![]() |
الصفحة 297 | ![]() |
البيّنة 2
شرائط البيّنة
البلوغ.
| ||
![]() |
الصفحة 298 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 299 | ![]() |
البحث الثاني ـ شرائط البيّنة: البلوغالشرط الأوّل ـ هو البلوغ: عدم نفوذ شهادة الصبي:ولا إشكال في عدم نفوذ شهادة الصبيّ غير المميّز، وإنّما الذي ينبغي البحث عنه هو شهادة الصبي المميّز، ويمكن الاستدلال على عدم نفوذها بوجوه: الوجه الأوّل ـ مناقشة افتراض وجود إطلاق لأدلّة الإشهاد يشمل شهادة الصبيّ من قبيل قوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأَشهدوا عليهم، وكفى باللّه حسيباً﴾ (1). وكقول الرسول | ||
(1) السورة 4 النساء الآية 6. (2) الوسائل، ج 18 باب 2 من كيفيّة الحكم ح 1 ص 169. | ||
![]() |
الصفحة 300 | ![]() |
بدعوى الانصراف(1)، أو بدعوى أنّ تلك الإطلاقات إنّما هي بصدد ذكر أصل الإشهاد والبيّنة، وليست بصدد بيان الشرائط المعتبرة في نفوذها. وقد يقال: إنّ مجرد عدم تماميّة الإطلاق إذا كان من باب عدم كونه في مقام البيان لايكفي لإثبات عدم نفوذ شهادة الصبيّ; بحيث تصل النوبة إلى يمين المنكر، بل نبقى متحيّرين بين كون الوظيفة هي قبول شهادة الصبى، أو سماع يمين المنكر. وقد يُجاب على ذلك: بأنّ استصحاب عدم جعل الحجّيّة لهذه الشهادة ينقّح موضوع اليمين; لأنّ يمين المنكر أُخذ في موضوعه عدم إقامة المدّعي البيّنة الحجّة; بناءً على أنّ الموضوع القاطع لليمين هو البيّنة بما هي حجّة، لاذات البيّنة التي تكون حجّة. الوجه الثاني ـ هو التمسّك بقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ الوجه الثالث ـ مادلّ على اشتراط العدالة في الشاهد كقوله تعالى: ﴿شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحدَكُمُ الموتُ حينَ الوصيّةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم﴾ وذلك بدعوى أنّ العدالة لاتتصوّر في الصبيّ; إذ العدالة بمعنى الاستقامة في الطريق فيما بين الخطوط المنحرفة، بينما لا انحراف بشأن الصبى، وكلّ التصرّفات مباحة له، فما معنى استقامته في الطريق؟! ولكن بالإمكان أن يدّعى أنّ المفهوم عرفاً من شرط العدالة هو النظر إلى ما | ||
(1) الجواهر ج 41 أوّل ص 10. (2) السورة 4 البقرة الآية 282. (3) السورة 5 المائدة الآية 106. (4) السورة 65 الطلاق الآية 2. | ||
![]() |
الصفحة 301 | ![]() |
تعطيه العدالة للإنسان من المناعة، وقد يتّفق أن يكون غير البالغ أشدّ مناعةً من البالغ العادل; باعتبار تربية نفسه وتعويده على ترك المحرّمات الّتي يكون الأَولى له التنزّه منها، ومنها الكذب. الوجه الرابع ـ الروايات من قبيل ماورد بسند تامّ عن محمّد بن مسلم عن أحدهما وماورد عن السكوني بسند فيه النوفلي عن أبي عبداللّه وما عن إسماعيل بن أبي زياد (وهو السكوني) بسند تامّ عن جعفر عن أبيه عن عليّ ومـا عـن مـحـمـد بـن مسـلم بسـند تامّ عن أبي جـعـفر | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 21 من الشهادات ح 1 ص 251. (2) نفس المصدر ح 2 ص 251. (3) الوسائل ج 18 باب 23 من الشهادات ح 13 ص 257 وجاء صدره أيضاً في باب 21 من الشهادات ح 4 ص 252. | ||
![]() |
الصفحة 302 | ![]() |
رسول اللّه استثناءات في شهادة الصبي:وقد وردت استثناءات على عدم قبول شهادة الصبيّ: الأوّل ـ مادلّ على قبول شهادته إذا بلغ عشر سنين: وهو ما ورد عن أبي أيّوب الخزاز بسند تامّ قال: «سألت إسماعيل بن جعفر: متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين. قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّه ولعلّه لأجل هذا الحديث قيل ـ على ما جاء في الشرائع ـ بقبول شهادة الصبيّ إذا بلغ عشراً، ولكن قال صاحب الشرائع وعلى أيّ حال فلاعبرة بهذا الحديث; لأنّه حديث عن إسماعيل بن جعفر، وليس حديثاً عن الإمام على أنّ استشهاده بدخول النبيّ الثاني ـ ما دلّ على قبول شهادة الصبيّ في الأُمور الصغيرة: وهو ما عن عبيد ابن زرارة بسند تامّ قال: «سألت أباعبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 6 ص 275. (2) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 3 ص 252. (3) الجواهر ج 41 ص 9. | ||
![]() |
الصفحة 303 | ![]() |
فقال: على قدرها يوم أُشهد تجوز في الأمر الدون، ولا تجوز في الأَمر الكثير. قال عبيد: وسألته عن الذي يشهد على الشيء وهو صغير قد رآه في صغره ثمّ قام به بعد ما كبر، قال: فقال: تجعل شهادته خيراً من هؤلاء»(1). وأورد السيّد الخوئي على الاستدلال بهذا الحديث أقول: أمّا إجمال المتن فقد يقال: إنّ هذا إشارة إلى أمر عرفيّ; حيث إنّ العرف قد يعتمد على شهادة الصغير في الأُمور الصغيرة بما لا يعتمد عليه في الأمور الكبيرة، وهذا يختلف باختلاف درجات سنّ هذا الصغير وذكائه وقابليّته للاعتماد عليه، ولعلّ هذا هو المقصود بقوله: «على قدرها يوم أُشهد». نعم يبقى شيء من الإجمال لعدم تعيين الصغر والكبر بالتحديد، لكنّ هذا حاله حال كثير من المفاهيم العرفيّة التي تبقى مجملة في بعض المصاديق. أمّا حمل الحديث على التقيّة بالنسبة للمملوك فلا يضرّ بحجّيّته بالنسبة للصبيّ. وأمّا قوله: ـ إنّ الرواية شاذّة مهجورة ـ فإن كان إشارةً إلى اشتمالها على عدم قبول شهادة المملوك الذي جعله مقطوع البطلان، فقد عرفت أنّه مع افتراض الحمل | ||
(1) التهذيب ج 6 باب 91 البيّنات ح 55 وهو الحديث 650 وفق تسلسل كلّ أحاديث هذا المجلّد ص 252. وقد جاء في الوسائل صدر الحديث فى ج 18 باب 22 من الشهادات ح 5 ص 253، وذيله في نفس المجلد باب 21 من الشهادات ح 3 ص 251. (2) في تكملة المنهاج ج 1 ص 78. | ||
![]() |
الصفحة 304 | ![]() |
على التقيّة لا يشكّل إشكالا في المقام، وإن كان إشارةً إلى أنّ أصل قبول شهادة الصبي في الأُمور الصغيرة مهجور عند الأصحاب، فهو لايقول بكون الإعراض موجباً لانكسار السند، إلاّ إذا وصل الأَمر إلى القطع بكذب هذا الحكم، وأنّ شهادة الصبي في الأُمور الصغيرة غير نافذة، وعندئذ نكون في غِنىً أصلا عن البحث عن تعارض الأخبار بهذا الصدد وعلاجه; لعلمنا بالحكم. ولا بأس بأن يقال في المقام: إنّ ما جاء في هذا الحديث بشأن المملوك ـ من جعله كالصبيّ، والتفصيل بشأنه بين الصغير والكبير ـ أمر غير محتمل لاعند الشيعة ولاعند السنّة، ولا يعرف ما هو المقياس في تشخيص الصغير والكبير بالنسبة للمملوك، فإنّ المملوك لايختلف عن الحرّ في التمييز والفهم، والحرّيّة إن كانت شرطاً في قبول الشهادة فهي شرط تعبّدي من دون فرق في ذلك بين الشهادة في الصغير والشهادة في الكبير، وإن لم تكن شرطاً في ذلك، إذن فشهادته مقبولة في الصغير والكبير، فهذه نقطة ضعف في الرواية قد توجب سلب الوثوق عن أصل الحديث، فيسقط عن الاستدلال على نفوذ شهادة الصبيّ في الأُمور الصغيرة. وقد يقال: إنّ إطلاق الروايات الماضية قاصر عن إثبات عدم نفوذ شهادة الصبيّ في الأُمور الصغيرة; لأنّ غاية ما فيها هي نفوذ شهادة الصبيّ إذا شاهد عند الصغر ثمّ كبر وشهد، وهذا يدلّ بالمفهوم على عدم نفوذها إذا شهد قبل البلوغ، ولكنّ هذا المفهوم ـ حتى لو ثبت كونه من سنخ مفهوم الشرط، ونحن لانقول بدلالة الشرط على المفهوم بنحو القضيّة الكلّيّة ـ لايدلّ إلاّ على القضيّة الجزئيّة، والمتيقّن منها الشهادة في الأُمور الكبيرة، فيبقى احتمال نفوذ شهادته في الأُمور الصغيرة بلا دافع. إلاّ أنّه تبقى لنا دلالة القرآن الكريم في آية: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ وأدلّة شرط العدالة بناءً على دلالتها على عدم قبول شهادة الصبيّ باعتبار عدم تصوّر العدالة بشأنه، بل تبقى لنا من الروايات أيضاً ما دلّ على عدم | ||
![]() |
الصفحة 305 | ![]() |
نفوذ شهادة الصبيّ في غير القتل، وسيأتي ذكره ـ إن شاء اللّه ـ في الاستثناء الرابع. الثالث ـ ما دلّ على قبول شهادة الصبيان فيما بينهم ما لم يتفرّقوا، أو يرجعوا إلى أهلهم: وهو مارواه الصدوق باسناده عن طلحة بن زيد عن الصادق وروى الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 6 ص 253. (2) الوسائل ج 19 باب 2 من موجبات الضمان، الحديث الوحيد في باب ص 174. | ||
![]() |
الصفحة 306 | ![]() |
في مجلس فلم يذكروا اسم اللّه ـ تعالى ـ ، ولم يصلّوا على نبيّهم، إلاّ كان ذلك المجلس حسرة و وبالا عليهم»(1). ونقل ـ في نفس الجزء ص 219 ـ عن الكافي أيضاً حديث صفوان عن الحسين بن يزيد عن أبي عبداللّه إلاّ أنّ الموجود في الكافي في النسخة الموجودة عندي وهي الطبعة الجديدة في كلا الموضعين | ||
(1) هذا الحديث موجود في الوسائل ج 4 باب 3 من الذكر ح 2 ص 1180. (2) هذا الحديث موجود في الوسائل ج 4 باب 26 من الذكر الحديث الوحيد في الباب ص 1201. (3) الحديث الأوّل ورد في أصول الكافي ح 2 باب ما يجب من ذكر اللّه ـ عزّ وجلّ ـ في كلّ مجلس ص 497 ح 5، والحديث الثاني ورد في نفس الجزء باب الاستغفار ح 6 ص 505. | ||
![]() |
الصفحة 307 | ![]() |
الصادق وأمّا من حيث الدلالة: فهذا الحديث يلتقي مورده بهذا الاستثناء ـ أعني استثناء شهادة الصبيان فيما بينهم ـ إلاّ أنّنا لانعرف مدى عدم تفرّقهم، وعدم | ||
![]() |
الصفحة 308 | ![]() |
رجوعهم إلى أهلهم، ويلتقي مورده أيضاً بالاستثناء الآتي ـ أعني استثناء الشهادة بالقتل ـ إذن لانعلم هل أنّ نظر الإمام الرابع ـ ما دلّ على قبول شهادة الصبي في القتل بأخذ أوّل كلامه، كما ورد بسند تامّ عن جميل قال: «قلت لأبي عبداللّه ـ عليه اللّه ـ تجوز شهادة الصبيان؟ فقال: نعم، في القتل يؤخذ بأوّل كلامه ولا يؤخذ بالثاني منه»(1). وماورد بسند تامّ عن محمّد بن حمران، قال: «سألت أباعبداللّه وما عن جميل بسند فيه سهل بن زياد قال: «سألت أباعبداللّه وهناك حديث قيّد قبول شهادة الصبيان في القتل بما إذا لم يوجد غيرهم، وهو ما عن محمّد بن سنان عن الرضا | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 1 ص 252. (2) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 2 ص 252. (3) نفس المصدر ح 4 ص 253. | ||
![]() |
الصفحة 309 | ![]() |
ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم»(1). وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً سنداً إلاّ أنّه يمكن إثبات نتيجته بمقتضى القاعدة، وذلك بأنْ يقال: إنّه إذا شهد الصبيان بالقتل: فإمّا أن يوجد شهود من البالغين وفق شهادتهم، أو يوجد شهود من البالغين على خلاف شهادتهم، أولا يوجد شهود من البالغين. فعلى الثالث تُمضى شهادة الصبيان ـ سواء اشترطنا عدم وجود غيرهم أوْلا ـ فإنّ المفروض عدم وجود غيرهم بالفعل، وعلى الأوّل لاثمرة لنفوذ شهادة الصبيان وعدمه لوجود الشهود من البالغين حسب الفرض، وعلى الثاني بالإمكان القول بأنّ المتبادر إلى ذهن العرف ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ أنّ نفوذ شهادة الصبّي في القتل إنّما هو لأجل أن لايبطل دم امرىء مسلم، لا لأجل أنّ شهادة الصبيّ في مورد القتل خالية عن الضعف الموجود في سائر الموارد في شهادة الصبيان، ومع هذا الفهم يكون دليل نفوذ شهادة الصبىّ منصرفاً عرفاً إلى فرض عدم المعارضة بشهادة الكبار، أو إلى فرض عدم إمكان تحصيل شهادة من قبل الكبار. ثمّ إنّ صاحب الجواهر | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 24 من الشهادات ح 50 ص 269. | ||
![]() |
الصفحة 310 | ![]() |
به...»(1). إلاّ أنّ هذا الكلام لاوجه له; لوضوح أنّ قصّة علىّ ثمّ إنّ توسيع الحكم لما يشمل الشهادة على الجرح مّما لاوجه له، فإنّ احتمال اختصاص الحكم بالقتل تحسّباً لاحتمالات بطلان دم المسلم ـ لو لم نأخذ بشهادة الصبىّ ـ وارد. وأغرب منه تخصيص الحكم بالجراح كما جاء في الشرائع، وقد قيّده ببلوغ العشر، وبقاء الاجتماع، وكون الاجتماع على مباح. والقيد الثالث لادليل عليه، والقيد الثاني ورد في استثناء عنوان آخر، وهو عنوان الشهادة على ما بينهم لاخصوص القتل، والقيد الأوّل ورد كاستثناء مستقلّ، وقد مضى عدم تماميّة دليله. والجراح لادليل على قبول شهادة الصبيان فيها. بقي الكلام في أنّه هل الحكم يشمل الصبيّة، أو يختصّ بالضبىّ المذكّر؟ قد يقال: إنّ كلمة الصبىّ ككلّ الصيغ المشتقّة للمذكّر تستعمل أيضاً للجامع بين المذكّر والمؤنّث، فحينما يراد التعبير عن الجامع يعبَّر بصيغة المذكّر لابصيغة المؤنّث، كما هو واضح. إذن فالروايات الواردة في هذا الاستثناء أو في الاستثناء الثالث أو الثاني | ||
(1) راجع الجواهر ج 41 ص 13 و 14 | ||
![]() |
الصفحة 311 | ![]() |
تشمل بإطلاقها الصبىّ والصبيّة. ويمكن الردّ على هذا البيان، وتوضيح اختصاص الحكم بالصبىّ المذكّر بأحد بيانين: الأوّل ـ أنّ هذه الروايات إنّما هي بصدد الاستثناء من شرط البلوغ، أمّا سائر الشرائط فالمرجع في اشتراطها وعدمه مدى إطلاق أدلّتها لاهذه الروايات، ففي المورد الذي تشترط الذكورة ولاتُقبل فيه شهادة النساء، لاتُقبل فيه أيضاً في مورد الاستثناء شهادة الصبيّات، وإلاّ فهل يقال: بقبول شهادة الصبيّات، وعدم قبول شهادة النساء في تلك الموارد؟! أو هل ترفع اليد عن شرط الذكورة، وتقبل شهادة النساء أيضاً في موارد الاستثناء؟! وهذا البيان يختصّ بخصوص موارد عدم قبول شهادة النساء. الثاني ـ أنّ صيغة المذكّر من المشتقّات، تستعمل في الجامع وتستعمل في خصوص المذكّر، والقرائن ومناسبات المقام هي التي تعيّن أحد المعنيين، ولاقرينة أو مناسبة تعيّن إرادة الجامع في المقام، فإنّ احتمال الفرق بين الصبىّ والصبيّة وارد لامحالة; إذن ففي الصبيّة نرجع إلى إطلاقات اشتراط البلوغ. وهذا البيان أوسع نتيجة من البيان السابق; لأنّه يشمل حتى الموارد التي تقبل فيها شهادة النساء. العقلالشرط الثاني ـ هو العقل. فالمجنون لاتقبل شهادته بلاخلاف، فإذالم يكن مُطبَقاً قبلت شهادته في حال الإفاقة عملا بالإطلاقات، ويلحق بالمجنون الأبله الذي لايعتمد عادة على شهادته، وكذلك كثير الخطأ و النسيان، كلّ هذا لأنصراف الأدلّة، أو للقطع بالحكم. | ||
![]() |
الصفحة 312 | ![]() |
الإيمان أو الإسلامالشرط الثالث ـ الإيمان ـ بمعنى كونه شيعيّاً اثني عشريّاً ـ أو الإسلام: شرط الإسلام:امّا شرط الإسلام فهو من ضروريات الفقه، فلا تقبل شهادة الكافر بحقّ المسلم ولو كان عدلا في مذهبه وفرض قاصراً في خطئه الاعتقادىّ، ويدلّ عليه قوله ـ تعالى ـ: ﴿شهادةُ بينِكُم إذا حَضَرَ أحدَكُمُ الموت حينَ الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخَران من غيركم...﴾ (1). والمقصود بقوله منكم هو المسلمون لاالناس بشكل مطلق; بقرينة قوله: ﴿أو آخَران من غيركم﴾. ودلالة ذيل الآية على قبول شهادة غير المسلم في الوصيّة عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم لاتنسحب إلى سائر الموارد. نعم دلالة ذيل الآية على قبول شهادة الكافر في الوصيّة عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم، تجعلنا لانستطيع أن نتعدّى من دلالة صدر الآية على شرط الإسلام في الشهادة على الوصيّة إلى سائر الموارد في فرض العجز عن تحصيل شهادة المسلم. وهذه الملاحظة موجودة - أيضاً - في الاستدلال على شرط الإسلام بالروايات الواردة في تفسير الآية الكريمة، من قبيل ما ورد بسند تامّ عن أحمد بن عمر قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾، قال: «اللذان منكم مسلمان، واللذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم يجد من | ||
(1) السورة 5 المائدة الآية 106. | ||
![]() |
الصفحة 313 | ![]() |
أهل الكتاب فمن المجوس; لأنّ رسول اللّه وقد يُقال: إنّ شهادة الكتابيّ أو خصوص الذميّ تنفذ في كلّ الموارد عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم، لا في خصوص الوصيّة، وذلك لأنّ المطلقات الّتي سنشير إليها لإثبات شرط الإسلام في الشهادة مقيّدة بما ورد بسند تامّ عن عبيد اللّه ابن عليّ الحلبيّ. قال: «سألت أبا عبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 2 ص 287. (2) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 1 ص 287. وورد أيضاً في الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 3 ص 390 عن الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام كالتالي: قال: «سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم، جازت شهادة غيرهم; إنّه لايصلح ذهاب حق أحد». | ||
![]() |
الصفحة 314 | ![]() |
جازت شهادتهم على الوصيّة; لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(1). والحديثان وإن كانا مثبتين، لكن يُقيّد الأوّل بالثاني، لعلمنا بوحدة الحكم بعد فرض حمل الحديث الأول على ما نحن فيه. ووحدة الحكم توجب حمل المطلق على المقيّد حتى في الشموليين. والحكم الواحد إمّا أن يكون أُخذ في موضوعه قيد الوصيّة، أو لم يُؤخذ، فيتنافيان فيقيّد المطلق بالمقيّد. نعم، لو كان قيد الوصيّة مذكوراً في كلام السائل، لاحتملنا كون تطبيق الحكم على مورد الوصيّة من قبل الإمام تطبيقاً للحكم على مصداق من مصاديق الموضوع من دون دخل هذا القيد في الموضوع، لكن تصدّي الإمام لايُقال: إنّ مقتضى التمسّك بعموم العلّة الواردة في قوله: «لأنّه لايصلح ذهاب حق أحد» أنّ الحكم عامّ لايختصّ بباب الوصيّة. فإنّه يُقال: إنّ التعليل الموجب للتعدّي هو التعليل بصفة مشتركة بين موضوع الحكم والمتعدّى إليه، لاستظهار العرف أنّ تلك الصفة هي الموضوع وليس المتعدى منه، كما في مثل (لاتأكل الرّمان لأنّه حامض) حيث نتعدّى إلى كلّ حامض، أو (لاتشرب الخمر لأنّه مسكر) حيث نتعدّى إلى كلّ مسكر، لا التعليل بحكمة ليست وصفاً للموضوع، بل كانت نتيجة من نتائج العمل بالحكم، كأن يُقال مثلا: إنّ اللّه أوجب الزكاة لأنّها ترفيهٌ على الفقراء بفضل مال الأغنياء، فيتعدى إلى كلّ عطاء فيه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، و ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391، وورد نظيره أيضاً في نفس الباب ح 1 ص 390 عن ضريس الكناسي، إلاّ أنه لادليل على وثاقة ضريس الكناسي، إلاّ بناءً على انصرافه إلى ضريس بن عبدالملك الكناسي الذي ورد توثيقه في رجال الكشّي. | ||
![]() |
الصفحة 315 | ![]() |
ترفيه على الفقراء بفضل مال الأغنياء، أو يُقال مثلا: (صوموا حتى تصحّوا)، فيثبت بذلك وجوب كلّ ما يؤثّر في صحّة البدن، أو يُقال: ﴿ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى، فللّه. وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل; كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم﴾ (1)، فيُقال: متى ما تجمّع مال كثير لدى أحد يجب توزيعه وتفتيته; كي لا يكون دولة بين الأغنياء، ونحو ذلك، فالتعليل بملاك مّا لايعني أنّ ذاك الملاك أينما وجد سرى الحكم; إذ نحتمل أنّ المولى لم يهتمّ بذاك الملاك، إلاّ بمقدار الحكم المعلَّل، ولو لمانع في غير مورد الحكم، وإنّما نتعدّى في مورد التعليل بالصفة المشتركة بين موضوع الحكم وشيء آخر، وذلك لاستظهار العرف كونها هي الموضوع، لا ما فيه الصفة. وما نحن فيه من القسم الثاني لا الأوّل، فقوله: (لا يصلح ذهاب حقّ أحد) ملاك للحكم، لاموضوع له، وفرق كبير بين التعليل بوصف من أوصاف ونحو ذلك الموضوع، التعليل بفائدة من فوائد الحكم، والأوّل هو الذي يوجب التعدّي دون الثاني. نعم، قد تقتضي المناسبة والارتكاز عدّ شيء موضوعاً، ولو ذكر بصيغة الملاك، من قبيل (لا تشرب الخمر كي لاتسكر) فإنّ العرف يفهم منه بمناسبات الحكم والموضوع والارتكاز معنى (لا تشرب الخمر لأنّه مسكر). ثمّ إنّه رغم ما ذكرناه من كون شرط الإسلام في الشاهد من ضروريّات الفقه نحن بحاجة إلى التفتيش عن إطلاق يدلّ على ذلك; كي يفيدنا في مورد قد يُشكّ فيه، فإنّ كون أصل القضيّة في الجملة من ضروريات الفقه لاينافي الشكّ في بعض الموارد. فمثلا لو شككنا في نفوذ شهادة غير المسلم في باب القضاء عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم، أمكن التمسّك بذاك الإطلاق لو كان. والظاهر وجود إطلاق من هذا القبيل متمثّل ببعض الروايات، من قبيل | ||
(1) سورة الحشر الآية 7. | ||
![]() |
الصفحة 316 | ![]() |
مامضى عن سماعة، ومن قبيل ما ورد بسند تامّ عن أبي عبيدة عن أبي عبداللّه ومن قبيل ما عن حريز بسند تامّ عن أبي عبداللّه وعلى أيّ حال، فتكفينا تماميّة الإطلاق في بعض الروايات كما عرفت. ولو لا خروج الوصيّة بالدليل، لكنّا نقول بمقتضى إطلاق ما مضى من حديث أبي عبيدة، أنّ شهادة الكافر لاتنفذ بشأن المسلم، ولو مع العجز عن تحصيل شهود مسلمين حتى في الوصية، ولكنّ الوصيّة خرجت بنصّ القرآن الكريم - كما عرفت | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 38 من الشهادات ح 1 ص 284. (2) الوسائل ج 18 باب 39 من الشهادات الحديث 2 ص 285. (3) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 18 ص 293 و 294. | ||
![]() |
الصفحة 317 | ![]() |
- ولو كنّا والآية فقط، لخصّصنا الاستثناء بما إذا لم ينكر بعض الورّاث فرض وجود الوصيّة، بأن يدّعي من لم تتمّ فيه شرائط البيّنة أنّه كان حاضراً مجلس الموت ولم يوص الميّت بشيء، وأنّ البيّنة الكافرة كاذبة، وذلك لعدم إطلاق في الآية يشمل هذا المورد لابلحاظ صدر الآية، ولا بلحاظ ذيلها: أمّا صدرها فإنّما دلّ على الأمر بإشهاد آخرين من غير المسلمين ونحن عرفنا بالالتزام نفوذ شهادتهما كي لايلغو إشهادهما. وهذا - كما ترى - لا إطلاق له; إذ يكفي في عدم لغويّة الإشهاد نفوذ الشهادة في الجملة. وامّا ذيلها. فقد دلَّ على نفوذ الشهادة بعد التقييد باليمين إذا كان هناك ارتياب، أمّا اذا كان هناك القطع بالكذب من قبل بعض الورّاث، فهو مسكوت عنه في الآية الكريمة. ولكن لايبعد الإطلاق في بعض الروايات لهذه الحالة من قبيل مامضى من حديث سماعة، ومن قبيل ما ورد - بسند تامّ - عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه وعلى أيّ حال، فلاإشكال في شرط الإسلام في نفوذ شهادة الشاهدبشأن المسلم. شرط الإيمان:والآن يجب أن نرى هل يكفي الإسلام، أو لابدّ من شرط الإيمان بان يكون شيعيّاً اثني عشريّاً؟. عمدة الدليل على شرط الإيمان بالمعنى الخاصّ وجوه: الأوّل: دعوى الإجماع، بل قال في الجواهر: «لعلّه من ضروريّات المذهب | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287. | ||
![]() |
الصفحة 318 | ![]() |
في هذا الزمان»(1). إلاّ أنّ الإجماع إن كان، فلا أقلّ من احتمال كون بعض الوجوه التي ذكرت في المقام مدركاً له، فلا عبرة به، أمّا كونه من ضروريّات المذهب في هذا الزمان، فلانفهمه، فإنّ ما تدلّ عليه ضرورة المذهب بحيث لايمكن أن نحتمل خطأه، يجب أن تدلّ عليه ضرورة المذهب من أوّل الزمان القريب من عصر تشريع المذهب لا ضرورة المذهب في هذا الزمان. الثاني - دعوى الفسق بشأن غير المؤمن، فلا تقبل شهادته; للفسق وعدم العدالة. وهذا الوجه أيضاً قابل للمناقشة، وذلك بافتراض شهود من المسلمين غير الشيعة عدول في مذهبهم، مع افتراض اعتقادهم بصحّة مذهبهم، حتى ولو كانوا مُقصّرين في الأصل في تحصيل هذا الاعتقاد; باعتبار تقصيرهم في الفحص مثلا فإنّ هذا التقصير الابتدائي، وإن كان ينجّز عليهم استحقاق العقاب على خطئهم الحالي رغم قطعهم بعدم الخطأ; باعتبار أنّ الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار مثلا، لكن هذا لاينافي صدق عنوان العدل عليه فعلا، باعتباره غير متلبّس إلاّ بما يقطع بصحّته، ولامعنى للردع عن القطع. الثالث - ما ورد بسند تامّ عن عبداللّه بن المغيرة، قال: «قلت لأبي الحسن الرضا وذلك بدعوى أنّه لايحتمل أن يكون المقصود بهذا الحديث تصحيح شهادة | ||
(1) الجواهر ج 41 ص 16. (2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 5 ص 290. وح 21 ص 295. | ||
![]() |
الصفحة 319 | ![]() |
الناصبيين; إذن فالمقصود بقوله: «عرف بالصلاح في نفسه» أن يكون معروفاً بالصلاح لا في عمله فحسب، بل حتى في مذهبه; كي يخرج بذلك الناصبيّ. ومن الواضح أنّ غير المؤمن الاثني عشريّ ليس صالحاً في مذهبه. وهذا أيضاً قابل للنقاش، فإنّ النصب عمل محرّم حتى ولو لم يعتقد الشخص بإمامة أئمّة أهل البيت الرابع - ما عن أميرالمؤمنين وفيه: أنّ هذا الحديث رواه صاحب الوسائل عن كتاب تفسير الإمام الحسن العسكري الخامس - التشكيك في وجود إطلاق يدل على حجّيّة شهادة غير المؤمن بالمعنى الخاصّ، ومعه يرجع إلى أصالة عدم الحجّيّة ففي مثل قوله - تعالى -: ﴿ذوا عدل منكم﴾ | ||
(1) السورة 2 البقرة الآية 282. (2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 23 ص 295. (3) السورة 5 المائدة الآية 106. (4) السورة 2 البقرة الآية 282. | ||
![]() |
الصفحة 320 | ![]() |
صيغ بصياغة الخطاب، يحتمل أن يكون الخطاب إلى المؤمنين، لا إلى عموم المسلمين، وإن كان وقت نزول الآية لم يكن موضوع للخلاف في إمامة أئمّة أهل البيت - عليهم سلام اللّه -، فأنّ هذا يعني أنّ عدم الاعتراف بإمامتهم وقتئذ لم يكن يضرّ بإيمان الشخص، ولايعني التأكّد من شمول الخطاب لكل مسلم وإن لم يكن مؤمناً، ومثل قوله: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين»(1)، ممّا كان بصدد بيان نفوذ شهادة المسلم على أهل ملّة أُخرى... ليس بصدد بيان شرائط البيّنة من سائر الجهات، كي يتمّ فيه إطلاق، وإنّما هو بصدد بيان الفرق بين المسلم وغير المسلم بنفوذ شهادة المسلم على غيره دون العكس، ومثل قوله: «فيهودي أُشهد على شهادة ثمّ أسلم، أتجوز شهادته؟ قال: نعم» وقد يقال: إنّ عدم تماميّة الإطلاق فى المقام لايكفي للبناء على عدم حجّيّة شهادة غير المؤمن بالمعنى الخاصّ، بل نبقى مترّددين بين المتباينين من حجيّة البيّنة وحجّيّة يمين المنكر. وقد يجاب على ذلك: بأنّ استصحاب عدم حجّيّة شهادة غير المؤمن ينقّح موضوع اليمين; بناءً على أنّ موضوعه هو عدم البيّنة الحجّة بما هي حجّة، لاعدم ذات البيّنة التي تكون حجّة. والصحيح وجود الإطلاق في المقام وذلك: | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 38 من الشهادات ح 1، ص 284. (2) الوسائل ج 18 باب 39 من الشهادات ح 2 ص 285. | ||
![]() |
الصفحة 321 | ![]() |
أوّلا ـ لخلوّ بعض الإطلاقات عن تمام الإشكالات التي أشرنا اليها حتّى في بادىء النظر، كقوله: «... إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعاً...»(1). وثانياً ـ أنّ ما مضى من الإشكال على إطلاق مثل قوله: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين» ـ من أنّها ليست بصدد بيان شرائط البيّنة من سائر الجهات غير نفوذ شهادة المسلمين على باقي الملل دون العكس ـ غير وارد، وذلك لأنّ شهادة السنّيّ مثلا إن لم تنفذ على الشيعىّ، فلا إشكال في نفوذها على السنّيّ; إذ ليس بأدْوَن من شهادة اليهودىّ على اليهودىّ مثلا. فلو قلنا بشرط الإيمان فإنّما هو بمعنى أنّ السنّيّ والشيعىّ بمنزلة ملّتين، فمن هذا الباب لاتنفذ شهادة السنّيّ على الشيعىّ، وهذا الحديث من زاوية شهادة بعض أهل الملل على بعض بصدد البيان، فإطلاقه بهذا المقدار تامّ، وتراه قد فرض المسلمين ملّة واحدة لاملّتين، أو عدة ملل، فمقتضى إطلاقه أنّ شهادة المسلم نافذة من أىّ مذهب كان من مذاهب الإسلام لوكان باقي الشرائط ثابتاً فيه. ولكن بالإمكان الجواب على هذا الوجه بأنّ الحديث إنّما فرض المسلمين ملّة واحدة في مقابل الكفار، أمّا كونهم فيما بينهم ملة واحدة بحيث تنفذ شهادة السنّيّ على الشيعىّ فغير معلوم، فغاية ما يدلّ عليه الحديث نفوذ شهادة السنّيّ على الكافر. وثالثاً ـ أنّ ما مضى من الإشكال على مثل قوله: «فيهودي أُشهد على شهادة ثم أسلم...» ممّا دلّ على كفاية الإسلام حين أداء الشهادة من أنّه ليس بصدد بيان سائر الشرائط، فلا يدلّ على نفي باقي الشرائط غير صحيح، وذلك لأنّ الإيمان أخصّ من الإسلام، فالمسلم قد يؤمن بولاية أئمّة أهل البيت | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 18 ص 293 و 294. | ||
![]() |
الصفحة 322 | ![]() |
وقد لايؤمن، ولكن غير المسلم لايمكن أن يؤمن بولاية أئمّة أهل البيت ورابعاً: أنّ الأحاديث الدالّة على كفاية الإسلام حين أداء الشهادة ما ظاهره كونه بصدد بيان سائر الشرائط، كما ورد بسند تامّ عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 39 من الشهادات ح 1 ص 285. | ||
![]() |
الصفحة 323 | ![]() |
شهادة السنّي على السنّيبقي الكلام في ما أشرنا إليه ضمناً من أنّه حتّى لو لم نقبل شهادة السنّيّ على الشيعىّ لاينبغي الإشكال في قبول شهادة السنّيّ على السنّيّ، إمّا لاختصاص الوجه الموجب لعدم قبول شهادته بما إذا كانت الشهادة على الشيعىّ دون ما إذا كانت الشهادة على السنّىّ، كما إذا كان الوجه في ذلك هو الإجماع، فإنّ القدر المتيقّن منه ذلك، أو للتعدّي من مثل قبول شهادة اليهوديّ على اليهودىّ، لعدم احتمال الفرق عرفاً. نعم لو قلنا: بأنّ عدم نفوذ شهادة السنّىّ يكون من باب الفسق، فقد يُقال: إنّ هذا يعني عدم نفوذ شهادته حتى على السنّيّ; لأنّ شهادة الفاسق لاتنفذ حتى على الفاسق. إلاّ أنّ هذ الكلام غير صحيح، فإنّ اليهودىّ أيضاً فاسق بالمعنى الذي يكون السنّيّ فاسقاً، أي أنّه فاسق في العقائد، وقد دلّ الدليل على نفوذ شهادته بشأن اليهودىّ، وبعد عدم احتمال أسوئيّة السنّيّ من مثل اليهودىّ عرفاً، نفهم من مثل ذاك الدليل قاعدة عامّة: وهي أنّ الفسق العقائديّ لايضرّ بنفوذ الشهادة بشأن من كان مثله في ذاك الفسق، أي أنّه يعتنق نفس مذهبه الفاسد. على أنّه قد يُقال في المقام بأنّ نفوذ شهادة السنّىّ على السنّىّ هو مقتضى إلزامهم بما التزموا. وروايات الإلزام بما التزموا موجودة في الوسائل، بعضها في المجلد (15) باب (30) من مقدمات الطلاق، وبعضها في المجلد (17) باب (4) من ميراث الإخوة والأجداد، وتلك الروايات وإن كانت جملة منها خاصّة بموردها من البناء على طلاق العامّة الذي هو غير صحيح عندنا، أو البناء على | ||
![]() |
الصفحة 324 | ![]() |
التعصيب في الإرث، ولكنّ بعضها وارد بلسان مطلق يمكن استفادة القاعدة العامّة منه. قاعدة (إلزامهم بما التزموا):ولنقتصر على ذكر الروايات التي يمكن استفادة القاعدة العامّة منها وهي كمايلي: 1 - ما عن عبداللّه بن محرز ـ ولم تثبت وثاقته ـ قال: «قلت لأبي عبد الله 2 - ما عن أيّوب بن نوح بسند غير تامّ قال: «كتبت إلى أبي الحسن وهذان الحديثان ـ كما ترى ـ مختصّان بالمورد الذي يكون الشيعىّ مجبوراً على متابعة السنّة حينما يكون الحكم عليه، فأجاز الإمام | ||
(1) الوسائل ج 17 باب 4 من ميراث الإخوة والأجداد ح 1 و 2 ص 484. (2) نفس المصدر ح 3. | ||
![]() |
الصفحة 325 | ![]() |
3 - ما ورد عن الحسين بن أحمد المالكيّ عن عبداللّه بن طاووس ـ ولم تثبت وثاقتهما ـ قال: «قلت لأبي الحسن الرضا 4 ـ ما ورد بسند غير تامّ عن جعفر بن محمد الأشعري عن أبيه عن الرضا 5 ـ ما ورد بسند غير تامّ عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر 6 ـ ما رواه الشيخ بسنده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن عبداللّه بن جبلّة قال: «حدثني غير واحد من أصحاب علىّ بن أبي حمزة عن عليّ بن أبي حمزة أنّه سأل أبا الحسن | ||
(1) الوسائل ج 15 باب 30 من مقدّمات الطلاق ح 11 ص 322. (2) الوسائل ج 15 باب 30 من مقدمات الطلاق ح 10 ص 322. (3) الوسائل ج 17 باب 4 من ميراث الاخوة والأجداد ح 4 ص 484. | ||
![]() |
الصفحة 326 | ![]() |
قلت: وأىّ شيء روى علىّ بن أبي حمزة؟ قال: روى عن أبي الحسن وأمّا من حيث الدلالة، فالمتن الأوّل لا إطلاق فيه، إذ قال: «ألزموهم من ذلك ـ يعني من مسألة الطلاق ـ ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهنّ فلا بأس بذلك». | ||
(1) التهذيب ج 8 ح 190 ص 58، والوسائل ج 15 باب 30 من مقدمات الطلاق ح 5 و 6 ص 321. (2) التهذيب ج 9 ح 1156 ص 322، والوسائل ج 17 باب 4 من ميراث الإخوه والأجداد ح 5 ص 485. | ||
![]() |
الصفحة 327 | ![]() |
فلعلّ قاعدة الإلزام خاصّة بباب الطلاق ونكاح المطلّقة. نعم لايخلو قوله: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم» من إشعار بالقاعدة العامّة، إلاّ أنّه لايتجاوز الإشعار، ولايصل إلى مستوى الظهور في الإطلاق، والمتن الثاني مطلق، ولكن الاطمئنان بوحدة الحديثين قد يضرّ بالتمسّك بالإطلاق، إلاّ إذا قيل: بأنّه يحتمل أن نصّ كلام الإمام شهادة الكافر في الوصيّة:بقي الكلام في أُمور راجعة إلى مسألة نفوذ شهادة غير المسلم بشأن المسلم في الوصيّة عند عدم وجدان شهود مسلمين: شهادته في الوصية بغير المال:الأوّل ـ هل الحكم مخصوص بالشهادة في المال، أو يشمل مثل تعيين الوصىّ على أولاده غير البالغين مثلا؟ ذكر السيّد الخوئي: أنّ جماعة منهم الشهيد والصحيح: أنّ الحكم يعمّ الثاني لإطلاق الأدلّة، ولم نظفر برواية مشعرة بالاختصاص، ولعلّ الأردبيليّ | ||
![]() |
الصفحة 328 | ![]() |
سماعة(1) من تعليل الحكم بأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد، ولكنْ من الظاهر أنّ حقّ الوصاية من حقوق الميّت، فلا يصلح ذهابه شرط الذميّة أو الكتابية:الثاني ـ هل يشترط في الشاهد أن يكون ذميّاً، أو كتابياً، أوْلا؟ مقتضى إطلاق الآية، هو عدم اشتراط الذّميّة و لاالكتابيّة، وكذا إطلاق بعض الروايات من قبيل ما ورد بسند تامّ عن هشام بن الحكم، أو هشام بن سالم، عن أبي عبداللّه إلاّ أنّه قد ورد ما دلّ على تخصيص الحكم بالكتابيّ، وهو ما عن أحمد بن عمر بسند تامّ قال: «سألته عن قول اللّه ـ عزّ و جلّ ـ: ﴿ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾، قال: اللّذان منكم مسلمان، واللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم يوجد من أهل الكتاب، فمن المجوس; لأنّ رسول اللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، وج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391. (2) مباني تكملة المنهاج / ج 1 / ص 82 (3) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصيّة ح 2 ص 391 و ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287. | ||
![]() |
الصفحة 329 | ![]() |
فرجلان من أهل الكتاب»(1)، ونحوه ما ورد عن يحيى بن محمد ـ ولم تثبت وثاقته ـ عن أبي عبداللّه والمجوسىّ في حكم الكتابيّ; لما مضى في حديث أحمد بن عمر من أنّ رسول اللّه والمجوس قد يختلفون عن اليهود والنصارى فيما قد يقال من أنّه ليس لهم كتاب سماويّ بالفعل ولو محرّفاً، إلاّ أنّه ورد في روايات غير تامّة السند أنّه كان لهم نبيّ فقتلوه، وكتاب فأحرقوه وورد بسند تامّ عن زرارة قال: «سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال: هم | ||
(1) الوسائل، ج 18، باب 40 من الشهادات ح 2 ص 287. (2) الوسائل ج 13 باب 20 من احكام الوصايا ح 6 ص 392. (3) راجع الوسائل ج 11 باب 49 من جهاد العدو، وج 19 باب 14 من ديات النفس ح 4 ص 163. | ||
![]() |
الصفحة 330 | ![]() |
من أهل الكتاب، ومجراهم مجرى اليهود والنصارى من الحدود والديات»(1). وورد أيضاً بسند تامّ عن سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه أمّا ما ورد بسند تامّ عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي في قصّة أُناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد، وفيه عن لسان أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 19 باب 13 من ديات النفس ح 11 ص 162. (2) نفس المصدر ح 7 ص 161. | ||
![]() |
الصفحة 331 | ![]() |
واشتراطه من أهل الكتاب، فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟ قال: نعم. قال: عمّن أخذت ذا؟ قال: سمعت الناس يقولون. قال: فدع ذا...)(1). فهذا محمول على نفي الكتاب السماويّ لهم فعلا، فهو وعلى أيّ حال فالمجوسيّ محكوم بحكم الكتابي في الحدود والديات; لروايات تامّة السند أحدهما - مامضى من حديث أحمد بن عمر التامّ سنداً; حيث جاء فيه أنّ رسول اللّه والثاني - ما ورد بسند غير تامّ عن عليّ بن عليّ بن دعبل عن عليّ بن موسى الرضا | ||
(1) الوسائل ج 11 باب 9 من جهاد العدو ح 2 ص 29. (2) راجع الوسائل ج 19 باب 13 وباب 15 من ديات النفس. (3) الوسائل ج 11 باب 49 من جهاد العدو. (4) نفس المصدر ح 4. | ||
![]() |
الصفحة 332 | ![]() |
«سُنّوابهم سُنّة أهل الكتاب» يعني المجوس(1). وعلى أيّ حال فقد عرفت أنّه يشترط في الكافر الذي يشهد للوصية كونه كتابيّاً. أمّا شرط الذمّيّة فقد أنكره السيد الخوئي في كتابه. وقد جاء ذكر الذمّيّة في ثلاث روايات: الأولى - مامضى من حديث الحلبي قال: «سألت أباعبداللّه | ||
(1) نفس المصدر ح 9 ص 98. (2) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 1 ص 287. (3) ج 3 ح 84 ص 29. (4) ج 7 كتاب الوصايا باب الإشهاد على الوصيّة ح 2 ص 4. | ||
![]() |
الصفحة 333 | ![]() |
شهادة غيرهم; إنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(1). والظاهر وحدة الحديثين بقرينة اتّحاد المتن تقريباً، واتّحاد الإمام المنقول عنه، واتّحاد ثلاثة وسائط متتالية من الطرف المتصل بالإمام; حيث رواه الصدوق بإسناده عن عُبيداللّه بن عليّ الحلبيّ وإسناده إليه - على ما جاء في مشيخته - هو أبوه ومحمد بن الحسن - رضي اللّه عنهما - عن سعد بن عبداللّه والحميريّ جميعاً عن أحمد وعبداللّه ابني محمد بن عيسى عن محمد بن أبي عُمير عن حماد بن عثمان عن عُبيداللّه بن عليّ الحلبيّ، وأيضاً أبوه ومحمد بن الحسن وجعفر بن محمد بن مسرور عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمّه عبداللّه بن عامر عن محمد بن أبي عُمير عن حماد بن عثمان عن عبد اللّه بن عليّ الحلبيّ. إذن فسند الصدوق وسند الكليني متّحدان من الطرف المتصل بالإمام في ابن أبي عُمير وحمّاد والحلبيّ بفرق أن الكليني عطف على الحلبيّ محمد بن مسلم. الثانية - مامضى من حديث سماعة، قال: «سألت أباعبداللّه الثالثة - ما عن حمزة بن حمران عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 3 ص 390. (2) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، وج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391. (3) المائدة: 106. | ||
![]() |
الصفحة 334 | ![]() |
بأرض غربة، فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيّة فلم يجد مسلمين، فليشهد على وصيّة رجلين ذمّيّين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما»(1). وأورد عليه السيّد الخوئيّ أقول: إنّ حمزة بن حمران قد روى عنه ابن أبي عُمير وصفوان بن يحيى، فبهذا تثبت على مبناناوثاقته، وعليه فيتعيّن شرط الذمّيّة في المقام خلافاً لما ذكره السيّد الخوئيّ; حيث قال: «إنّ المذكور في كلمات غير واحد من الفقهاء اعتبار كون الشاهد ذمّيّاً، بل ادّعي عليه الإجماع، ولم نعرف له وجهاً ظاهراً...» اشتراط موته في السفر:الثالث - هل يشترط في نفوذ شهادة الكتابيّ كون المسلم قد حضره الموت في السفر، أو أنّ المقياس هو عدم وجود الشاهد المسلم حتى لو كان في الحضر؟ ذكر السيّد الخوئي | ||
(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 7 ص 392. (2) مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 83. (3) نفس المصدر ص 84. (4) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 2 ص 287. | ||
![]() |
الصفحة 335 | ![]() |
مسلمين...)، وكذلك مامضى من حديث هشام بن الحكم في أحد نقليه(1)، وأيّد ذلك بمامضى من حديث حمزة بن حمران ثمّ أشكل على نفسه بأنّه قد يُقال: إنّ التعليل الوارد في حديث الحلبيّ وأجاب على ذلك: بأنّه لايمكن الأخذ بإطلاق التعليل; للجزم بعدم قبول شهادة غير المسلم على المسلم في غير الوصيّة مطلقاً، فالحكم لايدور مدار العلّة قطعاً، ومعه لاموجب لرفع اليد عن ظهور القيد في الآية والروايات الأُخرى في اشتراط قبول الشهادة بما إذا كان الموصي بأرض غربة. | ||
(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 4 ص 391، و ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287. وقد يفسر أحد النقلين وهو قوله: «إذا كان الرجل في بلد ليس فيه مسلم» بإرادة بلد الغربة بقرينة النقل الآخر، وهو قوله: «إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم»، وقد يُقال: ليس هذا أولى من العكس بحمل أرض الغربة على المثاليّة، فهذا الحديث مجمل. (2) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 7 ص 392. (3) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 1 ص 287، والوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 3 ص 390. (4) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، والوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391. | ||
![]() |
الصفحة 336 | ![]() |
أقول: لعلّه يقصد أنّنا لو حملنا التعليل على المعنى العامّ لزم تخصيص الأكثر، وإلاّ فمجرد خروج مورد عن عموم التعليل بالقطع لايستلزم عدم التمسّك به في مورد الشّك. وعلى أىّ حال فقد مضى منّا بيان أنّ هذا ليس تعليلا بوصف ثابت لمورد الحكم كي يفيد العموم والإطلاق، بل هو ذكر لحكمة و مصلحة مترتّبة على الحكم، وقلنا: إنّ هذا لايفيد عموماً أو إطلاقاً. إلاّ أنّ حديث سماعة بنفسه مطلق في المقام بلاحاجة إلى التمسّك بعموم التعليل; حيث قال: «سألت أبا عبداللّه ولعلّ السيّد الخوئىّ يقصد أنّ الآية و الروايات الأُخرى تقّيد هذا الإطلاق بناءً على أنّه إذا تعارض المفهوم و إطلاق المنطوق، قُدّم المفهوم على الإطلاق، وبدعوى أنّ هذا لايتأتّى في عموم التعليل لقوّة إطلاقه، فهو الذي يتقّدم على المفهوم، أمّا إذا لم نقل بذلك، وقلنا: إنّ المفهوم يتقدّم على إطلاق المنطوق لأخصّيّته ولو كان الإطلاق مستفاداً من التعليل، فنقاشه في مسألة عموم التعليل يبقى بلا فائدة; لأنّ الحديث ـ كما قلنا ـ مشتمل على الإطلاق سواء نظرنا إلى ما فيه من التعليل أولا. وعلى أىّ حال فالصحيح هو عدم اشتراط كونه بأرض غربة عملا بالإطلاق الذي عرفت، وأمّا الآية والروايات التي جاءَت فيها فرضية الضرب في الأرض، أو الكون بأرض غربة، فلا أقلّ من إجمالها وعدم ظهورها في القيديّة للحكم، وذلك لقوّة مناسبتها للورود مورد الغالب، وللمثاليّة; إذ عادةً لا يتّفق للمسلم المفروض به أنّه يعيش في بلد المسلمين أن لايحصل على شهود مسلمين، إلاّ إذا كان بأرض غربة. | ||
![]() |
الصفحة 337 | ![]() |
مدى اشتراط الانحصار في الشهادة:الرابع ـ هل يشترط في قبول شهادة الكتابىّ أو الذمّىّ عدم وجود شاهدين مسلمين عدلين، أو يعتبر فيه عدم وجود شاهدين مسلمين حتى غير العدلين، أو عدم وجود مسلم مطلقاً وإن كان واحداً؟ الصحيح: أنّه لامجال للاحتمال الثاني، فإن أخذنا بما قد يبدو في أوّل وهلة من بعض الروايات من شرط عدم وجود الشاهد المسلم، فالمفروض هو أن نأخذ بالاحتمال الثالث; فمثلا جاء في حديث هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه إلاّ أنّ بعض روايات الباب غير واردة بشأن تفسير الآية، وقد يستظهر منها شرط عدم وجود المسلم إطلاقاً ـ أيضاً ـ من قبيل ما عن سماعة سألت أباعبد اللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287، وج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 4 ص 391. (2) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391، و ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287. | ||
![]() |
الصفحة 338 | ![]() |
إنّ ظاهر قوله: «فإن لم يوجد غيرهم» هو عدم وجود المسلمين إطلاقاً، ونحوه ما عن ضريس الكناسي قال: «سألت أبا جعفر وأجاب السيّد الخوئىّ عن الروايات غير الواردة بشأن تفسير الآية: بأنّها ـ أيضاً ـ لاتدلّ على اشتراط عدم وجود شاهدين غير عدلين، أو عدم وجود شاهد واحد; لأنّها إنّما تنظر إلى إلغاء اعتبار الإسلام في الشاهد في فرض العجز عن تحصيل الشهود المسلمين، وليس لها نظر إلى كفاية شهادة مسلم واحد أو مسلمين غير عدلين أقول: إنّ هذا الكلام غير مفهوم ما لم يرجع إلى ما سيأتي، فإنّ هذه الرويات ناظرة ـ كما قال ـ إلى إلغاء اعتبار الإسلام في الشاهد. وهذا حكم قد شككنا في موضوعه هل هو عدم وجود شاهدين مسلمين عدلين، أو هو عدم شاهد مسلم على الإطلاق؟ فقد يُقال: إنّ مقتضى إطلاق قوله: «لم يوجد غيرهم» هو عدم وجود شاهد مسلم على الإطلاق، وليس الباب من قبيل ورود الكلام مورد حكم آخر المانع عن التمسك بإطلاقه بالنسبة للحكم المطلوب، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿كلوا ممّا | ||
(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 1 ص 390. (2) راجع مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 85. | ||
![]() |
الصفحة 339 | ![]() |
أمسكن عليكم﴾ (1) الوارد مورد حكم التذكية، فلا تستفاد من إطلاقه طهارة محلّ عضّ الكلب . والصحيح في الجواب: أنّ مثل قوله: «لم يوجد غيرهم»، وكذلك قوله في حديث هشام بن الحكم: «ولايوجد فيها مسلم» إن لم يكن بمناسبات الحكم والموضوع منصرفاً إلى إرادة فرض انتفاء البيّنة المسلمة الواجدة لجميع الشرائط، فلا أقلّ من الإجمال، ولايكون ظاهراً في فرض انتفاء المسلم على الإطلاق، وذلك لأنّ هذه الروايات بصدد بيان بديل عن البيّنة الشرعيّة، فمقتضى مناسبات الحكم والموضوع هو حجّيّة البيّنة الكتابيّة أو الذميّة عند فقدان البيّنة المسلمة بكامل شرائطها. نعم، لوكانت هذه الروايات بصدد إعطاء الحجّيّة لشهادة المسلم الفاقد للشرائط عند العجز عن البيّنة الجامعة للشرائط، فقد يُقال: بأنّها تتقدّم على شهادة الكافرين; لانّه أُخذ في موضوع نفوذ شهادتهما عدم وجود المسلم، وقد وجد، ولكن مادامت هذه الروايات غير ناظرة أصلا إلى نفوذ شهادة مسلمين غير عدلين، أو مسلم واحد عند العجز عن تحصيل مسلمين عدلين، فهي منصرفة بمناسبات الحكم والموضوع إلى فرض العجز عن تحصيل البيّنة بكامل شروطها، ولاأقلّ من الإجمال. ولعلّ هذا هو مقصود السيّد الخوئي و إن قصرت عبارته. وبناءً على إجمال الروايات يكون المرجع هو ظاهر الآية المباركة، وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحدَكم الموتُ حينَ الوصيَّةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم أو آخَرانِ من غيرِكم، إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت...﴾ | ||
(1) السورة 5 المائدة الآية 4. (2) السورة 5 المائدة الآية 106. | ||
![]() |
الصفحة 340 | ![]() |
لا بدّ من أحد أمرين: إمّا شهادة عدلين مسلمين، أو شهادة كافرين، و هذا يعني أنّ الثاني بديل عن الأوّل عند العجز عن الأوّل، ومن الواضح أنّه مع وجود مسلم واحد أو مسلمين غير عدلين يكون العجز عن الأوّل ـ الذي هو موضوع الانتقال إلى الثاني ـ حاصلا. اشتراط سائر شرائط البينة:الخامس ـ الظاهر اشتراط سائر شرائط البيّنة غير الإسلام في شهادة الكتابيّين أو الذميّين، فإنّ الأدلّة إنّما كانت ناظرة إلى إلغاء اعتبار الإسلام، وليس لها إطلاق من ناحية فرض انتفاء شرط آخر. قال السيّد الخوئىّ(1): «وتؤيّد ذلك رواية حمزة بن حمران» أقول: بل تدلّ عليه بعدما عرفت من توثيق حمزة بن حمران برواية ابن أبي عُمير، وصفوان بن يحيى عنه. انضمامه إلى مسلم عدل:السادس ـ هل تقبل شهادة مسلم عدل واحد منضّماً إلى واحد عدل من أهل الذمّة أو أهل الكتاب، أوْلا؟. نقل السيّد الخوئي عن المستند عدم القبول اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد النصّ، واختار هو القبول تمسّكاً بالأولويّة القطعيّة. أقول: لو لم تكن الأولويّة قطعيّة، فلا أقلّ من كونها عرفيّة إلى حدّ تعطي لدليل قبول شهادة الذميّين دلالة التزاميّة عرفيّة على قبول شهادة مسلم وذمّيّ، وهذه الدلالة حجّة. | ||
(1) في مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 85. (2) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 7 ص 392. | ||
![]() |
الصفحة 341 | ![]() |
التحليف عند الارتياب:السابع ـ إن وقع الارتياب في شهادة الذميَّيْن حُلِّفا من بعد الصلاة باللّه، وإن ظهرت بعد ذلك أمارات الكذب، حُلّف شخصان من الذين ظُلموا من قِبَل الذميّين. وقد دلّت على ذلك كلّه الآية الكريمة:﴿يا أَيُّها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحَدَكم الموتُ حينَ الوصيةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم أو آخَرانِ من غيرِكم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحسبونهما من بعد الصلاة فيقسمان باللّه إن ارتبتم لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولانكتم شهادةَ اللّه إنّا إذاً لَمنَ الآثمين فإن عُثِر على أَنَّهما استحقّا إثماً فآخَرانِ يقومان مقامَهما من الذين استحقَّ عليهم الأَوْلَيان، فيُقسمانِ باللّهِ لَشهادتنا أَحقُّ من شهادتِهِما، وما اعتدَيْنا إنّا إذاً لَمن الظالمين﴾ (1). وبهذا المضمون وردت مرفوعة علىّ بن إبراهيم العدالةالشرط الرابع ـ العدالة. أدلّة الاشتراط:وقد ورد شرط العدالة في الآيات الكريمة في موارد خاصّة من الشهادة، وهي: 1 ـ شاهدا الطلاق: قال ـ تعالى ـ: ﴿وأَشهِدوا ذَوَىْ عدل منكم﴾ | ||
(1) السورة 5 المائدة الآية 106 و 107. (2) الوسائل ج 13 باب 21 من أحكام الوصايا الحديث الوحيد في الباب ص 394 و 395. (3) السورة 65 الطلاق الآية 2. | ||
![]() |
الصفحة 342 | ![]() |
2 ـ شاهدا الوصيّة: قال ـ تعالى ـ: ﴿شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحدَكُم الموتُ حينَ الوصيّةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم﴾ (1). 3 ـ في تشخيص كفّارة الصيد: قال اللّه ـ تعالى ـ: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا لاتقتُلوا الصيدَ وأنتم حُرُمٌ، ومن قَتَلَهُ منكُم متعمِّداً فجزاءٌ مثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يحكُمُ بِهِ ذَوا عدل منكُمْ...﴾ والآية الأخيره إنّما ترتبط بما نحن فيه، لو فُسِّرت المِثْليّة بالمثْليّة في القيمة، أمّا بناءً على ما عليه رأي الشيعة ـ زادهم اللّه شرفاً ـ من أنّ المقصود هو المماثلة في الخِلْقة من قبيل (أنّ في النعامة بدنة) و (في الظبي شاة) ونحو ذلك ممّا عُيّن في الروايات، فالظاهر ـ بناءً على قراءة (ذوا عدل) بصيغة التثنية ـ أنّ المقصود بهما هو الرسول و الإمام وقد ورد في عدّة روايات: أنّ الألف في (ذوا عدل) خطأ من النسّاخ، وأَنّ الصيغة مفردة، والمقصود بذي عدل هو الرسول أو الإمام | ||
(1) السورة 5 المائدة الآية 106. (2) السورة 5 المائدة الآية 95. (3) التهذيب ج 6 ص 314 ح 867. | ||
![]() |
الصفحة 343 | ![]() |
عدل منكم﴾، هذا ممّا أخطأت فيه الكُتّاب»(1). وعن إبراهيم بن عمر اليمانىّ ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبداللّه ومن الطريف ـ وإن كان خروجاً عن المقام ـ ما جاء في الجواهر فلم يُحِرْ أبو حنيفة جواباً غير أن نظر إلى أصحابه فقال: مسألة رافضي» وعلى أىّ حال فالآية الثالثة خارجة عن المقام، والآية الاُولى خاصّة بباب الطلاق، فقد تصعب استفادة القاعدة العامّة منها باشتراط العدالة في الشاهد دائماً، والآية الثانية خاصّة بباب الوصيّة، فأيضاً قد تصعب استفادة القاعدة العامّة منها، | ||
(1) روضة الكافي ص 205 ح 247. (2) الكافي ج 4 أبواب الصيد باب نوادر ح 3 ص 396. (3) نفس المصدر ح 5 ص 397 (4) ج 20 ص 199. | ||
![]() |
الصفحة 344 | ![]() |
وإن كان السيّد الخوئي استفاد منها القاعدة العامّة بنكتة بناء الوصيّة على التوسعة، فتقبل فيها شهادة المرأة، وشهادة غير المسلم إذا لم يوجد مسلم. وقال: «وكيف يمكن الالتزام بعدم ثبوت الوصيّة بشهادة رجلين غير عدلين. وثبوت الزواج والقتل ودعوى المال وما شاكل ذلك بشهادتهما؟!»(1) وعلى أىّ حال فهذا هو حال الآيات في المقام، وأحسنها حالا ـ كما رأيت ـ هي آية الوصيّة. وأمّا آيةُ الدَيْن ـ وفيها: ﴿واستشهِدوا شهيدَيْنِ من رجالِكم، فإنْ لم يكونوا رجُلَيْنِ فرجلٌ وامرأتانِ ممّن ترضَوْنَ من الشهداء﴾ وأمّا الروايات: فقد دلّت جملة منها على ما نعيّة الفسق، كما ورد ـ بسند تامّ ـ عن محمد بن قيس عن أبي جعفر نعم، ما دلّ منها على مانعيّة الفسق بنكتة دخول الفاسق في الظَنِين، كما ورد ـ بسند تامّ ـ عن عبد اللّه بن سنان، قال: «قلت لأبي عبداللّه | ||
(1) مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 87. (2) السورة 2 البقرة الآية 282. (3) الفقيه ج 3 باب من يجب ردّ شهادته، ومن يجب قبول شهادته ح 36 ص 30، وذيل الحديث ورد في الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 7 ص 290 | ||
![]() |
الصفحة 345 | ![]() |
يدخل في الظنين»(1) قد يُدّعى دلالته على شرط العدالة بدعوى أنّ فاقد الملكة كالفاسق في كونه ظنيناً، وقد يستشكل في ذلك بأنّ عنوان الظنين عنوان مشكّك ولاإشكال في اختلافهما في درجة الظنّ. نعم، ورد في بعض الروايات عنوان العدالة، من قبيل رواية ابن أبي يعفور: قال: «قلت لأبي عبداللّه أحدهما: سند الصدوق إلى عبداللّه بن أبي يعفور، وهو تام بناء على وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى. والآخر: سند الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن موسى عن الحسن بن علىّ عن أبيه عن عليّ بن عقبة عن موسى بن أكيل النميرىّ عن ابن أبي يعفور، وهذا ضعيف بمحمد بن موسى، وهو محمد بن موسى الهمدانيّ وقد استثنى محمد بن الحسن بن الوليد من روايات محمد بن أحمد بن يحيى رواياته عن جماعة أحدُهم محمد بن موسى الهمدانىّ. ورواية عبدالرحمان بن الحجّاج التامّة سنداً عن أبي عبداللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 1 ص 274. (2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 1 ص 288. (3) الوسائل ج 18 باب 23 من الشهادات ح 1 ص 253. | ||
![]() |
الصفحة 346 | ![]() |
بالتعارض ـ عن الحجّيّة أشكلت استفادة شرط العدالة منه; لأنّنا لانقول بمثل هذا التجزيء التحليلي في سند حديث واحد. ورواية عبد الرحمان بن أبي عبداللّه ـ بسند فيه معلّى بن محمد ـ عن أبي عبداللّه أمّا من حيث السند فبمعلّى بن محمد الذي قال النجاشي بشأنه: «إنّه مضطرب الحديث والمذهب». وحمل السيّد الخوئىّ اضطراب الحديث على أنّه يروي ما يعرف، ويروي ما ينكر، كما قال ابن الغضائري عنه: «إنّه يعرف حديثه وينكر». ولو سلّمنا هذا الحمل بقي أنّه لادليل على وثاقة الرجل عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات، وتفسير علي بن إبراهيم، وهذان دليلان على الوثاقة عند السيّد الخوئىّ، ولكنّنا لانقول بذلك. وقد عبّر السيّد الخوئي عن هذه الرواية بصحيحة عبدالرحمان ابن أبي عبداللّه، وهذا مبتن على مبانيه. وأمّا من حيث الدلالة فلأنّ الرواية بصدد بيان القرعة عند تساوي الشهود عدداً وعدلا، ومن هنا قد يقال: إنّ هذا يعني الفراغ مسبقاً عن شرط العدالة. بينما يكفي في صحّة التعبير الوارد في هذه الرواية، كون درجة العدالة من المرجّحات ـ وإن لم تكن أصل العدالة شرطاً ـ فحيث يقول: «عدلهم سواء» يقصد انتفاء هذا المرجّح، ولايدلّ ذلك على الفراغ عن شرط العدالة. ورواية محمد بن الحسن الصفّار الذي كتب إلى أبي محمد | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 12 من كيفيّة الحكم ح 5 ص 183. | ||
![]() |
الصفحة 347 | ![]() |
آخر عدل فعلى المدّعي يمين(1). وهذا الحديث إن دلّ على شرط العدالة، فهو وارد في الوصيّة، فلا يفيدنا شيئاً زائداً على مفاد آية الوصيّة، ونحوها بعض الروايات ورواية بريد بن معاوية التامّة سنداً عن أبي عبداللّه واستدلّ أيضاً السيّد الخوئيّ على اشتراط العدالة بما ورد بسند تامّ عن محمد ابن مسلم عن أبي جعفر أقول: لو جعلنا المقياس هو الأمن على الشهادة، لم يدلّ هذا على أكثر من شرط الوثاقة، فإنّ من يكون ثقة في حديثه، يكون مأموناً على الشهادة وإن كان فاسقاً من بعض الجهات، أو كان غير واجد لملكة العدالة. | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 28 من الشهادات، الحديث الوحيد في الباب ص 373. (2) الوسائل ج 13 باب 26 من الوصايا ح 5 و 6 و 7 ص 402. (3) الوسائل ج 18 باب 3 من كيفيّة الحكم ح 6 ص 171. (4) الوسائل ج 18 باب 35 من الشهادات ح 2 ص 281. | ||
![]() |
الصفحة 348 | ![]() |
وهناك روايات أُخذ فيها بعض العناوين التي قد يُقال: إنّها إشارة إلى العدالة، وذلك كعنوان الصلاح والخير، من قبيل: ماورد - بسند تامّ - عن محمد بن مسلم، قال: «سألت أباجعفر وماورد عن عمّار بن مروان - بسند فيه محمد بن موسى بن المتوكّل - قال: «سألت أباعبداللّه وماورد - بسند تامّ - عن العلا بن سيّابة عن أبي عبداللّه وهذه الروايات قد يمكن المناقشة فيها دلاليّاً بأن يُقال: إنّ عنوان الخيّر والصالح ونحو ذلك، لا يلازم العدالة، وذلك بدعوى أنّ من يغلب عليه الخير والصلاح يُسمّى خيّراً أو صالحاً وإن كان مبتلى بمعصية مّا في أمر من أُموره | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 29 من الشهادات ح 1 ص 285. (2) الفقيه ج 3 ح 70 ص 26، وذكر قسماً منه في الوسائل مع شيء من التغيير غير المضرّ في ج 18 باب 41 من الشهادات ح 9. (3) الوسائل ج 18 باب 34 من الشهادات ح 1 ص 280 و 281. | ||
![]() |
الصفحة 349 | ![]() |
الشخصيّة، إلاّ أنّه لا يبعد القول بأنّ المستفاد عرفاً من كلمة الصلاح وكلمة الخيّر هو معنى العدالة. وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه تماميّة بعض الروايات سنداً ودلالة على شرط العدالة. ولو تنزّلنا عن ذلك قلنا: إنّ هذه الروايات حتى لو تمّت مناقشة كلّ قسم منها على حدة تصلح بمجموعها لإثبات شرط العدالة، فصحيح أنّ بعضاً منها دلّ على مانعيّة الفسق فحسب، فلم يدلّ على عدم نفوذ شهادة من لايكون فاسقاً، ولا عادلا، وبعضاً منها دلّ على شرط كونه مأموناً على الشهادة، وهذا لايمنع عن قبول شهادة الفاسق الثقة في إخباره، وبعضاً منها دلّ على شرط كونه خيّراً أو صالحاً، وهذا قد يُفرض عدم دلالته على شرط العدالة، ولكن من الواضح أنّ غير العادل لايخلو أمره من أحد فروض ثلاثة على سبيل منع الخلوّ: 1 - أن يكون فاسقاً. 2 - أن يكون غير واجد للملكة المانعة، أو الوازع الداخليّ، أو الرادع النفسانيّ، (وما شئت فعبّر) حتى عن الكذب في الشهادة. 3 - أن لايكون قد مضى عليه زمان يصدق عليه بلحاظ طول هذه المدّة أنّه خيّر أو صالح. أمّا من لايكون فاسقاً، ويغلب عليه الخير والصلاح في طول مدّة معتدّبها، ويكون أميناً في النقل والشهادة، فهذا عادل لامحالة. وقد دلّ قسم من الأخبار على عدم نفوذ شهادة الأوّل، وقسم منها على عدم نفوذ شهادة الثاني، وقسم منها على عدم نفوذ شهادة الثالث، فالمجموع قد دلّ على عدم نفوذ شهادة غير العادل، بل القسم الأوّل والأخير يكفيان لإثبات المطلوب، فإنّ من لا يؤمن على النقل والشهادة لايعتبر خيّراً وصالحاً. | ||
![]() |
الصفحة 350 | ![]() |
فإن قلت: إنّ النسبة بين ما دلّ على عدم نفوذ شهادة الفاسق وما دلّ على نفوذ شهادة الخيّر والصالح عمومٌ من وجه; لأنّ الفاسق قد يكون خيّراً وصالحاً، كما إذا غلب عليه الخير والصلاح، وكان مبتلىً بمعصية مّا، وقد لا يكون خيّراً، وقد لايكون الخيّر فاسقاً، فلماذا يقيّد الثاني بالأوّل دون العكس؟ قلت: أوّلا - لو فُرِض التعارض والتساقط وصلت النوبة إلى أصالة عدم نفوذ شهادة غير العادل. وثانياً - إنّ دليل عدم نفوذ شهادة الفاسق دلّ بالإطلاق على عدم نفوذ شهادته، وإن غلب عليه الخير والصلاح، بينما دليل شرط الخير والصلاح لم يدلّ على نفوذ شهادة المبتلى بفسق ما، إذا غلب عليه الصلاح والخير، وذلك لأنّنا لو سلّمنا أنّ قوله هذا. وذكر السيّد الخوئيّ(1): أنّ بعض الروايات تدلّ على عدم اعتبار العدالة في الشاهد، ونفوذ شهادة المسلم وإن كان فاسقاً، من قبيل ما عن حريز - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه | ||
(1) في تكملة المنهاج ج 1 ص 89 و 90. | ||
![]() |
الصفحة 351 | ![]() |
بالفسق»(1) وما عن علا بن سيابة - بسند تامّ - قال «سألت أباعبد اللّه وردّ هذه الروايات: أوّلا - بالشذوذ، وعدم قابليّتها لمعارضة الروايات المشهورة المعروفة الدالّة على شرط العدالة. تقيّد بالروايات السابقة. وثانياً ـ بأنها مطلقة تقيّد بالروايات السابقة. أقول: إنّ ما في عنوان المعرفة من الطريقيّة يمنع عن ظهور هذه الأحاديث في عدم مانعية الفسق، ويجعلها ظاهرةً في إرادة أنّ الفسق لايثبت إلاّ بالمعرفة، وأنّ الأصل عند الشكّ هو العدالة. إذن فهذه الأحاديث لاتعارض روايات شرط العدالة، وإنّما تعارض روايات كون الأمارة على العدالة هي حسن الظاهر; حيث إنّ هذه الروايات تفترض أنّ مجرد عدم ظهور الفسق أمارة على العدالة، وتحمل بالجمع بواسطة التقييد على أنّ المراد هو عدم ظهور الفسق فيما بين معاشريه، كجيرانه وأصدقائه، وهذا هو عبارة عن حسن الظاهر، وقد مضى الحديث عن ذلك في ما مضى عند البحث عن شرط العدالة في القاضي. كما مضى هناك أيضاً البحث عن مدى اضرار ارتكاب الصغيرة بالعدالة. والذي نضيفه هنا هو أنّ ممّا يمكن أن يُستدلّ به على قبول شهادة مرتكب الصغيرة هي الروايات الواردة في أنّ عدم قبول شهادة الفاسق من باب دخوله في الظنين: كرواية عبداللّه بن سنان التامّة سنداً: قال: «قلت لأبي عبد اللّه | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 18 ص 293 و 294. (2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 6 ص 291، وباب 54 من الشهادات ح 1 و 3 ص 305. والسند الموجود في المورد الأوّل وفي الحديث 3 من المورد الثاني، هو التامّ دون السند الآخر. | ||
![]() |
الصفحة 352 | ![]() |
يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين، والمتهم. قال: قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين»(1)، ونحوها روايات أُخرى مذكورة في الوسائل في الباب (30) من الشهادات. وجه الاستدلال: هو أنّ الإمام وقد يُقال: لوصار القرار على هذا النمط من الاستدلال إذن هذه الروايات تدلّ على قبول شهادة الفاسق الّذي يكون ثقة في شهادته; لأنّه ليس ظنيناً. وبالإمكان الإجابة على ذلك: بأنّ من المحتمل كون الرواية ناظرة إلى كون الفسق قرينة نوعيّة على الظنّة; لأنّ من يرتكب الكبائر، يأتي بشأنه احتمال ارتكاب الكذب في الشهادة. فالفاسق بطبعه ظنين، وافتراض أنّ القاضي يثق صدفة بعدم ارتكاب هذا الفاسق للكذب، لاينافي كون الفاسق بما هو فاسق ظنيناً في نوعه، وهذا بخلاف من لم يرتكب إلاّ الصغيرة بلا إصرار، فإنّ ارتكابه للصغيرة بلا إصرار لايوجب الظنّة به بلحاظ شهادة الزور الّتي هي كبيرة من الكبائر. وبنفس هذا البيان أيضاً يمكن إثبات قبول شهادة المخالف لعقائد الشيعة إذا كان عدلا في مذهبه، كالسنّىّ العادل في مذهبه، فإنّه وإن كان فاسقاً في العقائد ـ بمعنى التقصير في تحصيل العقائد الحقّة ـ لكن هذا لايجعله ظنيناً إذا كان هو بحدّ ذاته إنساناً عدلا في تصرّفاته. | ||
(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 1 ص 274. | ||