الصفحة 494

ببعيد -، ردّ علم رواية داود بن الحصين إلى أهلها، وسقطت عن الحجّيّة، وبقي التفصيل بلا معارض.

لايقال: إن لم يمكن الأخذ بذيل الحديث الدالّ على كفاية شهادة امرأتين في ثبوت النكاح فلم لا نأخذ بصدر الحديث الدالّ على كفاية شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال المحمول على شهادة أربع نساء للعلم بأنّ المرأة نصف الرجل في الشهادة، ويقدّم ذلك على روايات اشتراط نفوذ شهادة النساء في النكاح بكونها مع شهادة رجل، وذلك لمخالفته للعامّة وموافقة تلك الروايات لفتاوى قسم منهم ؟

فإنّه يقال: لو كان الحديث نقلا الكلام الإمام باللفظ، لأمكن أن يقال: بأنّنا نأخذ بصدر الحديث بعد حمله على شهادة أربع نساء; لأنّ الذيل الذي هو قرينة على إرادة كفاية شهادة امرأتين ساقط، ونقطع بعدم صدوره من الإمام، فإمّا أنّ الحديث لم يكن مذيّلا بذيل. أو كان مذيّلا بذيل لايدلّ على كفاية شهادة امرأتين، فلا مانع من الأخذ بصدر الحديث مثلا، ولكن بما أنّ الأحاديث عادةً نقل بالمعنى فالراوي لا يروي نصّ الكلام، وإنّما يروي المفاد، ومفاد هذا الحديث إنّما هو كفاية شهادة امرأتين في النكاح، وهذا المفاد ساقط جزماً حسب الفرض، فلا يمكن الأخذ بصدر الحديث، فإنّه لم يستقرّ لصدر الحديث ظهور مستقل عن الذيل.

شهادة النساء في الهلال:

المورد الرابع - شهادة النساء في الهلال:

وقد دلّت روايات عديدة على عدم قبول شهادتهنّ فيه، مضى بعضها ويوجد غيرما مضى أيضاً من قبيل ما عن حماد بن عثمان - بسند تامّ - عن أبي

 
الصفحة 495

عبداللّه قال: «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يقبل في الهلال إلاّ رجلان عدلان»(1). هكذا جاء في التهذيب(2).

وفي الاستبصار: «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا في الطلاق إلاّ رجلان عدلان»(3).

وتدلّ على ذلك أيضاً روايات عديدة تامّة السند مذكورة في الباب الحادي عشر من أحكام شهر رمضان من الوسائل وهي الروايات (رقم 1 و 2 و 3 و 7 و 8 و 9) إلاّ أنّ فى سند الأخيرة علىّ بن السندي، ولم تثبت وثاقته.

وهناك حديث واحد قد يستفاد منه التفصيل بين هلال شهر رمضان فتقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، وهلال الفطر فلا تقبل فيه شهادة النساء، وهو ما ورد عن داود بن الحصين - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه : قال: «لاتجوز شهادة النساء في الفطر إلّا شهادة رجلين عدلين، ولابأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة»(4).

ويمكن المناقشة في دلالة الحديث بحمله بقرينة قوله فيه: «لابأس» على إرادة استحباب الاحتياط والاستظهار ونحو ذلك، كما حمله على ذلك الشيخ الطوسي في التهذيب(5) والاستبصار(6).


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 17، ص 262.

(2) ج 6، ح 724.

(3) ج 3، ح 96.

(4) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 36، ص 266. وج 7، باب 11 من أحكام شهر رمضان، ح 15، ص 211.

(5) ج 6، في ذيل الحديث 726.

(6) ج 3، في ذيل الحديث 98.

الصفحة 496

ولو لم يتمّ هذا النقاش، فلابدّ من تأويله أو ردّ علمه إلى أهله; للقطع الفقهىّ بعدم قبول شهادة امرأة واحدة في الهلال.

شهادة النساء في الطلاق:

المورد الخامس - شهادة النساء في الطلاق.

وقد مرّت عليك ضمن الأحاديث الماضية روايات عديدة تدلّ على عدم نفوذ شهادتهنّ في الطلاق.

نعم، ورد عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر وعن أبي بصير وسماعة والحلبي عن أبي عبداللّه في المكاتب يعتق نصفه هل تجوز شهادته في الطلاق ؟ قال: «إذا كان معه رجل وامرأة»(1). وعن الحلبي قال: «سمعت أبا عبد اللّه يقول في المكاتب ... - إلى أن قال -: قلت: أرأيت إن أُعتق نصفه تجوز شهادته في الطلاق ؟ قال: إن كان معه رجل وامرأة جازت شهادته»(2). والأسانيد كلّها تامّة.

ولئن أمكن فرض النسبة بين هذه الأحاديث و بعض الأحاديث السابقة عموماً مطلقاً بأن يقال: إنّ هذه تدلّ على نفوذ شهادة المرأة في الطلاق إذا كان معها رجل، فيقيّد بها ما دلّ على عدم نفوذ شهادتها في الطلاق مطلقاً، لكن يوجد في الأحاديث السابقة مالايمكن تقييده بهذه الروايات من قبيل ما مضى عن الحلبي عن أبي عبداللّه أنّه سئل عن شهادة النساء في النكاح ؟


(1) الوسائل، ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 11، ص 256.

(2) الوسائل، ج 18، باب23 من الشهادات، ح 6، ص 255.

الصفحة 497

فقال: «تجوز إذا كان معهنّ رجل، وكان علىّ يقول: لااُجيزها في الطلاق ...». فهذا بقرينة المقابلة لجواز شهادتهنّ مع الرجل في النكاح صريح في عدم نفوذ شهادتهنّ في الطلاق حتى مع الرجل. فهاتان طائفتان متعارضتان، ولايمكن ترجيح إحداهما على الأُخرى بمخالفة العامّة، وذلك لأنّ كلاّ منهما مطابق لبعض العامّة ومخالف لبعضهم الآخر على ما قال الشيخ في الخلاف من أنّ مالكاً والشافعي والأوزاعي والنخعي قالوا بعدم نفوذ شهادة النساء في الطلاق، والثوري وأبا حنيفة وأصحابه قالوا بثـبوت الطـلاق بشـاهد وامرأتين(1).

وبالإمكان ترجيح ما دلَّ على عدم نفوذ شهادة النساء في الطلاق حتى مع الرجل على روايات محمد بن مسلم وأبي بصير وسماعة والحلبي بموافقة تلك للكتاب ومخالفة هذه للكتاب بناءً على أنْ نستظهر من آية الطلاق - الّتي هي خطاب للرجال: ﴿وأَشهِدوا ذَويْ عدل منكم وأقيموا الشهادةَ لله(2) - شرط الذكورة في نفوذ الشهادة في الطلاق، وليس فقط في صحّة الطلاق لدى شاهدين عدلين; باستظهار أنّ هذا الشرط في الطلاق كان كمقدّمة لأجل أداء الشهادة عند النزاع.

ولو لم يقبل هذا الكلام، وانتهى الأمر إلى التعارض والتساقط، رجعنا إلى مقتضى الأصل الأوّلي الذي نقّحناه وهو عدم نفوذ شهادة النساء.


(1) راجع الخلاف، ج 3 كتاب الشهادات، المسألة 4، ص 326.

(2) الطلاق، الآية 2.

الصفحة 498


شهادة النساء في الوصيّة:

المورد السادس - شهادة النساء في الوصيّة: والروايات فيها على ثلاث طوائف:

الأُولى - ما دلّ على عدم نفوذ شهادة النساء في الوصيّة من قبيل ما مضى عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: « سألته عن المرأة يحضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة ، أتجوز شهادتها ، أم لا تجوز ؟ فقال: تجوز شهادة النساء في المنفوس والعذرة » وسند الحديث ضعيف بمعلى بن محمد كما مضى .

وما مضى عن عبد الرحمان - أيضاً - قال: « سألت أبا عبداللّه عن المرأة يحضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة ، تجوز شهادتها ؟ قال: تجوز شهادة النساء في العذرة والمنفوس . وقال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجل » . وقد مضى أنّ سند الحديث تامّ .

وما مضى عن عبد اللّه بن سنان أو سليمان في امرأة حضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة أتجوز شهادتها ؟ فقال: «لا تجوز شهادتها إلاّ في المنفوس والعذرة» . وقد مضى سقوطه سنداً بتردد الراوي بين عبد اللّه بن سنان وعبد اللّه ابن سليمان.

وما عن محمد بن إسماعيل بن بزيع - بسند تامّ - قال: « سألت الرضا عن امرأة ادّعى بعض أهلها أنّها أوصت عند موتها من ثلثها بعتق رقيق لها ، أيعتق ذلك وليس على ذلك شاهد إلاّ النساء ؟ قال: لا تجوز شهادة النساء في هذا »(1) .

الثانية - ما دلّ على نفوذ شهادة النساء في الوصيّة من قبيل ما عن محمد بن


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 40، ص 266 و 267.

الصفحة 499

قيس - بسند تامّ - عن أبي جعفر قال: «قضى أمير المؤمنين في وصيّة لم يشهدها إلّا امرأة، فقضى أن تجاز شهادة المرأة في ربع الوصية»(1). وفي نقل آخر مشابه أضاف: (إذا كانت مسلمة غير مريبة في دينها)(2).

وما عن ربعي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصي، فقال: «يجوز في ربع ما أوصى بحساب شهادتها»(3). وجاء في نقل آخر: (حضرت رجلا يوصي ليس معها رجل)(4).

وما عن أبان - بسند ضعيف - بعبداللّه بن محمد بن عيسى الملقّب ببنان عن أبي عبداللّه أنّه قال في وصية لم يشهدها إلّا امرأة فأجاز شهادتها في الربع من الوصية بحساب شهادتها(5).

وما عن الحلبي - بسند تامّ - قال: «سُئل أبو عبداللّه عن امرأة ادّعت أنّه أوصي لها في بلد بالثلث وليس لها بيّنة قال: تصدّق في ربع ما ادّعت»(6) بناءً على تفسير الّلام بمعنى (إلى).

وما عن يحيى بن خالد الصيرفي (أو الحسين بن خالد الصيرفي) عن أبي الحسن الماضي قال: «كتبت إليه رجل مات وله اُمّ ولد وقد جعل لها سيّدها شيئاً في حياته ثمّ مات؟ فكتب : لها ما أثابها به سيّدها في حياته معروف لها


(1) نفس الصدر، ح 15، ص 261. و ج 83 باب 22 من الوصايا، ح 4، ص 396.

(2) الوسائل، ج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 3، ص 296.

(3) نفس المصدر، ح 16، ص 261 و 262.

(4) الوسائل، ج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 1، ص 395.

(5) الوسائل، ج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 2، ص 396.

(6) الوسائل، ج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 5، ص 396.

الصفحة 500

ذلك، تقبل على ذلك شهادة الرجل والمرأة والخدم غير المتهمين»(1). والحديث رواه في الوسائل عن الفقيه باسم يحيى بن خالد الصيرفي، ولكنّه ورد في الكافي(2)والتهذيب(3)باسم الحسين بن خالد الصيرفي، وهو الوارد اسمه في كتب الرجال. وعلى أىّ حال فقد روى عنه الحديث ابن أبي عُمير الّذي لا يروي إلّا عن ثقة، فسند الحديث تامّ، ولا يبعد نظر الحديث إلى الوصيّة لا الهبة بقرينة أنّه عبّر بتعبير: (جعل لها سيّدها) لابتعبير: (وهب لها سيدها).

وقال: صاحب الوسائل بعد هذا الحديث مباشرةً نقلا عن الفقيه: «وفي رواية أُخرى: إن كانت امرأتين تجوز شهادتهما في نصف الميراث، وإن كنّ ثلاث نسوة جازت شهادتهنّ في ثلاثة أرباع الميراث، وإن كنّ أربعاًجازت شهادتهنّ في الميراث كلّه»(4).

وهذا يوهم ورود حديث في نفوذ شهادة النساء في افتراض وارث بشكل عامّ كما ورد في الوصيّة، وفيما ليس للرجال النظر إليه وغير ذلك، بينما الموجود في الفقيه هو ذكر هذه الرواية في ذيل حديث آخر، وذلك بالشكل التالي:

روى الحسن بن محبوب عن عمر بن زيد قال: «سألت أبا عبداللّه عن رجل مات وترك امرأة وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاماً، ثمّ مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض، فشهدت المرأة الّتي قبّلتها به أنّه استهل وصاح حين وقع إلى الأرض، ثمّ مات بعد ؟ فقال: على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام»،


(1) نفس المصدر، ح 47، ص 268.

(2) ج 7، باب الوصيّة لأُمهات الأولاد، ح 2، ص 29.

(3) ج 9، ح 878.

(4) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 48، ص 268.

الصفحة 501

وفي رواية أُخرى: «إن كانت امرأتين ، يجوز شهادتهما في نصف الميراث، وإن كنّ ثلاث نسوة جازت شهادتهنّ في ثلاثة أرباع الميراث، وإن كنّ أربعاً، جازت شهادتهنّ في الميراث كلّه»(1).

وبهذا يتّضح أنّ الحديث لم يكن وارداً في الميراث بشكل مطلق، وإنّما هو وارد في استهلال الغلام، أي في مورد لايمكن للرجال النظر. وعلى أىّ حال فالحديث ساقط بالإرسال.

ولنرجع الآن إلى ما كنّا فيه من روايات الوصيّة:

الثالثه - ما دلّ على التفصيل بين ما إذا كان معهنّ رجل فتنفذ ومااذا لم يكن معهنّ رجل فلا تنفذ، وهو ما عن إبراهيم بن محمد الهمداني، قال: «كتب أحمد بن هلال إلى أبي الحسن :امرأة شهدت على وصيّة رجل لم يشهدّها غيرها، وفي الورثة من يصدّقها، و فيهم من يتّهمها؟ فكتب لا، إلاّ أن يكون رجل وامرأتان، وليس بواجب أن تنفذ شهادتها»(2). وإبراهيم بن محمد الهمداني لم تثبت وثاقته، وإن كان وكيلا للناحية.

ويمكن الجمع بين هذه الروايات بوجوه - إلاّ أنّ شيئاً منها لايستوعب كلّ الروايات -:

منها - جعل الرواية الأخيرة - بعد فرض تصحيحها سنداً لكون إبراهيم بن محمد الهمداني وكيلا للناحية مثلا - شاهد جمع بين الطائفتين الاُوليين بتقييد ما دلّ على عدم نفوذ الشهادة بما إذا لم يكن معهنّ رجل و ما دل على النفوذ بما إذا كان


(1) الفقيه، ج 3، ح 101 و 102.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 34، ص 265. وج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 8، ص 397.

الصفحة 502

معهنّ رجل.

وهذا الجمع - لو تمّ سند رواية إبراهيم بن محمد الهمداني - لايستوعب كلّ الروايات; لأنّ في الروايات الدالّة على النفوذ ما هو وارد في المرأة وحدها، وهي الرواية الأُولى والثانية منها.

ومنها - أنّه بعد إسقاط رواية إبراهيم بن محمد الهمداني بضعف السند تبقى الطائفتان الاُوليان، ونقيّد الأُولى بالثانية; لأنّ الأُولى مطلقة، والثانية خاصّة بالوصيّة في المال، فإنّها بين ما ذكر في السؤال فيها فرضُ المال كما في الرواية الأخيرة، وبين ما يحمل على المال بقرينة ما ذكره الإمام من التنفيذ في الرابع كما في باقي الروايات، فتختصّ الطائفة الأُولى الدالّة على عدم النفوذ بالوصيّة في غيرالمال.

وهذا الجمع أيضاً لايستوعب كلّ الروايات; لأنّ في الروايات الدالّة على عدم النفوذ ما هو وارد في الوصيّة في المال كرواية ابن بزيع، بل لعلّ هذا الجمع غير عرفىّ بلحاظ جميع روايات عدم النفوذ; لأنّ تخصيصها بوصيّة راجعة إلى غير المال كالوصيّة بالدفن في مكان معيّن مثلا - لو قيل بنفوذها - تخصيص بفرد نادر، والوصيّة بالولاية لاتتصور في المرأة; إذ لاولاية لها.

ومنها - أن نحمل الطائفة الأُولى الدالة على عدم النفوذ على معنى عدم نفوذ شهادة المرأة بقدر نفوذ شهادة الرجل بقرينة روايات النفوذ الّتي دلّت على نفوذ شهادة المرأة بمقدار نصف شهادة الرجل.

وهذا الجمع أيضاً لايستوعب رواية ابن بزيع الّتي فرضت أنّ الميّت امرأة ماتت ضمن نساء. وحملها على خصوص فرض كون النساء أقلّ من أربعة وإرادة عدم النفوذ في كلّ الوصيّة; لأنّ المرأة نصف الرجل غير عرفي، بل إنّ هذا الحمل لايتمّ حتى في الروايات السابقة على رواية بن بزيع الدالّة

 
الصفحة 503

على حصر قبول شهادة النساء في العذرة والمنفوس، بناءً على أنّ قبول شهادة النساء في العذرة والمنفوس لا يعني كون شهادة المرأة فيها كشهادة الرجل، إنّما يعني قبول شهادتها فيها بمعنى أن تكون شهادتها نصف شهادة الرجل; إذن فنفي قبول شهادتها في تلك الروايات في الوصيّة يعني نفي قبول شهادتها حتى بمقدار نصف شهادة الرجل.

وإذا استحكم التعارض بين الروايات، وصلت النوبة إلى حمل الطائفة الأُولى والثالثة على التقيّة; لأن العامّة بين من يفتي بعدم نفوذ شهادة النساء في الوصيّة مطلقاً و من يفصّل بين ما إذا كان معهنّ رجل وما إذا لم يكن. فالطائفة الثانية هي المخالفة للعامّة، وهي الدالّة على النفوذ. فنفتي بنفوذ شـهادة النسـاء في الوصـيّة في خصـوص المال; لأنّ روايات النفوذ واردة فـي المال.

شهادة النساء في الدين:

المورد السابع - شهادة النساء في الدَّين:

فقد دلَّت الآية الكريمة وبعض الروايات على نفوذ شهادة رجل وامرأتين في الدين، قال اللّه - تعالى - في آية الدَّين: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشهداء أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأُخرى، ولايأب الشهداء إذا ما دعوا ... إلى قوله - تعالى -: ﴿ولاتكتُموا الشهادةَ، ومن يكتُمْها فإنَّه آثم قلبُه(1)


(1) البقرة، الآية 282 - 283.

الصفحة 504

وقد مضى حديث الحلبي التامّ سنداً: «تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين ؟ قال: نعم»، ومضى - أيضاً - حديث داود بن الحصين: «قلت: فأنّى ذَكَرَ اللّهُ - تعالى - قولَه: ﴿فرجل وامرأتان ؟ فقال: ذلك في الدين ...».

بل قد ورد أيضاً ما دلّ على نفوذ شهادة النساء في الدين بلا رجل، وهو ما عن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «إنّ رسول اللّه أجاز شهادة النساء في الدَّين وليس معهنّ رجل»(1). وقد فهم السيّد الخوئي من هذا الحديث الإطلاق لفرض شهادتهنّ بلا يمين المّدعي وشهادتهنّ مع يمينه، ولو تمّ هذا الفهم كان الحديث معارضاً للآية الكريمة التي قيّدت قبول شهادة النّساء بوجود رجل معهنّ، إلاّ أنّ السيّد الخوئي قيّد حديث الحلبي بحديث آخر للحلبي تامّ السند أيضاً عن أبي عبداللّه : «أنَّ رسول اللّه أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدَّين يحلف باللّه إنَّ حقّه لحقّ»(2).

والظاهر أنّهما رواية واحدة، فهما معاً واردان عن ابن أبي عُمير عن حمّاد عن الحلبي عن الصادق عن رسول اللّه . والمتن واحد باستثناء ذكر قيد اليمين في أحدهما دون الآخر، ولا يخفى أنّ عدم ذكر قيد اليمين لايشكلّ إطلاقاً للحديث، فإنّ الحديث قضيّة في واقعة، فقولُه: -«إنّ رسول اللّه أجاز شهادة النساء في الدين وليس معهنّ رجل» - نقلٌ لواقعة وقعت، ولايدلّ على أنّه لم يضمّ في تلك الواقعة يمين المدّعي إلى شهادة النساء حتى يقيّد أحد النقلين بالنقل الآخر. نعم، لابدّ - على أىّ حال - من تكميل أحد النقلين بالنقل الآخر لمعرفة تمام المقصود.


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 20، ص 262. و ح 43، ص 267.

(2) الوسائل، ج 18، باب 15 من كيفية الحكم، ح 3، ص 198.

الصفحة 505


شهادة النساء في الرضاع:

المورد الثامن - الرضاع: وإنّما يعتبر هذا مورداً مستقلا بناءً على عدم إدراج ذلك في مالايجوز للرجال النظر إليه بنكتة إمكانية النظر من قبل المحارم، وإلّا فهو مشمول لمطلقات نفوذ شهادة النساء فيما لايجوز للرجال النظر اليه.

وعلى أىّ حال فقد ورد ما يمكن أن يستدلّ به على نفوذ شهادة النساء في الرضاع، وهو ما عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه في امرأة أرضعت غلاماً وجارية ؟ «يعلم ذلك غيرها ؟ قال: لا. قال: فقال: لا تُصدَّق إن لم يكن غيرها»(1);إذ يمكن القول: إنّها تدلّ بمفهومها على أنّها تُصَّدق إن كان معها غيرها، إلّا أنّ الرواية ساقطة سنداً.

فالصحيح: أنّنا إن لم ندخل الرضاع تحت عنوان مالايجوز للرجال النظر إليه، فلا دليل على نفوذ شهادة النساء فيه.

كماأنّنا لو أدخلنا الرضاع تحت ذاك العنوان، فلا دليل على استثنائه من إطلاقات نفوذ شهادة النساء فيما لا يجوز للرجال النظر إليه.

نعم، ورد في شهادة المرأة الواحدة على الرضاع ما دلّ على عدم نفوذها، وهذا - كما ترى - لايدلّ على عدم نفوذ شهادة النساء في الرضاع، وذلك من قبيل نفس الرواية الماضية - اى مرسلة ابن بكير - ومن قبيل رواية صالح بن عبداللّه الخثعمي: كتبت إلى أبي الحسن موسى أسأله


(1) الوسائل، ج 14، باب 12 مما يحرم بالرضاع، ح 3، ص 304.

الصفحة 506

عن اُمَّ ولد لي ذكرت أنّها أرضعت لي جارية ؟ قال: «لاتقبَلْ قولَها ولاتُصدِّقْها»(1). وسند الحديث غير تامّ، صالح بن عبداللّه الخثعمي لم تثبت وثاقته. نعم، وردت رواية ابن أبي عُمير عن صالح بن عبداللّه، ولكن لم نعلم كونه هو، ونفس الحديث ورد بسند غير تامّ - أيضاً - بعنوان «سألت أبا الحسن» بما يقاربه في المضمون(2). وعدم تماميّة السند يكون بصالح بن عبداللّه الخثعمي - أيضاً - وبغيره.

وعن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن امرأة تزعم أنّها أرضعت المرأة والغلام، ثمّ تنكر بعد ذلك ؟ فقال: تصدّق إذا أنكرت ذلك. قلت فإنّها قالت، وادّعت بعدُ: بأنّي قد أرضعتها ؟ قال: لا تصدَّق، ولاتنعم»(3).

وعدم قبول شهادتها في مورد هذا الحديث طبيعي - حتى بناءً على دخول الرضاع في عنوان ما لا يجوز للرجال النظر إليه -:

أوّلا - لأنّها تناقضت في كلام، فقد يسقطها ذلك عن العدالة.

وثانياً - لأنّها امرأة واحدة.

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه أنّ روايات باب الرضاع لا تفيدنا شيئاً لانفياً ولا إثباتاً، فالميزان إنّما هو دخوله تحت عنوان ما لا يجوز للرجال النظر إليه أو عدم دخوله تحت هذا العنوان.


(1) الوسائل، ج 14، باب 12 ممّا يحرم بالرضاع، ح 4، ص 304.

(2) نفس المصدر، ح 2.

(3) نفس المصدر، ح 1، ص 303.

الصفحة 507

التعدّي في الحكم إلى الرجل في بعض الفروع:

وفي ختام البحث عن الموارد الخاصّة الّتي عرفت ورود روايات خاصّة بشأن شهادة النساء فيها لا بأس بالإشارة إلى أنّه قد ورد في ثلاثة موارد من هذه الموارد الخاصّة ما دلّ على التبعيض في المشهود به بنسبة قيمة شهادة المرأة، فبشهادة امرأة واحدة يثبت الربع مثلا، وتلك الموارد هي: مورد القتل، ومورد الإرث في استهلال، الطفل، ومورد الوصيّة في المال.

ويقع الكلام في أنّه هل يمكن التعدّي من المرأة إلى الرجل بأن يثبت النصف بشهادة رجل واحد أو الربع على الأقل ; بدعوى: أنّ عدم احتمال كون شهادة الرجل أضعف من شهادة المرأة يجعل العرف يتعدّى من المرأة إلى الرجل، أو لا يمكن التعدّي ؟ .

بالإمكان أن يقال في مورد الاستهلال: إنّ أكثر روايات الباب إنّما دلّت على نفوذ شهادة القابلة، ولم تدلّ على نفوذ شهادة المرأة بشكل مطلق ; كي يقال بتعدّي العرف إلى شهادة الرجل، ومن المحتمل فرض خصوصيّة للقابلة التي شغلها وعملها الإشراف على وضع الولادة والولد.

ومثل قوله - في ما مضى عن محمد بن مسلم -: «سألته تجوز شهادة النساء وحدهنّ ؟ قال: نعم، في العذرة والنفساء» وإن كان يشمل غير القابلة، لكنّه لم يدلّ على نفوذ شهادة امرأة واحدة في الربع، وإنّما دلّ على أصل نفوذ شهادة النساء وحدهنّ. أمّا الروايات الدالّة على نفوذ شهادة امرأة واحدة، فهي تختصّ غالباً بالقابلة، وهي كما يلي:

1 - ما مضى من حديث عمر بن يزيد التامّ سنداً قال: «سألت أبا عبداللّه

 
الصفحة 508

عن رجل مات، وترك امرأته وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاماً، ثمّ مات الغلام بعد ما وقع إلى الارض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنّه استهل وصاح حين وقع إلى الارض، ثمّ مات، قال: على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام». وفي رواية أُخرى: «إن كانت امرأتين يجوز شهادتهما في نصف الميراث، وإن كنّ ثلاث نسوة جازت شهادتهن في ثلاثة أرباع الميراث، وإن كنّ أربعاً جازت شهادتهنّ في الميراث كلّه. وذيل الحديث ساقط سنداً، ولو تمّ كان المحتمل فيه فرض تعدد القابلة.

2 - ما مضى من حديث عبداللّه بن سنان التامّ سنداً: (... وتجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس)، وإن قيل: إنّ المفهوم من إطلاق هذا الحديث هو نفوذ شهادة القابلة في كلّ الميراث، قيّد بما دلّ على أنّ نفوذها يكون بقدر الربع.

3 - ما عن سماعة - بسند تامّ - قال: «قال: القابلة تجوز شهادتها في الولد على قدر شهادة امرأة واحدة»(1).

4 - ما عن جابر عن أبي جعفر قال: «شهادة القابلة جائزة على أنّه استهلّ، أو برزميّتاً إذا سئل عنها، فعدّلت»(2).

5 - ما عن عبداللّه بن سنان - بسند تامّ - قال: «سمعت أبا عبداللّه يقول: تجوز شهادة القابلة في المولود إذا استهلّ وصاح في الميراث، ويُورَّث الربعَ من الميراث بقدر شهادة امرأة واحدة. قلت: فإن كانت امرأتين ؟ قال: تجوز شهادتهما في النصف من الميراث»(3). ويحتمل كون المقصود من قوله: «فإن كانت


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 23، ص 263.

(2) نفس المصدر، ح 38، ص 266.

(3) نفس المصدر، ح 45، ص 268.

الصفحة 509

امرأتين» فرض قابلتين.

6 - ما عن عبداللّه بن عليّ الحلبي - بسند تامّ - أنّه سأل أبا عبداللّه عن شهادة القابلة في الولادة ؟ قال: «تجوز شهادة الواحدة وشهادة النساء في المنفوس والعذرة»(1). والظاهر أنّ هذا الحديث في واقعه جزء من حديث الحلبي الذي مضى ذكره في أحاديث شهادة النساء في النكاح. وعلى أيّ حال فقد يقال: إنّ قوله: «تجوز شهادة الواحدة» - يدلّ بالإطلاق على نفوذ شهادة الواحدة في الولادة وإن لم تكن هي القابلة، وكون السؤال عن القابلة لايضرّ بالإطلاق ; لأنّ المورد لا يخصِّص الوارد.

ولكنّ الصحيح أنّ المورد لا يمنع عن إطلاق الوارد أو عمومه بعد تماميّة مقتضي الإطلاق أو العموم، لكن حينما لا يوجد عموم، ولا توجد نكتة عرفيّة تدلّ على أوسعيّة الوارد من المورد يكون المورد صالحاً للقرينية على عدم الاطلاق، والعدول عن كلمة القابلة إلى كلمة الواحدة ليس قرينة على أوسعيّة الوارد من المورد ; لاحتمال كونه بنكتة إرادة التنصيص على نفوذ شاهد واحد. نعم، لو قلنا: إنّ أصل افتراض اختصاص الحكم بالقابلة غير عرفي، فهمنا الإطلاق من كلّ روايات الباب.

7 - ما مضى من مرسلة (تحف العقول): «وأمّا شهادة المرأة وحدها الّتي جازت فهي القابلة، جازت شهادتها مع الرضا، فإن لم يكن رضا، فلا أقلّ من امرأتين ...» وهذه ضعيفة سنداً ودلالةً ; إذ ربط نفوذ شهادة الواحدة بالرضا يكون أدلّ على عدم النفوذ منه على النفوذ.

8 - ما مضى عن أبي بصير عن أبي جعفر قال: «قال: تجوز شهادة


(1) نفس المصدر، ح 46.

الصفحة 510

امرأتين في استهلال». والسند ضعيف بيزيد بن إسحاق.

وهاتان الروايتان الأخيرتان واضحتان في عدم الاختصاص بالقابلة في فرض كون الشاهد عبارة عن امرأتين. وقد يقول قائل: إنّه لو ورد الحديث في امرأة واحدة، تعدّينا بالأولويّة إلى رجل واحد بقدر الربع، ولكن لوورد الحديث في امرأتين لا نتعدّى إلى رجل واحد لعدم العلم بالأولويّة أو المساواة، وعلى أيّ حال فقد عرفت أنّهما ضعيفتان سنداً.

9 - ما مضى عن محمد بن سنان عن الرضا «... فلذلك لا تجوز شهادتهنّ إلاّ في موضع ضرورة مثل شهادة القابلة وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه ...».

وقوله: «إلاّ في موضع ضرورة»، وكذلك قوله: «... وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه» وإن كانا لا يختصّان بالقابلة فيدلّ الحديث على نفوذ شهادة النساء غير القوابل في الجملة، لكنّ كلامنا فعلا في خصوصيّة نفوذ شهادة امرأة واحدة، وعدم الحاجة إلى التعدّد في إثبات الربع، ولم يدلّ شيء في هذا الحديث على ذلك إلاّ قوله: «مثل شهادة القابلة»، وهذا خاصّ بالقابلة.

لا يقال: إنّ ظهور الكلام في كون علّة نفوذ شهادة القابلة هي الضرورة - لعدم وجدان الرجال - يعمِّم الحكم لغير القابلة.

فإنّه يقال: إنَّ الضرورة إنّما هي علّة للانتقال إلى القابلة كامرأة، أي علّة للانتقال من الرجال إلى النساء. وأمّا عدم الحاجة إلى التعدّد في إثبات الربع، فهذا لا يعلّل بالضرورة التي تعني عدم وجدان الرجال.

هذا تمام الكلام في النكتة التي أردنا إبرازها لعدم التعدّي إلى الرجال في روايات الاستهلال، وهو اختصاص روايات ثبوت الربع بالقابلة، فصحيح أنّ الاستهلال يثبت بشهادة النساء مطلقاً، ولكنّه مشروط بالتعدُّد وكونهن أربع نساء.

 
الصفحة 511

أمّا ثبوت الربع أو النصف فلا يكون إلاّ بالقابلة، ومع احتمال خصوصيّة في القابلة لايتعدّى إلى الرجال.

وهذه النكتة إن لم تُقبل بدعوى: أنّ العرف لا يفهم اختصاص الحكم بالقابلة - وإن كانت هي المذكورة في الأحاديث - وإنّما يفهم منها نفوذ شهادة امرأة واحدة في الربع، لم يبعد القول - بحسب الفهم العرفي المشوب بالجوّ المتشرّعي - بالتعدّي من المرأة إلى الرجل بإثبات نصف الإرث بشهادة الرجل الواحد، ولو احتملت تماميّة هذه النكتة، كفى في عدم التعدّي.

وأمّا روايات نفوذ شهادة المرأة الواحدة في دية القتل، فقد مضت روايتان:

أُولا هما - تامّة السند، وهي ما عن محمد بن قيس عن أبي جعفر قال: «قضى أميرالمؤمنين في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة».

والثانية - غير تامّة سنداً، وهىّ ما عن عبداللّه بن الحكم: «سألتُ أبا عبداللّه عن امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبيّاً في بئر فمات ؟ قال: على الرجل ربع دية الصبيّ بشهادة المرأة».

ويمكن هنا - أيضاً - إبداء نكتة لعدم تعدّي العرف من المرأة إلى الرجل، وهي أنّ الرجل ثبت بحقّه نفوذ شهادته مع يمين وليّ الدم المدّعي في تمام الديّة، فلا يلزم من عدم نفوذ شهادته في الربع أو النصف - مثلا - كونه أقلّ شأناً من المرأة أو المرأتين، أي أنّ مجرد كون شهادة الرجل الواحد في معرض النفوذ الكامل بالضم إلى يمين المدّعي لعلّه كاف في أن لايرى العرف التعدّي من نفوذ شهادة امرأة واحدة في الربع إلى نفوذ شهادة الرجل الواحد في الربع أو النصف.

ويمكن أن تثار بوجه هذا الكلام عدّة مناقشات:

الأولى - أنّ نفوذ شاهد واحد مع اليمين لايشمل المقام لاختصاصه بباب

 
الصفحة 512

الدَّين، لما عن أبي بصير - بسند تامّ - قال: «سألت أبا عبداللّه عن الرجل يكون له عند الرجل الحقّ، وله شاهد واحد ؟ قال: فقال: كان رسول اللّه يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحقّ، وذلك في الدين»(1).

وقد اعترف السيّد الخوئي بظهور الحديث في اختصاص الحكم بباب الدين، إلاّ أنّه ذكر: اننا نرفع اليد عن هذا الظهور، ونحمله على مجرّد حكاية أنّ فعل رسول اللّه كان في الدَّين. أمّا الحكم، فهو يشمل مطلق الحقوق، وذلك بدليل ما عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - عن أبي جعفر قال: «لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس. فأمّا ما كان من حقوق اللّه - عزّ وجلّ - أو رؤية الهلال، فلا»(2). وقد اعتبر السيّد الخوئي هذا الحديث صريحاً في الإطلاق، وسيأتي منّا - في محلّه - أنّ هذا ليس عدا إطلاق قابل للتقييد.

والصحيح ما نسب إلى المشهور من أنّ هذا الحكم ليس ثابتاً في مطلق الحقوق، ولا هو خاصّ بباب الدين ; كي لا يشمل ما نحن فيه، بل هو ثابت في مطلق الحقوق الماليّة.

وقد أورد السيّد الخوئي على هذا الرأي بأنّ الروايات بين مخصِّص للحكم بباب الدَّين ومعمِّم للحكم لمطلق الحقوق، ففرض تخصيصه بالحقوق الماليّة لا وجه له.

وهذا الكلام في غير محله ; لما مضى من الحديث الوارد في قصّة درع طلحة(3)


(1) الوسائل، ج 18، باب 14 من كيفيّة الحكم، ح 5، ص 193.

(2) الوسائل، ج 18، باب 14 من كيفيّة الحكم، ح 12، ص 195 و 196.

(3) الوسائل، ج 18، باب 14 من كيفيّة الحكم، ح 6، ص 194.

الصفحة 513

المشتملة على اعتراض أميرالمؤمنين على شريح بنفوذ شاهد واحد مع اليمين، مع أنّ المورد ليس مورد الدين وإنّما هو مورد مالي، فلو أنّ أحداً ناقش في الرواية الدالّة على نفوذ شاهد ويمين في مطلق الحقوق - إما من حيث السند، أو بدعوى كون إطلاقه مقيَّداً بمقيِّد - لم يتحتَّم عليه تخصيص الحكم بباب الدين، بل بإمكانه تعميم الحكم لمطلق الحقوق المالية بقرينة رواية درع طلحة.

بل قد يدّعى: أنّ العرف يتعدّى من تمام روايات نفوذ الشاهد الواحد مع اليمين في الدين(1) إلى مطلق الحقّ المالىّ، لعدم احتماله لخصوصيّة في الدين من بين الحقوق الماليّة.

الثانية - ما يختصّ بالقتل العمدىّ، وهو أنّ نفوذ شاهد واحد مع اليمين خاصّ بالحقوق الماليّة. وهذا لايشمل فرض القتل إذا كان عمديّاً، لأنّ الثابت فيه إنّما هو القصاص لاالدية، ومادلّ على نفوذ شهادة امرأة واحدة في ربع الدية حكم تعبّدىّ، فإن تعدّينا منه إلى الرجل ثبت ربع الدية أو نصفها بشهادة رجل واحد، وإلاّ لم تنفذ شهادته مع يمين المدّعي لعدم كون الحق ماليّاً، بل حتى لو قلنا بكون نفوذ شاهد واحد مع اليمين يشمل غير الحقوق الماليّة لا إشكال في أنّه لايشمل القصاص في القتل العمدي; لأنّ ثبوت ذلك له نظامه الخاصّ يأتي بيانه في المستقبل - إن شاء اللّه -.

ويمكن الجواب على ذلك بأن يقال: إنّنا نستفيد ممّا دلّ على نفوذ شهادة النساء في القتل لإثبات الدِّيَة دون القَوَد - ولو كان القتل عمديّاً - أنّ الدِّيَة ثابتة في القصاص العمدي كحقّ مالي - ولو في طول عدم إمكانيّة القصاص - وذلك بقرينة أنّ المفهوم عرفاً من دليل نفوذ شهادة النساء هو نفوذ الشهادة كطريق إلى الآثار


(1) الوسائل، ج 18، باب 14 من كيفية الحكم، ح 1 و 3 و 10 و 11.

الصفحة 514

الثابتة للمشهود به قبل الشهادة، لاكموضوع لحكم جديد. وهذا يعني أنّ الدية ثابتة بذاتها في القتل العمدي - ولو عند عجز تكوينىّ أو شرعىّ عن القصاص - فلو مات القاتل قبل القصاص مثلا، كان من حق ولىّ الدم أخذ الدية من التركة، ولو شهدت النساء بالقتل - وشهادة النساء لا تثبت القَوَد شرعاً - طالب ولىّ الدم بالدِّيَة.

إذن فشهادة رجل واحد مع اليمين - بعد أن لا دليل على ثبوت القصاص بذلك - تكفي لثبوت الدية; لأنّها حقّ مالي يشمله إطلاق دليل ثبوت المال بذلك.

الثالثة - أنّنا لو لم نتعدَّ من شهادة المرأة إلى الرجل بدعوى أنّ شهادة الرجل تنفذ مع يمين المدّعي في تمام الدِّيَة، لزم أن لانفتي في شهادة امرأتين أيضاً بنفوذها في النصف، لأَنّها تنفذ بضمِّها إلى يمين المدّعي في تمام الدِّيَة.

والجواب: أنّنا لو قلنا بنفوذ شهادة امرأتين مع يمين المدّعي في المقام، أمكن الالتزام بالنتيجة، وهي عدم ثبوت النصف بشهادة امرأتين، وأىُّ ضَيْر في ذلك؟! ولو لم نقل بنفوذ ذلك; لأنّ ما دلّ على النفوذ بين ما هو غير نقىّ السند(1)وما هو خاصّ بالدَّين(2); إذن نثبت نصف الدِّيَة بشهادة امرأتين، ولعلّ الأوّل أقوى لما أشرنا إليه من تعدّي العرف من الدَّين إلى مطلق الحقّ المالىّ، فكما يثبت الدين بشهادة امرأتين واليمين كذلك تثبت الدية بذلك.

الرابعة - أن يقال: إنّنا نقبل بعدم التعدّي من المرأة إلى الرجل فيما إذا أمكن لولىّ الدم أن يحلف بناءً على دعواه العلم، ولكنّه امتنع عن الحلف، أمّا إذا لم يتمكّن من الحلف لشكّه في الموضوع، فهنا فرض نفوذ شهادة المرأة في الربع وعدم نفوذ


(1) الوسائل، ج 18، باب 15 من كيفية الحكم، ح 1 و 4، ص 198.

(2) نفس المصدر، ح 3.

الصفحة 515

شهادة الرجل يعني كون شهادة الرجل أقلّ اعتباراً من شهادة المرأة وهو غير محتمل عرفاً، ففي هذا الفرض نثبت بشهادة الرجل الربع بل النصف وفق فهم العرف المتشرّعي من النصّ الوارد في نفوذ شهادة المرأة الواحدة.

وأمّا روايات نفوذ شهادة المرأة الواحدة في الوصيّة في المال - وقد مضى ذكرها - فقد يقال أيضاً - في مقام إبراز نكتة لعدم تعدّي العرف من المرأة إلى الرجل -: إنّ شهادة الرجل تكون في معرض أن تنضّم إلى يمين الموصى له فتنفذ في الكلّ، فلا يلزم من عدم التعدّي كون شهادة الرجل أقلّ شأناً من شهادة المرأة.

و الإشكالات التي أثرناها في روايات الدِّيَة مع ما أمكن من الجواب عن بعضها تأتي هناما عدا الإشكال الثاني، وهو عدم كون القصاص حقّاً ماليّاً; إذا لا إشكال في مورد الوصيّة بالمال في أنّ الحقّ مالىّ.

حضور الشاهد عند القاضي

الشرط الحادي عشر - حضور الشاهد عند القاضي: وهذا الشرط بعنوانه وإن لم يكن مذكوراً عند الأصحاب، وإنّما المبحوث لديهم هو كفاية شهادة الفرع وعدمها، لكن يمكن أن يستدل على هذا الشرط بأنّ المتيقّن من مثل قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» وقوله : «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» هي البيّنة الحاضرة لدى القاضي، وقد مضى فيما سبق عدم الإطلاق الحَكَمي لهذه الروايات لنفي الشروط المحتملة. نعم، لها إطلاق مقامي لنفي كلّ شرط كان منفيّاً في ارتكاز العقلاء، وشرط الحضور ليس منفيّاً ارتكازاً; إذ لاإشكال في أقوائية البيّنة الحاضرة من البيّنة غير الحاضرة، فاحتمال الفرق بحجّيّة الأُولى في باب القضاء دون الثانية أمر معقول، ومعه تُنفى حجّيّة البيّنة غير الحاضرة لدى الحاكم بالأصل.

 
الصفحة 516

ولكنّ الصحيح: أنّ احتمال الفرق بين البيّنة الحاضرة والبيّنة غير الحاضرة لدى الحاكم خلاف المرتكز العقلائي الذي يرى أنّ حجّيّة البيّنة لأجل طريقيّتها وكاشفيّتها، و الحضور ليس دخيلا في الطريقيّة والكشف، وإنّما الفرق بين فرض الحضور وعدمه أنّ هذا الطريق - وهو البيّنة في فرض الحضور - قد ثبت بالحسّ، بينما في فرض عدم الحضور نحتاج إلى طريق آخر لإيصال هذا الطريق، ومن هنا يأتي الضعف، وهذا الضعف ليس في أصل البيّنة وإنّما هو في عدم وصولها بالحس; أي أنّ الضعف في الطريق الموصل للبيّنة. فالذي يأتي في المقام إنّما هو احتمال عدم حجّيّة هذا الطريق الموصل للبيّنة الموصل للبيّنة - وهو شهادة الفرع مثلا - لا اشتراط حجّيّة البيّنة الأصليّة بالحضور إلّا بمعنى اشتراط حجّيّة كلّ طريق بوصوله. إذن فشرط الحضور في ذاته بالنسبة للبيّنة منفي بالإطلاق المقامي لعدم مساعدة الارتكاز العقلائي عليه. والأثر العملي بين القول بشرط الحضور والقول بعدم حجّيّة بيّنة الفرع يظهر فيما لو ثبت بيّنة الأصل بمثل التواتر من دون حضور لها لدى الحاكم، فبناءً على شرط الحضور لاحجّيّة لهذه البيّنة، وبناءً على عدم نفوذ بيّنة الفرع مثلا لاإشكال في حجّيّة هذه البيّنة; لأنّها بيّنة الأصل.

فالذي ينبغي بحثه ليس هو اشتراط حجّيّة البيّنة بالحضور، وإنّما هو طريق ثبوت البيّنة، وأنّ البيّنة هل تثبت بالعلم الحسّي أو ما يقرب من الحسّ فحسب، أو تثبت أيضاً بخبر الواحد أو العلم الحدسىّ أو بيّنة الفرع؟ فهنا ثلاث مسائل:

إثبات البينة بخبر الواحد:

المسألة الأولى - في أنّه هل تثبت البيّنة بخبر الواحد أوْلا؟

الصحيح عدم ثبوت البيّنة بخبر الواحد حتى بناء على حجّيّته في الموضوعات

 
الصفحة 517

في غير باب القضاء، وذلك بأحد وجوه:

1 - أن يدّعى أنّ دليل عدم كفاية خبر الواحد في باب القضاء كقوله: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» يدلّ بإطلاقه على عدم كفاية خبر الواحد في كلّ ماله دخل في القضاء، ومنها ثبوت البيّنة. فإن لم يقبل ذلك وقيل إنّ المقصود بقوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» هو البيّنة واليمين على مصبّ النزاع، انتقلنا إلى البيان الثاني.

2 - أن يقال: إنّ دليل اشتراط البيّنة وعدم نفوذ خبر الواحد وحده في باب القضاء في إثبات مصبّ النزاع يدلّ بالأولويّة القطعيّة أو الأولويّة العرفيّة على عدم نفوذ خبر الواحد الدالّ على ثبوت البيّنة القائمة في مصبّ النزاع; لأنّ ثبوت مصبّ النزاع بخبر الواحد الدالّ على البيّنة القائمة عليه أضعف من ثبوته بخبر الواحد الدالّ مباشرة عليه. وعلى هذا الأساس نقول في كلّ ما يشترط ثبوته بالبيّنة- ولو في غير محل النزاع كالهلال - إنّ البيّنة القائمة عليه لايمكن إثباتها بخبر الواحد.

3 - التمسّك بالروايات الخاصّة الدالّة على عدم ثبوت الشهادة بخبر الواحد من قبيل ما عن غياث بن إبراهيم - بسند تامّ - عن جعفر بن محمد عن أبيه : «أنّ عليّاً كان لايجيز شهادة رجل على شهادة رجل إلاّ شهادة رجلين على شهادة رجل»(1). وما عن طلحة بن زيد - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه عن أبيه عن عليّ : «أنّه كان لايجيز شهادة رجل على رجل إلاّ شهادة رجلين على رجل»(2).


(1) الوسائل، ج 18، باب 44 من الشهادات، ح 4، ص 298.

(2) نفس المصدر، ح 2.

الصفحة 518


إثبات البيّنة بالعلم الحدسي:

المسألة الثانية - في أنّه هل تثبت البيّنة في القضاء بالعلم الحدسي غير القريب من الحسّ أوْلا؟

وهنا يجب أن يبحث أوّلا: عن أنّه هل هناك إطلاق يدلّ على نفوذ البيّنة الثابتة بالعلم الحدْسىّ أوْلا؟

وثانياً: عن أنّه بعد فرض إطلاق من هذا القبيل هل هناك مقيِّد لهذا الإطلاق يدلّ على كون حجيّتها مشروطة بعدم كون العلم بها حدسياً، فيكون سقوط العلم الحدْسىّ المتعلق بالبيّنة عن الاعتبار عبارة عن سقوط العلم الموضوعي، أو لايوجد مقيّد لهذا الإطلاق، فعندئذ يكون العلم الحدسي طريقاً بحتاً لإثبات البيّنة التي هي حجّة، وحجّيّة هذا الطريق ذاتية لا يمكن فرض عدمها لمجرّد كون العلم حدسياً؟

أمّا وجود إطلاق يدلّ على حجيّة البيّنة المعلومة عن حدس، فلعلّه منحصر في أمرين:

1 - ما عن يونس عمّن رواه قال: «استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدّعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه ...»(1).

فيقال: إنّ مقتضى إطلاق هذا الدليل هو أنّه لا يتنزّل من البيّنة الى اليمين إلاّ بعد فقدها على الإطلاق بأن لا نجدها حتى بالعلم الحدسي. إلاّ أنّ الحديث ساقط بعدم الانتهاء إلى المعصوم، وعدم معرفة من روى عنه يونس.


(1) الوسائل، ج 18، باب 7 من كيفيّة الحكم، ح 4، ص 176.

الصفحة 519

2 - روايات: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»، و «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر». وقد مضى فيما سبق: أنّ هذه الروايات لا إطلاقَ حَكَمىَّ لها; فالتعبير الأوّل ناظر إلى حصر وسائل الإثبات في القضاء بالبيّنة واليمين، أمّا متى يرجع إلى البيّنة ومتى يرجع إلى اليمين؟ فهذا خارج عن عهدته، والتعبير الثاني ناظر إلى تشخيص من عليه البيّنة ومن عليه اليمين، أمّا ما هي شرائط البيّنة أو اليمين؟ فهذا خارج عن عهدته. نعم يتمّ فيهما الإطلاق المقامي حينما تكون حجّيّة بيّنة مّا ارتكازية، أو يكون المرتكز عدم الفرق بين بيّنة وبيّنة، فيكون التفصيل خلاف الارتكاز العقلائي، وفيما نحن فيه الفرق بين بيّنة معلومة بالحسّ وبيّنة معلومة بالحدس أمر معقول في نظر العقلاء، وارتكاز حجّيّة البيّنة إذا علمت بالحدس غير واضح; اذن لايتمّ الإطلاق في المقام.

أمّا الأدّلة الّلبّيّة كالإجماع والضرورة الفقهيّة والارتكاز، فشمولها للبيّنة المعلومة بالحدس أيضاً غير معلوم.

إذن لا دليل على حجّيّة البيّنة المعلومة للقاضي بالعلم الحدسي.

وأمّا وجود المقيِّد - لو تمّ الإطلاق - فيجب الرجوع فيه إلى أدلّة عدم حجّيّة العلم الحدسي للقاضي، لكي نرى هل تشمل ما نحن فيه أوْلا؟

فإن كان الدليل على ذلك التعدّي من روايات عدم نفوذ الشهادة الحدسية، فكما يُتعدّى من ذلك إلى العلم الحدسي للقاضي بالواقعة كذلك يُتعدّى إلى العلم الحدسي له بالبيّنة.

وإن كان الدليل على ذلك عدم ذكر العلم الحدسي للقاضي بالواقعة في روايات مقاييس القضاء كما ذكرت البيّنة واليمين، فالتعدّي إلى العلم الحدسي للقاضي بالبيّنة يتوقف على دعوى الأولويّة القطعيّة.

وإن كان الدليل على ذلك روايات حصر القضاء بالبيّنات والأيمان بأن يقال:

 
الصفحة 520

إنّها بهذا الحصر تنفي حجيّة العلم الحدسي، فالتعدّي إلى العلم الحدسي بالبيّنة يكون إمّا بدعوى إطلاق هذه الروايات لمورد البيّنة; أي أنّها كما تدلّ على أنّه لايجوز إثبات الواقعة المتنازع فيها بالعلم الحدسي، كذلك تدلّ على أنّه لايجوز إثبات البيّنة على الواقعة المتنازع فيها بالعلم الحدسي، أو بدعوى الأولويّة القطعيّة، أو الاولوية العرفية، فإن تمّت إحدى هذه الدعاوى ثبت عدم حجّيّة العلم الحدسي بالبيّنة. وهو يرجع في روحه إلى تضييق في حجّيّة البيّنة، فالبيّنة التي علمت بالحدس لاتكون حجّة، لاإلى تضييق في حجّيّة العلم الطريقي; كي يقال: إنّ هذا غير معقول.

إثبات البيّنة بالبيّنة:

المسألة الثالثة - في ثبوت البيّنة بالبيّنة و عدمها.

مقتضى القاعدة في حقوق الناس هو الثبوت: إمّا بارتكاز العقلاء المقتضي لحجّيّة البيّنة في حقوق الناس والذي لم يرد عليه ردع، أو بدلالة مثل قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان»، وقوله : «البينة على المدّعي»، لابتقريب شمول إطلاقها الحَكَمىّ لبيّنة الفرع; كي يورد عليه: ما مضى من عدم تماميّة الإطلاق الحَكَمي فيها، أو يورد عليه: أنّها تنظر إلى البيّنة على الواقعة، لا البيّنة على البيّنة، بل بتقريب أنّ مفاد هذه الروايات ببركة ضمّ الارتكاز هو أنّ القضاء في واقعة مّا يستعين بما هو بيّنة وحجّة في نفسه وَ بِغَضّ النظر عن القضاء في الواقعة، وهذه الحجيّة تتّسع بالاطلاق المقامي لكلّ دائرة الارتكاز، والبيّنة على البيّنة داخلة في دائرة الارتكاز.

وهذا النحو من الاستدلال يمتاز على الاستدلال ابتداءً بالارتكاز بأنّه لو احتملنا في مورد مّا - على أساس رواية ضعيفة السند مثلا - الردع، ولكن لم

 
الصفحة 521

يثبت الردع لضعف سند الرواية - مثلا - سقط الاستدلال بالارتكاز; لأنّ الاستدلال به فرع القطع بعدم الردع، ولكن لم يسقط الاستدلال بظهور تمّ ببركة الارتكاز، هذا كلّه بلحاظ مقتضى القاعدة.

أما بلحاظ النصوص الخاصّة، فقد وردت عدّة روايات في المقام:

منها - ما يدلّ على نفوذ الشهادة على الشهادة كما عن طلحة بن زيد - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه عن أبيه عن علىّ «أنّه كان لايجيز شهادة رجل على رجل إلاّ شهادة رجلين على رجل»(1). وما عن غياث بن إبراهيم - بسند تامّ - عن جعفر بن محمّد عن ابيه : «أن عليّاً كان لايجيز شهادة رجل على شهادة رجل إلاّ شهادة رجل إلاّ شهادة رجلين على شهادة رجل»(2).

والرواية الثانية رواها الشيخ بشكل آخر، وهو «أنّ عليّاً قال: لا أقبل شهادة رجل على رجل حىّ وإن كان باليمين»(3). وهذا التعبير إن كان المقصود به عدم قبول الشهادة ضدّ رجل غائب حىّ، فالرواية أجنبيّة عن المقام، أمّا أنّه هل نفتي بمضمونها من عدم قبول الشهادة على الحىّ الغائب وإن لم يمكن إحضاره، أوْلا ؟ فهذا يجب أن ينقّح في محله. وإن كان المقصود به عدم قبول الشهادة على الشهادة إذا كان الشاهد الأصل حيّاً وإن لم يمكن إحضاره، فهذا يدلّ على خلاف المدّعى في المقام، وإن كان المقصود به عدم قبول خبر الواحد لإثبات الشهادة، فذكر قيد الحياة غريب في المقام. وعلى أىّ حال فيحتمل أن تكون هذه الرواية عين الرواية الثانية غاية الأمر أنّها وردت في نقل الصدوق بالتعبير الأوّل . وفي نقل الشيخ


(1) الوسائل، ج 18، باب 44 من الشهادات، ح 2.

(2) نفس المصدر، ح 4.

(3) نفس المصدر، ح 3.

الصفحة 522

بالتعبير الثاني. والشاهد على وحدة الروايتين أنّهما معاً منقولتان عن محمد بن يحيى الخزّاز عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علىّ ، فكأنّه حديث واحد نقله واحد نقله الشيخ تارةً مشوَّشاً، والصدوق أُخرى بلا تشويش.

وعلى أىّ حال فإن فرضناهما حديثاً واحداً، فإمّا أنّ نقل الشيخ ينسلب الوثوق عنه بما نحسّ به من تشويش في مقابل نقل الصدوق غير المشوّش، فيبقى نقل الصدوق حجّة، أو أنّ اختلافهما في التعبير يسقط الحديث نهائيّاً بسبب اضطراب المتن، ونرجع إلى حديث طلحة بن زيد الدالّ على المقصود بلا تشويش. وإن فرضناهما حديثين، فحديث الشيخ ساقط بالإجمال، وحديث الصدوق حجّة على المقصود.

ومنها - ما يفصّل بين ما إذا أمكن للشاهد الأصل الحضور، فلا تصل النوبة إلى الفرع، أو لم يمكن ذلك فتنفذ شهادة الفرع، وهو ما ورد عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر في الشهادة على شهادة الرجل وهو بالحضرة في البلد قال: «نعم، ولو كان خلف سارية يجوز ذلك إذا كان لايمكنه أن يقيمها هو لعلّة تمنعه عن أن يحضره ويقيمها، فلا بأس بإقامة الشهادة على شهادته»(1). ومضمون هذه الرواية مطابق لفتوى المشهور إلاّ أنّ سندها ضعيف.

ومع ضعف السند هل تصل النوبة إلى الإفتاء بنفوذ شهادة الفرع حتى مع إمكان حضور الأصل، أوْلا؟ هذا يتوقف على وجود مرجع نرجع إليه لإثبات النفوذ بعد سقوط سند ما دلّ على عدم النفوذ وعدمه، وما يمكن تصوره مرجعاً تصل النوبة إليه بعد سقوط سند هذا الحديث أحد اُمور:

1 - ما مضى من حديثي طلحة بن زيد وغياث بن إبراهيم، أنّ عليّاً


(1) نفس المصدر، ح 1، ص 297.

الصفحة 523

كان لايجيز شهادة رجل على رجل إلاّ شهادة رجلين على رجل، أو كان لا يجيز شهادة رجل على شهادة رجل، إلاّ شهادة رجلين على شهادة رجل; بدعوى أنّ إطلاقهما في قبول شهادة رجلين على شهادة رجل يشمل فرض إمكان حضور الأصل.

ولكنّ هذا الإطلاق - كما ترى - غير تامّ:

أمّا أوّلا - فلأنّ الظاهر من الحديثين هو أنّ التركيز فيهما بالأصالة إنّما هو على العقد السلبي، وهو عدم كفاية شهادة واحد على الشهادة. أمّا ما هي شروط العقد الإيجابي، وهو نفوذ شهادة رجلين على الشهادة ؟ فليس منظوراً في الكلام كي يتمّ الإطلاق.

وأمّا ثانياً - فلأنّ الحديثين إنّما وردا بلسان نقل فعل علىّ من أنّه كان يعتمد على شهادة رجلين على الشهادة، ويكفي في مقام صدق النقل قبول شهادتهما في الجملة سنخ نقل قضيّة في واقعة، فلا إطلاق لذلك. ولكن لولا الإشكال الأوّل، لعلّه كان بالإمكان الجواب على هذا الإشكال بأنّ الإمام الصادق في نقله لقصّة علىّ إنّما هو بصدد إبراز الحكم الشرعي لا مجرّد سرد قصّة، فيجري فيه الإطلاق بملاك ترك التفصيل.

2 - الارتكاز العقلائي الدالّ على نفوذ البيّنة في إحقاق الحقوق بين الناس بشكل مطلق، وذلك بدعوى أنّ رواية محمد بن مسلم - لو تمت سنداً - كانت رَدْعاً عن هذا الارتكاز بالنسبة لشهادة الفرع مع إمكان حضور الأصل، ولكن بما أنّها لم تتمّ سنداً; إذن فهذا الارتكاز غير مردوع عنه في المقام، وبذلك يثبت إمضاؤه.

والجواب: أنّه لو شمل الارتكاز نفوذ بيّنة الفرع مع إمكان حضور الأصل، فضعف سند رواية محمد بن مسلم و عدمه لايؤثّران في الأخذ بهذا الارتكاز وعدمه، فإنّ المسألة لو كانت عامّة البلوى - بحيث لم نكن نحتمل ورود الردع عن

 
الصفحة 524

نفوذ بيّنة الفرع فيها من دون أن يصلنا الردع ضمن أخبار عديدة - إذن نقطع بعدم الردع سواء صحّ سند رواية محمد بن مسلم، أوْلا، ولكن بما أنّه ليس الأمر كذلك، فاحتمال الردع وارد، وضعف سند الرواية لايعني القطع بعدم الردع، ومع احتماله لايثبت الإمضاء.

3 - روايات «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» و «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» بعد ضمّها إلى الارتكاز.

وتقريب ذلك: أنّ هذه الروايات وإن كانت لاتدلّ ابتداءً بالإطلاق على حجّيّة بيّنة الفرع في المقام، فإنّها ليست بهذا الصدد، إلّا أنّها ببركة الارتكاز العقلائي القائم على حجّيّة البيّنة يفهم منها أنّ المقصود هو الاعتماد في باب القضاء على ما هي بيّنة وحجّة مسبقاً ; أي إنّ هذا إمضاء للارتكاز العقلائي القائم على حجّية البيّنة، وفي نفس الوقت بيان لكون تلك البيّنة الحجّة مقياساً من مقاييس القضاء، وهذا الإمضاء متحدد بحدود الارتكاز العقلائي، فإذا كان الارتكاز العقلائي شاملا لبيّنة الفرع مع إمكان حضور الأصل ثبت إمضاؤه بهذه الروايات، ويتمسّك به بعد ضعف سند ما دلّ على الردع.

هذا، وبالإمكان دعوى ثبوت النصّ الخاصّ على نفوذ بيّنة الفرع مع إمكان حضور الأصل، وهو عبارة عمّا سيأتي - إن شاء اللّه - من روايات الترجيح بالأعدليّة عند التعارض بين شاهد الفرع وتكذيب شاهد الأصل. و هذا يعني فرض حضور بيّنة الأصل، وبالتالي يعني عدم اشتراط نفوذ بيّنة الفرع بعدم إمكان حضور الأصل، اللّهم إلّا إذا احتمل كون المقياس هو عدم إمكان حضور الأصل عند أداء الفرع الشهادة، لاعدم إمكانه حدوثاً وبقاءً إلى حين حكم الحاكم، وتلك الروايات لم تدلّ على فرض إمكان حضور الأصل حين أداء الفرع الشهادة.

ومنها-ما دلّ على عدم نفوذ الفرع الثاني- أي الشهادة على الشهادة على

 
الصفحة 525

الشهادة - وهو ما عن عمرو بن جميع عن أبي عبداللّه عن أبيه قال: «أَشهِدْ على شهادتك من ينصحُك. قالوا كيف يزيد وينقص؟ قال: لا، ولكن من يحفظها عليك، ولاتجوز شهادة على شهادة على شهادة»(1).

وسند الحديث عبارة عن سند الصدوق إلى عمرو بن جميع، وهو أبوه عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن الحسن بن علي بن يوسف عن معاذ الجوهري عن عمرو بن جميع. ومعاذ الجوهري وعمرو بن جميع نثبت وثاقتهما برواية ابن أبي عُمير عنهما، وباقي رجال السند ثقات، ماعدا الحسن بن الحسين اللؤلؤي الذي يكون توثيق النجاشي إيّاه معارضاً باستثناء ابن الوليد من روايات محمد بن أحمد بن يحيى ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي. فإذا سقط سند الحديث، كان المرجع في إثبات نفوذ شهادة الفرع الثاني ما أشرنا إليه من روايات حجّيّة البيّنة في القضاء بعد تتميم دلالتها بالارتكاز.

ومنها - ما دلّ على عدم نفوذ شهادة الفرع في الحدود، وهو ما ورد عن طلحة ابن يزيد - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه عن أبيه عن علىّ : «أنّه كان لايجيز شهادة على شهادة في حدّ»(2). وماعن غياث بن إبراهيم - بسند تامّ - عن جعفر عن أبيه قال: «قال : لاتجوز شهادة على شهادة في حدّ، ولاكفالة في حدّ»(3).

وإذا كان الجرم ممّا يستدعي أمرين، أحدهما الحدّ من قبيل السرقة التي تستدعي استرجاع المال مع قطع اليد، فمقتضى الجمع بين ما دلّ على نفوذ شهادة الفرع و ما دلّ على استثناء الحدود هو التفصيل بين الحدّ والأثر الآخر بثبوت الثاني


(1) نفس المصدر، ح 6، ص 298.

(2) الوسائل، ج 18، باب 45 من الشهادات، ح 1، ص 299.

(3) الوسائل، ج 18، باب 45 من الشهادات، ح 2، ص 299.

الصفحة 526

دون الأوّل.

ومنها - تكذيب شاهد الأصل شاهد الفرع، وهي:

1 - ما عن عبدالرحمان بن أبي عبداللّه - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه في رجل شهد على شهادة رجل، فجاء الرجل فقال: إنّي لم أشهد. قال: «تجوز شهادة أعدلهما، وإن كانت عدالتهما واحدة لم تجز شهادته»(1).

2 - ما عن عبدالرحمان - بسند تامّ - قال: «سألت أبا عبداللّه عن رجل شهد شهادة على شهادة آخر، فقال: لم أشهده ؟ فقال: تجوز شهادة أعدلهما»(2).

ولعلَّهما رواية واحدة.

3 - ما عن ابن سنان - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: لم أشهده ؟ قال: «فقال: تجوز شهادة أعدلهما، ولو كان أعدلهما واحداً، لم تجز شهادته»، ورواه الكليني إلاّ أنّه قال: «لم تجز شهادته عدالة فيهما»(3). والمقصود بابنِ سنان عبدُاللّه بقرينة نقْله عن الصادق .

والظاهر من هذه الروايات هو فرض التكذيب من قبل الأصل قبل حكم الحاكم.

أمّا إذا كان التكذيب بعد حكم الحاكم فهو خارج عن مورد النصوص، ويجب أن نفتي فيه بمقتضى القواعد، ومقتضى القواعد هو أنّه حتى لو كان تكذيب الأصل مسقطاًلبيّنة الفرع عن القوّة، فبما أنّ بيّنة الفرع عند الحكم كانت واجدة لشرائط الحجّيّة، وكان الحكم وفق المقاييس فلا معنى لنقض الحكم بسبب تكذيب


(1) الوسائل، ج 18، باب 46 من الشهادات، ح 1، ص 299.

(2) الوسائل ج 18، باب 46 من الشهادات، ح 2، ص 299.

(3) نفس المصدر، ح 30، ص 300.

الصفحة 527

الأصل بعد الحكم.

نعم، لو كان هذا التكذيب كاشفاً في نظر الحاكم عن عدم تماميّة شرائط الحجّيّة حين الحكم، كان عليه التراجع عن الحكم. وهذا فرض أمر زائد غير داخل في موضوع بحثنا. أمّا كيف يتّفق أن يكون التكذيب كاشفاً عن عدم تماميّة شرائط الحجية ؟ فهو من قبيل ما لو أورث هذا التكذيب العلم الإجمالي بفسق الفرع أو الأصل، لكون أحدهما كاذباً، فعلى كلّ تقدير يسقط الفرع عن الأثر إمّا لفسقه،أو لفسق الأصل الذي شهد الفرع على شهادته. أمّا لو احتملنا الخطأ في أحدهما أو طروّ الفسق على الأصل بعد الشهادة; إذن لم ينكشف خطأ الحكم.

وعلى أىّ حال فإذا كان التكذيب قبل حكم الحاكم، فقد نطقت الروايات - كما عرفت - بأنّ بيّنة الفرع تقدّم بالأعدلية، أمّا إذا تساوياً أو كان الأصل أعدل، لم تثبت شهادة الأصل ببيّنة الفرع.

والظاهر من الروايات أنّ بيّنة الفرع المؤتلفة من شاهدين يجب أن يكون كلاهما أعدل من الأصل كي تثبت شهادة الأصل بذلك، إذ لو كان أحدهما مساوياً، أو أقلّ عدالة فقد سقطت شهادته بحكم هذه الروايات، وبالتالي لم تتمّ لنا شهادة شاهدين عدلين.

وهل تقوم مقام أعدليتهما زيادة العدد بأن يشهد شهود أربعة مثلا على شهادة الأصل ؟ هذا مشكل; لعدم وضوح تعدٍّ عرفىّ بحيث يرجع إلى ظهور لفظي للدليل، وعدم القطع العقلي بعدم الفرق.

وهل تقوم مقام شهادة العدلين على شهادة الأصل شهادة رجل وامرأة عليها، أوْلا ؟ الجواب بالنفي; ليس فقط لعدم الدليل على نفوذ شهادة المرأة في المقام، بل لدلالة الحصر - أيضاً - الوارد في روايتي طلحة بن زيد وغياث بن إبراهيم الماضيتين على ذلك; حيث جاء في الأُولى: «كان لا يجيز شهادة رجل على رجل إلّا

 
الصفحة 528

شهادة رجلين على رجل»، وفي الثانية: «كان لايجيز شهادة رجل على شهادة رجل إلّا شهادة رجلين على شهادة رجل». فالمفهوم عرفاً - لأجل إخراج الاستثناء عن كونه منقطعاً - هو أنّ المستثنى منه أمر غير مذكور، وهو معنى عامّ يشمل شهادة رجلين وغيرها، فكأنّه قال: «كان لايجيز شهادة في إثبات شهادة الأصل إلّا شهادة رجلين». وهذا - كما ترى - يدلّ بالحصر على عدم نفوذ شهادة رجل وامرأة.

وهل تقوم شهادة رجل ويمين على شهادة الأصل مقام بيّنة الفرع ؟ الجواب بالنفي لا للحصر، فإنّ المستثنى منه غير المذكور كما يحتمل أن يكون عبارة عن مطلق ما يثبت شهادة الأصل، فينفي إذن بالإطلاق ثبوت شهادة الأصل بشهادة رجل واحد مع اليمين، كذلك يحتمل أن يكون عبارة عن خصوص شهادة الفرع، فيدلّ على أنّ شهادة الفرع الكاملة ليست إلّا شهادة رجلين، أمّا شهادة رجل واحد فليست كشهادة الفرع كافية، لكنّ من المحتمل أن تكون نصف شهادة الفرع، ويكون اليمين مؤثّراً أثر النصف الآخر. فنحن نقول بعدم حجّيّة شهادة شخص واحد على شهادة الأصل مع اليمين، لا لأجل إطلاق الحصر، بل لأنّ نفوذ ذلك خلاف الأصل، ولم يدلّ عليه دليل، وكذلك لا دليل على كفاية شهادة رجل واحد على شهادة الأصل منضمّاً إلى يمين المدّعي على أصل الدعوى.

وحدة مصبّ الشهادة

الشرط الثاني عشر - وحدة مصبّ الشهادة:

فلو شهد أحدهما على إقراض زيد لعمرو مبلغاً قدره كذا ... وشهد الآخر على إقرار عمرو بذلك لم تتمّ البيّنة; لأنّهما لم يشهدا بشيء واحد، وكذلك لو شهد أحدهما على سرقة دينار، والآخر على سرقة درهم، أو شهد أحدهما بأنّه باعه في

 
الصفحة 529

شهر كذا والآخر على أنّه باعه في شهر آخر، أو شهد أحدهما بأنّه باعه بدينار والآخربأنّه باعه بدرهم، وما إلى ذلك.

نعم، لو كانت الخصوصيّة المختلف فيها غير مقوّمة للقدر المشترك بين الشهادتين الذي هو محلّ الأثر، لم يضرّ الخلاف بينهما في الخصوصيّة بثبوت القدر المشترك، كما لو شهدا بأنّه سرق ثوباً بعينه، واختلفا في أنّ القيمة السوقيّة لهذا الثوب هل هو دينار أو ديناران، فهنا تثبت أصل سرقة هذا الثوب بلا إشكال.

وتفصيل الكلام في ذلك: أنّ اختلافهما في الخصوصيّة يتصور على أنحاء:

الأوّل - أن لا تكون الخصوصيّة مُحصِّصة للقدر المشترك بين الشهادتين، بل تكون من المقارنات. وهنا لا إشكال في ثبوت القدر المشترك، وذلك كما في المثال الذي مضى من الاختلاف في قيمة الثوب المعيّن الذي شهدا بأنّه قد سرقه، فإنّ كون قيمة هذا الثوب بهذا المقدار أوْلا إنّما هو أمر مقارن لسرقته، ولا يحصّص سرقة هذا الثوب إلى فعلين كما هو واضح.

الثاني - أن تكون الخصوصيّة مُحَصِّصة للقدر المشترك، ويكون الأثر المطلوب مترتّباً على الحصّة، لا على الجامع بحدّه الجامعي. وهنا لا إشكال في عدم نفوذ البيّنة حتى لو غضّ النظر عمّا سيأتي، وذلك لأنّ المفروض أنّ الأثر ليس مترتّباً على الجامع بما هو جامع، وإنمّا هو مترتّب على الحصّة، وكلّ من الحصّتين لم تقم عليها بيّنة، ومثاله مامضى من شهادة أحدهما بإقراض زيد لعمرو، وشهادة الآخر بإقرار عمرو بذلك. فالأثرهنا مترتّب على الحصّة; إذ الأثر إمّا هو الوجوب الواقعي للأداء، وهو مترتّب على الإقراض، أو هو نفوذ الإقرار ظاهراً، وهو مترتب على الإقرار، والجامع بينهما بحدّه الجامعي لا أثرله.

الثالث - أن تكون الخصوصيّة مُحصِّصة للقدر المشترك أيضاً، ويكون الجامع بحّده الجامعي ذا أثر في المقام،ولكن يكون هذا التحصيص مؤدّياً إلى التكاذب بين

 
الصفحة 530

الشاهدين، كما لو شهد أحدهما على أنّه باع هذه الدار في الساعة الفلانيّة بألف دينار، وشهد الآخر على أنّه باعها في نفس الساعة بألف درهم. وهنا لاينبغي الإشكال في عدم نفوذ البيّنة حتى لو غضّ النظر عمّا سيأتي - إن شاء الله - في الفرض الرابع، وذلك لأنّ التكاذب بين الشاهدين وإن كان على الخصوصيّة وليس على الجامع، ولكن بما أنّ الشهادة بالجامع إنّما هي شهادة به في ضمن الحصّة، ولم تكن الخصوصيّة المختلف فيها من المقارنات البحتة. فهنا لا إشكال في أنّ الشهادة بالجامع تُضعَّف داخليّاً، أي أنّ البيّنة ضَعَّفت نفسها بنفسها، فهنا إمّا أن نقول: إنّ إطلاق دليل حجّيّة البيّنة منصرف بمناسبات الحكم والموضوع عن مثل هذا الفرض، أو نقول: إنّ دليل حجّيّة البيّنة - على ما مضى منّاسابقاً - لم يتمّ له إطلاق إلاّ بحدود الارتكاز العقلائي، ولم يثبت ارتكاز عقلائي على الحجّيّة عند وجود تكاذب من هذا القبيل بينهما.

الرابع - أن تكون الخصوصيّة مُحصِّصة للقدر المشترك، ويكون الجامع بحدّه الجامعي ذا أثر، ولايكون التحصيص مؤدّياً إلى التكاذب، كما لو شهد أحدهما بأنّه أتلف ديناراً من أموال زيد، والآخر بأنّه أتلف عشرة دراهم من تلك الأموال، واحتملنا صدقهما معاً بأن يكون قد أتلف ديناراً وعشرة دارهم، فهنا لا يرد شيء من الإشكالين السابقين - من عدم الأثر أو التكاذب - كما هو واضح، ولكن مع ذلك لا ينبغي الإشكال في عدم نفوذ هذه البيّنة، وذلك لأنّ شهادة كلّ منهما على الجامع لم تكن شهادة عليه بحدّه الجامعي، بل كانت شهادة عليه في ضمن الحصّة. وهذا لا يحقّق وحدة مفاد الشهادتين بالمعنى المأخوذ عرفاً و متشرّعيّاً في مفهوم كلمة البيّنة، هذا مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الإطلاق في أدلّة حجّيّة البيّنة لم يتمّ بأكثر ممّا يثبت بالارتكاز، ولا ارتكاز، ولا ارتكاز على حجّيّة مثل هذه البيّنّة.

ولعلّ السرّ في عدم استقرار ارتكاز العقلاء على حجّيّة مثل هذا - وعدم

 
الصفحة 531

اكتفائهم بهذا المقدار من الوحدة في الوحدة المأخوذة عندهم في مفهوم البينة - هو الفرق الموجود بحساب الاحتمالات بين شهادة شاهدين على شيء واحد، وهو سرقة الدينار مثلا، وشهادة كلّ منهما على شيء غير ما شهد الآخر به رغم وجود جامع بينهما، كشهادة أحدهما على سرقة الدينار، وشهادة الأخر على سرقة الدارهم، فالأوّل أقوى من الثاني لما نقّحه أُستاذنا الشهيد في بحث حساب الاحتمال من أنّه كلّما اشتدّ التماثل بين الشهادات، قوي المضعِّف الكيفي الذي يبعّد احتمال الكذب والخطأ. وهذا الحساب بشكله الدقيق وإن لم يكن موجوداً في أذهان الناس الاعتياديين، لكن النتيجة على الإجمال واضحة عندهم بالفطرة.

ولا يبعد أن تستثنى عرفاً من الفرض الثالث والرابع حالتان:

الاولى - ما إذا كانت مساحة الخلاف بينهما بالقياس إلى مساحة الوفاق بمقدار بحيث يُطمأنّ عرفاً بأنّهما - على تقدير كونهما صادقين - ينظران الى واقعة واحدة، وإن وقع الاشتباه من أحدهما في الخصوصيّة، فعندئذ يكون المقدار الثابت من الوحدة كافياً في صدق ثبوت البيّنة عرفاً على المقدار الجامع، وكان الارتكاز العقلائي ثابتاً في المقام، والدليل غير منصرف عنه، فمثلا: لو استُنطِق الشاهدان في تمام الخصوصيّات فاتّفقا عليها ما عدا وجود فارق في تعيين الحادثة بمقدار ربع ساعة مثلا، فهذا الفارق وإن كان بالدقّة محصِّصاً وقد يوجب التكاذب، ولكنه قد يكون عرفاً غير مضرّ بالبيّنة، فقد يقال عرفاً: إنّ البيّنة قد تمّت على الحادثة الفلانيّة وإن اختلفا اشتباهاً في وقت الحادثة; لعدم ضبط أحدهما الوقت بالدقّة الكاملة.

والثانية - ما لو شهد أحدهما بأنّ مصبّ شهادته هو عين مصبّ شهادة الآخر وأنّ صاحبه قد أخطأ في الخصوصيّة، فهذا المقدار كاف في انصباب الشهادتين على مصبٍّ واحد هو الجامع وتماميّة الارتكاز في المقام، وذلك كما لو شهدا بالبيع، واختلفا في أنّه كان في اللّيل أو في النهار، وشهد أحدهما بأنّ البيع الذي يشهد به هو عين البيع

 
الصفحة 532

الذي حضره الآخر إلاّ أنّه أخطأ في زمانه.

ولا يسري هذان الاستثناءان إلى ما لو كان الأثر مترتّباً على الخصوصيّتين لا على الجامع، كما لو شهد أحدهما بالبيع، والآخر بالصلح - والأثر وهو الملكيّة يترتب على واقع العقود لا على الجامع بين العقدين - وقال أحدهما: إنّي أشهد بنفس الواقعة التي حضرها الآخر إلاّ أنّه أخطأ فيما تخيّله من أنّ العقد الذي حضره كان بيعاً مثلا، بل كان صلحاً. فمثل هذا الكلام لاينفع في تصحيح البيّنة; إذلو قصد بذلك إثبات أحد العقدين بالخصوص، فمن الواضح أنّه لا اتّفاق عليه في الشهادتين، ولو قصد بذلك إثبات الجامع، فالجامع لا أثرله، ولو قصد بذلك إثبات النتيجة - وهي الملكيّة - بدعوى أنّهما متوافقان على الشهادة بالملكيّة، قلنا: إنّ الملكيّة أثر اعتباري وليست عيناً خارجية تفرض شهادتهما بها مع الاختلاف في خصوصيّة ما، ومن الواضح أنّ الملكيّة الناشئة من البيع فرد اعتباري آخر غير الملكيّة الناشئة من الصلح، وليست هناك قطعة عينيّة خارجاً متّفق عليها كي يستطيع أن يقول أحدهما: إنّ مصبّ شهادتي هو عين مصبّ شهادة الآخر.

علاج الخلاف بضم اليمين:

ثمّ في المورد الذي لا تتمّ البيّنة لأجل الخلاف الموجود بين الشهادتين لو أنضمّت إحدى الشهادتين بيمين المدّعي في باب الأموال، قالوا بنفوذ ذلك من باب نفوذ شهادة شاهد واحد في الأموال مع يمين المدّعي.

نعم، قد يشكل الأمر في فرض التكاذب، وقال في الجواهر: «نسب الاجتزاء باليمين في صورة التكاذب في الدروس إلى القليل مشعراً بتمريضه، لكنّه في غير محّله; لأنّ التكاذب المقتضي للتعارض - الذي يفزع فيه للترجيح وغيره - إنّما يكون بين

 
الصفحة 533

البيّنتين الكاملتين، لا بين الشاهدين كما هو واضح»(1).

أقول: هذا الكلام إنّما يتمّ إذا وجدنا إطلاقاً في دليل حجّيّة شهادة الواحد منضّمة إلى اليمين يشمل فرض المقام، وإلاّ فاحتمال الفرق ثبوتاً بين فرض ابتلاء الشهادة بمكذّب وعدمه وارد لا محاله، والظاهر وجود إطلاق من هذا القبيل في المقام، فإنّ روايات حجّيّة شهادة الواحد مع اليمين - وإن كان بعضها بلسان قضيّة في واقعة - من قبيل أنّ رسول اللّه قضى بشهادة واحد مع اليمين(2)، ولكنّ بعضها يتمتّع بالإطلاق من قبيل ما عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - عن أبي جعفر قال: «لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس ...»(3) وما عن البزنطي بسند تامّ قال: «سمعت الرضا يقول: قال: أبو حنيفة لأبي عبداللّه : تجيزون شهادة واحد ويمين ؟ قال: نعم، قضى به رسول اللّه ، وقضى به علىّ بين أظهركم بشاهد ويمين. فتعجّب أبوحنيفة، فقال أبو عبداللّه : أتعجب من هذا !! إنّكم تقضون بشاهد واحد في مائة شاهد، فقال له: لا نفعل، قال: بلى، تبعثون رجلا واحداً فيسأل عن مائة شاهد، فتجيزون شهادتهم بقوله، وإنّما هو رجل واحد»(4).

نعم، هذه الروايات لا تدلّ بالإطلاق على استغناء هذا الشاهد الواحد عن الشروط المشروطة في البيّنة، فإنّ هذه الروايات إنَّما وردت لإحلال اليمين محلّ أحد الشاهدين، لا لإغناء الشاهد الآخر عن تلك الشروط، أمّا لو احتملنا وجود شرط


(1) جواهر الكلام ج 41، ص 212.

(2) جملة من روايات الباب 14 من كيفيّة الحكم من الجزء 18 من الوسائل.

(3) الوسائل ج 18، باب 14 من كيفيّة الحكم، ح 12، ص 196.

(4) نفس المصدر، ح 17، ص 197.

الصفحة 534

زائد على شروط البيّنة بالنسبة للرجل الواحد فهو منفىّ بالإطلاق، وشرط عدم تكذيبه من قبل شخص واحد شرط زائد على شروط البيّنة; لأنّ البيّنة لا تسقط بتكذيب رجل واحدلها خاصّة إذا كان التكذيب راجعاً إلى الخصوصيّة والأثر المطلوب كان أثراً للجامع.

الشهادة على الجامع وعدم ذكر الخلاف:

بقي الكلام في شيء واحد، وهو أنّه هل يصحّ للشاهدين المختلفين فيما بينهما في بعض الخصوصيات أن يتركا ذكر نقطة الخلاف، ويقتصرا على ذكر القدر المتّفق عليه فيما بينهما، وبذلك تكتمل البينة حقّاً، ويصحّ للقاضي الحكم بالقدر المتفق عليه بينهما، أوْلا ؟.

ذكر صاحب الجواهر - بعد بيان أنّ توارد شهادة الشاهدين على شيء واحد شرط في القبول - ما نصّه: «نعم، للشاهدين في غير مقام التدليس تصحيح الشهادة على وجه تكون مثمرة عند الحاكم، كما أشارت إليه النصوص بعد أنْ تكون على حقّ، فيشهد شاهد البيع والصلح - مثلا - على الملك من دون ذكر السبب، وهكذا ... »(1).

وكأنّه يرى أنّ هذا ثابت وفق القاعدة، وتشير إليه النصوص أيضاً. والوجه في ثبوت ذلك وفق القاعدة: أنّ مصبّ الشهادتين بعد حذف مورد الخلاف أصبح واحداً، فلا مبرِّر لعدم نفوذ الشهادة.

أقول: إنّ الشهادة اللّفظيّة طريق إلى واقع الشهادة الموجود في النفس، ومن


(1) الجواهر، ج 41، ص 211 و 212.

الصفحة 535

المستحيل أن يتبدّل وضع مصبّ الشهادتين في النفس من التعدّد إلى التوحّد بحذف مورد الخلاف عن اللّفظ، ولاقيمة للشهادة اللّفظية عدا مالها من كشف عن مفاد الشهادة في النفس، فإن كان الخلاف الموجود غير مضرّ بوحدة الشهادتين، كما هو الحال في بعض الموارد - كما شرحناه - فلا ضير في اشتمال اللّفظ عليه، وإن كان مضرّاً بها فحذف الخلاف من اللّفظ ليس له أثر عدا أنّ الحاكم قد ينخدع ويتخيّل وحدة الشهادتين، فيقضي وفق ما فهمه من اللّفظ.

وأمّا الروايات فهي تماماً ضعيفة السند - ثمّ إنها لاتدلّ على المدّعى في المقام، وهي كمايلي:

1 - عن داود بن الحصين قال: «سمعت أبا عبداللّه يقول: إذا أُشهِدتَ على شهادة فأردتَ أن تقيمها فغيّرها كيف شئت، ورتّبها وصحّحها بما استطعت حتى يصحّ الشيء لصاحب الحقّ بعد أن لا تكون تشهد إلاّ بحقه، ولا تزيد في نفس الحقّ ماليس بحقّ، فإنّما الشاهد يبطل الحقّ، ويحقّ الحقّ، وبالشاهد يوجب الحقّ، وبالشاهد يعطى، وإنّ للشاهد في إقامة الشهادة - بتصحيحها بكلّ ما يجد إليه السبيل من زيادة الألفاظ والمعاني والتفسير في الشهادة ما به يثبت الحقّ ويصحّحه ولا يؤخذ به زيادةً على الحقّ - مثلَ أجرِ الصائم القائم المجاهد بسيفه في سبيل الله»(1).

وقوله: «بكلّ ما يجد إليه السبيل من زيادة الألفاظ و المعاني والتفسير في الشهادة» يدلّ على النظر إلى التغيير الحقيقي للشهادة أمام الحاكم الجائر مادامت النتيجة هي وصول الحقّ إلى ذي الحقّ، وذلك عندما يكون هذا الحاكم غير مستعدّ لتنفيذ الشهادة إذا أدّاها بوجهها الحقيقي، وهذا أجنبىّ عن ما نحن فيه من تغيير


(1) الوسائل ج 18، باب 4 من الشهادات، ح 1، ص 230.

الصفحة 536

الألفاظ بمثل حذف مورد الخلاف مع بقاء الشهادة على كونها شهادة بالواقع حقيقة، وذلك أمام حاكم العدل.

وأوضح منه في ما شرحناه نقل السرائر للحديث عن داود بن الحصين وهو كمايلي:

2 - نقل صاحب السرائر عن جامع البزنطي عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين قال: «سمعت من سأل أبا عبداللّه وأنا حاضر عن الرجل يكون عنده الشهادة، وهؤلاء القضاة لا يقبلون الشهادات إلاّ على تصحيح ما يرون فيه من مذهبهم، وإنّي إذا أقمت الشهادة احتجتُ إلى أن أُغيِّرها بخلاف ما أُشهِدتُ عليه وأزيد في الألفاظ ما لم أُشهد عليه، وإلا لم يصحَّ في قضائهم لصاحب الحقّ ما أُشهدتُ عليه، أفيحلّ لي ذلك؟ فقال: إي واللّه، ولك أفضل الأجر والثواب، فصحِّحْها بكلّ ما قدرتَ عليه ممّا يرون التصحيح في قضائهم»(1). فهذا - كما ترى - ظاهر في إضافة ما لم يشهد عليه أمام حاكم الجور الذي لا يقبل بتنفيذ الشهادة بوجهها الواقعي، وهو غيرما نحن فيه.

3 - ما عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه قال: «قلت له: تكون للرجل من إخواني عندي الشهادة ليس كلّها تجيزها القضاة عندنا؟ قال: إذا علمت أنّها حقّ فصحّحها بكلّ وجه حتى يصحّ له الحقّ»(2). وهذا - كما ترى - ناظر إلى تصحيح الشهادة أمام قاضي الجور، فإنّه المشار إليه بقوله: «القضاة عندنا» فلا يدلّ على جواز التصحيح بالمعنى المقصود في المقام أمام قاضي العدل:

فكأنّ هذه الروايات تنظر إلى جواز التزوير في الشهادة أمام قاضي الجور ما


(1) نفس المصدر، ح 2.

(2) نفس المصدر، ح 3، ص 231.

الصفحة 537

لم تكن النتيجة إلّا وفق الحقّ، فهي تشبه رواية الحكم أخي أبي عقيل الدالّة على جواز شهادة الزور لدفع الباطل الذي حمّله الخصم بشهادة الزور، قال: «قلت لأبي عبداللّه : إنّ خصماً يستكثر علىّ بشهود الزور، وقد كرهت مكافأته، مع أنّي لا أدري يصلح لي ذلك، أمْ لا؟ فقال: أما بلغك عن أمير المؤمنين أنّه كان يقول: لا توسروا أنفسكم وأموالكم بشهادات الزور، فما على أمريء من وَكَف في دينه و لامأثم من ربّه أن يدفع ذلك عنه، كما أنّه لو دفع بشهادته عن فرج حرام، أو سفك دم حرام، كان ذلك خيراً له»(1). والحديث ضعيف السند.

وهناك رواية تدلّ على حرمة شهادة الزور حتى أمام قاضي الجور لإحياء الحقّ، وهي ضعيفة السند بالإرسال، وهي ما رواها يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن الرجل يكون له على الرجل الحقّ فيجحده حقّه، ويحلف أنّه ليس له عليه شيء و ليس لصاحب الحقّ على حقّه بيّنة، يجوز لنا إحياء حقّه بشهادة الزور إذا خشي ذهابه ؟ فقال: لا يجوز ذلك، لعلّة التدليس»(2). هكذا في نسخة الكافي(3) والتهذيب(4)، وفي نسخة الفقيه(5): (... يجوز له إحياء حقّه ...)، فبناءً على النسخة الأُولى يظهر منها أنّ الشهود يعلمون بأصل الحقّ فيصطنعون شهادة زور لإحياء ذاك الحقّ، وقد نهى عنه الإمام ، وبناءً على النسخة الثانية


(1) الوسائل، ج 18، باب 18 من الشهادات، ح 2، ص 247 و 248.

(2) نفس المصدر، ح 1، ص 247.

(3) ج 7، باب في الشهادة لأهل الدين، ح 1، ص 388.

(4) ج 6، ح 694.

(5) ج 3، ح 148.

الصفحة 538

قد يقال: إنّ الشهود لا يعلمون حتى بأصل الحقّ، وإنما صاحب الحقّ هو الذي يعلم بالحقّ، فقد وقع السؤال عن أنّه هل يجوز له إقامة شهود زور لإحقاق حقّه، أوْ لا ؟ ومن هنا قد يتأتّى احتمال أنّ حرمة الشهادة أو حرمة الاستشهاد نشأت هنا من عدم علم الشهود بأصل الحقّ، فلا تنافي بين النهي في هذا الحديث عن شهادة الزور والرخصة فيها عند علم الشهود بأصل الحقّ في سائر الروايات، إلّا أنّ التعليل الوارد في هذا الحديث لا ينسجم مع هذا التفسير، وهو التعليل بالتدليس، فإنّ التدليس يتقوّم بكون الشهادة زوراً سواء علم الشاهد بأصل الحقّ، أوْ لا.

وعلى أىّ حال فقد عرفت أنّ الروايات كلّها ضعيفة السند، وعرفت أنّها جميعاً أجنبيّة عن المقام.

شهادة الزور في محاكم الجور:

وبهذه المناسبة لا بأس بالإشارة إلى ما تقتضيه القاعدة في شهادة الزور بهدف إحقاق الحقّ في محكمة الجور، فهل نقول بجوازها ما دامت المحكمة محكمة جور، أوْ لا ؟

الظاهر عدم الجواز لحرمة التدليس والكذب، إلّا إذا زاحمت هذه الحرمة واجباً أهمّ كحفظ النفس أو العرض.

 
الصفحة 539


البيّنة وشروطها لدى الفقه الوضعي

وفي ختام البحث عن شرائط البيّنة لا بأس بالتعرّض شيئاًمّا لوجهة نظر الفقه الوضعي بشأن البيّنة وشروطها.

تحفّظ الفقه الوضعي تجاه البيّنة:

إنّ الفقه الوضعي ينظر إلى البيّنة بتحفّظ، ولديه نقطتان أساسيّتان في كيفيّة التحفّظ:

الأولى - أنّه جعل نفوذ البيّنة في ميدان التصرّفات القانونيّة المدنيّة محدوداً بما لا تزيد قيمته على عشرة جنيهات فرنسية أو عشرين جنيهاً مصرياً. نعم، نفوذها في الوقائع القانونيّة الماديّة وفي التصرّفات القانونيّة التجاريّة غير محدود، وللقاعدة بكلا طرفيها استثناءاتها.

والمقصود بالتصرف القانوني ما يؤثّر بواسطة الإرادة أثراً قانونيّاً كعقد البيع، والمقصود بالوقائع القانونية ما يؤثّر أثراً قانونيّاً بلا توسيط الإرادة، والتصرّف القانوني ينقسم إلى المدنىّ والتجاري: فالتجاري ما يكون بروح المتاجرة، والمدني غيره، وقد يكون تصرف واحد بلحاظ أحد المتعاقدين تجاريّاً وبلحاظ المتعاقد الآخر مدنيّاً، كما لوباع التاجر سلعته للمستهلك، فهو بلحاظ البائع تصرف تجارىّ وبلحاظ المستهلك تصرف مدنىّ، وكما لوباع المزارع جزء من محصوله من التاجر، فهو بلحاظ البائع مدنىّ وبلحاظ المشتري تجارىّ.

وعندئذ فنفوذ البيّنة لصالح التاجر غير محدود، ونفوذها لصالح الطرف الآخر محدود. وقد مضى منّا في أوّل بحثنا عن طرق الإثبات تعليل هذا التحديد في

 
الصفحة 540

التصرف القانونيّ المدنىّ وعدم التحديد في غيره ببعض النكات نقلا عن الدكتور عبدالرزاق السنهوري، فراجع.

والثانية - أنّ البيّنة في مورد نفوذها - سواء كان نفوذها لأجل كون القيمة لا تزيد على المبلغ المحدَّد، أو لكون نفوذها غير مشروط بمبلغ محدَّد، كما في الواقعة القانونيّة أو التصرُّف القانونىّ التجارىّ - يترك أمر الاقتناع بها وعدمه إلى القاضي، فهو الذي يقدّر قيمة البيّنة وأنّها مُقنعة أو غير مُقنعة.

كلّ هذه التحفّظات تجاه البيّنة - وجعلُ الأولويّة في الإثبات للكتابة - نشأت من دقّة الكتابة وضبطها وقوّتها، وضعف البيّنة واحتمال الخيانة أو الخطأ فيها. ويُعتقَد أنّ الصدارة في الإثبات إنمّا كانت قديماً للبيّنة باعتبار انتشار الأُمّيّة وعدم تعارف الكتابة، فإذا ما انتشرت الكتابة وسهلت على الناس تقلّصت قيمة البيّنة.

وبلحاظ التحفُّظ الأوّل جاء في الوسيط ما خلاصته: أنّه أوجب في القانون الفرنسي في سنة (1566) تدوين المعاملات التي تزيد قيمتها على مائة جنيه فرنسي; نظراً للشكوى التي ترددت من عيوب الإثبات بالشهادة، وكانت تساوي المائة جنيه نحواً من ألفين من الفرنكات، وبعد ردح من الزمن نزل نصاب البيّنة إلى مائة وخمسين فرنكاً; نظراً لزيادة انتشار الكتابة، ثم نقصت قيمة الفرنك، فرفع نصاب البيّنة إلى خمسمائة فرنك، ثم هبطت قيمة الفرنك بعد ذلك هبوطاً جسمياً، فرفع النصاب مرّةً أُخرى إلى خمسة آلاف من الفرنكات. وفي مصر قرّر نصاب البيّنة منذ التقنين المدني السابق بعشرة جنيهات، ولم يتغيّر هذا النصاب في التقنين الجديد وإن كانت قيمة العملة قد نزلت نزولا كبيراً للمعادلة ما بين هذا النزول الكبير وزيادة انتشار الكتابة(1).


(1) راجع الوسيط، ج 2، الفقرة 189.

الصفحة 541

وبلحاظ التحفظ الثاني قال في الوسيط ما نصّه:

«ثمّ إنّ القاضي إذا رأى الإثبات بالبيّنة مستساغاً وقدّر أنّ الوقائع المراد إثباتها متعلّقه بالحقّ المدَّعى به، ومنتجة في الإثبات، وسمع الشهود في هذه الواقعة، فإنّ له بعد ذلك كلّه سلطة واسعة في تقدير ما إذا كانت شهادة هؤلاء الشهود كافية في إثبات هذه الوقائع، وهو في ذلك لا يتقيّد بعدد الشهود، ولابجنسهم، ولا بسنّهم، فقد يقنعه شاهد واحد، ولا يقنعه شاهدان أو أكثر، وقد يصدّق المرأة، ولا يصدّق الرجل، وقد تكون شهادة صبىّ صغير أبلغ في إقناعه من شهادة رجل كبير. وقد كان للشهادة في القديم نصاب محدّد: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شهود أربعة، أو نحو ذلك، فزال هذا النصاب لا في المسائل الجنائيّة فحسب، بل أيضاً في المسائل المدنيّة والتجاريّة، و كذلك زالت ضرورة تزكية الشهود، فلم يعد الشاهد يزكيّه شاهد آخر، بل الذي يزكيّه هو مبلغ ما يبعثه في نفس القاضي من الاطمئنان إلى دقّته والثقة في أمانته»(1).

وما يظهر من هذه العبارة من قبول شهادة الصبىّ قدلا يفترض صحيحاً في الفقه الوضعي، كما يفهم ذلك من كتاب رسالة الإثبات لأحمد نشأت; حيث قال: «ولا يصحّ الأخذ بشهادة من لايبلغ عمره خمس عشرة سنة كاملة، وتسمع أقواله على سبيل الاستدلال فقط بغير يمين .... وكانت السن (14) سنة في قانون المرافعات السابق، ومفاد ذلك أنّه لايصحّ أن يبني القاضي حكمه على شهادته أو أقواله وحدها، وله فقط أن يسترشدبها لتعزيز شهادة شاهد بالغ أو أىّ دليل قانوني آخر»(2).


(1) الوسيط، ج 2، الفقرة: 168.

(2) رسالة الإثبات لأحمد نشأت، ج 1، الفقرة: 379 مكرّر (ك)، الطبعة السابعة.

الصفحة 542

وحاصل الكلام بالنسبة للصغير أنّه لا يجوز فرضه شاهداً بأن يكتفى بكلامه مع يمينه - فإنّهم يشترطون مع البيّنة اليمين، أي يمين الشاهد -. نعم، يجوز فرضه قرينة من القرائن ولو لم يحلف، وقد يضمّ إلى قرائن أُخرى إلى أن توجب القناعة في نفس القاضي، فيأخذ بشهادته لا كبيّنة، بل كقرينة من القرائن. ولعلّ هذا هو مقصود صاحب الوسيط من افتراض جواز قبول شهادة الصغير.

وعلى أىّ حال فالدكتور عبدالرزاق السنهوري يرى في كتابه (الوسيط) أنّ القرآن قد أتى بأرقى مبادىء الإثبات في العصر الحديث، وهو الكتابة على ما نصّ به في آية التداين، ولكن لمّا كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك لغلبة الأُمّيّة لم يستطع الفقهاء إلاّ أن يسايروا حضارة عصرهم، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلى مقام تنزل عنه الكتابة نزولا بيّناً. قال: «ومن العجب أنّ عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت وراء تقديم الشهادة على الكتابة، فظلّ يردّد ما قاله الفقهاء الأوّلون في تقديم الشهادة ...»(1).

أقول: إنّ الآية المباركة لا دلالة فيها على كون الكتابة مصدراً للإثبات في القضاء عند المرافعة، وأنّ البيّنة مصدر ثانوىّ للإثبات، وإنّما الآية أكّدت على ضرورة الكتابة، وقد يكون ذلك للتذكير والمنع عن النزاع.

ثمّ الكتابة حينما تفيد العلم خصوصاً القريب من الحسّ فإغفالها إنّما هو صادق بشأن الفقه السنّي. أمّا الفقه الشيعي، فقد اعترف بحجّيّة علم القاضي وتقدّمه على البيّنة. وحينما لا تفيد العلم، فالعلم الحسّي للبيّنة كان أقرب إلى الواقع من ظنّ القاضي الناشىء من الكتابة لدى الشارع حتى لو أخذ بعين الاعتبار احتمال خطأ القاضي في فهم البيّنة.


(1) الوسيط، ج 2،بهامش الفقرة: 189.

الصفحة 543

والوجهان اللذان علّل بهما السنهوري شرط الكتابة في إثبات التصرف القانوني المدني - وقد تقدّم نقلهما عنه في أوّل بحثنا عن طرق الإثبات: من كون التعبير في ذلك عن إرادة تتّجه لإحداث أثر قانوني أمراً دقيقاً قد يغمّ على الشهود، ومن سهولة تهيئة الدليل الكتابي عليه وقت وقوعه - لا يصلحان نكتتين لا شتراط الإثبات بالكتابة; بحيث

لو قصّر في الكتابة لا نسدّ باب الإثبات ولم تفد البيّنة فيما تزيد قيمته على عشرة جنيهات، وإنّما يصلحان نكتتين للإلزام بالكتابة أو الحثّ عليها، كما صنعته الشريعة الإسلامية مع الاحتفاظ بحقّ الإثبات بالبيّنة على تقدير التقصير في الكتابة.

وبعد فعدم شرط العدالة في البيّنة حسب مدرسة الفقه الوضعي له أثره البالغ في فرض تحفظات تجاه البيّنة، بينما الشريعة الإسلامية في نظر الفقه الشيعي منزّهة عن إغفال شرط العدالة.

جملة من شرائط البينة في الفقه الوضعي:

ومن شرائط البيّنة لديهم الحلف، ولو بدّلوه بشرط العدالة لكان أقوى وأشرف لهم: أما كونه أقوى فلأنّ غير العادل ما أكثر إقدامه على الحلف الكاذب، والعادل يتحرّز عادةً عن الكذب حتى من غير حلف، وأمّا كونه أشرف لهم فلأنّ الدافع الحقيقي لعدم شرط العدالة عندهم واضح، وهو أصل كون العدالة - حسب مالديهم من نظرة مادّيّة وانهماك في الشهوات - أمراً أقرب إلى الخيال الطوبائي أقرب منه إلى الحقيقية والواقع.

ومن شرائط البيّنة لديهم العلم الحسّي، ويستثنون فرض موت الشاهد المباشر أو العجز عن الوصول إليه. وهذا في الحقيقة عبارة عن تقييد نفوذ الشهادة

 
الصفحة 544

على الشاهد بالعجز عن تحصيل الشاهد المباشر.

وقالوا: يجب أن تؤدّى الشهادة شفهاً أمام المحكمة أو القاضي مباشرةً وجهاً لوجه; لأنّه إذا كذب اللّسان أو سكت حيث يجب الكلام، فإنّ هيئة المرء و حالته وطريقة شهادته قد تنمّ عن الحقيقة، أو تساعد على اكتشافها، أو تساعد على تقدير الشهادة (المادة 90 إثبات). ويجب أيضاً أن لا يعتمد الشاهد في شهادته إلاّ على ذاكرته، ولا يصحّ أن يسمع له بتلاوة شهادته من ورقة مكتوبة أو يستعين بأيّة مذكّرة إلاّ إذا كانت شهادته منصبّة على أمر معقّد أو لمعرفة أرقام وتواريخ مثلا بعد إذن المحكمة أو القاضي حيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى (المادة 90 إثبات). والأصل في التحقيق وسماع الشهود أن يكون بمعرفة هيئة المحكمة; إنّما يجوز لها طبقاً للمادة(72 إثبات) - عند الاقتضاء - أنّ تندب أحد قضاتها لإجرائه(1).

وقالوا: يجب أداء الشهادة في حضور الخصوم فسحاً لباب السؤال والمناقشة، ويؤدّي كلّ شاهد شهادته على انفراد من باقي الشهود(2).

والخصم هو الذي يعيّن الشهود، ولو سمعت المحكمة شاهداً، ولم يعترض الخصم كفى، وإذا اعتراض الخصم أمام المحكمة بالدرجة الأولى، ثمّ سكت عنه أمام المحكمة بالدرجة الثانية، لم يكن له التمسّك به أمام محكمة النقض. هذا حينما يكون الإثبات من قبل الخصم، أمّا إذا أمرت المحكمة بالإثبات - متى رأت في ذلك فائدة للحقيقة - فلها أن تستدعي للشهادة من تريد(3).

ولا تقبل شهادة الصغير ولا المحكوم عليه بعقوبة جنائيّة مدّة العقوبة; لأنّه


(1) رسالة الإثبات، ج 1، الفقرة: 379 مكرّر، ص 548 و 549 من الطبعة السابعة.

(2) راجع رسالة الإثبات، الطبعة السابعة، الفقرة: 379 مكرّرأ.

(3) نفس المصدر، الفقرة: 379 ح و 379 ط.

الصفحة 545

يستلزم حرمان المحكوم عليه من الحقوق والمزايا(1).

نعم تسمع شهادة المحكوم عليه بعنوان القرينة كشهادة الصغير، قال أحمد نشأت: «ويسمع على سبيل الاستدلال أيضاً المحكوم عليه بعقوبة جنائيّة مدّة العقوبة طبقاًللمادة (25) من قانون العقوبات التي نصّت على أنّ (كلّ حكم بعقوبة جنائيّة يستلزم حتماً حرمان المحكوم عليه من الحقوق والمزايا الآتية .... ثالثاً - الشهادة أمام المحاكم مدّة العقوبة إلاّ على سبيل الاستدلال)».

وظاهر من هذا النصّ:

أوّلا - أنّه لا يكفي أن يكون المحكوم عليه ارتكب جناية، بل يجب أن يكون محكوماً عليه بعقوبة جنائيّة ... .

ثانياً - أن يكون عدم تحليفه مقصوراً على مدّة العقوبة، فإذا أوفى مدّة العقوبة، أو صدر عفو عن العقوبة كلّها أو بعضها، وكان قد وفّى البعض الآخر، أو صدر عفو عن الجريمة، وجب تحليفه اليمين. وممّا هو جدير بالملاحظة أنّه يؤخذ من نصّ المادة (25) من قانون العقوبات أنّ الشارع اعتبر الشهادة حقّاً أو مزيّة كالقبول في خدمة الحكومة، أو التحلّي برتبة أو نيشان المنصوص عليهما في (أوّلا) و (ثانياً) مع أنّ الشهادة واجب والامتناع عنها معاقب عليه بمقتضى المادة 78 من قانون الإثبات (201 قانون المرافعات السابق)، فالأمر على حقيقته لا يتعدّى عدم الثقة بمجرم حكم عليه بعقوبة جنائيّة ... هذا وإذا تتبّعنا النصّ الحرفىّ لمادة (25) من قانون العقوبات وقولها: إنّ المحكوم عليه يحرم من الشهادة مدّة العقوبة لترتّب على ذلك نتيجة غير معقولة بالنسبة للمحكوم عليه بالإعدام الذي لا تستغرق مدّة عقوبته بضعة ثوان يستحيل أن يشهد في أثنائها. وهذه النتيجة غير المعقولة هي أنّه


(1) نفس المصدر، الفقرة: 379 مكرّر (ك) و مكرّر (ل).

الصفحة 546

يستطيع أن يشهد ويستطيع أن يحلف في المّدة التي تمضي بين الحكم وبين التنفيذ - أي مدّة العقوبة - بالرغم من الحكم عليه بأشدّ عقوبات الجناية. إذن لا مفرّ من اعتبار مدّة إيداعه في السجن من وقت الحكم حتى التنفيذ مدّة عقوبة; لأنّ هذه المدّة ليست إلاّ توطئة لتنفيذ العقوبة، فلا شكّ أنّه يصحّ اعتبارها مدّة عقوبة. وعلى أىّ حال مثل هذا الشخص يكون غالباً في حالة لا يصحّ فيها الاعتماد على أقواله سواء حلف أو لم يحلف(1).

أقول: إنّ نفوذ شهادة الجاني قبل مدّة الحكم عليه وبعد نهايتها لا يمكن تبريره من حيث فلسفة التشريع إلاّ بافتراض أنّ الشهادة حقّ من الحقوق سلب في مدّة المحكوميّة، بينما من الواضح أنّ الشهادة لا ينبغي إلاّ أن تفرض واجباً من الواجبات، وكم فرق بين هذا القانون الوضعي وقانون الشريعة الإسلاميّة الغرّاء الذي لا يقبل شهادة الفاسق إلاّ بعد التوبة ورجوع الملكة لو زالت.

أمّا النقض بمسألة الإعدام فبإمكانهم أن يجيبوا عليه بأنّ الجاني يسلب عنه حقّ الشهادة ليس مدّة تنفيذ الحكم عليه فقط، بل مدّة محكوميته، فهو من حيث صدور الحكم بالقتل مشمول لقانون سلب حقّ الشهادة عنه.

وأمّاما قالوا: من أنّ المحكمة لها أن تأمر بالإثبات متى رأت في ذلك فائدة للحقيقة فلها عندئذ أن تستدعي للشهادة من تريد. فالرأي الصواب في فقهنا الإسلامي هو أنّ المدّعي له الحقّ في رفع اليد عن القضاء بشهادة أي شاهد لا يريده، والاكتفاء بتحليف المنكر. نعم، حينما تكون القضية مشتملة على أمر آخر غير المرافعة كقضيّة أمنيّة من حقّ حاكم الشرع متابعتها، فهنا من حقّ الحاكم أن يأمر بالإثبات وأن يستدعي من يريد من الشهود.


(1) نفس المصدر، الماده: 379 مكرّر (ل).

الصفحة 547

وأمّا شرط التفريق بين الشهود أو الشهادة شفهاً وجهاً لوجه، أو عدم الاعتماد إلاّ على ذاكرته أو الأداء عند حضور الخصوم أو نحو ذلك من الأُمور، فهي في وجه نظر الفقه الإسلامي ليست شروطاً بمعنى عدم نفوذ شهادة الشاهد بدونها، وهي احتياطات اتّخذها الفقه الوضعي بعد إغفال شرط العدالة، ولكن لايبعد القول بأنّ من حقّ الحاكم فرض أمر من هذا القبيل أو غيره مقدّمة للحكم لأجل تقصىّ الحقيقة ممّا هو ليس واجباً بحدّ ذاته في نفوذ الحكم، كما قد يستفاد ذلك من أقضية أمير المؤمنين التي لعلّها مستفيضة إجمالا، والمشتملة على إعمال نكات زائدة على أصل القانون القضائي الواجب من البيّنة واليمين، والتي قد يستظهر منها إعمال ولاية قضائية لا إعمال ولاية الإمامة، ولو حملت على إعمال ولاية الإمامة، نتعدّى إلى الفقيه بمبدأ ولاية الفقيه.

وقال فقهاء الفقه الوضعي أيضاً باشتراط التمييز، فلو لم يوجد التمييز لهرم أو حداثة أو مرض أو لأيّ سبب آخر، لم تنفذ الشهادة(1).

وقالوا أيضاً: لا يجوز الجمع بين صفتي الشاهد والقاضي، ولابين صفتي الشاهد وكاتب الجلسة، ولا بين صفتي الشاهد والمترجم، فإذا حصل الجمع لم تنفذ الشهادة وبطل الحكم(2).

أمّا الجمع بين صفتي الشاهد والقاضي، فيعني في لغتهم نفوذ علم القاضي، وقد مضى الحديث عنه مفصَّلا، وأمّا الجمع بين صفتي الشاهد والكاتب أو المترجم، فقد عُللّ ذلك بتأثّره بشهادته ممّا قد تؤثّر على كتابته أو ترجمته(3). و في الشريعة


(1) راجع رسالة الإثبات، ج 1، الفقرة 379 مكرّر (ك)، الطبعة السابعة.

(2) راجع رسالة الإثبات، ج 1، الفقرة 379 مكرّر (ط)، الطبعة السابعة.

(3) راجع نفس المصدر.

الصفحة 548

الإسلامية لا تمنع الكتابة أو الترجمة عن نفوذ الشهادة. نعم بناءً على مامضى من استظهار جواز إلزام القاضي بما هو غير لازم يجوز إلزامه بالفصل بين الشهادة والكتابة أو الترجمة، لا بمعنى المنع عن الشهادة أو نفوذها، بل بمعنى منعه عن الكتابة أو الترجمة والإتيان بكاتب أو مترجم آخر لدى الحاجة.

وقالوا: لايصحّ الجمع بين صفتي الشاهد وخصم في الدعوى يقرّر أمراً لمصلحة الخصم الأصلي ما لم تكن المحكمة هي التي أحالت الدعوى إلى التحقيق ولم تعلنه كشاهد(1).

وقد مضى تعليقنا على إحالة الحاكم الدعوى إلى التحقيق، ولو صحّ ذلك لم يكن مبرّراً عندنا لقبول شهادة من هو داخل في الخصومة.

ونكتفي بهذا المقدار عن نقل مطالب أصحاب القانون والتعليق عليها، والراغب في متابعة الموضوع بإمكانه مراجعة وكتبهم المفصّلة في ذلك، وأخصّ بالذكر كتاب (الوسيط) للسنهوري و(رسالة الإثبات) لأحمد نشأت، وبإمكانه التعليق عليها على نسق ما مضى.


(1) راجع المصدر السابق، الفقرة: 379 مكرّر (ق).

السابق | التالي | فهرس الكتاب