الصفحة 422

لا يحقّ له فرض الحكم من دون طلب المدّعي للحكم وفق البيّنة; لأنّ ذلك حقّ له، أمّا إذا كان المدرك هو التهمة، فهي موجودة في الحقّ المشترك.

والآن فلنقطع النظر عن أنّ مقصود الأصحاب من التبرّع هل هو عدم طلب الحاكم، أو عدم طلب ذي الحقّ؟ لنبحث أصل الموضوع، وهو أنّ الشهادة هل تنفذ ابتداءً بلا طلب، أوْ أنّ نفوذها مشروط بطلب ذي الحقّ، أو بطلب الحاكم في خصوص حقوق الناس الفرديّة، أو حتّى العامّة، أو حتّى حقوق اللّه؟

تحقيق الحال في شهادة المتبرّع:

وتحقيق الحال في ذلك يتوقّف على أن نرى أنّه هل هناك إطلاق يُثبت لنا نفوذ شهادة البيّنة على الإطلاق أوْلا؟ فإن لم يكن هناك إطلاق فما هو القدر المتيقّن من النفوذ؟ وإن كان هناك إطلاق فهل خرج منه شيء بالتخصيص؟ وما هو الخارج منه بالتخصيص؟

فنقول: إنّ أدلّة نفوذ شهادة البيّنة عديده:

الأوّل - الإجماع البالغ حدّ الضرورة الفقهيّة ممّا لا يضرّ به وجود المدرك، وهذا دليل لبّي لا إطلاق له، فمتى ما احتملنا عدم نفوذ البيّنة - لعدم طلب الحاكم أو ذي الحق - لم تنفذ، وتصل النوبة إلى اليمين بناءً على أنّ دليل اليمين ظاهر في وصول النوبة إليه متى مالم تصبح البيّنة حجّة فعليّة.

الثاني - حديث مسعدة بن صدقة: (... والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة)(1) بناءً على تماميّة دلالته على حجيّة البيّنة بالمعنى المصطلح.

وقد يُقال: إنّ هذا الحديث إن تمّت دلالته على حجّيّة البيّنة، فإنّما يدلّ على


(1) الوسائل، ج 12، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، ص 60.

الصفحة 423

الحجّيّة الذاتية لها، لا الحجّيّة القضائيّة، فقد يكون شيء حجّة بذاته، ولكن ليس موضوعاً كاملا للقضاءبه كالأصل الذي هو في صالح المنكر.

ويمكن الجواب على ذلك: بأنّ البيّنة إذا كانت أمارة شرعيّة تثبت الحقّ، فبضمّ أدلّة القضاء بالحقّ تثبت لها الحجيّة القضائيّة. وعلى أىّ حال فالحديث ساقط سنداً.

الثالث: دليل حجّيّة خبر الواحد بناءً على شموله للخبر في الموضوعات، وهو وإن دلّ على الحجّيّة الذاتيّة لا القضائيّة، لكن بما أنّ الخبر أمارة على الحقّ والواقع فبضمّه إلى دليل القضاء بالحقّ تثبت له الحجّيّة القضائيّة، ولايضرّ بذلك فرض قيام الدليل على الحاجة إلى التعدّد في باب المرافعة، فلا يكفي خبر إنسان واحد، فإنّ هذا لا يعني إسقاط حجّيّة خبر الواحد في باب المرافعة، وإنّما يعني تقييد إطلاقه بشرط التعدّد، فبالتالي تثبت حجّيّة خبر الواحد - أي ما دون المتواتر - في باب المرافعة بشرط التعدّد حجّيّة ذاتية، وبضمّ ذلك إلى دليل القضاء بالحقّ تثبت له الحجّيّة القضائيّة، بل قد يقال: إنّ خبر الإنسان الواحد أيضاً حجّة في باب المرافعة بذاته لإطلاق دليل حجّيّة خبر الواحد، غاية الأمر أنّه دلّ الدليل على اشتراط الحجّيّة القضائية بالتعدّد.

ولكنّ الواقع: أنّ عمدة أدلّة الحجّيّة الذاتيّة لخبر الواحد هي السيرة أو بعض الإطلاقات الّتي يتمّ إطلاقها بواسطة السيرة - على شرح مضى في بحث تمييز المدّعي من المنكر - وفي باب المرافعة لم تثبت سيرة على حجّيّة خبر الواحد أو البيّنة حجّيّةً ذاتيّةً بحيث يعمل بها الشخص الثالث قبل حكم الحاكم; إذن فلا يمكن ضمّ ذلك إلى دليل القضاء بالحقّ لإثبات حجّيّة البيّنة على الإطلاق في باب القضاء.

الرابع - ما ورد من مثل قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(1)،


(1) الوسائل ج 18، باب 2 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 169.

الصفحة 424

ومثل قوله : «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»(1).

وقد يورد على إطلاق الأوّل بأنّ الحديث إنّما هو بصدد حصر القضاء بالبيّنات والأيمان، أمّا أنّه متى يكون الرجوع إلى البيّنات؟ ومتى يكون الرجوع إلى الأيمان؟ فليس الحديث بصدد بيانه، وعلى إطلاق الثاني بأنّه ليس بصدد ذكر الشروط، وإنّما هو بصدد بيان من عليه البيّنة ومن عليه اليمين.

والواقع أنّ هذا وإن كان يضرّ بالإطلاق الحَكَمي، ولكنّ الإطلاق المقامي - بالنسبة لرفض كلّ قيد يكون مرفوضاً وفق المرتكزات العقلائية - ثابت، والأمر في ما نحن فيه من هذا القبيل، فكون طلب الحاكم دخيلا في نفوذ شهادة البيّنة من دون فرض تحقّق التهمة في الشهادة التبرعية خلاف المرتكز العقلائي، وأمّا كون طلب ذي الحقّ أو إذنه دخيلا في ذلك، فإن كان بمعنى دخله في تكميل نقص البيّنة كبيّنة وإيصالها إلى مستوى الحجّيّة فهذا أيضاً - حينما لا يفرض تحقّق التهمة في الشهادة التبرعيّة - مرفوض عقلائياً، وإن كان بمعنى أنّه وإن لم يكن هناك عيب في البيّنة ولكنّ حكم الحاكم في غير الحقوق الإلهية والحقوق العامّة إنّما هو من حقّ من يحكم بصالحه، فإذا هو لم يرد الحكم، فلا مبِّرر لجواز الحكم ونفوذه، فهذا المعنى ليس على خلاف مرتكز العقلاء.

إلاّ أنّ هذا لايعني صحّة ما نقل عن الأصحاب من عدم نفوذ شهادة المتبرّع الظاهر في إرادة النقص في جانب الشهادة.

إذن فالصحيح وجود الإطلاق الدالّ على نفوذ شهادة المتبرّع ولامقيّد له، والتهمة ممنوعة كما تقدّم. نعم، لابأس بالقول بعدم جدوى شهادة المتبرّع - أي الشهادة من دون طلب المدّعي - لا بمعنى النقص في جانب الشهادة، بل بمعنى


(1) راجع الوسائل ج 18، باب 3 من كيفيّة الحكم، ص 170 إلى 172.

الصفحة 425

النقص في جانب الحكم من دون إرادة المدّعي حيث لا دليل على نفوذ الحكم في هذه الحالة، أمّا إذا افترضنا أنّ الشهادة كانت تبرعيّة - أي من دون طلب ذي الحقّ - ثم بعد ذلك طلب ذو الحقّ حكم الحاكم وفق الشهادة، وحَكَم الحاكم وفقها، فهذا الحكم نافذ رغم تبرّعيّة الشهادة.

بقي هنا إشكال في الحساب، وهو أنّ المدّعي لو لم يرد من الحاكم الحكم وفق البيّنة رغم قيام البيّنة ولو تبرّعاً، واراد تحليف المنكر وقيام الحكم وفق حلف المنكر، فما هو الدليل على نفوذ حكم الحاكم وفق حُلف المنكر؟ فصحيح أنّه لا دليل على نفوذ حكم الحاكم وفق البيّنة; لأنّ هذا من حقّ المدّعي الّذي لم يطلبه، ولكن قد يُقال: لادليل أيضاً على نفوذ حكمه وفق يمين المنكر، فإنّ مثل قوله : «إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» وإن كان ظاهراً في حجّيّة اليمين عند عدم فعليّة حجّيّة البيّنة، لكنّ النقص - كما عرفنا - لم يكن هنا في البيّنة، فالبيِّنة - بما هي بيِّنة - كانت مستكملة لشروط الحجّيّة رغم تبرّعيّتها، وإنّما النقص كان في جانب الحكم الذي لادليل على نفوذه حينما يكون من حقّ شخص لايريد حقّه; إذن لا دليل على نفوذ الحكم وفق اليمين أيضاً.

إلاّ أنّ هذا الإشكال يرفع بالتمّسك بإطلاق ما ورد - بسند تامّ - عن ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه : قال: «إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه، فاستحلفه، فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحق المدّعي، فلا دعوى له. قلت له: وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال: نعم، وإن أقام بعد ما استحلفه باللّه خمسين قسامة، ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه». وزاد في (من لايحضره الفقيه): قال رسول اللّه : «من حلف لكم على حقّ فصدّقوه، ومن سألكم باللّه فاعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدّعي،

 
الصفحة 426

ولا دعوى له»(1). وهذه الزيادة إن كانت من كلام الإمام الصادق ، فسندها هو سند الصدوق إلى ابن أبي يعفور، وإن كانت من الصدوق ، فهي مرسلة. وعلى أيّ حال فالمهم إطلاق صدر الحديث لفرض اكتفاء المدّعي بيمين المنكر رغم وجود الشهادة التبرّعيّة، ولاتضرّ بذلك ندرة الفرض، فإنّ ندرة الفرض تضرّ بحمل الإطلاق عليه، لابشموله له

ومثل هذا الحديث حديث خضر النخعي في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده قال: «فإن استحلفه، فليس له أن يأخذ شيئاً، وإن تركه ولم يستحلفه، فهو على حقّه»(2)، إلاّ أنّ خضر النخعي لم تثبت وثاقته.

الخامس - ما عن يونس عمّن رواه قال: «استخراج الحقوق باربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدّعي، فإن لم يكن شاهد، فاليمين على المدّعى عليه، فإن لم يحلف وردّ اليمين على المدّعي، فهي واجبة عليه أن يحلف، ويأخذ حقّه، فإن أبى أن يحلف، فلا شىء له»(3)، فهذا الحديث أيضاً بإطلاقه يشمل شهادة المتبرّع سواء كان بمعنى الشهادة قبل طلب الحاكم، أو بمعنى الشهادة قبل طلب ذي ا الحقّ، إلاّ أنّه لا يدلّ على أكثر من حجّيّة البيّنة بما هي، أمّا أنّه لو اكتفى صاحب الحقّ بتحليف المنكر ولم يوافق على أن يحكم الحاكم وفق البيّنة التبرّعيّة، فالحديث لا يدلّ على جواز حكم الحاكم وفق البيّنة، ونرجع مرّةً أُخرى إلى ما دلّ على أنّ تحليف المنكر يذهب بحقّ المدّعي.


(1) الوسائل ج 18، باب 9 من كيفية الحكم، ح 1 و 2، ص 179.

(2) الوسائل ج 16، باب 48 من كتاب الأيمان، ح 1، ص 179 .

(3) الوسائل، ج 18، باب 7 من كيفية الحكم، ح 4، ص 176.

الصفحة 427

وعلى أي حال فهذا الحديث ضعيف سنداً بعدم معرفة من روى عنه يونس، وعدم انتهائه إلى المعصوم، فالمهم هو الوجه الرابع.

والمتحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ طلب الحاكم ليس دخيلا في نفوذ الشهادة، وموافقة المدّعي دخيلة لا في نفوذ الشهادة بالمعنى الّذي قد يوحي إليه هذا اللّفظ، بل في حكم الحاكم حينما يكون من حقّ المدّعي; إذ لا دليل على نفوذ الحكم في هذه الحالة، وينتقل الأمر عندئذ إلى حلف المنكر الّذي يذهب بحقّ المدّعي. أمّا في حقّ اللّه والحقوق العامّة فلا موضوع لهذا البحث; لأنّ من حقّ ولىّ الأمر أن يتدخّل مباشرةً في الحكم من دون افتراض مدّع يطالب به. وما يشتمل على حقّ اللّه وحقّ للفرد تنفذ فيه الشهادة التبرّعيّة بالنسبة لحقّ اللّه، ولا تنفذ بالنسبة لحقّ الفرد بالمعنى الذي شرحناه لعدم النفوذ، لا بالمعنى الذي يوحي إليه حاقّ اللّفظ.

وإذا كان حقّ واحد للّه وللفرد في وقت واحد تنفذ فيه الشهادة التبرعيّة بلا إشكال.

شرط (الحسّ) في الشهادة

الشرط التاسع - أن تكون الشهادة عن حسّ.

لاإشكال في وجوب استناد الشهادة إلى مدرك مقبول، وعدم جواز الشهادة بمجرّد الاحتمال أو الظنّ وبلامستند مثبت لما يشهد به، وعدم نفوذها.

والمستند الّذي يمكن للشاهد أن يعتمد عليه في مقام الشهادة لا يخلو عن أحد أُمور أربعة:

الأوّل - الحسّ: وأقصد بذلك ما لو كان الوسيط بينه وبين علمه بالواقع

 
الصفحة 428

إحدى حواسّه كالبصر أو السمع.

والثاني - ما يقرب من الحسّ: و أقصد بذلك ما لو كان هناك وسيط آخر غير الحسّ وقع في طريقه إلى العلم بالواقع، إلاّ أنّ هذا الوسيط سنخ أمر يوجب العلم لعامّة الناس كالتواتر، فسمعه - مثلا الذي هو من إحدى حواسّه - لم يقع مباشرةً على ما يشهد به، وإنّما وقع على التواتر القائم على ما يشهد به، والتواتر موجب للعلم لعامّة الناس.

والثالث - العلم غير الحسّي وغيرما يقرب من الحسّ: وأقصد بذلك ما لو كان هناك وسيط بينه وبين علمه بالواقعة غير الحسّ وغير ما يوجب العلم لعامّة الناس، كما يتّفق كثيراً لإنسان ما يحصل له العلم بشيء على أساس قرائن لو عرضت على إنسان آخر ربّما لا توجب له العلم.

والرابع - الدليل التعبّدي من أمارة أو أصل كما لو ثبتت له ما لكيّة المدّعي لمال باليد أو بالاستصحاب.

ولا شكّ في جواز الشهادة ونفوذها في القسم الأوّل، وهو الشهادة عن الحسّ، فإنّه القدر المتيقن من الأقسام في النفوذ بلا إشكال .

الشهادة بما يقرب من الحسّ:

وأمّا القسم الثاني وهو الشهادة عمّا يقرب من الحسّ كالشهادة على أساس التواتر ونحوه، فهو ملحق بالقسم الأوّل; لأنّ الأدّلة اللّفظيّة الدالّة على نفوذ القسم الأوّل تدلّ على نفوذ هذا القسم أيضاً حتى ولو لم يتمّ فيها الإطلاق اللّفظي، أوكان مفاد لفظها مخصوصاً بالقسم الأوّل:

امّا ما لا يتمّ فيه الإطلاق اللّفظي فكقوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات

 
الصفحة 429

والأيمان»(1) حيث إنّه بصدد حصر مقياس القضاء بالبيّنة واليمين، أمّا أنّه متى يعمل بالبيّنة؟ ومتى يعمل باليمين؟ فليس بصدده. ولكن رغم هذا نعتقد دلالته على نفوذ الشهادة القائمة على أساس ما يقرب من الحسّ وذلك باعتبار الإطلاق المقامي الرافض لكلّ قيد يرفضه ارتكاز العقلاء، ومنها قيد الحسّ في مقابل ما يقرب من الحسّ.

وأمّا ما يكون مفاده مخصوصاً بالقسم الأول فكما ورد عن عليّ بن غياث أو علىّ بن غراب عن أبي عبد اللّه قال: «لا تشهدَنَّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك»(2). والسند غير تامّ، وكما رواه المحققّ مرسلا عن النبي أنّه قال - وقد سئل عن الشهادة -: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فأشهدْ أو دَعْ»(3). فبناءً على اختصاص المفاد اللّفظي لذلك بالشهادة الحسّية نتعدّى إلى الشهادة القائمة على أساس ما يقرب من الحسّ ببركة عدم احتمال العرفِ الفرقَ، فإنّ عدم احتمال الفرق يكوّن للديل دلالة التزاميّة عرفيّة على المقصود، وبهذا البيان يتمّ أيضاً الاستدلال بمثل قوله : «إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» حتى ولو غضّ النظر عن فرض الإطلاق المقامي، فإنّ عدم الإطلاق لا يجعله أتعس حالا من نصٍّ كان مفاده خاصّاًبالقسم الأوّل.

وإن شئت فقل إنّ النكتة الّتي جعلتنا نؤمن بحجّيّة لوازم الأمارة الّتي لم يكن مدلولها المطابقي موضوعاً للحجّيّة لعدم ترتب أثر شرعي عليه، ولكنّ لازمه كان ذا أثر شرعي; نفس تلك النكتة تجعلنا نؤمن بحجّيّة البيّنة الّتي ليست هي بلحاظ مصبّ


(1) الوسائل / ج 18، باب 2 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 169.

(2) الوسائل / ج 18 باب 20 من الشهادات، ح 1، ص 250.

(3) نفس المصدر ح 3، ص 251 .

الصفحة 430

الأثر القضائي بيّنة عن حسّ، لكن هي بلحاظ ما لاينفكّ عن مصبّ الأثر القضائي - ويلازمه عادةً - كالتواتر المخبِر عن الواقعة المشهود بهابيّنة عن حسّ.

ويشهد لنفوذ البيّنة الّتي انصبّ علمها الحسّي على مايلازم المقصود في باب القضاء لا على نفس المقصود ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن موسى بن جعفر البغدادىّ عن جعفر بن يحيى عن عبداللّه بن عبدالرحمن عن الحسين بن يزيد عن أبي عبداللّه عن أبيه عن آبائه قال: «أتى عمر بن الخطاب بقدامة بن مظعون وقد شرب الخمر، فشهد عليه رجلان: أحدهما أنه رآه يشرب، وشهد الآخر أنّه رآه يقيء الخمر، فأرسل عمر إلى ناس من أصحاب رسول اللّه فيهم أمير المؤمنين فقال لأمير المؤمنين : ما تقول يا أبا الحسن فإنّك الذي قال رسول اللّه : أنت أعلم هذه الأُمّة وأقضاها بالحقّ، وأنّ هذين قد اختلفا في شهادتهما، فقال أمير المؤمنين : ما قاءها حتى شربها، فقال: وهل تجوز شهادة الخصىّ؟ فقال ما ذهاب لحيته إلاّ كذهاب بعض أعضائه»(1).

والحسين بن يزيد ثبتت وثاقته برواية ابن أبي عُمير وصفوان عنه، ولكنّ في السند موسى بن جعفر البغداىّ ولادليل على وثاقته عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات، وعدم استثناء رواياته من روايات محمد بن أحمد بن يحيى، وكلاالوجهين لا يصلحان للتوثيق .

وهناك رواية أُخرى تامّة سنداً ودالة على المقصود، وهي ما رواه الصفّار أنّه كَتَب إلى أبي محمد : هل يجوز للشاهد الذي أشهده بجميع هذه القرية أن يشهد بحدود قطاع الأرض الّتي له فيها إذا تعرّف حدود هذه القطاع بقوم من أهل هذه القرية إذا كانوا عدولا؟ قال: «فوقّع نعم، يشهدون على شيء مفهوم


(1) التهذيب ج 6، ح 772، ص 281.

الصفحة 431

معروف»(1). وعلى أىّ تقدير فحجّيّة البيّنة في القسم الأوّل والثاني ينبغي افتراضها من الواضحات.

الشهادة القائمة على أساس الأمارة أو الأصل:

كما لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى القواعد عدم حجّيّة البيّنة في القسم الرابع، وهو البيّنة القائمة على أساس الأمارة أو الأصل.

وقد يقال: إننّا لو آمنّا في القسم الثالث - وهو البيّنة القائمة على أساس العلم الشخصىّ غير القائم على الحسّ أو ما يقرب منه - بنفوذها، وأمنّا في علم الأُصول بقيام الأمارة و الأصل مقام العلم الموضوعيّ، كانت النتيجة الطبيعية لمجموع هذين الأمرين نفوذ الشهادة القائمة على أساس الأمارة أو الأصل .

ولكنّ الواقع أنّنا - حتى لو آمنّا بهذين الأمرين - نقول: إنّه في خصوص نفوذ الشهادة في باب القضاء لا تقوم الأمارة والأصل مقام العلم الموضوعي، وذلك لأنّ هذه البيّنة إمّا أن نفترض أنّها تشهد بمفاد الأمارة أو الأصل - أي تشهد بالحكم الظاهري - وهذا في الحقيقة شهادة عن حسّ، أو نفترض أنّها تشهد بالحكم الواقعي اعتماداً على الحكم الظاهري إيماناً منه بقيامه مقام العلم الموضوعي، فإن فرضت شهادته بالحكم الظاهري، فهذه الشهادة سوف لاتكون أفضل من علم القاضي عن حسّ بالحكم الظاهري وعلم جميع الناس به، ونحن نعلم أنّ الحكم الظاهري وحده لايكون منشأً لحكم القاضي، بل يجب ضمّه إلى اليمين، أي أنّ الحكم الظاهري يجعل من كان كلامه موافقاً له منكراً، ومن كان كلامه مخالفاً له مدّعياً، فتصل النوبة إلى


(1) الوسائل ج 18، باب 48 من الشهادات ، ح 1، ص 301.

الصفحة 432

يمين المنكر لو لم تكن للمدّعي بيّنة، فشهادة الشاهدين بالملكيّة الظاهرية لزيد على أساس اليد - مثلا - ليست بأفضل حالا ممّا لو رأى القاضي بأُمّ عينيه وجميع من كانوا جلوساً حوله أنّ زيداً له اليد على هذا المال، ومن الواضح أنّه عندئذ ليس للقاضي الحكم بمالكية زيد إلاّ بعد يمينه، فالشهادة بالحكم الظاهري لا تعتبر بيّنة موجبة للحكم على أساسها. نعم، قد تقلب الشهادة بالحكم الظاهري المدّعي منكراً و المنكر مدّعياً، كما لو لم تكن لزيد ولا لعمرو أمام القاضي يد على المال، وكانت دعوى عمرو للملكية مطابقة للاستصحاب، فكان هو المنكر، وشهدت البيّنة بأنّ زيداً كان هو صاحب اليد على هذا المال بعد الملكية السابقة لعمرو في زمان تعلم البيّنة بأنّه لم ينتقل المال بعد ذلك منه إلى عمرو، فهذه شهادة من قبل البيّنة تقلب المدّعي منكراً والمنكر مدّعياً، فيصبح زيد هو المنكر بعد أن كان مدّعياً وعمرو المدّعي بعد أن كان منكراً.

وإن فرضت شهادة البيّنة بالحكم الواقعي اعتماداً على الحكم الظاهري، فمن الواضح أنّ العرف لا يتصوّر كون شهادتها على الحكم الواقعي الّتي هي فرع علمها بالحكم الظاهري بأكثر قيمة من شهادتها الحسّية بنفس الحكم الظاهري الذي هو الاساس لشهادتها بالواقع، فلا يتمّ في نظر العرف إطلاق لدليل نفوذ الشهادة القائمة على العلم - منضّماً إلى دليل قيام الأمارة والأصل مقام العلم - لما نحن فيه.

فتحصّل حتى الآن: أنّ مقتضى الأدلّة الأوّليّة عدم نفوذ الشهادة القائمة على أساس الأمارة والأصل.

نعم شهادته بالواقع اعتماداً على الظاهر جائزة تكليفاً; بمعنى عدم مشموليّتها لحرمة الكذب لو قلنا بقيام الأمارة والأصل مقام القطع الموضوعي، ولكن يبقى محلّ للقول بالحرمة التكليفية من ناحية التغرير وحرف مسير القضاء عن مسيره الطبيعي لو لم يُبرِزاأنّ شهادتهما بالواقع إنّما هي بالاعتماد على الظاهر، فتخيّل القاضي أنها

 
الصفحة 433

شهادة بالواقع عن علم فرتّب عليها الأثر.

ويمكن أن يصاغ الدليل على كون مقتضى القاعدة عدم نفوذ الشهادة القائمة على أساس التعبّد بصياغة أُخرى بيانها: أن يُقال: إنّ الموقف الفقهي من بيّنة المنكر فيه احتمالات ثلاثة سندرسها في موضعها - إن شاء اللّه -:

الأوّل: أن تكون بيّنة المنكر حجّة كبيّنة المدّعي وموجبة للقضاء وفقها بفرق أن المدّعي هو الذي يكون عليه البيّنة، فلو أقامها لاتصلُ النوبة إلى بيّنة المنكر، ولو لم يقمها جاز للمنكر أن يكتفي باليمين، فيُقال: هذا هو المقدار الذي يفهم من ماورد من أنّ (البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر)، فهذه القاعدة ليس معناها عدم قبول البيّنة من المنكر، وإنّما معناها التسهيل على المنكر بالاكتفاء بيمينه إذا أراد، وذلك بنكتة مطابقة كلامه للأصل. أمّا إذا أقام البيّنة - بعد فرض عدم إقامة المدّعي للبيّنة ووصول النوبة إليه - فلا بأس بذلك، ولا يطالَب عندئذ باليمين.

والثاني - أن يقال: إنّ قاعدة أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر كما لم تدلّ على رفض البيّنة من المنكر كذلك لم تدلّ على تقديم بيّنة المدّعي على المنكر، فهما متساويتان في القيمة، وإنّما الفرق بين المدّعي والمنكر أنّ المدّعي هو الذي يطالَب بالبيّنة، وأمّا المنكر فله الاكتفاء بالحلف أو بالبيّنة لو لم يقم المدّعي البيّنة، أمّا لو أقام كلاهما البيّنة بالتساوي: فإمّا أن يحكم للمنكر لمطابقة كلامه للأصل، أو يحلّف المنكر، ثمّ يحكم له بعد حلفه. ونلحق بهذا الاحتمال احتمال كون بيّنة المنكر حجّة ذاتية لاقضائية، فالمنكر - على أيّ حال - بحاجة إلى اليمين، وإنّما فائدة بيّنته هي إسقاط بيّنة المدّعي بالتعارض. وعلى أيّ حال فيشهد للأوّل - أعني كون الحكم للمنكر - ما عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبداللّه : (أنّ أميرالمؤمنين اختصم إليه رجلان في دابّة، وكلاهما أقاما البيّنة أنّه أنتجها، فقضى بها للّذي في يده،

 
الصفحة 434

وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين)(1). ويشهد للثاني - أعني تقييد الحكم عند تعارض البيّنتين بحلف المنكر - ما عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه : (أنّ رجلين اختصما إلى أميرالمؤمنين ، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، فأحلفهما عليّ ، فحلف أحدهما ، وأبى الآخر اُن يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما، أقاما البيّنة؟ فقال: أُحلّفهما، فأيّهما حلف، ونكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين. قيل: فإن كانت في يد أحدهما ، وأقاما جميعاً البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الّذي هو في يده)(2). وفي السند غياث بن كلوب، ولعلّه يكفي في توثيقه ما ذكره الشيخ في العدّة من أنّه (عملت الطائفة بأخباره إذا لم يكن لها معارض من طريق الحقّ)، فقد يجعل هذا الحديث مقيّداً للحديث الأوّل.

والثالث - أن يقال: إنّ معنى كون (البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر) أنّه لاتُقبل من المنكر البيّنة أصلا، فالبيّنة إنّما تُقبل من المدّعي الذي عليه أن يقيم البيّنة، وأمّا المنكر فليس عليه إلاّ اليمين، أمّا لو أقام بيّنة على إنكاره فلاقيمة لبيّنته إطلاقاً; كما يشهد له ما ورد عن منصور قال: «قلت لأبي عبداللّه : رجل في يده شاة، فجاء رجل فادّعاها، فأقام البيّنة العدول أنّها ولدت عنده، ولم يهب، ولم يبع، وجاء الذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول أنّها ولدت عنده لم يبع ولم يهب، فقال أبو عبداللّه : حقّها للمدّعي، ولاأقبل من الذي في يده بيّنةً; لأنّ اللّه - عزّوجلّ - إنّما أمر أن تطلب البينة من المدّعي، فإن كانت له بيّنة، وإلاّ فيمين الذي هو في يده، هكذا


(1) الوسائل / ج 18 ، باب 12 من كيفية الحكم ، ح 3 ، ص 182.

(2) نفس المصدر / ح 2.

الصفحة 435

أمر اللّه - عزّ وجلّ -»(1). إلاّ أنّ سند الرواية ضعيف; لأنّ إبراهيم بن هاشم رواها عن محمد بن حفص عن منصور، فإن كان منصور منصرفاً إلى منصور بن حازم الذي كان له كُتبٌ أو كان منصرفاً عن غير شخصين: أحدهما منصور بن حازم الذي له كتب، والثاني منصور بن يونس الذي له كتاب، فلا إشكال في سند الحديث من ناحية منصور; لأنّهما ثقتان، لكن يبقى الإشكال من ناحية محمد بن حفص، وذلك لما ذكره السيّد الخوئي في مباني تكملة المنهاج(2) من أنّ تطبيق الأردبيلي هذا الرجل على محمد بن حفص وكيل الناحية الذي كان يدور عليه الأمر، وكان من أصحاب الإمام العسكري غير صحيح; اذ لايمكن أن يروي محمد بن حفص هذا عن منصور الذي كان في زمن الصادق والكاظم ، ولايمكن أن يروي عنه إبراهيم بن هاشم الذي لقي الرضا وأدرك الجواد . إذن فمحمد بن حفص الوارد في سند هذا الحديث رجل مجهول.

وعلى أيّ حال فلو قلنا في المقام بحجّيّة البيّنة الّتي كانت شهادتها قائمة على أساس التعبّد في باب القضاء، فبضمّ ذلك إلى أيّ مبنىً نختاره في بينة المنكر، نصل إلى نتيجة غربية:

فإن اخترنا المبنى الإوّل، وهو أنّ بيّنة المنكر تقبل بعد فقد المدّعي للبيّنة وتُغني عن اليمين، لزم من ذلك أن يكون بإمكان المنكر التخلّص من اليمين دائماً; لأنّ كلامه مطابق دائماً للحكم الظاهري، فبإمكانه تحصيل الشهود على طبق كلامه بناءً على نفوذ الشهادة القائمة على أساس التعبّد. وهذا غير محتمل فقهياً.

وإن اخترنا المبنى الثاني، وهو سقوط بيّنة المدّعي لدى إقامة المنكر البيّنة،


(1) الوسائل / ج 18 ، باب 12 من كيفية الحكم ، ح 14 ، ص 186.

(2) ج 1 ، ص 50.

الصفحة 436

فيقضي القاضي لصالح المنكر، إمّا مطلقاً، أو بعد يمينه، لزم من ذلك أنّ بامكان المنكر دائماً أن يُلغي بيّنة المدّعي، ذلك بإقامته هو للبيّنة ما دام كلامه مطابقاً للحكم الظاهري، وما دمنا قلنا بجواز كون الحكم الظاهري أساساً للشهادة، وهذا أيضاً غير محتمل فقهياً، ثمّ لو قلنا بعدم الحاجة إلى يمين المنكر عند تعارض البيّنتين، لزم أيضاً ما مضى من إمكان تخلّص المنكر من اليمين دائماً.

وإن اخترنا المبنى الثالث: وهو أنّه لا تقبل البيّنة من المنكر بأيّ شكل من الأشكال، قلنا: إنّ البيّنة القائمة على أساس التعبّد: إمّا أن تكشف هويّتها أمام القاضي، أوْلا تكشف هويّتها أمام القاضي، فيعتقد - أو يحتمل - القاضي كونها قائمة على أساس معرفة الواقع بالحسّ أو ما يقرب من الحسّ.

فإن كشفت هويّتها أمام القاضي وبيّنت أنّ الشهادة قائمة على أساس الحكم الظاهري، فبهذا قد انقلب المدّعي منكراً، إذ أصبح كلامه موافقاً للحكم الظاهري، وبذلك سقطت البيّنة عن الحجّيّة القضائية; لأنّنا فرضنا عدم قبول البيّنة من المنكر إطلاقاً.

وإن لم تكشف هويّتها أمام القاضي، فهنا نسأل: ما ذا يقصد بفرض حجّيّة هذه البيّنة؟

فإن قصد بذلك حجيّتها بمعنى أنّ القاضي قد اغترّ، واعتقد أنّ هذه بيّنة قائمة على أساس الإحساس بالواقع، وكان من الطبيعي عندئذ تنفيذه هذه البيّنة، فهذا لايعني حجّيّة البيّنة القائمة على أساس التعبّد كما هو واضح، وإنّما يعني أنّ البينة خانت بتحريف مسيرة القضاء بإيحائها إلى ذهن القاضي أنّها قائمة على أساس الإحساس بالواقع لا التعبّد.

وإن قصد بذلك أنّ عدم كشف البيّنة عن هويّتها التعبّديّة جعلها ذات قيمة أكبر ممّا لو كشفت عن هويّتها بحيث أصبحت الآن حجّة حقيقيّة لامن باب تغرير

 
الصفحة 437

القاضي، فالقاضي يقضي وفقاً لهذه البيّنة، ولو احتمل كونها قائمة على أساس التعبّد، فهذا أمر غريب عقلائيّاً، فإنّه من المعقول - عقلائيّاً - أن يكون دليل مّا عند عدم معرفة هويّته أقوى قيمةً من باب خطأ المستدلّ وافتراضه للدليل على هويّة أُخرى، ولكن ليس من المعقول - عقلائيّاً - أن يكون دليل مّا أقوى قيمة واقعاً لدى عدم معرفة هويّته منه لدى معرفة هويّته.

كلّ هذا البيان إنّما صغناه لإثبات أنّ مقتضى القواعد عدم الحجّيّة للبيّنة القائمة على أساس التعبّد في باب القضاء بعد تسليم نفوذ البيّنة القائمة على أساس العلم غير الحسّي وغير ما يقرب من الحسّ، وتسليم قيام الأمارة والأصل مقام العلم الموضوعي، أمّا إذا أنكرنا الثاني - كما هو الصحيح عندنا في بحث الأُصول - أو أنكرنا الأوّل كما سيتّضح - إن شاء اللّه - في البحث عن القسم الثالث، فكون مقتضى القاعدة عدم حجّيّة القسم الرابع يكون في غاية الوضوح.

يبقى في المقام أنّ هناك بعض الروايات ممّا يمكن جعلها دليلا على نفوذ الشهادة القائمة على أساس الأمارة أو الأَصل، وهي عدّة روايات من قبيل ما يأتي ممّا قد يُجعل بعضها شاهداً على نفوذ البينة القائمة على أساس اليد، وبعضها شاهداً على نفوذ البينة القائمة على أساس الاستصحاب:

الرواية الأُولى - ماورد عن حفص بن غياث عن أبي عبداللّه قال: «قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يَدَيْ رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: نعم. قال الرجل: أشهد أنّه في يده، ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره. فقال أبوعبداللّه : أفيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبوعبداللّه : فلعلّه لغيره فمن أين جازلك أن تشتريه ويصير ملكاًلك ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟! ثمّ قال أبوعبداللّه : لو لم يجز هذا

 
الصفحة 438

لم يقم للمسلمين سوق »(1) وهذا الحديث في سنده شخصان قد يتوقّف في تماميّة السند من أجلهما .

أحدهما - الراوي المباشر للإمام، وهو حفص بن غياث حيث لم يرد في كتب الرجال له توثيق عدا ما ذكره الشيخ في فهرسته من قوله: «حفص بن غياث القاضي عامّيّ المذهب له كتاب معتمد» فقد يُقال: إنّ كون كتابه معتمداً لايدلّ على وثاقته، ولكن قد يكفينا ما ذكره الشيخ في العدّة من أنّ الطائفة عملوا بأخبار حفص ابن غياث إذا لم يرد في طريق الإماميّة الموثوق به ما يخالفه.

والثاني - القاسم بن يحيى أو القاسم بن محمد الأصبهاني حيث وقع الأوّل في سند الكليني والشيخ إلى هذه الرواية، والثاني وقع في سند الصدوق إليها، والثاني بناءً على اتّحاده مع القاسم بن محمد القميّ - كما هو الظاهر - قد ضعّف من قبل النجاشي، وبناءً على عدم اتّحاده معه لم يثبت ضعفه، ولكن لم تثبت - أيضاً - وثاقته. والأوّل هو القاسم بن يحيى ورد عن ابن الغضائري تضعيفه، ولا عبرة بذلك، ولكن لم يرد في كتب الرجال توثيق له، إلاّ أنّ السيد الخوئي بنى في معجم رجال الحديث(2) و مباني تكملة المنهاج(3) على و ثاقته لوروده في أسانيد كامل الزيارات، وذلك بناءً على ما بنى عليه من وثاقة كلّ من ورد في أسانيد كامل الزيارات، إلاّ أنّ هذا المبنى غير مقبول عندنا، ولكن هناك شاهد آخر على وثاقته، وهو ما أشار إليه السيّد الخوئي في معجم رجال الحديث(4) من كلام للشيخ


(1) الوسائل / ج 18 ، باب 25 من كيفيّة الحكم ، ح 2 ، ص 215 .

(2) ج 14 ، صفحه 68.

(3) ج 1، صفحه 114 .

(4) ج 14 ، صفحه 69

الصفحة 439

الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)، و قد أشار اليه السيّد الخوئى بعنوان التأييد لوثاقته الّتي أثبتها بوروده في أسانيد كامل الزيارات وبيانه: أنّ الشيخ الصدوق - في (من لايحضره الفقيه)(1) ذكر في زيارة الحسين زيارةً نقلها عن الحسن بن راشد عن الحسين بن ثوير عن الصادق ، ثمّ ذكر وداعاً للحسين نقلا عن يوسف الكناني عن أبي عبداللّه ثم قال: «وقد أخرجتُ في كتاب الزيارات، وفي كتاب مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب أنواعاً من الزيارات، واخترت هذه لهذا الكتاب; لأنّها أصحّ الروايات عندي من طريق الرواية، وفيها بلاغ وكفاية»، ومن البعيد افتراض رجوع اسم الإشارة في عبارته هذه إلى زيارة الوداع رغم أنّها هي الزيارة المتصلة بهذه العبارة، فالظاهر رجوعها إلى الزيارة الّتي نقلها عن الحسن بن راشد - وإن كانت تلك مذكورة قبل زيارة الوداع - فإنّها هي الزيارة العامّة المنصرف إليها الكلام لا الزيارة الخاصّة بحال الوداع، وهي الّتي عَنْوَنَها بعنوان: (زيارة قبر أبي عبداللّه الحسين ) ولم يعنون الوداع بذلك، فهذه شهادة منه بأنّ هذه الزيارة أصحّ الزيارات سنداً، وللصدوق إلى الحسن بن راشد - على ما نقله هو في مشيخة الفقيه - سندان:

أحدهما: عبارة عن أبيه عن سعد بن عبداللّه و أحمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم جميعاً عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد.

والثاني: عبارة عن محمّد بن علي ماجيلويه عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن هاشم عن أبيه عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد. إذن فالقاسم بن يحيى واقع في كلا السندين، فحكمه بتصحيح هذه الزيارة يعني وثاقة القاسم بن يحيى.

ولعلّ السبب في أنّ السيّد الخوئي جعل هذا تأييّداً لوثاقة القاسم بن يحيى ولم


(1) ج 2 ، الحديث: 1614 و 1615 .

الصفحة 440

يجعله دليلا عليها هو ما يقال من أنّ تصحيح الرواية من قبل القدماء لا يدلّ على توثيق الراوي; إذ من المحتمل كون مبناهم في التصحيح على مثل أصالة العدالة، لا على ثبوت الوثاقة بالشكل الّذي نؤمن به.

هذا كلّه بلحاظ حال سند الحديث.

وأمّا بلحاظ الدلالة: فالظاهر أنّ دلالة الحديث غير تامّة; لأنّ الظاهر أنّ المقصود بما ذكره الإمام في الرواية من جواز الشهادة بما لكيّة من كان المال في يده هو الشهادة بالملكيّة الظاهريّة لا الواقعيّة، والقرينة على ذلك استدلال الإمام في مقام إقناع السائل بأنّه لو اشتراه منه لحلف أنّه ملكه، فكيف لا يشهد بملكيّة من انتقل الملك منه إليه؟ والمفروض أن يكون الإقناع بالاستدلال بشيء واضح بحيث يسلّم به السائل مسبقاً بوضوح، والشيء الواضح إنّما هو جواز الحلف على ملكيّته الظاهريّة لما اشتراه من ذي اليد. أمّا جواز الحلف على ملكيّته الواقعيّة اعتماداً على الحكم الظاهري فحتى لو قلنا به ليس من الواضحات والمسلّمات الّتي يناسب ذكرها في مقام الاستدلال والإقناع بالدليل، فإذا حملت الشهادة في الحديث على الشهادة بالملكيّة الظاهريّة، فمن الواضح أنّ هذه شهادة عن علم حسّي، وليست شهادة عن تعبّد، فالرواية خارجة عمّا نحن بصدده. نعم لو كانت الرواية واردة بخصوص مورد الشهادة في القضاء، كان هناك مجال للقول بانصراف الرواية إلى كون هذه الشهادة حجّة قضائيّة، أي أنّها تثبت صحّة دعوى المدّعي، ولكنّ الرواية لم ترد بخصوص باب القضاء، غاية ما هناك شمولها لمورد القضاء بالإطلاق ودلالتها على كونها حجّة ذاتية في موارد القضاء لإثبات الملكيّة الظاهرية، وهذا أثره ليس بأكثر من تشخيص المنكر من المدّعي.

ويشهد لما ذكرناه - من كون النظر في الحديث إلى الشهادة بالملكيّة الظاهريّة لا الملكيّة الواقعية - قوله: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»; إذ من الواضح أنَّ

 
الصفحة 441

فرض عدم إمكان الشهادة بالملكيّة الواقعيّة لا يهدّم سوق المسلمين، وإنّما الذي يهدّم سوق المسلمين هو عدم إمكان الشهادة بالملكيّة الظاهريّة - الّتي عرفنا دليلها، وهو اليد - بالحسّ، فإنّ هذا يساوق عدم تلك الملكيّة الظاهريّة، وهذا يعني عدم قيام سوق للمسلمين.

والسيّد الخوئي(1) فَهِمَ من الحديث أنّ النظر إلى الشهادة بالملكيّة الواقعيّة، ولكنّه مع ذلك أبطل الاستدلال بهذا الحديث على نفوذ الشهادة القائمة على أساس أمارة اليد في باب القضاء بوجهين - أثبت بهما أنّ المراد بجواز الشهادة في المقام جواز الإخبار عن كون شيء لصاحب اليد استناداً إلى يده لا نفوذ الشهادة في باب الترافع -:

الوجه الأوّل - أنّه لوجازت الشهادة بمجرد كون المال في يد أحد لم يكن فرض مورد لا تكون لصاحب اليد بيّنة، وبهذا يسقط أثر بيّنة المدّعي دائماً; لأنّ بيّنة المدّعي إنّما تؤثّر إذا لم تكن لصاحب اليد بيّنة. أمّا إذا كانت له بيّنة فالقول قوله مع يمينه(2).

أقول: هذا الكلام يعني أنَّه اختار في بيّنة ذي اليد ما شرحناه من الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة في بيّنة المنكر على أساس دلالة بعض الروايات على ذلك كما تقدم، فرأى أنّ ضمّ ذلك إلى فرض نفوذ البيّنة في باب القضاء يؤدّي إلى نتيجة غريبة، وهي إمكان إسقاط بيّنة المدّعي من قبل المنكر دائماً، ولكنّه لم يكمل الشوط ببيان النتائج على المحتملات الأُخرى.

ومن حقِّنا أن نتساءل: هل أنّ مقصوده إنكار ظهور رواية حفص بن غياث


(1) راجع مباني تكملة المنهاج / ج 1، ص 113و 114.

(2) على ما أثبته السيّد الخوئي في مباني تكملة المنهاج / ج 1، ص 49 و 50، فراجع.

الصفحة 442

في نفوذ البيّنة في المقام لأجل ما دلّ عنده من بعض الروايات على أنّه لو تعارضت بيّنة المدّعي مع بيّنة ذي اليد كان القول قول ذي اليد بيمينه؟ أو مقصوده صرف رواية حفص بن غياث عن ظهورها في نفوذ البيّنة إلى بيان مجرّد جواز الإخبار بقرينة ما دلّ عنده على الرجوع إلى يمين ذي اليد عند التعارض بين البيّنتين؟

فإن أراد الأوّل ورد عليه: أنّ نفوذ بيّنة ذي اليد في إسقاط بيّنة المدّعي ليس أمراً ارتكازيّاً كالمتّصل يؤدّي إلى تغيير الظهور، ولو كان فإنّما هو أمر منفصل لا يؤثّر في ظهور الكلام.

وإن أراد الثاني ورد عليه: أنّ فرض القرينيّة بهذا المقدار من البيان غير تامّ، غاية الأمر أن يفترض التعارض بين خبر حفص بن غياث وما دلّ عنده على سقوط بيّنة المدّعي ببيّنة المنكر، والرجوع بعد ذلك إلى مقتضى القاعدة الّذي هو في رأيه عدم نفوذ البينة. نعم، لو كان أكمل الشوط ببيان النتائج الغريبة على كلّ المحتملات والّتي كان آخرها استغراب العقلاء عن كونه بيّنة ما نافذة حينما لا تكشف عن هو يتّها، وغير نافذة حينما تكشف عن هويتها، أمكن أن يدّعي أنّ هذا الارتكاز العقلائي لا يردع بمثل ظهور رواية حفص، بل هذا الارتكاز يوجب توجيه الرواية بحملها على محمل آخر.

الوجه الثاني - أنّ قوله في ذيل رواية حفص: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» قرينة على أنّ المراد من الحديث لم يكن هو نفوذ الشهادة كبيّنة في باب القضاء، وإنّما المقصود هو التعامل مع ذي اليد معاملة المالك عملا، وجواز الإخبار عن مالكيّته.

أقول: الشيء الدخيل في قيام السوق للمسلمين ليس هو جواز الإخبار بالملكيّة الواقعيّة، وإنّما هو التعامل مع ذي اليد معاملة المالك عملا وجواز الإخبار بملكيته الظاهريّة، فجواز الإخباربالملكيّة الواقعيّة أجنبيّ عن المقام. إذن فنفس هذا

 
الصفحة 443

الذيل قرينة على كون المقصود هو الإخبار بالملكية الظاهرية، فإنّ عدم جوازه مساوق لعدم الملكيّة الظاهريّة المساوق لعدم قيام السوق للمسلمين، ونفوذ الشهادة بالملكيّة الظاهرية مطلق يشمل باب القضاء وإن لم يكن للحديث نظر إلى خصوص باب القضاء; فإنّ هذا لا ينافي إطلاقه، إلّا أنّ نفوذ الشهادة بالملكيّة الظاهريّة في باب القضاء بإطلاق الحديث لا يثبت أزيد من تشخيص المنكر عن المدّعي كما وضّحناه فيما مضى.

الرواية الثانية - ما عن أبي بصير - بسند تامّ - قال: «سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يأتي القوم، فيدّعي داراً في أيديهم، ويقيم البيّنة، ويقيم الذي في يده الدار البيّنة أنّه ورثها عن أبيه، ولا يدري كيف كان أمرها قال: أكثرهم بيّنة يستحلف وتدفع إليه ...»(1) فيقال: إنّ المفروض في هذا الحديث أنّ البيّنة اعتمدت على الظاهر، وهو يد الأبّ، ومع ذلك فرض اعتبارها، ولذا يستحلف أكثرهم بيّنة.

ولكنّك ترى أنّ مفاد هذا الحديث ليس هو فرض الشهادة على الواقع اعتماداً على التعبّد، وإنّما هو فرض الشهادة الحسّيّة على الظاهر، وهو الإرث عن أبيه. ومن الواضح أنّ هذه الشهادة لا تكون بأقوى حالا في مقام إثبات الواقع من نفس يد المنكر الّتي يشاهدها القاضي في مجلس القضاء وكلّ مَن حوله، فهل أنّ يده لا تثبت الواقع، ولكن يد أبيه تثبت الواقع؟!!

إذن فالظاهر أنّ الحديث محمول على فرض التكاذب بين المدّعي وبيّنة المنكر; بأن يقصد المدّعي من ملكيته للدار أنّ هذا الذي في يده الدار هو الذي غصبها منه - مثلا - ، وعندئذ فبيّنة المنكر في مقابل المدّعي بيّنة على الواقع عن حسّ; إذ تشهد أنّه ورثها من أبيه ولم يغصبها من المدّعي، ويشهد لهذا الحمل ذيل الحديث، أي المقطع


(1) الوسائل / ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 181.

الصفحة 444

الثالث من الحديث الشريف، فإنّه مشتمل على مقاطع ثلاثة: أوّلها ما مضى، والثاني والثالث مايلي:

... وذكر أنّ عليّاً أتاه قوم يختصمون في بغلة، فقامت البيّنة لهؤلاء أنّهم أنتجوها على مِذوَدهم(1) ولم يبيعوا، ولم يهبوا، وقامت البيّنة لهؤلاء بمثل ذلك، فقضى علىّ بها لأكثرهم بيّنة واستحلفهم .

قال: «فسألته - حينئذ - فقلت: أرأيت إن كان الذي عليه الدار قال: إنّ أبا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، ولم يقم الذي هو فيها بيّنة، إلاّ أنّه ورثها عن أبيه قال: إذا كان الأمر هكذا فهي للذي ادّعاها، وأقام البيّنة عليها»

نعم، المقطع الثالث إنّما جاء في نقل الكليني والشيخ، أمّا الصدوق فقد ترك المقطع الثالث، واقتصر على المقطع الأوّل والثاني مقدِّماً الثاني على الأوّل: وعلى أىّ حال، فهذا لايضرّ، فإنّ عدم نقل الصدوق - أو راو آخر قبله - للمقطع الثالث ليس شهادة على عدمه; إذ ليس من الواضح فهم قرينيّة لهذا المقطع تبدّل ما يفهم من المقاطع السابقة كي يكشف تركه عن خطأ منفىّ بالأصل أو عن الخيانة المنفيّة بفرض الوثاقة، فاذا لم يكن تركه شهادة على عدمه، كفانا وجوده في نقل الكليني والشيخ. على أنّك قد عرفت أنّه حتّى لو غضّ النظر عن هذا المقطع فالظاهر أنّه لا محيص عن حمل الحديث على المعنى الذي شرحناه، على أنّ نقل الصدوق ساقط عن الحجّيّة، فإنّه قد نقل الحديث عن شعيب عن أبي بصير،ولم يعرف سنده الى شعيب.

الرواية الثالثة - ما عن معاوية بن وهب - بسند تامّ - قال: «قلت لأبي عبداللّه الرجل يكون له العبد والأَمة قد عرف ذلك فيقول: أَبَقَ غلامي، أو أمتي، فيكلّفونه القضاة شاهدين بأنّ هذا غلامه، أو أمته لم يبع، ولم يهب، أنشهد على


(1) المِذوَد: معتلف الدواب.

الصفحة 445

هذا إذا كلّفناه؟ قال: نعم»(1) فهذه شهادة على عدم البيع والهبة وبقاء الملكيّة قائمة على أساس الاستصحاب.

إلاّ أنّ الظاهر أنّ هذه الرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه، فإنّه ليس المفروض فيها دعوى المملوك البيع أو الهبة أو نحو ذلك مع الاعتراف بالملك السابق، وإلا لكان القاضي يطالب المملوك بالبيّنة لا المولى; لوضوح أنّ المملوك - عندئذ - هو المدّعي والمولى منكر، إذن فمفروض المسألة إمّا هو سكوت المملوك، أو إنكاره لملكيّته إيّاه من أصلها، وفي مثل هذا الفرض تكفي الشهادة بالملكيّة السابقة مع عدم العلم بالبيع أو الهبة، ولا حاجة إلى الشهادة بعدم البيع أو الهبة، فلا مورد لنفوذها، فكأنّ الإمام إنمّا سمح بالشهادة بذلك أو بما يُوهم القاضي أنّه شهادة بذلك إقناعاً لقاضي الجور الّذي كان يصرّ - ولو خطأً - على ضرورة الشهادة بذلك، ومثل هذا لا يدلّ على نفوذ الشهادة القائمة على أساس الاستصحاب.

ولكنّ السيّد الخوئي اعترف بتماميّة دلالة الرواية على نفوذ الشهادة القائمة على أساس الاستصحاب، وقال: إنّها مبتلاة بالمعارض، وهو ذيل رواية أُخرى لمعاوية بن وهب «... قلت: الرجل يكون له العبد و الأمة، فيقول: أبِقَ غلامي أو أبِقَتْ أَمَتي، فيؤخذ بالبلد فيكلّفه القاضي البيّنة أنّ هذا غلام فلان لم يبعه، ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلّفناه ونحن لم نعلم أنّه أحدث شيئاً؟ فقال: كلّما غاب من يدالمرء المسلم غلامه أو أمته أو غاب عنك لم تشهدبه»(2)على أنّه حمل السيّد الخوئي الحديث الأوّل على الشهادة بمقدار العلم على ما سيأتي بيانه.

وفي سند الحديث الثاني ورد إسماعيل بن مرار، و قال السيّد الخوئي في مباني


(1) الوسائل / ج 18، باب 17 من الشهادات، ح 3، ص 246.

(2) نفس المصدر / ح 2.

الصفحة 446

تكملة المنهاج(1): «إنّه ثقة على الأظهر»، ولكنّه في معجم الرجال الطبعة الأُولى(2) لم يبنِ على وثاقته; حيث ذكر أنّ مصدر وثاقته منحصر في أنّه روى عن يونس، و محمد بن الحسن بن الوليد قال: «إنّ كتب يونس بن عبدالرحمان الّتي هي بالروايات كلّها صحيحة»، وبما أنّ روايات إسماعيل بن مرار عن يونس بلغت مائتين أو أكثر، فالظاهر أنّ رواياته من كتب يونس لاستبعاد الروايات الشفهيّة بهذا المقدار، ولكنّ هذا لا يكفي لتوثيق إسماعيل بن مرار; لأنّ تصحيح القدماء للرواية لا يدلّ على وثاقة الراوي; إذ قد يكون مبتنياً على أصالة العدالة.

أقول: لا حاجة في إثبات رواية إسماعيل بن مرار لكتب يونس إلى التمسّك بإكثاره من الرواية عنه; إذ هو واقع في بعض أسانيد الشيخ التامّ إلى كتب يونس، وهذا كاف في ثبوت روايته لكتب يونس. نعم نقاشه في دلالة تصحيحهم للروايات على وثاقة الراوي في محلّه.

وبنى السيّد الخوئي في معجم الرجال في الطبعة الأخيرة على وثاقة إسماعيل ابن مرار; لوروده في أسانيد تفسير علىّ بن إبراهيم(3) ولكنّنا لا نبني على وثاقة كلّ من ورد في أسانيد تفسير علىّ بن إبراهيم، وإنّما نبني على وثاقة من روى عنه علىّ


(1) ج 1، ص 115.

(2) راجع معجم رجال الحديث / ج 2، ص 177 و 178 من الطبعة الأُولى.

(3) راجع معجم الرجال الطبعة الأخيرة . ج 2، ص 183.

      هذا، و ورود إسماعيل بن مرار في تفسير علىّ بن إبراهيم إن لم يثبت بما بأيدينا من نسخ تفسير علىّ بن إبراهيم; لكونه تأليفاً لتلميذ له لم يوثّق، جَمَعَ بين روايات عليّ بن إبراهيم وغيرها، فبإلامكان أن يثبت بنقل صاحب البحار رحمه الله عن تفسير علىّ بن إبراهيم. راجع البحار / ج 12، ص 28 وج 26 ، ص 114 حسب الطبعة الجديدة.

الصفحة 447

ابن إبراهيم مباشرةً في تفسيره; حيث قال في مقدمة تفسيره: «ونحن ذاكرون ومخبرون بما انتهى إلينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض اللّه طاعتهم ...»

وهذا - كما ترى - لا يدلّ على أكثر من وثاقة مشايخه الذين روى عنهم الأحاديث في تفسيره. أمّا استظهار تقيّده بوثاقة كلّ رواتها - بدليل أنّ هدفه ممّا ذكره إثبات صحّة تفسيره، وأنّ رواياته ثابتة وصادرة من المعصومين، وأنّها انتهت إليه بواسطة المشايخ والثِّقات من الشيعة كما ذكره السيّد الخوئي(1) - فغير صحيح، ولا أدري كيف عرف أنّ هدفه ذلك؟ هل بإطلاق في العبارة؟ أو ببيان أنّه لولا تصحيح الأحاديث فلا قيمة لوثاقة المشايخ المباشرين؟ فإن قصد الثاني قلنا: إنّه أوّلا: أنّ وثاقة المشايخ المباشرين تؤيّد وتقوّي الروايات بلا شكّ، وثانياً: لم يثبت كون تصحيح القدماء للروايات مبتنياً دائماً على توثيق الرواة كما نبّه عليه السيّد الخوئي في معجمه(2)، فلعلّه التزم في تفسيره بالرواية عن مشايخه الثِّقات معتقداً أنّهم لا يروون إلّا الروايات الصحيحة، أمّا أنّهم إنّما صحّحوا تلك الروايات لوثاقة رواتها فغير معلوم. وإن قصد الأوّل قلنا: إنّ عنوان (الانتهاء إلينا، ورَواهُ مشايخنا وثِقاتُنا) صادق بمجرّد وثاقة الراوي المباشر، فلا يدلّ بإطلاقه على وثاقة كلّ الرواة. إذن فسند الحديث في المقام غير تامّ.

الرواية الرابعة - صدر رواية معاوية بن وهب الّتي مضى ذيلها، والّتي عرفْتَ ضعف سندها بإسماعيل بن مرار، وهو كمايلي: قلت لأبي عبداللّه : «الرجل يكون في داره، ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة، ويدع فيها عياله، ثمّ يأتينا هلاكه، ونحن لا ندري ما أحدث في داره، ولاندري ما أحدث له من الولد، إلاّ أنّا لا نعلم أنّه أحدث


(1) راجع معجم رجال الحديث / ج 1، ص 50 حسب الطبعة الأخيرة.

(2) راجع معجم رجال الحديث / ج 1، ص 74 حسب الطبعة الأخيرة.

الصفحة 448

في داره شيئاً، ولاحدث له ولد، ولاتقسّم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثاً بين فلان و فلان، أوَ نشهد على هذا؟ قال: نعم. قلت: الرجل يكون له العبد والأمة ...» إلى آخر ما مضى.

وهذا أيضاً أجنبىّ عن المقام; لعدم وجود مرافعة في مورد الحديث، ومن الواضح أنّه تكفي في فرض عدم المرافعة الشهادة على الملكيّة السابقة مع استصحاب بقائِها فعلا، وكذلك الشهادة على وارثيّة هؤلاء مع استصحاب عدم وارث آخر بلا حاجة إلى الشهادة ببقاء الملكيّة، أو عدم وجود وارث آخر، ولا مورد لنفوذ شهادة من هذا القبيل في مفروض الرواية; إذن فإنّما سمح الإمام بشهادة من هذا القبيل، أو بالشهادة بما يوحي إلى القاضي بكونه شهادة بذلك إفحاماً للقاضي الّذي طالب بذلك، ومثل هذا لايدلّ على نفوذ الشهادة القائمة على الاستصحاب.

وهناك تهافت بين صدر الحديث و ذيله; حيث إنّه في صدر الحديث سمح بالشهادة بالنسبة للدار، بينما في ذيل الحديث منع الشهادة بالنسبة للعبد والأمة.

والسيّد الخوئي لم يفترض تهافتاً بين الصدر و الذيل; حيث إنّه حمل الصدر على فرض عدم المرافعة و الذيل على فرض المرافعة.

ولكن يظهر ممّا مضى أنّ هذا لايرفع التهافت; لأنّه حتى إذا فرضنا في الذيل المرافعة فهذا لا يعني تسليم المملوك لأصل الملكية السابقة، ودعواه البيع أو الهبة أو نحو ذلك، وإلّا لكان القاضي يطالب المملوك بالبيّنة لا المولى فمرافعة المملوك إنّما هي على أصل الملكيّة السابقة، ومعه لا فرقَ جوهرىَّ بين هذا الفرض وفرض عدم المرافعة، فإنّ الشهادة بالملكية السابقة كافية في كلا الموردين، والشهادة ببقاء الملكية شهادة بغير علم في كلا الموردين.

وأنا أحتمل أن يكون قوله في ذيل الحديث: «كلّما غاب من يد المرء المسلم

 
الصفحة 449

غلامه أو أَمَتُه، أو غاب عنك لم تشهد به» استفهاماً إنكاريّاً، وبه يرتفع التهافت، فلعلّ صاحب الكتاب - الذي كتب هذا الحديث في كتابه - اعتمد في مقام حمل هذا الكلام على الاستفهام الإنكاري على فرض قرينيّة الصدر الصريح في جواز الشهادة.

ويؤيّد الحمل على الاستفهام الإنكاري احتمال كون ذيل هذا الحديث هو عين الحديث الأوّل لمعاوية بن وهب مع الاختلاف في التعبير على أساس النقل بالمعنى.

وعلى أي حال فالسيّد الخوئي لم يَر تهافتاً بين صدر الحديث وذيله، ولكنّه رأى التهافت بين ذيل الحديث والحديث الأوّل لمعاوية بن وهب; حيث منع هنا عن الشهادة، وأجاز هناك الشهادة في مورد واحد، وجمع بينهما(1) بحمل الحديث الأوّل على الشهادة بأكثر من مقدار العلم وحمل هذا الحديث على الشهادة. بمقدار العلم، وجعل الشاهد على هذا الجمع رواية اُخرى لمعاوية بن وهب، وهي ما رُوي - بسند تامّ - عن معاوية بن وهب قال: «قلت له: إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان، وتركها ميراثاً، وأنّه ليس له وارث غير الذي شهدنا له، فقال: اشهد بما هو علمك. قلت: إنّ ابن أبي ليلى يحلّفنا الغموس، فقال: احلف إنّما هو على علمك»(2).

أقول: قد يكون هذا الحمل صحيحاً على مبناه من عدم التهافت بين الصدر والذيل; لكون الصدرِ ناظراً إلى فرض عدم المرافعة، والذيلِ ناظراً إلى فرض المرافعة. أمّا على ما وضّحناه من عدم الفرق في روح المطلب بين الصدر و الذيل، نقول: لو حمل الذيل على المنع عن الشهادة بأكثر من العلم، فكيف سمح في الصدر


(1) راجع مباني تكملة المنهاج / ج 1، ص 115.

(2) الوسائل ج 18، باب 17 من الشهادات، ح 1، ص 145 و 146.

الصفحة 450

بالشهادة بذلك؟!! وحمل الصدر على فرض الشهادة بمقدار العلم مع حمل الذيل على فرض الشهادة بأزيد من ذلك أيضاً غير عرفىّ; لأنّهما ذُكِرا بمنهج واحد وبصياغة واحدة بفرق تبديل الدار بالمملوك. إذن فلو لم يكن الذيل استفهاماً إنكاريّاً، فلا بدّ من إرجاع علم الرواية إلى أهلها للتهافت الموجود بين صدرها وذيلها.

الرواية الخامسة - ما ورد عن حمران بن أعين قال: «سألت أبا جعفر عن جارية لم تدرك بنت سبع سنين مع رجل وامرأة، ادّعى الرجل أنّها مملوكة له، وادّعت المرأة أنّها ابنتها، فقال: قد قضى في هذا علىّ قلت: وما قضى في هذا؟ قال: كان يقول: الناس كلّهم أحرار إلّا من أقرّ على نفسه بالرقّ وهو مدرك، ومن أقام بيّنة على من ادّعى من عبد أو أمة، فإنّه يدفع إليه، ويكون له رقّاً قلت: فما ترى أنت(1) قال: أرى أن أسأل الذي ادّعى أنّها مملوكة: له بيّنة على ما ادّعى؟ فإن أحضر شهوداً يشهدون أنّها مملوكة لا يعلمونه باع ولا وهب، دفعت الجارية إليه حتى تقيم المرأة من يشهد لها أنّ الجارية ابنتها حرّة مثلها، فلتدفع إليها، وتخرج من يد الرجل. قلت: فإن لم يقم الرجل شهوداً أنّها مملوكة له؟ قال: تخرج من يده، فإن أقامت المرأة البيّنة على أنّها ابنتها، دفعت إليها، فإن لم يقم الرجل البيّنة على ما ادّعى، ولم تقم المرأة البيِّنة على ما ادّعت، خلّي سبيل الجارية تذهب حيث تشاء»(2). وسند الحديث تامّ، وحمران بن أعين ثبتت وثاقته - على الأقلّ - برواية صفوان عنه. ومحل الشاهد قوله: «فإن أحضر شهوداً يشهدون أنّها مملوكة لا يعلمونه باع ولاوهب...»; حيث يُقال: إنّ هذا يعني نفوذ البيّنة القائمة على أساس


(1) يبدو أنّ هذا سؤال عن كيفيّة تطبيق الكبريات في فرض القضاء في المثال المذكور، بينما الأجوبة التي نقلها الإمام عن جدّه أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن قضاء بالمعنى المصطلح، و إنّما كانت كبريات عامّة.

(2) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفيّة الحكم، ح 9، ص 184.

الصفحة 451

الاستصحاب.

ولكنّ الواقع أنّ هذا الحديث أجنبىّ عمّا نحن فيه; لأنّه ليس في مفروض القضيّة الّتي هي مورد الحديث شخص ادّعى أنّه باعها أو وهبها إيّاه، ولو كان ذلك لكان عليه أن يقيم البيّنة على المولى; إذن فتكفي شهادة البيّنة بالملكيّة السابقة مع عدم علمها بالبيع والهبة لإثبات مملوكيّتها له، وهذا هوالمقصود بما في هذا الحديث.

ولابأس بأن نشير إلى ما في ذيل هذ الحديث من الحكم بدفع البنت إلى المرأة المدّعية لكونها بنتاًلها عند تعارض البيّنتين، فهل هذا مجرد حكم تعبّديّ بحت; لأنّ مقتضى القاعدة تساقط البيّنتين وتخلية سبيل الجارية تذهب حيث تشاء، كما جاء في هذا الحديث في فرض عدم البيّنة لأىّ واحد منهما؟ الظاهر أنّه ليس حكماً تعبّديّاً بحتاً، بل هو حكم مطابق لمقتضى القواعد. وتوضيح ذلك:

أنّ فروض قيام البيّنة التي تعرّض لها الحديث ثلاثة:

الأوّل - قيام البينة لصالح الرجل تشهد على أنَّها مملوكة للرجل، وهنا يحكم بكونها مملوكة للرجل، وتدفع إليه. ولم يفرض في ذلك شهادتها بنفي البنوّة للمرأة، ولاأثر لذلك في مورد الدعوى، فإنهّا لوكانت مملوكة للرجل وفي نفس الوقت بنتاً للمرأة، لا بدّ من دفعها إليه.

والثاني - قيام البيّنة لصالح المرأة تشهد على أنَّها بنت المرأة، وهنا تسلّم إلى المرأة لكونها بنتاً لها. ولم يفرض في الحديث شهادة البيّنة على نفي رقّيّتها له، ولاأثر لذلك، فإنّ الرقّية منفيّة حتى مع عدم شهادة من هذا القبيل وذلك بالأصل، فيكفي لدفعها إليها شهادة البيّنة ببنوّتها لها.

والثالث - قيام بيّنة لصالح الرجل، وقيام بيّنة أُخرى لصالح المرأة. ولم تفرض في البيّنة الأُولى أكثر من الشهادة بمملوكيّتها للرجل دون الشهادة بنفي البنوّة لها، وكان هذا كافياً لكونها في صالح الرجل; لما قلنا من أنّها لو كانت مملوكة له وفي نفس

 
الصفحة 452

الوقت بنتاً لها لكفى ذلك في دفعها إليه. أمّا بيّنة المرأة، فقد فرض في الحديث أنّها شهدت بأمرين: (الأوّل) أنّها ابنتها. (والثاني) أنّها حرّة مثلها، وكان السبب في هذا الفرض أنّه من دون هذه الزيادة سوف لن تكون البيّنة الثانية في صالح المرأة مادامت البيّنة الأُولى شهدت بمملوكيّتها له، وذلك لما قلنا من أنّها لو كانت مملوكةً له، وفي نفس الوقت بنتاً لها، دفعت إليه. وفي هذا الفرض الثالث ذكر الحديث أنّ الجارية تدفع إلى المرأة على أنّها بنتها، وهذا واضح على مقتضى القواعد; لأنّ إحدى شهادتي البيّنة الثانية - وهي شهادتها بحرّيتها - تعارضت مع شهادة البيّنة الأُولى وتساقطتا. أمّا الشهادة الأُخرى للبيّنة الثانية - وهي شهادتها ببنوّتها لها - فلا معارض لها، فمن الطبيعي أن تدفع الجارية إلى المرأة.

وعلى أىّ حال فهذا حال ما وجدناه من روايات قد يستدلّ بها على نفوذ البيّنة القائمة على أساس اليد، أو الاستصحاب في الشهادة على الواقع، وقد عرفت عدم تماميّة هذه الروايات وأمثالها دلالة.

وهناك رواية قد تدلّ على نفوذ الشهادة القائمة على أساس البيّنة - وهذا غير الشهادة على الشهادة كما هو واضح - وهي ما روي عن عمر بن يزيد - بسند تامّ - قال: «قلت لأبي عبداللّه : «الرجل يشهدني على شهادة، فأعرف خطّي وخاتمي، ولاأذكر من الباقي قليلا ولاكثيراً قال: فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة، ومعه رجل ثقة فأشهدله»(1)، فيقال: إنّ هذه شهادة قائمة على أساس البيّنة المكوّنة من شهادة صاحبه وثقة آخر.

إلاّ أنّ هذا الحديث إمّا أن يوجَّه بالحمل على فرض كون الخطّ والخاتم وشهادة الثقتين كافياً لحصول العلم القريب من الحسّ، أو يردّ علمه إلى أهله


(1) الوسائل، ج 18، باب 8 من الشهادات، ح 1، ص 234.

الصفحة 453

لوضوح عدم حجّيّة شهادة المدّعي.

وعلى أىّ حال فقد اتّضح إلى هنابما لا مَزيد عليه:

1 - أنّ البيّنة القائمة على أساس الحسّ هي القدر المتيقَّن من النفوذ.

2 - أنّ البيّنة القائمة على أساس ما يقرب من الحسّ بالمعنى الذي مضى لا ينبغي الإشكال في نفوذها.

3 - أنّ البيّنة القائمة على أساس التعبّد لا ينبغي الإشكال في عدم نفوذها.

الشهادة القائمة على أساس الحدس:

بقي الكلام في البيّنة القائمة على أساس العلم غير القائم على الحسّ ولا ما يقرب من الحسّ.

ولاينبغي الإشكال في أنّ مقتضى الأصل هو عدم النفوذ; لأنّ علم الشاهد بالنسبة لنفوذ الشهادة يعتبر علماً موضوعيّاً يحتاج نفوذه إلى الدليل التعبّدي، وليس علماً طريقيّاً تكون حجّيّة ذاتيّة له، ولا إطلاق لمثل قوله : «إنَّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»، فإنّه لم يرد إلاّ لحصر القضاء بالبيّنة واليمين، أمّا متى تكون البيّنة؟ ومتى يكون اليمين؟ فهذا خارج عن عهدة مثل هذا الكلام، ولا لمثل قوله: «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر»; إذ أوّلا: نحن نحتمل كون الحسّ دخيلا في حقيقة البيّنة، وثانياً: ليس الحديث بصدد بيان شروط نفوذ البيّنة، وإنّما هو بصدد بيان من عليه البيّنة ومن عليه اليمين، واحتمال شرط الحسّ احتمال عرفي، وليس على خلاف الارتكاز كي ينفى بإطلاق مقاميّ.

وبإلامكان أن يتوهّم أنّنا نخرج من هذا الأصل بما مضى قبل صفحات من الحديث الثالث لمعاوية بن وهب قال: «قلت له: إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة

 
الصفحة 454

عن هذه الدار مات فلان وتركها ميراثاً، وأنّه ليس له وارث غير الذي شهدنا له فقال: إشهد بما هو علمك. قلت: إنّ ابن أبي ليلى يحلِّفنا الغَموس، فقال: إحلف، إنّما هو على علمك»(1). فيقال: إنّ مقتضى إطلاق هذا الحديث هو أنّ الشهادة تدور مدار العلم من دون فرق بين أن يكون العلم حسّيّاً أو حدسيّاً.

والواقع: أنّ هذا الحديث لا يتمّ فيه إطلاق من هذا القبيل، وذلك لأنّه وارد مورد بيان أمر آخر، وهو حلّ مشكلة حرمة الشهادة بغير العلم والحلف على ما لا يعلم، وقد حلّها الإمام بأن لايقصد من شهادته إلاّ مبلغ علمه. أمّا أنّ نفوذ شهادته هل يشمل فرض حدسيّة العلم أيضاً أوْلا؟ فهذا خارج عمّا هو بصدد بيانه.

ولو غضضنا النظر عن هذا الإشكال، أو وجدنا حديثاً آخر لايرد على التمسّك بإطلاقه مثلُ هذا الإشكال، قلنا: إنّ نفس النكتة التي تجعلنا ندّعي انصراف دليل حجيّة خبر الواحد اللّفظي - لو تمّ - إلى الخبر الحسّي تجعلنا أيضاً ندّعي انصراف دليل نفوذ الشهادة إلى الشهادة الحسّيّة. وبتعبير أدقّ: إنّ المفهوم من دليل نفوذ الشهادة بمناسبة الارتكازات العقلائية - كما هو الحال في دليل حجيّة خبر الواحد - إنّما هو إلغاء احتمال الكذب فقط، أو مضافا إلى التأكيد على أصالة عدم الخطأ والغفلة في الموارد التي يجري فيها هذا الأصل عقلائياً، وهي موارد الحسّ وما يشبه الحسّ. أمّا في موارد الحدس والاجتهاد فلايوجد أصل عقلائي من هذا القبيل إلاّ في موارد الرجوع إلى أهل الخبرة; أي رجوع الجاهل إلى العالم بالتقليد.

ويؤيِّد عدم نفوذ الشهادة غير القائمة على أساس الحسّ أو القريب من الحسّ خبران غير تامّين سنداً:

الأوّل - المرسل المروي في الشرائع عن النبي وقد سئل عن الشهادة:


(1) الوسائل، ج 18، باب 12 من كيفية الحكم، ح 9، ص 184.

الصفحة 455

قال: «ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع»(1).

والثاني - ما عن عليّ بن غياث أو عليّ بن غراب عن أبي عبداللّه قال: «لاتشهدَنَّ بشهادة حتى تعرفَها كما تعرفُ كفَّك»(2). وقد جاء في الكافي التعبير عن الراوي المباشر بعليّ بن غياث، بينما جاء في الفقيه التعبير عنه بعليّ بن غراب، ويبدو أنّ الأخير هو الأصحّ لعدم وجود الأوّل في كتب الرجال ولا في الروايات، ولأنّ الصدوق في المشيخة ذكر سنده إلى عليّ بن غراب فقط لا إلى عليّ بن غياث. وعلى أيّ حال فسند الحديث ضعيف بمحمد بن حسان وإدريس بن الحسن وعليّ بن غراب أو عليّ بن غياث.

وتؤيّد أيضاً اشتراطَ الحسّ في الشهادة الرواياتُ الواردة في باب الزنا الدالّة على أنّ حدّ الرجم لايثبت إلاّ بالشهادة على الرؤية، من قبيل ما عن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه : قال: «حدّ الرجم أن يشهد أربعٌ أنّهم رأوه يُدخِل ويُخرِج»(3)، ونحوه ما عن أبي بصير(4).

والاستشهاد بهذه الروايات: تارةً يكون بمقدار أنّها دلّت على اشتراط الحسّ في الشهادة في ثبوت الرجم في الزنا واحتمال الخصوصية وارد، ولهذا جعلناه مؤيّداً لا دليلا، وأُخرى يكون بتقريب آخر أقوى من هذا التقريب، وهو أن يُقال: إنّ الروايات الواردة في هذا الباب على قسمين: أحدهما ما دلّ على أنّ الرجم لايثبت


(1) الوسائل، ج 18، باب 20 من الشهادات، ح 3، ص 251.

(2) الوسائل، ج 18، باب 20 من الشهادات، ح 1، ص 250. وباب 8 من الشهادات أيضاً، ح 3، ص 235.

(3) الوسائل، ج 18، باب 12 من حدّ الزنا، ح 1، ص 371.

(4) نفس المصدر ح 3 و ح 5، ص 371 - 372.

الصفحة 456

إلاّ برؤية الزنا كما مضى، والآخر ما دلّ على أنّ الرجم لايثبت إلاّ بالشهادة على الزنا، من قبيل ما عن محمد بن قيس - بسند تامّ - عن أبي جعفر قال: «قال أميرالمؤمنين : لايرجم رجل ولا امرأة حتى يشهد عليه أربعة شهود على الإيلاج والإخراج»(1)، وما عن أبي بصير - بسند تامّ - قال: «قال أبو عبد اللّه لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والإيلاج كالميل في المكحلة»(2).

وهذان القسمان في أكبر الظنّ يهدفان إلى الإشارة إلى نكتة واحدة، وهي الفرق بين الرجم والجلد، فالرجم لايثبت إلاّ بالشهادة على نفس الزنا، بينما الجلد يثبت ولو بمقدار التعزير بالشهادة بما هو أقلّ من الزنا كالنوم مجرَّدَيْنِ تحت غطاء واحد. نعم، هناك رواية واحدة دلّت في الجلد على نفس المضمون، أي شرط الشهادة على الزنا، وهي ما عن محمد بن قيس - بسند تامّ - عن أبي جعفر قال: «قال أمير المؤمنين : لا يجلد رجل ولا امرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهود على الإيلاج والإخراج وقال: لا أكون أوّل الشهود أخشى الروعة أن ينكُلَ بعضهم فأُجْلَد»(3). وأكبر الظنّ اتّحاد هذه الرواية مع رواية محمد بن قيس الماضية، فهما معاً مرويّتان عن الباقر عن أميرالمؤمنين ، وهما مشتركتان في الرواة ابتداءً من الراوي المباشر وهو محمد بن قيس وانتهاءً بإبراهيم بن هاشم، فكلتاهما مرويّتان عن إبراهيم بن هاشم عن عبدالرحمان بن أبي نجران عن عاصم بن حميد ابن محمد بن قيس، والمتن واحد، إلاّ أنّه عبّر في الرواية الأُولى بالرجم، وفي الرواية


(1) نفس المصدر، ح 2، ص 371.

(2) نفس المصدر، ح 4.

(3) نفس المصدر، ح 11، ص 373. وباب 50 من الشهادات، ح 1، ص 303.

الصفحة 457

الثانية بالجلد، فإمّا أنّ هذا اشتباه، أو محمول على خصوص الجلد الذي يكون حدّاً لاتعزيراً; لوضوح عدم اشتراط الشهادة بالإيلاج والإخراج في التعزير، ولما جاء في ذيله من أنّه لا يكون أوّل شاهد خشية أن يجلد بنكول بعضهم عن الشهادة، فإنّ هذا مورده الشهادة على الزنا لا الشهادة على مقدمات الزنا.

وعلى أيّ حال، فإذا افتراضنا أنّ هذين القسمين من الروايتين يشيران إلى معنىً واحد - وهو فرض خصوصيّة للرجم في مقابل الجلد، وهي خصوصيّة لزوم الشهادة على نفس العمل - قلنا: إنّ التعبير عن ذلك تارةً بالشهادة على الرؤية، وأُخرى بالشهادة على نفس الزنا يشهد لكون المفهوم المرتكز منهما كان معنىً واحداً، وهو الشهادة عن الحسّ، فإنّ الكلام بصدد بيان أهميّة الرجم باعتباره قتلا، وأنّه لابدّ من الدقّة في الشهادة، وكونها شهادة على الزنا، وكون الشهادة عن رؤية وحس، فلو لم يكن شرط الحسّ في الشهادة مركوزاً وقتئذ في الأذهان، كان من المستبعد ترك ذكر قيد الرؤية في القسم الثاني من الروايات اعتماداً على تقييده بالقسم الأول مثلا; لأنّ المقام مقام تهويل الأمر بالنسبة للرجم، وبيان ضرورة ترتّبه على شهادة هامّة في المقام، فسواء افترضنا أن التعبير تارة بالشهادة على الرؤية وأُخرى بالشهادة على الزنا كان من قبل الإمام، أو افترضنا أنّه كان من قبل الراوي، فهذا يشهد بأنّ المرتكز وقتئذ في الشهادة فرضها نابعة من الحسّ والرؤية، ولا نقصد بذلك - طبعاً - اكثر من تأييد المدّعى لا الاستدلال به على ذلك.

ثمّ إنّ السيّد الخوئي ذكر في مقام بيان إثبات عدم نفوذ الشهادة القائمة على العلم غير الحسّي: أنّ الشهود بمعنى الحضور، ومنه المشاهدة، وليس كلّ عالم شاهداً، قد استعملت الشهادة بمعنى الحضور في عدّة من الآيات منها قوله تعالى: ﴿عالم

 
الصفحة 458

الغيب والشهادة (1). - ويستعرض بهذا الصدد عدة آيات - إلى أن يقول: نعم، يستعمل لفظ الشهادة في إظهار الاعتقاد بشيء كقوله تعالى:﴿وما شهدنا إلاّ بما علمنا (2)- ويستعرض بهذا الصدد أيضاً عدّة آيات - إلى أن يقول: وبما أنّ حجّية إخبار المخبر لاتثبت إلاّ بدليل، فما لم يكن إخباره عن حسّ وعن مشاهدة لايكون حجّة لعدم الدليل(3).

أقول: إنّ صدر هذا الكلام لايتحصّل منه شيء مفهوم، فصحيح ما يظهر في آخر كلامه من التمسُّك بأصالة عدم النفوذ مادمنا لا نملك دليلا على نفوذ الشهادة القائمة على أساس العلم غير الحسّي، ولكن لا علاقة لذلك بما جاء في صدر حديثه من أنّ الشهادة استعملت تارةً بمعنى الحضور، وأُخرى بمعنى الإخبار والإظهار، ولا أثر لذلك فيما نحن بصدده.

ويمكن افتراض علاقة صدر حديثه بما ذكره في ذيل الحديث بأحد بيانين:

الأوّل - أن يقال: إنّ الشهادة لو كانت بمعنى إظهار ما يعتقد فحسب، لكان مقتضى إطلاق الدليل نفوذ الشهادة القائمة على أساس العلم الحدسي، لكن بما أنّ الشهادة استعملت تارةً بمعنى إظهار ما يعتقد، وأُخرى بمعنى الحضور، فقد أصبح دليل نفوذ الشهادة مجملا، فنقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو نفوذ الشهادة الحسّية، ونرجع في غيره إلى أصالة عدم النفوذ.

ويرد عليه:

أوّلا - ما ظهر ممّا سبق من أنّه حتى لو فرض لفظ الدليل - بغضّ النظر عن


(1) التوبة، الآية 94.

(2) يوسف، الآية 81.

(3) مباني تكملة المنهاج: ج 1، ص 112 - 113.

الصفحة 459

الارتكازات العقلائية - مطلقاً، فالإطلاق لا يتمّ بعد صرف العقلاء له إلى نفي الكذب، أو إلى نفيه ونفي الغفله في موارد صدق أصالة عدم الغفلة العقلائية، وهي غير موارد الحدس كما هو الحال في أدلّة حجّيّة خبر الواحد.

اللّهم إلاّ أنْ يكون مقصوده في المقام إبراز عيب في الإطلاق، وهو احتمال أخذ قيد الحضور في معنى الشهادة من دون نظر إلى دعوى تماميّة الإطلاق لو لا هذا العيب.

وثانياً - أنّ استبطان كلمة الشهادة لمعنى الحضور وعدمه أجنبيّ عن المقام إطلاقاً، وذلك لأنّ المأخوذ في لسان عمدة أدلّة حجّية الشهادة في باب القضاء إنّما هو عنوان البيّنة لا عنوان الشهادة من قبيل قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»، وقوله : «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»، وما ورد في بعض الموارد من التعيبر بالشهادة كما في روايات باب الزنا الّتي تقول: «حدّ الرجم يثبت بالشهادة على الزنا، أو على رؤية الزنا» لاشكّ في أنّها مستعملة بمعنى الإخبار لا بمعنى الحضور، فإنّ الشهادة بمعنى الحضور إنّما هي عند التحمّل، أمّا عند الأداء، فإنّما هي بمعنى الإخبار كما هو واضح.

الثاني - أن يقال: إنّ هناك موارد قد أمرت الشريعة فيها بالإشهاد بمعنى تحميل الشهادة كما في باب الطلاق وباب الدَين، قال اللّه - تعالى - بشأن الطلاق: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عَدْل منكم (1). وقال - تعالى - بشأن الدَّين: ﴿واستشهدوا شهيدَيْنِ من رجالِكم، فإنْ لم يكونا رَجُلَيْنِ فرجلٌ وامرَأَتانِ ممَّن تَرْضَوْنَ من الشُّهداء (2). والإشهاد هنا يمكن أن يكونَ مستبطناً لمعنى الحضور على ما هو أحد معنيي الشهادة، ونحن نعلم أنّ هذا الإشهاد مقدّمة لأداء الشهادة كما قال اللّه


(1) الطلاق، الآية، 2.

(2) البقرة، الآية، 282.

الصفحة 460

- تعالى - في الآية الأُولى عقيب ما مضى مباشرة: ﴿وَأَقيمواالشهادَةَ للهِ وقال - تعالى - في الآية الثانية عقيب ما مضى مباشرة: ﴿أن تضلّ إحداهما، فتذكّر إحداهُما الأُخرى. ولايأب الشهداءُ إذاما دُعوا.

وعليه فبناءً على حمل الشهادة هنا لدى التحمُّل على الحضور يثبت شرط الحضور في نفوذ الشهادة لدى الأداء في هذين الموردين، ويتمّ الكلام في باقي الموارد بعدم احتمال الفصل فقهيّاً. وبالإمكان أن يجعل هذا البيان تعميقاً للبيان الأوّل لأجل دفع الإشكال الثاني عنه.

ويرد عليه: أوّلا - أنّ الشهادة لدى التحمُّل ليست بمعنى الإخبار والإظهار كما هو واضح، فلا يحتمل في معنى الإشهاد الوارد في الآيتين عدا المعنى الآخر المستبطن - في ما هو المفهوم عنه عرفاً - للحضور. إذن فلو تمّ هذا الوجه لم نكن بحاجة إلى الرجوع الى أصالة عدم النفوذ; لأجل عدم الدليل على نفوذ الشهادة غير الحسّية كما يظهر من آخر كلامه، بل يجب أن نفترض هذا بنفسه دليلا على شرط الحسّ.

وثانياً - أنّ الأمر بالإشهاد في هذين الموردين - بمعنى الإحضار - لايدلّ على أنّ نفوذ الشهادة لدى الأداء مشروط بحصول الإشهاد والحسّ مسبقاً، صحيح أنّ الإشهاد كان مقدّمة لأداء الشهادة، لكن هذا لايدلّ على انحصار المقدّمة للشهادة النافذة بذلك، فلعلّ الأمر بالإشهاد جاء كاحتياط من قبل الشارع لضمان إمكانيّة أداء الشهادة بعد ذلك، أو كمقدمة لإيجاب الأداء عليه. نعم، فى خصوص باب الطلاق ثبت تعبّداً دخل الإشهاد في صحّة الطلاق، وهذا مطلب آخر، ولعلّه بحكمة التشديد في ذاك الاحتياط.

إذن فقد اتّضح أنّ كون كلمة الشهادة مستبطنة لمعنى الحضور لا دخل له فيما نحن فيه بأىّ وجه من الوجوه.

 
الصفحة 461


الذكورة

الشرط العاشر - الذكورة في الجملة، فشهادة المرأة في بعض الأُمور لا تنفذ إطلاقاً، وفي بعض الأُمور لا تنفذ إلاّ بشرط انضمام الرجل إليها في الشهادة، وفي بعضها تنفذ على الإطلاق على تفصيل في هذه الأُمور سيظهر - إن شاء اللّه -.

القاعدة الأوّلية في شهادة النساء:

وأوّل نقطة نبحثها بهذا الصدد هي أنّه هل نفترض القاعدة الأوّليّة في شهادة النساء عدم النفوذ، ثمّ نرى ما الذي خرج عن هذه القاعدة بالنصّ، وكلّما لم يثبت خروجه عنها نحْكم بعدم نفوذ شهادة النساء فيه، أو نفترض القاعدة هي النفوذ ونستثني منها ما خرج بالدليل ويبقى الباقي تحت كبرى النفوذ؟

لا ينبغي الإشكال في أنّ مقتضى الأصل هو عدم النفوذ إلاّ ما خرج بالدليل، والإطلاقات من قبيل «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» و «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» غير تامّة لنفي قيدمّا، إلاّ على أساس الإطلاق المقامي لا الحَكَمي على ما اتّضح في تضاعيف ما مضى. والإطلاق المقامي فيها إنّما يتمّ في قيد يكون مرفوضاً حسب الارتكازات المعاشة في الأجواء الإسلامية; ممّا يجعل الإنسان المتشرّع يفهم من الدليل الإطلاق، ويكون سكوت الإمام دليلا على إمضائه، وقيد الذكورة ليس من هذا القبيل، ففي زماننا هذاقد يعتير قيد من هذا القبيل في الأجواء الغربيّة خلاف المساواة بمعناها الفاسد الذي ينادى به في الغرب، ولكنّ الجوّ المتشرّعي الإسلامي خال من أمر من هذا القبيل.

وبهذه المناسبة لابأس بالإشارة إلى أنّ افتراض تفريق من هذا القبيل بين

 
الصفحة 462

الذكر والاُنثى ليس خلافاً للعدالة الاجتماعية في نظر الإسلام في المناصب كالقضاء لأمرين:

أحدهما - أنّ المناصب في نظر الإسلام ليست كراسي للفخر والاعتزاز وجرّ المنافع، بل هي مسؤوليّات بحتة.

وثانيهما - أنّ المسألة راجعة إلى توزيع المهامّ وفق القابليات. وقد مضى شرح لهذا الكلام فيما سبق في شرط الذكورة في القضاء، والذي اُريد أن أذكره هنا هو أنّ الأَمر في الشهادة أوضح; لأنّ الشهادة ليست منصباً ومقاماً حتى بالمنظار الذي يرى مثل القضاء منصباً ومقاماً، فهي أوضح في أنّها ليست عدا مسؤوليّة شرعيّة واجتماعيّة.

وعلى أىّ حال فجوّ متشرّعىّ مأنوس بالفرق بين الرجل والمرأة في القضاء والشهادة وإمامة الجماعة وغير ذلك لايتمّ فيه إطلاق مقامىّ فضلا عن جوّ صدر الإسلام قبل ما يعتاد الناس فيه على خلاف الجوّ الجاهلي الّذي لم يكن يعدّ المرأة مساوية للرجل في الإنسانيّة والكرامة.

فإذالم يتمّ إطلاق من هذا القبيل، كان مقتضى الأصل الأوّلي عدم نفوذ شهادة المرأة. يبقى أن نرى بعد ذلك هل هناك إطلاق في خصوص باب شهادة النساء يدلّ على نفوذ شهادتهنّ على الإطلاق؟ أو على عدم نفوذ شهادتهنّ على الإطلاق أوْلا؟ فإن ثبت الأوّل، أصبحت القاعدة الأوّلية نفوذ شهادة النساء إلاّ ما خرج بالدليل. وإن ثبت الثاني، تأكّد كون القاعدة الأوّلية عدم النفوذ، وصعدت القاعدة من مستوى الأصل إلى مستوى الأمارة. وإن لم يثبت شيء من الإطلاقين، أو ثبت كلاهما وتعارضا وتساقطا، فمقتضى القاعدة هو الرجوع إلى الأصل الأوّلي، وهو عدم النفوذ إلاّ ما خرج بالدليل. فهنا نبحث أوّلا عن أنّه هل يوجد إطلاق يدلّ على نفوذ شهادة النساء، أوْلا؟ وثانياً: عن أنّه هل يوجد إطلاق يدلّ على عدم نفوذ

 
الصفحة 463

شهادتهنّ، أوْلا؟ وثالثاً: عمّا ورد من الدليل في موارد خاصّة على نفوذ شهادة النساء أو عدم نفوذها.

أمّا فرض إطلاق يدلّ على نفوذ شهادة النساء، فالظاهر أنّه غير موجود. وهنا بعض روايات يمكن أن يتوهّم فهم الإطلاق منها لنفوذ شهادتهن، ولكن شيئاً من التأمّل يثبت عدم الدلالة على ذلك، وذلك من قبيل مايلي:

1 - ما عن عبدالكريم بن أبي يعفور - ولم ثبت وثاقته - عن أبي جعفر قال: «تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للأزواج تاركات للبذا والتبرّج إلى الرجال في أنديتهم»(1).

ولكن من المحتمل كون النظر في هذا الحديث إلى بيان شرط قبول شهادة النساء، وهو كونهن بهذه المواصفات، أمّا أنّ شهادَتَهُنّ تقبل في أىّ مورد، ولاتقبل في أىّ مورد، فهذا خارج عن محلّ البيان.

2 - ما عن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «قال: تجوز شهادة الرجل لأمرأته، والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها»(2).

وهذا الحديث أوّلا: لا إطلاق له لمثل كثير من الحدود التي لا يتعقَّل أن تكون شهادتها فيها شهادة في صالح الزوج.

وثانياً: أنّ صياغة التعبير بعنوان الزوج والزوجة تدلّ على أنّ النظر كان إلى عدم إضرار علاقة الزوجيّة بنفوذ الشهادة، فمتى ما تنفذ شهادة المرأة بشأن غير الزوج تنفذ بشأن الزوج أيضاً إذا كان معها غيرها. أمّا أنّ شهادة المرأة تنفذ في أي


(1) الوسائل، ج 18، باب 41 من الشهادات، ح 20، ص 294.

(2) الوسائل، ج 18، باب 25 من الشهادات، ح 1، ص 269.

الصفحة 464

شيء، ولا تنفذ في أي شيء؟ فهذا خارج عن محطّ نظر الحديث.

3 - ما عن سماعة - بسند تامّ - قال: «سألته عن شهادة الوالد لولده والولد لوالده والأخ لأخيه. قال: نعم. وعن شهادة الرجل لامرأته؟ قال: نعم. والمرأة لزوجها؟ قال: لا، إلّا أن يكون معها غيرها»(1).

ونفس الإشكالين واردان هنا، وورود الإشكال الثاني هنا أوضح منه في الحديث الأوّل، وذلك باعتبار ذكر الوالد والولد والأخ ممّا يوّضح أنّ نظر السائل كان إلى السؤال عن مدى تأثير القرابة والعلاقة في الإضرار بالشهادة لأجل ما تجلبها من التهمة.

4 - ما عن منصور بن حازم أنّ أبا الحسن موسى بن جعفر قال: «إذا شهد لطالب الحقّ امرأتان ويمينه فهو جائز»(2). والكلام في هذا الحديث تارةً يقع في سنده، وأُخرى في دلالته.

أمّا السند: فقد رواه الصدوق بإسناده عن منصور بن حازم، وسند الصدوق إلى منصور بن حازم عبارة عن محمد بن علي ما جيلويه عن محمد بن يحيى العطّار عن محمّد بن أحمد عن محمد بن عبدالحميد عن سيف بن عميرة عن منصور ابن حازم، وهذا السند فيه محمد بن علي ماجيلويه، و لم تثبت وثاقته، إلّا أنّ الحديث رواه أيضاً الكليني عن بعض أصحابنا عن محمد بن عبدالحميد عن سيف بن عميرة عن منصور بن حازم قال: «حدّثني الثقة عن أبي الحسن »(3) وذكر نفس


(1) صدره وارد في الوسائل، ج 18، باب 26 من الشهادات، ح 4، ص 271. وذيله ورد في نفس نفس المجلّد، باب 25 من الشهادات، ح 3، ص 270.

(2) الوسائل، ج 18، باب 15 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 198.

(3) نفس المصدر، ح 4.

الصفحة 465

الحديث، والظاهر وحدة الحديثين و سقوط الواسطة بين منصور والإمام في النقل الأوّل. وعلى أىّ حال، فهذا السند أيضاً لا يتمّ لنا، لأننّا لم نعرف من أراده الكليني بكلمة (بعض أصحابنا).

ورواه الشيخ أيضاً بإسناده عن محمد بن عبدالحميد عن سيف بن عميرة عن منصور بن حازم قال: «حدّثني الثقة عن أبي الحسن »(1) وذكر نفس المتن، إلاّ أنّ سند الشيخ إلى محمد بن عبدالحميد ضعيف بأبي المفضّل وابن بطّة. وأمّا محمد بن عبدالحميد - وهو واقع في كلّ هذه الأسانيد - فقد يستدلّ على وثاقته بعدة أُمور:

الأوّل - ما قاله النجاشي في ترجمته: «محمد بن عبدالحميد بن سالم العطّار أبو جعفر روى عبدالحميد عن أبي الحسن موسى، وكان ثقة من أصحابنا الكوفيّين له كتاب النوادر». فقد يستظهر من هذا التعبير رجوع التوثيق إلى محمد بن عبدالحميد، وذكر السيّد الخوئي أنّ التوثيق راجع إلى أبيه بقرينة العطف بالواو. وهذا الكلام صحيح.

والثاني - ما اعتمد عليه السيّد الخوئي في توثيقه من وروده في أسانيد كامل الزيارات. وهذا غير مقبول لدنيا.

والثالث - ما نعتمد عليه من رواية ابن أبي عُمير عنه.

وعلى أيّ حال فقد تبيّن أنّ سند الحديث في المقام غير تامّ.

وأمّا الدلالة: فإطلاق الحديث إنّما هو في دائرة المرافعة بقرينة كلمة «طالب الحق»، وبقرينة عطف اليمين على شهادة امرأتين.

5 - ما عن يونس عمّن رواه قال: «استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل


(1) نفس المصدر، ح 4، وباب 24 من الشهادات، ح 31، ص 264.

الصفحة 466

ويمين المدّعي...»(1).

وهذا الحديث ساقط بالإرسال وعدم انتهائه إلى المعصوم، ودلالته لا تتمّ أيضاً في غير دائرة المرافعة.

6 - ما عن تفسير الإمام العسكري في قوله - تعالى -: ﴿فإن لم يكونا رَجُلينِ فرجلٌ وامرأتان قال: «عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد، فإذا كان رجلان أو رجل وامرأتان أقاموا الشهادة، قضي بشهادتهم...»(2)، فقد يتمسك بإطلاق قوله : «عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد»، أو قوله : «قضي بشهادتهم»، ولكنّك ترى أنّه لا يتمّ الإطلاق في هذا الحديث بأكثر من مورد الآية الكريمة; حيث إنّه ورد بشأن تفسير الآية المباركة. وعلى أيّ حال فالحديث ساقط سنداً.

وهكذا اتّضح عدم تماميّة إطلاق لنفوذ شهادة المرأة، وهذا كاف في أن يثبت أنّ مقتضى القاعدة هو عدم نفوذ شهادة المرأة في غير ما ثبت نفوذ شهادتها بالدليل; لأنّ الأصل عدم النفوذ.

وأمّا ما يمكن حمله على عدم نفوذ شهادة النساء على الإطلاق إلّا ما خرج بالدليل فهو عدّة روايات، إلاّ أنّ أكثرها خاصّ بشهادة النساء وحدهنّ; أي عند عدم انضمام شهادة الرجل إليهنّ، وهذه الإطلاقات كما يلي:

1 - ما عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - قال: «قال: لاتجوز شهادة النساء في الهلال ولا في الطلاق، وقال: سألته عن النساء تجوز شهادتهنّ؟ قال: نعم في


(1) الوسائل، ج 18، باب 15 من كيفيّة الحكم، ح 2، ص 198، وباب 7 من كيفيّة الحكم، ح 4، ص 176.

(2)- الوسائل، ج 18، باب 15 من كيفيّة الحكم، ح 5، ص 176.

الصفحة 467

العذرة والنفساء»(1). فبما أنّ السؤال كان عن شهادة النساء على الطلاق وجاء الجواب بالجواز في العذرة والنفساء، فلا محالة يدلّ على عدم نفوذ شهادة النساء في كلّ ما ليس من قبيل العذرة والنفساء، أي كلّ ما لا تختصّ برؤيته النساء، وإنّما قلنا: إنّ الإطلاق خاصّ بشهادة النساء وحدهنّ وبلا رجال; لأنّ وضوح نفوذ شهادة النساء مع الرجال ولو في الجملة، وصراحة القرآن بذلك يعتبر كالقرينة المتّصلة الصارفة لإطلاق الحديث إلى شهادة النساء وحدهنّ وبلا رجال، ويكفينا احتمال ذلك لو فرض عدم الجزم به لعدم جريان أصالة عدم القرينة في الشكّ في قرينيّة الموجود في باب القرائن المتّصلة.

2 - ما عن عبدالرحمان بن أبي عبداللّه قال: «سألته عن المرأة يحضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة أتجوز شهادتها، أم لا تجوز؟ فقال: تجوز شهادة النساء في المنفوس والعذرة»(2). فالجواب في المنفوس والعذرة عن سؤال راجع إلى غير المنفوس والعذرة يدلّ لا محالة على الحصر بالمنفوس والعذرة، أو ما لايمكن للرجل فيه المشاهدة، إلاّ أنّ الحكم في مورد الحديث وهو الوصيّة مبتل بالمعارض، وسنجث - إن شاء اللّه - حال هذا التعارض عند بحثنا عن الروايات الواردة في الموارد الخاصّة.

وأمّا سند الحديث ففيه الحسين بن محمد عن معلّى بن محمد، ومعلّى بن محمد لم تثبت وثاقته، والسيّد الخوئي بنى على وثاقته لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات وذكر: أنّ هذا لاينافي ما قاله النجاشي بشأنه من أنّه مضطرب الحديث والمذهب، أمّا اضطراب المذهب لو ثبت فلا يضرّ بوثاقته، وأمّا اضطراب الحديث فهو بمعنى أنّه


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 8، ص 260.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 14.

الصفحة 468

يروي ما يعرف وما ينكر، وهذا أيضاً لايضرّ بوثاقته.

أقول: إنّ وثاقة كلّ من ورد في أسانيد كامل الزيارات ممنوعة لدنيا.

أمّا الحسين بن محمد فقد روى عنه الكليني كثيراً، وفي بعض الموارد عبّر عنه بعنوان الحسين بن محمد بن عامر، وفي بعض الموارد بعنوان الحسين بن محمد بن عامر الأشعري. وقد روى النجاشي كتاب الحسين بن محمد بن عمران عن محمد بن محمد عن أبي غالب الزراري عن الكليني عن الحسين بن محمد بن عمران بن أبي بكر الأشعري، والظاهر أنّهما شخص واحد، وأنّ عنوان الحسين بن محمد بن عمران إسناد إلى الجدّ، لانّ عمران أبوعامر كما استدلّ السيّد الخوئي على ذلك بقول النجاشي في ترجمة عبداللّه بن عامر بن عمران: (أخبرنا الحسين بن عبيداللّه في آخرين عن جعفر بن محمد بن قولويه قال: حدّثنا الحسين بن محمد بن عامر عن عمّه عبداللّه بن عامر بن عمران) فإذا ثبت اتّحاد الرجلين، ثبتت وثاقة الحسين بن محمد بن عامر بشهادة النجاشي بوثاقة الحسين بن محمد بن عمران، ولو لم نقبل بالاتّحاد قلنا: كلاهما ثقة على أيّ حال: أمّا الثاني فلشهادة النجاشي. وأمّا الأوّل فلرواية جعفر بن محمد بن قولويه عنه في كامل الزيارات(1)، والقدر المتيقّن من شهادة جعفر بن محمد بن قولوية بوثاقة رواته في كامل الزيارات هو الراوي المباشر له.

3 - ما عن العلاء - بسند تامّ - عن أحدهما قال: «لا تجوز شهادة النساء في الهلال. وسألته هل تجوز شهادتهن وحدهنّ قال: نعم في العذرة والنفساء»(2). وهذا يعني عدم نفوذ شهادتهنّ وحدهنّ في ما يمكن للرجال الحضور


(1) كامل الزيارات، الباب 41، الحديث 5.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 18، ص 262.

الصفحة 469

فيه.

4 - ما عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - قال: «سألته: تجوز شهادة النساء وحدهنّ؟ قال: نعم في العذرة والنفساء»(1).

5 - ما عن عبدالرحمان قال: «سألت أبا عبداللّه عن المرأة يحضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة تجوز شهادتها؟ قال: تجوز شهادة النساء في العذرة والمنفوس، وقال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال»(2). وفي سند الحديث القاسم، وهو محمول على القاسم بن محمد الجوهري بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه، وهو ثقة لرواية بعض الثلاثة عنه. والحديث في مورده مبتلىً بالمعارض الدالّ على قبول شهادة النساء في الوصيّة، وفي ذيله أيضاً مبتلىً بالمعارض، وسنبحث حال التعارضين - إن شاء اللّه - عند بحثنا عن الروايات الواردة في الموارد الخاصّة. ويحتمل اتّحاد هذا الحديث مع الحديث الثاني; لاتّحاد المتن ما عدا الذيل الذي لم يكن موجوداً في ذاك الحديث، ولأنّ الراوي فيهما هو عبدالرحمان والراوي عنه فيهما هو أبان.

6 - ما له إطلاق في دائرة الشيء الكثير، وهو ما عن عبيد بن زرارة - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه تجوز شهادة المرأة في الشيء الذي ليس بكثير في الأمر الدون ولا تجوز في الكثير(3). ونصرف الحديث إلى شهادة النساء وحدهن بلا رجال بنفس القرينة التي ذكرناها سابقاً، إلاّ أنّ تفصيله بين الأمر الدون والأمر


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 19، ص 262.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 21، ص 262، وج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 6، ص 397.

(3) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 22، ص 263.

الصفحة 470

الكثير - ممّا لعلّه لا قائل به - قد يكون قرينة لسقوط الحديث وردّ علمه إلى أهله.

7 - ما عن عبداللّه بن سنان، أو عبداللّه بن سليمان قال: «سألته عن امرأة حضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة: أتجوز شهادتها؟ فقال: لاتجوز شهادتها إلاّ في المنفوس والعذرة»(1). والراوي المباشر للإمام في التهذيب هو عبداللّه بن سنان، وفي الاستبصار هو عبداللّه بن سليمان، ولعلّ الثاني أقوى احتمالا; لأنّ الراوي عنه أبان، وقد شوهدت رواية أبان عن عبداللّه بن سليمان دون عبداللّه بن سنان. وعلى أيّ حال فعبداللّه بن سنان لاشكّ في وثاقته، وأمّا عبداللّه بن سليمان فقد روى عنه ابن أبي عُمير وصفوان بن يحيى في طريق الصدوق في مشيخة الفقيه إليه، وهذا دليل الوثاقة، إلاّ أنّ هذا الاسم مشترك، وفي مشيخة الفقيه قد قصدبه عبداللّه بن سليمان الصيرفي، فإنّه الذي ذكر في الرجال له كتاب دون غيره، والمفروض أنّ الصدوق في الفقيه يروي عن كتاب عبداللّه بن سليمان، فيكون المقصود به الصيرفي، فإن قلنا بأنّه متى ما أُطلق هذا الاسم انصرف إلى عبداللّه بن سليمان الصيرفي لأنّه صاحب كتاب بخلاف غيره، تمّ سند الحديث في المقام; لانصراف هذا الاسم في هذا الحديث إلى الصيرفي الذي قد روى عنه ابن أبي عُمير وصفوان بن يحيى. هذا، والحديث في مورده مبتلىً بالمعارض، وسيبحث - إن شاء اللّه - في الروايات الخاصّة.

8 - ما عن محمد بن سنان عن الرضا فيما كتب إليه من العلل: وعلّة ترك شهادة النساء في الطلاق والهلال لضعفهنّ عن الرؤية ومحاباتهنّ النساء في الطلاق، فلذلك لاتجوز شهادتهنّ إلاّ في موضع ضرورة مثل شهادة القابلة وما لا يجوز


(1) نفس المصدر، ح 24، ص 263. وج 13، باب 22 من أحكام الوصايا، ح 7، ص 397.

الصفحة 471

للرجال أن ينظروا إليه...(1) والحديث ساقط سنداً.

9 - مرسلة تحف العقول عن أبي الحسن الثالث قال: «وأمّا شهادة المرأة وحدها التي جازت فهي القابلة جازت شهادتها مع الرضا، فإن لم يكن رضا فلا أقلّ من امرأتين، تقوم المرأة بدل الرجل للضرورة; لأنّ الرجل لايمكنه أن يقوم مقامها، فإن كانت وحدها، قبل قولها مع يمينها»(2). فقوله: «أمّا شهادة المرأة وحدها التي جازت فهي القابلة...» قد يدلّ بالحصر على عدم قبول شهادة المرأة وحدها في غير مثل القابلة، والحديث ساقط سنداً، إضافة إلى اشتماله على مضمون غريب.

10 - ما عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ أنّه كان يقول: «شهادة النساء لاتجوز في طلاق ولانكاح ولا في حدود إلاّ في الديون، وما لايستطيع الرجال النظر اليه»(3). وهذا الحديث ميزته عن الأحاديث السابقة أنّ إطلاقه يشمل حتى شهادة النساء مع الرجال. توضيح ذلك: أنّه نفى أوّلا نفوذ شهادة النساء في الطلاق والنكاح والحدود، وإلى هنا لايتمّ إطلاق، ولكنّ استثناءه للديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه الذي قد يبدو في الذهن كونه استثناءً منقطعاً يكون عرفاً - بقرينة كون الاستثناء المنقطع خلاف الأصل - دالاّ على أنّ ذكر الطلاق والنكاح والحدود كان بعنوان المثال، وأنّ المقصود عدم نفوذ شهادة النساء مطلقاً إلاّ في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر اليه، وبما أنّ شهادة النساء في الديون إذا كانت مع شهادة الرجال تنفذ بصريح القرآن; إذن فالمستثنى منه يشمل شهادة


(1) نفس المصدر، ح 50، ص 269.

(2) نفس المصدر، ح 51، ص 269.

(3) نفس المصدر، ح 42، ص 267.

الصفحة 472

النساء مع الرجال أيضاً.

وابتلاؤه في نفوذ شهادة النساء في النكاح بالمعارض، أو حمله على التقيّة - كما سيأتي بحثه إن شاء اللّه - لعلّة لايضرّ بالأخذ بالمفاد الآخر للحديث، وهو إطلاق عدم قبول شهادة النساء.

ولكنّ العيب المهمّ في الحديث هو أنّه قد وقع في سنده بنان بن محمد، ولا دليل على وثاقته عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات، وهو غير كاف عندنا للتوثيق.

وعليه فلم يتمّ لدنيا إطلاق لنفي نفوذ شهادة النساء إلاّ في شهادة النساء وحدهن وبلا رجال; إذن فبالنسبة لشهادتهنّ مع الرجال يكون المرجع عند الشكّ هو أصالة عدم النفوذ.

لايقال: إنّ المرجع هو الارتكاز العقلائي الذي لايفرّق في ذلك بين الرجال والنساء، كما هو مشاهد في المجتمع الغربي غير المتديّن بدين الإسلام ممّا يشهد على أنّ الفرق بينهما إنّما هو فرق شرعيّ ومتشرّعيّ. أمّا بحسب الذوق العقلائي فلا فرق في ذلك بينهما، والارتكاز أو السيرة العقلائيان يكونان حجّة ما لم يردع عنهما، ففي موارد عدم وصول الردع نتمسّك بهما لإثبات نفوذ شهادة النساء ولا نتمسك بأصالة عدم النفوذ.

فإنّه يقال: أوّلا - إنّ ارتكازاً عقلائياً من هذا القبيل لم يكن ثابتاً في الجوّ العقلائي المكتنف بالنصوص في عصر صدور النصوص، فإنّ العقلاء غير المتشرّعين آنئذ لم يكونوا يعترفون بأبسط الحقوق البشريّة للنساء، وقد جاء الإسلام واهتمّ بحقوق النساء وقال: ﴿أَنّي لا أُضيع عمل عامل منكُم من ذكر أو أُنثى (1)، وأثبت لهنّ كامل حقوقهنّ، وجعلهنّ في النصاب المفروض لهنّ من قبل اللّه - تعالى - أمّا


(1) سورة 3 آل عمران الآية 195.

الصفحة 473

المساواة - بالمعنى المزيّف المنادى به اليوم في الغرب - فلم تكن أمراً يتحدّث عنه وقتئذ لدى المجتمع الجاهلي الذي بزغ فيه نور الإسلام.

وثانياً - أنّه لو افترضنا وجود مستوىً من الارتكاز العقلائي وقتئذ من هذا القبيل، فلا شكّ في أنّه لم يؤثّر على جوّ المتشرّعين في قضاياهم الشرعية وهم يألفون فوارق من هذا النمط بين الرجال والنساء في الجمعة والجماعة والجهاد وغير ذلك من دون أن يروا أنّ في ذلك حيفاً بحقوق المرأة والعدالة بمعناها الصحيح. وقد نقّحنا في علم الأُصول أنّ عدم الردع إنّما يدلّ على إمضاء السيرة العقلائيّة حينما تشكّل - على تقدير عدم موافقتها لرأي الشريعة - خطراً على أغراض الشريعة، وفي المقام لم تشكّل خطراً عليها.

وثالثاً - أنّ عدم صدور الردع غير معلوم; إذن من المحتمل صدور الردع ووصوله إلينا ضمن الأحاديث الماضية وإن ابتُليَ بمرور الزمن بالغموض سنديّاً أو دلاليّاً، وليست السيرة - لو سلّمنا بها - بتلك المستوى من القوّة بحيث نجزم بأنّها لو لم تكن مطابقة لرأي الشريعة لاشتدّ الردع عنها إلى حدٍّ كان يصلنا بكامل الوضوح.

هذا تمام الكلام فيما هو مقتضى القاعدة عند الشكّ في نفوذ شهادة النساء.

وأمّا الروايات الخاصّة الواردة في الموارد الخاصّة الدالّة على عدم نفوذ شهادة النساء أو نفوذها، فهي واردة في عدّة موارد:

شهادة المرأة في الحدود:

المورد الأوّل - الحدود: فقد ورد فيها ما يدلّ على عدم نفوذ شهادة النساء فيها، ما عدا الزنا الذي ورد بشأنه بشكل خاصّ ما يدلّ على نفوذ شهادة النساء على تفصيل في ذلك:

 
الصفحة 474

فقد ورد عن جميل بن دراج ومحمد بن حمران - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده، إنّ عليّاً كان يقول: لا يَبطل دم امرىء مسلم»(1). ولعلّ استثناء القتل قرينة على أنّ المقصود بالحدود في هذا الحديث ما يشمل باب القصاص والديات.

وعن غياث بن إبراهيم - بسند تامّ - عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علىّ قال: «لاتجوز شهادة النساء في الحدود ولافي القَوَد»(2).

وعن موسى بن إسماعيل عن أبيه إسماعيل بن موسى بن جعفر عن آبائه عن علىّ قال: «لاتجوز شهادة النساء في الحدود ولاقود»(3). ولادليل على وثاقة موسى بن إسماعيل وأبيه عدا ورود هما في أسانيد كامل الزيارات، وهذا غير كاف عندنا. والراوي عن موسى بن إسماعيل هو محمد بن محمد بن الأشعث وهو ثقة، والراوي عنه عبيداللّه بن الفضل بن محمد بن هلال، وقد ثبت توثيقه برواية جعفر ابن قولويه مباشرة عنه في كامل الزيارات.

وقد مضى حديث السكوني المشتمل على عدم نفوذ شهادة النساء في الحدود، وقلنا: إنّه ضعيف سنداً ببنان بن محمد.

والكلام تارةً يقع فيما يعارض هذه الأحاديث، وأُخرى فيما ورد في الحديث الأوَّل من استثناء القتل، وثالثة في استثناء الزنا.


(1) نفس المصدر، ح 1، ص 258. و ج 19، باب 2 من دعوى القتل، ح 1، ص 104.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 29، ص 268. و ج 19، باب 2 من دعوى القتل، ح 7، ص 105.

(3) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 30، ص 264، وج 19، باب 2 من دعوى القتل، ح 8، ص 105.

الصفحة 475

أمّا ما يعارض هذه الأحاديث فهو ما مضى عن أبان عن عبدالرحمان قال: «سألت أبا عبداللّه عن المرأة يحضرها الموت وليس عندها إلاّ امرأة، تجوز شهادتها؟ قال: «تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال»(1). وقد يكون مقتضى الجمع العرفي بين هذا الحديث والأحاديث السابقة هو التقييد; لأنّ مقتضى إطلاق الأحاديث السابقة عدم قبول شهادة النساء في الحدود مطلقاً، وهذاالحديث دلّ على قبول شهادة النساء في الحدود إذا كان معهنّ رجال، فهذا أخصّ من تلك.

وذكر السيد الخوئي: أنَّ ذيل الحديث وهو قوله: «وقال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال» غير ثابت; لأنّه وإنْ نقله الشيخ - بسنده إلى الحسين بن سعيد - عن القاسم عن أبان عن عبدالرحمان، ولكنّ نفس الحديث رواه الكليني بسند معتبر عن أبان عن عبدالرحمان بن أبي عبداللّه(2) من دون هذا الذيل، ورواه أيضاً الشيخ- بسنده إلى الحسين بن سعيد - عن فضالة عن أبان عن عبداللّه بن سنان في التهذيب وعبداللّه بن سليمان في الاستبصار(3)، ومتن الرواية واحد في الجميع، فالأمر يدور بين الزيادة والنقيصة، ومن البعيد افتراض أنّ أبان يرويها تارةً مع الذيل وأُخرى بدونه، مضافاً إلى أنّ الكليني أضبط في الر واية من الشيخ، و لاسيّما أنّ روايته مؤيّدة برواية الشيخ نفسه(4).

ولعلّه يشير بقوله: «إن رواية الكليني مؤيّدة برواية الشيخ نفسه» إلى أنّ الشيخ قد روى نفس الرواية عن الكليني من دون الذيل.


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 21، ص 262.

(2) وهو الحديث الثاني مما مضى من أحاديث عدم نفوذ شهادة النساء.

(3) وهو الحديث الخامس مما مضى من أحاديث عدم نفوذ شهادة النساء.

(4) مباني تكملة المنهاج، ج 1، ص 123.

الصفحة 476

أقول: إنّ مجرّد كون الراوي عن عبداللّه بن سنان، أو عبداللّه بن سليمان وعن عبدالرحمان هو أبان مع وحدة المتن لايدلّ على أنّهما رواية واحدة، بل الظاهر أنّهما روايتان; لأنّ عبدالرحمان ينسب السؤال عن الإمام إلى نفسه، وعبداللّه بن سنان أو سليمان أيضاً ينسب السؤال إلى نفسه على أنّنا لم نعرف أنّ أبان في الروايتين شخص واحد. وأمّا رواية الكليني عن عبدالرحمان فإنّما وصفها السيد الخوئي باعتبار السند; لأنّه بنى على وثاقة معلّى بن محمّد الوارد في أثناء السند لوروده في أسانيد كتاب كامل الزيارات. أمّا على مبنانا فلم تثبت وثاقته، وبالتالي يكون السند ساقطاً، ولو سلّمنا سلامة السند، وسلّمنا وحدة الرواية مع رواية عبداللّه بن سنان أو سليمان، فكون المقام من موارد دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة ممنوع، فإنّ الذيل جملة مستقلّة برأسها، ولعلّها رواية مستقلّة سمعها الراوي في مجلس آخر، فاستبعاده لذكرها تارةً وحذفها أُخرى في غير محلّه.

وعلى أىّ حال فالصحيح هو ردّ علم هذا الذيل إلى أهله; إذ لاكلام فقهيّاً بين الأصحاب في عدم نفوذ شهادة النساء في الحدود غير الزنا الذي سيأتي الحديث عنه - إن شاء اللّه - كما قال السيد الخوئي: «إنّه لا عامل به منّا، فهو شاذ لا بدّ من ردّ علمه إلى أهله»(1) وهذا يوجب إمّا القطع ببطلانه، أو تشكيل قرينة عرفية معتدّبها نوعيّاً وعقلائياً ضدّ صحّة الحديث على تقدير إرادة ما يظهر منه، ممّا يسقطه عن الحجّيّة.

وأمّا القتل فقد مضى حديث جميل ومحمد بن حمران الدالّ على نفوذ شهادة النساء في القتل، ويعارضه ما دلّ على نفي ذلك من قبيل: ما عن ربعي - بسند تامّ -


(1) مباني تكملة المنهاج، ج 1، ص 123.

الصفحة 477

عن أبي عبداللّه قال: «لاتجوز شهادة النساء في قتل»(1). وماعنه - بسند تامّ أيضاً - عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه قال: «إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز في الرجم، ولاتجوز شهادة النساء في القتل»(2). وكون الجزء الأوّل من الحديث خلاف المتسالم عليه عندناً، أو حمله على التقيّة مثلا قد لا يضرّ بحجّيّة الجزء الثاني منه.

وقد جمع السيد الخوئي بين الطائفتين بحمل الأُولى على إثبات الدِيَة والثانية على نفي القَوَد، وذلك بقرينة رواية غياث بن إبراهيم الماضية النافية لنفوذ شهادة النساء في القَوَد. وهذا مبتن على مبنى انقلاب النسبة بأنْ يُقيَّد بذلك حديث إثبات القتل، فيختصّ بالدِيَة ويصبح مقيِّداً لحديث عدم ثبوت القتل بشهادة النساء.

ويمكن تتميم المطلب حتى على عدم القول بانقلاب النسبة، وذلك بأن ندخل في الحساب ما دلّ على نفوذ شهادة النساء في القتل بلحاظ الدِيَة من قبيل ما عن محمد بن قيس - بسند تامّ - عن أبي جعفر قال: «قضى أمير المؤمنين في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة»(3). وما عن عبداللّه بن الحكم - بسند غير تامّ - قال: «سألت أبا عبداللّه عن امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبيّاً في بئر فمات، قال: على الرجل ربع دِيَة الصبي بشهادة المرأة»(4). وعلى هذا نقول: إنّ ما دلّ على ثبوت


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 27، ص 263. وج 19، باب 2 من دعوى القتل، ح 6، ص 105.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 28، ص 264.

(3) نفس المصدر، ح 26، ص 263.

(4) نفس المصدر، ح 33، ص 265.

الصفحة 478

القتل بشهادة النساء يقيَّد بما دلّ على نفي القَوَد، وما دلّ على نفي ثبوت القتل بشهادة النساء يقيَّد بما دلّ على ثبوت الدِيَة. فالنتيجة هي التفصيل بين الدِيَة والقَوَد.

بل بالإمكان أن يقال: إنّ حديث جميل بن دراج ومحمد بن حمران الدالّ على ثبوت القتل بشهادة النساء لايدلّ على أكثر من ثبوت الدية، وذلك بقرينة ذيله وهو التعليل بأنّه لا يبطل دم امرىء مسلم، فهذا التعليل يناسب التنزّل إلى الدية، لا تصعيد شهادة النساء إلى مستوى القبول المطلق كي لا يبطل دم المقتول; إذ فيه خطر بطلان دم المتّهم بالقتل الذي هو مسلم أيضاً. وقد تنبّه إلى هذه القرينة الشيخ الطوسي في التهذيب(1)والاستبصار(2).

بل إنّ روايات عدم ثبوت القتل بشهادة النساء مجملة، ولاتدلّ أيضاً على أكثر من نفي القَوَد، فإن قوله: «لاتجوز شهادة النساء في القتل» كما يحتمل فيه إرادة عدم نفوذ شهادة النساء على القتل كذلك يحتمل فيه إرادة عدم نفوذ شهادة النساء في مشروعيّة قتل المتّهم، سنخ روايات عدم نفوذ شهادة النساء في القَوَد أو في الرجم، أي في مشروعيّة القَوَد أو الرجم.

بقي الكلام في ما دلّ على نفوذ شهادة النساء في الدم مع الرجال: كحديث أبي الصباح الكناني - بسند فيه محمد بن الفضيل - عن أبي عبداللّه قال: «قال علىّ : شهادة النساء تجوز في النكاح، ولاتجوز في الطلاق، وقال: إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان جاز في الرجم، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز وقال: تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال»(3)، وحديث زيد الشّحّام - بسند فيه المفضّل بن


(1) ج 6، ذيل الحديث 711.

(2) ج 3، ذيل الحديث 82.

(3) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 25، ص 263.

الصفحة 479

صالح - قال: «سألته عن شهادة النساء. قال: فقال: لاتجوز شهادة النساء في الرجم إلاّ مع ثلاثة رجال وامرأتين، فان كان رجلان وأربع نسوة فلا تجوز في الرجم. قال: فقلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال نعم»(1)، وحديث أحمد بن محمد بن أبي نصير - بسند تامّ - قال: «... لاتجوز شهادة النساء في الطلاق، وقد تجوز شهادتهنّ مع غير هنّ في الدم إذا حضرنه ...»(2) فقد يقال: إنّ هذه الروايات تقدّم على ما مضى ممّا دلّ على عدم نفوذ شهادة النساء في القتل بالأخصّية; لأنّ تلك الروايات تمنع عن قبول شهادة النساء في القتل مطلقاً، وهذه الروايات تدلّ على قبول شهادتهنّ في ذلك مع الرجال، أو بالأحرى رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر هي الّتي تقدّم في المقام; لأنّ ما قبلها من الروايتين غير نقيّتين سنداً، فلا إشكال في سقوط سند الرواية الأُولى بمحمد بن الفضيل لتضعيف الشيخ إيّاه، ولاتثبت وثاقته برواية بعض الثلاثة عنه; لأنّ هذا التوثيق إذا سقط بالتعارض مع تضعيف الشيخ أصبح الرجل بلا توثيق. وأمّا سند الرواية الثانية ففيه المفضل بن صالح، وهو أيضاً روى عنه بعض الثلاثة، ولكن ذكر النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد: أنّه (روى عنه جماعة غمّز فيهم وضعّفوا منهم عمرو بن شمر ومفضل بن صالح ومنخل بن جميل ويوسف بن يعقوب)، فإن قلنا: إنّ هذا التعبير - أي التعبير بصيغة المجهول في (غمّز) و (ضعّفوا) - يشعر بالشكّ والترديد من قبل النجاشي في ضعفه - كما قال الشيخ عرفانيان(3) - حيث لم يقل: (هم ضعفاء)، أو على الأقلّ يمنع عن دلالة العبارة على تضعيفه، فقد تبقى دلالة نقل بعض الثلاثة عنه على وثاقته بلا معارض. وإن قلنا: إنّ


(1) نفس المصدر، ح 32، ص 264.

(2) الوسائل، ج 15، باب 10 من مقدّمات الطلاق وشرائطه، ح 4، ص 282.

(3) كتاب مشايخ الثقات ص 202.

الصفحة 480

هذا التعبير يدلّ على مسلّميّة ضعف هؤلاء أي أنّه إنّما جيء بهذه الصيغة لأنّ التضعيف لم يكن خاصاً به، وإنّما التضعيف هو الشيء المعروف المألوف بشأنهم، كما استظهر ذلك السيّد الخوئي في معجم الرجال في ترجمة المفضّل بن صالح; إذن فالتوثيق المستفاد من رواية بعض الثلاثة عنه يسقط بالتعارض مع هذا الكلام، وبالتالي لا يبقى دليل على وثاقته.

هذا، وحمل عبارة النجاشي في المقام على الشكّ والترديد ينافي تصريحه بضعف عمرو بن شمر ومنخل بن جميل ويوسف بن يعقوب في تراجمهم، بل صرّح في عمرو بن شمر بأنّه ضعيف جدّاً، و في منخل بن جميل بأنّه ضعيف فاسد الرواية، فإمّا أن يحمل على ما قاله السيّد الخوئي، أو يقال بالإجمال و عدم الدلالة على الضعف، ولا على التشكيك في الضعف. وعلى أىّ حال فلو لم يتمّ سند هذا الحديث فلا إشكال في تماميّة سند الرواية الأخيرة، وهي رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر، فقد يقال: إنّها تقدّم على ما دلّ على عدم نفوذ شهادة النساء في القتل بالأخصّية، فينتج ثبوت القتل قصاصاً وديةً بشهادة النساء مع الرجل.

إلاّ أنّ هناك مالا يمكن حمله على هذا المعنى لكونه كالتصريح في عدم نفوذ شهادة النساء في الدم حتى مع الرجال من قبيل ما ورد عن أبي بصير قال: «سألته عن شهادة النساء فقال: تجوز شهادتهنّ وحدهنّ على مالايستطيع الرجال النظر إليه، وتجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهنّ رجل، ولاتجوز في الطلاق ولا في الدم، غير أنّها تجوز شهادتها في حدّ الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة»(1). فذكر عدم جواز شهادة النساء في الدم في مقابل جواز شهادتهنّ مع الرجل في بعض الأُمور كالتصريح في عدم جواز شهادتهنّ في


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 4، ص 258 و 259.

الصفحة 481

الدم حتى مع الرجل. أمّا سند الحديث، ففيه علىّ بن أبي حمزة البطائني، فلو قلنا بوثاقته تمّ السند، وإلاّ فلا. ومثله ما ورد عن إبراهيم الخارقي أو الحارثي - ولم يوثّق - قال: «سمعت أبا عبداللّه يقول: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه ويشهدوا عليه، وتجوز شهادتهنّ في النكاح، ولاتجوز في الطلاق ولا في الدم، وتجوز في حدّالزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، و لاتجوز إذا كان رجلان وأربع نسوة، ولا تجوز شهادتهنّ في الرجم»(1). وما عن محمد بن الفضيل - وقد تقدّم عدم ثبوت وثاقته- قال: «سألت أباالحسن الرضا قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهنّ رجل، و تجوز شهادتهنّ في النكاح إذا كان معهن رجل، وتجوز شهادتهنّ في حدّ الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا والرجم، ولا تجوز شهادتهنّ في الطلاق ولا في الدم»(2). وقد ورد حديث صريح في عدم نفوذ شهادة النساء مع الرجال في الدم، إلاّ أنّه غير تامّ سنداً، وهو ما عن زرارة بسند فيه سهل بن زياد ومثنّى الحنّاط قال: «سألت أبا جعفر عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم، ولاتجوز في الطلاق، قال: وقال: علىّ تجوز شهادة النساء في الرجم إذا كان ثلاثة رجال وأمرأتان، وإذا كان أربع نسوة ورجلان، فلا يجوز الرجم. قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: لا»(3). وسهل بن زياد لم تثبت وثاقته. ومثنّى الحنّاط محتمل الانطباق على ثلاثة: ابن راشد وابن عبدالسلام وابن الوليد، وقد روى بعض الثلاثة الذين


(1) نفس المصدر، ح 5، ص 259.

(2) نفس المصدر، ح 7، ص 259 و 260.

(3) نفس المصدر، ح 11، ص 260 و 261.

الصفحة 482

لايروون إلاّ عن ثقة عن الأوّل وعن الثالث، وروى بعض الثلاثة أيضاً عن مثنّى الحنّاط بهذا العنوان القابل للانطباق على الأوّل أو الثالث، فلاجزم بانطباقه على الثاني، ولم نَر رواية عن أحد الثلاثة عن مثنّى بن عبدالسلام. نعم، نقل الكشّي عن العياشي عن عليّ بن الحسن ما يدلّ على توثيقه و توثيق الثالث، والسيّد الخوئي القائل بوثاقة كلّ من ورد في أسانيد كامل الزيارات بنى على وثاقة من يرد بعنوان مثنّى الحنّاط; لأنّه ورد بهذا العنوان في أسانيد كامل الزيارات(1). وهذا مبتن على أنّ


(1) أشرنا كراراً إلى أنّ مجرد ورود شخص في أسانيد كامل الزيارات غير كاف لدنيا لإثبات الوثاقة.

      والدليل على كفاية ذلك ما جاء في أوّل كامل الزيارات من قوله: «وقد علمنا بأنّا لانحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، ولكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم اللّه برحمته ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين غير المعروفين بالرواية المشهورين بالعلم والحديث» ووجه الاستدلال بذلك إن كان ذيله فهو لايدلّ على أكثر من الالتزام بكون من يقع في سند حديثه مشهوراً بالعلم والحديث وغير شاذّ، وهذا يجتمع مع الضعف كما في سهل بن زياد. وإن كان صدره فيكفي في صدق عنوان ما وقع لنا من جهة الثقات وثاقة شيخه المباشر. وإن كان هو نكتة أنّه لو لاكون هدفه الاقتصار على الروايات الصحيحة فلا فائدة في وثاقة الشيخ أو عدم كون الراوي شاذّاً، فالجواب أوّلا أنّ هذا مستوىً من القوّة للرواية، فلعلّه كان يرغب أن لاتكون روايات كتابه في غاية الضعف، وثانياً أنّه لعلّه كان يعتقد أنّ ما يصله من الروايات من مشايخه الثقات ممّا لم يقع في سنده إنسان شاذّ غير مشهور بالعلم والحديث هي روايات صحيحة، والإيمان بصحة الرواية وقتئذ لم تكن تلازم الشهادة بوثاقة رواتها. ولهذا ومثله نرى أنّ السيّد علي بن طاووس رحمه الله التزام في أوّل كتابه (فلاح السائل) بأنْ لايروي فيه إلاّ عن مشايخ ثقات مع تصريحه بعدم الالتزام بذلك بالنسبة لباقي من يقع في سند الحديث، فراجع.

الصفحة 483

لانحتمل حذف ما يشخّص أحدَ الأشخاص الثلاثة من قبل ابن قولويه نفسه.

وعلى اى حال فنحن وان كنا نبني على وثاقة مثنى الحناط بكل محتملاته لرواية بعض الثلاثة عن بعضهم وورد التوثيق للبعض الآخر فى رجال الكشّي ولكن يكفي في سقوط السند في المقام وجود سهل بن زياد.

هذا. ويعارض أيضاً حديث البزنطي في المقام ما مضى من حديث نفي نفوذ شهادة النساء في القَوَد; إذ لا يمكن تقييده بحديث البزنطي; إذ لو كان حديث البزنطي خاصّاً بشهادة النساء مع الرجال، فهو أخصّ من حديث نفي القَوَد الشامل لشهادة النساء وحدهنّ وشهادتهنّ مع الرجال، كذلك حديث نفي القَوَد خاصّ بنفي القصاص، بينما حديث البزنطي قابل للحمل على ثبوت الدية فكأنّهما متعارضان بالعموم من وجه.

بل إنّ تقديم حديث البزنطي على روايات نفي نفوذ شهادة النساء في القتل بالأخصّية أيضاً غير واضح; لما عرفت من احتمال كون المقصود بها هو عدم نفوذ شهادتهنّ في القَوَد، فالتعارض بينه وبينها كالتعارض بالعموم من وجه.

والجمع بين حديث نفوذ شهادة النساء مع الرجال في الدم وحديث نفي نفوذها فيه بحمل الأوّل على الدية وحمل الثاني على نفي القصاص بدعوى تأويل ظهور كلّ منهما بنصّ الآخر غير عرفي، سنخ حمل الأمر والنهي المتعارضين على الإباحة، ولو استحكام التعارض فالمرجع بعد التساقط في شهادة النساء في الدم مع الرجال بالنسبة لثبوت القصاص ما عرفته من أنّ مقتضى الأصل هو عدم نفوذ شهادة النساء. وأمّا بالنسبة للدية، فإنْ كانت الشهادة على القتل غير العمدي، ثبتت الدية الكاملة بشهادة امرأتين ورجل; لأنّ هذا داخل في إطلاق حديث البزنطي وحديث البزنطي في هذه الحصة من دلالته لا معارض له بناءً على عدم، نقاء سند

 
الصفحة 484

الروايات الواردة بعنوان عدم نفوذ شهادة النساء مع الرجال في الدم، أمّا لو قلنا بتماميّة بعضها سنداً فقد بطل هذا التقريب لإثبات الدية، ولكن يبقى تقريب آخر لأثبات الدية يشمل الشهادة على القتل العمدي وغير العمدي، وهو التمسّك بما دلّ على نفوذ شهادة النساء في دية القتل بناءً على أنّه لايحتمل كون رجل وامرأتين أضعف حالا من أربع نساء.

وأمّا الزنا، فشهادة اثنتين من النساء عليه بضمّ شهادة ثلاثة رجال تكفي في ثبوت حدّ الزنا حتى الرجم، وشهادة أربع نساء بضمّ شهادة رجلين تكفي الجلد فحسب ولا تثبت الرجم، كما دلّ على كل ذلك ما عن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه : «أنّه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة، فشهد عليه ثلاثة رجال وامرأتان وجب عليه الرجم، وان شهد عليه رجلان وأربع نسوة فلا تجوز شهادتهم، ولا يرجم، ولكن يضرب حدّ الزاني»(1). فهذا الحديث صريح في كلّ الأحكام الثلاثة أعني:

1 - نفوذ شهادة امرأتين مع ثلاثة رجال في الزنا حتى الرجم.

2 - عدم نفوذ شهادة أربع نساء ورجلين في الرجم.

3 - نفوذ شهادة أربع نساء ورجلين في الجلد.

وبعض الروايات صرّحت بالأوّل والثاني دون الثالث من قبيل بعض الروايات الماضية، ومن قبيل ما ورد بسند تامّ عن الحلبي عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن شهادة النساء في الرجم فقال: إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، وإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز في الرجم»(2). وما ورد - أيضاً بسند تامّ - عن


(1) الوسائل، ج 18، باب 30 من حدّ الزنا، ص 401.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 3، ص 258.

الصفحة 485

عبداللّه بن سنان قال: «سمعت أباعبداللّه قال: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان، وقال تجوز شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال في كلّ ما لا يجوز للرجال النظر إليه، وتجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس»(1).

وما تقدّم من روايات عدم نفوذ شهادة النساء في الحدود يقيّد إطلاقها بهذه الروايات، كما أنّ ما تقدّم في حديث أبي بصير من قوله: «ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة» الدالّ بإطلاقه على عدم نفوذها لافي الرجم ولا في الجلد يقيّد بما عرفته من حديث الحلبي المشتمل على قوله: «ولكن يضرب حدّ الزاني».

نعم، ورد حديث تامّ السند يدلّ على عدم نفوذ شهادة ثلاثة رجال وامرأتين في الرجم، وهو ما مضى من حديث ربعي عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه قال: «إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان، لم يجز في الرجم ...»(2) . فهذا يعارض روايات نفوذها في الرجم، ويتعيّن حمله على التقيّة لموافقته لمذهب العامّة.

ومن الغريب ما ذكره الشيخ الطوسي في الخلاف من قوله: (روى أصحابنا أنّه يجب الرجم بشهادة رجلين وأربع نسوة، وثلاثة رجال وامرأتين، ويجب الحدّ دون الرجم بشهادة رجل واحد وست نسوة)(3). والظاهر أنّ هذا سهو منه .


(1) نفس المصدر، ح 10، ص 260.

(2) نفس المصدر، ح 28، ص 264.

(3) الخلاف، ج 3، ص 325 و 326.

الصفحة 486

شهادة المرأة فيما لايجوز للرجل النظر إليه:

المورد الثاني - ما لا يستطيع الرجال النظر إليه، فقد وردت فيه روايات عديدة تدلّ على نفوذ شهادة النساء في ذلك، وقد تقدّمت جملة منها، والروايات الدالة على نفوذ شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه التامّة سنداً على ثلاثة أقسام:

الأول: ما دلّ على ذلك على الإطلاق من قبيل ما مضى عن عبداللّه بن سنان بسند تامّ، فيه: «تجوز شهادة النساء وحدهنّ بلا رجال في كلّ ما لا يجوز للرجال النظر إليه». و ما عن عبداللّه بن بكير - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «تجوز شهادة النساء في العذرة وكلّ عيب لايراه الرجل»(1). وما عن داود بن سرحان - بسند غير تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «اُجيز شهادة النساء في الغلام (الصبي) صاح أو لم يصح، وفي كل شيء لاينظر إليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه»(2).

والثاني - ما ورد في مورد خاصّ، كما ورد - بسند تامّ - عن عمر بن يزيد قال: «سألت أبا عبداللّه عن رجل مات، وترك امرأته وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاماً، ثمّ مات الغلام بعد ما وقع إلى الارض، فشهدت المرأة الّتي قَبِلتْها: أنّه استهلّ وصاح حين وقع إلى الارض، ثم مات؟ قال: على الإمام أن يُجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام»(3).


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 9، ص 260.

(2) نفس المصدر، ح 12، ص 261.

(3) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات ح 6، ص 259.

الصفحة 487

وما ورد عن السكوني - بسند غير تامّ - عن جعفر عن أبيه «أنّ أميرالمؤمنين قال في امرأة ادّعت أنّها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد، فقال: كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان في ما مضى على ما ادّعت، فإن شهدن فقد صدقت، وإلاّ فهي كاذبة»(1). ومثلُ هذا لو لم نقل بتعدّي العرف عن مورده فلا أقل من أنّه لا ينافي المطلقات لوضوح عدم المفهوم فيه.

والثالث - ماورد في مورد خاصّ بشكل قد يتوهّم دلالته بمفهوم الحصر على عدم نفوذ شهادة النساء في غير مورده، وإن لم يمكن للرجال النظر إليه من قبيل ما تقدم عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - قال: «سألته: تجوز شهادة النساء وحدهنّ؟ قال: نعم في العذرة والنفساء» فقد يقال: إنّ هذا باعتباره بصدد الحصر ينفي قبول شهادة النساء في غير العذرة والنفساء، ولو كان ممّا لايمكن للرجال النظر إليه. فقد يقال: إنّ مثل هذا الحديث يعارض المطلقات بالعموم من وجه، فالمطلقات تدلّ على قبول شهادة النساء وحدهنّ فيما لا يمكن للرجال النظر إليه، وهذه الروايات تدلّ بمفهوم الحصر على عدم قبول شهادتهنّ في غير المورد المنصوص عليه، وإطلاق ذلك يشمل ما لا يمكن للرجال النظر إليه غير المورد المنصوص.

إلاّ أنّ الصحيح أنّه لو لم يحمل المورد المنصوص عليه في هذه الروايات على المثالية، فلا أقلّ من احتمال ذلك إلى حدٍّ لا ينعقد الإطلاق للمفهوم فيما لايجوز للرجال النظر إليه، فتبقى المطلقات بلا معارض.

هذا، والروايات الواردة في نفوذ شهادة النساء فيما لا يمكن للرجال النظر إليه مطلقاً، أو في مورد خاصّ عديدة، مضى قسم منها ضمن الروايات السابقة ويوجد


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات ح 37، ص 266.

الصفحة 488

غيرها أيضاً من قبيل روايات الشهادة على البكارة(1)، وقد جاء في اثنتين منها(2): «وكان يُجيز شهادة النساء في مثل هذا»، وهما غير تامّين سنداً، والتامّة سنداً(3)لاتشتمل على هذه الجملة.

وتوجد رواية غير تامّة سنداً تدلّ على كفاية شهادة امرأتين على استهلال الطفل، وهي ما عن أبي بصير عن أبي جعفر قال: «قال: تجوز شهادة امرأتين في استهلال»(4). وفي السند يزيد بن إسحاق ولا دليل على وثاقته عدا وروده في سند كامل الزيارات ممّا لاعبرة به لدنيا، ولو تمّ سنداً لقلنابلحاظ المتن: إنّه إن أمكن تقييده بما دلّ على أنّ شهادة المرأة بالاستهلال إنّما تقبل بقدرها قيّد بذلك، وإلاّ ردّ علمه إلى أهله; إذ لا يحتمل فقهياً كون شهادة امرأتين بالاستهلال كشهادة رجلين. وستأتي في تضاعيف الأبحاث الآتية روايات اُخرى واردة في بعض الموارد الخاصّة.

شهادة المرأة في النكاح:

المورد الثالث - شهادة المرأة في النكاح: ويمكن تقسيم الروايات الواردة بهذا الصدد إلى خمس طوائف:

الأُولى - ما دلّ على قبول شهادة النساء في النكاح: من قبيل ما مرّ من حديث إبراهيم الخارقي أو الحارثي: «... وتجوز شهادتهنّ في النكاح ...»، وقد ذكرنا


(1) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات ح 13 و 44 و 49.

(2) وهما الحديث 13 و 49 من ذاك الباب.

(3) وهي الحديث 44 من الباب نفسه.

(4) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات ح 41، ص 267.

الصفحة 489

عدم تماميّته سنداً. وما مرّ من حديث زرارة الضعيف سنداً أيضاً: «سألت أبا جعفر عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم ...». وما مضى من حديث أبي الصباح الكناني الضعيف سنداً أيضاً: «قال عليّ : شهادة النساء تجوز في النكاح ...».

والثانية - ما دلّ على عدم قبول شهادتهنّ في النكاح مطلقاً: وهو ما مضى من حديث السكوني: «شهادة النساء لاتجوز في طلاق ولانكاح ولاحدود ...» وقد مضى ضعف سنده ببنان بن محمد.

ولو تمّت الطائفتان سنداً، ولم يمكن الجمع بينهما، أمكن حمل الثانية على التقيّة لما نقل من العامّة من القول بعدم نفوذ شهادة النساء في النكاح مطلقاً، أو إذا لم تُضَمّ إلى شهادة الرجال، ولعلّه يمكن أيضاً جعل الروايةِ الّتي سنذكرها - إن شاء اللّه - تحت عنوان الطائفة الثالثة قرينةً على حمل الثانية على التقيّة. وعلى أيّ حال فقد عرفت أنّ كلتا الطائفتين ضعيفتان سنداً.

الثالثة - ما دلّ على كفاية شهادة المرأتين في النكاح بلا رجل، وهو ما ورد عن داود بن الحصين - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن إذا كانت المرأة منكرة؟ فقال: لا بأس به، ثمّ قال: ما يقول في ذلك فقهاؤكم؟ قلت: يقولون: لا تجوز إلاّ شهادة رجلين عدلين، فقال: كذبوا - لعنهم اللّه - هوّنوا واستخفّوا بعزائم اللّه وفرائضه، وشدّدوا وعظّموا ما هوّن اللّه. إنّ اللّه أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين، فأجازوا الطلاق بلا شاهد واحد، والنكاح لم يجيء عن اللّه في تحريمه عزيمة، فسنّ رسول اللّه في ذلك الشاهدين تأديباً ونظراً لئلاّ ينكر الولد والميراث وقد ثبتت عقدة النكاح، واستحلّ الفروج ولا أن يشهد. وكان أمير المؤمنين يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الإنكار، ولا يجيز في الطلاق إلاّ شاهدين عدلين، فقلت: فأنّى ذكر اللّهُ - تعالى -

 
الصفحة 490

قولَه: ﴿فرجل وامرأتان (1)، فقال: ذلك في الدين، إذا لم يكن رجلان فرجل وامرأتان، ورجل واحد ويمين المدّعي إذا لم يكن امرأتان، قضى بذلك رسول اللّه وأمير المؤمنين بعده عندكم»(2).

وما في هذا الحديث من كفاية شهادة امرأتين في النكاح بلا رجل بأن تكون شهادة امرأتين في قوّة شهادة رجلين أمر غير محتمل فقهياً سواء في ذلك فقه السنّة والشيعة، فلا بدّ من ردّ علمه إلى أهله.

الرابعة - ما دلّ على التفصيل بين شهادة النساء في النكاح مع الرجل فتقبل، أو وحدهنّ فلاتقبل من قبيل ما مضى عن محمد بن الفضيل: «سألت أبا الحسن الرضا قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لاتستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهنّ رجل، وتجوز شهادتهنّ في النكاح إذا كان معهن رجل ...» و قد مضى أنّه ضعيف سنداً. وما مضى عن أبي بصير - بسند فيه علىّ بن أبي حمزة -: «... وتجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهنّ رجل ...». وما ورد عن الحلبي عن أبي عبداللّه أنّه سئل عن شهادة النساء في النكاح، فقال: «تجوز إذا كان معهنّ رجل، وكان علىّ يقول: لااُجيزها في الطلاق. قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدين؟ قال: نعم، وسألته عن شهادة القابلة في الولادة؟ قال: تجوز شهادة الواحدة، وقال: تجوز شهادة النساء في المنفوس والعذرة. وحدّثني من سمعه يحدّث: أنّ أباه أخبره: أنّ رسول اللّه أجاز شهادة النساء في الدين مع يمين الطالب يحلف باللّه إنّ حقّه


(1) البقرة: 282.

(2) الوسائل، ج 18، باب 24 من الشهادات، ح 35، ص 265.

الصفحة 491

لحقّ»(1)وسند الحديث تامّ وإن كان فيه إبراهيم بن هاشم، فإنّ الصحيح وثاقة إبراهيم بن هاشم.

وقد استدل السيّد الخوئي على وثاقة إبراهيم بن هاشم بوجوه:

1 - أنّه روى عنه ابنه علىّ في تفسيره كثيراً، وقد التزم في أوّل كتابه بأنّ ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات.

2 - أنّ السيّد ابن طاووس ادّعى الاتّفاق على وثاقته; حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: «رواة الحديث ثقات بالاتّفاق»(2).

3 - أنّه أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم، والقمّيّون قد اعتمدوا على رواياته وفيهم من هو مستصعب في أمر الحديث، فلو كان فيه شائبة الغمز، لم يكن يتسالم على أخذ الرواية عنه و قبول قوله.

4 - أنّه وقع في أسانيد كامل الزيارات(3).

أقول الوجه الرابع عندنا غير مقبول، كما أشرنا إليه مراراً. والوجه الثالث حدسىّ لايبعد إفادته للعلم أو الاطمئنان، وعلى كلّ حال فكلّ من يحصل له الاطمئنان به فهو حجّة له. والوجة الثاني صحيح، فإنّ فرض الاتّفاق من قبل طبقة علىّ بن طاووس على وثاقة شخص من الرواة الواقعين في زمن الأئمّة المتأخّرين يورث القطع بوثاقته أو بثبوت وثاقته بسند تامّ - على الأقلّ -. وبه نصحّح أيضاً محمد بن موسى بن المتوكل، فإنّه وارد في نفس سند الحديث الّذي


(1) نفس المصدر، ح 2، ص 258.

(2) فلاح السائل، الفصل التاسع عشر، ص 158.

(3) معجم الرجال، ج 1، ص 317 و 318.

الصفحة 492

ادّعى علىّ بن طاووس الاتّفاق على وثاقة كلّ من وقع فيه. والوجه الأوّل أيضاً صحيح لشهادة صاحب الوسائل الّذي له سند تامّ إلى تفسير علىّ بن إبراهيم برواية علىّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه مباشرةً منضمّاً إلى شهادته بالعبارة(1)الّتي تنسب إلى علىّ بن إبراهيم في أوّل تفسيره الّتي تدلّ - على الأقلّ - على وثاقة كلّ من روى عنه في تفسيره مباشرة.

أمّا ما يوجد اليوم باسم تفسير علىّ بن إبراهيم، فهو - على ما يبدو من مطالعته - ما جمعه تلميذ له بتركيب بين تفسير علىّ بن إبراهيم وغيره، ولهذا يقول أحياناً مع الانتهاء من حديث: (رجع إلى حديث علىّ بن إبراهيم)، أو ما شابه ذلك من العبائر(2). وهذا التلميذ و هو أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر ليس له ذكر في كتب الرجال. فلو أحسنّا الظنّ بهذا الكتاب وأغفلنا عدم وجود سندلنا إلى النسخ الموجودة فعلا، فغاية ما يفترض ثبوته كونه كتاباً لتلميذ من تلاميذ علىّ بن إبراهيم جمع فيه بين تفسير أُستاذه وغيره، وعندئذ يبقى احتمال كون التعبير المعروف في أوّل التفسير الذي يفترض دليلا على وثاقة كلّ من ورد في أسانيد تفسير علىّ بن إبراهيم عبارة من عبائر هذا التلميذ الذي لم يثبت توثيقه لا عبارة صادرة من علي بن إبراهيم، ولكن عرفنا كون هذا عبارة لعلىّ بن إبراهيم في تفسيره عن طريق صاحب الوسائل الذي له سند تامّ الى تفسير علىّ بن إبراهيم.

الخامسة - ما دلّ على عدم نفوذ شهادة النساء بلا رجال في النكاح مع السكوت عن شهادتهنّ مع رجل، وهو ما عن إسماعيل بن عيسى قال: «سألت


(1) راجع الوسائل، ج 20، ص 124.

(2) راجع الذريعة للشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه الله الجزء الرابع ص 302 إلى ص 307.

الصفحة 493

الرضا هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهنّ رجل؟ قال: لا هذا لا يستقيم»(1). وسند الحديث غير تامّ.

والذي يبدو بعد العرض لهذه الروايات هو أنّ المعتمد هي الطائفة الرابعة المفّصلة بين شهادة النساء في النكاح مع رجل وشهادة النساء فيه وحدهنّ، فتنفذ الأُولى دون الثانية. ولو كانت الطائفة الأُولى والثانية صحيحتين، لكانت هذه الطائفة شاهدة للجمع بينهما بحمل الأُولى على ما إذا كان معهنّ رجل، وحمل الثانية على ما إذا لم يكن معهنّ رجل، كما أنّ الطائفة الخامسة لم تدلّ على شيء يعارض التفصيل المذكور، وإنّما تعرّضت صريحاً لأحد طرفي التفصيل، وإن لم يكن ذلك تلويحاً بالطرف الآخر فهو سكوت لايضرّنا.

نعم، الطائفة الثالثة تعارض التفصيل; لأنّها دلّت بصدرها على نفوذ شهادة النساء بلا رجل في النكاح، وبذيلها على نفوذ شهادة امرأتين في النكاح.

وقد يخطر بالبال تقديمها على روايات التفصيل و حمل روايات التفصيل على التقيّة; لأنّ العامّة بين قائل بعدم نفوذ شهادة النساء في النكاح مطلقاً، وقائل بالتفصيل الوارد في تلك الروايات، فرواية داود بن الحصين هي المخالفة للعامّة.

ولكن قد عرفت أنّ ظاهر رواية داود بن الحصين لا يمكن الأخذ به; لعدم إفتاء أحد بكون المرأة في الشهادة على النكاح كالرجل، فإنّ أمكن حملها - ولو بقرينة عدم إمكان جعل المرأة في الشهادة فقهيّاً كالرجل - على نفوذ شهادة امرأتين بمعنى كونها كشهادة رجل واحد، ولابدّ من ضمّ امرأتين أُخريين إليهما أو رجل، فقد يتمّ ما قلناه من تقديم رواية داود بن الحصين على روايات التفصيل بمخالفة العامّة، وإن قلنا: إنّ هذا الحمل غير عرفىّ - ولو بلحاظ سياق مجموع الحديث كما ليس


(1) الوسائل / ج 18، ب 24، من أبواب الشهادات، ح 39، ص 266.

السابق | التالي | فهرس الكتاب