الصفحة 297

     البيّنة


2

شرائط البيّنة

البلوغ.
العقل.
الإيمان أو الإسلام.
العدالة.
عدم الاتّهام في الشهادة.
الحرّية.
طهارة المولد.
عدم التبرّع بالشهادة.
شرط (الحسّ) في الشهادة.
الذكورة.
حضور الشاهد عند القاضي.
وحدة مصبّ الشهادة.
البيّنة وشروطها لدى الفقه الوضعي.

 
الصفحة 298


 
الصفحة 299





البحث الثاني ـ شرائط البيّنة:


البلوغ

الشرط الأوّل ـ هو البلوغ:

عدم نفوذ شهادة الصبي:

ولا إشكال في عدم نفوذ شهادة الصبيّ غير المميّز، وإنّما الذي ينبغي البحث عنه هو شهادة الصبي المميّز، ويمكن الاستدلال على عدم نفوذها بوجوه:

الوجه الأوّل ـ مناقشة افتراض وجود إطلاق لأدلّة الإشهاد يشمل شهادة الصبيّ من قبيل قوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأَشهدوا عليهم، وكفى باللّه حسيباً (1). وكقول الرسول «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(2). وذلك إمّا بدعوى الانصراف إلى البالغ، كما ناقش صاحب الجواهر في تلك الإطلاقات


(1) السورة 4 النساء الآية 6.

(2) الوسائل، ج 18 باب 2 من كيفيّة الحكم ح 1 ص 169.

الصفحة 300

بدعوى الانصراف(1)، أو بدعوى أنّ تلك الإطلاقات إنّما هي بصدد ذكر أصل الإشهاد والبيّنة، وليست بصدد بيان الشرائط المعتبرة في نفوذها.

وقد يقال: إنّ مجرد عدم تماميّة الإطلاق إذا كان من باب عدم كونه في مقام البيان لايكفي لإثبات عدم نفوذ شهادة الصبيّ; بحيث تصل النوبة إلى يمين المنكر، بل نبقى متحيّرين بين كون الوظيفة هي قبول شهادة الصبى، أو سماع يمين المنكر. وقد يُجاب على ذلك: بأنّ استصحاب عدم جعل الحجّيّة لهذه الشهادة ينقّح موضوع اليمين; لأنّ يمين المنكر أُخذ في موضوعه عدم إقامة المدّعي البيّنة الحجّة; بناءً على أنّ الموضوع القاطع لليمين هو البيّنة بما هي حجّة، لاذات البيّنة التي تكون حجّة.

الوجه الثاني ـ هو التمسّك بقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان (2). فإنّ كلمة الرجل لاتشمل الصبى.

الوجه الثالث ـ مادلّ على اشتراط العدالة في الشاهد كقوله تعالى: ﴿شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحدَكُمُ الموتُ حينَ الوصيّةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم (3) وقوله تعالى: ﴿وَأَشهدوا ذَويْ عدل منكم (4).

وذلك بدعوى أنّ العدالة لاتتصوّر في الصبيّ; إذ العدالة بمعنى الاستقامة في الطريق فيما بين الخطوط المنحرفة، بينما لا انحراف بشأن الصبى، وكلّ التصرّفات مباحة له، فما معنى استقامته في الطريق؟!

ولكن بالإمكان أن يدّعى أنّ المفهوم عرفاً من شرط العدالة هو النظر إلى ما


(1) الجواهر ج 41 أوّل ص 10.

(2) السورة 4 البقرة الآية 282.

(3) السورة 5 المائدة الآية 106.

(4) السورة 65 الطلاق الآية 2.

الصفحة 301

تعطيه العدالة للإنسان من المناعة، وقد يتّفق أن يكون غير البالغ أشدّ مناعةً من البالغ العادل; باعتبار تربية نفسه وتعويده على ترك المحرّمات الّتي يكون الأَولى له التنزّه منها، ومنها الكذب.

الوجه الرابع ـ الروايات من قبيل ماورد بسند تامّ عن محمّد بن مسلم عن أحدهما «في الصبيّ يشهد على الشهادة؟ قال: إنْ عَقَلَهُ عقله ـ حين يدرك ـ أنّه حقّ جازت شهادته»(1).

وماورد عن السكوني بسند فيه النوفلي عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين : إنّ شهادة الصبيّ إذا أَشهدوهم وهم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها»(2).

وما عن إسماعيل بن أبي زياد (وهو السكوني) بسند تامّ عن جعفر عن أبيه عن عليّ : «أنّ شهادة الصبيان إذا شهدوا وهم صغار جازت إذا كبروا ولم ينسوها، وكذلك اليهود والنصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، والعبد إذا شهد بشهادة ثمّ أُعتق جازت شهادته إذا لم يردّها الحاكم قبل أن يعتق»، وقال عليّ : «وإن أُعتق لموضع الشهادة لم تجز شهادته»(3). ولو حمل ذيله الدالّ على عدم قبول شهادة المملوك على التقيّة لم يضرّ بحجّيّة صدره، ولا يوجب سلب الوثوق عنه.

ومـا عـن مـحـمـد بـن مسـلم بسـند تامّ عن أبي جـعـفر قال: «قال


(1) الوسائل ج 18 باب 21 من الشهادات ح 1 ص 251.

(2) نفس المصدر ح 2 ص 251.

(3) الوسائل ج 18 باب 23 من الشهادات ح 13 ص 257 وجاء صدره أيضاً في باب 21 من الشهادات ح 4 ص 252.

الصفحة 302

رسول اللّه : لم تجز شهادة الصبى، ولا خصم، ولا متّهم، ولا ظنين»(1).

استثناءات في شهادة الصبي:

وقد وردت استثناءات على عدم قبول شهادة الصبيّ:

الأوّل ـ مادلّ على قبول شهادته إذا بلغ عشر سنين: وهو ما ورد عن أبي أيّوب الخزاز بسند تامّ قال: «سألت إسماعيل بن جعفر: متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين. قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّ رسول اللّه دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره، وجازت شهادته(2).

ولعلّه لأجل هذا الحديث قيل ـ على ما جاء في الشرائع ـ بقبول شهادة الصبيّ إذا بلغ عشراً، ولكن قال صاحب الشرائع : «إنّ هذا القول متروك»، وقال في الجواهر(3): «بل اعترف غير واحد بعدم معرفة القائل به وإن نسب إلى الشيخ في النهاية، ولكنّه وهم».

وعلى أيّ حال فلاعبرة بهذا الحديث; لأنّه حديث عن إسماعيل بن جعفر، وليس حديثاً عن الإمام على أنّ استشهاده بدخول النبيّ بعائشة وهي بنت عشر سنين واضح البطلان.

الثاني ـ ما دلّ على قبول شهادة الصبيّ في الأُمور الصغيرة: وهو ما عن عبيد ابن زرارة بسند تامّ قال: «سألت أباعبداللّه عن شهادة الصبي والمملوك،


(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 6 ص 275.

(2) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 3 ص 252.

(3) الجواهر ج 41 ص 9.

الصفحة 303

فقال: على قدرها يوم أُشهد تجوز في الأمر الدون، ولا تجوز في الأَمر الكثير. قال عبيد: وسألته عن الذي يشهد على الشيء وهو صغير قد رآه في صغره ثمّ قام به بعد ما كبر، قال: فقال: تجعل شهادته خيراً من هؤلاء»(1).

وأورد السيّد الخوئي على الاستدلال بهذا الحديث(2) بأنّه رواية شاذّة مهجورة ومشتملة على ما هو مقطوع البطلان من عدم جواز شهادة المملوك في الكبير، فلا بُعد في ورودها مورد التقيّة على أنّ متنها مجمل، فإنّ الكبر والصغر أمران متضايفان، وليس لهما واقع معلوم، فالشيء الواحد كبير بالإضافة إلى شيء، وصغير بالإضافة إلى شيء آخر.

أقول: أمّا إجمال المتن فقد يقال: إنّ هذا إشارة إلى أمر عرفيّ; حيث إنّ العرف قد يعتمد على شهادة الصغير في الأُمور الصغيرة بما لا يعتمد عليه في الأمور الكبيرة، وهذا يختلف باختلاف درجات سنّ هذا الصغير وذكائه وقابليّته للاعتماد عليه، ولعلّ هذا هو المقصود بقوله: «على قدرها يوم أُشهد». نعم يبقى شيء من الإجمال لعدم تعيين الصغر والكبر بالتحديد، لكنّ هذا حاله حال كثير من المفاهيم العرفيّة التي تبقى مجملة في بعض المصاديق. أمّا حمل الحديث على التقيّة بالنسبة للمملوك فلا يضرّ بحجّيّته بالنسبة للصبيّ.

وأمّا قوله: ـ إنّ الرواية شاذّة مهجورة ـ فإن كان إشارةً إلى اشتمالها على عدم قبول شهادة المملوك الذي جعله مقطوع البطلان، فقد عرفت أنّه مع افتراض الحمل


(1) التهذيب ج 6 باب 91 البيّنات ح 55 وهو الحديث 650 وفق تسلسل كلّ أحاديث هذا المجلّد ص 252. وقد جاء في الوسائل صدر الحديث فى ج 18 باب 22 من الشهادات ح 5 ص 253، وذيله في نفس المجلد باب 21 من الشهادات ح 3 ص 251.

(2) في تكملة المنهاج ج 1 ص 78.

الصفحة 304

على التقيّة لا يشكّل إشكالا في المقام، وإن كان إشارةً إلى أنّ أصل قبول شهادة الصبي في الأُمور الصغيرة مهجور عند الأصحاب، فهو لايقول بكون الإعراض موجباً لانكسار السند، إلاّ إذا وصل الأَمر إلى القطع بكذب هذا الحكم، وأنّ شهادة الصبي في الأُمور الصغيرة غير نافذة، وعندئذ نكون في غِنىً أصلا عن البحث عن تعارض الأخبار بهذا الصدد وعلاجه; لعلمنا بالحكم.

ولا بأس بأن يقال في المقام: إنّ ما جاء في هذا الحديث بشأن المملوك ـ من جعله كالصبيّ، والتفصيل بشأنه بين الصغير والكبير ـ أمر غير محتمل لاعند الشيعة ولاعند السنّة، ولا يعرف ما هو المقياس في تشخيص الصغير والكبير بالنسبة للمملوك، فإنّ المملوك لايختلف عن الحرّ في التمييز والفهم، والحرّيّة إن كانت شرطاً في قبول الشهادة فهي شرط تعبّدي من دون فرق في ذلك بين الشهادة في الصغير والشهادة في الكبير، وإن لم تكن شرطاً في ذلك، إذن فشهادته مقبولة في الصغير والكبير، فهذه نقطة ضعف في الرواية قد توجب سلب الوثوق عن أصل الحديث، فيسقط عن الاستدلال على نفوذ شهادة الصبيّ في الأُمور الصغيرة.

وقد يقال: إنّ إطلاق الروايات الماضية قاصر عن إثبات عدم نفوذ شهادة الصبيّ في الأُمور الصغيرة; لأنّ غاية ما فيها هي نفوذ شهادة الصبيّ إذا شاهد عند الصغر ثمّ كبر وشهد، وهذا يدلّ بالمفهوم على عدم نفوذها إذا شهد قبل البلوغ، ولكنّ هذا المفهوم ـ حتى لو ثبت كونه من سنخ مفهوم الشرط، ونحن لانقول بدلالة الشرط على المفهوم بنحو القضيّة الكلّيّة ـ لايدلّ إلاّ على القضيّة الجزئيّة، والمتيقّن منها الشهادة في الأُمور الكبيرة، فيبقى احتمال نفوذ شهادته في الأُمور الصغيرة بلا دافع.

إلاّ أنّه تبقى لنا دلالة القرآن الكريم في آية: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم وأدلّة شرط العدالة بناءً على دلالتها على عدم قبول شهادة الصبيّ باعتبار عدم تصوّر العدالة بشأنه، بل تبقى لنا من الروايات أيضاً ما دلّ على عدم

 
الصفحة 305

نفوذ شهادة الصبيّ في غير القتل، وسيأتي ذكره ـ إن شاء اللّه ـ في الاستثناء الرابع.

الثالث ـ ما دلّ على قبول شهادة الصبيان فيما بينهم ما لم يتفرّقوا، أو يرجعوا إلى أهلهم: وهو مارواه الصدوق باسناده عن طلحة بن زيد عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن عليّ قال: «شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرّقوا، أو يرجعوا إلى أهلهم»(1). وسند الصدوق إلى طلحة بن زيد تامّ، وطلحة بن زيد قد ذكر عنه الشيخ الطوسي : أنّه (عامّيّ المذهب، إلاّ أنّ كتابه معتمد) وقد روى عنه البجلي وهو أحد الثلاثة الذين لايروون إلاّ عن ثقة.

وروى الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبداللّه قال: «رفع إلى أمير المؤمنين ستّة غلمان كانوا في الفرات، فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنّهما غرّقاه، وشهد اثنان على الثلاثة أنّهم غرّقوه، فقضى عليّ بالدّية أخماساً: ثلاثة أخماس على الاثنين، وخُمسَيْنِ على الثلاثة». ورواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن إبراهيم، ورواه أيضاً بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر عن عليّ مثله، وروى الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين نحوه(2). والسند الثاني المنتهي إلى محمّد بن قيس تامّ، وسند الصدوق إلى قضايا أمير المؤمنين ينتهي أيضاً إلى محمّد بن قيس، وهو أيضاً تامّ. وأمّا السند الأوّل ففيه النوفلي، ولم ترد شهادة بتوثيقه، ولم يثبت نقل صفوان الذي هو أحد الثلاثة عنه. نعم، جاء في الوافي ـ في الجزء الخامس ص 216 ـ نقلا عن الكافي حديث صفوان عن النوفلي عن أبي عبداللّه قال: «قال رسول اللّه : ما من قوم اجتموا


(1) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 6 ص 253.

(2) الوسائل ج 19 باب 2 من موجبات الضمان، الحديث الوحيد في باب ص 174.

الصفحة 306

في مجلس فلم يذكروا اسم اللّه ـ تعالى ـ ، ولم يصلّوا على نبيّهم، إلاّ كان ذلك المجلس حسرة و وبالا عليهم»(1). ونقل ـ في نفس الجزء ص 219 ـ عن الكافي أيضاً حديث صفوان عن الحسين بن يزيد عن أبي عبداللّه قال: «قال رسول اللّه : الاستغفار وقول لا إله إلاّ اللّه خير العبادة، وقال اللّه العزيز الجبّار: ﴿فاعلم أنّه لا إله إلاّ اللّه واستغفر لذنبك (2).

إلاّ أنّ الموجود في الكافي في النسخة الموجودة عندي وهي الطبعة الجديدة في كلا الموضعين(3) هو حسين بن يزيد، وكأنّ في بعض نسخ الكافي ورد حسين بن يزيد، واجتهد صاحب الوافي في أنّ المقصود به هو النوفلي، بينما النوفلي من أصحاب الإمام الرضا ، فحتّى لو صحّت النسخة الّتي جاء فيها حسين بن يزيد لايمكننا أن نستظهر منه النوفلي; لأنّ المنقول عنه هو الإمام الصادق ، وقد ورد نادراً ـ في غير هذين الحديثين ـ نقْلُ حسين بن يزيد عن الإمام الصادق ، إلاّ أنّ احتمال كونه شخصاً آخر غير النوفلي وارد بدرجة معتدّبها; لأنّ النوفلي من أصحاب الرضا ، فكلمة حسين بن يزيد في لسان صفوان وإن كان المفروض بها أن تنصرف إلى النوفلي لأنّه المعروف في تلك الطبقة، لكن حينما يفرض راوياً عن الإمام الصادق نحتمل سقوط هذا الانصراف بقرينة الرواية عن الإمام الصادق وإن كان احتمال أن يكون قد أدرك في أوائل عمره الإمام


(1) هذا الحديث موجود في الوسائل ج 4 باب 3 من الذكر ح 2 ص 1180.

(2) هذا الحديث موجود في الوسائل ج 4 باب 26 من الذكر الحديث الوحيد في الباب ص 1201.

(3) الحديث الأوّل ورد في أصول الكافي ح 2 باب ما يجب من ذكر اللّه ـ عزّ وجلّ ـ في كلّ مجلس ص 497 ح 5، والحديث الثاني ورد في نفس الجزء باب الاستغفار ح 6 ص 505.

الصفحة 307

الصادق وارداً، كما أنّ احتمال كون الحديث مرسلا بأن يكون حسين بن يزيد قد نقل هذا الحديث عن الإمام الصادق بواسطة أيضاً وارد، إلاّ أنّه خلاف ظاهر النقل، وقد ورد حديث عن حسين بن يزيد عن الصادق بلسان لايحتمل فيه الإرسال، وهو ما في الكافي ـ ج 4 كتاب الحجّ باب النوادر ح 30 ص 546 ـ عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن عليّ بن أسباط عن عليّ بن أبي عبداللّه عن الحسين بن يزيد قال: «سمعت أباعبداللّه ...». وعلى أيّ حال فنحن نحتمل كون حسين بن يزيد حينما ينقل عن الإمام الصادق إنساناً آخر، غير النوفلي لم يذكر في كتب الرجال، وإن لم نقبل ذلك كفانا اختلاف النسخ في المقام، فنحن نحتمل كون راوي الحديثين الذي روى عنه صفوان هو الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين لا الحسين بن يزيد هذا، وقد روى في الكافي ـ ج 5 كتاب المعيشة باب الغشّ ـ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه قال: «نهى رسول اللّه عن أن يشاب الّلبن بالماء للبيع» إلاّ أنّ المعهود عن إبراهيم بن هاشم هو النقل عن النوفلي مباشرةً، و نفس هذ الحديث بهذا السند رواه الشيخ في التهذيب ـ ج 7 ح 52 ـ بحذف ابن أبي عمير. والمنقول عن نسخة مرآة العقول والوافي حذف ابن أبي عمير،والشيخ الحرّ روى الحديث في الوسائل نقلاً عن الكافي مع حذف ابن أبي عميرـ و ذلك في ج 12 باب 86 من ما يكتسب به الحديث 4 ـ و روى الصدوق في الفقيه ـ ج 3 باب بيع اللّبن المشاب بالماء ص 173 ـ هذا الحديث عن إسماعيل بن مسلم، و سنده إلى إسماعيل بن مسلم ليس فيه ابن أبي عمير، بل إبراهيم بن هاشم ينقل فيه مباشرةً عن النوفلي. و على أىّ حال فتكفينا في الحديث ـ مورد البحث ـ تماميّة بعض أسانيده.

وأمّا من حيث الدلالة: فهذا الحديث يلتقي مورده بهذا الاستثناء ـ أعني استثناء شهادة الصبيان فيما بينهم ـ إلاّ أنّنا لانعرف مدى عدم تفرّقهم، وعدم

 
الصفحة 308

رجوعهم إلى أهلهم، ويلتقي مورده أيضاً بالاستثناء الآتي ـ أعني استثناء الشهادة بالقتل ـ إذن لانعلم هل أنّ نظر الإمام في هذا الحديث إلى هذا الاستثناء ـ أعني قبول شهادة الصبيان فيما بينهم ولو مع ترك شرط عدم التفرق والرجوع إلى الأهل ـ أو إلى الاستثناء الآتي، وهو القتل، أو إلى كليهما؟

الرابع ـ ما دلّ على قبول شهادة الصبي في القتل بأخذ أوّل كلامه، كما ورد بسند تامّ عن جميل قال: «قلت لأبي عبداللّه ـ عليه اللّه ـ تجوز شهادة الصبيان؟ فقال: نعم، في القتل يؤخذ بأوّل كلامه ولا يؤخذ بالثاني منه»(1).

وماورد بسند تامّ عن محمّد بن حمران، قال: «سألت أباعبداللّه عن شهادة الصبيّ، قال: فقال: لا، إلاّ في القتل يؤخذ بأوّل كلامه ولا يؤخذ بالثاني»(2).

وما عن جميل بسند فيه سهل بن زياد قال: «سألت أباعبداللّه عن الصبيّ تجوز شهادته في القتل؟ قال: يؤخذ بأوّل كلامه ولا يؤخذ بالثاني»(3). ولعلّه متّحد مع الحديث الأوّل.

وهناك حديث قيّد قبول شهادة الصبيان في القتل بما إذا لم يوجد غيرهم، وهو ما عن محمّد بن سنان عن الرضا فيما كتب إليه من العلل: «وعلّة ترك شهادة النساء في الطلاق والهلال لضعفهنّ عن الرؤية ومحاباتهنّ النساء في الطلاق، فلذلك لاتجوز شهادتهن إلاّ في موضع ضرورة: مثل شهادة القابلة، وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه، كضرورة تجويز شهادة أهل الكتاب إذا لم يوجد غيرهم، وفي كتاب اللّه عزّوجلّ: ﴿إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم كافرين،


(1) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 1 ص 252.

(2) الوسائل ج 18 باب 22 من الشهادات ح 2 ص 252.

(3) نفس المصدر ح 4 ص 253.

الصفحة 309

ومثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم»(1).

وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً سنداً إلاّ أنّه يمكن إثبات نتيجته بمقتضى القاعدة، وذلك بأنْ يقال: إنّه إذا شهد الصبيان بالقتل: فإمّا أن يوجد شهود من البالغين وفق شهادتهم، أو يوجد شهود من البالغين على خلاف شهادتهم، أولا يوجد شهود من البالغين. فعلى الثالث تُمضى شهادة الصبيان ـ سواء اشترطنا عدم وجود غيرهم أوْلا ـ فإنّ المفروض عدم وجود غيرهم بالفعل، وعلى الأوّل لاثمرة لنفوذ شهادة الصبيان وعدمه لوجود الشهود من البالغين حسب الفرض، وعلى الثاني بالإمكان القول بأنّ المتبادر إلى ذهن العرف ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ أنّ نفوذ شهادة الصبّي في القتل إنّما هو لأجل أن لايبطل دم امرىء مسلم، لا لأجل أنّ شهادة الصبيّ في مورد القتل خالية عن الضعف الموجود في سائر الموارد في شهادة الصبيان، ومع هذا الفهم يكون دليل نفوذ شهادة الصبىّ منصرفاً عرفاً إلى فرض عدم المعارضة بشهادة الكبار، أو إلى فرض عدم إمكان تحصيل شهادة من قبل الكبار.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر قوّى اختصاص الحكم بالقتل الذي يقع فيما بين الصبيان أنفسهم، مستشهداً بما مضى من حديث علىّ في قصّة الغلمان الستّة بناءً على دلالته على تقييد الحكم بفرض القتل فيما بينهم، وبما مضى من خبر طلحة الدالّ على قبول شهادة الصبيان فيما بينهم، قال : «وهذا هو المناسب لعدم التهجّم على الدماء بشهادتهم على وجه يقتصّ بها من البالغين» وقال في آخر كلامه: «إنّ ما ذكرناه هو الأقوى وإن قلّ المصرّح به، لكن لاوحشة مع الحقّ وإن قلّ القائل


(1) الوسائل ج 18 باب 24 من الشهادات ح 50 ص 269.

الصفحة 310

به...»(1).

إلاّ أنّ هذا الكلام لاوجه له; لوضوح أنّ قصّة علىّ وإن وردت في مورد كون القتل فيما بينهم، ولكن لادلالة لها على حصر الحكم بما إذا كان القتل فيما بينهم، وخبر طلحة دلّ على عنوان آخر للاستثناء، وهو قبول شهادتهم بالنسبة لما بينهم من دون اختصاص ذلك بالقتل الذي هو محل الكلام، واحتمال أداء قبول الشهادة إلى هدر دم مسلم، يقابلة احتمال أداء ترك قبول شهادته ـ مع عدم وجود شهود بالغين ـ إلى بطلان دم مسلم، فإن قدّم النصّ الاحتياط بالنسبة للجانب الثاني على الاحتياط بالنسبة للجانب الأوّل، فليس لنا إلاّ التسليم.

ثمّ إنّ توسيع الحكم لما يشمل الشهادة على الجرح مّما لاوجه له، فإنّ احتمال اختصاص الحكم بالقتل تحسّباً لاحتمالات بطلان دم المسلم ـ لو لم نأخذ بشهادة الصبىّ ـ وارد.

وأغرب منه تخصيص الحكم بالجراح كما جاء في الشرائع، وقد قيّده ببلوغ العشر، وبقاء الاجتماع، وكون الاجتماع على مباح.

والقيد الثالث لادليل عليه، والقيد الثاني ورد في استثناء عنوان آخر، وهو عنوان الشهادة على ما بينهم لاخصوص القتل، والقيد الأوّل ورد كاستثناء مستقلّ، وقد مضى عدم تماميّة دليله. والجراح لادليل على قبول شهادة الصبيان فيها.

بقي الكلام في أنّه هل الحكم يشمل الصبيّة، أو يختصّ بالضبىّ المذكّر؟ قد يقال: إنّ كلمة الصبىّ ككلّ الصيغ المشتقّة للمذكّر تستعمل أيضاً للجامع بين المذكّر والمؤنّث، فحينما يراد التعبير عن الجامع يعبَّر بصيغة المذكّر لابصيغة المؤنّث، كما هو واضح. إذن فالروايات الواردة في هذا الاستثناء أو في الاستثناء الثالث أو الثاني


(1) راجع الجواهر ج 41 ص 13 و 14

الصفحة 311

تشمل بإطلاقها الصبىّ والصبيّة.

ويمكن الردّ على هذا البيان، وتوضيح اختصاص الحكم بالصبىّ المذكّر بأحد بيانين:

الأوّل ـ أنّ هذه الروايات إنّما هي بصدد الاستثناء من شرط البلوغ، أمّا سائر الشرائط فالمرجع في اشتراطها وعدمه مدى إطلاق أدلّتها لاهذه الروايات، ففي المورد الذي تشترط الذكورة ولاتُقبل فيه شهادة النساء، لاتُقبل فيه أيضاً في مورد الاستثناء شهادة الصبيّات، وإلاّ فهل يقال: بقبول شهادة الصبيّات، وعدم قبول شهادة النساء في تلك الموارد؟! أو هل ترفع اليد عن شرط الذكورة، وتقبل شهادة النساء أيضاً في موارد الاستثناء؟!

وهذا البيان يختصّ بخصوص موارد عدم قبول شهادة النساء.

الثاني ـ أنّ صيغة المذكّر من المشتقّات، تستعمل في الجامع وتستعمل في خصوص المذكّر، والقرائن ومناسبات المقام هي التي تعيّن أحد المعنيين، ولاقرينة أو مناسبة تعيّن إرادة الجامع في المقام، فإنّ احتمال الفرق بين الصبىّ والصبيّة وارد لامحالة; إذن ففي الصبيّة نرجع إلى إطلاقات اشتراط البلوغ.

وهذا البيان أوسع نتيجة من البيان السابق; لأنّه يشمل حتى الموارد التي تقبل فيها شهادة النساء.

العقل

الشرط الثاني ـ هو العقل. فالمجنون لاتقبل شهادته بلاخلاف، فإذالم يكن مُطبَقاً قبلت شهادته في حال الإفاقة عملا بالإطلاقات، ويلحق بالمجنون الأبله الذي لايعتمد عادة على شهادته، وكذلك كثير الخطأ و النسيان، كلّ هذا لأنصراف الأدلّة، أو للقطع بالحكم.

 
الصفحة 312


الإيمان أو الإسلام

الشرط الثالث ـ الإيمان ـ بمعنى كونه شيعيّاً اثني عشريّاً ـ أو الإسلام:

شرط الإسلام:

امّا شرط الإسلام فهو من ضروريات الفقه، فلا تقبل شهادة الكافر بحقّ المسلم ولو كان عدلا في مذهبه وفرض قاصراً في خطئه الاعتقادىّ، ويدلّ عليه قوله ـ تعالى ـ: ﴿شهادةُ بينِكُم إذا حَضَرَ أحدَكُمُ الموت حينَ الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم أو آخَران من غيركم... (1). والمقصود بقوله منكم هو المسلمون لاالناس بشكل مطلق; بقرينة قوله: ﴿أو آخَران من غيركم.

ودلالة ذيل الآية على قبول شهادة غير المسلم في الوصيّة عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم لاتنسحب إلى سائر الموارد.

نعم دلالة ذيل الآية على قبول شهادة الكافر في الوصيّة عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم، تجعلنا لانستطيع أن نتعدّى من دلالة صدر الآية على شرط الإسلام في الشهادة على الوصيّة إلى سائر الموارد في فرض العجز عن تحصيل شهادة المسلم. وهذه الملاحظة موجودة - أيضاً - في الاستدلال على شرط الإسلام بالروايات الواردة في تفسير الآية الكريمة، من قبيل ما ورد بسند تامّ عن أحمد بن عمر قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم، قال: «اللذان منكم مسلمان، واللذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم يجد من


(1) السورة 5 المائدة الآية 106.

الصفحة 313

أهل الكتاب فمن المجوس; لأنّ رسول اللّه قال: سنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب، وذلك إذا مات الرّجل بأرض غربة، فلم يجد مسلمَينِ يُشهدهما، فرجلان من أهل الكتاب»(1).

وقد يُقال: إنّ شهادة الكتابيّ أو خصوص الذميّ تنفذ في كلّ الموارد عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم، لا في خصوص الوصيّة، وذلك لأنّ المطلقات الّتي سنشير إليها لإثبات شرط الإسلام في الشهادة مقيّدة بما ورد بسند تامّ عن عبيد اللّه ابن عليّ الحلبيّ. قال: «سألت أبا عبداللّه هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إن لم يوجد من أهل ملّتهم، جازت شهادة غيرهم، إنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(2). إلاّ أنّ هذا - كما ترى - إنّما ورد في شهادة غير المسلمين في ما بينهم; حيث قال: إن لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم. وهذا - كما ترى - أجنبيّ عن المقام، فإنّه مضافاً إلى ما قد سيظهر من رجوع الضمير في قوله: «من أهل ملّتهم إلى أهل الذمّة» يُقال: إنّ عنوان أهل الملّة يطلق عادةً بشأن غير المسلمين، ولو سُلّم وروده في المقام، قلنا: إنّ هذا الحديث محمول على الوصيّة، وذلك لما ورد بسند تامّ عن سماعة قال: «سألت أباعبداللّه عن شهادة أهل الملّة، قال: فقال: لاتجوز إلاّ على أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم،


(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 2 ص 287.

(2) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 1 ص 287. وورد أيضاً في الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 3 ص 390 عن الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام كالتالي: قال: «سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم، جازت شهادة غيرهم; إنّه لايصلح ذهاب حق أحد».

الصفحة 314

جازت شهادتهم على الوصيّة; لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(1). والحديثان وإن كانا مثبتين، لكن يُقيّد الأوّل بالثاني، لعلمنا بوحدة الحكم بعد فرض حمل الحديث الأول على ما نحن فيه. ووحدة الحكم توجب حمل المطلق على المقيّد حتى في الشموليين. والحكم الواحد إمّا أن يكون أُخذ في موضوعه قيد الوصيّة، أو لم يُؤخذ، فيتنافيان فيقيّد المطلق بالمقيّد.

نعم، لو كان قيد الوصيّة مذكوراً في كلام السائل، لاحتملنا كون تطبيق الحكم على مورد الوصيّة من قبل الإمام تطبيقاً للحكم على مصداق من مصاديق الموضوع من دون دخل هذا القيد في الموضوع، لكن تصدّي الإمام لذكر هذا القيد يُبعد هذا الاحتمال.

لايُقال: إنّ مقتضى التمسّك بعموم العلّة الواردة في قوله: «لأنّه لايصلح ذهاب حق أحد» أنّ الحكم عامّ لايختصّ بباب الوصيّة.

فإنّه يُقال: إنّ التعليل الموجب للتعدّي هو التعليل بصفة مشتركة بين موضوع الحكم والمتعدّى إليه، لاستظهار العرف أنّ تلك الصفة هي الموضوع وليس المتعدى منه، كما في مثل (لاتأكل الرّمان لأنّه حامض) حيث نتعدّى إلى كلّ حامض، أو (لاتشرب الخمر لأنّه مسكر) حيث نتعدّى إلى كلّ مسكر، لا التعليل بحكمة ليست وصفاً للموضوع، بل كانت نتيجة من نتائج العمل بالحكم، كأن يُقال مثلا: إنّ اللّه أوجب الزكاة لأنّها ترفيهٌ على الفقراء بفضل مال الأغنياء، فيتعدى إلى كلّ عطاء فيه


(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، و ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391، وورد نظيره أيضاً في نفس الباب ح 1 ص 390 عن ضريس الكناسي، إلاّ أنه لادليل على وثاقة ضريس الكناسي، إلاّ بناءً على انصرافه إلى ضريس بن عبدالملك الكناسي الذي ورد توثيقه في رجال الكشّي.

الصفحة 315

ترفيه على الفقراء بفضل مال الأغنياء، أو يُقال مثلا: (صوموا حتى تصحّوا)، فيثبت بذلك وجوب كلّ ما يؤثّر في صحّة البدن، أو يُقال: ﴿ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى، فللّه. وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل; كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم (1)، فيُقال: متى ما تجمّع مال كثير لدى أحد يجب توزيعه وتفتيته; كي لا يكون دولة بين الأغنياء، ونحو ذلك، فالتعليل بملاك مّا لايعني أنّ ذاك الملاك أينما وجد سرى الحكم; إذ نحتمل أنّ المولى لم يهتمّ بذاك الملاك، إلاّ بمقدار الحكم المعلَّل، ولو لمانع في غير مورد الحكم، وإنّما نتعدّى في مورد التعليل بالصفة المشتركة بين موضوع الحكم وشيء آخر، وذلك لاستظهار العرف كونها هي الموضوع، لا ما فيه الصفة. وما نحن فيه من القسم الثاني لا الأوّل، فقوله: (لا يصلح ذهاب حقّ أحد) ملاك للحكم، لاموضوع له، وفرق كبير بين التعليل بوصف من أوصاف ونحو ذلك الموضوع، التعليل بفائدة من فوائد الحكم، والأوّل هو الذي يوجب التعدّي دون الثاني. نعم، قد تقتضي المناسبة والارتكاز عدّ شيء موضوعاً، ولو ذكر بصيغة الملاك، من قبيل (لا تشرب الخمر كي لاتسكر) فإنّ العرف يفهم منه بمناسبات الحكم والموضوع والارتكاز معنى (لا تشرب الخمر لأنّه مسكر).

ثمّ إنّه رغم ما ذكرناه من كون شرط الإسلام في الشاهد من ضروريّات الفقه نحن بحاجة إلى التفتيش عن إطلاق يدلّ على ذلك; كي يفيدنا في مورد قد يُشكّ فيه، فإنّ كون أصل القضيّة في الجملة من ضروريات الفقه لاينافي الشكّ في بعض الموارد. فمثلا لو شككنا في نفوذ شهادة غير المسلم في باب القضاء عند العجز عن تحصيل شهادة المسلم، أمكن التمسّك بذاك الإطلاق لو كان.

والظاهر وجود إطلاق من هذا القبيل متمثّل ببعض الروايات، من قبيل


(1) سورة الحشر الآية 7.

الصفحة 316

مامضى عن سماعة، ومن قبيل ما ورد بسند تامّ عن أبي عبيدة عن أبي عبداللّه قال: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، و لاتجوز شهادة أهل الذمة (الملل - خ ل -) على المسلمين»(1). وإن كان كثير من الروايات المشتملة على شرط الإسلام لاتشمّل على الإطلاق المطلوب، من قبيل روايات الباب39 من الشهادات من الوسائل ج 18 كقوله في الحديث الثاني منها: «... قلت: فيهودي أُشهد على شهادة ثمّ أسلم، أتجوز شهادته؟ قال نعم»(2). فهذا كما ترى ليس بصدد اشتراط الإسلام في الشهادة; كي يتمسّك بإطلاقه، وإنّما هو بصدد بيان قبول شهادة مسلم كان عند تحمل الشهادة يهوديّاً. ونحن ضمناً نفهم من ذلك شرط الإسلام في الشهادة.

ومن قبيل ما عن حريز بسند تامّ عن أبي عبداللّه في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدّل منهم اثنان، ولم يعدّل الآخران، فقال: «إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً...»(3) فإنّ شرط الإسلام في باب الحدود لايدلّ على عدم نفوذ شهادة غير المسلم في باب القضاء عند العجز عن تحصيل شهود مسلمين; لأنّ احتمال الفرق وارد.

وعلى أيّ حال، فتكفينا تماميّة الإطلاق في بعض الروايات كما عرفت.

ولو لا خروج الوصيّة بالدليل، لكنّا نقول بمقتضى إطلاق ما مضى من حديث أبي عبيدة، أنّ شهادة الكافر لاتنفذ بشأن المسلم، ولو مع العجز عن تحصيل شهود مسلمين حتى في الوصية، ولكنّ الوصيّة خرجت بنصّ القرآن الكريم - كما عرفت


(1) الوسائل ج 18 باب 38 من الشهادات ح 1 ص 284.

(2) الوسائل ج 18 باب 39 من الشهادات الحديث 2 ص 285.

(3) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 18 ص 293 و 294.

الصفحة 317

- ولو كنّا والآية فقط، لخصّصنا الاستثناء بما إذا لم ينكر بعض الورّاث فرض وجود الوصيّة، بأن يدّعي من لم تتمّ فيه شرائط البيّنة أنّه كان حاضراً مجلس الموت ولم يوص الميّت بشيء، وأنّ البيّنة الكافرة كاذبة، وذلك لعدم إطلاق في الآية يشمل هذا المورد لابلحاظ صدر الآية، ولا بلحاظ ذيلها: أمّا صدرها فإنّما دلّ على الأمر بإشهاد آخرين من غير المسلمين ونحن عرفنا بالالتزام نفوذ شهادتهما كي لايلغو إشهادهما. وهذا - كما ترى - لا إطلاق له; إذ يكفي في عدم لغويّة الإشهاد نفوذ الشهادة في الجملة. وامّا ذيلها. فقد دلَّ على نفوذ الشهادة بعد التقييد باليمين إذا كان هناك ارتياب، أمّا اذا كان هناك القطع بالكذب من قبل بعض الورّاث، فهو مسكوت عنه في الآية الكريمة. ولكن لايبعد الإطلاق في بعض الروايات لهذه الحالة من قبيل مامضى من حديث سماعة، ومن قبيل ما ورد - بسند تامّ - عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه في قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿أو آخران من غيركم فقال: «إذا كان الرجل في أرض غربة ولايوجد فيها مسلم، جازت شهادة من ليس بمسلم في (على - خ ل -) الوصيّة»(1).

وعلى أيّ حال، فلاإشكال في شرط الإسلام في نفوذ شهادة الشاهدبشأن المسلم.

شرط الإيمان:

والآن يجب أن نرى هل يكفي الإسلام، أو لابدّ من شرط الإيمان بان يكون شيعيّاً اثني عشريّاً؟. عمدة الدليل على شرط الإيمان بالمعنى الخاصّ وجوه:

الأوّل: دعوى الإجماع، بل قال في الجواهر: «لعلّه من ضروريّات المذهب


(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287.

الصفحة 318

في هذا الزمان»(1).

إلاّ أنّ الإجماع إن كان، فلا أقلّ من احتمال كون بعض الوجوه التي ذكرت في المقام مدركاً له، فلا عبرة به، أمّا كونه من ضروريّات المذهب في هذا الزمان، فلانفهمه، فإنّ ما تدلّ عليه ضرورة المذهب بحيث لايمكن أن نحتمل خطأه، يجب أن تدلّ عليه ضرورة المذهب من أوّل الزمان القريب من عصر تشريع المذهب لا ضرورة المذهب في هذا الزمان.

الثاني - دعوى الفسق بشأن غير المؤمن، فلا تقبل شهادته; للفسق وعدم العدالة.

وهذا الوجه أيضاً قابل للمناقشة، وذلك بافتراض شهود من المسلمين غير الشيعة عدول في مذهبهم، مع افتراض اعتقادهم بصحّة مذهبهم، حتى ولو كانوا مُقصّرين في الأصل في تحصيل هذا الاعتقاد; باعتبار تقصيرهم في الفحص مثلا فإنّ هذا التقصير الابتدائي، وإن كان ينجّز عليهم استحقاق العقاب على خطئهم الحالي رغم قطعهم بعدم الخطأ; باعتبار أنّ الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار مثلا، لكن هذا لاينافي صدق عنوان العدل عليه فعلا، باعتباره غير متلبّس إلاّ بما يقطع بصحّته، ولامعنى للردع عن القطع.

الثالث - ما ورد بسند تامّ عن عبداللّه بن المغيرة، قال: «قلت لأبي الحسن الرضا : رجل طلّق امرأته وأشهد شاهدين ناصبييّن، قال: كلّ من ولد على الفطرة، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته»(2).

وذلك بدعوى أنّه لايحتمل أن يكون المقصود بهذا الحديث تصحيح شهادة


(1) الجواهر ج 41 ص 16.

(2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 5 ص 290. وح 21 ص 295.

الصفحة 319

الناصبيين; إذن فالمقصود بقوله: «عرف بالصلاح في نفسه» أن يكون معروفاً بالصلاح لا في عمله فحسب، بل حتى في مذهبه; كي يخرج بذلك الناصبيّ. ومن الواضح أنّ غير المؤمن الاثني عشريّ ليس صالحاً في مذهبه.

وهذا أيضاً قابل للنقاش، فإنّ النصب عمل محرّم حتى ولو لم يعتقد الشخص بإمامة أئمّة أهل البيت ، وليس مجرّد خطأ في الاعتقاد منسجم مع العدالة في العمل، فالحكم بفسقه، أو عدم صلاحه، وعدم قبول شهادته أمر طبيعي، ولايمكن التعدّي منه إلى ما نحن فيه، ولو فرضت معقوليّة عذره عادةً - وهو غير صحيح - إذن فلادليل على أنّ قوله: «عرف بالصلاح في نفسه» احتراز عن كلّ ناصبيّ.

الرابع - ما عن أميرالمؤمنين في قوله - تعالى -: ﴿ممّن ترضون من الشهداء (1) قال: «ممّن ترضون دينه، وأمانته، وصلاحه، وعفّته، وتيقّظه فيما يشهدبه...»(2). فيقال: إنّ غير المؤمن بالمعنى الخاصّ لانرضى دينه، فهو خارج وفق هذا التفسير للآية الكريمة عن كبرى من تقبل شهادته.

وفيه: أنّ هذا الحديث رواه صاحب الوسائل عن كتاب تفسير الإمام الحسن العسكري ، وسند صاحب الوسائل إلى هذا الكتاب غير تامّ.

الخامس - التشكيك في وجود إطلاق يدل على حجّيّة شهادة غير المؤمن بالمعنى الخاصّ، ومعه يرجع إلى أصالة عدم الحجّيّة ففي مثل قوله - تعالى -: ﴿ذوا عدل منكم (3)، وقوله - تعالى -: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم (4) ممّا


(1) السورة 2 البقرة الآية 282.

(2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 23 ص 295.

(3) السورة 5 المائدة الآية 106.

(4) السورة 2 البقرة الآية 282.

الصفحة 320

صيغ بصياغة الخطاب، يحتمل أن يكون الخطاب إلى المؤمنين، لا إلى عموم المسلمين، وإن كان وقت نزول الآية لم يكن موضوع للخلاف في إمامة أئمّة أهل البيت - عليهم سلام اللّه -، فأنّ هذا يعني أنّ عدم الاعتراف بإمامتهم وقتئذ لم يكن يضرّ بإيمان الشخص، ولايعني التأكّد من شمول الخطاب لكل مسلم وإن لم يكن مؤمناً، ومثل قوله: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين»(1)، ممّا كان بصدد بيان نفوذ شهادة المسلم على أهل ملّة أُخرى... ليس بصدد بيان شرائط البيّنة من سائر الجهات، كي يتمّ فيه إطلاق، وإنّما هو بصدد بيان الفرق بين المسلم وغير المسلم بنفوذ شهادة المسلم على غيره دون العكس، ومثل قوله: «فيهودي أُشهد على شهادة ثمّ أسلم، أتجوز شهادته؟ قال: نعم»(2). ممّا كان بصدد بيان كفاية الإسلام حين أداء الشهادة، وعدم اشتراط الإسلام حين تحمّلها، أيضاً ليس بصدد بيان شرائط البيّنة من سائر الجهات، كي يتمّ فيه الإطلاق.

وقد يقال: إنّ عدم تماميّة الإطلاق فى المقام لايكفي للبناء على عدم حجّيّة شهادة غير المؤمن بالمعنى الخاصّ، بل نبقى مترّددين بين المتباينين من حجيّة البيّنة وحجّيّة يمين المنكر.

وقد يجاب على ذلك: بأنّ استصحاب عدم حجّيّة شهادة غير المؤمن ينقّح موضوع اليمين; بناءً على أنّ موضوعه هو عدم البيّنة الحجّة بما هي حجّة، لاعدم ذات البيّنة التي تكون حجّة.

والصحيح وجود الإطلاق في المقام وذلك:


(1) الوسائل، ج 18، باب 38 من الشهادات ح 1، ص 284.

(2) الوسائل ج 18 باب 39 من الشهادات ح 2 ص 285.

الصفحة 321

أوّلا ـ لخلوّ بعض الإطلاقات عن تمام الإشكالات التي أشرنا اليها حتّى في بادىء النظر، كقوله: «... إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعاً...»(1).

وثانياً ـ أنّ ما مضى من الإشكال على إطلاق مثل قوله: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين» ـ من أنّها ليست بصدد بيان شرائط البيّنة من سائر الجهات غير نفوذ شهادة المسلمين على باقي الملل دون العكس ـ غير وارد، وذلك لأنّ شهادة السنّيّ مثلا إن لم تنفذ على الشيعىّ، فلا إشكال في نفوذها على السنّيّ; إذ ليس بأدْوَن من شهادة اليهودىّ على اليهودىّ مثلا. فلو قلنا بشرط الإيمان فإنّما هو بمعنى أنّ السنّيّ والشيعىّ بمنزلة ملّتين، فمن هذا الباب لاتنفذ شهادة السنّيّ على الشيعىّ، وهذا الحديث من زاوية شهادة بعض أهل الملل على بعض بصدد البيان، فإطلاقه بهذا المقدار تامّ، وتراه قد فرض المسلمين ملّة واحدة لاملّتين، أو عدة ملل، فمقتضى إطلاقه أنّ شهادة المسلم نافذة من أىّ مذهب كان من مذاهب الإسلام لوكان باقي الشرائط ثابتاً فيه.

ولكن بالإمكان الجواب على هذا الوجه بأنّ الحديث إنّما فرض المسلمين ملّة واحدة في مقابل الكفار، أمّا كونهم فيما بينهم ملة واحدة بحيث تنفذ شهادة السنّيّ على الشيعىّ فغير معلوم، فغاية ما يدلّ عليه الحديث نفوذ شهادة السنّيّ على الكافر.

وثالثاً ـ أنّ ما مضى من الإشكال على مثل قوله: «فيهودي أُشهد على شهادة ثم أسلم...» ممّا دلّ على كفاية الإسلام حين أداء الشهادة من أنّه ليس بصدد بيان سائر الشرائط، فلا يدلّ على نفي باقي الشرائط غير صحيح، وذلك لأنّ الإيمان أخصّ من الإسلام، فالمسلم قد يؤمن بولاية أئمّة أهل البيت ،


(1) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 18 ص 293 و 294.

الصفحة 322

وقد لايؤمن، ولكن غير المسلم لايمكن أن يؤمن بولاية أئمّة أهل البيت . واشتراط العام يدلّ عرفاً على نفي شرطيّة الخاصّ، فصحيح أنّه ليس بصدد بيان تمام الشرائط، لكن بما أنّ شرطيّة الخاصّ كأنّها تُلغي شرطيّة العام، يكون اشتراط العامّ دالاّ عرفاً على عدم اشتراط الخاصّ. فظاهر كلام السائل ـ حينما قال: «يهودي أُشهد على شهادة ثم أسلم» ـ أنّ المرتكز في ذهنه أنّ الشرط هو الإسلام لا الإيمان، والامام قد أقرّه على ارتكازه. وهذا الوجه أيضاً يصلح جواباً للإشكال على ما مضى من مثل قوله: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولاتجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين» بناءً على شمول قوله: «جميع أهل الملل» للمسلمين أنفسهم، كما هو الظاهر. أمّا لو فرض اختصاصه بغير المسلمين، فالحديث إنّما يدلّ على عدم اشتراط الإيمان في نفوذ شهادة المسلم على الكافر.

ورابعاً: أنّ الأحاديث الدالّة على كفاية الإسلام حين أداء الشهادة ما ظاهره كونه بصدد بيان سائر الشرائط، كما ورد بسند تامّ عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر عن الذمّي و العبد يشهدان على شهادة، ثم يسلم الذمّي ويُعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا أُشهدا عليه؟ قال: نعم، إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما»(1). فقوله: «إذا علم منهما بعد ذلك خير» ظاهر في أنّه كان بصدد ذكر الشرائط، ولايفهم من قوله: «علم منهما بعد ذلك خير» شرط أكثر من العدالة في مذهبه، فإنّ العدالة في مذهبه خير وإن لم يكن مؤمناً.


(1) الوسائل ج 18 باب 39 من الشهادات ح 1 ص 285.

الصفحة 323

شهادة السنّي على السنّي

بقي الكلام في ما أشرنا إليه ضمناً من أنّه حتّى لو لم نقبل شهادة السنّيّ على الشيعىّ لاينبغي الإشكال في قبول شهادة السنّيّ على السنّيّ، إمّا لاختصاص الوجه الموجب لعدم قبول شهادته بما إذا كانت الشهادة على الشيعىّ دون ما إذا كانت الشهادة على السنّىّ، كما إذا كان الوجه في ذلك هو الإجماع، فإنّ القدر المتيقّن منه ذلك، أو للتعدّي من مثل قبول شهادة اليهوديّ على اليهودىّ، لعدم احتمال الفرق عرفاً. نعم لو قلنا: بأنّ عدم نفوذ شهادة السنّىّ يكون من باب الفسق، فقد يُقال: إنّ هذا يعني عدم نفوذ شهادته حتى على السنّيّ; لأنّ شهادة الفاسق لاتنفذ حتى على الفاسق.

إلاّ أنّ هذ الكلام غير صحيح، فإنّ اليهودىّ أيضاً فاسق بالمعنى الذي يكون السنّيّ فاسقاً، أي أنّه فاسق في العقائد، وقد دلّ الدليل على نفوذ شهادته بشأن اليهودىّ، وبعد عدم احتمال أسوئيّة السنّيّ من مثل اليهودىّ عرفاً، نفهم من مثل ذاك الدليل قاعدة عامّة: وهي أنّ الفسق العقائديّ لايضرّ بنفوذ الشهادة بشأن من كان مثله في ذاك الفسق، أي أنّه يعتنق نفس مذهبه الفاسد.

على أنّه قد يُقال في المقام بأنّ نفوذ شهادة السنّىّ على السنّىّ هو مقتضى إلزامهم بما التزموا.

وروايات الإلزام بما التزموا موجودة في الوسائل، بعضها في المجلد (15) باب (30) من مقدمات الطلاق، وبعضها في المجلد (17) باب (4) من ميراث الإخوة والأجداد، وتلك الروايات وإن كانت جملة منها خاصّة بموردها من البناء على طلاق العامّة الذي هو غير صحيح عندنا، أو البناء على

 
الصفحة 324

التعصيب في الإرث، ولكنّ بعضها وارد بلسان مطلق يمكن استفادة القاعدة العامّة منه.

قاعدة (إلزامهم بما التزموا):

ولنقتصر على ذكر الروايات التي يمكن استفادة القاعدة العامّة منها وهي كمايلي:

1 - ما عن عبداللّه بن محرز ـ ولم تثبت وثاقته ـ قال: «قلت لأبي عبد الله رجل ترك ابنته وأُخته لأبيه واُمّه، فقال: المال كلّه لابنته، وليس للأُخت من الأبّ والأُمّ شيء، فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا والميّت رجل من هؤلاء الناس واخته مؤمنة عارفة. قال: فخذ لها النصف خذوا منهم كما يأخذون منكم في سُنّتهم وقضاياهم» قال ابن أُذينة: «فذكرت ذلك لزرارة، فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً»، ونقل ـ أيضاً ـ بسند غير تامّ عن عبداللّه بن محرز نحوه بزيادة في كلام زرارة هي: (خذهم بحقّك في أحكامهم وسُنّتهم، كما ياخذون منكم فيه)(1)

2 - ما عن أيّوب بن نوح بسند غير تامّ قال: «كتبت إلى أبي الحسن أسأله: هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم، أم لا؟ فكتب يجوز لكم ذلك، إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة»(2).

وهذان الحديثان ـ كما ترى ـ مختصّان بالمورد الذي يكون الشيعىّ مجبوراً على متابعة السنّة حينما يكون الحكم عليه، فأجاز الإمام له الاستفادة من حكمهم حينما يكون الحكم له، بل لو ورد مطلق من هذه الناحية، فالحديث الثاني يكون مقيّداً له لولا ضعف السند.


(1) الوسائل ج 17 باب 4 من ميراث الإخوة والأجداد ح 1 و 2 ص 484.

(2) نفس المصدر ح 3.

الصفحة 325

3 - ما ورد عن الحسين بن أحمد المالكيّ عن عبداللّه بن طاووس ـ ولم تثبت وثاقتهما ـ قال: «قلت لأبي الحسن الرضا : إنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق، فقال: إن كان من إخوانك فلا شيء عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها منه، فإنّه عنى الفراق. قال: قلت: أليس قد روي عن أبي عبداللّه أنّه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس، فإنهنّ ذوات الأزواج؟ فقال ذلك من إخوانكم لامن هؤلاء، إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم»(1).

4 ـ ما ورد بسند غير تامّ عن جعفر بن محمد الأشعري عن أبيه عن الرضا قال: «من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم»، ورواه في الفقيه مرسلا(2).

5 ـ ما ورد بسند غير تامّ عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: «سألته عن الأحكام، قال: تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون»(3).

6 ـ ما رواه الشيخ بسنده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن عبداللّه بن جبلّة قال: «حدثني غير واحد من أصحاب علىّ بن أبي حمزة عن عليّ بن أبي حمزة أنّه سأل أبا الحسن عن المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنّ، فلا بأس بذلك». قال الحسن: «وسمعت جعفر بن سماعة وسئل عن امرأة طلّقت على غير السنّة، ألي أن أتزوّجها؟ فقال: نعم، فقلت له: أليس تعلم أنّ علىّ بن حنظلة روى: إيّاكم و المطلّقات ثلاثاً على غير سنّة، فإنّهنّ ذوات أزواج؟ فقال: يا بُنىّ رواية علىّ بن أبي حمزة أوسع على الناس،


(1) الوسائل ج 15 باب 30 من مقدّمات الطلاق ح 11 ص 322.

(2) الوسائل ج 15 باب 30 من مقدمات الطلاق ح 10 ص 322.

(3) الوسائل ج 17 باب 4 من ميراث الاخوة والأجداد ح 4 ص 484.

الصفحة 326

قلت: وأىّ شيء روى علىّ بن أبي حمزة؟ قال: روى عن أبي الحسن أنّه قال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهنّ، فإنّه لابأس بذلك»(1). هكذا رواه في التهذيب في كتاب الطلاق، ورواه أيضاً في كتاب الميراث كالتالي: الحسن بن محمد بن سماعة عن عبداللّه بن جبلّة عن عدّة من أصحاب علىّ ، ولا أعلم سليمان إلاّ أنّه أخبرني به، وعلىّ بن عبداللّه عن سليمان أيضاً عن علىّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن أنّه قال: «ألزموهم بما ألزموا أنفسهم»(2). والظاهر أنّ المقصود بسليمان هو سليمان بن داود المنقريّ الثقة، بقرينة ورود روايات عديدة عن سليمان بن داود عن علىّ بن أبي حمزة، إلاّ أنّه لم يظهر من هذه العبارة جزمه بكون سليمان أحد اُولئك العدّة، وعلىّ بن عبداللّه مشترك بين من ثبتت وثاقته ومن لم تثبت وثاقته. وعليه فالحديث لايخلو سنداً من ضعف، إلّا إذا قيل: إنّ الوسيط إذا كان (غير واحد) يورث الاطمئنان، خصوصاً إذا ضُمّ اليه ظنّ عبداللّه بن جبلّة ـ إن لم يكن جزماً، أو اطمئناناً ـ بأنّ سليمان أحدهم خصوصاً مع نقل علىّ بن عبداللّه عن سليمان، وخصوصاً مع ضمّ كلام جعفر بن سماعة: (يا بنىّ، رواية علىّ بن أبي حمزة أوسع...). أو يحصل الاطمئنان من مجموع هذه الأُمور بالجامع بين كون أحدهم سليمان وكون الحديث صادراً من علىّ بن أبي حمزة.

وأمّا من حيث الدلالة، فالمتن الأوّل لا إطلاق فيه، إذ قال: «ألزموهم من ذلك ـ يعني من مسألة الطلاق ـ ما ألزموه أنفسهم وتزوجوهنّ فلا بأس بذلك».


(1) التهذيب ج 8 ح 190 ص 58، والوسائل ج 15 باب 30 من مقدمات الطلاق ح 5 و 6 ص 321.

(2) التهذيب ج 9 ح 1156 ص 322، والوسائل ج 17 باب 4 من ميراث الإخوه والأجداد ح 5 ص 485.

الصفحة 327

فلعلّ قاعدة الإلزام خاصّة بباب الطلاق ونكاح المطلّقة. نعم لايخلو قوله: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم» من إشعار بالقاعدة العامّة، إلاّ أنّه لايتجاوز الإشعار، ولايصل إلى مستوى الظهور في الإطلاق، والمتن الثاني مطلق، ولكن الاطمئنان بوحدة الحديثين قد يضرّ بالتمسّك بالإطلاق، إلاّ إذا قيل: بأنّه يحتمل أن نصّ كلام الإمام كان مشتملا على الإطلاق، ونقل الراوي كان نقلا بالمعنى، فمن المحتمل أنّه نقله مرّة بلسان محتفظ بالإطلاق، ومرّة أُخرى بلسان غير محتفظ بالإطلاق، ودلالة أحد النقلين على الإطلاق لايعارضها عدم دلالة النقل الآخر على الإطلاق.

شهادة الكافر في الوصيّة:

بقي الكلام في أُمور راجعة إلى مسألة نفوذ شهادة غير المسلم بشأن المسلم في الوصيّة عند عدم وجدان شهود مسلمين:

شهادته في الوصية بغير المال:

الأوّل ـ هل الحكم مخصوص بالشهادة في المال، أو يشمل مثل تعيين الوصىّ على أولاده غير البالغين مثلا؟ ذكر السيّد الخوئي: أنّ جماعة منهم الشهيد في المسالك ذهبوا إلى الأوّل وقوفاً فيما خالف الأصل على المتيقّن، وعن الأردبيليّ أنّه يشعر بذلك بعض الروايات.

والصحيح: أنّ الحكم يعمّ الثاني لإطلاق الأدلّة، ولم نظفر برواية مشعرة بالاختصاص، ولعلّ الأردبيليّ أرادبها ما في بعض الروايات، كموثوقة

 
الصفحة 328

سماعة(1) من تعليل الحكم بأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد، ولكنْ من الظاهر أنّ حقّ الوصاية من حقوق الميّت، فلا يصلح ذهابه(2). انتهى مع تغيير يسير في العبارة.

شرط الذميّة أو الكتابية:

الثاني ـ هل يشترط في الشاهد أن يكون ذميّاً، أو كتابياً، أوْلا؟

مقتضى إطلاق الآية، هو عدم اشتراط الذّميّة و لاالكتابيّة، وكذا إطلاق بعض الروايات من قبيل ما ورد بسند تامّ عن هشام بن الحكم، أو هشام بن سالم، عن أبي عبداللّه في قوله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿أو آخران من غيركم قال: «إذا كان الرجل في بلد ليس فيه مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة»، وفي بعض النقول عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه : (إذا كان الرجل في أرض غُربة لايوجد فيها مسلم)(3).

إلاّ أنّه قد ورد ما دلّ على تخصيص الحكم بالكتابيّ، وهو ما عن أحمد بن عمر بسند تامّ قال: «سألته عن قول اللّه ـ عزّ و جلّ ـ: ﴿ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم، قال: اللّذان منكم مسلمان، واللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فإن لم يوجد من أهل الكتاب، فمن المجوس; لأنّ رسول اللّه قال: سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب، وذلك إذا مات الرجل بأرض غربة، فلم يجد مسلمَين يشهدان،


(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، وج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391.

(2) مباني تكملة المنهاج / ج 1 / ص 82

(3) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصيّة ح 2 ص 391 و ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287.

الصفحة 329

فرجلان من أهل الكتاب»(1)، ونحوه ما ورد عن يحيى بن محمد ـ ولم تثبت وثاقته ـ عن أبي عبداللّه (2). وعليه فلا إشكال في شرط الكتابيّة.

والمجوسىّ في حكم الكتابيّ; لما مضى في حديث أحمد بن عمر من أنّ رسول اللّه قال: «سُنّوابهم سُنّة أهل الكتاب» أي أنّ حكمهم حكم الكتابيّ، فما في حديث أحمد بن عمر من جعل إشهاد المجوسىّ معلقاً على عدم وجود اليهودىّ والمسيحىّ محمول على الاستحباب بقرينة تعليله لجواز إشهاده بقول رسول اللّه (سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب). نعم في حديث يحيى بن محمد الذي أشرنا إليه، ولم ننقل نصّه جاء: (... فإن لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس لأنّ رسول اللّه سنّ فيهم سنّة أهل الكتاب في الجزية...)، وهذا التعبير ظاهر في وجوب الترتيب بين المجوس وأهل الكتاب، والقرينة التي أشرنا إليها للحمل على الاستحباب غير موجودة هنا; إذ لم يعلّل جواز إشهاد المجوس بأنّ رسول اللّه أمر بأن يسنّ بهم سُنّة أهل الكتاب، وانّما علّل بأنّ الرسول سنّ بهم في الجزية سُنّة أهل الكتاب، إلاّ أنّ هذا الحديث - كما أشرنا إليه - غير تامّ سنداً.

والمجوس قد يختلفون عن اليهود والنصارى فيما قد يقال من أنّه ليس لهم كتاب سماويّ بالفعل ولو محرّفاً، إلاّ أنّه ورد في روايات غير تامّة السند أنّه كان لهم نبيّ فقتلوه، وكتاب فأحرقوه(3).

وورد بسند تامّ عن زرارة قال: «سألته عن المجوس ما حدّهم؟ فقال: هم


(1) الوسائل، ج 18، باب 40 من الشهادات ح 2 ص 287.

(2) الوسائل ج 13 باب 20 من احكام الوصايا ح 6 ص 392.

(3) راجع الوسائل ج 11 باب 49 من جهاد العدو، وج 19 باب 14 من ديات النفس ح 4 ص 163.

الصفحة 330

من أهل الكتاب، ومجراهم مجرى اليهود والنصارى من الحدود والديات»(1). وورد أيضاً بسند تامّ عن سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه قال: «بعث النبيّ خالد بن الوليد إلى البحرين، فأصاب بها دماء قوم من اليهود والنصارى والمجوس، فكتب إلى النبيّ أنّي أصبت دماء قوم من اليهود والنصارى، فَوَديتهم ثمانمائة درهم؟ وأصبت دماء قوم من المجوس ولم تكن عهدتّ إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول اللّه أنّ ديتهم مثل دية اليهود والنصارى، وقال: إنهم من أهل الكتاب»(2). وهذان الحديثان يدلاّن على أنّه كان لهم كتاب فيما سبق حتى إذا ثبت أنّه لم يبق حتى اليوم ذاك الكتاب ولو محرّفاً.

أمّا ما ورد بسند تامّ عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي في قصّة أُناس من المعتزلة فيهم عمرو بن عبيد، وفيه عن لسان أبي عبداللّه : (ياعمرو أرأيت لو بايعت صاحبك الذي تدعوني إلى بيعته، ثمّ اجتمعت لكم الاُمّة، فلم يختلف عليكم رجلان فيها، فأفضيتم إلى المشركين الذين لايسلمون ولايؤدّون الجزية، أكان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيه بسيرة رسول اللّه في المشركين في حروبه؟ قال: نعم. قال: فتصنع ماذا؟ قال: ندعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية، قال: وإن كانوا مجوساً ليسوا بأهل الكتاب؟ قال: سواء. قال: وإن كانوا مشركي العرب، وعبدة الأوثان؟ قال: سواء. قال: أخبرني عن القرآن تقرأ؟ قال: نعم، قال: إقرأ: ﴿قاتلوا الذين لايؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر، ولايحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله، ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فاستثناء اللّه - تعالى -


(1) الوسائل ج 19 باب 13 من ديات النفس ح 11 ص 162.

(2) نفس المصدر ح 7 ص 161.

الصفحة 331

واشتراطه من أهل الكتاب، فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟ قال: نعم. قال: عمّن أخذت ذا؟ قال: سمعت الناس يقولون. قال: فدع ذا...)(1). فهذا محمول على نفي الكتاب السماويّ لهم فعلا، فهو بصدد امتحان الطرف المقابل; لكي يرى هل يعرف حكم المجوس الذين ليس لهم فعلا كتاب؟ أمّا لو كان المقصود نفي كون حكمهم حكم الكتابيّ في الجزية، فهذا ما يقرب من القطع ببطلانه; للروايات ولمايشبه الإجماع.

وعلى أيّ حال فالمجوسيّ محكوم بحكم الكتابي في الحدود والديات; لروايات تامّة السند(2)، وفي الجزية أيضاً وردت روايات تجعله كالكتابيّ غير تامّة السند(3)، ما عدا رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه عن الجزية، فقال: إنّما حرّم اللّه الجزية من مشركي العرب»(4) بناءً على أنّ الحصر ناظر إلى المجوس، كما هو ناظر إلى اليهود والنصارى، وقد ورد حديثان يدلاّن على إلحاق المجوس بالكتابيّ في كلّ الأحكام:

أحدهما - مامضى من حديث أحمد بن عمر التامّ سنداً; حيث جاء فيه أنّ رسول اللّه قال: «سُنّوابهم سنّة أهل الكتاب».

والثاني - ما ورد بسند غير تامّ عن عليّ بن عليّ بن دعبل عن عليّ بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن عليّ بن الحسين أنّ رسول اللّه قال:


(1) الوسائل ج 11 باب 9 من جهاد العدو ح 2 ص 29.

(2) راجع الوسائل ج 19 باب 13 وباب 15 من ديات النفس.

(3) الوسائل ج 11 باب 49 من جهاد العدو.

(4) نفس المصدر ح 4.

الصفحة 332

«سُنّوابهم سُنّة أهل الكتاب» يعني المجوس(1).

وعلى أيّ حال فقد عرفت أنّه يشترط في الكافر الذي يشهد للوصية كونه كتابيّاً.

أمّا شرط الذمّيّة فقد أنكره السيد الخوئي في كتابه.

وقد جاء ذكر الذمّيّة في ثلاث روايات:

الأولى - مامضى من حديث الحلبي قال: «سألت أباعبداللّه : هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إن لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم; إنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(2). ولكن لايمكن الاستدلال بهذا الحديث لإثبات شرطيّة الذمّيّة; إذ يرد عليه - مضافاً إلى مامضى من أنّ هذا الحديث خارج عن محل البحث; لأنّه راجع إلى شهادة أهل الملل الأُخرى غير المسلمين فيما بينهم - أنّه لم يدلّ على شرط الذمّة، غاية ما هناك أنّ سؤال السائل كان عن خصوص أهل الذمّة، بل مقتضى إطلاق الجواب وهو قوله: «جازت شهادة غيرهم» هو عدم اشتراط الذمّيّة، على أنّه لايبعد أن تكون كلمة (أهل الذمّة) - وهي الواردة في نسخة الفقية -(3) اشتباهاً، ويكون الصحيح (أهل الملّة)، كما ورد في نسخة الكافي(4); حيث روى عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عُمير عن حماد عن الحلبيّ ومحمد بن مسلم عن أبي عبداللّه قال: «سألته: هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: نعم، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم جازت


(1) نفس المصدر ح 9 ص 98.

(2) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 1 ص 287.

(3) ج 3 ح 84 ص 29.

(4) ج 7 كتاب الوصايا باب الإشهاد على الوصيّة ح 2 ص 4.

الصفحة 333

شهادة غيرهم; إنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(1). والظاهر وحدة الحديثين بقرينة اتّحاد المتن تقريباً، واتّحاد الإمام المنقول عنه، واتّحاد ثلاثة وسائط متتالية من الطرف المتصل بالإمام; حيث رواه الصدوق بإسناده عن عُبيداللّه بن عليّ الحلبيّ وإسناده إليه - على ما جاء في مشيخته - هو أبوه ومحمد بن الحسن - رضي اللّه عنهما - عن سعد بن عبداللّه والحميريّ جميعاً عن أحمد وعبداللّه ابني محمد بن عيسى عن محمد بن أبي عُمير عن حماد بن عثمان عن عُبيداللّه بن عليّ الحلبيّ، وأيضاً أبوه ومحمد بن الحسن وجعفر بن محمد بن مسرور عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمّه عبداللّه بن عامر عن محمد بن أبي عُمير عن حماد بن عثمان عن عبد اللّه بن عليّ الحلبيّ. إذن فسند الصدوق وسند الكليني متّحدان من الطرف المتصل بالإمام في ابن أبي عُمير وحمّاد والحلبيّ بفرق أن الكليني عطف على الحلبيّ محمد بن مسلم.

الثانية - مامضى من حديث سماعة، قال: «سألت أباعبداللّه عن شهادة أهل الذمّة. قال: لاتجوز، إلاّ على أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصيّة; لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(2). وفي هذا الحديث أيضاً إنمّا جاء قيد الذمّة في مورد سؤال السائل، وهذا لايعني اشتراطها.

الثالثة - ما عن حمزة بن حمران عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن قول اللّه - عزّ وجلّ -: ﴿ذَوا عدل منكم أو آخَران من غيركم (3)قال: فقال: اللّذان منكم مسلمان واللّذان من غيركم من أهل الكتاب، فقال: إذا مات الرجل المسلم


(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 3 ص 390.

(2) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، وج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391.

(3) المائدة: 106.

الصفحة 334

بأرض غربة، فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيّة فلم يجد مسلمين، فليشهد على وصيّة رجلين ذمّيّين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما»(1). وأورد عليه السيّد الخوئيّ بضعف سنده بحمزة بن حمران; لعدم ورود توثيق ولامدح بشأنه. ومن هنا أفتى السيّد الخوئي بعدم شرط الذمّيّة عملا بالمطلقات.

أقول: إنّ حمزة بن حمران قد روى عنه ابن أبي عُمير وصفوان بن يحيى، فبهذا تثبت على مبناناوثاقته، وعليه فيتعيّن شرط الذمّيّة في المقام خلافاً لما ذكره السيّد الخوئيّ; حيث قال: «إنّ المذكور في كلمات غير واحد من الفقهاء اعتبار كون الشاهد ذمّيّاً، بل ادّعي عليه الإجماع، ولم نعرف له وجهاً ظاهراً...»(2).

اشتراط موته في السفر:

الثالث - هل يشترط في نفوذ شهادة الكتابيّ كون المسلم قد حضره الموت في السفر، أو أنّ المقياس هو عدم وجود الشاهد المسلم حتى لو كان في الحضر؟ ذكر السيّد الخوئي(3) بعد نقله الإطلاق في الحكم من أكثر الفقهاء، ونقله الاختصاص بأرض غربة من جماعة منهم الشيخ في المبسوط وابن الجنيد وأبو الصلاح -: أنّ الصحيح هو الاختصاص بذلك، لورود القيد في الآية الكريمة; حيث قال تعالى: ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، وكذلك فيما مضى من حديث أحمد بن عمر(4) (... وذلك إذا مات الرجل بارض غربة فلم يجد


(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 7 ص 392.

(2) مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 83.

(3) نفس المصدر ص 84.

(4) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 2 ص 287.

الصفحة 335

مسلمين...)، وكذلك مامضى من حديث هشام بن الحكم في أحد نقليه(1)، وأيّد ذلك بمامضى من حديث حمزة بن حمران(2); حيث جاء فيه - أيضاً - التعبير بــ (إذا مات الرجل بأرض غربة). وإنّما جعل هذا الحديث مؤيّداً لادليلا، لما يعتقده من عدم ثبوت وثاقة حمزة بن حمران، ولكن مضى أنّنا نقول بوثاقته لرواية بعض الثلاثة عنه.

ثمّ أشكل على نفسه بأنّه قد يُقال: إنّ التعليل الوارد في حديث الحلبيّ(3): (إنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد)، وفي حديث سماعة(4): (لأنّه لايصلح ذهاب حق أحد)، يقتضي عموم الحكم، وعدم اختصاصه بما إذا كان المسلم بأرض غربة، فيحمل القيد في الآية والروايات الأُخرى على وروده مورد الغالب.

وأجاب على ذلك: بأنّه لايمكن الأخذ بإطلاق التعليل; للجزم بعدم قبول شهادة غير المسلم على المسلم في غير الوصيّة مطلقاً، فالحكم لايدور مدار العلّة قطعاً، ومعه لاموجب لرفع اليد عن ظهور القيد في الآية والروايات الأُخرى في اشتراط قبول الشهادة بما إذا كان الموصي بأرض غربة.


(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 4 ص 391، و ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287. وقد يفسر أحد النقلين وهو قوله: «إذا كان الرجل في بلد ليس فيه مسلم» بإرادة بلد الغربة بقرينة النقل الآخر، وهو قوله: «إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم»، وقد يُقال: ليس هذا أولى من العكس بحمل أرض الغربة على المثاليّة، فهذا الحديث مجمل.

(2) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 7 ص 392.

(3) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 1 ص 287، والوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 3 ص 390.

(4) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287، والوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391.

الصفحة 336

أقول: لعلّه يقصد أنّنا لو حملنا التعليل على المعنى العامّ لزم تخصيص الأكثر، وإلاّ فمجرد خروج مورد عن عموم التعليل بالقطع لايستلزم عدم التمسّك به في مورد الشّك.

وعلى أىّ حال فقد مضى منّا بيان أنّ هذا ليس تعليلا بوصف ثابت لمورد الحكم كي يفيد العموم والإطلاق، بل هو ذكر لحكمة و مصلحة مترتّبة على الحكم، وقلنا: إنّ هذا لايفيد عموماً أو إطلاقاً. إلاّ أنّ حديث سماعة بنفسه مطلق في المقام بلاحاجة إلى التمسّك بعموم التعليل; حيث قال: «سألت أبا عبداللّه عن شهادة أهل الملّة. قال: فقال: لاتجوز إلاّ على أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصيّة; لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد.» وهذا ـ كما ترى ـ غير مقيّد بكون المسلم في أرض غربة.

ولعلّ السيّد الخوئىّ يقصد أنّ الآية و الروايات الأُخرى تقّيد هذا الإطلاق بناءً على أنّه إذا تعارض المفهوم و إطلاق المنطوق، قُدّم المفهوم على الإطلاق، وبدعوى أنّ هذا لايتأتّى في عموم التعليل لقوّة إطلاقه، فهو الذي يتقّدم على المفهوم، أمّا إذا لم نقل بذلك، وقلنا: إنّ المفهوم يتقدّم على إطلاق المنطوق لأخصّيّته ولو كان الإطلاق مستفاداً من التعليل، فنقاشه في مسألة عموم التعليل يبقى بلا فائدة; لأنّ الحديث ـ كما قلنا ـ مشتمل على الإطلاق سواء نظرنا إلى ما فيه من التعليل أولا.

وعلى أىّ حال فالصحيح هو عدم اشتراط كونه بأرض غربة عملا بالإطلاق الذي عرفت، وأمّا الآية والروايات التي جاءَت فيها فرضية الضرب في الأرض، أو الكون بأرض غربة، فلا أقلّ من إجمالها وعدم ظهورها في القيديّة للحكم، وذلك لقوّة مناسبتها للورود مورد الغالب، وللمثاليّة; إذ عادةً لا يتّفق للمسلم المفروض به أنّه يعيش في بلد المسلمين أن لايحصل على شهود مسلمين، إلاّ إذا كان بأرض غربة.

 
الصفحة 337

مدى اشتراط الانحصار في الشهادة:

الرابع ـ هل يشترط في قبول شهادة الكتابىّ أو الذمّىّ عدم وجود شاهدين مسلمين عدلين، أو يعتبر فيه عدم وجود شاهدين مسلمين حتى غير العدلين، أو عدم وجود مسلم مطلقاً وإن كان واحداً؟

الصحيح: أنّه لامجال للاحتمال الثاني، فإن أخذنا بما قد يبدو في أوّل وهلة من بعض الروايات من شرط عدم وجود الشاهد المسلم، فالمفروض هو أن نأخذ بالاحتمال الثالث; فمثلا جاء في حديث هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه في قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ ﴿أو آخران من غيركم قال: «إذا كان الرجل في أرض غربة ولايوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة»(1)، فقد يُقال: إنّ هذا ظاهر في اشتراط عدم وجود المسلم إطلاقاً، إلاّ أن يُقال بشأن هذا الحديث بما ذكره السيّد الخوئىّ بلحاظ بعض روايات الباب من أنّها واردة مورد تفسير الآية، وبيان المراد من كلمة (منكم) أو جملة ﴿أو آخران من غيركم. وظاهر الآية هو أنّ الشرط إنّما هو عدم وجود شاهدين عدلين من المسلمين.

إلاّ أنّ بعض روايات الباب غير واردة بشأن تفسير الآية، وقد يستظهر منها شرط عدم وجود المسلم إطلاقاً ـ أيضاً ـ من قبيل ما عن سماعة سألت أباعبد اللّه عن شهادة أهل الذمّة، فقال: «لاتجوز إلاّ على أهل ملتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصيّة; لأنّه لايصلح ذهاب حقّ أحد»(2). فقد يُقال:


(1) الوسائل ج 18 باب 40 من الشهادات ح 3 ص 287، وج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 4 ص 391.

(2) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 5 ص 391، و ج 18 باب 40 من الشهادات ح 4 ص 287.

الصفحة 338

إنّ ظاهر قوله: «فإن لم يوجد غيرهم» هو عدم وجود المسلمين إطلاقاً، ونحوه ما عن ضريس الكناسي قال: «سألت أبا جعفر عن شهادة أهل الملل: هل تجوز على رجل مسلم من غير أهل ملّتهم؟ فقال: لا، إلاّ أن يوجد في تلك الحال غيرهم، وإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصيّة; لأَنّه لايصلح ذهاب حقّ امرىء مسلم، ولا تبطل وصيّته»(1). على كلام في وثاقة ضريس مضى من أنّه لادليل على وثاقته، إلاّ بناءً على انصرافه إلى ضريس بن عبد الملك الكناسي الذي وردت وثاقته في رجال الكشّي.

وأجاب السيّد الخوئىّ عن الروايات غير الواردة بشأن تفسير الآية: بأنّها ـ أيضاً ـ لاتدلّ على اشتراط عدم وجود شاهدين غير عدلين، أو عدم وجود شاهد واحد; لأنّها إنّما تنظر إلى إلغاء اعتبار الإسلام في الشاهد في فرض العجز عن تحصيل الشهود المسلمين، وليس لها نظر إلى كفاية شهادة مسلم واحد أو مسلمين غير عدلين(2).

أقول: إنّ هذا الكلام غير مفهوم ما لم يرجع إلى ما سيأتي، فإنّ هذه الرويات ناظرة ـ كما قال ـ إلى إلغاء اعتبار الإسلام في الشاهد. وهذا حكم قد شككنا في موضوعه هل هو عدم وجود شاهدين مسلمين عدلين، أو هو عدم شاهد مسلم على الإطلاق؟ فقد يُقال: إنّ مقتضى إطلاق قوله: «لم يوجد غيرهم» هو عدم وجود شاهد مسلم على الإطلاق، وليس الباب من قبيل ورود الكلام مورد حكم آخر المانع عن التمسك بإطلاقه بالنسبة للحكم المطلوب، كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿كلوا ممّا


(1) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 1 ص 390.

(2) راجع مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 85.

الصفحة 339

أمسكن عليكم (1) الوارد مورد حكم التذكية، فلا تستفاد من إطلاقه طهارة محلّ عضّ الكلب .

والصحيح في الجواب: أنّ مثل قوله: «لم يوجد غيرهم»، وكذلك قوله في حديث هشام بن الحكم: «ولايوجد فيها مسلم» إن لم يكن بمناسبات الحكم والموضوع منصرفاً إلى إرادة فرض انتفاء البيّنة المسلمة الواجدة لجميع الشرائط، فلا أقلّ من الإجمال، ولايكون ظاهراً في فرض انتفاء المسلم على الإطلاق، وذلك لأنّ هذه الروايات بصدد بيان بديل عن البيّنة الشرعيّة، فمقتضى مناسبات الحكم والموضوع هو حجّيّة البيّنة الكتابيّة أو الذميّة عند فقدان البيّنة المسلمة بكامل شرائطها. نعم، لوكانت هذه الروايات بصدد إعطاء الحجّيّة لشهادة المسلم الفاقد للشرائط عند العجز عن البيّنة الجامعة للشرائط، فقد يُقال: بأنّها تتقدّم على شهادة الكافرين; لانّه أُخذ في موضوع نفوذ شهادتهما عدم وجود المسلم، وقد وجد، ولكن مادامت هذه الروايات غير ناظرة أصلا إلى نفوذ شهادة مسلمين غير عدلين، أو مسلم واحد عند العجز عن تحصيل مسلمين عدلين، فهي منصرفة بمناسبات الحكم والموضوع إلى فرض العجز عن تحصيل البيّنة بكامل شروطها، ولاأقلّ من الإجمال. ولعلّ هذا هو مقصود السيّد الخوئي و إن قصرت عبارته.

وبناءً على إجمال الروايات يكون المرجع هو ظاهر الآية المباركة، وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحدَكم الموتُ حينَ الوصيَّةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم أو آخَرانِ من غيرِكم، إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت... (2). وهذه الآية ـ كما ترى - ظاهرة في أنّه


(1) السورة 5 المائدة الآية 4.

(2) السورة 5 المائدة الآية 106.

الصفحة 340

لا بدّ من أحد أمرين: إمّا شهادة عدلين مسلمين، أو شهادة كافرين، و هذا يعني أنّ الثاني بديل عن الأوّل عند العجز عن الأوّل، ومن الواضح أنّه مع وجود مسلم واحد أو مسلمين غير عدلين يكون العجز عن الأوّل ـ الذي هو موضوع الانتقال إلى الثاني ـ حاصلا.

اشتراط سائر شرائط البينة:

الخامس ـ الظاهر اشتراط سائر شرائط البيّنة غير الإسلام في شهادة الكتابيّين أو الذميّين، فإنّ الأدلّة إنّما كانت ناظرة إلى إلغاء اعتبار الإسلام، وليس لها إطلاق من ناحية فرض انتفاء شرط آخر. قال السيّد الخوئىّ(1): «وتؤيّد ذلك رواية حمزة بن حمران»(2)

أقول: بل تدلّ عليه بعدما عرفت من توثيق حمزة بن حمران برواية ابن أبي عُمير، وصفوان بن يحيى عنه.

انضمامه إلى مسلم عدل:

السادس ـ هل تقبل شهادة مسلم عدل واحد منضّماً إلى واحد عدل من أهل الذمّة أو أهل الكتاب، أوْلا؟. نقل السيّد الخوئي عن المستند عدم القبول اقتصاراً فيما خالف الأصل على مورد النصّ، واختار هو القبول تمسّكاً بالأولويّة القطعيّة.

أقول: لو لم تكن الأولويّة قطعيّة، فلا أقلّ من كونها عرفيّة إلى حدّ تعطي لدليل قبول شهادة الذميّين دلالة التزاميّة عرفيّة على قبول شهادة مسلم وذمّيّ، وهذه الدلالة حجّة.


(1) في مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 85.

(2) الوسائل ج 13 باب 20 من أحكام الوصايا ح 7 ص 392.

الصفحة 341

التحليف عند الارتياب:

السابع ـ إن وقع الارتياب في شهادة الذميَّيْن حُلِّفا من بعد الصلاة باللّه، وإن ظهرت بعد ذلك أمارات الكذب، حُلّف شخصان من الذين ظُلموا من قِبَل الذميّين. وقد دلّت على ذلك كلّه الآية الكريمة:﴿يا أَيُّها الذين آمنوا شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحَدَكم الموتُ حينَ الوصيةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم أو آخَرانِ من غيرِكم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحسبونهما من بعد الصلاة فيقسمان باللّه إن ارتبتم لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولانكتم شهادةَ اللّه إنّا إذاً لَمنَ الآثمين فإن عُثِر على أَنَّهما استحقّا إثماً فآخَرانِ يقومان مقامَهما من الذين استحقَّ عليهم الأَوْلَيان، فيُقسمانِ باللّهِ لَشهادتنا أَحقُّ من شهادتِهِما، وما اعتدَيْنا إنّا إذاً لَمن الظالمين (1). وبهذا المضمون وردت مرفوعة علىّ بن إبراهيم(2).

العدالة

الشرط الرابع ـ العدالة.

أدلّة الاشتراط:

وقد ورد شرط العدالة في الآيات الكريمة في موارد خاصّة من الشهادة، وهي:

1 ـ شاهدا الطلاق: قال ـ تعالى ـ: ﴿وأَشهِدوا ذَوَىْ عدل منكم (3).


(1) السورة 5 المائدة الآية 106 و 107.

(2) الوسائل ج 13 باب 21 من أحكام الوصايا الحديث الوحيد في الباب ص 394 و 395.

(3) السورة 65 الطلاق الآية 2.

الصفحة 342

2 ـ شاهدا الوصيّة: قال ـ تعالى ـ: ﴿شهادةُ بينِكم إذا حضَرَ أحدَكُم الموتُ حينَ الوصيّةِ اثنانِ ذَوا عدل منكم (1).

3 ـ في تشخيص كفّارة الصيد: قال اللّه ـ تعالى ـ: ﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا لاتقتُلوا الصيدَ وأنتم حُرُمٌ، ومن قَتَلَهُ منكُم متعمِّداً فجزاءٌ مثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يحكُمُ بِهِ ذَوا عدل منكُمْ... (2).

والآية الأخيره إنّما ترتبط بما نحن فيه، لو فُسِّرت المِثْليّة بالمثْليّة في القيمة، أمّا بناءً على ما عليه رأي الشيعة ـ زادهم اللّه شرفاً ـ من أنّ المقصود هو المماثلة في الخِلْقة من قبيل (أنّ في النعامة بدنة) و (في الظبي شاة) ونحو ذلك ممّا عُيّن في الروايات، فالظاهر ـ بناءً على قراءة (ذوا عدل) بصيغة التثنية ـ أنّ المقصود بهما هو الرسول و الإمام ، فهما اللّذان يعيِّنان كفّارة كلّ صيد، فالآية خارجة عن المقام، وقد ورد عن زرارة ـ بسند تامّ ـ عن أبي جعفر في قوله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم، فالعدل هو رسول اللّه ، والإمام من بعده يحكم به، وهو ذو عدل. فإذا علمت ما حكم به رسول اللّه والإمام، فحسبك و لاتسأل عنه(3).

وقد ورد في عدّة روايات: أنّ الألف في (ذوا عدل) خطأ من النسّاخ، وأَنّ الصيغة مفردة، والمقصود بذي عدل هو الرسول أو الإمام ، فعن حماد بن عثمان ـ بسند تامّ ـ قال: «تلوتُ عند أبي عبداللّه ﴿ذوا عدل منكم، فقال: ﴿ذو


(1) السورة 5 المائدة الآية 106.

(2) السورة 5 المائدة الآية 95.

(3) التهذيب ج 6 ص 314 ح 867.

الصفحة 343

عدل منكم، هذا ممّا أخطأت فيه الكُتّاب»(1). وعن إبراهيم بن عمر اليمانىّ ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿ذوا عدل منكم قال: العدل رسول اللّه والإمام من بعده، ثمّ قال: هذا ممّا أخطأت به الكُتّاب»(2) وعن زرارة ـ بسند تامّ ـ قال: «سألت أبا جعفر عن قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم قال: العدل رسول اللّه ، والإمام من بعده، ثمّ قال: هذا مما أخطأت به الكتّاب»(3).

ومن الطريف ـ وإن كان خروجاً عن المقام ـ ما جاء في الجواهر(4) نقلا عن دعائم الإسلام أنّه: «رُوينا أنّ رجلا من أصحاب أبي عبداللّه وقف على أبي حنيفة ـ وهو في حلقة يفتي الناس وحوله أصحابه ـ فقال: يا أباحنيفة، ما تقول في محرم أصاب صيداً؟ قال: عليه الكفاره. قال: ومن يحكم عليه بها؟ قال أبوحنيفة: ذوا عدل، كما قال اللّه تعالى قال الرجل: فإن اختلفا؟ قال أبو حنيفة: يتوقف عن الحكم حتى يتّفقا. قال الرجل: فأنت لاترى أن تحكم في صيد قيمته درهم وحدك حتى يتّفق معك آخر، وتحكم في الدماء والفروج والاموال برأيك !!

فلم يُحِرْ أبو حنيفة جواباً غير أن نظر إلى أصحابه فقال: مسألة رافضي»

وعلى أىّ حال فالآية الثالثة خارجة عن المقام، والآية الاُولى خاصّة بباب الطلاق، فقد تصعب استفادة القاعدة العامّة منها باشتراط العدالة في الشاهد دائماً، والآية الثانية خاصّة بباب الوصيّة، فأيضاً قد تصعب استفادة القاعدة العامّة منها،


(1) روضة الكافي ص 205 ح 247.

(2) الكافي ج 4 أبواب الصيد باب نوادر ح 3 ص 396.

(3) نفس المصدر ح 5 ص 397

(4) ج 20 ص 199.

الصفحة 344

وإن كان السيّد الخوئي استفاد منها القاعدة العامّة بنكتة بناء الوصيّة على التوسعة، فتقبل فيها شهادة المرأة، وشهادة غير المسلم إذا لم يوجد مسلم. وقال: «وكيف يمكن الالتزام بعدم ثبوت الوصيّة بشهادة رجلين غير عدلين. وثبوت الزواج والقتل ودعوى المال وما شاكل ذلك بشهادتهما؟!»(1)

وعلى أىّ حال فهذا هو حال الآيات في المقام، وأحسنها حالا ـ كما رأيت ـ هي آية الوصيّة.

وأمّا آيةُ الدَيْن ـ وفيها: ﴿واستشهِدوا شهيدَيْنِ من رجالِكم، فإنْ لم يكونوا رجُلَيْنِ فرجلٌ وامرأتانِ ممّن ترضَوْنَ من الشهداء (2) ـ فكون الشهيد مرْضيّاً لايدلّ على شرط العدالة بقدر ما يدلّ على شرط الوثاقة.

وأمّا الروايات: فقد دلّت جملة منها على ما نعيّة الفسق، كما ورد ـ بسند تامّ ـ عن محمد بن قيس عن أبي جعفر قال: «كان أمير المؤمنين يقول: لاآخُذُ بقول عرّاف ولاقائف ولالصّ، ولاأقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه»(3). إلاّ أنّ ما يدلّ على مانعيّة الفسق لايمكن جعله دليلا على شرط العدالة بناءً على وجود الواسطة بينهما.

نعم، ما دلّ منها على مانعيّة الفسق بنكتة دخول الفاسق في الظَنِين، كما ورد ـ بسند تامّ ـ عن عبد اللّه بن سنان، قال: «قلت لأبي عبداللّه ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتّهم، قال: قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: ذلك


(1) مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 87.

(2) السورة 2 البقرة الآية 282.

(3) الفقيه ج 3 باب من يجب ردّ شهادته، ومن يجب قبول شهادته ح 36 ص 30، وذيل الحديث ورد في الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 7 ص 290

الصفحة 345

يدخل في الظنين»(1) قد يُدّعى دلالته على شرط العدالة بدعوى أنّ فاقد الملكة كالفاسق في كونه ظنيناً، وقد يستشكل في ذلك بأنّ عنوان الظنين عنوان مشكّك ولاإشكال في اختلافهما في درجة الظنّ.

نعم، ورد في بعض الروايات عنوان العدالة، من قبيل رواية ابن أبي يعفور: قال: «قلت لأبي عبداللّه ، بِمَ تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين; حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ قال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان...»(2) وهذه الرواية واردة بسندين:

أحدهما: سند الصدوق إلى عبداللّه بن أبي يعفور، وهو تام بناء على وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى.

والآخر: سند الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن موسى عن الحسن بن علىّ عن أبيه عن عليّ بن عقبة عن موسى بن أكيل النميرىّ عن ابن أبي يعفور، وهذا ضعيف بمحمد بن موسى، وهو محمد بن موسى الهمدانيّ وقد استثنى محمد بن الحسن بن الوليد من روايات محمد بن أحمد بن يحيى رواياته عن جماعة أحدُهم محمد بن موسى الهمدانىّ.

ورواية عبدالرحمان بن الحجّاج التامّة سنداً عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين : لابأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»(3)، إلاّ أنّ هذا الحديث بما أنّه ورد بشأن قبول شهادة المملوك، فمصيره مرتبط بما سيأتي ـ إن شاء اللّه ـ من البحث عن اشتراط الحريّة وعدمه في الشاهد. فلو سقط هذا الحديث ـ ولو


(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 1 ص 274.

(2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 1 ص 288.

(3) الوسائل ج 18 باب 23 من الشهادات ح 1 ص 253.

الصفحة 346

بالتعارض ـ عن الحجّيّة أشكلت استفادة شرط العدالة منه; لأنّنا لانقول بمثل هذا التجزيء التحليلي في سند حديث واحد.

ورواية عبد الرحمان بن أبي عبداللّه ـ بسند فيه معلّى بن محمد ـ عن أبي عبداللّه قال: «كان علىّ إذا أتاه رجلان (يختصمان) بشهود عدلهم سواء وعددهم، أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين...»(1). وهذا الحديث قابل للمناقشة سنداً ودلالةً:

أمّا من حيث السند فبمعلّى بن محمد الذي قال النجاشي بشأنه: «إنّه مضطرب الحديث والمذهب». وحمل السيّد الخوئىّ اضطراب الحديث على أنّه يروي ما يعرف، ويروي ما ينكر، كما قال ابن الغضائري عنه: «إنّه يعرف حديثه وينكر». ولو سلّمنا هذا الحمل بقي أنّه لادليل على وثاقة الرجل عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات، وتفسير علي بن إبراهيم، وهذان دليلان على الوثاقة عند السيّد الخوئىّ، ولكنّنا لانقول بذلك. وقد عبّر السيّد الخوئي عن هذه الرواية بصحيحة عبدالرحمان ابن أبي عبداللّه، وهذا مبتن على مبانيه.

وأمّا من حيث الدلالة فلأنّ الرواية بصدد بيان القرعة عند تساوي الشهود عدداً وعدلا، ومن هنا قد يقال: إنّ هذا يعني الفراغ مسبقاً عن شرط العدالة. بينما يكفي في صحّة التعبير الوارد في هذه الرواية، كون درجة العدالة من المرجّحات ـ وإن لم تكن أصل العدالة شرطاً ـ فحيث يقول: «عدلهم سواء» يقصد انتفاء هذا المرجّح، ولايدلّ ذلك على الفراغ عن شرط العدالة.

ورواية محمد بن الحسن الصفّار الذي كتب إلى أبي محمد هل تُقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع : إذا شهد معه


(1) الوسائل ج 18 باب 12 من كيفيّة الحكم ح 5 ص 183.

الصفحة 347

آخر عدل فعلى المدّعي يمين(1). وهذا الحديث إن دلّ على شرط العدالة، فهو وارد في الوصيّة، فلا يفيدنا شيئاً زائداً على مفاد آية الوصيّة، ونحوها بعض الروايات(2)الدالّة على شرط العدالة الواردة في خصوص الشهادة على الميت بدين، وهي ضعيفة سنداً.

ورواية بريد بن معاوية التامّة سنداً عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن القسامة فقال: الحقوق كلّها، البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلاّ في الدم خاصّة، فإنّ رسول اللّه بينما هو بخيبر; إذ فقدت الأنصار رجلا منهم، فوجدوه قتيلا، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهوديّ قتل صاحبنا، فقال رسول اللّه للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أَقِدْه برمته...»(3).

واستدلّ أيضاً السيّد الخوئيّ على اشتراط العدالة بما ورد بسند تامّ عن محمد ابن مسلم عن أبي جعفر قال: «ردّ رسول اللّه شهادة السائل الذي يسأل في كفه «قال: أبوجعفر : «لأَنّه لايُؤمن على الشهادة، وذلك لأنّه إن أُعطي رضي، وإن مُنع سخط»(4) فقد دلّت هذه الرواية على أنّ الشاهد لابد أن يكون مأموناً على شهادته، بينما الفاسق غير مأمون عليها.

أقول: لو جعلنا المقياس هو الأمن على الشهادة، لم يدلّ هذا على أكثر من شرط الوثاقة، فإنّ من يكون ثقة في حديثه، يكون مأموناً على الشهادة وإن كان فاسقاً من بعض الجهات، أو كان غير واجد لملكة العدالة.


(1) الوسائل ج 18 باب 28 من الشهادات، الحديث الوحيد في الباب ص 373.

(2) الوسائل ج 13 باب 26 من الوصايا ح 5 و 6 و 7 ص 402.

(3) الوسائل ج 18 باب 3 من كيفيّة الحكم ح 6 ص 171.

(4) الوسائل ج 18 باب 35 من الشهادات ح 2 ص 281.

الصفحة 348

وهناك روايات أُخذ فيها بعض العناوين التي قد يُقال: إنّها إشارة إلى العدالة، وذلك كعنوان الصلاح والخير، من قبيل:

ماورد - بسند تامّ - عن محمد بن مسلم، قال: «سألت أباجعفر عن الذمّيّ والعبد يشهدان على شهادة، ثمّ يسلم الذمّيّ ويُعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا اُشهدا عليه؟ قال: نعم، إذا عُلم منهما بعد ذلك خير، جازت شهادتهما»(1).

وماورد عن عمّار بن مروان - بسند فيه محمد بن موسى بن المتوكّل - قال: «سألت أباعبداللّه : أو قال: سأله بعض أصحابه عن الرجل يشهد لأبيه، أو الأخ لأخيه، أو الرجل لامرأته، قال: لا بأس بذلك إذا كان خيّراً، تُقبل شهادته لأبيه، والأب لابنه والأخ لأخيه»(2).

وماورد - بسند تامّ - عن العلا بن سيّابة عن أبي عبداللّه : «أنّ أبا جعفر قال: لاتُقبل شهادة سابق الحاج، لأنّه قتل راحلته، وأفنى زاده، وأتعب نفسه، واستخفّ بصلاته، قلت: فالمكاريّ والجمّال والملاّح؟ فقال: وما بأس بهم، تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء»(3).

وهذه الروايات قد يمكن المناقشة فيها دلاليّاً بأن يُقال: إنّ عنوان الخيّر والصالح ونحو ذلك، لا يلازم العدالة، وذلك بدعوى أنّ من يغلب عليه الخير والصلاح يُسمّى خيّراً أو صالحاً وإن كان مبتلى بمعصية مّا في أمر من أُموره


(1) الوسائل ج 18 باب 29 من الشهادات ح 1 ص 285.

(2) الفقيه ج 3 ح 70 ص 26، وذكر قسماً منه في الوسائل مع شيء من التغيير غير المضرّ في ج 18 باب 41 من الشهادات ح 9.

(3) الوسائل ج 18 باب 34 من الشهادات ح 1 ص 280 و 281.

الصفحة 349

الشخصيّة، إلاّ أنّه لا يبعد القول بأنّ المستفاد عرفاً من كلمة الصلاح وكلمة الخيّر هو معنى العدالة.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه تماميّة بعض الروايات سنداً ودلالة على شرط العدالة.

ولو تنزّلنا عن ذلك قلنا: إنّ هذه الروايات حتى لو تمّت مناقشة كلّ قسم منها على حدة تصلح بمجموعها لإثبات شرط العدالة، فصحيح أنّ بعضاً منها دلّ على مانعيّة الفسق فحسب، فلم يدلّ على عدم نفوذ شهادة من لايكون فاسقاً، ولا عادلا، وبعضاً منها دلّ على شرط كونه مأموناً على الشهادة، وهذا لايمنع عن قبول شهادة الفاسق الثقة في إخباره، وبعضاً منها دلّ على شرط كونه خيّراً أو صالحاً، وهذا قد يُفرض عدم دلالته على شرط العدالة، ولكن من الواضح أنّ غير العادل لايخلو أمره من أحد فروض ثلاثة على سبيل منع الخلوّ:

1 - أن يكون فاسقاً.

2 - أن يكون غير واجد للملكة المانعة، أو الوازع الداخليّ، أو الرادع النفسانيّ، (وما شئت فعبّر) حتى عن الكذب في الشهادة.

3 - أن لايكون قد مضى عليه زمان يصدق عليه بلحاظ طول هذه المدّة أنّه خيّر أو صالح.

أمّا من لايكون فاسقاً، ويغلب عليه الخير والصلاح في طول مدّة معتدّبها، ويكون أميناً في النقل والشهادة، فهذا عادل لامحالة. وقد دلّ قسم من الأخبار على عدم نفوذ شهادة الأوّل، وقسم منها على عدم نفوذ شهادة الثاني، وقسم منها على عدم نفوذ شهادة الثالث، فالمجموع قد دلّ على عدم نفوذ شهادة غير العادل، بل القسم الأوّل والأخير يكفيان لإثبات المطلوب، فإنّ من لا يؤمن على النقل والشهادة لايعتبر خيّراً وصالحاً.

 
الصفحة 350

فإن قلت: إنّ النسبة بين ما دلّ على عدم نفوذ شهادة الفاسق وما دلّ على نفوذ شهادة الخيّر والصالح عمومٌ من وجه; لأنّ الفاسق قد يكون خيّراً وصالحاً، كما إذا غلب عليه الخير والصلاح، وكان مبتلىً بمعصية مّا، وقد لا يكون خيّراً، وقد لايكون الخيّر فاسقاً، فلماذا يقيّد الثاني بالأوّل دون العكس؟

قلت: أوّلا - لو فُرِض التعارض والتساقط وصلت النوبة إلى أصالة عدم نفوذ شهادة غير العادل.

وثانياً - إنّ دليل عدم نفوذ شهادة الفاسق دلّ بالإطلاق على عدم نفوذ شهادته، وإن غلب عليه الخير والصلاح، بينما دليل شرط الخير والصلاح لم يدلّ على نفوذ شهادة المبتلى بفسق ما، إذا غلب عليه الصلاح والخير، وذلك لأنّنا لو سلّمنا أنّ قوله : «إذا كانوا صلحاء»، وقوله «إذا كان خيّراً» لايدلّ على شرطيّة عدم الفسق، فهو لايدلّ على العكس، فإنّ كلمة الصالح والخيّر مشكّكة، واحتمال إرادة العادل منها وارد، فلا أقلّ من الإجمال. وكذلك الحال في قوله: «إذا علم منهما بعد ذلك خير، جازت شهادتهما» بعد وضوح عدم إرادة مجرّد مسمّى الخير الذي قد يصدر حتى ممّن غلب عليه الفسق.

هذا. وذكر السيّد الخوئيّ(1): أنّ بعض الروايات تدلّ على عدم اعتبار العدالة في الشاهد، ونفوذ شهادة المسلم وإن كان فاسقاً، من قبيل ما عن حريز - بسند تامّ - عن أبي عبداللّه في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدِّل منهم اثنان، ولم يُعدَّل الآخران، فقال: «إذا كانوا أربعةً من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور، أُجيزت شهادتهم جميعاً، وأُقيم الحدّعلى الذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوليّ أن يجيز شهادتهم، إلاّ أن يكونوا معروفين


(1) في تكملة المنهاج ج 1 ص 89 و 90.

الصفحة 351

بالفسق»(1) وما عن علا بن سيابة - بسند تامّ - قال «سألت أباعبد اللّه عن شهادة من يلعب بالحمام، فقال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق»(2).

وردّ هذه الروايات: أوّلا - بالشذوذ، وعدم قابليّتها لمعارضة الروايات المشهورة المعروفة الدالّة على شرط العدالة. تقيّد بالروايات السابقة.

وثانياً ـ بأنها مطلقة تقيّد بالروايات السابقة.

أقول: إنّ ما في عنوان المعرفة من الطريقيّة يمنع عن ظهور هذه الأحاديث في عدم مانعية الفسق، ويجعلها ظاهرةً في إرادة أنّ الفسق لايثبت إلاّ بالمعرفة، وأنّ الأصل عند الشكّ هو العدالة. إذن فهذه الأحاديث لاتعارض روايات شرط العدالة، وإنّما تعارض روايات كون الأمارة على العدالة هي حسن الظاهر; حيث إنّ هذه الروايات تفترض أنّ مجرد عدم ظهور الفسق أمارة على العدالة، وتحمل بالجمع بواسطة التقييد على أنّ المراد هو عدم ظهور الفسق فيما بين معاشريه، كجيرانه وأصدقائه، وهذا هو عبارة عن حسن الظاهر، وقد مضى الحديث عن ذلك في ما مضى عند البحث عن شرط العدالة في القاضي.

كما مضى هناك أيضاً البحث عن مدى اضرار ارتكاب الصغيرة بالعدالة.

والذي نضيفه هنا هو أنّ ممّا يمكن أن يُستدلّ به على قبول شهادة مرتكب الصغيرة هي الروايات الواردة في أنّ عدم قبول شهادة الفاسق من باب دخوله في الظنين: كرواية عبداللّه بن سنان التامّة سنداً: قال: «قلت لأبي عبد اللّه : ما


(1) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 18 ص 293 و 294.

(2) الوسائل ج 18 باب 41 من الشهادات ح 6 ص 291، وباب 54 من الشهادات ح 1 و 3 ص 305. والسند الموجود في المورد الأوّل وفي الحديث 3 من المورد الثاني، هو التامّ دون السند الآخر.

الصفحة 352

يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين، والمتهم. قال: قلت: فالفاسق والخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين»(1)، ونحوها روايات أُخرى مذكورة في الوسائل في الباب (30) من الشهادات.

وجه الاستدلال: هو أنّ الإمام ذكر في هذه الأحاديث أنّ عدم قبول شهادة الفاسق يكون باعتباره داخلا في الظنين، بينما مرتكب الصغيرة غير المصرّ عليها، والمجتنب للكبائر لايصدق عليه عنوان الظنين، فهذه الروايات تدلّ على أنّ هذا المستوى من الذنب لايضرّ بالشهادة.

وقد يُقال: لوصار القرار على هذا النمط من الاستدلال إذن هذه الروايات تدلّ على قبول شهادة الفاسق الّذي يكون ثقة في شهادته; لأنّه ليس ظنيناً.

وبالإمكان الإجابة على ذلك: بأنّ من المحتمل كون الرواية ناظرة إلى كون الفسق قرينة نوعيّة على الظنّة; لأنّ من يرتكب الكبائر، يأتي بشأنه احتمال ارتكاب الكذب في الشهادة. فالفاسق بطبعه ظنين، وافتراض أنّ القاضي يثق صدفة بعدم ارتكاب هذا الفاسق للكذب، لاينافي كون الفاسق بما هو فاسق ظنيناً في نوعه، وهذا بخلاف من لم يرتكب إلاّ الصغيرة بلا إصرار، فإنّ ارتكابه للصغيرة بلا إصرار لايوجب الظنّة به بلحاظ شهادة الزور الّتي هي كبيرة من الكبائر.

وبنفس هذا البيان أيضاً يمكن إثبات قبول شهادة المخالف لعقائد الشيعة إذا كان عدلا في مذهبه، كالسنّىّ العادل في مذهبه، فإنّه وإن كان فاسقاً في العقائد ـ بمعنى التقصير في تحصيل العقائد الحقّة ـ لكن هذا لايجعله ظنيناً إذا كان هو بحدّ ذاته إنساناً عدلا في تصرّفاته.


(1) الوسائل ج 18 باب 30 من الشهادات ح 1 ص 274.

السابق | التالي | فهرس الكتاب