الصفحة 175

الفصل الثّالث








طرق الإثبات لدى القاضي



طرق الإثبات في الفقه الوضعي.
طرق الإثبات في الفقه الإسلامي.

 
الصفحة 176


 
الصفحة 177

طرق الإثبات لدى القاضي


1






طرق الإثبات في الفقه الوضعي


نصوص من الفقه الوضعي.
الطعن على الإسلام.

 
الصفحة 178


 
الصفحة 179




نصوص من الفقه الوضعي:

تعارف القول في الفقه الوضعي الحديث بأنّ طرق الإثبات ستة: أوّلها وأهمّها الكتابة، والثاني الشهادة أو البيّنة، والثالث القرائن، والرابع الإقرار، والخامس اليمين، والسادس المعاينة.

قال عبدالرزاق أحمد السنهوري:

«والكتابة من أقوى طرق الإثبات، ولها قوّة مطلقة يجوز أن تكون طريقاً لإثبات الوقائع القانونيّة والتصرفات القانونيّة دون تمييز، كما سنرى. ولم تكن لها هذه القوّة قديماً، بل كان المقام الأوّل للشهادة في وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة، بل كانت الغلبة للأُ ميّة فكان الاعتماد على الرواية دون القلم، هكذا كان الأمر في الفقه الإسلامي وفي سائر الشرايع، ثمّ أخذت الكتابة تنتشر، وساعد على ذلك اختراع الطباعة، فعلت الكتابة على الشهادة وصارلها المقام الأوّل. ومن مزايا الكتابة أنّه يمكن إعدادها مقدّماً للإثبات منذنشوء الحقّ دون التربّص إلى وقت المخاصمة ... ومن مزايا الكتابة أيضاً أنّها لا يتطرّق إليها من عوامل الضعف ما يتطرّق إلى الشهادة، فالشهود يجوز عليهم الكذب، وتعوزهم الدقّة على كلّ حال، وتتعرّض ذاكرتهم للنسيان على أنّ الكتابة إذا خلت ممّا يلحق الشهادة من كذب، أو اضطراب، أو نسيان لا تخلو هي أيضاً من احتمال التزوير. وقدرسم قانون المرافعات

 
الصفحة 180

اجراءات معيّنة للطعن في الكتابة بالإنكار، أو بالتزوير. (م 253 ـ 291 مرافعات).

أمّا الشهادة أو البيّنة فقد كانت من أقوى الأدلّة في الماضي كما قدّمنا، ثم نزلت للأسباب التي بيّناها إلى مكان أدنى، فهي طريق لإثبات ذوقوّة محدودة; إذ لايجوز إثبات التصرّفات القانونيّة بها إلاّ في حالات استثنائيّة، ولا تثبت بها إلاّ الوقائع القانونيّة; لأنّها أعمال ماديّة، فجاز إثباتها بالبيّنة لموقع الضرورة، وقد حاطها المشرّع بضمانات عدّة، فرسم اجراءات دقيقة لسماع الشهود (م 189 ـ 224 مرافعات)، وفرض عقوبة على شهادة الزور، وترك للقاضي التقدير الأعلى في الأخذبها إذا أقنعته، أو في طرحها إذا هو لم يقتنع ...»(1).

وذكر في فصل البيّنة والقرائن ما حاصله:

أنّ البيّنة والقرائن لهما القوّة المطلقة في الوقائع القانونيّة الماديّة، وفي التصرّفات القانونيّة التجاريّة إلاّ ما استثني. ولهما القوّة المحدودة في ميدان التصرّفات القانونيّة المدنيّة، فلا يجوز أن تثبت بهما التصرّفات المدنيّة التي تزيد قيمتها على عشرة جنيهات، أو تكون غير محدّدة القيمة، بل وتلك التي لا تزيد قيمتها على هذا المقدار إذا كانت مكتوبة ويراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها. ومحدوديّة قوّتهما في ميدان التصرّفات القانونيّة المدنيّة أيضاً لها استثناءاتها، و السبب في الفرق بين التصرّفات القانونيّة المدنيّة من ناحية والوقائع المادية أو التصرّفات التجارية هو أنّ التصرف القانوني إرادة تتّجه إلى إحداث أثر قانوني لها مظهر خارجي هو التعبير، والقانون اقتضى أن لايكون إثبات هذا التعبير كقاعدة عامّة إلاّ عن طريق الكتابة، وذلك لاعتبار سببين:

1 ـ لأنّ التعبير عن إرادة تتجه لإحداث أثر قانوني أمر دقيق قد يُغَمُّ على


(1) الوسيط، ج 2، الفقرة رقم 58، ص 90 و 91.

الصفحة 181

الشهود فلايدركون معناه، ولا يؤدون الشهادة فيه بالدقة الواجبة.

2 ـ والتصرف القانوني فوق ذلك هو الذي تستطاع تهيئة الدليل الكتابي عليه وقت وقوعه، ومن ثم كان اشتراط الكتابة لإثباته أمراً ميسوراً.

أمّا الواقعة الماديّة فلا يقوم في شأنها أيّ من الاعتبارين المتقدّمين، وقد عمد المشرّع إلى الخطير من هذه الوقائع كالميلاد والموت فأوجب تسجيله بالكتابة على نحو خاصّ.

أمّا السبب في إباحة الإثبات بالبيّنة و بالقرائن في المسائل التجارية أيّاً كانت قيمة التصرف القانوني فهو مايقتضيه التعامل التجاري من السرعة، وما يستلزمه من البساطة وما يستغرقه من وقت قصير في تنفيذه...(1).

وقد يبدو من عبارة السنهوري الماضية في أوّل البحث أنّ الإسلام أعطى المقام الأوّل في الإثبات إلى البيّنة لأجل غلبة الاُمّيّة وقتئذ، وهذا مايكرّس شبهة أعداء الإسلام القائلين بأنّ الإسلام كان ديناً منسجماً مع زمانه وقد انتهى وقت تنفيذ نُظمه وقوانينه لتبدل الزمان والأوضاع.

ولكنّه ذكر بعد ذلك ما يدلّ على أنّه يرى أنّ النقص لم يكن في الإسلام، وإنّما كان النقص في عصر التقليد في الفقه الإسلامي ـ على حدّ تعبيره ـ، ولا بأس بذكر نصّ عبارته بهذا الصدد. قال في تعليق له في الهامش على الفقرة رقم 189، في الجزء 2: «فالفقه الإسلامي لايعتدّ بالكتابة اعتداده بالشهادة، فالشهادة عنده هي البيّنة التي لها المقام الأوّل في الإثبات، أمّا الكتابة فيحذر منها كلّ الحذر; لأنّ الخطوط ـ كما يقول الفقهاء ـ قابلة للمشابهة والمحاكاة، والواقع من الأمر أن الكتابة لم تكن في العصور الأُولى التي ترعرع فيها الفقه الإسلامي منتشرة بين


(1) راجع: الوسيط ج 2، الفقرة رقم 181 و 182 و 185 و 188.

الصفحة 182

الناس، ولم يكن فنّ الخط قد تقدم تقدمه في العصور التي تلت، فكان من الصعب الاعتماد على الكتابه في الإثبات... وقد أتى القرآن الكريم في آية المداينة بأرقى مبادىء الإثبات في العصر الحديث، قال اللّه تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّىً فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه اللّه، فليكتب، وليملل الذي عليه الحقّ، وليتّق اللّه ربّه ولا يبخسْ منه شيئاً (1). فالأولويّة في الإثبات إذن للكتابه، ولكن لمّا كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك، وتقف عن مجاراة هذا التقدّم لم يستطع الفقهاء إلاّ أن يسايروا حضارة عصرهم، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلى مقام تنزل عنه الكتابة نزولا بيّناً. ومن العجيب أن عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت وراء تقدّم الشهادة على الكتابة، فظلّ يردّد ما قاله الفقهاء الأوّلون في تقديم الشهادة، وذلك بالرغم من أنّهم كانوا يستطيعون أن يقلبوا الوضع، فيقدّموا الكتابة يؤازرهم في ذلك انتشار الكتابة وتُظاهرهم آيات القرآن الكريم».

إنتهى ما أردنا نقله من الوسيط.

وكتب أحمد نشأت في كتابه يقول:

«قد اتّبعت معظم الشرائع قاعدة في الإثبات الكتابة، وأمر بذلك القرآن الكريم: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّىً فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولايأب كاتب أن يكتب كما علّمه اللّه، فلْيكتب، ولُْيملِلِ الذي عليه الحقّ، ولْيتّقِ اللّه ربّه، ولا يبخسْ منه شيئاً. فإن كان الذي عليه الحقّ سفيهاً. أو ضعيفاً، أولا يستطيع أن يملّ هو فليملل وليّه بالعدل، واستشهدوا شهيدين من


(1) سورة البقرة: 282.

الصفحة 183

رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرَأَتان ممّن ترضَوْن من الشهداء أن تضلّ إحداهما، فتذكّر إحداهما الأُخرى، ولايأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا، ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله، ذلكم أقسط عند اللّه، وأقوم للشهادة، وأدنى ألاّ ترتابوا، إلاّ أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألاّ تكتبوها ... »(1).

ولا يخفى أنّ هذه الآية الشريفة ليست دليلا على أنّ الكتابة إحدى وسائل الإثبات في باب القضاء، إذ جعلت الآية المباركة الكتابة كوسيلة لتقويم الشهود من ناحية، ودفع الارتياب من نفس أطراف المعاملة من ناحية أُخرى; حيث قال: ﴿ذلك أقسط عنداللّه وأقوم للشهادة وأدنى ألاّ ترتابوا. أمّا إذا وقع الارتياب وحصل النزاع، فهل من حقّ القاضي أن يقضي بمجرّد الكتابة؟ فهذا ما لم تدلّ عليه الآية الكريمة.

هذا، وطرق الإثبات في الفقه الإسلامي عبارة عن:

1 ـ العلم.

2 ـ البيّنة.

3 ـ اليمين.

4 ـ الإقرار.

5 ـ القرعة.

أمّا قاعدة العدل و الإنصاف فقد تخصم بها الدعوى، لكنّها ليست من طرق الإثبات، فهي طبعاً لاتعني أنّ كلا الطرفين على حقّ، وإنّما تعني التنصيف عند عدم


(1) رسالة الإثبات، ج 1، الفقرة رقم 56، ص 105 الطبعة السابعة. والآية هي الآية 282، من سورة البقرة.

الصفحة 184

معرفة المالك الحقيقي كي يحصل المالك الواقعي على نصف ماله على كلّ تقدير، ولايحرم أىّ واحد منها حرماناً كاملا ما دام يحتمل كونه هو المالك.

أمّا الكتابة فليست ـ بما هي ـ طريقاً للإثبات في الفقه الإسلامي.

الطعن على الإسلام:

ومن هنا يأتي الطعن على الإسلام بأنّه لاينسجم مع وضع اليوم، إذ من الواضح أنّ رفض الكتابة اليوم ـ وهي أقوى بكثير من جهة كشفها الحقيقي من البيّنة ـ أمر غير عقلائي فالإسلام دين لظروف مضت ولزمان انصرم.

والجواب: أنّ الكتابة قد تورث العلم، وقد لاتورث العلم، فإن أورثت العلم فقد دخلت في الطريق الأوّل من طرق الإثبات في الفقه الإسلامي كما ذهب إليه مشهور أصحابنا ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ، وكان طريق الإثبات في الحقيقة هو العلم من أىّ سبب نشأ لاالكتابة.

أمّا إذا لم تورث العلم فهي غالباً أضعف من المدرك الذي أوجب للبيّنة العلم، والقاضي و إن كان تعامله ليس مباشرةً مع مدرك علم البيّنة، وإنّما تعامله معه بواسطة علم البيّنة، بينما الكّتابة هي المدرك المباشر لحصول الظنّ عند القاضي، فقد يفضِّل الاتكاء على هذا المدرك المباشر على الاتكاء على ذاك المدرك غير المباشر، ولكن المشرّع ليس هو القاضي، وإنّما هو شخص ثالث نسبته إلى القاضي والبيّنة على حدّ سواء، ومن حقّه أن يفضل المدرك الذي أوجب العلم للبيّنة على المدرك الذي أوجب الظن للقاضي.

وبعد هذا نشرع في البحث عن الطرق التي اعتمد عليها فقهنا الإسلامي للإثبات في القضاء.

 
الصفحة 185

طرق الإثبات لدى القاضي


2





طرق الإثبات في الفقه الوضعي


علم القاضي.
البيّنة.
اليمين.
الإقرار.
القرعة.

 
الصفحة 186


 
الصفحة 187

طرق الإثبات في الفقه الإسلامي


1






علم القاضي


مع الفقه الوضعي.
مع الفقه الإسلامي.

 
الصفحة 188


 
الصفحة 189





الطريق الأول: علم القاضي.



مع الفقه الوضعي

وقبل الشروع في البحث عن ذلك من وجهة نظر فقهنا الإسلامي نشير إلى وجهة نظر الفقه الوضعي الحديث في مسألة علم القاضي، والمتبنّى عادةً في ذاك الفقه هو عدم حجيّة علم القاضي.

وذكر عبدالرزاق السنهوري: أنّ هذا ناتج عن مبدأ حقّ الخصم في الإثبات لا عن مبدأ حياد القاضي(1).

ولتوضيح المقصود نتكلّم باختصار عن كلّ من المبْدَأَيْن من وجهة نظرهم:

قال السنهوري في الوسيط ما ملخّصه:

إنّ الحقيقة القضائيّة قد تبتعد عن الحقيقة الواقعيّة، بل قد تتعارض معها، لأنها لاتثبت إلاّ عن طريق قضائي رسمه القانون، وقد يكون القاضي من أشدّ الموقنين


(1) راجع الوسيط الفقرة رقم 27 ص 33 ـ 34.

الصفحة 190

بالحقيقة الواقعيّة ومخالفتها للحقيقة القضائيّة.

والقانون في تمسّكه بالحقيقة القضائية دون الواقعية يوازن بين اعتبارين: اعتبار العدالة في ذاتها، ويدفعه إلى تلمّس الحقيقة الواقعيّة بكلّ السبل ومن جميع الوجوه حتى تتّفق معها الحقيقة القضائية، واعتبار استقرار التعامل، ويدفعه إلى تقييد القاضي في الأدلّة التي يأخذبها، فيحدّد له طرق الإثبات وقيمة كلّ طريق منها كي يأمن من جوره، ويحدّمن تحكّمه، ولايختلف القضاة في ما يقبلونه من دليل، وفي تقدير قيم الأدلّة في الأقضية المتماثلة.

ويمكن في الموازنة بين الاعتبارين أن نتصوّر قيام مذاهب ثلاثة في الإثبات:

1 ـ المذهب الحرّ أو المطلق: وهو الذي يميل إلى استقرار العدالة ولو بالتضحية باستقرار التعامل.

2 ـ والمذهب القانوني أو المقيّد: وهو الذي يقيّد قوانين الإثبات أشدّ التقييد حتى يستقرّ التعامل.

3 ـ والمذهب المختلط وهو مذهب بين بين يوازن ما بين الاعتبارين، فيعتّد بكلّ منها، ولايضحّي ب أحدهما لحساب الآخر، وهذا هو خير المذاهب، فهو يجمع بين ثبات التعامل بما احتوى عليه من قيود وبين اقتراب الحقيقة الواقعيّة من الحقيقة القضائيّة بما أفسح فيه للقاضي من حرّيّة التقدير وأشدّ ما يكون إطلاقاً في المسائل الجنائيّة، ففيها يكون الإثبات حرّا بتلمّس القاضي وسائل الإقناع فيه من أىّ دليل يقدّم إليه شهادة كانت، أو قرينة، أو كتابة، أو أي دليل آخر، ثمّ يتقيّد الإثبات بعض التقيّد في المسائل التجارية.

ويتّصل بما تقدّم مبدأ حياد القاضي، فالقاضي في المذهب الحرّ لايكون محايداً، بل موقفه إيجابي ينشط القاضي فيه إلى توجيه الخصوم و استكمال ما نقص في الأدلة واستيضاح ما أبهم منها، بينما في المذهب القانوني سلبي محض لايعدو

 
الصفحة 191

القاضي فيه أن يتلقّى أدلّة الإثبات كما يقدّمها الخصوم دون أىّ تدخّل من جانبه، ثمّ بقدّر هذه الأدلة طبقاً للقيم التي حدّدها القانون، فإذا رأى الدليل ناقصاً أو مبهماً فليس له أن يطلب إكماله أو توضيحه، بل يقدّره كما هو وفي المذهب المختلط ينبغي أن يكون موقفاً وسطاً بين الإيجابية و السلبية أقرب إلى الايجابيّة منه إلى السلبيّة      والقوانين الاتينيّة والقانون المصري معها قد اتّخذت الموقوف المختلط في الإثبات، وهي مع ذلك لاتوسّع على القاضي في حرّيّة توجيهه للدعوى واستخلاص الحقائق من أدلّتها القانونيّة إلاّ إلى مدىً محدود ...(1).

وهذا المعنى من الحياد كما ترى لا يترتّب عليه عدم حجيّة علم القاضي.

وأمّا مبدأ حقّ الخصم في الإثبات:

فقد ذكروا أنّ على الخصم أن يثبت ما يدّعية أمام القضاء بالطرق التي بيّنها القانون، وهذا ليس واجباً عليه فحسب، بل هو أيضاً حقّ له، وكلّ دليل يتقدّم به الخصم لإثبات دعواه يكون للخصم الآخر الحقّ في نقضه وإثبات ما يدّعيه الخصم، وكل دليل يقدَّم في الدعوى يجب أن يعرض على الخصوم جميعاً لمناقشته، ويدلي كلّ برأيه فيه ويفنّده أو يؤيّده، والدليل الذي لايعرض على الخصوم لايجوز الأخذ به.

ويترتّب على حقّ الخصوم في مناقشة الأدلّة التي تقدّم في الدعوى أنّه لايجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، ذلك أنّ علم القاضي هنا يكون دليلا في القضية، ولما كان للخصوم حقّ مناقشة هذا الدليل اقتضى الأمر أن ينزل القاضي منزلة الخصوم فيكون خصماً وحكماً وهذا لايجوز(2).

وهم يعتقدون أنّ عدم حجيّة علم القاضي إذا كان مبتنياً على هذا الوجه


(1) راجع الوسيط ج 2 الفقرة رقم 20 ـ 24.

(2) راجع الوسيط ج 2 الفقرة رقم 27 ـ 29.

الصفحة 192

الذي بيّنوه فهذا يتطلّب منهم إبعاد أمرين عن مسألة علم القاضي الذي لا حجيّة فيه، وهذا بالفعل ما صنعوه.

الأوّل ـ علم القاضي الذي لا يختصّ به، بل يعتبر من العلوم المعروفة بين الناس; قال في الوسيط في الهامش تعليقاً على ما ذكره في المتن من عدم جواز قضاء القاضي بعلمه:

«ولكن هذا لايمنع من أن يستعين القاضي في قضائه بماهو معروف بين الناس، ولايكون علمه خاصاً به مقصوراً عليه، وذلك كالمعلومات التاريخيّة والعلميّة والفنيّة الثابتة ...»(1).

فالمقصور بعلم القاضي الذي لايجوز القضاء به إنّما هو علمه الشخصي، أمّا العلم الذي يحصل عادةً لمتعارف الناس فهو ليس علماً شخصياً، والعلم الذي يحصل لأهل الخبرة في المسائل الفنيّة يجب فيه الرجوع إلى أهل الخبرة. قال في رسالة الإثبات.

«لايجوز القضاء في المسائل الفنيّة بعلم القاضي، بل يجب الرجوع إلى أهل الخبرة»(2)

والثاني ـ علم القاضي الذي يحصل على أساس المعلومات التي يحصلها وهو في مجلس القضاء. قال أحمد نشأت في رسالة الإثبات:

«وللقاضي أن يعتمد في حكمه على المعلومات التي يحصلها وهو في مجلس القضاء أثناء نظر الدعوى، وما يحصله على هذا الوجه لايعتبر من المعلومات


(1) الوسيط ج 2 ص 33 تحت الخط في أحد هوامش الفقرة رقم 27.

(2) رسالة الإثبات لأحمد نشأت ج 1 الفقرة رقم 2 ص 2.

الصفحة 193

الشخصيّة التي لايجوز للقاضي أن يستند إليها في قضائه»(1). وقد جاء ذكر هذين الاستثناءَين بشكل واضح ومشروح في كتاب رسالة الإثبات لأحمد نشأت(2)، فراجع.

وجاء في قانون المرافعات المدنيّة الجديد العراقي رقم 83: «لايجوز للحاكم الحكم بعلمه الشخصي المتحصل خارج المحكمة»(3).

وجاء في شرح الأُستاذ القانوني منير القاضي للمادة (83) من قانون المرافعات المدنيّة الجديد العراقي مانصّه ـ حسب النقل الذي ورد في كتاب القضاء الشرعي ـ

«فإنّ الأدلّة التي يحصل بها الإثبات تحقّق للقاضي علماً مكتسباً بالحادثة المكلّف بالحكم فيها، فيكون الحاكم بعد قيام الدليل لديه كأنّه شاهد الواقعة ووقف على ظاهرها وباطنها، فلايسعه إلاّ الحكم بما علم من هذا الطريق; إذ أنّ خلاف ذلك مجهول لديه فكيف يحكم بمجهول. ويستلزم هذا التعامل أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه الشخصي أي غير المكتسب من طريق الدليل الذي قام لديه، بل حصل له من طريق مشاهدته ووقوفه عليه شخصيّاً; لأنّ هذا أقوى من العلم الذي حصل له من طريق الشهادة مثلا. وإلى هذا الرأي ذهب كثير من فقهاء الشريعة المتقّدمين، ولكن لما خربت الذمم، وضعف الوازع الديني، وفسد الضميرفي كثير من الناس، وطغى حبّ المادّة على النفوس، وأُشربت القلوب حبّ المال من أىّ طريق جاء أصبح علم القاضي الشخصي مكتنفاً بالظنون و الريب حتى قال الفقيه الشافعي: لولا قضاة


(1) نفس المصدر ونفس الفقرة ص 19.

(2) ج 1 الفقرة 2 ص 18 و 19 الطبعة السابعة.

(3) راجع دليل القضاء الشرعي تأليف محمّد صادق بحر العلوم ج 2 الفقرة رقم 7 ص 34.

الصفحة 194

السوء لقلت أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه. ولهذا قرّر المتأخرون من الفقهاء بالإجماع عدم جواز حكم الحاكم بعلمه»(1)

أقول: يقصد صاحب هذا الكلام بالفقهاء فقهاء العامّة.

أمّا فقهاء الشيعة الذين يشترطون العدالة في القاضي فالمشهور بينهم قديماً وحديثاً هو جواز قضاء القاضي بعلمه كما تقدم.

وبهذا يتمّ التقريب بين الحقيقة القضائية و الحقيقة الواقعية بأفضل وجه حيث يكون علم القاضي في فرض عدالته كاشفاً أميناً عن الواقع في غالب الأحيان، وينضمّ إلى ذلك في التقريب بين الحقيقة القضائية و الحقيقة الواقعية ما ثبت في فقهنا الشيعي من شرط العدالة في القاضي و في الشاهد; ذاك الشرط الذي لايمكن للفقه الوضعي المنبثق من العقل البشري الالتزام به; إذ أن الانسان المبتعد عن تعاليم السماء ينغمس عادةً في الظلم و الجور إلى حدّ لايفهم لشرط العدالة معنىً، وهكذا يتيهون في أُسلوب الجمع بين الحقيقة القضائية و الحقيقة الواقعية، ويضعون الحجيّة لقرائن غير مفيدة للعلم، معطين زمام أمر تقييمها ومدى القبول بها بيد قاض لا يشترط فيه العدالة، ولايعرفون معنىً لحجيّة علم القاضي. أمّا ما مضى عن الوسيط من عدم نفوذ علم القاضي ـ بعد القول بأنّ للخصوم حقّ مناقشة كلّ دليل ـ إذ لو نفذلزم اتّحاد القاضي و الخصم فهذا غريب، فإنّ الخصم بالمعنى الذي ارتكز عقلائياً عدم جواز اتّحاده مع القاضي إنّما هو الخصم بمعنى من يكون طرفاً في النزاع ـ أي الذي يحكم له أو عليه ـ لاكلّ من يناقش الخصوم ما يقدّمه من دليل. وجاء في رسالة الإثبات لأحمد نشأت قوله: «لايصحّ للقاضي أن يقضي بعلمه الشخصي ... القاضي ليس إلاّ بشراً كسائر الناس غير معصوم من الخطأ و النسيان، ولا منزَّهاً


(1) راجع دليل القضاء الشرعي تأليف محمّد صادق بحر العلوم ج 2 الفقرة رقم 7 ص 34 و35.

الصفحة 195

عن الغرض. والقاضي الذي يشهد في دعوى لاشكّ يكون متأثّراً بشهادته، فلايصحّ مطلقاً أن يجلس للفصل فيها، وهذا الأمر بديهىّ تقضي به طبيعة الأشياء، فليس هو في حاجة إلى نصّ في القانون»(1). أقول: إنّ القاضي عادةً يتأثّر بالدليل الذي يقضي به على كلّ حال، وهم يقولون بأنّ للقاضي حرّيّة تقدير قيمة البيّنة والقرائن، فيقضي بها عندما يقتنع بها، ويردّها عندما لايقتنع بها، أفليس هذا عبارة عن التأثّر بالبيّنة و القرائن؟ فَلِمَ لايُقبل تأثّرة بالدليل الذي أوجبه له علمه الشخصي خارج المحكمة؟! هناك فرق واحد وهو أن احتمال الخيانة من قبل القاضي لدى دعواه العلم الشخصي وارد بمستوىً لايرد في تقييمه للبيّنة و القرائن أمام الخصوم مع مناقشتهم لها، ولكن هذا علاجه عندنا يكون بشرط العدالة.

مع الفقه الإسلامي

وعلى أيّة حال فلنبحث مسألة حجّيّة علم القاضي من زاوية فقهنا الإسلامي

وقد بحثوا تارةً حجّيّة علم الإمام المعصوم وجواز قضائه به، وأُخرى حجّيّة علم القاضي غير الإمام المعصوم.

وقد استظهر أو ادّعي في كلتا المسألتين الإجماع على جواز القضاء بالعلم.

والذي ظهر منه الفرق بين المسألتين ـ ولو في خصوص باب الحدود التي هي من حقوق اللّه لاخصم النزاع ـ هو صاحب النهاية حيث نُقل عن حدود النهاية: أنّه (إذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم الحدّ، و لاينتظر مع مشاهدته قيام البيّنة والإقرار، وليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به.


(1) رسالة الإثبات ج 1 الفقرة 379 مكرّر (ط) الطبعة السابعة

الصفحة 196

وغيره ـ وإن شاهد ـ يحتاج إلى أن يقوم بيّنة أو إقرار من الفاعل).

وينقل عن ابن الجنيد أنّه لايفرّق بين الإمام و غير الإمام في عدم جواز القضاء بالعلم تارةً على الإطلاق كما نقله المرتضى عنه، وأُخرى في حقوق الناس، مع الاعتراف بنفوذ العلم في حقوق اللّه من دون فرق أيضاً بين الإمام و غير الإمام. واستظهر في المسالك نقلا ثالثاً عن ابن الجنيد: وهو تخصيص التفصيل بين حقوق الناس وحدود اللّه بغير الإمام مع الاعتراف بحجيّة علم الإمام في القضاء مطلقاً.

وعن ابن حمزة تبنّي تفصيل معاكس لتفصيل ابن الجنيد، وهو أنّ الحاكم يحكم بعلمه في حقوق الناس دون حقوق اللّه تعالى لابتنائها على المسامحة و الرخصة و الستر، ويحتمل إطلاق كلام ابن حمزة لعلم الإمام.

وعلى أىّ حال فقد استدلّ على جواز حكم الإمام وفق علمه بوجوه سيأتي أكثرها ـ إن شاء اللّه ـ عند البحث عن حكم القاضي ـ غير الإمام ـ بعلمه، وممّا يختصّ بمسألة حكم الإمام بعلمه ما جاء في الجواهر من وجوب تصديق الإمام في كلّ ما يقوله و كفر مكذّبه.

وعن بعض حمل ما قد يستظهر منه عدم حكم المعصوم بعلمه كقوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان»(1) على أنّ هذا لاينافي جواز حكم المعصوم بعلمه، فإنّ عدم حكمه به خارجاً لا يعني عدم الجواز. وكأنّ صاحب هذا الكلام حمل الجواز على الجواز على التكليفي أو الحجّية التخييرية، بينما الظاهر أنّ مصبّ كلام الأصحاب هو نفوذ العلم وحجيّته بحيث لاتصل النوبة معه إلى بيّنة أو يمين، وهو المستفاد من أكثر استدلالاتهم، كاستدلالهم بقوله تعالى: ﴿يا داودُ إنّا جعلناك


(1) الوسائل ج 18 ب 2 من كيفيّة الحكم ح 1 ص 199.

الصفحة 197

خليفةً في الأرض فاحكمْ بين الناسِ بالحقّ (1)، وقوله تعالى: ﴿وإن حكمتَ فاحكُمْ بينهُمْ بالقسط (2).

وكيفما كان فالبحث عن مدى نفوذ علم المعصوم ووجوب حكمه به، أو مجرّد الجواز، أو عدم جواز ذلك بحث فارغ لا أثر له; إذ المعصوم حينما يكون حاكماً هو أعرف بوظيفته، وحينما يكون الحاكم غير معصوم لا يفيده هذا البحث إلاّ بافتراض ذلك مقدّمه لجواز حكم الفقيه بعلمه بناءً على أنّ كلّ ما للإمام للفقيه.

ثم إنّه ينبغي أن يستبعد من بحث حجّية علم القاضي علمه الحسّي بمثل البيّنة، و الإقرار، واليمين، وتزكية الشهود و جرحهم، والجامع هو علمه الحسّي بما يستعين به في القضاء; إذ من ضرورة الفقه أنّه لو أنكر أحد الخصمين اليمين، أو الإقرار، أو قيام البيّنة بعد وقوع ذلك لايطالَب القاضي في حكمه ببيّنة على البيّنة، أو الحصول على إقرار أو يمين، ولو احتاجت تزكية الشهود إلى شهود لزم التسلسل. فمحلّ البحث إمّا هو القضاء بالعلم لاعلمه بما يقضي به، أو أنّه ينبغي أن لايشمل ـ على الأقّل ـ العلم الحسّي بوسائل الإثبات في القضاء.

واستقرب المولى علىّ الكني استبعاد العلم الحاصل بمثل الإلهام و الوحي و المكاشفات عن محل البحث، وأن يكون من المسلّم عدم نفوذه في القضاء قبل قيام القائم ، وذكر ما حاصله: أنّ الأقوى المنع عن القضاء بعلم من هذا القبيل لظهور كلماتهم في حجّيّة العلم في القضاء في العلم المشترك بين المعصومين


(1) السورة 38 ص الآية 26.

(2) السورة 5 المائدة الآية 42.

الصفحة 198

و غيرهم، خصوصاً على القول بكون علمهم حضورياً أو إرادياً مع وقوع الإرادة الموجبة له، فإنّ قضاءهم بالبيّنة و الأيمان كثير جداً، واحتمال مطابقتها جميعاً للواقع بعيد، كما يدفعه أيضاً قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له قطعة من النار»(1). هذا مضافاً إلى أخبار كثيرة في أنّ القضاء بمثل هذا العلم إنّما هو للقائم كرواية عبيدة بن الحذاء عن أبي جعفر في حديث ـ قال: «إذا قام قائم آل محمّد ـ ص ـ حكم بحكم داود لا يسأل بيّنة»(2)...(3).

أقول: المفهوم عرفاً من هذا الحديث التامّ سنداً هو أنّ الحكم قبل الإمام القائم عجّل اللّه فرجه الشريف إنّما هو بالبيّنة لا بالعلوم الغيبيّة من سنخ المكاشفة والإلهام، وذلك إمّا من باب أنّ مَن قبل القائم لا يحصل له علم من هذا القبيل في مورد القضاء، أو من باب أنّه ليس له أن يحكم بذلك. وعلى أيّة حال فهذا البحث أيضاً ـ عادةً ـ خارج عن محل الابتلاء.

وقد تركّز بهذا العرض موضوع بحثنا في علم القاضي غير المعصوم بالحكم عن الطرق الاعتيادية دون الكشف و الإلهام.

والآن نشرع في ذكر عمدة الأدلّة التي يمكن الاستدلال بها على أحد الطرفين:


(1) الوسائل، ج 18، ب 2 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 169.

(2) الوسائل، ج 18، ب 1 من كيفيّة الحكم، ح 4، ص 168.

(3) راجع كتاب القضاء للمولى علي الكني، ص 255 ـ 256.

الصفحة 199

أدلّة الحجّيّة:

أمّا أدلّة حجّيّة علم القاضي فيمكن الاستدلال عليها بعدّة أُمور ـ بعد وضوح أنّ حجّيّة علم القاضي أو نفيها بحاجة إلى دليل; إذ العلم هنا نسبته إلى عدم جواز القضاء به ـ لوقيل بذلك ـ نسبة الموضوع إلى الحكم، وليس علماً طريقيّاً كي تكون حجّيته واضحة و ذاتية لاتقبل النفي مثلا ـ:

الدليل الأوّل ـ دعوى الإجماع: كما استدلّ به في الجواهر.

و من الواضح عدم حجيّة الإجماع في المقام بعد صلاحيّة الوجوه الأُخرى للمدركيّة.

الدليل الثاني ـ ما جاء في الجواهر أيضاً من كون العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها:

والظاهر أنّ المقصود هو التمسّك بالأولوية. ولعلّه يتمّ الاستدلال بالنسبة لغير موارد حجيّة البيّنة ـ كما لو قيل بذلك بشأن المنكر ـ بعدم احتمال الفصل فقهيّاً، أو يقال بأولوية العلم من اليمين أيضاً.

وفيه: أنّه لم يثبت كون نكتة القضاء وفق اليمين نكتة الكشف محضاً; كي يقال بأولوية العلم لكونه أقوى كشفاً.

والمنقول عن السيّد الگلبايگاني ـ حفظه اللّه ـ في تقرير بحثه الذي كتبه السيد عليّ الميلاني بيان المطلب بصياغة أُخرى تختلف شيئاًمّا عن صياغة صاحب الجواهر: وهي أنّه لئن ثبت في علم الأُصول قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الكاشفيّة ـ دون الصفتية ـ فقيام القطع مقام الأمارة ـ وهي الظن المأخوذ على وجه الكاشفية ـ بطريق أولى; إذن فقطع القاضي يقوم مقام البيّنة.

والحاصل أنّ البيّنة لئن كانت تقوم مقام العلم فقيام العلم الذي هو أقوى من

 
الصفحة 200

البيّنة مقامها أولى.

إلاّ أنّ هذا التقريب غير مقبول لدينا مبنىً; لما حقّقناه في علم الأُصول من عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الكاشفيّة; إلاّ بمعنىً يرجع إلى القضيّة بشرط المحمول بأن يقصد بأخذ القطع موضوعاً على وجه الكاشفيّة أخذ مطلق الكاشف الأعم من التكويني و التعبّدي موضوعاً.

وعلى أىّ حال فسواء أُخذ بهذا التقريب، أو بالتقريب الذي نقلناه عن صاحب الجواهر من التمسّك ابتداءً بدعوى أولويّة العلم من البيّنة لكونه أقوى منها ـ يرد عليه: أنّ أقوائيّة علم القاضي من البيّنة قد تؤثّر في استظهار حجّيّة لوكان المشرِّع هو القاضي نفسه، فيقال: إنّ علمه أقوى لديه من البيّنة، فإذا جعلَ البيّنةَ حجّة فعلمه بطريق أولى، ولكن المشرّع هو شخص ثالث نسبة إلى القاضي و البيّنة على حدّ سواء و علم البيّنة اقوى كشفاً(1) لديه من علم القاضي غير المعصوم; لأنّ علم عدلين أبعد عن الخطأ من علم عدل واحدِ.

ورأيت في كتاب (فدك) لأُستاذنا الشهيد الذي ألّفه في عنفوان شبابه الالتفات إلى ما يرجع بروحه إلى هذه النكتة; حيث أورد على الاستدلال لحجيّة علم القاضي بأقوائية العلم من البيّنة بقوله:

«واُلاحظ أنّ في هذا الدليل ضعْفاً ماديّاً; لأنّ المقارنة لم تقم فيه بين البيّنة و علم الحاكم بالإضافة إلى صلب الواقع، وإنّما لوحظ مدى تأثير كلّ منهما في نفس الحاكم، وكانت النتيجة حينئذ أنّ العلم أقوى من البيّنة; لأنّ اليقين أشدّ من الظن، وكان حقّ المقارنة أن يلاحظ الأقرب منها إلى الحقيقة المطلوب مبدئياً الأخذ بها في


(1) وبتعبير أدقّ ما يفهمه القاضي من شهادة عدلين أقوى عند المشرع من علم القاضي رغم وجود احتمال ضئيل لخطأ فهم القاضي لما هو مقصود البيّنة، بينما لايحتمل خطأ فهمه لعلمه.

الصفحة 201

كلّ مخاصمة ولا يَفْضُلُ علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البيّنة; لأنّ الحاكم قد يخطأ كما أن البينة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنّة للزلل والاشتباه»(1).

أقول: إذا كان علم القاضي بالقضيّة علماً حسيّاً لايبعد دعوى تعدّي العرف من نفوذ البيّنة إلى نفوذ علم القاضي; لأنّ علم القاضي الحسّي أقرب إلى الحقيقة والواقع ـ أو قل: أقوى في نظر المشرّع ـ من علم القاضي بالبيّنة، فلاإشكال في أنّ القاضي حينما يقضي بالبيّنة يقضي بعلمه بثبوت البيّنة، ولولا علمه بها لما رتّب أثراً عليها كما هو واضح، وعلمه بالبيّنة القائمة على الواقع أبعد من الواقع من علم القاضي الحسّي بالواقع مباشرةً ـ بعد فرض ابعاد إحتمال خيانة القاضي ـ; لأنّ خطأ الأوّل له منفذان: أحدهما خطأ علمه بالبيّنة، والثاني خطأ علم البيّنة بالواقع، وخطأ الثاني له منفذ واحد وهو خطأ القاضي في علمه بالواقع.

فهذا الوجه قد يدلّ على نفوذ علم القاضي الحسّي لامطلق علم القاضي.

والتحقيق أنّ هذه الدلالة أيضاً لاتخلو من مناقشة; لعدم وضوح كون هذه الأولوية بمستوىً نجزم بنفوذ علم القاضي الحسّي، أو نستظهر ذلك من دليل نفوذ البيّنة، خصوصاً و أنّ من المحتمل كون احتمال خيانة القاضي ـ ولونادراً ـ داخلا في حساب المشرّع.

الدليل الثالث ـ ما جاء في الجواهر في سياق إثباته لحجّيّة علم الإمام في القضاء من الاستدلال بالآيات الدالّة على وجوب الحكم بالعدل: كقوله تعالى: ﴿يا داودُ إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق (2).


(1) فدك في التاريخ ص 161.

(2) ص، الآية 26.

الصفحة 202

وقوله تعالى: ﴿و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (1).

وقوله تعالى: ﴿وإذا حكمت فاحكم بينهم بالقسط (2).

هذه هي الآيات التي استشهد بها في الجواهر، ويمكن إضافة آيات أُخرى إليها، كالآية التي جاء ذكرها بهذا الصدد في كتاب (فدك) لأُستاذنا الشهيد ـ أعلى اللّه مقامه ـ من قوله تعالى: ﴿وممّن خلقنا أُمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون (3) أي يحكمون، وكقوله تعالى: ﴿ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحقّ وبه بعدلون (4). و كما جاء ذكره بهذا الصدد في كتاب المولى الكني من قوله تعالى: ﴿إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك اللّه (5) واستشهد أيضاً بالآيات الثلاث: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأُولئك هم الكافرون(6)... فأُلئك هم الظالمون(7)... فأُولئك هم الفاسقون (8).

ومن قبيل هذه الآيات الروايات الناهية عن الحكم بغير ما أنزل اللّه(9)، ومرفوعة البرقي عن أبي عبداللّه قال: «القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم


(1) النساء، الآية 58.

(2) المائدة، الآية 42.

(3) الأعراف الآية 181.

(4) الأعراف الآية 159.

(5) النساء الآية 105.

(6) و(7) و(8) المائده الآيات 44، و45 و47 .

(9) راجع الوسائل، ج 18، ب 5 من صفات القاضي.

الصفحة 203

فهو في الجنّة» ورواه في الخصال عن محمّد بن موسى بن المتوكل، عن السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبداللّه، عن أبيه، عن ابن أبي عمير رفعه إلى أبي عبداللّه قال: «القضاة أربعة ...» الحديث(1).

وتقريب الاستدلال بهذه الآيات و الروايات هو أنّ موضوع جواز القضاء حسب ما يفهم من هذه الآيات و الروايات هو العدل و الحق و القسط وما أنزل اللّه و ما شابه ذلك من العناوين، فالعلم بذلك يكون علماً بموضوع الحكم، ومؤدّياً إلى العلم بالحكم ـ أي العلم بجواز القضاء ـ فكم فرق بين أن نفترض أنّ موضوع جواز القضاء هو البيّنات و الأيمان، فيقال: «لم تثبت حجّيةٌ للعلم; لأنّ قيام العلم مقام البيّنات و القضاء ـ يعني كونه موضوعاً لجواز القضاء و العلم الموضوعي ـ لا حجّية ذاتية فيه، بل لابدّ من ثبوت موضوعيّته بدليل»، وأن نفترض أنّ موضوع جواز القضاء هو نفس الحقّ والواقع، وعندئذ فالعلم به علم بموضوع جواز القضاء، وهذا علم طريقي بالنسبة لموضوع جواز القضاء، ويؤدّي إلى العلم بجواز القضاء، و لا يمكن الردع عن حجّيته.

لايقال: إنّ دليل وجوب القضاء بالحقّ إنّما دلّ على أنّ متعلّق القضاء هو الحقّ; أمّا أنّ الحقّ هو تمام الموضوع للقضاء فلم يدلّ عليه، فمن المحتمل أن يكون الحقّ جزء الموضوع للقضاء، والحجّة عليه هي الجزء الآخر له; أَيْ أنّ من قضى بالحقّ بلاحجّة عاص و ليس متجرياً، ولعلّ هذا هو المرتكز عقلائيّاً، فإذا فرضت الحجّة جزء للموضوع جاء احتمال أن يكون جزء الموضوع عبارة عن خصوص البيّنة و اليمين دون علم القاضي.

فإنّه يقال: إنّ القاضي لو علم بالحقّ وكانت البيّنة أو اليمين تشير إلى شيء


(1) الوسائل، ج 18، ب 4 من صفات القاضي، ح 6 و 7.

الصفحة 204

آخر يعلم أنّه ليس بحقّ فلا يخلو الأمر من أحد فروض ثلاثة: أن تكون وظيفة القاضي القضاء بعلمه، أوالقضاء بالبيّنة أو اليمين على خلاف علمه، أو أن لا يقضي أصلا. والاحتمال الثالث غير موجود فقهيّاً، والثاني خلاف وجوب القضاء بالحقّ، فيتعيّن الأوّل، وهو القضاء وفق علمه. وبهذا يثبت أنّه إذا كانت الحجّة جزء للموضوع فليس جزء الموضوع خصوص البيّنات و الأيمان، بل يكفي أيضاً علم القاضي.

ويمكن الاعتراض على هذا التقريب بوجهين رئيسيّين:

الوجه الأول ـ ما جاءت الإشارة إليه في كلمات المحقّق العراقي من أنّه قد يكون المراد بمثل الحقّ و العدل هو الحقّ و العدل وفق مقاييس القضاء لاالحق والعدل وفق الواقع، وكون علم القاضي من مقاييس القضاء أوّل الكلام(1).

يبقى أنّ هذا الاحتمال هل هو بحسب ذاته احتمال يقابل احتمال كون الحقّ والعدل بلحاظ الواقع، أو أنّ هذا الاحتمال ـ لولا شاهد يشهد له ـ خلاف الظاهر، ولكن والشاهد عليه موجود؟ يحتمل من عبارة المحقّق العراقي أن لايرى هذا الاحتمال بحدّ ذاته قابلا لمقابلة الاحتمال الآخر إلاّ بلحاظ وجود شاهد عليه، وقد جعل الشاهد على ذلك رواية «رجل قضى بالحقّ وهو لايعلم ...» بتقريب أنّه لوكان موضوع القضاء هو الحقّ الواقعي لا الحقّ وفق مقاييس القضاء; إذن فقضاء من قضى بالحقّ وهو لايعلم صحيح وضعاً و تكليفاً، ولاعقاب عليه إلاّ بملاك التجرّي، فيجب أن نحْمل هذا الحديث على عقاب التجرّي، أو على كون المقصود بالعلم الاجتهاد، فالحديث هو من أحاديث شرط الاجتهاد في القضاء، وكلّ هذا خلاف الظاهر. وحمل الحقّ و العدل في الأدلّة الأُولى على الحقّ و العدل وفق


(1) كتاب القضاء، ص 22.

الصفحة 205

مقاييس القضاء إنْ لم يكن أولى فلا أقلّ من تساوي الاحتمالات، فيسقط الاستدلال.

وأورد عليه أُستاذنا الشهيد في كتاب (فدك)(1) بأنّ حديث «رجل قضى بالحقّ وهو لايعلم» لايقتضي عدم موضوعيّة الواقع للحكم، غاية ما هناك أنّه يقيّد الأدلّة الأُولى بالعلم، فيصبح الواقع جزء موضوع، والعلم به جزءً آخر للموضوع، ولابأس بذلك.

أقول: هذا مضافاً إلى ضعف سند الحديث.

وعلى أىّ حال فبالامكان أن يُغضّ النظر عن الشاهد الذي ذكره المحقّق العراقي ، ويقال ابتداءً: إنّنا نحتمل كون المقصود بالحقّ و العدل في المقام هو الحقّ والعدل وفق مقاييس القضاء لاوفق الواقع، فما لم يثبت ظهور الأدلّة في إرادة الحقّ والعدل وفق الواقع لايتمّ الاستدلال بهذه الأدلّة، وقد أشار إلى ذلك أُستاذنا الشهيد في كتابه المذكور، وأجاب عنه(2):

أولا: بأنّ المتبادر من كلمة الحقّ والعدل ـ وخاصّة كلمة (الحقّ) ـ هو الحقّ والعدل بحسب الواقع لا الحق والعدل بحسب مقاييس القضاء.

وثانياً: بأنّ حمل الأمر في قوله تعالى: «أن تحكموا بالعدل» على الأمر بالحكم بما هو عدل بمقاييس القضاء، يعني حمله على الأمر الإرشادي; إذ هذا يعني الأمر بالعمل بمقاييس القضاء وقوانينه فى حين أنّ نفس وضعها قانوناً للقضاء يعني لزوم تطبيقها، فالأمر بالتزام القانون أمر إرشادي نظير الأمر بالطاعة، فظهور الأمر في المولويّة يقتضي حمل العدل على العدل بحسب الواقع.


(1) ص 164 تحت الخط.

(2) راجع كتاب فدك ص 163 و 164.

الصفحة 206

أقول: لو آمنّا بأنّ كلمة (العدل) بحدّ ذاتها مجملة مردّدة بين المعنيين دخل اتصالها بالأمر في اتّصال ما يصلح للقرينيّة على إرشاديّة الأمر، وهذا يوجب الإجمال، على أنّ إرشاداً من هذا القبيل ـ أي من قبيل الأمر بالطاعة و التخويف بالنار و نحو ذلك ـ داخل أيضاً في شؤون المولى سبحانه كمولويّته، فلا نقبل ظهور الأمر في المولويّة في قبال الإرشاديّة بهذا المعنى. وببالي ـ على ما أتذكر ـ أنه تغمّده اللّه برحمته ـ نبّه على هذه النكتة في بعض أبحاثه الأُصوليّة التي أدلى بها بعد كتابه (فدك) بسنين كثيرة.

وعلى أىّ حال فالجواب الأوّل ـ وهو دعوى تبادر إرادة الحقّ و العدل بحسب الواقع ـ صحيح. وبتعبير آخريفهم من كلمة ( الحقّ و العدل) ما هو حقّ وعدل في ذاته لا الحقّ و العدل النسبيّان أىّ بالنسبة لمقاييس القضاء.

فإن قلت: إنّ هناك قرينة ارتكازيّة كالمتّصلة تدلّ على أنّ المراد هو الحقّ والعدل بلحاظ خصوص مقاييس القضاء وهي وضوح أنّ القضاء ليس دائماً بالحقّ الواقعي، بل في كثير من الأحيان يكون وفق البيّنات و الأيمان و غيرهما من مقاييس القضاء ممّا لا يُثبت إلاّ الحقّ بمقاييس القضاء لاالحقّ في ذاته.

قلت: إنّ الآيات و الروايات بحدّ أنفسها تدلّ على القضاء بالحق الواقعي كما عرفت، وليس وضوح حجّيّة مقاييس القضاء بمعنى وضوح حجّيتها لإثبات أنّ الحكم الواقعي بشأن القاضي هو القضاء وفقها، بل من المحتمل أن تكون حجّيتها حجّية ظاهريّة تحكم الواقع حكومة ظاهرية سنخ حكومة دليل الأمارات والأُصول على الواقع، والحكومة الظاهريّة لاتمتدّ إلى فرض العلم بالخلاف.

ولو استظهر من دليل مقاييس القضاء أنّها أحكام واقعيّة بشأن قضاء القاضي لايجوز له تخطّيها حتى مع العلم بالخلاف، فهذا يعني الحصول على دليل منفصل على عدم حجّيّة علم القاضي، و المفروض بنا أن نبحثه بعد ذلك ضمن أدلّة عدم حجّية

 
الصفحة 207

علم القاضي، وليس قرينةً ارتكازيّة كالمتّصلة تُبطِل دلالة هذا الدليل على حجّية علم القاضي.

إنّ قلت: إنّ كلمة (الحقّ) مثلا في الأمر بالقضاء بالحقّ إن حملت على معنى المفعول به دلّت على وجوب القضاء بالحقّ الواقعي لما افترضناه من ظهور الحقّ في الحقّ في ذاته لا الحقّ وفق مقاييس القضاء، ولكن من المحتمل حملها على معنى المفعول المطلق من قبيل قولنا: (مشى زيد بسرعة) أىّ (مشى مشياً سريعاً)، وهذا يعني الأمر بالقضاء قضاءً حقّاً، ومن الواضح أنّ القضاء الحقّ في ذاته يعني القضاء وفق المقاييس القضائيّة.

قلت: حمل ذلك على مفاد المفعول المطلق و استعمال جملة (مشى زيد بسرعة) بهذا المعنى لاأعرف مدى صحّته في اللغة العربية.

نعم لاشكّ في صحّة هذا التعبير: (مشى زيد بسرعة) بمعنى الظرفية و الحال أي في سرعة أو مُسرِعاً، كقوله تعالى: ﴿أدخلوها بسلام آمنين (1) أيّ في سلام أو سالمين

نعم ورد في الحديث: (لَسيرةُ علىّ في أهل البصرة كانت خَيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس; أنّه علم أنّ للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته. قلت: فأخبرني عن القائم يسير بسيرته؟ قال: لا، إنّ عليّاً سار فيهم بالمنّ لما علم من دولتهم، وإنّ القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لأنّه لا دولة لهم)(2). وفي حديث آخر: (إنّ القائم إذا قام بأيّ سيرة يسير في الناس؟ ...)(3) ونحوهما غيرهما.(4)


(1) الحجر الآية 46.

(2) و(3) الوسائل، ج 11، ب 25 من جهاد العدو، ح 1 و2، ص 57.

(4) راجع نفس المصدر، ص 57 ـ 59 .

الصفحة 208

ولكن الظاهر أنّ المقصود بالسيرة العمل الذي سار عليه علىّ لا السيرة بالمعنى المصدري، وإن شئت فعبّر عن ذلك بـ(اسم المصدر) فالفعل قد تعدّى إليه بالباء وليس مفعولا مطلقاً. وعلى أىّ حال فلاشكّ أنّ حمل كلمة (بالحقّ) و (بالعدل) ونحو ذلك فيما نحن فيه على معنى المفعول المطلق لوكان صحيحاً فهو عند إمكانيّة الحمل على المفعول به خلاف الظاهر جداً.

ثمّ إنّ المحقّق العراقي بعد إبدائه لاحتمال كون المراد بمثل (الحقّ) و (العدل) هو الحقّ و العدل وفق المقاييس الواقعية لا في ذاته أبرز قرينة في خصوص رواية: (رجل قضى بالحقّ وهو يعلم) على أنّ المقصود بذلك هو الحقّ في ذاته لا الحقّ وفق مقاييس القضاء، وذلك بقرينة الفقرة الأُخرى وهي (رجل قضى بالحقّ وهو لايعلم); إذ المقصود بالحقّ في هذه الفقرة هو الحقّ في ذاته لا الحقّ وفق مقاييس القضاء، فإنّ من قضى بالحقّ وهو لا يعلم لم يقض وفق مقاييس القضاء; لأنّ من جملة مقاييس القضاء كما تدلّ عليه هذه الرواية هو أن لا يقضي بلاعلم، فبقرينة هذه الفقرة نعرف: أنّ المقصود بالحقّ في الفقرة الأُخرى أيضاً ـ وهي قوله: «رجل قضى بالحقّ وهو يعلم» ـ هو الحقّ في ذاته، وقد حكم بأنّه في الجنّة، و إطلاقه يشمل من قضى بالحقّ في ذاته بعمله لاببيّنة أو يمين.

أقول: لا إشكال في أنّ المقصود بالحقّ في قوله: «قضى بالحقّ وهو لايعلم» ليس الحقّ وفق مقاييس القضاء بما فيها نفس المقياس المعطى في هذا الحديث، وإلاّ لما كان قاضياً بالحقّ لأنّه خالف المقياس المعطى في هذا الحديث، لكن يبقى الأمر دائراً بين أن يكون المقصود هو الحقّ في ذاته أو الحقّ وفق المقاييس العامّة للقضاء ـ غير المقياس المعطى بهذا الحديث كمقاييس البيّنة و الأيمان بأن يكون المقصود: مَنْ قضى وفق المقاييس العامة ـ من البيّنة و الأيمان ونحوهما بالشكل الثابت في باب القضاء ـ ولكنّه لم يكن يعلم بذلك، فهو في النار.

 
الصفحة 209

وعلى أىّ حال فقد أشرنا إلى أنّ الحديث ضعيف السند.

الوجه الثاني ـ ما ذكره أيضاً المحقّق العراقي وهذا الإشكال يرجع إلى علم القاضي غير المعصوم ـ: وهو أنّه بعد تماميّة دلالة تلك الآيات و الروايات، أو خصوص رواية (قضى بالحقّ وهو يعلم) على كون الواقع موضوعاً للقضاء، فهذا وإن كان لازمه حجّية علم القاضي لنفسه لإثبات جواز القضاء بما علم بحقّانيته، ولكن هذا المقدار لايُثبت ما هو الظاهر من كلمات مَنْ جَعَل العلم ميزاناً في قبال البيّنة و اليمين; من أنّ العلم ـ كالبيّنة و اليمين ـ يوجب فصل الخصومة بحيث لاتُقبل إقامة الدعوى و البيّنة مرّةً أُخرى على خلاف ما قضى به القاضي.

توضيح ذلك: أنّ البيّنة حجّة تُثبت المدّعى لدى الشكّ لكلّ أحد، و حجّيّتها تعبّديّة لا وجدانيّة خاصّة بشخص دون آخر، فلو حكم القاضي وفقها فقد قامت الحجة و انتهت الخصومة، وليس لشخص آخريشكّ في مطابقة حكم القاضي الأوّل للواقع أن ينظر مرّةً أُخرى في الدعوى، يطالب ببيّنة أو يمين. أمّا العلم فحجيّته خاصّة بالعالم، أمّا الشخص الآخر الذي يشكّ في مطابقة علم القاضي للواقع فقد شكّ في موضوع القضاء الذي قضى به ذاك الحاكم وهو الواقع، ولاحجّة له تثبت الواقع تعبّداً; إذن من حقّه أن ينظر مرّةً أُخرى في دعوى من يدّعي عدم مطابقة حكم الحاكم الأوّل للواقع وعدم تماميّة موضوع جواز القضاء وهو الواقع، ويسمع البيّنات والأيمان، فصحّ القول بأنّ العلم ليس ميزاناً للقضاء كالبيّنة واليمين، فالبيّنة واليمين يخصمان النزاع وينهيانه بخلاف العلم.

صحيحٌ أنّه مع الشكّ في مطابقة علم القاضي للواقع وبالتالي في صحّة قضائه تجري أصالة الصحّة، كما أنّه مع الشكّ ـ في كون القاضي قد قضى حقّاً وفق نظام البيّنات والأيمان أو لا ـ تجري أصاله الصحّة، لكن أصالة الصحّة لا تمنع عن سماع دعوى من يخالف الأصل والنظر لمعرفة أنّ لديه دليلا على خلاف الأصل أولا.

 
الصفحة 210

نعم لوادّعي الإجماع على الملازمة بين جواز القضاء وبين نفوذه وضعاً في حقّ غيرة، وقد فرض في المقام جواز القضاء بالعلم لحجّيته للقاضي، ثبت نفوذه وعدم بقاء مجال لسماع الدعوى من قبل قاض آخر، إلاّ أنّ عهدة إثبات هذا الإجماع على مدّعيه.

فتحصّل أنّ تلك الآيات والروايات إن أثبتت جواز القضاء بالعلم فلا تثبت إنهاء النزاع بحيث لا يحقّ لقاض آخر النظر في الدعوى، كما هو الحال في البيّنات والأيمان.

وعليه فلا يبقى في البين عدا دعوى الإجماعات المتكرّرة في الكلمات، أو دعوى تنقيح المناط في ميزانيّة البيّنة واليمين بالنسبة للعلم مطلقاً، والعهدة في إثبات الجهتين على مدّعيهما(1).

أقول: إنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو كان دليلنا على نفوذ القضاء ـ وعدم جواز نقضه من قبل قاض آخر شاكٍّ في صحّة القضاء الأول ـ هو حجيّة البيّنة عليه، ولكن كما لا يجوز للقاضي الآخر نقض حكم القاضي الأول والنظر في الدعوى مرةً ثانية لدى شكّه في صحّة حكم القاضي الأوّل. كذلك لاينبغي الإشكال في أنّه لايجوز للمحكوم عليه مخالفة حكم القاضي بمثل سرقة مال المحكوم له قِصاصاً حتى مع قطعه بخطأ القاضي، وهذا لايمكن تفسيره بحجيّة البيّنة; إذ البيّنة لاتكون حجّة مع القطع بالخلاف، فلابد من وجه آخر يدلّ على نفوذ الحكم وحجّيّته حتى في هذا الفرض، ولعلّ ذاك الوجه يدلّ أيضاً على نفوذه بالنسبة للقاضي الثاني لدى الشكّ بحيث لايجوز له تجديد النظر ونقض الحكم ـ على تحقيق وتفصيل في مسألة مدى نفوذ حكم القاضي يبحث عنه في محله ـ. والواقع أنّ هنا دليلين آخرين على نفوذ


(1) راجع كتاب القضاء للمحقق العراقي رحمه الله ص 23 و 24.

الصفحة 211

القضاء وعدم جواز نقضه:

أحدهما ـ الارتكاز المتشرّعي، وكذلك العقلائي الممضى بعدم الردع الدالّ على أنّ القضاء جعل لفصل الخصومة وإنهائها، وهذا يدلّ على عدم جواز نقض الحكم من قبل المحكوم عليه القاطع بالخلاف، ومن قبل القاضي الثاني الشاكّ في صحّة القضاء إذا كان الحكم وفق مقاييس القضاء من دون فرق بين أن يكون ذاك المقياس عبارة عن البيّنة أو اليمين، أو يكون عبارة عن علم القاضي.

وثانيهما ـ قوله في مقبولة عمر بن حنظلة: «إذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم اللّه، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه»(1) فمن الواضح جدّاً أنّ هذا الخطاب لاأقلّ من أنّه يريد تحريم نقض الحكم على الخصمين حتى المدّعي منها للقطع بخطأ الحكم أو احتماله، وهذا لايمكن أن يكون إلاّ بأن يكون المراد في خصوص هذا الحديث من كلمة: (حكمنا) هو الحكم وفق مقاييس القضاء لا الحكم في الواقع، وإلاّ فلا يمكن إسكات الخصم بذلك; إذهو يدّعي القطع بانتفاء الموضوع أو احتماله; إذن فهدا الحديث يحرّم بإطلاقه على القاضي الثاني نقض قضاء قاض يحكم وفق مقاييس القضاء من دون فرق بين البيّنة و اليمين، أو العلم الثابت مقاسيّته بغير هذا الحديث ممّا مضت الإشارة إليه من الروايات والآيات.

الدليل الرابع ـ ما جاء في الجواهر أيضاً من أنّه لو لم نقل بجواز القضاء وفق العلم لزم فسق الحاكم، أو إيقاف الحكم، وهما معاً باطلان، وذلك لأنّه إذا طلّق زوجته ثلاثاً مثلا بحضرته ثمّ جحد كان القول قوله مع يمينه، فان حكم بغير علمه وهو استحلافه وتسليمها إليه لزم فسقه، وإلاّ لزم إيقاف الحكم.


(1) الوسائل، ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 1، ص 99.

الصفحة 212

أقول: تارةً يفرض الفسق في أصل الحكم، وأُخرى يفرض الفسق في تنفيذه، فإن فرض الفسق في أصل الحكم كان هذا مصادرة على المطلوب، إذ لو كان العلم غير داخل في مقاييس الحكم وكان يجب الحكم وفق البينات والأيمان فلا فسق في ذلك.

وقد يقال: إنّ المقصود بهذا الوجه هو دعوى أنّ من المرتكز فقهيّاً ومتشرعيّاً ـ بحيث لا يمكن التشكيك فيه ـ كون الحكم بالزوجية في هذا الفرض مع القطع بالزنا فسقاً، كما أنّ من المرتكز: أنّ إيقاف الحكم غير صحيح، فينحصر الأمر في الحكم على وفق العلم. وهذا الكلام يعني في روحه دعوى قيام الارتكاز الفقهي والمتشرعي على نفوذ علم القاضي فيما إذا كان حكمه بغير علمه يؤدّي إلى الحكم بالحرام على المحكوم عليه، ثمّ يجعل هذا دليلا على نفوذ علم القاضي مطلقاً بالإجماع المركّب.

ولكن قلنا في ما سبق: إنّ الإجماع في هذه المسألة لاقيمة له لاحتمل مدركيّته ـ على أقلّ تقدير ـ.

إذن فيجب استبدال الإجماع المركّب في المقام بدعوى ارتكاز فقهي ومتشرعي آخر وهو ارتكاز عدم الفصل في نفوذ علم القاضي بين مورد ومورد.

وهذا يعني في واقعه دعوى الارتكاز المتشرّعي والفقهي ابتداءً على نفوذ علم القاضي، فليس هذا الوجه على أفضل تقدير إلاّ إلفاتاً للنظر إلى هذا الارتكاز لا دليلا في ذاته على المطلوب.

وإن فرض الفسق في التنفيذ فنظير هذا الإشكال وارد بالنسبة للمحكوم عليه حتى إذا حكم الحاكم بعلمه، أو حكم بالبيّنات والأيمان عند عدم علمه لو نفّذه المحكوم عليه على نفسه، كما لو حكم الحاكم بعلمه أو بالبيّنة على امرأة بأنّها زوجة فلان وهي تعلم بالخطأ، فلو نَفَّذَتِ الحكم بالتمكين من ذاك الرجل فقد وقعت

 
الصفحة 213

ـ حسب علمها ـ في الزنا، وهذه مسألة يجب أن نبحثها في المستقبل ـ إن شاء اللّه ـ تحت عنوان: (مدى نفوذ قضاء الحكم) كي نرى أنّ حكم الحاكم بالنسبة لمن ينفذ عليه حتى مع علمه بالخلاف هل ينفذ حتى مع علمه بحرمة مايقع فيه بالعنوان الأوّلي; أي أنّ قضاء الحاكم يرفع الحرمة واقعاً أولا؟ فإن قلنا بالأوّل ارتفع الإشكال في المقام أيضاً; إذ إجبار القاضي للزوجة على التسليم للمطلِّق ليس إجباراً لها على الفسق كي يكون فسقاً. وإن قلنا بالثاني أشكل في المقام التفصيل بين حقّ القضاء وحق التنفيذ ـ بأن يكون للقاضي حقّ القضاء، ولايكون له حقّ التنفيذ ـ فإنّ هذا بعيد عن الفهم المتشرّعي.

وهذا يرجع في روحه إلى التمسّك بالدلالة الالتزامية ـ الثابتة في العرف المتشرّعي لدليل حرمة الإجبار على الحرام ـ على جواز القضاء بالعلم، وبعد هذا نحتاج إلى التعدّي إلى غير موارد استلزام الإجبار على الحرام بالإجماع المركّب، أو ارتكاز عدم الفصل.

الدليل الخامس ـ ماجاء في الجواهر أيضاً من أنّ عدم القضاء بالعلم يؤدّي الى عدم وجوب إنكار المنكر، وعدم وجوب إظهار الحقّ مع إمكانه.

أقول: مجرّد الإنكار باللسان وإظهار الحقّ باللسان يمكن للقاضي أن يصنعه بنصح الخصم الذي يدّعي الباطل بالاعتراف والتنازل للحقّ والإقرار به. أمّا الإنكار باليد وإجبار المبطل على رفع اليد عن باطله، فإن قلنا بقيام دليل لفظي على وجوب ذلك دلّ ذاك الدليل بالالتزام على نفوذ علم القاضي في القضاء، أمّا إذا كان الدليل على ذلك هو الارتكاز المنضم الى ارتكاز عدم معقوليّة قضاء القاضي بشيء وتنفيذه لشيء آخر، فهذا الدليل يصبح منـبّهاً للارتكاز لا دليلا في ذاته على المطلوب.

الدليل السادس ـ ما جاء في الجواهر أيضاً من أنّ أدلة الحدود توجب على

 
الصفحة 214

الحاكم إجراء الحدّ على المرتكب الواقعي لما فيه الحدّ; لأنّ تلك الأدلّة منصبّة على عنوان فاعل الفعل كالسارق والزاني، فمتى ما علم الحاكم بتحقّق العنوان فقد علم بضرورة إجراء الحدّ ولو لم تَقُمْ بيّنة; إذن فللحاكم أن يعمل بعلمه في باب الحدود، ثم نتعدّى إلى غير باب الحدود بالأولويّة.

أقول: الحدّ الراجع إلى حقّ اللّه تعالى كما في حدّ الزنا لايمكن التعدّي منه إلى حقوق الناس; إذ من المحتمل كون علم القاضي حجّة فيه وغير حجّة في حقوق الناس، كما يحتمل العكس أيضاً. أمّا بناءً على كون حدّ السرقة أو حدّ القذف مثلا من حقوق الناس فيمكن التعدّي من ذلك إلى غير باب الحدود.

الدليل السابع ـ أن يقال: إنّ الأدلّة التي جعلت البيّنات والأيمان ونحوهما مقياساً للقضاء مقتضى إطلاقها كون واقع تلك الأُمور مقاييس تامّة; أي أنّ القاضي سيقضي وفق علمه بها ولو أنكرها أحد الخصمين، ولا يحتمل العرف الفرق بين علم القاضي بالبـيّنة أو اليمين أو علمه بالواقع رأساً، فاذا كان علمه بمثل البيّنة أو اليمين حجّة، ولا يطالَب بالإثبات، كذلك علمه بالواقع يكون حجّة بالدلالة الالتزامية العرفية لدليل حجّية علمه بالبيّنة واليمين.

إلاّ أنّ هذه الدلالة الالتزامية العرفية التي يمكن دعواها في المقام ليست بذاك المستوى من الوضوح; إذ لابدّ ـ في نهاية الأمر ـ من رجوع إلى علم القاضي ولو في خصوص الكشف عن تحقّق مقاييس القضاء كي تستقرّ الأُمور، فلعلّه اقتصرت الشريعة في مقام الاستناد إلى علم القاضي على أقلّ مقدار ممكن في نظرها، وهو الاستناد إلى علم القاضي بتحقّق المقاييس والتي تقّل نسبة وقوع الخلاف فيه بالقياس إلى نفس الواقع الذي كان المفروض عادةً الخلاف بين الخصمين بلحاظه، فلعلّه لم تُعطِ للقاضي صلاحيّة الاستناد إلى علمه في الدائرة الواسعة، وأعطتها في الدائرة الضيقة كي تنتظم الأُمور وتستقرّ.

 
الصفحة 215

الدليل الثامن ـ مارواه الكليني عن علىّ بن محمد، عن محمد بن أحمد المحمودي، عن أبيه، عن يونس، عن الحسين بن خالد، عن أبي عبداللّه ، قال: «سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ، ولايحتاج بيّنة مع نظره; لأنّه أمين اللّه في خلقه. وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزجره وينهاه ويمضي ويدعه. قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنّ الحقّ إذا كان للّه فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس»(1)

والكلام يقع في هذا الحديث تارةً في السند، وأُخرى في الدلالة:

أمّا السند ـ فعلىّ بن محمّد من مشايخ الكليني وقد روى عنه روايات كثيرة جدّاً من دون ذكر لقب له أوجدّ.

واسم علىّ بن محمّد قد ورد في الكافي راوياً عنه الكليني مباشرةً بعدّة أشكال:

أوّلها ـ ما ذكرناه من اسم علىّ بن محمّد من دون ذكر لقب أوجدّ، وهذا هو الغالب في الكافي، و الراوي عنه الكليني كثيراً.

والثاني ـ علىّ بن محمد بن بندار، وقد روى عنه الكليني في الكافي كثيراً، إلاّ أنّها لا تصل في الكثرة إلى رواياته عن عليّ بن محمد بقول مطلق .

والثالث ـ علىّ بن محمّد بن عبداللّه، وقد روى الكليني عنه كثيراً أيضاً في الكافي، إلاّ أنّ رواياته عن علىّ بن محمد بن بندار أكثر و يقرب من ضعف رواياته عن علىّ بن محمد بن عبداللّه.

والرابع ـ علىّ بن محمد بن عبداللّه القمّي، و قد روى عنه الكليني روايتين في الكافي، في باب الإجمال في الطلب من كتاب المعيشة(2).


(1) الوسائل، ج 18، ب 32 من مقدّمات الحدود، ح 3، ص 344.

(2) الكافي، الجزء 5، كتاب المعيشة، باب الاجمال في الطلب، الحديث 7 و 8 ص 81.

الصفحة 216

وقد ذكر الشيخ الحرّ العاملي في خاتمة الوسائل ما نصّه:

«واعلم أنّه قال في كتاب العتق من الكافي في جملة من النسخ هكذا:

عدّة من أصحابنا(1): علي بن ابراهيم، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن يحيى، وعلىّ بن محمد بن عبداللّه القمّي، وأحمد بن عبداللّه، وعلىّ بن الحسن(2) جميعاً عن أحمد بن محمد بن خالد»(3). ونقل الاردبيلي نحو ذلك عن الكافي (باب المملوك بين الشركاء يعتق أحدهم نصيبه)(4).

ولكن لم أرَ هذا التعبير في النسخة الموجودة عندي من الكافي وهي طبعة الآخوندي، وإنّما الموجود في هذه النسخة قوله في الحديث الخامس من ذاك الباب: عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد ... .

وقد ورد أيضاً عن الكليني تعبير خامس وهو التعبير بعلىّ بن محمّد بن اُذينة، وهذا غير وارد في الكافي صريحاً; إلاّ أنّ العلاّمة ذكر في الخلاصة نقلا عن الكليني وكأنـّه أخذه من فهرست معروف في زمانه أو نحو ذلك ـ أنـّه قال: وكلّ ما ذكرته في كتابي المشار إليه: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقي فهم: علىّ بن إبراهيم و علىّ بن محمّد بن عبد اللّه بن اُذينة وأحمد بن عبد اللّه ابن أبيه(5) وعلىّ بن الحسن(6).


(1) في الوسائل الطبعة الجديدة: (عن علىّ بن إبراهيم) وكلمة (عن) زائدة وخطأ من الناسخ.

(2) وورد في بعض النسخ علىّ بن الحسين.

(3) الوسائل، ج 20، ص 34.

(4) جامع الرواة، ج 2، ص 466.

(5) ورد في بعض النسخ: ابن اميّة

(6) ورد في بعض النسخ: عليّ بن الحسين.

الصفحة 217

وهذا النقل من قبل العلاّمة عن الكليني يؤيّد كون المقصود بعلىّ بن محمد ابن عبد اللّه القمّي هو علىّ بن محمد بن عبد اللّه بن اُذينة.

كما ورد أيضاً التعبير بعلىّ بن محمّد بن علان في عدّة الشيخ الكليني الذي ينقل بواسطتهم عن سهل بن زياد، والظاهر أنّه علىّ بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني الذي وثّقه النجاشي.

وعلى أىّ حال فالكلام يقع في أنّه هل هناك طريق لتوثيق علىّ بن محمد الذي أكثر الكليني الحديث عنه في الكافي أولا؟

الذي شاهدناه في كتب الرجال ممّا يمكن إرجاعه إلى هذا الصدد هو ما جاء في رجال النجاشي في ترجمة علىّ بن أبي القاسم حيث قال: «علىّ بن أبي القاسم عبد اللّه بن عمران البرقي المعروف أبوه بماجيلويه، يكنّى أبا الحسن، ثقة فاضل أديب، رأى أحمد بن محمّد البرقي، تأدّب عليه، وهو ابن بنته»(1).

أقول: الظاهر ـ كما ذكر السيد الخوئي في رجاله ـ أنّ المقصود بعلىّ بن أبي القاسم هو علىّ بن محمد بن أبي(2) القاسم نسب إلى جدّه ـ إن لم يحمل على الخطأ في النسخة ـ، و الدليل على ذلك كلام النجاشي نفسه في ترجمته لمحمد بن أبي القاسم عبيداللّه بن عمران الجنابي حيث قال: محمد بن أبي القاسم عبيد اللّه بن عمران الجنابي البرقي أبو عبد اللّه الملقّب ماجيلويه ، وأبو القاسم يلقب بندار سيّد من أصحابنا القميّين، ثقة عالم فقيه عارف بالأدب و الشعر و الغريب، وهو صهر أحمد بن أبي عبداللّه البرقي على ابنته وابنه علىّ بن محمد منها، وكان أخذ عنه العلم


(1) رجال النجاشي، طبعة الداوري، ص 184.

(2) قد يؤيّد هذا الفهم فهم العلامة رحمه الله في الخلاصة، حيث جاء فيه (علىّ بن محمد بن أبي القاسم عبد اللّه بن عمران البرقي المعروف أبوه ما جيلويه أبو الحسن ثقة فاضل فقيه أديب).

الصفحة 218

والأدب(1).

أقول: الظاهر أنّ عبيداللّه هو عبداللّه، فإمّا أنّ هذا محمول على اختلاف النسخ، أو تعدّد الاسم ونحو ذلك، ويؤيّد هذا كلام النجاشي نفسُه في عمران البرقي الجنابي حيث قال: عمران البرقي الجنابي (أو الجبابي أو الجبائي) أبو محمد جدّ محمد ابن أبي القاسم عبد اللّه بن عمران ...(2).

هذا ويظهر من مجموع هذه النصوص: أنّ هناك شخصاً واحداً هو علىّ بن محمّد بن بندار وهو علىّ بن محمد بن عبداللّه; إذ عرفت أنّ النجاشي لقّب جدّ علىّ ابن محمّد وهو عبد اللّه والمكنّى بأبي القاسم ببندار، فإذا افترضنا أنّ علىّ بن محمد الذي ينقل عنه الكليني كثيراً وروى عنه الحديث الذي نحن بصدده هنا هو نفسه علىّ بن محمّد بن بندار الذي روى عنه كثيراً أيضاً وهو علىّ بن محمد بن عبداللّه الذي روى عنه كثيراً أيضاً، فقد ثبتت بذلك وثاقته لما مضى من تصريح النجاشي بوثاقة علىّ بن أبي القاسم عبداللّه بن عمران البرقي المقصود به علىّ بن محمد بن عبداللّه بن عمران البرقي، والذي هو متّحد مع علىّ بن محمد بن بندار، وبهذا تثبت وثاقة المعنون بكلّ هذه العناوين الثلاثة الواردة في الكافي، و هذا ما استظهره السيد الخوئي في رجاله; حيث استظهر وحدة أسماء الثلاثة المروي عنهم في الكافي من قبل الكليني مباشرة. نعم استظهر مغايرة العنوان الرابع ـ وهو علىّ بن محمد بن عبداللّه القمّيّ ـ الوارد في روايتين في الكافي للعناوين السابقة.

وشاهده على المغايرة أنّه روى في الكافي في باب الإجمال في الطلب من كتاب المعيشة قبل الروايتين مباشرة رواية علىّ بن محمد عن سهل، ثمّ ذكر رواية علىّ بن


(1) رجال النجاشي، طبعة الداوري، ص 250.

(2) نفس المصدر، ص 207.

الصفحة 219

محمد بن عبداللّه القمّىّ عن أحمد بن أبي عبداللّه، ثمّ ذكر الرواية الثانية عنه (والضمير راجع إلى أحمد بن أبي عبداللّه يعني أنّ الراوي هو علىّ بن محمد بن عبداللّه القمّيّ، عن أحمد بن أبي عبداللّه) عن ابن فضّال، ثمّ ذكر مباشرة رواية أُخرى عن علىّ بن محمّد، عن ابن جمهور يقول السيد الخوئي: «والظاهر من هذه العبارة أنّ علىّ بن محمد بن عبداللّه القمّيّ مغاير لمن ذكر قبله وبعده، واللّه العالم»(1)

أقول: الرواية عن علىّ بن محمد بعد الروايتين ليست قرينة على التعدّد; لأنّ الرواية الثانية من الروايتين ابتدأت بكلمة (عنه)، والضمير راجع إلى أحمد بن أبي عبداللّه، فهو مضطرّ بعد ذلك إذا أراد الحديث عن علىّ بن محمد إلى تكرار الاسم، وإذا كرّر الاسم جاز حذف الجدّ و اللقب اعتماداً على ما سبق.

وعلى أىّ حال فالقرينة التي نحن أشرنا إليها أقوى، فإنّها تشير إلى أنّ المقصود بعلىّ بن محمد بن عبداللّه القمّيّ هو علىّ بن محمد بن عبداللّه بن أُذينة، وهذا يعني أنّه غير علىّ بن محمد بن عبداللّه بن عمران

أمّا ما استظهره السيد الخوئي من وحدة العناوين الثلاثة في عبارة الكافي فلا يبعد صحّة استظهار الوحدة بين على بن محمد وعلىّ بن محمد بن بندار حتى لوكان علىّ بن محمد بن عبداللّه شخصاً آخر، وذلك لأنّ كثرة نقل الكليني عن علىّ بن محمد ابن بندار تكون قرينة على انصراف علىّ بن محمد في لسانه في الكافي إليه كما قاله السيد الخوئي ، ونقلُهُ عن علىّ بن محمد بن عبد اللّه وإن كان كثيراً أيضاً، ولكن نقله عن علىّ بن محمد بن بندار أكثر منه إلى حدّ الضعف تقريباً، وبهذا تثبت وثاقة علىّ بن محمد الوارد في حديثنا.

أمّا وحدة علىّ بن محمد بن عبداللّه وعلىّ بن محمد بن بندار بدعوى


(1) معجم رجال الحديث، ج 12، ص 166.

الصفحة 220

الانصراف أيضاً لكثرة نقله عن علىّ بن محمّد بن بندار فغير واضحة. صحيح أنّ شخصاً واحداً كان مسمّىً بعبداللّه و ببندار، لكن احتمال أن يكون علىّ بن محمد ـ الذي هو ابن لعبداللّه المسمّى ببندار ـ معروفاً بعلىّ بن محمد بن بندار، ويكون علىّ ابن محمد بن عبد اللّه القمّيّ (أو قُل: علىّ بن محمد بن عبد اللّه بن أُذينة) هو المعروف بعلىّ بن محمّد بن عبداللّه وارد لارافع له.

والحاصل أنّ عنوان (علىّ بن محمّد) مطلق، بمعنى تجريده عن ذكر قيوده الواقعية (لابمعنى المطلق الحَكَمي)، و مطلق من هذا القبيل منصرف إلى من يكثر ذكره في كلام المُطلِق، ولكن (علىّ بن محمد بن عبداللّه) و (علىّ بن محمد بن بندار) قيّد كلّ منهما بقيد غير قيد الآخر أي نسب أحدهما إلى عبداللّه، ونسب الآخر إلى بندار، واحتمال كون الدافع إلى ذلك التمييز بينهما ـ رغم أنّ بنداراً مسمّىً بعبداللّه ـ موجود; بأن يكون أحدهما مشهوراً بهذا الاسم و الآخر بذاك الاسم.

وقد تحصّل من كل ما ذكرناه أنّه متى ما روى الكليني عن علىّ بن محمد بن بندار فهو عبارة عن علىّ بن محمد بن عبداللّه الذي مضى عن النجاشي توثيقه، ومتى ما روى عن علىّ بن محمد بن عبداللّه، أو علىّ بن محمّد بن عبداللّه القمّىّ فلا دليل على التوثيق، ومتى ما روى عن علىّ بن محمد فلا يبعد انصرافه إلى علىّ بن محمد بن بندار الثقة.

هذا تمام الكلام في علىّ بن محمد الوارد في أوّل سند حديثنا.

وقد ورد بعده محمد بن أحمد المحمودي عن أبيه، ولادليل على وثاقة محمد بن أحمد المحمودي عدا توقيع العسكري بنقل الكشي عن بعض الثقات، وقد جاء فيه: (واقرأه على المحمودي فما أحمدناله لطاعته) كما لادليل على حُسن حال أبيه عدا ما نقله الكشي عن ابن مسعود عن المحمودي أنّ أباجعفر كتب إليه بعد وفاة أبيه: (قد مضى أبوك رضي اللّه عنه و عنك وهو عندنا على حالة محمودة، ولن تبعد من تلك

 
الصفحة 221

الحالة).

وأمّا يونس فلا إشكال في جلالته.

وأمّا الراوي المباشر وهو الحسين بن خالد فسواء كان المقصود به الحسين بن خالد الصيرفي، وهو المعروف بالحسين بن خالد، أوكان المقصود به الحسين بن أبي العلاء بقرينة روايته عن الصادق فهو ثقة; إذ روى عن الثاني الأزدي والبجلي، وروى عن الأوّل كلّ الثلاثة.

وعلى أىّ حال فقد اتّضح بهذا العرض أنّ سند الحديث لايخلو من إشكال لعدم ثبوت دليل واضح على وثاقة أبي المحمودي.

وأمّا الدلالة ـ فقد يقال: إنّ الرواية إنّما دلّت على نفوذ علم الحاكم في حقوق اللّه; لأنّ الحقّ إذا كان للّه فالواجب على الإمام إقامته ـ على حدّ تعبير الرواية ـ أمّا حقوق الناس فليست مورداً لما في هذه الرواية من الحكم بنفوذ العلم، بل قد تدلّ على التفصيل بينهما.

ولكن قد يقال: إنّ الظاهر من التفصيل الوارد في الرواية بين حقوق اللّه وحقوق الناس و تعليله بكون الإمام أميناً للّه، أنّ الفرق بينهما إنّما هو أنّ الأول لله فيجريه الحاكم بلاحاجة إلى مطالبة أحد إيّاه، وأمّا الثاني فبما أنّه للناس فإجراؤه إنّما يكون عند مطالبة ذي الحق به، و الظاهر من ذلك أنّها من حيث نفوذ العلم سيّان.

هذا، ولكن الواقع أنّ هناك احتمالا آخر في الحديث: وهو أن يقصد به أنّ الإمام أمين اللّه في خلقه، فاللّه يعتمد على علمه في حقوقه من دون بيّنة و من دون مطالبة أحد بإجراء الحقّ أمّا حقوق الناس فهي للناس ولم يكن هو أميناً للناس، فلابدّ من السير فيها وفق القوانين المعتبرة في حقوق الناس من رفع النزاع أو مطالبة الحقّ، ولعلّ منها البيّنة و عدم الاكتراث بعلم القاضي. فالحديث دالّ على نفوذ العلم في حقوق اللّه، ومجمل بالنسبة لحقوق الناس.

 
الصفحة 222

هذا، ورغم الإجمال قد يصلح دليلا لما قد ينسب إلى البعض من القول بالتفصيل بنفوذ العلم في حقوق اللّه دون حقوق الناس، وذلك بناءً على إثبات كون القاعدة الأوليّة عدم نفوذ العلم في باب القضاء خرج منه العلم في حقوق اللّه بهذا الحديث. وقد يتعدّى منه إلى حقوق الناس بالأولويّة بدعوى أنّ حقوق اللّه مبنيّة على المسامحة والعفو، بخلاف حقوق الناس، وهذه الدعوى في ذاتها قد تكون دليلا للتفصيل العكسّي الذي قد ينسب إلى البعض.

والواقع أنّ كلا التفصيلين لا أساس صحيح لهما، فهذا الأخير لا يعدو أن يكون استحساناً، والحديث قد عرفت عدم تماميّته سنداً.

وقد يقال: إنّ هذه الرواية إنّما دلّت على نفوذ علم الإمام; إذ تقول: «الواجب على الإمام ...»، ولم تدلّ على نفوذ علم القاضي مطلقاً، ولذا ذكرها صاحب الجواهر في عداد أدلّة نفوذ علم الإمام في القضاء لا في عداد أدلّة نفوذ علم القاضي على الإطلاق، وهذا الكلام مبنّي على حمل كلمة (الإمام) على الإمام المعصوم دون مطلق ولىّ الأمر الشرعىّ للمجتع.

وإن تمّ هذا الحمل فبالإمكان التخلّص عن هذا الإشكال بالتعدّي إلى الفقيه، أمّا تمسّكاً بعموم التعليل بأنّه أمين اللّه في خلقه بناءً على صدق هذا العنوان على الفقيه بعد فرض الإيمان بولاية الفقيه، وأمّا تمسّكاً ـ ابتداءً ـ بأدلّة ولاية الفقيه بدعوى أنّها جعلت ماللإمام للفقيه ومنها الحكم بالعلم، بل ولعلّه يمكن التعدّي إلى غير الفقيه ممّن أعطاه الفقيه هذا المنصب ببيان: أنّه إذا كان للإمام حقّ إعطاء هذا المنصب بما فيه من الحكم بالعلم لغيره، فللفقيه أيضاً حقّ إعطائه لغيره، لأنّ ماللإمام للفقيه.

هذا، ولكن الظاهر أنّ الوجه الثاني للتعدىّ غير تامّ في المقام; لأنّ دليل ولاية الفقيه لم يرد بعنوان «ما للإمام للفقيه» حتى يتمسّك بإطلاقه، ويقال: إنّه كان

 
الصفحة 223

للإمام أن يقضي بعلمه فكذلك للفقيه، وإنّما الدليل أثبت أنّ ما للإمام بعنوان الولاية فهو للفقيه، وكون العلم مقياساً للقضاء وعدمه حكم شرعي فقهي ليس راجعاً إلى مسألة الولاية بحيث لورأى ولىّ الأمر مثلا المصلحة في القضاء بالعلم قضى به، ولو رأى عدم المصلحة في ذلك لم يقضِ به، ولاأقلّ من احتمال ذلك، فإذا ثبت في علم الإمام كونه مقياساً للقضاء لم يبرّر مبدأولاية الفقيه التعدّي من ذلك إلى الفقيه فضلا عن غير الفقيه المنصوب من قبل الفقيه. يبقى الوجه الأول وهو إن تمّ يختصّ بالفقيه، ولايتعدّى منه إلى غير الفقيه المنصوب من قبل الفقيه.

وتبقى نقطة واحدة في هذه الرواية، وهي أنّ هذه الرواية دلّت على أنّ حدّ السرقة من حقوق الناس; ولذا ليس للقاضي إجراؤه قبل مطالبة ذي الحقّ بذلك. فقد يقال: إنّ هذه نقطة ضعف في الرواية، فالمفهوم لدنيا فقيهاً و المستفاد من الآية الشريفة أنّه من حقوق اللّه، قال اللّه تعالى: ﴿والسارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من اللّه و اللّه عزيز حكيم (1). وكذلك المستفاد من روايات قطع يد السارق بمجرّد الإقرار على خلاف فيما بينها في كفاية الإقرار مرّة واحدة، أو اشتراط الإقرار مرتين(2); إلاّ أنّ بالإمكان الإجابة عن هذا بأنّ كون حدّ من الحدود من حقوق اللّه أو من حقوق الناس أمر قابل للتشكيك، فتارةً يكون حدّ من الحدود من حقوق اللّه محضاً كما في حدّ الزنا، وأُخرى يكون من حقوق الناس بمعنى أنّه مالم يطالب به صاحبه لا يُجرى، كما ورد ذلك في بعض الروايات بالنسبه


(1) السورة 5 المائدة، الآية 38.

(2) لاحظ الروايات في الوسائل، ج 18، ب 3 من حدّ السرقة، والرواية الأُولى من ب 32، من مقدّمات الحدود.

الصفحة 224

لحد القذف(1). وحدّ السرقة ليس من هذا القبيل، فبالإمكان اجراؤه بمجرّد الإقرار مرّةً أو مرتين على ما تقتضيه روايات الإقرار بالسرقة، وثالثة يكون أمراً بين أمرين، فهو من حقوق اللّه بمعنى أنّ مجرّد الإقرار به يكفي في جواز إجراء الحدّ عليه من قبل الحاكم كما هو المستفاد من روايات الإقرار بالسرقة، ولكنّه من حقوق الناس بمعنى أنّ من حقّ صاحبه أن يعفو عنه قبل أن يصل الأمر إلى الإمام; وإن كان لايحقّ له العفو بعد وصوله إليه، والسرقة من هذا القبيل على ما دلّ عليه حديث الحلبي التامّ سنداً عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن الرجل يأخذ اللصّ يرفعه، أو يتركه؟ فقال: إنّ صفوان بن أُميّة كان مضطجعاً في المسجد الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبي ، فقال النبي : إقطعوا يده، فقال الرجل: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول اللّه؟ فقال: نعم. قال: فأنا أهبه له، فقال رسول اللّه : فهلاّ كان هذا قبل أن ترفعه إلىّ. قلت: فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم. قال: وسألته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الإمام، فقال: حسن»(2)، وورد بسند تامّ عن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبداللّه نحوه و إن كانت القصّة الواردة في هذا الحديث فيها نقطة ضعف، وهي أنّ من يسرق من الأماكن العامّة ومن غير حرز لا تقطع يده، بينما جاء في هذه القصة الحكم بقطع يد السارق عباءة صفوان بن أُميّة التي كانت في المسجد الحرام، ولعلّ هناك خطأ من الراوي، ويكون


(1) رأيت في ذلك حديثين: أحدهما الرواية الأُولى من ب 32 من مقدّمات الحدود من ج 18 من الوسائل ص 344، والثاني الرواية الواردة في ب 6 من حدّ القذف من ذاك المجلّد ص 440

(2) الوسائل، ج 18، ب 17 من مقدّمات الحدود، ص 329.

الصفحة 225

الأصح ما جاء في ذكر هذه القصّة في مرسلة الصدوق(1) من افتراض أنّ صفوان كان نائماً فلعلّه كان نائماً على عباءته وعدّ هذا كالحرز.

وعلى أىّ حال فهناك رواية أُخرى تامّة سنداً تدلّ على أن المسروق منه له حقّ العفو عن السارق قبل رفعه إلى الإمام لا بعد رفعه، وهو ما عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه ، قال: «من أخذ سارقاً، فعفا عنه فذلك له، فإذا رفع إلى الإمام قطعه، فإن قال الذي سرق له: أنا أَهبُه لم يدعْه الإمام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿والحافظون لحدود اللّه (2) فإذا انتهى الحدّ إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه»(3).

الدليل التاسع ـ ما ورد بسند تامّ عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال: «دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر فسألاه عن شاهد و يمين، فقال: قضى به رسول اللّه ، وقضى به علىّ عندكم بالكوفة، فقالا: هذا خلاف القرآن، فقال: وأين وجدتموه خلاف القرآن، قالا: إنّ اللّه يقول: وأشهدوا ذوي عدل منكم (4)، فقال: قول اللّه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم هو لاتقبلوا شهادة واحد و يميناً؟! ثمّ قال: إنّ علياً كان قاعداً في مسجد الكوفه، فمرّبه عبد اللّه بن قفل التميمي ومعه درع طلحة، فقال علىّ : هذه درع طلحة أُخذت غلولا يوم البصرة. فقال له عبداللّه بن قفل: اجعل بيني و بينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه و بينه شريحاً، فقال علىّ : هذه درع طلحة أُخذت غلولا يوم


(1) الوسائل ج 18، ب 18 من حدّ السرقة، ح 4، ص 509.

(2) السورة 9 التوبة، الآية 112.

(3) الوسائل، ج 18، ب 17 من مقدّمات الحدود، ح 3، ص 330.

(4) السورة 65 الطلاق، الآية 2.

الصفحة 226

البصرة، فقال له شريح: هات على ما تقول بيّنة، فأتاه بالحسن فشهد أنّها درع طلحة أُخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا شاهد واحد ولاأقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، فدعا قنبر فشهد أنّها درع طلحة أُخذت غلولا يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك ولاأقضي بشهادة مملوك. قال: فغضب علىّ ، وقال: خذها فإنّ هذا قضى بجور ثلاث مرّات. قال: فتحوّل شريح وقال: لاأقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرّات، فقال له: ويلك ـ أو ويحك ـ إنّي لمّا أخبرتك أنّها درع طلحة أُخذت غلولا يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بيّنة، وقد قال رسول اللّه : حيث ما وجد غلول أُخذ بغير بيّنة. فقلت: رجل لم يسمع هذا الحديث فهذه واحدة ، ثم أتيتك بالحسن فشهد، فقلت: هذا واحد ولاأقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر، وقد قضى رسول اللّه بشهادة واحد و يمين فهذه ثنتان، ثمّ أتيتك بقنبر، فشهد أنّها درع طلحة أُخذت غلولا يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك، ومابأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا. ثمّ قال: ويلك ـ أو ويحك ـ إنّ إمام المسلمين يؤمَنُ من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا»(1). ورواه الصدوق باسناده التام عن محمد بن قيس عن أبي جعفر ، واقتصر على قصّة علىّ مع شريح وزاد في آخرها: ثمّ قال أبوجعفر : إنّ أوّل من ردّ شهادة المملوك ـ رمع ـ(2).

ولو شكّك في السند الأول باستبعاد لقاء عبدالرحمن بن الحجاج لأبي جعفر الباقر فنقله لهذه القصّة قد لاتجري فيه أصالة الحسّ، فهذا التشكيك لايأتي في


(1) الوسائل، ج 18، ب 14 من كيفيّة الحكم، ح 6، ص 194.

(2) الفقيه، ج 3، بحسب الطبعة الجديدة للآخوندي، ب 46 من أبواب القضايا والأحكام، ح 4، ص 63 و64.

الصفحة 227

السند الثاني; لأنّ محمد بن قيس قد لقي أبا جعفر ، وروَى عنه.

قوله: «أُخذت غلولا يوم البصرة...» الغلول بمعنى الخيانة، و الظاهر أنّ المقصود هو أنّ درع طلحة في يوم البصرة كانت من الغنائم فأخذها أحدهم قبل قسمة الغنائم خيانةً وغلولا، وقد قال رسول اللّه : حيث ما وجد غلول أُخذ بغير بيّنة، فكأنّ رسول اللّه أمر ـ اهتماماً بمنع الغلول في الحرب ـ بقبول قول أمير الحرب، أو بقبول قول أي واحد من المحاربين في كون ماعثر عليه غلولا، وأسقط حجّيّة اليد في مقابل قول أمير الحرب أوفي مقابل قول أىّ واحد منهم، وبما أنّ أمير المؤمنين كان في حرب البصرة إمام الحرب فلا معنى لمطالبته بالبيّنة. وهذا الحديث دليل على جواز اغتنام ما حواه العسكر في حرب البغاة.

قوله: «خذها... » جاء في رواية الصدوق التي أشرنا إليها: (خذوا الدرع...) وكأنّ المقصود بذلك أمر أصحابه بأخذ الدرع رغم قضاء شريح; لأنّ شريحاً قضى بالجور.

قوله: «ويلك ـ أو ويحك ـ إنّ إمام المسلمين يؤمَن من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا» هذا المقطع هو محلّ الشاهد، ووجه الاستشهاد: إمّا هو القول بأنّ هذه العبارة إشارة الى إشكال آخر على شريح: وهو أنّه كان المفروض بشريح أن يحصل له العلم بصحّة كلام أميرالمؤمنين و أن يحكم بعلمه. وإمّا هو التمسّك ابتداء بعموم هذه القاعدة، وهي قاعدة أنّ إمام المسلمين يؤمَن من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا بدعوى أنّ نفوذ قضاء الإمام بعلمه مصداق لائتمان الإمام على أُمور المسلمين. وعلى الوجه الأول يدلّ الحديث على نفوذ علم القاضي إطلاقاً، وعلى الوجه الثاني يدلّ على نفوذ علم الإمام، بل على الوجه الأول ـ أي على تقدير التمسّك بإيراد الإمام إشكالا رابعاً على شريح أيضاً ـ يحتمل أن يكون إشكاله عليه: أنّه لِمَ لم يقضِ وفق علم الإمام؟ فالمتيقّن من هذا الحديث هو حجّية علم

 
الصفحة 228

الإمام في القضاء، ولايثبت جواز قضاء الفقيه بعلمه إلاّ أن يتعدّى إلى الفقيه: إما بدعوى أن المقصود من إمام المسلمين هو ولىّ الأمر لاخصوص الإمام المعصوم، أوبدعوى التمسّك ابتداءً بدليل ولاية الفقيه وأنّ ماللإمام للفقيه. وقد عرفت في الوجه السابق النقاش في ذلك حيث قلنا، إنّ مقياسية العلم ليست من الأحكام الولائية حتى تنتقل إلى الفقيه بقانون ولاية الفقيه، بل هي من الأحكام الفقهية، ولا أقّل من احتمال ذلك، ولا دليل لنا على قاعدة مطلقة تقول: إنّ ماللإمام للفقيه.

لايقال: إنّ قضاء القاضي بأىّ لون من الألوان هو نوع ولاية للقاضي، فقضاء الإمام بعلمه هو حكم ولائي فينتقل إلى الفقيه بحكم ولاية الفقيه.

فإنّه يقال: إنّ انتقال هذه الولاية إلى الفقيه يعني أنّ الفقيه يقضي بعلم الإمام لوشهد لديه الإمام بشيء; أي أنّ علم الإمام هو أحد مقاييس القضاء حتى في قضاء الفقيه، ولايختص بقضاء الإمام نفسِه، أمّا أنّ مطلق علم القاضي هو أحد مقاييس القضاء ، أو أنّ خصوص علم الإمام هو أحد المقاييس، فهذا حكم فقهي شرعي، وليس حكماً ولائياً كي يتمسّك بدليل ولاية الفقيه لإثبات كون المقياس هو مطلق علم القاضي.

هذا. وصاحب الجواهر استدلّ بهذا الحديث على نفوذ علم الإمام المعصوم فحسب، لاعلى نفوذ مطلق علم القاضي، فكأنّه ينظر إلى الوجه الثاني من وجهي الاستشهاد اللذين أشرنا إليهما.

الدليل العاشر ـ الروايتان الواردتان(1) بشأن قصّة النبي في شرائه للناقة من الأعرابي، حيث وقع الخلاف بينه وبين الأعرابي في الرواية الأولى حول


(1) راجع الوسائل، ج 18، ب 18 من كيفيّة الحكم، الحديث 1 و 2، ص 200 و 201، والفقيه ج 3، ب 46، الحديث 1 و 2، ص 60 إلى 62.

الصفحة 229

أداء الثمن، وفي الرواية الثانية حول أصل بيع الناقة، وكان حُكْم أمير المؤمنين فيهما أن قَتَل الاعرابي. والرواية الأُولى تامّة سنداً، والثانية غير تامّة سنداً.

أمّا وجه الاستدلال فبالإمكان أن يقال: إنّ أمير المؤمنين قد حكم في مورد الحديث بعلمه أو بعلم رسول اللّه ، وهذا دليل على نفوذ علم المعصوم في القضاء، فإن تمّ التعدّي إلى الفقيه بواسطة مبدأ ولاية الفقيه تعدّينا إليه، وإلاّ ـ كما ناقشنا في ذلك في الوجه السابق ـ لم يدلّ هذا الوجه على أكثر من نفوذ علم المعصوم، وهو غير المقصود.

وعلى أىّ حال فيرد عليه لو اقتصرنا على التمسّك بعمل الإمام : أَنّ بالإمكان حمل عمل أمير المؤمنين على تنفيذ القتل بشأن من كذّب الرسول ، لا على القضاء بمعنى خصم النزاع، وإن كان قد ارتفع به النزاع تكويناً.

وبتعبير آخر: لعلّ هذا الحكم لم يكن قضاء بمعنى خصم النزاع في حقوق الناس، بل كان إجراءً لحدّ هو من حقوق اللّه، وقد مضت ـ في الدليل السادس ـ الإشارة إلى أنّ التعدّي من حقوق اللّه إلى حقوق الناس غير صحيح، كما أنّ أمر أمير المؤمنين للأعرابي في إحدى الروايتين بتسليم الناقة إلى رسول اللّه يمكن حمله على إرشاده إلى وظيفته الشرعيّة.

نعم بالإمكان أن يجعل الدليل على نفوذ علم المعصوم في القضاء أصل قاعدة وجوب تصديق الإمام فيما يقول وكفر مكذّبه مثلا، كما استدلّ به في الجواهر جاعلا هذا الحديث شاهداً على تلك القاعدة بقوله: «ولذا قتل أمير المؤمنين خصم البني لمّا تخاصما إليه في الناقة وثمنها».

وهذا أيضاً يرد عليه: أنّ هذا إنّما يدلّ على أنّنا لو شاهدنا المعصوم قضى بعلمه وجب علينا التسليم. أمّا أنّه هل يجوز له أن يقضي بعلمه فيقضي بالفعل بعلمه أو لايجوز له، فلا يقضي إلاّ بالبينات و الأيمان، فلا توجد أىّ ملازمة بين وجوب

 
الصفحة 230

تصديقه وكفر مكذّبه وبين جواز أنْ يقضي هو بعلمه.

هذا. والصحيح دلالة هذا الحديث على القضاء بعلم المعصوم; لأنّ فيه تخطئة القضاء وفق صالح الاعرابي وتصويب قضاء علىّ : إمّا صريحاً كما في الحديث الأوّل التام سنداً حيث جاء في ذيله أنّ رسول اللّه قال للقرشي الذي أراد الحكم لصالح الاعرابي: «هذا حكم اللّه، لا ما حكمت به»، أو تلويحاً كما في الحديث الثاني الذي قال فيه النبىّ للاعرابي بعد أن أراد ثلاثة أشخاص الحكم لصالح الاعرابي: «إجلس حتى يأتي اللّه بمن يقضي بيني وبين الأعرابي بالحقّ» فأقبل علىّ بن أبي طالب ...

هذا، وقد يقال: إنّ الحديث دلّ على نفوذ علم غير المعصوم أيضاً لأنّ من خطّأه النبىّ في قضائه لم يكن معصوماً، فكأنّه يقول له: كان المفروض بك أن يحصل لك العلم بما قلت وتقضي وفقه.

ولكن الواقع أنّ الحديث إنّما دلّ على أنّه مع علم المعصوم ودعواه يجب القضاء وفقه، وهذا لايدلّ على نفوذ علم القاضي من أىّ طريق حصل.

الدليل الحادي عشر ـ ما أُشير إليه في بعض كلمات الأصحاب من قصّة رسول اللّه مع الأعرابي في شرائه لفرس منه ثمّ إنكار الأعرابي لذلك، وشهادة خزيمة لصالح النبىّ اعتماداً على تصديق رسول اللّه وتسميته من قبل رسول اللّه لذلك بذي الشهادتين(1). وذلك بدعوى الملازمة العرفية بين صحّة الشهادة اعتماداً على علم المعصوم المستلزمة لجواز اجتماع شاهدين أو أكثر على المدّعى اعتماداً على علم المعصوم ممّا يؤدّي في روحه إلى فصل الخصومة بعلم


1 ـ راجع الوسائل، ج 18، ب 18 من كيفيّة الحكم، ح 3، ص 201، والكافي ج 7، ص 400   و 401، باب النوادر، ح 1.

الصفحة 231

المعصوم، وصحّة القضاء ابتداءً بالاعتماد على علم المعصوم، فيثبت نفوذ علم المعصوم في القضاء، ثمّ يتعدّى إلى الفقيه بدليل ولاية الفقيه، ولكن قد عرفت ما في التعدّي. على أن الحديث غير ثابت; لأنّ له سنداً غير تامّ و سنداً تاماً إلى معاوية بن وهب، لكن لم نعرف سند معاوية بن وهب إلى القصّة.

الدليل الثاني عشر ـ ما عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه قال: «أُتِيَ عمر بأمرأة قد تزوّجها شيخ، فلمّا أن واقعها مات على بطنها، فجاءت بولد، فادّعى بنوه أنّها فجرت، وتشاهدوا عليها، فأمر بها أن ترجم، فمرّ بها على علىّ فقالت: يا ابن عمّ الرسول إنّ لي حجّة قال: هاتي حجّتك فدفعت إليه كتاباً، فقرأه، فقال: هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها ويوم واقعها، وكيف كان جِماعُهُ لها رُدّوا المرأة، فلما كان من الغد دعا بصبيان أتراب، ودعا بالصبىّ معهم، فقال لهم: العبوا حتى إذا ألهاهم اللعب قال لهم: اجلسوا، حتى إذا تمكّنوا صاح بهم فقام الصبيان، وقام الغلام، فاتّكى على راحتيه، فدعابه علىّ وورّثه من أبيه، وجلد إخوته المفترين حدّاً حدّاً، فقال عمر: كيف صنعت؟، فقال: عرفت ضعف الشيخ في تكاة الغلام على راحتيه». وعن الأصبغ بن نباته قال: «أُتِيَ عمر بامرأة» ثمّ ذكر نحوه(1). وكلا السندين غير تامّ.

أمّا أنّ ابن الشيخ الضعيف سيكون ضعيفاً فهذا بحاجة إلى فحص علمّي، فإن ثبت خطؤه سقط هذا الحديث عن الاعتبار حتى لوكان تاماً سنداً، وأمّا لو فرضت صحّة ذلك علميّاً فهذا الحديث ـ بغضّ النظر عن ضعف سنده ـ قد يقال أيضاً بأنّ مفاده غريب; إذمعنى صحّة هذه القضيّة علميّاً ليس هو عدم تطرّق احتمال ثبوت الزنا; إذ قد يكون ضعف الطفل مستنداً إلى علّة أُخرى فيه مباشرةً، أو بالوارثة من


(1) الوسائل، ج 18، ب 21 من كيفيّة الحكم، ح 3، ص 207 و 208.

الصفحة 232

أبيه غير هذا الشيخ من شيخ آخر، أو شاب مبتلىً بالضعف، أوما شاكل ذلك. وعلى أىّ حال فبالنسبه لدلالة الحديث قد يقال: إنّه يدلّ على نفوذ علم القاضي الحاصل عن طريق شاهده الناس أيضاً لا العلم الخاص بالقاضي، واحتمال اختصاص ذلك بعلم الإمام غير وارد، فإنّ احتمال الخصوصية لعلم الإمام في مورد هذه الرواية غير وارد عرفاً; إذ الإمام اعتمد في علمه هذا على طريقة عامّة شاهدَها الآخرون، ولم يكن طريقاً خاصّاً يحتمل فيه الخطأ أو الكذب بالنسبة لغير المعصوم، ولايحتمل ذلك بالنسبة للمعصوم.

وقد يقال: إنّ الشيء الخاصّ بالإمام هنا هو علمه بتلك القضيّة العلميّة التي كانت مخفيّة على الناس وهو أنّ ولد الشيخ الضعيف يصبح ضعيفاً.

ولكن مع هذا قد يقال: إنّ هذا يدلّ على نفوذ علم القاضي مطلقاً لا خصوص الإمام; لأنّ الظاهر من القصّة ـ وبيان وجه الحكم من قبله لأُناس لم يكونوا يرونه وقتئذ إماماً ـ أنّ القضية تستبطن تعليم الناس ضمناً طريقه الحكم. أو يقال: إنّه بعد أن تؤخذ القاعدة ـ قاعدة تبعية الطفل لأبيه الكبير السن الضعيف في الضعف ـ مفروغاً عنها من الإمام تكون مشاهدة وضع الصبي حينما قام موجبة لعلم حسّي عامّ أي يستطيع كلّ أحد أن يعلمه، وفي مثله لا تحتمل عرفاً خصوصية لعلم المعصوم، فالحديث يدلّ على نفوذ علم القاضي مطلقاً إذا كان حسياً أو قريباً من الحسّ و كان عامّاً، وهذا في واقعه في قوّة عدم الدلالة على نفوذ علم القاضي، فإنّ نفوذ العلم الذي يستطيع أن يعلمه كلّ أحد لا ينبغي أن يكون مورداً للشكّ في الارتكاز العرفي; إذ ما أسهل تحويله إلى عشرات الشهود; لأنّ المفروض أنّه مّما يستطيع أن يعلمه كلّ أحد.

وعلى أىّ حال فضعف سند الحديث قد أسقطه عن الحجّيّة على كلّ تقدير.

الدليل الثالث عشر ـ ما ورد بسند تامّ عن سليمان بن خالد عن أبي عبد

 
الصفحة 233

اللّه قال: «في كتاب علىّ أنّ نبياً من الأنبياء شكى إلى ربّه، فقال: ياربّ كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟، قال: فأوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى اسمي فحلّفهم به، وقال: هذا لمن لم تقم له بيّنة»(1); إذ يمكن الاستدلال بهذا الحديث على نفوذ علم القاضي الناشىء من الحس كما سنشير إليه بعد صفحات.

الدليل الرابع عشر ـ ما ورد من قضاء أمير المؤمنين بكون الابن للمرأة التي كان لبنها أثقل من لبن الأُخرى والبنت للأُخرى، و الحديث وارد ضمن متن لطيف لم نعرف سنده في ذكر قصّة وقعت في زمان عمر بن الخطاب، ووارد بسند تامّ ضمن متن آخر في قصّة وقعت على عهد علىّ ، و الأوّل مذكور في سفينة البحار(2) والثاني مذكور في الوسائل(3).

ولو ساعد العلم و التجربة على ذلك كي لا يسقط الحديث بالقطع بكذبه كان العلم في مورد الحديث (بعد الفراغ عن قاعدة أثقليّة لبن الولد بأخذها من الإمام المعصوم ) علماً حسيّاً عامّاً يستطيع كلّ أحد أن يعرفه بالتجربة غير خاصّ بالقاضي، وفي مثل هذا الفرض لا يرد عرفاً احتمال اختصاص الحكم بعلم الإمام، إذن فالحديث يدلّ على نفوذ علم القاضي حينما يكون حسّياً و عامّاً، ولايدلّ على أكثر من ذلك. وقد مضى في وجه سابق أنّ هذا في قوّة عدم الدلالة على نفوذ علم القاضي، وإن شئت قلت: إنّ كلّ دليل دلّ على نفوذ علم المعصوم من قبيل ما مضى من قتل أمير المؤمنين للأعرابي أو غيره من الروايات نحن نجعله دليلا على نفوذ علم كلّ قاض إذا كان علماً حسياً أو قريباً من الحسّ وكان عامّاً ـ أي بإمكان


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 167.

(2) سفينة البحار، ج 2، مادة (قضى) ص 435.

(3) الوسائل، ج 18، ب 21 من كيفيّة الحكم، ح 6، ص 210.

الصفحة 234

كثير من الناس أن يعلمه ـ، وذلك لعدم احتمال الفرق عرفاً بين علم المعصوم و غيره إلاّ من إحدى ناحيتين: الأُولى كون علم المعصوم لعصمته كالعلم الحسّي أو القريب من الحس، والثانية كون علم المعصوم حينما يخبر به عامّاً أي بإمكان كلّ أحد أن يعلمه عن طريق اعتماده على علم المعصوم لعدم احتمال الخطأ في علم المعصوم، فإذا علم القاضي غير المعصوم أيضاً بعلم حسّي عامّ لم يكن يحتمل العرف الفرق في الحجيّة بينه وبين علم المعصوم في القضاء، فإن قلنا: إنّ هذا العلم حجيّة ارتكازية، وينبغي خروجه عن محلّ البحث; إذن فأدلّة نفوذ علم المعصوم لاتفيدنا شيئاً، وإلاّ فأدلّة نفوذ علم المعصوم تفيدنا بقدر إثبات حجيّة علم القاضي الحسّي العامّ لاأكثر من ذلك، ولا نستطيع أن نتعدّى إلى علم القاضي الفقيه غير الحسّي أو غير العام بمبدأ ولاية الفقيه حتى لو فسّرناها بمعنى (كلّ ما للإمام للفقيه); إذ لم يثبت أنّ للإمام أن يحكم بغير العلم الحسّي العامّ. نعم الإمام كلّ علمه هو علم حسّي عام بنكتة عصمته عن الخطأ.

الدليل الخامس عشر ـ ماورد في كتاب بصائر الدرجات للصفّار قال: «حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبدالعزيز، عن بكار بن كرام، عن أبي عبد اللّه قال: أنّ جويرية بن عمر العبدي خاصمه رجل في فرس أُنثى فادّعيا جميعاً الفرس، فقال أميرالمؤمنين : لواحد منكما البيّنة؟، فقالا: لا، فقال لجويرية: أعطه الفرس، فقال له: يا أميرالمؤمنين بلابيّنة، فقال له: واللّه لأنا أعلم بك منك بنفسك، أتنسى صنيعك بالجاهلية الجهلاء فأخبره بذلك»(1). و الحديث غير تامّ سنداً ودلالة.

أمّا من حيث السند فلو اعتمدنا على بصائر الدرجات كفى في ضعف السند


(1) بصائر الدرجات، ج 5، ب 11، ح 11، ص 267.

الصفحة 235

وجود عمر بن عبدالعزيز الذي لادليل على وثاقته غير وروده في أسانيد تفسير علىّ بن إبراهيم. وأمّا بكار بن كرام فلوكان هو مصحّف بكار بن كردم فبكار بن كردم قد روى عنه محمّد بن أبي عمير الذي لا يروي إلاّ عن ثقة.

وأمّا من حيث الدلالة فبناءً على كون هذا قضاءً لا أمراً إرشادياً له بالعمل بالواقع فقد علّل هذا القضاء بكونه أعلم منه بنفسه، وهذا هو علم المعصوم، ولم يعلم كون المقصود التعليل بمجرّد العلم.

وعلى أىّ حال فقد تحصّلت بكلّ ما ذكرناه تماميّة بعض الأدلّة غير الإجماع على نفوذ علم القاضي خلافاً لما في الجواهر من دعوى أنّه لاتتحصّل من غير الإجماع دلالة على نفوذ علم القاضي، وأنّ أقصى ما يمكن تحصيله من غير الإجماع عدم جواز الحكم بخلاف العلم.

هذا تمام الكلام في أدلّة حجيّة علم القاضي.

أدلّة عدم الحجيّة:

وأمّا أدلّة عدم حجيّة علم القاضي فعمدتها مايلي:

الأوّل ـ من الواضح تاريخياً أنّ رسول اللّه كان يكتفي في ترتيب آثار الإسلام من الطهارة ومصونيّة الدم والمال بالظاهر ولم يكن يحكم وفق علمه المستمدّ من الغيب الذي يعلمه اللّه تعالى، وكذلك في باب المرافعات لم يتّفق أن يقضي وفق علمه الإلهىّ، بل كان يقضي وفق البيّنات والأيمان.

ولا يخفى أنّ ترتيب آثار الإسلام على ظاهر الحال لاعلاقة له بباب القضاء في حقوق الناس، واحتمال الفرق موجود، فلو كان هذا وحده لما أمكن إثبات عدم نفوذ العلم في حقوق الناس والمرافعات بذلك.

 
الصفحة 236

على أنّ من المحتمل أن يكون موضوع آثار الإسلام في هذه الدنيا عبارة عن إظهار الإسلام ولو كان في علم اللّه كاذباً.

نعم هاتان المناقشتان لاتجريان فيما هو المسلّم به من أنّه لم يكن يعتمد في خصمه للمرافعات على علمه الإلهىّ، بل كان يطلب البيّنة واليمين.

ولكن هناك مناقشتان اُخْرَيان جاريتان في ذلك أيضاً:

إحداهما ـ ما قد يقول القائل (كما جاء في كلام المحقّق الآشتياني في المقام) من منع علم المعصوم بجميع جزئيات أفعال المكلفين وأقوالهم، غاية الأمر أنّهم قادرون على العلم بها وإن شاؤوا علموا. وتنقيح ذلك راجع إلى بحث كيفيّة علم المعصوم.

والثانية ـ أنّ عدم قضاء المعصوم بعلمه الغيبي لايستلزم عدم نفوذ علمه الناشيء من الأسباب الاعتياديّة، واحتمال الفرق موجود، ومحل البحث كما مضى في صدر المبحث هو الثاني دون الأوّل.

الثاني ـ ما جاء عن طريق أهل السنّة من حديث ورد في السنن الكبرى للبيهقي (1)، وفيه ـ ضمن ذكر قصّة الملاعنة الراجعة لامرأة ـ: «قال ابن شداد بن الهاد لابن عباس: أهي المرأة التي قال رسول اللّه : لو كنت راجماً أحداً بغير بيّنة لرجمتها. فقال ابن عباس: لا، تلك المرأة(2) أعلنت السوء في الإسلام».

فهذا يعني أنّ رسول اللّه لايرجم بغير بيّنة، وظاهر الحال أنّه كان متيقّناً ببغيها، وإلاّ فما معنى أنّه لو كان راجماً من غير بيّنة لرجمها؟!

ويمكن النقاش في هذا الحديث ـ إضافةً إلى سقوطه سنداً، وعدم كفايته لو تم


(1) ج 7، ص 407.

(2) وورد في بعض النسخ: (تلك امرأة).

الصفحة 237

سنداً للتعدّي من حقوق اللّه إلى مرافعات الناس لاحتمال الفرق ـ بأنّ مناسبات الحكم والموضوع العرفيّة توحي باحتمال كون «لو الامتناعيّة» الواردة على الرجم بغير بيّنة ناظرة إلى الرجم بالعلم الناشيء عن غير الحس أو ما يقرب من الحسّ ـ وأعني بما يقرب من الحسّ ما يشترك فيه عامّة الناس لواطلعوا على المدرك ـ فلا تدلّ الرواية على عدم نفوذ العلم على الإطلاق; أي حتى الناشىء من الحسّ أو ما يقرب منه، وليس هذا حصراً كاملا بتمام معنى الكلمة; ألا ترى أنّه لايُفهم منه عرفاً عدم نفوذ الإقرار مثلا.

الثالث ـ روايات حصر القضاء بالبيّنات والأيمان، وعمدتها مايلي:

1 ـ ماورد بسند تامّ عن سليمان بن خالد ـ وقد روى عنه الأزدي والبجلي ـ عن أبي عبداللّه قال: «في كتاب عليّ أنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه فقال: ياربّ كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟، قال: فأوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى اسمي فحلّفهم به، وقال: هذا لمن لم تقم له بيّنة»(1). وبمضمونه غيره(2) ممّا هو غير تامّ سنداً، وهذا يدلّ بالإطلاق على حصر مقياس القضاء بالبيّنة واليمين.

وهذا لو تمّ فإنّما يتمّ دليلا على عدم نفوذ العلم غير الناشيء من الحس أو مايقرب منه، وذلك لما جاء فيه من كلمة: (لم أرَ ولم أشهد) على أنّه قد يقال: إنّ من المحتمل عرفاً كون هذه الكلمة ذكراً لمصداق من مصاديق العلم، فلا تدلّ الرواية على عدم نفوذ العلم أصلا، وإنّما تدلّ على حصر مقياس القضاء بالبيّنة واليمين في فرض عدم العلم، فهذه الرواية غير دالّة على عدم نفوذ العلم، بل هي دالّة على نفوذ العلم في


(1) الوسائل ج 18، ب 1 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 167.

(2) راجع نفس الباب.

الصفحة 238

الجملة لظهورها في الفراغ عن صحّة القضاء بما رأى وشهد، وهذا يعنى نفوذ العلم ولو خصوص الحسّي منه حتى في غير النبىّ بناءً على تعدّي العرف في العلم المحسوس بالحس المتعارف من النبىّ إلى غيره.

2 ـ ما جاء عن أميرالمؤمنين بسند غير تام: «أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنّة ماضية من أئمّة الهدى»(1). وقد يناقش في الدلالة بإبداء احتمال كون علم القاضي ـ خصوصاً لو كان عن حس أو مايقرب منه ـ داخلا في قوله: «شهادة عادلة».

3 ـ ما جاء بسند تامّ عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه قال: «قال رسول اللّه : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار»(2).

فيقال: إنّ حصر القضاء بالبيّنة والأيمان دليل على عدم جواز القضاء بالعلم، وحمله على الحصر الإضافي أي بالإضافة إلى الأدلّة غير العلميّة، أو بالإضافة إلى القضاء بالواقع اعتماداً على العلم الإلهي الذي جاء في بعض الروايات أنّه سيقضي به القائم عجّل اللّه فرجه (3) بلا سؤال بيّنة ويمين خلاف الإطلاق.

والصحيح أنّ هذا الحديث لودلّ على عدم نفوذ علم القاضي فإنّما يدلّ على عدم نفوذ علمه الحدسي لا الحسّي، وذلك لأنّ وضوح أنّ البيّنة واليمين إنّما ينفعان القاضي بواسطة علمه الحسّي بهما ـ على أشدّ تقدير ـ لايُبقي للكلام ظهوراً في إلغاء العلم الحسّي للقاضي، فإنّ كون علم رسول اللّه الحسّي نافذاً عند تعلقه بالبيّنة


(1) نفس المصدر، ح 6، ص 168.

(2) الوسائل ج 18، ب 2 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 169.

(3) الوسائل ج 18، ب 1 من كيفيّة الحكم، ح 4 و 5، ص 168.

الصفحة 239

واليمين، وغير نافذ عند تعلّقه بالواقع ـ بينما الثاني أقرب إلى الواقع من الأوّل ـ مستبعد إلى حدّ لاينعقد للحديث ظهور في ذلك، بل لو قلنا: إنّ ارتكاز حجيّة البيّنة في تشخيص حقوق الآدميّين يشمل حتى البيّنة التي عُلمت بالعلم الحدسي، وهذا يكوّن إطلاقاً مقاميّاً لقوله: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» لإثبات حجيّة البيّنة التي عُلمت بالحدس سقط الحديث حتى عن الدلالة على عدم نفوذ علم القاضي الحدسي.

ثمّ إنّ دلالة الحديث على عدم نفوذ علم القاضي مطلقاً أو في خصوص العلم الحدسي لو تمّت فهي معارضة بدلالة أدلّة القضاء بالحقّ التي دلّت على نفوذ علم القاضي .

الرابع ـ ماورد بسند تامّ عن داود بن فرقد قال: «سمعت أباعبداللّه يقول: إنّ أصحاب رسول اللّه قالوا لسعد بن عبادة: أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ماكنت صانعاً به؟، قال: كنت أضربه بالسيف، قال: فخرج رسول اللّه فقال: ماذا ياسعد؟، فقال سعد: قالوا: لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ماكنت صانعاً به؟ فقلت: أضربه بالسيف، فقال: ياسعد فكيف بالأربعة الشهود؟ فقال: يا رسول اللّه بعد رأي عيني وعلم اللّه أن قد فعل؟ قال: إي واللّه بعد رأي عينك وعلم اللّه أن قد فعل. إنّ اللّه جعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّاً»(1).

وجه الاستدلال هو أنّه وإن كان مورد الحديث هو علم الزوج، وليس علم القاضي، لكن الحديث قد جعل الأربعة شهود حدّاً لثبوت الزنا، ومقتضى إطلاقه أنّه حدّ لذلك حتى في مقابل علم القاضي، وهذا الكلام يمكن أن يقال به بلحاظ كلّ


(1) الوسائل ج 18، ب 2 من مقدّمات الحدود، ح 1، ص 310.

الصفحة 240

الروايات التي جعلت الأربعة شهود حدّاً لثبوت الزنا من قبيل ما عن الحلبي بسند تامّ عن أبي عبداللّه قال: «حدّ الرجم أن يشهد أربع أنّهم رأوه يدخل ويخرج»(1) ونحوه غيره من الروايات(2). ولكن لئن قال قائل في مثل هذه الرواية من الإطلاقات: إنّها منصرفة عن فرض العلم، فدعوى هذا الانصراف لاتتأتّى في رواية داود بن فرقد; لأنّه جعل الحدّ هو الأربعة شهود في مقابل العلم، وهذا يوجب استحكام الإطلاق وعدم ثبوت الانصراف. نعم مورد الحديث هو علم الزوج لاعلم القاضي، ولكن المورد لايخصّص الوارد.

والجواب: أنّ إجراء الحدّ هو شأن القاضي يجريه بعد ثبوت الأربعة شهود، وليس شأن الزوج، وغاية ما هنا أن يكون الزوج واحداً من الشهود، ولم يذكر في الحديث كون الأربعة شهود حدّاً في مقابل علم القاضي، بل الإطلاق أيضاً غير وارد في هذا الحديث; إذ لم يذكر مثلا: (أنّ حد ثبوت الزنا هو الأربعة شهود)، وإنّما ذكر: (أنّ اللّه جعل لكلّ شيء حدّاً)، ولعلّ علم القاضي هو أحد الحدود.

وأمّا التمسّك بإطلاقات مثل ما مضى من حديث الحلبي فقد يقول القائل بشأنه: إنّ مقتضى المناسبات العرفيّة هو احتمال أن يكون المقصود هو أنّ حدّ ثبوت الزنا ـ إن لم يكن متيقناً ـ هو الأربعة شهود، أمّا إذا كان القاضي يعلم به فلا دلالة لهذه الإطلاقات على عدم نفوذ العلم.

وقد يقال في مقابل ذلك: إنّ الأمر على العكس، فلهذا الحديث وأمثاله إطلاق قوىّ ناف لنفوذ علم القاضي; لأنّ المتعارف في شهادة ثلاثة من العدول ـ إن كانت عدالتهم ثابتة باليقين لابمجرّد ظاهر الحال ـ هو حصول العلم بالصدق،


(1) الوسائل ج 18، ب 12 من حدّ الزنا، ح 1، ص 371.

(2) المذكورة في نفس المصدر والباب.

الصفحة 241

فافتراض كون الحدّ هو أربعة شهود له ظهور إطلاقىّ قوىّ في عدم نفوذ علم القاضي. إلاّ أنّ هذا لو تمّ فاحتمال الخصوصيّة في باب الزنا وارد، ولايمكن التعدىّ إلى سائر الحدود فضلا عن باب المرافعات الذي هو محلّ بحثنا.

الخامس ـ أنّ أصل التركيز على البيّنة في باب القضاء في الشريعة الإسلامية ـ رغم أنّ خبر العدل الواحد ولو لم يضمّ إلى خبر عدل آخر ولا إلى يمين كثيراً ما يورث العلم ولو بضمّ بعض القرائن، وكثيراً ما يحصل للقاضي العلم بمقتضى القرائن أو خبر الثقة من دون خبر العدل الواحد أيضاً ـ يفهم منه عدم نفوذ علم القاضي.

وهذا الوجه إن دلّ فإنّما يدلّ على عدم نفوذ علم القاضي غير المستند إلى الحسّ ولاما يقرب من الحس; لأنّه هو الذي يكثر حصوله مع عدم البيّنة لا العلم المستند إلى الحسّ أو مايقرب منه.

وهذا الوجه بهذا المقدار قاصر عن إثبات عدم حجّية العلم غير الحسّي أيضاً فضلا عن العلم الحسّي، فإنّ خبر الواحد كما يورث كثيراً العلم كذلك يتفق كثيراً عدم إفادته للعلم، وهذا كاف في التركيز على البيّنة في الشريعة الإسلامية من دون أن يكون ذلك دالاًّ على عدم حجّية العلم غير الحسي. نعم لو كان حصول العلم بخبر الواحد أمراً غالبياً وعدمه نادراً أمكن أن يقال: إنّ التزكيز على البيّنة يدلّ على عدم حجّية العلم غير الحسّي.

إلاّ أنّه بالإمكان تطوير هذا الوجه بأن يقال: إنّه لم يرد إلينا خبر واحد ـ ولو مرسل ـ يصرّح بنفوذ علم القاضي; بينما هنا أبواب كثيرة ورد في بعضها من الأخبار ماشاء اللّه بشأن البيّنة وشروطها وأحكامها، والمفروض بمقاييس القضاء أن يرد ذكرٌلها في الروايات ولونادراً كما ورد ذكر البيّنة واليمين، ولم يرد ولو في حديث واحد ذكر لمقياسية علم القاضي غير الحسّي، فعلم القاضي الحسّي لو كان حجّة كان من المعقول أن لايرد نصّ خاصّ متصد لبيان حجيّته; لأنّ حجيّته ارتكازية عند

 
الصفحة 242

العقلاء، أمّا العلم الحدسي فلا ارتكاز لحجيّته; إذ من المعقول عند العرف والعقلاء افتراض عدم السماح للقاضي بالقضاء به لأنّه يكثر فيه الخطأ. أفليس ورود الأخبار الكثيرة حول البيّنة وشروطها واليمين وعدم ورود نصّ واحد على نفوذ العلم الحدسي دليلا قاطعاً على أنّ المقياس في نظر الشريعة عندما لايوجد علم حسّيّ هو البيّنة واليمين دون العلم الحدسي؟!. وبهذا الوجه يقيّد إطلاق مثل أدلّة القضاء بالحقّ والعدل المقتضي لنفوذ علم القاضي مطلقاً. فالنتيجة هي التفصيل بين العلم المستند إلى الحسّ أو ما يقرب من الحسّ والعلم غير المستند إلى الحسّ، فالأوّل نافذ، والثاني غير نافذ.

لايقال: إنّ حجيّة العلم الطريقي في إثبات متعلّقه عقليّة ومرتكزة عند العقلاء أيضاً ولو كان حدسياً، فإذا دلّ الدليل على وجوب القضاء بالحقّ والعدل كان علم القاضي ولو حدساً حجّة لإثبات كون القضاء الفلاني قضاءً بالحقّ والعدل، وكان هذا علماً طريقياً، فحجيّته واضحة ومرتكزة كحجيّة العلم الحدسي، ولعلّه لهذا لم يرد نصّ خاصّ به.

فإنّه يقال: إنّ دليل وجوب القضاء بالحقّ والعدل وإن كان مقتضى إطلاقه القضاء بذلك ولو عن طريق العلم الحدسي، ولكن هذا لايعني أنّ تمام الموضوع للقضاء هو ذات الحقّ من دون أن يكون قيامُ الحجّة عليه جزءً للموضوع، بل المرتكز عند العقلاء خلاف ذلك; أي أنّ من قضى بالحقّ بلاحجّة يعتبر آثماً لا لمجرّد التجرّي، بل لعدم تماميّة موضوع جواز القضاء، فصحيح أن العلم بالحقّ أو أي حجّة أُخرى عليه طريق لإثبات أحد جزئي موضوع القضاء، لكنّه في نفس الوقت دخيل في موضوع القضاء في ارتكاز العقلاء، وعندئذ نقول: إنّ العلم إن كان حسّياً فهو كاف في جواز القضاء بالارتكاز، فعدم ورود نصّ متصدٍّ لبيان حجيّته أمر طبيعي. أمّا إذا كان حدسيّاً فعدم كفايته في القضاء أمر معقول ومحتمل عقلائيّاً لكثرة الخطأ

 
الصفحة 243

فيه، ولو كان كافياً في القضاء لكان المترقب ذكره في أحاديث مقاييس القضاء كما ذكرت البيّنة و اليمين.

التفصيل بين العلم الحسي و الحدسي:

فالنتيجة إذن هي التفصيل بين العلم الحسّي والعلم الحدسي، فالعلم الحسّي للقاضي حجّة أوّلا: بالارتكاز غير المردوع عنه، وثانياً: بإطلاقات الأمر بالقضاء بالحقّ و العدل، وثالثاً: بما مضى من حديث سليمان بن خالد: (كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟) الدالّ على جواز القضاء بما رأى و شهد; بينما العلم الحدسي للقاضي غير حجّة بالبيان الذي عرفت.

ويمكن الاستدلال على هذا التفصيل بوجهين آخرين:

الأوّل ـ ما مضى من حديث سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه قال: «في كتاب علىّ أنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه فقال: ياربّ كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟، قال: فاوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي و أضفهم إلى اسمي فحلّفهم (تحلفهم) به، وقال: هذا لمن لم تقم له بيّنة»(1). بناءً على أنّ قوله: «فيما لم أرَ ولم أشهد» إشارة الى مطلق العلم الحسّي أو ما يقرب من الحسّ، أو أنّ العرف يتعدى من فرض الرؤية إلى مطلق العلم الحسّي أو ما يقرب من الحسّ، و حينئذ فالحديث دلّ على حصر القضاء باليمين و البيّنة في غير مورد العلم الحسّي أو ما يقرب من الحسّ والقصّة وإن وقعت في زمن الأنبياء السالفين، لكنَّ الظاهر من نقلها في هذا الحديث إمضاء ما فيها من حكم، والظاهر من البيّنة الواردة في آخر الحديث ـ حسب ما هو


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من كيفيّة الحكم، ح 1، ص 167.

الصفحة 244

متعارف في باب القضاء ـ هو شهادة عدلين لامطلق ما أفاد العلم.

وقد يقال في مقابل هذا البيان: إنّه كما يمكن تقييد إطلاقات الحكم بالحق والعدل بهذا الحديث كذلك يمكن العكس; بأن يقال: إنّ هذا الحديث حصر بإطلاقه مقياس القضاء في غير موارد العلم الحسّي باليمين و البيّنة، ونحن نقيّد هذا الإطلاق بعطف العلم غير الحسي على اليمين و البيّنة لدلالة أدلّة الحكم بالحقّ و العدل على حجّيته، وليس تقييد تلك الأدلّة أولى من تقييد هذا الحديث.

هذا، ولكن قد يقال: إنّ المفهوم من قوله: «كيف أقضي فيمالم أرَ ولم أشهد» أنّه كان المركوز في ذهن هذا النبي أنّ القضاء أوّلا و بالذات ينبغي أن يكون بالعلم الحسّي، فتحيّر في كيفيّة القضاء في غير مورد وجود العلم الحسّي، فاستفسر، فجاء الجواب بالقضاء باليمين و البيّنة. وهذا مع ما نعلمه من كثرة حصول العلم غير الحسّي للقاضي يعتبر كالمتصدّي بالخصوص لعدم حجّيّة العلم غير الحسّي، فتعيّن تقييد إطلاقات الحكم بالحق و العدل.

ولكنّ الإنصاف أنّ هذا الوجه غير تامّ; فإنَّ قوله: «كيف أقضي في ما لم أرَ ولم أشهد؟»كما يحتمل فيه كونه ذكراً للرؤية و الشهادة بما هي فرد للعلم الحسّي أو ما يقرب من الحسّ، كذلك يُحتمل فيه كونه ذكراً لها بما هي فرد للعلم، فصحيح أنَّ المتيقن من ذلك هو العلم الحسّي، فلو أُريد الاستدلال بهذا الحديث على حجّيّة علم القاضي لم يدلّ على أكثر من حجيّة العلم الحسّي أو مايقرب من الحسّ، ولكن ليست فيه دلالة على عدم حجّيّة العلم الحدسّي.

الثاني ـ الروايات الدالّة على أنّ الشهادة يجب أن تكون عن حسّ أو ما يقرب منه بدعوى التعدّي من الشهادة إلى القضاء لعدم احتمال الفرق، أو أهونيّة الشهادة من القضاء عرفاً، كالحديث الوارد تارةً عن علىّ بن غياث، وأُخرى عن علىّ بن غراب عن أبي عبداللّه قال: «لا تشهدنّ بشهادة حتى تعرفها كما

 
الصفحة 245

تعرف كفّك»(1). وماعن المحقّق في الشرائع عن النبي وقد سئل عن الشهادة ـ قال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد، أودع»(2). فإذا تعدينا من باب الشهادة إلى باب القضاء قيّدنا بذلك إطلاقات القضاء بالحقّ و العدل، إلاّ أنّ هذه الروايات غير تامّة سنداً، ولو تمّت قلنا: إنّ احتمال الفرق عقلا بين باب الشهادة وباب القضاء وارد، فلا يمكن التعدّي إلى باب القضاء عقلا، كما أنّ احتمال الفرق عرفّي فلا يمكن التعدّي من تلك الروايات ـ لو تمّت سنداً ـ إلى باب القضاء بدعوى إلغاء العرف الخصوصيّة ووجه الفرق المحتمل عقلا و عرفاً بين البابين هو أنّ الشاهد ليس أمره دائراً بين أن يشهد بالحقّ أو بالباطل، فلو كان علمه غير حسّي فليسكت ولايشهد، ولكن ماذا يصنع القاضي فيما يكون علمه غير حسّي، وقد قام الدليل القضائي من اليمين أو البيّنة على خلاف علمه؟ فأمره دائر بين قضائه بعلمه وقضائه بما يعلم بخطئه. أمّا احتمال أن يحرم عليه القضاء، ويجب عليه السكوت فهو غير وارد لا في الفقه الإسلاميّ ولافي المرتكزات العرفيّة العقلائيّة.

علم القاضي مع شاهد واحد:

يبقى الكلام في أنّ علم القاضي الذي يمكنه أن يشهد به لو لم نقل بنفوذه في القضاء بأن يقضي به بلا حاجة إلى البيّنة، فهل نقول بنفوذه كشاهد بأن يصحّ له القضاء بمجرّد أن ينضمّ إليه شاهد آخر، أوْلا؟

لا موضوع لهذا البحث بناءً على مسلك الفقه الوضعىّ القائل بعدم اشتراط


(1) الوسائل، ج 18، ب 8 من الشهادات، ح 3 ص 235، و ب 20 منها، ح 1، ص 250.

(2) نفس المصدر، ب 20، ص 251.

الصفحة 246

تعدد الشاهد في البيّنة.

أمّا لو فُرض شرط التعدّد افتراضاً فالمفهوم من الفقه الوضعىّ هو عدم نفوذه كجزء من البيّنة حينما نحتاج إليها، فإنّ نكتة عدم نفوذ علم القاضي عندهم هي أنّ للخصم أن يناقش الدليل، فإذا كان الدليل هو علم القاضي أصبح القاضي خصماً، أو أنّ القاضي إذا كان شاهداً في نفس الوقت فقد تأثّر بشهادته، فلا يصلح للقضاء وفصل الخصومة كما مضى ذلك في أوّل بحث قضاء القاضي بعلمه. وهذه الوجوه ـ كما ترى ـ تأتي أيضاً في ما إذا فرض القاضي أحد الشاهدين في البيّنة.

وعلى أىّ حال فمن وجهة نظر فقهنا الإسلاميّ بالإمكان أن يقال: إنّ أدلّة حجّيّة الشهادة في باب القضاء منصرفة عن شهادة نفس القاضي، فهي تبيّن حجّيّة شهادة من يشهد لدى القاضي لاشهادة نفس القاضي، فالذهن لا ينتقل من الشهادة أو البيّنة إلى شهادة الإنسان لدى نفسه.

وفي مقابل ذلك قد يقال: إنّ وضوح عدم الفرق عقلائيّاً بين شهادة القاضي وشهادة أىّ عدل آخر، وعدم تصوّر أىّ ضعف في شهادة العدل حينما يصبح قاضياً يجعل العرف يفهم من دليل نفوذ البيّنة في باب القضاء الإطلاق، وكيف يحتمل العرف الفرق مثلا بين أن يقضي هذا القاضي وفق شهادته وشهادة عدل آخر إلى جانبه، أو أن يذهب هو بصحبة ذاك العدل إلى قاض آخر كي يحكم هو بشهادتهما؟!

فإن تمّ هذا الكلام ثبتت حجّيّة البيّنة التي يكون القاضي جزءاً منها، وإن لم يتمّ هذا الكلام، فقد يقال: إنّه لادليل على حجّيّة البيّنة حتى مع غضّ النظر عمّا أشرنا اليه من إمكانيّة دعوى الانصراف; إذ لا إطلاق حَكَمىّ في أدلّة نفوذ البيّنة في باب القضاء لشهادة القاضي، فمثلا قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» إنّما هو بصدد بيان حصر مدرك قضائه بالبيّنات و الأيمان، أمّا ما هي شروط البيّنات؟ وهل تكفي شهادة نفس القاضي عن أحد فردي البيّنة؟ فليس الحديث بصدد بيان

 
الصفحة 247

ذلك. وما مضى من حديث سليمان بن خالد الدالّ على القضاء بالبيّنات و الأيمان قد فرض فيه عدم رؤية القاضي للواقعة; حيث قال النبيّ: «يا ربّ كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟» فكيف يمكن افتراض تماميّة الإطلاق الحَكَمي فيه لشهادة نفس القاضي؟! وما ورد من أحاديث كون البيّنة على المدّعي و اليمين على المنكر(1) إنّما هي بصدد بيان من عليه البيّنة لا بصدد بيان شرائط البيّنة، وأنّه هل يجوز أن يكون القاضي جزء من البيّنة أوْلا؟ وما ورد من قبول شهادة المحدود بعد التوبة(2)، أو قبول شهادة المسلم على الكافر(3)، أو نحو ذلك أيضاً ـ كما ترى ـ ليس بصدد البيان من هذه الناحية، فإذا لم يتمّ إطلاق حَكَمي في أدلّة الحجّيّة القضائية للبيّنة وصلت النوبة إلى اليمين.

وقد يُقال: إنّما تصل النوبة إلى اليمين لو قلنا بانصراف البيّنات في قوله : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» إلى بيّنة لا يكون القاضي جزءاً منها: أمّا لو لم نقل بالانصراف ولم يتمّ الإطلاق أيضاً فقد بقينا حائرين لا ندري ماذا نصنع؟ إذ لا يوجد دليل على حجّيّة البيّنة لعدم الإطلاق حسب الفرض، ولا دليل على حجّيّة اليمين; لأنّ اليمين إنّما تصل النوبة إليه بعد عدم البيّنة الحجّة، ونحن نحتمل في المقام كون البيّنة حجّة، فإنّه وإن لم يدلّ الدليل على حجّيّتها لكنّه لم يدلّ أيضاً على عدم حجّيّتها.

والجواب على ذلك: أنّ المفهوم عرفاً ممّا دلّ على كون اليمين هو المرجع بعد فقد البيّنة الحجّة كونه حجّة بعد فقد البيّنة الّتي تتوفّر فيها الحجّيّة القضائيّة الفعليّة، والمفروض في المقام أنه لم تصبح حجّيّة البيّنة فعلية لأنّها لم تصلنا.


(1) راجع الوسائل، ج 18، ب 3 من كيفيّة الحكم.

(2) و(3) راجع الوسائل، ج 18، ب 36 و 37 و 38 من الشهادات.

الصفحة 248

وفي الختام لا بأس بأن نشير إلى أنّ الكتابه و القرائن اللتين جعلها الفقه الوضعي من طرق الإثبات في باب القضاء، ووقع البحث المفصّل حولها عندهم، تكون كلمتنا الإسلاميّة بشأنهما أنّهما متى ما أوجبتا العلم الذي يُعَدُّ من الحسّ أو ما يقرب من الحسّ دخلتا في القضاء بالعلم و إلاّ فلا عبرة بهما.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب