الصفحة 249

طرق الإثبات في الفقه الإسلامي


2




البيّنة



معنى المدّعي والمنكر.
شرائط البيّنة.
هل تجري البيّنة واليمين على عكس القاعدة .
مدى نفوذ بيّنة المنكر.
تعارض البيّنتَين.

 
الصفحة 250


 
الصفحة 251








الطريق الثاني - البيّنة. قد اتّفقت كلمة الشريعة الإسلاميّة والفقهاء الوضعيين على أنّ القاعدة الأوليّة في باب القضاء هي مطالبة المدّعي بالبيّنة، ومطالبة المنكر باليمين، ففي الحديث بسند تامّ عن أبي عبداللّه قال: «قال رسول اللّه : البيّنة على من ادّعى واليمين على من ادّعي عليه»(1).

وقال أحمد نشأت في كتابه رسالة الإثبات المكتوب وفق القضاء الوضعيّ:

«وممّا تقدم يمكن وضع القاعدة الآتية: المكلّف بالإثبات هو من يدّعي خلاف الثابت أصلا أو عرفاً، أو خلاف الظاهر، أو خلاف قرينة قانونيّة غير قاطعة، أو خلاف قرينة قضائيّة....

والقاعدة الرومانيّة: أنّ المدّعي هو المكلف بالإثبات، وأنّ المنكر لايلزم بإثبات ....

والقاعدة الإنجليزيّة: أنّ من يدّعي حقّاً أو يدفعه، أي يدّعي التخلّص منه عليه الإثبات.

41 - أمّا القاعدة الفرنسيّة، فكما جاء في المادّة 1315 من القانون المدنيّ


1 ـ الوسائل، ج 18 باب 3 من كيفيّة الحكم ح 1.

الصفحة 252

الفرنسيّ (الّتي تقابل عندنا المادّة 289 من القانون المدنيّ القائم، وهي: «على الدائن إثبات الالتزام، وعلى المدين إثبات التخلّص منه» وبمعناها المادّة 214 / 278 من القانون المدني السابق) هي: من يطالب بتنفيذ تعهّد وجب عليه إثباته، ومن ادّعى التخلّص وجب عليه إثبات الدفع الذي انقضى به ذلك التعهّد...»(1)

وعلى أيّ حال، فالكلام في البيّنة يقع ضمن عدّة أبحاث:

1 - معنى المدّعي الذي عليه البيّنة في مقابل المنكر.

2 - شرائط البيّنة.

3 - هل يوجد مورد للاستثناء من القاعدة المعروفَة، أي قاعدة «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»؟ وما هو ذلك المورد؟

4 - هل تقبل البيّنة من المنكر؟

5 - تعارض البيّنات.


1 ـ رسالة الإثبات ج 1 الفقرة 39 إلى 41 ص 70 و 71.

الصفحة 253

     البيّنة


1




معنى المدّعي والمنكر



تعريف المدّعي.
العبرة بالمصبّ أو بالنتائج؟.
تعيين المنكر بخبر الثقة.
اجتماع الدعوى والإنكار.
مصبّ النزاع بين المدّعي والمنكر.

 
الصفحة 254


 
الصفحة 255





البحث الأوّل - معنى المدّعي والمنكر:


تعريف المدعي:

وقد ذكرت كلمات كثيرة في تعريف المدّعي من قبيل:

1 - ما ذكره المحققّ في الشرائِع من أنّه: «هوالذي يُترك لو ترك الخصومة». قال في الجواهر: «وقيل: إنّه المشهور» أي هذا التفسير هو المشهور(1).

ويعطي نفس المعنى ما قد يقال: من أنّ المدّعي هو الذي يخلّى وسكوته(2).

2 - إنّ المدّعي هو الذي يكون قوله خلاف الظاهر، ونُسب ذلك إلى مشهور العامّة(3).

3 - إنّ المدعي هو الذي يكون قوله خلاف الأصل(4).


(1) راجع الجواهر ج 40 ص 371.

(2) راجع الجواهر ج 40 ص 375.

(3) راجع الجواهر ج 40 ص 375.

(4) راجع نفس المصدر والجزء ص 372.

الصفحة 256

وقد ذكر في القواعد هذه التعاريف الثلاثة بقوله: «المدّعي هو الذي يُترك لو ترك الخصومة، أو الذي يدّعي خلاف الظاهر، أو خلاف الأصل»(1).

4 - وقد يمزج بين التعريف الثاني والثالث فيقال: إنّ المدّعي هو الذي يدّعي خلاف الأصل أو أمراً خفيّاً(2).

ولعلّ المراد بهما شيء واحد; بأنّ يقصد بالأصل الظاهر.

والذي ينبغي أن يكون مقصوداً بالأصل - بناءً على جعله في مقابل الظاهر; كي يتحقق التغاير بين التعريفين الثاني والثالث - هو ما يكون ثابتاً شرعاً بغضّ النظر عن المرافعة والقضاء; سواء كان ثابتاً بظهور حجّة، أو بأصل شرعيّ، أو بأيّة قاعدة شرعيّة . والحاصل أنّ المقصود بالأصل ينبغي أن يكون هو الحجّة.

5 - واختار المحقّق الآشتياني : أنّ المرجع هو العرف، فكلّ من أطلق عليه العرف المدّعي يحكم عليه بما هي وظيفته شرعاً سواء وافق قوله الأصل والظاهر، أو خالفهما، أو وافق أحدهما وخالف الآخر(3).

6 - واختار السيّد الخوئي: أنّ المقياس في المدّعي هو من يرى العرف بشأنه أنّ عليه مؤونة الإثبات(4).

واختار صاحب الجواهر أنّ الأَولى هو الإرجاع في تمييز المدّعي من المنكر إلى العرف، وذكر: أنّ اختلافاتهم في التعاريف ليست اختلافات حقيقيّة في معنى المدّعي وإن رتّب بعضهم الأحكام عليها عند اختلاف مقتضاها. فهو يرى


(1) قواعد الأحكام ص 208.

(2) الجواهر ج 40 ص 372.

(3) كتاب القضاء للآشتياني طبع طهران ص 336.

(4) مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 42.

الصفحة 257

أنّ افتراض ثمرات علميّة تترتب على هذه التعاريف - كما عن بعضهم - غير صحيح، وأنّ هذه التعاريف هي تعاريف ببعض الخواصّ اللازمة، أو الغالبة لإرادة التمييز في الجملة(1).

7 - وورد في بعض عبائره : «أنّ «المرادبه - يعني المدّعي - الذي قام به إنشاء الخصومة في حقّ له، أو خروج من حقّ عليه سواء وافق الظاهر و الأصل بذلك أو خالفهما، وسواء تُرِك مع سكوته أو لم يُترَكْ، فإنّ المدّعي عرفاً لا يختلف باختلاف ذلك»(2).

أقول: لاينبغي الإشكال في أنّ المرجع هو العرف بعد عدم ورود حقيقة شرعيّة أو متشرّعيّة لكلمتي المدّعي والمنكر، ولكنّ الكلام في أنّه هل يكون أحد التعاريف المتقدّمة مطابقاً لفهم العرف أوْ لا؟ وهل هناك ضابط فنّي لتحديد ما يقوله العرف في المقام أوْلا؟.

كما أنّ ما ذكره السيّد الخوئي من أنّ المدّعي هو الذي يرى العرف أنّ عليه مؤونة الإثبات أيضاً لا كلام لنا فيه; لأنّ قاعدة «أَنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» هي شرعيّة وعرفيّة في نفس الوقت، فطبيعيّ أن يكون من عليه الإثبات عند الشرع هو من عليه الإثبات عند العرف وإن وقع بينهما خلاف أحياناً في ذلك بسبب الاختلاف في تشخيص المصداق، وإنّما الكلام في أنّه هل هناك ضابط فنّي لتحديد المدّعي، ولتحديد من عليه الإثبات أوْلا؟

والواقع: أنّ المدّعي بمعناه اللّغويّ صادق على المنكر أيضاً، فإنّه يدّعي الإنكار، ودعوى النفي كدعوى الإثبات تكون دعوى لغةً لامحالة، والمفهوم عرفاً


(1) الجواهر ج 40 ص 371 و ص 374 - 375.

(2) الجواهر ج 40 ص 376.

الصفحة 258

من كلمة المدّعي في مقابل المنكر هو من يدّعي شيئاً جديداً على المنكر، وإلاّ فكلاهما مدّع كما قلنا، ومعنى كونه يدّعي شيئاً جديداً عليه هو أنّه يلزمه بأمر على خلاف ما هو ثابت لولا القضاء، فالمنكر سمّي منكراً لأنّه يدفع عن نفسه الشيء الجديد الذي هو على خلاف الطبع الأوّليّ الثابت، والمدّعي سمّي مدّعياً لأنّه يلزمه بدعوى جديدة، وهذا يعني أنّ الصحيح من التعاريف السابقة هو تعريف المدّعي بأنّه هو الذي يكون قوله خلاف الأصل أو الحجّة، أو تعريفه بأنّه الذي لو تَرك تُرك على تفسير سيأتي من المحقق العراقي .

أمّا تعريفه بأنّه الذي يكون قوله خلاف الظاهر فبالإمكان تأييده بأنّ معنى المدّعي يجب أن نأخذه من العرف كما أسلفنا، والعرف يرجع إلى ما هو الظاهر لديه، فمن يدّعي خلافه يراه مدّعياً.

ولكنّ الواقع أنّ الظاهر الذي ليس حجّة لدى العرف لايبني عليه العرف، ولايفترض من يخالفه مدّعياً لشيء جديد، والظاهر الذي يكون حجّة لديه يفترض من يخالفه مدّعياً، لا لأنّ كلامه خلاف الظاهر، بل لأنّ كلامه خلاف الحجّة، والحجّة عند الشرع إن تطابقت مع الحجّة عند العرف اتّحد المدّعي لدى الشرع ولدى العرف، وإن اختلفت معها اختلف المدّعي لدى الشرع عن العرف، لا بمعنى الاختلاف في تفسير معنى المدّعي، بل بمعنى الاختلاف في التطبيق. فإن أراد من يفسّر المدّعي بمن خالف قوله الظاهر هذا المعنى فقد رجع ذلك إلى التفسير المختار.

وأمّا تعريف المدّعي بأنّه الذي لو تَرك تُرك، أو الذي يُخلّى وسكوته، فإن فُسِّر بمعنى من بيده - عملا - رفع النزاع الى الحاكم، ولو جلس في بيته لا نتهى النزاع، فهذا واضح البطلان; إذلا أتصوّر أحداً يقبل أن يقال: إنّ من يدّعي أداء الدين منكر ومن ينكره هو المدعي; إذ لو سكت هذا المنكر - اى من ينكر أداء الدين - وجلس في بيته لانتهى النزاع عملا.

 
الصفحة 259

وإن فُسّر بما فسر به المحقّق العراقي : من أنّ المدّعي هو الذي لو ترك إِلزام الآخر بخلاف الحجّة الفعليّة، وأبقى الوضع على طبعه الأَوّلي لتُرك، وانتهت الخصومة(1)، فهذا صحيح وراجع إلى التعريف الثالث من كون المدّعي من يخالف الأصل.

أمّا ما جاء في بعض عبائر الجواهر من (أنّ المراد به الذي قام به إنشاء الخصومة في حقّ له، أو خروج من حقّ عليه)، فكان بالإمكان إرجاعه إلى التعريف الأوّل، أو التعريف الثالث لولا تكميل العبارة بقوله: «سواء وافق الظاهر والأصل بذلك أو خالفهما، وسواء ترك مع سكوته أو لم يترك - ... -». أمّا بعد إضافة هذه التكملة فالعبارة مشوّشة.

هذا، ومن الغريب ما جاء في الجواهر كمناقشة لتعريف المدّعي بأنّه من خالف قوله الأصل - لو لم يحمل على مجرد الإشارة إلى معنى عرفيّ -: من أنّه قديناقش في هذا التعريف بأَنّ فيه إجمالا; لأنّه إن كان المراد مخالفة مقتضى كلِّ أَصل بالنسبة إلى تلك الدعوى فلاريب في بطلانه ضرورة أَعمّيّة المدّعي من المخالفة للأصل، فإنّ كثيراً من أفراده موافقة لأصل العدم وغيره، ولكنّها مخالفة لأصل الصحّة ونحوه، وإن أُريد مخالفة أصل في الجملة فلا تمييز فيه عن المنكر الذي قد يخالف أصلا من الأُصول(2).

وفيه: أنّ المقياس هو الأصل الذي يكون حجّة في المقام لولا النزاع، وهو حتماً بعض هذه الأُصول المتضاربة لاكلّها.

وعلى أيّ حال، فخلاصة الكلام هي: أنّ عمدة التعاريف هي التعاريف


(1) كتاب القضاء ص 104 - 105.

(2) الجواهر ج 40 ص 373.

الصفحة 260

الثلاثة الأُولى، والمختار منها هو الثالث إن فُسّر الأصل بمعنى الحجّة، أو الأوّل بالتفسير الذي استفدناه من كلام المحقّق العراقي و الذي يرجع به إلى التفسير الثالث.

بقيت هنا اُمور:

العبرة بالمصبّ أو بالنتائج؟

الأمر الأوّل - هل العبرة في تشخيص المدّعي والمنكر بمصبّ الدعوى، أو النتائج التي يُلزم بها أحد الطرفين؟

ذكر صاحب الجواهر في مسألة الاختلاف في مقدار الأُجرة في إيجار العين(1): أنّ المشهور هو: أنّ القول قول المستأجر بيمينه إلى أن قال: «قد يقال: إنّ المتّجه التحالف إذا فرض كون مصبّ الدعوى منهما في تشخيص العقد الذي سبَّب الشغل - يعني هل هو العقد على الخمسة، أو العقد على العشرة مثلا - ... نعم، لو كانت الدعوى بينهما في طلب الزائد وإنكاره وإن صرّحا بكون ذلك من ثمن الإجارة، كان الموجر حينئذ المدّعي والمستأجر المنكر، بخلاف الأوّل الذي لايشخّص الأَصل أحدهما ; إذ كلّ منهما أَمر وجودي والأصل عدمه، والفرض أنّه شخص واحد لاشخصان».

أقول: إنّ هذه العبارة صريحة في فرض أنّ العبرة في تشخيص المدّعي والمنكر بمصبّ الدعوى، كما أنّ ما عن المشهور من كون القول قول المستأجر بيمينه يعني أنّ العبرة بالنتيجة.


(1) الجواهر ج 40 ص 456 - 458.

الصفحة 261

ولا يخفى أنّ هذا البحث لامجال له بناءً على أنّ الضابط في تشخيص المدّعي والمنكر هو مخالفة الظاهر وموافقته، فإنّ مصبّ الدعوى والنتيجة متلازمان في الظهور وعدمه، فإنّ النتيجة هي ثمرة ذاك المصبّ، والمصبّ هو مُنتِجُ تلك النتيجة، ومايكون ظاهراً في أحدهما فهو ظاهر في ملازمه لامحالة.

كما لامجال أيضاً لهذا البحث بناءً على أنّ الضابط في تشخيص المدّعي والمنكر هو أن يكون الذي إذا تَرك تُرك مدّعياً والآخر منكراً - ما لم يرجع الى مسألة مخالفة الأصل وموافقته بالتوجيه الذي مضى من المحقق العراقي ; إذ من الواضح أنّ من يترك إلزام الآخر بالنتيجة وهي الخمسة الزائدة في المثال الماضي هو الذي لو تَرك الخصومة تُرك، ومصبّ الدعوى لايلعب دوراً مغايراً لذلك.

وإنّما الذي يمكن أن يتصور بدواً - من التعريفات الثلاثة المهمّة للمدّعي - مورداً لفتح بحث من هذا القبيل - وهو البحث عن أنّ المقياس هل هو مصبّ الدعوى أو النتيجة - هو التعريف المختار، وهو أنّ المدّعي من خالف قوله الأصل، والمنكر من وافق قوله الأصل، أو أنّ المدّعي من إذا تَركَ تُرك بالتفسير الماضي عن المحقّق العراقي ، فيقُال مثلا في مسألة الاختلاف في مقدار الأُجرة - إذا جَعَلا مصبّ النزاع نفس الإيجارين -: إنّه بناءً على كون المقياس هو مصبّ الدعوى فكلّ منهما مدّع لعقد على خلاف الأصل ومنكر لعقد آخر، وبناءً على كون المقياس النتيجة فالموجر مدّع والمستأجر منكر; لأنّ الموجر يدّعي مبلغاً إضافياً ينكره المستأجر.

وذكر المحقّق العرافي : أنّ الصحيح هو أنّ المقياس قيام الحجّة على نفي الجهة الملزمة المترتبة على الدعوى، لا الحجّة على محطّ الدعوى محضاً; لأنّ المدّعي هو الذي لو ترك مخالفة الإلزام الثابت بالأصل والحجّة لتُرك، وهذا إنّما يصدق على من يطالب بالإلزام بالنتيجة التي يكون مقتضى الأصل والحجّة خلافها. أمّا مجرد

 
الصفحة 262

كون دعواه للإيجار على الخمسة مثلا خلاف أَصالة عدم هذا الإيجار، فلا يجعله بحيث لو ترك مخالفة ما عليه - عملا بمقتضى القواعد الأوّلية لولا النزاع - لتُرك(1).

أقول: هذا البيان إنّما جاء بعد فرض إرجاع التعريف بمن اذا تَرك تُرِك إلى التعريف بمخالفة الأصل، مع الاحتفاظ بعنصر أنّ تركه يوجب الترك، أمّا لو قلنا بمجرّد أنّ المدّعي من خالف قوله الأصل فلم يظهر لحدّ الآن أنّ المقياس هو مصبّ الدعوى أو النتيجة.

وذكر أُستاذنا الشهيد (2) فيما لو اختلفا في نقل أحدهما للكتاب مثلا إلى الآخر، هل كان بالبيع أو بهبة لازمة؟ والذي يترتب على ذلك أنّه على الأوّل له المطالبة بالثمن، ومع عدم تسليمه فله خيار الفسخ، وعلى الثاني ليس له هذا ولا ذاك - أنّ في بحث القضاء كلاماً حول أنّ تشخيص المدّعي والمنكر هل يكون بنفس مصبّ الدعوى، أو بالإلزامات التي يدّعيها أحد هما على الآخر؟ والمختار هو الثاني ، ولو فرضنا الأوّل وهو كون تشخيص المدّعي والمنكر بلحاظ مصبّ الدعوى، فقد يتوهّم أنّ المورد مورد التحالف. ولكنّ التحقيق أنّ من يدّعي البيع هو المدّعي، وأنّ الحلف يكون لمن يدّعي الهبة; لأنّ تحالفهما فرع أن تكون هناك خصومتان: خصومة حول البيع، وخصومة حول الهبة، وليس الأمر كذلك، فإنّه وإن كان هناك تكاذبان ولكن ليس كلّ تكاذب تطبّق عليه قوانين الخصومة; مثلا لو تكاذب شخصان في نزول المطر وعدمه من دون أن يكون ذلك مثمراً لثمر إلزاميّ


(1) كتاب القضاء للمحقق العراقي ص 105.

(2) مأخوذ من تقريري لأُصوله رحمه الله لآخر بحث القطع في الفرع الرابع من فروع فرضيّة ترخيص الشارع لمخالفة القطع. (راجع مباحث الاصول الجزء الاول من القسم الثاني ص 248 ـ ص 253).

الصفحة 263

ل أحدهما على الآخر، فهل هذا يعتبر خصومة ترفع إلى الحاكم؟! طبعاً لا. والهبة في ما نحن فيه من هذا القبيل; إذ لايترتب على الهبة شيء عدا ملكيّة الكتاب الّتي هي مترتبة على البيع أيضاً، فكلاهما معترفان بها، فدعوى الهبة لم توجب خصومة بينهما، وإنّما الّتي أو جبت الخصومة هي دعوى البيع الّتي يترتب عليها إلزام المشتري بالثمن وثبوت الخيار على تقدير عدم تسليم الثمن ...».

أقول: هذا البيان في غاية المتانة; إلاّ أنّه لم يكن ينبغي الاعتراف بالإثنينيّة بين فرض كون المقياس لتشخيص المدعي والمنكر هو النتيجة الالزامية أو هو مصبّ الدعوى واختيار الاوّل وجعل هذا البيان دليلا على انه حتى على الثاني يكون مدّعي البيع فى المقام هو المدّعي ومدّعي الهبة هو المنكر، بل كان ينبغي ان يجعل هذا البيان دليلا على ان البحث عن كون المقياس في تشخيص المدّعي هو مصبّ الدعوى أو النتيجة الإلزامية لا مورد له حتى على مبنى كون المدّعي هو من يخالف قوله الاصل أو أنّه من اذا تَرك تُرِك بتفسير يشابه التفسير بمخالفة الاصل. وذلك لوضوح أنه اذا أخرجنا من الحساب الدعوى التى لاتؤثّر على النتيجة، فالأصل في الدعوى الأخرى التى تؤثّر على النتيجة مع الاصل فى النتيجة إمّا يتوافقان، أو يتقدّم أحدهما على الآخر بالحكومة فيكون أصلا للمصبّ والنتيجة معاً.

هذا، واستدلّ المحقّق العراقيّ (1) أيضاً على كون المقياس هو الأصل في النتائج والإلزامات لا في مصب الدعوى بالحديث الوارد في الاختلاف حول دعوى الوديعة أو الرهن، وهو ما ورد بسند تامّ عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أنّه قال في رجل رهن عند صاحبه رهناً، فقال الذي عنده الرهن: ارتهنته عندي بكذا وكذا، وقال الآخر: إنّما هو عندك وديعة، فقال: «البيّنة على


(1) كتاب القضاء ص 105 - 106.

الصفحة 264

الذي عنده الرهن أنّه بكذا وكذا، فإن لم يكن له بيّنة فعلى الذي له الرهن اليمين»(1); إذ لوكان المقياس هو الأصل في مصبّ الدعوى، لكان المورد مورداً للتداعي; لأنّ كلّا ً من الوديعة والرهن أمر وجوديّ محكوم بأصالة العدم.

إلاّ أنّه يوجد في مقابل هذا الحديث ما دلّ على أنّ البيّنة على مدّعي الوديعة واليمين على مدّعي الرهن، فقد يُقال: إنّ هذا يدلّ على أنّ المقياس في تشخيص المدّعي هو المصبّ لا النتيجة، فإنّ الرهن والوديعة مصبّان للدعوى، فيفترض أنّ يده على هذه العين دليل على صدق دعواه للرهن، ولو كان المقياس هو النتيجة لجرت أصالة عدم الدين.

وحتى لو لم يدّل على أنّ المقياس هو المصبّ، بل دلّ على أنّ المقياس هو النتيجة كما هو الحال في الحديث الأوّل، فبعد تعارض الحديثين في أنّ المدّعي هل هو من يدّعي الرهن أو هو من يدّعي الوديعة وتساقطهما، لايبقى لنا دليل روائي على كون المقياس هو النتيجة.

إلاّ أنّ الصحيح عدم وجود تعارض بين الحديثين كما يظهر بالتدقيق في متن الحديث الأوّل، وقد مضى، وفي متن الحديث الثاني وهو ما ورد بسند تامّ عن عباد ابن صهيب، قال: «سألت أباعبداللّه عن متاع في يد رجلين، أحدهما يقول: استودعتكه، والآخر يقول: هو رهن. قال: فقال: القول قول الذي يقول هو انّه رهن، إلاّ أن يأتي الذي ادّعى أنّه أودعه بشهود»(2).

فبالتدقيق في الحديثين يظهر أنّ موضوع الحديث الأوّل هو الاختلاف في الرهن والدَّين; إذ يقول: «فقال الذي عنده الرهن: ارتهنته عندي بكذا وكذا»،


1 ـ الوسائل ج 13 باب 16 من أحكام الرهن ح 1 ص 136.

(2) نفس المصدر ح 3 ص 137.

الصفحة 265

ويقول: «البيّنة على الذي عنده الرهن أنّه بكذا وكذا»، وهذا ظاهره أنّ من يدّعي الوديعة ينكر الدَّين المفروض كون هذا رهناً له، وفي هذا الفرض يكون الأصل مع مدّعي الوديعة; لأنّ الدَّين خلاف الأصل، ويده على العين ليست عرفاً أمارة على صدقه في دعوى الرهن في مقابل مالك العين الذي اقتضى الأصل براءة ذمّته عن الدَّين، أي أنّ أمارّية هذه اليد على الدَّين غير عرفيّة، وأماريّتها على الرهنيّة حتى مع نفي الدين بالأصل أيضاً غير عقلائيّة.

أمّا في الحديث الثاني فلم يأتِ أيّ ذكر عن الدَّين، وإنّما فُرض فيه الاختلاف في الرهن والوديعة، وهذا ينسجم حتى مع افتراض كون الدَّين متّفقاً عليه في ما بينهما، وإنّما الخلاف في الرهن على ذاك الدين وعدمه، فإذا فرض النزاع في عنوان الرهن والوديعة فحسب ولم يفرض أيّ نزاع آخر، قيل: إنّ الأصل مع مدّعي الرهن; لأنّه ذواليد وأمين فيُقبل كلامه. ولو سلّم إطلاق الحديث لفرض امتداد النزاع إلى الدَّين قيّد بالحديث الأوّل.

ويشهد لهذا الجمع ماورد من حديث يُفصِّل بين ما إذا كان النزاع في زيادة الدَّين فالأصل مع منكر الزيادة، وما إذا كان النزاع في الرهن مع تسليم الدَّين فالأصل مع مدّعي الرهن، وهو ماورد بسند تامّ عن الحسن بن محمد بن سماعة عن أبي عبداللّه قال: «إذا اختلفا في الرهن: فقال أحدهما: رهنتُه بألف، وقال الآخر: بمائة درهم، فقال: يسأل صاحب الألف البيّنة، فإن لم يكن بيّنة حلف صاحب المائة، فإن كان الرهن أقلّ ممّا رهن به أو أكثر واختلفا، فقال أحدهما: هو رهن، وقال الآخر: هو وديعة، قال: على صاحب الوديعة البيّنة، فإن لم يكن بيّنة

 
الصفحة 266

حلف صاحب الرهن»(1).

فقوله: «إن كان الرهن أقلّ ممّا رهن به أو أكثر» ظاهر في أنّ أصل الدَّين مفروغ عنه.

هذا، وصدر الحديث الدالّ على أنّ مدّعي الزيادة هو الذي عليه البيّنة، ومنكر الزيادة هو الذي يحلف مطابق لروايات أُخرى أيضاً(2)، ما عدا رواية واحدة دلّت على أنّ للمرتهن حقّ حبس العين إلى أن يُعطى ما يدّعيه، وهي ما عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن عليّ في رهن اختلف فيه الراهن والمرتهن، فقال الراهن: هو بكذا وكذا، وقال المرتهن: هو بأكثر. قال عليّ : «يصدّق المرتهن حتى يحيط بالثمن; لأنّه أمين»(3). وسند الحديث غير تامّ.

هذا، والجمع الذي ذكرناه بين الحديث الأوّل الدالّ على أنّ مدّعي الرهن هو المدّعي والحديث الثاني الدالّ على العكس خير من جمع الشيخ الطوسي من حمل الحديث الأوّل على البيّنة في مقدار ما على الرهن(4)، فإنّ هذا خلاف الظاهر جداً; إذ لم يفرض في الحديث أيّ اختلاف في مقدار ما على الرهن.

وعلى أيّ حال، فبعد ما وضّحناه من أنّه لا فرق بين أصل المصبّ وأصل النتيجة لسقوط الدعوى الّتي لا تؤثّر على النتيجة عن الحساب، لايبقى مورد للاستدلال بالحديث الأوّل على أنّ المقياس هو النتيجة دون المصبّ.


(1) الوسائل ج 13 صدر الحديث في باب 17 من أحكام الرهن ح 2، وذيله في باب 16 من أحكام الرهن ح 2.

(2) راجع الوسائل ج 13 باب 17 من أحكام الرهن.

(3) نفس المصدر ح 4 ص 138.

(4) التهذيب ج 2 ص 165.

الصفحة 267


تعيين المنكر بخبر الثقة:

الأمر الثاني - هل ينقلب المدّعي منكراً بسبب إخبار ثقة واحد بصحّة مدّعاه ـ بناءً على تفسير المدّعي بمن خالف قوله الأصل - اولا؟ قد يخطر بالبال انقلابه منكراً بذلك; باعتبار أن خبر الثّقة حجّة وأصل يرجع اليه في ذاته وبقطع النظر عن باب القضاء، فمن طابق قوله مفاد خبر الثقة، فقد أصبح قوله مطابقاً للحجّة والأصل، وهذا هو المنكر.

وقد يؤيّد ذلك بالروايات الواردة في قبول قول المدّعي بشاهد واحد ويمينه(1) فهذا يعني أن الشاهد الواحد جعله منكراً، فيكتفى عندئذ بيمينه.

والواقع أنّنى لاأظنّ أحداً يلتزم بهذه النتيجة أعني انقلاب المدّعي منكراً بواسطة قيام خبر الثقة على وفق مدّعاه. والروايات الواردة في قبول قول المدّعي بشاهد واحد ويمينه أجنبيّة عن المقصود ... .

فإنّ المقصود منها قيام اليمين مقام الشاهد الآخر لا انقلابه منكراً، ولذا لا يطالَب صاحبُه بالبيّنة بعد إقامته شاهداً واحداً، وأيضاً لاتكفي منه اليمين لو كان شاهده فاسقاً ثقة حتى على القول بأنّ حجيّة خبر الواحد غير مشروطة بالعدالة وتكفي فيها الوثاقة.

وأمّا شبهة انقلاب المدّعي منكراً بقيام خبر الثقة وفق مدّعاه فهي متوقفة على الإيمان بحجّيّة خبر الثقة في الموضوعات مطلقاً لا في خصوص الموضوعات الّتي يتوقّف عليها إثبات الحكم الكلّي، كوثاقة المخبر أو خبر المخبر. أمّا لو أنكرنا حجّيّة


(1) راجع الوسائل ج 18 باب 14 و 15 من كيفية الحكم ص 193 - 198.

الصفحة 268

خبر الثقة في الموضوعات إمّا مطلقاً، أو في غير ما يتوقف عليه إثبات الحكم الكلّي، فلا موضوع لهذه الشبهة.

خبر الثقة في الموضوعات:

وتوضيح الكلام في ذلك: أنّه قد يقال بعدم حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات مطلقاً; لعدم شمول مفاد السنّة القطعيّة الدالّة على حجيّة خبر الثقة لها; لأنّها واردة في باب الأحكام، وعدم ثبوت السيرة أيضاً، وهما عمدة أدلة حجّيّة خبر الثقة. وبهذا تنهار حجّيّة جميع ما بأيدينا من الأخبار غير القطعيّة; لأنّها تتوقّف على إثبات إخبار المخبر; إذ هي واصلة إلينا بالوسائط، وأحياناً تتوقّف على إثبات وثاقة المخبر بخبر ثقة واحد.

ولأستاذنا الشهيد بيان ذكره في ذيل آية النبأ في بحث مشكلة الأخبار مع الواسطة لإرجاع الأخبار مع الواسطة الى الخبر بلاواسطة وقد ذكر ذلك لحل المشكلة الثبوتية في الأخبار مع الواسطة فلو قبل ذلك في حل المشكلة الإثباتيّة أيضاً أي في تمامية الإطلاق عرفاً لمثل ماأدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي بدعوى أنّ هذا أيضاً اداء عن الامام بلاواسطة انحلّت لنا مشكلة الإخبار بالإخبار لكن بقيت مشكلة إثبات الوثاقة بخبر الواحد.

وأيضاً قد يحلّ الإشكال بدعوى أن سيرة المتشرعة كانت قائمة بالعمل بالأخبار حتى التى كانت مع الوسائط، وأنّ قوله في التوقيع الشريف الذي هو شبه قطعي كما أشرنا إليه في كتاب أساس الحكومة الإسلامية: (أمّا الحوادث الواقعة

 
الصفحة 269

فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)(1) إن لم يشمل الرجوع فيه الرجوع إلى الرواة لأَخذ الروايات، فلا أقلّ من دلالته على أنّ الروايات الّتي وصلت إلى من نرجع إليه تكون حجّة له، وإلاّ فكيف نرجع إليه؟! وتلك الروايات غالبها روايات مع الوسائط، خاصّةً وأنّ التوقيع الشريف باعتبار صدوره من الإمام الغائب ناظر إلى الزمان الطويل إلى ظهوره على ألأقلّ، فهي تدلّ على أنّ وجود الواسطة لا يضرّ بحجّيّة الرواية، وهذا يعني ثبوت خبر المخبر الذي هو موضوع لاستنباط الحكم بخبر الواحد.

نعم، هذا لايدلّ على ثبوت وثاقة المخبر بخبر الواحد بناء على دعوى احتمال اختصاص الحجّيّة بالروايات التي ثبتت وثاقة رواتها بالقطع أو بالبيّنة; لأنّ التوقيع لم يكن ابتداءً بصدد بيان مدى حجّيّة الروايات كي نتمسك فيه بالإطلاق ومقدمات الحكمة مع دعوى احتمال الفرق عرفا بين الإخبار بالإخبار والإخبار عن الوثاقة بحجّيّة الاول دون الثاني; ولو بالنكتة التي بيّنها استاذنا الشهيد لإرجاع الإخبار بالإخبار الى الإخبار بلاواسطة. فحتى الآن بقيت مشكلة إخبار الثقة الواحد بالوثاقة بلاحلّ.

وعلاج ذلك يكون باحد وجوه:

الاول - دعوى ان سيرة المتشرعة المعاصرة كما قامت على حجية خبر الواحد ولو مع الواسطة، كذلك قامت على اثبات وثاقة المخبر بخبر الواحد; لأنه من البعيد جدّاً ان الأخبار مع الواسطة التي كانت وقتئذ كانت وثاقة رواتها محرزة للكل خاصّة في زمن الأئمّة المتأخرين، والابتداء بتلك الأخبار كان شائعاً، فإن لم تكن السيرة على العمل بها ولم تكن حجة لكثر السؤال عنها والإجابة بالنفي من قبل


(1) الوسائل ج 18 باب 11 من صفات القاضي ح 9 ص 101.

الصفحة 270

الامام، ولكان يصلنا ذلك.

الثاني - أن يقال: إنّنا نثبت بالتوقيع الشريف حجّيّة كلّ خبر مع الواسطة الذي تكون كلّ وسائطه ثابتة الوثاقة باليقين أو البيّنة، ومنها ما رواه الكشّي في كتابه عن محمد بن قولويه عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن عبداللّه بن محمد الحجّال عن يونس بن يعقوب - وهؤلاء كلّهم مسلّموا الوثاقة عند الأصحاب - قال: «كنّا عند أبي عبداللّه فقال: أمالكم من مفزع؟! أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضري»؟!(1)وهذا الحديث يفهم منه جواز الاستراحة والفزع إلى مايعطيه الحارث من أخبار معالم الدين، والتي يكون كثير منها بواسطة من يشهد هو بوثاقته.

الثالث - أن يقال: إنّ العرف لا يحتمل الفرق بين نقل كلام الإمام الذي هو نقل للحكم الشرعي عن الإمام ونقل الموضوع الذي يترتب عليه استنباط الحكم الشرعيّ الكلّيّ للإمام، فكلّ حديث دلّ على حجّيّة خبر الثقة في الأوّل دلّ عليها في الثاني، خاصّة وأنّ نقل الحكم الشرعي من الإمام يرجع غالباً بالدقّة إلى نقل الموضوع; إذ هو ينقل غالباً ظهور كلام الامام الذي هو موضوع لكبرى حجية الظهور.

الرابع - أن يقال بالرجوع في توثيق الرواة الى أضراب الشيخ الطوسي والنجاشي لكونهم من أهل الخبرة، ولا أقصد بذلك التقليد لهم و الأخذ بحدسيّاتهم في الوثاقة، فإنّ الوثاقة من الامور القريبة من الحسّ، ولايقبل فيها الحدس، ولكن أقصد بذلك الرجوع إليهم من سنخ الرجوع إلى حسيّات اللغويّين الذي يدخل في كبرى الرجوع إلى أهل الخبرة بالبيان الذي بيّنه اُستاذنا الشهيد في مبحث


(1) الوسائل ج 18 باب 11 من صفات القاضي ح 24 ص 105.

الصفحة 271

حجيّة قول اللغوي .

هذا، وقد يتعدّى من الإخبار عن وثاقة الراوي إلى الإخبار عن اجتهاد الشخص، كما عن السيّد الحكيم في المستمسك من الاستدلال على حجّيّة إخبار الثقة عن مثل اجتهاد الشخص، أو وثاقة الراوي: بأنّ المراد من عموم ما دلّ على حجّيّة الخبر عن الأحكام الكلّيّة ما يؤدّي إلى الحكم الكلّيّ سواءً كان بمد لوله المطابقي أم الالتزامي(1).

وأُستاذنا الشهيد قد نقل ذلك في كتابه، وأورد عليه(2): بأنّ دليل حجّيّة الخبر في الشبهة الحكميّة لم يدلّ على حجّيّة الخبر عن الحكم الكلّي بهذا العنوان ليبذل الجهد في إرجاع بعض الأخبار في الموضوعات إلى الخبر عن الحكم الكلّي بالالتزام، وإنّما دلّ الدليل - المتحصّل من السنّة المتواترة إجمالا - على مضمون مثل قوله: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما قالالك فعنّي يقولان، فاسمع لهما واطع، فإنّهما الثقتان المأمونان»، فموضوع الحجّيّة هو الخبر الذي يعتبر أداءً عن الإمام، وهذا ينطبق على خبر زرارة دون خبر العادل عن الاجتهاد.

أقول: والإخبار عن الوثاقة رغم أنه ليس أداءً عن الامام قد اَمّنا بحجيته، لكن الوجوه التي عرفتها لذلك لاتثبت حجية الاخبار عن الاجتهاد، ولايعتبر ذلك بالنسبة للعامّيّ من كلام أهل الخبرة; لأن تشخيص الاجتهاد كثيراً مّايتمّ للعامّيّ بالقطع واليقين عن طريق الشهرة ونحوها، فليس هو ممايتوقف فهمه في العادة على التعبّد برأى اهل الخبرة.

وعلى أيّ حال: فحجّيّة إخبار الثقة عن الموضوع الذي يترتب عليه ثبوت


(1) مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 38 - 39.

(2) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 2 ص 84 - 85.

الصفحة 272

الحكم الكلّي إن تمت مطلقاً .

أو في الجملة لاتبرّر انقلاب المدّعي منكراً في ما نحن فيه بسبب قيام خبر الثقة وفق مدّعاه، وإنّما الذي قد يوجب ورود شبهة انقلاب المدّعي منكراً فيما نحن فيه بفرض إخبار ثقة وفق ما يدّعيه المدّعي هو دعوى حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات مطلقاً، كما ذهب اليه أُستاذنا الشهيد في البحوث، ودليله على ذلك أمران:

أحدهما - دعوى السيرة العقلائيّة على العمل بخبر الثقة في الموضوعات، وعدم اختصاص السيرة بخصوص باب الأحكام.

وثانيهما - مثل قوله: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان» فهذا التعبير يُفهم تعليل حجّيّة أدائه عن الإمام بالوثاقة، والتعليل إشارة إلى كبرى كلّيّة قد تتردّد سعة وضيقاً بين عدة كبريات، فالمفروض الاقتصار على أضيق كبرى تشمل المورد ما لم تكن هناك كبرى معهودة عرفاً، ومن المركوز مناسبتها للصغرى المصرّح بها، وإلاّ فهذا الارتكاز بنفسه قرينة على ملء الفراغ بتقدير تلك الكبرى المعهودة، ولو كانت أوسع من مقدار الحاجة إلى اقتناص النتيجة الواردة في مورد النصّ. ومقامنا من هذا القبيل، فإنّ الحاجة إلى اقتناص النتيجة بحسب المورد يكفي فيها تقدير حجّيّة خبر الثقة في الأحكام كبرى في القياس، ولكن حيث إنّ كبرى حجّيّة الثقة بنحو أوسع مركوزة، فينصرف ملء الفراغ إليها حفظاً لمناسبات الصغرى والكبرى المركوزة في الذهن العرفي، ومعه يتمّ الاستدلال على المطلوب(1).

أقول: لايتوهّم أنّ هذا رجوع إلى الاستدلال بالسيرة، فإنّ السيرة العقلائيّة بحدّ ذاتها غير حجّة، وإنّما الحجّيّة لموافقة الشارع، وموافقته تارةً تكشف بعدم


(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 2 ص 90 - 91.

الصفحة 273

الردع، وهذا هو الوجه الأوّل، وأُخرى تكشف بدلالة لفظيّة وإن كانت نفس السيرة دخيلة في تكوّنها. ويظهر الأثر العمليّ فيما لو احتملنا الردع من دون أن يثبت بدليل خاصّ; كي يكون رادعاً عن السيرة وفي نفس الوقت مقيِّداً لعموم التعليل، فإذا احتملنا الردع، ولم يكن هناك ما ينفيه ولا ما يثبّته، فهذا يضرّ بالدليل الأوّل وهو التمسّك بالسيرة، ولكن لايضرّ بالدليل الثاني وهو التمسّك بعموم التعليل. هذا، ولايمكن دعوى اختصاص السيرة بالشبهات الحكمّية فيما بين العقلاء، أي في تفهيم وتفهّم أغراضهم فيما بينهم، وعدم جريانها بالنسبة للشبهات الموضوعيّة، وهي محل الكلام فعلا، وذلك لأنّ التفصيل بين الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة بالحجّيّة في إحداهما دون الأُخرى لايكون إلاّ أمراً تعبّديّاً بحتاً، وهذا بعيد عن مذاق العقلاء.

وعلى أيّ حال فقد يدّعى ورود الردع عن السيرة المدّعاة في المقام لو تمّت في نفسها في موارد الشبهات الموضوعيّة، وذلك إمّا بحديث عام، أو بأحاديث خاصّة في موارد متفرقة يقتنص العرف منها الردع عن كبرى السيرة.

أمّا الحديث العام، فهو عبارة عن حديث مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه قال: «سمعته يقول: كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة»(1).


(1) الوسائل، ج 12 باب 4 من ما يكتسب به ح 4 ص 60.

الصفحة 274

وأورد أُستاذنا الشهيد (1)على رادعيّة هذا الحديث بوجهين(2):

أحدهما - أنّ رواية واحدة لاتكفي لإثبات الردع; لأنّ مستوى الردع يجب أن يتناسب مع درجة قوّة السيرة وترسّخها، ومثل هذه السيرة على العمل بخبر الثقة لو كان الشارع قاصداً ردعها لأصدر بيانات كثيرة، ولوصلتنا منها نصوص عديدة، كما حدث بالنسبة للقياس، ولما اكتفى بإطلاق خبر من هذا القبيل.

والثاني - أنّ الرواية ضعيفة السند. وأورد أُستاذنا الشهيد (3)على الإشكال بضعف سند الرواية بأنّ احتمال صدقها يوجب على الأقلّ احتمال الردع، وهو كاف لإسقاط السيرة عن الحجّيّة.

وأجاب على ذلك(4) بأنّ عدم الردع قبل الإمام الصادق في صدر الإسلام محرز; لعدم نقل ما يدلّ على الردع، ويكشف ذلك عن الإمضاء حدوثاً، فإذا أوجب خبر مسعدة الشكّ في نسخ ذلك الإمضاء جرى استصحاب الإمضاء.

أقول: إنّ هذا الكلام يمكن أن يورد عليه: بأنّ ما يظهر من هذا الكلام من أنّ عدم وصول الردع عمّا قبل الإمام الصادق دليل الإمضاء غير صحيح; لأنّه أساساً النصوص الواصلة في الأحكام قبل الإمام الصادق قليلة، فلعلّ هذا من جملة الأحكام التي لم تصلنا عمّا قبل الإمام الصادق .

إلاّ أن يفترض أنّ رسوخ السيرة يكون بنحو لوكانت مردوعة لوصل الردع


(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 2 ص 86 - 87.

(2) الوجوده المذكورة في البحوث خمسة، لكن الذي وافق عليه أُستاذنا الشهيد رحمه الله اثنان.

(3) نفس المصدر ص 86.

(4) نفس المصدر ص 86.

الصفحة 275

حتى عمّا قبل الإمام الصادق .

ولعلّ مراده وإن كانت العبارة لاتساعد عليه: أنّ هذه السيرة في صدر الإسلام كانت ممضاة، حيث إنّ الإسلام أقرّ أوّلا كلّ ما بيد العقلاء من نظم وقواعد، ولم يغيّر شيئاً عدا إيجاب الاعتراف بالتوحيد والرسالة، فإذا شككنا بعد ذلك في نسخ جاء الاستصحاب.

وهذا أيضاً قابل للمناقشة بأن يقال: إنّ المستفاد من قوله في صدر الشريعة «قولوا لاإله إلاّ اللّه تفلحوا» وسكوته عن سائر الأُمور ليس بأكثر من عدم الإلزام بحكم إلزاميّ غير الإيمان بالتوحيد والرسالة دون إقرار كلّ النظم العقلائيّة الموجودة.

وأمّا الأحاديث الخاصّة في موارد متفرّقة:

فمنها ـ ما عن عبداللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه في الجِبن قال: «كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة»(1). وسند الحديث غير تامّ.

ومنها ـ ما عن محمد بن مسلم بسند تامّ عن أحدهما قال: «سألته عن رجل ترك مملوكاً بين نفر، فشهد أحدهم أنّ الميّت أعتقه، قال: إن كان الشاهد مرضيّاً لم يضمن، وجازت شهادته (في نصيبه ـ خ ل ـ)، ويستسعى العبد فيما كان للورثة»(2).

ونحوه فى المضمون حديث آخر رواه في الوسائل بعد هذا الحديث مباشرةً، لكنّه غير تامّ سنداً، ورواه بسند تامّ في الباب (52) من الشهادات مع حذف


(1) الوسائل ج 17 باب 16 من الأطعمة المباحة ح 2 ص 91.

(2) الوسائل ج 16 باب 52 من العتق ح 1 ص 56.

الصفحة 276

التصريح بوثاقة الشاهد.

ومنها ـ روايات عدم نفوذ شهادة النساء غير المختصّة بباب المرافعة الواردة تارةً في موارد خاصّة، وأُخرى بشكل مطلق غيرما استثني.

أمّا ما ورد في موارد خاصّة: فمن قبيل ما ورد في الرضاع بسند غير تامّ عن صالح بن عبداللّه الخثعمي، قال: «سألت أباالحسن موسى عن أُمّ ولد لي صدوق زعمت أنّها أرضعت جارية لي، أُصدّقها؟ قال: لا»(1).

ونحوه مرسلة عبداللّه بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه في امرأة أرضعت غلاماً وجارية، قال: «يعلم ذلك غيرها؟ قال: لا. قال: فقال: لاتصدّق إن لم يكن غيرها»(2). إلاّ أنّ هذا الحديث يختلف عمّا قبله في أنّه لم يصرّح فيه بكونها صدوقاً، ولكن تقييده بفرض عدم الوثاقة مع تعارف الوثاقة أيضاً بعيد.

ونحوه ما عن صالح بن عبداللّه الخثعمي قال: «كتبت إلى أبي الحسن موسى أسأله عن أُمّ ولد لي ذكرت أنّها أرضعت لي جارية، قال: لا تقبل قولها ولاتصدّقها»(3). وهنا أيضاً تقييد الإطلاق المستفاد من ترك الاستفصال بفرض عدم الوثاقة بعيد. وأمّا من حيث السند فصالح بن عبداللّه الخثعمي لم يرد بشأنه توثيق، نعم روى محمد بن أبي عُمير عن صالح بن عبداللّه عن الصادق حديثاً، ولكن لا أظنّ أنّ بالإمكان إثبات اتحاده مع صالح بن عبداللّه الخثعمي; علماً بأنّ الشيخ ذكر في أصحاب الصادق اسمين بعنوان صالح بن عبد اللّه، أحدهما لقّبه بالأحول الكوفي والثاني لقّبه بالخثعمي الكوفي.


(1) الوسائل ج 14 باب 12 مّما يحرم بالرضاع ح 2.

(2) نفس المصدر ح 3

(3) نفس المصدر ح 4

الصفحة 277

وعلى أىّ حال، ففي غير باب الرضاع أيضاً وردت روايات كثيرة(1) تمنع عن نفوذ شهادة النساء في بعض الموارد الخاصّة من قبيل الطلاق و النكاح، وقد دلّ بعضها على أنّ شهادة النساء في النكاح لاتنفذ إلاّ مع رجل، وهذا يدلّ إضافة إلى عدم نفوذ شهادة النساء وحدهن على عدم نفوذ شهادة الرجل الواحد، وإلاّ لما احتجنا إلى ضمّ امر أتين إليه.

وأمّا ما ورد بشكل مطلق(2)، فمن قبيل ما دلّ على عدم نفوذ شهادة النساء في غير المنفوس والعذرة، أو في غيرما لا يستطيع الرجال النظر إليه.

ومنها ـ ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علىّ بن جعفر عن أخيه موسى في الرجل يسمع الأذان فيصلّي الفجر ولايدري طلع أمْ لا، غير أنّه يظنّ لمكان الأذان أنّه طلع، قال: «لايجزيه حتى يعلم أنّه قد طلع»(3). وتقييده بفرض عدم وثاقة المؤذّن بعيد.

إلاّ أنّ هذا الحديث تعارضه أحاديث كثيرة دالّة على التعويل على أذان الثقة، أو مطلق المؤذّن(4) وإن كان أكثرها أو كلّ ما يتمّ دلالةً منها غير تامّة سنداً. وطبعاً لاأقصد أنّ تلك الروايات تدلّ على حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات; إذ من المحتمل كون الاعتماد على المؤذن لخصوصيّة فيه باعتباره من أهل الخبرة أو باعتباره مؤتَمَناً، وإنّما المقصود أنّ تلك الروايات تعارض هذه الرواية.

هذا، ومن المحتمل بشأن هذه الرواية كون المقصود إبداء احتمال عدم كون ذاك


(1) و(2) جمع صاحب الوسائل أكثر هذه الروايات في ج 18 باب 24 من الشهادات فراجع، وسنذكر أكثرها ـ إن شاء اللّه ـ في شرط الذكورة.

(3) الوسائل ج 3 باب 58 من المواقيت ح 4 ص 203 و 204.

(4) راجع الوسائل ج 4 باب 3 من الآذان والإقامة وذيله.

الصفحة 278

الأذان أذان الفجر، وذلك بناءً على مشروعيّة الأذان قبل الفجر كما يدلّ عليه بعض الأخبار(1).

ومنها ـ ما عن أحمد بن محمد بن أبي نصر بسند تامّ عن أبي الحسن الرضا في المطلّقة إن قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا وكذا، وكانت عدّتها قد انقضت فقد بانت، والمتوفّى عنها زوجها تعتدّ حين يبلغها الخبر لأنّها تريد أن تحدّ له(2)، ونحوه حديثان آخران(3) أحدهما تامّ السند، ولكنّ عيبهما أنّهما يدلاّن في عدة الموت على أنّه مع قيام البيّنة تحسب العدّة من حين الموت لا من حين وصول الخبر، بينما هذا خلاف مذهب الشيعة، إلاّ أن يقال: إنّ الحمل على التقيّة بالنسبة لهذا الجانب لا ينافي استفادة عدم حجّيّة خبر الواحد منه.

ومنها ـ ما دلّ على أنّ الهلال لا بدّ في ثبوته بالشهادة من شهادة رجلين عدلين(4).

ومنها ـ ما دلّ على عدم ثبوت الشهادة بخبر الواحد، من قبيل ما عن غياث ابن إبراهيم بسند تامّ عن جعفر بن محمد عن أبيه : (أنّ عليّاً كان لا يجيز شهادة رجل على شهادة رجل، إلاّ شهادة رجلين على شهادة رجل)(5). وما عن طلحة بن زيد بسند تامّ عن أبي عبد اللّه عن علىّ : (أنّه كان لا يجيز


(1) راجع الوسائل ج 4 باب 8 من الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل ج 15 باب 28 من العدد ح 14 ص 449.

(3) الوسائل ج 15 باب 28 من العدد ح 9 و 10 ص 448.

(4) توجد جملة من روايات هذه المسألة في الوسائل ج 7 باب 11 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل ج 18 باب 44 من الشهادات ح 4 ص 298.

الصفحة 279

شهادة رجل على رجل، إلاّ شهادة رجلين على رجل)(1).

ثمّ التمسّك بهذه الروايات لإثبات الردع عن العمل بخبر الثقة في الموضوعات لإثبات عدم إمضاء السيرة، ولتقييد إطلاقات حجّيّة خبر الثقة ـ لو كانت ـ يكون بأحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل ـ دعوى استفادة ذلك من كلّ واحدة من هذه الروايات; بدعوى أنّها وإن كانت واردة في مورد خاصّ، لكنّ العرف يفهم منها المثاليّة، وينتزع منها قاعدة عامّة، وهي عدم حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات بما هو كذلك. إلاّ أنّ دعوى من هذا القبيل ممنوعة، ولو تمّت لاتفيدنا في المقام لتقييد إطلافات حجّيّة خبر الثقة لو كانت كذلك; بناءً على أنّه كما وجدت أخبار خاصّة في موارد خاصّة في الموضوعات تدلّ على عدم حجّيّة خبر الثقة، كذلك يوجد ما يدلّ في مورد خاصّ في الموضوعات على حجّيّة خبر الثقة فيه، فلوكان العرف ينتزع من الأوّل قاعدة عامّة لعدم الحجّيّة، كذلك ينتزع من الثاني قاعدة عامّة للحجّيّة، فيتعارضان، وبالتالي لايمكن تقييد إطلاقات الحجّيّة لوكانت بتلك الأخبار. نعم، بالنسبة للردع عن السيرة قد يقال: إنّ التعارض لايمنع عن احتمال الردع، إلاّ أنّ يتمسك باستصحاب الإمضاء، أو بدعوى أنّ السيرة راسخة بنحو لايمكن ردعها بهذا المقدار.

وعلى أىّ حال، فقد جمع أُستاذنا الشهيد في البحوث(2) روايات كثيرةً قد يستدل بها على حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات، وناقش هو في دلالة أكثرها، ولم يقبل عدا دلالة حديثين منها، ونحن هنا نقتصر على ذكر هذين الحديثين، أمّا


(1) الوسائل ج 18 باب 44 من الشهادات ح 2 ص 298.

(2) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 2 من ص 91 فصاعداً.

الصفحة 280

الباقية فمن الواضح بالمراجعة عدم تماميّة دلالتها:

الأوّل ـ ما ورد بسند تامّ عن هشام بن سالم عن أبي عبداللّه «في رجل وكلّ آخر على وكالة في أمر من الأُمور، وأشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر، فقال: اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة، فقال: إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبل العزل، فإنّ الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل، كره الموكّل أم رضي. قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم (أن يعزل ـ خ ل -) العزل، أو يبلغه أنّه قد عزل عن الوكالة، فالأمر على ما أمضاه؟ قال: نعم. قلت له: فإن بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر، ثمّ ذهب حتى أمضاه، لم يكن ذلك بشيء؟ قال: نعم. إنّ الوكيل إذا وكّل ثمّ قام عن المجلس، فأمره ماض أبداً، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه أو يشافه (يشافهه - خ ل -) بالعزل عن الوكالة»(1).

ويمكن الإيراد على الاستدلال بهذا الحديث: أنّ غاية مايدلّ عليه هذا الحديث هي أنّ خبر الثقة قام مقام العلم الموضوعي بالعزل في إبطال عمل الوكيل واقعاً عند مصادقة العزل، وكفى في قطع استصحاب بقاء الوكالة، وهذا غير قيامه مقام القطع الطريقي الذي هو معنى حجّيّته.

وأجاب على ذلك أُستاذنا الشهيد في البحوث(2) بأنّه يفهم عرفاً من إقامته مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة في الموضوع أنّه حجّة وكاشف شرعاً.

أقول: هذا الاستظهار غير واضح عندي.


(1) الوسائل ج 13 باب 2 من الوكالة ح 1 ص 286.

(2) ج 2 ص 98.

الصفحة 281

الثاني - ماورد بسند تامّ عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن رجل كانت له عندي دنانير، وكان مريضاً، فقال لي: إن حدث بي حدث فأَعطِ فلاناً عشرين ديناراً، وأَعطِ أخي بقية الدنانير، فمات ولم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق، فقال لي: إنّه أمرني أن أقول لك: أنظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي، فتصدّق منها بعشرة دنانير أقسّمها في المسلمين، ولم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً. فقال: أرى أن تصدّق منها بعشرة دنانير»(1).

ودلالة هذا الحديث أيضاً قابلة للمناقشة، ذلك لأنّ جهة السؤال في كلام السائل مرددة بين أمرين، فبناءً على أنّ إجمال السؤال في مثل ذلك يسري إلى الجواب - لا أنّ ترك الاستفصال يعطي للجواب إطلاقاً يشمل كلا احتمالي السؤال - يصبح الجواب في المقام مجملا. أمّا الاحتمالان الواردان في السؤال: ف أحدهما كونه سؤالا عن حجّيّة خبر الثقة الذي أخبره بوصيّة المُتوفّى، والثاني كونه فارغاً عن أنّ المخبر قد صدق في إخباره، إلاّ أنّ الوارث وهو أخوه ـ مثلا - غير مطلع على هذه الوصيّة، فلو إطّلع على قصّة هذا الرجل فسيطالبه بالبيّنة، وهو لايمتلك بيّنة، أو يطالبه بالحلف - مثلا - مادام لايجد بيّنة، وإنّما لم يفعل ذلك لأنّه لا يعلم أصلا بوجود مال من أخيه لدى هذا الرجل، فهل من حقّه أن يعمل بما علمه من الوصيّة من دون إخبار أخيه؟ أو ليس من حقّه ذلك قبل تصفية الحساب مع من لو اطّلع على الأمر كان له رفع القضية إلى الحاكم ومطالبته بالبيّنة أو اليمين؟ فأجاب الإمام : بأن يتصدَّقَ منها بعشرة دنانير.

وقد تحصّل بذلك أنّه لو استظهر من دليل عدم حجّيّة خبر الواحد في مورد خاصّ من الشبهات الموضوعية عدم حجّيّته في الشبهات الموضوعيّة مطلقاً،


(1) الوسائل ج 13 باب 97 من الوصايا ح 1 ص 482.

الصفحة 282

لايوجد في قباله مايستظهر منه العكس.

والوجه الثاني - دعوى حصول القطع عند تعدّد الموارد التي ورد فيها عدم حجّيّة خبر الثقة بعدم الخصوصيّة في الموارد، واقتناص قاعدة عامّة تدلّ على أنّ خبر الثقة في الموضوعات بما هو ليس حجّة، ولا ينافيه ورود خبر واحد في موردها دالّ على حجّيّة خبر الثقة فيه، فيُقال: إنّ السيرة القائمة على حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات لو كانت هي بهذا العنوان مردودة يقيناً، وإن كان خبر الثقة في موردمّا من الموضوعات حجّة تعبّداً بدليل خاصّ، فإنّ هذا غير افتراض (أنّ خبر الثقة في الموضوعات حجّة بهذا العنوان، إلاّ ما خرج بالدليل).

والواقع أنّ دعوى القطع بإلغاء الخصوصيّة إن تمّت في الموارد الّتي يترقّب تدخلّ الحاكم فيها كالنكاح والطلاق والحدود والهلال ونحو ذلك، لاتتمّ في القضايا الفرديّة البحتة كطهارة شيء ونجاسته وعدة الطلاق ونحو ذلك; لأنّ ماورد في القسم الثاني نادر، واحتمال الفرق بين القسمين موجود.

وبالنسبة للأُمور التي يترقّب تدخّل الحاكم فيها لانحتاج إلى دعوى القطع، إلاّ بمقدار التعدّي من النساء إلى مطلق عدم اجتماع شرائط البيّنة، وذلك لثبوت المطلقات الدالّة على عدم نفوذ شهادة النساء في غير مثل المنفوس والعذرة، والإطلاق حجّة سواء حصل القطع على طبقه أوْلا.

وإنّما لم نقل بتماميّة الإطلاق بالنسبة للقضايا الفرديّة البحتة كالطهارة والنجاسة، لأنّ حذف متعلّق الشهادة لايدلّ على العموم باكثر ممّا يوحي إليه استثناء مثل المنفوس والعذرة، وهذا لايوحي إلى أكثر من تقدير الأُمور التي يترقّب وقوع النزاع فيها، أو الأُمور الّتي يترقّب تدخّل الحاكم فيها.

الوجه الثالث - أن يقال: إنّ العرف بعد تعدّد الموارد يلغي خصوصيّة المورد ويفهم القاعدة العامّة، وهي أنّ خبر الثقة في الموضوعات بما هو كذلك ليس حجّة،

 
الصفحة 283

بينما في الطرف المقابل لم يكن إلاّ خبر واحد.

وهذا يرد عليه صغروياً ما أوردناه على الوجه الثاني من أنّه لامبرّر للتعدّي إلى القضايا الفرديّة البحتة - كالطهارة والنجاسة - لوجود احتمال الفرق، وأمّا كبرويّاً فهذا مبنيّ على أنّ حجّيّة الظهور تشمل الظهور المتحصّل من مجموع أدلّة متفرقة عند ملاحظتها جميعاً كخطاب واحد. وقد أفاد أُستاذنا الشهيد في البحوث(1) في مقدمة نقل روايات حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات: أنّ هذا متوقّف على حجّيّة الظهور المتحصّل من مجموع روايات متفرقة عند ملاحظتها كخطاب واحد، وقال : «قد تعرّضنا إلى ذلك في الأُصول».

أقول: قد تعرّض أُستاذنا الشهيد في الأُصول لتوجيه فنّيّ للكلام الموروث عن المحقّق النائيني وهو أنّ ما يكون قرينة في حال الاتّصال فهو قرينة في حال الانفصال.

وهو: أنّ الكلامين المتنافيين كالعامّ والخاصّ اللذين يفرض التصرف في أحدهما بقرينة الآخر إذا كان أحدهما حين الاتّصال قرينة للتصرّف في الآخر، فعند الانفصال ودوران الأمر بين أن يكون ما هو القرينة حين الاتّصال هو القرينة أيضاً حين الانفصال ، أو العكس يكون الأوّل أولى; لأنّه لو فرض الخاصّ مثلا في مثال العامّ والخاصّ الذي كان قرينة في فرض الاتّصال قرينة أيضاً في فرض الانفصال، فقد ارتكب المتكلّم مخالفة واحدة للأُصول العقلائيّة، وهي أصالة الاتّصال بين القرينة وذي القرينة، فقد جعل ما يصلح للقرينيّة في ذاته قرينةً، إلاّ أنّه فصل القرينة عن ذيها. أمّا لوفرض العكس فقد ارتكب مخالفتين: إحداهما فصل القرينة عن ذيها، والثانية فرض القرينيّة لما هي غير صالحة للقرينيّة في ذاتها وبغض النظر عن


(1) بحوث في شرح العروة الوثقى ج 2 ص 91.

الصفحة 284

مشكلة الانفصال بدليل أنّه لو وصل بينهما لما حمله العرف على القرينيّة.

وهذا الكلام لو طرح على شكل الحساب الرياضي والبرهان العقلي فهو غير تامّ; إذ كون ما هو قرينة عند الاتّصال قرينة عند الانفصال أوّل الكلام، وإذا لم يكن قرينة عند الانفصال فحمل كلّ منهما على القرينيّة للآخر فيه مخالفة واحدة للأُصول العقلائيّة لاأكثر.

ولعلّه لهذا جاء في تعارض الأدلّة للسيد الهاشمي - حفظه اللّه - تقريراً لبحث أُستاذنا الشهيد توجيه لهذا البيان، وهو أنّ هذا وإن لم يكن بالدقّة من الدوران بين الأقلّ والأكثر في المؤونة والمخالفة، ولكن جعل ما ليس قرينة عند الاتّصال قرينة عند الانفصال أشدّ مؤونة في نظر العرف من جعل ما هو قرينة عند الاتّصال قرينة عند الانفصال.

أقول: إنّ قاعدة أنّ ما كان قرينة عند الاتّصال فهو قرينة عند الانفصال يمكن تفسيرها بأحد وجهين:

الوجه الأوّل - أن يدّعى أنّ نكتة القرينيّة الموجودة في حال الاتّصال دائماً هي موجودة في حال الانفصال، إلاّ أنّها في حال الاتّصال كانت تهدم الظهور، ولكن في حال الانفصال لاتستطيع أن تهدم الظهور، فيتحوّل عملها، أو أنّها في حال الاتّصال كانت تهدم الدرجة الأُولى من الدلالة التصديقية، وفي حال الانفصال لاتقوى إلاّ على هدم الدرجة التصديقيّة النهائيّة كما يقول المحقّق النائيني في القرينة المنفصلة المقيّدة للإطلاق.

وخلاصة القاعدة الميرزائية على هذا التفسير هي أنّ نكتة القرينيّة منحفظة في كلتا حالتي الاتّصال والانفصال، ولكن بما أنّها في حالة الاتّصال تهدم الظهور فلذا سيكون الإحساس بقرينيّتها واضحة وبارزة عند الاتّصال، بخلاف حالة الانفصال الّتي هي غير قادرة فيها على هدم الظهور، أو على هدم الدلالة التصديقيّة الأُولى،

 
الصفحة 285

فلو أُريد تشخيص القرينة من الكلامين المنفصل أحدهما عن الآخر أمكن وصل أحدهما بالآخر; لكي يقوى الإحساس بالقرينة، وأظنّ أنّ مقصود المحقّق النائيني من قاعدته كان هو هذا الوجه.

وهذه القاعدة بناءً على هذا التفسير مؤتلفة من مقدّميتن:

الأُولى ـ دعوى انحفاظ نكتة القرينيّة في الانفصال.

والثانية ـ دعوى أن نكتة القرينيّة المنحفظة في حال الانفصال لو جعلت هي القرينة على المراد والهادمة للحجّيّة، فهذا أَولى في نظر العرف من جعل الآخر قرينة الّذي هو غير مشتمل على نكتة القرينيّة، والمقدمة الثانية صحيحة بلا شك في مورد تماميّة المقدمة الأُولى وهي بقاء نكتة القرينيّة بعد الانفصال، فإنّ النكتة التي يمكن أن تبقى بعد الانفصال، إمّا هي الأقوائيّة، أو هي الظهور في المفسّريّة، وهي تهدم الظهور الأول عند الاتّصال بنكتة ما فيها من الكشف عن المعنى المتقدّم على الكشف الأوّل، وهذا الكشف إن لم يمكنه هدم الظهور لعدم الاتّصال يهدم الحجّيّة لامحالة.

ولا يخفى أنّ المحقّق النائيني لا ينظر في قاعدته هذه إلى مسألة الأقوائيّة، وإنّما الظاهر أنّه ينظر إلى المفسّريّة، فإنّه قصد بالقرينة ما قال عنها: إنّ ظهور القرينة يتقدّم على ذي القرينة ولو كانت أضعف.

وعلى أيّ حال فالمقدّمة الأُولى غير تامّة في المقام، فإنّنا لو سلّمنا وجود إحدى النكتتين دائماً في القرائن - أعني الأقوائيّة والمفسّرية - ولم نقل: إنّ نكتة القرينيّة قد تكون مجرد نفي القرينة لمقتضي الظهور الأوّل، كما هو الحال في القرينة الّتي ترفع الإطلاق برفع عدم البيان - والحقّ أنّ البيان الهادم للإطلاق إنّما هو البيان المتّصل - وقد تكون مجرد تأثير القرينة في إيجاد صورة ثالثة تصوّرية في ذلك، كما قد يدّعى ذلك في العامّ المتّصل بالمخصّص; حيث يُقال: إنّه يعطي للذهن تصوراً صورة ثالثة غير صورتي العامّ والخاصّ، وهي صورة (العامّ المقتطع منه الخاصّ)،

 
الصفحة 286

والدلالة التصديقيّة تتبع الدلالة التصوريّة الأخيرة، وهذا الوجه ـ كما ترى - ينتفي بالفصل بين القرينة وذي القرينة. أقول: لو سلّمنا وجود نكتة الأقوائية أو المفسّريّة دائماً في القرائن قلنا: إنّ المفسّريّة حينما تكون بمثل (أي) و (أعني) تنحفظ طبعاً في حال الانفصال، أمّا حينما تكون بافتراض نظام لغويّ يقتضي المفسّريّة كما قد يدّعى في العامّ والخاصّ، فهذا النظام كما يمكن فرضه عامّاً يشمل فرض الانفصال كذلك يمكن فرضه خاصّاً بفرض الاتّصال، وقد يختلف الأَمر باختلاف القرائن، فتجب دراسة كلّ قرينة بحدّ ذاتها، ولا يمكن أن نستفيد شيئاً من هذه القاعدة الميرزائيّة، وحتى لو استقصينا كلّ القرائن فوجدنا نكاتها موجودة في حال الانفصال، فنحن لم نستفد شيئاً من هذه القاعدة، وإنّما استفدنا من استقصائنا للقرائن.

الوجه الثاني - أن نسلّم أنّ نكتة القرينيّة في حال الاتّصال قد لا تكون محفوظة في حال الانفصال، ولكن يقال: إنّه رغم عدم انحفاظها في حال الانفصال يرى العرف أنّ افتراض ما كان قرينةً عند الاتّصال للتصرف في الآخر قرينةً عند الانفصال لذلك أولى و أسهل من العكس.

ولكن أظنّ أنّ التأكيد على فرض عدم وجود نكتة القرينيّة في حال الانفصال ينبّه الوجدان العرفي النافي لأولويّة من هذا القبيل; إذن فهذه القاعدة لم تفدنا شيئاً على كلّ حال.

نعم يبقى أن يدّعي مدّع بخصوص نصوص الشريعة الإسلامية أنّه ينبغي فرض المنفصلات فيها كالمتّصلات، وذلك لأحد وجهين:

الأوّل: أنّه جرى ديدن الشريعة على فصل المتّصلات، فحاله حال أُستاذ يدرّس أمراً ضمن محاضرات يوميّة، ومن الواضح أنّ المحاضرة الثانية لو كان فيها ما يقتضي القرينيّة على المحاضرة الأُولى عند الاتّصال تبقى على قرينيّتها عند الانفصال، فهذا الانفصال وإن كان انفصالا بحسب عمود الزمان لكنّه لايعتبر

 
الصفحة 287

انفصالا في عالم اللّغة، وهو أشبه شيء بما لو تكلّم المتكلّم بالعامّ ثم اُغمي عليه ساعات، وبعد أن أفاق أتى بالخاصّ، أفهل يفترض عندما انقطع كلامه بالإغماء أنّ ظهور كلامه قد استقر؟! طبعاً لا. وهكذا حال هذا المدرّس، وكذلك حال الشريعة الإسلاميّة.

إلاّ أن هذا الوجه ان قصد به دعوى عدم انعقاد الظهور ما لم نُحطْ بكلّ المنفصلات المحتمل قرينيّتها، - وقد لانستطيع أن نحيط بذلك لاحتمال تلف كثير من النصوص - فلا أظنّ أحداً يلتزم بهذه النتيجة، ولم يصل ديدن الشريعة على فصل المتّصلات إلى مستوى نقول فيه بعدم استقرار الظهور عند انتهاء الكلام لاحتمال مجىء قرينة منفصلة.

وإن قصد به - بعد الاعتراف بان ديدن الشريعة على فصل المتصلات لم يبلغ مستوى عدم انعقاد الظهور -: أن نفس قيام ديدن الشريعة على فصل المتصلات يجعل الإنسان العرفي متقبّلا مفسّريّة بعض النصوص لبعض رغم الانفصال، فهذا وحده لايكفي لاثبات أن ماكان قرينة لدى الاتصال هو القرينة ايضا لدى الانفصال رغم ان نكتة القرينيّة كانت كامنة فى نفس الاتصال لافي ذات القرينة، بل لابد من ضم ذلك إلى مامضى من ان جعل ما كان قرينة لدى الاتصال قرينة لدى الانفصال اولى من جعل ما لم يكن قرينة لدى الاتصال قرينة لدى الانفصال، فكأن الدليل على قرينية الخاص على العام مثلا صار مؤتلفا من مقدمتين: الاولى: أن كون ديدن الشريعة على الفصل بين المتصلات جعل العرف يتقبل فرض قرينيّة احدهما على الآخر رغم الانفصال. والثانية: ان قرينيّة ومفسّريّة ما كان كذلك في فرض الاتصال أولى من قرينيّة ومفسّريّة الآخر، وهذا رجوع الى ماناقشناه آنفا.

ومن هنا نحن نبني في باب القرائن التي تفقد نكتة قرينيتها لدى الانفصال على ان المقياس فى التقديم والقرينية لدى الانفصال انما هو الاقوائية، فلو فرض صدفة

 
الصفحة 288

كون العام اقوى من الخاص مثلاً في مورد، كان هو المقدم على الخاص دون العكس.

الثاني - دعوى الإجماع على التعامل مع العامّ والخاصّ وما شابههما في الشريعة معاملة المتّصلين.

إلاّ أنّ دعوى الإجماع التعبّدي في المقام - كما ترى - غير صحيحة، فلعلّ المجمعين الذين فهمنا إجماعهم من خلال عملهم وسيرتهم في الاستنباط كانوا يعتقدون بأقوائيّة ما قدّموه، أو كانوا يعتقدون بالقاعدة الميرزائيّة أو غير ذلك.

وبعد هذا يبقى الكلام في أنّه لو سلّمت القاعدة الميرزائيّة بأحد الوجهين الماضيين، أو سلّم بأحد الوجهين الأخيرين اللّذين أشرنا اليهما بلحاظ نصوص الشريعة، فهل يمكن تطبيق شيء منها على ما نحن فيه أوْلا؟ فنقول:

أمّا الإجماع فليس له معقد خاصّ يتمسّك بإطلاقه، وهو دليل لبّي، والمتيقّن من مورده هو مورد الجمع بين المتعارضين كالعامّ والخاصّ، وروايات عدم حجّيّة خبر الواحد في الموضوعات المختلفة لاتعارض فيما بينها، فلو تمّ هذا الوجه لاينطبق على المقام.

وأمّا ديدن الشريعة فهو على فصل المتّصلات لا على كون كلّ منفصلاته في الأصل متّصلات، فلو أثّر فإنّما يؤثّر في الأدلّة المتعارضة الّتي لو فرض الوصل بينها كان بعضها قرينة على البعض، لافي الأدلّة الّتي لاتعارض فيما بينها، ومن المحتمل كونها من أساسها منفصلا بعضها عن بعض، وما نحن فيه من هذا القبيل، لما أشرنا إليه من عدم التعارض فيما بين الروايات.

وأمّا القاعدة الميرزائيّة بتفسيرها الثاني - وهو دعوى: أنّه وإن فرض فقد نكتة القرينيّة عند الانفصال، ولكنّ جعل ما كان قرينة عند الاتصال قرينة عند الانفصال أَولى عرفاً من جعل ما لم يكن قرينة عند الاتصال قرينة عند الانفصال - فهذا الوجه مورده - كما ترى - فرض الدوران بين قرينيّة هذا وقرينيّة ذاك، وهذا

 
الصفحة 289

فرضه فرض التعارض بين النصّين، بينما أشرنا إلى أنّه لاتعارض في ما بين النصوص في المقام.

وأمّا القاعدة الميرزائيّة بتفسيرها الأَوَّل، - وهي دعوى: أنّ نكتة القرينيّة في حال الاتّصال دائماً تنحفظ في حال الانفصال - فهذه أيضاً لو تمّت لا تنطبق على ما نحن فيه، وذلك لأنّ نكتة القرينيّة الّتي تكسر الظهور المعارض عند الاتّصال من المعقول أن تكسر الحجيّة عند الانفصال رغم انحفاظ الظهور، فيكون الظهور الآخر هو الحجّة، ولكن الّتي تخلق ظهوراً ثالثاً بالاتّصال هل يمكن أن تخلق الحجّيّة عند الانفصال رغم عدم الظهور?!! كلاّ. وما نحن فيه من هذا القبيل; لِمَا عرفت من عدم وجود أيّ معارضة بين الروايات، فلا توجد قرينة تكسر ظهوراً عن الحجّيّة. نعم لو كان بعضها متّصلا بالبعض لخُلق ظهور في إرادة القاعدة العامّة وهي عدم حجّيّة خبر الواحد في الموضوعات بما هي كذلك، لكن بسبب الانفصال لم يخلق ظهور من هذا القبيل، فما هو المبرّر لافتراض حجّيّة ظهور معلَّق تحقُّقُه على الاتّصال?!! نعم يبقى أن يدّعي مدّع - بلا حاجة إلى التحليلات الّتي عرضناها للقاعدة الميرزائيّة -: أنّ الظهور التقديري المعلّق على اتّصال النصوص بعضها ببعض حجّة رغم عدم فعليّته بسبب الانفصال، وهذه الدعوى بالإمكان رفضها أو قبولها من دون نظر إلى التحليلات الماضية للقاعدة الميرزائيّة، والصحيح رفض هذه الدعوى.

وعليه فقد اتّضح أنّه لايمكن أن نستظهر في المقام ردعاً للسيرة العقلائية بشكل عامّ ولو آمنّا بقيامها على حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات.

نعم، يبقى احتمال الردع الوارد في كلّ رواية من تلك الروايات، فإن اعتمدنا على هذا الاحتمال لإبطال حجّيّة السيرة فهو، وإلاّ - كما لو قلنا بأنّ هذه السيرة قويّة لايكفي في ردعها شيء من هذا القبيل، أو قلنا بأنّ هذه السيرة ممضاة في صدر الإسلام، فيجري استصحاب بقاء الإمضاء - فقد ثبتت حجّيّة خبر الثقة في

 
الصفحة 290

الموضوعات، إلاّ في الموارد الخاصّة الّتي ورد فيها الردع عنه، ثم لو سلّمنا حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات إمّا بالسيرة، أو بالإطلاق المفهوم بمساعدة السيرة من نصوص حجّيّة خبر الثقة، فلا إشكال في أنّ هذا خاصّ بغير موارد النزاع; لأنّ انتفاء السيرة في موارد النزاع واضح جدّاً، فخبر الثقة في موارد النزاع كما ليست له حجّيّة قضائيّة كذلك ليست له حجّيّة ذاتية يجوز للشخص الثالث قبل القضاء أن يعتمد عليها; كي تأتي شبهة انقلاب المدّعي منكراً في المقام.

وبعد، فالمختار لنا هو عدم حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات: لافي موارد النزاع، ولا في الموارد الّتي يترقّب فيها النزاع كموارد الطلاق والنكاح، ولو لم يكن نزاع بالفعل، ولافي الموارد التي يُترقَّب تدخُّلُ الحاكم فيها كالهلال والحدود، ولافي الموارد الفرديّة البحتة كالطهارة والنجاسة.

أمّا في موارد النزاع فالمسألة واضحة فقهيّاً، وعدم السيرة العقلائية على الحجّيّة أيضاً في غاية الوضوح.

وأمّا في موارد ترقُّب النزاع وموارد ترقُّب تدخُّل الحاكم ـ كالطلاق والنكاح والهلال والحدود ونحوها ـ فشرط البيّنة فيها، وعدم كفاية خبر الواحد ينبغي أن يُعدّ مسلّماً ولو على ضوء الروايات الماضية في الموارد الخاصّة.

وأمّا في الموارد الفرديّة البحتة كالطهارة والنجاسة، فنحن أساساً لا نؤمن بدلالة السيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الثقة; كي يقال بشمولها للموضوعات، ويعتمد عليها ابتداءً بسبب عدم الردع، أو يستعان بها لتتميم بعض الإطلاقات للدلالة على حجّيّة خبر الواحد في موضوعات، ونقول: إنّ السيرة على حجّيّة خبر الواحد إنّما هي متشرّعيّة، والمتيقّن منها باب الأحكام وما يلحق به كوثاقة الراوي للحكم، أمّا الموضوعات بشكل مطلق فلا. نعم لوعلم العبد أنّ المولى أرسل فلا ناً لإيصاله أمراً أو نهياً إليه، وشكّ في أنّه هل كلّ ما نقله إليه من المولى صحيح أو فيه ما

 
الصفحة 291

هو صحيح وفيه ما هو خطأ، فقد يكون نفس إرسال المولى إيّاه قرينة على اعتماد المولى على نقله وإعطائه للحجّيّة للكلام ـ سواء ثبتت وثاقته عند العبد أوْلا ـ وهذا غير فرض قيام السيرة على حجّيّة خبر الثقة.

هذا، ونحن في إنكارنا للسيرة لانقيم برهاناً على ذلك، كما أن المدّعين لها لم يقيموا برهاناً عليها; لأن فرض السيرة وعدمها ليس من الأمور القابلة للبرهنة عليها.

اجتماع الدعوى والإنكار:

الأمر الثالث ـ ذكر المحقّق العراقي في قضائه: أنّ صاحب الجواهر وقع في تناقض، حيث اختار في مسألة الخلاف في مقدار الأُجرة أنّ كّلا ممن يدّعي الإيجار بالثمن الزائد أو الناقص مدّع ومنكر، بينما اختار في تداعي من بيدهما العين الملكيّة: أنّ كلاّ منهما مدّع، ولايصدق على أحدهما المنكر; لأنّ اليدين متساقطتان، وهذان الرأيان متهافتان; لأنّه إن فرض أنّ المقياس هو الحجّية الفعليّة فأصالة عدم الإيجار بالزائد مع أصالة عدم الإيجار بالناقص في المسألة الأُولى أيضاً متساقطتان، فالمفروض أن يكونا في المسألة الأُولى أيضاً مدّعيين فقط، وإن فرض أنّ المقياس هو الحجّيّة الاقتضائيّة و كلّ من أصلي عدم الإيجار في المسألة الأولى حجّة اقتضاءً، أي لولا المعارض فهو بحدّ ذاته حجّة، فكذلك الحال بالنسبة لليدين في المسألة الثانية; إذن فكلٌّ مدّع ومنكرٌ أيضاً(1).

أقول: المقياس هو الحجّيّة الفعليّة كما هو مختار المحقّق العراقي ، والحجّيّة


(1) كتاب القضاء للمحقّق العراقي ص 106

الصفحة 292

الفعليّة لاتجتمع في أصلين متعارضين; إذن لايمكن أن يكون كلّ منهما مدّعياً ومنكراً في وقت واحد، إلاّ إذا كانت هناك مرافعتان كي يكون أحدهما مدّعياً بالنسبة لإحدى المرافعتين ومنكراً بالنسبة للمرافعة الأُخرى. وفي المسألة الثانية لاتوجد مرافعتان، فإنّ دعوى كلّ واحد منهما الملكيّة لوقوبلت بمجرد نفي الآخر ملكيّتة لاتشكلّ مرافعة في مفروض الكلام، وإنّما الذي شكّل المرافعة هو أنّ كلا منهما يدّعي الملكية لنفسه، بينما يستحيل اجتماع ملكيتين مستقلّتين على مال واحد، فلا توجد إلاّ مرافعة واحدة، واليدان متعارضتان; لأنّ مفاد كلّ من اليدين ينفي مفاد اليد الأُخرى بطبيعته، لاستحالة صدقهما معاً، فهما متساقطتان، وتصل النوبة إلى أصالة عدم مالكيّة هذا وأصالة عدم مالكيّة ذاك، وهذان الأصلان لايتعارضان; لاحتمال صدقهما معاً بأن لايكون هذا مالكاً ولاذاك مالكاً، فكلّ منهما مدّع لأنّه يدّعي ما هو خلاف الأصل. نعم، قد يتّفق أنّنا نعلم صدفةً بكذب أحد الأصلين إجمالا، لكنّ العلم الذي يتّفق صدفةً فيسقط الأصل في نظر العالم لا يسقط المنكر عن كونه منكراً، وليس كالعلم بكذب إحدى اليدين الذي أسقط اليدين الناشيء من استحالة اجتماع صدقهما ذاتاً، وإلاّ لكان علم القاضي أو أىّ إنسان ثالث بكذب المنكر في أىّ دعوى حصل فيها علم من هذا القبيل مُخرجاً للمنكر عن كونه منكراً، لأنّه سقط أصله في نظر هذا العالم، بينما الأمر ليس كذلك، فالمنكر منكر ولو علمنا صدفةً كذبه، كما أنّ المدّعي مدع ولو علمنا صدفةً صدقه.

وأمّا في المسألة الأُولى، فكلّ واحد من الإيجارين يكفي دعواه من قبل أحدهما وإنكاره من قبل الآخر في تشكيل المرافعة، بغضّ النظر عن دعوى الإيجار الآخر. إذن فهناك مرافعتان - هذا بغضّ النظر عمّا مضى سابقاً في مسألة تداعي البيع والهبة اللازمة عن أُستاذنا الشهيد : من أنّ دعوى الهبة مع اتفاقهما على أصل التمليك لاأثر لها، ولا تشكّل مرافعة، وكذلك نقول في المقام: إنّ دعوى الإيجار

 
الصفحة 293

بالأقلّ مع اتفاقهما على جامع الإيجارين لا أثر لها، ولا تشكّل مرافعة. وهذا الإشكال كما ترى غير إشكال المحقّق العراقي في المقام و كلّ منهما مدّع بالنسبة لأحد الإيجارين; لأنّ الأصل عدمه، ومنكر بالنسبة للإيجار الآخر; لأنّه يوافق أَصالة عدمه، والأصلان غير متعارضين لإمكان صدقهما معاً; بأن لايكون قد وقع شيء من الإيجارين. نعم، قد نعلم صدفةً بكذب أحدهما إجمالا - أي بوقوع أصل الإيجار - ولكن قد وضّحنا أن العلم الإجمالي صدفةً بالكذب لايخرج المنكر عن كونه منكراً، فإنّه ليس بأشدّ من العلم التفصيليّ بكذب المنكر.

مصبّ النزاع بين المدّعي والمنكر:

الأمر الرابع - أنّ مقياس المدّعي والمنكر وترتّب أحكامهما عليهما مختصّ بما إذا كان النزاع على حقّ أو عين يدّعيه أحدهما على الآخر أو عنده وينكر الآخر، أمّا إذا كانا معاً معترفين بالحقّ أو العين ل أحدهما ، وإنّما النزاع في مخالفة الآخر لهذا الحقّ أو غصبه لهذه العين، فهذا لا يدخل في باب النزاع الذي يحمل أحكام المدّعي والمنكر، فمعنى المدّعي والمنكر في باب القضاء هو من يدّعي حقّاً أو عيناً على أحد، ومن ينكره عن نفسه، أمّا لو ادّعى مثلا أنّ فلاناً ساكن في بيتي وذاك يعترف أنّ هذا بيته، ولكنّه ينكر كونه ساكناً في بيته، و كانت دعوى الأوّل لا بروح مطالبة الثاني بأُجرة مدّة سكنه في البيت; كي يرجع الأَمر إلى دعوى حقّ عليه ينكره، بل بروح إخراجه من الآن فصاعداً من البيت، فهذا ليس بابه باب القضاء المتعارف الذي يحكم فيه بأنّ القضاء يكون بالبينة على المدّعي واليمين على من أنكر، ولو ادّعى مثلا أنّ فلاناً يريد قتلي أو ضربي، والآخر أنكر ذلك، فهذا ليس بابه باب القضاء ليحكم فيه بالبيّنات والأيمان، وإنّما هذا بابه باب دفع الظلم ودفع المنكر

 
الصفحة 294

وحفظ الأمن، وما شابه ذلك من التعابير، وهذا ما يقوم به الحاكم بوصفه وليّاً للأمر، أو وكيلا عنه إن كانت وكالته شاملةً لأُمور من هذا القبيل لابوصفه قاضياً، فإنّ معنى القضاء عرفاً لايشمل هذا المورد.

وإن شئت فعبّر عمّا ذكرناه بأحد التعبيرات الآتية - الّتي لعلّها أقرب إلى الفهم، وإن كانت هي غير دقيقة وقابلة للنقوض، والتعبير الدقيق هو ما ذكرناه -:

1 - أن يقال: إنّه متى ما كان النزاع في رفع الظلم فهذا بابه باب القضاء، ويكون مشمولا لقوانين المدّعي والمنكر، ومتى ما كان النزاع في دفع الظلم فهذا بابه باب النهي عن المنكر من دون أيّ ارتباط بباب القضاء.

2 - أن يقال: إنّه متى ما كان النزاع في تدارك حق اُهدِر فهذا بابه باب القضاء، ومتى ما كان النزاع في إهدار حقّ فهذا بابه باب النهي عن المنكر أجنبيّاً عن باب القضاء.

3 - أن يقال: إنّه متى ما كان النزاع راجعاً إلى الماضي فهذا بابه باب القضاء، ومتى ما كان راجعاً إلى المستقبل فهذا بابه باب دفع المفسدة والظلم والنهي عن المنكر بعيداً عن باب القضاء.

وهذه التعبيرات الثلاثة - كما قلنا - غير دقيقة.

وهناك تعبير آخر دقيق وفي نفس الوقت قريب إلى الفهم، وهو أنّ القضاء عرفاً يعني إدانة المدّعي أو المنكر، أو تبرئته، فمتى ما كان الباب باب الوقاية ودفع الظلم من دون اشتماله على الإدانة أو التبرئة، لم تثبت فيه أحكام المدّعي والمنكر.

والأساس الذي يعتمد عليه القاضي في مثل هذا المورد إنّما هو إعمال ولاية الفقيه، وقانون النهي عن المنكر لو كان لدليله إطلاق لمثل ذلك، وقانون تقديم المحتمل الأهمّ عندما كانت أهمّيته إلى مستوى نعلم برضا الشارع بتقديمه على المعلوم غير الأهمّ.

 
الصفحة 295

فقد يحكم القاضي بوصفه وليّاً، أو وكيلا عن الوليّ - لو كانت وكالته شاملة لمثل المورد - بتجريد من يُخاف منه القتل عن السلاح، خلافاً لقانون تسلّط الناس على أموالهم، رغم أنّه ليس من المقطوع به إرادته لهذه الجريمة، وذلك لأهميّة المحتمل، وقد يحكم بتطويقه حينما حصل له العلم بأنّه يريد الظلم والضرب منعاًله عن المنكر وحفظاً للأمن، وليس هذا مشمولا لما مضى من عدم نفوذ علم القاضي عن حدس.

بل قد يقال في موارد القضاء أيضاً: أنّ من حقّ وليّ الأمر العمل بعلمه الحدسيّ، لافي أخذ الحقّ ممن عليه الحقّ لِذي الحقّ، بل في تعزيره الذي هو راجع إلى حقّ اللّه .

بل قد يقال أيضاً في موارد القضاء: إنّ من حقّ وليّ الأمر إعمال الولاية بأخذ الحقّ بالقهر والغلبة ممّن علم عن حدس أنّ عليه الحقّ، وإعطائه لمن علم أنّ له الحقّ، لا بالحكم كي يخالف عدم نفوذ علم القاضي، بل بالفعل والعمل بلا حكم. والأثر العمليّ للفرق بين هذا وبين الحكم، أنّه لو حكم ثمّ خصم النزاع، لايجوز للمحكوم عليه أن يخاصمه مرةً أُخرى لو أمكنه ذلك ولو قطع بأنّه على حقّ، بينما لو لم يحكم - وإنّما مارس أخذ الحقّ بالقهر والغلبة - جاز لمن يعتقد أنّه قد ظُلم المخاصمة مرّةً أُخرى، أو التقاصّ لو أمكنه ذلك.

إلاّ أنّ الصحيح أنّ التفكيك بين الحكم وأخذ الحقّ بالقهر والغلبه بجواز الثاني دون الأوّل، وكذا التفكيك بين التعزير والحكم بجواز الأوّل دون الثاني غير عرفيّ.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب