الصفحة 411

 

 

 

أركان العقود وشرائطها


2

 

 

الإرادة

 

 

 

 

إرادة العقد في المرحلة التمهيديّة

المقارنة بين انعدام الإرادة ووجودها المعيب

شرائط صحّة الإرادة

 
الصفحة 412

 

 

 

 

 

 

 

الركن الأوّل: الإرادة، ونعقد في ذلك أبحاثاً ثلاثة:

البحث الأوّل: فيما فرض في الفقه الوضعي حالةً وسطيةً بين إرادة العقد النهائي ونفي الإرادة المحض.

والبحث الثاني: في المقارنة بين انعدام الإرادة وقيامها على أساس الغلط.

والبحث الثالث: في شرائط صحّة الإرادة.

 
الصفحة 413

 

 

 

 

إرادة العقد في المرحلة التمهيديّة

أمّا البحث الأوّل ـ فقد جاء في الفقه الوضعي ذكر حالة وسطية بين إرادة العقد النهائي ونفي الإرادة المحض تلك هي مرحلة تمهيدية تؤدي ـ على وجه محقق أو غير محقق ـ إلى المرحلة النهائية، ولعل أبرز الصور لهذه المرحلة التمهيدية: الوعد بالتعاقد، والاتفاق الابتدائي، والعربون:

 

الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي:

أمّا الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي فقد مثّل لهما في الوسيط بما يلي:

«يتوقع شخص حاجته في المستقبل إلى أرض بجوار مصنعه أو منزله أو هو الآن في حاجة إليها ولكن لا يستطيع شراءها فوراً فيكفي بالتعاقد مع صاحب هذه الأرض على أن يتعهد هذا ببيع الأرض له إذا أبدى رغبته في الشراء في مدة معينة فيتقيد صاحب الأرض بالعقد دون أن يتقيد به الطرف الآخر.

يقوم المستأجر بإصلاحات هامّة في العين المؤجرة ويحصل قبل قيامه بهذه الإصلاحات من المالك على وعد بيع العين له إذا رغب شراءها في خلال مدة الإيجار حتى ينتفع بهذه الإصلاحات انتفاعاً كاملا.

يعد المالك مَن تسلم الشيء بشرط مذاقه أن يبيعه إياه إذا هو أعلن رغبته

 
الصفحة 414

في الشراء في مدة معينة وهذا ما يسمّى ببيع المذاق.

يؤجر المالك العين ويشترط على المستأجر أن يشتريها إذا هو أبدى رغبته في البيع في خلال مدة الإيجار وهذا هو الوعد بالشراء يقابل الوعد بالبيع في الصور المتقدمة.

يفتح مصرف حساباً جارياً لعميل قبل أن يقرضه شيئاً فيكون هذا وعداً من المصرف بالإقراض عندما يريد العميل أن يقترض.

ويلاحظ في كل هذه الصور ـ الوعد بالبيع والوعد بالشراء والوعد بالإقراض ـ انّ العقد ملزم لجانب واحد هو الواعد أمّا الموعود له فلم يلتزم بشيء.

على أنّ هناك صوراً اُخرى للوعد بالتعاقد يكون فيها ملزماً للجانبين:

يريد شخصان التعاقد ولكنهما لا يستطيعان ذلك فوراً يمنعهما من ذلك مثلا إجراءات لا بد منها في إبرام العقد النهائي كاستخراج مستندات ضرورية أو الحصول على إذن من المحكمة الشرعية أو المحكمة الحسبية أو نحو ذلك، أو يمنعهما ضرورة الكشف عن العقار لتبيّن ما عسى أن يثقله من الحقوق العينية، أو يمنعهما ان هناك مصروفات كثيرة يقتضيها إبرام العقد النهائي وشهره وهما لا يستطيعان الاضطلاع بها في الحال. هذه بعض أمثلة من الموانع التي تحول دون إبرام العقد النهائي فوراً ولكن المتعاقدين قد قرّر قرارهما على إبرام العقد ويريدان التقيد به منذ الآن فيمضيان اتفاقاً ابتدائياً يعد كل منهما فيه الآخر بان يمضي العقد النهائي في مدّة تعيّن في الاتفاق وهذا الاتفاق الابتدائي وهو وعد بالتعاقد لكنه وعد ملزم للجانبين»(1).


(1) راجع الوسيط 1: 266 ـ 267، الفقرة 132.

الصفحة 415

واثر عدم تمامية العقد النهائي: انّ الواعد يبقى مالكاً للشيء فله أن يتصرّف فيه ويستفيد منه إلى وقت التعاقد النهائي، كما أنّه إذا هلك الشيء قضاء وقدراً تحمل الواعد تبعة هلاكه لا لأنّه لم يسلّمه إلى المتعاقد الآخر فحسب كما في العقد النهائي بل أيضاً لأنّه لا يزال المالك ولكن لا يكون مسؤولا عن الضمان نحو الموعود له إذ المفروض انّ الشيء قد هلك قضاء وقدراً(1).

ومقتضى مقاييس الفقه الإسلامي ان يقال: إذا كان الوعد بالعقد شرطاً ضمن عقد كما هو الحال في المثال الرابع فلا ينبغي الإشكال في وجوب الوفاء به.

وأمّا إذا لم يكن كذلك ولكن كان التزاماً في مقابل الالتزام كما في الاتفاق الابتدائي لو كان التزام كل منهما بالعقد في مقابل التزام الآخر به وكما لو التزم المستأجر بإصلاحات هامّة في العين المؤجرة في مقابل التزام المؤجر ببيع العين إيّاه لو أبدى المستأجر رغبته في ذلك خلال عقد الإيجار فأيضاً لا ينبغي الإشكال في وجوب الوفاء بذلك فانّنا لو لم نقل انّ هذا شرط داخل تحت دليل وجوب الوفاء بالشرط فلا أقل من كونه عهداً وعقداً يجب الوفاء بهما إذ حتى لو قلنا بانّ العقد عبارة عن التزامين متقابلين ولا يكفي مجرد قرار مرتبط بقرار ما لم يوجد التزامان فهذا أمر متوفّر في المقام، وأمّا ان لم يكن كذلك فالظاهر انّه يجب الوفاء به أيضاً، لأنّه حتى لو لم نقبل بكونه شرطاً فهو عقد لانّ العقد هو القرار المرتبط بقرار وهذا ثابت في المقام غاية الأمر انّه عقد على العقد على الشيء وليس عقداً على ذاك الشيء الخارجي مباشرة فهذا داخل في عموم دليل وجوب الوفاء بالعقد وكذلك في عموم قوله تعالى: ﴿ اُوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا (2).


(1) راجع الوسيط 1: 274، الفقرة 138.

(2) الإسراء: 34.

الصفحة 416

نعم لو كان الوعد بالتعاقد وعداً ابتدائياً بحتاً لا يستبطن أي عهد أو قرار مرتبط بقرار لم يجب الوفاء به.

هذا وقد ورد في الفقرة الثانية من المادة (101) من القانون المدني الجديد المصري: «إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معيّن فهذا الشكل تجب مراعاته أيضاً في الاتفاق الذي يتضمّن الوعد بإبرام هذا العقد»(1) والعهد الشكلي عندهم كالهبة والرهن الرسمي والشركة، وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي لذاك القانون: أن إغفال هذا الاحتياط يعين على الإفلات من قيود الشكل الذي يفرضه القانون ما دام ان الوعد قد يؤدّي إلى اتمام التعاقد المراد عقده فيما إذا حكم القضاء بذلك باعتباره وليّاً للممتنع وبذلك يتاح لهما ان يصلا بطريق غير مباشر إلى عدم مراعاة قيود الشكل، ومع ذلك لا يعني هذا سقوط الوعد بإبرام عقد رسمي أو شكلي عن الأثر القانوني نهائياً إذا لم يستوف ركن الرسمية أو الشكلية فهذا قد ينتهي إلى قيام دعوى بالتعويض عمّـا وقعت من خسارة أو سقوط أجل القرض الذي يراد ترتيب الرهن لضمان الوفاء به.

وذكر أبو عافية: ان هذا الكلام انّما يناسب ما إذا كان شرط الشكلية لصالح أحد المتعاقدين فيقال: ان الوعد الابتدائي لو نفذ من دون تقيد بالشكل لانتفت مصلحة المتعاقد التي لوحظت في التقيد بالشكل أما إذا قلنا: ان شرط الشكل انّما هو لصالح المجتمع كي يواجهوا عقداً مثبَّتاً ويسهل إثباته أو نفيه وتستقر الاُمور لا لصالح المتعاقدين فايّ عيب في افتراض ان الوعد الابتدائي بالعقد الشكلي يحتّم على الواعد الوفاء به ولو لم يف به نفّذه الحاكم الوليّ للممتنع بإجراء العقد الشكلي


(1) راجع الوسيط 1: 270 ـ 271، الفقرة 135 وماتحت الخط.

الصفحة 417

وإجراء كفيل بتحقيق المصلحة الاجتماعية الملحوظة للمشرّع حينما شرع قيد الشكل!!

أقول: مقتضى أدلّة فقهنا الإسلامي التي أشرنا إليها هو وجوب الوفاء بالوعد بالتعاقد دون دليل على تقيد ذلك باستيفاء شروط الشكل المفروضة في العقد النهائي.

ولئن لم نعترف في فقهنا بعقود شكلية في العقود المالية فقد اعترف الفقهاء رضوان الله عليهم بعقود عينية كالهبة والقرض ورهن الحيازة، فالأثر الفقهي لبحثنا يظهر في هذه العقود إذ لو قبلنا بالنكتة المشروحة في المذكرة الإيضاحية للقانون المصري الموجبة لإسراء شرط الشكل إلى الوعد بالتعاقد لجرت تلك النكتة في شرط القبض أيضاً في العقود العينية، والقبض فيها يعني تنفيذها وهذا يعني إلغاء الوعد بالتعاقد في العقود العينية نهائياً إذ لو نفذّت لتعدينا الوعد بالتعاقد إلى العقد النهائي ولو لم تنفّذ لم يصح الوعد بالتعاقد.

وأمّا ان شروط الانعقاد أو الصحة في العقد الموعود به هل تراعى في الوعد بالعقد أو لا؟ فقد ذكر في الوسيط:

أ ـ ان الوعد إذا كان ملزماً للجانبين فشروط الأهلية المطلوب للجانبين شرط في الجانبين.

ب ـ وإذا كان ملزماً لجانب واحد قدّرت الأهلية بالنسبة للواعد وقت الوعد حتى لو فقدت حين العقد النهائي فلا يضرّ الحجر مثلا بعد الوعد وقبل انتهاء العقد النهائي.

ج ـ وعيوب الإرادة بالنسبة للواعد تقدر وقت الوعد دون وقت العقد النهائي، إذ لا يصدر منه رضا وقت العقد النهائي بل يرغم عليه لو لم يرض بذلك.

 
الصفحة 418

د ـ أما أهلية الموعود له فتقدر وقت العقد النهائي لا وقت الوعد إذ لا يلتزم بشيء وقت الوعد وانّما التزامه يكون في وقت العقد النهائي، فلا نشترط فيه أهلية الالتزام وقت الوعد، نعم يجب أن تتوفر فيه أهلية التعاقد وهي التمييز وقت الوعد لأنّه عقد وهو أحد طرفيه.

هـ ـ أمّا عيوب الإرادة بالنسبة للموعود له فتقدّر له وقت الوعد ووقت التعاقد النهائي معاً لصدور الرضا منه في كلا الوقتين.

و ـ وسواء كان الوعد ملزماً لجانب واحد أو للجانبين فانّ مشروعية المحل والسبب يكفي توافرها وقت التعاقد النهائي(1).

أقول: انّ البند الثاني فيه إشكال من وجهة نظرنا في الفقه لانّ مثل الحجر في وقت العقد النهائي يكشف عن ان الوعد وقع على متعلق لم يكن مشروعاً في ظرفه، وان شئت فعبّر بأنّ الوعد عقد محلّه العقد النهائي، وشرط الأهلية في العقد النهائي يعتبر شرطاً للمحلّ بالنسبة للوعد لا بد من توفّره في وقت المحل.

 

العربون وأنواعه:

وأمّا العربون فيفسّر عادة بأحد تفسيرين:

1 ـ أن يكون مبلغاً من الثمن يدفع إلى البائع أو الموجر مثلا كي يكون لكل واحد من المتعاملين حق التراجع على ان يخسر مقداره أيّ من المتعاملين الذي سيتراجع عمّـا بنوا عليه من المعاملة.

2 ـ أن يكون دفعه شروعاً في تنفيذ المعاملة فهو مجرّد أداء الجزء من الثمن تأكيداً للعقد والبت فيه.


(1) الوسيط 1: 272 ـ 273، الفقرة 136.

الصفحة 419

وقد وقع الخلاف(1) في أقسام الفقه الوضعي في بيان ما هو الأصل في تفسير العربون؟ والذي يحمل عليه ما لم يثبت الخلاف هل هو التفسير الأوّل أو الثاني؟ أو يؤخذ في كل زمان ومكان بما هو المتعارف في ذلك بين الناس؟

ومقتضى فقهنا الإسلامي بعد تسليم أصل فكرة العربون هو تفسير الكلام أو العمل الواقع بين المتعاقدين على ما تعارف عليه الناس في كل زمان ومكان ما لم يثبت الخلاف أو لم تدل القرائن المكتنفة على الخلاف لانّ المتعارف بين الناس يولد الظهور وهو حجّة.

وعلى أيّة حال فلا إشكال عندنا في العربون إن كان مجرّد أداء لجزء من الثمن شروعاً في تنفيذ العقد من دون أن يخسر أحدهما المبلغ لدى التراجع.

وإنّما الكلام في ما إذا وضع العربون كي يخسر مبلغه كل واحد منهما لدى تراجعه عن المعاملة وهذا قد يفرض جزءً من الثمن يخسره المشتري لو تراجع عن الشراء ويرجعه ومثله معه البائع لو تراجع عن البيع، وقد يفرض عدم كونه جزءً من الثمن بل قد يكون قبل تمامية العقد ويقصد به أيضاً خسارة كل منهما للمبلغ لدى التراجع عن المعاملة.

فرضيّة كون العربون جزءً من الثمن:

فإن فرض جزءً من الثمن دلّت على حرمته صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى ثوباً ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه ثم ردّه على صاحبه فأبى أن يقبله (يقيله ـ خ) إلاّ بوضيعة قال: لا يصلح له ان يأخذه بوضيعة فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد(2)


(1) راجع الوسيط 1: 276 ـ 281، الفقرة 140 ـ 142.

(2) الوسائل 12: 392، الباب 17 من أبواب أحكام العقود.

الصفحة 420

وفي نقل الصدوق للحديث حذفت جملة «ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه» وكأن المقصود بالشرط هو شرط الخيار يعني انّه لم يكن له شرط الخيار كي يضطر البائع إلى الخضوع لرغبة المشتري في الفسخ ولذا أبى قبول ذلك إلاّ بوضيعة، وعلى ايّة حال فان حرمت الوضيعة من دون شرط كان شرط العربون شرطاً مخالفاً للسنة، فان معنى مخالفة الشرط للسنة كونه متعلقاً بشيء كان في ذاته ولولا الشرط خلاف السنة ومحرّماً، وبعدم احتمال الفرق ولو عرفاً نتعدّى من فرض اقتطاع البائع لجزء من الثمن لدى إقالته للمشتري إلى فرض اقتطاع المشتري لجزء من المبيع لدى إقالته للبائع.

فرضية عدم كون العربون جزءً من الثمن:

وإن لم يفرض العربون جزءً من الثمن دلّت على حرمته رواية وهب بن وهب عن أبي عبد الله قال كان أمير المؤمنين يقول: لا يجوز بيع العربون إلاّ أن يكون نقداً من الثمن(1) بل هذا الحديث يدل على تحريم العربون بالمعنى الذي يوجب خسارة أحد الطرفين وان فرض أولا جزء من الثمن فان حمله على تحريم هذا التخسير في خصوص ما إذا لم يفرض جزء من الثمن بعيد لدى النظر إلى المناسبات العقلائية فكأن المقصود من قوله: (لا يجوز بيع العربون إلاّ أن يكون نقداً من الثمن) هو ان العربون لا يجوز أن يحسب شيئاً عدا ان يحسب جزء من الثمن، أما أن يأخذه البائع لدى رجوع المشتري فهذا باطل لأنّه بعد الفسخ لم يعد جزءً من الثمن وإن كان أولا جزءً منه إلاّ ان سند الحديث ضعيف بوهب.


(1) الوسائل 12: 405، الباب 28 من أبواب أحكام العقود.

الصفحة 421

وبالإمكان إثبات حرمة العربون الذي يخسره أحد الطرفين وإن لم يفرض جزء من الثمن بنفس صحيحة الحلبي الماضية الواردة في فرضه جزءً من الثمن وذلك بناء على ان لا يحمل الحديث على مجرد معنى انّه لو أقاله البيع وجب عليه إرجاع كل الثمن فعدم رجوع كل المبلغ رغم إقالة العقد ان لم يكن مستحيلا عقلا فهو باطل عرفاً وشرعاً بل يحمل على بيان منهج اقتصادي في الإسلام من دون خصوصية لفرض الإقالة مع عدم إرجاع كل الثمن فكل ما ينتج نفس هذه النتيجة فهو حرام فلو وافق على الإقالة بشرط ان يهبه ما يساوي جزء من الثمن وذلك بان يرجع إليه كل المبلغ ثم يأخذ جزء منه بعنوان الهبة المشترطة كان حراماً أيضاً وكذلك لو لم يوافق على الإقالة ولكنه وافق على ان يشتري منه العين بسعر أقل ممّا باعه عليه كان حراماً أيضاً لانّ النتيجة الاقتصادية لكل هذه الوجوه واحدة، نعم لو اتفق البيع الجديد من دون علاقة له في روحه بموضوع الإقالة كما لو صمّم المشتري بعد فترة على بيع ما اشتراه لا على أساس تندمه على الشراء وصادف ان اشتراه البائع الأوّل منه بسعر أقل لم يكن بذلك بأس.

أمّا الوجه في حمل هذا الحديث على هذا المعنى فهو أحد أمرين:

الأوّل ـ ان الحكم الذي يرد في مورد توجد له في أذهان العقلاء جذور عقلائية يكون حمله على التعبد البحت خلاف الظاهر بل ينصرف إلى تلك النكتة العقلائية، والنكتة العقلائية المتصورة في المقام هي استغلال الحالة الاضطرارية للفاسخ وأكل مبلغ من المال منه على هذا الأساس، ولا فرق في ذلك بين الإقالة بوضيعة أو الإقالة بشرط هبة جزء من الثمن، أو الشراء الجديد منه بسعر أقلّ وهذه هي نكتة التعدي من دليل حرمة الربا إلى تحريم الحيل الربوية في القرض، وهذا بخلاف تحريم الربا المعاملي، حيث لم تعرف نكتة عقلائية لتحريم مقابلة مقدار

 
الصفحة 422

من المكيل من جنس معيّن من القسم الجيّد بأزيد منه من القسم الرديء فلا تأتي هذه النكتة للتعدي إلى الحيلة.

والثاني ـ انّ الحكم الذي يرد في مورد وتوجد هناك حيلة توصلنا إلى نفس النتيجة المطلوبة عادة في تمام الموارد وبلا استثناء لا في بعض الموارد يكون من المترقب ان تلك الحيلة لو كانت جائزة لنبّه عليها الشارع كي لا يتورط الناس في المعصية إذ يصبح بإمكانهم الوصول إلى هدفهم عن الطريق الحلال كما نبّه في الروايات في الربا المعاملي على جواز الحيلة وعدم التنبيه على ذلك يكون ظاهراً في عدم جواز الحيلة. وهذا أيضاً وجه للتعدي من دليل حرمة الربا القرضي إلى خصوص الحيل التي تأتي في تمام الموارد أو غالبها وما نحن فيه من هذا القبيل فان الاحتيال بالبيع الجديد أو شرط الهبة ممكن دائماً. هذا كله لو قرأنا النص في صحيحة الحلبي بتعبير: (فأبى أن يقيله إلاّ بوضيعة) أمّا لو قرأناه (فأبى أن يقبله إلاّ بوضيعة) فقد تدّعى تمامية الإطلاق اللفظي لتحريم هذه الحيلة بلا حاجة إلى البيان الذي شرحناه، لانّ الشراء الجديد بسعر منخفض أيضاً قبول بوضيعة.

إلاّ أنّ الظاهر انّ الوجه الأوّل لا يتم في المقام وذلك لانّ النكتة العقلائية لا تنحصر في المقام بما مضى من استغلال الحالة الاضطرارية للفاسخ فلعل النكتة العقلائية في تحريم الإقالة بوضيعة هي انّ الإقالة فسخ للعقد والمفروض عرفاً وعقلائياً عند انفساخ العقد رجوع كل المبلغ، حتى انّه قيل انّ هذا عقليّ وهذه النكتة لا تأتي في شرط الهبة أو البيع الجديد بسعر أرخص، وهناك نكتة ثالثة متشرعية وهي الاقتراب من ربا الصرف حيث يكون الفسخ مع استرجاع جزء من الثمن بمنزلة حذف العين المبيعة من الوسط والمبادلة بين نقدين مختلفين في المبلغ نظير ما ورد في بعض الروايات من النهي عن بيع ما اشترى سلفا قبل تسلّمه

 
الصفحة 423

على نفس البائع بسعر أقل(1) وورد في بعضها التعليل برجوعه إلى الربا(2) هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل.

وأمّا الوجه الثاني ـ وهو انّ عدم ذكر الحيلة التي يمكن إعمالها في تمام الموارد دليل على حرمته، فان قصد بذلك ان عدم ذكرها حتى في حديث آخر منفصل عن حديث تحريم الإقالة بوضيعة دليل على ذلك، باعتبار انّه لو جازت هذه الحيلة لكان المترقب الإشارة من الشريعة إلى جوازها انقاذاً للناس من الحرام، وإرشاداً لهم إلى طريق محلّل للوصول إلى هدفهم سواء كانت الإشارة متصلة بالكلام أو في حديث منفصل، ولو كان هذا لوصلنا ولو في رواية ضعيفة السند لانّ المسألة عامّة الابتلاء ولم يصلنا في المقام.

فالجواب: ان مثل هذا قد وصلنا في المقام ضمن روايات ضعيفة وضمن روايات تامّة سنداً كلها دلّت على جواز بيع المبيع مرة اُخرى من بائعه بسعر أقلّ مما اشتراه به منه. فهناك روايات ضعيفة السند وردت في جواز إرجـاع العين المسلّم فيها قبل قبضها إلى بائعها بسعر أقلّ(3)، ولو تمّت سنداً أوجبت حمل النواهي التي أشرنا إليها عن ذلك على الكراهة. وهناك روايات كثيرة منها تامّة سنداً وفيها ما هي ضعيفة سنداً وردت في جواز بيع العينة، وهو بيع العين الشخصيّة


(1) من قبيل ما في الوسائل 13: 68، 70، 72، 73، الباب 11 من أبواب السلم، الحديث 1، 9، 14، 16.

(2) من قبيل ما في الوسائل 13: 71 ـ 72، الباب 11 من أبواب السلم، الحديث 12 و 13 و 15.

(3) من قبيل ما في الوسائل 13: 69، 70، 71، الباب 11 من أبواب السلم، الحديث 5، 8، 11.

الصفحة 424

بسعر نسيئة ثمّ شراؤه منهبسعر أرخص نقداً تزويداً للمشتري بعين من النقد مع الربح عليه(1)، وفي بعضها ما يدلّ على تقيّد الجواز بما إذا لم يشترط البيع الثاني في ضمن البيع الأوّل، من قبيل ما في كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ، قال: سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى رجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحلّ؟ قال إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس(2) وتخصيص هذه الروايات بمورده من كون الثمن في البيع الأوّل مؤجّلا بعيد فان المترقب هو أن يزيد تأجيله في الإشكال بملاحظة اقترابه من الربا القرضي لا ان يخفّف الإشكال، ولعله انّما فرض السائل قيد الأجل كي يعرف حال هذا الإشكال وقد حلّه الإمام بفرض عدم الشرط.

وهذه الروايات الواردة في تحليل بيع العينة توجب حمل ما ورد من النهي عنه على الكراهة وهو ما عن عبد الصمد بن بشير قال سأله محمد بن القاسم الحنّاط فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل فأجيء وقد تغيّر الطعام من سعره فيقول ليس عندي دراهم؟ قال: خذ منه بسعر يومه قال: افهم أصلحك الله إنّه طعامي الذي اشتراه منّي قال لا تأخذ منه حتى يبيعه ويعطيك قال أرغم الله أنفي رخّص لي فرددت عليه فتشدّد عليّ(3).


(1) من قبيل ما في الوسائل 12: 392، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 23 و 24، وذكرهما أيضاً في 13: 75، الباب 12 من السلف، الحديث 6 و 7، وراجع الوسائل 12: 370 ـ 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 3 فصاعداً، وأكثر أحاديث الباب 6 منها الصفحة 371 ـ 373.

(2) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6.

(3) الوسائل 13: 75، الباب 12 من أبواب السلف، الحديث 5.

الصفحة 425

ولا يقال: إنّ النهي الوضعي لا يمكن حمله على الكراهة. فإنّه يقال: ان هذا إنّما يكون في الحكم الوضعي الذي بيّن بصياغة اُخرى غير النهي، أمّا النهي فبعد ان يحمل على التنزيه تبطل دلالته على البطلان الوضعي.

هذا إن لم نفهم من هذا الحديث ابتداءً الكراهة ولم نقل ـ على الأقل ـ بالإجمال.

والخلاصة ان هذا الحديث ان كان دالاًّ على التحريم فهو محمول على الكراهة وكذلك حديث خالد بن الحجاج(1) غير التام سنداً وذلك بقرينة سائر الأخبار من قبيل ما عن بشار بن سيار قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيع منه؟ قال: نعم لا بأس به فقلت له اشتري متاعي؟ فقال ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك(2).

هذا كله إذا كان المقصود من الوجه الثاني أنّ ترك ذكر الحيلة حتى منفصلا دليل على تحريمها.

أمّا إذا كان المقصود أنّ ترك ذكرها متصلا دليل التحريم باعتبار انّنا نترقّب من الشارع عند تحريمه لشيء مع وجود حيلة محلَّلة توصل إلى نفس الهدف دائماً هو بيان تلك الحيلة متصلا فمن الواضح ان هذه الدلالة ليست بأفضل من دلالة إطلاقية تتقدم عليها أحاديث تجويز العينة.

ومنه يظهر الحال فيما لو قرأنا صحيحة الحلبي بتعبير «أبى أن يقبله إلاّ بوضيعة» فدلّت بالإطلاق اللفظي على المنع عن البيع الجديد بوضيعة، فان هذا


(1) الوسائل 13: 74، الباب 12 من أبواب السلف، الحديث 3.

(2) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 3.

الصفحة 426

الإطلاق يقيّد بروايات العينة، نعم لولا إمكانية التقييد لم يمكن الجمع بينها وبين روايات العينة بوجه آخر وهو حمل الصحيحة على الكراهة فان ذيل الحديث واضح في الحكم الوضعي حيث يقول:

«فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد».

حرمة الإقالة بوضيعة:

ثم انّ حرمة الإقالة بوضيعة كما يمكن إثباتها بصحيحة الحلبي كذلك يمكن إثباتها بوجهين آخرين:

الوجه الأوّل ـ التمسك بقوله تعالى: ﴿ لا تأكلوا أمـوالكم بينكم بالبـاطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم (1) بناء على انّ حمل الآية على الاستثناء المتصل بان يكون المعنى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بكل سبب فانه باطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض أقرب من حملها على الانقطاع الذي هو خلاف الطبع والذوق العرفي، فالآية تدل على تحريم أكـل المـال بكـل سبب غير التجـارة عن تراض والتجارة عبارة عن مبادلة مال بمال فلا تشمل الهبة ونحـوها من انحاء التبرعات، نعم خرج من الآية ما يكون بروح التبرّع بمقيد ارتكازي كالمتصل لوضوح ان التبرّع يعتبر إحساناً لا باطلا فخـروج انحـاء التبـرع من الآية لا يشكّل تخصيصاً للأكثر لان خروجها تخصصيّ، إذن فمفاد الآية ـ والله العـالم ـ ان أكل المال حينما لا يكون على أسـاس روح التبـرع والإحسـان يجـب أن يكون في مقـابل مـال آخـر من عمل أو حقّ أو عين ونحو ذلك وإلاّ لكان أكلا للمال بالباطل، وأكل المال بالإقالة لا يعتبر أكلا للمال بالباطل لان


(1) النساء: 29.

الصفحة 427

الإقالة(1) وان لم تعتبر عقلائياً مبادلة جديدة ولا تكون تجارة ولكنها بمنزلة الرجوع إلى الأكل بالسبب الأوّل الذي كان قبل العقد، لان الإقالة فسخ للعقد ولكن أكل جزء من المال تحت عنوان الإقالة بوضيعة أكل للمال بالباطل، إذ السبب الأوّل لم يكن يشمله، ولم تتم مبادلة بينه وبين مال حتى يدخل في التجارة عن تراض، ولم يكن الأمر بروح التبرع والإحسان حتى يكون خارجاً من مورد الآية تخصصاً.

لا يقال: ان هذا الجزء من المال يأخذه في مقابل الإقالة فانها عمل ذو مالية.

فانّه يقال: انّ الإقالة والفسخ تعتبر قيمتهما عقلائياً مندكّة في قيمة العين المقالة والمفسوخة ولا تعتبر لهما قيمة مستقلّة(2).


(1) لا يخفى انّ الإقالة تختلف عن البيع الجديد في انّ البيع الجديد يشتمل على عنوان التمليك والتملك بإيجاب وقبول ولكن الإقالة عبارة عن إبراز الرضا بان يفسخ الطرف المقابل العقد وليست هي ولا مع الفسخ إيجاباً وقبولا بمعنى إنشائين كما هو الحال في البيع، ولكن مع هذا لا ينبغي الإشكال في انّ الفسخ والإقالة يستبطنان في روحهما تبادلا جديداً ولو بغير لسان الإيجاب والقبول وبغير لسان التمليك والتملّك ولا يرجعان بالدقة إلى فسخ العقد حقاً فان العقد في غير العقود الراجعة إلى توافق يستمرّ فترة زمنية كما في استئجار الشخص للعمل فترة من الزمن توافق آنيّ فالبيع ليس عدا توافق آنيّ لا معنى لفسخه لانّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه بل لعل الحال كذلك في مثل عقد الاستئجار لانّ التوافق على كل الفترة الزمنيّة يتم في آن واحد ولذا لو رجع أحدهما بلا حق ومن دون موافقة الآخر كان العقد باقياً يجب الوفاء به، ولكن رغم هذا نقول: انّ الإقالة ليست عرفاً تبادلا جديداً بل هي في نظر العرف تعتبر حلاًّ للعقد ولذا لا تكون داخلة تحت عنوان التجارة.

(2) هذا الكلام لا يخلو من إشكال.

الصفحة 428

لا يقال: انّه لو جعل في ضمن البيع لأحدهما أو لكليهما حق الخيار بشرط التنازل عن مبلغ من المال فهذا المال يكون في مقابل حق الخيار الذي له مالية وليس أكلا للمال بالباطل.

فإنّه يقال: ان جعل مال في مقابل جعل الخيار صحيح لا إشكال فيه لكن هذا لا ينتج التنازل عن مبلغ من المال لدى التراجع عن البيع الذي هو محل الكلام وانّما ينتج التنازل عن مبلغ من المال في مقابل ان يكون له حق الخيار سواء أعمله بالتراجع والفسخ أو لم يعمله.

وهذا النمط من الاستدلال يمتاز عن الاستدلال بصحيحة الحلبي في أمرين:

الأوّل ـ انّه لو لم نقبل التعدي من مورد صحيحة الحلبي بناء على قراءة «فأبى أن يقيله إلاّ بوضيعة» إلى الإقالة بشرط هبة جزء من الثمن، أو هبة مبلغ اجنبيّ عن الثمن بدعوى انّ الإقالة بوضيعة تعني رجوع العين كاملة مع عدم رجوع الثمن كاملا فهذا هو المنهيّ عنه دون شرط هبة مبلغ من المال، فالتمسك بهذه الآية كفيل بتحريم ذلك فانّ هبة هذا المبلغ من المال ليست بروح التبرع والإحسان كما هو واضح فهذا أكل للمال بالباطل إذ لا يوجد في مقابله مال آخر.

والثاني ـ انّه لو لم نقبل التعدي من مورد صحيحة الحلبي، وهو إقالة البائع للمشتري بوضيعة في الثمن إلى العكس وهو إقالة المشتري للبائع بزيادة في الثمن أو بوضيعة في المثمن، فالآية كفيلة بتحريم كل ذلك لأنّه أكل للمال بالباطل.

الوجه الثاني ـ أن يقال: انّ الثمن الذي يأخذه البائع في مقابل الإقالة إمّا هو بروح تدارك خسارة تجميد ماله، إذ لو كان يعلم انّ المشتري سيفسخ المعاملة لكان يبيع العين من مشتر آخر فقد خسر التجارة خلال هذه الفترة إلى الفترة المستمرة من زمن البيع إلى زمن الفسخ، فهو في الحقيقة يأخذ شيئاً من الثمن في

 
الصفحة 429

مقابل هذه الفترة الزمنية، أو بروح استغلال الحالة الاضطرارية للمشتري واستفادة مبلغ من المال لا في مقابل شيء، والأوّل مردوع بأدلّة حرمة الربا بناء على التعدي من موردها إلى ما فيه هذه الروح واستفادة قاعدة اقتصادية عامة منها وهي إسقاط قيمة الزمن أو قيمة تجميد المال في فترة زمنية، والثاني مردوع بالروايات المانعة عن أكل المال لا في مقابل شيء كروايات تحريم المقامرة(1)وروايات تحريم بيع السمك في الآجام(2) أو الحليب في الضرع(3) أو الآبق(4) أو ما في البطون(5) من دون ضميمة وذلك بناء على عدم الاقتصار على موارد هذه الروايات واستفادة روح عامّة منها وهي المنع عن أكل المال لا في مقابل شيء، فبضم مجموع هذه الروايات إلى دليل حرمة الربا نستفيد نفس المعنى الذي استفدناه من آية حرمة أكل المال بالباطل، وهو انّ المال المأخوذ لا بروح التبرع يجب أن يكون في مقابل مال آخر بتراض وإلاّ كان أكلا للمال بالباطل، فهذا الوجه أيضاً كالوجه الأوّل يمتاز عن صحيحة الحلبي بالامتيازين اللذين شرحناهما وقد يقال بالنسبة لروايات حرمة القمار: ان من المحتمل أن تكون نكتة الحرمة هي الجهالة وهي غير موجودة في الإقالة بوضيعة.

إلاّ أنّ هذا البيان لا يأتي في روايات بيع السمك في الآجام ونحوها لانّ الضميمة لم ترفع الجهالة ومع ذلك صححت البيع إلاّ ان يفترض ان منشأ الحرمة


(1) راجع الوسائل 12: 119 ـ 121، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به.

(2) راجع الوسائل 12: 263 ـ 267، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(3) راجع الوسائل 12: 259، الباب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(4) راجع الوسائل 12: 262 ـ 263، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(5) راجع الوسائل 12: 261 ـ 262، الباب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه.

الصفحة 430

هي الجهالة التامة التي ترتفع بالضميمة.

فلو شكّكنا في هذا الوجه بإبداء احتمال كون منشأ الحرمة هو الجهالة، أو إبداء لزوم الاقتصار على مورد الروايات وشكّكنا في الوجه الأوّل بعدم قبول الاستظهار الذي استظهرناه من الآية أمكن حل الإشكال بالجمع بين الوجهين ضمن روايات تحريم القمار التي استشهد فيها بآية حرمة أكل المال بالباطل(1)فيعرف بذلك المقصود من الآية ومن الروايات: وهو ان أكل المال لا في مقابل مال أكل بالباطل، إلاّ أنّ هذه الروايات ضعيفة سنداً والصحيح منها غير مشتمل على الاستشهاد بالآية.

نعم بالإمكان تأييد الاستدلال بأحاديث المقامرة بحديث محمد بن مسلم التام سنداً عن أحدهما قال: لا تصح المقامرة ولا النهبة(2) بدعوى ان عطف النهبة على المقامرة يعطي للكلام ظهوراً في أنّ النظر في تحريم المقامرة إلى كونها كالنهبة أكلا للمال من دون مقابل.

وبعد فان هذين الوجهين انّما يدلان على حرمة الإقالة بوضيعة ولا يدلان على حرمة البيع الجديد بسعر أقلّ فان البيع الجديد بسعر أقل تجارة عن تراض وليس أكلا للمال بالباطل وقد عرفت دلالة الروايات أيضاً على جواز ذلك فهل يمكن ـ بناء على هذا ـ الاتخاذ من فكرة البيع الجديد حيلة لتحليل نتيجة العربون الذي يخسره كل من يتراجع عن البيع وذلك بان يشترط ضمن البيع الأوّل قبول أحد الطرفين أو لكل منهما إذا أراد صاحبه ببيع العين على البائع الأوّل بسعر أقل


(1) الوسائل 12: 119 و 121، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 8 و 9 و 14.

(2) الوسائل 12: 120، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

الصفحة 431

أو أكثر؟ أي أن التراجع لو كان من المشتري فعلى البائع أن يقبل ابتياع العين ولو بسعر أقل، ولو كان من البائع فعلى المشتري أن يبيع العين من البائع ولو بسعر أكثر! الظاهر أنّ هذا غير جائز وذلك للروايات التي تنهى عن إيجاب بيع جديد للعين قبل تمامية شرائها، وهي وإن وردت في البيع من شخص ثالث دون البيع من الشخص الأوّل لكن مع فرض عدم احتمال الفرق أوالتعدي العرفي يثبت المطلوب.

وتلك الروايات بعضها ظاهر في المنع عن بيع العين قبل شرائها(1) وهذا اجنبيّ عمّـا نحن فيه إذ المفروض في ما نحن فيه أن البيع الثاني انّما يتحقق بعد تمامية البيع الأوّل لا قبله، وبعضها قد يكون مجملا من قبيل حديث: «لا توجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها»(2) حيث يحتمل أن يكون المقصود من مواجبة البيع إيجاد البيع فيخرج عمّـا نحن فيه أيضاً، ولكن جملة من تلك الروايات مطلقة تشمل بإطلاقها إلزام المشتري الجديد بالشراء قبل تمامية البيع الأوّل، ولو لم يكن هذا الإلزام عبارة عن إيقاع البيع بالفعل، وذلك من قبيل ما عن معاوية بن عمّـار قال قلت لأبي عبد الله يجيئني الرجل يطلب منّي بيع الحرير وليس عندي منه شيء فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شيء ثم اذهب فاشتري له الحرير فادعوه إليه! فقال أرأيت إن وجد بيعاً هو أحبّ إليه ممّا عندك أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك، أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه؟ قلت نعم قال فلا بأس(3) ونحوها غيرها(4).


(1) من قبيل ما في الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6 و 8.

(2) الوسائل 12: 378، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 13.

(3) الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 7.

(4) راجع المصدر السابق: الحديث 4 و 9 و 11 و 12 و 14.

الصفحة 432

اذن فالنتيجة هي أنّ شرط خسارة العربون غير جائز حتى إذا كان على شكل شرط بيع جديد، نعم لو اتفقا صدفة بعد البيع الأوّل على إرجاع العين إلى البائع ببيع جديد بثمن أقلّ أو أكثر برضاهما ومن دون كون أحدهما مجبوراً على القبول على أساس شرط سابق كان هذا جائزاً.

وختاماً نلخص بطلان شرط خسارة العربون بمقتضى القواعد العامّة بالشكل الذي بحثناه حتى الآن كالتالي:

إنّ شرط خسارة العربون يفسّر بأحد تفاسير ثلاثة وكلّها باطل:

الأوّل ـ شرط عدم رجوع هذا الجزء من الثمن إلى المشتري بالإقالة فتكون الإقالة مؤثرة في رجوع المثمن إلى بايعه وجزء من الثمن إلى المشتري.

وهذا غير صحيح لأنّ رجوع تمام الثمن بالفسخ أمر قهريّ عقلائياً.

والثاني ـ شرط تمليك مقدار العربون للبائع أو شرط دخوله في ملكه.

وهذا يرد عليه انّ هذا الأمر لا هو داخل في التجارة عن تراض إذ ليس تجارة ولا هو عطاء بروح التبرّع لأنّ المشتري لدى إرادة الفسخ لا يطيب عادة نفساً بذلك فشرطه شرط لما يخالف الكتاب.

والثالث ـ شرط بيع المشتري للمثمن لدى ندمه على المعاملة الاُولى بسعر أرخص من السعر الأوّل على البايع.

وهذا مخالف لروايات النهي عن ايجاب البيع الجديد قبل تمامية البيع الأوّل.

دعوى استلزام العربون للغرر:

وهناك وجه آخر لتحريم شرط العربون الذي يخسره أحدهما وهو التمسك بكون ذلك موجباً للغرر وقد نقل هذا الدكتور السنهوري(1) عن بعض علماء السنّة


(1) راجع مصادر الحق 2: 91 ـ 96.

الصفحة 433

وفهم هو من كلماتهم انّ المقصود كون عدم اشتمال الخيار لمدة معيّنة موجباً للغرر ولهذا عالج السنهوري نفسه الإشكال باشتراط مدة معيّنة للخيار تعيّن منذ البدء بينهما.

أقول: وقد يقصد بالغرر في المقام تعليق الخيار على أمر مجهول التحقق وهو بذل مريد الفسخ لمبلغ العربون. ولكن هذا أيضاً غير صحيح لأنّ هذا تعليق على أمر داخل تحت قدرة الفاسخ ومجهولية تحققه ليست باشدّ حالا من مجهولية تحقّق نفس الفسخ من الفاسخ. على انّ حديث الغرر في رأينا ضعيف السند فهو وارد في سنن البيهقي(1) ووارد أيضاً في كتبنا الروائية بأسانيد غير تامة(2).

هذا مضافاً إلى ان كون الغرر بمعنى مطلق الجهالة غير معلوم فمن المحتمل قوياً كونه بمعنى الخداع، أو يشمل الجهالة الفاحشة القريبة من الخداع، أما في المقام فتعليق الخيار على دفع مبلغ من المال ينفع المفسوخ عليه العقد لا انّه يوجب خداعه أو غرره.

روايات مبطليّة الجهالة:

وبهذه المناسبة لا بأس بالإشارة إلى ان لدينا روايات اُخرى قد يفترض حلولها محل حديث الغرر في بيان مبطليّة الجهالة من قبيل:

1 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبد الله قال ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا


(1) سنن البيهقي 5: 338.

(2) راجع الوسائل 12: 330، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الحديث 3، والمستدرك 2: 470، الباب 31 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1، والصفحة 461، الباب 7 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث الوحيد في الباب.

الصفحة 434

فلا يصلح بيعه مجازفة وهذا ممّا يكره من بيع الطعام(1) ونحوه غيره(2).

إلاّ انّ الظاهر انّ هذه الروايات اجنبية عن المقام وان المقصود منها النهي عن بيع الطعام باسم كيل معيّن جزافاً ومن دون كيل لا النهي عن مطلق بيع صبرة جزافاً.

2 ـ ما عن محمد بن حمران قال قلت لأبي عبد الله اشترينا طعاماً فزعم صاحبه انّه كاله فصدّقناه وأخذناه بكيله فقال لا بأس، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال لا أما أنت فلا تبعه حتى تكيله(3) فقد يقال ان هذا النهي مطلق يشمل مثل بيع الصبرة جزافاً. إلاّ انّ الصحيح انّ هذا الحديث أيضاً اجنبيّ عن ذلك فان المستفاد من كلمة (كما اشتريته) هو كون المقصود الاعتماد في البيع الثاني على كيل البائع الأوّل لا البيع بدون كيل، فالممنوع في هذا الحديث انّما هو هذا الاعتماد فمفاد الحديث هو انّك من حقك ان تعتمد على كيل صاحبك الذي تشتري منه ولكن لا تبعه باسم ذلك الكيل من دون أن تكيله.

3 ـ ما عن سماعة قال سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن؟ فقال امّا ان تأتي رجلا في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة فلا بأس ان اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشتري الأوّل قد أخذه بكيل أو وزن وقلت له عند البيع انّي اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس(4) فقد يقال ان مقتضى إطلاق مفهوم الحديث المنع عن شراء


(1) الوسائل 12: 254، الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.

(2) راجع المصدر السابق: الحديث 2 و 3.

(3) الوسائل 12: 256، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4.

(4) الوسائل 12: 257، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 7.

الصفحة 435

صبرة بغير كيل إذ لا بد من الكيل ولو من قبل المشتري الأوّل.

ولكن الظاهر أنّ ذكر المرابحة في الحديث قرينة، أو صالحة للقرينية على كونه اجنبياً عن المقام، فذكر المرابحة في الحديث يعني أحد أمرين: فامّا ان المقصود ذكر المرابحة في مقابل البيع المستقل تماماً عن البيع الأوّل وهذا يعني انّ البيع الجديد لو كان مستقلا تماماً عن البيع الأوّل ففي الاعتماد على الكيل نوع حزازة (وإن ثبت جوازه بمثل الحديث السابق) امّا لو كان مرابحة فلا بأس بذلك، وهذا يعني ان هذا الحديث أيضاً لا ينظر إلى مثل بيع الصبرة جزافاً وانّما ينظر إلى مدى إمكانية الاعتماد على الكيل في البيع السابق لمن أراد أن يبيع كيلا.

وإمّا أنّ المقصود ذكر المرابحة في مقابل التولية، بمعنى إبراز أخفى الإفراد في جواز الاعتماد على الكيل السابق، أي انّك ان اشتريته مرابحة جاز لكما الاعتماد على الكيل السابق فضلا عن بيع التولية الذي يحل المشتري الجديد فيه محلّ المشتري الأوّل فكأنّه لا يوجد إلاّ بيع واحد، فمفاد هذا الحديث هو مفاد الحديث السابق من جواز الاعتماد في البيع الجديد على كيل المشتري الأوّل ولا علاقة له بالمقام، وهذا الاحتمال في الحديث أقوى من الاحتمال الأوّل.

4 ـ ما عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله انّه سأل أبا عبد الله عن الرجل يشتري الطعام أشتريه منه بكيله وأصدّقه؟

فقال، لا بأس ولكن لا تبعه حتى تكيله(1)، الظاهر انّه أيضاً اجنبيّ عن المقام وناظر إلى مسألة الاعتماد على الكيل السابق لمن يبيع كيلا لا صبرة وجزافاً.


(1) الوسائل 12: 257، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8.

الصفحة 436

5 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبد الله قال لا يصلح للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر(1). فقد يقال: إنّ الحديث يشمل بإطلاقه ما إذا كان الصاع الجديد مجهول المقدار لدى المشتري وما إذا كان المشتري يتخيل تساويه للصاع المألوف فالثاني يشتمل على الخداع والأوّل يشتمل على بيع مجهول المقدار فكلاهما منهي عنه ومحل الكلام هو بيع مجهول المقدار وهذا في واقعه إطلاق بملاك حذف المتعلق، إذ بعد العلم بانّه لا إشكال في البيع بصاع جديد مع معرفة نسبته إلى الصاع المعروف يكون المتعلق المحذوف هو فرض الجهالة أو فرض الخداع وحذف المتعلق يقتضي الإطلاق لهما معاً أو يقال ان الإطلاق في المقام لا علاقة له بحذف المتعلق وذلك لانّ فرض معرفة نسبة الصاع الجديد إلى الصاع المألوف يرجع في واقعه إلى الكيل بالصاع المعروف، فكل كيل بصاع جديد غير مألوف يكون منهياً عنه بهذا الحديث.

ولكن لا يبعد ظهور الحديث في إرادة فرض الخداع أو إجماله على الأقل، وذلك لأنّ الاعتماد على الصاع الجديد مع فرض الجهالة لا نكتة فيه فلم لا يتعاملان على صبرة جزافاً بلا صاع جديد؟! وانّما نكتة الصاع الجديد هي مخادعة المشتري ويؤيد هذا التفسير وروده في حديث آخر لمحمد الحلبي ولعله في واقعه نفس الحديث الأوّل عن أبي عبد الله لا يحل لأحد ان يبيع بصاع سوى صاع المصر فان الرجل يستأجر الحمّال فيكيل له بمدّ في بيته لعله يكون أصغر من مدّ السوق، ولو قال هذا أصغر من مدّ السوق لم يأخذ به، ولكنه يحمله


(1) الوسائل 12: 258، الباب 6 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2، والصفحة 280، الباب 26 منها، الحديث 1.

الصفحة 437

ذلك ويجعله في أمانته وقال لا يصلح إلاّ مدّ واحد والأمنان بهذهِ المنزلة(1) إلاّ انّ هذا الحديث ضعيف بإرسال في سنده.

6 ـ ما عن عبد الأعلى بن أعين قال نبّئت عن أبي جعفر انّه كره شراء ما لم تره(2).

7 ـ ما عن محمد بن سنان قال نبّئت عن أبي جعفر انّه كره بيعين:

اطرح وخذ على غير تقلّب، وشراء ما لم تر(3) وهما إضافة إلى سقوطهما سنداً لا يدلان على أكثر من الكراهة.

8 ـ ما عن محمد بن العيص قال سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى ما يذاق يذوقه قبل أن يشتري ؟ قال نعم فليذقه ولا يذوقنّ ما لا يشتري(4) فقد يقال : ان الأمر بالذوق دليل على حرمة بيع المجهول، ولكن الحديث إضافة إلى ضعف سنده ظاهرفي الأمرفي مقام توهّم الحظرخصوصاً مع قوله: ولايذوقنّ مالا يشتري.

9 ـ روايات ضعيفة السند نهت عن جعل الثمن ديناراً غير درهم لانه لا يدري كم الدينار من الدرهم(5) وأكثرها مشتملة على (كلمة الكراهة)، وحديث واحد منها مشتمل على كلمة فاسد معللا بقوله: (فلعل الدينار يصير بدرهم) وهذا يعني الاحتراز عن فقدان الثمن نهائياً، وعلى أيّة حال فالظاهر انّ الروايات ناظرة إلى فرض النسيئة كما ورد التصريح بذلك في بعضها إذ مع عدم النسيئة لا حاجة


(1) الوسائل 12: 280، الباب 26 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

(2) الوسائل 12: 279، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

(3) الوسائل 12: 279 ـ 280، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3.

(4) الوسائل 12: 279، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.

(5) الوسائل 12: 398 ـ 399، الباب 23 من أبواب أحكام العقود.

الصفحة 438

إلى جعل الثمن ديناراً غير درهم بل الأمر الطبيعي عندئذ جعل الدرهم جزءً من المثمن ولا يبقى عندئذ أي إشكال، فإذا كانت الروايات ناظرة إلى فرض النسيئة فمفادها انّ قيمة الدرهم بالقياس إلى الدينار وكذا العكس بما انّها كانت غير ثابتة لا يكون تعيّن واقعي لمبلغ الثمن وهذا كما ترى اجنبيّ عن المقام.

10 ـ وهناك روايات تمنع عن بيع الطعام المشترى قبل أن يكال(1) ناظرة إلى ما اشتراه على شكل الكلّي في المعيّن ثم باعه قبل أن يُميّز بالكيل فهذا من سنخ المنع عن البيع قبل القبض ولا علاقة له بالمقام، وقد ورد أيضاً ما يجوّز ذلك(2) بأسانيد غير تامّة، وورد بسند تام التفصيل بين المكيل وغيره، ففي الأوّل لا بد من القبض دون الثاني(3) وورد أيضاً بسند تام التفصيل في الطعام بين بيع التولية والبيع مع الربح فلا بد من القبض في الثاني دون الأوّل(4) وبحث ذلك موكول إلى محله.

وقد يخطر بالبال إثبات صحة مثل بيع الصبرة جزافاً بما عن جميل عن زرارة قال سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى تبن بيدر قبل ان يداس تبن كل بيدر بشيء معلوم يأخذ التبن ويبيعه قبل أن يكال الطعام؟ قال: لا بأس. هكذا ورد في التهذيب(5) ولكن ورد في الكافي بدلا عن «تبن كل بيدر» قوله: «تبن


(1) الوسائل 12 : 388 ـ 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 5 و 11 و 13 و 14 و 17.

(2) الوسائل 12: 388، 391، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 3 و 6 و 19.

(3) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 10.

(4) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 9.

(5) التهذيب 7: 125، الحديث 547.

الصفحة 439

كل كرّ»(1) ورواه الصدوق بإسناده عن جميل انّه سأل أبا عبد الله وجاء فيه «تبن كل بيدر»(2) وكذلك ما رواه الصدوق بإسناده عن جميل عن زرارة انّه سأل أبا جعفر (3) والتبن ما قطّع من سنابل الزرع كالبُرّ ونحوه والبيدر الموضع الذي يجمع فيه الحصيد، والظاهر ان الحديث اجنبيّ عن المقام وذلك بقرينة قوله: (يبيعه قبل ان يكال الطعام) فهذا يعني ان الشراء الأوّل كان مقدّراً بالكيل إلاّ انه لم يتم بعدُ الكيل والقبض، فالسؤال إذن راجع إلى البيع قبل الكيل والقبض وهذا يعني ان نسخة الكافي وهي قوله «تبن كل كرّ بشيء معلوم» اصحّ من نسخة «تبن كل بيدر» وإن كان هذا التضارب في النسخ اختص بحديث زرارة عن أبي عبدالله ، أمّا حديث زرارة عن أبي جعفر وحديث جميل عن أبي عبد الله فلم يرد فيهما إلاّ «تبن كل بيدر» وممّا يشهد كون التعبير الأصح هو ما في الكافي انّه لم تفرض في صدر الحديث شراء عدة بيادر حتى يقال: «تبن كل بيدر بشيء معلوم».

نعم لا بأس بالاستدلال على عدم اشتراط معلومية المقدار بمثل روايات بيع السمك في الآجام واللبن في الضرع بضميمة بعد فرض إلغاء خصوصية المورد، كما لا بأس بالتمسك بالإطلاقات.

هذا تمام كلامنا في البحث الأوّل من أبحاثنا في الإرادة.

 


(1) الكافي 5: 180، الحديث 8.

(2) من لا يحضره الفقيه 3: 210، الحديث 3784.

(3) من لا يحضره الفقيه 3: 226، الحديث 3835.

الصفحة 440

 

 
الصفحة 441

 

 

 

 

المقارنة بين فقدان الإرادة ووجودها المعيب

وأمّا البحث الثاني ـ وهو في المقارنة بين انعدام الإرادة وقيامها على أساس الغلط:

 

تقسيم البحث في الفقه الغربي والفقه الإسلامي:

فقد جاء في الفقه الغربي(1) أنّ الإرادة قد تصاب بالانعدام كما إذا اختلف القبول عن الإيجاب، فما ذكره الموجب لا توجد وفقه إرادة من القابل وما قبله القابل لا توجد وفقه إرادة من الموجب، وقد تصاب بالعيب فهي موجودة ولكنّها معيبة، كما هو الحال فيما إذا اتفق الإيجاب والقبول على عنوان واحد ولكن وقع في التطبيق غلط واشتباه، كما لو باع أحدهما سيّارة وقبلها القابل بتخيّل كونها ذات مواصفات خاصّة ثم تبيّن خلاف ذلك. وجزاء فقدان الإرادة هو بطلان العقد، أمّا جزاء كون الإرادة معيبة فهو خيار الفسخ أو قابلية العقد للإبطال.

وهذا المصطلح ـ أعني مصطلح أنّ الإرادة قد تكون معدومة فيبطل العقد


(1) راجع: الوسيط 1: 232 ـ 235، الفقرة 111، والصفحة 311 ـ 331، الفقرة 162 ـ 174، ومصادر الحق 2: 48 و 98 ـ 104.

الصفحة 442

واُخرى معيبة فيثبت الخيار ـ غير وارد في فقهنا الإسلامي، وسوف يتضح في ثنايا البحث أنّ كون الإرادة معيبة بمعنى كونها مبنيّة على الغلط ليس هو بعنوانه ما يقتضي الخيار في فقهنا الإسلامي، وان الخيار الثابت في موارد من الغلط انّما يثبت بنكات اُخرى، وعلى أيّة حال فالفقه الغربي جعل الغلط سبباً لكون الإرادة معيبة، وعدم تطابق الإيجاب والقبول سبباً لفقدان الإرادة، وقد بحث فقهاؤنا الإسلاميون ـ رضوان الله عليهم ـ مسألة تطابق الإيجاب والقبول ضمن شرائط الإيجاب والقبول ومسألة الغلط الذي يوجب الخيار ضمن البحث عن خيار الرؤية وخيار تخلف الوصف وضمن البحث عن أحكام الشرط، وفي المقارنة بين مسألة فقدان الإرادة ومسألة الغلط يبدو هنا فرق بين الفقه الغربي والفقه الإسلامي، ففي الفقه الغربي توجد مساحتان للبحث:

أوّلاً ـ مساحة التطابق بين الإيجاب والقبول حيث يذكر انّهما لو لم يتطابقا بطل العقد لفقدان الإرادة.

ثانياً ـ مساحة وقوع الغلط والاشتباه في انطباق العنوان المقصود بعد تطابق الإيجاب والقبول تطابقاً كاملاً، وقالوا انّ جزاء ذلك قابلية العقد للإبطال.

أمّا في الفقه الإسلامي فالمساحة الاُولى موجودة ومبحوث عنها وقد افتوا ببطلان العقد لدى عدم تطابق الإيجاب والقبول من دون فرق في ذلك بين ما إذا كان الإيجاب والقبول واقعين على جزئي خارجي كما لو أوجب البائع بيع سيّارة معينة وقبل المشتري السيّارة الاُخرى، أو كانا واقعين على الكليّ كما لو باع أحدهما عبداً متصفاً بالكتابة وقبِل المشتري عبداً غير كاتب.

وأمّا المساحة الثانية وهي مساحة الغلط في التطبيق فقد قسّمت في فقهنا الإسلامي إلى مساحتين.

 
الصفحة 443

وطبعاً المقصود بمساحة الغلط في التطبيق هو الاشتباه في تشخيص المصداق مع فرض تطابق الإيجاب والقبول على مصداق جزئي كما لو باعه عبداً معينا بقيد الكتابة وقبله الآخر ثم تبين انّه غير كاتب، أمّا لو تطابق الإيجاب والقبول على عنوان كلّي ووقع الاشتباه في التطبيق لدى التسليم كما لو باعه عبداً كاتباً وقبِل المشتري ثم طبّقاه لدى التسليم تطبيقاً خطأً على عبد غير كاتب فهذا لا علاقة له بعيوب الإرادة ولا يوجب الخيار ولا البطلان إذ لم يكن هذا الفرد هو متعلق العقد فغاية الأمر لزوم تبديل هذا الفرد بفرد آخر واجد للمواصفات المطلوبة، أمّا إذا كان المبيع كليّاً في المعين بقيد وصف فرض تواجده في كل مصاديقه ثم تبين عدم وجوده في شيء من تلك المصاديق فهذا حاله حال بيع الجزئي.

وبالإمكان تصوير العيب في الإرادة الموجب للخيار لو صحّ التعبير في فرض كليّة متعلق العقد فيما إذا فرض القيد شرطاً في ضمن العقد لا محصّصاً لذاك الكليّ ثم انكشف عدم القدرة على تحقيق الشرط أو فساد الشرط شرعاً أمّا إذا كان محصصاً للكليّ ثم انكشف عدم القدرة على تحصيل فرد واجد لذاك القيد دخل ذلك في العجز عن تطبيق الكليّ المبيع على مصداق خارجي يقدر على تسليمه وأوجب ذلك الخيار، كما انّه لو قدر على ذلك وامتنع عنه دخل تحت الامتناع عن التسليم الموجب للخيار، ولو امتنع عن تحقيق الشرط أوجب ذلك أيضاً الخيار على أساس تخلف الشرط.

وعلى أيّة حال فمساحة الغلط في التطبيق لدى وقوع العقد على مصداق جزئي قد قسّمت لدى فقهائنا الأبرار ـ رضوان الله عليهم ـ إلى مساحتين لأنّ الغلط قد يكون جوهرياً وقد مثّل له الشيخ الأنصاري بانّه باعه عبداً حبشياً

 
الصفحة 444

فتبيّن حماراً وحشياً(1)، وقد يكون جانبياً كما في ما إذا وصف العبد بالكتابة فتبيّن انّه غير كاتب فقد افتوا في القسم الأوّل ببطلان العقد لفقدان الإرادة وفي القسم الثاني بالخيار، وقد أفاد الشيخ الأنصاري ما يستحصل منه: ان جوهرية الفرق وجانبيته ليستا بلحاظ الحقائق الفلسفية بقدر ما هما بلحاظ أهداف العقلاء فالذكورة والانوثة بلحاظ المماليك تعدّان من الفوارق الجوهرية، وبلحاظ الغنم تعدّان من الفوارق الجانبية، بينما لا فرق من الناحية الفلسفية في ذلك بين المملوك والغنم والرومي والزنجي حقيقتان عرفاً رغم اتحادهما في الجوهر فلسفياً، وكون الخلّ من الزبيب أو العنب فرق جانبيّ عرفاً بينما هو فرق جوهري فلسفياً(2).

والفقه الغربي لم يقسّم مساحة الغلط إلى هاتين المساحتين نعم جاء في الفقه الغربي التفريق بين الغلط الذي يعيب الإرادة والغلط الذي اسموه بالغلط المانع وهو يعدم الإرادة ومثّلوا له بما إذا وقع الإيجاب على مصداق جزئيّ معيّن والقبول على مصداق آخر كمَن كان يمتلك سيّارتين باع إحداهما والمشتري اشترى الاُخرى فهذا في الحقيقة رجوع إلى المساحة الاُولى وهي مساحة عدم تطابق الإيجاب والقبول فيبطل به العقد، ولا علاقة له بالمساحة الثانية وهي مساحة الغلط والاشتباه في التطبيق بعد فرض تطابق الإيجاب والقبول.

وهنا نشير إلى خطأ الاستاذ مصطفى الزرقاء في المقام حيث ذكر: انّه «يلحظ في المقام ان اختلاف الجنس الذي يعتبر في الفقه الإسلامي من قبيل


(1) راجع مكاسب الشيخ الأنصاري 2: 250، بحسب طبعة الشهيدي.

(2) راجع نفس المصدر.

الصفحة 445

الغلط المانع لا يعتبر في النظر القانوني غلطاً مانعاً بل هو من الغلط الذي يعيب الرضا فقط فينعقد معه العقد قابلاً للإبطال. وعكس ذلك يلحظ في الغلط في ذاتية المبيع كما لو باع إحدى فرسيه والمشتري يظنّ انه قد اشترى الاُخرى فانّه في الفقه القانوني غلط مانع لا ينعقد معه العقد، وفي الفقه الإسلامي هو غلط غير مؤثّر أصلاً فينعقد معه العقد لازماً لا خيار فيه لانّ الإرادة الظاهرة بالإيجاب والقبول لما وردت في العقد على واحدة معيّنة من الفرسين انصرف العقد إليها وبقى الغلط في حيّز الخفاء ليس عليه دليل قائم فلا يؤثّر حرصا على استقرار التعامل بخلاف مسألة اختلاف الجنس فان تسمية الجنس المقصود في صلب العقد تجعل الغلط في الجنس المخالف غلطاً واضحاً فيؤثّر في العقد، وبما ان اختلاف الجنس في حكم فقدان العين لا ينعقد العقد لعدم المحلّ»(1).

أقول: إنّ اختلاف الفقه الإسلامي عن الفقه الغربي في اختلاف الجنس صحيح كما ذكره فالفقه الغربي جعل ذلك موجباً لقابلية العقد للإبطال بينما الفقه الإسلامي جعل ذلك مبطلاً للعقد، أمّا العكس الذي ذكره في الغلط في ذاتية المبيع فهو غير صحيح فالفقه الغربي انّما ذكر بطلان العقد فيما إذا اختلف المتعاقدان في صبّ الإيجاب والقبول على الذات فانصبّ الإيجاب على إحدى الفرسين والقبول على الاُخرى لا فيما إذا انصبّا على مصداق واحد مع الاشتباه في أوصاف ذاك المصداق، وإذا انصبّ الإيجاب والقبول على مصداقين فلا إشكال في انّ الفقه الإسلامي أيضاً يفتي بالبطلان غاية ما هناك ان الإرادة الظاهرة إذا


(1) الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 1: 426 ـ 427، في التعليق تحت الخط على الفقرة 191/4 بحسب الطبعة الثامنة.

الصفحة 446

انصبّت فيهما معاً على مصداق واحد فقد تجعل هذه امارة ظاهرية على وحدة المصبّ في الإرادة الباطنة، بل وحتى لو آمنّا بان المقياس الواقعي انّما هي الإرادة الظاهرة فهنا انّما يفتي بصحة العقد لوحدة مصبّ الإيجاب والقبول الظاهريين، وهذا ما يقول به من يؤمن من الغربيين بالإرادة الظاهرة معترفين جميعاً «الإسلاميون أيضاً والغربيون» بانّه متى ما انصبّ الإيجاب على مصداق والقبول على مصداق آخر بطل العقد، وعلى أيّة حال فقد مضى منّا في بحث الإرادة الظاهرة والباطنة ان المقياس في الفقه الإسلامي انّما هو الإرادة الباطنة وان ما يسمّى بالإرادة الظاهرة يجعل امارة على الإرادة الباطنة وان هذا كاف لتأمين الاستقرار بالقدر المطلوب للعقود.

 

صعوبة يواجهها الفقه الإسلامي:

وإذا اتضح لك الفرق بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي في تحديد المساحات التابعة لبطلان العقد أو لقابليته للإبطال قلنا: إنّ هنا سؤالاً يواجهه الفقه الإسلامي وهو انّه لماذا الفرق بين الغلط الجوهري والغلط الجانبي بكون الأوّل مبطلاً للعقد وتابعاً لفقدان الإرادة، والثاني موجباً للخيار؟! وهذا السؤال طرح نفسه في فقهنا الإسلامي بصياغتين:

الاُولى ـ انّ العقد قد وقع على ما هو مقيّد بوصف معين «يعني الوصف الجانبي» ففاقد الوصف لم يقع عليه العقد فما وقع عليه العقد غير موجود وما هو موجود لم يقع عليه العقد، وهذا يوجب البطلان لا الخيار وهذا ما نقله الشيخ الأنصاري (1) عن مجمع البرهان للمحقق الاردبيلي .


(1) راجع المكاسب للشيخ الأنصاري 2: 250، بحسب طبعة الشهيدي.

الصفحة 447

وبإمكانك أن تقول: إنّ الوصف إن كان يجعل مصبّ العقد مغايراً لفاقده لزم بطلان العقد سواء كان جوهرياً أو غير جوهري وإن لم يكن يجعل مصبّ العقد مغايراً لفاقده لتقدم الإشارة على الوصف مثلاً لزم عدم بطلانه سواء كان جوهرياً أو غير جوهري. وبإمكانك أيضاً أن تقول: إنّ الوصف إن كان يوجب التغاير بين متعلق العقد وفاقد الوصف فلماذا يحكم بالصحة؟! وإلاّ فلماذا يحكم بالخيار؟!

الثانية ـ انّ صحّة العقد مشروطة بالرضا والرضا مقيّد بالوصف المقصود فمع فقدانه ينفقد الرضا، وهذا يوجب بطلان العقد وهذا ما ذكره الشيخ الانصاري (1) في مقام ذكر توجيه لما جعله المحقق الاردبيلي موافقاً للقاعدة وهو البطلان وبإمكانك أن تقول: إنّ تقيد الرضا بالقيد المفقود إن كان يوجب البطلان فليوجبه مطلقاً وإلاّ فلنحكم بالصحّة مطلقاً فما هو الوجه في التفصيل بين الوصف الجوهري وغيره؟

وبإمكانك أيضاً أن تقول: إنّ تخلف الوصف إن كان موجباً لانعدام فعلية الرضا وجب بطلان العقد وإن لم يكن موجباً لانعدامه فلا وجه للخيار.

امّا ان شئت أن تصوغ الإشكال وفق المصطلحات التي نقلناها عن الفقه الغربي فلك أن تقول: ما معنى انّ الإرادة قد تكون معدومة واُخرى معيبة؟! فإن كان القيد المفقود دخيلاً في فعلية الإرادة فبانتفائه قد اصبحت الإرادة معدومة وإن لم يكن دخيلاً في فعليتها إذن فالإرادة غير معيبة.

وطبعاً ليس المقصود من هذا الكلام الإشكال على الفقه الغربي لانّه فقه موضوع من قبل انفسهم لا يتبع دليلاً كاشفاً عن حكم ثابت قبلهم، وإذا كان الوضع بيدهم فمن حقهم ان يفصّلوا بين ما اسموه بالغلط المانع ويضعوا القول فيه بالبطلان


(1) راجع نفس المصدر.

الصفحة 448

وما جعلوه عيباً في الإرادة ويضعوا القول فيه بقبول العقد للإبطال إذ يكفي مناسبة لذلك ان الإيجاب والقبول لم يتطابقا في الأوّل فهذا أوجب البطلان، وتطابقا في الثاني فهذا أوجب الصحة مع إمكانية الإبطال وانّما المقصود انّنا لو أردنا أن نفتي بما افتوا به ولم نفرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي وقلنا في الجميع بالخيار دون البطلان لانّ الإرادة ليست معدومة وانّما هي معيبة فنحن بحاجة إلى فرق حقيقي بين انعدام الإرادة وكونها معيبة نفترض انّ الأوّل منهما موضوع لدليل البطلان والثاني منهما موضوع لدليل الخيار، ولا تكفينا مجرد المناسبة التي ذكرناها فإذا كان حال الإرادة دائراً بين الوجود والعدم، ولا معنى لكونها معيبة فلدى تخلف الوصف ان انعدمت الإرادة بطل العقد وإلاّ فلا موجب للخيار فما معنى كونها موجودة ولذا لم يبطل العقد ومعيبة ولذا ثبت الخيار؟!

مرجع الصعوبة إلى إشكالين:

وعلى أيّة حال فقد عرفت انّه وردت في فقهنا صياغتان للإشكال: احداهما انّ ما تعلق به العقد غير موجود، وما هو موجود لم يتعلق به العقد، والثانية انّ الرضا مقيد بالوصف المفقود ومعه لا يكون الرضا فعليا لعدم فعلية ذاك الوصف، والسؤال الآن هو انّ الإشكال الحقيقي في المقام هل هو إشكال واحد يبرز بصياغتين فالفرق بينهما لا يعدو أن يكون فرقا في عالم الألفاظ والصياغات؟ أو انّ هناك فارقاً جوهرياً بين الصياغتين فنحن أمام إشكالين مختلفين ونكون بحاجة إلى الحلّ لكل واحد منهما؟

قد توحي عبارة الشيخ الانصاري في المكاسب(1) إلى انهما تشيران


(1) المكاسب 2: 250.

الصفحة 449

إلى إشكال واحد، وكأنّ الصياغة الثانية لا تعدو ان تكون تعميقاً للصياغة الاُولى في مقام إبراز نفس الإشكال وذلك لانه نقل أوّلاً عن المحقق الاردبيلي الصياغة الاُولى للإشكال ثم أجاب عليه بجواب ثم ذكر كتوجيه لما مال إليه المحقق الاردبيلي الصياغة الثانية، ثم نقل جواباً على وجه البطلان الذي جعله المحقق الاردبيلي موافقاً للقاعدة وهو (انه اشتباه ناش عن عدم الفرق بين الوصف المعيّن للكليات والوصف المعيّن في الشخصيات وبين الوصف الذاتي والعرضي).

وذكر انّه ظهر من هنا (يعني ما بيّنه من الصياغة الثانية) انّ هذا الجواب مجازفة لا محصّل لها في حين انّ صاحب هذا الجواب انّما كان يقصد الرد على المحقق الاردبيلي وهذا يعني انّه كان يردّ على الصياغة الاُولى وهي التي ذكرها المحقق الاردبيلي فكيف تكون الصياغة الثانية موضّحة لمجازفة هذا الجواب وضعفه إن لم تكن تلك الصياغة تعميقاً لنفس الصياغة الاُولى؟! بل انّ قوله: (وبين الوصف الذاتي والعرضي) يكون في أحد محتمليه إشارة إلى عين أو ما يقارب الجواب الذي ذكر الشيخ بنفسه أوّلاً على الصياغة الاُولى قبل ذكره لتوجيه ما مال إليه الاردبيلي بالصياغة الثانية فانّ أحد محتمليه هو أن يكون المقصود بالوصف الذاتي الوصف الجوهري، والمقصود بالوصف العرضي ما لم يكن جوهرياً ويكون هذا إشارة إلى الجواب بانّنا لا نتكلم في الفارق الجوهري الذي يجعل الموجود خارجاً مغايراً لما وقع عليه العقد وانّما نتكلم في الفارق غير الجوهري الذي لا يوجب المغايرة وهذا عين الجواب الذي ذكره الشيخ أوّلاً عن الصياغة الاُولى أو يقاربه.

نعم احتماله الآخر لا علاقة له بجواب الشيخ وهو أن يكون المقصود: ان الوصف إذا كان قيداً للكلّي أصبح ذاتياً لانّه يحصّص الكلّي إلى الواجد والفاقد، ويختص العقد بالواجد، وإذا كان وصفاً للعين الخارجية فلا يعدو ان يكون أمراً

 
الصفحة 450

عرضياً لانّ ذات المبيع انّما هي العين الخارجية.

أمّا المحقق الاصفهاني فكلامه صريح في الفراغ عن كون الصياغتين إشكالين متغايرين حتى انّه حمل قول الشيخ (ومن هنا يظهر ..) على معنى اعترف انّه خلاف ظاهر العبارة وهو أنّه ظهر من الصياغة الثانية ان هذا الجواب لا يكفي لإثبات المقصود من صحّة العقد لانّ هذا الجواب وإن كان كافياً لإبطال الصياغة الاُولى التي ذكرها المحقّق الاردبيلي لكن يبقى علينا بعدئذ لإثبات الصحّة ان نذكر جواباً على الصياغة الثانية(1).

وعلى أيّة حال فالذي يمكن أن يذكر كتوجيه لإرجاع الصياغتين إلى إشكال واحد هو ان يقال: إنّ ما يذكر في الصياغة الاُولى من انّ المعقود عليه غير الموجود والموجود غير المعقود عليه لا يقصد بذلك الحديث عن عالم الألفاظ فلسنا نحن أمام إشكال لفظي كما لو كانت صيغة العقد فارسية وكنّا قد اشترطنا العربية مثلاً، او مستقبلية وكنا قد اشترطنا الماضوية وانّما نحن أمام إشكال معنوي وهو ان ما دلّ عليه العقد قد وقع على أمر غير موجود وما هو موجود لم يقع عليه مفاد العقد، وليس مفاد العقد عدا الرضا بالمعاملة وإرادة المعاملة فقولنا: إنّ العقد وقع على ما لم يوجد وما وجد لم يقع عليه العقد يعني انّ الرضا وقع على ما لم يوجد وأنّ ما وجد لم يقع الرضا عليه وهذه هي الصياغة الثانية.

إلاّ أنّ التحقيق ان هذا البيان لإرجاع الصياغتين إلى روح واحدة انّما يتم بناء على المسلك الغربي من الفقه دون المسلك الإسلامي وتوضيح ذلك: ان المسلك الغربي يرى العقد انشاء للالتزام بذلك الأمر الاعتباري كالملكية في البيع بل كان يرى قديما انّ البيع التزام لنقل العين إلى حيازة المشتري، وأخيراً تطوّر


(1) راجع تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب 2: 89.

الصفحة 451

الفقه لديهم فأصبح البيع التزاماً بنقل الملكية، ولكن الإسلام يرى انّ العقود المعاملية هي عادةً انشاء لنفس تلك الاُمور الاعتبارية، فالبيع مثلاً انشاء للتمليك فان تكلمنا على المسلك الغربي فالبائع مثلاً لم ينشئ إلاّ الالتزام وهو الرضا بالتمليك أو نقل الحيازة، فإن كان مصبّه العبد الكاتب مثلاً فهو عبارة اُخرى عن كون مصب الرضا العبد الكاتب فرجعت الصياغتان إلى روح واحدة.

أمّا في نظر الفقه الإسلامي فالبيع مثلاً انشاء للتمليك ونفوذ ذلك شرعاً مشروط بالرضا فلدينا أمران: أحدهما ما ينشأ بالبيع وهو التمليك والثاني شرط نفوذ ذلك وهو الرضا إذن فيوجد مصبّان للإشكال في المقام أحدهما التمليك الذي اُنشئ بالعقد حيث يقال: انّه اُنشئ على العبد الموصوف بالكتابة مثلاً فغير الكاتب ليس مصباً للعقد وثانيهما ما هو شرط لنفوذ هذا التمليك شرعاً وهو الرضا حيث يقال انّ الرضا مقيّد بقيد الكتابة فينتفي بانتفائها إذن فكل من الصياغتين إشكال مستقل عن الاُخرى.

ولعلّ هذا أيضاً هو السبب في الخلاف بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي في انّ الغلط الذي يعيب الإرادة ويوجب الخيار لا البطلان يشمل الغلط الجوهري والغلط الجانبي في وقت واحد، والفقه الإسلامي يقسّم ذلك إلى مساحتين، مساحة الغلط الجوهري ويقول فيه ببطلان العقد، ومساحة الغلط الجانبي ويقول فيه بالخيار، فلعلّ السرّ في ذلك هو ان الفقه الغربي لا يواجه في المقام إلاّ سؤالاً واحداً وهو ان الوصف إذا كان دخيلاً في المطلوب فهو قيد في الرضا والإرادة فبانتفائهِ تنتفي الإرادة والرضا فكيف يصح البيع مثلاً؟ فإذا اجيب على ذلك مثلا بانّ فعلية الرضا والإرادة تتبع الوجود العلمي للقيد المطلوب لا الوجود الواقعي، فإذا اعتقد كون العبد كاتباً واشترى العبد الكاتب كانت الإرادة فعلية ولكنها في نفس الوقت معيبة لانّها قامت على أساس الغلط، فقد صحّ بهذا البيع رغم فقدان

 
الصفحة 452

الوصف المطلوب من دون فرق بين كون الوصف جانبياً أو جوهرياً.

وأمّا الفقه الإسلامي فهو يواجه سؤالين لا سؤالاً واحداً أحدهما انّ الرضا أو الإرادة مقيد بقيد الكتابة فكيف يصحّ البيع عند فقد الكتابة؟! ولنفترض انّ الجواب هو انّ فعلية الرضا أو الإرادة تتبع الوجود العلمي لا الواقعي وهذا الجواب نسبته إلى الوصف الجوهري والجانبي سيّان، والثاني انّ التمليك الاعتباري انّما تعلق بالعبد الموصوف بوصف كذا فبانتفائه ينتفي متعلق العقد، ولنفترض انّ هذا جوابه هو انّ الوصف إذا كان جانبياً لم يكن الموجود مغايراً عرفاً للمعقود عليه، نعم إذا كان الوصف جوهرياً استحكم الإشكال وبطل البيع لانّ الموجود مغاير عرفاً للمعقود عليه فهنا انتهينا إلى الفرق بين مساحة الغلط الجوهري ومساحة الغلط الجانبي ولكن على الفقه الغربي لم يكن موضوع لهذا الفرق لانّ أصل هذا الإشكال لم يكن له مجال على الفقه الغربي ومن هنا اختلف الفقهان في هذا الأمر.

وعلى أيّة حال فقد ظهر ان أمام الفقه الإسلامي إشكالين لا بد له من حلّهما: (أولاً) انّ متعلق العقد غير الواقع الخارجي (وثانياً) انّ الرضا مقيّد بقيد منتف ولنأخذ الآن الإشكال الأوّل بالبحث مع عرض الحلول المقترحة في المقام وننظر انّ تلك الحلول لو تمّت هل تختص بالإشكال الأوّل؟ أو تحلّ حتّى الإشكال الثاني؟ حتى إذا فرغنا عن هذا البحث ورأينا ان الحلّ المختار له لا يحل الإشكال الثاني ننتقل إلى البحث عن حلّ الإشكال الثاني فنقول:

 

إشكال عدم تطابق الموجود للمعقود عليه:

الإشكال الأول ـ انّ تخلف الوصف يوجب عدم تطابق الموجود للمعقود عليه فكيف يمكن أن يصحّ العقد؟! وقد ذكر في مقابل هذا الإشكال عدّة حلول:

 
الصفحة 453

1 ـ الإشارة أقوى من الوصف:

الحلّ الأوّل ـ ما جاء في المكاسب للشيخ الانصاري نقلاً عمّن لم يسمّه من أن غاية ما يمكن ان يفترض هو فرض تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى من الوصف.

وقد جاء هذا الحل في ذيل ما أشرنا إليه من كلام نقله الشيخ وهو: «انّ هذا الإشكال اشتباه ناشئ عن عدم الفرق بين الوصف المعيّن للكليات والوصف المعين في الشخصيات وبين الوصف الذاتي والعرضي وان أقصى ما هناك كونه من باب تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى(1)» وقد حمل الشيخ الاصفهاني (2) ذلك على نقل كلام صاحب الجواهر معترفاً بانّ ما رآه في الجواهر يختلف عن هذا الكلام فقد جاء في الجواهر بعد نقل التامّل في صحّة البيع عن الاردبيلي ما يلي: «وإن كان هو ضعيفاً كالأوّل(3) أيضاً ضرورة ابتنائه على عدم الفرق بين وصف المعيّن والوصف المعيّن وبين الذاتي والعرضي» هذا ما ورد في الطبعة الجديدة للجواهر(4) ولكن الموجود في تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب نقلاً عن الجواهر التعبير بعبارة «أو بين الذاتي والعرضي» أي انّ العطف يكون بـ «أو» لا بالواو ونسخة الطبعة الجديدة من الجواهر تطابق نسخة المكاسب الموجودة عندي وهي طبعة الشهيدي فان العطف فيها أيضاً بالواو، وعلى أيّة حال


(1) المكاسب 2: 250.

(2) راجع تعليقته على المكاسب 2: 89.

(3) إشارة إلى مطلب آخر نقله أوّلاً عن بعض وضعفه.

(4) جواهر الكلام 23: 94.

الصفحة 454

فالمهم من الفرق بين ما في المكاسب وما في الجواهر هو زيادة ما ورد في المكاسب من عبارة: «وان أقصى ما هناك كونه من باب تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى» فانّ هذه الزيادة غير موجودة في عبارة الجواهر في بحث خيار الرؤية، وقال الشيخ الاصفهاني «ولم أظفر بما ذكره في سائر المباحث المناسبة للمقام (يعني في الجواهر)».

ولعل هذا يوجب احتمال ان الشيخ لم يكن يقصد ما فهمه الاصفهاني من الإشارة إلى عبارة الجواهر بل ينقل من مكان آخر لم نظفر به.

وعلى أيّة حال فخلاصة هذا الجواب انّنا لو سلّمنا ان الوصف يفيد تقييد متعلق العقد فالإشارة تفيد عدم التقييد بهذا الوصف المفقود والإشارة أقوى من الوصف.

وهذا الوجه لو تم لا يحلّ الصياغة الثانية من الإشكال إذ أن صاحب الصياغة الثانية يقول: فليكن متعلق العقد هو ذات المشار إليه بحكم الإشارة لكن رضاي القلبي على أي حال مشروط بكتابة العبد مثلاً لانّ العبد الذي لا يكتب لا يحقق تمام أهدافي التي اشتريته لأجلها.

وبالإمكان ان يقال: إنّ هذا الوجه لو تمّ فهو وإن كان يحل إشكال عدم مطابقة المعقود عليه للموجود خارجاً لأنّ أقوائية الإشارة تثبت ان العقد وقع على نفس ما هو موجود في الخارج، لكنه لا يفسّر الفرق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، فإذا كانت الإشارة أقوى من الوصف فلم لا يصح العقد في الوصف الجوهري أيضاً؟! إلاّ ان يقصد انّ الإشارة أقوى من الوصف الجانبي، أمّا الوصف الجوهري فلا يقلّ تأثيراً عن الإشارة ومع التعارض والتساقط أو اقوائية الوصف يبطل العقد.

 
الصفحة 455

وعلى أيّة حال فهذا الوجه لا يحل إشكال الخيار حيث قد يقال: إنّ الوصف إن كان قيداً فلم لا يبطل العقد لعدم تطابق المعقود عليه لما في الخارج؟! وإن لم يكن قيداً فلماذا يثبت الخيار؟! فهذا السؤال لا زال باقياً على حاله حيث يقال: إن كانت الإشارة أقوى من الوصف فلماذا يثبت الخيار وإلاّ فلماذا يصح العقد؟! وطبعاً لا أقصد بهذا الكلام تسجيل إشكال على مَن يؤمن بهذا الوجه بدعوى انّ عليه أن ينكر الخيار كما ذكره الشيخ الانصاري وانّما أقصد انّ هذا الوجه لا يحل مشكلة الخيار.

وقد تحلّ مشكلة الخيار بنكتة اُخرى كدعوى وجود شرط لا يعود إلى القيد أمّا ما جاء في كلام الشيخ(1) من إلزام صاحب هذا الوجه بإنكار الخيار فيرد عليه ما أورده الشيخ الاصفهاني (2) من انّ تقديم الإشارة على الوصف انّما اثبت صحة العقد وامّا الخيار فيدعى بنكتة اُخرى.

والتحقيق ان أصل هذا الوجه وهو حل الإشكال عن طريق تقديم الإشارة على الوصف على تقدير دلالة الوصف على التقييد ممّا لا أساس له فانّ الوصف لو لم يدل على التقييد لانّ الوصف انّما يقيّد الكليّ ولا يقيد الجزئي مثلاً فلا حاجة إلى نفي التقييد باقوائية الإشارة، ولو دلّ على التقييد وقلنا ان جزئية المتعلق لا تنافي التقييد مثلاً فالإشارة تكون لا محالة إشارة إلى ذاك المقيّد، ولا معنى لفرض تناف بين الإشارة والوصف كي نقدّم الإشارة على الوصف بالاقوائية.

2 ـ الجزئي لا يحصّص:

الحلّ الثاني ـ ما جاء في الجواهر كما مضى من ان كلام المحقّق


(1) في المكاسب 2: 250.

(2) في تعليقته على المكاسب 2: 89.

الصفحة 456

الأردبيلي خلط بين وصف المعيّن والوصف المعين أو بين الذاتي والعرضي بناء على الأخذ بالتفسير الثاني من التفسيرين اللذين مضى ذكرهما وهو كونه بمنزلة التكرار لنفس الخلط الأوّل فالوصف الذاتي يعني به الوصف الذي يوصف به الكليّ للتعيين والتحصيص والوصف العرضي يعني الوصف المعيّن الذي يوجد في الجزئي ويكون حاصل هذا الحل عندئذ ان كون الواقع الخارجي غير المعقود عليه ممنوع فانّ هذا انّما يعقل في توصيف الكليّ بوصف لانّ وصف الكليّ يحصص الكليّ والحصة التي تحصل بهذا التحصيص تغاير الحصة الاُخرى لا محالة، فلو باعه عبداً كاتباً بشكل كلّي ثم في مقام الوفاء أعطاه عبداً غير كاتب فما سلّمه غير ما وقع عليه العقد، أمّا في الجزئي الخارجي وهو محل الكلام فلا يعقل التغاير بين مصبّ العقد وما في الخارج لان الجزئي لا يحصّص، وهذا الوجه لو تم لا يحل الصياغة الثانية للإشكال وهو مسألة عدم الرضا إذ لو سلّمنا ان العقد وقع على نفس ما في الخارج لانّه تعلق بالجزئي بقى الإشكال الآخر وهو ان المشتري لا تطيب نفسه بالعبد غير الكاتب ولا يرضى به باقياً على حاله ولا بدّ له من جواب آخر.

كما انّ هذا الوجه لا يفسّر الخيار ونبقى بحاجة إلى نكتة اُخرى للخيار.

وأيضاً هذا الوجه لو لم يكمّل بمكمّل لم يفسّر الفرق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، لانّ برهان عدم قابلية الجزئي للتقييد يأتي حتى في الوصف الجوهري، فلو باعه هذا الموجود على انّه عبد حبشي ثم تبيّن حماراً وحشياً كان بالإمكان أيضاً ان يقال: إنّ الحيوان المبيع لو كان كلياً فتحصيصه إلى الناطق والناهق يوجب التباين بينهما، أما لو كان جزئياً فهو لا يقبل التحصيص غاية الأمر انّه كان يتخيل كونه ناطقاً وعبداً حبشياً ثم تبيّن كونه ناهقاً ولكن المبيع على أي

 
الصفحة 457

حال هو هذا الحيوان الخارجي وهو شيء واحد فالمعقود عليه هو عين ما في الخارج وليس غيره.

نعم بالإمكان ان يكمّل هذا الوجه بمكمّل كي يصلح مفسّراً للفرق بين الوصف ا لجوهري والوصف الجانبي وهو ان العرف هو الذي فرض التوصيف بالوصف الجوهري موجباً للتغاير، وهذا رجوع إلى الحلّ الثالث فتعليقنا على اصل هذا الوجه نؤجّله إلى البحث عن الحلّ الثالث.

3 ـ تفريق العرف بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي:

الحلّ الثالث ـ هو نفس ما مضى عن صاحب الجواهر مع الأخذ بالتفسير الأوّل من التفسيرين اللذين مضيا لقوله: (أو بين الذاتي والعرضي) وهو الإشارة إلى الفرق بين الجوهري والجانبي ويكون حاصل هذا الوجه عندئذ ان المحقق الاردبيلي إمّا خلط بين وصف المعيَّن والوصف المعيّن، فكما انّ الوصف المعيّن وهو الوصف الذي يوصف به الكلي يوجب مباينة الحصة الفاقدة للحصة الواجدة فقد تخيّل ان توصيف الجزئي أيضاً كذلك يوجب التباين وهذا خطأ لانّ الجزئي لا يحصَّص، وإمّا خلط بين الوصف الجوهري الذي يوجب تغاير الموجود للمعقود عليه والوصف الجانبي الذي لا يوجب ذلك، وهذا هو الذي قلنا انّه يرجع إلى الحلّ الذي ذكره الشيخ في أوّل كلامه أو يقاربه حيث ذكر في مقام الحلّ: انّ العرف يفرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي فيرى انّ الثاني لا يوجب مغايرة الموجود للمعقود عليه بخلاف الأوّل(1).

وإن كان العلَمان يعنيان دقيق ما في العبارتين فهنا فرق دقيق بين


(1) المكاسب 2: 250.

الصفحة 458

العبارتين حيث انّ الشيخ أجاب على إشكال تغاير الموجود للمعقود عليه بانّ العرف هوالذي حكم بانّ الوصف الجانبي لا يوجب التغير بخلاف الوصف الجوهري فكأنّه يقول: انّنا لو كنّا نبحث الأمر فلسفياً لكان الإشكال محكماً لانّ فاقد الوصف ولو كان جانبياً هو غير واجده لا محالة لكننا نتبع في هذه الاُمور العرف وهو يفرّق بين التوصيف بالوصف الجوهري والتوصيف بالوصف الجانبي، فيرى الأوّل موجباً لمباينة ما في الخارج لما وقع عليه العقد والثاني غير موجب للمباينة.

أمّا صاحب الجواهر فكأنّه يرى انّ البحث لو كان فلسفياً ففقدان الوصف لا يوجب التباين حتى ولو كان جوهرياً لانّ الجزئي لا يتحصص فيستحيل التباين، والبيع لو كان منصباً على الكليّ كان توصيف الكلي بوصف موجباً لتحصيصه وبالتالي كان موجباً لمباينة الحصة الواجدة للوصف للحصة الفاقدة، ولكن المفروض انّه انصب على الجزئي فيستحيل التباين بين المعقود عليه وما في الخارج لانّ الوصف لا يحصّصه وهذا لا يفرّق فيه بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، وعندئذ يتوجه السؤال عن انّه لماذا اذن تقولون ببطلان البيع عند فقدان الوصف الجوهري كما لو باع عبداً حبشياً فتبيّن حماراً وحشياً؟! والجواب انّ العرف هو الذي فرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي بفرض الأوّل موجباً للمباينة بين الواقع ومتعلق العقد دون الثاني.

إذن فتقريبا العلَمين ـ لو أردنا ان نأخذ بدقيق العبارتين ـ متعاكسان فعلى تعبير الشيخ يكون مقتضى الفهم الفلسفي لو جاز المشي عليه في المقام بطلان البيع سواء كان الوصف جوهرياً أو جانبياً لانّ الواقع يباين المعقود عليه ولو في وصف جانبي والعرف تدخّل هنا في دفع الإشكال عن الوصف الجانبي ووافق الفلسفة في الوصف الجوهري، وعلى تعبير صاحب الجواهر يكون مقتضى الفهم الفلسفي

 
الصفحة 459

لو جاز المشي عليه في المقام صحّة البيع مطلقاً لانّ الجزئي لا يحصّص والعرف تدخّل في تثبيت الإشكال في مورد الوصف الجوهري حيث فرضه موجباً للتباين بين الواقع والمعقود عليه ووافق الفلسفة في الوصف الجانبي.

وعلى أيّة حال فهذا الحلّ أيضاً لا يمسّ الصياغة الثانية للإشكال فلا زال المشتري مثلاً من حقه ان يقول: انّ رغبتي في العبد منوطة بالكتابة وبفقدانها ينفقد الرضا وبذلك يبطل البيع ولو سلّم ان متعلق البيع هو عين الموجود خارجاً. كما انّ هذا الحلّ لا يفسّر الخيار ويبقى تفسير الخيار بحاجة إلى إبراز نكتة اُخرى.

أمّا تعليقنا على أصل ما قيل في المقام من انّ الجزئي لا يتحصص بالتوصيف بخلاف الكليّ وجعل هذا برهاناً على عدم مغايرة الموجود للمعقود عليه فهو ان عدم إمكانية تحصيص الجزئي بالقيد بخلاف الكليّ صحيح لا إشكال فيه ولكن هذا يعني انّ الكليّ قابل للصدق على كثيرين وكلّما قيّد بقيد ووصف بوصف خرج عن قابلية الصدق على فاقد ذاك القيد أو الوصف وأصبحت لدينا حصّتان متباينتان، أمّا الجزئي فلم يكن قابلاً للصدق على كثيرين فلا يعقل تقييده بمعنى تحصيصه ومنعه عن قابلية الانطباق على بعض الأقسام، ولكن هذا لا ينافي توصيف المفهوم الجزئي بوصف مطابق لما في الخارج أو مخالف له فان طابق ما في الخارج لم يتغير انطباق هذا المفهوم الجزئي وصدقه على ما في الخارج، إذ من أوّل الأمر لم يكن ينطبق إلاّ على فرد واحد ولم يكن يصدق إلاّ عليه ولا زال كما كان لانّ الوصف المذكور موجود حقيقة في ذاك الفرد، وإن لم يطابق ما في الخارج اختلف انطباق ذاك المفهوم الجزئي وصدقه عمّا كان عليه وذلك لا بمعنى انّه اختص بحصّة معيّنة أضيق ممّا قبل التوصيف فضاقت دائرة صدقه في الخارج حتى يقال: إنّ الجزئي لا يتحصص بل بمعنى انه خرج أصلاً

 
الصفحة 460

عن عالم الانطباق والصدق على ما في الخارج إذ لم يكن يقبل الانطباق إلاّ على فرد واحد وذاك الفرد لم يكن موصوفاً بهذا الوصف فإذا وصف ذاك المفهوم بهذا الوصف أصبح بما هو موصوفاً بهذا الوصف غير قابل للانطباق على ما في الخارج وغير ممكن الصدق.

وهذا هو المقصود من الشبهة التي تقول: إنّه لو باعه هذا العبد الكاتب ثم انكشف انّه ليس بكاتب فما هو موجود غير معقود عليه والمعقود عليه غير موجود لانّ المبيع قيّد بقيد مفقود في الخارج، وليس المقصود بهذا دعوى التقييد بمعنى التحصيص واختصاص المبيع بالصدق على حصة اُخرى غير الحصة الموجودة خارجاً حتى يقال: إنّ الجزئي لا يتحصص وإنّ هذا خلط بين الوصف المعيّن للكليّ والوصف المعيَّن في الجزئي وانّما المقام من قبيل ان يقال: إنَّ العَلم كزيد لو وصف بوصف العِلم فقيل: «زيد العالم» وكان المسمّى الخارجي بهذا العلم عالماً حقّاً فهذا المفهوم مطابق لما في الخارج، امّا لو كان جاهلاً فهذا المفهوم بما هو معنون بهذا الوصف غير مطابق لما في الخارج، ولا يقصد بذلك انّ كلمة (زيد) جعلت نكرة واخرجت عن العلَمية وأصبح معناها مطلق المسمّى بـ (زيد) ثم حصّصت بقيد العلم فأصبحت غير صادق إلاّ على فرد آخر غير زيد الجاهل.

وان شئت فقل: إنّ التقييد شأنه حسر المفهوم الذي قيّد به عن قابلية الانطباق على بعض المصاديق، فإن كان ذلك المفهوم كليّاً يقبل الانطباق على مصاديق أو حصص عديدة فحسره عن بعضها يؤدّي لا محالة إلى التحصيص، وإن كان المفهوم جزئياً لا يقبل الانطباق على أكثر من مصداق واحد فحسره يؤدّي إلى عدم قابلية الصدق على الخارج نهائياً وتحوّله إلى مفهوم فارغ عن قابلية الانطباق، وصاحب الشبهة يقول: إنّ ما نحن فيه من هذا القبيل.

 
الصفحة 461

4 ـ التفريق بوجه آخر بين الوصف الجوهري والجانبي:

الحلّ الرابع ـ ما نقلناه عن الشيخ الانصاري الذي ذكره قبل تعرضه للصياغة الثانية للإشكال بناء على حمله على ما يغاير ما فرضناه في الحل الثالث بان يكون المقصود: انّنا حتى لو فرضنا ان ما في الخارج يغاير المعقود عليه فلسفياً فالعرف يفرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي ويرى الأوّل موجباً للمغايرة والثاني غير موجب لها وهذا بخلاف الحل الثالث الذي افترضنا فيه انّ الإشكال محلول فلسفياً لان الجزئي لا يتحصص فلا تحصل المغايرة وانّ العرف وافق الفلسفة في ذلك في الوصف الجانبي ولكنه خالفه في الوصف الجوهري.

وهذا الحل لو تمّ لا يفسّر الخيار ويكون الخيار بحاجة إلى تفسير آخر.

وأيضاً لو تمّ هذا الحل لم يمسّ الصياغة الثانية للإشكال فلا زال من حق المشتري مثلاً أن يقول: إنّ العرف وإن فرض عدم المغايرة والتباين بين ما وقع عليه العقد وهو العبد الكاتب وما هو موجود خارجاً وهو العبد غير الكاتب ولكن رضاي بالمعاملة منوط بوصف الكتابة لانّ العبد غير الكاتب لا يحقق لي تمام الأغراض.

ومن الطريف انّ الشيخ الانصاري ذكر في بحث خيار الرؤية أوّلاً الصياغة الاُولى للإشكال وأجاب عليها بتفريق العرف بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي فالأوّل وإن كان يوجب التباين لكن الثاني لا يوجب التباين عرفاً، ثم ذكر الصياغة الثانية للإشكال وجعلها دليلاً على مجازفة جواب يقارب في أكبر الظن نفس جواب الشيخ على الصياغة الاُولى، ثم ذكر في بحث الشرط الفاسد الصياغة الثانية للإشكال وأجاب عليها بنفس الجواب الذي ذكره في بحث خيار الرؤية على الصياغة الاُولى فقد قرّب الإشكال في بحث الشرط بانّ فساد

 
الصفحة 462

الشرط أوجب فقدان الرضا لانّ التراضي انّما وقع على العقد الواقع على النحو الخاص، وأجاب عليه بانّ القيود منها ما يكون ركناً في المطلوب، ككون الحيوان ناطقاً لا ناهقاً فالعرف يحكم في ذلك بانتفاء الرضا لدى انتفاء القيد، ومنها ما لا يكون ركناً فيه ككون العبد صحيحاً غير معيب أو المتاع الفلاني من القسم الجيّد دون القسم الرديء وهنا يحكم العرف بانّ الفاقد نفس المطلوب وان التصرف الناشئ عن العقد بعد فساد الشرط ليس تصرفاً لا عن تراض.

وهذا الكلام غريب فانّ جانبية الوصف وركنيته لو اثّرتا عرفاً في عدّ الموجود عين ما وقع عليه العقد وعدمه من الواضح انّهما لا تؤثّران في ثبوت الرضا وعدمه فلو قلنا مثلاً انّ الرضا متقوم بالوجود العلمي ثبت الرضا في كليهما، ولو قلنا انّه متقوم بالواقع مثلاً انتفى في كليهما، نعم قد تؤثر ركنية الوصف وجانبيته في درجة الكراهة وعدم الارتياح. وفقدان بعض الأهداف أو جميعها ولكنهما سيّان في أصل مسألة التأثير على الرضا.

وأمّا تعليقنا على أصل هذا الحلّ فهو انّه ماذا يقصد بدعوى تفصيل العرف بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي بكون فقدان الأوّل موجباً للتغاير وعدم كون فقدان الثاني موجباً له؟ إن كان المقصود بذلك ان فقدان الوصف الخارج عن ماهية الشيء لا يوجب تباين الماهية وفقدان الوصف الداخل في ماهية الشيء يوجب تباينها، أو ان فقدان الوصف الداخل في جملة ما يكون دخيلاً في الركن الفلسفي أو العقلائي يوجب التباين في الركن فهذا ثابت لدى الفلاسفة أيضاً، إلاّ انّ الواقع ان هذا اجنبيّ عن المقام فانّ مَن يدّعي البطلان لا يدّعيه على أساس دعوى انّ الفاقد للوصف الجانبي مغاير للواجد في الماهية أو الركن وانّما يدّعيه على أساس دعوى انّ العنوان المأخوذ في العقد غير منطبق على ما في الخارج

 
الصفحة 463

لاختلافه معه ولو في أمر غير ما هويّ وغير ركن.

وإن كان المقصود بذلك انّ العرف يرى المفهوم الذي أخذ فيه وصف جانبي منطبقاً على فاقد الوصف لا لشيء إلاّ لأنّ الوصف جانبيّ فهذا غير صحيح وآية ذلك انّه لا خلاف في انّ المبيع الذي أخذ فيه وصف جانبيّ لو كان كلياً ثم طبقه البائع على فرد فاقد للوصف وسلّمه إلى المشتري لم يتم التسليم، وليس هذا إلاّ لان توصيف الكليّ حيث كان ظاهراً في التحصيص كان داخلاً في متعلق العقد حتماً فاعترف العرف بعدم انطباقه على ما في الخارج الفاقد للوصف وتوصيف الجزئي أيضاً ان كان يعني دخوله في متعلق العقد فالعرف يعترف حتماً بمغايرة المعقود عليه للخارج لانّه لو قال العرف بانّ الوصف ما دام جانبياً فلا قيمة مهمة له فلنعتبر الموصوف بهذا الوصف منطبقاً على غير الموصوف لقال بذلك أيضاً في الحصة الموصوفة من الكليّ لانّ الوصف الجانبي لا قيمة مهمة له فلتعتبر تلك الحصة منطبقة على الفرد الفاقد للوصف فكان المهم في البحث ان نرى انّ الوصف في الجزئي هل يدخل في متعلق العقد أو لا؟ لا أن نقول إنّ العرف لا يرى المغايرة إذ لو دخل الوصف فيه فلا إشكال في المغايرة وعدم الانطباق على الخارج حتى في نظر العرف ولو لم يدخل الوصف في متعلق العقد بطل التغاير فلسفياً أيضاً لا عرفاً فقط.

5 ـ العوارض الخارجية ليست طرفاً للمبادلة:

الحلّ الخامس ـ ما اختاره المحقّق النائيني (1) وحمل كلام الشيخ الانصاري عليه، وهو أنّ الوصف الذي اُخذ عنواناً لمتعلّق العقد إن كان من الصور


(1) راجع منية الطالب 2: 135 ـ 137 و 148 ـ 149.

الصفحة 464

النوعيّة فهو طرف للمبادلة، وذلك كما في حماريّة الحمار وفرسيّة الفرس وما إلى ذلك، لوضوح أنّ المادّة الهيولائية غير صالحة لأن يبذل بإزائها المال، وشيئية الشيء وماليته متقوّمتان بهذه الصور النوعية، فلو باعه حماراً فتبين فرساً فهو في الحقيقة لم يبعه شيئاً لانّ الذي يباع ويبذل بإزائه المال انّما هو الحمار أو الفرس، والفرس لم يكن مبيعاً والحمار لم يكن موجوداً.

وأمّا إذا كان الوصف من العوارض الخارجية لا الصور النوعية ككتابة العبد فقد فرغ الشيء عن كونه شيئاً قابلاً لوقوع المبادلة عليه بقطع النظر عن هذا الوصف، وقد يكون الوصف دخيلاً في زيادة قيمته لكنه لا يقع شيء من المال في مقابلة وانّما المال يقع في مقابل الشيء بصورته النوعية ولا يقع شيء منه بازاء الوصف رغم دخل الاوصاف في قيمة الشيء إذن فتخلّفه لا يعني مغايرة ما هو موجود لما وقعت عليه المبادلة وانصبّ عليه العقد.

أقول: إنّ هذا الكلام من المحقق النائيني لو تم لا يحلّ بوحده الصياغة الثانية للإشكال ولا يفسّر الخيار، وقد تصدّى هو لحلّ الصياغة الثانية للإشكال وهي مشكلة الرضا بإضافة نكتة اُخرى سيأتي بيانه في محله ـ إن شاء الله ـ وتصدى أيضاً لتفسير الخيار بنكتة سنذكرها ـ إن شاء الله ـ وعلى أيّة حال فالانصاف ان هذا الحل غريب فان منشأ الشبهة لم يكن عبارة عن انّ المال وقع في مقابل الوصف فصحيح انّ المال انّما وقع في مقابل الموصوف ولم يقع لا بتمامه ولا ببعض أجزائه في مقابل الوصف رغم دخل الوصف في زيادة القيمة ولكن الشبهة تقول: إنّ الوصف قيد لمتعلق العقد والمال طبعاً انّما هو في مقابل المقيد لا في مقابل القيد لكن المقيد بما هو مقيد كان متعلقاً للعقد والقيد هنا قد حسر انطباقه على ما في الخارج.

 
الصفحة 465

ولو صحّ تقريبه في القيد الحاسر عن الانطباق نهائياً لصحّ أيضاً في القيد المحصّص والمضيّق فلزم ان يقال انّه لو باعه عبداً كاتباً ثم سلّمه عبداً غير كاتب فقد حصل تسليم المبيع وان اخلف الشرط مثلاً وذلك لان ما وقعت عليه المبادلة انّما هو العبد بصورته النوعية دون الكتابة لانّ المال انّما يبذل بازاء العبد أما الكتابة فلا يبذل بإزائها المال وإن كانت دخيلة في تصعيد القيمة التي تبذل بازاء العبد أفهل يلتزم المحقق النائيني بهذهِ النتيجة؟!!

هذا ونتيجة هذا الوجه لو تم هي كون المقياس في الجوهرية والجانبية المعنى الفلسفي لا الجوهرية والجانبية بلحاظ الأغراض العقلائية نعم ألحقَ المحقق النائيني بالوصف الجوهري كل وصف كان قوام مالية المال به وإن لم يكن دخيلاً في حقيقة الشيء فلسفياً ومثّل لذلك بوصف الصحة فيما لا قيمة لمعيبه كالجوز والبيض ونحوهما(1).

6 ـ أخذ الوصف على أساس تعدّد المطلوب:

الحلّ السادس ـ ما اختاره المحقق الخراساني (2) وحمل عليه كلام الشيخ الانصاري وهو ان الوصف إن لم يكن ركناً للمطلوب كان ظاهر أخذه عرفاً هو أخذه على أساس تعدد المطلوب، أي أنّ المشتري يطلب العبد الكاتب مثلاً لو كان فان لم يكن كاتباً يطلب العبد رغم عدم كتابته، وهذا الظهور ناشئ من غلبة ان دخل الأوصاف غير الركنية تكون على هذا الأساس فان أراد الشخص خلاف ذلك كانت عليه إقامة القرينة، وامّا إن كان الوصف ركناً للمطلوب فهنا


(1) راجع منية الطالب 2: 136.

(2) راجع تعليقته على كتاب المكاسب: 206 و 251.

الصفحة 466

يكون ظاهر أخذه عرفاً هو أخذه على أساس وحدة المطلوب فلمن اشترى العبد الحبشي مثلاً مطلوب واحد وهو العبد الحبشي لا مطلوبان: العبد الحبشي إن كان فإن لم يكن فالحمار الوحشي وهذا الظهور أيضاً ناشئ من الغلبة وإن أراد خلاف ذلك كانت عليه إقامة القرينة ويرى ان ذكر الوصف غير الركني لمّا كان دليلاً على تقييد البيع أو المبيع ببعض مراتبهما أوجب الخيار لدى التخلف، بخلاف الوصف الركني الذي أوجب تقييد البيع أو المبيع بتمام مراتبهما فأوجب البطلان لدى التخلف.

إلاّ انّ تفسير ذلك لمسألة الخيار غير واضح عندنا إذ هذا مرجعه في الحقيقة إلى بيعين على تقديرين، أو إلى بيع مطلق وبيع آخر على تقدير عدم تمامية الأوّل، فإذا تخلف الوصف فالبيع الأوّل لم يتم والبيع الثاني ينبغي أن يكون صحيحاً لازماً لعدم تقيده بوصف مفقود فلماذا الخيار؟!

وعلى أيّة حال هذا الوجه لو تمّ يحلّ الإشكال بكلتا صياغتيه وقد ذكره تفسيراً لكلام الشيخ الانصاري عند تعرض الشيخ للصياغة الاُولى من الإشكال في بحث خيار الرؤية وعند تعرضه للصياغة الثانية من الإشكال، في بحث الشرط الفاسد.

وأورد عليه المحقق النائيني بوجوه أهمّها الوجه الثالث منها وهو انّ هذا البيان غير كاف لتوجيه فتوى الأصحاب وتفسيرها فان نتيجته لا تطابق الفتوى لوضوح انّه لو أحرزنا صدقه في الوصف الركن اكتفاء المشتري بفاقده لم يشفع ذلك لصحّة البيع وثبوت الخيار فلو باعه الحمار وتبين انّه كان فرساً أو بقرة أو بغلة وعرفنا ان غرض المشتري ومطلوبه مطلق دابّة تحمله وتحمل أثقاله من دون دخل للحمارية فيما هو مطلوبه من المعاملة لم يكن خلاف ولا إشكال في

 
الصفحة 467

بطلان البيع، كما انّه لو أحرزنا ان تمام غرضه من شراء العبد أن يكون كاتباً بحيث لو علم بعدم كتابته لا يقدم على شرائه بفلس واحد ومع ذلك اشترى العبد الكاتب ثم تخلف الوصف لم يكن له إلاّ الخيار بلا خلاف ولا إشكال(1).

أقول: الظاهر من عبارة المحقق الخراساني ان مقصوده هو دعوى انّ غلبة تعدد المطلوبية وكون الغرض النفسي والرضا القلبي ذا مراتب في الأوصاف الجانبية وغلبة الوحدة وعدم تعدد المراتب في الأوصاف الركنية أوجبت ظهور اللفظ في تعدد الملكية المنشأة في الثاني ووحدتها في الأوّل وليس غرضه مجرّد تعدد الرضا القلبي ووحدته وكون غرضه النفسي ذا مراتب أو غير ذي مراتب ولهذا ناسب حلّه كلتا صياغتي الإشكال ولم يختص بالصياغة الثانية وعليه فالنقض الأوّل من نقضي المحقق النائيني غير وارد عليه، فصحيح انّ غرضه كان متعلقاً بدابّة تحمله وتحمل أثقاله لكن المحقق الخراساني يدّعي ان إنشاءه انّما تعلق بالحمار ولم يفهم منه إنشاء آخر تعلّق بالفرس أو البقرة أو البغلة والإنشاء انّما يتعلق في فقهنا بالملكية لا بالرضا أو بالغرض النهائي وهي الفائدة العملية المترتبة من حمله وحمل أثقاله وعلمنا صدفة بتعدد الغرض ووجود رضائين طوليين لا يوجب انثلام ظهور الكلام في وحدة الإنشاء ولا انكشاف كون هذا الظهور غير مراد.

وأورد السيد الإمام (2) على المحقق الخراساني بان مثل بيع العبد الكاتب وشرائه لا يشتمل إلاّ على إنشاء واحد ولا يعقل انحلال هذا الإنشاء إلى


(1) منية الطالب 2: 149.

(2) راجع كتاب البيع للسيد الإمام 5: 246.

الصفحة 468

إنشائين لشيئين طوليين على فرضي وجدان الوصف وفقدانه بل لو فرض إنشاء البيع كذلك كان باطلاً نظير البيع بثمنين على فرضين.

7 ـ دخالة الوصف الجوهري عرفاً في الماليّة والملكيّة:

الحلّ السابع ـ ما ذكره المحقق الاصفهاني (1) من انّ العرف هو الذي فرّق بين تخلّف الحقيقة وتخلّف الوصف وليس بيانه لذلك هو دعوى اتحاد الفاقد والواجد عرفاً كما مضى عن الشيخ الانصاري بل له بيان آخر وتوضيح ذلك:

انّ فاقد القيد في المقام لا ينظر إليه كحصّة كليّة نرى هل تعلق العقد بها أو لا فانّ القيد في المقام لم يكن قيداً للكليّ وموجباً للتحصيص وانّما فاقد القيد في المقام الذي نريد ان نرى انّه هل انتقل إلى ملك المشتري أو لا جزئيّ حقيقي خارجي، والعقد تعلق طبعاً حسب النظر الأوّلي لمداليل الألفاظ بمفهوم جزئي ولم يتعلق ابتداء وبلا واسطة بالمصداق الخارجي ولو كان متعلقاً بالمصداق الخارجي فانّما هو بواسطة ذاك المفهوم الجزئي وعندئذ يجب ان نرى ان تلك الواسطة وهي المفهوم الجزئي هل هي واسطة في الثبوت؟ أي انّ العقد حقيقة يتعلق في بيع الأعيان الخارجية بالعين الخارجية بواسطة المفهوم المأخوذ كمتعلق له أو هي واسطة في العروض، أي انّ العقد انّما يتعلق حقيقة بالمفهوم وينسب هذا التعلق إلى ما في الخارج ثانياً وبالعرض بواسطة التطابق الموجود بين المفهوم وما في الخارج من المصداق؟

وعلى أساس فناء العنوان في معنونه فان فرض الثاني فالعقد في المقام لم


(1) في تعليقته على المكاسب 2: 89.

الصفحة 469

يتعلق بالعين الخارجية الفاقدة للقيد من دون فرق بين أن يكون ذاك القيد داخلاً في حقيقة الشيء كالناطقية مثلاً أو يكون وصفاً عرضياً كالكتابة فانّه على كل حال لم يكن المفهوم المأخوذ في متعلق العقد مطابقاً لما في الخارج ولم يكن فانياً فيه كي يصبح ذاك المفهوم واسطة في عروض العقد على ما في الخارج، وان فرض الأوّل وهو انّ العقد حقيقة يتعلق بالعين الخارجية فلا معنى لافتراض انّ تخلف الوصف يخرجها عن كونها متعلقة للعقد فان الجزئي الخارجي هو هو، كان واجداً للوصف أو كان فاقداً له، وهنا أيضاً لا يختلف الحال بين الوصف العرضي والوصف الداخل في حقيقة الشيء فان فقدانه على كلّ تقدير لا يجعل الفرد الخارجي الذي جعل متعلقاً للعقد فرداً آخر إذن ففقدان القيد امّا ان يوجب عدم تعلق العقد بما في الخارج مطلقاً ـ أي سواء كان داخلاً في حقيقة الشيء أو كان عرضياً ـ أو لا يوجب ذلك مطلقاً.

هذا هو مقتضى الفهم الفلسفي للمطلب، وبما انّ الصحيح فلسفياً كون المفهوم المتعلق في المقام واسطة في العروض لا في الثبوت لاستحالة تعلّق البيع حقيقة بالعين الخارجية إذ البيع ليس إلاّ التمليك والملكية من الاعتبارات الشرعية أو العرفية لا من المقولات الحقيقية والاعتبار متقوّم بمتعلقه في افق الاعتبار لا في الخارج وإلاّ لزم امّا اعتبارية المتأصّل أو تأصّل الاعتباري فعروض البيع والملك حقيقة على العين الخارجية مستحيل غاية الأمر انّ العنوان الخاص المقوّم للملكية الاعتبارية لوحظ بنحو فناء العنوان في مطابقه فيسري تعلّق العقد إلى ما في الخارج على أساس الواسطة في العروض إذن فلو كان المقياس في الحكم في المقام هي المقاييس الفلسفية لوجب القول ببطلان البيع بمجرد فقدان الوصف من دون فرق بين الوصف الجوهري الداخل في حقيقة الشيء أو الجانبي العرضي لانّ العنوان على أي حال غير مطابق للمصداق الخارجي وغير فان فيه كما أنّه لو آمنّا

 
الصفحة 470

فلسفياً بكون الواسطة واسطة في الثبوت لوجب أيضاً عدم الفرق بين الوصف الداخل في الحقيقة والوصف العرضي، والقول بالصحّة في كلا الموردين إلاّ انّ المقياس في ما نحن فيه ليس هو الفهم الفلسفي بل هو الفهم العرفي.

والفهم العرفي في المقام يفترض انّ المفهوم الجزئي الذي تعلّق به العقد واسطة في الثبوت لتعلّق العقد بالعين الخارجية فكأن العرف يرى انّ العقد تعلّق بالعين الخارجية حقيقة وليس تعلّقه بها بالعرض بواسطة فناء العنوان في معنونه إذن فكان من المترقّب أن يحكم العرف بصحّة البيع لدى تخلّف الوصف من دون فرق بين الوصف الجوهري والداخل في هوية الشيء وحقيقته والوصف العرضي ولكن العرف هنا تدخّل مرّة ثانية وكان تدخلّه في جانب الأوصاف الجوهرية الداخلة في هوية الشيء وحقيقته وحكم في هذا القسم بانّ البيع لم يتحقق لان المبيع لا وجود خارجي له والسرّ في الفرق بين تخلّف الحقيقة والوصف العرضي هو انّ العين بما هي موجودة من الموجودات ليس لها في نظر العرف اعتبار المالية والملكية حتى تباع وتملك وانّما يكون لها اعتبار المالية والملكية بما هي حنطة أو شعير أو عبد أو جارية فمع تخلّف الحقيقة لا مبيع ولا مملوك في عالم اعتبار العرف فيكون كما إذا أشار إلى موضع وقال بعتك هذا العبد فتبيّن خلوّ الموضع رأساً وهذا بخلاف ما إذا كان أصل الحقيقة محفوظاً فانّ ذات المبيع المتعلّق بها البيع حقيقة موجودة ولم يتخلّف إلاّ وصف ما تعلّق به البيع حقيقة. انتهى ما يستفاد من كلام المحقق الاصفهاني في هذا الوجه في مبحث خيار الرؤية وتراه جعل المقياس في كون تخلّف الوصف موجباً للبطلان أو الخيار كونه داخلاً في حقيقة الشيء بالمعنى الفلسفي وعدمه دون كونه دخيلاً في الأغراض الأساسية لدى العقلاء وعدمه.

وقد يقال: انّنا رغم هذا الاتعاب للنفس الذي صدر من المحقق الاصفهاني

 
الصفحة 471

نوجّه إليه سؤالاً وهو انّ متعلّق التمليك أو البيع هل كان مقيداً بالكتابة أو لا؟ فان قيل: لا فهذا خلف فرض توصيف العبد بالكتابة في الإيجاب والقبول وإن قيل: نعم قلنا: إنّ المقيّد ينعدم بإنعدام قيده فما دامت الكتابة معدومة إذن فمتعلّق التمليك أو البيع معدوم.

ولكن الواقع انّ المحقق الاصفهاني بعد ان فرض انّ المفهوم الجزئي الذي أصبح واسطة لسريان الملكية أو البيع إلى العين الخارجية واسطة في الثبوت ولو عرفاً رأى انّ الملكية أو العقد تعلقت بذات المقيد الموجود في الخارج فقد صبّها العاقد على ذات المقيد ولو لأجل اعتقاده خطأً بكونه واجداً للقيد وقد ذكر في بحث الشرط الفاسد(1): انّه صحيح ما اشتهر من انّ المقيد ينتفي بانتفاء قيده لكن هذا انّما يعني انّ المقيد بما هو مقيد ينتفي بانتفاء قيده ولا يعني انّ ذات المقيد ينتفي بانتفاء قيده والبيع في المقام متعلّق بذات المقيد وبه حلّ أيضاً الإشكال فيما لو كان القيد قيداً للبيع لا للمبيع بان كان الالتزام بالبيع مقيداً بالتزام آخر ففسد الالتزام الآخر أو حصل التخلّف عنه فقال: إنّ ذلك لا يؤدي إلى انتفاء ذات المقيد وهو الالتزام بالبيع وان ادّى إلى انتفاء المقيد بما هو مقيد.

وبهذا أيضاً حلّ الصياغة الثانية للإشكال وهي الإشكال من ناحية الرضا حيث يرى انّ الرضا تعلّق بالملكية التي صبّها العاقد على ذات المقيد ولو لأجل اعتقاده خطأً بتحقق القيد فرضاه بتمليك ذات المقيد فعليّ ولديه عدم رضاً تعليقي، أي لو علم بانتفاء القيد لما رضي بالبيع الذي أقدم عليه البائع.

وله لتفسير الخيار كلام في بحث خيار الرؤية لسنا بصدده وبإمكانك


(1) راجع 2: 164 ـ 165، من تعليقته على المكاسب.

الصفحة 472

مراجعة كتابه(1) وسيأتي منّا (إن شاء الله) نقله عنه(2).

وقد ظهر بهذا العرض انّ المحقق الاصفهاني وان اشترك في ذيل كلامه في بحث خيار الرؤية مع المحقق النائيني في بيان نكتة الفرق بين الوصف الجانبي والوصف الجوهري بانّ الأوّل ليس به قوام مالية المال وملكيته، والثاني يكون به قوام ذلك ولكن هناك فرق جوهري بينهما في كيفية الاستفادة من هذه النكتة لانّ المحقق النائيني يرى: انّ عدم مقابلة الوصف الجانبي بالمال جعله خارجاً عن طرفيته للمبادلة فأصبح بذلك تخلّفه غير مضر بالبيع ولذا أوردنا عليه بانّ هذا الوصف وإن لم يكن طرفاً للمبادلة ولكن المقيد به بما هو مقيد طرف للمبادلة وبزوال القيد ينتفي المقيد ويبطل البيع ولكن المحقق الاصفهاني لم يثبت صحّة البيع بمجرد عدم كون الوصف ممّا يبذل بإزائه المال، بل حقّق في بحث خيار الرؤية انّ الملكية طرأت على ذات المقيد لا على المقيد بما هو مقيد لانّ الواسطة كانت واسطة في الثبوت ولم تكن واسطة في العروض وحقق في بحث الشرط الفاسد انّ ذات المقيد لا ينتفي بانتفاء قيده فكانت النتيجة صحّة البيع وكان من المترقب ان يصح البيع حتى في تخلّف الوصف الجوهري ولكن العرف لم يرض بذلك بنكتة كون الوصف الجوهري مقوماً لمالية المال.

وكذلك لا يرد على المحقق الاصفهاني النقض الذي أوردناه على المحقق النائيني وهو النقض ببيع الكليّ الذي لا إشكال في انّه لو وصف بوصف جانبي منعه هذا التوصيف عن إمكانية التطبيق في مقام التسليم على فرد فاقد للوصف


(1) 2: 89، من تعليقته على المكاسب.

(2) في الصفحة 476.

الصفحة 473

رغم انّ الوصف لا يقابل بالمال، فهذا النقض لا يرد على المحقق الاصفهاني لانّ الفرق بين بيع الكليّ وبيع الجزئي وفق بيان المحقق الاصفهاني هو انّ البيع في الثاني تعلّق ولو في نظر العرف بالعين الخارجية وهي ذات المقيد التي لا تنتفي بانتفاء القيد، وأمّا في بيع الكليّ فلم يتعلّق البيع حقيقة بالعين الخارجية حتى في نظر العرف ولذا لم يمتلك المشتري فرداً معيناً، وانّما تعلّق بالحصّة ولا يجوز تطبيقها على فرد من حصة اُخرى، هذا ولكن الإنصاف رغم كل ما مضى انّ هذا البيان من قِبَل المحقق الاصفهاني لا يرجع إلى محصّل فان الكلام كل الكلام في انّ البيع هل تعلّق بالمقيد بما هو مقيد أو تعلّق بذات المقيد؟

وتوضيح المقصود: انّنا تارة نفترض ان وصف الكاتب لم يكن أصلاً قيداً لمتعلّق العقد وانّما كان ذكره التزاماً في التزام وهذا لا يؤثّر في صحّة البيع ببيان يأتي (إن شاء الله) ومضى منّا أيضاً ذكر له في بحث «المؤمنون عند شروطهم» وهذا وجه آخر لتصحيح البيع في المقام سيأتي شرحه (إن شاء الله) ولا علاقة له بما ذكره المحقق الاصفهاني في بحث خيار الرؤية من الوجه الذي نقلناه عنه مفصّلاً، وقد يكون ما ذكره في موارد الالتزام المقيد بالالتزام في بحث الشرط الفاسد إشارة ولو ارتكازاً إلى روح ذاك المطلب.

واُخرى نفترض ان وصف الكاتب قد فرض قيداً في المقام ورغم هذا يقال: إنّ البيع والملكية قد تعلّق بذات المقيد الذي لا ينتفي بانتفاء قيده لا بالمقيد بما هو مقيد وذلك بنكتة ان المفهوم المأخوذ متعلّقاً للعقد كان واسطة في الثبوت لا في العروض، فالتمليك والتملك انصبّا عرفاً على ذات العين الخارجية.

ويرد عليه: انّ سراية التمليك والتملك إلى المصداق الخارجي بواسطة المفهوم سواءً فرضت على أساس الواسطة في الثبوت أو على أساس الواسطة في

 
الصفحة 474

العروض انّما كانت بملاك فناء العنوان في المعنون وفناء العنوان فيه فرع التطابق بينهما، فان قلنا انّ تخلّف الوصف الجانبي لا يضرّ عرفاً بالتطابق بينهما لان العرف يتهاون في الوصف الجانبي كان هذا رجوعاً إلى بيان الشيخ الانصاري وان اعترفنا بان تخلّف الوصف الجانبي يضرّ بالتطابق ولذا لم يصح في بيع الكليّ تطبيق المبيع المقيد بالكتابة في مقام التسليم على فرد غير كاتب قلنا أنّ الحكم إذن لا يسري إلى العين الخارجية لعدم صلاحية الواسطة في الوساطة سواء كانت وساطة في العروض أو في الثبوت، إذن فالبيع انّما تعلّق بالمقيد بما هو مقيد لا بذات المقيد.

ولعل السبب في توهّم التفريق بين ما لو كان ذاك المفهوم واسطة في الثبوت أو كان واسطة في العروض هو تصوّر انّه لو كان واسطة في العروض فالملكية انّما تسري ثانياً، وبالعرض إلى العين الخارجية بملاك الفناء أي فناء العنوان في المعنون، والفناء فرع التطابق بين العنوان والمعنون فإن لم يتطابقا ولو في وصف جانبي لم يتم الفناء فلم يتم العروض على العين الخارجية أما لو كان واسطة في الثبوت فالسراية ليست بملاك الفناء إذ هي من قبيل سراية الحرارة إلى الماء بواسطة النار ولا معنى لفناء النار في الماء ولذا لا يشترط التطابق في المقام لانّ التطابق انّما هو شرط للفناء ولا حاجة لنا إلى الفناء في المقام.

ولكنك ترى انّ هذا مغالطة فان ما نحن فيه يختلف عن مثل مثال سراية الحرارة إلى الماء بواسطة النار ففرق بين سراية وصف إلى شيء بواسطة شيء آخر مباين للشيء الأوّل وليست نسبته إلى الشيء الأوّل نسبة العنوان إلى المعنون كما في النار والماء، وكذلك في السفينة وراكبها فهذهِ السراية ليست بملاك الفناء إذ لا معنى لفناء شيء في شيء غير العنوان الذي يفنى في المعنون وبين سراية الحكم الاعتباري الذي فرض للعنوان إلى المعنون فهذه السراية دائماً تكون بملاك الفناء

 
الصفحة 475

سواء فرضت الواسطة واسطة في العروض أو في الثبوت، وانّما فرق العرف عن الفلسفة في المقام هو انّ العرف غفل عن المباينة الحقيقية الموجودة بين العنوان والمعنون للشبه التام بينهما فتصور أنّ الحكم طرأ رأساً على المعنون فأصبحت الواسطة واسطة في الثبوت، ولكن الفلسفة تدرك انّها واسطة في العروض ولكن نكتة السريان على أيّ حال واحدة وهي فناء العنوان في المعنون المشروط بالتطابق.

فان قلت: إنّ نكتة السريان في المقام ليست هي فناء العنوان في المعنون بل هي الإشارة فبما انّ المتبايعين أشارا إلى عين خارجية وقال أحدهما بعتك هذا العبد الكاتب وقَبِلَ الآخر فقد رأى العرف ان التمليك والتملك انصبّا على العين الخارجية وهذا غير مشروط بالتطابق، ولعل هذا مراد من قال بانّ الإشارة أقوى من الوصف.

قلت: إنّ الإشارة لو كانت سبباً للسريان فهذا السريان وإن كان عرفاً بالوساطة في الثبوت(1) بخلافه فلسفياً فانّه بالوساطة في العروض لنفس البرهان الذي ذكره المحقق الاصفهاني من عدم إمكان تأصّل الاعتباري واعتبارية المتأصّل


(1) أقصد بذلك انّ العرف لو التفت إلى الوساطة لحملها على الوساطة في الثبوت دون العروض ولا أنظر إلى انّ العرف هل هو ملتفت إلى الوساطة أو لا حتى يناقش بدعوى انّ العرف لا يعترف بالوساطة لا في العروض ولا في الثبوت بل يرى انّه لا واسطة في المقام وبتعبير آخر ان ملاك التفصيل الذي ذهب إليه المحقق الاصفهاني في المقام بين فرض الوساطة في العروض والوساطة في الثبوت لو تمّ فانّما هو ثابت بين فرض الوساطة في العروض، وفرض عدم الوساطة في العروض لا بين فرض الوساطة في العروض وخصوص الوساطة في الثبوت فالبحث عن ان العرف هل يرى واسطة في المقام كي تكون في الثبوت أو في العروض أولا مجانبٌ عن روح المطلب ولا أثر له.

الصفحة 476

لكن السريان الذي يأتي من الإشارة لو قبلنا به كشيء مستقل عن ملاك الفناء وقلنا إنّه لا يشترط فيه التطابق لم يكن هذا موجباً للفرق بين كون الوساطة في الثبوت أو في العروض فسواء كانت الوساطة في العروض كما في رأي الفلسفة أو في الثبوت كما في رأي العرف يقال: إنّ الحكم الاعتباري سرى إلى ذات المشار إليه ولو فقد الوصف لانّ السريان بالإشارة لا يشترط فيه التطابق.

والحاصل انّ المهم هنا لتصحيح البيع ـ بعد فرض عدم الرجوع إلى جواب آخر ككون الالتزام بالكتابة التزاماً في التزام لا قيداً أو تسامح العرف بالاختلاف الجزئي ـ هو ان نرى انّ التطابق شرط في السريان أو لا ولا يؤثّر في ذلك كون الوساطة وساطة في الثبوت أو في العروض وانّما نقول: إنّ السريان إن كان بنكتة الفناء فلا بد من التطابق وإن كان بنكتة الإشارة بدعوى تصور كونها ملاكاً مستقلاً للسريان غير مشروط بالتطابق إذن فلا يضرّ عدم التطابق من دون فرق في ذلك بين فرض الوساطة في الثبوت أو في العروض.

والظاهر انّ المحقق الاصفهاني لا ينظر في المقام إلى مسألة الإشارة ولو كان ناظراً إليها ومدّعياً انّ الإشارة تنصبّ ولو عرفاً على العين الخارجية من دون شرط التطابق لما كان وجه لتبريره لبطلان البيع في تخلّف الوصف الجوهري بكونه عرفاً مقوّماً لمالية المال فلنفرض انّه باع العين الخارجية مشيراً إليها قائلاً: بعتك هذا الفرس فتبين انّه حمار فهذه الإشارة في الواقع إشارة إلى العين الخارجية التي هي حمار وان أخطأا وتصوّرا انّها إشارة إلى الفرس والحمارية صورة نوعية مقوّمة للمالية موجودة في المقام فلماذا يبطل البيع؟! ولماذا لا تكفي السراية بالإشارة هنا كما تكفي في مثال تخلّف الكتابة؟!

والواقع كما ثبت في علم الاُصول انّ الإشارة نسبة ذهنية لا تحكي مباشرة

 
الصفحة 477

عن الخارج وانّما تحكي عنه بملاك الفناء الملحوظ فيه كل قيود العبارة لا محالة والمشروط بالمطابقة مع ما في الخارج وحالها حال العناوين الاُخرى الإسمية بفرق انّها معنى حرفي بخلاف تلك العناوين.

وأمّا ما ذكره في بحث الشرط الفاسد في الالتزام المقيد بالالتزام من ان فساد الثاني أو تخلّفه لا يبطل الأوّل لانّ ذات المقيد لا ينتفي بانتفاء القيد فالواقع انّ الصياغة الاُولى من الإشكال لم يكن لها مجال في الالتزام المقيد بالالتزام ما لم يرجع إلى تعليق الالتزام الأوّل على الالتزام الثاني التزاماً نافذاً مثلاً ولو رجع إلى التعليق فقد قال المشهور: إنّ التعليق بنفسه مبطل للعقود ولو صحّ المعلّق عليه وحصل وانّما الصياغة الثانية من الاشكال هي التي يمكن ان تورد في المقام ببيان انّ الرضا انّما كان بالالتزام المقيد بالالتزام لا بذات الالتزام فإذا انتفى القيد انتفى الرضا المتعلّق بالمقيد بما هو مقيد لا بذات المقيد.

وهذا كما ترى لا يكفي في جوابه كون المنتفي بانتفاء القيد هو المقيّد بما هو مقيد لا ذاته كما انّه في فقدان وصف الكتابة أيضاً لئن سلمنا انّ العقد انّما انصبّ بوجه من الوجوه على العين الخارجية التي لا زالت هي موجودة ولو فقد الوصف وبهذا انحلّت الصياغة الاُولى من الإشكال فالصياغة الثانية قد لا تكون محلولة إذ يقول صاحبها إنّ الرضا بالعقد كان مشروطاً بالكتابة أي انّ الرضا متعلق بالعقد المقارن بكتابة العبد والمقيد بها وصحيح انّ ذات المقيد لا ينتفي بانتفاء قيده فذات العقد باق لكن الرضا لم يكن متعلقاً بذات العقد بل كان متعلقاً به بقيد الكتابة والمقيد بما هو مقيد ينتفي بانتفاء قيده إذن فجواب المحقق الاصفهاني لو تم فانّما يكفي لدفع الإشكال الأوّل ونبقى بحاجة إلى إضافة بعض نكات اُخرى كي يتمّ دفع الإشكال الثاني وعلى أيّة حال فقد عرفت انّ أصل جوابه غير تام.

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب