الصفحة 155




قاضي التحكيم

وأمّا الأمر الثالث ـ وهو أنّه هل من حق المترافعين تحكيم غير الواجد لشرائط المنصوب من قبل المعصوم، أو غير المنصوب من قبله ولا من قبل الفقيه، وهو المسمّى بــ «قاضي التحكيم» أولا؟.

فلنذكر مقدمة لذلك: أنّ قاضي التحكيم يتصور على نحوين:

الأوّل ـ أن يتحاكم المترافعان إلى إنسان واجد للشرائط الفقهيّة للقضاء، إلّا أنّه ليس منصوباً من قبل المعصوم أو الفقيه، ومثاله في زماننا من كان واجداً لشرائط القضاء من قبيل الايمان والعدالة ولم يكن فقيهاً، بناءً على أنّ شرط الفقاهة ليس شرطاً فقهيّاً، وإنّما أخذ قيداً في النّصب العام من قبل الامام المعصوم وبذلك يتضح إمكانيّة تصوير قاضي التحكيم بهذا النحو في زماننا.

الثاني ـ أن يتحاكما إلى إنسان غير واجد للشرائط الفقهيّة للقضاء بدعوى أنّها شرائط للقاضي المنصوب لالقاضي التحكيم.

ولايخفى أنّ قاضي التحكيم وإن لم يكن منصوباً للقضاء في المرتبة السابقة على التحكيم لكن لامعنى لنفوذ قضائه ما لم يثبت إمضاء من قبل الشريعة لتحكيمه الصادر من المتحاكمين، فإنّ الولاية للّه ولا ينفذ حكم أحد على أحد من دون تنفيذ من قبل الشريعة.

 
الصفحة 156


أدلّة النفوذ

وعلى أيّ حال فالذي يمكن أن يجعل دليلا على نفوذ قضاء قاضي التحكيم أُمور:

الروايات:

الأول ـ الروايات من قبيل:

1 ـ مارواه الكشّي في رجاله عن العياشي، عن أحمد بن منصور، عن أحمد بن الفضل الكناسي قال: «قال لي أبوعبداللّه : أىّ شيء بلغني عنكم؟ قلت ما هو؟ قال: بلغني أنّكم أقعدتم قاضياً بالكناسة. قال: قلت: نعم ـ جعلت فداك ـ رجل يقال له عروة القتات، وهو رجل له حظ من العقل، نجتمع عنده، فنتكلّم ونتساءل، ثمّ يردّ ذلك إليكم. قال: لابأس»(1). فقد يقال: إنّ هذا دليل على نفوذ قضاء قاضي التحكيم، فانّ عروة القتات نصبه نفس الناس قاضياً وليس وليّ الأمر. إلاّ أنّ الحديث قابل للمناقشة سنداً و دلالة.

أمّا من حيث السند فنقول: إنّ أحمد بن منصور إن كان هو الخزاعي كما شوهد نقل العياشي عنه، فافتراض عدم سقوط الواسطة بعيد، إلاّ أن يفترض معمّراً; لأنّ أحمد بن منصور الخزاعي من أصحاب الرضا والعياشي ينقل عن أصحاب عليّ بن الحسن بن فضّال الذي هو من أصحاب الهادي والعسكري . وإن كان شخصاً آخر غيره فأيضاً يبعد افتراض عدم سقوط الواسطة بينه وبين العياشي، أو بينه وبين من ينقل عن الصادق . وعلى أيّ حال فلا دليل على وثاقة أحمد بن


(1) الوسائل، ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 31، ص 107.

الصفحة 157

منصور، ولا على وثاقة أحمد بن الفضل الكناسي، ولعلّه أحمد بن الفضل الخزاعي بقرينة رواية أحمد بن منصور عنه.

وأمّا من حيث الدلالة فلئن كان صدر الحديث ظاهراً في إرادة القضاء بالمعنى المقصود لنا فذيله وهو قوله: «نجتمع عنده، فنتكلّم ونتساءل، ثمّ يردّ ذلك إليكم» ظاهر في البحث العلمي والفقهي، وبعد هذا لا أقلّ من الإجمال.

ولو فرضناه ظاهراً ـ رغم هذا ـ في إرادة القضاء فلا دليل على أنّ عروة القتات لم يكن داخلا في المنصوب بالنصب العامّ في مقبولة عمر بن حنظلة، أللهم إلاّ أن يتمسّك بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال، إلاّ أنّ هذا الإطلاق غير تامّ في المقام، لأنّ الظاهر اجتماع الشرائط الواردة في مقبولة عمر بن حنظلة في عروة القتات، فقد كان شيعيّاً كما هو ظاهر من نصبهم له، ومن قوله: «ثمّ يردّ ذلك إليكم»، وعارفاً بالأخبار والروايات كما يظهر من قوله: «ثمّ يردّ ذلك إليكم»، وكان واجداً لحسن الظاهر الكاشف عن العدالة; إذ يستبعد تجمّعهم بهذا الشكل حول ظاهر الفسق.

ولو ثبت أنّ هذا الحديث ورد قبل ورود مقبولة عمر بن حنظلة وقبل أيّ نصب عامّ من قبل الإمام للقضاء، فغاية ما يدلّ عليه هذا الحديث هو نفوذ قضاء قاضي التحكيم بالمعنى الأوّل ـ أعني الواجد للشرائط غير المنصوب ـ دون المعنى الثاني ـ أعني غير الواجد للشرائط ـ لما عرفت من أنّ الإطلاق بملاك ترك الاستفصال غير تامّ في المقام.

2 ـ ما عن أبي بصير بسند تامّ عن أبي عبد اللّه قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء: «كان بمنزلة الذين قال اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى

 
الصفحة 158

الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ... »(1).

وجه الاستدلال هو التمسّك بالإطلاق; إذ لم يقيّد الرجل الذي دعا أحد الأخوين صاحبه إلى الترافع إليه بقيد سوى قيد التشيّع، فمقتضى الإطلاق صحّة التحاكم عند الرجل الشيعىّ ولو لم يكن منصوباً، بل ولو لم يكن واجداً لسائر الشرائط.

إلّا أنّ الظاهر عدم تماميّة الإطلاق; إذ هو بصدد الردع عن التحاكم إلى حكّام الطاغوت، لابصدد بيان من يجوز التحاكم إليه من الشيعة كي يتمّ الإطلاق: ومن هنا يتبيّن أنّه لو فرض ثبوت ورود هذا الحديث قبل مقبولة عمر بن حنظلة وقبل أىّ نصب عامّ من قبل الإمام، فإنّما يدلّ على نفوذ قضاء قاضي التحكيم بالمعنى الأوّل دون الثاني.

3 ـ ما عن الحلبي بسند تام قال: «قلت لأبي عبداللّه : ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا؟ فقال: ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط»(2); بناءً على أنّ النظر في هذا الحديث إلى حرمة التحاكم لدى من هو غير منصوب، أو عدم نفوذ حكمه، فيفصّل الإمام بين من يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط فيحرم أو لاينفذ، وبين من تراضى به المترافعان وكان شيعيّاً فيحلّ وينفذ.

إلّا أنّ هذا التفسير غير واضح; إذ الظاهر: أنّ قوله: «ليس هو ذاك» إمّا هو إشارة إلى ما هو المعروف من حرمة الترافع لدى الطاغوت، أو لدى حاكم الجور، فيفسّر الإمام ذاك المعروف بالترافع لدى من يحكم الناس بالسيف و السوط


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 2، ص 3.

(2) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 8، ص 5.

الصفحة 159

من الأُمراء الظالمين، ويقول: إنّ هذه الحرمة غير ثابتة في الترافع لدى رجل منّا، وليس بصدد بيان مدى جواز ونفوذ قضاء هذا الرجل، كي يتمّ الإطلاق، أو هو إشارة إلى كلام مسبق بين الإمام و السائل محذوف، ولانعرفه ما هو، فلا يتمّ الإطلاق أيضاً. ولو فرض ثبوت ورود هذا النصّ قبل النصب العامّ ودلالته على نفوذ قضاء قاضي التحكيم، فلا يدل إلاّ على نفوذ قضاء القاضي بالمعنى الأوّل دون الثاني; لما عرفته من عدم تماميّة الإطلاق.

4 ـ ما مضى من رواية أبي خديجة(1) بناءً على حمل السيّد الخوئي لها على قاضي التحكيم، إلاّ أنّه مضى إبطال ذلك.

5 ـ ما ورد من حديث نبوي رأيته في كتاب القضاء للمولى علىّ الكني (2)، وهو قوله : «من حكم بين اثنين تراضيابه، فلم يعدل، فعليه لعنة اللّه». وأورد المولى الكني على الاستدلال بذلك بضعف السند، وبأنّه وارد مورد حكم آخر، وهو عدم جواز الحكم بغير العدل، وليس بصدد بيان جواز القضاء لكلّ من رضيابه كي يتمّ الإطلاق، وبأنّه معارض بما دلّ على إذن الإمام في القاضي، والثاني مقدّم بالأخصّيّة. ولو فرض أنّ النسبة عموم من وجه كفانا أنّه بعد التعارض و التساقط لا يصلح دليلا على المقصود.

أقول: إشكاله الأخير جزء مّما سيأتي ـ إن شاء اللّه ـ من البحث عن أدلّة عدم نفوذ قضاء قاضي التحكيم غير المنصوب.

6 ـ ما عن موسى بن أكيل عن أبي عبداللّه قال: «سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حقّ فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا


(1) الوسائل، 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 5، ص 4.

(2) ص 24.

الصفحة 160

فيما حكما؟ قال: وكيف يختلفان؟ قال: حكم كلّ واحد منهما للذي اختاره الخصمان. فقال: ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللّه فيمضي حكمه»(1).

والسند ضعيف بذبيان بن حكيم الذي لم تثبت وثاقته، والدلالة ضعيفة بعدم الإطلاق لفرض عدم اجتماع الشرائط فيهما، كما يظهر من قوله: «ينظر إلى أعدلهما وأفقههما(2) في دين اللّه»، على أنّ الرواية واردة في حكم تعارض الحكمين لا في أصل نفوذ الحكم كي يتمّ فيه الإطلاق. ولو فرض وروده قبل النصب العامّ فإنّما يدلّ على نفوذ قضاء قاضي التحكيم بالمعنى الأوّل.

ومنه يظهر الكلام أيضاً في رواية داود بن الحصين عن أبي عبداللّه في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما عن القول أيّهما يمضي الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه، ولايلتفت إلى الآخر»(3). وسند الحديث تامّ.

أمّا ذيل مقبولة عمر بن حنظلة الوارد فيما كان كلّ منهما اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما و أصدقهما في الحديث


(1) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، ح 45، ص 88.

(2) قد يقال: إنّ الفقاهة لايقصدبها المعنى المصطلح اليوم في مقابل التقليد، فمن يتقن الأحكام عن طريق التقليد فهو أيضاً فقيه في الأحكام لغةً.

(3) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، ح 20، ص 80.

الصفحة 161

وأورعهما ...»(1) فالأمر فيه أوضح، فإنّ هذا ذيل للصدر الدالّ على النصب العامّ، ومفروض السائل، أنّ المتنازعين رضيا بشخصين داخلين في ذاك النصب العامّ.

أدلّة الوفاء بالشرط:

الثاني ـ أن يتمسّك بأدلّة الوفاء بالشرط و العقد، بأن يقال: إن المترافعين قد تشارطا وتعاقدا على قبول حكم هذا الحاكم بنحو شرط الفعل، أو على نفوذه بنحو شرط النتيجة بناءً على مشروعيّة شرط النتيجة، فيجب عليهما العمل بقضائه، أو ينفذ قضاؤه بدليل وجوب الوفاء بالشرط و نفوذه. ويمكن الإيراد على ذلك بوجوه:

1 ـ عدم نفوذ الشرط الابتدائي بناءً على رأي المشهور، ولكنّ المرجّح عندنا نفوذه على تفصيل موكول إلى محلّة.

2 ـ رجوع التحاكم دائماً إلى المشارطة غير واضح، ولكن قد يقال: لا نفهم معنى التحاكم و الرضا به حكماً إلّا التباني والتشارط على قبول حكمه.

3 ـ أنّ هذا الوجه روحه روح نفوذ الشرط لا روح نفوذ القضاء بما هو قضاء، فينحصر مفعوله في دائرة المباحات، ولايؤثّر في إثبات الزوجيّة ونفيها، وإثبات الولد ونفيه، وفي الدماء، وماشابه ذلك ممّا لا مجال لإثباته بالشرط، بل لابدّ فيه من الرجوع إلى أدلّة الأحكام الشرعيّة في ذاتها.


(1) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، ح 1، ص 75.

الصفحة 162

آيات قرآنية:

الثالث ـ التمسّك بآيات من قبيل: ﴿إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (1). و﴿من لم يحكم بما أنزل اللّه فأُلئك هم الكافرون، أو ﴿... الظالمون، أو ﴿... الفاسقون (2). مّما قد يستفاد منها أصل جواز الحكم من قبل الناس من دون أن يؤخذ في ذلك أىّ شرط من شرائط القاضي المنصوب ولا شرط النصب، فقد يقال: إنّ هذه الآيات راجعة إلى قاضي التحكيم، كما استدلّ السيد الخوئي بها على عدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم حيث قال في تكملة المنهاج:

«وأمّا قاضي التحكيم فالصحيح أنّه لايعتبر فيه الاجتهاد خلافاً للمشهور، وذلك لإطلاق عدّة من الآيات منها قوله ـ تعالى ـ: ﴿إنّ اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ... »(3).

أقول: إنّ هذه الآيات إنّما هي بصدد بيان أنّ الإنسان حينما يحكم يجب ان يكون حكمه حكماً بالعدل و بما أنزل الله. أمّا متى يحكم ولمن يجوز الحكم؟ فهذه مسألة أُخرى لم تكن الآيات بصددها; كي تثبت بإطلاقها عدم شرط الاجتهاد، أو عدم شرط النصب، أو عدم أىّ شرط آخر.


(1) سورة النساء، الآية 58.

(2) المائدة، الآيات، 44، 45، 47.

(3) المجلد الاول ص 9.

الصفحة 163

السيرة العقلائية:

ألرابع ـ بناء العقلاء و سيرتهم بدعوى قيام ذلك على تنفيذ حكم قاضي التحكيم رغم عدم نصبه مادام المترافعان قد تراضيابه، ولم يرد ردع عن ذلك وهو دليل الإمضاء.

أقول: هذا الوجه أيضاً لو تمّ فإنّما يثبت نفوذ حكم قاضي التحكيم بالمعنى الأوّل; إذ من كان فاقداً لشرط من الشروط الفقهيّة للقضاء فنفس دليل ذاك الشرط ـ حينما لايكون الدليل منحصراً في عدم الدليل على النفوذ و أصالة عدم النفوذ ـ دليل على الردع عن هذا البناء العقلائي لو ثبت.

والواقع أنّ هذا البناء غير ثابت من قبل العقلاء بأكثر من روح الوفاء بالشرط، فحاله حال الوجه الثاني.

الإجماع:

الخامس ـ الإجماع ـ قال المولى الكني : «نعم، في المفتاح حكاية الإجماع عليه من الخلاف و المجمع، مع أنّ في الأخير لم يدّعه صريحاً بل قال: كان دليل نفاذ من يرضى الخصمان به بشرط اتّصافه بالشرط المذكور هو الإجماع أيضاً، وإلاّ فما أعرف له دليلا. وفي المسالك و الكفاية: أنّهم لم يذكروا فيه خلافاً، وفي الرياض: لم ينقلوا فيه خلافاً أصلا، ويؤيّده: دعوى الإجماع ممن(1) عرفت على أنّه يشترط في قاضي التحكيم جميع ما يشترط في القاضي المنصوب ـ ولو عموماً ـ عدا الإذن، فإن


(1) إشارة إلى كلام سابق له في كتاب القضاء.

الصفحة 164

تمّ إجماع أو شهرة قويّة موجبة لقوّة إطلاقات القضاء وموهنة لما دلّ على اشتراط الإذن ـ كما هو الظاهر وبه ينجبر ضعف سند النبوي(1) بل ودلالته ـ وإلاّ فالوجه العدم»(2)

هذا هو النصّ الذي أردنا نقله عن كتاب المولى الكني ، ثمّ يذكر عدم وجود ثمرة لهذا البحث في زماننا; لأنّ كلّ من هو واجد للصفات فهو منصوب، ومن ليس واجداً لها لاأثر للتحاكم لديه. أقول: بعدما عرفت من الوجوه التي يمكن أن تكون مدركاً للإجماع لاقيمة للإجماع، وقد حقّقنا في محلّه أنّ الشهرة و الإجماع الفتوائيّين لا يجبران السند و الدلالة أمّا عدم الثمرة في زماننا فمبنىّ على كون جميع الشروط حتى الاجتهاد شروطاً فقهية، وقد عرفت الكلام في ذلك.

هذا، وقد ظهر أيضاً أنّ هذا الإجماع لو تمّ فإنّما يدلّ على نفوذ حكم قاضي التحكيم بالمعنى الأوّل فقط دون الثاني، لأنّ الإجماع لم يقم على أكثر من نفوذ حكم قاضي التحكيم الواجد لجميع الشرائط عدا الإذن.

هذا تمام الكلام في أدلّة نفوذ حكم قاضي التحكيم.

أدلّة عدم النفوذ

وبالإمكان أن يستدلّ على عدم نفوذ حكم قاضي التحكيم في قبال ما مضى من الاستدلال على نفوذه بوجهين:

الأوّل: الآيات القرآنية وهي:


(1) إشارة إلى النبوي الذي مضى من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حكم بين اثنين تراضيابه، فلم يعدل، فعليه لعنة اللّه».

(2) كتاب القضاء، ص 24.

الصفحة 165

1 ـ قوله تعالى: ﴿ياأيّها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوالرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول ... (1).

2 ـ وقوله تعالى: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شَجَرَ بينَهم ثُمَّ لا يجدون في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً (2).

وتقريب الاستدلال بذلك هو أن يقال: إن المقصود بالردّ إلى اللّه و الرسول وتحكيم الرسول هو الردّ و التحكيم ولو بالواسطة بأن يردّ إلى من يمثل الرسول ويحكّم من نصب من قبل الرسول. والمفهوم من الأمر بالردّ إلى من يمثّل الرسول، أو تحكيم من نصب من قبل الرسول هو كونه ممثّلا له، ومنصوباً من قبله في المرتبة السابقة على الردّ والتحكيم، وهذا يعني أنّ القاضي يجب أن يكون منصوباً في المرتبة السابقة على الردّ إليه وتحكيمه، وهذا معناه عدم نفوذ حكم قاضي التحكيم.

وهذا الدليل ـ لو تمّ ما ذكر من التقريب ـ يقدّم على ما مضى من دليل السيرة و بناء العقلاء لو تمّ في نفسه لأنّ هذا ردع عنه، وعلى أدلّة وجوب الوفاء بالشرط والعقد لو تمّ الاستدلال بها لأنّ الشرط يصبح بسبب هذا الوجه شرطاً مخالفاً للكتاب، وعلى إطلاقات الروايات والآيات التي مضى الاستدلال بها على قاضي التحكيم لو تمّت وذلك بالتقييد.

الثاني: ماورد عن سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه قال: «اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبيّ أو وصىّ بني»(3). وللصدوق سند تامّ لهذا الحديث إلى سليمان بن خالد. أمّا سليمان


(1) سورة النساء، الآية 59.

(2) سورة النساء، الآية 65.

(3) الوسائل، ج 18، ب 3 من صفات القاضي، ح 3، ص 7.

الصفحة 166

نفسه فيمكن إثبات وثاقته بما عن النجاشي بشأنه من قوله: «كان قارئاً فقيهاً وجهاً»، فإنّ كونه وجهاً يلازم حسن الظاهر، وهو أمارة على العدالة. ونقل الكشّي أيضاً عن حمدويه عن أيوب بن نوح توثيقه وهو واقع في أسانيد كامل الزيارات، فإن لم نعتمد على كتاب الكشّي ولا على وقوعه في أسانيد كامل الزيارات كفاناما عرفته عن النجاشي.

وأمّا دلالة الحديث فبيانها: أنّه يحصر الحكم بالنبىّ وبمن كان وصيّاً له، وهذا يعني أنّ الحاكم يجب أن يكون نبيّاً أو وصيّاً أو منصوباً من قبل أحدهما ولهجة كون القضاء للنبيّ والوصىّ لاتناسب افتراض إمضاء الحكم في طول تراضي المترافعين بدعوى أنّه أصبح منصوباً في طول التحكيم، فهذه الرواية أيضاً تردّ بناء العقلاء ونفوذ الشرط، وتقيّد المطلقات.

هذا. ولكن قد يقال بانصراف الحكومة إلى منصب الحكومة، لا إلى مجرّد الحكم ولو بتراضي المترافعَين، فتصبح هذه الرواية دليلا على أنّ القاضي المنصوب يجب أن يكون منصوباً من قبل النبىّ أو الوصىّ، وتصبح أجنبيّة عمّا نحن فيه، وتصبح حالها حال ما روي عن إسحاق بن عمّار بسند غير تامّ، عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين لشريح: ياشريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبىّ أو وصيّ نبىّ أو شقىّ»(1).

هذا كلّه في الكلام عن شخصيّة القاضي


(1) نفس المصدر ص 2.

الصفحة 167



الخاتمة
في حق تعيين القاضي

وفي ختام البحث عن شخصيّة القاضي لا بأس بالحديث عمّن بيده تعيين القاضي، هل هو المدعي، أو المنكر، أو كلاهما؟

ذكر السيّد الخوئي في مباني تكملة المنهاج ما لفظه: «هل يكون تعيين القاضي بيد المدّعي، أو بيده و المدّعى عليه معاً؟ فيه تفصيل: فإن كان القاضي قاضي التحكيم فالتعيين بيدهما معاً، وإن كان قاضياً منصوباً فالتعيين بيد المدّعي»(1).

وذكر فى الهامش في مقام الاستدلال على ذلك مالفظه:

«أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ حكمه غير نافذ إلاّ بعد اختيار المتخاصمين إيّاه وتراضيهما به ـ وأمّا الثاني فهو المشهور بين الأصحاب، بل ادُّعيَ عليه الإجماع، ويدلّ عليه: أنّ المّدعي هو الملزَم بإثبات دعواه بأىّ طريق شاء وأراد، وليس للمدّعى عليه أىّ حقّ في تعيين الطريق له، أو منعه عن إثبات دعواه بطريق خاصّ كما تشير إلى ذلك عدّة من الآيات، فالنتيجة أنّ تعيين القاضي بيد المدّعي سواءٌ أَرَضيَ به المدّعى عليه أم لا»(2).


(1) تكملة المنهاج، ج 1، ص 9.

(2) تكملة المنهاج، ج 1، ص 9 و 10.

الصفحة 168

وتعرّض في المتن لفرض التداعي قائلا:

«وأمّا إذا تداعيا فالمرجع في تعيين القاضي عند الاختلاف هو القرعة»(1).

وقال: في الهامش بصدد الاستدلال على ذلك مالفظه:

«وذلك حيث إنّ كلاّ منهما مدّع فلكلّ منهما الحقّ في تعيين الطريق لإثبات مدّعاه، وليس للآخر منعه عنه، فلو عيّن أحدهما حاكماً، والآخر حاكماً آخر، ولايمكن الجمع بينهما، فالمرجع في تعيين الحاكم هو القرعة»(2).

أقول: بالنسبة لقاضي التحكيم ـ لو آمنّابه ـ يكون التعيين بيدهما معاً، إذ أنّ نفوذ الحكم خلاف الأصل، وأدلّة نفوذ حكم قاضي التحكيم لو تمّت لاتشمل فرض ما إذا كان التحكيم من قبل أحدهما من دون رضا الآخر، فالإجماع و السيرة لو ثبتا كان من الواضح اختصاصهما بفرض التحكيم من كلا الطرفين. ودليل الوفاء بالشرط ـ أيضاً ـ من الواضح اختصاصه بذلك; إذ لولا رضاهما معاً لم يكن تشارط في المقام، و الروايات أكثرها تختصّ بفرض رضاهما معاً، وقصّة عروة القتّات تقول: «نجتمع عنده فنتكلّم ونتسائل»، ولو فهم من ذلك القضاء فظاهره تراضي الكلّ، أو ـ على الأقلّ ـ لاإطلاق له لغير هذا الفرض. ورواية أبي بصير «في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه، فأبى إلّا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال اللّه عزّ وجلّ...) واردة بشأن رفض هذا الخصم تحكيم صاحبه شخصاً من الشيعة، وإصراره على تحكيم حاكم الجور، فلنفترض أنّنا فهمنا من ذلك قضاء قاضي التحكيم، لكن لا نظر لها إلى فرض ما إذا رفض هذا الخصم خصوص الشخص الذي عيّنه الخصم الآخر، وطالب


(1) نفس المصدر ص 10.

(2) نفس المصدر.

الصفحة 169

بشخص آخر من الشيعة. وأمّا الآيات كقوله: ﴿إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ـ لو تمّ فيها إطلاق لقضاء التحكيم ـ فهي منصرفة بمناسبات الحكم والموضوع عن فرض كون القاضي غير منصوب وغير محكّم من قبل الطرفين بأن كان محكّماً من طرف واحد، سنخ انصرافها من شخص غير منصوب و غير محكّم من قبل أي واحد من الطرفين أفهل يقال: إنّ الآية تدلّ بإطلاقها مثلا على جواز ممارسة كلّ أحد للقضاء مادام يحكم بالعدل سواء كان منصوباً من قبل ولىّ الأمر أو لا، وسواء رضي به أحد أولا؟!!

وأمّا بالنسبة للقاضي المنصوب فيمكن توجيه الاستدلال على كون اختيار القاضي بيد المدّعي بأخذ نكتتين بعين الاعتبار:

الأُولى ـ أن يقصد بالمدّعي من إذا ترَكَ النزّاع تُرك، لاخصوص من عليه البيّنة، فمثلا لوطالب خصمه بدين له والخصم يدّعي الوفاء، فالبيّنة على الخصم المدعي للوفاء لكن الذي يشكو إلى القاضي لمطالبة الحقّ إنّما هو المنكر للوفاء.

الثانية ـ أن يقال: إنّ المفهوم عرفاً من النصب للقضاء ليس مجرّد إعطائه منصب فصل النزاع لوترافعا عنده، بل إعطاؤه ذلك إضافةً إلى حقّ جلب الخصم والتحقيق بشأن النزاع لو شكاه أحد ثمّ فصل النزاع.

وعندئذ يتمّ القول بأن المدّعي بمعنى من سيرفع المخاصمة من حقّه أن يختار لرفع المخاصمة أىّ قاض شرعىّ أراد، ولايحقّ لصاحبه منعه عن ذلك، بل تجب عليه الاستجابه للتحقيق، ثمّ الخضوع للحكم; لأنّ من حقّ القاضي جرّه إلى ذلك.

وأمّا الاستشهاد بالآيات على المدّعى فأمر غير مفهوم. وإن كان المقصود بذلك الإشارة إلى مثل آية ﴿إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل بدعوى أنّ إطلاق ذلك بعد ضرورة تخصيصه بفرض رفع النّزاع من قبل الشاكي

 
الصفحة 170

إليه يشمل فرض ما إذا لم يكن القاضي مرْضيّاً من قبل الطرف الآخر قلنا: لازم ذلك ـ على مبناه القائل بأنّ هذه الآيات دليل على قضاء التحكيم ـ دلالة الآيات على أنّه في قاضي التحكيم أيضاً لا يشترط رضا الطرفين، وهذا ما لا يلتزم به. وعلى أىّ حال فقد عرفت عدم تماميّة إطلاق من هذا القبيل في هذه الآيات.

يبقى الكلام فيما فرضه من مسألة التداعي بعد أن نُؤَوّل التداعي أيضاً بمعنى ما إذا احتاج كلّ منهما، إلى الشكوى ورفع النزاع، حتى ولو كان أحدهما مدّعياً و الآخر منكراً، كما لو فرضنا أنّ أحداً ادّعى على الآخر الدين وأنكره الآخر، ولكنّ المدّعي قد ضيّق على المنكر بتكرير المطالبة، وتكثير مخاصمته ليل نهار، فرأى المنكر أنّ علاج المشكل هو رفع الشكوى إلى حاكم يخصم النزاع فيستريح من مضايقات المدّعي، كما أنّ المدّعي أيضاً رأى أنّ طريق إنقاذه لحقّة عبارة عن رفع الشكوى إلى الحاكم، فاختلفا في اختيار القاضي ولا يمكن الجمع بينهما، فما هو طريق تعيين القاضي؟ وهنا يقول السيد الخوئي : إنّ طريق تعيين القاضي هو القرعة التي جعلت لكلّ أمر مشكل.

وقد يورد على هذا الكلام بإيرادين:

الإيراد الأوّل ـ أن يقال: إنّ مقتضى الروايات الماضية: مقبولة عمر بن حنظلة(1)، ورواية داود بن الحصين(2)، ورواية موسى بن أكيل(3)، هو الرجوع عند تعارض الحكمين إلى الترجيح بالأعدليّة والأفقهيّة لا القرعة.


(1) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، حديث 1، ص 75.

(2) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، الحديث 20، ص 80.

(3) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، حديث 45، ص 88.

الصفحة 171

والجواب: أنّ هذه الروايات إنّما وردت بشأنّ ترجيح أحد الحكمين على الآخر بعد صدورهما، ونحن الآن نتكلّم فيما قبل الحكم لتشخيص من له حقّ الحكم، لا فيما بعد صدور الحكمين برضاكلا الخصمين بهما كما هو مورد الروايات.

الإيراد الثاني ـ وهو تطوير للإيراد الأوّل بهدف التخلّص من الجواب الذي مضى ـ أن يقال: لو اختلف الخصمان في رفع النّزاع إلى القاضي، فرفع هذا النزاع إلى قاض، ورفع الآخر النزاع إلى قاض آخر، فتارةً نفترض أنّ أحد القاضيين يتقبّل النزاع، ويجلب الخصم الآخر، ويحقّق الموضوع، ويحكم، دون أن يقوم القاضي الآخر بعمل مماثل لذلك، وعندئذ لا ينبغي الكلام في نفوذ حكم ذاك الحاكم لما مضى من أنّ المفهوم عرفاً من النصب للقضاء ليس مجرّد فصل النزاع عند ترافعهما معاً إليه، بل يشمل ذلك فرض ما إذا رفع الشاكي الشكوى إليه، فمن حقّه أن يجلب الخصم الآخر، ويحقّق، ويقضي، والرادّ عليه كالرادّ على اللّه.

وأُخرى نفترض أنّ كلا القاضيين قد قاما بهذه العملية، واختلفا في الحكم، وحينئذ إمّا أن نقول: إنّ المورد دخل تحت مفاد الروايات الماضية الواردة في تعارض الحكمين، ونلتزم بالترجيح لا بالقرعة، وخصوصيّة مورد الروايات من تراضي الخصمين بهما ملغيّة عرفاً، فالمهمّ هو شرعيّة قضاء كلّ منهما في نفسه. أو نقول: إنّ أيّاً منهما كان متقدّما في إصدار الحكم ينفذ حكمه، ويعتبر حكم الآخر نقضاً لحكم الحاكم، ولايلتفت إليه، فإن صدر الحكمان في وقت واحد رجعنا إلى الترجيح الوارد في الروايات لاإلى القرعة.

أقول: تارةً نفترض أنّ القاضي هو وليّ الأمر أيضاً كالفقيه في زماننا، فهو بإمكانه ـ بحكم ولاية الفقيه ـ أن يجلب الخصم الآخر، ويفصل الخصومة إذا رأى المصلحة في ذلك، ولايبقى مجال بعد ذلك لحكم حاكم آخر، وأُخرى نفترض أنّه ليس وليّاً للأمر كالفقيه بناءً على إنكار ولاية الفقيه، وكغير الفقيه المنصوب قاضياً من قبل

 
الصفحة 172

الفقيه بناءً على ولاية الفقيه، وهنا يجب أن نرجع إلى ما يفهم عرفاً من دليل النصب، فالمفهوم عرفاً من دليل النصب أمران:

الأوّل ـ أنّ الخصمين إذا ترافعالديه كان له حقّ التحقيق وفصل النزاع.

والثاني ـ أنّ الشاكي منهما الذي يشكو من ظلم يقع عليه لو رفع الأمر إليه كان له حقّ جلب المتّهم و التحقيق، وبالتالي فصل النزاع.

أمّا لو كان كلاهما شاكيين، وشكى كلّ منهما إلى غيرالذي شكى إليه الآخر، ولم يرضياباشتراكهما معاً في فصل الخصومة كي يدخل الأمر تحت الصورة المفروضة في مورد الروايات الماضية، فشمول إطلاق دليل النصب لكلّ منهما بأن يعطيه حقّ المبادرة في القضاء لعلّه غير عرفىّ ولانشك فقيهاً فى ثبوت مقتضي نفوذ القضاء في كلّ منهما لولا المعارض، فلا يبقى عدا تعيين أحدهما بالقرعة بناءً على شمول قاعدة القرعة لموارد عدم وجود تعيّن واقعىّ.

وقد يقال: لئن لم يشمل إطلاق دليل القضاء كلاّ منهما في المقام إذن هما ليسا منصوبين للقضاء في خصوص المقام، فما معنى تعيين أحدهما بالقرعة؟!

وقد يجاب على ذلك: بأنّ معنى حجية القرعة في ذلك بناء على شمول قاعدة القرعة لموارد عدم وجود تعيّن واقعيّ كما هو الحال في قصّة يونس هو أنّه مادام مقتضي القضاء في كلّ منهما تامّاً، فالقرعة ترفع المانع عمّن وقعت باسمه بتعيين السقوط في الآخر.

هذا. ولكن مقتضى أدلّة القرعة ـ وهذا ما سوف نبحثه بالتفصيل عند البحث حول الطريق الخامس من طرق الاثبات في القضاء ـ أن ما ذكره السيد الخوئي في المتداعيين اللذين اختار كل واحد منهما قاضياً غيرما اختاره الآخر من لزوم الرجوع إلى القرعة لايخلو من اشكال لوجهين:

الأوّل ـ أنّ حجّيّة القرعة إنّما هي حجيّة قضائيّة، وتقع القرعة من قبل

 
الصفحة 173

القاضي; إذن لاتشمل أصل تعيين القاضي، ولادليل على الحجية الذاتية ـ أى بقطع النظر عن القضاء ـ للقرعة.

ولكن لولا الإشكال الثاني لتمّ عندئذ لدينا دليل على الحجية الذاتية في المقام; لأنّ عموم الموضوع في قوله: «كلّ مجهول ففيه القرعة»(1) قد شمل مورد الكلام في حين أنّه فى هذا المورد لاتتصوّر حجيّة قضائيّة، فتثبت الحجّيّة الذاتيّة في خصوص هذا المورد.

الثاني ـ أنّ حجّيّة القرعة إنّما هي لكلّ أمر مجهول لدينا متعيّن في الواقع; بينما في هذا المورد لاتعيّن في الواقع.

ولايبعد القول بأنّ أيّاً منهما بادر بالقضاء فقضاؤه نافذ بإطلاق دليل النصب، ولايبقى مجال لحكم الآخر، ولو تعاصرا في الحكم دخل في مورد الروايات التي وردت في تعارض الحكمين، وحكمت بالترجيح لابالقرعة.

أمّا لولم نقبل بهذا البيان، إذن فلو أرادا حقّاً حلّ المشكل عن طريق القضاء، فعليهما أن يتوافقا على قاض واحد، ولو عن طريق القرعة التي هي مشروعة بالتراضي والتشارط في المباحات ولو مع عدم تعيّن في الواقع ـ على ما سوف يأتي إن شاء اللّه فى محلّه، بل التراضي بالقرعة يحلّ المشكل قهراً بلا حاجة إلى دليل لو بقي الرضا مستمرّاً بعد القرعة، وكذلك لو أراد أحدهما حلّ المشكل فعليه أن يرضى بقاضي الآخر. أمّا لو بقيامتشاكسين في تعيين القاضي، فهذا حاله حال أن يتركا رفع المخاصمة إلى القاضي رأساً، والعيب فيهما وليس في قوانين القضاء.

هذا تمام الكلام في البحث عن شخصية القاضي. مع ما ألحقناه به من الحديث عمّن بيده تعيين القاضي.


(1) الوسائل، ج 18، ب 13 من كيفية الحكم ح 11 ص 189.

السابق | التالي | فهرس الكتاب