الصفحة 353

تعارض البيّنات في تزكية الشاهد:

وفي ختام البحث عن شرط العدالة لابأس بالكلام عن مسألة ما إذا كان الدليل على العدالة بيّنة مزكيّة للشاهد، وكانت معارضة بالبيّنة الجارحة، فأيتُهماتتقدم؟ والوجوه الّتي نطرحها الآن على بساط البحث خمسة:

1 ـ التعارض والتساقط.

2 ـ تقديم بيّنة التزكية.

3 ـ تقديم بيّنة الجرح.

4 ـ التفصيل بين مالو نفت البيّنة المزكّية سبب الجرح الّذي تذكره بيّنة الجرح، فلامبِّرر لتقديم بيّنة الجرح، وبين مالو اقتصرت على الشهادة بالعدالة.

5 ـ الترجيح بالعدد أو الأعدلية.

أمّا التعارض والتساقط ـ فوجهه واضح، وهو افتراض عدم موجب للترجيح.

والأثر العملىّ فيما بين التعارض والتساقط من ناحية وتقديم بيّنة الجرح من ناحية أُخرى يظهر في مستصحب العدالة، فعلى الثاني تسقط شهادته، وعلى الأوّل تبقى شهادته نافذة.

وأمّا تقديم بيّنة التزكية فلما قد يقال من أنّ الأصل هو الفسق، فبيّنة التزكية هي الّتي تشهد بأمر إضافي وجديد.

ولو سلّم أنّ الأصل هو الفسق ـ ولو بأن يقصد بالفسق عدم العدالة ـ فلا نسلّم أنّ مجرد كون بيّنة التزكية خلاف الأصل ـ وشاهداً لأمر جديد وإضافي ـ موجباً لتقدُّمها.

 
الصفحة 354

وأمّا تقديم بيّنة الجرح فيمكن الاستدلال عليه بوجهين:

الأوّل ـ ما ورد عن مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه : أنّ أمير المؤمنين كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان، وشهد له ألفٌ بالبراءة، يجيز شهادة الرجلين و يبطل شهادة الألف; لأنّه دين مكتوم(1).

فيُقال: إنّ مقتضى عموم التعليل بالمكتوميّة التعدّي من الزندقة إلى الفسق، فإنّ الفسق كثيراً ما يكتم، ويوجب كتمانه تخيّل العدالة.

ولكن لايخفى أنّ التعليل كان بأنّه دين مكتوم، واحتمال الفرق بين الدين والفسق موجود. بأن يفترض أنّ الشريعة تتسامح في جانب الفسق بما لاتتسامح في جانب الدين.

على أنّ الحديث ساقط سنداً.

الثاني ـ ما قد يُقال من أنّ بيّنه العدالة قد تعتمد على حسن الظاهر الذي هو أمارة العدالة، وبيّنة الجرح تشهد بما خفي على بيّنة العدالة.

وقد يُورد عليه بأنّ من المحتمل العكس أيضاً; بان تكون بيّنة العدالة قد اعتمدت على أمر إضافيّ لم تطّلع عليه بيّنة الجرح كما لو كانت بيّنة الجرح مطّلعة على الفسق، وبيّنة العدالة مطّلعة على توبته من ذلك الفسق، واسترجاع الملكة لو كانت زائلة، أو كانت بيّنة الجرح مطّلعة على شىء يكون معصية بالعنوان الأوّليّ، وبيّنة العدالة مطّلعة على عذر يزكّية، والّذي يجعل ذاك العمل حلالا له، ونحو ذلك من الأمثلة.

والواقع أنّ الّذي ينبغي أن يكون مقصوداً لمن يرجّح بيّنة الجرح على بيّنة التزكية هو أحد أمرين:


(1) الوسائل ج 18 باب 51 من الشهادات ح 1 ص 303 .

الصفحة 355

الأوّل ـ النظر إلى مدى دلالة الشهادتين، ودعوى أنّ الشهادة بالعدالة لاتدلّ على أكثر من حسن الظاهر; لأنّه أمارة على العدالة، بينما الشهادة على الفسق تدلّ على الفسق الواقعىّ، ولاتنافي بين الشهادتين، فيُؤخذ بهما معاً، وبالتالي يثبت الفسق. فهذا هو المقصود بتقديم بيّنة الجرح لا التقديم بمعنى تسليم التعارض وترجيح بيّنة الجرح، وليس الكلام في واقع ما في نفس البيّنتين كي يُقال: لعلّ البيّنة المزكّية اطّلعت على ما لم تطّلع عليه البيّنة الجارحة، وإنّما الكلام في مقدار دلالة الشهادتين، فالشهادة على العدالة لاتدلّ على أكثر من الشهادة على حسن الظاهر; لأنّه أمارة العدالة، بينما الشهادة على الفسق تدلّ على واقع الفسق.

ويرد عليه: أنّ الشهادة على العدالة ليست دائماً شهادة على حسن الظاهر، بل ظاهر الشهادة على العدالة لو لم يأت بقرينة على إرادة حسن الظاهر، هو الشهادة على واقع العدالة، فتتعارض الشهادتان.

الثاني ـ أن يُقال: إنّ بيّنة التزكية تسقط كاشفيتها عرفاً أمام بيّنة الجرح دون العكس، وذلك بنكتة أنّ الفسق كثيراً ما يُكتَم إلى أن يتخيِّل المتخيّل أنّ هذا الرجل عادل، فمن اطّلع على الفسق يكون اطّلاعه على ذلك رافعاً لكاشفية شهادة البيّنة المزكيّة، حتى أنّ البيّنة المزكّية لو سمعت شهادة الجارح لعلّها ترفع يديها عن شهادتها بالعدالة.

وقد يورد على ذلك: بأنّ المقياس في حجيّة البيّنة هو الظنّ النوعىّ لا الشخصىّ، والظنّ النوعىّ لايمكن أن يزول.

ويمكن الجواب على ذلك: أنّ حجّيّة البيّنة إنْ كان منشؤها السيرة العقلائيّة فهي محكومة للنكات والارتكازات العقلائيّة، وإن كان منشوُها بعض النصوص فهي تنصرف أيضاً إلى النكات الارتكازية عند العقلاء، وحينما توجد قرينة نوعيّة على الخلاف تدركهاعامّة الناس وتعترف بأنّها تغطّي على كاشفيّة البيّنة، تسقط

 
الصفحة 356

حجّيّة البيّنة في نظر العقلاء، ومانحن فيه من هذا القبيل.

وأمّا التفصيل بين مالو نفت بيّنة التزكية سبب الجرح الذي تذكره بيّنة الجرح وعدمه، فيعرف وجهه بالرجوع إلى النكتتين اللّتين ذكرناهما لتقديم بيّنة الجرح:

النكتة الأُولى ـ دعوى أنّ الشهادة بالعدالة لاتدلّ على أكثر من حسن الظاهر. وهذه النكتة لاتأتي ـ فيما لو صرّحت بيّنة التزكية ـ لنفي السبب الجارح، فإنّ هذا ظاهر في أنّ بيّنة التزكية لم تكتف في نفي هذا السبب بمجرد حسن الظاهر.

والنكتة الثانية ـ سقوط كاشفيّة التزكية أمام الجرح دون العكس، وهذه النكتة أيضاً قد تنتفي عندما تصرّح البيّنة بنفي السبب الجارح، فتتساوى الشهادتان.

والأولى عندي أن لا يجعل مصبّ التفصيل عنوان نفي السبب الجارح وعدمه، بل يجعل مصبّ التفصيل نفس هاتين النكتتين، فيقال: متى ما كانت بيّنة التزكية لاتشهد على أكثر من حسن الظاهر عملنا ببيّنة الجرح، ولا تعارض بينهما في الحقيقة، ومتى ما كانت تشهد بواقع العدالة فعندئذ لوكان وضع التقابل بين البيّنتين بشكل تنتفي معه كاشفيّة بيّنة التزكية عند العقلاء دون بيّنة الجرح قدّمت بيّنة الجرح، وإلّا فلا، وممّا يؤثّر أحياناً في تحقيق هذا العنوان وعدمه نفي بيّنة التزكية للسبب الجارح وعدمه.

وأمّا الترجيح بالعدد والأعدليّة ـ فلا دليل عليه لخصوص ما نحن فيه، فإن قلنا بشكل عام بالترجيح في البيّنات المتعارضة ـ ولو بالتعدّي من موارد روايات الباب 46 من الشهادات من المجلّد الثامن عشر من الوسائل و بعضها تامّ السند، وبعض روايات أُخرى كالرواية الأُولى والخامسة من الباب 12 من كيفيّة الحكم من نفس المجلّد ـ ثبت الترجيح في المقام أيضاً وإلّا فلا والترجيح لو قلنا به، يجب أن يكون في مورد لم نبْن على تقديم بيِّنة الجرح، لابدعوى أنّ بيّنة التزكية لاتدلّ على أكثر من حسن الظاهر، ولابدعوى سقوط كاشفيّة بيّنة التزكية.

 
الصفحة 357


حجّيّة البيّنة في باب التزكيّة:

يبقى الكلام في الدليل على أصل حجّيّة البيّنة على العدالة في المقام، وهو إمّا التعدّي عن مورد أدلّة حجّيّة البيّنة في باب المرافعات باعتبار أنّ عدالة أو فسق الشهود أيضاً أمر دخيل في تحديد مصير المرافعة، وإمّا القول بحجّيّة البيّنة في الموضوعات على الإطلاق تمسكاً بدعوى إطلاق مقامي لأدلة حجّيّة البيّنة في المرافعات، أو تمسكاً بالإجماع، أو السيرة، أو تعدّياً من الموارد الخاصّة ـ الّتي ورد فيها النصّ الخاصّ كالهلال والطلاق ـ بدعوى القطع بعدم الفرق، أو بدعوى فهم العرف المثالية و تعدّيه من تلك الموارد، أو غير ذلك مما يذكر لإثبات حجّيّة البيّنة في الموضوعات.

عدم الاتّهام في الشهادة

الشرط الخامس ـ هو حسب تعبير السيّد الخوئي في مباني تكملة المنهاج: أن لا يكون الشاهد ممن له نصيب فيما يشهد به(1)، وحسب تعبير المحقّق في الشرائع: ارتفاع التهمة(2). وقد يفترض أنّ العنوان الثاني أوسع من العنوان الأوّل، فيشمل مثلا شهادة السائل في كفه; لكون عمله هذا موجباً لاتّهامه في شهادته; لاحتمال استناد شهادته إلى الطمع، أو إلى الرشاء، وشهادة الأجير لاتّهامه أيضاً في شهادته لاحتمال استناد شهادته إلى أنّ منافعة مرتبطة بالمستأجر، فيدافع عن المستأجر


(1) راجع مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 90 .

(2) راجع الجواهر ج 41 ص 60 .

الصفحة 358

طمعاً فيما قد ينتفع به من قبل المستأجر، بل ويشمل أيضاً شهادة المقترب بالنسب أو السبب; لولا خروجه بالنصّ الخاصّ.

وقد حمل السيّد الخوئي عنوان المتّهم الوارد في الروايات على الاتّهام في عدالته لا الاتّهام في شهادته، فهذا راجع إلى شرط العدالة وليس شرطاً جديداً، وإنّما الشرط الجديد هو أن لايكون ممّن له نصيب فيما يشهدبه.

وعلى أىّ حال فنحن نبحث أوّلا الشرط بعنوانه الذي جاء في كلام السيّد الخوئي، وهو عنوان أن لايكون ممّن له نصيب فيما يشهدبه، ثمّ نرى أنّه هل بالإمكان إثبات شرطيّة عنوان أوسع منه كعنوان الاتّهام أوّلا؟ فنقول:

رجوع نصيب إلى الشاهد:

إنّ رجوع نصيب من المشهود به إلى الشاهد يتصوّر على مراتب:

الأولى ـ أن يكون الشاهد والخصم واحداً بكل معنى الكلمة، وهذا لا إشكال فى عدم قبول شهادته وفق الارتكاز العقلائي والمتشرعي ممّا يمنع عن انعقاد أىّ إطلاق لأدلّة نفوذ الشهادة. ولاحاجة في هذا القسم إلى الإستشهاد بالروايات الآتية لوضوح الحكم، ولو دلّ حديث على خلاف ذلك رُدّ علمه إلى أهله، كما قد يُقال فيما ورد عن عمر بن يزيد ـ بسند تامّ ـ قال: «قلت لأبي عبداللّه : الرجل يُشهِدُني على شهادة فأعرف خطّي وخاتمي، ولاأذكر من الباقي قليلا ولاكثيراً؟ قال: فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له»(1). ولعلّه محمول على فرض كون الخطّ والخاتم وإخبار صاحب القضيّة مع وثاقته، وشهادة ثقة آخر معه،


(1) الوسائل ج 18 باب 8 من الشهادات ح 1 ص 234 .

الصفحة 359

كافياً في ثبوت العلم القريب من الحسّ بالموضوع، وإلّا فيردّ علم هذا الحديث إلى أهله.

الثانية ـ كالاُولى مع فارق صوري بين الشاهد والخصم، كما في شهادة المولى بمال لعبده بناءً على أنّ كلّ ما للعبد فهو مملوك للمولى. وهذا يلي القسم الأوّل في وضوح الارتكازين: العقلائي و المتشرّعي، وإن كانا في القسم الأوّل أوضح.

الثالثة ـ أن يكون شريكاً في مصبّ الشهادة كما لو شهد للمدّعي بدار له فيها حصّة. وهذا يلي القسمين الأوّلين في وضوح الارتكازين وإن كانا في القسم الأوّل أوضح.

الرابعة - أن يرجع إليه نفع ممّا يشهد به رجوعاً قانونيّاً وإن لم يكن شريكاً في مصبّ الشهادة كما لو شهد صاحب الدَّين للمحجور عليه بمال، أو شهد أحد أفراد العاقلة بجرح شهود الجناية، أو بنفي الجناية ـ بناءً على قبول الشهادة على الإنكار ـ وكما لو شهد المولى بمال لعبده ـ بناءً على أنّه ليس مال العبد ملكاً لمولاه، ولكن له يمتلكه ـ ولا يبعد دخول هذا كلّة أيضاً في دائرة الارتكازين. ونقصد بقيد الرجوع القانونىّ أن تصدق عرفاً كفاية القضاء وفق تلك الشهادة لاستحقاقه نصيبه، كما في شهادة صاحب الدَّين للمحجور عليه بمال، أو شهادة العاقلة، فإن لم يكن رجوع النفع إليه بهذا المستوى ـ كما في شهادة صاحب الدين لمن لم يحجر عليه، لكن من المعقول استفادته من هذه الشهادة; إذ لو قُبلت أصبح المدين واجداً للمال، فيستطيع مطالبته بدينه ـ لم يكن ذلك داخلا في محل الكلام.

الخامسة ـ أن يكون له حقّ التصرف بعنوان الولاية، أو الوصاية كما في شهادة الوصىّ بمال للميّت، أو للصغير المولّى عليه، ودخول ذلك في الارتكازين غير واضح.

أمّا الروايات: فيمكن الاستدلال بعدة روايات على اشتراط أن لايكون

 
الصفحة 360

للشاهد نصيب فيما يشهد به:

1 - ما ورد ـ بسند تامّ ـ عن عبدالرحمان بن أبي عبداللّه قال: «سألت أبا عبداللّه عن ثلاثة شركاء شهد اثنان عن واحد قال: لاتجوز شهادتهما»(1). وهذا ظاهر في المقصود بلحاظ المرتبة الثالثة من المراتب التي ذكرناها، ويدلّ بالأولويّة بالنسبة للمراتب السابقة عليها، ولايبعد التعدّي عرفاً إلى المرتبة الرابعة . امّا التعدي إلى المرتبة الخامسة فمشكل. وهذا الحديث بهذا الشكل قد رواه الكليني عن أبي علىّ الأشعري عن أحمد بن محمد بن عيسى وعن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة جميعاً عن أحمد بن الحسن الميثمي عن أبان بن عثمان عن عبدالرحمان بن أبي عبداللّه والسند تامّ. أمّا الشيخ فقد رواه بشكل آخر; حيث روى بسنده عن الحسين بن سعيد عن القاسم عن أبان عن عبدالرحمان قال: «سألت أبا عبداللّه عن ثلاثة شركاء ادّعى واحد وشهد الاثنان، قال: يجوز»(2). وهذا يدلّ على نقيض المدّعى، و حينئذ قد تسقط بعنوان كونه خلاف الارتكاز المتشرعىّ، ويبقى النقل الأوّل فارغاً عن المعارض، ويفيدنا في التعدّي إلى ما هو أوسع من الارتكاز المتشرعيّ لو افترضنا أنّ الارتكاز المتشرعي لايشمل المرتبة الرابعة أو الخامسة، وافترضنا أنّ التعدّي العرفي من مورد الحديث يتمّ إلى المرتبة الرابعة أو الخامسة. وقد نسقط هذا الحديث بكلا نقليه بعد غضّ النظر عن الارتكاز، وذلك للاطمئنان بوحده الحديثين لاتّحاد الإمام والراوي المباشر ومن قبله، وتقارب النصّين، عدا سقوط كلمة «لا»، فلا نعرف أىّ النقلين هو الصحيح، وبالتالي يسقطان معاً، ونرجع إلى باقي الروايات كما صنعه السيّد الخوئي في كتابه


(1) الوسائل ج 18 باب 27 من الشهادات ح 1 ص 272 .

(2) نفس المصدر الحديث الرابع .

الصفحة 361

مباني تكملة المنهاج.

2 - ما عن محمد بن الصلت، قال: «سألت أبا الحسن الرضا عن رفقة كانوا في طريق، فقطع عليهم الطريق، وأخذوا اللّصوص، فشهد بعضهم لبعض، قال: لاتُقبل شهادتهم إلّا بإقرار من اللّصوص، أو شهادة من غيرهم عليهم»(1) بناءً على أنّ هذا أيضاً من قبيل شهادة بعض الشركاء لبعض في العين المشتركة.

لكن الظاهر أنّ مورد الحديث ليس من هذا القبيل، فإنّ ظاهره أنّ كل واحد منهم شهد للآخر فيما يخصّه من حقّه، فالمسألة لاعلاقة لها بأن يكون للشاهد نصيب في المشهود به، وإنّما لها العلاقة بالعنوان الثاني الذي سنبحثه ـ إن شاء اللّه ـ من الاتّهام في الشهادة; حيث يتّهمون بأنّهم متوافقون على أن يشهد كلّ منهم لصالح صاحبه.

3 - ما عن أبان قال: «سُئل أبو عبداللّه عن شريكين شهد أحدهما لصاحبة. قال: تجوز شهادته إلّا في شيء له فيه نصيب»(2) والحديث من حيث الدلالة كالحديث الأوّل. وأمّا من حيث السند فالصدوق رواه - بسنده - عن فضالة عن أبان، قال: «سُئل أبوعبداللّه...»(3) وهذا السند تامّ، والشيخ رواه - بسنده - عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عمّن أخبره عن أبي عبداللّه ، قال: «سألته عن شريكين...»(4) ومن المطمأَنّ به وحدة الحديثين، لوحدة المتن، والإمام، والراوي المباشر وهو أبان، ومن قبله وهو فضالة، ومن قبل


(1) نفس المصدر ح 2 .

(2) نفس المصدر ح 3

(3) الفقيه ج 3 ح 78 ص 27 .

(4) التهذيب ج 6 ح 623 ص 246 .

الصفحة 362

فضالة وهو الحسين بن سعيد. فإنّ سند الصدوق إلى فضالة ينتهي بالحسين بن سعيد، بل أحد سندي الصدوق إلى فضالة مع أحد أسانيد الشيخ إلى الحسين بن سعيد يشتركان أيضاً في من قبل الحسين بن سعيد، وهو أحمد بن محمد بن عيسى، فقد صرّح الصدوق هنا بأحمد بن محمد بن عيسى، وذكر الشيخ (أحمد بن محمد)، وهو ينصرف في كلام الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى. وعلى أيّ حال، فمع فرض وحدة الحديثين قد يقال: إنّ الحديث ساقط سنداً; لأنّه في السند الثاني روى أبان عمّن أخبره أنّه سأل أبا عبداللّه ، وهذا يعني أنّ الحديث مرسل، وأنّ أباناً لم يتحمّل الشهادة بصدور هذا السؤال والجواب، وفي السند الأوّل روى أبان: (أنّه سُئل أبو عبداللّه )، وهذا ظاهر في أنّ أباناً يتحمّل الشهادة بصدور هذا السؤال والجواب. إذن فبناءً على النقل الأوّل يتمّ السند، ولكن بما أنّنا تأكّدنا من وحدة الرواية، ولا ندري أنّ الصحيح هل هو النقل الأوّل أو النقل الثاني، فبالتالي يكون الحديث ساقطاً سنداً.

هذا، ولكنّ الظاهر أنّ هذا لايوجب سقوط سند الحديث لاحتمال صحّة كلا النقلين مع التحفّظ على كون شهادة أبان في النقل الأوّل بصدور السؤال والجواب شهادةً تقرب من الحسّ.

وبيان ذلك: أنّ شهادة أبان في النقل الأوّل بصدور هذا السؤال والجواب يمكن أن تجمع مع ماورد في السند الثاني من كلمة «عمّن أخبره» وذلك بأن يقال: أنّ شهادته تلك ليست شهادة عن حسّ; لأنّ قوله في السند الثاني «عمّن أخبره» دليل على أنّه لم يكن هو حاضراً مجلس السؤال والجواب، ولكنّها تحمل على ما يقرب من الحسّ، فهو باعتباره معاصراً للإمام وللسائل الذي سأل الإمام قد يستطيع أن يعرف بشكل واضح صحّة وقوع السؤال والجواب حقاً، ولاتنافي بين النقلين، إذن فبالإمكان أن نتصوّر صدور كلا النقلين، بأن يفترض أنّ فضالة نقل

 
الصفحة 363

الحديث مرّتين عن أبان: أحدهما - نقله لهذا الحديث في كتابه الذي وصل إلى الصدوق ، وقد تضمّن هذا النقل شهادة أبان بوقوع السؤال والجواب بتعبير (سُئِل أبو عبداللّه )، وقد وصل هذا الكتاب إلى الصدوق فنقله بسنده إلى ذاك الكتاب بالشكل الذي مضى. وثانيهما - نقله لهذا الحديث إلى الحسين بن سعيد، وفي هذا النقل أسقط تلك الشهادة، وعبّر بتعبير: (عمّن أخبره) والإسقاط الذي لايضيف معنىً غير مقصود ليس خيانة، فإنّ الخيانة هي الإضافة على القصّة لا الاقتصار على نقل قسم من القصّة، وكتاب الحسين بن سعيد وصل إلى الشيخ الطوسي ، فنقل الشيخ الحديث من ذاك الكتاب بسنده إليه محتفظاًبما فيه من الإرسال، والنقل الأوّل الوارد بواسطة الصدوق حجّة لنا، فهذا الحديث إذن تامّ سنداً.

4 - ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، قال: «كتب محمد بن الحسن - يعني الصفّار - إلى أبي محمد هل تقبل شهادة الوصي للميّت بدَين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع: إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي يمين ...». ورواه الصدوق - باسناده - عن محمد بن الحسن الصفّار، وكذا الشيخ(1).

وقد استدلّ السيّد الخوئي بهذا الحديث على عدم قبول شهادة الوصي; إذ لو كانت شهادته مقبولة لما كانت حاجة إلى اليمين بعد ضمّ عدل آخر إليه، فهذا يعني أنّ شهادته غير مقبولة، فبقيت شهادة العدل الآخر بحاجة إلى ضمّ اليمين، وهذا لو تمّ فهو وارد في المرتبة الخامسة من المراتب التي ذكرناها، ويثبت الحكم فيما قبلها بالأولويّة. وبودّي قبل الكلام عن مدى تماميّة دلالة هذا الحديث أن أذكر تتمّة الحديث، وهي كمايلي:


(1) الوسائل ج 18 باب 28 من الشهادات، الحديث الوحيد في الباب ص 273.

الصفحة 364

«وكتب: أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميّت صغيراً أو كبيراً بحقّ له على الميّت أو على غيره، وهو القابض للوارث الصغير، وليس للكبير بقابض؟ فوقّع : نعم، وينبغي للوصيّ أن يشهد بالحقّ، ولايكتم الشهادة. وكتب: أو تقبل شهادة الوصىّ على الميّت مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع: نعم، من بعد يمين»(1)

وذيل الحديث وارد في الشهادة على الميّت، و لاإشكال في أنّ الشهادة إذا كانت على الميّت فلا فرق فيها بين الوصي وغير الوصي، والبيّنة تنفذ، إلاّ أنّ الشريعة جعلت نفوذ البيّنة على الميّت مشروطاً باليمين بنكتة أنّ المدّعى عليه ميّت، ولايمكنه الدفاع عن نفسه. أمّا في صدر الحديث فالمفروض أنّ الشهادة للميّت، وليست على الميّت، فهنا يأتي احتمال عدم نفوذ شهادة الوصيّ الذي له حقّ التصرف في مال الميّت بالوصاية. وهذا ما فهمه السيّد الخوئي من الحديث بقرينة ما فيه من فرض اليمين; باعتبار أنّه لو كانت شهادة نافذة فبعد ضمّ العدل الآخر إليه لا حاجة إلى اليمين، وليست الشهادة على الميّت كي يشرّع اليمين بنكتة أنّ الميّت لايستطيع الدفاع عن نفسه.

إلاّ أنّ هذا التفسير للعبارة يوجب نوعاً من التضارب بين الفقرة الأُولى لهذا الحديث و الفقرة الثانية; حيث إنّه فرض في الفقرة الأُولى عدم نفوذ شهادة الوصيّ لصالح الميّت; لأنّ له حقّ التصرف في مال الميّت، وفرض في الفقرة الثانية نفوذ شهادة الوصيّ لصالح الوارث الصغير الذي هو ولىّ عليه، ويقبض له، وله أيضاً حقّ التصرف بحدود ولايته، كما كان له حقّ التصرف في مال الميّت بحدود الوصية، فلئن جعلنا الفقرة الأولى دليلا على المدّعى، فالفقرة الثانية تدلّ على عكس المدّعى.

ولايبعد أن يقال: إنّ النظر في الفقرة الاُولى ليس إلى عدم نفوذ شهادة الوصيّ


(1) نحن نقلنا المتن بشكله الكامل، وفي الوسائل ـ الطبعة الجديدة ـ سِقْطٌ لايضرُّ بالمعنى .

الصفحة 365

بنكتة ماله من حقّ التصرف، بل النظر إلى عدم نفوذ شهادته بنكتة أنّه هو الخصم; إذ الميّت لايمكنه أن يخاصم المدّعى عليه، وإنّما الذي يخاصم المدّعى عليه في حصّة الميّت هو الوصيّ، وهذا بخلاف مورد الفقرة الثانية الذي لم يفرض فيه في الحديث كون الوارث صغيراً إلى حدّ عدم إمكانيّة مرافعته للخصم ورفعه للنزاع إلى القاضي، فكون المدّعي صغيراً لايلزم وحدة الشاهد والخصم إذا كان الوصيّ هو الشاهد; إذ بالإمكان أن يكون الصغير ـ بمعنى غير البالغ ـ هو الخصم مباشرة، والوصىّ يشهد له. ولعلّ السيّد الخوئي فهم من كلمة المدّعي ـ في قوله: «فعلى المدّعي يمين» ـ الوارثَ لا الوصىّ، ولكنّه إن لم يكن هذا خلاف الظاهر، فلا أقلّ من الإجمال; إذ لم يكن التعبير هكذا: (هل تقبل شهادة الوصىّ للوارث بدين للميّت على رجل؟)، بل قال: «هل تقبل شهادة الوصىّ للميّت بدين له على رجل؟» فكأنّ المدّعى له والمشهود له هو الميّت، أمّا الوارث الذي يرجع نفع الدعوى إليه بالإرث فقد يكون هو أيضاً غير مطّلع على الدَّين.

5 ـ ما عن سليمان بن خالد ـ بسند تامّ ـ قال: «سألت أبا عبداللّه ، ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين والخصم. قال: قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين»(1).

ولا إشكال في شمول كلمة الخصم للمراتب الأربع الأُولى من المراتب الخمس الّتي بيّنّاها، ويرى السيّد الخوئي شمولها للوصىّ ـ وهو المرتبة الخامسة من المراتب التي بيّنّاها ـ وهذا غير واضح. نعم في شهادة الوصىّ للميّت قديُقال بشمول كلمة «الخصم» له بنكتة أنّه هو الذي يرفع الدعوى، ويجادل المدّعى عليه، وليس الميّت يفعل ذلك كما هو واضح، لابنكتة أنّ له حقّ التصرف، فيعدّ سهيماً في المشهود به.


(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 2 ص 274 .

الصفحة 366

6 ـ ما عن أبي بصير ـ بسند تامّ ـ قال: «سألت أبا عبداللّه » وذكر مثل الحديث السابق، إلاّ أنّه قال: «الظنين والمتهم والخصم»(1). وهذا كالحديث السابق، وليس المقصود بالخصم خصوص الخصم بتمام معنى الكلمة ـ بان يشهد المدّعي الذي هو أحد المترافعين لصالح نفسه ـ فإنّ هذا لامجال لتوهّم قبول شهادته، فعنوان الخصم في هذه الروايات يشمل من له حصّة في المشهود به حتماً، وهو المقصود.

7 ـ ما عن عبيداللّه بن علىّ الحلبي ـ بسند تامّ ـ قال: «سُئل أبو عبداللّه عمّا يردّ من الشهود؟ قال: الظنين والمتهم والخصم. قال: قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: هذا يدخل في الظنين».(2)

8 ـ ما عن محمد بن مسلم ـ بسند تامّ ـ عن أبي جعفر قال: «قال رسول اللّه : لم تجز شهادة الصبي ولاخصم ولامتّهم ولاظنين»(3).

9 ـ ما عن سماعة ـ بسند تامّ ـ قال: «سألته عمّا يُردّ من الشهود؟ قال: المريب والخصم والشريك ودافع مغرم والأجير والعبد والتابع والمتهم، كل هؤلاء تُردّ شهادتهم»(4).

10 ـ مرسلة الصدوق; حيث قال : «وفي حديث آخر قال: لا تجوز شهادة المريب والخصم ودافع مغرم، أو أجير، أوشريك أو متهم أو تابع [بائع ـ خ ل ـ ]، ولاتقبل شهادة شارب الخمر، ولاشهادة اللاّعب بالشطرنج و النرد،


(1) نفس المصدر ح 3 ص 275 .

(2) نفس المصدر ح 5

(3) نفس المصدر ح 6 .

(4) الوسائل ج 18 باب 32 من الشهادات ح 3 ص 278 .

الصفحة 367

ولاشهادة المقامر»(1).

وكلمة (دافع مغرم) في الحديثين الأخيرين صريحة في المرتبة الرابعة من المراتب الّتي عرضناها في أوّل البحث.

وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه أنّه يُشترط في نفوذ شهادة الشاهد أن لايكون له نصيب في المشهود به بإحدى المراتب الأربع الأولى. أمّا المرتبة الخامسة فلم يتّضح الدليل على منعها من نفوذ الشهادة بشكل مطلق. نعم في مثل وصىّ الميّت الذي يكون الشاهد فيه عين المدّعي لاتقبل شهادته.

الاتهام بمعنىً أوسع:

أمّا الكلام في أنّه هل يمكن إثبات شرط أوسع من شرط عدم النصيب له ـ وهو شرط عدم الاتّهام، أو شرط عدم مرتبة من مراتب الاتّهام ـ فنقول: إنّ روايات شرط عدم الاتّهام على طائفتين:

الطائفهَ الاُولى ـ هي الروايات المعبّرة بعنوان المتّهم كجملة من الروايات الماضية، وكما ورد ـ بسند تامّ ـ عن عبداللّه بن سنان قال: «قلت لأبي عبداللّه : ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين والمتّهم. قال: قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين»(2).

وقد حمل السيّد الخوئي كلمة المتّهم الواردة في هذه الرواية على معنى المتّهم في دينه وعدالته ـ دون معنى المتّهم في شهادته ـ وبهذا اسقطها عن الدلالة على شرط


(1) نفس المصدر ح 7 ص 279 .

(2) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 1 ص 274 .

الصفحة 368

جديد; حيث يرجع ذلك إلى شرط العدالة، وذكر لذلك وجهين، أو وجوهاً ثلاثة:

1 ـ دعوى أنّ الظاهر عرفاً من المتّهم ذلك.

2 ـ الاستشهاد بما ورد ـ بسند تامّ ـ عن يحيى بن خالد الصيرفىّ، أو الحسين بن خالد الصيرفىّ، عن أبي الحسن الماضي قال: «كتبت إليه في رجل مات، وله أُمّ ولد، وقد جعل لها سيّدها شيئاً في حياته، ثمّ مات. فكتب : لها ما أثابها به سيّدها في حياته معروف لها ذلك، تقبل على ذلك شهادة الرجل و المرأة و الخدّم غير المتهمين»(1); لوضوح أنّ المقصود بالمتّهم هنا. هو المتهم في عدالته، لا المتهم في شهادته.

3 ـ أنّه لا شك في عدم ما نعيّة مطلق التهمة عن قبول الشهادة; كشهادة المرأة لزوجها وبالعكس، وشهادة الولد لأبيه، أو أخيه، أو سائر أقاربه و بالعكس، وشهادة الصديق لصديقه، ونحو ذلك.

إذن فلو لم نقبل تفسير المتّهم في تلك الروايات بالمتّهم في عدالته فلا أقلّ من القول بالإجمال(2).

أقول: قد يُورد على الوجه الثالث بأنّنا نلتزم بخروج عنوان الزوج والزوجة والأقارب والصديق بالنصّ، ويبقى الباقي تحت إطلاق المتّهم، فخروج هؤلاء لايكون دليلا على حمل المتّهم على المتّهم في عدالته دون المتّهم في شهادته، إلاّ أن يكون نظره في هذا الوجه الثالث إلى إحدى نكتتين:

الأُولى - أنّه لوقيل بالتخصيص، لزم تخصيص الأكثر; إذن فلا بدّ من إرجاع كلمة المتّهم إلى معنى المتّهم في عدالته دون المتّهم في شهادته.


(1) الوسائل ج 18 باب 24 من الشهادات ح 47 ص 268 .

(2) راجع مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 93 .

الصفحة 369

وبالإمكان أن يُقال في قبال ذلك: إنّ الاتّهام في الشهادة أمر مشكّك وله درجات، فقد يكون الاتّهام قوّياً، كما في الخادم و التابع ونحوهما ممّن ليس له استقلال في مقابل المشهود له، وقد يكون بمستوى الاتّهام الناتج من القرابة والصداقة والزوجيّة، والنصوص الدالّة على خروج مثل الزوج و الضيف و القريب تشهد لكون المقصود من المتّهم في الرواية المانعة لقبول شهادة المتّهم هي الدرجة الأُولى من الاتّهام.

الثانية - أن يُدّعى: أنّ قبول شهادة الزوج والقريب والصديق من الواضحات، ووضوح ذلك قرينة كالمتّصل على صرف المتّهم في تلك الروايات إلى الاتّهام في عدالته، ولعل هذا هو مقصوده ممّا ذكره من دعوى الظهور العرفّي للمتهم في الاتّهام في عدالته، فيكون كلامه مشتملا على وجهين، لاعلى وجوه ثلاثة.

وبالإمكان أن يُقال في قبال ذلك أيضاً: إنّه لِم لا يكون هذا قرينة على صرف الاتّهام في تلك الروايات إلى الدرجة الأُولى من الاتّهام الموجودة في مثل الخادم والتابع، لاعلى صرفه إلى الاتّهام في العدالة؟

وأمّا ما ذكره في الوجه الثاني من الاستدلال بالرواية الماضية، فجوابه: أنّ استعمال الاتّهام في تلك الرواية بمعنى الاتّهام في العدالة لايدلّ على كون المقصود بالاتّهام في تمام الروايات هو ذاك المعنى.

وأمّا ما ذكره من الوجه الأول من دعوى الاستظهار العرفىّ بناءً على كونه وجهاً مستقلا وغير راجع إلى الوجه الثالث، فهو ممّا لاوجه له، فإنّ الاتّهام لابدّ له من متعلّق، وكما يمكن أن يكون متعلّقه العدالة كذلك يمكن أن يكون متعلّقه الشهادة، ولانكتة لاستظهار الأوّل في قبال الثاني.

بل بالإمكان أن يُقال: إنّ عطف المتّهم على الظنين في جملة من الروايات شاهد على فرض التغاير بينهما، بينما الاتّهام والظنّة بمعنى واحد، فالمفروض أن يكون

 
الصفحة 370

أحدهما راجعاً إلى الدين والعدالة، والثاني راجعاً إلى الشهادة، وفي بعض تلك الروايات قال الراوي: «قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: هذا يدخل في الظنين». وهذا يشهد لكون المقصود بالظنين الظنين في دينه وعدالته; إذن فالمقصود بالمتّهم هو المتّهم في شهادته، نعم يقتصر على الاتّهام بالمستوى الموجود في التابع والخادم اللذين لا إرادة استقلاليّة لهما عادةً فيما يرجع إلى المتبوع والمخدوم، ولا يشمل مثل القريب والصديق، ولو بقرينة الروايات الواردة في نفوذ شهادة القريب والضيف.

الطائفة الثانية - ما ورد في بعض مصاديق المتّهم من قبيل عنواني الأجير والتابع الواردين في الرواية التاسعة والعاشرة من الروايات الّتي ذكرناها تحت عنوان (اشتراط أن لايكون للشاهد نصيب فيما يشهد به)، وقد تُحمل كلمة العبد الواردة في الرواية التاسعة أيضاً على ذلك بناءً على كون المقصود عدم نفوذ شهادة العبد لصالح مولاه.

ومن قبيل ما ورد عن صفوان - بسند تامّ - عن أبي الحسن قال: «سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثمّ فارقه، أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال: نعم، وكذلك العبد إذا أُعتق جازت شهادته»(1).

وما عن العلاء بن سيّابة عن أبي عبداللّه قال: «كان أمير المؤمنين لايجوِّز شهادة الأجير»(2). وسنده ضعيف بمحمد بن موسى المقصود به محمد بن موسى بن عيسى الهمداني السمّـان.

وما عن أبي بصير - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً. قال: ويكره شهادة الأجير لصاحبه، ولا بأس


(1) الوسائل ج 18، باب 29 من الشهادات ، ح 1 ، ص 273 .

(2) نفس المصدر ، ح 2 ، ص 274 .

الصفحة 371

بشهادته لغيره، ولا بأس به له بعد مفارقته»(1). والمقصود بالكراهة ليست هي الكراهة في مقابل الحرمه، فإنّ مسألة الشهادة ليست هي مسألة الحكم التكليفي، وإنّما مسألتها مسألة النفوذ وعدم النفوذ. فالمفهوم إذن من هذا الحديث هو عدم نفوذ شهادة الأجير.

وما في معاني الأخبار مرسلا قال: «قال النبيّ : لاتجوز شهادة خائن، ولاذي غمز على أخيه، ولاظنين في ولاء ولاقرابة، ولا القانع مع أهل البيت»(2).

وروايات عدم نفوذ شهادة السائل بالكفّ(3).

إلاّ أنّ روايات عدم نفوذ شهادة السائل بالكفّ يُحتمل فيها أيضاً النظر إلى الاتّهام في العدالة، فكون السائل بالكفّ بحيث إن أُعطي رضي، وإن مُنع سخط، صفةٌ تمنع العدالة طبعاً، ومادة الافتراق بين المتّهم في الشهادة والمتّهم في العدالة هي من أُحرز كونه - بغضّ النظر عن هذه الشهادة - عادلا، واحتمل كون شهادته هذه زوراً. بينما السائل بالكفّ الذي يحدس اتّصافه بتلك الصفة ليس كذلك، ولكن هنا قرينة في الرواية الثانية من روايات باب عدم قبول شهادة السائل بكفّه قد تشهد للنظر إلى الاتّهام في الشهادة، ونصُّها كما يلي:

«روى محمد بن مسلم - بسند تام - عن أبي جعفر قال: ردّ رسول اللّه شهادة السائل الّذي يسأل في كفّه. قال أبو جعفر : لأنّه لايُؤمن على


(1) نفس المصدر ، ح 3 ، ص 274 .

(2) الوسائل ج 18، باب 32 من الشهادات ، ح 8 ، ص 279 .

(3) وهي مذكورة في الوسائل ج 18، باب 35 من الشهادات ، وهي ثلاثة أحاديث، والأوّلان منها تامّان سنداً.

الصفحة 372

الشهادة، وذلك لأنّه إن أُعطي رضي، وإن منع سخط»(1). فمقتضى الأخذ بعموم التعليل بأنّه لايؤمن على الشهادة هو أنّ كلّ من لايؤمن على الشهادة لاتقبل شهادته، وهذا معنى ما نعيّة الاتّهام في الشهادة.

ثمّ إنّ استفادة الحكم العامّ من هذه الطائفة الثانية بحدود كلّ من كان في الاتّهام بمستوى المذكورين فيها لا إشكال فيها، لكنّ التعدّي إلى الاتّهام بالمعنى الواسع الشامل للقريب والزوج والصديق ونحوهم مشكل; لاحتمال اختصاص الحكم بالعناوين المذكورة في هذه الأحاديث ومن في مستواهم، ويمكن تقريب التعدّي بأحد وجهين:

1 - التمسّك بكلمة الأجير الواردة في بعض هذه الروايات باعتبار شمولها لمثل الخيّاط والصائغ والبنّاء وكلّ من يرتبط بالإنسان باُجرة مّا، وإتّهام هؤلاء ليس بأشدّ من اتّهام القريب والزوج والصديق، بل أخفّ، فهذا يوجب التعدّي.

2 - التمسّك بإطلاق التعليل في الرواية الآنفة الذكر الواردة في السائل في الكفّ حيث قال: «لأنّه لايؤمن على الشهادة» فيقال: إنّ هذه العلّة موجودة في شهادة مثل القريب والصديق.

ولو سلّمنا تماميّة أحد هذين الوجهين، قلنا: إنّ هذه الروايات إذن تصبح طرفاً للمعارضة مع روايات قبول شهادة الزوج والزوجة والقريب(2) بل عرفت أنّ إحدى روايات المنع عن قبول شهادة الأجير تصرّح بقبول شهادة الضيف، وهذا كلّه يعني الفرق بين المستويين من الاتّهام، وبه نجمع بين الطائفتين، فروايات قبول شهادة القريب والضيف ونحوهما تدلّ على عدم مضرّيّة هذا المستوى من الاتّهام،


(1) الوسائل ج 18 ، باب 35 من الشهادات ، ح 2 ، ص 281 .

(2) وهي الروايات الواردة في الوسائل المجلد الثالث عشر باب 25 و 26 من ابواب الشهادات.

الصفحة 373

ولانقتصر في مفادها على العناوين المذكورة فيها، بل تحمل عرفاً على المثاليّة، ونتعدّى إلى كلّ من كان في مستوى هذه العناوين. والطائفة الأُخرى تدلّ على عدم قبول شهادة مثل التابع والقانع مع أهل البيت والأجير، ولا نقتصر على العناوين المذكورة في الروايات، بل نتعدّى إلى كلّ مورد كانت قرائن الاتّهام بهذا المستوى من القوّة; لعدم احتمال الفرق عرفاً، أو لإطلاق العليل في حديث السائل بالكفّ حيث قال: «لأنّه لايؤمن على الشهادة»، أو لإطلاق كلمة المتّهم في بعض الروايات بعد تنزيل إطلاقها على مستوى معيّن من الاتّهام لايشمل مثل القريب والزوج جمعاً بين الروايات، وبعد حمل الأجير على معنى الخادم لا الأجير في عمل جزئيّ كالخياطة والصناعة للجمع ولقرينة داخليّة في بعض الروايات الماضية، وهي الروايات الّتي تقول بنفوذ شهادته إذا كان قد فارق المستأجر، فالتعبير بالمفارقة يعطي معنى كون الأجير ملازماً للمستأجر، ثمّ فارقه بترك الأُجرة، وهذا لا يكون إلاّ في مثل الخادم دون مثل الخيّاط الذي أصبح أجيراً له صدفةً لخياطة ثوبه.

وقد تحصّل من كل ما ذكرناه: أنّ من له نصيب في المشهود به لاتقبل شهادته، وكذلك المتّهم البالغ في درجة اتّهامه الأمثلة المذكورة في الروايات التامّة سنداً.

ومن جملة المتّهمين العدوّ بمثل العداءات الشخصيّة الّتي توجب عادةً الاتّهام في الشهادة، إذا كانت ضدّ من يعاديه، فهو ملحق بموارد النصوص باعتباره بالغاً تلك الدرجة، وورد فيه أيضاً نصوص خاصّة:

أحدها - ما هو ضعيف سنداً بالنوفلي، و هو ما رواه الصدوق بإسناده عن السكوني - و في طريقه إلى السكوني النوفلي - عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه قال:«لا تقبل شهادة ذي شحناء، أو ذي مخزية في

 
الصفحة 374

الدين»(1).

والثاني - ما ورد في معاني الأخبار مرسلا عن النبّي أنّه قال: «لاتجوز شهادة خائن، ولاخائنة، ولاذي غمز على أخيه، ولاظنين في ولاء ولاقرابة، ولاالقانع مع أهل البيت» قال الصدوق : «الغمز: الشحناء و العداوة، والظنين: المتّهم في دينه، والظنين في الولاء والقرابة: الذي يتّهم بالدعاء إلى غير أبيه والمتولّي غير مواليه، والقانع مع اهل البيت: الرجل يكون مع قوم في حاشيتهم كالخادم لهم والتابع والأجير ونحوه»(2).

والثالث: ما ورد - بسند تامّ - عن سماعة، وفيه ردّ شهادة الخصم(3).

وعلى أىّ حال فالعداء في الحالات المتعارفة يورث الاتّهام، فلا تنفذ شهادة صاحبه وفق المطلقات حتى مع غضّ النظر عن النصّ الخاصّ.

أمّا مثل مجرد القرابة، فلا يمنع عن قبول الشهادة، كما هو منصوص.

نعم، نُسب إلى المشهور عدم قبول شهادة الولد على الوالد. وهذا - كما ترى - لا علاقة له بالاتّهام الناشئ من القرابة، فإنّ القرابة إنّما توجب الاتّهام في الشهادة لصالح القريب لاضدّه.

والقول بعدم قبول شهادة الولد على الوالد - سواء استدل له بدعوى الإجماع، أو بمرسلة الصدوق: «لاتُقبل شهادة الولد على والده»(4)، أو بدعوى كون


(1) الوسائل ج 18، باب 32 من الشهادات، ح 5، ص 278 .

(2) نفس المصدر ح 8، ص 279 .

(3) نفس المصدر ح 3، ص 278 .

(4) الوسائل ج 18 باب 26 من الشهادات، ح 6، ص 271 .

الصفحة 375

هذه الشهادة منهيّاً عنهابقوله تعالى: ﴿وصاحبْهُما في الدنيا معروفاً (1)، أو بكونها مسقطة للشاهد عن العدالة; لحرمتها وكونها عقوقاً للوالد - ضعيف، ومخالف للصريح أو مايشبه الصريح، لقوله تعالى: ﴿كونوا قوّامينَ بالقسطِ شُهداءَ للّه ولو على أَنفُسِكم أو الوالدَيْنِ و الأقرَبين (2)، ولما ورد - بسند تامّ - عن داود بن الحصين عن أبي عبداللّه (أقيموا الشهادة على الوالديْنِ والولد...)(3) ولرواية عليّ بن سويد غير التامّة سنداً عن أبي الحسن قال: «كتب أبي في رسالته إلىّ: - وسألت عن الشهادات لهم، فأقم الشهادة للّه ولو على نفسِك أو الوالديْنِ والأقربين فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيماً، فلا»(4). أمّا القول بأنّ الأمر بالشهادة على الوالد لايدلّ على نفوذها، فهو كما ترى.

مقياس التهمة:

وفي ختام البحث ينبغي أن نشير إلى أنّ المقياس في التّهمة هو التّهمة الفعليّة لا النوعية، فالخادم و التابع ونحوهما لو فرض صدفة عدم التّهمة بشأنهم لشدّة الورع والتقوى فيهم مثلا، نفذت شهادتهم، فضلا عمّا إذا فرض أنّ شهادتهم كانت ضدّ المخدوم والمتبوع، فهنا ينبغي أن يكون من الواضح عدم شمول روايات منع نفوذ شهادة المتّهم لمثل هذه الشهادة.

ولو استفاد أحد من إطلاقات بعض العناوين في الأدلّة كعنوان الأجير و


(1) السورة 31، لقمان، الآية 15 .

(2) السورة 4، النساء، الآية 135 .

(3) الوسائل ج 18، باب 19 من الشهادات، ح 3، ص 250 .

(4) الوسائل، باب 3 من الشهادات، ح 1، ص 229 - 230 .

الصفحة 376

التابع أنّ المقياس هو التّهمة النوعيّة، فمثل هذا الإطلاق لو تمّ، فهو مقيّد بما مضى من حديث ابن خالد الصيرفي عن أبي الحسن الماضي قال: «كتبت إليه في رجل مات وله أمّ ولد، وقد جعل لها سيّدها شيئاً في حياته، ثمّ مات، فكتب : لها ما أثابها به سيّدها في حياته، معروف لها ذلك، تقبل على ذلك شهادة الرجل أو المرأة والخادم غير المتهمين»; إذ من الواضح أنّ الاتّهام النوعي في الخادم موجود، فتوصيفه بغير المتّهم لايصح، إلاّ إذا كان المقياس هي التّهمة الفعليّة.

الحرّيّة

الشرط السادس - الحرّيّة. فلا تقبل شهادة المملوك مطلقاً على ما نسب إلى ابن أبي عقيل من الشيعة، وإلى أكثر العامّة، قال في الجواهر: «قيل - والقائل ابن أبي عقيل منّا وأكثر العامّة -: لاتُقبل شهادة المملوك أصلا»(1).

ونُسب إلى مشهور الإماميّة القول بقبول شهادة المملوك إلاّ على مولاه، قال في الجواهر: «وقيل: تُقبل مطلقاً إلاّ على مولاه كما عن الأكثر، ومنهم الشيخان والمرتضى وسلاّر والقاضي وابن إدريس»(2). وقال أيضاً في الجواهر: «الأشهر ... القبول مطلقاً، إلاّ على المولى، بل هو المشهور، بل عن الانتصار والغنية والسرائر الإجماع عليه كما عن الخلاف أيضاً الإجماع على قبوله لمولاه ولغيره وعلى غيره»(3).


(1) الجواهر، ج 41، ص 89

(2) نفس المصدر، ص 90 .

(3) نفس المصدر ص 92 .

الصفحة 377

ونسب في الجواهر(1) إلى ابن بابويه: قبول شهادة العبد لغير سيّده، وسيأتي - إن شاء اللّه - عن الصدوق ما يدلّ على إفتائه بهذا الرأي، ويشير إلى هذا الرأي ما ذكره الشيخ الطوسي في مقام الجمع بين الروايات المتعارضة في نفوذ شهادة المملوك وعدم نفوذها من أنّ وجه الجمع أحد أمرين: إمّا أن نحمل روايات المنع على التقيّة; لأنّها موافقة لمذاهب من تقدم على أمير المؤمنين ، أو نحملها على أنّ شهادة المماليك لاتقبل لمواليهم، وتقبل لمن عداهم لموضع التّهمة من جرِّهم إلى مواليهم(2).

وذكر في الجواهر: أنّه حكي عن جماعة من الأصحاب منهم نجيب الدين يحيى بن سعيد: تقبل مطلقاً(3).

أقول: وبالإمكان أن يضاف إلى هؤلاء الأشخاص أصحاب الرأي الثالث; لو كان مقصودهم من عدم نفوذ شهادة العبد لمولاه عدم نفوذه لأجل انتفاء شرط آخر، وهو شرط عدم التّهمة.

وهناك رأي خامس يجمع في المنع بين الرأي الثاني والثالث، أي يمنع عن قبول شهادة المملوك لمولاه، وعليه، ويقبلها في غير ذلك، وهو ما نسبه في الجواهر إلى أبي الصلاح(4)

ورأي سادس نقل عن بعض، وقال عنه في الجواهر: «لم نعرف قائله»(5)،


(1) نفس المصدر ص 91 .

(2) التهذيب ج 6، ص 249، في ذيل الحديث 44 .

(3) نفس المصدر ص 90 .

(4) نفس المصدر ص 91 .

(5) نفس المصدر ص 90 .

الصفحة 378

وهو عكس القول الثاني، أي لاتقبل شهادته إلّا على مولاه.

ورأي سابع نقله في الجواهر عن ابن الجنيد، وهو قبول شهادة المملوك على مثله، وعلى الكافر دون الحرِّ المسلم.

مادلّ على قبول شهادة العبد:

ونحن نجعل منطلق بحثنا هنا «القول الرابع» المنسوب إلى نجيب الدين يحيى ابن سعيد وجماعة، وهو قبول شهادة العبد مطلقاً: وتدلّ على ذلك روايات عديدة من قبيل:

1 - ما عن عبدالرحمان بن الحجّاج - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين : لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»(1).

2 - ما عن بريد - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن المملوك تجوز شهادته؟ قال: نعم. إنّ أوّل من ردّ شهادة المملوك لفلان»(2).

3 - ما عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه «في شهادة المملوك إذا كان عدلا، فإنّه جائز الشهادة، إنّ أوّل من ردّ شهادة المملوك عمر بن الخطاب، وذلك أنّه تقدم إليه مملوك في شهادة، فقال: إن أقمت الشهادة تخوّفتُ على نفسي، وإن كتمتها أثمتُ بربيّ، فقال: هات شهادتك، أما إنّا لانجيز شهادة مملوك بعدك»(3).

وقد يناقش في سند الخبرين الأخيرين بوجود القاسم بن عروة الذي لم يُشهد بوثاقته، إلاّ أنّنا نصحّحه بنقل محمد بن أبي عُمير بعض الروايات عنه.


(1) الوسائل ج 18 ، باب 23 من الشهادات ، ح 1 ، ص 253.

(2) نفس المصدر ح 2 ، ص 254.

(3) نفس المصدر ح 3 ، ص 254.

الصفحة 379

4 - ما ورد - بسند تامّ - عن عبدالرحمان بن الحجّاج عن أبي جعفر في قصّه أميرالمؤمنين مع شريح القاضي بشأن عبداللّه بن قفل التميميّ الذي كان معه درع طلحة، حيث ردّ شريح شهادة قنبر; لأنّه مملوك، وردّ عليه عليّ بقوله: «وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»، ورواه الصدوق - بسنده التامّ - عن محمد بن قيس عن أبي جعفر ، وزاد في آخره: ثمّ قال أبوجعفر : «إنّ أوّل من ردّ شهادة المملوك رمع»(1).

5 - مارواه الحسن بن محبوب عن العلا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ، قال: «تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم»(2). وهذا الحديث ورد في الفقيه(3) بسنده إلى الحسن بن محبوب، وورد في التهذيب(4) تارةً بسنده، أي سند الشيخ إلى الحسن بن محبوب، وأُخرى عن الصدوق بسنده إلى الحسن بن محبوب، وثالثة: روى الشيخ - بسنده - عن محمد بن عليّ بن محبوب عن أحمد عن الحسن بن محبوب عن العلا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: «لاتجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم»(5). وقد يُقال: من المطمَأَنّ به وحدة الحديثين; لاتّحاد الرواة من الحسن بن محبوب إلى الإمام، واتّحاد المتن ما عدا كلمة (لا) الموجودة في الثاني وغير الموجودة في الأوّل. وبناءً على هذا يسقط الحديث عن


(1) الوسائل ج 18 ، باب 14 من كيفيّة الحكم ، ح 6 ، ص 194 و 195 .

(2) الوسائل ج 18 ، باب 23 من الشهادات ، ح 5 ، ص 254 .

(3) ج 3 ، ح 69 ، ص 26 .

(4) ج 6 ، ح 636 ، ص 249 .

(5) الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 12، ص 256، والتهذيب ج 6، ح 637، ص 249.

الصفحة 380

الحجّيّة; لعدم معرفة النسخة الصحيحة من النسختين. والشيخ الحرّ بعد أن نقل في الوسائل الحديث الأوّل عن الصدوق وعن الشيخ قال: ذكر الصدوق أنّه محمول على ما لوشهد لغير سيّده، وفي نسخة لايجوز، وهو محمول على التقيّة».

أقول: وبالفعل قد ذكر الصدوق في ذيل الحديث الأوّل حمله على مالو شهد لغير سيّده

وكأنّه لأجل مجيء قول الشيخ الحر: (وفي نسخة: لايجوز) مباشرة بعد ذكره لحمل الصدوق للحديث على ما لو شهدلغير سيّده فهم السيّد الخوئي أنّ مقصود الشيخ الحرّ هو دعوى اختلاف نسخ الفقيه، ولكنّي أحتمل أنّ مقصوده هو الإشارة إلى الحديث الثاني الذي ذكره بعد ذلك في الوسائل بعد عدة أحاديث; حيث إنّه من المحتمل - كما عرفت - دعوى كونه نفس الرواية. وعليه فلا يتعامل مع الحديثين تعامل المتعارضين كما صنعه السيّد الخوئي; حيث فرضهما متعارضين، ورجّح أحدهما بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة، وهذا مبنيّ على فرضهما حديثين لاحديثاً واحداً وقع الاختلاف في نسخة، وإلاّ فمن الواضح أنّه لم يثبت لدينا نقلان عن الإمام كي يوقع التعارض بينهما ويُحمل أحدهما على التقيّة مثلا.

والسيّد الخوئي قد فرض اختلاف النسخ في داخل (من لايحضره الفقيه) بناءً على تسليم نقل الشيخ الحرّ الذي مضى أنّه حمله على هذا المعنى، ولكنّه قال: «إنّ المظنون قويّاً أن ماذكره من النسخة فيها تحريف(1).

أقول: لو حمل كلام الشيخ الحرّ على هذا المعنى، فمن المقطوع به خطأ الشيخ الحرّ ، أو خطأ تلك النسخة وأَنّ الشيخ الصدوق إنّما أراد نقل كلمة (يجوز)، وليس نقل كلمة (لايجوز)، والدليل على ذلك: أنّ الشيخ الصدوق قد


(1) مباني تكملة المنهاج ج 1 ، ص 106 .

الصفحة 381

حمل هذا الحديث بصريح كلامه عقيب نقله لهذا الحديث مباشرة على شهادة العبد لغير سيّده، وهذا يعني أنّ الشيخ الصدوق يفصِّل بين شهادة العبد لسيّده وشهادته لغير سيّده بحجيّة شهادته في الثاني دون الأوّل، وهذا الحمل غير معقول لو كانت النسخة عبارة عن كلمة (لايجوز)، ولايُحتمل فقهياً العكس; بأن تكون شهادة العبد لمولاه نافذة، ولغير مولاه غير نافذة كي يكون هذا الاحتمال منسجماً مع نسخة (لايجوز)، ويُحمل كلام الصدوق على هذا المعنى.

ولو احتمل أحد ذلك قلنا: إنّ هذا لم يكن مقصوداً للشيخ الصدوق حتماً بدليل أنّه روى الشيخ الصدوق بعد هذا الحديث بعدّة أحاديث حديثاً عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن عليّ أنّ شهادة الصبيان إذا شهدوا وهم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، وكذلك اليهود والنصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد على شهادة ثمّ أُعتق جازت شهادته إذا لم يردّها الحاكم قبل أن يُعتق، وقال : إن أُعتق العبد لموضوع الشهادة لم تجز شهادته(1). ثمّ ذكر بعد نقله لهذا الحديث مباشرةً مانصّه:

«قال مصنّف هذا الكتاب : أمّا قوله : (إذا لم يردَّها الحاكم قبل أن يعتق) فإنّه يعني به أن يردّها لفسق ظاهر، أو حال يجرح عدالته، لا لأنّه عبد; لأنّ شهادة العبد جائزة، وأوّل من ردّ شهادة المملوك عمر. وأمّا قوله : (إن أُعتق العبد لموضوع الشهادة لم تجز شهادته) كأنّه يعني إذا كان شاهداً لسيّده، فأمّا إذا كان شاهداً لغير سيّده جازت شهادته - عبداً كان أو معتقاً - إذا كان عدلا».

وعلى أيّ حال فبناءً على ما نستظهره من أنّ الصدوق إنَّما ينقل نسخة (يجوز) دون نسخة (لايجوز) يقع الكلام في أنّه بعد فرض كون النقلين في التهذيب


(1) الفقيه ج 3 ، ح 80 ، ص 28 .

الصفحة 382

حديثاً واحداً متضارب النسخ، فهل بالإمكان عندئذ الاعتماد على نقل الصدوق بعد سقوط نقل الشيخ، وجعل حديث الصدوق دليلا على نفوذ شهادة العبد؟ أو أنّ نقل الصدوق يتساقط مع نقلي الشيخ؟

والواقع أنّه لو كان نقل الشيخ قد سقط بتضارب في نسخ التهذيب، كان نقل الصدوق سليماً عن الإشكال; اذ لم نعرف أنّ الشيخ كيف نقل؟ ونقل الصدوق حجّة لنا، و لكن لايوجد في المقام تضارب في نسخ التهذيب وإنّما الشيخ روى الحديث في التهذيب مرّتين: مرّة بتعبير (يجوز)، ومرّة أُخرى بتعبير (لايجوز)، والصدوق رواه مرةً واحدةً بتعبير (يجوز)، وبعد فرض الوثوق بوحدة الحديث تتساقط كلّ هذه النقول الثلاثة بالتضارب في النسخ.

ما دلّ على عدم قبول شهادة العبد:

وعلى أىّ حال فتوجد في مقابل هذه الروايات الدالّة على نفوذ شهادة المملوك روايات أُخرى دالّة على عدم نفوذ شهادته من قبيل:

1 - ما عن الحلبىّ - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن شهادة ولد الزنا فقال: لا، ولاعبد»(1).

2 - ما عن سماعة - بسند تامّ - قال: «سألته عمّا يُردّ من الشهود. قال: المريب والخصم والشريك ودافع مغرم والأجير والعبد والتابع والمتهم; كلّ هؤلاء تردّ شهادتهم»(2).


(1) الوسائل ج 18، باب 31 من الشهادات، ح 6، ص 277.

(2) الوسائل ج 18 باب 32 من الشهادات، ح 3، ص 278.

الصفحة 383

ولو كنّا وهذا الحديث فحسب، كان بالإمكان بقرينة ذكر العبد في سياق من لهم حصّة في المشهود به والمتّهمين إبداء احتمال كون المقصود عدم نفوذ شهادة العبد لمولاه لمكان التّهمة.

3 - ما عن تفسير الحسن العسكرىّ عن أمير المؤمنين قال: «كنّا عند رسول اللّه وهو يذاكرنا بقوله - تعالى -: ﴿واستشهِدوا شهيدينِ من رجالِكم قال: أحراركم دون عبيدكم، فإنّ اللّه شغل العبيد بخدمة مواليهم عن تحمّل الشهادات وأدائها(1).

ومن المحتمل اتّحاد ما نقلناه من الرأي الأوّل المنسوب إلى ابن أبي عقيل، وهو عدم نفوذ شهادة المملوك والرأي السابع المنسوب إلى ابن الجنيد، وهو نفوذ شهادته على مثله وعلى الكافر دون الحرّ المسلم، وذلك بأن يُقال: إنّ شرط الحرّيّة لايعني أكثر من ذلك كما أنّ شرط الإسلام لم يكن يمنع عن قبول شهادة الكافر على أهل ملّته، وقد يقال: بأنّ الروايات أيضاً لا تعني أكثر من ذلك. وبناءً على هذا تضاف إلى روايات المنع روايات الرأي السابع، وذلك كما يلي:

4 - ما مضى عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر : «لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم»(2) بناءً على كونه حديثاً آخر غير نسخة (يجوز)، إلّا فالحديث ساقط بتضارب النسخ كما مضى.

5 - ما عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - عن أحدهما قال: «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب، وقال: العبد المملوك لاتجوز


(1) الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 15، ص 257.

(2) الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 12، ص 256.

الصفحة 384

شهادته»(1).

6 - المرسل الوارد في الخلاف عن أمير المؤمنين أنّه كان يقبل شهادة بعضهم على بعض ولايقبل شهادتهم على الأحرار. قال الشيخ في الخلاف ما نصّه: «العبد إذا كان مسلماً بالغاً عدلا، قُبلت شهادته على كلّ أحد من الأحرار والعبيد، إلاّ على مولاه. فأمّا غيره فإنّه تقبل شهادته لهم وعليهم، وروي عن علىّ أنّه تُقبل شهادة بعضهم على بعض، ولاتُقبل شهادتهم على الأحرار ...» ثمّ نقل أقوالا عن بعض الصحابة أو التابعين أو فقهاء السنّة، وهي: قبول شهادته مطلقاً، وعدم القبول مطلقاً، و القبول في القليل دون الكثير، ثمّ قال: «دليلنا: قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم (2). وذلك عامّ في الجميع، وقال: ﴿واستشهدوا ذوي عدل منكم (3). وهذا عدل، وعليه إجماع الفرقة وأخبارهم»(4).

وقد تُضاف روايات أُخرى إلى طائفة الأخبار الدالّة على عدم نفوذ شهادة المملوك مطلقاً، وإن كان قد يُقال: إنّ مقدمات الحكمة لإثبات إطلاقها - في مقابل بعض التفصيلات الجزئيّة من قبيل استثناء الشهادة في الأمور اليسيرة، أو الشهادة في القتل - غير تامّة، إلاّ أنّها - على أىّ حال - تدلّ على أنّ شهادة المملوك في غالب الأحوال غير نافذة، وتلك الأخبار كمايلي:

7 - ما عدّه السيّد الخوئي من هذه الطائفة، و هو ما عن أبي بصير - بسند


(1) نفس المصدر ح 10.

(2) السورة 2، البقرة، الآية 282.

(3) السورة 65، الطلاق، الآية 2.

(4) الخلاف ج 3، كتاب الشهادة، مسألة 19، 332.

الصفحة 385

تامّ - قال: «سألته عن شهادة المُكاتَب كيف تقول فيها؟ قال: فقال: تجوز على قدر ما أُعتق منه، إن لم يكن اشترط عليه: أنّك إن عجزتَ رَدَدْناك، فإن كان اشترط عليه ذلك، لم تجز شهادته حتى يؤدّي، أو يستيقن أنّه قد عجز. قال: فقلت: فكيف يكون بحساب ذلك؟ قال: إذا كان أدّى النصف أو الثلث، فشهد لك بألفين على رجل، أُعطيت من حقّك ما اُعتق النصفَ من الألفين»(1).

والوجه فيما أشرت إليه من إمكانيّة القول بعدم تماميّة الإطلاق في هذا الحديث أنّه بصدد بيان نسبة المكاتب إلى العبد القنّ في الحكم، وأنّ المُكاتب تقبل شهادته بنسبة ما أُعتق منه بخلاف العبد القِنِّ الّذي ترفض كلّ شهادته. أمّا أنّه ما هي موارد رفض شهادة العبد؟ هل على الإطلاق؟ أوله بعض المستثنيات كالقتل أو الشيء اليسير مثلا؟ فليس بصدد بيانه، وقد يُتفصّى عن هذا الإشكال بأنّ التفصيلات الجزئيّة غير محتملة فقهيّاً، فنفوذ شهادته بالنسبة للقتل فقط، أوبالنسْبة للشيء اليسير فقط ممّا لا قائل به عندنا، وإن حكى الشيخ الطوسي الثاني عن بعض العامة، فإذا فرض عدم احتمال تلك التفصيلات فقهياً، كان الحديث بحكم المطلق. نعم، يُحتمل التفصيل بأن تكون شهادة العبد لمولاه غير نافذة ولو لمكان التّهمة، وشهادته لغيره نافذة، أو أن تكون شهادته على مولاه غير نافذة، وفي غير ذلك نافذة بناءً على ما نسب إلى مشهور الأصحاب، ولكنّ حمل الحديث على خصوص فرض الشهادة لمولاه، أو عليه غير محتمل عرفاً، لكونه حملا على مورد نادر نسبيّاً. إذن فالحديث بحكم المطلق بلحاظ تمام التفاصيل، إلاّ أن يناقش في عدم احتمال التفصيلات


(1) الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 14، ص 257.

الصفحة 386

الجزئيّة فقهياً بدعوى أنّ عدم القائل لايوجب القطع بالعدم، ومن المحتمل مدركيّة الإجماع.

8 - ما عدّه السيّد الخوئي أيضاً من هذه الطائفة، وهو ما عن إسماعيل بن أبي زياد - بسند تامّ - عن جعفر عن أبيه عن علىّ أنّ شهادة الصبيان إذا شهدوا وهم صغار، جازت إذا كبروا مالم ينسوها، وكذلك اليهود والنصارى، إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد بشهادة ثمّ أُعتق، جازت شهادته، إذا لم يردّها الحاكم قبل أن يُعتق، وقال علىّ : «وإن أُعتق لموضع الشهادة، لم تجز شهادته»(1).

وهذا أيضاً يمكن الاستشكال في إطلاقه بأنّه إنّما هو بصدد بيان أنّ العتق يزيل مانعيّة المملوكيّة بزوال المملوكيّة، ولايضرّ بالأمر كون تحمّل الشهادة في زمان المملوكيّة، أمّا ماهي مدى ما نعية المملوكيّة؟ فليس الحديث بصدده.

فاحتمالات الاستثناءات الجزئيّة - كالشهادة على الشيء اليسير أو الشهادة على القتل - واردة، ما لم يدّعى القطع الفقهىّ بخلافها، بل هذا الحديث بعد عدم تماميّة مقدمات الحكمة فيه يأتي احتمال حمله على الشهادة لمولاه على ما يناسبه قوله: «إن أُعتق لموضع الشهادة»، إذ - عادةً - لا يعتق المولى عبده لأجل الشهادة لغيره، وإنّما يعتقه لأجل الشهادة لنفسه، فهذا التعبير وإن كان لايبطل الإطلاق لو تمّت مقدمات الحكمة، لكنّه يبطل إشكال استبعاد الحمل على الفرد النادر بعد فرض عدم تماميّة مقدمات الحكمة.

على أنّ في متن الحديث نوع التواء. إذ لم نعرف معنىً معقولا لقوله: «إذا لم يردَّها الحاكم قبل أن يعتق»، عدا ما أُوّلت به العبارة من أنّ المقصود هو ردّ شهادته


(1) الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 13، ص 257.

الصفحة 387

بمانع آخر من فسق ونحْوه.

9 - ما عدّه صاحب الجواهر من هذه الطائفة، وهو ما عن صفوان ـ بسند تامّ ـ عن أبي الحسن قال: «سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة، ثمّ فارقه أتجوز شهادته له بعد أن فارقه؟ قال: نعم، وكذلك العبد إذا أُعتق جازت شهادته»(1).

وهذا الحديث أيضاً يمكن المناقشة في إطلاقه باعتباره وارداً بصدد بيان أنّ عتق العبد يزيل المانع عن قبول الشهادة، وأنّه لايضرّ بالأمر كون تحمُّل الشهادة في زمان العبوديّة. أمّا مدى ما نعيّة المانع، فليس بصدد بيانه. وهنا أيضاً لو كان التشكيك بلحاظ استثناءات من قبيل استثناء الشيء اليسير أو القتل، قد يقول القائل بالقطع الفقهي بعدم استثناء من هذا القبيل، ولكن بالإمكان ذكر هذا التشكيك بمعنى دعوى احتمال اختصاص الحكم بفرض الشهادة لمولاه، كما يناسبه ما جاء في هذا الحديث من السؤال عن فرض أنّ الرجل أشهد أجيره على شهادة، ثمّ فارقه، والإمام عطف في الجواب على ذلك فرض عتق العبد، فهذا وإن كان لايبطل الإطلاق لو تمّت مقدمات الحكمة، لكنّه يبطل إشكال الحمل على الفرد النادر.

10 - ما عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - قال: «سألت أبا جعفر عن الذّمي والعبد يشهدان على شهادة، ثمّ يسلم الذّمي، ويُعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا اُشهدا عليه؟ قال: نعم، إذا عُلم منهما بعد ذلك خير، جازت شهادتهما»(2). ونفس النقاش السابق في الإطلاق يجري هنا. وقد يُدّعى أيضاً القطع


(1) الوسائل ج 18، باب 29 من الشهادات، ح 1، ص 273.

(2) الوسائل ج 18، باب 39 من الشهادات، ح 1، ص 285.

الصفحة 388

بعدم بعض الاستثناءات كاستثناء القتل أو الشيء اليسير، لكن يبقى احتمال تخصيص الحديث بشهادة العبد لمولاه أو على مولاه ما دامت مقدمات الحكمة غير تامّة، إلاّ أنّه ليس في متن هذا الحديث مايناسب ذلك كما في سوابقه، ومن هنا قد يُستبعد فرض تخصيصه بمورد خاصّ من الشهادة لمولاه، أو الشهادة على مولاه.

11 - ما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر وعن أبي بصير وسماعة والحلبي عن أبي عبداللّه . - والاسانيد كلّها تامّة - في المكاتب يعتق نصفه هل تجوز شهادته في الطلاق؟ قال: «إذا كان معه رجل وامرأة»، و قال أبو بصير: «وإلاّ فلا تجوز»(1)، ورواه الصدوق - بسنده - عن حمّاد عن الحلبي كالتالي: قال: «سمعت أبا عبداللّه يقول في المكاتب: كان الناس مدّة لايشترطون إن عجز، فهو ردّ في الرّق، فهم اليوم يشترطون والمسلمون عند شروطهم و يجلد في الحدّ على قدر ما أُعتق منه، قلت: أرأيت إن أُعتق نصفه أتجوز شهادته في الطلاق؟ قال: إن كان معه رجل وامرأة، جازت شهادته»(2). والسند تامّ، والإشكال الماضي في الإطلاق يأتي هنا; لأنّ الإمام لم يكن بصدد بيان شرط الحرّيّة ابتداءً. وقد يُدّعى هنا أيضاً القطع الفقهي بعدم الاستثناءات الجزئيّة. وهنا لايأتي احتمال اختصاص الحديث بفرض الشهادة للمولى أو عليه; لأنّ مورده هو الشهادة على الطلاق. نعم، فيه ما جعله(3)الشيخ الطوسي مؤكّداً للحمل على التقيّة، وهو إشراك المرأة في الشهادة على


(1) الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 11، ص 256.

(2) الفقيه ج 3، ح 86، ص 29، وجاء ذيله في الوسائل ج 18، باب 23 من الشهادات، ح 6، ص 255 .

(3) راجع التهذيب ج 6، ذيل الحديث 639، ص 250، و الاستبصار ج 3، ذيل الحديث 47.

الصفحة 389

الطلاق(1).

ثمّ إنّ روايات عدم قبول شهادة المملوك إلاّ على مثله، أو الكافر وإن لم تكن مطلقة بتمام معنى الكلمة في عدم نفوذ شهادة المملوك; إذ خرج من إطلاقها الشهادة على المملوك، أو الشهادة على الكافر، لكن هذا لايغيّر من نسبتها إلى روايات قبول شهادة المملوك، فالتعارض لازال يعتبر كأنّه تعارض تباينىّ، وليس بالعموم والخصوص; إذ ليس من العُرفيّ تقييد روايات قبول شهادة المملوك بخصوص ما إذا كانت شهادته على المملوك، أو على الكافر. وكذلك الحال في نفس روايات عدم قبول شهادة المملوك المطلقة بناءً على منع إطلاقها للشهادة على المملوك والكافر، كما أنّ روايات شرط الإسلام لم تكن تعني عدم نفوذ شهادة الكافر على أهل مذهبه.

وأيضاً الروايات الّتي قلنا: قد يناقش في إطلاقها لبعض الحالات الخاصّة كالشهادة على القتل، أو الشيء اليسير، لو تمّ مثل هذا النقاش، لم يضرّ بكون التعارض بينها وبين روايات نفوذ شهادة العبد كالتعارض التبايُنىّ، وليس بالعموم


(1) جعل هذا مؤكّداً للحمل على التقيّة يمكن أن يُفسَّر بأحد تفسيرين:

      الأوّل - ما هو الظاهر من عبارة الشيخ الطوسي رحمه الله في كتابيه من أنّه بما أنّ ذكر شهادة المرأة في الطلاق محمول على التقيّة; إذن هذا يؤكّد كون نفي شهادة العبد أيضاً محمولا على التقيّة.

      والثاني - أن يُقال: إنّ وضوح عدم نفوذ شهادة المرأة في الطلاق عند الشيعة يجعلنا نحتمل أنّه كان فرض ضمّ شهادة المرأة والرجل الحرّ إلى شهادة العبد لأجل أن يفهم الشيعىّ نفوذ شهادة العبد، ويتوهّم غيره كون المقصود عدم نفوذ شهادة العبد، حيث إنّ الشيعي يرى أنّ ضمّ شهادة المرأة في الطلاق ضمّ للحجر إلى جنب الإنسان، فيعرف أنّ النافذ هو شهادة الرجل الحرّ والعبد، وبعض العامّة يرى أنّ شهادة المرأة في هذا الفرض نصف شهادة الرجل. فيفهم من كلام الإمام أنّه قد جعل شهادة العبد الذي أُعتق نصفه أيضاً نصف شهادة الحرّ.

      وسيأتي - إن شاء اللّه - في محلّة أنّ العامة في شهادة المرأة في الطلاق مختلفون على رأيين.

الصفحة 390

والخصوص المطلق. إذ ليس من الجمع العرفىّ تقييد روايات نفوذ الشهادة ببعض الموارد الخاصّة كالشهادة على اليسير، أو على القتل.

علاج التعارض في المسألة:

وأمّا ما هو علاج هاتين الطائفتين المتعارضتين في المقام؟ فقد ذكر الشيخ الطوسي (1) علاجين:

أحدهما - حمل روايات عدم نفوذ شهادة العبد على التقيّة.

والثاني - حملها على عدم نفوذ شهادته لمولاه، لمكان التهمة.

وذكر صاحب الجواهر: أنّ روايات عدم النفوذ محمولة على الشهادة على المولى، أو على الكراهة، أو على التقيّة الّتي قد أوْمأ إليها في النصوص السابقة(2).

أقول: الحمل على الكراهة لاوجه له، فإنّ المفهوم العرفي من الروايات هو الحكم الوضعي، وهو شرطية الحرّيّة، أو مانعية الرّقّية، وهذا لايقبل الحمل على الكراهة، إلاّ بمعنى صرفه عن كونه حكماً وضعيّاً، وحمله على الحكم التكليفىّ الكراهيّ. وهذا جمع تبرّعي لاأثرله.

كما أنّ الحمل على الشهادة على المولى أيضاً حمل تبرّعي لادليل عليه.

وأمّا ما ذكره الشيخ الطوسي من الحمل على الشهادة للمولى، فهو أوجه من الحملين المذكورين في الجواهر، لما مضى منّا من تناسب ذلك مع بعض روايات الباب، وصياغة ذلك فنّياً - كجمع عرفي - يجب أن تكون بأحد وجهين، وهما


(1) في التهذيب ج 6، في ذيل الحديث 639، ص 249.

(2) الجواهر ج 41، ص 92.

الصفحة 391

لايتّمان إلّا في بعض الروايات الماضية:

الوجه الأوّل - إرجاع ذلك إلى الجمع بحمل المطلق على المقيَّد بدعوى عدم الإطلاق في روايات المنع لغير الشهادة للمولى، فهي أخصّ من روايات النفوذ.

إلاّ أنّ تطبيق قاعدة حمل العامّ على الخاصّ، أو المطلق على المقيّد على مثل المقام لايخلو عن تفصيل، فإنّ حمل العامّ أو المطلق على الخاصّ أو المقيّد يكون بأحد ملاكات ثلاثة:

1 - دعوى انخرام مقدّمات الحكمة بالمقيّد المنفصل.

2 - دعوى تقديم الخاصّ أو المقيّد بالأقوائيّة.

3 - دعوى تقديم الخاصّ أو المقيّد بالقرينيّة العرفيّة.

أمّا الدعوى الأُولى لو تمّت في نفسها، فهي لاتتّم في مثل المقام، إلّا إذا كان الخاصّ قدراً متيقّناً ممّا لم يتمّ الإطلاق فيه، كما هو الحال في بعض روايات الباب. أمّا ما كان من قبيل رواية محمد بن مسلم، وهي الرواية العاشرة من روايات المنع الماضيّة: «سألت أبا جعفر عن الذّمىّ والعبد يشهدان على شهادة، ثمّ يسلم الذمّىّ ويُعتق العبد أتجوز شهادتهما على ما كانا اُشهدا عليه؟ قال: نعم، إذا عُلم منُهما بعد ذلك خير، جازت شهادتهما» بناءً على تسليم عدم الإطلاق فيها، وإمكان حملها على الشهادة لمولاه، فهذا الوجه لا يأتي فيه; إذ كما يمكن حملها على الشهادة لمولاه يمكن حملها على الشهادة لغير مولاه، وليس الأوّل قدراً متيقَّناً من الحديث تمّ البيان المنفصل بشأنه; كي يقال بانخرام مقدّمات الحكمة في مطلقات نفوذ الشهادة به.

وأمّا الدعوى الثانية - بناءً على تماميّتها في نفسها - فأيضاً لاتتمّ إلاّ إذا كان الخاصّ قدراً متيقَّناً ممّا لم يتمّ فيه الإطلاق; كي تتمّ الأقوائية، كما قد يقال بذلك في الحديث الثامن والتاسع من أحاديث المنع الماضية، أو في الحديث التاسع فقط. أمّا في مثل الرواية الّتي أشرنا اليها - وهي الرواية العاشرة - فلا تتصور أقوائيّة في المقام.

 
الصفحة 392

وأمّا الدعوى الثالثة - بناءً على تماميّتها في نفسها - فهي لاتتمّ في المقام، حتى مع فرض كون الخاصّ قدراً متيقّناً ممّا لم يتمّ الإطلاق فيه، فإنّ القرينيّة لا تتمّ بمجرّد كونه قدراً متيقَّناً، وإنّما قوام القرينية يكون بذكر العنوان الخاصّ، اللهمّ إلّا في رواية جاء فيها تعبير يكون في قوّة التصريح بالعنوان الخاصّ، كما قد يقال بذلك فيما مضى من الرواية الثامنة من روايات المنع بناءً على أنّ قوله: «وإن أُعتق لموضع الشهادة لم تجز شهادته» في قوّة التصريح بفرض كون الشهادة لمولاه.

الوجه الثاني - أن يقال: إنّ روايات نفوذ شهادة المملوك لم تدلّ أساساً على نفوذ شهادته لمولاه، وذلك لأحتمال عدم نفوذ شهادته لمولاه بملاك فقدان شرط آخر، وهو عدم التهمة، ودليل نفوذ شهادة المملوك ليس له نظر إلى نفي الشرائط الأُخرى، ولذا لا يعدّ شرط العدالة مثلا تقييداً لإطلاق أدلّة نفوذ شهادة المملوك، فاذا كانت روايات نفوذ الشهادة لا إطلاق لها للشهادة لمولاه، وروايات عدم نفوذ الشهادة لا إطلاق لها للشهادة لغير مولاه، فقد ارتفع التعارض لا محالة.

إلاّ أنّ كلا هذين الوجهين لا يتّمان في تمام روايات المنع; إذ أنّ بعض روايات المنع قد تمّ إطلاقه، كما يظهر بمراجعة الروايات الماضية، ويكون حمله على الشهادة لمولاه حملا تبرّعيّاً، بل بعضُها لا يقبل هذا الحمل كالحديث الحادي عشر، إن لم نقل بوجود قرينة داخلية فيه للحمل على التقيّة. وعلى أىّ حال، فبعد إفلاس الجمع العرفىّ في المقام - ولو بلحاظ بعض الروايات - تصل النوبة إلى الترجيح، ويطبّق في المقام المرّجحان الرئيسيّان في باب التعادل والتراجيح لصالح روايات نفوذ شهادة المملوك.

المرجِّح الأوّل - هو موافقة الكتاب: فروايات نفوذ شهادة المملوك توافق إطلاق الكتاب، وروايات عدم نفوذها تخالف إطلاق الكتاب كقوله - تعالى -:

 
الصفحة 393

1 - ﴿واستشهدوا ذوي عدل من رجالكم (1).

2 - ﴿واستشهدوا ذوي عدل منكم (2).

3 - ﴿اثنان ذوا عدل منكم (3).

لايقال: إنّ المرجع لضمير الخطاب غير معلوم، فلعلّه ليس هو مطلق المسلمين، بل خصوص المسلمين الأحرار.

فإنّه يقال: إنّ الآية الاُولى مصدَّرة بقوله ﴿يا أيّها الذين آمنوا، وهذا التعبير يشمل العبيدالمؤمنين، والآية الأخيرة أيضاً مصدّرة بذلك إضافةً إلى أنّه عطف على قوله: ﴿ذوا عدل منكم قولَهُ: ﴿أو آخرانِ من غيرِكم إن أنتم ضربْتم في الأرض ... والمعروف أنّ المقصود به غير المسلمين، فتعرف بقرينة المقابلة أنَّ المقصود بقوله: «منكم» هو المسلمون. نعم، الآية الثانية خالية عن هاتين القرينتين، لكن ضرورة اشتراك أحكام الطلاق في مورد الآية بين الأحرار والعبيد يجعلنا نفهم بوحدة السياق أنّ الخطاب لجميع المسلمين.

المرجّح الثاني - مخالفة العامّة; حيث إنّ روايات عدم نفوذ شهادة العبد موافقة لكثير من العامّة، وروايات النفوذ مخالفة لهم. نعم، خصوص الرواية المرويّة عن تفسير الإمام العسكري عن أمير المؤمنين عن رسول اللّه وهي الرواية الثالثة من روايات المنع الماضية - قد لا تقبل الحمل على التقيّة; لأنّ النقل انتهى إلى رسول اللّه بناءً على تفسير الترجيح بمخالفة العامّة بمعنى حمل الموافق على التقيّة لاعلى الكذب، أو على الجامع بين الكذب والتقيّة. إلاّ أنّ هذه الرواية


(1) السورة 2، البقرة، الآية 282.

(2) السورة 65، الطلاق، الآية 2.

(3) السورة 5، المائدة، الآية 106.

الصفحة 394

- على أىّ حال - ساقطة سنداً.

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّ روايات نفوذ شهادة المملوك تُقدّم على روايات المنع.

دراسة التفاصيل في المسألة:

بقيت علينا بعد ذلك دراسة التفاصيل الّتي ذكرت في المقام، وأوّل تفصيل ندرسُهُ في المقام: هو ما نسب إلى مشهور الإماميّة من التفصيل بين الشهادة على المولى فهي غير نافذة وغير الشهادة على المولى فهي نافذة. وقد يستدلّ على ذلك بعدّة وجوه:

1 - الإجماع: وهو لا يفيد شيئاً، لكونه منقولا، وقد نُسِب، الخلافُ إلى جماعة، وهو محتمل المدركيّة على أقلّ تقدير.

2 - القياس بالولد - على حدّ تعبير السيّد الخوئي في مباني المنهاج(1)-: بناءً على عدم نفوذ شهادته على أبيه، وقد أورد عليه السيّد الخوئي بأنّه قياس لانقبل به، مع أنّنا لانقبل بالمقيس عليه.

أقول: عدم القبول بالمقيس عليه صحيح، أمّا إشكال القياس فلا يرد على مثل تعبير صاحب الجواهر الذي ذكر: أنّ شهادة العبد على مولاه أولى بعدم القبول من شهادة الابن على أبيه بناء على أنّ المنع فيه للعقوق(2). فهذا - كما ترى - استدلال في باب المملوك بعين الدليل المستدلّ به في باب الولد، فإشكاله ينحصر


(1) ج 1، ص 106

(2) الجواهر ج 41، ص 92.

الصفحة 395

بإبطال ذاك الدليل.

3 - ما عن الحلبي عن أبي عبداللّه في رجل مات، وترك جارية ومملوكين، فورثهما أخ له، فأعتق العبدين، وولدت الجارية غلاماً، فشهدا بعد العتق أنّ مولاهما كان أشهدهما أنّه كان يقع على الجارية، وأنّ الحمل منه، قال: «تجوز شهادتهمايردّان عبدين كما كانا»(1).

وينبغي أن يكون وجه الاستدلال: أنّ الحديث ورد في مورد الشهادة على من كان مولاه بظاهر الشرع، لولا نفوذ الشهادة وهو أخو الميّت، وقد دلّ في هذا المورد على أنّ نفوذ الشهادة مشروط بأن تكون بعد العتق، وبه تقيّد إطلاقات نفوذ شهادة العبد. فالنتيجة هي التفصيل بين شهادة العبد على مولاه فلا تنفذ وشهادته لا على مولاه فتنفذ.

وأورد عليه في الجواهر: بأنّ قيد العتق مذكور في مفروض السائل، وبأنّ مفهوم الوصف غير حجّة، ولذا جعل الحديث من مؤيّدات رأي المشهور لا دليلا عليه.

أقول: إشكال مفهوم الوصف غير وارد، فإنّ ذكر الوصف عند عدم وجود نكتة عقلائية أُخرى له يدلّ على السلب الجزئيء، وبما أنّا لا نحتمل الفرق فيما بين موارد الشهادة على المولى، فلا محالة يدلّ الحديث على عدم نفوذ الشهادة على المولى مطلقاً، إلّا أنّ الإشكال الأوّل وارد، مضافاً إلى ضعف سند الحديث بسند الشيخ إلى أبي عبداللّه البزوفري، فإنّ سنده إليه في المشيخة عبارة عن أحمد بن عبدون والحسين بن عبيداللّه الغضائري، ولادليل على وثاقتهما، وإن كانا من مشايخ النجاشي حسب ما هو المختار من عدم الدليل على وثاقة كلّ من هو من مشايخ


(1) الوسائل ج 18 باب 23 من الشهادات، ح 7، ص 255.

الصفحة 396

النجاشي. نعم، ذكر الشيخ في رجاله: (أخبرنا عنه - يعني عن البزوفري - جماعة منهم محمّد بن محمّد بن النعمان والحسين بن عبيداللّه وأحمد بن عبدون)، لكن هذا - كما ترى - لا يدلّ على أنّ كلّ ما أخبره عنه الغضائري وأحمد بن عبدون فقد أخبره عنه المفيد أيضاً كما هو واضح.

4 - أنّه لايُقبل إقرار العبد على نفسه باعتباره إقراراً على المولى. وأورد عليه السيّد الخوئي(1) بأنّه لا ربط لباب الإقرار بباب الشهادة، فعدم نفوذ الإقرار على نفسه باعتبار أنّه إقرار بحقّ غيره، ودليل حجيّة الإقرار لايشمل مثله. وهذا بخلاف دليل حجيّة الشهادة.

أقول: إنّ صاحب الجواهر إنّما ذكر هذا الوجه كتأييد، أو دليل بدعوى أنّ الإقرار على المولى شهادة عليه، ولاقائل بالفصل بين شهادة على المولى تكون في نفس الوقت إقراراً على النفس وشهادة على المولى لاتكون كذلك(2).

الجواب: أنّ الفصل بين شهادة على المولى تكون في نفس الوقت إقراراً على النفس وشهادة على المولى لا تكون كذلك لامبرّر له، ولكن هذا لايعني عدم نفوذ شهادة العبد على المولى، فالقول بعدم نفوذ شهادة إقراره لكونه إقراراً على المولى يعني أنّه بما هو إقرار وبمجرد تماميّة شرط نفوذ الإقرار - وهو العقل - لا ينفذ. أمّا لو نفذ عندما تتمّ فيه شروط نفوذ الشهادة من التعدّد والعدالة، فهذا لا ينافي القول بعدم نفوذ إقرار العبد لكونه إقراراً على المولى.

5 - الجمع بين روايات المنع وروايات النفوذ يكون بالتفصيل الذي اختاره المشهور.


(1) راجع مباني تكملة المنهاج ج 1، ص 107.

(2) الجواهر ج 41، ص 93.

الصفحة 397

وهذا - كما ترى - جمع تبرّعىّ لا قيمة له.

6 - ما عن كنز العرفان ممّا يستفاد منه وجود حديث بهذا المضنون; حيث قال: «بناءً على نقل الجواهر: واختلف في شهادة العبد ...» إلى أن قال: «وعن أهل البيت روايات أشهرها وأقواها القبول إلاّ على سيّده خاصّة»(1).

وهذا لو سلّم كونه رواية وليس استنباطاً له من الروايات، فهو مرسل لا قيمة له.

7 - ما مضى من حديث درع طلحة، وهو الحديث الرابع من أحاديث نفوذ شهادة العبد، فقد يقال: إنّ هذا الحديث صريح في نفوذ شهادة العبد على غير مولاه; لأنّ آخذ الدرع لم يكن هو مولىً لقنبر، ومقتضى الجمع بينه وبين روايات عدم النفوذ هو تخصيص عدم النفوذ بفرض الشهادة على المولى حملا للمطلق على المقيد. وبالإمكان جعل هذا الوجه توجيهاً للوجه الخامس، وإخراجاً له عن كونه جمعاً تبرّعياً.

ويرد عليه: أوّلا - أنّ حديث درع طلحة من الروايات الدالّة على نفوذ شهادة العبد على الإطلاق حيث جاء فيه: (وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا). نعم، مورده هو الشهادة على غير المولى، والمورد لايخصِّص الوارد، ومجرد كونه قدراً متيقّناً لايخرج الجمع عن كونه جمعاً تبرعيّاً.

وثانياً - أنّ تقييد روايات عدم النفوذ بالشهادة على المولى تقييد بفرد نادر، وهو غير عرفي.

والتفصيل الثاني - هو عكس تفصيل المشهور، وهو القول بنفوذ شهادة العبد على مولاه وعدم نفوذها في غير ذلك، وهو الذي قال عنه صاحب الجواهر: «إنّه لم


(1) الجواهر ج 41 ص 92.

الصفحة 398

نعرف قائله».

وما يمكن جعله دليلا على هذا الوجه دعوى الجمع بين الروايات المتعارضة بهذا التفصيل.

ويرد عليه: أوّلا - أنّه جمع تبرّعىّ لا مبرّرله.

وثانياً - أنّ تخصيص روايات نفوذ الشهادة - على فرض كونها شهادة على مولاه - تخصيص بالفرد النادر.

وثالثاً - أنّ رواية درع طلحة لاتقبل هذا الحمل. فإنّ الإمام طبّق قاعدة نفوذ شهادة العبد على شهادته على غير مولاه.

والتفصيل الثالث - هو القول بنفوذ الشهادة على الكافر والعبد دون المسلم الحرّ، ويحتمل أن لا يكون هذاتفصيلا في مقابل القول بعدم النفوذ مطلقاً، بأن يُقال: إنّ القول بعدم النفوذ مطلقاً لايقصد أكثر من ذلك، سنخ أنّ القول بشرط الإسلام في الشاهد لايعني عدم نفوذ شهادة الكافر بشأن من هو من أهل مذهبه.

وعلى أىّ حال فالدليل على هذا التفصيل وجهان:

الأوّل - روايات عدم نفوذ شهادة العبد بدعوى أنّه لا يفهم منها أكثر من عدم النفوذ على الحرّ المسلم، كما لايفهم من دليل شرط الإسلام أكثر من عدم نفوذ شهادة الكافر على المسلم أو على غير من هو من أهل مذهبه، وعندئذ تقدّم هذه الروايات على روايات نفوذ شهادة العبد بالأخصّيّة.

والجواب: أنّ تخصيص روايات النفوذ بفرض الشهادة على الكافر أو العبد غير عرفىّ، وبالتالي يكون التعارض بحكم التعارض التبايني، فلا مجال إلاّ لما مضى من الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة.

والثاني - الأخبار الخاصّة في المقام وهي ثلاثة:

 
الصفحة 399

1 - ما مضى من رواية محمد بن مسلم(1) من قوله: «لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم». بناءً على كونها غير روايته الّتي عبّر فيها ب-(تجوز) لاأنّها من اختلاف النسخ.

وردّ الاستدلال بذلك بعدم حجّيّة مفهوم الوصف غير صحيح; لأنّ الوصف يدلّ على السلب الجزئي، ولانحتمل الفرق بين موارد الشهادة على الكافر أو موارد الشهادة على العبد.

2 - ما مضى أيضاً من رواية محمد بن مسلم(2): «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب، وقال: العبد المملوك لا تجوز شهادته». وهذه الرواية لو كانت وحدها فهي أخصّ من المدّعى; إذ لم تدلّ على جواز شهادة العبد على العبد.

3 - ما مضى أيضاً من المرسل(3) عن أمير المؤمنين «أنّه كان يقبل شهادة بعضهم على بعض، ولايقبل شهادتهم على الأحرار» وقد يتعدّى من شهادة بعضهم على بعض إلى شهادتهم على الكفار بالأولويّة.

والجواب على الاستدلال بهذه الروايات - مع غضّ النظر عمّا قد يُقال في الرواية الأُولى من حملها على اختلاف النسخ، وفي الثانية من كونها أخصّ من المدّعى، وفي الثالثة من سقوطها سنداً -: أَنّ هذه الروايات معارضة بروايات نفوذ شهادة العبد، ولايمكن تقديمها عليها بالأخصّيّة; لعدم عرفيّة حمل تلك الروايات على خصوص الشهادة بشأن الكافر أو العبد، والتعارض بحكم التعارض التبايني، على


(1) وهي الرواية الرابعة من روايات عدم نفوذ شهادة العبد، فراجع.

(2) وهي الرواية الخامسة من روايات عدم نفوذ شهادة العبد، فراجع.

(3) وهي الرواية السادسة من روايات عدم نفوذ شهادة العبد، فراجع.

الصفحة 400

أنّ رواية درع طلحة لايمكن حملها على هذا المحمل، وكذلك رواية محمد بن مسلم غير المشتملة على كلمة (لا) بناءً على كونها رواية مستقلة لامن باب اختلاف النسخ. إذن لامجال إلاّ لإسقاط روايات عدم نفوذ الشهادة بشأن الحرّ المسلم بمخالفتها لإطلاق الكتاب وموافقتها للعامّة.

والتفصيل الرابع - هو القول بنفوذ شهادة العبد إلاّ لمولاه وعلى مولاه. والدليل على ذلك: إمّا هو الجمع بين الروايات المتعارضة نفياً وإثباتاً، وهذا جمع تبرّعي لاقيمة له. أو الجمع بين دليل التفصيل الثاني ودليل التفصيل الخامس، وقد مضى ما في الدليل على التفصيل الثاني، وسيأئي البحث عن التفصيل الخامس - إن شاء اللّه -.

والتفصيل الخامس - هو نفوذ شهادة العبد إلاّ لمولاه. ومن المحتمل أن لا يكون هذا تفصيلا في مقابل القول بنفوذ شهادة العبد مطلقاً، وذلك بأن يقصد بالاستثناء عدم نفوذ شهادته لمولاه لفقدان شرط آخر، وهو عدم التهمة، فلامنافاة بين القول بنفوذ شهادة العبد مطلقاً وعدم نفوذ شهادته لمولاه، كما لامنافاة بين القول بنفوذ شهادة العبد مطلقاً وعدم نفوذ شهادته إذا كان فاسقاً مثلا.

وعلى أيّ حال فيمكن الاستدلال على هذا التفصيل بوجهين:

الأوّل - الروايات الخاصّة، وهي كما يلي:

1 - ما عن ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن الرجل المملوك تجوز شهادته لغير مواليه؟ قال: تجوز في الدين والشيء اليسير»(1). فتخصيص الحكم بالدين والشيء اليسير قد يحمل على التقيّة مثلا، ولكن محل الشاهد في المقام هو تخصيص السؤال بما إذا كانت الشهادة لغير مواليه، فكأنّه كان


(1) الوسائل ج 18 ، باب 23 من الشهادات ، ح 8 ، ص 255 و 256.

الصفحة 401

من المسلّم أنّ الشهادة لمواليه غير نافذة، ولايحتمل العكس بأن يفرض أنّ من المسلّم أنّ شهادته لمواليه نافذة وأنّ الشكّ وقع في الشهادة لغير مواليه، إذ لو كان حكم الشهادة للمولى مسلّماً - دون الشهادة لغير المولى - فإنّما هو الحكم بعدم النفوذ للتهمة - مثلا - لا الحكم بالنفوذ.

وأمّا الإيراد على الاستدلال بالحديث بعدم حجيّة مفهوم الوصف فغير وارد; لما حقّقناه في الاُصول من أنّ الوصف إذا لم تكن نكتة عقلائية أُخرى لذكره يدل على السلب الجزئي. وحينما لانحتمل الفرق بين موارد انتفائه يتمّ لامحالة السلب الكلّي.

كما أنّ الإيراد عليه بما ذكره السيّد الخوئي في مباني التكملة(1) - من أنّ السؤال إنّما هو عن الشهادة لغير الموالي، ولا مفهوم له - قابل للنقاش سواء كان هذا الكلام ناظراً ضمناً إلى نفي مفهوم الوصف الذي عرفت جوابه، أو ناظراً فقط إلى أنّ القيد إنّما جاء في لسان السائل لافي لسان الإمام، وذلك لأنّ كلام السائل لم يكن ناظراً إلى قضيّة شخصيّة كي يُقال: إنّها قضيّة في واقعة، بل هو ناظر إلى القضيّة الكلّيّة الفرضيّة، أي السؤال عن شهادة المملوك لغير مواليه بنحو القضيّة الحقيقيّة. ومن الواضح أنّ قيد كون الشهادة لغير مواليه في القضيّة الحقيقيّة يوحي إلى أنّه كان من المسلّم عند السائل عدم نفوذ شهادته لمواليه، والإمام لم يردع عن ذلك، وهو دليل الإمضاء.

2 - الحديث الثاني من أحاديث المنع الماضيّة، وهو ما عن سماعة - بسند تام - قال: «سألته عمّا يردّ من الشهود قال: المريب، والخصم، والشريك، ودافع مغرم، والأجير، والعبد، والتابع، والمتّهم كلّ هؤلاء تردّ شهادتهم» بناءً على حمله


(1) ج 1 ، ص 105.

الصفحة 402

بقرينة السياق على فرض التهمة، وهو فرض شهادته لمولاه.

3 - ما مضى في الحديث الثامن من أحاديث المنع من قوله : «وإن أُعتق لموضع الشهادة، لم تجز شهادته» بناءً على أنّ الرواية ناظرة إلى الشهادة للمولى، فإنّ العتق لموضع الشهادة إنّما يكون عادة في حالة من هذا القبيل.

فإذا قيّد إطلاق روايات نفوذ شهادة العبد - لو تمّ لها إطلاق لشهادة العبد لمولاه - ببعض هذه الروايات، ثبت التفصيل بين شهادة العبد لمولاه وشهادته لغير مولاه بالنفوذ في الثانية دون الاُولى.

والثاني - مطلق الروايات الدالّة على مانعيّة التهمة; حيث إنّ التّهمة الموجودة في شهادة العبد لمولاه ليست بأقلّ من التّهمة الموجودة في مثل التابع والقانع والأجير من العناوين الواردة في تلك الروايات، وقد استفدنا نحن - فيما مضى - من تلك الروايات قاعدةً عامّةً، وهي منع نفوذ الشهادة في موارد التّهمة الّتي تكون من مستوى هذه العناوين، فاذا ضمّ ذلك إلى روايات نفوذ شهادة العبد الدالّة على أنّ مجرّد العبوديّة لايمنع عن نفوذ الشهادة، ثبت التفصيل بين شهادة العبد لمولاه فلا تنفذ، وشهادته لغير مولاه فتنفذ.

وقد يُقال: إنّ حديث درع طلحة(1)- وهو الحديث الرابع من أحاديث نفوذ شهادة العبد - يدلّ بالنصوصيّة على نفوذ شهادته لمولاه، وذلك لأنّ مورده هو شهادة قنبر لصالح كلام مولاه، وهو أميرالمؤمنين الذي ادّعى على عبداللّه بن قفل التميميّ أنّه أخذ درع طلحة غلولا.

ولكنّ هذا الحديث إنّما دلّ على نفوذ شهادة العبد لمولاه حينما لايكون المولى مدّعياً لشيء يرجع إليه ربحه، وإن شئت فقل: إنّ عدم نفوذ شهادة العبد لإثبات


(1) الوسائل، ج 18، ب 14 من كيفية الحكم، ح 6.

الصفحة 403

دعوى عليّ لايضرّ بصحّة حكم القاضي على عبداللّه بن قفل لصالح طلحة; إذ غاية ما يفترض في المقام أنّ دعوى عليّ ساقطة; لأنّ أحد شاهديه مملوك، فكأنّه لم يكن عليّ بوصفه وليّ الغائب أو بوصفه وليّاً على المسلمين مدّعياً من قبل المولّى عليه وهو طلحة، ولكن قد قامت بيّنة على أنّ هذه درع طلحة وليس أحد فردي البيّنة عبداً لطلحة، فلابدّ من تنفيذ القاضي لهذه البيّنة حتى بغضّ النظر عن دعوى عليّ .

بقي شيء: وهو أنّه لو فرض صدفةً أنّ العبد لم تكن شهادته لمولاه موضعاً للتّهمة، كما لو كان - مثلا - له عداء مع المولى بحيث يُخرج شهادته عن موضع التهمة، أو كان من الزهد والتقوى والموضوعيّة بمستوىً لايبقى معه موضع للتهمة، فهل تنفذ شهادته على مولاه، أوْلا؟

التحقيق: أنّه لو استظهرنا من روايات شرط عدم التهمة أنّ المقياس هي التهمة النوعيّة الموجودة في مثل الخادم والتابع والقانع مع أهل البيت - ولو فرض صفة عدم التهمة الفعليّة - فهنا أيضاً لا إشكال في عدم نفوذ شهادة العبد رغم فرض انتفاء التهمة الفعليّة.

امّا لو استظهرنا من تلك الروايات أنّ المقياس هي التهمة الفعليّة لا النوعية، فلو فرض خادم أو تابع انتفت التهمة الفعلية بالنسبة إليه - صدفةً بسبب ما - نفذت شهادته، فقد يقال بخصوص العبد: إنّ شهادته لمولاه لا تنفذ حتى مع ارتفاع التهمة الفعلية; لأنّ الدليل على عدم نفوذ شهادته لم يكن منحصراً في روايات التهمة، بل كانت هناك روايات خاصّة يستدلّ بها على ذلك، وهي الروايات الثلاث الّتي أشرنا اليها.

ولكنّ الواقع أنّنا لو فرضنا عدم الإطلاق في روايات التهمة لفرض انتفاء التهمة الفعلية، أو أنّ إطلاقها مقيّد بما مضى عن ابن خالد الصيرفي عن أبي الحسن

 
الصفحة 404

الماضي ، فهذه الروايات الثلاث لاتشفع لإطلاق الحكم لهذا الفرض:

أمّا الرواية الأُولى - وهي رواية ابن أبي يعفور - فدلالتها كانت بمثل مفهوم الوصف، والوصف كما أشرنا إليه لايدلّ على أكثر من السلب الجزئي عند احتمال الفرق بين مورد ومورد، ولا إشكال في احتمال الفرق بين مورد ثبوت التهمة الفعلية ومورد عدم ثبوتها.

وأمّا الرواية الثانية - وهي رواية سماعة - فلو حُملت على النظر إلى خصوص فرض شهادة العبد لمولاه، فإنّما حُملت على ذلك لورود ذكر العبد في سياق العناوين الموجبة للاتّهام بدعوى أنّ وحدة السياق توجب حمل المنع عن نفوذ شهادة العبد على نكتة الاتّهام، والمفروض أنّ روايات الاتّهام لا إطلاق لها لفرض زوال الاتّهام الفعليّ، إذن هذه الرواية لا إطلاق لها لهذا الفرض.

وأمّا الرواية الثالثة - وهي قوله: «وإن اُعتق لموضع الشهادة لم تجز شهادته» - فبعد فرض حمل الرواية على الشهادة لمولاه تنصرف - لا محالة - إلى النكتة العقلائيّة الكامنة في هذا المورد، وهي الاتّهام، كصرف الروايات الخاصّة الواردة في العناوين الأُخرى المشتملة على الاتّهام - كالتابع والأجير والقانع مع أهل البيت - إلى نكتة الاتّهام، فهذه الرواية حالها حال باقي روايات مانعيّة الاتّهام المفروض عدم الاطلاق لها لحالة انتفاء الاتّهام الفعلي صدفةً.

ثمّ إنّ السيّد الخوئي ذكر: أنّ هناك روايات دلّت على اختصاص قبول شهادة العبد بموارد خاصّة، فهي لو تمّت، كانت شاهد جمع بين الطائفتين الدالّة إحداهما على نفوذ شهادته مطلقاً والأُخرى على عدم نفوذها مطلقاً، ولكنّها غير تامّة، وذكر تحت هذا العنوان ثلاث طوائف.

1 - ما دلّ على استثناء الدين والشيء اليسير من عدم نفوذ الشهادة: وهو ما

 
الصفحة 405

مضى من حديث ابن أبي يعفور(1).

2 - ما دلّ على استثناء الشهادة على القتل: وهو ماورد عن جميل - بسند تامّ - قال: «سألت أباعبداللّه عن المكاتب تجوز شهادته؟ فقال: في القتل وحده»(2). واعترف بالنسبة لهذا القسم بأنّه حتى لو تمّ في نفسه لايصلح شاهد جمع بين الطائفتين المتعارضتين بالتباين، لأَنّ تخصيصَ ما دلّ على نفوذ الشهادة بخصوص الشهادة على القتل تخصيصٌ بالفرد النادر، وهو غير عرفّي.

3 - ما دلّ على استثناء شهادته على أهل الكتاب، أو تخصيص عدم الجواز بالشهادة على الحرّ المسلم: فذكر رواية محمد بن مسلم على نسخة (لاتجوز) وروايته الأُخرى (تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب. وقال: العبد المملوك لاتجوز شهادته).

وأورد على الطائفة الأُولى والثانية: بأنّه لا قائل بمضمونهما، فلا بدّ من حملهما على التقيّة، وبأنّه تعارضهما رواية درع طلحة الّتي ليست الشهادة فيها على الدين ولا الشيء اليسير ولا القتل، فلابدّ من حمل هاتين الروايتين على التقيّة، وأورد على الطائفة الثالثة بأنّها معارضة برواية درع طلحة الّتي كانت الشهادة فيها على الحرّ المسلم، وبرواية محمد بن مسلم الأُخرى الّتي جاء فيها التعبير بكلمة (تجوز). وعلى تقدير تسليم اختلاف نسخ الفقيه في الكلمة (تجوز) أوْ (لاتجوز) تكفي نسخة


(1) ونحوه في استثناء اليسير ماورد - بسند تام - عن عبيد بن زرارة رواه في الوسائل / ج 18، باب 22 من الشهادات، ح 5، قال: «سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن شهادة الصبيّ والمملوك، فقال: على قدرها يوم اُشهِد تجوز في الأمر الدون، ولا تجوز في الأمر الكبير».

(2) الوسائل، ج 18 ، باب 23 من الشهادات ، ح 9 ، ص 256.

الصفحة 406

التهذيب الّتي جاء فيها التعبير بكلمة تجوز(1).

أقول: مسألة كون كلمة (تجوز) أوْ (لاتجوز) من اختلاف النسخ في كتاب واحد أو كتابين قد مضى الحديث عنه، فلا نكرّره، أمّا الإيراد بعدم وجود قائل - بمضمون الطائفة الأُولى والثانية فتحملان على التقيّة - فغير دقيق; لأنّ الإجماع على خلاف مضمونهما ليس إجماعاً تعبّدياً، ولا مبِّرراً للحمل على التقيّة. نعم، قد تُشكِّل ولو بإضافة الروايات غير المشتملة على هذا الاستثناء قرينة عقلائيّة عند متعارف الناس على عدم مطابقة الاستثناء للواقع، فلووصل ذلك إلى مستوى الاطمئنان اوقلنا بأن القرينة الفعلائية على الخلاف يسقط الخبر عن الحجية - أوجب ذلك في المقام سقوط حديث الاستثناء عن الحجّيّة.

وأمّا الطائفة الثالثة، فلا تصلح للجمع بين المطلقين المتعارضين حتى لو تمّت في نفسها; لأنّ حمل روايات نفوذ الشهادة على خصوص الشهادة على الكفار أو العبيد ليس عرفيّاً، فتعارض هذه الطائفة مع تلك الروايات يكون كالتعارض التباينيّ، وتحمل على التقيّة.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ الصحيح نفوذ شهادة العبد إلاّ لمولاه.

طهارة المولد

الشرط السابع - طهارة المولد أو عدم كونه ولد الزنا. وتدلّ على ذلك عدة روايات من قبيل:

1 - ما عن أبي بصير - بسند تامّ - قال: «سألت أبا جعفر عن ولد الزنا


(1) راجع مباني تكملة المنهاج / ج 1 ، ص 105 و 106 .

الصفحة 407

أتجوز شهادته؟ فقال: لا. فقلت: إنّ الحكم بن عتيبة يزعم أنّها تجوز ، فقال: اللّهم لاتغفر ذنبه»(1). وللحديث بعض التكملات الّتي لم تثبت بسند تامّ(2).

2 - ما عن محمّد بن مسلم بسند تامّ قال: «قال أبوعبداللّه : لاتجوز شهادة ولد الزنا»(3).

3 - ما عن زرارة - بسند تامّ - قال: «سمعت أباجعفر يقول: لو أنّ أربعة شهدوا عندي بالزنا على رجل وفيهم ولد زنا، لحددتّهم جميعاً; لأنّه لاتجوز شهادته، ولايؤمّ الناس»(4).

4 - ما عن الحلبي - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا، ولاعبد»(5). كون ذيله محمولا على التقيَّة لايضرّ بصدره.

5 - مرسلة العياشي عن عبيداللّه الحلبي عن أبي عبداللّه قال: «ينبغي لولد الزنا أن لاتجوز له شهادته، ولا يؤمّ بالناس، لم يحمله نوح في السفينة وقد حمل فيها الكلب والخنزير»(6).

6 - مرسلة العياشي عن إبراهيم عن أبي عبداللّه قال: «إنّ نوحاً حمل الكلب في السفينة، ولم يحمل ولد الزنا»(7). ذكر صاحب الوسائل هذا الحديث في أحاديث الباب. ولعلّه بنكتة أنّ فرضه أتعس من الكلب، يدلّ على عدم قبول


(1) و (2) راجع الوسائل / ج 18، باب 31 من الشهادات ، ح 1 و2، وذيل حديث 3 ، ص 276.

(3) نفس المصدر، ح 3، ص 276 .

(4) نفس المصدر ح 4 .

(5) نفس المصدر ح 6، ص 277 .

(6) نفس المصدر ح 9 .

(7) نفس المصدر ح 10 .

الصفحة 408

شهادته.

والحديثان الأخيران إضافة إلى سقوطهما سنداً مشتملان على مضمون يبدو لأوّل وهلة أنّه خلاف ما هو مسلّم من الكتاب والسنّة والعقل و إجماع العدلية من أنّه لا تزروازرةٌ وزر أُخرى، إلاّ أن يُحملا على إرادة قضية خارجيّة غالبيّة، وهي انحراف ولد الزنا عن طريق الحقّ عادةً، وعليه يفقد الحديث الأخير دلالته على عدم نفوذ شهادة ولد الزنا لو كان عدلا.

وفي مقابل هذه الروايات روايتان:

الأُولى - تدلّ على نفوذ شهادة ولد الزنا، وهي ما عن عبداللّه بن جعفر في قرب الإسناد عن عبداللّه بن الحسن عن عليّ بن جعفر عن أخيه قال: «سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته؟ قال: نعم، يجوز شهادته، ولا يؤمّ»(1)، ولايمكن الجمع بين هذه الرواية وما مضى، بحمل ما مضى على الكراهة سنخ حمل كلّ نهي على الكراهة حينما يعارض ورود الترخيص; لأَنّ الحكم في المقام كان وضعيّاً ولم يكن تكليفيّاً.

ويمكن الإيراد على التمسّك بهذه الرواية من عدّة وجوه:

1 - ضعف سندها بعبداللّه بن الحسن الّذي لم تثبت وثاقته.

2 - كونها محمولة على التقيّة كما في الوسائل، وجاء في مباني تكملة المنهاج:(2)- على تقدير تسليم صحّة السند - أنّه لابدّ من حملها على التقيّة.

أقول: إنّ الترجيح بموافقة الكتاب يكون قبل الترجيح بمخالفة العامّة، فلو تمّ سند هذا الحديث، وانحصر الأمر بالترجيح، تعيّن ترجيح هذا الحديث الموافق


(1) الوسائل / ج 18 ، باب 31 من الشهادات ، ح 7 ، ص 277.

(2) ج 1 ، ص 110.

الصفحة 409

لإطلاقات الكتاب على أحاديث المنع عن نفوذ شهادته.

3 - دعوى أنّ قيام ما يشبه الإجماع لدى الإماميّة على عدم نفوذ شهادة ولد الزنا منضمّاً إلى الروايات العديدة الصحيحة الدالّة على ذلك يشكِّل قرينة عرفيّة عقلائيّة على خطأ هذا الحديث فلو بنينا في علم الاصول على كون ذلك مسقطاً للسند عن الحجّيّة سقط الحديث هنا عن الحجّيّة وإلا لم يسقط بذلك عن الحجية إلا إذا فرضنا القرينة بالغة مستوى حصول الاطمئنان.

4 - إنّ نفس الحديث رواه عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه، إلاّ أنّه قال: «لايجوز شهادته، ولايؤمّ»(1). فبناءً على دعوى الاطمئنان بوحدة الحديث يدخل ذلك في باب اختلاف النسخ، ونسخة كتاب عليّ بن جعفر أولى بالصحّة. وعلى أيّ حال فمع فرض اختلاف النسخ يسقط الحديث عن الحجّيّة.

والثانية - ماورد - بسند تامّ - إلى أبان عن عيسى بن عبداللّه قال: «سألت أبا عبداللّه عن شهادة ولد الزنا، فقال: لاتجوز إلاّ في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحاً»(2). وعن الشيخ وابن حمزة إلافتاء بذلك .

وقد حمل صاحب الوسائل الحديث على التقيّة، بينما مقتضى الفنّ - لو تمّ الحديث - تقد يمه على روايات المنع بالأخصّية.

وجاء في مباني تكملة المنهاج(3) الإيراد على الاستدلال بالحديث بأن الشيء اليسير والكثير ليس لهما واقع محفوظ، بل هما أمران إضافيّان، ويختلفان بأختلاف الزمان والمكان.


(1) الوسائل / ج 18 ، باب 31 من الشهادات ، ح 8 ، ص 277.

(2) نفس المصدر ح 5.

(3) ج 1 ، ص 110 .

الصفحة 410

أقول: إنّهما عنوانان عرفيّان، وهناك ما يتيقّن بأنّه عند العرف يعتبر يسيراً أو كثيراً حسب اكتراث العقلاء به وعدمه، ولايضر اختلاف تطبيق الحكم باختلاف الزمان والمكان، وهناك بعض المصاديق المشكوك كونه من اليسير أو الكثير، وهذا لايضرّ بحجّيّة الحديث في غير المصاديق المشكوكة، فشأن عنوان اليسير والكثير هو شأن سائر المفاهيم العرفيّة الّتي توجد لها مصاديق مشكوكة.

وعن بعض الأصحاب الاستشكال في سند الحديث من حيث تردّد عبداللّه ابن عيسى بين الأشعريّ الثقة والهاشمي الّذي لم تثبت وثاقته.

وأجاب عليه السيّدالخوئي(1) بأنّ رواية أبان عنه قرينة على كون المقصود هو الأشعريّ.

أقول: إنّ الشهرة القائمة على خلاف التفصيل الوارد في هذا الحديث منضمة إلى الإطلاقات الصحيحة سنداً قد تشكّل قرينة عرفيّة عقلائيّة على خطأ هذا الحديث ممّا يسقطه عن الحجّيّة على بعض المباني أما إذا لم نبن على ذلك فهذا لايضرّ بحجيّة السند إلاّ إذا بلغت القرينة مستوىً يورث الاطمئنان بالبطلان.

حالة الشك في طهارة المولد

بقي الكلام فيما لو شككنا في طهارة مولد الشاهد، وقد يستدل على قبول شهادته بوجوه:

1 - التمسّك بالعمومات و الإطلاقات كما في الجواهر(2).


(1) في مباني تكملة المنهاج / ج 1 ، ص 110.

(2) ج 41 ، ص 121.

الصفحة 411

وفيه: أنّه تمسّكٌ بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ولعلّه سدّاً لهذا النقص ذكر في الجواهر في آخر كلامه: أنّ النهي الوارد على طريق المانعيّة ظاهر في اختصاصه بالمعلوم دون المشكوك(1).

ويرد عليه: أنّه لافرق بين ورود النهي على طريق مانعيّة خبث المولد أو على طريق شرطيّة طهارة المولد في أنّ ظاهر الكلام كون موضوع الحكم هو العنوان المفروض في الكلام بوجوده الواقعيّ لابقيد العلم، وأمّا إن كان المقصود التمسّك بقاعدة المقتضي والمانع، فقد حقّق في الأُصول في محله بطلان هذه القاعدة.

2 - دعوى الإجماع، ولو ثبت لم يثبت كونه تعبديّاً، ولا يفيد العلم.

3 - قيام سيرة المتشرِّعة على عدم الفحص عن حال الشاهد من حيث المولد، والفحص عن ذلك أمر يجلب النظر، ولو كان فيما سبق لَنُقل وبان، ولعلّ المقصود من الأصل في قوله في الجواهر: «هذا إنْ لم نقل بظهور أصل شرعي في الحكم بطهارة مولد كلّ من لم يعلم أنّه ابن زنا»(2) هو الأصل المستفاد من سيرة من هذا القبيل.

إلاّ أنّ من المحتمل كون السيرة معتمدة على قاعدة الفراش الّتي هي محروزة في الموارد الاعتياديّة، وثبوت السيرة في خصوص ما إذا وقع الشكّ في الفراش غير معلوم.

4 - ما ذكره السيّد الخوئي(3) من أنّ المخصِّص عنوان وجودي، فيثبت عدمه عند الشّك بالأصل.


(1) ج 41 ، ص 121.

(2) الجواهر / ج 41 ، ص 121.

(3) في مباني تكملة المنهاج / ج 1 ، ص 111.

الصفحة 412

وهذا مبتن على مبنَيْينِ أُصوليَّيْنِ، أحدهما جريان الاستصحاب في العدم الأزلي، والثاني استظهار كون الموضوع هو العنوان الوجوديّ من ذكره في لسان الدليل حتى مع عدم تصوّر مورد افتراق بينه وبين عدم ضدّه المحتمل شرطيّته، أمّا لوقيل: إنّ العرف يتقبّل التعبير عن شرطيّة طهارة المولد بلسان ما نعيّة خبث المولد وبالعكس، ولا يمكن استظهار كون المستثنى عنواناً وجودياً، لم يتمّ هذا البيان.

وعلى أيّ حال، فلونا قشنا في أحد المبنيَيْنِ الأُصوليَّيْنِ، لم يبق دليل على نفوذ شهادته، ووصلت النوبة إلى يمين المنكر، لا للقاعدة المنقَّحة في علم الأُصول من أنّ الشكّ في الحجيّة يساوق القطع بعدم الحجيّة، فإن تلك القاعدة إنّما تنظر إلى آثار القطع الطريقي من التنجيز والتعذير لا الآثار الموضوعيّة من قبيل وصول النوبة إلى اليمين وعدمه، بل لأنّنا نستظهر من دليل كون اليمين على من أنكر والبيّنة على المدّعي أنّه متى ما عجزنا عن الوصول إلى الحجّة ثبت اليمين، فوصول النوبة إلى اليمين أثر موضوعيّ موضوعه عبارة عن عدم تماميّة الحجّة على خلافه، وبالفعل لم تتمّ الحجّة على خلافه; إذ لم تثبت حجيّة هذه البيّنة سنْخَ ما لو شككنا في عدالتها ولم يمكن إثبات عدالتها بأمارة أو أصل.

عدم التبرّع بالشهادة

الشرط الثامن - أن لايكون متبرّعاً بالشهادة في حقوق الناس بأن يشهد قبل طلب الشهادة منه على ما نسب إلى المشهور، بل ادّعي عليه الإجماع. هذا في حال الشهادة.

 
الصفحة 413


المتبرّع بحمل الشهادة:

وأمّا في حال التحمّل، فلا إشكال في أنّه لا يشترط أن يكون التحمّل بطلب منه من قبل المشهود له أو من قبلهما، فلو شهد واقعة من دون طلب منه، نفذت بعد ذلك شهادته. نعم، نسب إلى بعض العامّة عدم نفوذ الشهادة إذا اختبأ عن المشهود عليه، فنطق المشهود عليه مسترسلا، ونسب ذلك إلى ابن الجنيد أيضاً.

أمّا عندنا فمفاد الروايات هو نفوذ شهادة الشاهد سواء تحمّل بطلب منه أوتحمّل صدفة بعلمهما أو عدم علمهما. نعم، لو تحمّل بلا طلب، لم يجب عليه أداء الشهادة.

فعن العلا عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - عن أبي جعفر «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها، فهو بالخيار إن شاء شهد، وإن شاء سكت»(1).

وعن هشام بن سالم - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه قال: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها، فهو بالخيار إن شاء شهد، وإن شاء سكت، وقال: إذا اُشهد، لم يكن له إلاّ أن يشهد»(2).

ولحديث العلا عن محمد بن مسلم في بعض نقوله تتمّة، وهي قوله بعد جملة (وإن شاء سكت): «إلاّ إذا علم مَنِ الظالم، فيشهد، ولا يحلّ له إلاّ أن يشهد»(3).

ونحوه ماورد بسند فيه إسماعيل بن مرار عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبداللّه قال: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها، فهو بالخيار إن شاء


(1) الوسائل / ج 18 ، باب 5 من الشهادات ، ح 1 و 3 ، ص 231 و 232.

(2) نفس المصدر/ ح 2 ، ص 231 و 232.

(3) نفس المصدر / ح 4 ، ص 232.

الصفحة 414

شهد، وإن شاء سكت، إلاّ إذا علم مَنِ الظالم، فيشهد، ولايحلّ له أن لايشهد»(1).

ولعلّة إليه تشير مرسلة الصدوق الّتي تقول: «قال الصادق العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوماً»(2).

وعلى أيّ حال فهذا الاستثناء - وهو استثناء ما إذا علم مَن الظالم - قد يراد به: أنّ معرفة الحقّ في الشهادة لاتلازم معرفة الظالم من المظلوم، فقد يعرف الشاهد أن زيداً قتل عمراً - مثلا - ولايعرف مع ذلك أنّ عمراً - مثلا - مظلوم، فلعلّه قتله بحقّ، فإذا كان الشاهد اطّلع على واقعة صدفةً ومن دون طلب منه لتحمّل الشهادة، لايجب عليه أداء الشهادة حينما يطلب منه الأداء، إلاّ إذا عرف الظالم من المظلوم، فيكون هذا تقييداً لإطلاق حديث هشام بن سالم الماضي الخالي عن هذا الاستثناء.

إلاّ أنّ هذا التفسير للاستثناء الوارد في حديث العلا عن محمد بن مسلم يعارض ما ورد من نفس العلا عن محمد بن مسلم - بسند تامّ - عن أبي جعفر في الرجل يشهد حساب الرجلين، ثم يُدعى إلى الشهادة. قال: «إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد»(3). فإنّ المتبادر إلى الذهن من قوله: «يشهد حساب الرجلين» هو شهادة كامل القصّة بحيث يعرف الحقّ من غير الحقّ، وورد مضمونه بتعبير آخر عن العلا عن محمد بن مسلم بسند ضعيف بمحمد بن عبداللّه بن هلال(4).

وعلى أي حال فاذا فرض أنّ حديث العلا عن محمد بن مسلم المشتمل على جملة (يشهد حساب الرجلين) غير حديثه المشتمل على جملة (إلاّ إذا علم مَن


(1) نفس المصدر / ح 10 ، ص 233.

(2) نفس المصدر / ح 9 ، ص 233.

(3) نفس المصدر / ح 6 ، ص 232.

(4) نفس المصدر / ح 5 ، ص 232.

الصفحة 415

الظالم)، وتعارضا وتساقطا، رجعنا إلى إطلاق حديث هشام بن سالم(1)، بل وكذا إطلاق حديث محمد بن مسلم الذي نقلناه أوّلا لو فرض حديثاً مستقلا لمحمد بن مسلم غير متّحد مع ما فيه الاستثناء.

أمّا إذا جمعنا بينهما بما يقرب إلى الذهن من استثناء فرض العلم بالظالم من حمله على أنّ النظر فيه إلى مسألة وجوب نصرة المظلوم، إذا انحصر انتصاره بشهادة هذا الشخص، تعيّن ما أفتى به الصدوق من أنّه إذا انحصرت الشهادة به، فعلم أنّ صاحب الحقّ مظلوم ولايحيى حقّة إلاّ بشهادته، وجبت عليه إقامتها، ولم يحلّ له كتمانها(2). ويؤيّد هذا التفسير للاستثناء الوارد في حديث العلا عن محمد بن مسلم احتمال كون كلا حديثيه المتعارضين، أو هما مع الحديث الأوّل حديثاً واحداً، جاء الفرق فيما بينها من تقطيع الرواة، والنقل بالمعنى.

هذا وقد ورد حديث محمد بن مسلم في الرجل يشهد حساب الرجلين بسند آخر، وليس فيه ذكر التخيير بين الشهادة وعدم الشهادة، بل قال: يشهد(3).

وقد حمل الصدوق الحديث الذي حكم بالتخيير بالنسبة لمن حضر صدفةً من دون إشهاد، على ما إذا لم تنحصر الشهادة به، ولم يتوقَّف إنقاذ الحقّ على شهادته(4).

وهذا الحمل وإن كان - لو لا الشاهد - حملا تبرعيّاً; إذ أنّ الرواية الأخيرة


(1) هذا بناءً على المسلك المعروف من مرجعيّة المطلق أو العام لدى ابتلاء المقيّد او المخصّص بالمعارض.

(2) الفقيه / ج 3 ، في ذيل الحديث 109 ، ص 34.

(3) الفقيه / ج 3 ، ح 108 ، ص 33 . والوسائل / ج 18 ، باب 5 من الشهادات ، ح 7 .

(4) الفقيه / ج 3 ، في ذيل الحديث 109 ، ص 34.

الصفحة 416

تعارض ما دلّ على عدم وجوب أداء الشهادة بالتباين، ولا معنى لحملها على فرض معيّن وحمل معارضها على الفرض الآخر، ولكنّ الرواية المفصّلة - أعنى المشتملة على مامضى من الاستثناء - قد تصلح شاهد جمع بين الروايتين المتعارضتين.

وعلى أىّ حال فهذه الرواية - لو لم يتمّ الجمع بهذا الوجه - لاتصلح لمعارضة ما دلّ على عدم وجوب أداء الشهادة، فقوله في هذه الرواية: (يشهد) إمّا أن يُحمل على الحكم الوضعي، وهو نفوذ الشهادة، وعندئذ لا تعارض بينه وبين ما دلّ على عدم وجوب أداء الشهادة، أو يحمل على الحكم التكليفي، وهو الأمر بأداء الشهادة، وعندئذ يحمل على الاستحباب كما هو الشأن في كلّ أمر عارضَ الترخيص.

كلّ هذا بعد فرض تماميّة سند هذه الرواية، والّذي يهوِّن الخطب أنّ سندها ضعيف بأحمد بن يزيد.

وهناك حديث آخر قد يدلّ على وجوب أداء الشهادة رغم عدم الإشهاد بمعنى طلب التحمّل، وهو ما رواه الصدوق بإسناده إلى علىّ بن أحمد بن أشيم قال: «سألت أبا الحسن عن رجل طهرت امرأته من حيضها، فقال: (فلانة طالق) وقوم يسمعون كلامه، لم يقل لهم: (اشهدوا) أيقع الطلاق عليها؟ قال نعم، هذه شهادة، أفيتركها معلّقة؟!»(1) بناءً على الملازمة بين كفاية ذلك في الإشهاد على الطلاق ووجوب أداء الشهادة - عند الطلب - المستفادة من قوله - تعالى -: ﴿وأَشهِدوا ذَوَيْ عدل منكم، وأقيموا الشهادةَ لله (2).

وتوضيح المقصود: أنّ الإشهاد في الآية الكريمة إمّا أن يقصد به طلب تحمّل الشهادة، أو يقصد به مجرد إيقاع الطلاق أمام الشاهد. وهذه الرواية تدلّ على أنّ


(1) الوسائل / ج 18، باب 5 من الشهادات، ح 8 ، ص 233.

(2) السورة 65، الطلاق، الآية 2.

الصفحة 417

المقصود هو الثاني، والآية قد أمرت مَنْ أشهِدوا بأداء الشهادة، وهذا يعني أنّ من وقع الفعل عنده يجب عليه أداء الشهادة وإن لم يُطلب منه تحمّل الشهادة، وهذا يعارض الروايات الدالّة على أنّ وجوب أداء الشهادة مشروط بإلاشهاد بمعنى طلب تحمّل الشهادة دون الحضور صدفةً أو الاطّلاع صدفةً. إلاّ أنّ هذا الحديث غير تامّ سنداً; لعدم توثيق علىّ بن أحمد بن أشيم، ولعدم ثبوت تماميّة سند الصدوق إلى علىّ بن أحمد بن أشيم.

ولو ثبت في بحث الطلاق أنّه يكفي فيه حضور العدلين صدفةً، لم يؤدِّ ذلك إلى التعدّي إلى سائر موارد القضاء; لأنّ احتمال الفرق موجود.

هذا، ولايبعد أن يُقال: إنّ هذه الرواية - وحتى بعد ضمّها إلى الآية المباركة - لاتعارض روايات الباب إطلاقاً، وذلك لأنّ المفهوم عرفاً من كلمة (الإشهاد) في الروايات وفي الآية المباركة ليس هو خصوص أن يقول لهم: (إشهدوا); أي أن يطلب منهم تحمّل الشهادة، بل يكفي في الإشهاد إيقاع الفعل أمامهم وبنيّة اطلاعهم عليه في مقابل الحضور الصدفىّ البحث، والاطّلاع صدفة من دون إرادة الطرفين. وعليه فإلاشهاد في مورد رواية علىّ بن أحمد ابن أشيم حاصل. وهناك حديث قد يدلّ بإطلاقه على وجوب أداء الشهادة حتى مع عدم الإشهاد، وهو ما عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه قال: «لا ينقضي كلام شاهد الزور من بين يدي الحاكم حتى يتبوّء مقعده من النار، وكذلك من كتم الشهادة»(1). إلاّ أنّه - مضافاً إلى ضعف سنده - يقيّد إطلاقه بما مضى.


(1) الوسائل / ج 18، باب 9 من الشهادات، ح 4، ص 237.

الصفحة 418


المتبرّع بأداء الشهادة:

والآن فلْننتقل إلى صلب المطلب، وهو أنّ المتبرّع في حقوق الناس بالشهادة هل تنفذ شهادته، أوْلا؟

وقد فسّر في الجواهر في أوّل كلامه التبرّع بالشهادة(1) بمعنى الشهادة قبل سؤال الحاكم في مجلس الحكومة.

وأدلّة القول بعدم نفوذ شهادة المتبرّع بعد فرض تفسيره بهذا التفسير لعلّها تنحصر في مايلي:

1 - الإجماع: وقد قال عنه صاحب الجواهر: «لعلّه العمدة في الحكم المزبور»(2)، ولكنّه - مع منقوليّته، وما قيل من وجود بعض المخالفين، واحتمال مدركيّته، واستبعاد إجماع تعبدّىّ ناشىء من توارث الحكم يداً بيد في مسألة يقلّ الابتلاء بها; إذ قلّ ما يفترض التبرّع بالشهادة في الخصومات - لا تبقى صلاحيّة للإجماع بحيث يمكن جعله دليلا على الفتوى في المقام.

2 - تطرُّق التهمة: وأبطله صاحب الجواهر بما اختاره في باب شرط عدم التهمة من أنّ المقياس هو العناوين الاتّهاميّة الخاصّة الواردة في الروايات، لا عنوان التهمة بمعناه العرفىّ العامّ.

والصحيح إبطاله بمنع كون التبرّع موجباً لتطرُّق التهمة على الإطلاق، وكونه أحياناً موجباً لتطرّق التهمة - لاكتنافه بقرائن أُخرى أو خصوصيّات - لايصلح دليلا للإفتاء بعدم نفوذ شهادة المتبرّع بشكل عامّ.


(1) و(2) الجواهر، ج 41، ص 104.

الصفحة 419

3 - النبويّات(1) المنقولة عن غير طرق الإماميّة: كقوله : «ثمّ يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها» وقوله : «ثمّ يَفْشُو الكذب حتى يَشهدَ الرجلُ قبل أن يُستشهَد» وقوله : «تقوم الساعة على قوم يَشهَدون من غير أن يُستشهَدوا» بعد ضمّه إلى ما ورد في البحار وصحيح مسلم من أنّ القيامة تقوم على شرار الخلق.

وهذه النبويّات - كما ترى - ساقطة سنداً ومعارضة بالنبوىّ الآتي على أنّه يُحتمل أن يكون المقصود بها شهادة الكذب، وأن يكون المقصود بالسؤال أو الاستشهاد طلب المشهود له الشهادةَ لصالحه; إذ من الواضح أنّ شهادة الكذب من دون طلبها أقبح وأكثر دلالة على الجرأة وهتك حرمات اللّه من شهادته بعد طلبها، ويشير الى هذا الاحتمال قوله في النبويّ الثاني: «ثمّ يفشو الكذب ...».

ثمّ إنّ قيام الإجماع أو - على الأقلّ - الشهرة على عدم نفوذ شهادة المتبرّع - بعد تفسير التبرّع بعدم طلب الحاكم - أمر غريب; إذ لو فرض الإجماع تعبديّاً حاصلا من وضوح الحكم قديماً وتوارثه جيلا بعد جيل، فتحقّق شيء من هذا القبيل في أَمر لايكثر الابتلاء به بعيد، ولو فرض مدركيّاً فهذه المدارك نسبتها إلى حقوق الناس الفرديّة وحقوق اللّه أو المصالح العامّة على حدّ سواء، فما معنى اختصاص القول بعدم نفوذ شهادة المتبرّع بالأَوّل، وإفتاء المشهور بنفوذها في الأَخيرين؟!

ولايرفع هذا الاستغراب الوجوه الواهية الّتي تذكر لاستثناء حقوق اللّه والمصالح العامّة من قبيل:

1 - أنّه لو جعل التبرّع بالشهادة فيها مانعاً لتعطّلت.

2 - وأنّ المصلحة إذا عمّت عدول المؤمنين بأجمعهم كانت الشهادة منهم


(1) راجع الجواهر/ ج 41، ص 106.

الصفحة 420

دعوى، فلو توقفت على دعوى غيرهم كان ترجيحاً من غير مرجّح مع لزوم الدور.

3 - وأنّ الشهادة بحقوق اللّه - تعالى - نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان، والواجب لايُعدّ تبرّعاً.

4 - والجمع بين النبويّات الماضية والنبوىّ الآخر: «ألا أخبركم بخير الشهود؟ قالوا بلى يا رسول اللّه. قال: أن يشهد الرجل قبل أن يُستشْهَد»(1).

ولا أراني بحاجة إلى توضيح ضعف هذه الوجوه.

وقد وقع في كلمات الأصحاب تشويش آخر في ما يشتمل على حقّ اللّه وحقّ الناس معاً كالسرقة، فهل تنفذ فيه الشهادة التبرّعية لكونه حقاً للّه ولم - يثبت بالإجماع أكثر من استثناء ما كان حقّاً آدميّاً محضاً، أوْ لاتنفذ لكونه حقّاً للناس، أو تنفذ بالنسبة لحقّ اللّه، ولاتنفذ بالنسبة لحقّ الناس، فتقطع يد السارق من دون أن يغرم، أو غير ذلك ممّا جاء نقله في الجواهر(2)؟

أقول: إنّ أصل التفصيل بين حقّ اللّه وحقّ الناس لم يعرف له وجه معقول مادمنا نفسّر التبرّع في الشهادة بعدم طلب الحاكم.

ولكن من المحتمل أن يكون مقصود الأصحاب من التبرّع هو ما أبدى احتماله في الجواهر(3) في ثنايا الكلام بعنوان (قد يقال) ومن دون تركيز عليه، وهو الشهادة من دون إذنِ مَنْ له الحقّ كالمدّعي الّذي عليه البيّنة، وهذا الاحتمال وارد بشأن كلّ من لم يصرّح بأنّ مقصوده من التبرّع هو الشهادة قبل طلب الحاكم، بل


(1) راجع الجواهر/ج 41، ص 107.

(2) ج 41، ص 108 و 109.

(3) ج 41، ص 105.

الصفحة 421

لعلّه يرد حتى بالنسبة لمن صرّح بذلك، باعتبار أنّ طلب المدّعي من الشهود لأداء الشهادة يكون عادةً عن طريق الحاكم; أي أنّ الحاكم يطلب من الشهود بناءً على رغبة المدّعي أداء الشهادة، فأخذ عنوان طلب الحاكم استطراقاً إلى ثبوت طلب المدّعي. وعلى أىّ حال لو بنينا على هذا الاحتمال، ارتفع الاستغراب، فإنّ الوجه في التفصيل بين حقّ الفرد وحقّ اللّه أو الحقوق العامّة أحد أمرين:

إمّا التمسّك بمسألة التهمة; حيث يُقال: إنّ عدم انتظار طلب المدّعي موجب للتهمة، وهذا إنّما يفرض في حقّ الفرد لا في حقّ من لايوجد بشأنه مدّع خاصّ من حقوق اللّه أو الحقوق العامّة ممّا تثار بمبادرة الناس لا بمبادرة المدعي.

وأمّا أن يُقال: بأنّ عدم نفوذ شهادة المتبرّع قبل طلب المدّعي في الحقوق الفرديّة يكون بنكتة أنّ البيّنة حقّ للمدَّعي، وليس للحاكم فرض الحكم وفق البيّنة من دون إذن ذي الحقّ مادام الحقّ ليس من حقوق اللّه أو الحقوق العامّة الّتي يكون لولىّ الأمر حقّ التدخّل فيها ابتداءً، ومن هنا يصبح التفصيل بين حقوق الناس الفرديّة وحقوق اللّه أو الحقوق العامّة أيضاً أمراً معقولا; حيث لايوجد في الثاني مدّع يكون له الحقّ في طلب الحقّ بالبيّنة ورفضه بخلاف الأوّل.

وبه يتّضح الحال أيضاً في الحقوق المشتركة بين اللّه - تعالى - والآدمىّ، فإن كان اشتراك الحقّ بمعنى أنّ قسماً منه لله وقسماً منه للآدمىّ - كما قد يقال في السرقة من أنّ القطع لله والضمان للآدمي - فما للآدمي يتوقّف على إذن المدّعي; لأنّه حقّه، وما لله تنفذ فيه الشهادة التبرعيّة. وإن كان اشتراك الحقّ بمعنى أنّ شيئاً واحداً هو حقّ للّه وللآدمي كما لو قلنا: إن القطع في السرقة والحدّ في القذف كلّ منهما حقّ للّه و للآدمي، فالشهادة التبرّعيّة تنفذ فيه; لأنّ عدم إذن المدّعي إنّما يُسقط حقّه في الحكم ولا يسُقط حقّ اللّه.

هذا فيما إذا كان المدرك لعدم نفوذ شهادة المتبرّع عبارة عن أنّ الحاكم

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب