الصفحة 41




شرائط القاضي

واما الامر الثاني ـ أعني ماهي المواصفات المشترطة في القضاء في من هو منصوب رأساً من قبل المعصومين حسب مبنانا من ورود هذا النصب، أو في من نعلم برضا الشريعة في قضائه حسب مبنى السيّد الخوئي من عدم وصول النصب إلينا، والاستفادة من علمنا بعدم رضى الشريعة باختلال النظام.

شرط العلم

فأوّل هذه الشروط: هو العلم.

أصل اشتراط العلم:

ولا إشكال في أصل اشتراط العلم بالحكم الأعم من الواقعي والطاهري ولو بالتقليد، بضرورة من الفقه، وبآيات النهي عن اتباع غير العلم، فهي تدّل على حرمة القضاء بغير العلم، وتثبت بالملازمة العرفية عدم نفوذه، وبالروايات المتظافرة:

الناهي بعضها عن القول بغير العلم، من قبيل ما عن هشام بن سالم ـ بسند

 
الصفحة 42

تامّ ـ قال: «قلت لأبي عبداللّه : ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون، ويكفّوا عمّا لايعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقّه»(1).

والناهي بعضها عن الإفتاء بغير العلم، من قبيل ما ورد بسند تامّ عن أبي عبيدة قال: «قال أبو جعفر : من أفتى الناس بغير علم ولا هدىً من اللّه لعنته ملآئكة الرحمة وملآئكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه »(2) ـ والقضاء بغير علم مشتمل طبعاً على الفتيا بغير علم، و على القول بغير علم ـ .

والناهي بعضها عن القضاء بغير علم كالمرفوعة الواردة في الكافي عن أبي عبداللّه قال: «القضاة أربعة ثلاثة في النار و واحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة»(3)

والناهي بعضها عن العمل بغير العلم كما في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبداللّه قال: «في وصية المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبداللّه يقول: من شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله; إنّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة»(4).


(1) الوسائل، ج 18، ب 4 من صفات القاضي، ح 10 ص 12.

(2) نفس المصدر، ح 1، ص 9.

(3) نفس المصدر، ح 6، ص 11.

(4) الوسائل ج 18، ب 6 من صفات القاضي، ح 8، ص 35.

الصفحة 43

اشتراط العلم الاجتهادي:

ولكنّ الكلام يقع في اشتراط كون العلم علماً اجتهادياً لاتقليديّاً.

والمفهوم عرفاً من مقبولة عمر بن حنظلة: (روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا) هو الاجتهاد والفقاهة، وهذا هو ما فهمه السائل من كلام الإمام، كما يشهد لذلك ما جاء في ذيل الحديث من قوله: «أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه ...»(1)، وهو المفهوم أيضاً من التوقيع الشريف (فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)، فإنّ مقتضى مناسبات الحكم والموضوع كون المقصود برواة الحديث حملة الحديث فهماً وعلماً بصحيحها وسقيمها، وعامّها وخاصّها، ومطلقها ومقيدها إلى غير ذلك من الجوانب، لاحملة ألفاظ الحديث كمن يحمل أسفاراً.

وهناك فرق بين المقبولة والتوقيع، وهو أنّه لو ورد ما يدلّ على نصبهم لفئة أوسع من فئة الفقهاء فالتوقيع لايعارضه; إذ التوقيع دلّ على ما هو أوسع من القضاء وهو الولاية العامّة ومن ضمنها القضاء، فلعلّ الإجتهاد شرط في هذا النصب الواسع لا في خصوص القضاء. وهذا بخلاف المقبولة الواردة في خصوص القضاء، فهي تدلّ بمقتضى ورودها في مقام التحديد على عدم نصب غير الفقيه للقضاء.

إلاّ أنّ صاحب الجواهر حاول افتراض المقبولة كالتوقيع من هذه الناحية بدعوى أنّ قوله : «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» يدلّ على الحكومة، وهي الولاية العامّة لاخصوص القضاء(2).


(1) الوسائل ج 18، ب 9 من صفات القاضي، ح 1، ص 76.

(2) راجع الجواهر، ج 40، ص 18.

الصفحة 44

إلاّ أنّ هذا الكلام غير صحيح:

أوّلا ـ لعدم تسليم كون الحكم هنا بمعنى مطلق الولاية، بل مقتضى ظاهر السياق هو النظر إلى الحكم بمعنى القضاء.

وثانياً ـ لأنّه لو فرض كون المقصود مطلق الولاية فهذا الحكم المطلق جاء في التعليل الموجود في ذيل الرواية، وما قبل هذا التعليل كلام تامّ دالّ على جعل منصب القضاء للفقيه، ولكونه في مقام التحديد قد دلّ على عدم جعله لغير الفقيه.

وعلى أيّ حال فحتّى لو افترضنا أنّ المقبولة كالتوقيع في عدم معارضتها لما يدلّ على عدم اشتراط الفقاهة ـ لو ورد ـ فهذا الفرض لا أثر عملي له لو لم يثبت ورود ما يدلّ على عدم اشتراط الفقاهة; لأنّ المقبولة والتوقيع على أي حال لم يدلاّ على أكثر من نصب الفقيه، فنصب غير الفقيه بحاجة إلى دليل، وهو مفقود.

إلاّ أنّ صاحب الجواهر حاول إبراز أدلّة على عدم اشتراط الفقاهة، فاستشهد بأدلّة ضرورة كون الحكم حكماً بالعدل بدعوى أنّ إطلاقها ينفي اشتراط الفقاهة(1)، وذلك من قبيل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (2) بينما من الواضح أنّ هذه الأدلّة إنّما هي بصدد بيان ما ينبغي أن يحكم به لا بصدد بيان من له حقّ الحكم.

ولعلّ أقوى هذه النصوص دلالة على مطلوبه هو رواية (القضاة أربعة) التي مضت آنفاً، وذكرها هنا بهذا الصدد، فقد يقال: إنّها قد تدلّ بإطلاقها على المقصود حيث جاء في ذيلها: «ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة» فقد يقال: إنّ قوله : «فهو في الجنة» يدلّ بالإطلاق على أنّه في الجنّة سواء كان علمه


(1) راجع الجواهر، ص 15، و 16.

(2) سورة النساء الآية: 58.

الصفحة 45

بالحقّ عن طريق الاجتهاد أو التقليد. إلاّ أنّ هذا أيضاً كما ترى غير تامّ، فإنّ قوله : «فهو في الجنّة» كلام حيثيّ يميّز الشقّ الرابع ـ وهو من يقضي بالحقّ وهو يعلم ـ عن الشقوق الثلاثة الأُخرى من حيثية أنّ هذا اتّبع العلم بالحقّ بخلاف الآخرين، ولا ينظر إلى مطلق شرائط القاضي، على أنّ هذا النصّ ساقط سنداً.

واستدلّ أيضاً على مدّعاه برواية أبي خديجة: (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه)(1) حيث دلّ هذا الحديث على عدم اشتراط الاجتهاد وكفاية العلم ببعض القضايا.

هذا وقد ورد متن آخر عن أبي خديجة أيضاً غير مشتمل على تقييد العلم بالعلم ببعض القضايا; حيث قال: «بعثني أبو عبداللّه إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الأخذ و العطاء أنّ تحاكموا إلى أحد من هؤلآء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، و إياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(2).

إلاّ أنّ هذا سنده ضعيف بأبي الجهم المحتمل انطباقه على ثوير بن أبي فاختة الذي لم تثبت وثاقته، ورواية ابن أبي عمير عن أبي الجهم لاتدلّ على وثاقة ثوير بن أبي فاختة; لاحتمال كون المقصود به بكير بن أعين الذي ورد أيضاً عن ابن أبي عمير الرواية عنه باسمه الصريح.

والحاصل: أنّ أباالجهم مردّد في المقام بين من لم تثبت وثاقته وهو ثوير بن


(1) الوسائل ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 5، ص 4.

(2) الوسائل ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 6، ص 100.

الصفحة 46

أبي فاخته ومن ثبتت وثاقته وهو بكير بن أعين الذي ثبتت وثاقته برواية ابن أبي عمير عنه. وقد يقال أيضاً بثبوت وثاقته برواية الكشّي بسند تامّ عن الفضل وإبراهيم ابني محمّد الأشعريين قال: «إنّ أباعبداللّه لمّا بلغه وفاة بكير بن أعين قال: أما واللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه و أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما»، أو برواية الصدوق في مشيخة الفقيه نفس المضمون عن الصادق .

ويرد على الثاني إرساله.

وعلى أيّ حال فبعد الدوران بين الثقة وغير الثقة يسقط السند عن الحجّيّة.

هذا مضافاً إلى وجود شبهة الإرسال في المقام، فإنّ سند الحديث كمايلي: (محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسين ابن سعيد عن أبي الجهم عن أبي خديجة). فلو حملنا الحسين بن سعيد على الحسين بن سعيد المعروف والمتعارف رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه، وحملنا أباالجهم على أحد الراويين المعروفين الّذين قلنا: إنّ أحدهما ثبتت وثاقته وهو بكير بن أعين، والآخرلم تثبت وثاقته وهو ثوير بن أبي فاخته جاءت شبهة الإرسال سواء فرض أنّ المقصود بأبي الجهم هو بكير أو ثوير:

أمّا بكير فهو من أصحاب الباقر و الصادق ، وقد ورد في الكتب الرجالية التصريح بموته في زمن الصادق ، ومع فرض موته في زمن الصادق تستبعد رواية الحسين بن سعيد الذي هو من أصحاب الرضا والجواد والهادي عنه .

وأمّا ثوير فهو من أصحاب الإمام زين العابدين و الباقر والصادق فتبعد حياته بعد الإمام الصادق ، ولم نر رواية له من بعد الصادق ، فتستبعد أيضاً رواية الحسين بن سعيد عنه.

وعلى أيّة حال فهذا الحديث بمتنه الأوّل لابأس به سنداً، وسنده كمايلي:

 
الصفحة 47

(محمد بن علىّ بن الحسين، بإسناده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال). وأبوخديجة سالم بن مكرم ثقة بشهادة النجاشي .

نعم ورد عن الشيخ الطوسي تضعيفه، ولكنّ الظاهر أنّ تضعيفه يحمل على اشتباهه بسالم بن أبي سلمة على ما يظهر من عبارته من أنّ سالم بن مكرم يكنّى أبوه بأبي سلمة، بينما الآخرون ذكروا أنّ أباسلمة كنية لنفس سالم، ولاأقلّ من احتمال استناد تضعيف الشيخ إلى ذلك بمقدار يسقط كلامه عن الحجّيّة و صحّة الاعتماد عليه.

وأمّا دلالةً: فقد ذكر السيّد الخوئي أنّ هذا راجع إلى قاضي التحكيم; لأنّ قوله «قد جعلته قاضياً» متفرّع على قوله : «فاجعلوه بينكم» وهو القاضي المجعول(1).

أقول: لم أعرف الفرق بين التعبير الذي جاء في هذا الحديث وهو قوله : «فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً»، وقوله في المقبولة: «فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».

وقد فسّر السيّد الخوئي الثاني بأنّه أمرٌ بالرضا به حَكَماً و إلزامٌ بذلك، وقد عللّ هذا الإلزام بأنّه قد جعله حاكماً. إذن هذا يعني ثبوت النصب في المرتبة السابقة على الرضا به، وأنّ الرضا به واجب على هذا الأساس(2).

وعين هذا التفسير يأتي في خبر أبي خديجة حيث أمره بجعله بينهم، وهذا يعني الإلزام بجعله بينهم، وعلّل ذلك بأنّه قد جعله قاضياً، وهذا يعني ثبوت النصب في المرتبة السابقة على جعله بينهم.


(1) راجع مباني تكملة المنهاج، ج 1، ص 8.

(2) المصدر السابق، ج 1: ص 7.

الصفحة 48

اللّهم إلّا أن يقال: إنّ كلمة: (اجعلوه بينكم) تعطي معنى الجعل التشريعي ـ أي إعطاء الحاكمية له ـ وهذه كناية عن قاضي التحكيم. إلّا أنّ الظاهر أنّ المقصود من (اجعلوه بينكم) هو نفس ما يفهم من قوله: (فليرضوا به حكماً).

وكيف كان فالأوْلى تفصيل الكلام بين اشتراط العلم بحكم الأئمة في مورد القضاء مباشرة لاتقليداً وبين اشتراط الإطلاق الفعلي في الاجتهاد.

فبالنسبة لاشتراط العلم بحكمهم قد يستظهر من جملة: (يعلم شيئاً من قضايانا) أو (يعلم شيئاً من قضائنا) هو العلم لابواسطة التقليد. أمّا لو قلنا بالإطلاق، وأنّه بعد وضوح أنّه ليس المقصود بالعلم هنا العلم الوجداني وبلاواسطة من يتعبّد بكلامه ـ إذ العلم بقضاياهم كثيراً ما يكون بواسطة الأخذ التعبّدي من الرواة ـ لايبقى فرق بين أن يكون العلم بقضاياهم علماً بواسطة التعبّد بنقل الراوي، أو علماً بواسطة التعبّد بفتوى الفقيه. أقول: لوقلنا بإلاطلاق من هذا القبيل فهذا الإطلاق وإن لم يمكن تقييده بالتوقيع; لأنّ التوقيع دلّ على إعطاء منصب أوسع من منصب القضاء، ومن المحتمل أن يشترط في ذلك مالايشترط في خصوص منصب القضاء، ولكن يمكن تقييده بمقبولة عمر بن حنظلة الواردة في خصوص القضاء، والظاهرة في كونها في مقام التحديد، وهي تدلّ على اشتراط الاجتهاد.

هذا، والسيّد الخوئي ـ الذي لم يقبل وجود نصّ تامّ سنداً ودلالةً على القاضي المنصوب، واستفاد شرعيّة القاضي المنصوب من الضرورة الاجتماعية الدالّة على الوجوب الكفائي ـ اشترط الاجتهاد على أساس الاقتصار على القدر المتيقّن.

إلّا أنّ هذا الطريق لإثبات اشتراط الاجتهاد قد يبتلى بإشكال: كما لو دار الأمر بين مجتهد لا يمتلك ذكاء أكثر من المقدار المتعارف في كيفيّة تمييز الصادق من الكاذب وأخذ الإقرار من الظالم، ومقلّد يتقن الأحكام عن طريق التقليد وهو

 
الصفحة 49

يمتلك ذكاءً خارقاً بهذا الصدد، فهل يفترض القضاء بيد هذا أو بيد ذاك؟ ولا قدر متيقّن هنا كي يتمسّك به، وحينئذ لو قلنا بأنّ الضرورة الاجتماعية الدالّة على الوجوب الكفائي بالغة مرتبة يستنبط منها في مثل هذا الفرض أيضاً جعل حكم ظاهري بنفوذ قضاء أحدهما ، فقد يطبّق هنا قانون الانسداد، ويعيّن أحدهما بالظنّ، أو يقال بالتخيير، أو يقال بوجوب التعاون فيما بينهما مع الإمكان، وإصدار حكم مشترك يتصادقان عليه.

أمّا نحن ففي فسحة عن هذا; لأنّنا استفدنا شرعيّة القاضي المنصوب عن طريق النصّ.

هل يشترط الإطلاق في الاجتهاد؟

وأمّا بالنسبة لاشتراط الإطلاق في الاِستنباط الفعلي فرواية أبي خديجة لاتدلّ على ذلك، ولا يبعد أن يقال: إنّ مقبولة عمر بن حنظلة وإن كان مقتضى الاِقتصار على حاقّ لفظها هو اشتراط الإطلاق، ولكن المفهوم عرفاً بمناسبات الحكم والموضوع أنّه كان الهدف من ذكر قوله : «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» هو الطريقية إلى التأكّد من معرفة حكم مورد القضاء، فلايستفاد منها أكثر ممّا يستفاد من رواية أبي خديجة، وعلى فرض إجمالها نتمسّك بإطلاق رواية أبي خديجة.

نعم التجزّي بمعنىً يسلب عادةً الوثوق بمعرفته بالحكم في مورد القضاء ـ وهو التجزّي في أصل الوصول إلى مرتبة قوّة الاجتهاد ـ لا إشكال في دلالة المقبولة على عدم كفايته، ولو فرض إطلاق في رواية أبي خديجة يقيّد بذلك.

 
الصفحة 50

هل تشترط الأعلمية؟

يبقى الكلام في اشتراط الأعلمية، ومقتضى إطلاق ما عرفته من الروايات عدم الاشتراط.

نعم لو أخذنا بفكرة القدر المتيقّن ـ التي مشى عليها السيد الخوئي في إثبات اشتراط الاجتهاد ـ كان مقتضاها اشتراط الأعلميّة أيضاً، وإلاّ فالظاهر عدم اشتراط الأعلميّة، ولايقاس ذلك بباب التقليد، فإنّه في باب التقليد تسقط فتوى المجتهد عند المعارضة بفتوى من هو أعلم منه عن الحجّيّة، إمّا على أساس سقوطها عن الطريقيّة، أو على أساس تعارضهما وتساقطهما بلحاظ الدليل اللفظي وتعيّن فتوى الأعلم للحجّيّة عندئذ بالبناء العقلائي. أمّا في باب القضاء فليس الملحوظ فيه محض الطريقيّة، بل له موضوعيّة في النفوذ لخصم النزاع حتى مع علم المحكوم عليه بالخلاف كما سيأتي إن شاء اللّه في بحث مدى نفوذ القضاء. وليس المفروض بعد تماميّة القضاء من قبل فقيه أن يقضى مرّةً أُخرى في المورد من قبل فقيه آخر ـ كما سيأتي إن شاء اللّه في البحث عن مدى نفوذ حكم القاضي ـ كي يقع التعارض. نعم لو ترافعا في عرض واحد عند شخصين، أو اختار كلّ واحد منهما شخصاً غير الآخر وتعارضا في الحكم، فقد ورد(1) كما يأتي إن شاء اللّه الترجيح بالأعلميّة وغيرها، و لكن هذا لا ربط له بشرط الأعلميّة في القضاء، بل نفس تلك النصوص لعلَّها ظاهرة في الفراغ عن أنّ كلّ واحد من القضائين لوكان وحده لكان نافذاً رغم أعلميّة


(1) راجع بهذا الصدد: التهذيب، ج 2، ص 302 و 303، الحديث 50 الى 52، وراجع: أُصول الكافي، ج 1، ص 67 و 68 الحديث 10، و راجع: الفقيه، ج 3، ص 5 و 3، باب 9 من أبواب القضايا و الأحكام، وراجع: الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، ح 1 و 20 و 45.

الصفحة 51

الشخص الآخر.

يبقى التمسّك لإثبات اشتراط الأعلميّة بقدر الإمكان بقول أمير المؤمنين في عهده إلى مالك الأشتر: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك»(1).

والكلام يقع في ذلك سنداً ودلالةً:

سند عهد الأشتر:

أمّا من حيث السند: فعهد الإمام إلى مالك الأشتر قد ذكر له سند(2) غير تام عن طريق النجاشي ولانبحثه، وسند آخر عن طريق الشيخ وهو الجدير بالبحث، وهو ابن أبي جيد عن محمّد بن الحسن عن الحميري عن هارون بن مسلم و الحسن بن طريف جميعاً عن الحسين بن علوان الكلبي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين .

والإشكال في هذا السند يقع من عدّة وجوه:

الوجه الأوّل ـ عدم ورود توثيق لابن أبي جيد، وابن أبي جيد ثقة عند السيّد الخوئي باعتباره من مشايخ النجاشي، ولكنّنا لانقبل بهذا المبنى، إذن هو غير ثابت


(1) نهج البلاغة، الكتاب 53، ص 1000، بحسب الطبعة المترجمة بقلم فيض الإسلام.

(2) وهو هكذا: أخبرنا ابن الجندي عن علي بن همام عن الحميري عن هارون بن مسلم عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ بالعهد.

      والعيب الخاصّ بهذا السند دون سند الشيخ هو:

      أوّلا ـ ابن الجندي وهو من مشايخ النجاشي.

      وثانياً ـ علي بن همام، فإنّه لم يعرف إلاّ إذا صحّ حدس الشيخ محمّد تقي التستري حيث قال في قاموس الرجال: «الظاهر كونه محرّفاً عن أبي علي بن همام، وهو محمّد بن همام». فإن صحّ ذلك فهو ثقة، وممّا يشهد لكون الصحيح هو أبوعلي بن همام رواية ابن الجندي عنه، وكذلك عدم وجود اسم علي بن همام في كتب الرجال إطلاقاً.

الصفحة 52

الوثاقة عندنا، ولكن يمكن التخلّص عنه في المقام على أساس نظرية التعويض في السند، باعتبار أنّ الشيخ له سند تامّ إلى محمد بن الحسن بن الوليد، وكذلك إلى عبداللّه بن جعفر الحميري الواقعين في هذا السند قبل ابن أبي جيد.

نظريّة التعويض في السند:

وبما أنّ نظرية التعويض تنفعنا في كثير من الموارد ممّا يمكن رفع نقص السند بها لا بأس ببيانها في المقام، و أصلها من أُستاذنا الشهيد .

فنقول: إنّ تعويض السند الضعيف بسند تامّ يمكن أن يتمّ على عدّة أشكال:

الشكل الأوّل للتعويض: هو الاعتماد على مثل ما جاء كثيراً في كلام الشيخ الطوسي في ترجمته للرجال في فهرسته من عبارة: (أخبرني بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان).

فإذا وجدنا عن الشيخ رواية وكان في سندها رجل ضعيف، أو غير ثابت التوثيق، وكان قبل ذاك الرجل من الطرف الذي يقرب إلى الإمام ثقة، وكان الشيخ قد ذكر في فهرسته بشأن ذاك الثقة عبارة: (أخبرني بجميع كتبه و رواياته فلان عن فلان)، و كان السند الوارد في هذه العبارة تامّاً، فمن حقّنا أن نبدّل القطعة الأُولى من السند الواقعة بين الشيخ و ذاك الثقة و التي فيها ذاك الإنسان غير ثابت التوثيق بالسند الذي ذكره الشيخ في تلك العبارة في الفهرست.

ومدى تماميّة هذا الذي ذكرناه أو عدمها يرتبط بما نفهمه من معنى قوله: «أخبرنا بجميع كتبه و رواياته» ففي ذاك عدّة احتمالات:

الأوّل ـ أن يكون المقصود بذلك كلّ ما لذاك الثقة من كتب وروايات في علم اللّه، وعندئذ يتمّ هذا الوجه الذي شرحناه للتعويض; إذلولم يكن قد وصل هذا الحديث إلى الشيخ عن الطريق الذي ذكره في الفهرست بقوله: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان» لكان يعلم الشيخ بكذب هذا الحديث; إذ لوكان صادراً

 
الصفحة 53

عنه حقّاً لكان قد وصله بهذا الطريق حسب ما تدلّ عليه تلك العبارة، ولو كان يعلم الشيخ بكذبه لما رواه.

إلاّ أنّ هذا الاحتمال في ذاته واضح البطلان; إذ لاسبيل للشيخ عادةً إلى الإحاطة بكلّ روايات هذا الشخص بنحو يقطع بأنّه لارواية له غير هذه الروايات التي وصلته عن طريق هذا السند.

الثاني ـ أن يكون المقصود بذلك كلّ ما نُسبت إلى ذاك الثقة من كتب وروايات، وهذا أيضاً في البطلان كالأوّل، فلا سبيل للشيخ عادةً إلى الإحاطة بكلّ ما نسبت إلى ذاك الثقة من كتب وروايات بحيث ينفي أن يكون قد نسبت إليه رواية عن غير ذاك الطريق.

ولو تمّ هذا الوجه ثبت المقصود; لأنّ الرواية التي نحن بصدد تصحيح سندها قد نسبت إليه قطعاً، فهي داخلة في هذا العموم.

الثالث ـ أن يكون المقصود بذلك جميع ما رواه الشيخ عنه من كتب وروايات، وهذا احتمال معقول، وبناءً على هذا الاحتمال يثبت المقصود أيضاً; لأنّ هذه الرواية ممّا رواها الشيخ حسب الفرض.

الرابع ـ أن يكون المقصود بذلك جميع ما وصل إلى الشيخ عنه من كتب وروايات، وهذا الاحتمال كسابقه في المعقوليّة، وفي ثبوت المقصود بناءً عليه; لأنّ هذه الرواية قد وصلت إلى الشيخ حسب الفرض; إلاّ أنّه يختلف عن سابقه في أنّنا لووجدنا كتاباً في مكتبة الشيخ لهذا الثقة بحيث عرفنا أنّه واصل إلى الشيخ، ولكن لم نعرف أنّه رواه عنه، أمكن تصحيح سند هذا الكتاب بهذا الوجه، بخلافه على الاحتمال الثالث. وعلى أيّ حال، فهذه الثمرة في زماننا غير متحقّقة على أىّ حال، فالاحتمالان عملا متساويان في النتيجة.

الخامس ـ أن يكون المقصود بذلك جميع ما اعتقد الشيخ وجداناً أو تعبداً أنّه

 
الصفحة 54

صادر عن هذا الثقة من كتاب أو رواية، وبناءً على هذا الاحتمال لايثبت المقصود في المقام; إذ اعتقاد الشيخ وجداناً أو تعبّداً بأنّ الرواية المبحوث عنها صادرة عنه أوّل الكلام، فيصبح التمسّك بقوله: «أخبرنا بجميع كتبه و رواياته ...»تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقيّة.

إلاّ أنّ هذا الاحتمال في ذاته خلاف الظاهر كما ذكره أُستاذنا الشهيد ; لأنّ ظاهر قوله: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته ...» هو أنّه يتكلمّ بما هو راو ومتحدّث لا بما هو مجتهد في الأحاديث يحكم بثبوت هذا الحديث عنه وجداناً أو تعبّداً، ولأنّ هدف الشيخ من هذه العبارة تزويدنا بسند إلى تلك الكتب والروايات، بينما لو كان المقصود هو أنّ هذا سند لكلّ ما يعتقد هو أنّه لفلان ففي الحقيقة لم يزوّدنا بسند إطلاقاً; إذ ما يدرينا أنّ الرواية الفلانيّة داخلة في ما يعتقد الشيخ بصدوره عن فلان أوْلا؟!.

وأُستاذنا الشهيد لم يتعرّض للاحتمال الثالث، وباستبعاد الاحتمال الخامس عيّن الاحتمال الرابع. وعلى أيّ حال فقد عرفت أنّه لا ثمرة عملية فعلا بين الاحتمال الثالث والرابع، وما دمنا قد استبعدنا الاحتمال الخامس فالمقصود ثابت على أيّ حال.

يبقى الكلام في أنّ الشيخ كثيراًمّا ينقل في كتابيه روايةً عن كتاب مسقطاً مالديه من سند إلى صاحب ذاك الكتاب، وتعرّض في آخر الكتابين إلى ذكر السند لغالب ما حذف أسانيده إليه، وحينئذ قد يفترض أنّ الرجل غير ثابت التوثيق وقع ضمن ذاك السند، والرجل ثابت التوثيق ـ الذي كان للشيخ في فهرسته سند تامّ إلى جميع كتبه ورواياته ـ عبارة عن نفس صاحب الكتاب أو عن شخص آخر أقرب إلى الشيخ من صاحب الكتاب، وهنا لا إشكال في التعويض، وأُخرى يفترض أنّ الرجل الثقة ـ الذي كان للشيخ سند تامّ إلى جميع كتبه ورواياته ـ وقع قبل صاحب

 
الصفحة 55

الكتاب ـ أي كان أقرب إلى الإمام سواء كان الشخص غير ثابت التوثيق قبل صاحب الكتاب أو بعده ـ فهنا هل نطبّق عليه نظرية التعويض أوْلا؟ قد يقال بعدم الفرق بين الفرضيتين تمسّكاً بإطلاق قوله: «أخبرنا بكتبه ورواياته».

ولكن الظاهر عندي هو التفصيل بين الفرضيتين، فنحن إنمّا نقبل بنظرية التعويض هذه حينما يكون ذاك الثقة ـ الذي كان للشيخ إلى جميع رواياته سند تامّ ـ عبارة عن نفس صاحب الكتاب الذي روى الشيخ الحديث عن كتابه، أو من كان واقعاً في السند الذي يصل الشيخ بذلك الكتاب. أمّا إذا كان بين الإمام وصاحب الكتاب فلانطبّق عليه هذا القانون، وهذا الكلام ينشأ من فهمنا لكلمة (رواياته) في قوله: «أخبرنا بكتبه ورواياته»، أو قوله: «أخبرنا برواياته».

توضيح ذلك: أنّه يحتمل في كلمة (رواياته) أمران:

الأوّل ـ أن يشمل الروايات الشفهيّة، فكأنّه حينما قال: «أخبرنا بكتبه ورواياته» قصد بذلك أنّه أخبرنا بما رواه في كتبه وبما رواه في كتب وكتابات الآخرين وبما رواه من روايات شفهية فلان عن فلان، وبناءً على هذا الاحتمال يتمّ 3مامضى من بطلان الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الخمسة، وهو إرادة واقع الكتب والروايات; لما قلنا من أنّه لا سبيل للشيخ إلى الإحاطة بكلّ رواياته بنحو يقطع أنّه لم يروِ أيّ رواية أُخرى إلى غير ذاك السند، ويتمّ أيضاً ما ذكرناه من التمسّك بإطلاق جملة (أخبرنا بكتبه ورواياته)، أو جملة (أخبرنا برواياته) لإثبات عدم الفرق بين ما لو وقع الثقة ـ الذي للشيخ إليه سند تامّ ـ بين الشيخ وصاحب الكتاب، أو بين الإمام وصاحب الكتاب. إلاّ أنّ هذا الاحتمال بعيد غاية البعد، فإنّ الشيخ قد تكررت منه كثيراً هذه الجملة، وبشأن كثيرين ممّن يكون الفاصل بينه وبين الشيخ متعدّداً، ورواياته الشفهية كثيرة ومتناثرة و واصلة إلى الشيخ ضمن كتب المتأخرين عنه، وعادةً لايمكن للشيخ الشهادة بوصول كلّ رواياته ـ الواقعية أو

 
الصفحة 56

الواصلة الى الشيخ أو التي يرويها الشيخ ـ بالسند الذي يذكره، وإنّما الشيء المعقول هو الاحتمال الثاني.

الثاني ـ أن يكون المقصود بروايته رواياته لكُتب وكتابات الآخرين، أو لكتبه هو والآخرين دون رواياته(1) الشفهية، وهذا ممّا يمكن الإحاطة به، فكان من المتعارف وقتئذ إخبار شيخ الإجازة لمن يروي عنه بجميع ما يرويه من كتب مؤلّفة لنفسه أو لغيره قراءةً عليه أو سماعاً منه أو إجازةً.

وبناءً على هذا الاحتمال قد يبطل ما ذكرناه في إبطال الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الخمسة من أنّ الشيخ لايستطيع أن يحصر كلّ روايات هذا الثقة في علم اللّه فيما وصله بهذا السند; إذ هذا الحصر بالنسبة للكتب والمؤلّفات المروية أمر معقول، إلاّ أنّ الصحيح مع ذلك أنّ التتبّع في فهرست الشيخ ورجال النجاشي يشرف المتتبّع على القطع ببطلان الاحتمال الأوّل; إذ كثيراً ما يذكر أحدهما راوياً ذاكتب كثيرة، ويعدّد منها ما هو أقلّ من عدد الكتب ممّا يوحي أنّه لم يصله بمالديه من سند كلّ الكتب، ومع ذلك يقول بالأخير: «أخبرنا بكتبه ـ أو بجميع كتبه ـ فلان عن فلان»، وتوجد أحياناً بعض القرائن الواضحة على عدم وصول كلّ الكتب إليه كقول النجاشي في عليّ بن الحسن بن فضّال: «وقد صنّف كتباً كثيرة منها ما وقع إلينا: كتاب الوضوء، كتاب الحيض ...»، وكقول الشيخ بشأن يونس بن عبدالرحمن: «له كتب كثيرة أكثر من ثلاثين كتاباً، وقيل: إنّها مثل كتب الحسين بن سعيد وزيادة» ثمّ يعدّد بعضها ثمّ يقول: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته ...»، ومن الواضح أنّه لوكان وصله كلّ الكتب لما قال: «قيل: إنّها مثل كتب الحسين بن سعيد وزيادة»،


(1) أو يشمل طائفة من رواياته الشفهيّة، وهي التي أعطاها بالسند الفلاني الوارد في الفهرست، لامطلق رواياته الشفهيّة.

الصفحة 57

وكقول الشيخ بشأن علي بن الحسن بن فضال: «قيل: إنّها ـ يعني كتبه ـ ثلاثون كتاباً: منها كتاب الطبّ، كتاب فضل الكوفة ...».

وعلى أيّة حال، فبناءً على هذا الاحتمال ـ وهو الذي نستظهره ـ يتّضح الفصل بين مالوكان ذاك الثقة ـ الذي كان للشيخ إلى كتبه ورواياته سند تامّ ـ واقعاً بين الشيخ و الكتاب الذي روى الحديث عنه، أو بين الكتاب و الإمام، ففي الأوّل يمكن تطبيق نظرية التعويض وفي الثاني لايمكن ذلك; إذ لم يثبت لنا أنّ هذا الحديث وارد في كتاب من الكتب التي يرويها هذا الثقة، فلعلّه كان رواية شفهيّة.

هذا. ولا أقلّ من الإجمال، وهو يكفينا لعدم تسرية قاعدة التعويض إلى ما إذا كان ذاك الثقة بين الكتاب و الإمام، ولا إلى ما إذا كان الخبر بكلّ تسلسله شفهيّاً.

ومن هنا يظهر أنّ تطبيق هذه النظرية على عهد الإمام إلى مالك الأشتر في ما لو فرضنا أو احتملنا أنّ الرواة الواقعين في سند الشيخ من ابن أبي جيد إلى الحميري إنّما تناقلوه شفةً عن شفة غير صحيح، نعم بناءً على دعوى الاطمئنان بأنّ العهد كان مكتوباً وموروثاً على شكل الكتاب وكان فيما نقله ـ من الكتب و الكتابات ـ الحميري إلى ابن الوليد، أو ابن الوليد إلى ابن أبي جيد، صحّ التعويض في المقام.

وقبل أن ننتقل إلى الشكل الثاني من أشكال التعويض ينبغي أن نذكر أمرين:

أحدهما ـ أنّ الشيخ عبّر بشأن بعض الرواة بقوله: «أخبرني بكتبه ورواياته فلان عن فلان»، وبشأن بعض الرواة بقوله: «أخبرني برواياته فلان عن فلان» كما هو الحال فيما نحن فيه على بعض النسخ، حيث عبّر فيه بشأن ابن الوليد بالتعبير الثاني، وكذلك بشأن الحميري في نسخة القهبائي، وبشأن بعض الرواة بقوله: «أخبرني بكتبه» من دون عطف كلمة (رواياته)، ولاإشكال في صحّة تطبيق نظرية التعويض في مورد التعبير الأوّل و الثاني، ولكن قد يناقش في مورد التعبير الثالث، باحتمال كون المقصود من الإخبار بكتبه الإخبار بعناوين الكتب وأسمائها مثلا

 
الصفحة 58

لابواقعها. نعم لو كان قد عطف كلمة (رواياته) على كلمة (كتبه) لأمكن أن يقال بمقتضى وحدة السياق: إنّ الكتب بالمعنى الذي يعطف عليه الروايات، إنّما هو واقع الكتب لاعناوينها، ولكن المفروض عدم العطف. إلاّ أنّ مراجعة فهرست الشيخ وتتبّع موارد استعمال الشيخ لهذه الجملة لاتدع مجالا للشكّ في أنّ مقصود الشيخ من الكتب هو واقع الكتب، وأنّ هدفه هو تقديم سند للكتب لامجرّد تثبيت الأسماء و العناوين. هذا مضافاً إلى أنّ تحويل الشيخ في المشيختين على فهارس الأصحاب، وفي إحداهما على فهرسته هو ـ على ما سيأتي ـ دليل على أنّهم في الفهارس كانوا يقصدون ذكر السند دون تعديد الكتب فحسب، وإذن فلابأس بتطبيق نظرية التعويض في المورد، نعم لا يمكن عندئذ تطبيق النظرية إلاّ حينما يكون سند الشيخ في فهرسته إلى نفس الكتاب الذي روى عنه الرواية. أمّا لوكان سنده إلى ثقة آخر بين الضعيف وصاحب الكتاب مثلا فلا يمكن التعويض; لأنّ المفروض أنّ سند الشيخ في فهرسته إنّما هو سند إلى كتبه فقط لا إلى كتبه ورواياته، والمفروض أنّ هذه الرواية غير مأخوذة من كتاب هذا الثقة.

الثاني ـ أنّ هذا الشكل من التعويض كما يمكن تطبيقه على القطعة الأُولى من السند من زمن الشيخ ـ كما شرحناه ـ يمكن تطبيقه على القطعة الثانية من السند، وذلك فيما لو وقع بعد ذاك الضعيف ـ أي أقرب إلى الشيخ مثلا ـ ثقة، وفرض أنّ ذاك الثقة كان له كتاب فيه فهرست لمشايخه وإجازاته، ويكون له طريق إلى جميع كتب وروايات ثقة وقع بعد ذاك الضعيف أو إلى الإمام رأساً; بأن يكون له طريق صحيح لجميع ما وصل إليه من الإمام مثلا. وهذه فرضيّة ذكرها أُستاذنا الشهيد في المقام، وهي صحيحة في حدّ ذاتها وإن كان المظنون عدم العثور على مورد له معروف لدنيا.

الشكل الثاني للتعويض ـ هو عبارة عن تعويض سند الشيخ مثلا إلى

 
الصفحة 59

صاحب كتاب في رواية ينقلها عن ذاك الكتاب، بسند النجاشي مثلا إلى ذاك الكتاب ضمن شروط ثلاثة. ونوضّح ذلك عبر مثال، فنقول:

مثاله: أنّنا نفترض أنّ الشيخ روى حديثاً عن علىّ بن الحسن بن فضّال، وسند الشيخ إلى علىّ بن الحسن بن فضّال فيه ضعف، وللنجاشي سند تامّ إلى علىّ بن الحسن بن فضّال، فنعوّض سند الشيخ بسند النجاشي ضمن شروط:

الشرط الأوّل ـ أن يكون الراوي المباشر للشيخ ثقة.

والشرط الثاني ـ أن يكون النجاشي مالكاً أيضاً لنفس السند الذي ملكه الشيخ وهو السند الضعيف، ويمتلك إضافة إلى ذلك سنداً صحيحاً.

والشرط الثالث ـ أن يكون النجاشي و الشيخ لم يكتفيا بالقول بنحو الإجمال: «أخبرنا بجميع كتبه فلان عن فلان»، بل صرّحا باسم الكتب، ورأينا أن الكتب التي سمّاها الشيخ قد سمّاها النجاشي أيضاً. فعند استكمال هذه الشروط يصحّ الاستبدال، وذلك لأنّ ظاهر كلام النجاشي الذي ذكر طريقين إلى كتب عليّ بن الحسن بن فضّال أنّ تلك الكتب نقلت له بالطريقين بنقلين متماثلين في النسخة، وإنّما الفرق بينهما في السند لافي المتن، ولايحتمل عقلائيّاً أنّ النسخة التي نقلت له بالطريق الضعيف تختلف عن النسخة التي وصلت إلى الشيخ بعين ذاك الطريق، فإنّ المفروض أنّ من وقع بعد الشيخ مباشرةً ثقة، فلايحتمل أنّه أعطى نسخة إلى أحدهما وأعطى كذباً نسخة أُخرى إلى الآخر، كما لا يحتمل عقلائيّاً أنّ ذاك الثقة كانت لديه نسختان مختلفتان من ذلك الكتاب لايدري أيّهما حقّ، وغفل ولم ينبّه الشيخ ولا النجاشي إلى اختلاف النسختين، أو لم ينتبه هو إلى ذلك رغم ما كان متعارفاً عندهم من التدقيق في متون الأخبار.

هذا، والشرط الثاني من الشروط الثلاثة قد يمكن التنازل عنه والاكتفاء بأنْ يكون للنجاشي إضافة إلى السند التامّ سند آخر يبتدىء بذلك الثقة المباشر للشيخ،

 
الصفحة 60

أو أن يكون الشخص المباشر للنجاشي في سنده التامّ هو نفس الثقة المباشر للشيخ بلا حاجة أصلا إلى أن يكون للنجاشي سندان، وذلك على أساس استبعاد عدم إشارة هذا الثقة ـ على أىّ حال ـ إلى وجود نسختين مختلفتين لوكان.

وهذا الفرض الأخير ـ أعني وجود سند صحيح للنجاشي يبتدىء بالثقة المباشر للشيخ ـ يرجع أيضاً إلى ما ذكرناه أخيراً في الشكل الأوّل للتعويض من تطبيقه على القطعة الثانية من السند.

ثمّ المثال الذي ذكرناه هو مثال واقعي إلى حدّ، وليس مثالا خياليّاً بحتاً، فإنّ سند الشيخ إلى علىّ بن الحسن بن فضّال ضعيف بابن الزبير، فإنّ سنده إليه عبارة عن: أحمد بن عبدون عن علي بن محمّد بن الزبير عن علىّ بن الحسن بن فضّال. وللنجاشي إليه إضافةً إلى هذا السند سند آخر وهو: (محمّد بن جعفر في آخرين عن أحمد بن محمّد بن سعيد عن علي بن الحسن). ومحمّد بن جعفر وإن لم يكن ثابت التوثيق إلاّ بناءً على وثاقة كلّ مشايخ النجاشي ولانقول به، ولكن لايبعد أن يقال: إنّ كونه شيخاً للنجاشي منضماً إلى أنّه ليس الناقل الوحيد، بل نقل في آخرين ـ على حدّ تعبير النجاشي ـ يكفي في إيجاد الوثوق والاطمئنان، فإنّ الراوي في الحقيقة عبارة عن عدّة من مشايخ النجاشي، ولانحتمل عادة كذبهم جميعاً.

نعم قد توجد عدّة نقاط ضعف في هذا المثال:

الأُولى ـ تخلّف الشرط الثالث في كتاب واحد، فإنّ الكتب التي ذكرها الشيخ ذكرها جميعاً النجاشي ولو بفرق مّا نادراً في الاسم، كتعبير الشيخ باسم (كتاب أخبار بني إسرائيل)، وتعبير النجاشي باسم (كتاب عجايب بني إسرائيل) ما عدا كتاب واحد وهو: (كتاب صفات النبي )، حيث لم يأتِ هذا الاسم في الكتب التي عدّها النجاشي، ولكن النجاشي عدّ كتباً عديدة ممّا لم يعدّه الشيخ ، ومنها: (كتاب وفاة النبي )، فيأتي احتمال أنّ هذا هو عين كتاب صفات النبي،

 
الصفحة 61

و إنّما وقع خطأ عند أحدهما ، فبدّلت كلمة الوفاة بكلمة الصفات، أو بالعكس، واحتمال أنّ ذاك الكتاب مشتمل على صفات النبي ووفاته معاً فسمّي هنا باسم وفاة النبي ، وهناك باسم صفات النبي . وعلى أىّ حال فيمكن التغاضي عن هذه النقطة من الضعف في المقام، لأنّ الشرط لم يتخلّف إلاّ في كتاب واحد من كتب كثيرة، والتخلّف أيضاً احتمالي، وليس جزمياً كما عرفت، وعندئذ يصبح احتمال كون الحديث الذي نريد تصحيح سنده قد أخذه الشيخ من كتاب غير مشمول لسند النجاشي ضعيفاً إلى حدّ يطمأنّ بعدمه، خاصّة حينما لاتكون الرواية واردة بشأن صفات النبي .

الثانية ـ أنّ النجاشي ذكر سنديه إلى كتب علىّ بن الحسن بن فضّال بهذا التعبير:

«قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة، و الزكاة، ومناسك الحج، و الصيام، والطلاق، و النكاح، والزهد، والجنائز، والمواعظ، والوصايا، والفرائض، و المتعة، والرجال على أحمد بن عبدالواحد في مدّة سمعتها معه، وقرأت أنا كتاب الصيام عليه في مشهد العقيقة عن ابن الزبير عن علي بن الحسن.

وأخبرنا بسائر كتب ابن فضّال بهذا الطريق.

وأخبرنا محمد بن جعفر في آخرين عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه».

ويحتمل في قوله: «أخبرنا بسائر كتب ابن فضّال ...» احتمالان:

أحدهما ـ كون هذا إجازة في النقل، وذلك في مقابل عدد من الكتب التي ينقلها قراءة على الشيخ، أوسماعاً لقراءة أحمد بن الحسين على الشيخ.

والثاني ـ كون هذا بمعنى الإخبار بمجرّد أسماء الكتب في مقابل عدد من الكتب التي لم يكن وصولها إليه بمعنى مجرّد وصول الأسماء. وقد يدّعي مدّع على أثر

 
الصفحة 62

التتبّع في كتاب النجاشي أنّ هدفه من مثل هذه العبارة إعطاء السند لامجرّد سرد أسماء الكتب، كما ادعينا ذلك بالنسبة لفهرست الشيخ، إلّا أنّ هذه الدعوى بالنسبة لفهرست الشيخ أوضح صحّة منها بالنسبة لرجال النجاشي كما يظهر للمتتبّع فيها. وعلى أىّ حال فما أشرنا إليه من إرجاع الشيخ في المشيختين إلى فهارس الأصحاب يؤيّد أيضاً كون مقصود النجاشي ذكرالسند لامجرّد سرد أسماء الكتب، فإنّ كتاب النجاشي داخل في عنوان الفهرست، بل ذكر الشيخ اليوسفي حفظه اللّه في ما كتبه كمقدمة لنسخة من رجال النجاشي طبعت أخيراً ما مفاده: أنّ النجاشي سمّى كتابه في ظهر النسخة بالفهرست حيث كتب على ظهر النسخة: (الجزء الأوّل من كتاب فهرست أسماء مصنّفي الشيعة وما أدركنا من مصنّفاتهم ...)، وكذلك كتب على ظهر الجزء الثاني أيضاً.

الثالثة ـ أنّ النجاشي ذكر فيما ذكر في المقام قوله: «ورأيت جماعة يذكرون الكتاب المنسوب إلى علىّ بن الحسن بن فضّال المعروف بأصفياء أمير المؤمنين ، ويقولون: إنّه موضوع عليه لاأصل له واللّه أعلم، قالوا: وهذا الكتاب ألصق روايةً إلى أبي العباس ابن عقدة و ابن الزبير، ولم نر أحداً ممّن روى عن هذين الرجلين يقول قرأته على الشيخ غير أنّه يضاف إلى كلّ رجل منهما بالإجازة حسب».

فإذا كان جماعة من الأصحاب يشهدون بوضع كتاب الأصفياء أفلا تسقط هذه الشهادة خبر المخبر بهذا الكتاب على أساس التعارض؟! وإذا سقط ذلك أفلا نحتمل بنحو الإجمال في أىّ رواية يرويها الشيخ عن علىّ بن الحسن بن فضّال (أن تكون مأخوذة من هذا الكتاب، واسم هذا الكتاب موجود في القائمة التي عدّدها الشيخ إلّا أن يُدعى في الرواية التي نراها في التهذيب أو الاستبصار ـ وهي واردة في الأحكام لا في شأن أصفياء أمير المؤمنين الاطمئنان بأنّها ليست

 
الصفحة 63

مأخوذة من كتاب أصفياء أمير المؤمنين .

الرابعة ـ أنّ الشرط الأوّل منتف في المقام; لأنّ الراوي المباشر للشيخ هو أحمد بن عبدون ولم يرد توثيق بشأنه.

وهذا الإشكال يمكن تذليله على مبنى السيّد الخوئي القائل بوثاقة مشايخ النجاشي، ولكنّنا لانقول بهذا المبنى.

الشكل الثالث للتعويض ـ وهو أوسع مشرباً من الوجوه الماضية، وحاصله: أنّنا إذا وجدنا طريقاً ضعيفاً للشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى مثلا، ولكن كان طريق الصدوق إليه في مشيخة الفقيه صحيحاً، حكمنا بصحّة ذاك الحديث سواء كان الصدوق داخلا في طريق الشيخ أولا، وذلك باعتبار أنّ طريق الشيخ إلى الصدوق صحيح، فيتلفّق من طريق الشيخ إلى الصدوق والصدوق إلى أحمد بن محمّد بن عيسى، طريق صحيح.

ويرد بدواً إلى الذهن الإشكال بأنّ المفروض أنّ هذه الرواية غير موجودة في الفقيه، وإلاّ لتمسّكنابها ابتداءً، ومشيخة الفقيه طريق للروايات التي أوردها في الفقيه، فكيف نصحّح بذلك رواية واردة في التهذيب أو الاستبصار؟!.

ويمكن الجواب على هذا الإشكال بالتمسّك بماذكره الشيخ الطوسي من الحوالة في آخر المشيختين على فهارس الشيوخ، فقد قال في آخر مشيخته في التهذيب: (قد أوردت جملا من الطرق إلى هذه المصنّفات و الأُصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول، وهو مذكور في الفهارس المصنّفة في هذاالباب للشيوخ من أراده أخذه من هناك إن شاء اللّه ، وقد ذكرنا نحن مستوفىً في كتاب فهرست الشيعة).

وقال في آخر مشيخته في الاستبصار: (قد أوردت جملا من الطرق إلى هذه المصنفات و الأُصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول، هو مذكور في الفهارس للشيوخ، فمن أراده وقف عليه من هناك إن شاء اللّه تعالى).

 
الصفحة 64

والاستدلال بهذا التعبير الوارد عن الشيخ في المشيختين يتوقّف على افتراض أنّ مقصود الشيخ ليس هو الحوالة على خصوص فهارس الشيوخ التي يذكر فيها طرقهم إلى أصحاب الكتب و الأُصول، بل هو إشارة بنحو القضيّة الخارجيّة إلى ما يكون من أجلى مصاديقه مشيخة الصدوق، وإن كانت بحسب مدلولها اللفظي مشيخة لخصوص الروايات المذكورة في الفقيه، فإطلاق كلام الشيخ شامل لذلك.

وتقريب ذلك: أنّه لم تكن لدى الأصحاب فهارس موسّعة كي يكون كلام الشيخ إشارة إليها فحسب، ويشهد لذلك أنّ الشيخ أشار في أوّل فهرسته في مقام بيان ما دعاه إلى وضع فهرسته إلى: (عدم سعة فهارس الأصحاب عدا فهرستين لابن الغضائري الحسين بن عبيداللّه: أحدهما فهرست للمصنفات، والآخر فهرست للاُصول، ولكنّهما تعرّضا للتلف). وأمّا (رجال النجاشي) الذي هو فِهْرِسْت من فهارس الأصحاب فهو متأخّر في التأليف عن التهذيب و الاستبصار بدليل أنّه ذكرهما في كتابه عند ترجمة الشيخ; إذن في ظرف من هذا القبيل تعتبر مشيخة الصدوق المفصّلة نسبياً من أجلى مصاديق ما يمكن أن تشير إليه إحالة الشيخ في المشيختين الى فهارس الأصحاب رغم أنّ مشيخة الصدوق ليست فهرستاً بالمعنى المصطلح، فإن لم نجزم بظهور من هذا القبيل لم يتمّ هذا الوجه. والإنصاف أنّ الجزم بهذا الظهور في غير محلّه.

وقد يقال: إنّ هذا الإطلاق حتى لو تمّ فهو معارض بقوله: «وقد ذكرنا نحن مستوفىً في كتاب فهرست الشيعة»، فإنّ ظاهر هذا التعبير أنّه ذكر جميع طرقه في فهرسته، فالحديث الضعيف في مشيخته إن وجدنا سنداً صحيحاً له في فهرسته فلا حاجة إلى مراجعة مشيخة الصدوق، وإلاّ فمقتضى إخباره باستيفاء طرقه في الفهرست أنّه لايملك طريقاً صحيحاً إليه.

 
الصفحة 65

قلت: أوّلا ـ إِنّ هذا الظهور لكلمة (مستوفىً) غير معلوم، ولعلّه يعني بذلك: أنّنا ذكرنا ذلك مفصّلا في الفهرست من دون أن يعطي معنى الاستيعاب الكامل.

وثانياً ـ لو فرض تعارض من هذا القبيل في داخل كلامه في مشيخة التهذيب، فهذا يوجب إجمال العبارة في تلك المشيخة، ونرجع إلى عبارته في مشيخة الاستبصار، لأنّها غير مشتملة على مقطع من هذا القبيل، فلا إجمال فيها.

وثالثاً ـ إِنّ الشيخ ذكر في فهرسته طريقه إلى الصدوق، وهذا كاف لرفع التهافت بين الظهورين، فإنّ ذلك ذكر إجمالي لجميع طرق الصدوق الموجودة في مشيخته بعد حملها ـ بقرينة تحويل الشيخ إليها بالإطلاق ـ على أنّها طرق إلى جميع كتب الرواة المذكورين في الفقيه، وإن كان كلامه في مشيخته لايدلّ ـ من باب ضيق التعبير ـ على أزيد من كونها طرقاً إلى خصوص الروايات المذكورة في الفقيه.

وعلى أىّ حال فالإنصاف أنّ هذا الشكل الأخير من التعويض غير صحيح; لما قلنا من أنّ مشيخة الفقيه ليست فهرستاً، ولا معنى لفرض شمول إطلاق إرجاع الشيخ إلى الفهارس لها.

هذا تمام الكلام في نظريّة التعويض.

الوجه الثاني ـ من وجوه الإشكال في سند عهد الإمام إلى مالك الأشتر: هو وقوع الحسين بن علوان الكلبي في هذا السند، ولادليل على وثاقته عدا ما ورد عن النجاشي من قوله: الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامّي، وأخوه الحسن يكنى أبامحمد ثقة رويا عن أبي عبداللّه ، وليس للحسن كتاب، والحسن أخص بنا وأولى ... .

فبناءً على ما قد يتبادر إلى الذهن بدواً من أنّ قوله: (ثقة) يرجع إلى الحسن لايبقى لدنيا دليل على وثاقة الحسين. أمّا لو استظهرنا رجوع هذه الكلمة إلى الحسين، إمّا بقرينة ورود العبارة في ترجمة الحسين، أو بقرينة أنّه بيّن حال الحسن بعد

 
الصفحة 66

ذلك بقوله: (أخصّ بنا وأولى) ارتفع الإشكال، وإلاّ فلا.

الوجه الثالث ـ سعد بن طريف أو سعد بن ظريف: حيث اختلف تقييم الشيخ له عن تقييم النجاشي، فذكر الشيخ عنه أنّه صحيح الحديث، وذكر النجاشي عنه أنّه يُعرف و ينكر. ومع التعارض لايبقى دليل على وثاقته، إلاّ إذا تبنينا تفسير السيّد الخوئي لعبارة النجاشي من أنّ المقصود أنّ حديثه أحياناً يأتي حديثاً معروفاً، وأُخرى يأتي حديثاً غريباً أي لاتقبله العقول العادية المتعارفة، وهذا لاينافي الوثاقة. إلاّ أنّ هذا التفسير قابل للتأمّل، وبالإمكان أيضاً أن يفسّر ذلك بتفسير آخر وهو أنّ هذا الإنسان يعرفه البعض بالوثاقة و مجهول عند البعض الآخر. وعلى أيّ حال فلو فرض إجمال في كلام النجاشي أو شكّ في معناه بقيت شهادة الشيخ بصحّة حديثه حجّة.

الوجه الرابع ـ كون الراوي للعهد هو الأصبغ بن نباتة: حيث لم يرد التصريح بوثاقته، و وروده في كامل الزيارات يفيد على مبنى السيد الخوئي، وليس على مبنانا، ورواية الشيخ الحر في الفائدة السابعة من خاتمة الوسائل (ص 89) توثيقه عن أمير المؤمنين لاتفيد، لعدم تمامية سند الرواية. نعم الظاهر أنّ قولهم: إنّ الأصبغ من خاصّة أمير المؤمنين كاف لوثاقته.

الوجه الخامس ـ أنّ الشيخ لم ينقل لنا متن عهد الإمام إلى مالك الأشتر، فلا يفيدنا ما ذكره من السند، فإنّ هذا السند سوف لن يثبت لمتن أخذناه من نهج البلاغة ـ مثلا ـ إلاّ أن يقال: إنّ قول الشيخ: «أخبرنا بالعهد فلان عن فلان ...» إشارة إلى نفس هذا العهد الذي لم يعرف إلاّ بالنسخ المألوفة، فيثبت ما اتفقت عليه النسخ.

دلالة عهد الأشتر:

وأمّا من حيث الدلالة: فكلمة (أفضل) لاتعطي معنى (أعلم) كي يثبت

 
الصفحة 67

المقصود، بل تعطي الترجيح من حيث مجموع الجهات، ويشهد بذلك نفس متن العهد أيضاً حيث قال : «ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لاتضيق به الأُمور، ولاتمحكه الخصوم، ولايتمادى في الزلّة، ولايحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، ولاتشرف نفسه على طمع، ولايكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشّف الأُمور، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم ممّن لايزدهيه إطراء، ولايستميله إغراء، وأُولئك قليل ...».

على أنّه لم يعلم كون هذا حكماً شرعيّاً، أوحكماً ولائيّاً نافذ المفعول إلى الآن; إذاً الموقف يناسب أيضاً كونه من تعاليمه بما هو رئيس الحكومة لمالك الأشتر بما هو منصوب من قبله على مصر.

هذا تمام الكلام في اشتراط العلم.

شرط البلوغ

الشرط الثاني ـ البلوغ. وقد يتمسّك لإثبات ذلك بما مضى من رواية أبي خديجة حيث جاء فيها: (اُنظروا إلى رجل منكم) فإن فرضنا أنّها ناظرة إلى قاضي التحكيم ثبت شرط البلوغ في القاضي المنصوب بطريق أولى. وإن فرضنا أنّها ناظرة إلى القاضي المنصوب ثبت شرط البلوغ في المنصوب بحيث يقيّدبها إطلاق غيرها لوكان، وذلك لاستظهار كون العبارة في مقام تحديد من سمح بالرجوع إليه، فينفى السماح بالرجوع إلى غير من ذكره.

وقد يستشهد لإثبات اشتراط البلوغ بما دلّ على كون غير البالغ مولّىً عليه، ومحجوراً في التصرفات ولو في الجملة، فمن يكون محجوراً عن التصرف في ماله كيف

 
الصفحة 68

لا يكون محجوراً عن القضاء، فيتعدّى إذن إلى باب القضاء إمّا بالأولويّة العرفيّة، أو ببيان أنّ جوّاً تشريعياً قام على أساس محجورية الصغير لا يتمّ فيه الإطلاق لدليل القضاء.

شرط العقل و الرشد و الإسلام

الشرط الثالث و الرابع و الخامس: العقل و الرشد و الإسلام. ولاحاجة للبحث عنها.

شرط الذكورة

الشرط السادس: الذكورة و يستدلّ لها بحديث أبي خديجة. فإن حملناه على قاضي التحكيم ثبت في المنصوب بطريق أولى، وإن حملناه على القاضي المنصوب ثبت في المنصوب، وقيّدنا به إطلاق المطلق لو كان. وقد يستدلّ أيضاً لا شتراط الرجولة في القضاء بما دلّ على عدم صلاحيّتها لإمامة الجماعة مطلقاً أو للرجال، ومادلّ على عدم كون قيمة شهادتها كشهادة الرجل: إمّا بدعوى أنّ هذا يدلّ بالأولوية على اشتراط الرجولة في القضاء، أو بدعوى أنّ جوّاً تشريعيّاً من هذا القبيل يمنع عن انعقاد الإطلاق في دليل القضاء للمرأة.وقد يستدلّ أيضاً بالآيات الدالّة على نقصان مستوى المرأة: كآيات ذمّ من افترض أنّ اللّه ـ تعالى ـ اصطفى لنفسه البنات على البنين، وبالأخصّ قوله

 
الصفحة 69

ـ تعالى ـ: ﴿أو من يُنَشؤُا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (1) إمّا بدعوى دلالتها رأساً على عدم كون المرأة بمستوى إعطاء منصب القضاء، أو بدعوى أنّ جوّاً تشريعياً من هذا القبيل يمنع عن انعقاد الإطلاق في دليل القضاء.

وتوجد أيضاً رواية دالّة على عدم تولّي المرأة للقضاء(2) إلّا أنّها ضعيفة سنداً.

حقوق المرأة في الإسلام:

وبهذه المناسبة لابأس ببحث الشبهة التي قد تورد على الإسلام من أنّه دين متخلّف عن الحضارة المترقّية اليوم، ويناسب مستوى فهم العصور القديمة المتخلّفة ممّا يشهد لعدم كونه ديناً سماويّاً حقّاً، وذلك لأنّه قد ظلم المرأة في القضايا الاجتماعية، ولم يعطها حقّها، وحرمها من كثير من الأُمور من قبيل منصب القضاء.

والمقدار المناسب من البحث للمقام و إن كان هو قسم القضاء، إلّا أنّه لابأس بشيء من التوسّع كي يكون البحث متكاملا شيئاً مّا.

فنقول: قد يقال من قبل أعداء الإسلام، إنّ الإسلام قد ظلم المرأة في حقوقها الاجتماعية في عدّة حقول:

1 - أنّه حرمها من بعض المناصب، وجعل تلك المناصب من امتيازات الرجال من قبيل منصب القضاء، والإمرة، ومدى قيمة شهادتها.

2 - أنّه ظلمها في الحقل الاقتصادي; كما يظهر في باب الإرث.


(1) الزخرف: الآية 18.(2) الوسائل، ج 18، ب 2 من صفات القاضي، الحديث الوحيد في الباب، ص 6.
الصفحة 70

3 - أنّه لم ينصفها في حقل الوداد و الوفاء حيث سمح للزوج بتعديد الزوجات، ولم يسمح لها بتعديد الأزواج، فلو فرض كون ذلك خلاف مراسيم الوداد و الحبّ و الوفاء فلماذا تحرم المرأة من هذه المراسيم، ويسمح للزوج بتعديد الزوجات، وإلّا فلماذا تمنع المرأة من تعديد الأزواج؟!.

4 - وظلمها أيضاً في مجال الحرّيّة الشخصية حيث قيّدها بالحجاب من ناحية، وجعل الرجال قوّامين على النساء من ناحية اُخرى.

5 - وقد يكون أشدّ من كلّ هذا أنّ الإسلام لم يعتبرها في حقّ الحياة والسلامة بمستوى الرجل بدليل أنّه جعل ديتها حينما تصل إلى مستوىً معين نصف دية الرجل

وقبل أن ندخل في تفصيل الجواب عن كلّ واحد من هذه الإشكالات تباعاً نذكر مقدّمةً ما يجعل موقفنا كمسلمين موقف الهجوم أيضاً على مدرسة الغرب، وليس موقف الدفاع محضاً.

فنقول: إنّ النظرة الأساسية إلى المرأة التي يجب أنّ تتفرّع عليها كلّ هذه الفروع و أمثالها هي إحدى نظرات ثلاث:

الاُولى ـ نظرة الجاهليّة الاُولى إليها التي كانت متعارفة في البيئة التي كان منها رسول اللّه ، وهي أن تعدّ بمستوى الحيوانات أو أتعس، ولاتعدّ في صفوف الإنسان، وقد نطق بحكاية ذلك القرآن الكريم كما في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وإذا بُشّر أحدُهُم بالأُنثى ظلّ وجهُه مُسودّاً وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به أيُمسِكُهُ على هُوْن أم يدُسُّه في التُّراب (1)، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿وإذا المؤودةُ سُئِلت


(1) النحل: الآية 58، 59.
الصفحة 71

بأىِّ ذنب قُتِلت (1).

الثانية ـ نظرة الجاهلية اليوم التي تدّعي أنّها ترى المرأة إنساناً كالرجل، فهي من ناحية تفترض أنّها ترى المرأة في عرض الرجل و مثله في الإنسانية، ومن ناحية أُخرى تغفل أو تتغافل عن الفوارق الفسلجية و السيكولوجية الثابتة فيما بينهما.

الثالثة ـ نظرة الإسلام، فالإسلام يرى من ناحية أنّ المرأة في عرض الرجل ومثله في الإنسانية، ومن ناحية أُخرى لايُغفِل الفوارق الفسلجية والسيكولوجيّة الثابتة - بحسب طبيعة الخلقة ـ فيما بينهما، كغلبة الجانب العقلي على الجانب العاطفي في الرجل، وغلبة الجانب العاطفي على الجانب العقلي في المرأة، وقوّة الرجل بنيةً وقدرةً على الصمود في خضّم مشاكل الحياة، وضعف المرأة في ذلك، وكون المرأة مثاراً للشهوة أكثر من الرجل و غير ذلك.

ولئن فرضنا صدق صاحب النظرة الثانية في دعواه للإيمان بالمساواة بينهما في الإنسانية وحقوقها ـ وهذا تماماً هو ما يؤمن به الإسلام، فغفلته عن أمر واقع ـ وهو الفوارق الفسلجية و السيكولوجية الثابتة بينهما بحسب الخلقة - أو تغافله عن ذلك أو جبت أن يصل في النتائج الخارجيّة إلى العكس ممّا كان يفترض تقصّده من إسعاد المرأة، و إعطائها الحقوق الطبيعية لها في عرض الرجل، فقد أدّت هذه النظرة إلى دمار وضع المرأة، و تردّي الحالة النفسيّة و الأخلاقيّة بشكل عامّ.

وتوضيح ذلك: أنّ الإسلام يرى أنّ المجتمع السعيد ـ بلحاظ الحياة الدنيا، وبغضّ النظر عن مسألة الآخرة ـ هو المجتمع المبني من وحدات صغيرة عائليّة متماسكة، وذلك

بنكتتين:الاُولى ـ أنّ النظام العائلي هو النظام الأنجح في تأمين مايحتاج إليه الإنسان


(1) التكوير: الآية 8 و 9.
الصفحة 72

من استقرار الحياة و نظمها بأحسن وجه.

والثانية ـ أنّ النفس البشريّة بحاجة إلى مسألة الحبّ و الوداد و العطف والرحمة، كما هي بحاجة إلى الخبز و الماء، فإنّ من أهمّ حاجات الإنسان الروحيّة الفطريّة أن يتبادل الحب، وأن يقيم علاقة الودّ و التعاطف مع آخرين، والطفل بطبيعته الروحية يحتاج إلى من ينظر إليه بعين الرأفة، ويلاطفه بعين المحبّة، ويداعبه بيد العطف والرحمة، و المرأة تحسّ بالحاجة الروحية الماسّة إلى جذب عواطف الرجل، وامتلاك قلبه، والرجل بحاجة روحيّاً إلى ريحانة يحبّها وينشىء معها علاقة الودّ و الرعاية إلى جنب العلاقة الجنسيّة، ومجرّد العلاقة الجنسيّة لايشبع إلاّ حاجته الجسميّة، ويبقى جانبه الروحي غير مرتو، ولذا تراهم يريدون أن يشبعوا هذه الحاجة ـ بعد فقدهم للنظام العائلي بشكله الصحيح الإسلامي ـ عن طريق تبادل العشق، قال اللّه تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مؤدّة و رحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (1).

وبما أنّ نظام الغرب أغفل الفوارق الطبيعية الموجودة في خلقة الجنسين أدّى ذلك إلى تمييع النظام العائلي، و تفسيخ أواصر المحبّة في أفراد العائلة، كما هو مشاهد في المجتمع الغربي، وذلك بنكتتين:

1 - حاجة الوحدة العائلية إلى قيّم يشرف عليها، وينظّم أمرها بنوع من الولاية، بينما قد فرض الرجل و المرأة على حدّ سواء، وهذا يُفقد الوضع العائلي حالة التماسك التي تحدث ضمن تنظيم الأمر عن طريق الولّي المشرف.

2 - رفع الحجاب عن المرأة التي هي مثار للشهوة بحجّة الحرّيّة الشخصيّة ممّا أوجب تفسخ الوضع العائلي بشكل كامل.


(1) الروم: الآية 21.
الصفحة 73

وبكل هذا قد فقد المجتمع الغربي نعمة الحبّ والوداد الحقيقي فيما بين الأفراد، وحلّ محلّ ذلك التفسخ الأخلاقي والنظرة الحيوانية البحتة في الحياة.

بينما الإسلام لاحظ من ناحية أنّ المرأة كالرجل سواء بسواء في الإنسانية، فجعل يخاطبهما بنسق واحد، قال اللّه تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنّي لا اُضيع عمل عامل منكم من ذكر أوأُنثى (1)، وقال تعالى: ﴿إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصائمين الصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين اللّه كثيراً والذاكرات أعدّ لهم مغفرة وأجراً عظيماً (2). وقال تعالى: ﴿وإذا المؤودة سئلت بأيّ ذنب قتلت (3).

ولاحظ من ناحية أُخرى أنّها تختلف عن الرجل في الخلقة في مدى القوة والضعف، ومدى غلبة الجانب العقلي أو العاطفي على الجانب الآخر، وغير ذلك. قال اللّه تعالى: ﴿أو من يُنَشؤُا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (4)، وقال تعالى: ﴿الرجال قوّامون على النساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعض وبما أنفقوا (5). وفي وصية أميرالمؤمنين لولده محمّد بن الحنفية بسند غير تامّ: (لا تملك المرأة من الأمر مايجاوز نفَسها، فإنّ ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارِها على كلّ حال، وأحسن الصحبة لها ليصفو


(1) آل عمران: الآية 195.

(2) الاحزاب: الآية 35.

(3) التكوير: الآية 8 و 9.

(4) الزخرف: الآية 18.

(5) النساء: الآية 34.

الصفحة 74

عيشك)(1).

وقد أسّس الإسلام كلّ تشريعاته بالنسبة للمرأة على أساس التفاته إلى هاتين النكتتين، أعني كون المرأة مساوية للرجل في الإنسانية، وحقوق الإنسانية من ناحية، وكونها مختلفة عنه في الخلقة سيكولوجياً وفيسيولوجيّاً من ناحية أُخرى.

والآن نبدأ بالجواب على الاعتراضات الماضية تباعاً:

أمّا الاعتراض الأوّل ـ وهو حرمانها من بعض المناصب كالقضاء: فالإسلام ينطلق من منطلق الإيمان بالفرق الموجود بين الجنسين في الخلقة وضعفها عن مقاومة الضغوط والمشاكل من ناحية، وغلبة الجانب العاطفي على الجانب العقلي فيها من ناحية أُخرى. ومن هذا المنطلق حرمها من بعض المناصب كالقضاء، وأعفاها أيضاً بالمقابل ـ منطلقاً من نفس النكتة ـ عن بعض المسؤوليات والأعباء كالجهاد. بل في رؤية الإسلام يرجع كلّ هذا إلى الإعفاء عن المسؤوليّات والأعباء، لأنّ من يتربّى بتربية الإسلام لاينظر إلى منصب القضاء ونحوه كمغنم، وليست أمثال هذه الأُمور في منطق الإسلام مغانم، بل ينظر إليها كمسؤوليّة وأمانة.

وأمّا الاعتراض الثاني ـ وهو ظلمها من الناحية الاقتصادية في مسألة الإرث، فازدياد حصّة الذكر في الغالب على الأُنثى في منطق الإسلام يوازي كون الرجل هو الذي يتحمّل عبء العائلة الاقتصادي دون المرأة.

وأمّا الاعتراض الثالث ـ وهو السماح بتعدّد الزوجات للرجل وعدم السماح بتعدّد الأزواج للمرأة فالواقع أنّ ملاك رفض التعدّد المشترك بين الجانبين يمكن أن يكون أحد أُمور ثلاثة:


(1) الوسائل، ج 14، ب 87 من ابواب مقدمات النكاح، ح 3، ص 120.

الصفحة 75

1 ـ الغيرة.

2 - الحسد.

3 - أنّ اللّه لم يجعل لرجل في جوفه من قلبين، فاتّخاذ زوجة أُخرى يوزّع قلب الرجل ومودّته بين الزوجتين، وهذا خلاف الوفاء بشأن الزوجة الاُولى.

أمّا الغيرة - فالواقع أنّها ليست شيئاً أصيلا في طبيعة الإنسان وثابتاً قبل القوانين والعادات; كي يترقّب تأثيرها على كيفيّة تشريع القوانين، بل هي وليدة للنظم والقوانين والعادات، وقد شاء نظام الإسلام أن يحرّم الغيرة على النساء، ويوجبها على الرجال للنكتة الآتية.

وأمّا الحسد ـ فهو محارب من أساسه من قبل الإسلام باعتبار قبحه العقلي من ناحية، ومفاسده الاجتماعية من ناحية أُخرى، فلا معنى لترتيب أثر على ذلك في المقام.

وأمّا الأمر الثالث ـ وهو أنّ القلب لا يمتلكه اثنان، وأنّه إذا وزّع الودّ على شخصين قلّت حصّة كلٍّ منهما عمّالو اختصّ القلب ب أحدهما - فما أروع النقض الذي أورده المرحوم الشهيد الشيخ المطهري ، وهو النقض بما هو محسوس ومجرّب من أنّ الإنسان المحبّ لولده والغارق في حبه حينما يحصل على ولد آخر يشعر بحبه كالأوّل من دون أن ينقص من الأول شيء.

والواقع أنّ النكتة التي أو جبت حرمة تعدّد الأزواج للمرأة، وجواز تعدّد الزوجات للرجل، وأوجبت الغيرة على الرجل وحرّمتها على النساء هي أنّه بعد أنْ رأى الإسلام أنّ حياة المجتمع ترتبط بمدى استحكام وتماسك بنية الوحدة العائلية، ورأى أنّ هذا التماسك في بنيتها يتوقّف على قوّاميّة الرجل كما سيأتي إن شاء اللّه رأى أنّ تعدّد القيّم بتعدّد الزوج يفسد وحدة وتماسك البنية العائلية، بينما لو اتّحد القيّم فتعدّد العائلة لايوجب مفسدة من هذا القبيل، بل هذا القيّم الواحد يبني وحدتين عائليّتين

 
الصفحة 76

من هذا القبيل، وكلّ منهما بحدّ ذاته وحدة متماسكة، على أنّ اختلاط النسل في موارد ثبوت النسل أيضاً يضر بتماسك بنية الوحدة العائلية ضرراً كبيراً كما هو واضح.

وأمّا الاعتراض الرابع ـ وهو سلب حرّيّة المرأة في مسألة الحجاب، وفي قوامية الرجال على النساء ـ: فالجواب عن مسألة الحجاب واضح ممّا تقدم، فإنّ الحجاب مبتن على الفرق الفسلجي الموجود بين الجنسين من كون المرأة مثاراً للشهوة; إذ على أساس ذلك يكون رفع الحجاب موجباً لارتباط الزوج برفيقات، وارتباط الزوجة برفاق ممّا يُنهي تماسك الحياة العائلية الذي قلنا أنّه هو أساس سعادة المجتمع في نظر الإسلام.

كما أنّ الجواب عن القوّاميّة أيضاً واضح ممّا تقدّم، وبيانه هو: أنّ القوّاميّه ليست ثابتة في الإسلام لجنس الذكر على جنس الأُنثى ولذا الاقواميّة للأخ على الأُخت مثلا، وإنّما هي ثابتة في خصوص الحياة العائلية للزوج على الزوجة، ومنشأ ذلك مجموع أمرين:

الأوّل ـ أنّ تماسك الوحدة العائلية الذي هو أساس سعادة المجتمع في نظر الإسلام يتوقّف على وجود قيّم واحد عليها.

والثاني ـ أنّ الرجل هو الأوْلى بالقيمومة لما له من امتياز فسلجي وسيكولوجي في القوّة والصمود في خضم المشاكل، وفي غلبة جانب العقل والحنكة فيه على جانب العاطفة بخلاف المرأة.

وأمّا الاعتراض الخامس ـ وهو أنّ الإسلام افترضها أقلّ شأناً من الرجل في حقّ الحياة والسلامة بدليل نقصان ديتها من دية الرجل، فالجواب على ذلك هو أنّ الحكم بنقصان ديتها من دية الرجل لاينشأ من كون حقّ الحياة والسلامة لها أخفّ من حقّ الرجل ودون حقّ الرجل، بل ينشأ من نظرة اقتصادية للإسلام إلى الرجل والمرأة; حيث إنّ الرجل كمنتج اقتصادي أقوى من المرأة بلحاظ الفوارق

 
الصفحة 77

الفسلجية والسيكولوجية بينهما. والذي يدلّنا على ذلك أنّ الإسلام أعطى للمرأة حقّ القصاص كاملا من الرجل مع دفعها لنصف الدية، ولم يحرمها من القصاص بأن يفرض عليها التنزّل منه إلى نصف الديّة، وهذا يعني أنّ النكتة في باب الدية لم تكن تكمن في حقّ الحياة والسلامة، بل كانت تكمن في الجانب الاقتصاديّ، فالرجل اقتصاديّاً يقوّم بأكثر ممّا تقوّم المرأة به للفوارق الفسلجية والسيكولوجية بينهما، أمّا بما هما إنسانان يستحقّان الحياة والسلامة فهما سيّان. ولذاترى أنّ الذمّي الذي ديته أقلّ من المسلم بنكتة اعتباره أقلّ مستوىً في حقّ الحياة والسلامة من المسلم حينما يقتله المسلم أو يجني عليه لا يسمح له بالقصاص ودفع الفارق من الدية، بل ينتقل رأساً إلى تغريم المسلم بدية الذمّي التي هي أقل من دية المسلم.

هذا، ولا يخفى أنّ كلّ ماذكرناه وأمثاله كمصالح وحكم للتشريعات الإسلامية إنّما هو مبلغ فهمنا وحدسنا، واقناعاً لبعض قطاعات الناس، والواقع هو أنّ الشريعة الإسلامية وأحكامها تقبل تعبّداً من قبل المشرّع بعد إثبات اللّه، والنبوة، والكتاب، والسنة، ببراهين عقلية; علماً بأنّ البشر لا يعرف ما يصلحه عمّا يفسده بالشكل الذي يعرفه خالقه و باريه وخالق العالم والكون أجمع.

شرط طهارة المولد

الشرط السابع ـ طهارة المولد. ويدلّ عليه مادلّ على عدم صلاحيّته للإمامة في الجماعة ولا الشهادة، إمّا بالأولويّة، أو بصنع جوّ تشريعي يمنع عن انعقاد الإطلاق في دليل القضاء.

 
الصفحة 78


شرط الإيمان

الشرط الثامن ـ الإيمان. وتدلّ عليه مقبولة عمر بن حنظلة(1)، ورواية أبي خديجة(2)، وأقصد بذلك التمسّك بما في ذيل الحديثين من قوله: «ينظران من كان منكم ...»، وقوله: «انظروا إلى رجل منكم ...». ويكفي أيضاً لإثبات شرط الإيمان بمعنى دخله في نفوذ الحكم ما دلّ على عدم صحّة الائتمام بغير المؤمن، وذلك بأحد التقريبين الماضيين من الأولويّة، أو صنع جوّ تشريعي يمنع عن انعقاد الإطلاق في دليل القضاء.

وأمّا صدر المقبولة ورواية أبي خديجة، فلا علاقة لهما بشرط الإيمان بالذات، بل يدلاّن على النهي التكليفي عن الترافع لدى طاغوت الزمان وأعوانه، والنهي التكليفي يدلّ بالالتزام العرفي على عدم نفوذ الحكم، بل مقبولة عمر بن حنظلة صريحة في عدم النفوذ، بل عدم جواز أخذ حقّه ـ رغم كونه حقّاً ـ عن طريق حكم الحاكم الجائر.

والحاصل أنّ صدر الروايتين أجنبيّ عمّا نحن فيه، ويدلّ على شرط آخر سنشير إليه في الشرط التاسع.


(1) الوسائل، ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 1، ص 99.

(2) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 5، ص 4.

الصفحة 79


شرط عدم كونه طاغوتاً

الشرط التاسع: أن لايكون مصداقاً لسلطان الجور وأياديه ولو فرض شيعياً، وذلك تمسّكاً بإطلاق النهي الوارد عن التحاكم إلى الطاغوت الدالّ على الحرمة التكليفيّة، وعلى عدم النفوذ بالملازمة ـ كما أشرنا إليه في آخر الشرط الثامن ـ وكون مورد صدور الروايات خصوص غير الشيعي لا يمنعنا عن فهم الإطلاق. كما لا يبعد فهم الإطلاق من قوله ـ تعالى ـ: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم أمنوا بما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروابه ... (1). وإن أمكن الدغدغة في إطلاقها بأنّ الآية بصدد التنكيل ببعض الناس بنحو القضية الخارجيّة ولم تكن ابتداءً في مقام بيان تحريم التحاكم إلى الطاغوت بحيث يتمّ فيها الإطلاق في موارد الشكّ.

إلاّ أنّ الجواب عن هذه الدغدغة هو أنّ تعليق الحكم على الطاغوت ينافي تخصيص الحكم بغير الشيعي; لأنّ هذا إلغاء لعنوان الطاغوت ومصير الى عنوان آخر لاتقييد بقيد إضافي كي تحتاج إلى الإطلاق بمعنى مقدّمات الحكمة، كي يستشكل فيه بما ذكر.

وعلى أيّ حال فلا ينبغي الإشكال في ثبوت هذا الشرط، ولافي حرمة الترافع إلى الطاغوت وأياديه تكليفياً في الجملة.


(1) النساء: الآية 60.

الصفحة 80

الترافع إلى الطاغوت لإنقاذ الحق:

لكن يقع الكلام في جواز أو حرمة الترافع إليهم بدافع انقاذ الحقّ عند العجز عن الترافع إلى حاكم العدل.

فمقتضى إطلاق بعض الروايات كالمقبولة ورواية أبي خديجة عدم الجواز، وإن كان بعضها الآخر وارداً في خصوص فرض إمكانية الرجوع إلى حاكم العدل، كرواية أبي بصير(1) ـ التامّة ببعض أسانيدها بناءً على تمامية أبي بصير، ورواية أبي بصير(2) ـ الضعيفة سنداً بعبد اللّه بن بحر. وسيأتي ذكرهما قريباً.

وهناك وجوه لإثبات جواز الرجوع إلى قاضي الجور لأجل إنقاذ الحقّ عند عدم إمكانيّة الترافع إلى حاكم العدل:

الوجه الأوّل ـ التمسّك ببعض الروايات التالية:

1 - مارواه عطاء بن السائب عن علي بن الحسين قال: «إذاكنتم في أئمة جور فامْضوا(3) في أحكامهم ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم»(4). وإطلاقه لفرض إمكان الترافع إلى قاضي العدل يعالج بما سيأتي إن شاء اللّه من ذيل الرواية الثالثة الواردة في خصوص فرض إمكانيّة الترافع. إلّا أنّ سند هذا الحديث ضعيف، فإنّ عطاء بن السائب لم يوثق على


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 2.

(2) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 3.

(3) هكذا في التهذيب الطبعة الجديدة. أمّا في الوسائل الطبعة الجديدة والفقيه الطبعة الجديدة فقد ورد: (فاقضوا). والظاهر أنّ الصحيح هو نسخة التهذيب.

(4) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 7، ص 5، وب 11 من آداب القاضي، ح 2، ص 165.

الصفحة 81

أنّ هذا الحديث: تارةً ذكر في الفقيه(1) عن عطاء بن السائب، وسند الصدوق إلى عطاء بن السائب غير تامّ، فإنّ سنده عبارة عن الحسين بن أحمد بن إدريس عن أبيه عن محمّد بن أبي الصهبان عن أبي أحمد محمد بن زياد الأزدي عن أبان الأحمر عن عطاء بن السائب، بينما الحسين بن أحمد بن إدريس لم يرد توثيق بشأنه. وأُخرى في التهذيب(2) عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن محمد بن إسماعيل بن بزيغ عن صالح بن عقبة عن عمرو بن أبي المقدام عن عطاء بن السائب، و صالح بن عقبة - سواء أُريد به صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان كما هو الظاهر بقرينة رواية ابن بزيع عنه، أو اُريد به صالح بن عقبة بن خالد الأسدي - لم يوثق، وضعّف ابن الغضائري الأوّل بقوله: «غال كذّاب، لايلتفت إليه»، وإن كان لايلتفت إلى تضعيفه. وثالثة في التهذيب(3) بسنده عن سعد بن عبداللّه عن محمّد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن صالح بن عقبة عن عمرو بن أبي المقدام عن عطاء بن السائب، وهذا أيضاً كما ترى مبتلىً بوجود صالح بن عقبة. ورابعة رواه الصدوق في العلل ـ على ما في الوسائل(4)- عن أبيه عن سعد عن عمرو بن أبي المقدام، إلاّ أنّ لقاء سعد لعمرو بن أبي المقدام غير معقول، فالسند مبتلىً بالإرسال، على أنّ الرواية من حيث الدلالة أجنبيّة عن المقام، فإنّها ظاهرة في المماشاة معهم في الأحكام تقيّة.

2 - ما رواه الشيخ بسنده إلى أحمد بن محمد بن عيسى عن عليّ بن مهزيار عن علىّ بن محمد قال: «سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذوه منّا في


(1) ج 3، ح 3، ص 3.

(2) ج 6، ح 536، ص 224.

(3) ج 6، ح 540، ص 325.

(4) الوسائل، الجزء 18، الباب 11 من آداب القاضي، ذيل الحديث 2.

الصفحة 82

أحكامهم؟ فكتب : يجوز لكم ذلك إن شاء اللّه إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة لهم»(1). وأظنّ أنّ المقصود بعليّ بن محمد هو الهادي الذي كان عليّ بن مهزيار من أصحابه، لاأنّه راو روى لعليّ بن مهزيار عن الإمام ، وعليه فالسند من أحمد بن محمّد بن عيسى إلى الإمام تامّ، ولكن يبقى الضعف الموجود في بعض أسانيد الشيخ إلى أحمد بن محمّد بن عيسى حيث نحتمل كون هذا الحديث بالسند الضعيف، إلاّ أنّ هذا معالج بنظرية التعويض. وأمّا من حيث الدلالة، فهذه أيضاً أجنبية عن المقام، حيث إنّ ظاهرها السؤال عن أن نأخذ منهم وفق فقههم ما يأخذونه منّاكما في الشفعة بالجوار والعصبة ـ على حدّ تعبير صاحب الجواهر (2) ـ على أنّ الحديث غير مختصّ بفرض عدم إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل، إلاّ أنّ هذا سيعالج إن شاء اللّه بما سيأتي في ذيل الرواية الثالثة.

3 - ما عن عليّ بن فضّال بسند تامّ قال: «قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني وقرأته بخطه سأله ما تفسير قوله تعالى: ﴿ولاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكّام؟ فكتب بخطّه: الحكّام القضاة، ثمّ كتب تحته هو أن يعلم الرجل أنّه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي قد حكم له إذا كان قد علم أنّه ظالم»(3). فيدلّ بالمفهوم على أنّه إذا لم يكن قد علم أنّه ظالم فهو معذور في أخذه لحقّه عن هذا الطريق، وهذا الكلام يدلّ عرفاً على جواز الترافع عنده.


(1) الوسائل ج 18، باب 11 من آداب القاضي، ح 1، ص 165.

(2) جواهر الكلام، ج 40، ص 35.

(3) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 9، ص 5. وأمّا الاية الكريمة فهي في سورة البقرة الآية 188، وتتمة الآية كمايلي: (لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم و أنتم تعلمون).

الصفحة 83

إلاّ أنّه قد يقال: لم يعلم كون المقصود من ذلك هو قاضي الجور.

وقد يجاب على ذلك بأنّنا نثبت كون المقصود من ذلك قاضي الجور بقرينة رواية أُخرى حملت الحكّام في الآية الشريفة على قضاة الجور، وهي ما عن أبي بصير «قال: قلت لأبي عبداللّه : قول اللّه ـ عزّ و جلّ ـ في كتابه: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكّام. فقال: يا أبابصير إنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ قد علم أنّ في الاُمّة حكّاماً يجورون. أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل، ولكنّه عنى حكّام أهل الجور. يا أبا محمّد إنّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام أهل العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له لكان ممّن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول اللّه - عز وجلّ -: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت »(1).

هذا. وقد يقال: إنّ رواية ابن فضّال بعد حمل الحكّام في الآية بقرينة رواية أبي بصير على حكّام الجور تصبح معارضة للروايات الناهية عن الترافع عند حكّام الجور بالتباين، وليست خاصّة بصورة عدم إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل كي تخصّص روايات النهي بها، فلا يبقى فرق بين فرض إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل و عدمها، وكذلك الحال في الروايتين السابقتين، فغاية ما يفترض فيهما هي الدلالة على جواز الترافع عند حكّام الجور من دون وجود ما يدلّ على اختصاصهما بصورة عدم إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل، فلا موجب لتخصيص النهي بهما، ولامبرر للتفصيل بين فرض إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل و عدمها.

والجواب: أنّ بعض روايات النهي عن الترافع إلى قاضي الجور خاصّة بصورة إمكان الرجوع إلى قاضي العدل، كنفس رواية أبي بصير التي جعلناها قرينة


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 3، ص 3.

الصفحة 84

على حمل الحكّام في الآية على حكّام الجور، و كرواية أبي بصير الأُخرى عن أبي عبداللّه قال في رجل كان بينه و بين أخ له مماراة في حقّ، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه، فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء: (كان بمنزلة الذين قال اللّه عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك و ماأُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به الآية)(1).

فإمّا أن نبني على قاعدة انقلاب النسبة، ونقيّد رواية ابن فضّال و الروايتين السابقتين بما دلّ على النهي عن الترافع عند قضاة الجور مع إمكانيّة الترافع عند قضاة العدل، فتخصّ هذه الروايات بصورة عدم إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل، ثمّ نقيّد روايات المنع المطلق عن الترافع إلى قاضي الجور بهذه الروايات.

وإمّا أن لانبني على قاعدة انقلاب النسبة، فنقول بأنّ روايات المنع المطلق تعارضت مع هذه الروايات، وبعد التساقط رجعنا إلى روايات المنع المختصّة بفرض إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل، ويبقى الرجوع إلى قاضي الجور بهدف استنقاذ الحقّ عند العجز عن الرجوع إلى قاضي العدل باقياً تحت أصالة الجواز، فإنّ كلامنا هنا في الجواز وعدمه، لا في النفوذ و عدم النفوذ حتى تجري أصالة عدم النفوذ لاأصالة البراءة.

هذا وقد يقال في إبطال التمسّك برواية ابن فضّال لإثبات جواز الرجوع إلى قاضي الجور: إنّ ضعف سند رواية أبي بصير التي جعلناها قرينة على حمل الحكّام في الآية على حكّام الجور بعبداللّه بن بحر الواقع في سند هذا الحديث يجعلنا لا نملك دليلا على كون النظر في رواية ابن فضّال إلى حكّام الجور، فلعلّ المقصود من رواية ابن فضّال مجرّد تحريم العمل من قبل المحكوم له بحكم القاضي لو علم بينه و بين اللّه


(1) نفس المصدر في نفس الصفحة، ح 2.

الصفحة 85

أنّه ليس هو على حقّ، وأنّ خصمه هو المحقّ وهذا ممّا لاغبار عليه، ولاعلاقة له بما نحن بصدده.

إلاّ أنّ الصحيح هو أنّ حمل الحكّام في الآية الشريفة على حكّام الجور ليس بحاجة إلى الاستشهاد له برواية أبي بصير حتى يردّ ذلك بضعف سند تلك الرواية، بل الآية في نفسها واضحة في إرداة حكّام الجور; لأنّ الآية بصدد النهي عن الإدلاء بالأموال إلى الحكّام، ومن الواضح أنّ أخذ الرشا إنّما هو شأن حكّام الجور دون حكّام العدل.

ومع هذا فقد يقال: إنّ رواية ابن فضّال لا تغنينا شيئاً في المقام، فإنّها مشتملة على فقرتين:

الاُولى: قوله: «الحكّام القضاة» وهذا راجع إلى تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿وتدلوا بها إلى الحكّام.

والثانية: قوله: «هو أن يعلم الرجل أنّه ظالم، فيحكم له القاضي فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي قد حكم له إذا كان قد علم أنّه ظالم»، وهذا لا علاقة له بقوله: ﴿تدلوا بها إلى الحكّام، وإنّما هو راجع إلى قوله ـ تعالى ـ: ﴿لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، فهذا يعني أنّ الأكل بالباطل يكون من قبيل أنّ القاضي يحكم لصالح أحد المتخاصمين، وهو يعلم أنّه على باطل، وأنّ خصمه على حقّ، فيعمل بحكم القاضي، فهذا غير جائز، وهذا واضح لاشكّ فيه، ولم يؤخذ في موضوعه فرض كون القاضي جائراً. إلاّ إذا استُظهِر أنّ المراد بالقاضي هو المراد من كلمة الحكّام في الآية الشريفة.

4 - روايات جواز تغيير الشهادة أمام حاكم الجور بالشكل الذي يُقنعه

 
الصفحة 86

بالقضاء الحقّ(1)، فلولا جواز المرافعة إلى حاكم الجور في الجملة لما كان موضوع لمسألة الشهادة أمامه بشيء من التغيير.

والجواب ـ بغضّ النظر عن ضعف سندها و ابتلائها بالمعارض(2) الذي ينهى عن التدليس حتى أمام محكمة الجور، وإن كان المعارض أيضاً ضعيفاً ـ: أنّ هذه الروايات قد فرض فيها أصل المرافعة أمام قاضي الجور مفروغاً عنه، فلعلّها كانت في مورد العسر و الحرج، أو في مورد كان الرفع إلى القاضي من قبل الطرف الآخر الذي هو غير ملتزم بحكم الشريعة بحرمة الرفع إلى قاضي الجور، فأصبح الطرف المقابل أمام أمر واقع، ووصلت النوبة إلى الشهادة و إلى التغيير في الشهادة لأجل إحقاق الحقّ.

الوجه الثاني ـ هو النقاش في أصل فرضيّة إطلاق يدلّ على النهي عن الترافع إلى قاضي الجور، ولو مع العجز عن الترافع إلى قاضي العدل، فإنّ روايات النهي عن ذلك بعضها صريح في الاختصاص بصورة إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل كروايتي أبي بصير الماضيتين، وبعضها الآخر لاتوجد فيه صراحة من هذا القبيل كمقبولة عمر بن حنظلة و رواية أبي خديجة، ولكن قد ذكر فيها فور النهي عن التحاكم عند قضاة الجور الإرشاد إلى التحاكم عند قضاة العدل ممّا قد يصلح للقرينيّة على عدم الإطلاق لفرض عدم إمكانيّة الرجوع إلى قاضي العدل، فإذا لم يتّم الإطلاق رجعنا إلى أصالة الجواز، فإنّ كلامنا في جواز الرجوع إلى قاضي الجور لاستنقاذ الحقّ، لافي نفوذ قضائه.

الاّ أنّه قد يقال: لئن لم يتّم إطلاق في الروايات لتحريم التحاكم عند قاضي


(1) الوسائل، ج 18، ب 4 من الشهادات، ص 230 و 231.

(2) الوسائل، ج 18، ب 18 من الشهادات، ح 1، ص 247.

الصفحة 87

الجور حينما نعجز عن الرجوع إلى قاضي العدل، فإنّنا نتمسّك في ذلك بإطلاق الآية الكريمة الناهية عن التحاكم إلى الطاغوت. قال اللّه ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و أُولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا. ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروابه ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالا بعيداً. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً (1). فالآية الشريفة قد دلّت على أنّ الأمر بالكفر بالطاغوت يستوجب عدم التحاكم إليه، وهذا بإطلاقه يقتضي عدم جواز ذلك حتى عندالعجز عن التحاكم إلى قاضي العدل.

وقد(2)يناقش في ذلك بأنّ الآية وردت بلسان القضيّة الخارجية لا الحقيقية حيث تشير إلى طائفة من الناس بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما اُنزل إليك وما اُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت. ومن الواضح


(1) النساء: الآية 59 و 60 و 61.

(2) وقد يقال مضافاً إلى ما في المتن: إنّ المستفاد ممّا في الآية من التعليل بالأمر بالكفر بالطاغوت هو أنّ تحريم التحاكم إليه يكون بنكتة كون ذلك دعماً وتأييداً له، وهذه النكتة تكون أحياناً مفقودة; كما إذا كنّا نعيش في مجتمع تسوده سلطة الطاغوت بنحو لايُرى أيّ أثر للتحاكم إليه من قبل هذين المترافعين وعدمه. وهذا البيان يأتي أيضاً في مقبولة عمر بن حنظلة، بل وقد يأتي في رواية أبي خديجة بناءً على استظهار نفس النكتة منها بمناسبات الحكم والموضوع. إلاّ أنّ النسبة بين مايستفاد من هذا البيان وبين جواز الترافع عند الطاغوت حين العجز عن الترافع عند قاضي الحقّ عموم من وجه.

الصفحة 88

أنّ اُولئك الناس الذين تشير إليهم الآية المباركة كانوا قادرين على التحاكم عند رسول اللّه ، فلا إطلاق في الآية لمن لا يقدر على التحاكم عند قاضي العدل. وصحيح أنّ ذكر الوصف المذكور في الآية وهو إرادة التحاكم عند الطاغوت مشعر بالعلّية، لكنّه ـ بعد أن كانت القضيّة خارجيّة ـ لا يدلّ على أنّه هو تمام العلّة وعدم دخل أىّ وصف آخر ـ كوصف القدرة على التحاكم عند قاضي العدل ـ في العلّة، على أنّ ما قبل الآية - من الأمر بردّ النزاع إلى اللّه والرسول -، وكذلك ما بعد الآية - الوراد في تنكيل من قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول فصدّوا عن ذلك - قديكون صالحاً للقرينية على عدم الإطلاق والنظر إلى خصوص فرض إمكانيّة الردّ إلى اللّه والرسول.

هذا وقد يقال: إنّ هناك آية أُخرى لا يبعد تمامية الإطلاق فيها، هي قوله - تعالى ـ: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار ومالكم من دون اللّه من أوليآء ثم لا تنصرون (1). فهذه الآية تشمل ما نحن فيه حتى لو فسرت الآية بمعنى الركون إلى الظالم في ظلمه وبما هو ظالم لا مطلقاً، فإنّ التذرّع في تحصيل الحقّ إلى حاكم الجور ـ الذي يكون إشغاله لمنصب الحكومة ظلما - ركون إلى الظالم في ظلمه، فهو حرام حتى مع العجز عن التحاكم إلى قاضي العدل وفق إطلاق الآية الكريمة. إلّا أن يقال: بأنّ الركون يعطي معنى الاتّكاء على ركن ركين والارتباط بقدرة وهيمنة، ممّا لا يصدق على مجرّد الترافع عند شخص، فإنْ قيل هكذا لم يتمّ الإطلاق في الآية الكريمة للمقام، وكذلك لا يتمّ الإطلاق في الآية لو فسّر الركون بما فسّربه المرحوم العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان من أنّه الاعتماد على شيء عن ميل إليه لا


(1) هود: الآية 113.

الصفحة 89

مجرّد الاعتماد(1). إلاّ أنّ هذا المعنى غير مذكور في كتب اللغة، ولكن العلاّمة الطباطبائي استشهد لذلك بتعديته بإلى لا بعلى، وقد يشهد له أيضاً ما جاء في تفسير علىّ بن إبراهيم من تفسيره بأنّه ركون مودّة ونصيحة وطاعة(2). وعلى أيّ حال فالظاهر أنّ هذا التفسير غير موجود في كتب اللغة.

الوجه الثالث ـ هو التمسّك بقاعدة نفي الحرج، و هذا الوجه تامّ، إلاّ أنّه أخصّ من المدّعى; لأنّه خاصّ بفرض ما إذا كان الصبر على فوات حقّه حرجياً.

الوجه الرابع ـ هو التمسّك بقاعدة نفي الضرر، فإنّ فوات الحقّ ضرر دائماً. وهذا الوجه في تماميّته وعدم تماميّته يتبع البحث الأُصولي عن المباني في قاعدة نفي الضرر:

فمثلا على مبنى أنّ القاعدة لاتدلّ على أكثر من تحريم الإضرار، أو وجوب تداركه من قبل مسبِّب الضرر لايتمّ الاستدلال بها في المقام.

وعلى مبنى دلالتها على نفي كلّ حكم يأتي من قبله الضرر، أويوجب بقاء الضرر يتمّ الاستدلال بها في المقام.

وعلى مبنى أنّ نفس الحكم حينما يكون إضراراً يكون مرتفعاً بــ «لاضرر» يتمّ الاستدلال بها في المقام لو كان التحاكم لديه لإنقاذ الحقّ عند انحصار الطريق بذلك حقّاً عرفياً للإنسان، فكان سلبه ضرراً عرفاً.


(1) راجع: تفسير الميزان ج 11، ص 53.

(2) تفسير عليّ بن إبراهيم، ج 1، ص 338.

الصفحة 90


شرط الحريّة والكتابة والبصر

الشرط العاشرو الحادي عشر والثاني عشر: الحرّية والكتابة والبصر. وذلك بناءً على احتمال دخلها في القضاء، وعدم دليل لفظي نتمسّك بإطلاقه، واستفادة أمثال هذه الشروط من مبنى الاقتصار على القدر المتيقّن، إمّا مع دعوى العلم بعدم الفرق كما ذكره السيّد الخوئي(1)، أو مع وجود دليل لفظي نتمسّك بإطلاقه كما حقّقناه، فلا مجال لهذه الشروط.

نعم في خصوص الحرّيّة قد يتمسّك لإثبات عدم جواز قضاء المملوك بمادلّ على عدم نفوذ شهادته، كماورد بسند تامّ عن محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر عن الذمّي و العبد يشهدان على شهادة، ثمّ يسلم الذمّي، ويعتق العبد. أتجوز شهادتهما على ما كانا أُشهدا عليه؟ قال: نعم. إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما»(2). إلاّ أنّه معارض بما هو أقوى دلّ على نفوذ شهادته من قبيل ماورد بسند تامّ عن عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين : لابأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»(3)، وورد مثله عن الباقر عن علىّ في قصّته مع شريح(4)، وقد يحمل ما دلّ على عدم نفوذ شهادة المملوك على التقيّة، وسيأتي بحث ذلك إن شاء اللّه عند ذكر شرائط البيّنة.


(1) في مباني تكلمة المنهاج: ج 1، ص 11 و 12.

(2) الوسائل، ج 18، ب 39 من الشهادات، ح 1، ص 385.

(3) الوسائل، ج 18، ب 23 من الشهادات، ح 1، ص 253.

(4) الوسائل، ج 18، باب 14 من كيفية الحكم، ح 6، ص 194.

الصفحة 91


شرط الضبط

الشرط الثالث عشر ـ الضبط. واشتراط الجامع بينه وبين ما يؤدي نتيجته من إمكانيّة أن يضبط له غيره مالايضبطه واضح. أمّا اشتراط ما يكون أكثر من ذاك ممّا لا يؤدّي انتفاؤه إلى انتفاء شرط آخر كالاجتهاد بناءً على اشتراطه، فحاله حال اشتراط البصر.

شرط عدم الصمم و الخرس

الشرط الرابع عشر، و الخامس عشر: عدم الصمم و الخرس . والواقع أنّهما إن أضرّا بشرط آخر كالضبط وغيره فدليله دليل ذاك الشرط، وإلاّ فحال اشتراط عدمهما حال اشتراط البصر.

شرط العدالة

الشرط السادس عشر ـ العدالة.

والكلام في ذلك: تارةً يقع فيما هو الدليل على اشتراط العدالة في القضاء، وأُخرى فيما هو معنى العدالة المقصود بها في المقام، وثالثة فيما هو الكاشف عن العدالة:

 
الصفحة 92

أصل اشتراط العدالة:

أمّا الدليل على اشتراط العدالة في القضاء فقد يستدلّ على ذلك بعدّة وجوه:

الوجه الأوّل ـ هو التمسّك بقوله ـ تعالى ـ: ﴿ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار، ومالكم من دون اللّه من أوليآء، ثم لا تنصرون (1) بدعوى أنّ الفاسق ظالم، فالتحاكم إليه ركون إلى الظالم. وهذا الوجه لو تمّ فإنّما يثبت حرمة التحاكم إلى الفاسق، وبالملازمة العرفيّة أو القطع بعدم الانفكاك يثبت عدم نفوذ قضائه، ولايثبت شرط العدالة بناءً على وجود واسطة(2) بين العادل و الفاسق.

هذا واختصاص الحرمة بغير موارد الحرج مثلا ـ كما لو انحصر إنقاذ الحقّ بالترافع إلى الحاكم، وكان في عدم إنقاذه حرج ـ لايوجب اختصاص الدلالة على عدم نفوذ القضاء بذلك، فإنّ الملازمة ثابتة بين حرمة ذلك في الجملة و عدم النفوذ مطلقاً.

وعلى أىّ حال فقد يقال: إنّ هذا الوجه ـ وهو وجه تمسّك به السيّد الخوئي في مباني تكملة المنهاج(3) ـ لو تمّ للزم حرمة أيّ استعانة بالفاسق، فمثلا استيجار حمّال لحمل الثقل، أو بنّاء للبناء وهو فاسق غير جائز. ولاأظنّ السيّد الخوئي أو أيّ واحد آخر يلتزم بذلك فقهياً.

وقد يقال: إنّ مطلق الاستعانة والاستخدام مثلا لايعدّ ركوناً، وإنّما الركون


(1) هود: الآية 113.

(2) وهو من يكون جديد العهد بالبلوغ أو بالتوبة ولم يحصل بعد على ملكة العدالة.

(3) ج 1، ص 11.

الصفحة 93

عبارة عن الاعتماد على فرد أو جهة بفرض سيطرة و هيمنة له أولها، كما هو المفروض في باب القضاء حيث نتكلّم في نفوذه.

وقد يقال: إنّ الركون يعطي معنى الميل وسكون النفس على ما مضى من العلاّمة الطباطبائي .

أو يقال كما مضى أيضاً: إنّه يعطي معنى الاتّكاء على قوّة وسيطرة وسكون النفس إليها و الارتباط بها، ممّا لايصدق بمجرّد الترافع عند شخص مّا.

هذا وقد يقال: لعلّ المقصود بالآية الشريفة هو الركون إلى الظالم بما هو ظالم وبحيثية ظلمه، فلو ثبت أنّ تصدّي الفاسق للقضاء ظلم، فقد تدلّ الآية على حرمة الركون إليه بالتحاكم عنده، إلاّ أنّ هذا أوّل الكلام.

الوجه الثاني ـ ما مضى من رواية أبي خديجة: (إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق(1)...) بناءً على أنّ ذكر الوصف مشعر بالعليّة. وهذا الوجه لو تمّ فإنّما يدلّ على حرمة التحاكم عند الفاسق دون اشتراط العدالة بناءً وجود الواسطة بينهما. وقد استدلّ بهذا الوجه المحقّق العراقي (2)، ولو تمّت دلالة هذه الرواية، فقد مرّمنّا النقاش في سند هذه الرواية.

إلاّ أن يقال: إنّه لاحاجة بنا إلى خصوص هذا المتن لحديث أبي خديجة الضعيف سنداً، بل يمكن التمسّك بالمتن الآخر التامّ سنداً الذي ورد فيه: إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ...»(3) بدعوى أنّ أهل الجور أيضاً يعطي معنى


(1) الوسائل، ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 6، ص 100.

(2) كتاب القضاء، ص 7.

(3) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 5، ص 4.

الصفحة 94

الفاسق.

الوجه الثالث ـ هو التمسّك بما مضى في آخر مبحث اشتراط العلم من عهد الإمام عليّ إلى مالك الأشتر، فإنّه يدلّ على وصف العدالة، أو ما هو فوق العدالة، إلّا أنّه إنّ تمّ سنداً فقد مضى النقاش فيه دلالة، من حيث احتمال كون ذلك حكماً من قبل أمير المؤمنين بوصفه وليّاً للأمر على مالك الأشتر بوصفه منصوباً من قبله ، فلا هو يدلّ على شرط شرعي للعدالة في القاضي، ولا على أنّ المنصوب بالنصب العامّ من قبل الأئمّة المتأخّرين لا يكون إلّا من كان متّصفاً بالعدالة.

الوجه الرابع مقبولة عمر بن حنظلة (... فإن كان كلّ واحد منهما اختار رجلا من أصحابنا، فَرَضِيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما و أصدقهما في الحديث وأورعهما...)(1)، فإنّ ظاهر ذلك الفراغ عن عدالتهما معاً، حيث ذكر الترجيح بالأعدليّة، فدليل النصب إن كان هو مقبولة عمر بن حنظلة فهذا الذيل يمنع عن إطلاق الصدر لغير العادل، وإن كان غير مقبولة عمر بن حنظلة فذيل المقبولة يقيّد إطلاقه. إلّا أنّه لو وجدنا مورداً مّا احتملنا سقوط هذا الشرط فيه ـ كما في فرض صعوبة العثور على العادل ـ فقد يقال: بأنّ ذيل المقبولة لا يثبت القيد في هذا المورد بالخصوص بالإطلاق; إذ لم يكن بصدد بيان شرط العدالة كي يتّم فيه الإطلاق، إلّا أنّ الظاهر أنّ دليل النصب بعد أن قيّد في الموارد المتعارفة بشرط العدالة بحكم ذيل المقبولة لايبقى له إطلاق لغير العادل في موارد خاصّة; لأنّ احتمال انعقاد الإطلاق لفرض عدم العدالة بالنسبة لمورد نادر غير عرفي.

هذا ويشبه المقبولة ماورد عن موسى بن أكيل النميري عن أبي عبداللّه


(1) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي ح 1 ص 75.

الصفحة 95

قال: «سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ، فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا، فيما حكما. قال: وكيف يختلفان؟. قال: حكم كلّ واحد منهما للذي اختاره الخصمان. فقال: ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين اللّه، فيمضي حكمه»(1). إلّا أنّ هذه الرواية ضعيفة سنداً.

الوجه الخامس ـ هو التعدّي من دليل شرط العدالة في إمام الجماعة إلى المقام . والروايات الواردة في إمام الجماعة، وإن كان أكثرها لاتدلّ على أكثر من النهي عن الائتمام بالفاسق، وهذا لايمنع عن الائتمام بمن ليس فاسقاً ولاعادلا بناءً على تصوير وجود الواسطة بينهما، لكن فيها ما يستفاد منه شرط العدالة:

كما عن علىّ بن راشد قال: «قلت لأبي جعفر : إنّ مواليك قد اختلفوا فاُصلّي خلفهم جميعاً فقال: لاتصلّ إلّا خلف من تثق(2) بدينه»، هكذا في نسخة الكافي وفي التهذيب زاد: (وأمانته)(3).

وما عن يزيد بن حماد عن أبي الحسن قال: «قلت له: أُصلي خلف من لاأعرف؟ فقال: لاتصلّ إلّا خلف من تثق بدينه ...»(4) بناء على أنّ الوثوق بالدين يساوق إحراز العدالة. وكلاهما ضعيفان سنداً.

وما عن سماعة بسند تامّ قال: «سألته عن رجل كان يصلّي، فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة، قال: إن كان إماماً عدلا فلْيصلّ أُخرى،


(1) الوسائل، ج 18، ب 9 من صفات القاضي، ح 45 ص 88.

(2) قديفهم من كلمة الوثوق بالدين ـ بغضّ النظر عن عطف الأمانة ـ الوثوق بصحّة اعتقاداته.

(3) الوسائل، ج 5، ب 10 من صلاة الجماعة، ح 2، ص 389.

(4) الوسائل، ج 5، ب 12 من صلاة الجماعة، ح 1، ص 395. وتمام الحديث مذكور في الكشّي و في مجمع الرجال للقهبائي في ترجمة يونس بن عبدالرحمن.

الصفحة 96

وينصرف، ويجعلهما تطوّعاً، و لْيدخُلْ مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبنِ على صلاته كما هو، ويصلي ركعة أُخرى، ويجلس قدرما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لاشريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده و رسوله، ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقيّة و اسعة، وليس شىّ من التقية إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء اللّه»(1). وعيب هذا الحديث إضماره، فلو قلنا بإضرار الإضمار فالظاهر أنّه لاتبقى لنا إلاّ الروايات المانعة عن الصلاة خلف الفاسق وإن لم نقل بإضرار الإضمار ـ باعتبار انصرافه في عرف هؤلاء الرواة إلى الإمام المعصوم كما هو الظاهر، ولو لأجل أنّهم - عادة ـ كانوا يروون عن الإمام المعصوم ـ ثبت بذلك شرط العدالة في إمام الجماعة. ويحتمل كون هذه الرواية مأخوذة من قبل من رواها عن سماعة، وهو عثمان بن عيسى من كتاب سماعة حيث إنّ له كتاباً يرويه عنه عثمان بن عيسى، و إنّ الضمير راجع إلى الإمام الذي روى عنه الروايات السابقة في ذلك الكتاب.

أمّا وجه التعدّي عن إمام الجماعة إلى المقام فهو اِمّا عبارة عن القطع بلزوم التعدّي من إمامة الجماعة التي هي شبه قيادة، إلى القضاء الذي هو قيادة(2) حقيقة،


(1) الوسائل، ج 5، ب 56 من صلاة الجماعة، ح 2، ص 458.

(2) قد يقال: من المحتمل أنّ إمامة الجماعة اشترطت فيها العدالة لأنّها قيادة روحيّة. أمّا القضاء فليس عدا فصلا للخصومة بتشخيص الحقّ، وتكفي في ذلك الوثاقة في الحكم، فالقطع بالملازمة غير موجود. كما قد يناقش في الملازمة العرفية بأنّ الملازمة يجب أن تكون بيّنة بالمعنى الأخصّ حتى توجب ظهوراً عرفيّاً، بينما المتكلّم الذي يذكر شرط العدالة في إمام الجماعة قد يكون غافلا أصلا عن موضوع القضاء، فكيف تتمّ لكلامه دلالة التزاميّة عرفيّة على اشتراطها في القضاء؟.

      و يمكن الجواب عن الأوّل بأنّ هذا قد يتمّ في قاضي التحكيم. أمّا منصب القضاء الذي يتحقّق بنصب ولىّ الأمر فهو شعبة من أرقى شعب القيادة قد لايحتمل كونها أقلّ مقاماً وقدسيّة من إمامة الجماعة.

الصفحة 97

فلا يحتمل أن تكون العدالة شرطاً هناك، ولاتكون شرطاً هنا، أو عبارة عن أنّ جوّاً تشريعياً رافضاً لإمامة غير العادل يمنع عن انعقاد الإطلاق في دليل القضاء الذي هو أهّم من إمامة الجماعة بكثير، ومع عدم انعقاد الإطلاق يكون الأصل في قضاء الفاسق هو عدم النفوذ.

الوجه السادس ـ أن نتعّدى من دليل اشتراط العدالة في الشاهد إلى القاضي، فلئن كان الشاهد ـ الذي يكون دوره في فصل الخصومة، و إيصال الحقّ إلى مستحقّه أقلّ من دور القاضي ـ تشترط فيه العدالة، فالقاضي بطريق أولى، إمّا أولوية قطعيّة، أو أولوّية عرفيّة تُحقّق دلالة التزامية في دليل اشتراط العدالة في الشاهد.

أو يقال: إنّ جوّاً تشريعياً لايقبل شهادة غير العادل لا يتمّ فيه إطلاق لدليل القضاء بالنسبه لقاض غير عادل.

هذا. والروايات الواردة في اشتراط العدالة في الشاهد أو عدم الفسق عديدة: من قبيل رواية محمّد بن قيس التّامة سنداً عن أبي جعفر قال: «كان أمير المؤمنين يقول: لاآخذ بقول عرّاف، ولا قائف، ولالصّ، ولا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه»(1). إلاّ أنّ هذا النمط من الحديث إنّما تتمّ دلالته على اشتراط العدالة لو قلنا بعدم الواسطة بين العادل والفاسق.


      ويمكن الجواب على الثاني بأنّ المقصود هو دلالة قوله: «تشترط العدالة في إمامة الجماعة» بالملازمة العرفية على نكتة لهذا الاشتراط ـ وطبعاً لايمكن افتراض غفلة المتكلّم عن نكتة شرطه ـ وتلك النّكتة موجودة بشكل أقوى في القضاء، وهي نكتة كون إمامة الجماعة منصباً رفيعاً و قيادةً، ونحو ذلك.

(1) الفقيه، ج 3، باب من يجب ردّ شهادته ومن يجب قبول شهادته، ح 26، ص 30. وذيل الحديث ورد في الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 7، ص 290.

الصفحة 98

ومن قبيل: رواية عبداللّه بن سنان التامّة سنداً قال: «قلت لأبي عبد اللّه : ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتّهم، قال: قلت: الفاسق والخائن؟، قال: ذلك يدخل في الظنين»(1). وهذا النمط من الروايات ـ وهي عديدة ـ إنّما تدلّ على اشتراط العدالة إمّا على مبنى عدم الواسطة بين الفسق والعدالة، أو بناءً على أنّ الظنين يشمل من لم تحرز فيه ملكة العدالة وإن لم يصدر منه فسق لعدم تهيّؤ أسبابه مثلا; إذ لافرق في الظنّ به بين أن يكون قد صدر منه ذنب أو أن لا يكون صدر منه الذنب بنكتة عدم تهيّؤ أسبابه له.

ومن قبيل: رواية عبداللّه بن أبي يعفور التامة سندا قال: «قلت لأبي عبد اللّه : بِمَ تُعرَفُ عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان...»(2).

ورواية عبدالرحمن بن الحجّاج التامّة سنداً عن أبي عبداللّه قال: «قال أمير المؤمنين : لابأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا»(3).

ورواية بريد بن معاوية التامّة سنداً عن أبي عبداللّه عن رسول اللّه في قصّة رجل من الأنصار قتل بخيبر: قال رسول اللّه للطالبين بالدم: «أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيدوه برمّته...»(4).

على أنّه لوغضّ النظر عن الروايات فبالإمكان التعدّي إلى باب القضاء من مورد آية الشهادة على الوصيّة سواء تعدّينا منه إلى مطلق الشهادة أولا قال اللّه


(1) الوسائل، ج 18، ب 30 من الشهادات، ح 1، ص 274.

(2) الوسائل، ج 18، ب 41 من الشهادات، ح 1، ص 288.

(3) الوسائل، ج 18، ب 23 من الشهادات، ح 1، ص 253.

(4) الوسائل، ج 18، ب 3 من كيفيّة الحكم، ح 2، ص 170، تحت الخط.

الصفحة 99

- تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة اثنان ذوا عدل منكم... (1).

وقد يتمسّك أيضاً بأية شهادة العدلين في الطلاق(2).

هذا والظاهر أنّ اشتراط العدالة في الشاهد ليس مسألة خلافيّة، إلاّ أنّه لوكان دليلنا على ذلك عبارة عن مجرّد الإجماع فهذا لايوجب التعدّي إلى المقام بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة. نعم بناءً على الأولوية القطعية، أو ما قلناه من أنّ جوّاً تشريعيّاً من هذا القبيل لايتمّ فيه الإطلاق لدليل القضاء، يتمّ التعدّي. وعلى أىّ حال فبعد ما


(1) المائدة، الآية 106 و تتمة الآية مايلي: (أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة، فيقسمان باللّه إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولوكان ذاقربى، ولانكتم شهادة اللّه إنّا إذن لمن الآثمين).

      وقد يقال: إنّ قوله: «أو آخران من غيركم» دليل على حمل العدالة في الآية على مجرّد الوثاقة، لأن فاسق المسلمين الثقة خير من غير المسلم العادل في دينه.

      ولكن لايبعد أن يكون الظاهر من الآية بقرينة قوله: «إن أنتم ضربتم في الأرض» الاكتفاء بغير المسلمين عند العجز عن تحصيل شهود مسلمين باعتبارهم في أرض الغربة مثلا; كما يدلّ على ذلك بعض الروايات: من قبيل ما عن هشام بن الحكم بسند تامّ عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: «أو آخران من غيركم» «إذا كان الرجل في أرض غربة ولايوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم في الوصيّة». الوسائل ج 18، ب 4 من الشهادات، ح 3، ص 287.

      وما عن سماعة بسند تامّ قال: «سألت أباعبداللّه (عليه السلام) عن شهادة أهل الملّة، قال: فقال: لا تجوز إلاّ على أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصيّة، لأنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد». الوسائل ج 18، ب 4 من الشهادات، ح 4، ص 287.

(2) وهي قوله تعالى في سورة الطلاق، الآية 2 -: فاذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف، و أشهدوا ذوي عدل منكم، وأقيموا الشهادة للّه ... .

الصفحة 100

عرفت من وجود دليل لفظي على اشتراط العدالة في الشهادة فالتعدّي إلى المقام حتى بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة في محلّه.

الوجه السابع ـ مادلّ على إعطاء نوع ولاية على الأيتام لخصوص العدل: كما ورد عن اسماعيل بن سعد الأشعري في سؤاله عن الرضا قال: «... وعن الرجل يموت بغير وصيّة، وله ولد صغار و كبار أيحلّ شراء شيء من خدمه و متاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك؟ فإن تولاّه قاض قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك»(1). وسند الحديث تامّ.

وقد يدلّ على ذلك أيضاً ما ورد عن محمّد بن اسماعيل بن بزيع ـ بسند تام ـ قال: «مات رجل من أصحابنا ولم يوصِ، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبدالحميد القيّم بماله، وكان الرجل خلّف ورثة صغاراً و متاعاً وجواري، فباع عبدالحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهنّ; إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيّته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهنّ فروج. قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا، ولايوصي إلى أحد، ويخلّف جواري، فيقيم القاضي رجلا منّا فيبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منّا فيضعف قلبه لأنّهن فروج، فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: إذا كان القيّم به مثلك، أو مثل عبدالحميد فلابأس»(2)، بناء على أنّ قوله: «مثلك أو مثل عبدالحميد» يعني مثلهما في العدالة. فإذا كانت العدالة شرطاً في من أُعطيت له ولاية على الأيتام فما ظنّك بالقاضي؟ وذلك بأحد التقريبات الثلاثة المتقدّمة من الأولوية القطعيّة، أو الملازمة


(1) الوسائل، ج 12، ب 16 من عقد البيع و شروطه، ح 1، ص 270.

(2) نفس المصدر ح 2.

الصفحة 101

العرفيّة، أو عدم تماميّة الإطلاق في جوّ تشريعىّ من هذا القبيل.

ولايعارض هذين الحديثين ما عن سماعة بسند تامّ قال: «سألته عن رجل مات، وله بنون وبنات صغار و كبار من غير وصية، وله خدم ومماليك وعقد كيف يصنعون الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كلّه فلابأس»(1) بدعوى دلالة هذه الرواية على كفاية الوثاقة.

فإنّ هذه الرواية إن دلّت فإنّما تدلّ على كفاية الوثاقة في مجرّد التقسيم دون التصرفات، كالبيع الوارد في الروايتين السابقتين، ولو وردت في مورد التصرّفات لقيّدناها بالروايتين السابقتين الدالّتين على شرط العدالة.

ولا يعارضهما أيضاً ما عن علىّ بن رئاب قال: «سألت أباالحسن موسى عن رجل بيني و بينه قرابة مات، و ترك أولاداً صغاراً، وترك مماليك له غلماناً وجواري، ولم يوصِ، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أُمّ ولد؟ وماترى في بيعهم؟ فقال: إن كان لهم وليّ يقوم بأمرهم باع عليهم ونظرلهم كان مأجوراً فيهم. قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتّخذها أُمّ ولد؟ قال لابأس بذلك إذا باع عليهم القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم، وليس لهم أن يرجعوا عمّا صنع القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم»(2).

وجه المعارضة: دعوى أنّ هذه الرواية دلّت على كفاية وجود قيّم لهم ناظر في مصالحهم من دون اشتراط العدالة.

والجواب: أوّلا ـ أنّ من المحتمل أن يكون المقصود بالولىّ والقيّم في هذه


(1) الوسائل، ج 17، ب 4 من موجبات الإرث، الحديث 1، ص 420، و ج 13، ب 88 من أحكام الوصايا، ح 2، ص 474.

(2) الوسائل، ج 13، ب 88 من أحكام الوصايا، ح 1، ص 474.

الصفحة 102

الرواية الولىّ والقيّم الشرعيّين لابمعناهما اللغوي ـ أي من يلي أمرهم و يقيم قضاياهم ـ أمّا من هو هذا القيّم أو الوليّ وماهي شرائطه؟ فلا نظر لهذه الرواية الى ذلك.

وثانياً ـ لو سلّم الإطلاق في هذه الرواية فما سبق يصلح لتقييدها.

وثالثاً ـ أنّ هذه الرواية مرويّة بعدّة أسانيد كلّها ضعيفة:

1 - الشيخ الصدوق بسنده إلى الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب، وفي طريق الصدوق إلى الحسن بن محبوب محمّد بن موسى بن المتوكّل، ولادليل على توثيقه.

2 - الكليني عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن ابن محبوب عن عليّ بن رئاب. وهذا السند ضعيف بسهل.

3 - سند الشيخ إلى سهل بن زياد عن ابن محبوب عن علىّ بن رئاب. وهذا أيضاً ضعيف بسهل بن زياد.

هذا تمام الكلام في أصل شرط العدالة في القاضي.

تحديد معنى العدالة:

وأمّا الكلام في معنى العدالة، فالتردّد في ذلك يكون من أحد أنحاء ثلاثة:

1 - هل يكفي في العدالة عدم صدور المعصية من دون ملكة نفسانيّة، أولا؟.

2 - هل أنّ المعاصي الصغيرة تخلّ بالعدالة أولا؟.

3 - هل أنّ هناك شرطاً آخر غير ترك الذنوب أو ملكة تركها، باسم ترك ماينافي المروءة، أولا؟.

 
الصفحة 103

اشتراط الملكة وعدمه:

أمّا اشتراط الملكة وعدمه في العدالة فقد يقال: إنّ مفهوم العدالة ـ وهي لغةً بمعنى الاستقامة، و المقصود به في المقام طبعاً العدالة في الدين، وذلك بقرينة ورودها في لسان مشرّع الدين و بلحاظ أحكام الدين ـ يعطي معنى الملكة; فإنّ العدالة وصف حسب الفرض لإنسان مّا من إمام جماعة، أو شاهد، أو قاض ونحو ذلك، واستقامة نفس الإنسان ليست بمجرّد عدم صدور معصية منه ولو من باب أنّ الفرص لم تسنح له، أو أنّه لم تمضِ على بلوغه سنّ التكليف أو على توبته مدّة تورّطه في المعصية، و إنّما استقامتها تكون بتطبّعها بترك المعاصي ووجود الرادع النفسي عن المعاصي و الزلاّت. هذا في كلّ ما ثبت فيه شرط العدالة بعنوانها. أمّا مثل عنوان (من تثق بدينه وأمانته) الذي مضى في بعض روايات صلاة الجماعة، فأيضاً يدلّ على اشتراط الملكة; إذبدونها لايحصل الوثوق. نعم كلّما ورد اشتراط ترك الفسق فحسب لم يدلّ على اشتراط العدالة بمعنى الملكة.

وفي مقابل ذلك قد يستدلّ على كفاية عدم المعصية - من دون شرط الملكة أو التطبّع النفسي - بالروايات الواردة في قبول شهادة من يقام عليه الحدّ بعد توبته(1)، وفيه رواية واحدة تامّة السند، وهي ما عن عبداللّه بن سنان قال: «سألت أباعبداللّه عن المحدود إذا تاب أتقبل شهادته؟ فقال: إذا تاب ـ وتوبته أن يرجع ممّا قال، ويكذّب نفسه عند الإمام وعند المسلمين، فإذا فعل ـ فإنّ على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك»(2) ونحن نعلم أنّ مجرّد التوبة لايستلزم رجوع الملكة، وإنّما التوبة تجعل الذنب كأنّه لم يتحقّق، فيصبح حاله حال من هو


(1) راجع الوسائل، ج 18، ب 36 و 37 من ابواب الشهادات، ص 282 الى 284.

(2) الوسائل، ج 18، ب 37 من أبواب الشهادات، ح 1، ص 283.

الصفحة 104

قريب العهد بالبلوغ الذي لم يصدر منه معصية لاعلى أساس الملكة، بل على أساس الصدفة.

وقديقال: إنّ هذه الروايات إنّما تعارض ما دلّ على اشتراط العدالة في الشاهد، لاأنّها تفسّر العدالة بمجرّد عدم الذنب.

وقد يجاب على ذلك: بأنّ أُنس ذهن المتشرعة باشتراط العدالة في الشاهد يعطي لهذه الروايات ظهوراً في تفسير العدالة بمجرّد عدم الذنب.

وقد يقال برأي وسط بين اشتراط الملكة وكفاية عدم صدور الذنب وهو: أنّ مجرّد عدم صدور الذنب المجتمع مع عدم أىّ رادع نفسي عن الذنب - كما قد يحصل لإنسان قريب العهد ببلوغه سنّ التكليف - لايكون عدالةً، والمحدود التائب ليس حاله هكذا، فإنّ توبته تعني تحقّق الرادع النفساني فيه، فالعدالة عبارة عن ترك المعاصي عن رادع نفساني، أمّا وصول الرادع النفساني إلى مستوى الملكة بحيث لا ينكسر عادةً إلاّ في حالات نادرة جداً يتوفّر فيها مستوى خاصّ من المغريات، فليس شرطاً في تحقّق العدالة، وذلك بدليل هذه الروايات التي اقتصرت على مجرّد التوبة. والصحيح أنّ هذه الروايات ليست بصدد إثبات العدالة الواقعيّة للمحدود الذي تاب، بدليل أنّها لم تفترض العلم بخلوّه عن باقي الذنوب رغم أنّه عادةً لايعلم عن محدود تاب كونه خالياً عن باقي الذنوب، وإنّما هي بصدد بيان قبول شهادته المبتني في ظاهر الشرع على حسن الظاهر الذي سيأتي أنّه أمارة على العدالة، والمفروض أنّ توبته تعيد إليه حسن ظاهره الذي انكسر بفعل ما أوجب عليه الحدّ.

على أنّ الرواية الوحيدة التامّة سنداً من تلك الروايات هي هذه الرواية التي نقلناها والتي تشتمل على أنّ توبته تكون بتكذيب نفسه عند الإمام وعند المسلمين، ولايبعد أن يقال: إنّ الاستعداد لتكذيب النفس عند الإمام و عند المسلمين لايحصل من دون حصول الملكة.

 
الصفحة 105

وعلى أىّ حال فقد يقول القائل: إننّا لسنابحاجة في مقام نفي شرط الملكة إلى مثل هذه الرواية، بل نقول من أوّل الأمر: إنّ المفهوم عرفاً من العدالة الاستقامة، والاستقامة ليست بمعنى مجرّد عدم الذنب ـ ولو من باب أنّه لم تسنح الفرصة للذنب - بل هو ترك الذنب مع الرادع النفساني، لكن لايفهم من ذلك ضرورة وصول الرادع إلى مستوى ما يسمّى بالملكة، وهي الرادع القوّي الذي يقف أمام المغريات الاعتيادية في الحالات الاعتيادية. إلاّ أنّ في صدق العدالة و الاستقامة وكذا الثقة من دون وجود ملكة من هذا القبيل عرفاً، نظراً.

اشتراط ترك الصغيرة وعدمه:

وأمّا إخلال المعصية الصغيرة بالعدالة وعدمه، فمقتضى ما هو المفهوم من كلمة العدالة بمعنى الاستقامة في الدين، ومثل التعبير بالوثوق بالدين في قوله: «صلّ خلف من تثق بدينه وأمانته» هو كونه تاركاً للصغائر أيضاً. فارتكاب الصغيرة وان كان معفوّاً عنه عند اجتناب الكبائر لكنّه - على أىّ حال ـ خلاف الاستقامة في الدين و انحراف عنه; لأنّه محرّم حسب الفرض.

إلاّ أنّه قد يستدلّ على عدم إخلال المعصية الصغيرة بالعدالة بمارواه الصدوق بسنده عن عبداللّه بن أبي يعفور، قال: «قلت لأبي عبداللّه : بمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟، فقال أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار ...»(1); حيث إنّ التقييد بالكبائر يدلّ على عدم إضرار الصغيرة.

لايقال: إنّ الرواية جعلت ترك الكبائر طريقاً لمعرفة العدالة وهذا لا يدل على عدم إضرار الصغيرة بالعدالة إذ لعل مقصوده : إنّ ترك الكبيرة أمارة على


(1) الوسائل، ج 18، ب 41 من شهادات، ح 1، ص 288.

الصفحة 106

العدالة، فحتى لو كان واقعاً محكوماً بالفسق لارتكاب الصغيرة يكون ظاهراً محكوماً بالعدالة لأن العدالة تعرف ـ كما ورد في هذا الحديث ـ بترك الكبائر.

فإنّه يقال: إنّ اطلاق الحديث لفرض العلم بارتكابه للصغيرة دليل على عدم إضرار الصغيرة بالعدالة أي أنّ المقصود بالعدالة في لسان الادلة مستوى من الاستقامة قد يجتمع مع ارتكاب الصغيرة.

وقد يمكن التمسك بالآية الكريمة على عدم إخلال الصغيرة بالعدالة وهي قوله تعالى:

﴿إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه نكفّرْ عنكم سيّئاتكم و ندخلْكم مُدْخلا كريماً (1).

ووجه الاستدلال بهذه الآية المباركة هو: أن يقال: إنّ بيان تكفير السيئآت عند اجتناب الكبائر و إدخاله مدخلا كريماً يدلّ بدلالة التزاميّة عرفيّة على أنّ ترك الكبائر يجعل باقي الذنوب كأن لم يكن و بحكم العدم في كلّ الأحكام.

إلّا أنّه لو تمّ ذلك فهذا لايعني دلالة الآية على عدم دخل ترك الصغائر في العدالة، وإنّما يعني عدم إضرار الصغائر بأحكام العدالة وتعارضها حينئذ أدلة اشتراط تلك الاحكام بالعدالة، ولم تكن الآية بصدد بيان هذا اللازم ابتداءً كي تكون حاكمة - بملاك النظر ـ على أدلّة اشتراط العدالة. نعم قد يقال: إنّها تقدّم على تلك الأدلّة باعتبار تقدم القرآن على ما يعارضه من الحديث بمثل(2) العموم من


(1) النساء، الآية: 31.

(2) ولو قيل: إنّ هذا الحكم يختصّ بما لو تعارض خبران و أحدهما كان يوافق القرآن، والآخر يخالفه بمثل العموم من وجه، فيرجّح ما وافق الكتاب، ولم يقبل بتقدّم القرآن فيما إذا كان التعارض بينه وبين القرآن بالعموم من وجه; قلنا فيما نحن فيه أيضاً: توجد بعض الروايات المصرّحة بنفس
الصفحة 107

وجه.

هذا. والدلالة الالتزامية التي ذكرناها لهذه الآية المباركة يمكن ان تذكر لآيتين اُخريين أيضاً وهما:

1 - ﴿فما أوتيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا و ما عنداللّه خير وأبقى للذين آمنوا و على ربّهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الاثم و الفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم و ممّا رزقناهم ينفقون (1).


      مضمون الآية الكريمة، فلها نفس الدلالة الالتزامية، فتقدّم على أدلّة اشتراط العدالة بموافقة الكتاب من قبيل ما عن محمّد بن أبي عمير بسند تامّ قال: «سمعت موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر، قال اللّه تعالى (إن تجتنبوا كبائرما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئآتكم و ندخلكم ومدخلا كريماً) ...».

الوسائل، ج 11، ب 47 من جهاد النفس ح 11، ص 266.

      و مرسلة الصدوق: قال الصادق (عليه السلام): «من اجتنب الكبائر يغفراللّه جميع ذنوبه، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئآتكم و ندخلكم مدخلا كريماً)». الوسائل، ج 11، ب 45 من جهاد النفس ح 4، ص 250.

      ورواية محمّد بن فضيل، أو محمّد بن الفضل عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئآتكم) قال: «من اجتنب الكبائر ـ ما أوعداللّه عليه النار ـ إذا كان مؤمناً كفّر اللّه عنه سيّئآته.

الوسائل، ج 11، ب 45 من جهاد النفس، ح 5، ص 250.

      وسند هذا الحديث ضعيف بالراوي المباشر، ومحمّد بن الفضيل قد روى عنه البزنطي و صفوان بن يحيى، إلاّ أنّ الشيخ رحمه الله قد ضعّفه.

(1) الشورى، الآية 36 ـ 38

الصفحة 108

2 - ﴿وللّه ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الّذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش إلّا اللّمم إنّ ربك واسع المغفرة، وهو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض و إذ أنتم أجنّة في بطون أُمّهاتكم فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (1).

هذا ولو لم نقبل دلالة هذه الآيات بالالتزام العرفي على عدم إضرار الصغائر بالعدالة أو بحكم العدالة، فلا أقلّ من أنّها تصنع جوّاً متشرّعيّاً يمنع عن فهم معنى ترك جميع الذنوب من أدلّة شرط العدالة أو مانعيّة الفسق، ويصرف الكلمتين إلى النظر إلى خصوص الكبائر دون الصغائر المجرّدة عن الكبائر، فجوّ متشرّعي يعرف فيه أنّ مرتكب الصغيرة التارك للكبائر يكفّر اللّه سيّئآته ويدخله مدخلا كريماً، وله ما عنداللّه الذي هو خير وأبقى و يجزيه بالحسنى، لايسمح لفهم أكثر من ترك الكبائر من شرطيّة العدالة أو ما نعيّة الفسق.

وعلى اية حال فسواءً تمّت هذه التقريبات أو لم تتم كفتنا رواية عبداللّه بن أبي يعفور الماضية لإثبات عدم إضرار ارتكاب الصغيرة بالعدالة.

معنى الكبيرة و الصغيرة

وهنا لابأس بالبحث عن معنى الكبيرة و الصغيرة. وثمرة البحث تظهر في العدالة بناءً على أنّ الصغيرة لا تخلّ بالعدالة، وقد يقال بظهور الثمرة أيضاً في وجوب التوبة.

ولكنّ الصحيح أنّ وجوب التوبة لم يكن لأجل الفرار من النار كي يفترض أنّ الصغيرة المعفوّعنها فيمن ترك الكبائر لاتحتاج إلى التوبة، بل هو: إمّا وجوب شرعي مستفاد من الأوامر الواردة بالتوبة عن الذنب، وإطلاقها يشمل التوبة عن


(1) النجم، الآية 31 ـ 32.

الصفحة 109

الكبيرة و الصغيرة، أو وجوب عقلىّ سنخ وجوب الطاعة، فكما أنّ العقل حكم بأنّ مقتضى العبوديّة للمولى امتثال أوامره وترك نواهيه، كذلك حكم بأنّ مقتضى العبوديّة له الندم على معصيته، وهذا أيضاً لايفرّق فيه بين أن يكون الذنب معفوّاً عنه أوْلا. ويحتمل كون أوامر التوبة إرشاداً إلى هذا الحكم العقلىّ.

وعلى أىّ حال فقد أنكر بعضٌ انقسام المعاصي إلى الصغائر و الكبائر، فقال: إنّ المعاصي كلّها كبائر باعتبار المعصيّ ـ جلّ وعلا ـ إلاّ أنّ بعضها أكبر من بعض في سلّم الدرجات المتفاوتة، وقال أُستاذنا المرحوم آية اللّه الشاهرودي : «إنّ المعاصي لا تنقسم إلى صغائر و كبائر، وإنّما تنقسم إلى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر ـ أي التي يكون تركها مكفِّراً لباقي الذنوب، والذنوب المكفَّرة ـ بالفتح ـ أي الذنوب التي تُغفر بترك باقي الذنوب».

أقول: كلّ هذا يرجع إلى نزاع لفظىّ، إلاّ أنْ ينكر أحدأصل كون ترك بعض الذنوب مكفِّراً للبعض الآخر، فذلك يكون نزاعاً حقيقياً، وهو خلاف ما يستفاد من الآية المباركة و الروايات وتفسير الآية بمعنى إن تجتنبوا الذنوب الكبيرة الواردة في هذه السورة ـ مثلا ـ نكفّر عنكم ما وقع منكم منها في ما سلف، سنخ قوله ـ تعالى ـ: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفرلهم ما قد سلف (1)، وقوله تعالى: ﴿ولا تنكَحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النساءِ، إلاّ ما قد سلف (2)، وقوله تعالى: ﴿وأَن تَجمَعوا بين الاُختين، الاّ ما قد سَلَف (3)، وقوله تعالى: ﴿عفااللّهُ عمّا سلف، ومَنْ عادَ فَينتَقِمُ


(1) السورة 8 الأنفال الآية 38.

(2) السورة 4 النساء الآية 22.

(3) السورة 4 النساء الآية 23.

الصفحة 110

اللّهُ منه (1). خلاف الظاهر.

وعلى أَيّة حال فالمعاصي وإن كانت متدرّجة في الكبر و الصغر، فليس هناك حدّ معيّن يفترض أنّها إلى هذا الحدّ كبيرة و ما بعده صغيرة، فإنّ الكبر والصغر نسبيّان بالنسبة لكلّ المعاصي، لكن قد عرفنا أنّ قسماً منها لو تركه أحد كفّر عنه القسم الآخر الأصغر من الأوّل، فسُمّي الأوّل بالكبيرة والثاني بالصغيرة، فيقع الكلام فيما هو المقياس لمعرفة الكبيرة والصغيرة، وقد اختلفت الآراء كثيراً بهذا الصدد، وقد نسب رأيان إلى المشهور:

1 ـ أنّ الكبيرة هي كلّ ذنب توعّد اللّه ـ تعالى ـ عليه بالعقاب في الكتاب العزيز.

2 ـ أنها كلّ ذنب توعّد اللّه عليه النار.

والأوّل أعمّ من الثاني من حيث إنّ العقاب قد يتجسّد في غير النار، والثاني أعمّ من الأوّل من حيث عدم التقييد بكون الوعيد في الكتاب. ومن الممكن افتراض اتحاد كلا الرأيين; بأن يكون المقصود بالعقاب ما يشتمل على النار، أو يكون المقصود بالنار مطلق العقاب، وذُكرت النار على سبيل المثاليّة، وبأن يكون المقصود من توعّد اللّه عليه النار توعّده في الكتاب.

وقد يجمع بين عموم الأوّل لغير النار، وعموم الثاني لغير الكتاب; حيث قيل: إنّها كلّ ذنب توعّد عليه بخصوصه، قال العّلامة الكني في قضائه: «اختاره الشهيدان في القواعد والدروس والروضة، وزاد في الأخير قوله: في كتاب أو سنّة».

وعلى أىّ حال فما يصلح دليلا على أحد الرأيين هو جملة من الروايات من قبيل:


(1) السورة 5 المائدة الآية 95.

الصفحة 111

1 ـ ماورد ـ بسند تامّ ـ عن أبي بصير عن أبي عبداللّه قال: «سمعته يقول: ﴿ومن يؤتَ الحكمة فقد أُتي خيراً كثيراً. قال: معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب اللّه عليها النار»(1).

2 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبداللّه في قول اللّه عزّو جلّ: ﴿إن تجتَنبوا كبائِرَ ما تُنْهَونَ عنهُ نكفّرْ عنكم سيّئاتِكم ونُدْخلْكُم مُدْخَلا كريماً قال: «الكبائر التي أوجب اللّهُ ـ عزّ و جلّ ـ عليها النار»(2). ولاعيب في السند من غير ناحية أبي جميلة، وهو المفضّل بن صالح، وقد روى الثلاثة الذين لايروون إلاّ عن ثقة عنه، ومقتضى ذلك وثاقته، ولاعبرة بتضعيف ابن الغضائري; حيث قال عنه: «ضعيف كذّاب يضع الحديث، حدّثنا أحمد بن عبدالواحد، قال: حدّثنا علىّ بن محمّد بن الزبير، قال: حدّثنا علىّ بن الحسن بن فضّال، قال: سمعت معاوية بن حكم يقول: سمعت أبا جميلة يقول: أنا وضعت رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر»، ولكن المهمّ أنّ النجاشي قال: في ترجمة جابر بن يزيد: «روى عنه جماعة غُمِز فيهم و ضُعِّفوا، منهم عمرو بن شمر و المفضّل بن صالح و منخل بن جميل و يوسُف بن يعقوب» واستفاد السيّد الخوئىّ من هذا التعبير: أنّ ضعف المفضّل بن صالح كان من المتسالم عليه عند الأصحاب. فإن صحّت هذه الاستفادة كان هذا معارضاً لدلالة نقل الثلاثة عنه على توثيقه، كما جعله السيّد الخوئىّ معارضاً لدلالة وروده في أسانيد كامل الزيارات على توثيقه حسب ما يعتقده. إلاّ أنّ هذه الاستفادة غير واضحة عندي، وعلى أىّ حال ففي النفس شيء مّما يرويه أبوجميلة.


(1) الوسائل، ج 11، باب 45 من جهاد النفس ح 1 ص 249، و الآية في سورة 2 البقرة الآية 269.

(2) نفس المصدر ح 2، والآية في سورة 4 النساء الآية 31.

الصفحة 112

3 ـ ما عن محمد بن الفضيل (الفضل ـ خ ل ـ) عن أبي الحسن في قول اللّه عزّ وجلّ: ﴿إن تجتنبوا كبائَر ما تُنهَوْنَ عنه نكفّرْ عنكم سيّئاتِكم قال: «من اجتنب الكبائر ـ ما أوعَدَ اللّهُ عليه النار ـ إذا كان مؤمناً كفّراللّه عنه سيّئاته»(1). ولاإشكال فيه من حيث السند من غير جهة الراوي المباشر، أمّا الراوي المباشر، فإن كان هو محمّد بن الفضيل ـ كما يقال: إنّه ورد كذلك في ثواب الأعمال، وصاحب الوسائل نقل هذا الحديث عن ثواب الأعمال ـ فقد ضعّفه الشيخ، ولكن روى عنه بعض الثلاثة، إن كان هو محمد بن الفضل، فهو مشترك بين من وثّق ومن لم يوثّق. وبالتالي السند لايخلو من ضعف.

4 ـ ما عن عباد بن كثير النوا، قال: «سألت أبا جعفر عن الكبائر، فقال: كلّ ما أوعداللّه عليه النار»(2). والسند ضعيف على الأقلّ بمجهوليّة عباد بن كثير النوا.

5 ـ ما عن الحسن بن زياد العطّار، عن أبي عبداللّه في حديث قال: «قد سمّى اللّه المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين، ولم يسمّ من ركب الكبائر، وما وعداللّه ـ عزّ وجلّ ـ عليه النار مؤمنين في قرآن ولاأثر، ولانسمّيهم بالايمان بعد ذلك الفعل»(3). وفي سنده ودلالته ضعف.

6 ـ ما عن ابن محبوب ـ بسند تامّ ـ قال: «كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن يسأله عن الكبائر: كم هي؟ وماهي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار كفّر عن سيّئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس


(1) نفس المصدر ح 5 ص 250 و الآية في سورة 4 النساء الآية 31.

(2) نفس المصدر ح 6، و أيضاً باب 46 من جهاد النفس ح 24 ص 258.

(3) الوسائل، ج 11 ب 45 من جهاد النفس ح 7 ص 251.

الصفحة 113

الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف الُمحصَنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف»(1).

7 ـ ما عن علىّ بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر ، قال: «سألته عن الكبائر التي قال اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿إن تجتَنِبوا كبائَر ما تُنهَوْنَ عنه قال: التي أوجب اللّهُ عليها النار»(2).

8 ـ ماعن أحمد بن عمر الحلبي ـ بسند فيه موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، ولم تثبت وثاقته ـ قال: «سألت أباعبداللّه عن قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿إن تجتَنبوا كبائرَ ما تُنَهون عنه نُكفِّرْ عنكم سيّئاتِكم قال: مَنِ اجتَنَبَ ما أوعداللّهُ عليه النار ـ إذا كان مؤمناً ـ كفّر عن سيّئاته وأدخله مُدْخَلا كريماً، والكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف»(3).

وقد تحصّل بهذ االعرض وجود بعض روايات تامّة سنداً و دلالةً دالّة على أنّ المقياس هو كون المعصية مّما أوعداللّه عليها النار، فكلّ معصية تكون كذلك، فهي كبيرة، وغيرها صغائر.

ولو ورد في القرآن الوعيد بالعذاب، فالظاهر انصرافه إلى عذاب جهنم وفيه النار، ولايشمل مجرد أهوال يوم القيامة ـ مثلا ـ الّتي ليست منها النار، فالوعيد بالعذاب وعيد بالنار أيضاً.

والظاهر من عنوان (أوعداللّه عليها النار) كون الوعيد في القرآن الكريم،


(1) الوسائل ج 11 باب 46 من جهاد النفس ح 1 ص 252.

(2) نفس المصدر ح 21 ص 258.

(3) نفس المصدر ح 32 ص 260.

الصفحة 114

والنكتة في ذلك أنّ ظاهر إعطاء مقياس للمخاطبين للكبيرة و الصغيرة هو إرادة إعطاء مقياس مضبوط و مفهوم عند المخاطبين يمكن لهم الرجوع إليه لتشخيص الحال، بينما السنّة ليست محصورة و موجودة بتمامها عند المخاطبين عادةً; كي يمكن إرجاعهم إليها كضابط، وهذا بخلاف القرآن الكريم. فهذه هي نكتة الانصراف إلى ما قلناه.

إلّا أنّه قد يُقال: إنّه لوكان المقياس هو الوعيد في القرآن بالنار لانتقض ذلك ببعض المعاصي التي لم يرد في القرآن وعيد بالنار عليها، ولاشكّ فقهيّاً، أو إسلاميّاً في كونها من الكبائر من قبيل اللواط، وشرب الخمر.

وقد يُقال في الجواب: إنّ عنوان ما أوعد اللّه عليه النار الوارد في الروايات إشارة إلى مفهوم عرفىّ راجع إلى تفسير الكبيرة و الصغيرة، ومتعارف بين الموالي والعبيد العرفيّين. توضيحه: أنّ أوامر المولى ونواهيه لها محرّكية ذاتيّة للعبد إذا كان يحبّ مولاه، وهي محّركيّة عاطفيّة، ولها محّركيّة ذاتيّة عقليّة للعبد إذا كان يعترف لمولاه بالمولويّة الحقيقيّة ووجوب الطاعة، أو اجتماعيّة إذا كان يعترف له بالمولويّة الاجتماعية، وهذه المحّركيّات الذاتيّة قد لاتكفي لتحريك العبد، وعندئذ إن كان اهتمام المولى بالقضيّة كبيراً يوعده بالعذاب على تقدير عدم الامتثال، وقد يعذّبه بالفعل عند المخالفة، وإن كان اهتمامه بها ليس كبيراً يغضّ النظر عن العبد حينما يراه مخالفاً ولايعاقبه، إلّا إذا رأى منه إصراراً على ذلك، أو رآه يضم هذه المخالفة الى المخالفات الكبيرة، فقد يعاقبه على الصغيرة أيضاً. والمفهوم عرفاً من العفو عن الصغائر عند اجتناب الكبائر وعدم الإصرار هو هذا المعنى، فلا ينبغي أن نجمد في فهم مقياس ما أوعد اللّه عليه النار على فرض الوعيد الصريح، بل تهويله ـ تعالى ـ في كتابه لمعصية مّا يفهم منه بناءً على هذا الفهم العرفي الذي شرحناه الوعيد بالنار، وعليه فمثل اللواط الذي تكرّر فيه ذكر قصّة لوط في القرآن الكريم و تأنيبه الشديد لقومه

 
الصفحة 115

على هذا العمل القبيح، ثمّ ذكرنزول العذاب عليهم وإهلاكهم، دليل كاف بهذا النمط من الفهم على الوعيد بالنار، وكون المعصية كبيرة. وضُمّ النهي عن الخمر إلى النهي عن الأوثان ـ وجعلُهما معاً رِجْساً من عمل الشيطان في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخُمر و الميسِرُ و الأنصابُ و الأزلامُ رجسٌ من عَمَلِ الشيطانِ فاجْتَنبوهُ لعلَّكُم تُفلِحون (1) ـ دليلٌ كاف على الوعيد بالعذاب و النار، وكون شربه معصية كبيرة، ولعلّه إلى هذا أشار ما جاء في حديث عبدالعظيم الحسني التامّ سنداً عن أبي جعفر الثاني عن أبيه عن أبيه موسى عن الإمام الصادق في تعداد الكبائر من قوله: «وشرب الخمر لأَنّ اللّه ـ عزَّوجلّ ـ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان»(2).

وقد يُقال: إنّ نفس حديث عبدالعظيم الحسني يشهد لعدم كون المقياس في فهم الكبائر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ... خصوص الوعيد بالنار في القرآن الكريم; حيث جاء فيه في تعداد الكبائر: (وترك الصلاة متعمّداً، أو شيئاً مما فرض اللّه ـ عزّ وجلّ، لأنّ رسول اللّه قال: من ترك الصلاة متعمّداً فقد بَرِىءَ من ذمّة اللّه وذمّة رسوله)، فتراه استدلّ على كون ترك الصلاة كبيرة بالسنّة لابالوعيد بالنار في القران. هذا بناءً على دعوى أنّ هذا الحديث وإن كان وارداً بشأن آية أُخرى، ولكن يفترض أنّ معنى الكبائر في الآيتين واحد.

ويمكن الجواب على ذلك على ضوءما شرحناه من الفهم العرفىّ لجعل المقياس هو الوعيد بالنار; بأنّه لا فرق في الدلالة على روح المطلب الذي أشرنا اليه ـ من كون الغرض مهمّاً إلى مستوى لا يكتفي المولى بأمره المولوي، بل يوعد العذاب على


(1) السورة 5 المائدة الآية 90.

(2) الوسائل، ج 11، باب 46، أبواب جهاد النفس، الحديث 2، ص 253.

الصفحة 116

تقدير المخالفة ـ بين أن تدلّ آية قرآنيّة على ذلك أو يدلّ نصّ الرسول ، أو الإمام على ذلك، فالاستشهاد بنصّ الرسول على أنّ تارك الصلاة بريء من ذمّة اللّه ورسوله صحيح، وهذا لا ينافي ما نفهمه من روايات ما أوعداللّه عليه النار الّتي قلنا: إنّ ظاهرها إرادة الوعيد في الكتاب، فنحن نفهم منها أنّه ما من معصية كبيرة إلاّ وهي مذكورة في القرآن، ولو كانت مذكورة في السنّة أيضاً. ومن الواضح دلالة القرآن على كون ترك الصلاة كبيرة; حيث جعله سبباً من أسباب السلوك في سقر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿كلُّ نفس بما كسَبَتْ رهينة إلاّ أصحاب اليمين. في جنّات يتساءَلونَ عن المجرمين. ما سلَككُم فى سقر قالوا لم نَكُ من المصلّين ولم نك نطعم المسكين. وكنّا نخوض مع الخائضين. وكنّا نكذّب بيوم الدين. حتى أتانا اليقين. فما تنفعهم شفاعة الشافعين (1).

وقد يورد على جعل المقياس الوعيد بالنار سواء خصّ ذلك بالكتاب أو لم يخصّ بأحد إيرادين:

الأوّل ـ أنّه ما من معصية إلاّ وقد ورد عليها الوعيد بالنار في القرآن. قال اللّه ـ تعالى ـ:

﴿ومن يعصِ اللّهَ ـ ورسولَه ويتعدَّ حدودَهُ يدخلْهُ ناراً خالداً فيها وَلَهُ عذاب مُهين (2).

وقال ـ تعالى ـ: ﴿بلى مَنْ كَسَبَ سيّئةً و أَحاطتْ بِهِ خطيئتُهُ فأولئِكَ أصحابُ النارِهُمْ فيها خالدون»(3).


(1) السورة 74 المدّثّر الآية 38 ـ 48.

(2) السورة 4 النساء الآية 14.

(3) السورة 2 البقرة الآية 81.

الصفحة 117

وقال ـ تعالى ـ: ﴿قال اخرُجْ منها مذؤوماً مدحوراً لَمَنْ تَبِعَكَ منهُمْ لاََملاََنَّ جَهَنَّمَ منكُمْ أَجمَعين (1).

وقال ـ تعالى ـ: ﴿قال: فالْحقُّ والْحقَّ أَقولُ لاََملاََنَّ جَهَنَّمَ منكَ وممَّن تَبِعَكَ منهُمْ أَجمعين (2).

والواقع: أنّ هذا الإشكال لوتمّ لكان إشكالا على أصل تقسيم المعاصي إلى الكبائر، والصغائر، والوعد الجزميّ بالعفو عن الصغائر على تقدير ترك الكبائر، لانّ الوعيد بالنار لايجتمع عرفاً مع الوعد الجزميّ بالعفو غير المعلّق على التوبة.

ومن الواضح أنّ المقصود بهذه الآيات ليس من يرتكب الصغيرة، بل ولا من يرتكب الكبيرة، فليس مجرّد ارتكاب كبيرة موجباً للخلود، أو سبباً لملءِ جهنّم به، وإنّما تنظر هذه الآيات إلى الملحدين والمنافقين والأشقياء والمستهترين بالمعاصي وأمثالهم.

الثاني ـ أنّ هناك روايات عديدة وردت في حصر الكبائر في عدد قليل كسبع، أو خمس، أو تسع، أو عشر; بينما لو كانت الكبائر عبارة عمّا أو عداللّه عليه النار، فهي كثيرة وغير منحصرة في عدد قليل، ولعلّ المنصرف من كلمة الكبائر في الروايات هو المعنى المقصود في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائرَ ما تُنهَوْنَ عنهُ، نُكَفِّرْ عنكمْ سيِّئاتِكم. فليس المقصود من الكبائر في هذه الروايات معنىً آخر غير المعنى المبحوث عنه.

والواقع: أنّ هذا ينبغي أن يكون إشكالا على تلك الروايات، ويفحص عن جوابه، لا أن يكون إشكالا على المقياس الماضي للكبائر وهو الوعيد بالنار، وذلك


(1) السورة 7 الأعراف الآية 18.

(2) السورة 38 ص الآية 84 ـ 85.

الصفحة 118

لأنّ الوعد الجزميّ بالمغفرة على تقدير ترك قسم من الذنوب، وغير المعلّق على التوبة لايجتمع عرفاً مع الوعيد بالنار; إذن فكلّ ما أو عداللّه عليه بالنار ينبغي أن يكون داخلا في المكفِّرات ـ بالكسر ـ (أي مايكون تركه مكفِّراً) لا المكفَّرات ـ بالفتح ـ وإذا شككنا في صحّة هذا المقياس ينبغي أن يكون ذلك على أساس احتمال كون دائرة الكبائر أوسع من دائرة ما أو عد عليه النار، لاعلى أساس احتمال كونها أضيق منها. إذن، فينبغي حمل هذه الروايات على بيان أكبر الكبائر، لا الكبائر بالمعنى الوارد في القرآن الكريم، فإنّ الكبيرة عنوان نسبىّ ومشكّك، فيمكن أن تحصر بمستوىً معيّن وببعض معانيها ودرجاتها في عدد قليل، كما يمكن أن توسّع ببعض الدرجات. وممّا يجلب النظر أنّ الروايات الحاصرة للكبائر في عدد قليل لم ترد غالبيّتها بعنوان تفسير الآية، إلّا بمجرد دعوى الانصراف إلى إرادة المعنى المذكور في الآية. نعم قد يدّعى في بعضها القرينة على النظر إلى الآية الكريمة، وهي غير تامّة السند، بينما الروايات السابقة ـ المفسِّرة للكبيرة بأنّها ما أوعد اللّهُ عليهِ النار ـ جملة منها كانت صريحة في تفسير الآية، وفيها ما هو تامّ السند.

هذا. وبعض روايات الحصر في عدد قليل مشتمل على ما يشهد لهذا الجمع الّذي أشرنا إليه ـ من حمل تلك الروايات على إرادة أكبر الكبائر، لا على إرادة الكبيرة بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ والروايات كما يلي:

1 ـ ماورد ـ بسند تامّ ـ عن ابن محبوب، قال: «كتب معي بعض أصحابنا إلى أبي الحسن يسأله عن الكبائر كم هي؟ وما هي؟ فكتب: الكبائر من اجتنب ما وعد اللّه عليه النار كفّر عنه سيّئاته إذا كان مؤمناً، والسبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرُّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل

 
الصفحة 119

مال اليتيم، والفرار من الزحف»(1). وقد مضى منّا ذكر هذا الحديث في عداد أحاديث تفسير الكبيرة بما أوعد اللّه عليه النار، وهذا الحديث ـ كما ترى ـ فيه دلالة على ما ذكرنا من أنّ السبع هي عدد من المعاصي أكبر من سائر الذنوب، لا أنّ الكبائر المشار إليها في الآية الشريفة محصورة في هذا العدد، فإنّ هذا الحديث ـ كما ترى ـ قد جمع بين ذكر ذاك المقياس في صدر الحديث ـ وهو ما أوعد عليه النار ـ و ذكر العدد السبع من المعاصي.

2 ـ ما عن عبيد بن زرارة ـ بسند تامّ ـ قال: «سألت أبا عبداللّه عن الكبائر، فقال: هنّ في كتاب عليّ سبع: الكفر باللّه، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البيّنة، وأكل مال اليتيم ظلماً، و الفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. قال: فقلت هذا أكبر المعاصي؟ فقال: نعم، قلت: فأكل ألدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر، أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة. قلت فما عددت ترك الصلاة في الكبائر، قال: أيّ شيء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر، قال: فإنّ تارك الصلاة كافر; يعني من غير علّة»(2)

3 ـ ما عن محمّد بن مسلم ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبداللّه قال: «الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمّداً، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، وكلّ ما أوجب اللّه عليه النار»(3). وما في هذا الحديث من عدّ عنوان ما أوجب اللّه عليه النار في عداد الكبائر السبع شاهد لما ذكرناه من الجمع.


(1) الوسائل ج 11 باب 46 من جهاد النفس ح 1 ص 252.

(2) نفس المصدر ح 4 ص 254.

(3) نفس المصدر ح 6 ص 254.

الصفحة 120

4 ـ ما عن مسعدة بن صدقة قال: «سمعت أبا عبداللّه يقول: الكبائر: القنوط من رحمة اللّه، واليأس من رَوْحِ اللّه، والأمن من مكر اللّه، وقتل النفس التي حرّم اللّه، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، والتعرُّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار بعد الزحف» الحديث(1). والسند غير تامّ.

5 ـ ما عن أبي بصير ـ بسند غير تامّ ـ عن أبي عبداللّه قال: «سمعته يقول: الكبائر سبعة: منها قتل النفس متعمداً، الشرك باللّه العظيم، وقذف المحصنة، وأكل الربا بعد البيّنة، والفرار من الزحف، والتعرُّب بعد الهجرة، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلماً. قال: والتعرّب والشرك واحد»(2). وقوله: «سبعة، منها» دليل عدم الحصر، وشاهد للجمع الذي ذكرناه، إلاّ إذا افترضنا أنّ الضمير في (منها) يرجع إلى نفس كلمة سبعة.

6 ـ ما عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: «إجتنبوا السبع الموبقات. قيل: وما هنّ؟ قال: الشرك باللّه، والسِّحر، وقتل النفس التي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»(3). وهو ساقط سنداً. ويلحظ أنّ الرواية لاإشارة فيها إلى الحصر، ولم تعبّر بالكبائر كي توحي إلى أنّها تفسّر الكبائر بمعناها الوارد في الآية المباركة، وإنّما قالت: اجتنبوا السبع الموبقات.

7 ـ ما عن أبي الصامت عن أبي عبداللّه قال: «أكبر الكبائر سبع: الشرك باللّه العظيم، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، وأكل أموال اليتامى،


(1) نفس المصدر ح 13 ص 256.

(2) نفس المصدر ح 16 ص 256.

(3) نفس المصدر ح 34 ص 261.

الصفحة 121

وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وإنكار ما أنزل اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: فأمّا الشرك باللّه العظيم، فقد بلغكم ما أنزل اللّه فينا وما قال رسول اللّه فردوه على اللّه وعلى رسوله، وأمّا قتل النفس الحرام، فقد قُتل الحسين (فقتل الحسين ـ خ ل ـ) و أصحابه، وأمّا أموال اليتامى فقد ظُلمنا فيئَنا وذهبوا به، وأمّا عقوق الوالدين فإنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ قال في كتابه: ﴿النبيُّ أَولى بالمؤمنينَ من أنفُسِهم وأزواجُهُ أمّهاتُهم (1)، وهو أبٌ لهم، فعقّوه في ذريّته وفي قرابته، وأمّا قذف المحصنات فقد قذفوا فاطمة على منابرهم، وأمّا الفرار من الزحف، فقد أعطوا أمير المؤمنين البيعة طائعين غير مكرهين، ثمّ فرّواعنه وخذلوه، وأمّا إنكار ما أنزل اللّه ـ عزّ وجلّ ـ فقد أنكروا حقّنا، وجحدوا له، وهذا ممّا لايتخاصم فيه أحد، واللّه يقول: ﴿إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم ونُدخِلْكم مُدْخَلا كريماً (2). وقد يُقال: إنّ ذيله مشعر بكون الكبائر السبع، هي نفس الكبائر الّتي جاءت الإشارة إليها في الآية الكريمة . ولكن لايخفى أنّه لا يدلّ ذيله على أكثر من أنّ الكبائر السبع هي من جملة الكبائر المشار إليها في الآية الكريمة، أمّا الحصر فلا، على أنّ صدر الحديث قد عبّر بعنوان (أكبر الكبائر) لا بعنوان (الكبائر). وعلى أيّ حال فسند الحديث غير تامّ.

8 ـ مارواه الصدوق بإسناده عن عليّ بن حسّان، عن عبدالرحمان بن كثير، عن أبي عبداللّه قال: «إنّ الكبائر سبع، فينا نزلت ومنّا استُحلّت، فأوّلها الشرك باللّه، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقذف


(1) سورة الاحزاب الآية 6.

(2) الوسائل ج 11 ب 46 من جهاد النفس ص: 257 ـ 258 كما أن ذيل الرواية وارد في هامش ص: 257 والآية واردة في سورة النساء الآية 31.

الصفحة 122

المحصنة، والفرار من الزحف، وإنكار حقّنا: فأمّا الشرك باللّه العظيم، فقد أنزل اللّه فينا ما أنزل، وقال رسول اللّه فينا ما قال، فكذّبوا اللّه، وكذّبوا رسوله، فأشركوا باللّه، وأمّا قتل النفس الّتي حرّم اللّه، فقد قتلوا الحسين بن عليّ وأصحابه، وأمّا أكل مال اليتيم، فقد ذهبوا بفيئنا الذي جعله اللّه ـ عزّ وجلّ ـ لنا، فأعطوه غيرنا، وأمّا عقوق الوالدين، فقد أنزل اللّه ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه فقال ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أُمّهاتهم، فعقّوا رسول اللّه في ذرّيّته، وعقّوا أُمّهم خديجة في ذرّيّتها، وأمّا قذف المحصنة فقد قذفوا فاطمة على منابرهم، وأمّا الفرار من الزحف فقد أعطوا أميرالمؤمنين بيعتهم طائعين غير مكرهين، ففرّوا عنه، وخذلوه ، وأمّا إنكار حقّنا فهذا ممّا لايتنازعون فيه»(1). ولعلَّ هذا أوضح من سابقه في الدلالة على حصر الكبائر الواردة في الآية الكريمة في السبع، ولكنّه ـ على أيّ حال ـ قابل للتوجيه بالحمل على كون السبع أكبر الكبائر. وعلى أيّ حال فالسند ساقط أوّلا: بعبد الرحمان بن كثير، وثانياً: بعليّ بن حسّان. وعليّ بن حسّان مشترك بين الواسطي الثقة والهاشميّ، والتعبير بعلىّ بن حسّان إنّما هو في الوسائل، أمّا في الفقيه، فقد جاء هكذا: (روى علي بن حسّان الواسطي، عن عمّه عبدالرحمان بن كثير)، ومن هنا قد يتراءى أنّ علىّ بن حسان في المقام هو الثقة، وقال أيضاً الصدوق في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن علىّ بن حسان، فقد رويته عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار، عن علىّ بن حسان الواسطىّ» وقال أيضاً في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن عبدالرحمان بن كثير الهاشمىّ، فقد رويته عن محمد بن الحسن عن محمّد


(1) الفقيه ج 3 ح 1745 ص 366 و 367، وصدره جاء في الوسائل ج 11 ح 22 من باب 46 من جهاد النفس ص 258.

الصفحة 123

ابن الحسن الصفّار، عن علي بن حسان الواسطي، عن عمّه عبدالرحمان بن كثير الهاشمىّ» إلاّ أنّ الخطأ الواقع في كلام الصدوق أنّه فرض عبدالرحمان بن كثير الهاشمىّ عمّاً لعلىّ بن حسّان الواسطىّ، بينما هو عمّ لعلىّ بن حسّان الهاشمىّ، فلا ندري هل كان خطؤه في فرض هذا عمّاً لذلك، أو كان خطؤه في تخيّل أنّ علىّ بن حسّان الهاشمىّ الذي هو ابن أخي عبدالرحمان يلقّب بالواسطيّ، وأنّ علىّ بن حسّان الواسطىّ ليس إنساناً آخر، فبالتالي نبقى مردّدين في المقام بين كون علىّ بن حسّان هو الواسطيّ أو الهاشمي، وبالتالي لا تثبت وثاقته.

9 ـ ما عن محمد بن أبي عُمير ـ بسند تامّ ـ عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه قال: «وجدنا في كتاب علىّ الكبائر خمسة: الشرك، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البيّنة، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة»(1)

10 ـ ما عن عبيد بن زرارة ـ بسند غير تامّ ـ قال: «قلت لأبي عبداللّه أخبرني عن الكبائر، فقال: هنّ خمس، وهنّ مّما أوجب اللّه عليهنّ النار; قال اللّه ـ تعالى ـ: ﴿إنّ اللّه لايغفر أن يشرك به (2)، وقال: ﴿إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً، و سيُصلَون سعيراً (3)، وقال: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار (4) إلى آخر الآية، وقال ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا (5) إلى


(1) الوسائل، ج 11، ب 46 من جهاد النفس ح 27 ص 259.

(2) سورة النساء الآية 48.

(3) سورة النساء الآية 10.

(4) سورة الانفال الآية 15.

(5) سورة البقرة الآية 278.

الصفحة 124

آخر الآية، ورمي المحصنات الغافلات المؤمنات، وقتل مؤمن متعمّداً على دينه»(1)ولعلّ قوله: «وهنّ مّما أوجب اللّه عليهنّ النار» يؤيّد حملنا لهذه الروايات على بيان أكبر الكبائر، فإنّ افتراض كون عنوان ما أوجب اللّه عليه النار أوسع من الخمس في الوقت الذي يراد فرض الخمس هي المكفِّرات ـ بالكسر ـ وما عداها مكفَّرات ـ بالفتح ـ غير عرفىّ.

11 ـ ما مضى في عداد أحاديث تعريف الكبيرة بما أوعداللّه عليه النار من حديث أحمد بن عمر الحلبي قال: «سألت أبا عبداللّه عن قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئآتكم قال: من اجتنب ما أو عد اللّه عليه النار إذا كان مؤمناً كفّر عنه سيّئاته، وأدخله مدخلا كريماً، والكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف»(2). وهذا الحديث من الشواهد على الجمع الذي ذكرناه بين الروايات لأنّ صدره مشتمل على تعريف الكبائر بما أوعداللّه عليها النار، وذيله مشتمل على تعداد الكبائر السبع الموجبات. وسند الحديث غير تامّ.

12 ـ المرسل المنقول عن كنز الفوائد، قال: : «الكبائر تسع، أعظمهنّ الإشراك باللّه ـ عزّ وجلّ، وقتل النفس المؤمنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام، والسحر. فمن لَقِيَ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وهو بريء منهنّ كان معي في جنّة مصاريعها الذهب». ورواه الطبرسيّ في مجمع البيان مرسلا، إلاّ أنّه قال: «سبع وترك


(1) الوسائل، ج 11، ب 46 من جهاد النفس ح 28.

(2) نفس المصدر ح 32 ص 260.

الصفحة 125

الأخيرتين»(1). وقوله: «فمن لَقِيَ اللّه ...» قد يكون قرنية على أنّ الكبائر في هذا الحديث هي الكبائر الواردة في قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفّر عنكم سيّئاتكم; إذ فرض أنّ اجتناب هذه التسع، أو السبع يستوجب كون تاركها مع المعصوم في جنّة مصاريعها الذهب، إلاّ أنّ الحديث مرسل لاقيمة له سنداً.

13 ـ ما عن محمّد بن مسلم ـ بسند غير تامّ ـ عن أبي عبداللّه قال: «قلت له: مالنا نشهد على من خالفنا بالكفر. ومالنا لانشهد لأنفسنا، ولأصحابنا أنّهم في الجنّة؟ فقال: من ضعفكم إن لم يكن فيكم شيء من الكبائر، فاشهدوا أنّكم في الجنّة. قلت: فأيّ شيء الكبائر؟ قال: أكبر الكبائر الشرك باللّه، وعقوق الوالدين، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم ظلماً، والربا بعد البيّنة، وقتل المؤمن. فقلت له: الزنا والسرقة. فقال: ليسا من ذلك»(2). فقوله: «إن لم يكن فيكم شيء من الكبائر فاشهدوا أنّكم في الجنة» يشهد لكون المقصود هي الكبائر الّتي من تركها كُفّرت عنه سيّئاته، لكن حينما يأتي إلى التعداد يقول: «أكبر الكبائر كذا وكذا»، ولايقول: «الكبائر كذا وكذا»، ثمّ يصرّح بأنّ الزنا والسرقة ليسامنها، بينما لا شكّ فقهيّاً في دخولهما في الكبائر بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر، أو بمعنى ما يخلّ بالعدالة.

وقد ورد حديث تامّ السند ظاهر في عدم كون الزنا والسرقة من الكبائر، وهو ما عن محمّد بن حكيم، قال: «قلت لأبي الحسن موسى : الكبائر تخرج من الإيمان؟ فقال: نعم وما دون الكبائر قال رسول اللّه : لا يزني الزاني وهو


(1) نفس المصدر ح 37 ص 263.

(2) نفس المصدر ح 35 ص 261 و 262.

الصفحة 126

مؤمن، ولايسرق السارق وهو مؤمن»(1). فهذا ظاهره أنّ الزنا والسرقة ممّا دون الكبائر مع ضرورة كونهما من الكبائر بالمعنى المخلّ بالعدالة، أو بمعنى الذنوب المكفِّرة ـ بالكسر، فهذا بنفسه شاهد على أنّ الكبائر قد تُستعمل بمعنى أكبر الكبائر، بل نفس عدم شمول الروايات ـ الحاصرة للكبائر في عدد قليل ـ لكثير من المعاصي الّتي هي من الكبائر ـ بالمعنى الفقهي ـ بضرورة من الفقه، دليل واضح على حملها على بيان أكبر الكبائر; إذن فالروايات المفسّرة للكبائر بما أوعد اللّه عليها النار لامعارض لها.

ونفس الاختلاف في التعداد قد يكون شاهداً على عدم إرادة الحصر بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، أو على كون الحصر حصراً إضافياً، وأنّها ليست بصدد تعريف الكبيرة بمعناها العامّ الواردة في الآية الكريمة.

بقي الكلام في الروايات الّتي عدّدت عدداً كثيراً من المعاصي تحت عنوان الكبائر أي عدداً أكثر من العدد الذي حصرت فيه الكبائر في الروايات السابقة، وهي ثلاث روايات:

1 ـ رواية عبدالعظيم الحسني وهي تامّة سنداً، وواردة في الوسائل ـ ج 11 باب 46 من جهاد النفس ح 2 ص 252

2 ـ رواية الفضل بن شاذان عن الرضا وهي واردة في نفس الباب ـ ح 33 ص 260 ـ وهي غير تامّة سنداً.

3 ـ رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد في حديث شرائع الدين الواردة في نفس الباب ـ ح 36 ص 262 ـ وهي غير تامّة سنداً.

والروايتان الأخيرتان تقبلان الحمل على إرادة ذكر عدد من المعاصي أكبر


(1) نفس المصدر ح 18 ص 257.

الصفحة 127

من سائر المعاصي، وأن لا تكونا ناظرتين إلى تفسير الآية الكريمة، فإن وجدت في هاتين الرواتين معصية لم يوعد عليها النار، قلنا في مقام الجمع: إنّ هذه كبيرة بالإضافة لما هي أصغر منها، وليست كبيرة بالمعنى المقصود بالآية المباركة; كي تعارض الروايات المفسّرة للآية بما أوعد اللّه عليه النار، وإن وجدنا معصية أوعد عليها النار غير مذكورة في هاتين الروايتين قلنا: إنّهما لم تكونا بصدد الحصر الحقيقّي للكبيرة بالمعنى الوارد في الآية الكريمة.

أمّا الرواية الاولى فهي أيضاً غير واردة بصدد تفسير قوله ـ تعالى ـ: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم، وإنّما هي واردة بالنظر إلى آية أُخرى، وهي قوله: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّا إذا جزمنا بوحدة المعنى في الآيتين كما ليس ببعيد، وعلى أيّ حال فلو وجدنا معصية ممّا أوعد عليها النار غير مذكورة في هذا الحديث الشريف، قلنا: إنّ هذا الحديث لاينفي كونها من الكبائر، بل يثبت ذاك، وذلك لما جاء في هذا الحديث الشريف من التعليل لإثبات كون المعاصي المذكورة فيها كبائر بالآيات القرآنية المنذِرة، بل وبالسنّة بالنسبة لترك الصلاة.

يبقى أنّ هذا الحديث الشريف (أعني حديث عبدالعظيم الحسني ) فرض ترك أيّ شيء ممّا فرض اللّه ـ عزّ وجلّ ـ كبيرة; بينما لم نجد في القرآن الوعيد بالنار على ترك كلّ ما فرض اللّه. ثمّ ماذا نقول في ترك الصوم؟ أفهل يُحتمل فقهياً عدم كونه من الكبائر?!! طبعاً لا، مع أنّه لايوجد في القرآن الوعيد عليه بالنار، وهذا كلّه قد يشهد لكون المقصود بروايات تعريف الكبيرة بما أو عد اللّه عليه النار، هو الوعيد بالنار في الشريعة لافي خصوص القرآن.

وقد يُقال: إنّ النظر في آية التكفير إلى المحرّمات فقط، دون ترك الواجبات بقرينة قوله ـ تعالى ـ: ﴿... ما تُنْهَوْنَ عنه، فإنّ ترك الواجب ترك للمأمور به،

 
الصفحة 128

وليس منهيّاً عنه، إلاّ بالمعنى الأُصوليّ القائل: إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده; فالمعنى: أنّ اجتناب المحرّمات الكبيرة يوجب تكفير السيّئات، وليس المقصود بالسيّئات ما يشمل ترك الواجبات، وإلاّ للزم أن يكون ترك الصلاة الّتي هي عمود الدين مكفَّراً بترك المحرّمات الكبيرة، وهذا غير محتمل، فكأنّ الآية الكريمة تنظر مسبقاً إلى من هو ملتزم بالواجبات فتقول: لو ترك المحرمات الكبيرة كفّرنا عنه صغائر المحرمات.

ويؤيّد هذا الاستظهار أنّ أكثر روايات تعداد الكبائر غير مشتملة على ترك الصلاة، أو ترك أيّ واجب آخر في حين لايحتمل كون ترك الصلاة الّتي هي عمود الدين أصغر من كلّ الكبائر المعدودة في تلك الروايات.

نعم توجد روايتان ذكرتا ذلك:

الأُولى ـ مامضى من رواية عبيد بن زرارة ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبد اللّه ; حيث جاء في ذيلها قوله: «فقلت: هذا أكبر المعاصي؟ قال: نعم قلت: فأكل الدرهم من مال اليتيم ظلماً أكبر أم ترك الصلاة؟ قال: ترك الصلاة، قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر، قال: أيّ شيء أوّل ما قلت لك؟ قلت: الكفر. قال: فإنّ تارك الصلاة كافر; يعني من غير علّة»(1). إلاّ أنّك عرفت أنّ مثل هذه الرواية لاتحمل على النظر إلى تفسير الكبيرة بالمعنى الوارد في آية التكفير.

الثانية ـ ما أشرنا إليه من رواية عبد العظيم الحسني ; حيث جاء فيها ذكر ترك الصلاة متعمداً أو شيء ممّا فرض اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وهذه الرواية ليست واردة في تفسير آية التكفير، بل هي واردة في تفسير آية اللّمم، ولم ترد كلمة النهي في آية اللّمم ، وإنّما قال: ﴿اللذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ... بينما وردت


(1) الوسائل، ج 11، باب 46 من جهاد النفس، ح 1، ص 252.

الصفحة 129

في آية التكفير حيث قال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه، فمن المحتمل أنّ فرض فعل الفرائض كان مفروغاً عنه في آية التكفير، بينما في هذه الآية يكون ترك الفريضة داخلا في الإثم. وهذه الرواية تؤيّد ما استظهرناه من آية التكفير من أنّ موضوع الوعد بالتكفير هو من لم يكن عليه شيء من ناحية الواجبات، فإنّ هذه الرواية فرضت ترك الفرائض داخلا في المقصود بالكبائر في آية اللّمم، وهذا يعني أنّ اللّه ـ تعالى ـ إنّما وعد في هذه الآية بالمغفرة لمن أتى بالفرائض، فيتّحد، أو يتقارب مفاد الآيتين.

إلّا أنّ الذي يبعِّد استظهارنا لاختصاص آية التكفير بالنظر إلى المحرّمات، أنّ كلمة (ماتُنْهَوْنَ عنه) وإن كانت ـ لعلّها ـ مُختصَّة بالمحرّمات بحسب حاقّ اللّغة، ولكن حسب مناسبات الحكم والموضوع لافرق في المعصية من حيث كونها صغيرة أو كبيرة، ومن حيث نكتة المكفِّرية ـ بالكسر ـ والمكفَّرية ـ بالفتح ـ بين أن تكون فعلا لحرام، أو تركاً لواجب. وعلى أيّ حال فلابدّ من افتراض احد امور ثلاثة: إمّا افتراض أنّ الآية ناظرة إلى خصوص المحرّمات، أو افتراض أنّ المقصود بوعيد اللّه بالنار الوعيد في الشريعة، لاالوعيد في خصوص القرآن، أو افتراض ان مقياس الوعيد بالنار في القرآن إنما ذكر للمحرمات وأما مافرضه اللّه من الواجبات فهن جميعاً يعتبر تركها كبيرة. ولعل هذا الوجه «الاخير أقوى الوجوه. وأما استبعاد كون تمام الواجبات تركها كبيرة فيمكن الجواب عليه بأنّ المقصود ما ورد في رواية عبد العظيم الحسني من عنوان ما فرضه اللّه ليس هو تمام الواجبات بل الواجبات الواردة في القرآن و يشهد لذلك. ما في صدر الرواية من ان سؤال السائل كان عبارة عن طلب معرفة الكبائر من كتاب اللّه فكأنّ مقصوده ـ عليه الصلاة والسلام ـ: أنّ الواجبات على قسمين: منها مافرضه اللّه وهو وارد في كتابه و يكون تركه كبيرة و منها مافرضه رسول اللّه في سنته بإذن اللّه او بإمضاءه ولا يعتبر

 
الصفحة 130

ترك ذلك كبيرة.

بقى الكلام في شيء واحد، وهو أننا وإن قلنا: ان ارتكاب الصغيرة لايضر بالعدالة

ولكننا نقول: أن الإصرار(1) على الصغيرة يجعلها كبيرة لعدة روايات: كما


(1) يبدو من بعض الروايات أنّ معنى الإصرار ليس هو التكرار، بل معناه عدم الندم، أو عدم حديث النفس بالتوبة، وإن كانت تلك الروايات غير واردة في الصغيرة، وما شاهدت من ذلك روايتان:

      1 ـ ما جاء في رواية محمّد بن أبي عمير عن موسى بن جعفر عليه السلام من قوله: «يا أبا محمّد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلاّ ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصرّاً، والمصرّ لايغفرله; لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم ...»

      2 ـ ما عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه ـ عزّ وجلّ ـ: ((ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون))، قال: «الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر اللّه ولا يحدّث نفسه بالتوبة، فذلك الإصرار» الوسائل ج 11، ب 48 من جهاد النفس، ح 4، ص 268.

      وسند الحديث كما يلي: الكليني، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام . والسند ضعيف بعمرو بن شمر على الأقلّ.

      هذا. والظاهر أنّ التفسير الإوّل ـ أي الوارد في الحديث الأوّل ـ لايمكن تسريته إلى باب الصغيرة، لأنّ الإصرار لو كان بمعنى عدم التوبة فالصغيرة بلا إصرار مغفورة بالتوبة سواء اجتنب الكبائر أولا، فما معنى قوله: ((إن تجتنبوا كبائر ما تُنْهَوْنَ عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم))، فالظاهر أنّ المقصود بالإصرار إمّا هو التكرار الكثير، أو الإصرار النفسي والإصرار النفسي هو الذي أُشير إليه في الحديث الثاني وهو المفهوم عرفا من كلمة الإصرار فالإصرار حالة نفسية بمعنى كون الإنسان مرتكباً للذنب لاكصدفة عابرة على النفس بل بإقبال نفسىّ ثابت.

الصفحة 131

ورد عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه قال: «لا صغيرة مع الإصرار، ولاكبيرة مع الاستغفار»(1). إلاّ أنّ سنده ضعيف بعمّار بن مروان القندي الذي روى هذا الحديث عن عبداللّه بن سنان، ولم تثبت وثاقته. و ماورد عن محمّد بن أبي عمير عن موسى بن جعفر في حديث ... . قال النبي : لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ...(2). وهذا الحديث تامّ سنداً; لأنّ الصدوق رواه عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير، ومن قبل الهمداني لاإشكال فيهم، وأمّا الهمداني فهو وإن لم يرد في كتب الرجال توثيقه، لكن يكفي في توثيقه ما ذكره الصدوق في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) من قوله بعد ذكر حديث: «لم أسمع هذا الحديث إلاّ من أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني بهمدان عند منصرفي من حجّ بيت اللّه الحرام، وكان رجلا ثقة ديّناً فاضلا ـ رحمة اللّه عليه ورضوانه ـ»(3). وما عن الفضل بن شاذان ـ والسند غير تامّ ـ عن الرضا في تعداد الكبائر وفيه: (الإصرار على الذنوب)(4). وعن تحف العقول مرسلا (والإصرار على الصغائر من الذنوب)، و الظاهر أنّ هذا هو المقصود حتى مع حذف كلمة (الصغائر)، فإنّ الكبائر هي كبائر بلاحاجة إلى إصرار. وما عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه في حديث المناهي: «أنّ رسول اللّه قال: لاتحقّروا شيئاً من الشرّ وإن صغر في أعينكم، ولا


(1) الوسائل، ج 11، ب 48 من جهاد النفس، ح 3، ص 268.

(2) الوسائل، ج 11، ب 47 من جهاد النفس، ح 11، ص 266.

(3) كمال الدين وتمام النعمة، آخر باب ما روي عن أبي الحسن موسى بن جعفر في النصّ على القائم، ص 369، بحسب طبعة دار الكتب الإسلامية بطهران.

(4) الوسائل، ج 11، ب 46 من جهاد النفس، ح 33، ص 261.

السابق | التالي | فهرس الكتاب