الصفحة 132

تستكثروا شيئاً من الخير وإن كثر في أعينكم، فإنّه لاكبير مع الاستغفار، ولاصغير مع الإصرار»(1)، وسنده غير تامّ. وما عن أبي بصير بسند تامّ، قال: سمعت أباعبداللّه يقول: لاواللّه لايقبل اللّه شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه(2). ومقتضى إطلاق الحديث أنّ الإصرار على المعصية الصغيرة أيضاً يمنع قبول الطاعة، وافتراض بقائها صغيرة ـ وكونها معفوّاً عنها عفواً جزميّاً لو لم يقترن بالكبائر ـ لا يجتمع عرفاً مع المانعيّة عن قبول الطاعة. وأدلّة حصر الكبائر في أعيان المعاصي الكبيرة لو تمّت تحمل على ذوات الذنوب دون الإصرار عليها. وقد يقال: إنّ إطلاق هذا الحديث يعارض إطلاق الآية الكريمة: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم الظاهر في اجتناب أعيان الذنوب الكبيرة لا الإصرار على معصية هي في نفسها صغيرة.

وقد يُجاب بأنّ هذا الحديث يمكن تفسيره بافتراض كون نفس الإصرار على الذنب المقترن بالعمل من المعاصي الكبيرة، فيصبح مصداقاً لــ (كبائر ما تنهون عنه)، وإنّما قيّدنا الإصرار بكونه مقترناً بالعمل كي لا ينافي مادلّ على العفو عن النيّة البحتة.

معنى اللّمم

وفي ختام هذا البحث لا بأس بالإشارة إلى معنى اللّمم، والذي يستفاد من كتاب لسان العرب(3) أنّ المحتملات في اللّمم ثلاثة:

1 ـ أن يكون بمعنى صغار الذنوب وقد نقل في لسان العرب عن أبي إسحاق


(1) الوسائل، ج 11، ب 43 من جهاد النفس، ح 8، ص 246.

(2) الوسائل، ج 11، ب 48 من جهاد النفس، ح 1، ص 268.

(3) لسان العرب، ج 12، ص 549 وما بعدها.

الصفحة 133

أنّه قال: اللّمم نحو القُبلة والنظرة وما أشبهها. وإلى هذا يرجع ما نقله عن الجوهري أنّه قال في تفسير قول وضّاح اليمن:

إذا  قلت  يوماً:   نوّليني  تبسّمتْ وقالت: معاذ اللّه من نيل ماحُرمْ
فما نوّلتْ(1) حتى تضرّعْتُ عندَها وأنبأْتُها  مارخّص  اللّه  في اللممْ

قال الجوهري في تفسير ذلك: يعني التقبيل.

2 ـ أن يكون بمعنى مقاربة المعصية من غير مواقعة.

3 ـ أن يكون بمعنى أنّك تأتي بشيء في وقت، ولاتقيم عليه، ولا تصرّ.

وكأنّما المقصود أنّك تبتلي صدفة بمعصية ثمّ تتركها وتتوب عنها، وقد تبتلي صدفة بها مرّة أُخرى من دون إصرار، وهذا المعنى الثالث هو المستفاد من الروايات الواردة في معنى اللّمم(2).

اشتراط المروءة وعدمه:

بقي الكلام في اشتراط أو عدم اشتراط وصف آخر في العدالة ـ غير ترك الذنوب أو ملكة تركها ـ يسمى بالمروءة مثلا، فلو كنّا نحن وكلمة العدالة فقد قلنا: إنّ المفهوم منها عرفاً هو الاستقامة في الدين(3) فلو لم تكن مخالفة المروءة في حدّ المعصية لم تضر بالعدالة باعتبارها غير معارضة للاستقامة في الدين، ولوكانت في حدّ المعصية كما لو ارتكب ما يوجب هتك نفسه إلى حدّ الحرام أضرت بالعدالة، إلّا أنّ هذا ليس شرطاً جديداً.


(1) نوّل أي أعطى شيئاً يسيراً.

(2) راجع: أُصول الكافي، ج 2، ص 441 و 442.

(3) أي أنّ المفهوم عرفاً منها هو الاستقامة، و حينما تستعمل في مصطلح صاحب الدين كالنبي و الإمام تفهم منها الاستقامة في الدين.

الصفحة 134

إلاّ أنّه قد يفترض شرط المروءة بمستوى أعلى من مستوى ما يجب شرعا مراعاته شرطاً إضافياً في العدالة تمسّكاً بما ورد عن عبداللّه بن سنان، عن أبي عبداللّه : (ثلاث من كُنّ فيه أوجبت له أربعاً على الناس: من إذا حدّثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم، وجب أن يظهروا في الناس عدالته، وتظهر فيهم مرّوته، وأن تحرُمَ عليهم غيبته، وأن تجب عليهم أُخوّته)(1). وسند الحديث غير تامّ.

وما ورد عن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا عن آبائه عن علىّ قال: «قال رسول اللّه : من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو مّمن كملت مرّوته، وظهرت عدالته، ووجبت أُخوّته، وحرمت غيبته»(2). وسنده أيضاً غير تامّ.

وماورد عن سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه قال: «قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم كان مّمن حرمت غيبته، وكملت مرّوته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته»(3). وسنده تام.

أمّا وجه الدّلالة فهو أن يقال: إنّ خلف الوعد ليس حراماً بالإجماع أو الضرورة الفقهية، وإن كان خلاف المروءة بمستوى أعلى من مستوى ترك المحرمات، ومع ذلك قد رتّب عليه في هذه الروايات الحكم بالعدالة، وهذا يعني بالمفهوم انتفاء العدالة بخلف الوعد، وهذا هو معنى اشتراط المروءة بمستوى أعلى من ترك المعاصي في العدالة.


(1) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 16، ص 293.

(2) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 15، ص 293.

(3) الوسائل، ج 8، ب 152، من أحكام العشرة، ح 2، ص 597، و ج 5، ب 11 من صلاة الجماعة، ح 9، ص 393.

الصفحة 135

ويمكن الإيراد على ذلك بعدّة وجوه:

الأوّل ـ أنّه قد رتّب على الشرط في المقام مجموع جزاءات، فيدلّ بالمفهوم على انتفاء المجموع بانتفاء الشرط، ويكفي في انتفاء المجموع انتفاء أحدها، وهو كمال المروءة مثلا، ولايدلّ على انتفاء الجميع التي منها العدالة.

والجواب: ما نقّح في علم الأُصول من أنّ فرض المجموعيّة فيما بين الجزاءات بحاجة إلى مؤونة زائدة فهو خلاف الظاهر، والظاهر أنّ الجميع يعتبر جزاءً، وهذا يعني الانحلال في التعليق. هذا إذا فرض التعليق في طول العطف، أمّا لو استظهر أنّ العطف في طول التعليق فالأمر أوضح وتمام الكلام في ذلك موكول إلى علم الأُصول في بحث مفهوم الشرط.

الثاني ـ أن يقال: إنّ عدم وجوب الوفاء بالوعد أوّل الكلام، ولتكن هذه الأحاديث دليلا على وجوب الوفاء بالوعد سنخ بعض الروايات الأُخرى، كما ورد عن هشام بن سالم بسند تامّ قال: «سمعت أبا عبداللّه يقول: عِدَةُ المؤمن أخاه نذر لا كفّارة له، فمن أخلف فبخلف اللّه بدا، ولمقته تعرّض، وذلك قوله: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عنداللّه أن تقولوا ما لا تفعلون »(1).

والواقع أنّه لو لم تفرض ضرورة فقهية عدم وجوب الوفاء بالوعد، فهذا الإشكال تامّ.

الثالث ـ أنّنا أنكرنا في أبحاثنا الأُصوليّة مفهوم الشرط، وعليه فلا مجال للتمسّك بمفهوم الرواية في المقام.

الرابع ـ أنّه ثبت أيضاً في بحث الأُصول أنّ مفهوم الشرط لو تمّ فإنّما يتمّ في


(1) الوسائل، ج 8، ب 109 من أحكام العشرة، ح 3، ص 515. والآية الكريمة وردت في سورة 61 الصف: 2 ـ 3.

الصفحة 136

الأداة المتمحّضة في الشرطية كـ (إنْ)، أمّا أمثال كلمة (من) و (ما) مّما يعود إليه الضمير من الجزاء، فترجع قضيّته إلى القضيّة المسوقة لبيان الموضوع سنخ (إن رزقت ولداً فاختنه). إذن فلا يوجد فيما نحن فيه مفهوم الشرط.

نعم قد يتمسّك بمفهوم الوصف، ولكن ثبت في علم الأُصول عدم تماميّة مفهوم الوصف.

وقد يجاب على الإشكال الثالث و الرابع بأنّ إنكار مفهوم الشرط و الوصف إنّما كان بمعنى إنكار السلب الكلّي، ولم ننكر الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء في الجملة حذراً من اللغوية. إذن فالرواية تدلّ على أنّ خلف الوعد يوجب ـ ولو أحياناً ـ انتفاء العدالة، و هذا كاف في اثبات المطلوب، ولانحتمل ـ طبعاً ـ فقهياً كون خلف الوعد بلا عذر يوجب أحياناً انتفاء العدالة لا دائماً، فيثبت أنّ خلف الوعد بلا عذر موجب لانتفاء العدالة دائماً.

إلاّ أنّنا لورجعنا إلى السلب الجزئي بقدر نفي اللغوية استحكم الإشكال الأوّل في المقام، إذ يكفي في نفي اللغوية انتفاء بعض الجزاءات المتعاطفة.

على أنّ السلب الجزئي لا يثبت المطلوب في المقام، وذلك لأنّ الرواية لم يثبت كونها واردة بشأن واقع العدالة، ويحتمل كونها ناظرة بشأن ظهور العدالة، والأمارة عليها، حيث تقول: «ظهر عدله»، ويشهد لذلك قوله: «كان مّمن ...» مّما قد يشير الى أنّ غيره أيضاً قد تظهر عدالته، ولاإشكال في أنّ ترك خلف الوعدله أمارة على العدالة، وبعض من يخلف الوعد لاتتمّ الأماريّة بقدر الكفاية على عدالته، وهذالايعني دخل عدم الخلف في واقع العدالة.

وقد يستشهد لاشتراط ترك ما ينافي المروءة في العدالة بمرسلة أبي عبد اللّه الأشعري عن بعض أصحابنا رفعه عن هشام بن الحكم، عن أبي الحسن موسى بن جعفر في حديث طويل: (... يا هشام لادين لمن لامُرُوَّةَ له ولامُرُوَّة لمن

 
الصفحة 137

لا عقل له ...)(1).

ولكن ـ بغضّ النظر عن سقوط الحديث سنداً ـ من الواضح أنّ المروّة في هذا الحديث قصدبها معنىً يمكن نفي الدين بوجه من الوجوه عمّن يفقدها; إذن ليست هذه مروءة بمستوى أرفع من مستوى ترك المعاصي; كي يدلّ الحديث على شرط إضافي.

وقد يقال: إنّ المروءة وإن لم تكن دخيلة في شرط العدالة لكنّها شرط مستقل لقبول الشهادة. وهذا أيضاً ليس عليه دليل معتدّبه، ولايدلّ عليه ما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر ، قال: «ردّ رسول اللّه شهادة السائل الذي يسأل في كفّه. قال أبو جعفر : لأنّه لايؤمن على الشهادة، وذلك لأنّه إن أُعطي رضي، وإن مُنِع سخط»(2); حيث يقال: إنّ السؤال بالكفّ إنّما هو خلاف المروءة، وقد جعل من هذا الحديث مانعاً عن قبول الشهادة، ولكنّك ترى أنّ الحديث معلّل بعلّة ليست ملازمة لعدم المروءة، وهي عدم الأمن على الشهادة على أنّ رضا الإنسان متى ما أُعطي، وسخطه متى ما منع حرام، فرجع ما في الحديث إلى فرض عدم العدالة.

الكاشف عن العدالة:

وأمّا الكلام فيما هو الكاشف عن العدالة:

فهل يجب الاقتصار في مقام ثبوت العدالة على العلم، أو الاطمئنان، أو البيّنة مثلا ـ كما نسب إلى الشهيد في الدروس في صلاة الجماعة ـ أو يكفي حسن الظاهر


(1) أُصول الكافي، المجلد الأوّل، كتاب العقل و الجهل، الحديث 12، ص 19.

(2) الوسائل، ج 18، ب 35 من الشهادات، ح 2، ص 282.

الصفحة 138

أمارةً على العدالة ـ كما لعلّه المشهور ـ أو مجرّد عدم الاطلاع على الفسق كاف في حمل المسلم على العدالة، كما نسب إلى ظاهر الشيخ؟.

مقتضى القاعدة هو الأوّل; لأنّ العدالة ـ بعد البناء على أخذ الملكة فيها، وعدم كفاية مجرّد عدم الفسق ـ أمر وجودي مسبوق بالعدم، فمالم تثبت بالعلم، أو الاطمئنان، أو بمثل البيّنة، فمقتضى الأصل عدمها، واستصحاب عدم الفسق المستلزم أحياناً للعدالة لا يثبتها لعدم حجّيّة الأصل المثبت.

وأمّا الروايات فهي على طوائف:

الاُولى ـ ما دلّت على مقياسية حسن الظاهر من قبيل:

1 ـ رواية عبداللّه بن أبي يعفور، وهي مفصّلة، ومن جملة ما جاء فيها قوله: «... و الدالّة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما ورآء ذلك من عثراته و عيوبه وتفتيش ما ورآء ذلك، ويجب عليهم تزكيتة و إظهار عدالته في الناس ...»(1). ومن جملة ما جاء فيها ما مضى في بحث إضرار الصغائر بالعدالة و عدمها.

2 ـ ما عن يونس بن عبدالرحمان عن بعض رجاله، عن أبي عبداللّه قال: «سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، و المناكح، والذبائح، والشهادات، والأنساب. فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته، ولايسأل عن باطنه»(2). والسند ضعيف بالإرسال.

3 ـ ما عن عبداللّه بن المغيرة بسند تامّ قال: «قلت لأبي الحسن الرضا


(1) الوسائل، ج 18، ب 41، من الشهادات، ح 1 و 2، ص 288 و 289.

(2) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 3 و4، ص 290.

الصفحة 139

رجل طلّق امرأته، وأشهد شاهدين ناصبيّين؟ قال: كلّ من ولد على الفطرة، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته»(1).

ويمكن النقاش في دلالة هذه الرواية; إذ من المحتمل أن يكون المقصود بقوله: «عُرِف بالصلاح» العلم بالصلاح لاحسن الظاهر. وهذا الجواب إمّا ردّ على ما سئل عنه من كفاية شهادة الناصبيّين، أو بيان لكبرى صحيحة بنحو يوهم تقيّة انطباقها على الناصبىّ. وعلى أىّ حال يبعد أن يكون الظاهر عرفاً هو إرادة حسن الظاهر.

4 ـ ما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: «لوكان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس ...»(2).

5 ـ ما عن ابن أبي عمير ـ بسند غير تامّ ـ عن إبراهيم بن زياد الكرخي، عن الصادق جعفر بن محمد قال: «من صلّى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فَظُنّوا به خيراً، وأَجيزوا شهادته»(3).

6 ـ ما عن سماعة بن مهران ـ وهي رواية تامّة سنداً ـ عن أبي عبداللّه قال: «قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم كان مّمن حرمت غيبته، وكملت مروّته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته»(4).

وهذا الحديث يدلّ على كفاية حسن الظاهر بالمستوى المذكور، وعدم الحاجة إلى البيّنة أو اليقين، ولايدلّ على عدم كفاية أقلّ من ذلك من مجرّد عدم العلم


(1) الوسائل، ج 18، ب 41، من الشهادات، ح 5، ص 290.

(2) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 8، ص 291.

(3) الوسائل، ج 18، ب 41، من الشهادات، ح 12، ص 291 و 292.

(4) الوسائل، ج 8، ب 152 من احكام العشرة، ح 2، ص 597، وج 5، ب 11 من صلاة الجماعة، ح 9، ص 393.

الصفحة 140

بالفسق، أو مستوى أقلّ مّما ورد فيه من حسن الظاهر، وذلك لأنّنا لم نؤمن بمفهوم الشرط بشكل السلب الكلّي، و السلب الجزئي في المقام يكفي فيه انتفاء بعض الجزاءات المتعاطفة.

7 ـ ما عن جابر، عن أبي جعفر قال: «شهادة القابلة جائزة على أنّه استهلّ، أو برزميّتاً إذا سئل عنها فعدّلت»(1). والسند غير تامّ.

8 ـ ما عن عبدالكريم بن أبي يعفور، عن أبي جعفر قال: «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر و العفاف مطيعات للأزواج تاركات للبذا والتبرج إلى الرجال في أنديتهم»(2). والسند غير تامّ.

9 ـ ما رواه الصدوق ـ بإسناده التامّ ـ عن العلا، عن محمد بن مسلم قال: «سألت أباجعفر عن الذمّي و العبد يشهدان على شهادة، ثمّ يسلم الذمّي ويعتق العبد، أتجوز شهادتهما على ما كانا أُشهدا عليه؟ ـ قال: نعم. إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما»(3).

الثانية ـ ما دلّ على كفاية عدم العلم بالفسق من قبيل:

1 ـ ما رواه في الوسائل عن حريز بسند تامّ عن أبي عبداللّه في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدّل منهم اثنان ولم يعدلّ الآخران، فقال: «إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً، وأُقيم


(1) الوسائل، ج 18، ب 24، من الشهادات، ح 38، ص 266.

(2) الوسائل، ج 18، ب 24 من الشهادات، ح 20، ص 294.

(3) الوسائل، ج 18، ب 29، من الشهادات، ح 1، ص 285.

الصفحة 141

الحدّ على الذي شهدوا عليه. إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا و علموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم، إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق»(1).

2 ـ ما عن علقمة ـ والسند غير تامّ ـ قال: «قال الصادق وقد قلت له يا ابن رسول اللّه أخبرني عمّن تقبل شهادته ومن لا تقبل، فقال: يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلاّ شهادة الأنبياء و الأوصياء ; لأنّهم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنباً، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية اللّه داخل في ولاية الشيطان»(2).

3 ـ ما عن علاء بن سيّابة، قال: سألت أباعبداللّه عن شهادة من يلعب بالحمام، فقال: لابأس إذا كان لا يعرف بفسق»(3).

وقد رواه الشيخ عنه بسند غير تامّ، ورواه الصدوق عنه بسند تامّ مع تكملة خارجة عمّا هو المقصود.

4 ـ ما عن سلمة بن كهيل، قال: «سمعت علياً يقول لشريح: ... واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلاّ مجلود في حدّ لم يتب منه، أو معروف بشهادة


(1) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 18، ص 293 و 294.

(2) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 13، ص 292.

(3) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 2، ص 291، و ب 54، من الشهادات، ح 1 و 3، ص 305.

الصفحة 142

زور، أو ظنين...»(1). والسند غير تامّ. ومن حيث الدلالة يدلّ على أصالة العدالة بشرط عدم كونه متّهماً وظنيناً.

ولايمكن الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات ببيان أنّ الطائفة الأُولى دلّت على كفاية حسن الظاهر، وبالإطلاق دلّت على عدم كفاية شيء آخر، وهذه الروايات دلّت على كفاية شيء آخر، وهذا تقييد لذاك الإطلاق.

والوجه في بطلان ذلك: أنّه لوكفى مجرّد عدم العلم بالفسق لإثبات العدالة، إذن لَلَغا حسن الظاهر، فهذا إلغاء للطائفة الأُولى ما عدا الرواية السادسة منها التي عرفت أنّها لا تدلّ على عدم كفاية ما هو أقلّ من حسن الظاهر.

و الصحيح في مقام الجمع بين الطائفتين أن يقال: إنّ هذه الروايات لو دلّت على كفاية مجرّد عدم العلم بالفسق: فإنّما دلّت بالإطلاق، فقوله مثلا: «مَنْ لم تَرَهُ بعينك يرتكب ذنباً، أولم يشهد عليه بذلك شاهدان» يشمل بإطلاق من لم يصل الى القاضي شاهدان يشهدان بفسقه، بينما يمكن تقييده بإرادة من يكون في بيئته وظروفه الاعتياديّة بين جيرانه و أصدقائه بنحو لا يوجد شاهدان يشهدان على فسقه، وهذا هو حسن الظاهر.

والواقع أنّ ما هو تامّ سنداً من الروايات ـ التي فرضناها دالّة على جريان أصالة العدالة بمجرّد الشكّ ـ لايدلّ على أكثر من كفاية حسن الظاهر. فرواية حريز قالت: «إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق»، وهذه إنّما تدلّ على كفاية مجرّد عدم العلم بالفسق لو حملت على معنى: (إلاّ أن يكونوا معروفين لدى القاضي بالفسق); بينما من المحتمل أن يكون المقصود: (إلاّ أن يكونوا معروفين في بيئتهم وبين أصدقائهم


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من آداب القاضي، ح 1، ص 155، و ب 41 من الشهادات ذيل حديث 23، ص 295.

الصفحة 143

وجيرانهم بالفسق)، وعدم المعروفيّة بذلك في بيئته عبارة عن حسن الظاهر. وكذلك الكلام في قوله في رواية علاء بن سيّابة: «إذا كان لايعرف بفسق».

نعم لو وجدنا حديثا تاماً سنداً و دلالة يدلّ على كفاية مجرّد عدم العلم بالفسق، فهاتان الروايتان لاتعارضانه، وحديث علقمة يدلّ على ذلك لكنّنا أشرنا إلى ضعفه سنداً.

وعلى أيّة حال فلو تمّ شيء من روايات الطائفة الثانية سنداً ودلالةً على كفاية مجرّد عدم العلم فهو مقيّد بالطائفة الأولى الدالّة على اشتراط حسن الظاهر.

الثالثة ـ ما دلّ على لزوم الاعتماد على الوثوق بالعدالة، كما مضى من رواية علىّ بن راشد: (لاتصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه) أو (بدينه و أمانته)(1).

ورواية يزيد بن حماد: «أُصلّي خلف من لا أعرف؟ قال: لاتصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه»(2).

وما مضى في الطائفة الأُولى من رواية عبدالله بن المغيرة(3) بناءً على احتمال مضى ذكره في تفسير قوله: «عرف بالصلاح».

وهذه الطائفة تارةً نسقطها سنداً ودلالةً لما مضى من عدم تماميّة سند الحديثين الأولين، ومن استظهار كون الحديث الثالث مفاده مفادالطائفة الأُولى، ولاأقلّ من الإجمال.

وأُخرى نفترض تماميّتها سنداً و دلالة، ونحاول الجمع بينها وبين الطائفة الأُولى وحينئذ نقول: لوكان العلم أو الوثوق المأخوذ فيها مأخوذاً كموضوع لجواز


(1) الوسائل ج 5، ب 10، من صلاة الجماعة، ح 2، ص 389.

(2) الوسائل، ج 5، ب 12 من صلاة الجماعة، ح 1، ص 395.

(3) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 5، ص 290.

الصفحة 144

الائتمام فقد يشكل الأمر من ناحية أنّه حتى لوكان هذا العلم موضوعاً طريقيّاً لا موضوعاً صفتيّاً لم يثبت في علم الأُصول قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي حتى الموضوعي الطريقي. فالطائفة الأُولى الدالّة على أماريّة حسن الظاهر و حجّيّتها تبتلي بالمعارضة بهذه الطائفة الدالة، على أنّ العلم بالعدالة موضوع لجواز الأئتمام، وحيث إنّه مع موضوعيّة العلم لا يبقى مجال لحجّيّة الأمارة. إلّا أنّ حمل هذه الطائفة على موضوعيّة العلم و الوثوق خلاف الظاهر، والظاهر عرفاً وفق طبيعة كلمة العلم والوثوق هو أخذهما كطريق إلى متعلقهما، وعندئذ تنحلّ المعارضة بوضوح لما ثبت في علم الأُصول من قيام الأمارات ـ وحتى الأُصول ـ مقام العلم الطريقي. ومفاد الطائفة الأولى هو أماريّة حسن الظاهر على العدالة، فحسن الظاهر يقوم مقام الوثوق و العلم بالعدالة بلا أىّ معارضة بين الطائفتين. وهذا سنخ ما تراه من أنّنا لانحسّ بأىّ تعارض بين هذه الروايات و دليل حجّية البيّنة الدالّة على ثبوت العدالة بالبيّنة. نعم لو كان لسان الدليل الذي أُخذ فيه العلم أو الوثوق طريقيّاً مشتملا على خصوصيّة معيّنة تدلّ على رفض حجّية ما دلّت روايات أُخرى على حجّيته، وقع التعارض بينه وبين تلك الروايات، والظاهر ثبوت ذلك فيما بين الطائفة الثانية الدالّة على جريان أصالة العدالة بمجرّد الشكّ في الفسق وقوله في إحدى روايات الطائفة الثالثة: «أُصلّي خلف من لا أعرف؟ قال: لاتصلّ إلّا خلف من تثق بدينه»; إذ أنّ هذا الجواب جاء كردٍّ على قول السائل: «أُصلّي خلف من لا أعرف»; بينما لوكانت أصالة العدالة ثابتة عند الشكّ فلا مورد لردّ ذلك، بل قد يقال: إنّ ذكر كلمة (الوثوق) أو (المعرفة) في جميع روايات الطائفة الثالثة لايجتمع عرفاً مع افتراض كفاية مجرّد الشكّ في إثبات العدالة بأصالة العدالة، إلّا أنّ هذا كلّه يعني التعارض بين الطائفة الثالثة و الثانية، لا الطائفة الثالثة و الأُولى، وقد حملنا فيما مضى ما تمّ سنداً من الطائفة الثانية على ما لا يتنافى مع الطائفة الأولى، وهذه الطائفة الثالثة أيضاً

 
الصفحة 145

ستكون مؤيّدة لنفس ذاك الحمل. فالنتيجة النهائيّة هي أنّ حسن الظّاهر مقياس لمعرفة العدالة.

هذا تمام الكلام في أصل الشرائط الثابتة في القاضي المنصوب بشكل عام من قبل الامام المعصوم .

القاضي المنصوب من قبل الفقيه

والآن يقع الكلام في أنّه: هل يجوز للفقيه الجامع للشرائط فى زماننا ـ بناءً على الايمان بولاية الفقيه ـ أن ينصب شخصاً غير واجد لبعض تلك الشرائط قاضياً، أم لا؟

قد يقال بالتفصيل بين كل شرط يستظهر من دليله اشتراطه من قبل الشريعة الاسلامية كشرط العدالة، وكلّ شرط غاية مادلّ الدليل عليه أنّ الوليّ المعصوم حينما أراد أن ينصب ـ بنحو العموم ـ فئةً للقضاء لاحظ هذا الشرط، وهذا يعني أنّ نصبه العام مقيّد بحدود تواجد هذا الشرط، ولا يدلّ على كونه شرطاً من قبل الشريعة الإسلامية ، وذلك من قبيل الاجتهاد الذي استظهرنا اشتراطه من قوله: «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوابه حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».

ففي القسم الأوّل لا يجوز للفقيه نصب من كان فاقداً لذاك الشرط; لأنّ هذا خلاف أحكام الشريعة الإسلاميّة، وولاية الفقيه إنّما هي في دائرة الأحكام الإسلاميّة لاخارج حدود دائرتها.وفي القسم الثاني يجوز ذلك; إذليس نصبه قاضياً خارجاً عن حدود دائرة الأحكام الإسلاميّة; إذ لم يثبت اشتراطه من قبل الشريعة الإسلاميّة في القاضي. وأخذ الإمام المعصوم هذا الشرط في دائرة نصبه العامّ لا

 
الصفحة 146

يحتمّ على الفقيه أخذه في دائرة نصبه الخاصّ، ومن الطبيعي اتّخاذ احتياطات في النصب العامّ الذي لايختصّ بشخص معيّن ولابزمان أو مكان معيَّنَيْن مّما لا يُهتم به في النصب الخاصّ لشخص خاصّ، ولمقطع زمانىّ و مكانىّ خاصّ لدى ملاحظة الولىّ حالات ذاك الشخص بالخصوص، وظرف ذاك المقطع من الزمان أو المكان.

يبقى أنّنا لو شككنا في مورد مّا أنّ الشرط الفلاني هل هو شرط من قبل الشريعة الإسلاميّة في منصب القضاء، أو شرط أَخذه الإمام المعصوم في نصبه العامّ، فقد يقال: إنّه في هذا الفرض لا يمكن التمسّك بإطلاق دليل ولاية الفقيه لإثبات جواز نصبه لفاقد هذا الشرط للقضاء; إذ لوكان واقعاً شرطاً من قبل الشريعة الإسلاميّة فهو غير داخل في دائرة ولاية الفقيه، فالتمسّك بإطلاق دليلها تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فإنّ دليل الولاية إنّما أثبت للفقيه الولاية فيما هو جائز في ذاته، أو قل: إنّما أثبت للفقيه ماللإمام، ونحن شاكّون في أصل أن يكون للإمام حقّ نصب الفاقد لهذا الشرط قاضياً.

ومن هنا قد يسري الإشكال إلى جميع الشروط الماضية حتى ما كان ظاهر دليله أخذ الإمام له كقيد في نصبه كما في الاجتهاد، فإنّ ذاك الدليل لاينفي ـ على أىّ حال ـ احتمال كون هذا شرطاً من قبل الشريعة الإسلاميّة، وإنّما غاية ما دلّ عليه الدليل هو ضيق دائرة نصب الإمام. أمّا سعة دائرة ما يقبل النصب في الشريعة الإسلاميّة فلم يدلّ عليها، فلا محالة يقع الشكّ في ذلك، ومعه يكون التمسّك بإطلاق دليل ولاية الفقيه تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.

وقد يجاب على ذلك: بأنّ دليل ولاية الفقيه دلّ على أنّ ما للمعصوم للفقيه، فلنرَ ما هو الثابت للمعصوم بحكم قوله تعالى: ﴿النبيّ أولى بالمؤمنين من

 
الصفحة 147

أنفسهم؟(1).

لا ينبغي الإشكال في أنّ الحرمات التي ترجع إلى احترام النفس ـ أي سلطة الإنسان على نفسه ـ لا تقف مقابل ولاية النبيّ أو الإمام الذي ثبت عند الشيعة أنّه كالنبىّ; لأنّ هذا هو معنى أولويّة النبىّ بالمؤمنين من أنفسهم، وكذلك الحرمات التي ترجع إلى احترام المال، وذلك بدلالة الأولويّة. نعم الحرمات الأُخرى من قبيل حرمة شرب الخمر مثلا لاترتفع بولاية المعصوم، فلا يقال: إنّ كلّ حرام سوف لا ترتفع حرمته بالولاية لأنّها ولاية في إطار الحفاظ على واجبات و محرّمات الإسلام، بل الحرمات الراجعة إلى احترام النفس أو المال تكون محكومة لهذه الولاية، فمن حقّ المعصوم أن يتملّك مثلا مال شخص من دون رضاه، وقد ثبت بدليل ولاية الفقيه أنّ ماللإمام المعصوم للفقيه بقيد ملاحظة مصالح وشؤون الأُمّة المولّى عليها. إذن فالحرمات المنتهية إلى سلطة الإنسان على نفسه أو ماله لا تقف مقابل إطلاق ولاية الفقيه. وعدم نفوذ قضاء من لم يكن جامعاً لشرائط القضاء على النفس و المال مرجعه في الحقيقة إلى أنّ هذا القضاء إن لم يكن ـ في الواقع و في علم اللّه ـ قضاءً بحقّ فهو سوف لن يغيّر من الحقّ شيئاً; لأنّ تغييره له نفوذ في محلّ سلطة الآخرين. إلاّ أنّ مقتضى إطلاق ولاية الإمام وبالتالي ولاية الفقيه أنّ هذا الذي عيّن من قبل الإمام أو الفقيه أيّاً كان ينفذ قضاؤه; بمعنى أنّه حتى لوكان في الواقع مخالفاً للحقّ فهو نافذ ومضيّقٌ لسلطة الآخرين على نفوسهم أو أموالهم، خرج بالتخصيص كلّ مورد ثبت شرط من قبل الشريعة الإسلاميّة في نفوذ القضاء، وكان هذا الشخص غير واجد لذاك الشرط، أمّا كلّ مورد كان دليل الشرط فيه مجملا، أو كان ظاهراً في كونه قيداً في نصب الإمام و لم نعرف هل هو شرط في نفس الوقت


(1) سورة الأحزاب، الآية 6.

الصفحة 148

للقضاء من قبل الشريعة الإسلاميّة أو لا، فنرجع فيه إلى إطلاق دليل الولاية.

نعم في بعض موارد القضاء يكون المورد من الحرمات التي لا ـ ترجع إلى سلطة الإنسان على نفسه أو الى احترام المال، من قبيل موارد الدماء و الفروج، ولكنّا نتعدّي إلى هذا القسم بعدم احتمال الفصل فقيهاً، فمن كان أهلا لأن ينصب قاضياً فهو أهل له في كلا القسمين، ومن لايكون أهلا لذلك فليس أهلا له في كلا القسمين وبما أنّ الدليل على عدم نفوذ القضاء في القسم الثاني هو أصالة عدم النفوذ، ودليل النفوذ في القسم الأوّل هو إطلاق دليل الولاية، فبعد فرض عدم الفصل نحكّم إطلاق دليل الولاية على أصالة عدم النفوذ. وبتعبير آخر: إنّ لوازم الإطلاق حجّة، ولوازم الأصل ليست بحجّة، فنتعدّى من القسم الأوّل إلى القسم الثاني دون العكس.

إلاّ أنّه يمكن أن يناقش في ذلك بوجهين:

الأوّل ـ أنّ ولاية الفقيه في بعض الأُمور ولاية كاشفة كحكم الفقيه بالهلال، ولا تنفذ على من علم بالخطأ، وفي بعض الأُمور ولاية بمعنى حقّ التصرف في الحكم الواقعي الأوّلي كما لو حكم بوجوب إعطاء مبلغ من المال للدولة، أو بتحديد الأسعار، و ما شابه ذلك، وفي هذا القسم لا يتصوّر الخطأ. وولاية القضاء في الحقيقة هي من القسم الأوّل أي أنّ القضاء بالارتكاز له كاشفيّة، وتكون حجّيّته بمعنى كشفه عن أنّ الحقّ كان مع المحكوم له، ولذا لا يجوز لمن علم الخطأ أن يماشي هذا الحكم في مورد يؤدّي به إلى الحرام، فالمحكوم له مثلا لو علم أنّ الحقّ مع صاحبه، وأنّه كان مُزوّراً يجب عليه تسليم الحقّ إلى ذي الحقّ. نعم لا يجوز للمحكوم عليه ـ رغم علمه بأنّه على حقّ ـ أن يطالب بحقّه، بل يجب عليه التسليم، وذلك بنكتة لزوم كون القضاء فاصلا للخصومة على ما سيأتي ـ إن شاء اللّه ـ في محلّه شرح ذلك، إلاّ أنّ هذا التسليم إنّما هو في طول أصل حجّيّة القضاء بماله من كشف لمن لا يعلم بخطئه رغم أنّ

 
الصفحة 149

الكشف غير ثابت بالنسبة لهذا الشخص.

وعليه فنقول فيما نحن فيه: إنّه ماذا يقصد بنفوذ قضاء هذا القاضي الذي نصبه الفقيه وهو غير واجد لبعض الشروط المتقدّمة؟

فإن قصد بذلك وجوب التسليم له من قبل المحكوم عليه مثلا ولو علم بأنّه على حقّ، وذلك خصماً للنزاع; ورد عليه: أن هذا إنّما يكون في باب القضاء في طول حجّية القضاء وكاشفيته.وإن قصد بذلك إعطاء الكاشفيّة و الحجّيّة بالمعنى الثابت في الأحكام الظاهريّة لقضائه; فهذا غير مسألة النفوذ في منطقة سلطة الآخرين على نفوسهم وأموالهم، فإذا احتملنا وجود شرط شرعي لذلك لم يكن نفيه تمسّكاً بإطلاق دليل الولاية، فإنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

وإن قصد بذلك نفوذ حكم هذا الشخص على المحكوم عليه مثلا من دون أن يعطى له ما لطبيعة القضاء النافذ من الكشف; قلنا: إنّ هذا إذن أجنبي عن طبيعة باب القضاء، ولم يثبت فيه عدم الفصل كي يتمّ التعدّي من القسم الأوّل إلى القسم الثاني.

الثاني ـ أنّه كما كان دليل نفوذ القضاء في القسم الأوّل دليلا لفظيّاً وهو إطلاق دليل ولاية الفقيه الذي نصب هذا قاضياً، كذلك دليل عدم نفوذ القضاء في القسم الأوّل و الثاني يكون أحياناً دليلا لفظيّاً كما لوقطع المحكوم عليه بأنّ المال المتنازع فيه ملكه، فهو مسلّط عليه بإطلاق دليل «الناس مسلّطون على أموالهم» أو أثبت بإطلاق دليل لفظىّ زوجيّة المرأة التي تدّعي بطلان الزوجيّة، فبعد فرض عدم الفصل يقع التعارض بين الدليلين.

لايقال: إنّ دليل نفوذ القضاء حاكم على الأدلّة الأُخرى; لأنّه عنوان ثانوىّ ناظر إلى باقي العناوين.

فإنّه يقال: إنّ النظر ثبت في القسم الأوّل فحسب; أمّا التعدّي إلى القسم

 
الصفحة 150

الثاني فلم يكن بظهور لفظي ناظر إلى موارد القسم الثاني أيضاً، وإنّما كان بمجرّد اكتشاف الملازمة بعدم الفصل، وهذا لا يحقّق ملاك الحكومة وهو النظر.

ونتيجة كلّ ما مضى حتى الآن: هي أنّه لا يجوز للفقيه أن ينصب شخصاً فاقداً لبعض الشرائط الماضية للقضاء.

ويمكن أن يستثنى من ذلك كلّ مورد يكون المرتكز عقلائياً دخوله في حقّ الولاية، فيتم الإطلاق المقامي لدليل الولاية فيه.

مثاله: أنّ المرتكز عقلائياً بشأن الولي و السلطان أن يكون من حقّه نصب إنسان كفوء للقضاء قاضياً ولو لم يكن فقيهاً مادام عارفاً بموازين القضاء ولو عن تقليد. فنصب القاضي الكفوء بالمواصفات المعقولة التي يرتئيها الولي هو من شؤون الولاية، وهذا يحقّق الإطلاق المقامي لدليل الولاية، فيصبح من حقّ الفقيه نصب إنسان كفوء عارف بمسائل القضاء ـ عن تقليد ـ للقضاء.

وهذا الوجه ـ كما ترى ـ أضيق دائرة بكثير من الوجه الأوّل الذي ناقشناه في فسح المجال أمام الفقيه لنصب فاقد بعض الشرائط الماضية للقضاء.

والأن لنراجع الشرائط الماضية واحداً بعد آخر لنرى أنّ أيّ واحد منها يمكن للفقيه غضّ النظر عنه في نصبه بناءً على الوجه الأوّل لو تمّ، وبناءً على الوجه الثاني، فنقول:

الشرط الأوّل ـ العلم ـ: وبديهي عدم معقوليّة نصب الجاهل للقضاء، ولكن كون علمه عن اجتهاد وإن كان قد أُخذ في مصب النصب العامّ الوارد عن المعصوم لكن يمكن التغاضي عنه في نصب الفقيه لشخص مّا للقضاء بناءً على كلا الوجهين: أمّا على الوجه الأوّل فلأنّه لا دليل على كون الاجتهاد شرطاً فقهيّاً للقضاء، وأمّا على الوجه الثاني فلما مضى من أنّ المرتكز عقلائيّاً أنّ من شؤون الوالي أن ينصب الكفوء قاضياً ولو لم يكن فقيهاً.

 
الصفحة 151

الشرط الثاني ـ البلوغ ـ: فإن استفدنا هذا الشرط بالتعدّي من دليل محجوريّة الصغير; إذن كان هذا شرطاً فقهيّاً لايمكن التغاضي عنه بشيء من الوجهين. وإن استفدناه بعدم الإطلاق في دليل القضاء، أو بأخذ قيد الرجولة في قوله: «انظروا إلى رجل منكم» تمّ فيه الوجه الأوّل; إذ لم يبقَ دليل على كون البلوغ شرطاً فقهيّاً ولايتّم فيه الوجه الثاني لعدم قيام ارتكاز عقلائي على صحّة نصب غير البالغ قاضياً.

الشرط الثالث، والرابع، والخامس ـ العقل، والرشد، والإسلام ـ: ومن الواضح عدم إمكان التغاضي عنها.

الشرط السادس ـ الذكورة ـ: فإن كان دليلنا عليه عدم الإطلاق، أو أخذ قيد الرجولة في قوله: «انظروا إلى رجل منكم» تمّ فيه الوجه الأوّل لكن الوجه الثاني لا يتمّ; لأنّ ارتكاز صلاحيّتها للقضاء لو نصبها الولي غير ثابت في جوّ المسلمين وإن ثبت في أجواء الغربيين، فإنّ ثبوته في أجواء الغربيين لايكفي لتماميّة الإطلاق المقامي كما هو واضح. وإن كان دليلنا عليه مثل التعدي من اشتراط الذكورة في إمام الجماعة، أو استفادة عدم صلاحيتها للقضاء من مثل قوله تعالى: ﴿أو من ينشَّأُ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (1) إذن يكون هذا شرطاً فقهياً لايتم فيه شيء من الوجهين.

الشرط السابع ـ طهارة المولد ـ: فإن كان الدليل عليه التعدّي من باب صلاة الجماعة والشهادة فهو شرط فقهيّ لا يمكن التغاضي عنه بشيء من الوجهين، وإن كان الدليل عدم الإطلاق تطرّق فيه الوجه الأوّل، ولم يتطرّق فيه الوجه الثاني لعدم ارتكاز يساعد على نصبه في جوّ المسلمين.


(1) الزخرف، الآية 18.

الصفحة 152

الشرط الثامن، والتاسع ـ الإيمان وأن لا يكون مصداقاً لسلطان الجور وأياديه ـ وكلّ منهما من الشروط الفقهيّة التي لايمكن التغاضي عنها بشيء من الوجهين.

الشرط العاشر ـ الحرّيّه ـ: فإن كان الدليل عليه ما مضى من رواية محمد بن مسلم; إذن هو شرط فقهيّ لا يتطرّق فيه شيء من الوجهين، وإن كان الدليل عليه عدم الإطلاق فالوجه الأوّل يتأتّى فيه، ولعلّ الوجه الثاني لا يتأتّى فيه.

الشرط الحادي عشر، والثاني عشر ـ الكتابة و البصر ـ: ويتأتّى فيهما كلا الوجهين.

الشرط الثالث عشر ـ الضبط ـ: وهو بمعناه الواضح اشتراط لايمكن رفع اليد عنه، والأكثر من ذلك حاله حال البصر والكتابة.

الشرط الرابع عشر، والخامس عشر ـ عدم الصمم و الخرس ـ: وذلك بقدر ما يرجع إلى الشروط الأُخرى حاله حال تلك الشروط، وبقدر ما يفترض شرطاً مستقلاًّ حاله حال اشتراط البصر.

الشرط السادس عشر ـ العدالة ـ: ولا يتأتّى فيه شيء من الوجهين لأنّه شرط فقهي

ثم لو ناقشنا في الوجه الثاني أيضاً، ولم نقبل الإطلاق المقامي الذي شرحناه أشكل الأمر في مثل زماننا الذي وفّق اللّه العاملين في سبيل الإسلام لإقامة دولة الحقّ في قطعة من الأرض كإيران، وتكون الحاجة ملحة لنصب قضاة كثيرين في الأطراف، ولايوجد فقهاء مستعدّون لتقبّل ذلك بقدر الكفاية، فيضطّر الوليّ الفقيه أن ينصب آخرين غير فقهاء للقضاء في كثير من المناطق، فهل يوجد لذلك تخريج فنّي أوْلا؟.

هنا لا بدّ من الرجوع إلى دليل وجوب القضاء كفاية، وقد مضى لذلك

 
الصفحة 153

دليلان: أحدهما عدم رضا الشارع باختلال النظام، واهتمامه بحفظ النظام. والثاني توقّف النهي عن المنكر على ذلك.

والوجه الثاني لايفيدنا هنا شيئاً; لأنّ قضاء غير الفقيه لو لم يكن نافذاً فسوف لن يمنع عن تحققّ المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبان يتوقّفان على القضاء النافذ، ونفوذ قضاء غير الفقيه أوّل الكلام.

أمّا الوجه الآخر وهو اهتمام الشارع بحفظ النظام، فإنّ فسّر بمعنى وجوب حفظ النظام علينا فأيضاً لايفيدنا في المقام، فإنّ النظام الواجب علينا حفظه إنّما هو النظام الناتج عن القضاء النافذ، ونفوذ قضاء غير الفقيه أوّل الكلام.

لكن هناك تفسير آخر لذلك، وهو علمنا بأنّ الإسلام وضع من القوانين ما يكفي لحفظ النظام، فإذا توقّف حفظ النظام على نفوذ القضاء، فهو بنفسه دليل على نفوذ القضاء، فهذا دليل على أنّ الإسلام يسمح لغير الفقيه بالقضاء عند توقّف حفظ النظام عليه; أي يثبت بذلك نفوذ قضائه لعلمنا بأنّ نفوذ قضائه هو الطريق الوحيد لحفظ النظام، وأنّ اهتمام الشارع بحفظ النظام بالغ إلى درجة يوجب السماع بما يتوقّف عليه من نفوذ القضاء. نعم بما أنّ هذا دليل لبيّ لابدّفيه من الاقتصار على القدر المتيقّن، وهو القضاء لغير الفقيه بتعيين من قبل الوليّ الفقيه لابلا تعيين، بل القضاء بلاتعيين قد يولّد بنفسه اختلال النظام، فإنّ نظام كل مجتمع يتوقف على أن تكون أمثال هذه التعيينات بيد الولي المشرف على ذلك المجتمع.

التوكيل في القضاء

بقي الكلام في أنّه هل يمكن حلّ الإشكال عن طريق افتراض أن ينصب الفقيه وكيلا من قبله في القضاء فاقداً لبعض الشرائط الماضية; بأن يقال: إنّ وكيل القاضي ليس قاضياً كي يشترط فيه تلك الشرائط أولا؟. وبناءً على تصوير ذلك يجب على

 
الصفحة 154

الوكيل اتّباع رأي الموكّل في القضاء عملا بالوكالة، بينما القاضي المنصوب من قبل الفقيه يقضي وفق رأيه أو رأي مقلَّده.

وهذا الوجه لو تمّ لم تصل النوبة إلى الوجه السابق من تجويز جعل غير الفقيه قاضياً لدى الاضطرار; إذ لا اضطرار إلى ذلك ما دام يمكن حلّ الإشكال عن طريق التوكيل.

والواقع أنّ التوكيل بمعناه المفهوم عرفاً في أبواب العقود والإيقاعات، والذي لايرجع في روحه إلى نصب القاضي غير مفهوم في المقام. فإنّ التوكيل يتصوّر في القضايا الاعتبارية البحتة التي ينسب العرف فيها المضمون المُنْشأ بالاعتبار إلى الموكلّ حقيقة، فيعتبر مالك العين مثلا بائعاً حقيقةً حينما يصدر إنشاء البيع من الوكيل، وكذا ينسب الطلاق حقيقة إلى الزوج في نظر العرف رغم صدور صيغة الطلاق من قبل وكيل الزوج، وهكذا. أمّا باب القضاء فليس حاله من هذا القبيل ولا يعتبر قضاء الوكيل قضاء للموكّل، وذلك بنكتة توسّط رأي الوكيل في تشخيص الحكم الذي قد لايكون رأياً للموكّل، ولو من باب عدم إطّلاعه على القضيّة، وحال التوكيل في القضاء يشبه حال التوكيل في التصرفات المادّيّة كالأكل مثلا.

نعم قد يمكن التوكيل في إجراء صيغة الحكم فحسب; بأن يفترض أنّ القاضي الفقيه هو الذي ينظر في الأمر ويشخّص الحكم، ثمّ يرسل وكيله في إجراء صيغة الحكم، لكن يحكم بما ارتآه القاضي.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب