وهذا الوجه أيضاً يعطي تماماً آثار إثبات ولاية الفقيه بنصّ خاص.

الدليل الرابع: الأوامر المتوجّهة إلى المجتمع من قبيل الأوامر بإجراء الحدود أو الأوامر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل الله وعدم التفرّق وما إلى ذلك من الأُمور التي يتوقّف أمثالها عادةً على فرض وجود الحكومة والاستعانة بها، فيفهم عرفاً من ذلك أنّنا مأمورون ب


(1) الأحزاب: 72.

248

بإقامة الحكومة التي تحقّق هذه الأُمور إن لم تكن معيّنة من قِبل الله تعالى، وبالالتفاف حولها ووضعها في محلّها إن كانت معيّنة من قِبل الله تعالى كما في ولاية المعصوم.

إلّا أنّ هذا الوجه لا يزيد في النتيجة على وجه التمسّك بالحسبة، أي أنّه لا ينتج لنا إطلاقاً لفظيّاً نتمسّك به لإثبات ولاية الدولة في أوامرها في الشؤون الكمالية التي لم يكن من الضروري إصدارها.

الدليل الخامس: ما تذكر من النصوص الخاصّة على مبدأ ولاية الفقيه. ونحن نقتصر هنا على بحث رواية واحدة محيلين للبحث عن باقي الروايات إلى الكتب المفصّلة.

وتلك الرواية هي التوقيع المروي عن إسحاق بن يعقوب قال: «سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان(عليه السلام): أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك إلى أن قال: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله...»(1).

سند الحديث:

سند الحديث إلى الكليني يشبه أن يكون قطعيّاً؛ لأنّ الشيخ رحمه الله يرويه عن جماعة فيهم المفيد(2) عن جماعة فيهم جعفر بن محمد بن قولويه وأبو غالب الزراري عن الكليني، ورواه أيضاً الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام عن الكليني.


(1) وسائل الشيعة، ج27، ص140، الباب11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به، ح9؛ وكمال الدين وتمام النعمة، ج2، 483، باب التوقيعات الواردة عن القائم(عليه السلام) التوقيع الرابع؛ كتاب الغيبة للحجة، ص290. ويؤسفني أنّه في الحال الحاضر لا يحضرني كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، ولكن الشيخ الحرّ روى الرواية في الوسائل عن الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعة عن جعفر بن محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري وغيرهما كلّهم عن محمد بن يعقوب. الغيیة، ج1، ص290.

(2) بدليل قول الشيخ في الفهرست، ص135، في ترجمة محمد بن يعقوب الكليني: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته الشيخ المفيد أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عنه.

249

وعيب السند عبارة عن الراوي المباشر وهو إسحاق بن يعقوب الذي لم يترجم في كتب الرجال، ولكنّه شخص حدّث الكليني بورود توقيع عليه من صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وافتراء توقيع على الإمام _ في ظرف غيبة الإمام وفي ظرف تكون للتوقيع قيمته الخاصة وقدسيّتُه في النفوس بحيث لا يرد إلّا للثقات الخواصّ _ لا يكون إلّا من قِبل خبيث رذل، فهذا الشخص أمره دائر بين أن يكون في منتهى درجات الوثوق أو يكون من الخبثاء السفلة، ولا يحتمل عادة كونه متوسّطاً بين الأمرين، ولو كان الثاني هو الواقع لما أمكن عادة خفاء ذلك على الكليني مع ما هو عليه من ضبط ودقّة بحيث يحتمل صدقه في نقل ورود التوقيع، سيّما وأنّه معاصر للغيبة الصغرى ولعصر التوقيعات، فإنّ الكليني رحمه الله مات في سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين وهو سنة موت النائب الرابع عليّ بن محمد السمري، وعلى نقل آخر مات في سنة ثلاثمائة وثمان وعشرين، أي: في السنة السابقة على سنة موت النائب الرابع.

ولك أن تُبرز أُسلوباً آخر لتصحيح الحديث، وهو أنّ كذب إسحاق بن يعقوب لو فرض، فإمّا أن يفرض في أصل التوقيع أو في بعض خصوصيّاته، فإن فرض في أصل التوقيع فهو ممّا لا يخفى على مثل الكليني الدقيق في ضبط الأحاديث المعاصر للتوقيعات، ولا أقلّ من أنّه كان يرتاب في صحّة هذا النقل إلى حدّ کان يردعه عن أن يرويه، وإن فرض في بعض خصوصيّاته فالتحريف في بعض خصوصيّات التوقيع بعد ثبوت صدق أصل التوقيع لو احتمل بشأن الخواصّ الذين لم يكن تصدر التواقيع إلّا إليهم إنّما يكون لأحد سببين: إمّا لمصلحة شخصية كبيرة في هذا التحريف دعت الراوي إلى تحريفه، وإمّا لتساهل في النقل بعد عدم الضبط الدقيق، والأوّل لا يتصوّر في المقام؛ لعدم تصوّر أيّ مصلحة شخصية في التحريف فيما نحن فيه لهذا الراوي، والثاني إن كان يحتمل في النقول الشفهية لا يحتمل عادة في التوقيعات المروية عن الإمام صاحب الزمان في عصر يعتزّ بالتوقيع فيه ويحتفظ به.