![]() |
الصفحة 549 | ![]() |
البيّنة 3
هل تجري البيّنة واليمين على عكس القاعدة ؟
في مورد القتل.
| ||
![]() |
الصفحة 550 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 551 | ![]() |
البحث الثالث - في أنّه هل يوجد مورد مستثنىً عن القاعدة المعروفة، وهي قاعدة (أنّ البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر) بأن يكون الحكم على العكس من ذلك; أي أنّ البيّنة على من أنكر، واليمين على المدّعي، أوْلا؟ في مورد القتلقد دلّت بعض الروايات على أنّ القتل مستثنىً من هذه القاعدة، فالبيّنة فيه على المنكر، واليمين على المدّعي من قبيل: ماورد - بسند تامّ - عن أبي بصير عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 18، باب 3 من كيفيّه الحكم، ح 3، ص 1720 وج 19، باب 9 من دعوى القتل ومايثبت به، ح4، ص 115. | ||
![]() |
الصفحة 552 | ![]() |
وما ورد عن محمد بن سنان عن الرضا وما ورد - بسند تامّ - عن بريد بن معاوية عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 3 من كيفيّة الحكم، ح 6، ص 171 و 172. | ||
![]() |
الصفحة 553 | ![]() |
المدّعون»(1). ويفهم من هذا الحديث: أوّلا - أنّ المدّعي له طريقان لإثبات مدّعاه: البيّنة وتهيئة خمسين قسامة. ولعلّ شرط رسول الله وثانياً - أنّ المتّهم بإمكانه أن يبرّىء نفسه بالقسم خمسين مرّة إن لم يمتلك المدّعي أحد الطريقين المثبتين لدعواه، فإذا أضفنا هذا إلى قبول البيّنة من المنكر كما يستفاد من الحديثين الأوّلين، كان للمتّهم أيضاً طريقان للتبرئة: البيّنة والقسم خمسين مرّة. وثالثاً - أنّه لو لم يمتلك المدّعي شيئاً من الطريقين لإثبات مدّعاه، ولم يستعدّ المتّهم الفاقد للبيّنة للقسم خمسين مرّة، ثبت عليه الجُرم ولو بمستوى الإلزام بالدية. فهذه نقاط ثلاث لا ينبغي الإشكال فيها في الجملة، إلاّ أنّه مازالت حدود هذه الأحكام الثلاثة مكتنفة بالغموض وبحاجة إلى استئناف البحث. البينة والقسامة من المدّعي:ولنبدأ بالنقطة الأُولى - وهي أنّ المدّعي بإمكانه إثبات الدعوى بأحد طريقين: البيّنة وخمسين قسامة: وهذا في الجملة ممّا لا إشكال فيه، ولكن ينبغي البحث في حدوده من عدّة نواحي: | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 3، ص 114 و 115. | ||
![]() |
الصفحة 554 | ![]() |
اشتراط اللوث في القسامة:الأُولى - أنّ إثبات الدعوى بخمسين قسامة هل يختص بفرض اللّوث ، وهو فرض وجود أمارات الاتّهام بالنسبة للمدّعى عليه، أوْلا؟ يوجد شِبْهُ إجماع بين الأصحاب وذكر السيّد الخوئي: أنّ قيد اللّوث يستفاد من عدّة من روايات الباب: منها - ما عن زرارة عن أبي عبداللّه وقد عبّر السيّد الخوئي عن هذا الحديث بمعتبرة زرارة، وسنده كمايلي: رواه الشيخ والصدوق بإسنادهما عن موسى بن بكر عن زرارة، وسند الصدوق إلى موسى بن بكر لا نعرفه، أما سند الشيخ إلى موسى بن بكر، فهو عبارة عن ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الصفّار عن إبراهيم بن هاشم عن ابن أبي عُمير عنه قال: «ورواه صفوان بن يحيى عنه» وابن أبي جيد»، وإن بنى السيد الخوئي على وثاقته لكونه من مشايخ النجاشي، لكنّنا لانبني على ذلك. وهذا لايضرّنا في المقام; إذ يكفينا أنّ للشيخ سندين تامّين إلى ابن أبي عُمير لجميع كتبه ورواياته، وله أيضاً سند تامّ إلى ابن الوليد لجميع كتبه ورواياته، ومنه إلى الصفّار لجميع رواياته عدا كتاب | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل ومايثبت به، ح 7، ص 116. | ||
![]() |
الصفحة 555 | ![]() |
بصائر الدرجات. إذن فالسند من هذه الناحية يتمّ بالتعويض. ويبقى الكلام في موسى بن بكر الذي لم يوثّق في كتب الرجال، والسيد الخوئي وثّقه على أساس أمرين: أحدهما - وروده في تفسير علي بن إبراهيم. وهذا الوجه غير تامّ عندنا. والثاني - ما ورد في الكافي حيث روى الكليني نعم، الصحيح عندنا وثاقة الرجل لرواية بعض الثلاثة عنه، فالنتيجة أنّ سند الحديث تامّ في المقام. | ||
(1) الكافي، ج 7، كتاب الميراث، باب 19 ميراث الولد مع الزوج و المرأة والأبوين، ح 3، ص 97. | ||
![]() |
الصفحة 556 | ![]() |
ومنها - ما مضى من حديث بريد بن معاوية، حيث جاء في ذيله: «إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة; لكي إذا رآى الفاجر الفاسق فرصة (من عدّوه) حجزه مخافة القسامة أن يقتل به، فكفّ عن قتله، وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلا ما قتلنا ولاعلمنا قاتلا، وإلاّ اُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون»، فقدفهم السيّد الخوئي من هذا الكلام قيداللّوث، فإن كان نظره إلى قوله: «إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم»، فهذا وإن كان دالاّ على قيد اللّوث لكنّه راجع إلى حكم قسم المدّعى عليه، أمّا رجوعه إلى ما يفهم ضمناً أيضاً من الجملة السابقة من قسامة خمسين من قبل المدّعي، فغير معلوم. نعم، إن كان نظره إلى كلمة «الفاجر الفاسق»فقد يكون لذلك وجه بناء على كون هذا التعبير إشارة إلى الاستهتار بالفسق الذي من الواضح عدم دخله في الحكم من غير ناحية اللّوث. ومنها - ما عن زرارة - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه ومنها- ماورد -بسند تامّ - عن ابن سنان قال: «سمعت أبا عبداللّه | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 1، ص 114. (2) نفس المصدر، ح 9، ص 116. | ||
![]() |
الصفحة 557 | ![]() |
والاتّهام بالشرّ. وهناك وجه آخر ذكره السيّد الخوئي لإثبات شرط اللّوث من الروايات يدخل فيه هذا الحديث والأحاديث السابقة وروايات أُخرى - كالحديث الثاني والثامن من الباب (9) من دعوى القتل وما يثبت به من الوسائل - وهو أنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ حكم القسامة جعل حقناً للدماء واحتياطاً فيه، وهذا يناسب شرط اللّوث; إذ لو لا هذا الشرط لأوجب هدر الدماء. حيث إنّ للفاسق والفاجر أن يدّعي القتل على أحد ويأتي بالقسامة، فيقتصّ منه، فيذهب دم المسلم هدراً(1). كما استشهد أيضاًالسيّد الخوئي على شرط اللّوث بكونه أمراً متسالماً عليه. وبما أنّ الإجماع الصحيح لدنيا هو الإجماع الحدسي فقد يتمّ الحدس رغم وجود المدرك للإجماع. اشتراط اللوث في البيّنة:الثانية - أنّ نفوذ بيّنة المدّعي هل يكون مشروطاً باللّوث كما كان نفوذ خمسين قسامة مشروطاً به، أوْ لا؟ لا أظنّ أنّ هناك خلافاً من حيث الفتوى في نفوذ البيّنة ولو لم يكن هناك لوث، ولكن هناك شبهة يمكن طرحها هنا بلحاظ الروايات، وهي أن يقال: أنّ رواية أبي بصير الماضية دلّت على أنّ البيّنة في باب الدم على المنكر واليمين على المدّعي، وهذا يعني فرضاً عدم قبول البيّنة من المدّعي في باب الدم، وهو مطلق لفرض اللّوث وعدمه، خرج من إطلاقه فرض اللّوث وذلك بقرينة رواية بريد الماضية; حيث خاطب فيها رسول اللّه | ||
(1) راجع مباني تكملة المنهاج، ج 2، ص 105. | ||
![]() |
الصفحة 558 | ![]() |
عدم اللّوث . إذن فالقدر المتيقّن من التقييد لإطلاق رواية أبي بصير هو فرض اللّوث، ويبقى فرض عدم اللّوث تحت إطلاق الرواية الدالّ فرضاً على عدم قبول البيّنة من المدّعي. وكذلك دلّ حديث مسعدة بن زياد على قبول البيّنة من مدّعي الدم، وهو ما ورد عن مسعدة - بسند تامّ - عن جعفر وقد يقال: إنّ رواية أبي بصير إنّما دلّت على أنّ البيّنة على المنكر، أي أنّ المنكر هو الذي يطالب بالبينة وأنّه لو لم يمتلك بيّنة، ولا حَلَفَ خمسين مرّة - على ما ظهر من الروايات الأُخرى - ثبت الحقّ إلى جانب المدّعي. وهذا لاينافي نفوذ بيّنة المدّعي لو أقامها، فيتمسّك هنا بإطلاق دليل نفوذ البيّنة. ولكنّ الظاهر أنّنا لا نمتلك إطلاقاً تامّاً لنفوذ البيّنة من غير نفس روايات أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، فإذا خرج من إطلاقها الدم، لم يكن دليل على قبول البيّنة فيه من المدّعي. ويمكن التخلص عن هذه الشبهة بوجوه: الأوّل - أنّ رواية أبي بصير نصّت على أنّ البيّنة في الدماء على المدّعى عليه واليمين على من ادّعى ، والجملة الثانية قيّدت ببعض الروايات - على ما مضى - بفرض اللّوث. وهذا يوجب الإجمال في الجملة الأولى بحكم وحدة السياق; أي أنّ | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 3، ص 115. | ||
![]() |
الصفحة 559 | ![]() |
إطلاق الجملة الاُولى لفرض عدم اللّوث مع الظهور في وحدة السياق يتعارضان; لأنّ المقيّد المنفصل للجملة الثانية دلّ على كذب أحدهما إجمالا، فتصبح الجملة الاُولى بحكم المجمل، فنرجع في غير فرض اللّوث إلى القاعدة العامّة التي تقتضي أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر المستفادة ممّا ورد - بسند تامّ - عن جميل وهشام عن أبي عبداللّه أما إذا افترضنا المقيِّد متّصلا، وهو قوله في آخر حديث أبي بصير: «لئلاّ يبطل دم امرىء مسلم» بأن استظهرنا من هذا الاختصاص بفرض اللّوث، فلا يأتي تقريب التعارض بين الإطلاق ووحدة السياق; لأنّ المقيِّد المتّصل لو اختصّ بإحدى الجملتين، لا نثلمت وحدة السياق، ولكن لو كان هذا الذيل وهو قوله: «لئلاّ يبطل دم امرىء مسلم» دالاّ على قيد اللّوث، فهذا يكون مقيِّداً لكلتا الجملتين، وهما قوله: «البيّنة على من ادّعي عليه، واليمين على من ادّعى»، فالمشكلة محلولة من أساسها، ونرجع في فرض عدم اللّوث إلى القاعدة الأصليّة، وهي أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر. والثاني - أن يقال: إنّ ما ورد من أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، وكذلك ما ورد في خصوص الدم من أنّ البيّنة على من أنكر و اليمين على المدّعي يدلّ - بإيحاء من كلمة البيّنة وارتكازيّة كفاية البيّنة في الاحتجاج مع الخصم وغيره - على أنّ شهادة العدلين بيّنة كافية على الواقع في حدود المرتكزات العقلائيّة، ولاشكّ أنّ نفوذ بيّنة مّدعي الدم بلالوث داخل في الارتكاز العقلائي. | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 3 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 170. | ||
![]() |
الصفحة 560 | ![]() |
الثالث - أن يقال: إننّا لانحتمل فقهياً أن تكفي يمين واحدة من المنكر، ولاتكون البيّنة على المدّعي، فإمّا إنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، وهذا يعني كفاية يمين واحدة من المنكر، أو إنّ البيّنة على المنكر واليمين على من ادّعى، وفي هذه الحال لا تكفي يمين واحدة من المنكر، فإذا ضممنا هذه المقدمة إلى ما دلّ عليه ذيل رواية بريد من عدم حاجة المنكر في التبرئة إلى أن يحلف خمسين مرّة إذا لم يكن لوث، كانت النتيجة أنّ البينة عند عدم اللّوث على المدّعي، وذيل رواية بريد هو هذا: «وإلاّ حلف المدّعى عليه قَسَامة خمسين رجلا ما قتلنا، وإلاّ اُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون». فتخصيص الحكم بما إذا وجدوا قتيلا بين أظهرهم يدلّ على تخصيصه بفرض اللوث. وهذا الوجه الثالث مع الوجه الأوّل يمتازان عن الوجه الثاني بأنّهما يثبتان: أنّ البيّنة عند عدم اللّوث على المدّعي لاعلى المنكر، فلو لم يأتِ المدّعي ببيّنة، كفى المنكَر في البراءة مجرّدُ أن يحلف مرّة واحدة، بينما الوجه الثاني لا يثبت إلاّ نفوذ بيّنة المدّعي لو أقامها، أمّا أنّ عليه البيّنة بحيث لو لم يأتِ بها كفى المنكَر أن يحلف مرّة واحدة، فلا يثبت بهذا الوجه. كيفية قسامة خمسين:الثالثة - أنّ قَسَامة خمسين من قبل المدّعي هل ينحصر شكلها في إحضار خمسين نفر - ولو بأن يكون أحدهم نفس المدّعي - كلّهم يحلفون باللّه على أنّ فلاناً قتل فلاناً أو بالإمكان الاقتصار على عدد أقلّ مع تكثير عدد القسم إلى أن يتمّ خمسون قسماً ، ولو بقي المدّعي وحده حلف خمسين مرّة؟ اُدُّعي الإجماع على الثاني، وذكر أنّه لم يُرَ مخالف في ذلك، ولكن الأمر بالقياس إلى الروايات مشكل، فهناك عدّة روايات صوّرت قَسَامة خمسين بخمسين شخصاً يحلفون على القتل، من قبيل: ما عن عبداللّه بن سنان - بسند تامّ - قال: | ||
![]() |
الصفحة 561 | ![]() |
«قال أبو عبداللّه فهذه الرواية قد تدلّ على عدم كفاية أقلّ من خمسين رجل مع تكثير الحلف عليهم . وبالإمكان أن يقال في قبال ذلك: إنّ هذه الروايات لاتدلّ على عدم كفاية ذلك، غاية ما هناك أنّها لا تدلّ على الكفاية أيضاً، فلو حصلنا على ما دلّ على كفاية ذلك، لم يكن تعارض بينه وبين هذه الروايات، وذلك لأنّ هذه الروايات أمرت بإحضار خمسين رجلا للحلف، وهذا الأمر كما يناسب عدم كفاية ماهو أقلّ إطلاقاً، كذلك يناسب كون كفاية الأقلّ عدداً مع تكثير عدد الحلف عليهم في طول العجز عن تحصيل العدد المطلوب. ولايمكن تتميم دلالة هذه الروايات على عدم كفاية العدد الأقلّ مع تكثير | ||
(1) الوسائل ج 19، باب 11 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 1، ص 119. (2) نفس المصدر، ح 2، ص 120. (3) الوسائل، ج 19، باب 10، من دعوى القتل وما يثبت به، ح 5، ص 118. | ||
![]() |
الصفحة 562 | ![]() |
الحلف عليهم حتى بعد العجز عن تحصيل العدد المطلوب بأن يقال: إنّه لو جاز الاكتفاء بالعدد الأقلّ لدى حلفهم تمام الخمسين، فجواز ذلك إمّا يفترض على سبيل التخيير بأن يكون المدّعي مخيّراً بين إحضار خمسين رجلا يحلفون و إحضار ما هو أقلّ من ذلك مع تكميل عدد الحلف أو يحلف هو خمسين مرّة، وإمّا أن يفترض على سبيل الترتيب والطوليّة; أي لو عجز عن تحصيل العدد المطلوب قسّم الحلف خمسين مرّة على ما هو أقلّ من ذلك ولو انحصر الأمر به حلف خمسين مرّة . أمّا التخيير فهو خلاف ظاهر الروايات المتقدّمة الآمرة بحلف خمسين رجلا. وأمّا الترتب فهو بعيد غاية البعد، إذ يلزم من ذلك أنّ مدّعي القتل لو لم يملك خمسين رجلا يحلفون له فحلف هو خمسين مرّة نفذ حلفه، ولو ملك خمسين رجلا يحلفون له ولكن تكاسل عن إحضارهم واستعدّ هو للحلف خمسين مرّة لم يقبل منه ذلك ولم ينفذ حلفه، بينما احتمال صدقه في الثاني أقوى منه في الأوّل. ويمكن الجواب على ذلك: بأنّه من المعقول أن يكون السبب في إلزامه بإحضار الخمسين بالدرجة الاُولى كون هذا أكثر إثباتاً للجرم على المجرم وأكبر إقناعاً لأولياء المجرم وأخمد للفتنة، فإن لم يحصل ذلك جاء التنزّل إلى ما هو أقلّ ولو بأن يحلف المدّعي وحده خمسين مرّة. نعم يبقى الكلام في أنّ غاية ما ثبت حتى الآن هي أنّ هذه الروايات لم تدلّ على عدم كفاية العدد الأقلّ من الرجال مع التحفّظ على عدد الخمسين يميناً، ولكن لم يثبت بها شيء إلاّ القَسَامة بمعنى خمسين رجلا يحلفون، وكفاية ما عدا ذلك بحاجة إلى دليل، ولم يصرّح بها في شيء من الروايات، فكيف يمكن إثبات ذلك بالروايات؟ وقد يستدلّ على ذلك - أي تكثير عدد الحلف على العدد الأقلّ إلى أن يتمّ الخمسون يميناً - إضافة إلى الإجماع المدّعى بعدّة وجوه: | ||
![]() |
الصفحة 563 | ![]() |
الأوّل - ما ذكره السيّد الخوئي من أنّه ورد في غير واحد من الروايات: أنّ القَسَامة إنّما جعلت احتياطاً للناس; لئلا يغتال الفاسق رجلا فيقتله حيث لا يراه أحد، فإذا كانت علّة جعل القسامة ذلك، فكيف يمكن تعليق القود على حلف خمسين رجلا؟ فإنّه أمر لايتحقق إلاّ نادراً، فكيف يمكن أن يكون ذلك موجباً لخوف الفاسق من الاغتيال(1)؟! أقول: إن كان الحلف مشروطاً بالعلم الحسّي أو ما يقرب من الحسّ صحّ هذا الكلام، ولكن الحلف يكفي فيه مجرّد العلم ولو الحدسي، وهذا كثيراً ما يحصل لأقرباء المدّعي وأصدقائه ببعض القرائن الحدسية المدعمة عندهم بنفس دعوى المدّعي، بل قد يحلفون كاذبين لمجرّد تعاطفهم مع المقتول والمدّعي، والقاضي يحكم وفق حلفهم لعدم علمه بالكذب; لأنّه لا تشترط فيهم العدالة كما كانت تشترط في البيّنة كي لا يقبل حلف من يحتمل بشأنهم الكذب لعدم إحراز العدالة، فالفاسق سيخشى من تحقق شيء من هذا القبيل ويمنعه ذلك عن القتل. أمّا الوجه في نفوذ الحلف - وإن لم يكن عن علم حسّي - فلأنّ وجوه اشتراط الحسّ في الشهادة لاتأتي هنا، فالوجه في اشتراط الحسّ في باب البيّنة: إمّا هو عدم الإطلاق في دليل نفوذ البيّنة، أو الروايات الخاصّة، أو انصراف دليل نفوذ البيّنة عن نفي احتمال الخطأ في الحدس كما هو الحال في دليل حجّيّة خبر الواحد. وكلّ هذا لايأتي في المقام، فدليل نفوذ القَسَامة مطلق، ولم يقيَّد بما إذا كان الحلف عن علم حسّي، وروايات شرط الحسّ خاصّة بباب الشهادة، ولو فرض إطلاقها لباب الحلف باعتبار اقتران الحلف بالشهادة كفانا ما مضى من ضعف تلك الروايات سنداً . والانصراف المدّعى في دليل نفوذ الشهادة وخبر الواحد لايأتي في المقام، بل | ||
(1) مباني تكملة المنهاج، ج 2، ص 109. | ||
![]() |
الصفحة 564 | ![]() |
المفهوم عرفاًأنّ تكثير عدد الحالفين هنا تعويض عن شروط الشهادة من العدالة والحسّ وغيرهما، بل إنّ مطالبة الرسول الثاني - ذيل رواية ابن فضّال ويونس التي مضى صدرها; حيث جاء في ذيلها التصريح في باب الدية في الجروح بمضاعفة اليمين على المدّعي إذا فقد من يحلف معه وذلك إلى ستّ مرّات; حيث إنّ أكبر عدد للقَسَامة في الجرح قَسَامة ستة رجال(1). وقد أورد السيّد الخوئي على الاستدلال بهذا الحديث بأنّه مختصّ بباب الدية في الجروح، ولايمكن التعدّي منه إلى القِصاص في النفس(2)، وهذا الإيراد في محلّه. الثالث - التمسّك بما مضى في رواية بريد من قوله أقول: إنْ سُلّم ظهور: «أقيموا قَسَامة خمسين رجلا» في كفاية القسم خمسين | ||
(1) راجع الوسائل، ج 19، باب 11 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 2، ص 120. (2) راجع مباني تكملة المنهاج، ح 2، ص 109. (3) ج 42، ص 246. | ||
![]() |
الصفحة 565 | ![]() |
مرّة من دون تقيّد بعدد الحالفين، وفرض الوثوق بأنّ كلمة (قَسَامة) مضافة إلى (خمسين)، وليست منوّنة، إذ لو كانت منوّنة; إذ لو كانت منوّنة لكانت كلمة (خمسين رجلا) عطف بيان أو بدلا من كلمة (قسامة)، فكأنّما قال: أقيموا خمسين رجلا يقسمون، مع أنّ هذا الاستعمال يعدّ ركيكاً، فالإقامة بمعنى الأداء تتعدّى إلى القَسم لا إلى المُقسِم - إن سُلّم هذان الامران فمع ذلك هذا الوجه لايتمّ; لأنّ هذه القصّة ذكرت في عدّة روايات وجاء التعبير في بعضها بعبارة: «ليقسم منكم خمسون رجلا»(1) وهذا ظاهر في خمسين رجلا حالفين كما هو واضح، فبناءً على الاطمئنان بوحدة القصّة لايتمّ الاستدلال بهذا الوجه الرابع - التمسّك برواية أبي بصير الماضية; حيث جاء فيها: «أنّ اللّه حكم في دمائكم بغيرما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، وحكم في دمائكم أنّ البيّنة على المدّعى عليه واليمين على من ادّعى». فتفسير قوله: «اليمين على من ادّعى» بمعنى أنّ عليه أن يحقّق اليمين - ولو بأن يكون عليه أن يحضر آخرين يحلفون - خلاف الظاهر، وإنّما ظاهره - خاصّة بالمقابلة مع قاعدة أنّ اليمين على من ادّعي عليه - هو أنّ اليمين بنفسه يكون ثابتاً عليه، وأنّ حلف الآخرين يوجب تخفيف عبء القسم عنه، لا أنّ الحلف بذاته متوجّه إلى غيره. فالنتيجة هي أنّ حلف المدّعي خمسين مرّة أو تقسيم الخمسين على عدد من الرجال أقلّ من خمسين مرّة يكفي عن خمسين رجلا يحلفون، كما يؤيِّد ذلك الإجماع المّدعى في المقام. | ||
(1) جاء ذلك في رواية أبي بصير، وهي الرواية الخامسة من باب 10 من دعوى القتل وما يثبت به من ج 19 من الوسائل، ص 118، وفي رواية زرارة التامّة سنداً، وهي الرواية الثالثة من نفس الباب ص 117. | ||
![]() |
الصفحة 566 | ![]() |
يبقى الكلام في أنّه هل الصحيح هو التخيير من أوّل الأمربين أن يحلف المدّعي خمسين مرّة أو يستعين بآخرين في تخفيف عبء القسم عن نفسه، أو أنّ عليه أوّلا إحضار خمسين حالفاً وإن كان هو أحدهم، فإن عجز عن ذلك، انتقل إلى ما هو أقلّ عدداً مع تكثير الحلف بنحو يفي بخمسين مرّة؟ ظاهر الروايات التي مضى ذكرها المصرّحة بحلف خمسين رجلا هوالثاني، وظاهر رواية أبي بصير التي تقول: «إنّ اليمين على المدّعي»، وكذلك رواية بريد بناءً على دلالة قوله: «أقيموا قَسَامة خمسين رجلا» على إمكان الاكتفاء بأقلّ من خمسين حالفاً مع تكميل الخمسين حلفاً هو الأوّل، ولايبعد أن يكون ظهور روايات لزوم إحضار خمسين رجلا عند الإمكان أقوى، ومع فرض التعارض والتساقط يكون القدر المتيّقن من النفوذ هو إحضار خمسين حالفاً مع الإمكان. وإذا كان عدد الحالفين أقلّ من الخمسين، فهل يجب تقسيم الخمسين حلفاً عليهم بالسويّة بقدر ما يمكن، أوْلا؟ فإذا كان الحالفون خمسة، فهل على كلّ واحد أن يحلف عشر مرات؟ أو بالإمكان أن يحلف أحدُهم ستاً وأربعين مرّة، ويحلف الآخرون كلّ منهم مرّة واحدة؟ ذهب السيّد الخوئي إلى الأوّل. والوجه في ذلك أنّ دليل جواز الاقتصار على حلف أقلّ من الخمسين لاإطلاق له في نظر السيّد الخوئي; لأنّ الدليل عنده منحصر بالإجماع وبما عرفنا من الروايات من أنّ حكمة جعل القَسَامة هي حجز الفاسق عن القتل، وهذا لايتمّ إن قلنا بضرورة وجود خمسين حالفاً، فإذا لم يكن هناك إطلاق في الدليل، لزم الاقتصار في نفوذ الحلف وثبوت القتل على القدر المتيّقن، وهو فرض التسوية في تقسيم الحلف. أمّا إذا كان دليلنا على ذلك رواية أبي بصير التي تقول: «إنّ اليمين على من ادّعى»، أو رواية بريد التي تقول: «أقيموا قَسَامة خمسين رجلا» فالظاهر تماميّة | ||
![]() |
الصفحة 567 | ![]() |
الإطلاق وعدم وجوب التسوية. وذكر السيّد الخوئي «هذا إذا لم يكن المدّعون مختلفين بحسب حصص الإرث، وأمّا إذا كانوا مختلفين في ذلك، فعن الشيخ في المبسوط أنّ التقسيم بحسب الحصص، فلو فرض أنّ الولي ابن وبنت حلف الابن أربعاً وثلاثين، والبنت سبع عشرة، وفي القواعد احتماله. أقول: إن تمّ الإجماع على خلاف ذلك فهو، وإلاّ فالأحوط رعاية كلا الأمرين بأن تحلف البنت خمساً وعشرين يميناً ويحلف الابن أربعاً وثلاثين، وذلك لعدم الدليل على ثبوت الدعوى بغير ذلك»(1). وانتهى كلام السيّد الخوئي أقول: ولاأدري ماذا يصنع السيّد الخوئي فيما إذا كان الحالفون الذين هم أقلّ من خمسين بعضهم ورثة مع اختلاف مقادير الإرث، وبعضهم غير ورثة. وعلى أىّ حال فلا موضوع لهذا الكلام فيما لو آمنّا بإطلاق من قبيل رواية أبي بصير، أورواية بريد. ولايبعد أن يشترط في الحالفين غير الورثة الرجولة على ما يظهر من روايات خمسين رجلا، فمقتضى الجمع بين هذه الروايات ورواية أنّ اليمين على المدّعي التي تشمل بإطلاقها ما إذا كان المدّعي امرأة هو أنّ لدينا في المقام قاعدتين: قاعدة الاعتماد على عدد الحالفين، وقاعدة تحليف المدّعي، وفي القاعدة الاُولى تشترط الرجولة، وفي القاعدة الثانية لا تشترط الرجولة. كما لا يبعد أن يشترط في ما إذا كان الحالفون أقلّ من الخمسين أن يكون أحدهم من أولياء الدم سواء كان دليلنا على كفاية الأقلّ من الخمسين عبارة عن الإجماع، أو كون حكمة القَسَامة ردع القاتل عن القتل، أو رواية أبي بصير، أو رواية | ||
(1) مباني تكملة المنهاج، ج 2، ص 110. | ||
![]() |
الصفحة 568 | ![]() |
بريد. أمّا الأوّل والثاني، فالعدم الإطلاق فيهما، ولا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن. وأمّا رواية أبي بصير، فلأنّ مصبّها بالأصل هو المدّعي، حيث قال: «اليمين على من ادّعى». وأمّا رواية بريد التي تقول: «أقيموا قَسَامة خمسين رجلا»، فلأنّ المتيقّن من المخاطب بهذا الخطاب هم المدّعون، أي أولياء الدم. هذا تمام ما أردنا بيانه بلحاظ النقطة الأُولى، أعني وجود طريقين لمدّعي الدم لإثبات دعواه. البيّنة والقسامة من المنكر:وأمّا النقطة الثانية - وهي أنّ المنكر بإمكانه تبرئة نفسه بالبيّنة أو بقَسَامة خمسين، فيقع الكلام في ذلك في كيفيّة القَسَامة. وهنا تصوُّران فقهيّان: أحدهما: أن يكون على المتّهمين القسم خمسين مرّة على براءتهم، فلو زاد عددهم على ذلك، كفى أن يقسم خمسون منهم، ولو نقص عددهم عنه، أكثروا من الحلف إلى أن يتمّ عدد الخمسين . والثاني: أنّ عليهم أن يحضروا خمسين شخصاً يحلفون على براءة المتهمين، ولو كان الحالفون غير متّهمين، فإن نقص العدد، أكثروا من الحلف إلى أن يتمّ العدد. وكأن المشهور هو الثاني، بينما الروايات تدلّ على الأوّل، فرواية بريد تقول: «حلف المدّعى عليه قَسَامة خمسين رجلا ما قتلنا، ولاعلمنا قاتلا»(1). والمدّعى عليه هو المتّهم، ورواية مسعدة بن زياد تقول: «حلّف المتّهمين بالقتل خمسين | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 3 ص 115. | ||
![]() |
الصفحة 569 | ![]() |
يميناً باللّه ما قتلنا، ولا علمناله قاتلا»(1). ورواية أبي بصير تقول: «فإنّ على الذين ادُّعِىَ عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا، ولاعلمنا له قاتلا»(2). وسند الروايتين الاُوليين تامّ، وسند الأخيرة فيه علىّ بن أبي حمزة البطائني الذي وثّقة الشيخ في العدّة وروى عنه الثلاثة، إلاّ أنّ الكشي ينقل عن ابن مسعود عن علىّ بن الحسن بن فضّال أنّه كذّاب متّهم، ومقتضى الاعتماد على هذا النقل أن نحمل رواية الثلاثة عنه على ما قبل انحرافه، ونقول: إنّ اتّصافه بصفة الكذب كان من بعد انحرافه عن خطّ أهل البيت والذي يمكن الاستدلال به على جواز الاعتماد على حلف غير المتّهمين على براءة المتّهم هوما ورد من قصّة الأنصاري الذي وجد قتيلا بين أظهر اليهود; حيث جاء في جملة من روايات هذه القصّة اتّهام اليهود من قبل أصحاب الرسول | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 6 ص 115. (2) الوسائل، ج 19، باب 10 من دعوى القتل وما يثبت به، ح 5، ص 118. (3) راجع بهذا الصدد: الوسائل، ج 19، باب 10 من دعوى القتل، ح 1 و 2 و 5 و 7. (4) وهي الرواية الثالثة من باب 9 من تلك الأبواب ص 114 . | ||
![]() |
الصفحة 570 | ![]() |
بالقتل; إذ المتّهم منهم واحد فحسب. والجواب: أنّ من المحتمل اختلاف درجات الاتّهام. فكان اليهود متّهمين بالقتل، وكان فلان اليهودي أشدّ اتّهاماً: أو أنّ بعض الصحابة اتّهم اليهود، وبعضهم اتّهم فلان اليهودي، فلو لم يكن هذا أقرب في مقام الجمع بين تلك الروايات، فلا أقلّ من تساوي احتماله لاحتمال كون المتّهم واحداً. فالظاهر أنّ الصحيح هو اختصاص القسم بالمتّهمين، فلو كانوا أقلّ من الخمسين حلفوا بقدر الخمسين، ولو كانوا خمسين حلفوا جميعاً، ولو كانوا أكثر من الخمسين، حلف خمسون منهم. نعم لو قصد بهذا حلف خمسين منهم على براءة أنفسهم فحسب دون براءة باقي المتّهمين، فهذا ممنوع. فإنّ الظاهر من الروايات حاجة كلّ منهم في تبرئته إلى حلف خمسين، فالمفروض بالخمسين أن يحلفوا على براءة الكلّ. وقد يقال: إنّ حلف قسم من المتّهمين على براءة قسم آخر ليس إلاّ كحلف غير المتّهمين على براءة المتّهمين، فإذا جاز الأوّل جاز الثاني إلاّ أنّ هذا إنّما يتمّ قطعنا بعدم الفرق، وإلاّ فالنتيجة هي ما ذكرناه من أنّه يجب توجيه الحلف إلى المتّهمين. ومقتضى إطلاق الروايات أنّه لاحاجة إلى تقسيم الحلف عليهم بالسويّة. ويحتمل أن يقال فيما إذا كان المتّهمون أكثر من خمسين: إنّ عليهم جميعاً أن يحلفوا وإن استلزم ذلك زيادة عدد الحلف على الخمسين، وذلك لرواية علىّ بن الفضيل عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل، ح 5، ص 115. | ||
![]() |
الصفحة 571 | ![]() |
أكثر من خمسين وجب أن يحلفوا جميعاً، ورواية أبي بصير الماضية لو تمّت سنداً، لكانت صالحة لتقييد هذا الطلاق; إذ تقول: «فإنّ على الذين ادُّعِي عليهم أن يحلف منهم خمسون ...». وهناك روايتان أُخريان يعارض إطلاقهما إطلاق رواية علىّ بن الفضيل، وهما مامضى من رواية بريد حيث ورد فيها: «وإلاّ حلف المدّعى عليه قَسَامة خمسين رجلا ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا»، ورواية مسعدة حيث ورد فيها: «حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللّه ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلا»، فمقتضى إطلاقهما كفاية خمسين قسماً. ولو كان المتّهمون أكثر من خمسين، فإمّا أن تحمل رواية علىّ بن الفضيل على ما إذا لم يكونوا أكثر من خمسين، أو تحمل هاتان الروايتان على ما إذا يكونوا أكثر من خمسين، ومع عدم الترجيح لا يبقى دليل على لزوم الحلف أكثر من خمسين. والذي يهوّن الخطب أنّ رواية علىّ بن الفضيل غير تامّة سنداً لعدم ثبوت وثاقة علىّ بن الفضيل; إذن فالصحيح كفاية حلف خمسين من المتّهمين على براءة الكلّ ولو كان المتهمون أكثر من خمسين. الترتيب بين البينة والقسامة منهما:يبقى الكلام في أنّه ما هي النسبة بين ما يثبت دعوى المدّعي من البيّنة وقَسَامة خمسين، وما يثبت براءة المتّهم من البيّنة وقَسَامة خمسين؟ هل هناك تقدّم ل أحدهما على الآخر؟ وهل هناك تقدّم للبيّنة على القسامة أو العكس، أوْلا؟ وهذا البحث يمكن تنقيحه ضمن عدّة بنود: البند الأوّل - هل هناك ترتّب بين بيّنة المدّعي وقسامته، أوأنّهما في عرض واحد، فهو مخيّر بينهما؟ | ||
![]() |
الصفحة 572 | ![]() |
قد يتصور أنّ رواية بريد تدلّ على أنّ البيّنة مقدّمة على القَسَامة; إذ جاء فيها: «فإن لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قَسَامة خمسين رجلا»، ولكنّ الترتيب بينهما بعيد; إذ هذا يعني أنّ من لايمتلك البيّنة ويأتي بالقسامة، تثبت دعواه، ومن يمتلك البيّنة، ولكن لا يقيمها لصعوبة في الحضور على البيّنة مثلا وأسهليّة القَسَامة فيأتي بالقَسَامة لا تثبت دعواه، بينما الثاني أقرب إلى الصدق من الأوّل. هذا مضافاً إلى أنّ تعيّن إقامة البيّنة على المدّعي مع الإمكان، وعدم وصول النوبة إلى القَسَامة عند إمكانيّة إقامة البيّنة خلاف صريح ما ورد من أنّ المدّعي في باب الدم عليه القسم لا البيّنة. فالصحيح هو التخيير، وحمل رواية بريد على أنّ النبيّ البند الثاني - هل هناك ترتيب بين بيّنة المتّهمين و قسامتهم، فليس لهم الاكتفاء بالحلف مع إمكانيّة إقامة البيّنة، أوهم مخيّرون بينهما؟ المفهوم من الجمع بين روايات قَسَامة المتّهمين ورواية أنّ البيّنة في الدم على المتّهم هو أنّهمافي عرض واحد، على أنّ الطولية مستبعدة بالنكتة التي شرحناها في البند الأوّل. البند الثالث - يفهم من الروايات أنّ حلف المتّهمين يكون في الرتبة المتأخّرة عن بيّنة وحلف المدّعي، كما هو واضح من رواية مسعدة: «كان أبي ولاينا في ذلك ما في بعض نُقول(1)قصّة الأنصاري الذي قتل بين أظهر اليهود من اقتراح الرسول | ||
1 - الوسائل، ج 19، باب 10 من دعوى القتل، ح 1 و 2. | ||
![]() |
الصفحة 573 | ![]() |
الصحيح هذا النقل وليس العكس الوارد في باقي النقول(1)، قلنا: إنّ هذا لاينا في ما قلناه بل يدعمه; إذ لو لا كون حلف المدّعين - لو استعدّوا - رافعاً لحقّ الحلف للمتّهمين، لما استجاب رسول اللّه البند الرابع - بيّنة المتّهم تقدّم على حلف المدّعي. فإنّ هذا هو المفهوم من قوله: «البيّنة على المدّعى عليه و اليمين على المنكر»، فإنّ المرتكز عرفاً أنّ البيّنة هي التي تبيّن الواقع، والحلف فيه جنبة إيكال القضيّة إلى مسؤوليّة الحالف وإلى ضميره ووجدانه، فالذي يفهم من مثل هذا الكلام عرفاً بضميمة المناسبات الارتكازيّة هو تقديم بيّنة المنكر على يمين المدّعي. البند الخامس - لو تعارضت بينة المدّعي وبيّنة المنكر، فقد يقال بتقديم بيّنة المنكر; لما دلّ على أنّ البيّنة على المنكر دون المدّعي، ولكن دليل كون البيّنة على المنكر إنّما دلّ على أنّ الذي يطالب بالبيّنة هو المنكر دون المدّعي، أمّا عدم قابليّة بيّنة المدّعي للمعارضة مع بيّنه المنكر، وأنّه لايحقّ للمدّعي تقديم البيّنة مالم يمتنع المنكر عن تقديمها، فهذا مطلب زائد على مفاد ذاك الدليل. وقد يقال بتقديم بيّنه المنكر من باب أنّه لا دليل على نفوذ بيّنة المدعي عند وجود البيّنة للمنكر، فبيّنه المنكر تمتلك الدليل على النفوذ، وهو ما دلّ على أنّ البيّنه على المنكر، أمّا بيّنة المدّعي فالذي يدلّ على نفوذها إنّما هو رواية بريد الدالّة على مطالبة الرسول ولكنّنا لو بنينا على وجود إطلاق لحجّيّة البيّنة بشكل عامّ، وهو نفس | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 10 من دعوى القتل، ح 3 و 5 و 7 . | ||
![]() |
الصفحة 574 | ![]() |
روايات البيّنة على المدّعي واليمين على من انكر في سائر الموارد، وروايات البيّنة على المنكر واليمين على المدّعي في مورد الدم بتقريب أنّ كلمة البيّنة تشير إلى ما يبيّن الواقع في نظر العقلاء، وهذا يدلّ على إمضاء ما هو ثابت في مرتكز العقلاء من كونها بيّنة على الواقع ومثبتة له، فيتم الإطلاق المقامىّ لحجّيّة البيّنة بحدود ما يساعد عليه الارتكاز العقلائي. إذن فالنتيجة في المقام حجّيّة بيّنة المدّعي أيضاً، فإنّ بيّنة مدّعي الدم لاشكّ أنّها مشمولة لارتكاز الحجّيّة عند العقلاء، غاية ما هناك أنّه ثبت بالنصّ في باب الدم دعم إضافي لجانب المدّعي، وهو قبول القَسَامة منه، ومحكوميّة المنكر بمجرّد أن لا يمتلك بيّنة ولايستعدّ للقَسَامة. أمّا الحقّ الأصلي الثابت للمدّعي عقلائيّاً - وهو إثبات مدّعاه بالبيّنة - فلم يرد ما ينفيه. وعليه فعند تعارض البيّنتين تكون كلّ واحدة منهما بذاتها حجّة، فتتعارضان وتتساقطان. وقد يقال: إنّ قوله: «البيّنة على من ادّعى»، أوقوله: «البيّنة على من ادُّعي عليه» إنّما هو إشارة إلى ما هي بيّنة في حدّ ذاتها على الواقع، ويقول: إنّ تلك البيّنة التي هي في حدّ ذاتها بيّنة على الواقع وكاشفة عنه تكون على المدّعي، أو تكون على المدعى عليه. فهذا الكلام إنّما يدلّ بدلالة المقام على الحجّيّة الذاتيّة للبيّنة على الإطلاق لا الحجّيّة القضائيّة. إذن فلا طريق لإثبات الحجّيّة القضائيّة لبيّنة المدّعي في باب اللّوث عندما يمتلك المنكر بيّنة، فإنّ الدليل على حجّيّتها القضائيّة إن كان هو رواية بريد، فلا إطلاق لها لفرض امتلاك المنكر للبيّنة، وإن كان هو دلالة المقام لرواية البيّنة على المدّعي أو البيّنة على المدّعى عليه، فدلالة المقام لهما لاتدلّ على أكثر من الحجّيّة الذاتيّة دون القضائية، وإن كان هو ارتكاز العقلاء القائل بالحّجّية القضائية لبيّنة المدّعي في اللّوث، فهذا الارتكاز مردوع عنه بما دلّ في باب اللّوث من أنّ على المدّعي اليمين، فإنّ إطلاقه يشمل فرض امتلاكه للبيّنة. وهذا يعني أنّه حتى لو أقام بيّنة، فعليه اليمين. وهذا يدلّ على عدم حجّيّة بيّنته قضائيّاً، خرج من | ||
![]() |
الصفحة 575 | ![]() |
ذلك ما إذا لم تُعارَضْ بيّنتُه ببيّنة المنكر، وذلك برواية بريد، وبَقِيتْ بيّنته عند التعارض غير حجّة قضائياً، فتكون بيّنة المنكر هي الحجّة. والجواب: أوّلا - أنّ رواية «البيّنة على من ادّعي عليه واليمين على المدّعي» لاتصلح للردع عن ذاك الارتكاز العقلائي; لأنّ المفهوم منها أنّها جاءت لتسهيل الأمر على المدّعي وإضافة طُرق له للوصول إلى مرامه لا لسلب ما كان له من طريق في المرافعات الأُخرى. وثانياً: أنّه لو فرضنا دلالة قوله: «اليمين على المدّعي» على عدم حجّيّة بيّنته حجّيّة قضائية، فقد عرفنا - بضرورة الفقه - أنّ الحكم هو خلاف ذلك; لقبول بيّنته فيما إذا لم تكن للمنكر بيّنة بلا إشكال، كما ورد ذلك في رواية بريد، وعندئذ فجعل هذا ردعاً عن بيّنة المدّعي في خصوص ما إذا كان المنكر يمتلك بيّنة ليس أمراً مفهوماً عرفاً، فلا يصلح لرادعيّة من هذا القبيل. وثالثاً: لو فرضنا الردع عن الحجّيّة القضائية لبيّنة المدّعي، كفتنا الحجّيّة الذاتيّة في معارضتها لبيّنة المنكر، وسقوط بيّنة المنكر معها - بالتعارض - عن الحجّيّة الذاتية، وبالتالي تسقط بيّنة المنكر عن الحجّيّة القضائية أيضاً; إذ المفهوم بدلالة المقام من دليل حجّيّة البيّنة قضائياً أنّها بما هي حجّة ذاتيّة صارت موضوعاً للحجّيّة القضائيّة، فإذا تساقطت مع بيّنة المدّعي، فقد سقطت عن الحجّيّة القضائية أيضاً. وبعد التساقط نرجع إلى قَسَامة المدّعي التي مضى في البند الرابع أنّها متأخّرة رتبة عن بيّنة المنكر، فإن لم يمتلك قَسَامة، وصلت النوبة إلى قَسَامة المنكر التي مضى في البند الثالث أنّها متأخّرة رتبة عن بيّنة المدّعي وقَسَامته. لايقال: إنّ دليل القسامة لا إطلاق له لفرض تعارض البيّنتين وتساقطهما، وإنّما ثبتت القسامة للمدّعي عند ما لا يمتلك المنكر البيّنة، والمفروض في المقام أنّ المنكر قد أقام البيّنة. وكذلك إنّما ثبتت القسامة للمنكر عند ما لا يمتلك المدّعي البيّنة، | ||
![]() |
الصفحة 576 | ![]() |
والمفروض في المقام أنّ المدّعي قد أقام البيّنة، ورواية عليّ بن الفضيل: - «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه، ولايعلمون له قاتلا»(1) التي قد يقال: إنّها تشمل بالإطلاق فرضَ تعارض البيّنتين وتساقطهما - ساقطة سنداً; لعدم ثبوت وثاقة عليّ بن الفضيل. فإنّه يقال: المفهوم عرفاً من أدلّة القَسَامة أنّه التجاء إلى تحكيم اليمين عند عدم تماميّة البيّنة التي تبيّن الواقع، ولايحتمل العرف الفرق بين ما إذا كان عدم تماميّة البيّنة بعدم وجودها أو عدم اكتمال شرائطها أو بسبب التعارض والتساقط. مدى ثبوت الدم بالنكول:وأمّا النقطة الثالثة - وهي أنّ المنكر لو لم يمتلك البيّنة ولم يحلف قسامة خمسين، ثبت عليه الدم، فجهة الغموض فيها أنّه هل يثبت عليه الدم بذلك بمستوى الدية فحسب، أو يثبت عليه القِصاص أيضاً؟. لعلّ المفهوم من الأصحاب القائلين بثبوت الدعوى عليه ثبوت القِصاص أيضاً في موارد القِصاص، ولكنّه روائيّاً مشكل; لأنّ جميع روايات الباب(2) إنمّا أثبتت الدية بذلك لا القِصاص. نعم، موردها مورد عدم تعيّن القاتل في شخص معيّن، ومن الطبيعي في مثل ذلك الانتقال إلى الدِّيَة حتى لو آمنّا بأنّ النكول عن اليمين يثبت حقّ القِصاص، ولكنّي أقول: إنّه لم يرد في الروايات ما يثبت القِصاص عند نكول المنكر عن اليمين; لأنّها جميعاً إنّما تعرضت للدِّيَة لا للقصاص. | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 9 من دعوى القتل، ح 5، ص 115. (2) راجع الوسائل، ج 19، باب 8 و 9 و 10 من دعوى القتل. | ||
![]() |
الصفحة 577 | ![]() |
وقد يُقال: إنّ نفس ما ورد من إثبات البيّنة والقَسَامة على المنكر تدلّ على أنّه لو لم يقدِّم شيئاً منهما ثبتت عليه الدعوى. وهذا يعني ثبوت الدِّيَة عندما لم نعلم بكون القتل عمديّاً، وثبوت القِصاص عندما علمنا بكون القتل - على تقدير وقوعه منه - عمدياً. ولكنّي أقول: إنّه يكفي مبرِّراً لمطالبة المنكر بالبيّنة أو القَسَامة أنّه لو لم يقدّم شيئاً منهما لثبتت عليه الدية، وعليه فلو ثبت إجماع كاشف في المقام فهو، وإلاّ فإثبات حقّ القِصاص بمجرّد النكول مشكل. نعم، لا إشكال في ثبوت القِصاص بالبيّنة إذا قامت على العمد، كما لا ينبغي الإشكال أيضاً في ثبوت القِصاص بالقَسَامة إذا حلفوا على العمد، كما يدلّ على ذلك ما وَرَدَ من أنّه جعلت القَسَامة كي يخاف القاتل أن يقتل بها، فيكفّ عن القتل، فلو لم تكن القسامة تثبت العمد لأمكن للقاتل أن يتخلّص من القتل بدعوى الخطأ، فيكتفي بِدِيَة العاقلة. عدم اشتراط الجزم في دعوى القتل:وفي ختام البحث عن اللّوث في الدماء نقول: لا يشترط في ثبوت الدم بالبيِّنة أو القَسَامة أو النكول كون وليّ الدم مدّعياً للقتل على المتّهم دعوى جزميّة، وذلك لأحد وجوه: الأوّل - خاصّ بالبيّنة، وهو دعوى الإطلاق في دليل حجّيّة البيّنة بناء على أنّ روايات (البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر) أو العكس تشير إلى حجّيّة البيّنة في حدود الارتكاز العقلائي، وأنّ تطبيقها على مورد الدعوى تطبيق للقاعدة العامّة لحجّيّتها، وليس المقصود بها تشريع حجّيّتها في خصوص مورد الدعوى كي يقال: لا دليل على صحّة إقامة الدعوى غير الجزميّة. والثاني - خاصّ بالبيّنة والقَسَامة ولا يشمل النكول، وهو ما ورد في بعض | ||
![]() |
الصفحة 578 | ![]() |
الروايات من قصّة الأنصاري، فإنّ امتناع الأنصار عن الحلف بحجّة أنّهم لم يروا القتل دليل على أنّهم لم يكونوا جازمين بالدعوى، والرسول والثالث - التمسُّك بظاهر روايات تحميل الدِّيَة على المتّهمين من دون تعرُّض إلى فرض وجود مدّع بدعوى جزميّة، فإنّ عدم التعرض لذلك ظاهر عرفاً في عدم دخله في الحكم من قبيل ماورد - بسند تامّ - عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه إلاّ أنّ إثبات القِصاص بمجرَّد النكول الذي قلنا - فيما سبق - إنّه مُشكِل يصبح بإضافة فرض عدم مدّع بالادّعاء الجزمي للقتل أكثر إشكالا، فإنّ الروايات لم تدلّ على أكثر من الدِّيَة، وصحيح أنّ في موردها لم يكن يمكن شيء غير الدية باعتبار عدم تعيُّن القاتل، ولكن المقصود أنّ الدليل لم يرد إلاّ في الديّة، فإثبات القِصاص مُشكِل. هذا تمام ما أردنا بيانه في المورد المستثنى من قاعدة (أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر)، وهو مورد اللّوث في الدم. | ||
(1) الوسائل، ج 19، باب 8 من دعوى القتل، ح 4، ص 112. (2) الوسائل، ج 19، باب 8 من دعوى القتل، ح 5، ص 112. | ||
![]() |
الصفحة 579 | ![]() |
في مورد اتهام العامل:وهناك مورد آخر قد يخطر بدواً في البال خروجه عن القاعدة بثبوت البيّنة على المنكر، وهو مورد اتّهام العامل كالقصّار والغسّال والصبّاغ بالخيانة أو الإتلاف. وذلك لما ورد عن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه وما ورد عن أبي بصير - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه وجه الاستدلال أنّ العامل هنا منكر; لأنّه باعتباره أميناً لايضمن التلف إلاّ بتفريط منه أو إتلاف، وهو ينكر ذلك، ومع ذلك دلّت الروايتان على أن عليه البيّنة. وفي حديث آخر جاء ذكر البيّنة والحلف معاً، وهو ما عن أبي بصير - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل، ج 12، باب 29 من أحكام الإجارة، ح 2، ص 272. وقد أخذنا المتن من التهذيب، ج 7، ح 952. (2) نفس المصدر، ح 5. (3) نفس المصدر، ح 11، ص 274. | ||
![]() |
الصفحة 580 | ![]() |
«فيخوّف بالبيّنة» واردة في التهذيب(1)، وأمّا في الفقيه فجاء بدلا عنها: «فيجيئون بالبيّنة»(2). وفي حديث آخر جاء ذكر الحلف فقط، وهو ما عن بكر بن حبيب قال: «قلت لأبي عبداللّه ولهذه الروايات عدة محامل: الأوّل - أن يقال: إنّ مقتضى الجمع بينها هو أنّ هذا العامل إمّا أن يأتي ببيّنة أو يحلف; إذ الحلف أيضاً قد ورد في بعض هذه الروايات، وهذا غير فرض أن تكون عليه البيّنة، ولعلّ الاكتفاء بالبيّنة منه - رغم أنّ المنكر لايُكتفى منه بالبيّنة بناءً على أنّ على المنكر الحلف - كان بسبب أنّ المدّعي ليس هنا جازماً بالدعوى; إذلا جزم بخيانة العامل أو إتلافه، ولهذا جعل السيّد الخوئي مورد اتّهام العامل مستثنىً من قاعدة أنّ المدّعي يجب أن يكون جازماً في دعواه. وهنا لايتصوّر - أصلا - إلزام العامل بالبيّنة إلاّ بمعنىً يجعله أشدّ حالا من المدّعي في الموارد الأُخرى; إذ معنى إلزام المدّعي بالبيّنة أنّه لو لم يأتِ بها، فصاحبه يأخذ بالحقّ بيمينة، أمّا هنا فهذا المنكر لو لم يأتِ بالبيّنة، لم يكن بإمكان صاحبه أن يأخذ بالحقّ بيمينه; لأنّه غير جازم ببطلان ما يقوله العامل، فإلزام العامل بالبيّنة من دون فسح المجال له للحلف يعني أنّه لو لم يمتلك البيّنة ثبت الحقّ لصاحبه من دون يمينه، وهذا معنى ما قلنا من أنّه | ||
(1) ج 7، ح 951. (2) الفقيه، ج 3، ح 715. (3) الوسائل، ج 13، باب 29 من أحكام الإجارة، ح 16، ص 275. | ||
![]() |
الصفحة 581 | ![]() |
لزم من ذلك كون المنكر هنا أشدّ حالا من المدّعي في سائر الموارد. الثاني - أن يقال: إنّ اتّهام العامل جُعل هنا أمارة شرعيّة على خيانته أو إتلافه، فأصبح كلامه خلاف الحجّة، إذن هو مدّع، وليس منكراً، وعليه البيّنة، فإن لم يمتلك تصل النوبة إلى حلفه; لأنّ المنكر هنا ينكل عن القسم لعدم الجزم. ولو تمّ هذا الاحتمال، لكان لازمه أنّ من حقّ المنكر شرعاً أن يعمل وفق إنكاره قبل المرافعة وقبل أن يطالبه ببيّنة أو يمين، وذلك بأن يقتصّ منه بأخذ شيء من ماله قهراً عليه، كما هو الحال في كلّ منكر، فإنّه يجوزله أن يجري في عمله وفق إنكاره إلى أن يلزم بحكم القاضي في صالح المدّعي، فعندئذ يجب عليه التنازل عن رأيه رغم علمه بصحّة رأيه. وهذه - كما ترى - مؤونة زائدة لم تدلّ عليه هذه الروايات. الثالث - أن يقال: إنّ فرض كون العامل منكراً إنّما يكون في ما إذا علم بالتلف وشكّ في إتلاف العامل إيّاه، ولكن لا إشارة في هذه الروايات إلى العلم بالتلف، فلا يبعد أن يكون المقصود هو أنّ من المحتمل بقاء العين، وعليه فالعامل الذي يدّعي التلف يكون مدّعياً - وليس منكراً - وعليه البيّنة، فإن لم تكن له البيّنة وصلت النوبة إلى يمين المنكر، وبما أنّ المنكر ينكُل عن اليمين لعدم جزمه يردّ اليمين على المدّعي. وعليه فجعل السيّد الخوئي لهذا المورد استثناء عن قاعدة لزوم كون المدّعي جازماً في دعواه غير صحيح. | ||
![]() |
الصفحة 582 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 583 | ![]() |
البيّنة 4
مدى نفوذ بيّنة المنكر
مقتضى قاعدة (البيّنة على المدّعي).
| ||
![]() |
الصفحة 584 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 585 | ![]() |
البحث الرابع - في مدى قبول البيّنة من المنكر وعدمه: نُسِب إلى المشهور أنّ البيّنة لا تقبل من المنكر، وإنّما تقبل البيّنة من المدّعي، فمع تعارض البيّنتين ترجّح بيّنة الخارج. مقتضى قاعدة (البيّنة على المدعي ...):وقد تفسّر رواية «البيّنة على المدّعي واليمين على من ادّعي عليه»(1) بمعنى أنّ المدّعى عليه إنّما يقبل منه اليمين ولا تُقبل منه البيّنة. إلاّ أنّ هذا التفسير مُشكل; لأنّ الرواية إنّما دلّت على أنّ المدّعي هو الذي يطالب بالبيّنة، وأنّ المنكر هو الذي يطالب باليمين، أمّا أنّه لو قدّم المنكر البيّنة فلا قيمة إطلاقاً لبيّنة، فهذا مطلب آخر لم يتعرض له الحديث. كما أنّه ليس من الصحيح أيضاً تفسير الرواية بأنّه لا قيمة لبيّنة المنكر في عرض بيّنة المدّعي بأن يقال: لو أقام المدّعي البيّنة، حكم الحاكم وفق بيّنته وإن كان | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 3 من كيفيّة الحكم، ح 1 و 2 و 3 و 6، ص 170 إلى 172. | ||
![]() |
الصفحة 586 | ![]() |
المنكر أيضاً يمتلك البيّنة، أمّا لو لم يُقِم المدّعي البيّنة، فلو قيل بنفوذ بيّنة المنكر لم يكن هذا مخالفاً لما يفهم من هذه الرواية، فإنّ هذا التفسير يرد عليه: أنّ قوله والمحتملات بدواً في قوله الأوّل - أن يكون قوله إلاّ أنّ هذا يرد عليه ما قلناه: من أنّ الحديث إنما يدلّ على أنّ المنكر ليس عليه إلاّ اليمين، أمّا دلالته على أنّه لاتقبل منه البيّنة بأيّ درجة من درجات القبول، فهذا ممّا لم نعرف الدالّ عليه. الثاني - أن يقال: إنّ الرواية إنّما دلّت على أنّ المدّعي هو الذي يطالَب بالبيّنة، والمنكر هو الذي يطالَب باليمين، أمّا عدم نفوذ بيّنة المنكر، فلم تدلّ عليه الرواية. إذن فنحن نتمسّك بإطلاق دليل نفوذ البيّنة لإثبات نفوذ بيّنة المنكر، وليكن ذاك الإطلاق هو نفس قوله «البيّنة على المدّعي» المشير حسب دلالة المقام إلى ما هو بيّنة على الواقع، و كاشفٌ عنه عقلائيّاً قبل مرحلة القضاء. والنتيجة أنّه لو لم يمتلك المدّعي البيّنة، وأقام المنكر البيّنة قبلت منه، ولم تكن هناك حاجة إلى يمينه، ولو أقاما معاً البيّنة تعارضتا وتساقطتا، ووصلت النوبة إلى يمين المنكر. | ||
![]() |
الصفحة 587 | ![]() |
ويرد عليه: أنّ قوله: «اليمين على من ادّعي عليه» قد دلّ بإطلاقه على أنّ المنكر عليه اليمين - سواء أقام بيّنة أو لا - وهذا يدلّ لامحالة على عدم كفاية البيّنة لإثبات ما يريده المنكر; إذ لو كفت لما احتجنا إلى يمين المنكر. نعم هذا لايعني سقوط بيّنته عن الاعتبار نهائياً بأن لا تصلح لمعارضة بيّنة المدّعي; كي يكون هذا رجوعاً إلى الاحتمال الأوّل، ولكنه يعني أنّ بيّنته ليست كبيّنة المدّعي كافيةً وحدها لإثبات المطلوب. أمّا دلالة المقام لجملة (البيّنة على المدعي) فلو تمّت على الحجّيّة القضائيّة للبيّنة - لا الذاتيّه فحسب - فإنّما تتمّ لو لا قوله: «اليمين على من ادّعي عليه» فإنّ هذا منعٌ - لامحالة - عن الحجّيّة القضائيّة لبيّنة المنكر، وإنّما ارتكاز العقلاء على حجّيّة البيّنة، فلو تمّ على الحجّيّة القضائيّة بالنسبة للمنكر فهو مردوع عنه بقوله: «اليمين على من ادّعي عليه». الثالث - ما هو مقتضى التحقيق في المقام، وهو أن يقال: إنّ بيّنة المنكر ليست ساقطة عن الاعتبار نهائياً كما هو الحال على الاحتمال الأوَّل، ولاهي حجّة قضائيّاً كما هو الحال على الاحتمال الثاني، وإنّما هي حجّةٌ حجّيّةً ذاتيّة، أي بالحجّيّة الثابتة قبل القضاء، والحجّيّة الذاتيّة غير الحجّيّة القضائيّة، فربّ شيءً يكون حجّة ذاتاً، وليس حجّة قضاءً كاليد، وربّ شيء يكون حجّة قضاءً وليس حجّة ذاتاً كاليمين، والرواية دلّت بإشارة المقام على أنّ البيّنة التي هي حجّة ذاتاً عند العقلاء وكاشفة عن الواقع بحدّ ذاتها تكون في باب القضاء على المدّعي، ففي الرواية إمضاء للحجّيّة العقلائيّة الذاتيّة للبيّنة بالحدود التي يؤمن بها العقلاء، ولاإشكال في أنّ البيّنة بحدّ ذاتها حجّة على الواقع سواء قامت على الإثبات أو الإنكار. والنتيجة: أنّه لو لم تكن للمدّعي بيّنة وقدّم المنكر البيّنة، لم تُغنِهِ البيّنة عن اليمين; إذ لم تثبت لها حجّيّة قضائيّة، وقد دلّت الرواية على أنّ المنكر عليه اليمين، ولو | ||
![]() |
الصفحة 588 | ![]() |
كانا معاً يمتلكان البيّنة، فالبيّنتان تتعارضان في مرحلة الحجّية الذاتيّة، وتتساقطان، والحجّيّة القضائيّة المعطاة لبيّنة المدّعي كان موضوعها وفق دلالة المقام تلك البيّنة التي تمتلك الحجّيّة الذاتيّة العقلائيّة. إذن فبعد أن سقطت بيّنة المدعي بالتعارض عن الحجّيّة الذاتيّة سقطت عن الحجّيّة القضائيّة، ووصلت النوبة إلى يمين المنكر. هذا كلّه لو بقينا نحن وقاعدة (البيّنة على المدّعيواليمين على المدّعى عليه). مقتضى الروايات الخاصة:وأمّا الروايات الخاصّة في المقام: فهناك روايتان تدلاّن على مقالة المشهور إلّا أنّهما ضعيفتان سنداً، ومبنى الانجبار بعمل الأصحاب غير صحيح عندنا على أنّه لم يعلم كون استناد الأصحاب إليهما، فلعلّهم استفادوا ذلك من رواية «أنّ البيّنة على المدعي و اليمين على من أنكر». وعلى أىّ حال فالروايتان هما مايلي: الأُولى - مرسلة دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين والثانية - رواية منصور قال: «قلت لأبي عبداللّه | ||
(1) مستدرك الوسائل، ج 3، باب 10 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 199. | ||
![]() |
الصفحة 589 | ![]() |
إنّما أمر أن تطلب البيّنة من المدّعي، فإن كانت له بيّنة، وإلّا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه - عزّوجلّ -»(1). والسند ضعيف بمحمّد بن حفص. وهناك روايتان وردتا في فرض تعارض البيّنتين دلّت إحداهما على أنّه يحكم للمنكر، ودلّت الأُخرى على أنّه يحكم للمنكر بعد يمينه: الأُولى - رواية غياث بن إبراهيم التامّة سنداً عن أبي عبداللّه وسند الحديث غير تامّ لوجود محمّد بن أحمد العلوي فيه، ولم تثبت وثاقته. والثانية - رواية إسحاق بن عمّار التامّة سنداً عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 14، ص 186. (2) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 3، ص 182. (3) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 15، ص 186. | ||
![]() |
الصفحة 590 | ![]() |
فأيُّهما حلف، ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين. قيل: فإن كانت في يد أحدهما ، وأقاما جميعاً البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هو في يده»(1). وجمع السيّدالخوئي بينهما بتقييد الأُولى بالثانية(2). والنتيجة هي أنّ بيّنة المدّعي وبيّنة المنكر حينما تتعارضان يكون الحقّ للمنكر مع حلفه. وهذا يناسب الاحتمالين الثاني والثالث من الاحتمالات الثلاثة التي أبديناها في رواية: «البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه»، وينافي الاحتمال الأوّل، وهو سقوط بيّنة المنكر نهائيّاً. فلو ضَمَمْنا الإشكال - الذي بيّناه هناك على الاحتمال الثاني - إلى هاتين الروايتين اللّتين تبطلان الاحتمال الأوّل، ثبت أيضاً ما اخترناه هناك من الاحتمال الثالث. والنتيجة هي ما مضى من أنّه لو قدّم المنكر فقط البيّنة لم تُغنِهِ البيّنة عن اليمين، ولو قدّم المدّعي والمنكر كلاهما البيّنة وصلت النوبة إلى يمين المنكر. هذا إذا تساوت البيّنتان. مدى إمكان الترجيح بالعدد:أمّا إذا كانت إحدى البيّتين أكثر عدداً من الأُخرى، فمقتضى إطلاق ما عرفته من القاعدة والروايات عدم كون الأكثريّة مؤثّرة في الحساب. نعم، توجد هنا صورة واحدة من تعارض بيّنتي المدّعي والمنكر شبيهة بتعارض بيّنتي المتداعيين، دلّ النصّ فيها على أنّ اليمين يكون على من يمتلك البيّنة | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 2، ص 182. (2) مباني تكملة المنهاج، ج 1، ص 50. | ||
![]() |
الصفحة 591 | ![]() |
الأكثر عدداً، وتلك الصورة هي ما لو كان المنكر لا ينكر ما يدّعيه المدّعي، أي لا تكاذب منطقي بينهما، وإنّما يدّعي ما يمكن أن يجتمع مع صحّة دعوى المدّعي، ولكن في نفس الوقت احتمال التنافي بين واقع الأمرين موجود، وذلك كما لو ادّعى المدّعي الملكيّة، وقال ذو اليد: إنّي ورثته من أبي، و لاأدري كيف كان أمره، فهنا يكون المنكر شبيهاً بمن لا ينكر مدّعى الخصم وإنما يدّعي الإرث; إذ لاتكاذب منطقي بينهما لإمكان الجمع بينهما بأن يكون هذا ملكاً للمدّعي قد غصبه أبو المنكر - مثلا - والمنكر وَرِثه من أبيه، وفي نفس الوقت احتمال التنافي بين ما يقوله المدّعي لو كان صادقاً وما يقوله المنكر موجود، بأن لايكون الأب هو الذي غصبه; إذ ملكيّة المدّعي تساوق عندئذ غاصبيّة المنكر مثلا، واليد - طبعاً - أمارة على خلاف ذلك. ومن هنا نقول: إنّ هذا منكر، ولكنّه في نفس الوقت شبيه بالمدّعي. أمّا لو صرّح المدّعي بأنّ أبا هذا الرجل هو الذي غصب المال منّي مثلا، فقد انتفى كلّ احتمالات التنافي بين الأمرين، وهنا تنفذ بيّنة المدّعي، و لاتنافي بين البيّنتين ولو على مستوى الاحتمال بالمعنى الذي عرفت. وعلى أىّ حال ففي الفرض الأوّل الشبيه بباب التداعي - وهو فرض ما لو قال المدّعي: إنّ هذا ملكي، وقال ذو اليد: إنّي ورثته من أبي ولا أدري كيف كان أمره، ولم يستحكم التكاذب بينهما لعدم دعوى المدّعي كون المال مسروقاً من قِبَل نفس ذي اليد مثلا - قد دلّ النصّ على أنّه لو كان أحدهما أكثر بيّنة يوجّه الحلف إليه، وهو ماورد عن أبي بصير - بسند تامّ - قال: «سألت أبا عبداللّه | ||
![]() |
الصفحة 592 | ![]() |
إن كان الذي ادّعى الدار قال: إنّ أبا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، ولم يقم الذي هوفيها بيّنة أنّه ورثها عن أبيه؟ قال: إذا كان الأمر هكذا فهي للذي إدّعاها، وأقام البيّنة عليها»(1). وقال الشيخ الصدوق وعلى أىّ حال فإن كان مقصوده إرجاع المسألة إلى باب التداعي لنكتة أنّ المنكر ذكر السبب وهو الإرث، و بذكره للسبب تحوّل من كونه منكراً إلى كونه مدّعياً، فهذا مخالف لما مضى من حديثي إسحاق بن عمّار وغياث بن إبراهيم; حيث فرض فيهما أنّ الحقّ يعطى للذي بيده، وهذا يعني أنّه فرضه منكراً مع أنّه ذكر السبب أيضاً وهو أنّ الدابّة نتجت عنده، إلاّ أن يفرّق بين ما لو ذكرا معاً السبب فلا ينقلب المنكر مدّعياً ومالو ذكر المنكر فقط السبب فينقلب إلى المدّعي، ولانعرف لهذا الفرق نكتة مفهومة عرفاً، كما أنه مخالف أيضاً لما هو المفهوم عرفاً من عنوان المدّعي والمنكر، فإنّ المنكر يكون غالباً مطّلعاً على سبب ما يقوله، فمجرّد اختلاف | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفية الحكم، ح 1، ص 181 و 182. (2) الفقيه، ج 3، ذيل الحديث 130، ص 39. | ||
![]() |
الصفحة 593 | ![]() |
حاله من كونه منكراً إلى كونه مدّعياً وبالعكس لمجرد فرق لفظي - و هو ذكر السبب وعدمه - ليس عرفياً. هذا وقد شرحنا فيما سبق أنّ المقياس لمعنى المدّعي والمنكر عرفاً هو مخالفة كلامه للحجّة وعدمها، وأنّ هذا لايخالف بالنظر إلى مصبّ الدعوى أو النتيجة. وإن كان مقصوده إرجاع المسألة إلى باب التداعي لنكتة أنّ المنكر لم يذكر الملكيّة التي تكون اليد دليلا عليها، وإنّما ذكر الإرث، واليد ليست دليلا على الإرث، قلنا: إنّه لو غضّ النظر عن دعوى أنّ ذكر السبب يقلب المنكر مدّعياً فهذا لامحالة يدّعي الملكيّة الظاهريّة، واليد أمارة على الملكيّة، فيكون منكراً. وإن كان مقصوده دعوى حكم تعبّدي في منكر يشبه المدّعي باعتبار عدم إنكاره لما يدّعيه المدّعي، ودعواه إرثاً في المقام مع احتمال التنافي بين ما يقوله هو وما يقوله المدّعي لو كان صادقاً، فهذا يرجع إلى التفسير الذي نحن فسّرنا به الحديث، وهو تامّ، وحاصله الحاق مثل هذا المنكر بالمدّعي حكماً. وإن كان مقصوده استفادة مجرد حكم تعبّدي بحت، وهو أنّ الحلف كان على الأكثر بيّنة; لأنّ المنكر ذكر السبب، وبما أنّ هذا الحكم تعبّدي بحت، فيمكن تقييده بما إذا لم يذكر المدّعي أيضاً السبب، فلا يقع تناف بين هذا الحديث وحديثي إسحاق بن عمّار وغياث بن إبراهيم، فهذا أمر غير مفهوم عرفاً من الحديث، فمجرد ذكر السبب - لو لا التفسير الذي نحن شرحناه - يحمل عرفاً على المثالية البحتة ولاخصوصية لذكر السبب. وقد تلخّص ممّا ذكرناه: أنّ بيّنة المنكر إن لم تُعارَضْ ببيّنة المدّعي لاأثرلها، وإن عورضت ببيّنة المدّعي وصلت النوبة إلى يمين المنكر، وإن كانت إحدى البيّنتين أكثر عدداً ففي حالة واحدة يكون اليمين على صاحب البيّنة الأكثر عدداً، وهي الحالة التي شرحناها. | ||
![]() |
الصفحة 594 | ![]() |
توهم كون اليمين على البيّنة:وقد ورد ما قد يُوهِم أنّ الحلف يكون على عاتق البيّنة، لا على عاتق المنكر، وتُعيّن البيّنة التي عليها الحلف بالقرعة، وذلك ما رواه زرارة عن أبي جعفر وقد يقال: إنّ مفاد الحديث أجنبىّ عن المقام، فليس بابه باب إمكانيّة تحليف المدّعي أو المنكر أصلا، وإنّما بابه باب دين ثبت بالبيّنة مع اختلاف البيّنتين في مقدار الدين، وقد يكون الدائن والمدين كلاهما شاكّين في المبلغ. وعلى أىّ حال فالحديث ساقط سنداً بالإرسال في أثناء السند. ثمّ إنّ ما ورد في باب تعارض البيّنات من الإحالة على القرعة تارةً، وعلى التقسيم أُخرى، وعلى تحليف الطرفين ثالثة، إن كان لها إطلاق يشمل باب المدّعي والمنكر فالإطلاق يخصَّص بما عرفت وروده في خصوص باب المدّعي والمنكر، وتلك الروايات بعد التخصيص تخصّص بباب التداعي. | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 7، ص 184. | ||