الصفحة 9






كلمة المجمع


إنّ من نتائج الصحوة الإسلاميّة التي شهدتها اُمّتنا الإسلاميّة في العصر الأخير ازدهار الفكر الإسلامي الأصيل على مستوى التأليف والتحقيق والنشر في مختلف أبعاد هذا الفكر وعلى كافّة المستويات.

ومن جملة المجالات التي ازدهر فيها الفكر الإسلامي في هذا العصر مجال القضاء من وجهة النظر الفقهيّة، إذ توجّه العلماء والمفكّرون الإسلاميّون إلى بحث الفقه الإسلامي في هذا المجال وخاصّة بعد قيام الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران بوصفه حاجةً فكريّةً حيّة.

وممّن قام بأعباء هذا البحث وألّف فيه سماحة آية اللّه السيّد كاظم الحائري، إذ قدّم بحثاً علميّاً استدلاليّاً قيّماً أتحف به المكتبة الإسلاميّة في العصر الحاضر.

وقد امتاز هذا البحث باشتماله على المقارنة بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي في جملة من الفروع العلميّة من بحث القضاء ممّا زاد في حيويّته وفائدته.

ومن حسن التوفيق لنا أن نقوم بنشر هذا البحث القيّم خدمةً للفكر الإسلاميّ الأصيل ومساهمةً في رفع راية الإسلام على وجه الأرض ريثما يظهر صاحبها الإمام المهديّ المنتظر وجعلنا من أعوانه وأنصاره.

 
الصفحة 10

ونقدّم شكرنا الجزيل إلى سماحة السيّد المؤلّف وإلى كلّ مَن ساهم في تحقيق هذا الكتاب أو ساعدنا في مراحل طبعه ونشره، فجزاهم اللّه جميعاً خير الجزاء وهو وليّ التوفيق.


13 / رجب / 1414 هـ

المصادف لذكرى ميلاد الإمام أمير المؤمنين

مجمع الفكر الإسلامي

 
الصفحة 11







الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل الصلوات على أفضل النبيين محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد فهذه مجموعة ما بحثناه في باب القضاء ـ وأقصد به فصل الخصومة بإصدار الحكم ـ اُقدّمها لأهل العلم والفضيلة مشتملةً على خمسة فصول:


الفصل الاول: في وجوب القضاء.

الفصل الثاني: في شخصية القاضي.

الفصل الثالث: في طرق الإثبات لدى القاضي.

الفصل الرابع: في الحكم على الغائب.

الفصل الخامس: في مدى نفوذ حكم القاضي.

راجياً من اللّه تبارك و تعالى أن يجعل ذلك ذخراً لي ليوم فقري و فاقتي إنّه سميع مجيب.

كاظم الحسيني الحائري

 
الصفحة 12


 
الصفحة 13

الفصل الأوّل







وجوب القضاء

أدلّة الوجوب.
بحث المسألة على صعيدين.

 
الصفحة 14


 
الصفحة 15







ذكروا: أنّ القضاء واجب كفاية، وادعي عليه الإجماع.

قال في الجواهر: «في التحرير وغيره أنّ القضاء واجب على الكفاية، بل في الرياض نفي الخلاف فيه بيننا ...»(1).

أدلّة الوجوب:

ولعلّ خير ما يستدلّ به على ذلك توقّف ما نقطع بعدم رضا الشارع بفوته عليه من حفظ النظام، وسدّ أبواب الظلم و المعاصي.

وأورد المحقّق العراقي على الاستدلال بتوقّف حفظ النظام عليه بمنع ذلك لإمكان إحقاق الحقوق بطور آخر، ومايضيع من بعض الحقوق في الطور الآخر يضيع أيضاً بقدره في فرض القضاء.

وأورد على الاستدلال عليه بمقدّميته للنهي عن المنكر: بمنع صدق المنكر قبل الحكم على عمل من اعتقد صحّة رأيه من الطرفين، ومع الشكّ فيه لايتحقّق


(1) الجواهر ج 40 ص 10.

الصفحة 16

موضوع المنكر بالنسبة إليه قبل قيام الحجّة عليه، ومع قيامها يكفي هذا في تحقّق موضوعه بلاحاجة إلى القضاء(1).

أقول: من يستدلّ على وجوب القضاء بتوقّف النهي عن المنكر عليه يقصد بذلك أنّ كثيراً من الظالمين المتعمّدين في الظلم لايمكن دفعهم عن ظلمهم قبل إقامة الحجّة عليهم أَمام خصومهم وأَمام الناس و قبل قيام الحجّة لنفس الدافع، وهذا كلّه لايكون إلاّ بالقضاء. ولايقصد بذلك إقامة الحجّة أَمام نفس الخصم الذي لولاها لم يعرف أنّ عمله منكر، و بالتالي لم يكن منكراً كي يورد عليه بما ذكره .

أمّا دعوى عدم توقّف حفظ النظام على القضاء فأكثر غرابة، اللّهم إلاّ أن يقصد بذلك أنّ هذا لايثبت وجوب القضاء كفاية من قبل العدول مع الإمكان عند وجود قضاة الحاكم الغاصب، لأنّ وجود القضاة من قبل الحاكم الغاصب يمنع ـ على أيّ حال ـ من اختلال النظام.

بحث المسألة على صعيدين:

أقول: إنّنا تارة نبحث المسألة على مستوى معرفَة جزء من خطّة الإسلام الشاملة في إدارة المجتمع، وأُخرى نبحث المسألة على مستوى وجوب إقامة القضاء الحقّ لو أمكن ولو في ظلّ حكومة غاصبة.

أمّا إذا بحثنا المسألة على المستوى الأوّل، فمن الواضح أنّ المعروف من الإسلام أنّه يملأ الفراغات اللازمة الملء لحفظ النظام ونفي الهرج و المرج، أي أنّ كلّ ما يكون عدم ملئه موجباً لاختلال النظام يملؤه الإسلام بطريقته الخاصّة، أمّا فرض


(1) كتاب القضاء للمحقّق العراقي (رحمه الله) ص 4 و 5.

الصفحة 17

ملئه من قبل الأعداء بطريقتهم الخاصّة فهو رغم علاجه لمشكلة اختلال النظام بطريقتهم لايمنع الإسلام عن علاجه بطريقه الخاص. إذن فالإسلام كنظام شامل للحياة مشتمل على وجوب القضاء الحقّ حتماً. نعم هذا لايكفي لإثبات وجوب القضاء الحقّ في ظلّ دولة غاصبة عند الإمكان.

وأمّا إذا بحثنا المسألة على المستوى الثاني فقد يقال: إنّه لا يمكن الاستدلال على وجوب القضاء الحقّ عند الإمكان في ظلّ دولة غاصبة بلزوم الاختلال بتركه; لوضوح أنّ نفس الدولة الغاصبة تقوم بطريقتها الخاصّة بالمنع عن الاختلال، ولكن مع ذلك لاينبغي الإشكال في وجوب إقامة القضاء الحقّ حتى في ظلّ دولة غاصبة إن أمكن، وذلك:

أوّلا ـ لأجل ما سيأتي ـ إنْ شاءاللّه ـ في محلّه من تحريم الشريعة الإسلامية للتحاكم لدى الطاغوت ـ على الأقلّ عند إمكان التحاكم الى من يقضي بالحقّ ـ، والمفهوم عرفاً من هذا التحريم بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ التحاكم عند الطاغوت مفسدة اجتماعية مبغوضة لدى الشارع لايرخّص فيها إلاّ لأجل نفي الحرج مثلا، وعلى المجتمع سدّ هذه المفسدة بشكل لايوجب اختلال النظام، فكما يجب على المترافعين أن لايترافعا عنده كذلك يجب على من يستطيع التصدّي للقضاء الحقّ أن يتقبّل منهما رفع التنازع إليه.

وثانياً ـ لأنّ قضاة الجور كثيراً ما يقضون بالظلم والجور، بينما دفع الظلم ورفع المنكر واجبان كفايةً، فيجب كفايةً على القادرين على علاج ذلك بتصدّيهم للقضاء الحقّ التصدّي لذلك.

هذا. وذكر في الجواهر مامضمونه: أنّ القضاء بما هو منصب من المناصب إنّما يعطى للشخص من قبل الإمام، فلا معنى لوجوبه كفايةً على المسلمين. نعم يجب القضاء كفايةً على المنصوبين له من قبل الإمام، أو يجب تولّي القضاء من الإمام سنخ

 
الصفحة 18

غسل الميّت الواجب كفايةً على المسلمين المتوقّف صحّته على إذن الولي، فيجب كفايةً تحصيل الإذن من الولي كي يُصلّى على الميّت، ولعلّ ذلك ونحوه مرادهم من الوجوب على الكفاية(1).

أقول: من الواضح أنّه حينما يضاف الوجوب إلى القضاء يقصدبه وجوب فعل القضاء، ولانظر لذلك إلى الجانب الوضعي للقضيّة من مدى صحّة القضاء وثبوت هذا المنصب. نعم إذا وجب فعل القضاء كفايةً، وشروط صحّة القضاء لم تكن موجودة، وجب ـ طبعاً ـ بالكفاية تحصيل الشروط، وتحصيل المنصب ممّن له حقّ إعطاء هذا المنصب. إذن فباب وجوب الفعل باب، وباب ثبوت المنصب باب آخر، ولم تكن حاجة إلى الخلط والتطويل.


(1) راجع الجواهر ج 40 ص 10 و 11.

الصفحة 19

الفصل الثّاني






شخصيّة القاضي

المقدّمة.
النصب العامّ للقضاء.
شرائط القاضى.
قاضي التحكيم.
الخاتمة في حقّ تعيين القاضي.

 
الصفحة 20


 
الصفحة 21



المقدّمة

قد قسّموا القاضي إلى القاضي المنصوب، وقاضي التحكيم.

ولعلّه ليس المقصود من جعل قاضي التحكيم في مقابل القاضي المنصوب أنّ قاضي التحكيم ليس بحاجة إلى النصب من قبل الإمام، فإنّ نفوذ القضاء هو خلاف الأصل حتى مع فرض التحكيم، وليس الحكم إلاّ للّه تعالى، ثمّ لمن أعطاه اللّه إيّاه، ثمّ لمن نصبه المعيّن من قبل اللّه . فكأنّ المقصود من تقسيم القاضي إلى هذين القسمين هو أنّ القاضي: تارةً يكون منصوباً ابتداءً وبالذات من قبل الإمام، فلو رفع أحد المتخاصمين الشكوى إليه فطلب القاضي من الآخر الحضور و الخضوع للحكم وجب عليه ذلك; لأنّ هذا المنصب ثابت له من قبل الإمام. وأُخرى لايكون منصوباً من قبل الإمام إلاّ في طول المحاكمة، فلوتحاكم المتخاصمان عند شخص كان ذلك الشخص مخوَّلا من قبل الإمام في الحكم، وإن لم يكن منصوباً ابتداءً وبالذات من قبل الإمام للحكم.

وبما أنّنا نعيش اليوم عصر الغيبة الكبرى فلايكون النصب من قبل الإمام نصباً لشخص معيّن بالخصوص، وإنّما النصب يكون بشكل عامّ لكلّ من هو متّصف بمواصفات معيّنة. نعم بناءً على مبنى ولاية الفقيه قد يقال بأنّ للفقيه حقّ تعيين شخص مّا للقضاء، ولو لم توجد فيه المواصفات المذكورة في من ورد من الإمام

 
الصفحة 22

المعصوم نصبهم بشكل عام للقضاء، وهذا أيضاً يدخل في القاضي المنصوب. ثمّ قد يقال: إنّ من حقّ المتخاصمين أن يتراضيا على المحاكمة عند شخص غير واجد لمواصفات القاضي المنصوب من قبل الإمام المعصوم، ولا المنصوب من قبل الفقيه. إذن فيقع البحث حول شخصيّة القاضي:

أولا ـ في أنّه هل وصلنا نصب عامّ من قبل الإمام المعصوم للقضاء وفق مواصفات معيّنة أوْلا؟ .

وثانياً ـ في أنّه على تقدير الإجابة بالإيجاب على السؤال الأوّل، فما هي المواصفات المشترطة في من نصبه المعصوم بشكل عامّ؟ وهل يجوز للفقيه أن ينصب من هو فاقد لتلك المواصفات أوْلا؟ وهل يجوز له أن يوكّل في القضاء الفاقد لتلك المواصفات أوْلا؟ .

وثالثاً ـ هل يحق للمترافعين تحكيم غير المنصوب من قبل الإمام ولا من قبل الفقيه ـ وهو المسمى بقاضي التحكيم ـ أوْلا؟ .

 
الصفحة 23




النصب العام للقضاء

أمّا الأمر الأوّل ـ وهو أنّه هل هناك نصب عامّ من قبل المعصوم للقضاء أولا؟ فعمدة الدليل على النصب أحاديث ثلاثة:

أحدها ـ التوقيع الشريف الذي رواه إسحاق بن يعقوب: (أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللّه)(1). أو (وأنا حجّة اللّه عليهم) كما في إكمال الدين، أو (وأنا حجّة اللّه عليكم) كما في غيبة الطوسي بناءً على دلالة هذا الحديث على ولاية الفقيه بشكل عامّ، ومن أغصان الولاية العامّة هي ولاية القضاء.

والثاني ـ مقبولة عمر بن حنظلة قال: (سألت أباعبداللّه عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له; لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمراللّه أن يكفر به. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا و حرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته


(1) الوسائل، ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 9، ص 101.

الصفحة 24

عليكم حاكماً; فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخّف بحكم اللّه، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرّاد على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه)(1).

وقد ردّ السيّد الخوئي كلا هذين الحديثين بضعف السند، ويقصد بذلك عدم ثبوت وثاقة إسحاق بن يعقوب في الحديث الأوّل، وعمر بن حنظلة ـ كما صرّح به ـ في الحديث الثاني، ورغم هذا آمن بأصل فكرة القاضي المنصوب على أساس توقّف حفظ النظام المادّي والمعنوي على القضاء الموجب لوجوبه كفاية.

وقد يقال إنّ الوجوب الكفائي حكم تكليفي لايثبت النصب الذي هو حكم وضعي، والحكم لايحقّق موضوعه و شروطه، فلو كان الشرط في نفوذ القضاء هو النصب فكيف يمكن إثبات ذلك بوجوبه؟!.

إلاّ أنّه بالإمكان الإجابة على ذلك: بأنّه لوكان الوجوب الكفائي للقضاء ثابتاً بنصّ خاصّ مثلا مشروطاً بنصب الإمام صحّ القول بأنّ هذا الوجوب لايثبت النصب، فإذا لم يكن دليل على النصب لم يمكن إثباته بالوجوب الكفائي، ولكنّ الوجوب الكفائي هنا ثبت بعلمنا بعدم رضا الشارع باختلال النظام، وهذا العلم كما يثبت وجوب القضاء كذلك يثبت نفوذه; لأنّنا نعلم أنّ مجرّد الوجوب بلا نفوذ لايرفع الاختلال، ونفوذه يعني إمضاء الشارع لقضائه. حينئذ لوكان إمضاء الشارع لقضائه بعد فرض ترافع المتنازعين لديه كافياً في رفع الاختلال ثبت بذلك قضاء التحكيم، أمّا لو فرض أنّ مجرّد ذلك لايرفع الاختلال لأنّه كثيراً ما يتّفق أنّ أحد المتخاصمين لا يرضى بالتحاكم، فلابدّ من قاض منصوب يحقّ له جلب المتخاصم عند طلب المتخاصم الآخر ثبت بذلك على الإجمال أنّ الشريعة الإسلامية نصبت بعض الناس قضاة.أمّا من هم هؤلاء البعض؟ ـ وقد افترضنا عدم


(1) الوسائل، ج 18، ب 11 من صفات القاضي، ح 1، ص 99.

الصفحة 25

نصّ خاصّ يرشدنا إليهم ـ فلابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن لو كان، وهذا ما سنبحثه إن شاء اللّه عند بحث الشروط.

وعلى أيّ حال فالصحيح تماميّة سند الخبرين الماضيين:

أمّا توقيع إسحاق بن يعقوب فلما ذكرناه في أساس الحكومة الإسلاميه(1) في تصحيح سنده ولا نُعيده هنا. وأمّا مقبولة عمر بن حنظلة فلثبوت و ثاقته على مبنانا برواية بعض الثلاثة الذين لا يروون إلاّ عن ثقة عنه.


(1) وحاصله: أن الرواية رويت بسندين:

      الأول: الصدوق في إكمال الدين، عن محمّد بن محمّد بن عصام، عن محمّد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب ... .

      الثاني: الشيخ في الغيبة، عن جماعة، عن جعفر بن محمّد بن قولويه و أبي غالب الزراري وغيرهماكلهم، عن محمّد بن يعقوب.

      والسند الثاني إلى إسحاق بن يعقوب صحيح مطمأن إليه حيث يرويها جماعة ـ منهم المفيد فإن الشيخ يروي جميع كتب وروايات ابن قولويه عن جماعة احدهم المفيد ـ عن جماعة ـ منهم ابن قولويه و الزراري المقطوع بوثاقتهما ـ عن الكليني، فلايبقى في السند غير إسحاق بن يعقوب، ولااسم له في الرجال فيكون مجهولا، لكن مجهوليته لاتضرهنا، لانهاإنما تضرلوجود احتمال الكذب أو التساهل، وهو هنا منتف، لأن احتمال الكذب أو التساهل إن فرض في أصل دعوى صدور التوقيع، يردّه: أن احتمال أن يخفى على مثل الكليني افتراء التوقيع في زمانه بعيد جداً لا يعتنى به، خاصةً وأنّ التوقيعات لم تكن تصدر إلاّ إلى الخواصّ لشدّة التقيّة. وإن فرض التساهل في نقل الخصوصيّات ـ بعد انتفاء احتمال الكذب في أصل النقل ـ فهو إمّا لمصلحة شخصيّة تدعو إلى التغيير، وهي غير متصورة في المقام، وإمّا لعدم الضبط و التساهل في النقل وهذا إنّما يكون في النقل الشفهى عادة لافي الكتاب ـ راجع ص 155 من أساس الحكومة الإسلاميّة.

الصفحة 26


وثاقة من روى عنه بعض الثلاثة:

والأصل في توثيق كلّ من روى عنه أحد الثلاثة هو ما عن الشيخ الطوسي في كتاب العدّة في أواخر بحثه عن خبر الواحد حيث قال:

«وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلا نظر في حال المرسل، فإن كان ممّن يعلم أنّه لايرسل إلاّ عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين مايرويه محمّد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمّد بن أبي نصير، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لايروون ولايرسلون إلاّ عمّن يوثق به وبين ما أسنده غيرهم»(1).

فهذا إخبار من قبل الشيخ الطوسي يحمل على الحس أو ما هو قريب من الحسّ بأنّه كان من المعروف عند الأصحاب بشأن هؤلاء الثلاثة أنّهم لايروون إلاّ عن ثقة، وبتصديق هذا الخبر من الشيخ على أساس حجّية خبر الثقة تثبت شهادة جملة من الأصحاب بأنّ هؤلاء الثلاثة لايروون إلاّ عن ثقة. إذن فنقل واحد من هؤلاء الثلاثة عن شخص توثيق له.

هذا إضافة إلى أنّ هؤلاء الثلاثة هم من أصحاب الإجماع، فلو قلنا بأنّ أصحاب الإجماع لايروون إلاّ عن ثقة ثبت ذلك بشأن هؤلاء الثلاثة.

والأصل في دعوى الإجماع هذه هو الكشّي في رجاله حيث قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبداللّه :

«أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر،


(1) العدّة للشيخ الطوسي ص 386.

الصفحة 27

وأصحاب أبي عبداللّه ، وانقادوالهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبوبصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمّد بن مسلم الطائفي. قالوا: وأفقه الستة زرارة وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي: أبوبصير المرادي، وهو ليث بن البختري»(1).

وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبداللّه :

«أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه ـ من دون اُولئك الستة الذين عدّدناهم وسمّيناهم ـ ستة نفر: جميل بن دراج، وعبداللّه بن مسكان، وعبداللّه بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان. قالوا: وزعم أبوإسحاق الفقيه ـ وهو ثعلبة بن ميمون ـ أنّ أفقه هؤلاء جميل بن دراج، وهم أحداث أصحاب أبي عبداللّه »(2).

وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم، وأبي الحسن الرضا :

«أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء و تصديقهم، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة نفر اُخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد اللّه منهم: يونس بن عبدالرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمّد بن أبي عمير، وعبد اللّه بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر. وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب. وقال بعضهم مكان فضالة بن أيوب: عثمان بن عيسى. وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى»(3).


(1) الرقم 431، من اختيار معرفة الرجال، ص 238.

(2) الرقم 705 من نفس المصدر، ص 375.

(3) الرقم 1050 من نفس المصدر، ص 556.

الصفحة 28

ومن الواضح في الستة الاُولى أنّ قوله: (أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء ...) لايدلّ إلّا على توثيقهم دون توثيق من يروون عنه. نعم قد يتوهّم بالنسبة لتعبيره في الستة الثانية و الثالثة بتصحيح ما يصحّ عن هؤلاء أنّ معنى ذلك هو أنّ ما صحّ إلى هؤلاء فهو صحيح إلى الإمام، وهذا يعني وثاقة الرواة الذين وقعوا بينهم وبين الإمام، أو أنّهم كانوا متأكّدين من صدق الرواة الذين بينهم وبين الإمام في تلك الروايات. ولكنّك ترى أنّ هذه العبارة أيضاً لادلالة فيها على أكثر من تصحيح ما يصحّ عنهم، بمعنى أنّ ما صحّ سنده إليهم فسنده صحيح بلحاظهم، أي أنّهم ثقاة في النقل، أمّا أنّهم لاينقلون إلّا عن ثقة مثلا فلم يعلم من ذلك، ويؤيّد هذا المعنى عطف قوله: «وتصديقهم» على قوله: «تصحيح ما يصحّ عنهم»، فإنّ الظاهر أنّه من باب عطف المرادف. أمّا كونه من باب عطف شيء أقلّ وأخفّ ـ وهو مجرّد التوثيق ـ على شيء أكبر وأوسع ـ وهو صحّة روايته إلى الإمام ـ فخلاف الظاهر، وكذلك يؤيّده عطف الكشّي للستة الثانية على الستة الاُولى بقوله: «من دون اُولئك الستة الذين عدّد ناهم». وكذلك الستة الثالثة على الثانية ممّا يفهم منه أنّ المقصود من العبائر الثلاث كان على نسق واحد، ومن الواضح أنّ العبارة الاُولى إنّما دلّت على وثاقة نفس الستة دون وثاقة من ينقلون عنه.

وعلى أيّ حال فالمهمّ في المقام هي العبارة التي نقلناها عن الشيخ الطوسي ; حيث يبدو أنّها تدلّ على أنّ هؤلاء الثلاثة لاينقلون إلّا عن ثقة.

إلّا أنّ السيّد الخوئي قد ناقش في ذلك في مدخل كتابه (معجم رجال الحديث)(1)بعدّة مناقشات:

الاُولى ـ حمل نقل الشيخ تسوية الطائفة بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم


(1) معجم رجال الحديث، الجزء الاول، ص 75.

الصفحة 29

على الحدس والاجتهاد، إذ لو كانت هذه التسوية صحيحة وأمراً معروفاً متسالماً عليه بين الأصحاب لذكرت في كلام أحد من القدماء، وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر عدا ما جاء عن النجاشي بخصوص مراسيل محمّد بن أبي عمير من سكون الأصحاب إليها معلّلا بضياع كتبه وهلاكها، فمن المطمأنّ به أنّ منشأ هذه الدعوى هي دعوى الكشّي الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، ويشهد لذلك أنّ الشيخ لم يخصّ ماذكره بالثلاثة بل عمّمه لغيرهم من الثقاة الذين عرفوا بأنّهم لايروون إلاّ عن ثقة، بينما لم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشّي الإجماع على التصحيح، وممّا يكشف عن كون هذه النسبة اجتهادية وغير ثابتة في نفسها نقض الشيخ نفسه لذلك في كتابيه التهذيب والاستبصار، حيث يناقش فيهما سند بعض الروايات بالإرسال رغم كون المرسل أحد الثلاثة، أو أحد أصحاب الإجماع.

أقول: لا إشكال في أنّ الأصل في الخبر هو الحسّ، فحمل كلام الشيخ على الحدس والاجتهاد، أو التحميل عليه بأنّه استفاد ذلك من كلام الكشّي في تصحيح ما يصحّ عن جماعة بحاجة إلى مبّرر، وتبرير ذلك (بأنّه لوكانت هذه التسوية صحيحة وأمراً معروفاً متسالماً عليه بين الأصحاب لذكرت في كلام أحد من القدماء، بينما لايوجد عين ولاأثر من ذلك) قد أورد عليه الشيخ عرفانيان في كتابه (مشايخ الثقات) بأنّه ما أكثر كتب الأصحاب التي تلفت، ولم تصل بأيدينا، فلعلّ هذا كان مذكوراً في الكتب التالفة(1).

أقول: لئن فرضت صحّة استبعاد وجود تسوية من هذا القبيل من قبل الأصحاب بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم من دون أن نجد عيناً ولاأثراً فيما وصل بأيدينا من كتبهم رغم ترقّب ذكر ذلك في كتب الفقه والأُصول و الرجال،


(1) مشايخ الثقات ص 13.

الصفحة 30

وقد وصلنا من مجموع الأصناف الثلاثة من الكتب عدد معتدّبه، لئن فرضت صحّة استبعاد ذلك بالنسبة لنقل التسوية، فمن الواضح عدم صحّته بالنسبة لإخبار الشيخ عن أنّهم عرفوا بأنّهم لايروون و لايرسلون إلاّ عمّن يوثق به. والحاصل أنّه قد جاء في كلمات الشيخ التي نقلناها تعبيران: أحدهما التعبير بالتسوية بين مراسيل هؤلاء و المسانيد، والآخر التعبير بأنّهم عرفوا بعدم النقل عن غير الثقات، فلئن شككنا في الأول فالتشكيك في الثاني أوضح بطلاناً، لأنّ معروفيّة عدم نقلهم عن غير الثقات إنّما يترقّب ذكرها في كتب الرجال فحسب سنخ التوثيق والتضعيف، أي لااستغراب في عدم ذكر ذلك في كتب الفقه والأُصول، وكتب الرجال الواصلة بأيدينا ليست في الكثرة بمثابة نستبعد معها عدم وصول ذلك إلينا عن غير كتاب العدّة، فلعلّ هذا سنخ الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن جماعة الذي انحصر مدركه الأصلي لدنيا في نقل الكشّي، أو سنخ ما جاء في عدّة الشيخ الطوسي من معروفيّة السكوني بالوثاقة، بينمالم نَرمن ذلك عيناً ولاأثراً في كتب الرجال، والتفكيك بين الأمرين ـ أعني معروفية هؤلاء بأنّهم لايروون، ولايرسلون إلاّ عن ثقة، والتسوية بين مراسيلهم و مسانيد الآخرين ـ أمر معقول; إذ قد يسلّم شخص بالأول، ولكنّه لا يسلم بالتسوية على أساس دعوى أنّه عند الإرسال نبقى نحتمل أنّ واقع من أرسل عنه لعلّه مجروح من قبل آخرين، ولعلّ واقع من أرسل عنه نعلم بعدم وثاقته، والعامّ المفهوم من قاعدة: (لايروون، ولايرسلون إلاّ عن ثقة) ساقط عن الحجّية بهذا المقدار، فالتمسّك به تمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، ولا أقصد الآن البحث عن مدى صحّة هذا الإشكال، وإنّما مقصودي أنّ التفكيك بين الأمرين أمر معقول:

وبما ذكرنا ظهر الجواب على استشهاد السيّد الخوئي لكون مدّعى الشيخ بشأن الثلاثة مأخوذاً من نقل الكشّي الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن جماعة بأنّه

 
الصفحة 31

عمّم الأمر إلى غير هؤلاء الثلاثة، بينما لم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشّي الإجماع. فالجواب: أنّه من أين عرفنا أنّه لم يعرف أحد بذلك من غير جهة الكشّي مع أنّه لم يصلنا من كتب الرجال إلاّ القليل؟! وماذا يقول السيّد الخوئي في نفس إجماع الكشّي الذي لم يصلنا عن غير طريق الكشّي؟!.

وأمّا استشهاده بنقض الشيخ نفسه في كتابيه لقاعدة التسوية فقد أجاب عليه الشيخ عرفانيان:

تارةً بأنّ كتاب العدّة متأخّر تأليفاً عن التهذيب والاستبصار، فلعلّه في الزمن الثاني التفت إلى تسوية الأصحاب.

وأُخرى بأنّ مبنى الشيخ في التهذيب و الاستبصار الاعتذار عن تعارض الأخبار تارةً بالجمع، وأُخرى بإسقاط أحد السندين، وذلك أمام من طعن علينا بكثرة التعارض في أخبارنا، فلعلّ المناقشة بالإرسال كانت بهذه النكتة(1).

وهذا الجواب الثاني وإن كان قابلا للمناقشة لكنّ الجواب الأول صحيح.

ويمكن تصحيح الجواب الثاني أيضاً بإرجاعه إلى القول بأن مفاد كلام الشيخ في كتابيه كقوله في باب العتق: (وأمّاما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن زرارة عن أبي جعفر قال: «السائبة وغير السائبة سواء في العتق» فأوّل ما فيه أنّه مرسل، وما هذا سبيله لا يعارض به الأخبار المسندة)(2) ليس معارضا لكلامه الذى جاء في العدة من أنهم لا يروون، ولايرسلون إلاّ عن ثقة، وذلك لأن من المحتمل أن يكون مقصوده بما في كتابيه أنه لدى المعارضة يقدّم المسند على المرسل


(1) مشايخ الثقات ص 31 ـ 30.

(2) التهذيب ج 8 باب العتق و احكامه الحديث 932، والاستبصار ج 4، باب ولاء السائبة، الحديث 87.

الصفحة 32

لاعدم حجية المرسل في ذاته، وهذا اجتهاد منه في مقام علاج التعارض، باعتبار أن عدم معروفية الساقط اسمه لنا يجعلنا نحتمل اننا لو عرفناه لرأيناه غير ثقة خلافاً لما بنى عليه ابن ابي عمير مثلا، فكان هذا سبباً في رأي الشيخ الطوسي لتقديم المستند الذي عرفنا وثاقة كلّ رواته على ذاك المرسل، وهذا - كما ترى - لا يعارض ما في العدّة.

أضف إلى ذلك ما عرفته من عدم الملازمة بين الإيمان بأنّ هؤلاء الثلاثة لايروون إلّا عن ثقة ـ أي عمّن يثقون به ـ و التسوية، فلعلّ الشيخ استشكل في كتابيه في التسوية بين مراسيل هؤلاء الثلاثة و مسانيد غيرهم رغم إيمانه بأنّ الأصحاب سوّوا بينهما بنكتة أنّهم لايروون إلّا عن ثقة، وسيأتي إن شاء اللّه أنّ معنى كونهم لايروون إلّا عن ثقة أنّهم لايروون إلّا عمّن يؤمنون هم بوثاقته، فلا ينافي ذلك التوقّف في مراسيلهم باعتبار عدم معرفتنا بالشخص المحذوف، واحتمال وجود الجرح بشأنه.

الثانية ـ أنّه لوفرض ثبوت التسوية من قبل الأصحاب القدامى بين مراسيل هؤلاء و مسانيد غيرهم فمن المظنون كون ذلك على أساس ما نسب إليهم، و اختاره جمع من المتأخّرين كالعلّامة من البناء على حجّيّة خبر كلّ إماميّ لم يظهر منه فسق، لا على أساس أنّهم لا يروون إلّا عن ثقة.

أقول: نحن لا نتمسّك بمجرّد إخبار الشيخ عن تسوية الأصحاب بين مراسيل هؤلاء و مسانيد غيرهم كي يُلقى احتمال من هذا القبيل لدفع الاستدلال، بل نتمسّك بإخبار الشيخ بأنّ هؤلاء عرفوا بأنّهم لا يروون و لايرسلون إلّا عن ثقة.

الثالثة ـ أنّ دعوى أنّ هؤلاء الثلاثة لايروون ولايرسلون إلّا عن ثقة لايمكن أن تتمّ إلّا عن طريق إخبارهم هُم عن أنّهم لا يروون إلّا عن ثقة، ولاطريق آخر لكشف ذلك، بينما لم ينسب إلى أحد من هؤلاء التصريح بشيء من هذا القبيل.

وقد أجاب على ذلك الشيخ عرفانيان حفظه اللّه بأنّ الأصحاب القدامى خاصّة

 
الصفحة 33

التلامذة المباشرين لهؤلاء الثلاثة بإمكانهم اكتشاف ذلك عن ظاهر حالهم، والقرائن الموجودة في حياتهم وأحوالهم، وليس طريق الكشف منحصراً في تصريحهم(1).

أقول: لوكان طريق الكشف منحصراً في تصريحهم لدلّت هذه الشهادة من قبل الشيخ على صدور تصريح بذلك من قبلهم، ولادليل على ضرورة وصول ذلك إلينا بأكثر من هذا المقدار من الوصول. والواقع أنّ طريق الكشف ليس منحصراً في تصريحهم بذلك، بل بإمكان تلامذتهم أن يكتشفوا ذلك عن ظاهر حالهم واستقراء جملة من نقولهم و سنخ اهتماماتهم ونحو ذلك من القرائن، كما يكتشفون عدالتهم أو وثاقتهم بهذا الأُسلوب، ومعنى شهادة الشيخ بأنّهم عُرفوا بأنّهم لا يروون ولايرسلون إلاّ عن ثقة هو الشهادة بأنّ الأصحاب كانوا يعتقدون بأنّ ظاهر حال هؤلاء ـ لولم يكن تصريح منهم ـ كان بنحو يورث نقلهم عن أحد الاطمئنان للإنسان المتعارف المطّلع على حالهم بأنّه ثقة عند الناقل، وهذا كاف في ثبوت وثاقته عندنا; لأنّه إخبار من قبل الشيخ الثقة عن الأصحاب الثقات إمّا بوثاقة من يروي عنه هؤلاء الثلاثة في اعتقاد هؤلاء الثلاثة وهو إخباربما يقرب من الحس، وإمّا بأمر حسّيّ (وهو ظهور حالهم) ملازم ـ ملازمةً عاديةً بقدر إفادة الاطمئنان ـ لكون المروي عنه ثقة عند أحد هؤلاء الثلاثة الثقات، وملازمات الأمارة حجّة، فكأنّنا إطمئنَنّا بإخبار أحد هؤلاء الثلاثة بوثاقة المروي عنه.

أمّا لو استظهرنا أنّ هذه المعروفيّة لوكانت سوف لن تخفى على نفس هؤلاء الثلاثة، إذن فهذا يعني أنّ هؤلاء الثلاثة كانوا يعلمون بأنّهم حينما ينقلون عن أحد فالناس سوف يفترضون وثاقة المروي عنه، وحينئذ سيكون سكوتهم عن قدح المروي عنه شهادة من قبلهم بوثاقته، فتتأكّد بذلك دلالة نقلهم عنه على وثاقته.


(1) مشايخ الثقات ص 33.

الصفحة 34

الرابعة ـ أنّ هؤلاء نقلوا أحياناً عن غير الثقات في موارد ذكر جملة منها الشيخ نفسه فكيف يدّعى أنّ هؤلاء لايروون عن الضعفاء.

لايقال: إنّ رواية هؤلاء عن الضعفاء لاتنافي دعوى أنّهم لايروون إلاّ عن ثقة; إذ معنى ذلك هو أنّهم لايروون إلاّ عمّن يعتقدون بوثاقته، فرواية أحدهم عن شخص شهادة منه على وثاقته تؤخذبها ما لم يثبت خلافها.

فإنّه يقال: إنّ الشيخ أراد بقوله: «لايروون، ولايرسلون إلاّ عن ثقة» الوثاقة في الواقع وفي نفس الأمر، لافي نظر هؤلاء الثلاثة، والدليل على ذلك أنّه لوكان المقصود هو الوثاقة في نظر هؤلاء لما أمكن الحكم بالتسوية بين مراسيلهم ومسانيد غيرهم; إذمن المحتمل أن يكون الواسطة من ثبت ضعفه عندنا. هذا ما أفاده السيد الخوئي في المقام.

أقول: من الواضح أنّ الشهادة بأنّهم لا يروون إلاّ عمّن هو ثقة في الواقع غير معقولة إلاّ بنحو القضية الخارجية، وعلى أساس الاستقراء التامّ، ومن البديهي أنّ الاستقراء بلحاظ المراسيل على الأقلّ غير معقول. وبهذه النكتة يصبح ظاهر قوله: «لايروون، ولايرسلون إلاّ عن ثقة» هو الوثاقة بنظر هؤلاء لاالوثاقة في الواقع. وأمّا أنّه هل تصحّ على هذا التسوية بين المراسيل و المسانيد أوْلا؟ فهذا بحث علمي، ومن المعقول افتراض أنّهم اعتقدوا صحّة التسوية، وليس من الواضح عدم صحّتها كي لانحتمل اعتقادهم بذلك، بل هناك وجه فنّي لصحّة التسوية قابل للبحث و النقاش، وهو أنّه حينما أرسل أحد هؤلاء الثلاثة روايةً فقد حصلت لنا شهادة بوثاقة الشخص المحذوف، واحتمال وجود التضعيف بشأنه وإن كان وارداً لكن هذا لايعني عدا احتمال وجود المعارض لتلك الشهادة، والدليل لايسقط بمجرّد احتمال وجود المعارض.

نعم لوفرض نادراً أنّنا عرفنا في مورد مّا أنّ أحدهم نقل عمّن كان يرى هو

 
الصفحة 35

عدم ثبوت و ثاقته فقد يتخيّل أنّ هذا يضرّ بتلك الشهادة.

والواقع أنّه حتى لوثبت ذلك نادراً فإنّه لايضرّ بالأمر.

توضيح ذلك: أنّه قد اتّضح ممّا سبق أنّ لاستفادة وثاقة المروي عنه من عبارة الشيخ أحد طرق ثلاثة:

الأوّل ـ أن يفترض فى أنّ تلك العبارة تدلّ على أنّ هؤلاء الثلاثة قد صرّحوا بأنّهم لاينقلون إلاّ عن ثقة; إذلايمكن معرفة ذلك إلاّ بتصريحهم مثلا، وعليه فقد حصلنا على شهادة من هؤلاء الثلاثة بوثاقة المروي عنه بعدد من رووا عنهم، وحينما تسقط بعض هذه الشهادات بثبوت الخطأ لايستلزم ذلك سقوط باقي الشهادات، إلاّ أن يكثر نقلهم عن الضعفاء ممّا يكشف عن عدم وجود شهادة من هذا القبيل، ولم تردنا كثرة نقل لهم عن الضعفاء، والحمدللّه.

الثاني ـ أن يفترض أنّ نفس نقل أحدهم عن شخص شهادة ـ بمعونة سكوته عن قدحه ـ على وثاقته باعتبار علمه بمعروفيّته بأنّه لايروي إلاّ عن ثقة. وعلى هذا الفرض أيضاً توجد لدنيا عدّة شهادات بعدد المروي عنهم، وسقوط بعضها لا يوجب سقوط الشهادات الأُخرى مالم يكثر النقل عن الضعفاء ممّا يكشف عن عدم شهادة من هذا القبيل.

الثالث ـ أن يقتصر على مجرّد أنّ ظاهر حالهم كان يبعث على الاطمئنان باعتقادهم بوثاقة من يروون عنه، ومن الواضح أنّ هذا الاطمئنان لايختلّ بمجرّد التخلّف في مورد نادر.

وقد اتّضح بما ذكرناه الجواب على الإشكال حتى لو فرض حمل قوله: «لا يروون إلاّ عن ثقة» على معنى الوثاقة الواقعيّة، فيرجع ذلك في الحقيقة إلى شهادة العلماء القدامى بوثاقة كلّ من روى عنه أحد الثلاثة، فإنّنا لوافترضنا أنّ هذه الشهادة ثبت خلافها في بعض الموارد فهذا لايعني سقوط باقي شهاداتهم مادام لم

 
الصفحة 36

تبلغ موارد التخلّف من الكثرة إلى حدّ يستكشف منه عدم شهادة من هذا القبيل رأساً.

نعم هذه الشهادة سوف لن تفيدنا لتصحيح مراسيل هؤلاء الثلاثة; لأنّ شهادة الأصحاب بالوثاقة الواقعية لمن روى عنه أحد هؤلاء الثلاثة لايمكن أن تقبل بالنسبة لمن لم يعرفوه، ولايمكن أن تكون عن حسّ، والمفروض أنّ المروي عنه في المراسيل غير معروف.

ومن هنا ظهر أنّه لوأُريد جعل دعوى التسوية بين مراسيلهم ومسانيد غيرهم شاهدة على شيء، فجعلها شاهدة على أنّ المقصود بالوثاقة في المقام هي الوثاقة عند هؤلاء الثلاثة أولى من جعلها شاهدة على أنّ المقصود بها هي الوثاقة الواقعية.

بقي إشكال آخر قد يورد في المقام وهو أنّ نقل الشيخ لتسوية الأصحاب بين مراسيل هؤلاء الثلاثة و مسانيد غيرهم، وأنّهم عرفوا بأنّهم لايروون إلاّ عن ثقة يشبه نقل الإجماع، فكما أن الإجماع المنقول غير حجّة كذلك هذا النقل لايكون حجّة.

والجواب: أنّ نقل الإجماع ليس إلاّ نقلا لآرآء حدسية لانستكشف من المقدار الذي نستحصله عن طريق النقل رأي الإمام، وهذا بخلاف معرفة الأصحاب الحسّية أو القريبة من الحسّ بأنّ هؤلاء الثلاثة لايروون إلاّ عن ثقة.

مراسيل الثلاثة:

هذا. ولا بأس بأن نبحث بالمناسبة في خاتمة هذا البحث حال مراسيل هؤلاء الثلاثة، فقد عرفنا حتى الآن أنّ الذي يروي عنه أحد الثلاثة لو لم يردنا بشأنه تضعيف نحكم بوثاقته.

 
الصفحة 37

أمّا إذا حذف اسم الرجل فقال مثلا: «عن رجل عن الإمام» فقد يستشكل في توثيقه بأحد وجهين:

الأوّل ـ أنّ توثيقه بعموم أنّهم لايروون إلاّ عن ثقة بعد أن عثرنا على نقلهم أحياناً من المجروحين، تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية، إذ أنّ ذاك الفرد المجروح قد خرج من تحت العامّ، ونحن نحتمل كون هذا الفرد المخذوف هو ذاك فكيف يمكن التمسّك بعامّ من هذا القبيل؟.

الجواب: أوّلا ـ إنّ مفردات موضوع هذا العام هي الروايات لا الرواة فالشهادة تقول: إنّ هؤلاء لايروون رواية عن غير الثقة، فلو روى أحدهم رواية عن غير الثقة ثمّ روى رواية أُخرى عن نفس ذاك الشخص، فهذا يعني تخلّف فردين عن هذا القرار العامّ لاتخلّف فرد واحد.

وثانياً ـ إنّه حتى لو فرض أنّ مفردات الموضوع هي الرواة، فحينما نرى أحدهم روى عمّن ضُعّف فهذا لايعني أنّ تضعيف من ضُعّف تخصيص للعام كي يأتي الكلام بأنّ فرض رواية أُخرى عنه هل هو تخصيص زائد يدفع بالعموم أوْلا، وإنّما يعني أنّ تضعيف من ضُعّف شهادة معارضة لهذه الشهادة بالوثاقة; إذليس هذا تضعيفاً صادراً من نفس ابن أبي عمير مثلا كاشفاً عن ضيق في مراده الجدّي عن العامّ، و إنّما هي شهادة معارضة من قبل شاهد آخر.

إذن فالمورد هو مورد الشكّ في المعارض لا الشكّ في المصداقيّة لتخصيص ثابت.

الثاني ـ ما جعله في (مشايخ الثقات) للشيخ عرفانيان حفظه اللّه (في كلام نسبه إلى أُستاذنا الشهيد ) ردّاً على الجوابين الماضيين عن الإشكال الأوّل، بينما هو يصلح إشكالا مستقلاّ، ولايصلح رداً على الجوابين، ولعلّ ذلك مسامحة في التعبير.

وحاصل هذا الوجه: هو أنّ أصالة عدم الاشتباه التي هي أحد جزئي معنى

 
الصفحة 38

حجّيّة خبر الثقة ـ إذ معناها نفي الكذب و نفي الاشتباه ـ لاتجري في المقام بعد ما رأيناه في أخبار ابن أبي عمير مثلا المسندة من أنّه روى أحياناً عن فلان الضعيف; إذ لو كان قد اعتقد اشتباهاً بوثاقة فلان، وكان الشخص المحذوف في الرواية المرسلة عبارة عن نفس هذا الشخص الضعيف لم يكن هذا اشتباهاً جديداً يُنفى بأصالة عدم الاشتباه(1).

والجواب على ذلك هو ماجاء أصله في نفس الكلام الذي نقله الشيخ عرفانيان عن أُستاذنا الشهيد نذكره هنا مع قليل من الفرق، وهو أنّ ندرة مشاهدتنا لرواية ابن أبي عمير مثلا عمّن وصلنا تضعيفه تجعلنا نطمئنّ في كلّ رواية مرسلة له بأنّها ليست عن اُولئك الذين وصلنا تضعيفهم، فمثلا حينما لم نر في مشايخه من وصلنا تضعيفه إلّا بمقدار واحد من المائة أو اثنين من المائة أصبح احتمال كون هذه الرواية المرسلة مرويّة عن ذاك عبارة عن واحد أو اثنين من المائة، بل سيكون أقلّ من ذاك:

أولا ـ لاحتمال كونها مرويّة عن إنسان آخر غير اُولئك المشايخ الذين عرفناهم، ولم يصلنا طبعاً تضعيف ذاك الإنسان المجهول اسمه لدينا.

وثانياً ـ لأنّ احتمال كون المحذوف هو أحد الأشخاص الذين كثرت روايات ابن أبي عمير عنهم ـ وهم جملة من الثقات ـ أقوى من اِحتمال كونه هو ذاك الضعيف الذي قلّت رواية ابن أبي عمير عنه.

وهذا الجواب يصلح جواباً للوجه الأوّل من الإشكال أيضاً.

إلّا أنّ أُستاذنا الشهيد حسب نقل الشيخ عرفانيان أورد على ذلك: بأنّ هذا الجواب إنّما يتمّ لو لم يكن هناك مقوٍّ لاحتمال كون هذه الرواية المرسلة مرويّة عن ذاك الضعيف يجعله أقوى من سائر البدائل المحتمله ممّا قد يخلّ بحصول


(1) مشايخ الثقات ص 42.

الصفحة 39

الاطمئنان، والمقوّي الذي يمكن دعوى وجوده في المقام هو نفس حذف اسم الوسيط; إذ يحتمل نشوء ذلك من درجة من عدم الاعتناء بالوسيط وعدم الوثوق به.

نعم يستثنى من هذا الإشكال مالو عبّر ابن أبي عمير مثلا بتعبير: عن غير واحد، أو عن جماعة، أو عن رهط، ونحو ذلك، لابتعبير: عن رجل، أو عن بعض أصحابه، ونحو ذلك; إذ هذا التعبير يتناسب مع الاهتمام لامع عدم الاهتمام، بل في هذا الفرض يشتدّ الاطمئنان لبُعد كون كلّ المحذوفين العَرْضيّين ـ وهم ثلاثة على الأقلّ ـ من أُولئك الذين وصلنا ضعفهم(1).

أقول: أنّ هذا الإشكال غريب في المقام، فترك ذكر اسم الوسيط لا أعرف كيف ينشأ ـ في احتمال معقول ـ من عدم الوثوق به، وإنّما ينشأ عادةً من نسيانه، ولو لم يكن ناسياً له فعدم ذكره لعلّه أنسب بوثوقه من عدم وثوقه به; باعتبار أنّه لو لم يكن واثقاً به كان ينبغي له ذكره كي يتكفّل السامع بنفسه عِبء الوثوق بالرواية أو عدم الوثوق بها.

هذا تمام الكلام في روايات الثلاثة مسنداً ومرسلا.

وقد تحصل بذلك أنّ مقبولة عمر بن حنظلة في المقام تامّة سنداً.

دلالة الحديث:

وأمّا دلالةً، فقد يقال: بأنّها لم تدلّ على أكثر من قاضي التحكيم حيث قال: «فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»، فصحيح أنّ هذا نصب من قبل الإمام، لكنّه نصب لمن رضوابه حكماً; أي نصب بعد التحكيم، وقد قلنا: إنّ قاضي


(1) مشايخ الثقات ص 45.

الصفحة 40

التحكيم أيضاً لا بدّ من نصبه، إلاّ أنّ نصبه يكون في طول التحكيم، بينما كلامنا الآن في النصب العامّ من قبل المعصوم قبل التحكيم.

والجواب: أنّ (فاء) التعليل في قوله: «فإنّي قد جعلته حاكماً» الذي علّل به قوله: «فليرضوا به حكماً» ظاهر عرفاً في أنّ النصب ثابت في الرتبة السابقة على التحكيم، فكأنّه يقول: هذا منصوب من قبلي حاكماً فتحاكموا إليه. وهذا هو القاضي المنصوب.

هذا، وقد يقال: إنّ هذا الحديث لايفيدنا في زماننا لأنّه إنّما دلّ على النصب من قبل الإمام الصادق بوصفه وليّاً للأمر فيختص بزمانه، أمّا في زماننا هذا فنحن بحاجة إلى النّصب من قبل إمام العصر، أي يجب أن نرجع إلى التوقيع مثلا لإثبات منصب القضاء للفقيه لا إلى المقبولة.

والجواب: أنّ ظاهر هذا الحديث بإطلاقه هو الجعل المستمر إلى أن ينسخ، والإمام المعصوم تكون ولايته شاملة لما بعد وفاته لإطلاق دليل ولايته، ولم يثبت نسخ هذا النصب من قبل إمام متأخّر.

هذا تمام الكلام في الحديث الثاني من أحاديث النصب.

الحديث الثالث ـ ما ورد عن أبي خديجة بسند تامّ عن الصادق : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(1). وسيأتي إن شاء اللّه أنّ حمل هذا الحديث على قاضي التحكيم خلاف الظاهر.


(1) الوسائل، ج 18، ب 1 من صفات القاضي، ح 5، ص 4.

التالي | فهرس الكتاب