![]() |
الصفحة 325 | ![]() |
أركان العقود وشرائطها 2
مع الفقه الوضعي في أركان العقد
ركن الإرادة في الفقه الغربي ركن السبب في الفقه الغربي نظريّة السبب في ضوء الفقه الإسلامي | ||
![]() |
الصفحة 326 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 327 | ![]() |
وقد ورد في الفقه الغربي: أنّ أركان العقد ثلاثة: 1 ـ الإرادة أو التراضي أو قُل توافق الإرادتين. 2 ـ المحلّ. 3 ـ السبب وقبل أن نبدأ ببحث الشروط نتكلّم عن تصور الفقه الغربي عمّـا أبرزوه من ركني الإرادة والسبب.
ركن الإرادة في الفقه الغربيأمّا الإرادة فقد ذكروا لها تفسيرين: إرادة ظاهرة وإرادة باطنة | ||
(1) راجع الوسيط 1: 182، الفقرة 68. (2) راجع الوسيط الجزء 1: 95 ـ 99، بحث الاتجاهات العامّة للتقنين الجديد (في مصر) البند (ج)، وراجع أيضاً 1: 191 ـ 194، الفقرة 77 ـ 80. | ||
![]() |
الصفحة 328 | ![]() |
التعبير عن الإرادة واختلفوا في أنّ ما هو ركن في العقد هل هي الإرادة الظاهرة أو الإرادة الباطنة؟ فمذهب الإرادة الباطنة وهو المذهب اللاتيني يقف عند الإرادة النفسيّة أمّا التعبير المادّي عن هذه الإرادة فليس إلاّ قرينة عليها تقبل إثبات العكس ومذهب الإرادة الظاهرة وهو المذهب الجرماني يقف عند التعبير عن الإرادة ويعتبره هو الإرادة ذاتها: فمذهب الإرادة الباطنة يرى أنّ المقياس في العقد ينبغي أن تكون هي الإرادة الكامنة في النفس، لأنّها الإرادة الحرّة المختارة في معدنها الحقيقي غير متأثرة بغش ولا بإكراه ولا بغلط. ومذهب الإرادة الظاهرة يرى أنّ جعل المقياس هي الإرادة النفسية ليس على ما ينبغي فقد بحث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقهاء الألمان نظرية الإرادة الباطنة المتعارفة لدى الفقهاء الفرنسيين وخلصوا إلى أنّ هذه الإرادة لا يجوز أن يكون لها أثر في القانون، لأنّها شيء كامن في النفس والقانون ظاهرة اجتماعية يدرس الظواهر الاجتماعيّة وليس ظاهرة نفسية ودارساً لقضايا النفس ولأنّ جعل الإرادة الظاهرة هي المقياس يؤدّي إلى استقرار التعامل والطمأنينة لمَن يسكن بحق إلى ما يظهر أمامه من التعبير المادّي عن الإرادة، وهذا بخلاف جعل المقياس هي الإرادة الباطنة. والإرادتان لو اتفقتا فلا أثر لهذا الخلاف، وإنّما يظهر الأثر عندما تختلفان كما إذا أمضى شخص عقداً مطبوعاً يتضمن شرطاً كان لا يقبله لو فطن له وكشخص ينزل في فندق على شروط لا يعلمها ولكنها مكتوبة ومعلقة في غرفته وكمَن يوصي على أثاث منزليّ بطريق التأشير على بيان مطبوع فإذا به يؤشر على أثاث غرفة نوم وهو يريد أثاث غرفة استقبال. ومذهب الإرادة الباطنة يرى التعبير دليلا على الإرادة الباطنة، فبالتالي يأذن بمفاد التعبير كما هو الحال عند | ||
![]() |
الصفحة 329 | ![]() |
مذهب الإرادة الظاهرة، فالأثر العملي بين المذهبين إنّما يظهر في إمكان إثبات العكس وعدمه. فالتعبير لو لم يعتبر إلاّ دليلا وقرينة لإثبات الإرادة فقد يثبت العكس بدليل أقوى، أمّا لو اعتبر هو الإرادة فلا معنى لإثبات العكس. وذكر السنهوري 1 ـ نصّ التقنين الجديد في المادة (91) على أنّ التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجّه إليه. وفي نفس الوقت قالوا: إنّ من وجّه إليه إيجاب فقبله ثم عدل ولكن القبول وصل إلى علم الموجب قبل أن يصل العدول يرتبط بالعقد بينما لا يعقل أن يكون هذا الارتباط إلاّ على أساس الإرادة الظاهرة لأنّ الإرادة الحقيقية قد انتهت بالعدول. 2 ـ نصّت المادة (92) من القانون الجديد المصري على أنّه: «إذا مات مَنْ صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقد أهليته قبل أن ينتج التعبير أثره فإنّ ذلك لا يمنع من ترتّب هذا الأثر عند اتصال التعبير بعلم من وجّه إليه» ولا يستقيم هذا الحكم على أساس الإرادة الباطنة الكامنة في النفس التي تموت بموت صاحبها وتزول بفقده لأهليّته بل على أساس الإرادة الظاهرة التي انفصلت عن صاحبها فأصبحت مستقلة عنه وتبقى حتى بعد موته أو بعد فقده لأهليته. أقول: إنّ تفسيرها في القانون المصري في هذين الفرعين لا ينحصر بالأخذ بالإرادة الظاهرة، فقد يقول القانون المصري: إنّ العبرة بالإرادة الباطنة | ||
(1) راجع الوسيط 1: 96 و 97. | ||
![]() |
الصفحة 330 | ![]() |
التي كانت موجودة قبل الموت أو فقدان الأهلية أو العدول وأنّ التوسع المتبع ليس في الإرادة بالجنوح إلى الإرادة الظاهرة وإنّما هو في شرط الوصول فحينما شرطنا في تأثير التعبير وصوله إلى من وجّه إليه نكتفي بوصوله قبل وصول العدول أو نكتفي بوصوله حتى بعد الموت أو فقدان الأهلية. 3 ـ ويقرر التقنين الجديد المصري إنّ الغلط المختص بأحد المتعاقدين أو التدليس الصادر من شخص ثالث أو الإكراه الصادر من شخص ثالث لا يكون سبباً في إبطال العقد من قبل الغالط أو المكرَه أو المدَلَّس عليه إلاّ إذا كان المتعاقد الآخر على علم بالغلط أو الإكراه أو التدليس، أو كان من السهل أن يتبيّنه ومن المفروض أن يعلم به، ففي غير فرض العلم أو سهولة التبين لا مجال للإبطال وهذا لا يكون على أساس الإرادة الحقيقية للمتعاقد الأوّل فانّها قد شابها الغلط أو التدليس أو الإكراه، وإنّما هو على أساس إرادته الظاهرة التي اطمأنّ إليها المتعاقد الآخر واعتمد عليها في ترتيب شؤونه. وقال الدكتور السنهوري: أمّا الشريعة الإسلامية فمع انّ القاعدة فيها أنّ العبرة بالمعاني أي بالإرادة الحقيقية للمتعاقدين إلاّ أنّ الفقهاء في كثير من الفروض يقفون عند المعاني الظاهرة من الألفاظ التي استعملها المتعاقدان فلا يتعدّونها إلى المعاني الكامنة في السريرة، ولعل هذا يفسر تحليلهم الدقيق لبعض العبارات والألفاظ ووقوفهم طويلا عند شرح ما تتضمنه هذه العبارات من المعاني وما يستتبعه اختلاف التعبير من اختلاف الأحكام فليس هذا منهم في رأينا استمساكاً باللفظ بل هو تغليب للإرادة الظاهرة على الإرادة الباطنة... | ||
(1) في الوسيط 1: 193، في تعليقه على الفقرة 79 تحت الخط. | ||
![]() |
الصفحة 331 | ![]() |
أقول: إنّ تبرير مذهب الإرادة الظاهرة بأنّ القانون ظاهرة اجتماعية ولا تدرس الاُمور النفسية والإرادة الباطنة ليست عدا أمر مكنون في النفس تبرير غير مقبول. فان المجتمع بإمكانه أن يرتب حكماً اجتماعياً على أمر نفسي. نعم عندئذ لا تعرف فعلية ذاك الحكم إلاّ بمعرفة تحقق ذاك الأمر النفسي عن طريق أمارة تدل عليه، والمفروض لدى القائلين بمذهب الإرادة الباطنة انّ التعبير أمارة تدل عليها. وكذلك لا يصحّ تبرير مذهب الإرادة الظاهرة بتوخّي استقرار التعامل فان قسماً كبيراً من استقرار التعامل محرز لدى مذهب الإرادة الباطنة باتباع ظواهر التعبيرات بعنوانها أمارة على الإرادة الباطنة ولا يضحي هذا المذهب إلاّ بجزء ضئيل من الاستقرار توخّياً للمصلحة بمراعاة حال من عجز عن إيصال مراده بالشكل الذي أراد. وأمّا تبرير مذهب الإرادة الباطنة بانّها غير متأثرة بغشّ ولا بإكراه ولا بغلط، فلا يخلو أيضاً عن ضعف ولعلّ الضعف في التعبير لا في المقصود، والاولى أن يعبّر بتعبير أنّ الإرادة الباطنة تبتلي بغشّ أو غلط أو إكراه أو تنعدم بالإكراه فيكون البطلان أو إمكانية الإبطال عندئذ موجباً لتدارك الغشّ والغلط والإكراه. بينما نرى أنّ مذهب الإرادة الظاهرة يؤدّي إلى عدم تدارك هذه الاُمور، ولا يخفى أنّ مذهب الإرادة الباطنة لا يبقى المظهر الخارجي الخاطئ دون جزاء بل يترتب عليه الحق في التعويض على أساس المسؤولية التقصيرية لمن اطمأنّ لهذا المظهر حماية للثقة المشروعة على حدّ تعبير الدكتور السنهوري | ||
(1) في الوسيط 1: 194، في تعليقه على الفقرة 79 تحت الخط. | ||
![]() |
الصفحة 332 | ![]() |
وأمّا قوله: «بأنّ فقهاء الشريعة الإسلامية يقفون في كثير من الفروض عند المعاني الظاهرة من الألفاظ التي يستعملها المتعاقدان وهذا يعني تغليب الإرادة الظاهرة في تلك الفروض وهذا هو تفسير تدقيقهم لبعض العبارات والألفاظ ووقوفهم طويلا عند شرحها» فهو غير صحيح فان تدقيقهم في فهم معاني تلك العبارات ووقوفهم عند المعاني الظاهرة انّما هو ناتج من إيمانهم بأماريّة التعبير على الإرادة الباطنة وهذا ما يؤمن به مذهب الإرادة الباطنة فليس هذا دليلا على اقتراب من مذهب الإرادة الظاهرة. والواقع أنّ مصطلح الإرادة الظاهرة وفكرتها مرتبطان بمدرسة الفقه الغربي تماماً ولا عـلاقة لهما بالفقه الإسلامي إطلاقاً ولا يقصد بالإرادة في الفقه الإسلامي عدا معناها الحقيقي المتواجد في النفس ولا يعدّ التعبير إلاّ أمارة وقرينة على تلك الإرادة قابلة للمعارضة بدليل أقوى على الخلاف، وحينما قال فقهاء الإسلام: (العقود تتبع القصود) قصدوا بذلك المعنى الحقيقي للقصد وهي الإرادة النفسية.
ركن السبب في الفقه الغربيوأمّا السبب فقد اختلف الفقه الغربي حول ركنيته في العقد وحول معناه في تاريخ طويل وقد ورد ذلك مشروحاً في الوسيط | ||
(1) راجع الوسيط 1: 451 ـ 531، الفقرة 242 ـ 297. | ||
![]() |
الصفحة 333 | ![]() |
تاريخ البحث حول السبب:ظهر البحث عن السبب ـ أي سبب الإرادة في العقد في الفقه الغربي ـ من حين ما اختفت الشكلية وبرزت الإرادية والرضائية في العقود وبقدر ما كانت تختفي الشكلية وتبرز الإرادة كان يبدو مجال للبحث عن سبب الإرادة. فحينما ظهرت في القانون الروماني إلى جانب العقود الشكلية عقود اُخرى غير شكلية أهمّها العقود العينية والعقود الرضائية والعقود غير المسماة وعقود التبرع ظهر الاتجاه إلى بحث السبب: أمّا العقود العينية ـ وكانت هي القرض والعارية والوديعة والرهن ـ فالإرادة لم تكن ظاهرة فيها كي تظهر فكرة البحث عن سبب الإرادة في عقد القرض أو العارية أو الوديعة أو الرهن، وانّما كان يُرى أنّ المقترض أو المستعير أو الودعي أو المرتهن ملزم بردّ العين بسبب تسلّمها وإلاّ كان مثرياً دون سبب. وأمّا العقود الرضائية ـ وكانت هي البيع والإيجار والشركة والوكالة ـ فالإرادة هي قوام العقد فيها فبرزت فكرة السبب في هذه العقود واضحة. ففي عقد البيع يكون التزام البائع سبباً لالتزام المشتري وبالعكس ولكنّ فكرة السبب لديهم وقفت في حدود تكوين العقد ولم تتجاوز مرحلة التنفيذ. أي انّه لدى تكوين العقد إذا كان السبب منتفياً بطل العقد، ولكن لدى التنفيذ لو طرأ امتناع التنفيذ بالنسبة لأحد العوضين أو امتنع صاحبه عن التنفيذ لم يبطل العقد ولا كان للآخر الفسخ أو الامتناع عن التنفيذ فكل من الالتزامين بعد حصولهما أمر مستقل عن الآخر. وأمّا العقود غير المسماة فقد ظهرت فيها أيضاً فكرة السبب، ففي عقد المقايضة مثلا إذا سلّم أحد المتقايضين العوض الذي يملكه كان هذا سبباً لالتزام الآخر بتسليم ما يقابله. | ||
![]() |
الصفحة 334 | ![]() |
وأمّا عقود التبرعات فأهمها الهبة وقد اعترف القانون الروماني فيها بالسبب إلى حدّ كبير فالتبرعات المحضة تقوم على نيّة التبرع وهي السبب في التزام المتبرع. فإذا انعدمت بطل التبرع والهبة المقرونة بالشرط يكون الشرط سبباً لها إذا كان هو الدافع إلى التبرع. فإذا لم يقم الموهوب له بتنفيذ الشرط كان للواهب استرداد ما وهب أو إجباره على التنفيذ. وفي الوصية ـ وهي إرادة منفردة ـ اعترف القانون الروماني بالسبب إلى حدّ أنْ مزجه بالباعث، فإذا اعتقد الموصي أنّ وارثه قد مات فأوصى بماله لاجنبي وتبين أنّ الوارث لا يزال حيّاً واستطاع هذا أن يثبت أنّ الباعث على الوصية هو اعتقاد الموصي أنّ الوارث قد مات فالوصية باطلة لانعدام سببها. ثم جاء دور الفقهاء الكنسيين فهم فسّروا السبب بالباعث دون السبب الروماني الموضوعي الداخل في العقد وهم جعلوا نظرية السبب في بداية الأمر أداة لحماية المجتمع فحسب عن طريق إبطال العقود التي تتجه لتحقيق أغراض غير مشروعة، ولكن ما لبثوا أن جعلوها إلى جانب ذلك أداة لحماية العاقد نفسه وتحرير إرادته من الغلط والتدليس والغش، ذلك أنّهم أضافوا إلى السبب غير المشروع في إبطال العقد السبب غير الحقيقي، فإذا وقع غلط أو تدليس في الباعث على التعاقد كان السبب غير حقيقي وبطل العقد. ثم جاء عهد الفقيه الفرنسي الكبير (دوما) في القرن السابع عشر فأحيا فكرة الرومان القديمة عن نظرية السبب، فالسبب عنده في التزام المتعاقد في العقود الملزمة للجانبين هو ما يقوم به المتعاقد الآخر، أي الالتزام المقابل والسبب في مثل القرض الذي يظهر أنّ شخصاً واحداً فيه قد التزم، هو التسليم الذي تمَّ من الشخص الأوّل والسبب في التبرعات هو نيّة التبرع وكلامه وإن لم يكن واضحاً وضوحاً كافياً في هذا | ||
![]() |
الصفحة 335 | ![]() |
الأخير ولكن كلام پوتية وهو فقيه فرنسي معروف جاء بعد دوما وردّد ما سبق إليه دوما واضح في ذلك كل الوضوح. وهذا المنحى من التفكير صنع البذور الأوّلية للنظرية التقليدية في السبب في القانون المدني الفرنسي وكذلك المصري القديمين وإليك الخلاصة عن النظرية التقليدية في السبب:
النظريّة التقليديّة في السبب:تميّزالنظرية التقليدية بين السبب الانشائي والسبب الدافع والسبب القصدي: فالسبب الانشائي هو الذي ينشىء الالتزام ويخلقه وهو نفس العقد، وهذا ليس هو المقصود من السبب في المقام والسبب الدافع هو الباعث الذي دفع الملتزم إلى ان يرتب في ذمته الالتزام كمَن كان دافعه في شراء البيت ان يخصصه لسكناه أو أن يجعل منه محلا لعمله أحد غير ذلك وهذا أيضاً ليس هو المقصود في المقام. والسبب القصدي ـ وهو السبب الذي تقف عنده النظرية التقليدية وإذا أطلقت كلمة السبب عنته بهذه الكلمة ـ يعرّف عادةً بأنّه الغاية المباشرة أو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه فيختلف السبب عن الباعث في أنّ السبب هو أوّل نتيجة يصل إليها الملتزم، أمّا الباعث فغاية غير مباشرة تتحقق بعد أن يتحقق السبب ولا يصل إليها الملتزم مباشرة من وراء الالتزام. وتقول النظرية التقليدية للسبب: إنّ سبب الالتزام لكل من المتعاقدين في العقود الملزمة للجانبين عبارة عن الالتزام المقابل وسبب الالتزام في العقود الملزمة لجانب واحد إذا كان العقد عينياً قرضاً كان أو عارية أو وديعة أو رهن | ||
![]() |
الصفحة 336 | ![]() |
حيازة هو تسلّمه الشيء محل التعاقد، فالمقترض يلتزم برد القرض لأنّه تسلّمه. وفي عقود التبرع السبب في التزام المتبرع هو نيّة التبرع ذاتها. وتحرص النظرية التقليدية على أن لا تقتصر في تأثير السبب على تأثيره في مرحلة تكوين العقد بل يبقى التأثير إلى حين التنفيذ فإذا قام السبب عند تكوين العقد ثم انقطع قبل التنفيذ سقط الالتزام وتظهر أهميّة هذا الحكم في العقود الملزمة للجانبين فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقد الآخر أن يمتنع عن تنفيذ ما ترتب في ذمته من التزام، وهذه هي نظرية الدفع بعدم التنفيذ، وإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقد الآخر أن يطلب فسخ العقد وهذه هي نظرية الفسخ وإذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لقوّة قاهرة تحمّل هو تبعة هذه الاستحالة وسقط التزام المتعاقد الآخر وهذه هي نظرية تحمل التبعة. والشروط الواجب توافرها في العقد بلحاظ السبب لدى النظرية التقليدية ثلاثة: الأوّل ـ وجود السبب فان لم يكن السبب موجوداً بطل العقد وليس مقصودهم بعدم وجود السبب ما يشمل موهومية السبب، فان السبب الموهوم قد احترزوا منه بشرط آخر وإنّما المقصود بعدم وجود السبب ان يكون المتعاقدان على بيّنة من أنّه غير موجود غير واهمين وجوده ويمكن تصوير إقدامهما على العقد رغم علمهما بعدم وجود السبب في فروض منها: 1 ـ أن يكره أحد المتعاقدين على إمضاء إقرار بمديونيته وهو غير مدين، أي الالتزام بالدين لسبب لا وجود له كقرض لم يتمّ. فهذا العقد باطل وليس بطلانه لاجل الإكراه فإنّ الإكراه في رأيهم ليس مبطلا للعقد وانّما يوجب قابلية العقد للإبطال بالفسخ وانّما بطلانه لأجل انعدام السبب وقد لا يكون إكراه أصلا كما لو | ||
![]() |
الصفحة 337 | ![]() |
أقرّ بالمديونية قبل تسلّم القرض ثم لم يحصل تسلّم القرض فيكون الإقرار في هذه الحالة باطلا لانعدام السبب. ويستقيم الفرض حتى لو اعتبر الإقرار إرادة منفردة لا عقداً فانّ السبب ركن في كل التزام إرادي لا في خصوص العقد. 2 ـ أن يوقّع على سند المجاملة فيتمّ بذلك عقد بلا سبب من دون فرض إكراه أو وهم في المقام وصورته أن يلتزم شخص نحو آخر التزاماً صورياً فيمضي سنداً لمصلحته كي يستفيد الدائن الصوري من هذا السند بتحويله لشخص ثالث لقاء أخذ مبلغ منه حتى إذا حلّ ميعاد دفع السند قام الدائن الصوري بتوريد قيمته إلى حساب المدين الصوري فيدفعها المدين لحامل السند وبذلك يستطيع الدائن الصوري أن يحصل على ما هو في حاجة إليه من النقود إلى أجل معلوم لا من مدينه بالذات بل بفضل إمضاء هذا المدين على سند المجاملة ولا يحتجّ بانعدام السبب على حامل السند إذا كان حسن النيّة ولكن يحتج به في العلاقة ما بين المدين ودائنه الصوري إذا أراد الدائن أن يستفيد من السند الممضى من قِبَل مدينه الصوري من دون توريد قيمته إليه. ويتحقق انعدام السبب بعد التعاقد أيضاً وذلك في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه أو استحال عليه هذا التنفيذ لقوة قاهرة، فانّ السبب التزام المتعاقد الآخر يصبح غير موجود بعد أن كان موجوداً عند التعاقد وهو يبرّر نظرية الدفع بعدم التنفيذ ونظرية الفسخ ونظرية تحمّل التبعة كما تقدمت الإشارة إليه. الثاني ـ صحة السبب فإن كان السبب غير صحيح بطل العقد وقصدوا بالسبب غير الصحيح السبب الموهوم والمغلوط أو السبب الصوري: أمّا السبب الموهوم فأمثلته كثيرة من قبيل وارث يتخارج مع شخص يعتقد أنّه شريكه في الإرث فيعطيه مبلغاً من النقود لقاء تخلّيه من الإرث ثم يعرف أنّه ليس وارثاً فهذا | ||
![]() |
الصفحة 338 | ![]() |
العقد باطل لأنّ سببه موهوم، وكذلك وارث يمضي إقراراً بدين على التركة ويتبين أنّ الدائن كان قد استوفى الدين من المورث فهذا الإقرار باطل لانّ سببه موهوم، ووارث يتعهّد لموصى له بعين في التركة أن يعطيه مبلغاً من المال في نظير نزوله عن الوصية ويتبين بعد ذلك أنّ الوصية باطلة أو أنّ الموصي قد عدل عنها فتعهّد الوارث باطل. ومدين يتفق مع دائنه على تجديد الدَّين فيتبين أن الدَّين القديم باطل أو أنّ الدائن قد استوفاه فالتجديد باطل. وأمّا السبب الظاهر صورياً لا موهوماً فمجرد صورية السبب الظاهر لا تبطل العقد عند فرض وجود سبب حقيقي مشروع صحيح ولكن إذا أثبت المدين صورية السبب فعلى الدائن أن يثبت السبب الحقيقي ويكون الالتزام قائماً أو غير قائم تبعاً لهذا السبب الحقيقي فإن كان هذا السبب موهوماً سقط الالتزام وإن كان سبباً غير مشروع وقد اُخفي تحت ستار سبب مشروع كما هو الغالب في صورية الأسباب الظاهرة سقط الالتزام أيضاً وإلاّ كان الالتزام قائماً. الثالث ـ مشروعية السبب، والسبب المشروع هو الذي لا يحرّمه القانون ولا يكون مخالفاً للنظام العام أو الآداب. ومشروعية السبب عند أصحاب النظرية التقليدية شرط متميز عن مشروعية المحل فقد يكون المحل مشروعاً والسبب غير مشروع من قبيل: 1 ـ ما إذا تعهّد شخص لآخر بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود فإن التزام الشخص الآخر بدفع النقود محله مشروع ولكن سببه وهو التزام الشخص الأوّل بارتكاب الجريمة غير مشروع فيكون الالتزام باطلا رغم مشروعية محله. 2 ـ إذا تعهّد شخص لآخر بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود فانّ التزام كل من المتعاقدين محله مشروع، فعدم ارتكاب الجريمة مشروع ودفع | ||
![]() |
الصفحة 339 | ![]() |
مبلغ من النقود أيضاً مشروع ولكن سبب التزام الأوّل بالامتناع عن ارتكاب الجريمة هو التزام الثاني بدفع النقود وهذا سبب غير مشروع لأنّه ملزم بذلك مسبقاً وسبب التزام الثاني بدفع النقود هو التزام الأوّل بالامتناع عن ارتكاب الجريمة وهذا أيضاً سبب غير مشروع لأنّ ذاك ملزم بالامتناع عنها بقطع النظر عن أخذ النقود وكذلك الأمر في كل عقد يلتزم أحد فيه بجائزة لشخص ليحمله على الالتزام بما يجب عليه في ذاته وبقطع النظر عن الجائزة كالمودع يجيز المودع عنده حتى يرد الوديعة وكالمسروق منه يجيز السارق حتى يرد المسروق وكالمخطوف ولده يجيز الخاطف حتى يرد الولد وكمَن يخشى أذىً دون حق من شخص يجيز هذا الشخص حتى يكفّ عنه أذاه.
الهجوم ضدّ نظرية السبب التقليدية:هذه خلاصة عن نظرية السبب التقليديّة. ثم هوجمت النظرية في سنة 1828 من قِبَل الفقيه البلجيكي (ارنست) ثم هاجمها آخرون بلجيكيون وفرنسيون إلى أن جاء دور (بلانيول) وانحاز إلى خصوم السبب وكان معولا فعّالا في هدمها وردد بعده آخرون صدى هذه الحملة. وإليك خلاصة من نقد بلانيول لنظرية السبب التقليدية: يقول بلانيول: إنّ نظرية السبب التقليدية نظرية غير صحيحة ثم هي غير ذات فائدة. أمّا انّها غير صحيحة فيظهر باستعراض السبب في فروضه الثلاثة: العقد الملزم للجانبين، والعقد العيني وعقد التبرع: ففي العقد الملزم للجانبين لا يجوز القول كما تزعم النظرية التقليدية: أنَّ سبب أحد الالتزامين المتقابلين هو الالتزام الآخر فانّ في هذا استحالة منطقية ذلك لأنّ الالتزامين يولدان في وقت واحد من مصدر واحد هو العقد فلا يمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر. | ||
![]() |
الصفحة 340 | ![]() |
وفي العقد العيني يقولون: أنّ سبب الالتزام هو تسليم العين ولكن التسليم ليس إلاّ المصدر الذي كوّن العقد وانشأ الالتزام فانّ انشاء الالتزام في العقود العينية إنّما هو بتسليم العين ففرض التسليم سبباً للعقد يعني توحيد السبب الانشائي والسبب القصدي. وفي عقد التبرع يقولون انّ سبب الالتزام هو نيّة التبرع وهذا كلام فارغ من المعنى فانّ نيّة التبرع هي الرضا بالعقد ذاته وليست سبباً قصدياً للتبرع. وأمّا أنّ النظرية غير ذات فائدة، فلأنّ الفائدة المتوخاة منها تحصل بشيء آخر يغنينا عنها: ففي العقود الملزمة للجانبين يكفينا أن نقول: إنّ الالتزامين المتقابلين مرتبطان أحدهما بالآخر بحيث يتوقف مصير كل منهما على مصير الثاني وتغني فكرة الارتباط في هذه العقود عن فكرة السبب. وفي العقود العينية وعقود التبرع انعدام السبب بالمعنى المفهوم من النظرية التقليدية هو انعدام التسليم في العقد العيني وانعدام نيّة التبرع في الهبة وهذا معناه انعدام العقد ذاته فلسنا إذن في حاجة إلى تعليل عدم قيام الالتزام بانعدام السبب ما دام العقد ذاته غير موجود. هذه خلاصة الاعتراضات على فكرة السبب التقليدية.
الدفاع عن النظريّة:ولكن كثيرين دافعوا عن النظرية التقليدية بعد تحويرها وعلى رأس هؤلاء (كاپيتان) في كتابه المعروف (السبب في الالتزامات) فعند كاپيتان أنّ السبب في العقد الملزم للجانبين ليس هو الالتزام المقابل ذاته بل هو تنفيذ هذا الالتزام فلم | ||
![]() |
الصفحة 341 | ![]() |
يلزم أن يكون الالتزام الواحد سبباً ومسبباً في وقت واحد كي تحصل الاستحالة العقلية ثم يضيف إلى ذلك أنّه حتى لو فرض طبقاً للنظرية التقليدية أنّ سبب الالتزام هو الالتزام المقابل ذاته فليس المقصود بذلك السبب الانشائي كي يقال: لا يمكن أن يكون الشيء منشأ لشيء آخر وناشئاً منه في آن واحد، وإنّما المقصود بذلك السبب القصدي أي الغرض المباشر الذي قصد إليه الملتزم من وراء التزامه ويسهل مع هذا المعنى أن نفهم أنّ الغرض الذي قصد إليه أحد المتعاقدين من وراء التزامه هو التزام المتعاقد الآخر بالذات فكل من المتعاقدين التزم حتى يلتزم الآخر ولا يكون في هذا خروج عن المنطق. أمّا الالتزام الذي ينشأ عن عقد عيني فسببه هو تسليم الشيء كما تقرر النظرية التقليدية وهذا صحيح في نظر كاپيتان في عقود عينية ثلاثة، وهي القرض والعارية ورهن الحيازة فإنّ هذه العقود إذا كانت عينية من حيث الصياغة فهي من حيث طبيعتها عقود رضائية ملزمة للجانبين، فالمقرض والمقترض مثلا يتفقان على القرض ويتم العقد بالاتفاق فيلتزم المقرض بتسليم القرض كما يلتزم المقترض بردّ مثله. إذن فالتسليم ليس هو حتماً السبب المنشئ للالتزام بل هو الغرض الذي يسعى إليه المقترض من وراء التزامه برد الشيء فلا يختلط في هذه العقود الثلاثة السبب الانشائي والسبب القصدي كما يزعم خصوم نظرية السبب. | ||
(1) لو كان الإشكال هو الدور أو ما يشبهه فهو لا يرتفع بتحويل السببية من الالتزام إلى تنفيذه، لأنّ تنفيذ الالتزام مسبب عن الالتزام. فالمهم هو الجواب بالتفريق بين السبب الانشائي والسبب القصدي أو العلّة الفاعلية والعلة الغائية وهو الجواب الثاني الوارد في المتن من دون فرق في ذلك بين أن يفرض السبب هو الالتزام أو تنفيذه. | ||
![]() |
الصفحة 342 | ![]() |
ولا يبقى من العقود العينية إلاّ الوديعة وهنا يسلّم كاپيتان أنّ الوديعة بطبيعتها عقد عيني ملزم لجانب واحد إذا كانت بغير أجر، ويرى أنّ سبب التزام المودع عنده ليس هو تسليم الشيء إذ يختلط بذلك السبب الانشائي بالسبب القصدي بل هو رغبة المودع عنده في أنْ يسدي جميلا للمودع، أمّا إذا كانت الوديعة بأجر فقد أصبحت عقداً ملزماً للجانبين وصار سبب كل التزام هو تنفيذ الالتزام الآخر وأمّا عقود التبرع فسبب الالتزام هو نيّة التبرع ذاتها كما تقرر النظرية التقليدية ولا تختلط هذه النيّة بالرضا كما يقول خصوم السبب، فانّ إرادة الواهب يمكن تحليلها إلى عنصرين: العنصر الأوّل هو إرادته أن يلتزم وهذا هو (الرضا) والعنصر الثاني هو إرادته أن يكون الالتزام دون مقابل وعلى سبيل التبرع وهذا هو (السبب) يتميّز عن الرضا كما نرى. والدليل على ذلك أنّ العنصر الأوّل وهو الرضا بالالتزام قد يثبت وجوده دون ان يثبت وجود السبب وهو نيّة التبرع كما إذا كتب شخص سنداً بدين في ذمته لآخر ثم استطاع أن يثبت أن هذا الدين لا وجود له فانّه يبقى بعد ذلك أن يثبت الدائن نية التبرع في جانب المدين حتى يستوفي منه قيمة السند فهذا مثل نرى فيه رضا المدين بالالتزام ثابتاً دون أن تكون نيّة التبرع عنده ثابتة، على أن كاپيتان لا يقف عند نيّة التبرع بل يجاوزها إلى الباعث الدافع فيجعله هو السبب في ثلاث حالات: | ||
(1) وإن شئت كلامه في سائر العقود الملزمة لجانب واحد فراجع الوسيط 1: 490، ما ورد تحت الخط، الفقرة 274. | ||
![]() |
الصفحة 343 | ![]() |
1 ـ التبرع إذا اقترن بشرط يتبين أنّه هو الذي دفع المتبرع إلى تبرعه كما إذا وهب شخص مالا لجمعية خيريّة واشترط على الجمعية ان تنشئ بهذا المال مستشفى أو ملجأً فانّ سبب الهبة في هذه الحالة لا يكون نيّة التبرع بل هو القيام بالشرط الذي اقترن به التبرع. 2 ـ الوصية حينما لا توجد إلاّ إرادة واحدة هي إرادة الموصي فيرى كاپيتان أنّ الباعث الذي دفع الموصي إلى تبرعه هو الذي يجب اعتباره سبباً للوصية. وفي هاتين الحالتين يسلم كاپيتان باختلاط الباعث بالسبب. 3 ـ إذا أدخل المتعاقدان الباعث في دائرة التعاقد وأصبح جزء من العقد متفقاً عليه. قال السنهوري: ويختلف كاپيتان في هذا عن النظرية الحديثة فعنده لا يكفي للاعتداد بالباعث أن يكون معروفاً من المتعاقدين كما تقول النظرية الحديثة بل يجب أن يكون متفقاً عليه بينهما ومن ذلك يُرى أنّ كاپيتان أدخل تحويراً في النظرية التقليديّة حيث يجعل الباعث يختلط بالسبب في الحالتين المتقدمتين، وحيث يحدد السبب في العقد الملزم للجانبين بانّه هو تنفيذ الالتزام لا وجوده وحيث يحدد السبب في عقد الوديعة غير المأجورة بانّه نيّة التبرع عند حافظ الوديعة ولكنه مع ذلك يحتفظ بجوهر النظرية التقليدية فيستبقي التمييز بين السبب والباعث ولا يخلط بينهما إلاّ في فروض نادرة ويجعل المعيار في تحديد السبب موضوعياً لا ذاتياً، فيكون السبب عنده شيئاً داخلا في العقد لا منفصلا عنه وهو واحد لا يتغيّر في أي نوع من العقود. | ||
(1) راجع الوسيط 1: 491، التعليق الوارد تحت الخط، الفقرة 274. | ||
![]() |
الصفحة 344 | ![]() |
وجاء بعد ذلك دور النظرية الحديثة في الفقه الفرنسي عن السبب وهي تتلخص في رفض النظرية التقليدية للسبب مع قبول أصل نظرية السبب في صياغة جديدة ويقال: إنّ الفقه الفرنسي كان متأخراً في هذه المسألة عن القضاء الفرنسي ذلك أنّ القضاء باعتباره كان يواجه الحياة العملية أدرك ضيق النظرية التقليدية وعقمها فلم يرض به وسار في طريق غير طريق الفقه التقليدي وتوسع في تحديد السبب فجعله هو الباعث الدافع إلى التعاقد، وقد عاد القضاء بذلك ـ عن غير قصد ـ إلى نظرية السبب عند الكنسيين لأنّها هي النظرية التي تنتج في العمل. وما لبث الفقه الحديث أن انضمّ إلى القضاء في نظريته الجديدة إذ أدرك مدى ما فيها من خصوبة ومرونة.
النظريّة الحديثة في السبب:وهنا نستعرض موقف النظريّة الحديثة في السبب في مرحلتين: أوّلا رفضها للنظرية التقليدية في السبب، وثانياً قبولها لنظرية السبب في صياغة جديدة: أمّا رفض النظرية التقليدية للسبب فيقال: إنّ فيها عيباً جوهرياً وهو عقمها وعدم اضافتها شيئاً إلى الثروة القانونيّة فكل من الشروط الثلاثة الماضية وهي وجود السبب القصدي وصحته ومشروعيته يمكن الاستغناء عنه بسهولة: أمّا وجود السبب فقد قالوا: إنّ السبب إذا لم يكن موجوداً فانّ الالتزام لا يقوم، فإذا اُكره شخص على إمضاء سند لسبب لا وجود له كقرض لم يتم فانّ العقد يكون باطلا لا للإكراه فأنّ الإكراه لا يبطل العقد وإنّما يجعله قابلا للإبطال بل لفقدان السبب وإذا أمضى شخص سند مجاملة لدائن صوري كان العقد باطلا لفقدان السبب أيضاً كما مضى شرحه. | ||
![]() |
الصفحة 345 | ![]() |
والجواب: أنّه في المثال الثاني تغنينا قواعد الصوريّة عن نظرية السبب فالسند صوري والدين لا وجود له فيما بين الطرفين ولم يقم عقد حقيقي في المقام كي نحتاج في إبطاله إلى نظرية السبب. أمّا بالنسبة إلى الغير (حامل السند) فيؤخذ باعتماده على العقد الظاهر وأمّا فيما ذكر من مثال الإكراه فأيضاً من السهل أن نصل إلى النتيجة ذاتها وهي البطلان عن غير طريق نظرية السبب لانّنا إذا اعتبرنا السند تصرفا صادراً عن إرادة منفردة فهو التزام بدفع مبلغ واجب بعقد القرض، ولما كان هذا المبلغ لا وجود له فمحل الالتزام معدوم فيسقط الالتزام بفقدان المحل لا بفقدان السبب، وإذا اعتبرنا السند هو عقد القرض ذاته فالتزام المقترض يكون متقابلا لالتزام المقرض ولا بد من أن يتسلم المقترض مبلغ القرض حتى يلتزم بردّه ومن دون تسلّمه إياه يسقط التزامه إمّا لأنّ القرض عقد عيني لم يتم بالتسليم وإمّا لأنّ القرض عقد رضائي (وفقاً للتقنين الجديد) لم يقم فيه المقرض بتنفيذ التزامه وهما التزامان متقابلان ومترابطان يسقط أحدهما عند عدم تنفيذ الآخر. وبشكل عام نقول: إنّ الالتزام في العقد الملزم للجانبين سببه حسب النظرية التقليدية هو الالتزام المقابل، ولكن ما أيسر علينا أن نستبدل بفكرة السبب هذه فكرة الارتباط التي قال بها بلانيول فنفس التقابل بين الالتزامين يوجب سقوط أحدهما بسقوط الآخر أو عدم تنفيذه بلا حاجة إلى نظرية السبب، بل لعلَّ فكرة الارتباط والتقابل من الناحية الفنيّة أدق من فكرة السبب ذلك أنّ انعدام السبب جزاؤه البطلان كما هو معروف فإذا انعدم السبب عند تكوين العقد أو بعده كان من الواجب أن يكون الجزاء واحداً في الحالتين ولكننا نرى أنّ العقد يبطل في الحالة الاُولى ويفسخ في الحالة الثانية وفي هذا التفريق عيب فنّي | ||
![]() |
الصفحة 346 | ![]() |
واضح. أمّا فكرة الارتباط والتقابل فأكثر مرونة من فكرة السبب وهي تسمح بأن نقول بالبطلان إذا انعدم أحد الالتزامين المتقابلين عند تكوين العقد إذ منطق الارتباط يقتضي عندئذ البطلان وتسمح في نفس الوقت بان نقول بالفسخ إذا انقطع أحد الالتزامين المتقابلين بعد أن وجد | ||
(1) التفريق بين فكرة السبب وفكرة الارتباط يكون بحاجة إلى بيان أعمق وأكثر فنيّة من هذا المقدار من البيان وذلك بتوضيح نقطتين أوّلا توضيح إنّ فكرة السبب غير فكرة الارتباط وليس الفرق في التعبير فقط، وثانياً توضيح أنّه لماذا يجب أن يكون الجزاء في نظرية السبب عند فقدان الالتزام المقابل وقت التكوين وبعده واحداً ولكن فكرة الارتباط تسمح باختلاف الجزاء في الحالتين؟ أمّا النقطة الاُولى ـ فبالإمكان أن يقال: انّ فكرة السبب تستبطن مفهوم الداعوية بينما فكرة الارتباط لا تستبطن أكثر من التقابل بين الالتزامين وربط أحدهما بالآخر، وعلاقة الارتباط أخفّ من علاقة الداعوية ولذا يمكن أن يفترض في مورد مّا عدم تحقق الداعوية المنحصرة رغم تحقق الارتباط كما لو فرضنا أنّ البائع كان مصمّماً على أن يلتزم بدفع العين إلى صاحبه ولو مجّاناً ومن دون ثمن لأنّ وجود العين عنده يكون ضارّاً بحاله أو لأنّه يحبْ أن يتمتع صاحبه بهذه العين حتى لو لم يلتزم بدفع الثمن إليه أو لأي سبب آخر، ولكن بما أنّ البيع كان أنفع له من الهبة والتبرع لأنّه يحقّق له هدف دفع العين إلى صاحبه زائداً الحصول على قيمة العين اختار البيع فقد أصبح التزام المشتري بدفع الثمن مقابلا لالتزام البايع بدفع العين ومرتبطاً به من دون أن يكون سبباً وداعياً إليه بشكل منحصر، وهذا بنفسه يبرهن حسنة لفكرة الارتباط تمتاز بها عن فكرة السبب لأنّها أوسع وأشمل بخلاف فكرة السبب التي لا تصدق في جميع موارد العقد الملزم للطرفين إذ في المثال الذي ذكرناه يوجد داع آخر مستقل لالتزام البايع بالثمن فإذا انفقد التزام المشتري الذي هو في أحسن الأحوال ليس إلاّ داعياً غير منحصر وقد لا يكون إلاّ جزء الداعي في مقابل داع آخر مستقل فليس المفروض أن يكون | ||
![]() |
الصفحة 347 | ![]() |
أمّا في العقود العينية فقد قالت النظرية التقليدية بأنّ العقد العيني سببه التسليم فإذ لم يتم التسليم لم يتمّ الالتزام لانعدام سببه. ولكن من السهل القول بانّ الالتزام لا يقوم لا لانعدام السبب بل لعدم انعقاد العقد العيني لانّ معنى عينية العقد كون قوامه بالتسليم. | ||
زواله سبباً لبطلان التزام البايع المشتمل على داع آخر وهذا بخلاف ما لولاحظنا فكرة الارتباط فانّها تشمل حتى مثل هذا المثال. وأمّا النقطة الثانية ـ فبالإمكان أن يقال: إنّ السرّ في التفريق بين فكرة السبب وفكرة الارتباط بدعوى ضرورة وحدة الجزاء في فكرة السبب حدوثاً وبقاء وعدم ضرورتها في فكرة الارتباط هو أنّ سببية أحد الالتزامين للآخر بمعنى داعويته له يجب أن ترجع بروحها إلى سببية تنفيذ أحد الالتزامين للالتزام الآخر، إذ أي قيمة للالتزام الذي لا ينفّذ في الدعوة إلى الالتزام الآخر ؟ ولعله لهذا انقدح في ذهن كاپيتان تبديل سببية الالتزام بسببية التنفيذ كما مضى، وإذا كان التنفيذ هو الداعي للالتزام ففقده في موطنه يستوجب جزاءً واحداً من دون فرق بين فرض معرفتنا بانفقاده من أوّل الأمر أو انكشاف انفقاده في وقت متأخر، أمّا الارتباط والتقابل المفهوم من العقد فليس بين أحد الالتزامين وتنفيذ الالتزام الآخر أو بقائه، بل هو ارتباط بين الالتزامين بوجودهما الحدوثي المقوّم للعقد، فإذا فقد أحدهما حدوثاً بطل الآخر لانّهما مترابطان أما فقده بقاء أو فقد التنفيذ فهو ليس فقداً لأحد الأمرين المترابطين في العقد فلا ينبغي أن يكون جزاؤه بطلان العقد، ولكن بما أنّ الالتزامين كانا مترابطين ومتقابلين فعدم تنفيذ أحدهما أو عدم بقائه يؤدّي إلى حق عدم تنفيذ الآخر أو حق الفسخ، والخلاصة أنّه بناء على نظرية السبب يكون فقد الالتزام حدوثاً وبقاء فقداً للسبب ولذا يجب أن يتحد الجزاءان وبناء على نظرية الارتباط يكون فقد الالتزام حدوثاً فقداً لأحد الأمرين المرتبطين بينما فقده بقاءً يعني فقد تنفيذ أحد الأمرين المرتبطين لا فقد نفس الأمر المرتبط فمن المعقول اختلافهما في الجزاء. | ||
![]() |
الصفحة 348 | ![]() |
وأمّا في التبرعات فقد قالت النظرية التقليدية: إنّ السبب في التبرعات هو نيّة التبرع فإذا لم تكن هذه النيّة موجودة لم يقم التزام المتبرع لانعدام السبب. ولكن الواقع ان الرضا بالتبرع لا ينفك عن نيّة التبرع فإذا انعدمت نيّة التبرع بطلت الهبة بفقدان الرضا بها لا بفقدان السبب هذا كله بلحاظ الشرط الأوّل وهو شرط وجود السبب. وأمّا صحة السبب وهي الشرط الثاني فالسبب غيرالصحيح كمارأينا إما سبب موهوم أو سبب صوري. أمّا في السبب الموهوم فدائماً يمكن الاستغناء عن نظرية السبب بنظرية المحل لأنّ العاقد قد توهّم وجود المحل وهو غير موجود فالشخص غير الوارث الذي تخارج مع وارث يتعامل في حق معدوم، وهذا حال دائن التركة الذي يحصل على إقرار بالدين بعد أن استوفاه، وحال الموصى له الذي يتعامل في الموصى به إذا كانت الوصية باطلة أو كان الموصي قد عدل عنها، وحال الدائن الذي يجدّد ديناً قديماً بعد أن يستوفيه. وأمّا السبب الظاهر الصوري فقد رأينا أنه لا يُبطل العقد إلاّ إذا كان يخفي سبباً موهوماً أو سبباً غير مشروع، وقد فرغنا عن السبب الموهوم وننتقل الآن إلى السبب غير المشروع. وأمّا مشروعية السبب وهي الشرط الثالث فمن السهل أن نستغني عن | ||
(1) وأمّا ما مضى عن كاپيتان من الجواب على ذلك بأنّ نيّة التبرع غير الرضا فقد يرضى أحد بالالتزام من دون نيّة التبرع فجوابه: أنّ التبرع صنف من العقد غير عقود الالتزام التي ليست تبرعية فلو أمضى سنداً بدين في ذمته لآخر بدافع ردّ القرض مثلا ثم تبيّن عدم وجود الدين كان عقد التبرع باطلا بفقدان الرضا به والالتزام بأداء الدين باطلا بفقدان المحل أو بفقدان الالتزام المتقابل له. | ||
![]() |
الصفحة 349 | ![]() |
السبب المشروع في العقود الملزمة للجانبين بفكرة الارتباط التي مضت فمن يتعهّد بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لعدم مشروعية المحل وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام غير مشروع ومن يتعهّد بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لاستحالة المحل إذْ هو لا يستطيع انشاء التزام قد وجد بحكم القانون قبل هذا الانشاء، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام مستحيل. وأمّا في العقود العينية والتبرعات فانّ اشتراط مشروعية السبب غير مفهوم، فالسبب في العقود العينية هو التسليم ولا يتصور ان يكون التسليم غير مشروع إلاّ إذا وقع على محل غير مشروع وعند ذلك لا ينعقد العقد لعدم مشروعية المحل لا لعدم مشروعية السبب، والسبب في التبرعات هو نيّة التبرع وكيف يتصور أن تكون نيّة التبرع في ذاتها غير مشروعة؟ إنّ وجه الاستحالة في ذلك هو الذي يفسّر إنّ بعض أنصار النظرية التقليديّة ومنهم كاپيتان يجنحون إلى اعتبار السبب في التبرعات هو الباعث الدافع إلى التبرع، بل إنّ القانون الروماني ذاته يعتد بالباعث في الوصايا وبعض الهبات. وأمّا الصياغة الجديدة لنظرية السبب التي مشى عليها أوّلا القضاء الفرنسي ثم صيغت فقهياً في الفقه الفرنسي فهي تفسير السبب بالباعث الدافع للملتزم في أن يلتزم، فيشترط في هذا الباعث أن يكون مشروعاً لا يحرّمه القانون ولا يتنافى مع النظام العام ولا مع الآداب وهذا رجوع إلى نظرية الفقهاء الكنسيين في السبب. ولا يجوز بداهة أن يعتد بالباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد إذا كان هذا الباعث مجهولا للمتعاقد الآخر، وإلاّ استطاع أي متعاقد أن يتخلص من | ||
![]() |
الصفحة 350 | ![]() |
التزاماته بدعوى أنّ الباعث له على التعاقد ـ وهو أمر مستكن في خفايا الضمير ـ من شأنه أن يجعل العقد باطلا، فلا بدّ إذن من صلة وثيقة تربط كلا من المتعاقدين بالباعث فما هو الضابط في ذلك؟ أيكفي أن يكون الباعث معلوماً من الطرف الآخر؟ أو يجب أن يكون متفقاً عليه في العقد بين المتعاقدين كما مضى عن كاپيتان؟ أو يصح التوسط بين هذين الحدين فيشترط أن يكون ذات الباعث باعثاً للطرف الآخر أيضاً وإنْ لم يكن بينهما توافق عقدي على ذلك؟ وليسمّ هذا بكون الطرف الآخر مساهماً في الباعث. إنّ أنصار النظرية الحديثة لا يشترطون وجوب الاتفاق العقدي على الباعث فيما بين المتعاقدين بل هم منقسمون بين مرتبة العلم ومرتبة المساهمة أمّا الفقه الفرنسي فيميّز بين المعاوضات والتبرعات فيتطلب في الاُولى مرتبة أعلى ولكن الفقهاء يختلفون في تحديد هذه المرتبة. فيذهب (چوسران) إلى أنّه يكفي أن يكون الباعث في المعاوضات معلوماً من المتعاقد الآخر حتى يكون في هذا وقاية للتعامل من أن يتزعزع. أمّا في التبرعات فانّ الإرادة التي نقف عندها هي إرادة المتبرع وحده فهي الإرادة التي | ||
(1) وبالامكان القول في ما إذا وصل الأمر إلى مستوى الاتفاق العقدي على الباعث: بأنّ الأمر رجع مرّة اُخرى إلى عدم مشروعية المحلّ فتلغو نظرية السبب من أساسها إذا كان الاتفاق العقدي على مستوى الشرط وتصورنا الشرط بنحو لا يرجع إلى القيد في متعلق العقد وفي نفس الوقت التزمنا بتسرّب الفساد من الشرط إلى العقد الأصلي. | ||
![]() |
الصفحة 351 | ![]() |
تسيطر على التصرف سواء في ذلك أن يتم التبرع بتقابل إرادتين كالهبة أو بإرادة واحدة كالوصية، وهو لذلك يعتد بالباعث الذي دفع ا لمتبرع إلى تبرعه سواء كان معلوماً للطرف الآخر أو مجهولا لديه. ويذهب (بواجيزان) إلى وجوب الوصول إلى مرتبة المساهمة في المعاوضات والاكتفاء بمرتبة العلم في التبرعات ذلك أنّ المعاوضات تختلف عن التبرعات في أنّ الاُولى بذل فيها كل من المتعاوضين شيئاً من عنده، فإرادة كل منهما تقوم بدور أساسي في تكوين العقد ومن ثمّ وجب أن تساهم كل إرادة من هاتين الإرادتين في الباعث الذي دفع إلى التعاقد مساهمة إيجابية، وان تتعاون الإرادتان معاً في تحقيق الفرض غير المشروع، أمّا في التبرعات فإرادة المتبرع وحدها هي الأساسية، إذ المتبرع وحده هو الذي بذل ومن ثم جاز الاقتصار على هذه المرتبة السلبية، وهي مرتبة العلم فهي كافية لاستقرار التعامل. قال السنهوري وجاء بعد ذلك دور نظرية السبب في التقنين المدني المصريّ الجديد فاعتنق التقنين المصري الجديد نفس النظرية الحديثة الفرنسية من تفسير السبب بالباعث الدافع إلى التعاقد مشترطاً أن يكون السبب معلوماً من المتعاقد الآخر، فإذا كان الباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد غير مشروع ولم يكن المتعاقد الآخر يعلم بهذا الباعث وليس في استطاعته أن يعلم به فعدم المشروعية | ||
(1) في الوسيط 1: 501، آخر الفقرة 283. | ||
![]() |
الصفحة 352 | ![]() |
هنا لا يعتد به ويكون العقد صحيحاً وهذه النظرية الحديثة التي أخذ بها القانون الجديد المصري سبقه إليها الفقه والقضاء في مصر. وقد خطا التقنين الجديد المصري خطوة اُخرى تخلّف عنها الفقه المصري وتلك الخطوة هي أنّه لا يوجد في التقنين الجديد للسبب إلاّ شرط واحد وهو أن يكون مشروعاً ولم يشترط فيه أن يكون السبب صحيحاً وسبقه إلى ذلك القضاء المصري فتراه يكاد يقتصر على السبب غير المشروع في إبطال العقد وقلَّ أنْ تجد تطبيقاً قضائياً لما يدعى بالسبب غير الصحيح. والاقتصار على شرط المشروعية مع حذف شرط الصحة أمر طبيعي بعد أنْ فسّر السبب بالباعث لا بالغرض المباشر المقصود في العقد وذلك لأمرين: الأوّل ـ أنّ الغلط في الباعث يعود إلى نقص في الرضا الذي هو ركن آخر من أركان العقد فلا داعي لإدراجه في بحث السبب ويصبح بالإمكان حصر الهدف من نظرية السبب في حماية المصلحة العامة للمجتمع وهي المشروعية دون | ||
(1) قال هنا السنهوري في الوسيط 1: 516، في آخر الفقرة 289: إنّ العقد هنا يقوم لا على الإرادة الحقيقية فهي غير مشروعة ولكن على الإرإدة الظاهرة. أقول: إنّ هذا لا ينحصر تفسيره بالأخذ بالإرادة الظاهرة بل يمكن القول بانّ المقياس هو الإرادة الباطنة إلاّ أنَّ عدم مشروعيتها لا يبطل العقد ما لم يعلم بذلك المتعاقد الآخر ولم يكن المفروض به أن يعلم والاختلاف بين مذهب الإرادة الظاهرة ومذهب الإرادة الباطنة هنا بعد اشتراط علم المتعاقد الآخر في البطلان يكون صورياً بحتاً وإنما مقصودنا من هذا الكلام: انّ الذي يقول: لا بدّ من الاعتداد بالإرادة الباطنة لأنّها هي الإرادة الحقيقية لا يكون كلامه هذا منافياً لشرط العلم في المقام. | ||
![]() |
الصفحة 353 | ![]() |
حماية مصلحة العاقد التي يقوم بها ركن آخر وهو الرضا كما أنّ السبب لو فُسّر بمعناه القديم وهو الغرض المباشر للعقد فأيضاً يكون الغلط فيه راجعاً إلى انعدام الرضا أو انعدام المحلّ. والثاني ـ إنّ نظرية السبب تذكر لإثبات بطلان العقد والبطلان إنّما يناسب فرض عدم مشروعية السبب لا فرض الغلط في السبب بعد أنْ كان السبب عبارة عن الباعث فالبطلان لئن كان يناسب كونه جزاء للغلط في السبب بمعناه القديم وهو الغرض المباشر في العقد لشدّة لصوقه بالعقد فهو لا يناسب السبب بمعنى الباعث الخارج عن العقد فان أثّر أثراً فانّما يؤثر في قابلية العقد للإبطال لا في البطلان. إذن فالشرط الوحيد في السبب ينبغي أن يكون هو شرط المشروعية كما كان عليه الفقهاء الكنسيون في بادئ الأمر دون شرط الصحة وقد مضى في ما سبق عن النظرية القديمة للسبب إنّ صحة العقد مشروطة بشروط ثلاثة: وجود السبب، وصحته، ومشروعيته. وقد استغنينا الآن عن شرط الصحة وفصلنا بين منطقة الغلط ومنطقة السبب. وأمّا شرط الوجود فأيضاً لا محل له بعد تفسير السبب بالباعث لعدم إمكان تصوير وجود إرادة من غير باعث كي نحتاج إلى شرط وجوده فلا تبقى من الشروط الثلاثة عدا شرط المشروعية، ومن هنا يبدو ضعف في صياغة القانون المصري الجديد المادة 136 حيث تقول: (إذا لم يكن للالتزام سبب أو كان سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلا) فكلمة (إذا لم يكن للالتزام سبب) كأنّها تشير إلى شرط الوجود وقد عرفت انّه لا محل له. وقد قال السنهوري: «إنّ هناك مأخذين على التقنين الجديد تجمّعا في العبارة التي صدّرت بها المادة 136 فقد جاء في صدر هذه المادة (إذا لم يكن للالتزام سبب) فالسبب نسب إلى الالتزام وكان الاولى أن ينسب إلى العقد إذْ هو | ||
![]() |
الصفحة 354 | ![]() |
متلازم مع الإرادة كما رأينا ثم افترض النص احتمال أن يكون هناك التزام دون سبب وهذا الاحتمال لا يتصور فما دمنا نجعل السبب هو الباعث فكل إرادة لا بدّ أن يكون لها باعث إلاّ إذا صدرت من غير ذي تمييز» وأمّا القوانين الچرمانية فهي لا تقيم عادة وزناً للسبب بمعنى الباعث إلاّ إذا اُخذ في متن العقد، وأخذه في متن العقد يعني رجوعه إلى المحل وعلى أيّة حال فقد خَلُصَ من هذا البحث أن نظرية السبب بمعناه القديم يُغني عنها البحث عن سائر أركان العقد ولم يبق شيء معقول من نظرية السبب عدا البحث عن السبب بمعنى الباعث وعن شرط المشروعية فحسب.
نظرية السبب في ضوء الفقه الإسلاميومن هنا تبدو قيمة الفقه الإسلامي الذي لم يركّز الكلام من أوّل الأمر إلاّ على هذا المعنى الأخير وهو الباعث أو الغاية من العقد بلحاظ المشروعية وعدمها | ||
(1) في الوسيط 1: 526، الفقرة 294. (2) إلاّ إذا أخذ على نحو الشرط وتصورنا عدم رجوع الشرط إلى القيد وفي نفس الوقت التزمنا بسريان فساده إلى العقد الأصلي. (3) الوسيط 1: 463 ـ 470، الفقرة 285 ـ 287. | ||
![]() |
الصفحة 355 | ![]() |
وذلك تحت عنوان ان حرمة الغاية في العقد أو البيع هل توجب حرمة أو بطلان ذلك أو لا؟ وأنّ بيع العنب ممّن يصنعه خمراً أو الخشب ممّن يصنعه صنماً أو صليباً أو السلاح ممّن يحارب به الإسلام والمسلمين أو نحو ذلك جائز أو لا؟ وهذا التطواف الطويل الفارغ الذي رأيته في الفقه الغربي لا تراه في الفقه الإسلامي إطلاقاً.
تقييم السنهوري لنظرية الإسلام حول السبب:وقال السنهوري في كتاب مصادر الحق: إنّ هناك عاملين متعاكسين في التأثير على الفقه الإسلامي في مدى التزامه لنظرية السبب أو رفضه إيّاها. 1 ـ أنّه فقه ذو نزعة موضوعية بارزة يعتد بالتعبير عن الإرادة دون الإرادة ذاتها، أي يأخذ بمذهب الإرادة الظاهرة لا بمذهب الإرادة الباطنة فهو أقرب بكثير من هذه الناحية إلى الفقه الجرماني منه إلى الفقه اللاتيني. والفقه ذو النزعة الموضوعية يكون أكثر استعصاء على نظرية السبب من الفقه ذي النزعة الذاتية ومن ثم تستعصي النزعة الموضوعية للفقه الإسلامي على نظرية السبب فكان المترقب لولا العامل الثاني ان تضمر نظرية السبب في الفقه الإسلامي كما ضمرت في الفقه الجرماني. 2 ـ ولكن الفقه الإسلامي من جهة اُخرى فقه تتغلّب فيه العوامل الأدبية والخلقية والدينية وهذا يقتضي ان يعتد بالباعث الذي تقاس به شرف النوايا وطهارتها فكان المترقب لولا العامل الأوّل ان تكون لنظرية السبب وهي نظرية خلقية مكان ملحوظ يضاهي مكانها في الفقه اللاتيني. وبين هذين العاملين المتعارضين يتراوح الفقه الإسلامي ففى بعض مذاهبه نرى نظرية السبب تختفي تحت ستار من صيغة العقد والتعبير عن الإرادة ويختلط السبب بالمحلّ فلا يعتد | ||
![]() |
الصفحة 356 | ![]() |
بالسبب، أي الباعث على التعاقد إلاّ حيث يتضمنه التعبير عن الإرادة وفي مذاهب اُخرى تتغلب العوامل الأدبية والخلقية والدينية فيعتد بالباعث ولو لم يتضمنه التعبير عن الإرادة ويكون العقد صحيحاً أو باطلا تبعاً لما إذا كان هذا الباعث مشروعاً أو غير مشروع. ثم يستعرض السنهوري ضمور نظرية السبب في المذهبين الحنفي والشافعي وظهورها في المذهبين المالكي والحنبلي ويعقّبه بكلام مختصر عن المذاهب الاُخرى أقول: أما بالنسبة لما ذكره في العامل الأوّل من أنّ الفقه الإسلامي يتجه إلى نظرية الإرادة الظاهرة فقد مضى منّا: إنّ تلك النظرية فكرةً واصطلاحاً غربية بحتة لا علاقة بها بالفقه الإسلامي أبداً، والفقه الإسلامي يقصد بالإرادة، الإرادة بمعناها الحقيقي وهي الإرادة الباطنة، وأمّا ما يسمّى بالإرادة الظاهرة في مصطلح الغرب فينظر الفقه الإسلامي إليها بمنظار الأمارة والقرينة القابل لثبوت العكس. نعم اتجاه الفقه الإسلامي إلى الإرادة الحقيقية لا يحتّم عليه الأخذ بنظرية السبب بمعنى الباعث، ففرق بين أصل إرادة العقد وبين الباعث والغاية لها، فبإمكان من يتجه في بحثه إلى الإرادة الباطنة أن يقتصر على دراسة الإرادة العقديّة ولا يرى أثراً للباعث. وأمّا ما ذكره من العامل الثاني وهو الاتجاه الخلقي في الفقه الإسلامي فلا ريب إنّ الفقه الإسلامي فقه الأخلاق والآداب ولكن هذا لا يحتّم عليه الأخذ بنظرية السبب بمعنى كون عدم مشروعية الباعث موجباً لبطلان العقد. فإنّ المحتّم | ||
(1) 4: 51 ـ 80. | ||
![]() |
الصفحة 357 | ![]() |
على الفقه الإسلامي انّما هو أنْ يضرب في نظامه الفقهي على يد من يعمل ما ينافي الأخلاق، وأن يمنع عن البواعث غير المشروعة أمّا أنّ هذا هل سيكون عن طريق إبطال أو تحريم العقد الذي يكون باعثه غير مشروع أو يكتفى فيه بمنع العاقد في ظرف تصدّيه لتنفيذ باعثه غير المشروع عن ذلك والحيلولة دونه ودون حصول ما يهدفه؟ فللفقه الحرّية في ذلك وسيظهر إن شاء الله في آخر البحث أنّ النصوص الواردة عن أهل البيت وعلى أيّة حال فالباعث غير المشروع تارة يكون مأخوذاً في الاتفاق العقدي واُخرى لا يكون كذلك. فإنْ كان مأخوذاً في الاتفاق العقدي على مستوى رجوعه إلى محل العقد فلا إشكال في الفقه الإسلامي في بطلان العقد وهذا ما يبحثه الفقه الإسلامي تحت عنوان بيع ما يحرم الانتفاع به أو الإيجار على المنفعة المحرّمة ونحو ذلك ولا علاقة له بالسبب. وإن كان مأخوذاً في الاتفاق العقدي على مستوى الشرط فهو بالنسبة لذات الشرط يكون محلا للشرط ويرى الفقه الإسلامي عندئذ فساد الشرط. وبالنسبة للعقد الأصلي قد بحثه الفقه الإسلامي تحت عنوان: أنّ الشرط الفاسد هل هو مفسد للعقد أو لا؟ وأمّا إنْ لم يكن الباعث مأخوذاً في الاتفاق العقدي فقد بحثه الفقه الإسلامي تحت مسائل من قبيل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً، أو بيع الخشب ممّن | ||
![]() |
الصفحة 358 | ![]() |
يصنعه صنماً ونحو ذلك، ووقع الخلاف فيه على وجوه، نظير الخلاف الوارد في الفقه الغربي، فمثلا جاء في مصباح الفقاهة للشيخ التوحيدي الذي هو تقرير لبحث استاذه السيد الخوئي ونفس صاحب المختلف وهو العلاّمة | ||
(1) مصباح الفقاهة 1: 170. (2) راجع مفتاح الكرامة 4: 37. | ||
![]() |
الصفحة 359 | ![]() |
أقول: إنّ هذا الكلام إنّما تكون له صورة بناء على حمل المنع أو الحرمة على البطلان، أو على ما يشمل البطلان دون مجرد الحكم التكليفي، وإلاّ فإمكان التفصيل بين المشتري القاصد للحرام والبائع غير العالم بذلك في غاية الوضوح. وعلى أيّة حال فالدليل على بطلان العقد أو حرمته بعدم مشروعية الباعث قد يكون عبارة عن دليل عام يشمل ابتداء كل عقد، وقد يكون عبارة عن أدلّة خاصة واردة في موارد مخصوصة كبيع العنب أو الخشب أو السلاح ممّن يصنعه خمراً أو صنماً أو صليباً أو يحارب به المسلمين، ثم ينتزع منها حكم عام بلحاظ كل العقود. وعلى كل تقدير تارةً نستنتج الحرمة التكليفية فحسب، واُخرى نستنتج البطلان فهنا لدينا بحثان:
حرمة العقد عند عدم مشروعية الباعث:البحث الأوّل: في الحرمة التكليفية للعقد حينما يكون الباعث إليه للشخص المقابل غير مشروع، ونبحث ذلك أوّلا على مستوى الأدلّة العامة ثم على مستوى الاستنتاج من الأدلّة الخاصّة. 1 ـ مقتضى الأدلّة العامّة:أمّا على مستوى الأدلّة العامة للتحريم فقد اختار السيد الإمام الخميني | ||
(1) راجع المكاسب المحرمة للسيد الإمام 1: 129 ـ 144.
| ||
![]() |
الصفحة 360 | ![]() |
أ ـ دعوى حكم العقل:الوجه الأوّل ـ دعوى حكم العقل بقبح تهيئة شرائط أو أسباب المعصية والإثم لمَن يعصي الله تبارك وتعالى كما يحكم بقبح المعصية، ولا فرق في ذلك بين كون الهدف من ذلك تحقق تلك المعصية أو لا، وبين كون السبب من الأسباب القريبة أو البعيدة، ولا بين كون السبب منحصراً عند هذا الشخص أو أنّ العاصي سيشتري العنب مثلا من شخص آخر لو امتنع هذا عن بيعه منه فيجعله خمراً، ولا بين كون المشتري قاصداً بالفعل لاستعمال العين المبيعة في المحرّم وكونه غير قاصد ذلك بالفعل ولكنَّ البايع يعلم أنّه سيتحقق له هذا القصد في المستقبل، أو أنّ نفس حصوله على هذه العين سيقدح في نفسه الداعي إلى صرفها في المعصية. وكذلك لا مجال لأي تفصيل آخر من أمثال هذه التفاصيل إلاّ بشدّة القبح وضعفه، أمّا أصل القبح فهو عنصر مشترك في كل هذه الموارد، والقبح العقلي يؤدّي إلى الحرمة الشرعية. وليس المقياس في صحة هذا الوجه صدق عنوان الإعانة كي يشكّك في بعض الفروض في صدق هذا العنوان كما لو خصّص صدق هذا العنوان بما إذا كان هدف البائع من هذا البيع تمكين المشتري من المعصية أو حصولها منه، أو بخصوص الأسباب القريبة دون البعيدة، أو بما إذا كان المشتري من الآن عازماً على الصرف في المعصية دون ما إذا علمنا بانّه سينقدح في نفسه داعي المعصية في المستقبل ونحو ذلك، وانّما المدّعى في هذا الدليل هو حكم العقل بقبح تهيئة أسباب وشرائط المعصية لشخص مّا من دون ارتباط لذلك بصدق عنوان الإعانة عليه وعدمه. هذا وما قلناه في علم الاُصول من أنّ مقدمة الحرام ليست حراماً إنّما يعني عدم الملازمة بين حرمة الفعل وحرمة مقدمته، فنفس فاعل الحرام لا | ||
![]() |
الصفحة 361 | ![]() |
يكون بارتكابه للمقدمات مرتكباً لحرام إضافي، أمّا غير الفاعل الذي هيأ الأسباب والشرائط لفاعل الحرام فعمله هذا بنفسه حرام لا من باب حرمة المقدمة بل من باب حكم العقل عليه بقبح ذلك، بينما لا يوجد قبح إضافي في مقدمة الحرام بالنسبة لنفس مرتكب الحرام. وقد تثار بوجه هذا الدليل عدة نقائض: الأوّل ـ أنّ هذا الوجه قد يحرّم مثل البيع المعاطاتي دون مثل البيع الذي يتم بالعقد اللفظي، فان دخول العين في ملك مَن يستفيد منه فائدة محرّمة بالعقد اللفظي يمكن للبائع إخراجه عن غير سلسلة أسباب وقوع المحرم وشرائطه بترك التسليم إذْ لو باعه العنب مثلا ثم لم يسلّمه إليه بل حال بينه وبين تسلّمه للعنب ما دام قاصداً لتحويله إلى الخمر ردعاً له عن المنكر لم يكن هذا تهيئة لأسباب المعصية. والثاني ـ إنَّ هناك بعض المصاديق لتهيئة الأسباب أو الشرائط والمقدمات ضروري الجواز فقهياً، بينما الدليل العقلي لا يقبل التخصيص. مثاله مَن تزوّج رغم علمه إجمالا بانّ بعض أولاده أو أحفاده سيعصي الله تبارك وتعالى، ومَن اتّجر رغم علمه بأنّه حينما يربح في التجارة يصبح مشمولا لقوانين ضرائب السلطة غير الشرعية فيأخذ منه السلطان الضرائب ظلماً وعدواناً وقد هيّأ هو بتجارته أسباب هذا العمل المحرّم للسلطان. فلو كان دليلنا على حرمة العقد المؤدّي إلى فعل الحرام دليلا نقلياً لسهل الجواب على مثل هذه النقوض بخروجها من ذاك الدليل إمّا تخصيصاً بضرورة من الفقه أو بأدلة الحث على النكاح مثلا مع عدم انفكاكه غالباً عن مثل هذا العلم الإجمالي، أو بالسيرة القطعية في زمان المعصوم، أو تخصصاً بدعوى كون تلك الضرورة أو السيرة موجبة لانصراف الدليل، أو ببيان أنّ العنوان المأخوذ في لسان | ||
![]() |
الصفحة 362 | ![]() |
الدليل لا يشمل مثل هذا الفرض كما لو كان الدليل دالاًّ على حرمة عنوان الإعانة على الإثم فقد يقال بانّ عنوان الإعانة لا يصدق على مثل ذلك كما ورد عن المحقق النائيني والسيد الخوئي | ||
(1) راجع المكاسب والبيع للشيخ الآملي 1: 26 و 27. | ||
![]() |
الصفحة 363 | ![]() |
النكاح فليس العباس بن عبد المطلب معيناً على قتل الأئمة وعلى أيّة حال فكل هذه الكلمات لها مجال في المورد الذي أوردها فيه المحقق النائيني والسيد الخوئي وهو البحث عن مدى دلالة الدليل اللفظي على حرمة الإعانة. أمّا في ما هو محل كلام السيد الإمام والثالث ـ أنّه لئن صح حكم العقل بقبح إيجاد سبب المعصية لأنّه يؤدي إلى معصية المولى تبارك وتعالى فهذا إنّما يكون فيما إذا لم يكن المشتري عند الامتناع من بيع العين إيّاه سيشتريها من شخص آخر بحيث لا يكون امتناعنا هذا مؤثراً في تقليل المعصية، أمّا إذا كان الأمر كذلك كما لو كان المشتري يريد تخمير كميّة معينة من العنب لا تخمير أكبر مقدار يبيعه البائعون وكانت الكمية المعيّنة موجودة لدى غيرنا أيضاً بحيث لو امتنعنا من بيعها إيّاه لاشتراها من غيرنا فهنا لا موجب للقبح المدّعى في المقام. وهذا النقض يذكر عادةً على ما سيأتي إن شاء الله من الدليل الثالث من أدلّة | ||
(1) راجع المحاضرات 1: 133، ومصباح الفقاهة 1: 179. | ||
![]() |
الصفحة 364 | ![]() |
الحرمة في المقام وهو دليل وجوب دفع المنكر حيث يقال: انّ امتناعنا عن بيع العين إيّاه لا يدفع المنكر لأنّه سوف يشتريها من غيرنا. أمّا هذا الدليل الأوّل الذي صيغ بعنوان قبح إيجاب أسباب المعصية فقد يدّعى سلامته من هذا النقض حتى لو تمَّ في الدليل الثالث، والفرق هو أنّ عنوان دفع المنكر المدعى وجوبه في الدليل الثالث قد يُقال إنّه عنوان بسيط لا يتحقق إلاّ بامتناع الكل من بيع العين إيّاه، فإذا عرفنا عدم الامتناع من قِبَل البعض فقد عجزنا عن تحقيق المنع، وهذا نظير ما إذا أوجب رفع جسم ثقيل من الأرض وهو لا يمكن إلاّ بتعاون اُناس عديدين على حمله فإذا امتنع عن ذلك عجز الآخرون عن رفعه وسقط التكليف عنهم. وأمّا ما يدعى في هذا الدليل الأوّل فهو قبح إيجاد سبب المعصية، وإيجاد سبب المعصية عنوان انحلالي له مصاديق عديدة كلها محرّمة فكل مَنْ باع العنب من هذا الذي يريد تخميره فقد أوجد سبب المعصية وهو حرام وليس مصداقه منحصراً بفرد واحد مرتبط بالكل كما في رفع الجسم الثقيل حتى يسقط التكليف عن البعض عند امتناع الآخرين فما نحن فيه ليس من قبيل إيجاب رفع جسم ثقيل وإنّما هو من قبيل تحريم قتل المؤمن فلو علم أحد أنّه لو لم يقتل المؤمن الفلاني لقتله شخص آخر لم يكن هذا مجوّزاً لقتله إيّاه فإنّ حرمة القتل أمر انحلالي متوجّه إلى كل واحد من المكلفين مستقلا وكذلك الأمر في ما نحن فيه فحرمة إيجاد سبب الحرام حكم انحلالي متوجه إلى جميع آحاد المكلفين وعصيان البعض لا يبرّر عصيان الآخرين. إلاّ أنّ الواقع هو أنّنا لسنا أمام دليل لفظي دلّ على حرمة إيجاد سبب المعصية كي نستظهر منه الانحلال وإنّما نحن أمام حكم عقليّ بالقبح وهذا الحكم العقليّ لو كان فانّما النكتة المعقولة له هي التقليل من وجود ما هو مبغوض للمولى | ||
![]() |
الصفحة 365 | ![]() |
سبحانه أو إزالته من صفحة الوجود وإن شئت فقل إنّ الدليل الثالث إذا فرض وجوب دفع المنكر فيه عقلياً لا شرعياً مع الدليل الأوّل في واقعهما ينبغي أن يكونا دليلا واحداً، ولا يتصور لايجاد سبب المعصية قبح مستقل عن قبح ترك دفع المنكر ولذا لا نحسّ فيمَن أوجد سبب المعصية باشتداد القبح نتيجة صدق كلا العنوانين على ما هو مقتضى الاستدلال بكلا الدليلين، فلئن فسّرنا هذا الدليل الأوّل بتفسير معقول وهو التفسير الراجع إلى أحد شقيّ الدليل الثالث، أعني وجوب دفع المنكر عقلا كان لإيراد هذا النقض عليه مجال. هذه هي النقائض الثلاثة التي يمكن إبرازها بلحاظ هذا الدليل. أمّا النقض الأوّل ـ وهو عدم شموله للبيع الذي يتم بالعقد اللفظي فلم يتعرض له السيد الإمام | ||
(1) راجع المكاسب المحرّمة للسيد الإمام 1: 149. | ||
![]() |
الصفحة 366 | ![]() |
وجوب التسليم وحرمة الإعانة على الإثم، أو إيجاد سبب من أسباب المعصية، إذ لو صحّ القول بقبح إيجاد سبب من أسباب معصية الغير صحّ القول أيضاً بأنّ إيجاد ما يورّط نفس الموجد في التزاحم بين تكليفين يضطر إلى مخالفة أحدهما أيضاً قبيح عقلا، فانّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وإنْ كان ينافيه خطاباً، والبيع اللفظي هنا من هذا القبيل لأنّه يورّط البائع في التزاحم بين حرمة التسليم بعنوانه سبباً من أسباب معصية المشتري ووجوبه بعنوانه تسليماً للمثمن فيكون هذا البيان جواباً على النقص الأوّل من النقائص التي بيّناها. إلاّ أنّ هذا الجواب مبتن على الإيمان بكون وجوب تسليم المثمن في حدّ ذاته مطلقاً يشمل فرض ما إذا كان المشتري سيصرفه في الحرام، وعلى القول بانّ اجتماع هذا الوجوب مع حرمة التسبيب إلى المعصية من باب التزاحم، وعدم رجوعه أو رجوع مطلق باب التزاحم إلى التعارض وإلاّ لتقدم دليل حرمة التسبيب على دليل وجوب التسليم باعتبار تقدم الدليل العقلي على الدليل اللفظي لدى التعارض فلا يصبح البيع مورّطاً للإنسان في التزاحم بين تكليفين، وعلى أيّة حال فالمهم عندي هو النقض الثاني والثالث لانّهما في نظري مدخلان للبحث الحلّي في المقام. وأمّا النقض الثاني ـ وهو الانتقاض بموارد لا شك بضرورة من الفقه في كون الحكم فيها هو الجواز كالنكاح الذي قد يوجب العلم الإجمالي بتورط بعض الأولاد أو الأحفاد في معصية الله، أو التجارة التي تؤدّي إلى أخذ الظالم للضرائب. فقد أجاب على ذلك السيد الإمام | ||
![]() |
الصفحة 367 | ![]() |
الأحفاد فمثل هذا ليس قبيحاً لأنّه ليس من قبيل تهيئة الأسباب ولم يذكر والحاصل: أنّ النكتة الفنيّة للفرق بين الموارد المقطوع بالجواز فيها فقهياً وغيرها لم تتضح حتى الآن. وكذلك من ضروريات الفقه جواز المبايعات مع الكفار حيث لا شك في أنّ الكفار الذميين كانوا في زمن المعصومين معاشرين مع المسلمين ومتعايشين معهم في بلادهم وكان بيع المآكل والمشارب والأدوات منهم قائماً على قدم وساق وكان ذلك مورد رضا الأئمة وأجاب على ذلك السيد الإمام | ||
![]() |
الصفحة 368 | ![]() |
الكفار عادة وغالباً لانّهم في غير ما شذّ وندر قاصرون وليسوا مقصرين، من دون فرق في ذلك بين عوامهم وعلمائهم، أمّا عوامهم فلعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحة مذهبهم وبطلان سائر المذاهب نظير عوام المسلمين، وأمّا علماؤهم فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أوّل الطفولة والنشوء في محيط الكفر صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة بحيث كل ما ورد على خلافها ردّوه بعقولهم المجبولة على خلاف الحق من بدو نشوئهم. أقول: لو سلّمنا قصورهم رغم انحشارهم مع المسلمين في بلادهم آنذاك فهذا لا يدفع النقض وذلك لانّ العقل لو حكم بقبح تهيئة مقدمة المعصية علينا إلى حدّ الإلزام. فهذا ليس على أساس حقّ ذاك العاصي علينا، أي حق أن لا نسبّب لدخوله نار جهنم مثلا. فانّنا بتهيئة المقدّمة لا نسلب منه الاختيار في التورط في المعصية وعدمه. ولا يكون له بذلك حجة علينا كي يقال: إنّ هذا الحق ينتفي حينما ينتفي تنجز الحكم عليه بقصوره، وانّما كان حكم العقل بذلك علينا على أساس حق المولى تعالى علينا في تقريبه إلى أغراضه المولوية وإخلاء الساحة عمّـا يبغضه وهذا ثابت في المثال المذكور لانّ القصور وعدم التنجز لا يفني الغرض المولوي، فإذا كان الغرض المولوي لا زال ثابتاً في حق القاصر فعليَّ أن لا أورطه فيما يبغض المولى ولا اُهيّىء له أسباب ذلك وحتى إذا قلنا إن نفس جرأة الفاعل على المولى ما يغيظ المولى وقد انتفت بالقصور وعدم التنجز فالهدف الآخر للمولى وهو الهدف الكامن في متعلق الحكم لا زال موجوداً لعدم سقوط الحكم بالقصور. ولئن كان الفاعل غافلا عن ذلك فانّي غير غافل عنه فيجب عليّ الحفاظ عليه بحكم العقل المفروض في المقام. | ||
![]() |
الصفحة 369 | ![]() |
وأمّا النقض الثالث ـ وهو أنّ امتناعنا عن تهيئة المقدمات قد لا يؤدّي إلى إزالة المبغوض لانّ الخمّار سيشتري عندئذ العنب من غيرنا مثلا، فقد مضى أنّ هذا إنّما يرد في المقام بعد فرض إرجاع الدليل الأوّل وهو دعوى حكم العقل بقبح إيجاد سبب المعصية وشرطه إلى أحد شقي ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من الدليل الثالث وذاك الشقّ هو دعوى حكم العقل بوجوب دفع المنكر وانّهما يعودان إلى روح واحدة وهي ضرورة إخلاء صفحة الوجود مما يبغض المولى، تارة بعدم خلق السبب كما في المقام، واُخرى بدفعه فعندئذ نقول: إنّ دفع المنكر حاله حال ما مضى من مثال رفع جسم ثقيل فهو متوقف على تعاون جماعة عليه وبتخلف بعضهم يسقط عن الآخرين بالعجز. وأجاب السيد الإمام | ||
![]() |
الصفحة 370 | ![]() |
ثالث له وهكذا. وحرمة النقض على الكل شبيه حرمة قتل المؤمن على الكل لا وجوب رفع الجسم الثقيل على الكل. ومن الواضح أنّه لا يجوز لأحد قتله بحجة انّني لو لم اقتله لقتله غيري. وإن شئت قلت: انّ الدفع الواجب إنّما يتحقق العجز عنه بعصيان بعض الجماعة بنقض الدفع فكيف يعقل أنْ نبرّئ من نقضه بالفعل ببيع العنب إيّاه عن المعصية ملقين باللوم على مَن كان ينقض لولا نقض هذا بالبيع وهو بالفعل لم ينقض؟! فتمام الفرق بين ما نحن فيه وبين مثال رفع الجسم الثقيل أنّه بمجرد أنْ امتنع البعض عن التعاون في الرفع قد انتقض الرفع فسقط عن الآخرين. وأمّا في المقام فالذي نقض الدفع هو الذي باع العنب بالفعل من الخمّار لا الذي لو كنّا لا نبيعه إيّاه لكان يبيعه إيّاه. ولو أمر المولى عبيده بدفع السارق عن سرقة ماله وكان ذلك متوقفاً على بقاء الباب مسدوداً يجب على كل واحد منهم دفعه بحفظ سدّ الباب أفهل يجوز لأحدهم فتح الباب للسارق وتمكينه من السرقة حينما يعلم بأنّه لو لم يفعل ذلك فعله عبد آخر؟! أقول: قد نفهم من ظاهر دليل لفظي ولو بمعونة المناسبات، أو من الارتكازات المتشرعية أو الارتكازات العقلائية أنّ المولى صبّ الحكم ابتداءً على نقض الدفع فحرّمه بجميع مصاديقه ولو من باب اتخاذ الاحتياط من قِبَل المولى حيث يحتمل خطأ عبده في علمه بانّه لو لم ينقض الدفع لنقضه آخرون وعندئذ لا إشكال في انحلال الحكم إلى أحكام مستقلة وغير مترابطة ابتداء وبلا نظر إلى مسألة اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده العام أو قبح ضدّه العام، ولعلّ مثال دفع السارق يكون من هذا القبيل. أمّا إذا كان مصبّ الحكم ابتداء هو دفع | ||
![]() |
الصفحة 371 | ![]() |
المنكر الذي لا ينحل إلى مصاديق عديدة ويكون حاله حال رفع الجسم الثقيل المتوقف على تعاون الجميع فصحيح أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام أو قبحه ولكن هذا النهي أو القبح تبعيّ لا محالة إعانة بتبع وجوب الشيء فقبل معرفة وظيفة العبد تجاه هذا الضدّ العام يجب أن نعرف ما هو حال أصل الوجوب، وما دام الوجوب متعلقاً بشيء واحد غير انحلالي وهو دفع المنكر فهو لا محالة يسقط عن البعض بفرض عدم تعاون البعض الآخر للعجز عن تحقيقه كالعجز عن رفع الجسم الثقيل عند امتناع البعض عن ذلك وإذا سقط الوجوب لم تصل النوبة إلى حرمة الضد العام أو قبحه، فلو وجد أحد صمّم على بيع العنب على تقدير عدم بيع الآخرين كان هو العاصي لا محالة لا من باعه بالفعل على أثر علمه بتصميم ذاك. وقد تحصّل بكل ما ذكرناه أنّ النقض الثاني والثالث لا جواب عليهما. أمّا حلّ المسألة فهو أنّ الحق الإلزامي الثابت للمولى الحقيقي سبحانه وتعالى على العبد عقلا إنّما هو أحد أمرين أو كلاهما: 1 ـ حق تحقيق أهدافه المولويّة وإخلاء الساحة عمّـا يبغضه. 2 ـ حق تبجيله واحترامه بتحقيق ما اعتقد كونه من أهدافه ولو خطأ، وإخـلاء الساحة عما اعتقد كونه مبغوضاً له ولو خطأ وعدم الجرأة عليه بخلاف ذلك. فإنْ آمنّا بالحق الثاني فحسب ولم نؤمن بالأوّل من دون إرجاعه إلى الثاني تساوى المتجري والعاصي في العقاب، وإنْ آمنّا بالحق الأوّل فحسب، أي باختصاص الحق بصورة الموافقة للواقع ثبت العقاب على العاصي دون المتجري، وإنْ آمنّا بهما معاً بأنْ افترضنا أنّ ذات الوصول ولو خطأ يوجب الحق وموافقة | ||
![]() |
الصفحة 372 | ![]() |
الوصول للواقع يوجب حقاً آخر كان المتجري مستحقاً للعقاب والعاصي أشدّ استحقاقاً له. وعلى أية حال فحق المولى الإلزامي لا يخلو من أحد هذين الأمرين، إمّا حق تحقيق الأهداف المولويّة وإخلاء الساحة ممّا يبغضه، وإمّا حق التبجيل والاحترام وعدم الهتك والتجري. والقاسم المشترك الذي ينصبّ عليه الحقّان هو الأهداف المولوية إمّا بوجودها العلمي كما في الحق الثاني من دون دخل للواقع في ذلك أو بقيد ثبوتها في الواقع كما في الحق الأوّل، وقد افترضنا في المقام أنّ هذين الحقين لا يختصان بمن خُوطب بالأهداف والأغراض المولويّة المبرزة بل يشملان الأهداف والأغراض المولوية المبرزة لشخص آخر فيقبح عقلا مساعدة ذاك الشخص الآخر على المخالفة ويجب دفعه عن المعصية. وعلى أيّة حال فمصبّ كلا الحقين كما عرفت هي الأهداف والأغراض المولوية المبرزة سواء اشترطنا وجودها الواقعي أو اكتفينا بالوجود العلمي، فكل تبدّل في الأهداف المولويّة في الواقع أو في مرحلة العلم أو وجود مزاحم يغلبه أو يكسره يؤثر على الحق وعلى قبح الفعل أو الترك ويكسره. وأمّا ما نقوله من أنّ قبح معصية المولى ذاتي لا يمكن أن ينفكّ عنها فانّما هو لأجل أنّه أخذت لغةً في مفهوم المعصية تمامية الغرض المولويّ وعدم ابتلائه بمزاحم يكسره، أمّا لو انتفى الغرض المولوي أو انكسر بسبب المزاحم لم تكن هناك معصية ولم يكن قبح في المقام. إذا عرفت ذلك قلنا: إنّ سريان الحق المولوي والقبح العقلي ممّن وجّه إليه الخطاب إلى غيره وعدمه ليس أمراً دائمياً، بل يختلف باختلاف عدة نكات فقد يسري وقد لا يسري وذلك لانّنا بعد أن التفتنا إلى أنّ الحق المولوي مصبّه هو | ||
![]() |
الصفحة 373 | ![]() |
الغرض المولوي ولو بوجوده العلمي يجب أن نحسب حساب دخل عمل الغير فعلا وتركاً في هذا الغرض والمزاحمات التي تزاحم ذاك الغرض في دائرة فعل الغير وهذا الحساب ينبّهنا إلى عدّة نكات في المقام: الاُولى: انّ الملاك الإلزامي الموجود في متعلق الحكم المتوجّه إلى شخص قد يزاحمه ملاك الترخيص بلحاظ الشخص الآخر المساعد له في بعض المقدمات لما حققناه في محله من أنّ الحكم الترخيصي ليس دائماً ناشئاً من عدم الملاك في الإلزام بل قد يكون ناشئاً من ملاك في الترخيص، فقد تكون في ترخيص صاحب العنب في بيع عنبه ولو من الخمّار مصلحة تزاحم مفسدة التخمير وتسقط تلك المفسدة عن تأثير مفسدة التخمير في تحريم بيع العنب من المخمّر. الثانية: انّ ملاك متعلق التحريم قد يزاحمه ملاك تلك المقدمة. أي أنّ المزاحمة تقع بين ملاكي المتعلقين لا بين ملاك متعلق التحريم وملاك الترخيص كما في النكتة الاُولى ومثاله: هو أنْ نفترض أنّ مفسدة معصية الأولاد أو الأحفاد زاحمت مصلحة النكاح فإمّا أن مصلحة النكاح لم تكن إلى حدّ الإلزام ولكن المقدار الذي تفوق عليها مفسدة المعصية ليس بمستوى يوجب الإلزام بترك النكاح، أو أنّ مصلحة النكاح في حدّ ذاتها كانت بمستوى الإلزام وغلبت تلك المفسدة وتنزّلت على أثر هذا التزاحم من مستوى الوجوب إلى مستوى الاستحباب. أو أنّ الوجوب كانت تعارضه مصلحة في عدم الإلزام بالنكاح على ما أشرنا إليه من أنّ الترخيص وعدم الإلزام ليس دائماً نتيجة عدم ملاك في الإلزام بل قد يكون نتيجة ملاك في عدم الإلزام. الثالثة: انّ ترك المقدمة قد لا يكون له أيّ دخل في تقريب المولى إلى غرضه لأنّ الخمّار سيشتري العنب عندئذ من شخص آخر ولم تكن أهميّة الغرض | ||
![]() |
الصفحة 374 | ![]() |
بمستوى يحتاط المولى في تحريم تهيئة المقدمة حتى على مَن يعلم بعدم تأثير تركه لها في إزالة المعصية باعتبار أنّ المولى يحتمل خطأ العبد في علمه أحياناً. الرابعة: انّ ترك المقدمة قد لا يكون له أيّ دخل في تقريب المولى إلى غرضه الإلزامي، لأنّ الأمر المتوجه إلى الشخص الآخر كان نتيجة مصلحة في نفس الإلزام كما في الأوامر الامتحانية. أو لأنّ الجزء الأخير من علّة الإلزام كان عبارة عن مصلحة في نفس الإلزام ولا أثر لترك المقدمة من قِبَل الغير في تحقيق هذه المصلحة أصلا، وكون الأمر الإلزامي ناشئاً من مصلحة في الإلزام بحتاً وإنْ كان نادراً وبعيداً، لكن كون الجزء الأخير من علة الإلزام عبارة عن مصلحة في الإلزام ليس بعيداً. فتحصّل أنّ الوجه الأوّل من وجوه إثبات حرمة تهيئة مقدمات الحرام للغير وهو حكم العقل بقبح ذلك غير صحيح نعم قد يتفق انّنا نعرف بارتكاز متشرعي أو بارتكاز عقلائي في مورد مّا عدم تحقق شيء من تلك النكات الأربع التي قلنا إنّها لو تحققت منعت عن هذا القبح بتغير موضوعه. وما مضى من مثال سدّ الباب بوجه السارق قد يدخل في هذا الباب أي في باب العلم عادة بعدم تحقق تلك النكات، واحتياط المولى في مقابل احتمال خطأ العبد في علمه، وإن شئت تعبيراً عرفياً عن تلك النكات الأربع أو عن بعضها فهو أنْ يقال: أنّ المطلوب للمولى تارة يكون سدّ جميع الأبواب | ||
(1) وللسيد الإمام التفاتة جزئية إلى بعض هذه النكات في المقطع الثاني من مقاطع الصفحة 147 ولعله أيضاً في المقطع الأخير من مقاطع الصفحة 136 من كتابه أعني الجزء الأوّل من المكاسب المحرمة.
| ||
![]() |
الصفحة 375 | ![]() |
على تحقق شيء مّا فعندئذ تحرم على الغير تهيئة مقدماته، واُخرى لا يكون المطلوب للمولى عدا سدّ بعض الأبواب وليس منها تهيئة المقدمة من قِبَل الغير فلا تحرم، وهذا التعبير العرفي انّما يكون تامّاً لو رجع بروحه إلى بعض تلك النكات الأربع. ب ـ التمسّك بآية التعاون:الوجه الثاني ـ التمسّك بقوله تعالى: ﴿ تعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ وعن المحقق الإيرواني الإيراد الأوّل ـ انّ التعاون على البرِّ والتقوى أمرٌ مستحب ومقتضى التقابل بينه وبين التعاون على الإثم والعدوان هو الحمل على التنزيه لا الحرمة. وأجاب السيد الإمام | ||
(1) المائدة: 202. | ||
![]() |
الصفحة 376 | ![]() |
وحكم العقل ومقارنة الإثم بالعدوان الذي لا شك في حرمة الإعانة عليه كلها شواهد على الحمل على التحريم أقول: أمّا حكم العقل فقد عرفت حاله وعرفت معقولية عدم حرمة مقدمة الحرام في بعض الموارد فالتعاون بعد فرض حمله على ما يشمل الإعانة بإتيان المقدمة يمكن حمله على التنزيه أو الجامع بين الحرمة والكراهة وكذلك مناسبة الحكم والموضوع أيضاً لا تعيّن الحرمة في جميع موارد التعاون بعد فرض شموله لمثل الإتيان بالمقدمة الذي يناسب كونه مكروهاً كما يناسب كونه حراماً. وأمّا مقارنة الإثم بالعدوان فان منعت عن الحمل على الكراهة فلا تمنع عن الحمل على الجامع بين الحرمة والكراهة، وهذا يجمع بين وحدة السياق بين الإثم والعدوان من ناحية وبين الأمر بالتعاون في البرِّ والتقوى مع النهي عن التعاون في الإثم والعدوان. إلاّ أنّه رغم كل هذا نقول: إنّ جواب المحقق الايرواني | ||
(1) راجع المكاسب المحرّمة للسيد الإمام 1: 131.
| ||
![]() |
الصفحة 377 | ![]() |
مسألة التقابل بل كان المفهوم عرفاً مسألة التناسق كما لو جمع الأمر والنهي من مادتين غير متقابلتين فقال صلّ صلاة الليل ولا تصم يوم عاشوراء فلا يبعد أنْ يقال هنا أيضاً أن عدم إلزامية أحدهما يسقط الآخر عن الظهور في الإلزام، أمّا حينما تفترض المادّتان متقابلتين من قبيل: صم في عيد الغدير ولا تصم في عيد الأضحى، وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانفق على محبّينا ولا تنفق على مبغضينا ونحو ذلك فالمفهوم عرفاً من أمثال هذه الأمثلة هو قصر النظر على التقابل دون التناسق والتقابل لا يقتضي سقوط أحدهما عن الظهور في الإلزام عند فرض عدم الإلزام في الآخر. الإيراد الثاني ـ انّ التعاون باعتباره من باب التفاعل يدل على الاجتماع على إتيان المنكر كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال بحيث تكون المعصية مستندة إليهم جميعاً، ولا يشمل فرض إعانة الغير على الحرام عندما يكون الحرام مستنداً إلى الغير مستقلا ويكون دور المعين تهيئة الأسباب والمقدمات فحسب. وتبعه على ذلك السيد الخوئي مدعياً ـ على ما يبدو من ظاهر تقرير بحثه وأمّا ما عن المحقق الإيرواني بالمقدار المنعكس في المكاسب المحرمة | ||
(1) راجع مصباح الفقاهة 1: 180، والمحاضرات 1: 134. | ||
![]() |
الصفحة 378 | ![]() |
للسيد الإمام وعلى أيّة حال فلا ينبغي أن يورد على هذا الوجه بأنّ الآية وإنْ دلّت على حرمة التعاون الذي هو من الطرفين ولكن لا إشكال في دلالتها أيضاً على حرمة الإعانة من طرف واحد وذلك من قبيل قوله تعالى: ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب ﴾ أقول: هذا الإيراد لا مجال لتوهمه في المقام فإنّ مقصود المحقق الايرواني والسيد الخوئي ليس بيان الفرق بين الإعانة من طرف واحد والتعاون بمجرّد أنّ التعاون إعانتان من طرفين فإذا حرمتا لم تحرّم الإعانة من طرف واحد، ولو كان هذا هو المقصود فما أسهل النقض عليه بمثل دليل حرمة التنابز الذي لا شك في دلالته على حرمة النبز من طرف واحد أيضاً، وما أسهل الحلّ بالالتفات إلى أنّ | ||
(1) راجع المكاسب المحرمة للسيد الإمام 1: 131. (2) الحجرات: 11. | ||
![]() |
الصفحة 379 | ![]() |
أدلّة الأحكام ظاهرة في الانحلال فكما يكون قوله: «صلّوا» إيجاباً للصلاة على كل واحد من المكلفين مستقلا فلا تسقط الصلاة من أحد بترك الآخرين كذلك يكون قوله: «لا تنابزوا» أو لا تعاونوا تحريماً للنبز أو الإعانة من كل واحد منهما مستقلا سواء صدر من الآخر أيضاً أو لا. وانّما المقصود للمحقق الايرواني والسيد الخوئي هو أنّ ما يصدر من المتعاون مباين لما يصدر من المعاون الواحد لانّ التعاون كان من باب التفاعل ودلّ على صدوره من الطرفين وهذا يستحيل أن يكون بمعنى كون كل منهما مهيئاً للمقدمات للآخر إذْ لا بد من وجود أصيل على أيّ حال، فلا بد أن يكون بمعنى اشتراكهما في الفعل واستناد الفعل إليهما وكونهما معاً أصيلين ولا إشكال في أن الاشتراك في ذات الإثم أشدّ من تهيئة المقدمات وتحريم الأوّل لا يدل على تحريم الثاني. وقد أشكل السيد الإمام أولا بأنَّ التعاون ليس بمعنى الاشتراك في الفعل فانّ مادة التعاون والإعانة واحدة وليست الإعانة إلاّ بمعنى تهيئة الأسباب والمقدمات فلا بد أن يكون معنى التعاون عبارة عن تهيئة الأسباب والمقدمات من كلا الطرفين ويكون ذلك بأنْ يهيّئ أحدهما للآخر مقدمات فعله ويهيّئ الآخر لهذا مقدمات فعل آخر له لا أن يكونا معاً شريكين في فعل واحد وإلاّ لزم تغيّر معنى المادّة حينما دخلت عليها هيئة التفاعل بينما ليست وظيفة هيئة التفاعل عدا إفهام أن نفس المعنى المقصود بالمادة صادر من كلا الطرفين كل بلحاظ الآخر دون تغيير معنى المادة، فالتعاون في الإثم إذن يعني أن أحدهما هيّأ مقدمات إثم للآخر والآخر هيّأ مقدمات إثم آخر للأوّل ولا يعني اشتراكهما في إثم واحد. | ||
![]() |
الصفحة 380 | ![]() |
وثانياً بانّه لو تنزّلنا وسلّمنا صدق التعاون على الاشتراك في إثم واحد فلا مبرر لنفي صدقه على إعانة كل واحد منهما للآخر في إثم غير إثم الآخر، إذن فالآية دلّت على حرمة الإعانة بمعنى تهيئة مقدمات الإثم للآخرين وهو المقصود. أقول: أمّا اختصاص صدق الإعانة بما إذا كان المعان أصيلا والمعين غير أصيل بان يكون دوره دور تهيئة المقدمات دون الاشتراك في أصل العمل (وهذا هو صريح كلام السيد الإمام وظاهر كلام السيد الخوئي) فهو غير مقبول فكما أنّ مساعدة الشخص على عمل بتهيئة مقدماته إعانة له على ذلك العمل كذلك مساعدته عن طريق الاشتراك معه في نفس العمل إعانة له على ذلك فلو قبلنا ما قد يظهر من كلام السيد الخوئي من اختصاص الإعانة بفرض تهيئة المقدمات فقد يتم الإشكال الأوّل للسيد الإمام ولكن الواقع أنّ الاشتراك في الفعل أيضاً إعانة فلو فسّر التعاون في الآية بمعنى الاشتراك في الإثم فغاية ما يمكن الإيراد عليه هي أنّ التخصيص بالاشتراك وفرض عدم شموله لتهيئة المقدمات تقييد بلا موجب فالتعاون يشمل الأمرين معاً فتخصيصه بالاشتراك وإن لم يكن تغييراً لمعنى مادة الإعانة من المباين إلى المباين لكنه على أي حال تقييد لها بما هو أخص من معناها الأصلي وهذا يعني الرجوع إلى الإشكال الثاني من إشكالي السيد الإمام، فالإشكال الأوّل حتى لو كان مسجلا على السيد الخوئي فهو غير مسجل على المحقق الايرواني بالمقدار المنعكس من كلامه في عبارة السيد الإمام حيث لم يشتمل على دعوى اختصاص الإعانة بتهيئة المقدمات. وإذا انحصر الأمر في الإشكال الثاني أمكن الجواب عليه بأنّ الإعانة وإن | ||
![]() |
الصفحة 381 | ![]() |
كانت مطلقة تشمل مساعدة الغير بتهيئة مقدمات عمله ومساعدته بالاشتراك معه في ذات العمل ولكن التعاون في هذه الآية مقترنة بقرينة قيّدت هذا الإطلاق وتلك القرينة عبارة عن ذكر مصبّ للتعاون حيث جاء في الآية المباركة: ﴿ تعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ بل إن عنوان التعاون والإعانة بما أنهما من المفاهيم ذات الإضافة الى المعان عليه أي يكون فرض لحاظ إضافته إلى المعان عليه مأخوذاً في حاقّ لفظه فحتى لو لم يذكر المتعلق في الكلام لا يفهم من التعاون إلاّ معنى الاشتراك في عمل واحد. ولا يقال: إنّه يصدق على كل معين ومعان انّهما تعاونا في الفعل الذي فعله المعان فلو أنّ أحداً أخذ زيداً بيده كي لا يهرب من القتل والآخر قتله صدق انّهما تعاونا على القتل ففاعل المقدّمة يصدق عليه عنوان المتعاون ويكون فعله حراماً | ||
(1) المائدة: 202. | ||
![]() |
الصفحة 382 | ![]() |
بحكم الآية وقد أعان كل واحد منهما الآخر على قتل زيد فصدق التعاون رغم عدم اشتراكهما في القتل واختصاص فعل القتل بأحدهما دون الآخر. فإنّه يقال: انّه قد أخذ في مفهوم الإعانة والتعاون أن يكون المعان أصيلا في الفعل ويكون الفعل منتسباً إليه حقيقة فلو اشتركا في العمل وانتسب العمل إليهما معاً فقد أعان كل منهما صاحبه وحصل التعاون بينهما على الفعل أمّا لو كان العمل مستنداً حقيقة إلى أحدهما فقط فالآخر هو الذي أعانه على هذا العمل وليس هذا قد أعان ذاك على هذا العمل إذ لم يصدر هذا العمل منه كي تفترض إعانة صاحبه إيّاه في هذا العمل ففي المثال المذكور يكون مَنْ أخذ زيداً بيده هو الذي أعان صاحبه على قتل زيد وليس صاحبه قد أعانه على قتل زيد إذ هو لم يقتل زيداً حتى يصدق أن صاحبه أعانه على هذا القتل وان صحّ التعبير في مثل ذلك بعنوان (تعاونا على قتل زيد) مجازاً. ولو فرض تنزّلا صدق التعاون في ما إذا كان دخل المعين في الفعل كبيراً كما في مثال حبس زيد بيده كي يقتله صاحبه فهو لا يصدق في فرض ضعف الدخل كما في بائع العنب ممّن يصنعه خمراً واحتمال الفرق في الحرمة وعدمها بينهما وارد لانّ دخل الأوّل في الإثم أشدّ من الثاني (وطبعاً ما ذكرناه إنما هو من باب المثال وإلاّ فلا شك في حرمة الإعانة على القتل وانّما كلامنا في الإعانة على الإثم الذي ليس ظلماً للآخرين). والحاصل أنّ كلمة التعاون حتى لو جرّدت عن ذكر المصبّ تفهم منها وحدة مصب الإعانتين. ولا تُقاس بمثل كلمة التواهب حيث لا تفهم منها وحدة مصبّ الهبتين رغم أنّ الهبة أيضاً من المفاهيم ذات الإضافة إلى الموهوب أي أنّه لوحظ فيها لغة | ||
![]() |
الصفحة 383 | ![]() |
فرض إضافتها إلى ما يوهب وذلك لأنّ الهبتين الفرضيتين يستحيل أن تنصبّا على مصبّ واحد بخلاف الإعانتين فانّهما تنصبان عند الاشتراك في عمل على مصبّ واحد، نعم الهبتان الطوليتان أي ما تحقق احداهما موضوع الآخر يمكن أن تنصب على مصب واحد بأنّ يهب أحدهما المال للآخر ثم يهبه الآخر للأوّل، ولكن كلمة التواهب لا تنصرف إلى فرض نادر من هذا القبيل. وقد تحصّل بكل ما ذكرناه أنّ هذا الوجه الثاني لإثبات حرمة تهيئة مقدمات المعصية للعاصي أيضاً غير تام لعدم صدق التعاون في المقام إطلاقاً. وبعد هذا لسنا بحاجة إلى البحث عمّـا بحثوه في المقام في حدود دائرة صدق الإعانة وأنّه هل إنَّ صدقها مشروط بالقصد أو بالعلم أو بتحقق المعصية خارجاً أو نحو ذلك أو لا؟ إذْ انّ هذه الإعانة على كل تقدير هي غير التعاون الذي نهت الآية الشريفة عنه. نعم لا بأس بأن نشير إلى أنّ السيد الإمام وقد حاول تغطية هذا النقص في هذا الوجه ببيانين: أحدهما عامٌّ لكل موارد تهيئة المقدمات للإثم، والثاني خاصٌ بخصوص الخمر: أمّا البيان العام فهو دعوى ان قيد القصد ملغيّ عرفاً في المقام (رغم دخله | ||
![]() |
الصفحة 384 | ![]() |
في معنى الإعانة) وذلك بالمناسبات المغروسة في الأذهان بأن يقال: إنَّ الشارع أراد بالنهي عن الإعانة على الإثم قلع مادة الفساد والمنع عن إشاعة الإثم، أو انّ الإعانة تكون عادةً موجبة لتشويق العصاة على عملهم وجرأتهم على الإثم بخلاف ما لو رأى العاصي نفسه وحيداً لا معين له في إثمه فقد توجب الوحدة الوحشة المؤدّية إلى الترك، وكل هذه المناسبات مشترك بين فرض قصد المعين وعدمه فالمفهوم العرفي للحكم في المقام يصبح مطلقاً وشامل لفرض عدم القصد أيضاً. إلاّ أنّ السيد الإمام وأمّا البيان الخاص بخصوص الخمر فهو دعوى أن حديث لعن غارس الخمر وحارسها وبايعها ومشتريها.. الخ الذي إدّعى السيد الإمام وعلى أيّة حال فقد عرفت نقاشنا في صدق أصل الإعانة في المقام. | ||
![]() |
الصفحة 385 | ![]() |
ج ـ التمسّك بدليل النهي عن المنكر:الوجه الثالث ـ هو التمسّك بدليل النهي عن المنكر بدعوى عدم الفرق بين الرفع والدفع سواء فرضنا أنّ وجوب رفع المنكر عقليّ كما وافق عليه السيد الإمام أمّا إذا فرضناه عقليّاً فمن الواضح أن العقل لا يفرّق في الحكم بالوجوب بين رفع المنكر ودفعه. وما قد يقال من أنّ العقل إنّما يحكم بوجوب رفع المنكر أو دفعه في منكر يكون ذات وجوده في الخارج مبغوضاً للمولى سبحانه كقتل النفس وهتك الأعراض والمشاعر الدينية ونحوها دون ما إذا كان المبغوض حيثية صدوره من فلان فإذا كان المبغوض حيثية الصدور فلا علاقة لذلك بغير من يصدر منه ذاك المنكر. قد أجاب عليه السيد الإمام أقول: إنّ إشكال السيد الإمام | ||
![]() |
الصفحة 386 | ![]() |
المقصود بمبغوضية حيثية وجوده، وقد يريد سدّ باب الصدور من قِبَل مَن يصدر منه الفعل وهذا هو المقصود بمبغوضيّة حيثية صدوره، على أن يرجع هذا الإجمال إلى بعض التفاصيل الماضية في بيان النكات الأربع ومن الواضح انّ الاعتراف بحكم العقل بوجوب دفع المنكر في الأوّل لا يلازم الاعتراف بحكمه بذلك في الثاني. وعلى أيّة حال فقد مضى منّا أنّ الوجه الأوّل إنّما يكون معقولا بعد فرض رجوعه إلى هذا الوجه الثالث عند افتراضه عقلياً، إذن فنستغني عن تعليقنا على هذا الوجه بعد فرضه عقلياً بما مضى منّا من التعليقات على الوجه الأوّل. وأمّا إذا فرضناه شرعياً فإثبات وجوب دفع المنكر بالدليل الشرعي الدال على وجوب النهي عن المنكر له تقريبان: أحدهما ـ التمسّك بالدلالة الالتزامية العرفيّة بدعوى أنّه إذا وجب الرفع وجب الدفع لأنّ الفائدة من الرفع إنّما هي الحيلولة دون الحصة الثانية من الوجود أمّا الحصة الاُولى فقد تحققت ولا يمكن إفناؤها ففائدة الرفع إنّما هي عين فائدة الدفع ويفهم عرفاً من وجوب الرفع وجوب الدفع بالالتزام. وثانيهما ـ التمسّك بالدلالة المطابقية لدليل وجوب الرفع وذلك بدعوى أنّ الرفع مرجعه إلى الدفع لِما قلنا من أنّ رفع الحصة الاُولى من الوجود غير ممكن فالرفع مرجعه إلى دفع الحصة الثانية، إذن فما دلّ عليه الدليل بالمطابقة إنّما هو وجوب الدفع. وقد أجاب السيد الخوئي على التمسك بأدلّة النهي عن المنكر في المقام بوجهين: الأوّل ـ انّ دفع المنكر لو وجب إنّما هو مخصوص بصورة الإمكان وهذا إنّما يكون في فرض انحصار حصول المقدمة بعمل هذا الشخص، أمّا لو فرض انّه | ||
![]() |
الصفحة 387 | ![]() |
لو لم يبعه العنب مثلا لباعه شخص آخر فالدفع هنا غير مقدور. وقد مضى منّا بيان مناقشة السيد الإمام والثاني ـ انّ النهي عن المنكر شيء ودفع المنكر شيءٌ آخر، وإيجاب الأوّل لا يثبت إيجاب الثاني وكأنّه وقع في شرح ذلك في مصباح الفقاهة أحدهما ـ انّ الرفع وإن كان يرجع بالتحليل والتدقيق إلى الدفع لأنّ الحصة الاُولى قد تحققت ولا محيص عنها والحيلولة دون تحقق الحصة الثانية رفع ولكن الأحكام الشرعية وموضوعاتها لا تبتني على التدقيقات العقلية، والدفع في نظر العرف غير الرفع. وقد أجاب عليه السيد الإمام | ||
(1) 1: 181 و 182. | ||
![]() |
الصفحة 388 | ![]() |
وثانيهما ـ وهو الذي اقتصر عليه في المحاضرات وهذا البيان صحيح فالواقع أنّ وجوب النهي عن المنكر شيء ودفع المنكر شيء آخر فالدليل اللفظي لوجوب النهي عن المنكر لا يشمل دفع المنكر بالدلالة المطابقية كما لا يدل عليه بشكل مطلق بالدلالة الالتزاميّة لأنَّ الملازمة العرفيّة في المقام يختلف تحققها باختلاف الموارد حسب الالتفات إلى النكات الأربع التي شرحناها في بحثنا عن الوجه الأوّل وقد تحصّل بكل ما ذكرناه أنّ شيئاً من الوجوه العامة لإثبات حرمة تهيئة المقدمات للإثم أو الإعانة عليه غير تام. ولكن هذا لا يمنعنا عن القول بالحرمة في الجملة في موردين: المورد الأوّل: ما إذا كان هدف المساعد على الإثم في تهيئته للمقدمات هو تحقق الإثم فانْ كان هدفه هو تحقق عنوان الإثم ومعصية الله تعالى فلا إشكال في أنّ هذا من أبرز مصاديق الجرأة على الله ومحاربته ولا ينشأ إلاّ من أعلى مستويات الخبث، وإنْ كان هدفه تحقق واقع المعصية أي تحقق التخمير مثلا لغاية له في ذلك ولم تكن الغاية نفس عنوان وقوع المخالفة لله تعالى فهذا في غالب الأحيان يكون أيضاً جرأة على الله وإن كـان بمستوى أقل بكثير من الجرأة في القسم الأوّل وحينما نقيسه بالنكات الأربع الماضية نرى أنّه في غالب الأحيان نحرز بارتكاز متشرعي أو عقلائي الحرمة وعدم وجود نكتة من تلك النكات المانعة عنها. | ||
(1) 1: 135. | ||
![]() |
الصفحة 389 | ![]() |
والمورد الثاني ـ ما إذا كان عالماً بأنّه سيترتب على عمله الإثم من قبل غيره مع فرض العلم بانحصار من يهيّىء المقدمة به، كما لو باع العنب ممّن يصنعه خمراً لا بهدف حصول التخمير بل بهدف تحصيل ثمن العنب عالماً بأنّ المشتري سيخمّر العنب مع العلم بأنّه لا يوجد شخص آخر يبيعه العنب لو امتنع هو من بيعه إيّاه فهذا أيضاً يكون في كثير من الأحيان حراماً لإحراز النكات الماضية متشرعيّاً أو عقلائياً بالشكل المساعد على الحرمة لا بالشكل المانع عنها. ويختلف فرض ما إذا كانت غايته تحقق الحرام عن فرض مجرد العلم بترتب الحرام على ما يهيؤها من المقدمات في عدة اُمور: 1 ـ اختلاف درجة الجرأة والقبح فهما أشدّ في الفرع الأوّل منهما في الفرع الثاني. 2 ـ إنّ النكتة الثالثة من النكات الأربع التي شرحناها في الجواب عن الوجه الأوّل وهي مسألة انحصار المقدمة في عمل هذا الشخص وعدم انحصاره الدخيلتين في إمكانية دفع المنكر وعدم إمكانيته تؤثر على الفرع الثاني ولا تؤثر على الفرع الأوّل في كثير من الأحيان لأنّ المحذور في الفرع الثاني إنّما هو تحقق الإثم خارجاً فإذا كان ذلك محرزاً حتى على تقدير عدم بيعه للعنب إيّاه لوجود آخرين ممّن يبيعه العنب لم يبق محذور في البيع ولكن في الفرع الأوّل كثيراً مّا تكون في نفس تهيئته للمقدمة لغاية تحقق الحرام جرأة على المولى محرّمة حتى لدى فرض عدم الانحصار ومحذور الجرأة هذه أمر زائد على محذور مجرد تحقق الإثم من الغير الثابت في الفرع الثاني. 3 ـ إنّ النكتة الثانية من النكات الأربع الماضية (وهي نكتة وجود مصلحة في فعل المقدمة تزاحم مفسدة المعصية) تؤثر في الفرع الثاني ولا تؤثر غالباً في | ||
![]() |
الصفحة 390 | ![]() |
الفرع الأوّل فقد تكون مصلحة في النكاح تزاحم مفسدة ما ستصدر من المعصية من الأولاد والأحفاد تمنع عن حرمة النكاح رغم العلم بصدور المعصية منهم ولكن لا مصلحة في النكاح بقصد تحقق المعصية من الأولاد والأحفاد أي لا مصلحة فيه بما هو مقيد بهذا القصد فتحريم هذه الحصة من النكاح باعتباره جرأة على المولى مُبرزة بالفعل لا يسدّ عادة باب مصالح النكاح إذْ له أنْ يرتدع عن النكاح بهذا القصد ولا يرتدع عن أصل النكاح. 4 ـ إنَّ النكتة الاولى من النكات الأربع الماضية (وهي المصلحة في الترخيص في المقدمة) قد تؤثر في الفرع الثاني دون الأوّل إذْ لا مصلحة عادة في الترخيص في خصوص بيع العنب بقصد تحقق التخمير إذ لو كانت مصلحة في الترخيص فهي تكون عادة في الترخيص في أصل بيع العنب لا في بيعه إيّاه بهذا الهدف. 5 ـ إنّ البيع العقدي واقعٌ عادة في سلسلة مقدمات الحرام عندما يكون المشتري قاصداً لتخمير العنب، فانّ تخميره للعنب وإن كان متوقفاً على تسليم العنب إيّاه ولكن إذا كان صاحب العنب غير مستعد لتسليمه إيّاه مجاناً، إذن فبيعه إيّاه مقدمة لحصول المشتري على العنب الذي يمكّنه من التخمير، نعم إذا أوقع البيع بالعقد اللفظي لا بالمعاطاة فقد يتمكن بعد البيع من امتناعه عن التسليم وهذا لا ينافي كون أصل البيع مقدمة من مقدمات الحرام لأنّ التسليم لا يتمّ لو لم يتم البيع، وعلى هذا يتجه القول بأنّ البائع لو باع العنب مثلا بالعقد اللفظي من الخمّار بهدف تحقق الخمر فقد حصلت الجرأة على المولى بمجرد البيع وقبل التسليم فإنّ مَنْ يشرع في مقدمات ا لمعصية بقصد تحققها فقد حصلت الجرأة منه رغم قدرته في الأثناء على قطع سلسلة المقدمات بترك باقي حلقات المقدمة إذن فلا إشكال في هذا الفرع في عدم الفرق بين البيع العقدي والبيع المعاطاتي، فبناء على الحرمة | ||
![]() |
الصفحة 391 | ![]() |
بنكتة هذه الجرأة يكون كلاهما حراماً وهذا بخلاف الفرع الثاني وهو مجرد العـلم بتحقق المعصية إذْ في هذا الفرع تأتي الشبهة الماضية إذا كان البيع عقدياً لا معاطاتياً إذ يُقال: ما دام البيع العقدي لا يخرج الأمر من سلطان البائع إذ بإمكانه أنْ يحول دون حصول النتيجة بالامتناع عن التسليم فلا موجب لتحريم البيع عليه فهنا نحتاج إلى الجواب على هذه الشبهة بما مضى من أنَّ البيع العقدي يورطه في مخالفة أحد التكليفين المتزاحمين وهما حرمة تهيئة مقدمة الحرام ووجوب تسليم المبيع إلى المشتري، بينما في الفرع الأوّل لو قلنا بالحرمة على أساس تلك الجرأة الإضافية لا محل لهذه الشبهة من أساسها. هذا تمام الكلام في الأدلّة العامة على حرمة المعاملة حينما توجب تهيئة المقدمة لعمل العاصي، وقد عرفت عدم تماميتها على العموم رغم الإذعان بالحرمة في الجملة لا على الإطلاق. 2 ـ مقتضى الأدلّة الخاصّة:وأمّا على مستوى الاستنتاج من الأدلّة الخاصة فقد يُقال: إنَّ الأدلة الخاصة الواردة في الموارد الخاصة وإن كان كل واحد منها لا يستفاد منه حرمة مطلق العقد الواقع في سلسلة مقدمات معصية الغير ولكن إذا تكثّرت تلك الموارد التي ورد فيها الدليل الخاص قد نحدس بشكل قطعي بعدم فرض خصوصية في تلك الموارد وأن الحكم عامّ لكل عقد يكون كذلك، والموارد التي قد يُقال بدلالة الدليل الخاص فيها على الحرمة ما يلي: 1 ـ تحريم إعانة الظالم على ظلمه للآخرين | ||
(1) راجع الوسائل 12: 127 ـ 132، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به. | ||
![]() |
الصفحة 392 | ![]() |
2 ـ تحريم بيع السلاح من المحاربين 3 ـ تحريم ثمن المغنيّة 4 ـ تحريم إجارة البيت إذا كان المستأجر يبيع فيه الخمر حيث ورد بسند تام عن صابر أو جابر قال: سألت أبا عبد الله | ||
(1) راجع الوسائل 12: 69 ـ 71، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به. (2) راجع الوسائل 12: 86 ـ 88، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به. (3) الوسائل 12: 126، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. | ||
![]() |
الصفحة 393 | ![]() |
نعم ورد أيضاً بسند تام عن ابن اُذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله 5 ـ تحريم بيع الخشب ممّن يعمل صنماً أو صليباً 6 ـ ما ورد من لعن غارس الخمر والتحقيق في المقام أنّه لو كان كل مورد من الموارد المختلفة التي ورد النّص فيها بحرمة العقد أو الأمر الذي اوجب تهيئة مقدمات الحرام للغير ممّا لا نحسّ فيه بخصوصية محتملة الدخل في هذا الحكم وإنّما كنّا نحتمل اختصاص الحكم به من باب إيماننا بتعبدية الأحكام الشرعيّة وأنّ دين الله لا يصاب بالعقول | ||
(1) راجع الوسائل 12: 126، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به. (2) راجع الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به. (3) الوسائل 12: 164 ـ 166، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، و 17، الباب 34 من أبواب الأشربة المحرّمة. | ||
![]() |
الصفحة 394 | ![]() |
أمكن القول بأنّ تعدد تلك الموارد وتكثرها قد يوجب لنا الحدس القطعي بأنّ مصبّ الحكم هو مطلق العقد أو الأمر الذي وقع في طريق مقدمات الحرام وأنّه لا خصوصية لتلك الموارد في الحكم ولكن حينما يكون أكثر تلك الموارد ممّا يشتمل على خصوصية نحسّ فيه باحتمال الدخل في الحكم وفق نكات معقولة لنا فمهما كثرت تلك الموارد لا نستطيع أن نحدس من تكثّرها عمومية الحكم وعدم اختصاصه بتلك الموارد، وما نحن فيه من هذا القبيل: فالمورد الأوّل راجع إلى الظلم المرتبط بحق الناس واحتمال خصوصية فيه بالقياس إلى حقوق الله وارد. والمورد الثاني راجع إلى بيع السلاح من المحارب للإسلام والمسلمين وهو من أبرز أقسام الظالمين وفيه الضرر الكبير على أصل المبدأ الإسلامي واحتمال الخصوصية فيه واضح. والمورد الثالث عبارة عن تحريم ثمن المغنّية ومن الواضح انّ الامتناع عن بيع المغنّية ممّن يستفيد من غنائها وحبسها في دائرة تمنع عن غنائها كثيراً ما يؤدّي إلى تقليل معصية الغناء في الخارج، بخلاف منع صاحب العنب عن بيع عنبه ممّن يصنعه خمراً مع وجود آخرين مستعدين للمنع فاحتمال الخصوصية وارد. والمورد الخامس تحريم بيع الخشب ليعمل صليباً أو صنماً وهذا كما ترى أمر مهمّ يمسّ القضايا العقائدية وليس كقضية فرعيّة من قبيل تخمير العنب فاحتمال الخصوصية وارد فيه. والمورد السادس هو مورد لعن غارس الخمر ومعناه مَن يغرس العنب بهدف التخمير فلو تعدينا منه فانّما نتعدى إلى مثل مَن يبيع العنب بهدف التخمير دون مثل مَن يبيع العنب مع العلم بالتخمير دون قصده، على أنّ هذا الحديث يدل على حرمة غرس العنب بهدف التخمير حتى بالنسبة لنفس فاعل الحرام من | ||
![]() |
الصفحة 395 | ![]() |
التخمير أو الشرب وهذا يعنى خصوصية في الخمر إذ لم يعرف في سائر المحرمات عادة ثبوت حرمة خاصة وعقاب خاص على مقدماتها بالنسبة لنفس فاعل الحرام فالتعدي من مورد هذا الحديث إلى تهيئة المقدمة لأيّ حرام آخر غير صحيح. وأمّا المورد الرابع وهو تحريم إيجار البيت لمَن يجعله محلا لبيع الخمور فان قبلنا بحرمة المقدمات في خصوص الخمر حتى على نفس الخمّار كما قد يستفاد ذلك من لعن غارس الخمر فهذا ممّا يجعلنا نحتمل الخصوصية في الخمر إذْ لم نعهد حرمة مقدمة الحرام على فاعل الحرام في سائر الموارد وإلاّ فلنفترض انّه بالنسبة لهذا المورد الواحد من ضمن الموارد الستة الماضية لم نهتد إلى خصوصية نتعقّل دخلها في الحكم أفهل يكفي مورد واحد للجزم بعمومية الحكم وعدم دخل المورد الخاصّ في الحكم؟!! على انّنا وجدنا في موارداُخرى غير مواردتلك النصوص ما نصّ على الجواز فقد ورد ما يفصّل بين بيع الخشب للصليب وبيعه للبربط بتحريم الأوّل وتحليل الثاني وقد مضى ما دلّ على جواز إيجار السفينة والدابّة ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنزير، وقد حملناه على إيجارهما من غير المسلم أفلا يعني هذا منضماً إلى رواية المنع عن إيجار البيت ممّن يبيع الخمر التفصيل بين ما يؤدّي إلى إشاعة الفساد بين المسلمين وما يعود إلى غير المسلمين باعتبار أهمية المطلب في نظر الشريعة بالنسبة للمسلمين وضرورة تطهيرهم عن الأرجاس؟! وقد ورد ما دلّ على جواز بيع الميتة والنجس ممّن يستحلّها | ||
(1) الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. (2) الوسائل 12: 67 ـ 69، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به. | ||
![]() |
الصفحة 396 | ![]() |
أفلا يعني هذا التفصيل بين بيعهما من المسلمين المحرّمين لها وبيعهما من غيرهم على أساس اهتمام الشريعة الإسلامية بالمسلمين المحرّمين دون غيرهم؟!! وقد وردت نصوص صحيحة صريحة في جواز بيع العصير أو العنب أو التمر ممّن يجعله خمراً أو سكراً هذا وإن كان في مورد بيع العنب والتمر ممّن يجعله خمراً أو سكراً ما يقتضي الإرتكاز العقلائي والمتشرعي تحريمه كبيعه بقصد تحقق الحرام فإطلاق روايات الجواز منصرفة عنه، على أنّ شبهة ردعه عن الارتكاز لو تمت في الارتكاز العقلائي لا تتم في الإرتكاز المتشرعي فالارتكاز المتشرعي يصلح مقيداً لها.
بطلان العقد عند عدم مشروعيّة الباعث:البحث الثاني ـ في بطلان العقدالذيوقع مقدمة للحرام بناء على تحريمه وعدمه. قد حُقِقَ في علم الاُصول عدم الملازمة العقلية بين الحرمة والبطلان في العقود فلا تصل النوبة إلى البحث عن ان حرمة عنوان آخر انطبق على العقد هل تستلزم عقلا الفساد أو لا؟ وهل التركيب بين ذات العنوان والعقد انضماميّ أو اتحادي مثلا؟ | ||
(1) الوسائل 12: 169 ـ 170، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به. | ||
![]() |
الصفحة 397 | ![]() |
ولكن رغم هذا قد يدل النهي التحريمي في العقود على الفساد بملازمة عرفية حيث أنّ غلبة الحال في الموالي العرفية في إبطالهم لما يمكنهم من إبطاله ممّا هو مبغوض لهم أوجبت دلالة النهي التحريمي المتعلق بعقد ما على الفساد باعتبار انّ الغالب في المبغوضيات الواصلة إلى حدّ تحريك المشرّع العرفي نحو التنصيص على تحريم عقد هو اعتباره فاسداً من قبل ذلك المشرّع، نعم هذا الاستظهار انّما يكون في النهي المتعلق بالعقد بعنوانه. وقد ذكر السيد الإمام أقول: يحتمل أنّ السيد الإمام | ||
(1) راجع المكاسب المحرمة للسيد الإمام 1: 149 ـ 150.
| ||
![]() |
الصفحة 398 | ![]() |
أنّه وأجاب الجواب الأوّل ـ إنّ الشرط في صحة المعاملة إنّما هو القدرة التكوينية على التسليم والتسلم لا الشرعية، ونظّر السيد الإمام والجواب الثاني ـ انّ البائع قادر على التسليم وغير ممتنع عنه غاية ما هناك ان تسليمه مشروط بعدول المشتري عن قصد التخمير مثلا فنكول البائع إنّما هو بتقصير من المشتري وتسبب منه وفي مثله لا يكون النكول منافياً لمقتضى المبادلة بل يجب عليه تسليم الثمن وعدم مقابلة النكول بالنكول. | ||
![]() |
الصفحة 399 | ![]() |
أقول: إنَّ الجواب الثاني أقوى من الجواب الأوّل فقد يورد على الجواب الأوّل بأنّ الارتكاز العقلائي يرى الملازمة بين تشريع حرمة التسليم وبطلان المعاملة في تلك الشريعة والعقلاء في تشريعهم العقلائي لو حرّموا التسليم الحقوا ذلك بفرض عدم إمكانية التسليم ويكون للطرف الآخر حق عدم تسليم العوض وقياس المقام بحبس الدائن المتاع المبيع لأجل استيفاء دينه قياس مع الفارق فان الحبس بعنوان استيفاء الدين يكون بمنزلة التسليم إذ وفّى به دين المشتري الذي كان يمتنع عن وفائه وهذا بخلاف ما نحن فيه. وهذا الإيراد كما ترى لا مجال له على الجواب الثاني. وعلى أيّة حال فقد ذكر السيد الإمام أمّا الوجه العام ـ فهو التمسك بحديث تحف العقول ليس بالفقرة الواردة في مكاسب الشيخ الأنصاري «وكذلك كل بيع (مبيع ظ) ملهوّ به وكل منهي عنه ممّا يتقرب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي (وباب من أبواب الضلالة أو باب من أبواب الباطل) أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه». وما جعلناه في أثناء هذه العبارة بين القوسين هو الساقط من قلم الشيخ الأنصاري | ||
(1) راجع المكاسب المحرّمة للسيد الإمام 1: 150 ـ 151.
| ||
![]() |
الصفحة 400 | ![]() |
والمقدار الموجود في مكاسب الشيخ لا يدل على المقصود فان المبيع الملهوّ به يختص بما يكون آلة للهو ولا يشمل مثل العنب الذي يباع ممّن يصنعه خمراً وكذلك عنوان (كل منهي عنه ممّا يتقرب به لغير الله) يختص بما يحرم كل أو جلّ منافعه، ولا يشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً وكذلك عنوان (أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي) يختص بمثل بيع السلاح من المحاربين وبيع كتب الضلال ونحوهما من المعاصي التي تكون تقوية لمبدأ الكفر والشرك ولا يشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً، وعنوان (باب يوهن به الحق) يختص بما يوجب الوهن في الإسلام كبيع السلاح من المحاربين ونحوه ولا يشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً. أمّا ما يدل في نظر السيد الإمام وأمّا الوجه الخاص بباب الخمر ـ فهو التمسك بروايات لعن غارس الخمر، | ||
![]() |
الصفحة 401 | ![]() |
أي غارس العنب لأجل التخمير والطوائف الاُخرى الدخيلة في شرب الخمر، فان قبلنا دلالتها مباشرة على تحريم بيع العنب ممّن يصنعه خمراً فقد ثبت المقصود وإلاّ فلا أقل من دلالته على حرمة شراء العنب بقصد التخمير، فلئن كان يحرم الغرس مثلا بقصد التخمير فكيف لا يحرم الشراء بقصد التخمير؟! وهذا التحريم يدل على الفساد وإذا فسد الشراء فسد البيع لعدم إمكان التفكيك. أقول: إننا لو تعدينا في الحرمة من الغرس إلى مطلق ما يؤتى به كمقدمة للتخمير فهذا لا يعني توجه النهي إلى البيع أو الشراء بعنوانه كي يوجب الفساد وإنّما هو في قوة تحريم عنوان مقدمة التخمير وقد انطبق صدفة على شراء العنب أو بيعه، وهذا هو القسم الذي لا يوجب الفساد.
في ختام بحث السبب:وبودّي أن أشير في ختام البحث إلى أمرين: الأوّل ـ انّنا لو حرّمنا مثل بيع العنب ممّن يجعله خمراً على أساس حرمة الإعانة على الإثم ونحوها في صورة علم البايع بالحال وقلنا باستلزام هذا التحريم للفساد لم يلزم من ذلك الفساد في صورة جهله بحجة أنّ البائع لئن كان جاهلا بالحال فالمشتري لم يكن جاهلا به إذن فالشراء باطل لعلم المشتري بالحال وإذا بطل الشراء بطل البيع للتلازم بينهما في الصحة والبطلان، فهذا الكلام رغم انّه يفهم من ظاهر تقرير بحث السيد الخوئي | ||
(1) راجع مصباح الفقاهة 1: 185 فانّ التعبير في هذا التقرير أظهر في هذا المعنى الغريب من التعبير في التقرير الآخر وهو المحاضرات 1: 136 الذي لعله يمكن حمله على معنى انّ البائع لو كان عمله إعانة للمشتري على الحرام بطل الشراء أيضاً والمشتري لو كان عمله إعانة للبائع على الحرام بطل البيع أيضاً. | ||
![]() |
الصفحة 402 | ![]() |
انّما هي في طرف بائع العنب امّا المشتري فلم يعن أحداً على الحرام، وليست تهيئة مقدمة الحرام حراماً على نفس العاصي وإنْ كانت حراماً فانّما هي حرام على غير العاصي فلا معنى لفرض بطلان الشراء بسبب علم المشتري بالحال وبالتالي بطلان البيع نعم لو استدل على حرمة الشراء وبطلانه بأحاديث حرمة غارس الخمر كان لإثبات بطلان البيع بالملازمة مجال كما فعله السيد الإمام الثاني ـ قد يقال: كيف ينسجم ما ذكرناه من دلالة النهي عن المعاملة بعنوانها على الفساد مع ما دلّ من الأخبار على صحة بيع الخمر رغم حرمته؟ أفهل يعتبر هذا تخصيصاً لقاعدة فساد المعاملة المنهي عنها بعنوانها أم أنّ هذه القاعدة غير صحيحة؟! والواقع أنّ هذا الاستغراب ثابت في روايات تصحيح بيع الخمر حتى لو لم نؤمن بدلالة النهي عن المعاملة على الفساد أو لم نقل بتعلق النهي ببيع الخمر بعنوانه وذلك لانّ حرمة منافع الخمر اسقطتها عن المالية في نظر الشرع، في حين انّ الشريعة والعقلاء متفقان على فساد بيع ما لا مالية له وإن اختلفا بلحاظ النظرة التشريعية أو بعنوان التكاذب في تشخيص المصداق فإذا كانت الشريعة قد شخّصت في الخمر انّه لا مالية لها فكيف يصح بيعها؟! وكذلك الحال في الخنزير الذي حرمت منافعه ودلّت الروايات على صحة بيعه. أمّا ما هي الروايات الدالة على تصحيح بيع الخمر والخنزير؟ فهي الروايات الواردة في أنّ الدائن يصح له استيفاء دينه من ثمن الخمر والخنزير الذي اكتسبه المدين من بيعهما | ||
(1) الوسائل 12: 171 ـ 172، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، و 13: 116، الباب 28 من أبواب الدين. | ||
![]() |
الصفحة 403 | ![]() |
ذمّياً، لكن هذا لا يوجب تخصيص سائر الروايات به كما فعله الشيخ الحرّ وهذه الروايات تعارض ما دلّ على بطلان بيع الخمر أو الخنزير من قبيل روايات تحريم بيع الخمر وذكر السيد الخوئي في مقام الجمع بين الروايات: انّنا نفصّل بين الكافر والمسلم بصحة البيع بالنسبة للكافر وفساده بالنسبة للمسلم وعلى أيّة حال فقد تمسّك في مصباح الفقاهة لإثبات مدعاه بقاعدة انقلاب النسبة لانّ بعض الروايات الدالة على الصحة تختص بالكافر فيقيد بها ما دلّ على البطلان وشمل بإطلاقه المسلم والكافر فيصبح بذلك اخص من مطلقات الصحة | ||
(1) راجع الوسائل 12: 164 ـ 166، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، و 17: 300 ـ 301، الباب 34 من أبواب الأشربة المحرّمة. (2) راجع الوسائل 12: 164، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به. (3) الوسائل 12: 164، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. (4) راجع الوسائل 16: 309 ـ 312 و 320 ـ 322، الباب 1 و 3 من أبواب الأطعمة المحرّمة و 17: 221 ـ 223، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة. (5) راجع المحاضرات 1: 47 ـ 49، ومصباح الفقاهة 1: 81 ـ 88. | ||
![]() |
الصفحة 404 | ![]() |
وتقيّد به، وهذا الوجه مبنيّ على مبناه من القول بانقلاب النسبة. وذكر في المحاضرات زائداً على هذا الوجه وجهين آخرين: أحدهما ـ دعوى انصراف أدلّة الصحة الواردة في جواز استيفاء الدائن دينه ممّن اكتسب الثمن ببيع الخمر والخنزير إلى الكافر باعتبار عدم تعارف بيع الخمر والخنزير علناً من قبل المسلمين وقتئذ، إذن فهي أخص من أدلة البطلان وبالتخصيص يثبت المطلوب. وثانيهما ـ إنّ بعض أدلة البطلان يختص بالمسلم فلا بد من تخصيص أدلة الصحة بغير المسلم. أقول: إنّ أثر هذه الوجوه الثلاثة في كفاية كفر البائع او اشتراط كفر المشتري أيضاً في صحة البيع مختلف: فلو كان الوجه في التفصيل بين المسلم والكافر هو الوجه الأوّل وهو مبنى انقلاب النسبة لو قلنا به. فالنتيجة هي كفاية كفر البائع وذلك لانّ روايات الصحة المخصوصة بالكافر والتي بها تقلب النسبة وإن كان بعضها مخصوصاً بفرض كفر البائع والمشتري معاً من قبيل حديث علي بن جعفر التام سنداً عن أخيه موسى بن جعفر | ||
(1) الوسائل 12: 172، الباب 61 من أبواب ما يكتسب به. (2) الوسائل 17: 301، الباب 34 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 3. | ||
![]() |
الصفحة 405 | ![]() |
يؤخذ فيه عدا قيد كفر البائع من قبيل ما عن منصور بسند تام قال: قلت لأبي عبد الله أمّا الوجه الثاني وهو دعوى الانصراف فهو يقتضي تخصيص الحكم بالصحة بما إذا كانا معاً كافرين لأنّه كما لم يكن من المتعارف وقتئذ بيع الخمر أو الخنزير من قبل المسلم علناً كذلك لم يكن من المتعارف وقتئذ شراء المسلم لهما علناً، إذن فجميع تلك الروايات منصرفة إلى فرض كفر البائع والمشتري معاً. ولا يرد على دعوى الانصراف: ان الانصراف الناتج من كثرة الوجود الخارجي انصراف بدويّ فانّ هذا الإشكال انّما يكون لدى دعوى انصراف كلمة إلى قسم من مصاديق معناه مما يكثر وجوده خارجاً كما لو ادّعى انصراف كلمة (رجل) إلى الرجل الشجاع لفرض كون غالب الرجال في البلد شجعاناً مثلا، أمّا إذا اكتنفت كلمة بقيد لا يكون غالباً إلاّ مع صنف من أصناف مفاد تلك الكلمة فلا بأس بدعوى الانصراف في ذلك فمثلا لو قال: اكرم رجلا يرمي وكان الرميُ عادةً لا يصدر إلاّ من الرجل الشجاع فلا بأس بدعوى الانصراف إلى الرجل الشجاع وما نحن فيه من هذا القبيل فانّ كلمة الرجل (لا) تنصرف في ذاتها إلى الكافر ولكن اكتنافها بقيد البيع الذي لا يصدر عادة علناً إلاّ من الكافر جعلها تنصرف إلى الكافر. | ||
(1) الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. | ||
![]() |
الصفحة 406 | ![]() |
وأمّا الوجه الثالث وهو اختصاص بعض روايات البطلان بالمسلم مما يوجب تخصيص أدلة الصحة بغير المسلم فتلك الروايات بعضها أخذ فيها قيد إسلام البائع فقط كروايتي الباب 57 ممّا يكتسب به من المجلد الثاني عشر من الوسائل ولكنهما ضعيفتان سنداً وأمّا التامّ منها سنداً فقد ورد في فرض إسلامهما معاً وهو ما مضى من حديث على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ولكن بما أنّ الظاهر صحة دعوى الانصراف فالنتيجة اختصاص الصحة بالمقدار المستفاد من هذه الروايات بفرض كفرهما معاً، إلاّ انّه لا يبعد القول بكفاية كفر المشتري في صحة البيع منه على أساس قاعدة الزامهم بما التزموا به هذا في الخنزير، وكذلك في الخمر لو لم نقل بحرمة بيعه حتى من الكافر تمسكاً بإطلاق روايات لعن بائع الخمر فبناء على ضعف تلك الروايات وعدم ثبوت استفاضتها يتجه جواز بيع الخمر من الكافر سنخ ما ورد من جواز بيع الميتة أو النجس ممّن يستحلّه وعلى أيّة حال فالاستغراب الذي أشرنا إليه في صحة بيع الخمر والخنزير رغم حرمة بيع الخمر بناء على حرمته ورغم سقوطهما عن المالية شرعاً قد انحلّ | ||
(1) راجع الوسائل 12: 67 ـ 68، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به. | ||
![]() |
الصفحة 407 | ![]() |
بما انتهى إليه الكلام من كون هذا الحكم مختصاً ببيع الكافر أو بالبيع من الكافر فانّ تصحيح معاملات الكافر وفق مذهبه حتى لو كانت محرمة يعاقب عليها، أو تصحيح المعاملة مع الكافر وفق مفاد قاعدة الإلزام ليس غريباً، وتصحيح هذه المعاملات يؤثر في تسهيل الاُمور على المسلمين في استفادتهم من أموال الكفار فروايات الباب تكون من سنخ الروايات الواردة في جواز أخذ الجزية من الذمّي من ثمن خمرهم وخنزيرهم وميتتهم الأوّل ـ ان دليل الحرمة التكليفية للبيع أو للانتفاع بالخمر والخنزير لا يختص مفاده بالمسلمين بناء على ما هو الحق من كون الكفار مكلفين بالفروع وقد افترضنا الملازمة العرفية بينهما وبين بطلان البيع، فإذا ثبت الانفكاك بينهما في بيع الكافر فالعرف لا يستظهر بعد ذلك من دليل تلك الحرمة الملازمة مع البطلان في بيع المسلم وهذا معناه سقوط هذه الدلالة الالتزامية تماماً. وهذه الشبهة انّما ترد لو قلنا بانّ الدلالات الضمنية تكون في حجيتها أيضاً ضمنية وليست انحلالية قابلة للتفكيك وانّ حجّية العام في ما عدا مورد التخصيص ليست لأجل انحلالية حجية الدلالات الضمنية بل لأجل وجود ظهور آخر طولي في أقرب المجازات يؤخذ به عند سقوط الظهور الأوّل وهو الظهور في العموم، أمّا في المقام فبعد ان سقط جزء من هذه الدلالة الالتزامية فقد سقط كلها إذ ان العرف لا يعترف بالملازمة بالنسبة للمسلم بعد سقوطها بالنسبة للكافر. | ||
(1) راجع الوسائل 11: 117 ـ 118، الباب 70 من أبواب جهاد العدو. | ||
![]() |
الصفحة 408 | ![]() |
وهذا الكلام قد اتضح جوابه ممّا سبق فان كون الملازمة العرفية بالنسبة للمسلم أقوى منها بالنسبة للكافر معقول في المقام وذلك لمعقولية تنفيذ المعاملات الشخصية للكفّار الذين لا يؤمنون بشريعة ما من قبل تلك الشريعة ولو لأجل تسهيل اُمور المؤمنين بتلك الشريعة، أو لقاعدة الإلزام رغم عدم تنفيذها حينما تقع فيما بين المؤمنين بتلك الشريعة، إذن فالظهور الطولي في البطلان بالنسبة للمسلم بعد سقوط حجية الظهور في البطلان على الإطلاق ثابت في المقام. الثاني ـ ان يقال: انّ التفكيك بين حرمة البيع وبطلانه بان يحرم ويصح وأن كان متعقلا في نظر العرف والعقلاء ولكن التفكيك بين حرمة الانتفاعات وبطلان البيع بان يكون الخمر أو الخنزير ساقطاً عن المالية شرعاً ومع ذلك يصح بيعه من الكافر غير متعقل في نظرهم فدليل صحة بيعهما بالنسبة للكافر يعارض أصل دليل حرمة منافع الخمر والخنزير بعد عدم احتمال حليتها للكفار بان يصبح الكفر موجباً لتسهيل الأمر عليه وبما ان حرمة منافعهما من الواضحات فهذه الروايات ساقطة في المقام. والجواب: أولا ـ ان صحة بيعهما من الكفار ولو تسهيلا لاُمور المسلمين أمر يتعقلهُ العرف كما مضى. وثانياً ـ هناك حديث مصرّح بالتفصيل بين الحرمة على الكافر وحلّ الثمن للدائن المسلم وهو قوله في حديث محمد بن مسلم: «أمّا للمقتضي فحلال وأمّا للبائع فحرام» | ||
(1) الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. | ||
![]() |
الصفحة 409 | ![]() |
الأساسية من الأكل والشرب هي ادلة التفصيل بين حرمة المنافع الأساسية وحلية ثمنه للدائن المسلم فلو كان هذا يعني صحة البيع فكونه خلاف الملازمة العرفية لا يمنع من قبوله تعبداً. على أنّنا لو سلّمنا عدم تقبّل العرف للتفكيك بين حرمة عمدة المنافع وبطلان البيع كان هذا موجباً لسقوط ظهور هذه الروايات في صحة البيع وحملها على مجرّد تحليل من قِبَل الشارع للمسلم الدائن ان يستوفي ديَنه من هذا المال. وعلى أيّة حال فقد اتضح بما ذكرناه ان ما فعله الغربيون من جعل السبب ركنا من أركان العقد لا أساس له عندنا وانما نقول: بطلان المعاملة عند حرمة دواعيها في مورد خاص حينما يدل عليه دليل خاص دلّ على حرمة بيع الخشب ممّن يصنعه صنماً أو صليباً، أو بيع السلاح من المحارب للإسلام والمسلمين ولا نقول بذلك على شكل قاعدة عامّة ولنعد الآن إلى بحث الأركان الأربعة التي عددناها للعقود وهي: الإرادة، وإبرازها، والمتعاقدان، والمحلّ. فنقول:
| ||