![]() |
الصفحة 271 | ![]() |
ـ 2 ـالعقود المستحدثةالجهة الثانية: أنّ العقود المشروعة ليست منحصرةً في العقود المسمّـاة في النصوص أو في كتبنا الفقهيّة القديمة، بل كلّ عقد جديد اُستحدث في زمان متأخّر كعقود التأمين أو السرقفليّة أو يستحدث في المستقبل ما دام لا يعارض الشرائط العامة ولم يرد دليل على خلافه، نحكم بصحته وذلك تمسكاً بجملة من الإطلاقات الماضية كـ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وآية ﴿ أخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾، وكذلك آية ﴿ تجارة عن تراض ﴾ إن كان العقد الجديد تجارة وكذلك قوله «المؤمنون عند شروطهم». نعم، لو كان الشك في مشروعية المتعلق لم يتم التمسك بهذه الإطلاقات، إمّا لأنّ هذه الإطلاقات حيثية أي أنّها إنّما تبيّن احترام العقد من حيث أنّه عقد أو لأنّها أحكام ثانويّة في إطار الأحكام الأوّليّة. ولا فرق في ما ذكرناه في التمسك بالإطلاقات لتصحيح العقود الجديدة بين عقد يكون من سنخ شرط الفعل أو عقد يكون من سنخ شرط النتيجة ولا يتوهم عدم تمامية الإطلاق بالنسبة للثاني، فأوفوا بالعقود لو خصصناه بما يكون من سنخ شرط الفعل لما شمل مثل البيع الذي هو في فقهنا إنشاء للنتيجة مباشرة من التمليك والتملّك، فلو كان ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ شاملا للبيع فهو شامل للعقود | ||
![]() |
الصفحة 272 | ![]() |
الجديدة التي تُنشئ النتيجة، وأمّا آية ﴿ ميثاقاً غليظاً ﴾ فموردها ما كان من قبيل شرط النتيجة وهو ملكيّتها للمهر وكذلك آية التجارة القدر المتيقّن منها البيع الذي يُنشئ مباشرة النتيجة وأمّا قوله: «المؤمنونَ عند شروطهم» فإن لم نقبل دلالته في فهمنا على إمضاء شرط النتيجة كفانا تطبيقه من قِبَل الإمام موسى بن جعفر نعم في شرط النتيجة أو إيجاد النتيجة بالعقد لا بدّ أيضاً من الفراغ مسبقاً عن مشروعية تلك النتيجة، بمعنى صحةِ إيجادها في ذاتها بقطع النظر عن هذا العقد، فمثلا لو تعاقدا على أن يصبح أحدهما عبداً للآخر لم تدلّ المطلقات على صحة هذا العقد لعدم مشروعية النتيجة، وكذلك لو تعاقدا على أن تكون حيازة أحدهما للآخر مقابل تمكينه من استعمال وسائل الحيازة أو مقابل أي ثمن من الأثمان بحيث تصبح الحيازة مملّكة للمال المحاز إيّاه دون المُـحيز، فهذا غير واضح الصحّة، لأنّ أصل تمليك الحيازة لشخص بمعنى أن تصبح مملّكة للمال المحاز إ يّاه غير معلوم الصحة عقلائياً أو شرعاً. أمّا لو مكّنه من استعمال وسائل الحيازة أو ملّكه مالا في مقابل تمليكه إ يّاه للمال الذي سيحوزه بنحو شرط الفعل أو النتيجة لا في مقابل مملّكية الحيازة للمال إيّاه فهذا لا ينصدم بالإشكال الذي عرفت، إذ لا إشكال في مشروعية تمليك مال مّا لشخص. ولكن هذا قد ينصدم بإشكال عدم معلومية العِوض إذا كان لا يُعلم بما ستدخل في الحيازة خاصّة إذا كانت أصل مالية ما سيدخل في الحيازة | ||
(1) الوسائل 15: 49، الباب 4 من أبواب المهور، الحديث 2. ولا يخفى أنّه مضى منّا في الهامش في ذيل البحث عن آية ﴿ اُوفوا بالعقود ﴾ نقاش في الاستدلال بأمثال هذه الإطلاقات. | ||
![]() |
الصفحة 273 | ![]() |
غير معلومة، أو ينصدم بإشكال بيع ما لا يُملك الذي ورد النصّ الخاص على بطلانه، إلاّ أنّ هذه الإشكالات غير مرتبطة بالمقام. ولو باعه شيئاً في الذمة ثم ملّكه بالحيازة فوفّى به ما ثبت على ذمّته فهذا صحيح بلا أي انصدام بإشكال من هذه الإشكالات كما هو واضح. فقه العقود، الجزء الأوّل، من صفحة 325 إلى 409 | ||
![]() |
الصفحة 274 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 275 | ![]() |
ـ 3 ـأصالة اللزوم في العقودالجهة الثالثة ـ هل إنّ إطلاقات العقود تفيد أنّ العقود بحسب الطبع الأوّلي لها لازمة أو لا؟ نتكلّم هنا أوّلا عن الإطلاقات المفيدة للّزوم ثم نلحق بهذا البحث ما إذا كان لدينا دليل آخر على اللزوم كالسيرة والاستصحاب وبعد ذلك نبحث إن شاء الله عمّـا قد يُدّعى في خصوص المعاطاة من الإجماع على عدم اللزوم أو عدم الملك ثم نبحث إن شاء الله عن أنّ العقود غير اللازمة كالوكالة والعارية والوديعة هل هي خارجة تخصّصاً أو تخصيصاً؟
الإطلاقات الدالّة على اللزوم:أمّا الإطلاقات الدالّة على اللّزوم فهي جملة من الإطلاقات الماضية زائداً حديث عدم حِلّ مال المسلم إلاّ بطيب نفسه. فمن تلك الإطلاقات حديث «الناس مسلّطونَ على أموالهم» بقطع النظر عمّـا مضى من ضعفه سنداً، وأوّل إشكال دِلالي يخطر بالبال في المقام هو أنّه بعد الفسخ يشكّ في كون المال باقياً على ملك المالك السابق فالتمسّك بحديث «الناس مسلّطون على أموالهم» لصالح المالك السابق تمسّك بالعام في الشُبهة | ||
![]() |
الصفحة 276 | ![]() |
المصداقية لنفس العام. ويُجاب على هذا الإشكال، بأنّنا نتمسّك بهذا الحديث بلحاظ نفس الفسخ ففسخ المعاملة من قِبَلِ أحد الطرفين رغماً على الطرف الآخر ينافي سلطنته على ماله. وقد يُعمّق الإشكال ببيان لا يكفي في إبطاله هذا الجواب، وهو ما قد يُقال من أنّ السلطنة حكمٌ موضوعه المال المنتسب إلى الشخص فإنّ هذا هو المستفاد من إضافة المال في الحديث إلى الضمير وهذا يعني أنّ موضوع السلطنة هو الشيء المملوك ولا بدّ من حفظ الموضوع في الرتبة السابقة على الحكم فنفس الحكم لا يدلّ على ثبوت الموضوع أو نفيه وعليه فما معنى التمسّك بهذا الحديث لإبطال الفسخ؟ فإن كان معناه أنَّ إفناء الموضوع، وهو ملكية المشتري مثلا بفسخ البايع غير نافذ بدليل السلطنة، كان هذا خُلف ما ذكرناه من أنّ الحكم لا يدلّ على حفظ موضوعه، وإن كان معناه إثبات السلطنة على المملوك بعد الفسخ ورغم الفسخ فهذا أوضحُ بطلاناً، لأنّنا نحتمل أن يكون الفسخ قد أنهى الملكية. وقد يُضاف إلى هذا التقريب بيان أنّ حديث السلطنة إنّما نطق بثبوت السلطنة على نفس المال ولم ينطق بثبوت السلطنة على نفس السلطنة، وسلطنة المشتري مثلا على المنع عن الفسخ تعني السلطنة على إبقاء سلطنته على المال ولا تعني السلطنة على نفس المال. وأيّ واحد من هذين البيانين لو تمَّ يرد في مسألة الإعراض أيضاً وهي أنّ إعراض المالك عن ملكيّة ماله هل يُخرجه عن ملكيّته أو لا؟ حيث قد يُقال: إنّ دليل السلطنة يدلّ على مخرجيّة الإعراض لأنّ قدرة الإنسان على إخراج ماله من ملكه نوع من السلطنة على ماله، فيُجاب على ذلك تارةً بأنّ الحكم لا يحفظ ولا يزيل موضوع نفسه، وإنّما يُؤخذ الموضوع مفروغ | ||
![]() |
الصفحة 277 | ![]() |
الوجود في الرتبة السابقة على الحكم، إذن فالسلطنة على الملك لا تدلّ على إمكان إزالة الملكية بالإعراض، واُخرى بأنّ حديث السلطنة إنّما ورد في السلطنة على نفس المال لا على السلطنة، والسلطنة على الاعراض وإنهاء الملكية إنّما هي سلطنة على نفس السلطنة لا على المال. وينبغي أن يكون المقصود بالسلطنة على السلطنة، السلطنة على إبقاء الملكية وإزالتها لا السلطنة على السلطنة التي هي حكم للملكية والتي هي بمعنى جواز التصرفات وصحّتها. وعلى أيّة حال فالواقع أنّ كلا هذين التقريبين غيرُ تام. فأوّلا ـ يرد عليهما النقض بمثل البيع إذ لا شك في أنّ قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» يدلُ على كون المالك أولى ببيع ماله من غيره، كما يدلّ على كونه أولى بالتصرّف الاستهلاكي فيه من غيره، مع أنّه بناءً على هذين التقريبين يجب أن تختص السلطنة في الحديث بالتصرفات الاستهلاكيّة دون التصرفات الاعتباريّة كالبيع وذلك لأنّ البيع إخراج للمال عن ملك صاحبه وسلطنته والمفروض أنّ الملكية موضوع للسلطنة ولا بدّ أن تنحفظ في الرتبة السابقة عليها، ولا يدلّ الحكم على إزالة موضوع نفسه أو قل إنّ الحديث إنّما دلّ على السلطنة على نفس المال لا على الملكية أو السلطنة والقدرة على البيع تكون سلطنةً على الملكيّة أو السلطنة لا على نفس المال. وثانياً ـ الحلّ بالإجابة على كلا التقريبين، أمّا التقريب الثاني فبأنّ السلطنة على إبقاء الملك وإزالته تُعتبر سلطنة على المال وليس المفهوم عرفاً من السلطنة على المال خصوص السلطنة على التصرّفات الاستهلاكيّة. وأمّا التقريب الأوّل فجوابه: أنّ المفهوم عُرفاً بمناسبات الحكمِ والموضوع هو أنّ موضوع السلطنة | ||
![]() |
الصفحة 278 | ![]() |
على التصرّف إنّما هي الملكية الثابتة للمال بقطع النظر عن التصرّف، وإن كان نفس ذاك التصرّف مُخرجاً للمال عن الملكية استهلاكاً أو اعتباراً. وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه أنّ قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم» يدلّ على أنّ الطبع الأوّلي للعقود هو اللزوم لأنّ نفوذ الفسخ من قِبَل أحد الطرفين رغماً على الطرف الآخر خلاف سلطنته على ماله. وهذا لا يستلزم القول بأنَّ الإعراض عن الملكية يُخرِجُ المالَ عن الملكِ تمسّكاً بـ «الناس مسلطون على أموالهم» وذلك لما مضى من أنّ قوله: النّاس مسلّطون على أموالهم إنّما يدلّ على أنّ كلّ تصرّف سائغ أو صحيح ونافذ في نفسه يكون المالك أولى به من غيره، وصحّة الإعراض ونفوذه أوّلُ الكلام، وهذا بخلاف ما نحن فيه فإنّ إبقاء المال في ملك مالكه وعدم الفسخ مشروع في ذاته بلا إشكال فيكون المالك مسلّطاً على ذلك، وإعطاء الفسخ بيد أحد الطرفين خُلف سلطنة الآخر على المال فلا بدّ أن يكون برضاهما معاً كي لا يكون خلاف سلطنة أيّ واحد منهما على ماله وعندئذ يكون مشروعاً وهو المسمّى بالإقالة. ولا يُقال: إنّ مسألة اللزوم في المقام ومسألة نفوذ الإعراض متلازمتان، لأنّ إحداهما تعني السلطنة على إبقاء الملكية، والاُخرى تعني السلطنة على إزالتها، ومن الواضح أنّ نسبة السلطنة إلى الإبقاء والإزالة على حدٍّ سواء، فالسلطنة على الإبقاء وحده أو الإزالة وحده ليست سلطنة، بل هي عبارة عن ضرورة البقاء أو ضرورة الزوال، وهذا سنخ ما يُقال في القدرة التكوينية من أنّ نسبتها إلى الوجود والعدم على حدٍّ سواء، ولا تُعقل القدرةُ على الوجود فقط أو على العدمِ فقط فإنّ ذلك يعود إلى الوجوب أو الامتناع وهما غير القدرة. فإنّه يقال: صحيح إنّ السلطنة الشرعية كالقدرة التكوينية نسبتها إلى الإبقاء | ||
![]() |
الصفحة 279 | ![]() |
والإزالة على حدٍّ سواء لكننا لو فصّلنا بين مسألة الإعراض ومسألة اللّزوم فهذا ليس تفصيلا بين طرفي النقيض في مورد واحد حتى يُقال إنّ هذا يُنافي معنى السلطنة وإنّما هذا تفصيل بين الأسباب، فالفسخ الذي أراده الطرف الآخر سبب لإزالة الملك، ويكون المالك مسلّطاً عليه نفياً وإثباتاً والإعراض سبب آخر لإزالة الملك قد لا يكون المالك مسلّطاً عليه نفياً وإثباتاً. ومنها حديث «المؤمنون عند شروطهم» فبعد فرض شمول الشرط للعقد يصبح كـ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ويأتي فيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وقد يُقال: إنّ رواية منصور بزرج صريحة في اللّزوم ومنها آية ﴿ أوْفوا بِالعُقودِ ﴾ | ||
(1) راجع كتاب البيع للسيّد الإمام 1: 144.
(2) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
(3) المائدة: 1.
| ||
![]() |
الصفحة 280 | ![]() |
إنَّ الفسخ من طرف واحد يُعدّ خلافاً للوفاء وهذا بخلاف التقايل فإنّه وإن كان مخالفة للعقد لكنّه لا يُعدّ عرفاً خلاف الوفاء والشبهة التي مضت في «الناس مسلّطون على أموالهم» من أنّه بعد الفسخ يُشكّ في كونه ماله فالتمسّك به تمسّكٌ بالعام في الشبهة المصداقية للعام لو تمّت هناك لا تأتي هنا، لوضوح أنّ موضوع الوفاء بالعقد ليس هو القرار المستمر بل بمجرّد أن حدث قرار مرتبط بقرار تمَّ موضوع أوفوا بالعقود، ولو عَدَلَ بعد ذلك أحدهما عن قراره اشتهاءً وكذلك لو نسيه مثلا فزال من قلبه فإنّه مهما تذكّره لا تجوز له مخالفته، فلا تأتي شبهة أنَّ الفسخ قد ينهي العقد كما ينهي الملكية فنبتلي بمشكلة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للعام. والفسخ من طرف واحدرغم الآخر عين عدم الوفاء بالعقد بلا شكّ. وقد اتّضح بكل ما ذكرناه أنّه لا مجال لما قد يُقال من: أنّ العقد أمرٌ عرفي عقلائي وهو مستمر إلى حين الفسخ وينتهي بالفسخ أو يُقال: إنّ هذا الوجود العرفي العقلائي وإن كان لا ينتهي بكل فسخ ولكنه ينتهي بالفسخ إذا كان تزلزل العقد أو الخيار عقلائياً فإذا شككنا في عقلائية الخيار أو تزلزل العقد أو كان نفس العقلاء شاكّين في الخيار أو التزلزل كان التمسّك بدليل أوفوا بالعقود المنصرف إلى العقد العرفي العقلائي تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية أو يُقال: أنّه حتى لو ثبت عدم عقلائية الخيار أو التزلزل ولكن شككنا في اللزوم الشرعي لم يمكن إثبات اللزوم بـ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ لأنّ العقد وإن كان باقياً عقلائياً بعد الفسخ لعدم تأثير الفسخ في نظر العقلاء حسب الفرض لكنّ الشارع إنّما يأمرنا بالوفاء بالعقد الشرعي والمفروض أنّنا نحتمل اختلاف نظر الشرع عن نظر العقلاء فنحتمل عدم موافقة الشارع، إمّا بمعنى تخطئتهم أو بمعنى كون جعل الشارع واعتباره مختلفاً عن جعلهم واعتبارهم. | ||
![]() |
الصفحة 281 | ![]() |
إذن فالتمسّك بـ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد يُقال: إنّ التمسك بأوفوا بالعقود في مورد يعتبر العقلاء عدم تأثير الفسخ صحيح ببركة الإطلاق المقامي ولكنّ الإطلاق المقامي لا يتمّ فيما إذا لم يحرز اللزوم عقلائياً، وهو القرار المرتبط بقرار أو الالتزامان المتقابلان وهذا يكفي فيه الوجود الآني ولا معنى لفرض زواله بالفسخ. وعلى أيّةِ حال فدلالة ﴿ أوفوا بالعقود ﴾على اللزوم يمكن أن تتصوّر بأحد شكلين: الأوّل ـ أن تطبَّق الآية على نفس الملك الذي حقّق بالعقد فيُقال: إنّ معنى الوفاء بالعقد هو أن يبقى صاحبه وفيّاً بما أحدثه من الملك والنقل وبناء على هذا فالأمر بالوفاء أمرٌ وضعي بمعنى عدم نفوذ الفسخ إذ لا نحتمل حرمة الفسخ تكليفاً فالآية تدلّ بالمطابقة على اللزوم. إلاّ أنّ هذا الوجه خلافُ الظاهر لأنّ الآية لا تختصّ بالعقود المحققة للملك بنحو شرط النتيجة بل تشمل العقود التي هي في واقعها التزام مرتبط بالالتزام. والأمر بالوفاء بتلك العقود محمول على ظاهره وهو الأمر التكليفي، وافتراض كونه بلحاظ بعض العقود أمراً تكليفياً وبلحاظ بعضها أمراً وضعياً يشبه فرض استعمال اللفظ في معنيين. الثاني ـ أن تطبَّق الآية على ترتيب آثار الملك والنقل من التسليم إلى المالك الجديد وعدم مزاحمته في الاستفادة من المتاع ونحو ذلك، ويحمل الأمر على ظاهره من الأمر التكليفي ويُقال: إنَّ الالتزام بتلك الآثار المترتّبة على الملك الذي حصل بالعقد يعتبر عرفاً وفاء بالعقد ووجوب هذا الوفاء لازمه عدم تأثير النسخ، إمّا ببيان أنّ إطلاق هذا الحكم يشمل ما بعد النسخ وهذا يعني عدم تأثير الفسخ لعلمنا بأنّه لو أ ثّر الفسخ لما بقى وجوب الوفاء بالعقد ثابتاً، وإمّا ببيان أنّ وجوب الوفاء بالعقد مع الترخيص في الفسخ يُعتبر عرفاً لغواً وأمراً غير معقول. | ||
![]() |
الصفحة 282 | ![]() |
والخلاصة إنّ الآية تدلُ بالمطابقة على وجوب الوفاء وبالملازمة على اللزوم. فإن قلت: إنّ لازم ذلك أنّ البايع مثلا لو خالف التكليف الشرعي وغصب العين المبيعة يشتدُّ عقابُه لأنّه فعل حرامين، أحدهما الغصب والثاني ترك الوفاء بالعقد، مع أنّه لا إشكال في عدم الفرق بينه وبين أيّ إنسان آخر أجنبيّ عن هذه المعاملة يأتي ويغتصب هذه العين. قلتُ: إن ثبت بمثل ضرورة فقهية أو وضوح لا يقبل الشك أو بظهور عرفي ناشئ من المناسبات أنّهما سيّان عرفنا أنّ السببين وهما الغصب وترك الوفاء بالعقد يتداخلان عند الاجتماع ويوجبان حكماً واحداً ليس بأشدّ وآكد من واحد من الحكمين كما هو الحال في كلِّ حكمين بين موضوعهما عموم من وجه، لو علمنا من الخارج بعدم التأكّد في مادة الاجتماع فلو ورد أكرم العالم وأكرم الهاشمي وعلمنا بعدم تأكّد الحكم في العالم الهاشمي ثبت عليه حكم واحد غير آكد من وجوب الإكرام في مادة الافتراق. ومنها ـ آية ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض ﴾ | ||
(1) النساء: 29. | ||
![]() |
الصفحة 283 | ![]() |
بكل سبب فإنّه باطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض فعلى كلا التقديرين يثبت المقصود إذ على الثاني يكون مقتضى الحصر بطلان الفسخ لأنّه ليس تجارة عن تراض، وعلى الأوّل يكون الفسخ في الحالات الاعتيادية التي يُعتبر فيها باطلا في نظر العرف داخلا في جملة المستثنى منه وهي النهي عن الأكل بالباطل فيبطل. ومنها ـ آية ﴿ أخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ وقد يتمسّك في المقام بجملة المستثنى في آية التجارة أو بآية ﴿ أحلَّ الله البيع ﴾ لإثبات اللزوم بدعوى إنّ إطلاق مثل ذلك يشمل ما بعد الفسخ فمن تملّك شيئاً بالبيع وبالتجارة عن تراض جازت له الاستفادة منه حتى بعد الفسخ تمسّكاً بإطلاق ﴿ تجارة عن تراض ﴾ أو بإطلاق ﴿ أحلّ الله البيع ﴾ وبه يثبت عدم نفوذ الفسخ. ويردُ عليه: أنّه إن كان المقصود بـ ﴿ تجارة عن تراض ﴾ أو ﴿ أحلّ الله البيع ﴾ كون التجارة عن تراض أو البيع مملّكاً فهي إنّما دلّت على حصول الملك، أمّا بقاءه وعدم بقائه بعد الفسخ فغير مفهوم من الآيتين، وإن كان المقصود بهما حلّية التصرّف تكليفاً فأدلّة الإباحة دائماً حيثيّة، فلو ورد دليل على حلّية الجبن لم يمكن التمسّك بإطلاقه لما إذا كان الجبن مغصوباً أو نجساً مثلا، وإنّما الدليل دلَّ على أنّ الجبن ـ من حيث هو جبن ـ حلال، وكذلك في المقام إنّما دلَّ الدليل على أنّ التجارة عن تراض أو البيع يترتّب عليهما ـ بحدِّ ذاتهما ـ حِلّ التصرّف. أمّا طرو الحرمة مرة اُخرى بالفسخ وعدمه فهو غير مستفاد من هذا الدليل. | ||
(1) النساء: 21. | ||
![]() |
الصفحة 284 | ![]() |
والنكتة في حمل العرف لأدلّة الإباحة على الحكم الحيثيّ هي أنّ الإباحة يكفي فيها عدم الاقتضاء للزوم واللااقتضاء لا يزاحم المقتضي. وأمّا حديث عدم حِلّ مال المسلم بغير رضاه فقد ورد في صيغتين: الاُولى ـ حديث سُماعة وزيد الشحّام عن أبي عبد الله والثانية ـ التوقيع عن الإمام صاحب الزمان فإن حملنا الحِلّ في الروايتين على ما يشمل الحِلّ الوضعيّ، وحملنا التصرّف في الرواية الثانية على ما يشمل التصرّف الاعتباري دلّت الروايتان على بطلان فسخ أحد المتعاملين من دون رضا الآخر، لأنّه تصرف اعتباري في ماله فهو غير حلال بمعنى أنّه باطل. أمّا إذا حملنا الحِلّ على الحلّ التكليفي فحسب بدعوى كونه حقيقة فيه دون الحِلّ الوضعي فقد يُدَّعى أنّ الرواية بكلتا صيغتيها تصبح أجنبية عن أدلة اللزوم، لأنّ التمسك بها بعد الفسخ تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للعام، فأنّها حسب الفرض لم تشمل الحلّ الوضعي والتصرف الاعتباري كي تشمل الفسخ وتدلّ على | ||
(1) الوسائل 3: 424، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1 و 19: 3، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3. (2) الوسائل 6: 377، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 6. | ||
![]() |
الصفحة 285 | ![]() |
بطلانه وإنّما تنظر إلى تحريم التصرف الاستهلاكي والانتفاعي في ملك الغير وكونه بعد الفسخ باقياً على ملك الغير أوّل الكلام، ولا يأتي هنا الجواب الذي مضى عن هذه الشبهة في «الناس مسلطون على أموالهم» من أنّ الكلام في نفس الفسخ إذ المفروض هنا أنّ الرواية أجنبية عن نفس الفسخ. وإنْ حملنا الحلّ في الرواية الاُولى على ما يشمل الحلّ الوضعي وفي الرواية الثانية على الحلّ التكليفي، بدعوى أنّ كلمة التصرف قرينة على ذلك لأنّ التصرف حقيقة في التصرف الاستهلاكي والانتفاعي دون الاعتباري، إذن فالرواية الاُولى تدل على اللزوم والثانية تأتي فيها الشبهة التي شرحناها. والواقع أنّه حتى إذا فسّرنا الحِلّ بمعنى الحِلّ التكليفي ـ كما هو الظاهر ـ فالرواية بكلتا صيغتيها تدلُّ على اللزوم وذلك لأنّ العرف لا يتعقّل افتراض حرمة التصرف الانتفاعي والاستهلاكي في مال الغير مع صحّة تملّكه بلا رضاه ومن ثَمّ جواز تصرفه فيه بعد التملك لأنّه خرج عن كونه مال الغير، فأيُّ احترام هذا لمال الغير حينما يحرّم التصرف فيه بلا إذنه، لكن يحلّل تملّكه بلا إذنه أوّلا ثم التصرف فيه لأنّه خرج عن كونه مالا له؟!! إذن فدليل حرمة التصرف الاستهلاكي والانتفاعي في مال الغير بلا إذنه يدلُّ بالالتزام العرفي على بطلان تملّكه بلا إذنه، فالفسخ إذن من دون إذن الطرف الآخر للمعاملة غير صحيح حسب الطبع الأوّلي.
دلالة السيرة والاستصحاب على اللزوم:وهنا وجهان آخران لإثبات اللزوم غير الإطلاقات وهما: أوّلا ـ التمسك بالسيرة، والبحث في ذلك من قبيل بحثنا عن السيرة في إثبات صحة المعاطاة فلا نُعيده. | ||
![]() |
الصفحة 286 | ![]() |
وثانياً ـ الاستصحاب، فالملكية التي حصلت بالعقد قد شككنا في زوالها بالفسخ نتيجة الشك في لزوم العقد وجوازه فنستصحب بقاءه، والملكية التي زالت بالعقد قد شككنا في رجوعها وعدمه نتيجة الشك في لزوم العقد وجوازه فنستصحب عدمها. وعمدة الإشكالات التي قد تورد على هذا الاستصحاب أمور ثلاثة: الإشكال الأوّل ـ إشكال السيد الخوئي والإشكال الثاني ـ إشكال استصحاب الكلّي حيث يُقال: إنّ الملك الحاصل في المقام مردَّدٌ بين الملك الجائز والملك اللازم، والأوّل إن كان فهو مرتفع يقيناً، والثاني مشكوك الحدوث، فهذا من قبيل العلم الإجمالي بوجود حيوان مردّد بين حيوان طويل العُمر وحيوان قصير العمر. وهذا الإشكال يمكن بحثه مبنىً وبناءً: أمّا بحثه المبنائي، وهو البحث عن حجيّة القسم الثاني من استصحاب الكلّي فنحيله أيضاً إلى محلّه من علم الاُصول والمختار هو حجيته. وأمّا بحثه البنائي، فهو عبارة عن المنع عن كون الجواز واللزوم مفرّدين للملكيّة ومقوّمين لها أو كاشفين عن مايز مقوّم بينهما. نعم هما يعتبران من أحكام الملكية، فالملكية تارة يحكم عليها بالجواز واُخرى باللّزوم تبعاً لاختلاف | ||
![]() |
الصفحة 287 | ![]() |
أسباب الملكية أو مواردها لا تبعاً لاختلاف حقيقة الملك. إذن فاستصحاب الملكية استصحاب لشخص الملكية لا للجامع بين الفرد الذي لو كان فهو زائل والفرد المشكوك الحدوث. وتوضيح ذلك: أنّ معنى الملكية الذي انشأه المتعاقدان هو معنى مفهوم لدى العقلاء ومعروف عدم تقوّمه بالجواز أو اللزوم وعدم اختلافه بعنصر مقوّم لأقسام الملكية موجب للاختلاف بينهابالجواز واللّزوم، فليس ما ينشئه المتعاقدان في الهبة اللاّزمة مختلفاً عمّا ينشئآنه في الهبة الجائزة، نعم مصبّ كلامنا إنّما هي الملكية الشرعية لا ما انشأه المتعاقدان. ولكن إذا كان من الواضح أنَّ الجواز واللزوم لا دخل لهما فيما ينشئه المتعاقدان ولا يتبعان فرقاً بين المنشأين قلنا: إنّ ظاهر أدلة إمضاء العقود عرفاً إنّما هو ترتيب الملكية الشرعية بالنحو المماثل للمعنى الذي قصده المتعاقدان، وذلك إمّا بدعوى أنَّ إمضاء عقد شرعاً يكون ظاهراً ابتداء في إمضاء ما قصده المتعاقدان إلاّ ما خرج بالدليل، وإمّا بدعوى أنّ الحكم العقلائي الذي يترتب في ارتكاز العقلاء على العقد إنّما هي الملكية بالمعنى المماثل لما قصده المتعاقدان، والأحكام الشرعية الواردة في موارد الارتكازات العقلائية تحمل بطبعها الأوّلي على ما يطابق تلك المرتكزات إلاّ ما خرج بالدليل. هذا والشيخ الأنصاري | ||
![]() |
الصفحة 288 | ![]() |
أمّا كلامه الأوّل ـ وهو كون الاستصحاب في المقام استصحاباً لشخص الملك لعدم اختلاف حقيقة الملك في مورد اللزوم عنها في مورد الجواز، فأورد عليه بأنّ هذا لا ينسجم مع فهم الشيخ الأنصاري ولكن المستفاد من كلام الشيخ الأنصاري فإذا كان هذا هو حقيقة الجواز واللزوم في العقود اللازمة والجائزة مما لا علاقة له بفسخ السبب وهو العقد وعدمه، إذن فاختلاف الملك باللزوم والجواز ليس من أحكام الأسباب وهي العقود كي يختلف باختلافها، وإنّما هو من أحكام المسببات وهي نفس الملك حيث كان معنى الجواز إمكان التراجع عن المسبب مباشرة ومعنى اللزوم عدم إمكانه، ولا إشكال في أنَّ اختلاف حكم الملك يتبع اختلاف خصوصية في الملك كي لا يكون حكم الشارع جزافاً وإن فرض اختلاف الخصوصية في الملك ناتجاً عن اختلاف الأسباب، وهذا يؤدّي إلى | ||
![]() |
الصفحة 289 | ![]() |
رجوع استصحاب الملك في المقام إلى استصحاب الكليّ أمّا عبارة الشيخ الأنصاري ولا يخفى أنَّ هذا التعبير لا يدلّ على ما قاله المحقّق الخراساني | ||
(1) راجع تعليقة المحقق الخراساني على المكاسب: 13 و 14.
(2) المكاسب 1: 91، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.
| ||
![]() |
الصفحة 290 | ![]() |
وعلى أية حال فنحن لا نملك دليلا على الفرق بين الجواز في العقد الجائز والجواز في مورد الخيار، بكون الأوّل متعلقاً بالعقد وفسخه، والثاني متعلقاً بالترادّ من دون توسيط فسخ العقد، عدا أن يُقال إنّ العقد إذا كان في ذاته لازماً إذن هو مشمول لأدلة وجوب الوفاء به كـ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فإذا دخله الخيار لم يجز التراجع عن ثمرة العقد إلاّ بعد فسخ العقد لأنّ التراجع عنها مع افتراض العقد قائماً على حاله خلف وجوب الوفاء به، فلا بدّ أوّلا من إعمال حق الخيار بفسخ العقد، فإذا انتهى العقد انتهى موضوع وجوب الوفاء بالعقد فيتمّ الترادّ والتراجع عن الثمرة بتبع فسخ العقد. وأمّا إذا كان العقد في ذاته جائزاً كالهبة أو المعاطاة على القول بجوازها فمعنى جوازه خروجه تخصيصاً أو تخصصاً من أدلة وجوب الوفاء بالعقود، وعندئذ فلا بأس بالترادّ من دون حاجة إلى توسيط فسخ العقد، لأنّ العقد في ذاته ليس لازماً كي يكون فرض بقائه قائماً على حاله مانع عن الترادّ ومخالفة ما بنوا عليه. إلاّ أنّ هذا البيان لا يرجع إلى محصّل، ويرد عليه: أوّلا ـ أنّنا لو فرضنا أنّ التراد بعد إنهاء العقد بالفسخ لا ينافي وجوب الوفاء بالعقد، قلنا إنّه لا مبرّر لافتراض أنّ الجواز في العقود الجائزة يعني خروجها عن أدلة وجوب الوفاء بالعقد تخصيصاً بل مقتضى إطلاق دليل وجوب الوفاء بالعقد أن نحمل الجواز في العقود الجائزة على جواز التراد بتوسيط فسخ العقد كي لا ينافي ذلك وجوب الوفاء فيكون حاله حال الجواز الخياري، بفرق أنّ الجواز الخياري حقّ قابل للإسقاط والجواز الحكمي ليس حقّاً يقبل الإسقاط، نعم في مثل الوكالة لو قلنا إنّها ليست عقداً فهي خارجة عن دليل الوفاء بالعقد تخصصاً وخارجة عن محل البحث أساساً ولا يتصور فيها هذا النزاع. | ||
![]() |
الصفحة 291 | ![]() |
وثانياً ـ أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ دليل وجوب الوفاء بالعقد يمنع عن الترادّ والتراجع عن النتائج من دون رضا صاحبه، سواء كان ذلك بلا فسخ أو بتوسيط الفسخ، فحتى التراجع بتوسيط الفسخ وكسر العقد يعتبر عرفاً خلافاً للوفاء بالعقد الذي كان ثابتاً حتماً قبل الفسخ، ولذا نقول: إنّ دليل الخيار يخصّص دليل وجوب الوفاء بالعقد، إذن فدليل وجوب الوفاء بالعقد لا يمكن أن يكون مؤثراً في إثبات الفرق بين الجواز الخياري والجواز الحكمي بإرجاع الأوّل إلى فسخ العقد بخلاف الثاني. وثالثاً ـ سواء فرضنا أنّ الترادّ بتوسيط الفسخ ينافي وجوب الوفاء أو لا، لا إشكال في أنّ الترادّ بلا توسيط الفسخ في مثل المعاطاة مما لا يكون خروجه عن أدلّة العقود تخصصاً خلاف الوفاء بالعقد، فإذا ثبت جواز الترادّ بإجماع أو غيره في مثل المعاطاة كان تعيينه في الترادّ بلا حاجة إلى توسيط فسخ العقد، دعوى بلا دليل فلعلّ المقصود هو الترادّ بتوسيط فسخ العقد. ورابعاً ـ إنَّ أصل افتراض أنَّ الترادّ تارةً يكون بتوسيط فسخ العقد، واُخرى مباشرة ومن دون توسيطه أمر لا نتعقله، لأنّنا لا نفهم فرقاً بين الترادّ بمعنى إبطال ثمرة العقد مباشرة والفسخ بمعنى فسخ العقد، فإنّ العقد شيء قد وقع آناً ما وحقّق الثمرة ولا ينقلب الشيء عمّا وقع عليه، وليس من الاُمور التي لها استمرار إلاّ في العقد الّذي ليس شأنه الالتزام بالنتيجة ـ أي من سنخ شرط النتيجة ـ بل يكون شأنه الالتزام بالفعل، فإذا كان هذا الفعل يستوعب فترة من الزمان كان بالإمكان فسخ الالتزام، فإن كان العقد من القسم الأوّل ـ أعني التزاماً بالنتيجة ـ وإنشاءً لها ففسخ العقد يرجع إلى الترادّ وإبطال ثمرة العقد وهي تلك النتيجة، ولا معنى آخر لفسخ العقد فيه لعدم تصور استمرارية لنفس العقد والالتزام في هذا القسم حتى يفسخ، | ||
![]() |
الصفحة 292 | ![]() |
وإن كان العقد من القسم الثاني أعني التزاماً بالفعل وكان ذاك الفعل يستوعب فترة من الزمان، فالتراجع عن الثمرة وهي الفعل عبارة اُخرى عن فسخ الالتزام بالفعل وهو العقد الّذي كان مستمراً، فلم نتعقّل أيضاً شيئين، فسخ العقد تارة، والتراجع عن الثمرة من دون فسخ العقد تارةً اُخرى. إذن ففي كلا قسمي العقد يكون فسخ العقد والترادّ أو إبطال ثمرة العقد شيئاً واحداً وليسا أمرين نفرّق بهما بين الحق الخياري وجواز عقد المعاطاة أو الهبة. هذا ولو سلّم الفرق بينهما بدعوى أنّ الفسخ في العقد الخياري يتعلق بذات العقد والتراجع في العقد الجائز يتعلق بالثمرة من دون توسيط فسخ العقد، فمجرد ذلك لا يدلّ على أنّ الجواز واللزوم في الأوّل يتبعان خصوصية في العقد وفي الثاني يتبعان خصوصية في ذات الملك دون خصوصية السبب، بخلاف حق الخيار فلعلّ جواز الملك ولزومه نتجا أيضاً عن اختلاف في أسباب الملك أو موارده، رغم كون الملك في مفهومه أمراً واحداً في الموردين، فانّه عندئذ لا يلزم الجزاف في الأحكام وإنّما يلزم الجزاف لو فرضنا كون الفرق بلا فارق نهائياً وليس مجرد كون متعلق التراجع هو النتيجة لا العقد دليلا على كون الفارق كامناً في النتيجة لا في العقد. وأمّا كلامه الثاني ـ وهو أنّ استصحاب الملك حتى لو فرض استصحاباً للجامع بين الملك اللاّزم والملك الجائز فهو جار في المقام لانّه من استصحاب القسم الثاني من الكليّ الّذي هو حجة، فقد ناقش فيه المحقق الخراساني | ||
![]() |
الصفحة 293 | ![]() |
عدم حجيّة الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي، لانّ التردد بين قسمي الملك يعني التردد بين الملك الذي يملك مقتضياً للبقاء في ذاته بعد الفسخ وهو الملك اللازم والملك الّذي لا يملك في ذاته مقتضياً للبقاء بعد الفسخ وهو الملك الجائز أقول: إنَّ هذا الإشكال لو تمّ لم يختص بفرض الاستصحاب استصحاباً للجامع بل حتى لو كان استصحاباً للشخص يرد هذا الإشكال. حيث يقال أيضاً: إنَّ الشك في اللزوم والجواز مرجعه إلى الشك في أنّ السبب، وهو العقد هل يقتضي مثلا الملك حتى بعد الفسخ أو لا يقتضي الملك إلاّ بلحاظ ما قبل الفسخ؟ ولا ينبغي الإشكال في أنّ الشيخ الأنصاري والواقع أن المقصود بالشك في المقتضي هو احتمال زوال المستصحب بمجرد مرور الزمان وانتهاء قابليته بذلك بقطع النظر عن فرض رافع خارجي، كالسراج الذي شككنا في كميّة القوّة الممدّة له بالنّور ومن المعلوم أنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإنَّ الملكية لولا طروّ الفسخ كانت باقيةً حتماً فليس الشك في بقائها بعد الفسخ شكاً في المقتضي بل هو شك في رافعية الموجود، وكلام | ||
(1) في تعليقته على المكاسب: 13. | ||
![]() |
الصفحة 294 | ![]() |
الشيخ الأنصاري هذا وذكر الشيخ الأنصاري وقد نقل السيد الخوئي وهذا المطلب موجودٌ في أحد تقريري بحث المحقق النائيني | ||
(1) راجع المكاسب 1: 85، حسب الطبعة التي تشتمل على تعليقة الشهيدي. (2) على ما ورد في المحاضرات 2: 63، وفي مصباح الفقاهة 2: 131 و 132. (3) 1: 61. (4) 1: 168 و 169. | ||
![]() |
الصفحة 295 | ![]() |
وعلى أيّ حال فيرد على هذا الوجه ما أورده عليه السيد الخوئي ووجّه السيد الخوئي | ||
(1) 2: 63. (2) 2: 131. | ||
![]() |
الصفحة 296 | ![]() |
لو لم يصل الحاكم لم يرتفع الشك لا محالة. وأمّا في مصباح الفقاهة فلم يشر إلى نكتة تقوّم الحكومة الظاهرية بالوصول، وإنّما اكتفى بالقول بأنّه ما لم يُحرز الأصل الحاكم لا مانع من جريان الأصل المحكوم، فإن كان المقصود بذلك: أنّ عدم إحراز الأصل الحاكم يؤدي إلى القطع بعدم الحكومة، رجع إلى ما في المحاضرات، ولا كلام لنا فيه، وإن كان المقصود به ما يُقال حتى في الحكومة الواقعية من أنّ المعارض والمخصص والمقيد والحاكم ما لم تصل يكون الدليل الآخر باقياً على حجيته رغم عدم العلم بانتفاء الحكومة أو التقييد والتخصيص والمعارضة وَرَدَ عليه، انّنا نقطع في المقام بعدم جريان استصحاب الجامع وذلك لعلمنا الإجمالي بانّه إمّا لا جامع في المقام فلا معنى لاستصحابه أو أنّ الجامع موجود ولكن استصحاب عدم الفرد الطويل حاكم على استصحابه فأيضاً لا مورد لاستصحابه. وذكر السيد الإمام والإشكال الثالث إشكال استصحاب بقاء علقة المالك الأوّل فإنّه يعارض | ||
(1) راجع كتاب البيع للسيد الإمام 1: 104.
| ||
![]() |
الصفحة 297 | ![]() |
أو يحكم استصحاب الملك، والمقياس في كونه معارضاً له أو حاكماً عليه، هو أن نرى أنّ تلك العلقة هل تعني رفع موضوع ملكية المالك الثاني شرعاً؟ أو هي حكم شرعي ينافي تلك الملكية؟ فعلى الأوّل تتم الحكومة، وعلى الثاني يتم التعارض، وإن لم تكن هذا ولا ذاك أو لم تكن هناك علقة أصلا غير مثل علقة الملك المرتفعة بالبيع مثلا لم يكن مجال لاستصحاب بقاء العلقة. وذكر الشيخ الأعظم وردّ بانّه إن اُريد بقاء علاقة الملك أو علاقة تتفرّع على الملك فلا ريب في زوالها بزوال الملك. وإن اُريد بها سلطنة إعادة العين في ملكه، فهذه علاقة يستحيل اجتماعها مع الملك وإنّما تحدث بعد زوال الملك لدلالة دليل، فإذا فُقِدَ الدليل فالأصل عدمها وإن اُريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع فإنّها تستصحب عند الشك فيصير الأصل في البيع بقاء الخيار كما يُقال : الأصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرف في مقابل مَن جعلها لازمة بالتصرف، ففيه مع عدم جريانه فيما لا خيار فيه في المجلس بل مطلقاً بناءً على أنّ الواجب هنا الرجوع في زمان الشك إلى عموم ﴿ اُوفوا بالعقود ﴾ لا الاستصحاب : انّه لا يجري بعد تواتر الأخبار بانقطاع الخيار مع الافتراق فيبقى ذلك الاستصحاب سليماً عن الحاكم فتأمّل» | ||
(1) مكاسب الشيخ الأنصاري 2: 216، حسب الطبعة المرافقة لتعليقة الشهيدي. | ||
![]() |
الصفحة 298 | ![]() |
ولعلّ أمره بالتأمّل إشارة إلى انّنا حينما نبحث إثبات اللزوم باستصحاب الملك نكون قد غضضنا النظر عن الدليل الآخر على اللزوم، وهو ﴿ اُوفوا بالعقود ﴾أو أيّ دليل لفظي آخر، فلا معنى للجواب على إشكال استصحاب الجواز الثابت في المجلس بانّ المرجع عند الشك في بقاء حكم المخصص هو عموم العام، وهو في المقام ﴿ اُوفوا بالعقود ﴾ لا استصحاب حكم المخصص، فانّ المفروض غضّ النظر عن كل دليل لفظي دلّ على اللزوم. وعلى أيّة حال فيكفي في دفع استصحاب الجواز الثابت في المجلس أن يُقال: إنّه إن قُصِدَ به استصحاب الخيار وهو الجواز الحقيّ فالنصوص صريحة بانتفائه بعد انتهاء المجلس، وإن قُصد به استصحاب الجامع بين الجواز الحقيّ والجواز الحكمي فهما عرفاً فردان متباينان، واستصحاب الجامع بينهما استصحاب للقسم الثالث من الكليّ وهو غير جار. وهنا إشكال آخر على استصحاب هذا الجامع، وهو أنّ استصحاب الجواز في المقام استصحاب تعليقي، لأنّ مرجعه إلى القول بأنّ هذا البيع في زمان المجلس كان بحيث لو فسخ لانفسخ والآن كما كان. وتحقيق مدى صحة هذا الإشكال نوكله إلى علم الاُصول. ولاستصحاب علقة المالك الأوّل تقريبات عديدة، بامكانك الوقوف عليها بمراجعة تعليقة الشيخ الاصفهاني | ||
![]() |
الصفحة 299 | ![]() |
بقاء، إذ لو كان العقد جائزاً فله السلطنة على تسلّط المشتري على العين بقاء، ولو كان لازماً انتفت هذه السلطنة أيضاً، ومع الشك نستصحب هذه السلطنة، وهذا الاستصحاب حاكم على استصحاب بقاء ملكية المالك الثاني بعد الفسخ وقد ردّ أقول: كان مفاد الإشكال: أنّ زمام أمر بقاء المال في ملك المالك الثاني، قبل الحدوث كان بيد المحدث ولو بتبع الحدوث الذي كان بيده والآن قد خرج الأمر من يده حدوثاً، ولكننا لا نجزم بخروجه بقاءً من يده، إذ لو كان العقد جائزاً فلا زال أمر بقاء المال في ملك المالك الثاني بيده فيستصحب بقاء ذلك في يده. والأولى في الجواب أن يُقال: إنّ السلطنة على تسليط الغير بقاءً بمعنى أنّ له نفيها بنفي الحدوث تغاير عرفاً السلطنة عليه بالردّ وعدمه، فيرجع استصحاب السلطنة في المقام إلى استصحاب القسم الثالث من الكليّ. هذا تمام الكلام في إثبات اللزوم بالاستصحاب. إثبات اللزوم بالاستصحاب في موارد الشبهة الموضوعية:ولا بأس بالتطرّق بالمناسبة إلى أنّه لو كانت الشبهة موضوعية فهل يجري هذا الاستصحاب أيضاً أو لا؟ فلو تردد الأمر مثلا بين الصلح والهبة، علماً بأنّ | ||
(1) راجع تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب 1: 31. | ||
![]() |
الصفحة 300 | ![]() |
الأوّل لازم والثاني جائز فهل يجري استصحاب الملك بعد الفسخ أو لا؟ ونحن نستبعد عن بحثنا فرض ابتلاء هذا الاستصحاب صدفة باستصحاب آخر ينفي أثراً من آثار العقد اللازم، كما لو تردد الأمر بين البيع والهبة وأصبح استصحاب بقاء العين في ملك الثاني بعد الفسخ معارضاً لاستصحاب عدم انشغال ذمّته بالثمن للعلم الإجمالي، بأنّه إمّا يجب عليه دفع الثمن أو يجب عليه ردّ العين بسبب الفسخ ولا يسوغ له التنصّل من الأمرين معاً في وقت واحد. ونركّز بحثنا على استصحاب بقاء الملك فقط وعندئذ نقول: إنّه بناءً على جريان استصحاب الكليّ من القسم الثاني لا شك في جريان الاستصحاب في المقام حتى مع فرض تغاير الملك الحاصل بالهبة عن الملك الحاصل بالصلح مثلا. وأمّا بناء على عدم جريان استصحاب الكليّ من القسم الثاني وأنّنا إنّما أجرينا استصحاب بقاء الملك في مورد الشبهة الحكمية في اللزوم والتزلزل لإيماننا بأنّ اللزوم والتزلزل ليسا مقوّمين للملك ولا مترتبين على خصوصية ذاتية في الملك، وإنّما هما حكمان يترتبان على الملك الذي ليس له عدا معنى واحد. فهنا قد يستشكل في الاستصحاب، وذلك بدعوى أن استصحاب الملك وإن كان في مورد الشبهة الحكمية صحيحاً ولكنه في مورد الشبهة الموضوعية ليس صحيحاً، لانّ الملك الذي يكون موضوعه الشرعي هو الصلح غير الملك الذي يكون موضوعه الشرعي هو الهبة، فاستصحاب الملك في المقام هو استصحاب للجامع بين فردي الملك، وقد افترضنا عدم الإيمان باستصحاب الكليّ. نعم لو أنكرنا ولو عرفا تعدد الملك بتعدد سببه أو موضوعه انتفى الإشكال في المقام. ولا يُقال: إنّه حتى لو انكرنا تعدد الملك في المقام لم نتخلص من إشكال | ||
![]() |
الصفحة 301 | ![]() |
شبيه بإشكال حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل في استصحاب الكليّ، وذلك لانه يجري في المقام استصحاب عدم الصلح وهو يحكم على استصحاب بقاء الملك. فإنّه يُقال: إنّنا لو انتقلنا إلى الأصل الموضوعي في المقام فلا ترجيح لاستصحاب عدم الصلح على استصحاب عدم الهبة، فإنّ العقليّة التي تغفل اشتراط الترتّب الشرعي في الحكومة وتقول بأنّ الشكّ في بقاء الجامع مسبّبٌ عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل نسبتها إلى استصحاب عدم الصلح وإلى استصحاب عدم الهبة في المقام واحدة، فإنّ شكّنا في بقاء الملك وعدمه نشأ من شكّنا في الصلح والهبة. والصحيح أنّه لو انتقلنا في المقام إلى الأصل الموضوعي فالأصل الجاري في المقام إنّما هو استصحاب عدم كون العقد الواقع هبة لأنّ العمومات دلّت على لزوم كلّ عقد والمخصّص أخرجَ منها الهبة والعام يتعنون بعد التخصيص بنقيض عنوان الخاص. فأصبح موضوع الملك اللازم مركباً من العقد وأن لا يكون هبة، والعقد ثابت بالوجدان وأن لا يكون هبة ثابت بالاستصحاب، واستصحاب عدم الصلح غير جار لأنّه مثبت في المقام، لأنّ الأثر يترتّب كما عرفت على العقد وعلى عدم الهبة لا على الصلح. وقد يُقال: إنّنا لا ننتقل في المقام إلى الأصل الموضوعي وذلك لأنّنا لو أردنا أن ننتقل إليه فإمّا أن نجري استصحاب عدم الهبة بنحو مفاد «ليس» الناقصة كما هو المستفاد من ظاهر عبارة المحاضرات | ||
(1) المحاضرات 2: 65. | ||
![]() |
الصفحة 302 | ![]() |
العقد الواقع هبة بنحو مفاد «ليس» الناقصة وعلى أساس استصحاب العدم الأزلي كما هو المستفاد من مصباح الفقاهة أمّا الأوّل فلأنّ موضوع لزوم هذا العقد كما عرفت هو عدم كونه هبة بنحو مفاد «ليس» الناقصة وإثبات ذلك باستصحاب عدم الهبة تعويل على الأصل المثبت. وأمّا الثاني فلأنّ كون هذا العقد هبة أو عدم كونه هبة أمر داخل في هويّة العقد وحقيقته وليس كقرشية المرأة التي هي من عوارض الوجود حتى يمكن نفي ذلك باستصحاب العدم الأزلي. وتحقيق حال الاستصحاب في نفي ما يكون داخلا في هوية الموضوع موكولٌ إلى علم الاُصول والظاهر أنّ الصحيح جريانه. هذا تمام الكلام في أدلّة كون الأصل في العقود هو اللزوم إلاّ ما خرج بالدليل.
أدلّة اللزوم في خصوص البيع:وأمّا ما قد يتمسّك به لإثبات اللزوم بلحاظ عقد خاص من قبيل روايات: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع» | ||
(1) مصباح الفقاهة 2: 134. (2) راجع الوسائل 12: 345 ـ 347، الباب 1 و 2 من أبواب الخيار. | ||
![]() |
الصفحة 303 | ![]() |
المقام حول مدى صحة التمسك بهذه الروايات 1 ـ «البيّعان بالخيار» باعتبار أنّ الخيار مختص بالعقد اللازم. 2 ـ «ما لم يفترقا» باعتبار أنّ الغاية تفيد نفي الحكم وهو الجواز عند حصول الغاية وهذا يعني أنّ البيع يصبح بعد الافتراق لازماً. 3 ـ «فإذا افترقا وجب البيع» فهذا تصريح بمفهوم الغاية وباللزوم. أمّا البند الأوّل ـ وهو قوله: «البيّعان بالخيار» ـ فقد أفاد السيد الإمام أقول: لو سلّم عدم تصوّر الخيار في العقد الذي يكون جائزاً ذاتاً فغاية ما يدل عليه هذا البند هو عدم الجواز الذاتي لعقد البيع، ولكن مدّعانا في المقام أكثر من ذلك فانّنا نريد أن ندّعي أصالة اللزوم ونقصد باللزوم نفي الجواز الذاتي ونفي الجواز الحقيّ أو الخيار في وقت واحد لا خصوص نفي الجواز الذاتي. نعم هذا النقاش لا يرد على كلام السيّد الإمام | ||
(1) راجع كتاب البيع للسيد الإمام 1: 120 ـ 125.
| ||
![]() |
الصفحة 304 | ![]() |
في الجواز واللزوم الذاتيين لا في الخيار، فهذا البند يدل على أنّه متى ما كان العقد اللفظي لازماً لعدم الخيار فيه كانت المعاطاة في ذاك المورد أيضاً كذلك، لأنّ دخول خيار المجلس فيها بحكم إطلاق الحديث دليل على عدم جوازه الذاتي، فإذا لم تكن المعاطاة جائزة أي متزلزلة ذاتاً والمفروض عدم الخيار فقد أصبحت لازمة. وعلى أيّة حال فمسألة إمكان اجتماع خيارين وعدمه أو اجتماع الخيار مع الجواز الذاتي وعدمه في رأينا لا يصح طرحها كبحث ثبوتي في إمكان الاجتماع واستحالته بقدر ما يصح طرحها كبحث إثباتي في أنّ دليل الخيار هل ينظر إلى الحق حيثياً أو ينظر إلى ذات الحق؟ فعلى الأوّل لا يكون دليل خيار الحيوان مثلا نافياً لثبوت الحق بحيثية اُخرى أيضاً، وهي حيثية المجلس وكذلك من يسقط الخيار هل يسقط حقّه من حيثية معينة أو يسقط أصل الحق الذي لا يقبل التعدد؟ فعلى الأوّل لو اُسقط خيار الحيوان لم يسقط خياره من حيث المجلس وبالعكس. وبما أنّ الظاهر من أدلّة الخيارات هو النظر إلى الخيار من حيث الجهة المثبتة للخيار فالصحيح: أنّ قوله: «البيّعان بالخيار» لا يدل على اللزوم الذاتي للمعاطاة، إذ لا يدل على أكثر من أنّ البيع من حيثية المجلس يوجب الخيار وهذا يجتمع مع الجواز الذاتي. هذا، وقال السيّد الإمام | ||
![]() |
الصفحة 305 | ![]() |
المصداقية للعام. وإن قلنا : إنّه كالمنفصل فمن يجوّز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص اللبّي يجوز على مبناه التمسك هنا بالعام لإثبات الخيار في المعاطاة وبالتالي إثبات لزومها الذاتي، ولكننا لا نجوّز ذلك فبالتالي لا يجوز التمسك بالعام في المقام لكونه تمسّكاً به في الشبهة المصداقية للمخصص إلاّ أن يُقال: أنّ الشك في أصل التخصيص لعدم إحراز مصداق للعنوان العقلي. ويمكن أن يقال: إنّ تحقق فرد متيقن من العنوان الخارج وعدمه لا دخل له في الحساب. أقول: نعم التخصيص لو كان فانّما هو بنحو القضية الحقيقية وليس تخصيصاً إفرادياً بنحو القضية الخارجية حتى يُقال: انّه مع عدم إحراز فرد خارج بالتخصيص يكون أصل التخصيص مشكوكاً ولو كان التخصيص بنحو القضية الخارجية، لجاز التمسك بالعام في الفرد المشكوك خروجه حتى مع فرض القطع بخروج فرد آخر، لانّ خروج كل فرد إذا كان التخصيص إفرادياً يكون تخصيصاً مستقلا لا علاقة له بالآخر. وعلى أيّة حال فالمسألة عندنا ليست مسألة انفصال المخصص اللبّي واتصاله، وإنّما هي مسألة كون القيد اللبّي إحرازه بيد المولى وعدمه، فمتى ما كان إحرازه بيد المولى جاز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية على ما نقّح عندنا في علم الاُصول وما نحن فيه من هذا القبيل; لأنّ الذي يشخّص الجواز الذاتي وعدمه للعقد شرعاً انّما هو المولى. وعلى أيّة حال فقد عرفت عدم تمامية التمسك بالبند الأوّل في المقام لِما قلناه من ظهور دليل الخيار في النظر إلى الجانب الحيثي فلا ينافي ثبوت الخيار من حيثية اُخرى أو الجواز الذاتي. وأمّا البند الثاني ـ وهو قوله «ما لم يفترقا» فقد أجاب السيّد الإمام أقول: وجه الاستدلال بالبند الثاني هو حمل الخيار في الحديث على معناه | ||
![]() |
الصفحة 306 | ![]() |
اللغوي الشامل لمورد الجواز الذاتي وإن كنّا نحن نعلم أنّ مصداقه الذي ينتفي بالافتراق هو الخيار الحقّي. والصحيح حمل الخيار في هذا الحديث على الخيار الحقّي لما مضى منّا في بحث الحق والحكم من انّه إذا نسب الخيار إلى البيِّع وهو في صالح البيِّع فهم منه الحق، وإذا نسب الجواز إلى العقد فهم منه الحكم، فالاستدلال بهذا البند أيضاً غير صحيح. هذا لو آمنّا أساساً بمفهوم الغاية أمّا لو قلنا: إنّ الغاية لا تدل على أكثر من انتهاء شخص الحكم بحصول الغاية فلا مجال للاستدلال بهذا البند أصلا. وأمّا البند الثالث ـ وهو قوله: (فإذا افترقا وجب البيع) فوجه الاستدلال به أنّ وجوب البيع عبارة عن لزومه ومقتضى إطلاق النّص شموله لكل بيع من معاطاة وغيرها فيكون هذا أصلا لفظياً للزوم يرجع إليه في موارد الشك. وقد ذكر السيد الإمام وإن قلنا: بعدم المنافاة بين الخيار والجواز الذاتي وقع التعارض بين إطلاق الصدر وإطلاق الذيل، لان إطلاق الصدر يشمل البيع اللازم ذاتاً والبيع الجائز ذاتاً، بينما إطلاق الذيل يقتضي لزوم كل بيع حسب الفرض، فإذا وقع التعارض بين الإطلاقين: | ||
![]() |
الصفحة 307 | ![]() |
فإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق الذيل بتفسير الوجوب بالوجوب الحيثي فمعنى وجب البيع هو وجوبه من حيث زوال خيار المجلس لا الوجوب الفعلي، وبهذا يبطل الاستدلال بالحديث لعدم دلالته عندئذ على اللزوم وهو الوجوب الفعلي. وإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق الذيل لا بحمل الوجوب على الوجوب الحيثي بل نحمله على الوجوب الفعلي ولكن بإخراج البيع غير اللازم عن الإطلاق بالتخصيص، وهنا يعود إشكال التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وبه يبطل الاستدلال بالحديث على المدّعى. وإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق الصدر وعندئذ يبطل إطلاق الذيل أيضاً تبعاً للصدر بوحدة السياق، ويصبح التمسك به أيضاً تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية. أقول: مع غضّ النظر عن جوابنا على مشكلة التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة الذي مضت الإشارة إليه. أنّه تارة نفترض التنافي بين الخيار والجواز الذاتي. ونجيب على إشكال لزوم تقييد الصدر وبالتالي تقييد الذيل بجواب متوقف على أن لا نجد في الشريعة بيعاً نحرز له الجواز الذاتي. والجواب هو انّنا حفاظاً على إطلاق الذيل نفترض أنّ العنوان الذي كان المفروض أن يكون قيداً لبيّاً في الصدر وهو عدم الجواز الذاتي لم يؤخذ في مصبّ الجعل وذلك لأنّ كل قيد دخيل في الملاك لو علم المولى بتحققه دائماً جاز له أن لا يأخذه في مصب الجعل فلعلّ المولى علم بأنّ البيع دائماً هو لازم ذاتاً ولا يوجد لدينا بيع متزلزل بالذات، فاستغنى عن أخذ قيد اللزوم في متعلق الحكم، ولعلّ هذا هو المراد اللبّي للمحقق النائيني المفصّل في التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص اللبّي | ||
![]() |
الصفحة 308 | ![]() |
بين أن يكون القيد قيداً في الموضوع أو قيداً في الملاك بجواز التمسك بالعام في الثاني دون الأوّل. واُخرى نفترض عدم التنافي بين الخيار والجواز الذاتي ونجيب على إشكال التعارض بين إطلاقي الصدر والذيل، بأنّ إطلاق الصدر إنّما يدل على أنّ البيع حتى لو كان جائزاً ذاتاً يدخله الخيار ولا يدل على وجود بيع جائز بالذات فعلا كي تنافيه دلالة الذيل على وجوب كل بيع، فدعوى التنافي بين الإطلاقين غريب. والواقع أنّ تمامية الاستدلال بقوله: «وجب البيع» على لزوم كل بيع وعدمها تتفرّع على ان نستظهر من الوجوب الوجوب الفعلي أو الوجوب الحيثي أي من حيثية انتهاء خيار المجلس. فعلى الثاني لا يتم الاستدلال وعلى الأوّل يتم الاستدلال، واعتقد أنّه لا مبرر لحمله على الوجوب الحيثي، والظاهر الأوّلي لكل عنوان هو وجودة الفعلي، فالصحيح تمامية الاستدلال بالبند الثالث على المقصود. ثم استأنف السيد الإمام 1 ـ أنّ التمسّك بمفهوم الغاية المذكورة في البند الثاني ـ بقطع النظر عمّـا سبق من الإشكال ـ يتوقّف على كون المقصود بالخيار في قوله: البيّعان بالخيار ماهية الخيار المطلقة كي تكون الغاية غاية لماهية الخيار ونحن نعلم أنّ المقصود به في المقام إنّما هو خيار المجلس، وأنّ الافتراق إنّما هو غاية لخصوص خيار المجلس فحسب، وحمل الحديث على فرض الافتراق غاية لماهية الخيار مع خروج جميع الخيارات على كثرتها ما عدا خيار المجلس يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن. | ||
![]() |
الصفحة 309 | ![]() |
أقول: إنّ هذا الكلام غريب، فإنّ الموضوع في الحديث هو البيّعان، والخيار الغالب وجوده في البيع إنّما هو خيار المجلس، امّا فرض ثبوت شيء من باقي الخيارات لو قسناه إلى فرض عدم ثبوتها فهي حالة نادرة، فاستثناؤها من فرض لزوم البيع ليس تخصيصا مستهجناً، والمفروض في معرفة لزوم تخصيص الأكثر المستهجن وعدمه في المقام هو أن نقيس موارد الخيارات بموارد عدمها لا أن نقيس سائر الخيارات بخيار المجلس لنقول: قد خرج من الإطلاق أكثر الخيارات فلزم تخصيص الأكثر المستهجن؟! 2 ـ قال السيد الإمام أقول: قد اتضح التعليق على هذا الكلام مما مضى. | ||
(1) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5 فيه صدر الحديث وذيله في الصفحة 346، الباب 1 من تلك الأبواب، الحديث 3. | ||
![]() |
الصفحة 310 | ![]() |
3 ـ وقال السيد الإمام أقول: إنّ هذا الكلام أيضاً غريب، فإنّه لو حمل الوجوب في هذه الرواية على الوجوب الفعلي، كان معنى ذلك دلالة هذه الرواية على مطلب إضافي لم يكن موجوداً في باقي الروايات، وهو لزوم البيع بالفعل بعد انتهاء المجلس، ولم يكن معنى ذلك دلالة هذه الرواية على معنى يعارض باقي الروايات ولا أدري لماذا يكون خلوّ باقي الروايات على مطلب إضافي موجود في رواية واحدة قرينة على حمل تلك الرواية على عدم إرادة ذلك المطلب؟! نعم لو كانت هذه الرواية الواحدة معارضة للروايات الاُخرى الكثيرة فقد يدّعى: أنّ العبارة الواردة في الروايات الكثيرة وانحصار العبارة المعارضة في رواية واحدة مثلا مع قبولها للحمل على ما يوافق العبارة الاُولى يورثان لنا بحساب الاحتمالات الاطمئنان بانّ تلك العبارة المنحصرة لو كانت صادرة حقاً من الإمام | ||
(1) الوسائل 12: 346، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 4، والصفحة 348، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 4. | ||
![]() |
الصفحة 311 | ![]() |
4 ـ إنّ هناك روايات نقلت فعل أبي جعفر وقد علّق السيد الإمام أقول: المهم هو الإشكال الأخير وهو كونها قضية شخصية لا إطلاق فيها، أمّا لو كان فيها إطلاق لما كانت خصوصية المورد موجبة لتخصيص الموارد، على أنّ ظهور كلمة (استوجبها) في البيع بالصيغة غير مقبول، وغلبة شراء العقار بالصيغة لا توجب القطع مع أنّ هاتين الملاحظتين لا تردان في صحيحة محمّد بن مسلم قال: سمعتُ أبا جعفر
خروج بعض العقود عن إطلاقات اللزوم:وفي ختام البحث عن أصالة اللزوم في العقود نذكر أمرين: | ||
(1) الوسائل 12: 347، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 1. (2) الوسائل 12: 348، الباب 2 من الخيار، الحديث 3. | ||
![]() |
الصفحة 312 | ![]() |
دعوى خروج المعاطاة عن تحت الإطلاقات:الأمر الأوّل ـ انّه قد يدّعى في المعاطاة انّها خرجت عمّـا مضى من إطلاقات نفوذ العقود أو عمّـا مضى من إطلاقات اللزوم وذلك بواسطة الإجماع من قبل علماء الشيعة. والواقع: أنّ دعوى الإجماع على عدم اللزوم ضعيفة جدّاً، فانّ ما هو المنقول عن القدماء انّما هو عدم إفادة المعاطاة للملك، لا عدم اللزوم بعد تسليم إفادتها للملك، وانّما يأتي توهم الإجماع على عدم اللزوم ممّا فعله المحقّق الثاني وفي مقابل هذا التوجيه من قبل المحقق الثاني لكلمات القدماء بحمل الإباحة فيها على عدم اللزوم حمل صاحب الجواهر وعلى أيّة حال فكلمات القدماء آبية عن الحمل على إرادة عدم اللزوم، | ||
(1) راجع المكاسب 1: 82، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي. (2) راجع الجواهر 22: 224. | ||
![]() |
الصفحة 313 | ![]() |
وبإمكانك أن تراجع كلماتهم الواردة في المكاسب للشيخ الأنصاري وقد تقول: إنّ المتيقن من مجموع كلمات القدماء القائلين بعدم الملك وكلمات مَن قال بعدم اللزوم هو عدم اللزوم، فانّ المعاطاة إن كانت غير مملّكة فاللزوم منتف بانتفاء الموضوع، وإن كانت مملّكة فقد قالوا بانّها تفيد الملك المتزلزل، وهذا سنخ الإجماع المركّب. إلاّ أنّ هذا الكلام لا قيمة له، فانّ الإجماع المركب على ما نقّح لدينا في علم الاُصول إنّما يفيد الحدس بنفي الثالث إذا رجع بروحه إلى الإجماع البسيط، بأن نعلم: أنّ أصحاب الرأي الأوّل على تقدير تنازلهم عن رأيهم يكونون ملتزمين بالرأي الثاني وليس الأمر في المقام كذلك، إذ لم يعلم من القدماء المنكرين لحصول الملك انّهم على تقدير القول بحصول الملك يفتون بالتزلزل وعدم اللزوم. فالأولى إذن عطف عنان الكلام إلى دعوى الإجماع أو الشهرة على عدم إفادة المعاطاة الملك، وهذا وإن كان محتمل المدركية باستنادهم مثلا إلى أصالة عدم الملك ولكن الإجماع الذي نؤمن به إنّما هو الإجماع الحدسي والحدس قد يتم رغم وجود المدرك، وذلك: إمّا بدعوى أنّه لولا أنّ الحكم كان من المسلّمات يداً بيد لما أجمعوا عليه متمسكين بالمدرك الفلاني، فهم في طول مسلّمية الحكم تخيّلوا صحة المدرك وذلك لاستبعاد تورّطهم جميعاً في تخيّل صحة المدرك، لولا أنّ مسلّمية الحكم هي التي أوحت إلى أذهانهم المباركة بذلك. | ||
(1) الجزء 1، بحث المعاطاة، الصفحة 81 فصاعداً. (2) الجزء 4، بحث المعاطاة، الصفحة 154 فصاعداً. | ||
![]() |
الصفحة 314 | ![]() |
أو بدعوى انّه إن كان مدركهم للحكم هو الأمر الفلاني فهذا بنفسه دليل على صحة المدرك وإنّ ما يتراءى لنا من ضعف في الدلالةِ أو السند مثلا لم يكن مطابقاً للواقع وذلك لاستبعاد خطائهم جميعاً في الاستناد إلى ما نفترضه من المدرك الباطل. قد تقول: إنّ الأقوال الواصلة لنا من القدماء إن هي إلاّ أقوال قليلة فكيف نستطيع أن نستفيد منها حصول الإجماع أو الشهرة وقتئذ؟! ولكن قد يقال في قبال ذلك: إنّ المسألة لو كانت خلافيّة وقتئذ فافتراض ان اولئك الذين وصلت أقوالهم إلينا كلّهم كانوا صدفة من طرف واحد بعيد بحساب الاحتمالات، وبهذا نحدس قيام الإجماع أو الشهرة على الرأي الذي لم يصلنا غيره. وعلى أيّة حال فقد قال الشيخ الأنصاري وقال العلاّمة في التذكرة: الأشهر عندنا انّه لا بد منها (يعني الصيغة) فلا يكفي التعاطي في الجليل والحقير مثل اعطني بهذا الدينار ثوباً، فيعطيه ما يرضيه أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه، وبه قال الشافعي مطلقاً لأصالة بقاء الملك وقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد. وعن بعض الحنفية وابن شريح في الجليل، وقال أحمد ينعقد مطلقاً، ونحوه قال مالك، فانّه قال ينعقد بما يعتقده الناس بيعاً | ||
(1) المكاسب 1: 83، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي. (2) راجع المكاسب 1: 82، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي. | ||
![]() |
الصفحة 315 | ![]() |
وقال في التحرير: الأقوى أنّ المعاطاة غير لازمة بل لكل منهما فسخ المعاوضة ما دامت العين باقية فان تلفت لزمت وقال الشيخ في الخلاف: إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال: اعطني بها بقلا أو ماءً فأعطاه فإنّه لا يكون بيعاً، وكذلك سائر المحقرات، وإنّما يكون إباحة له فيتصرف كل منهما فيما أخذه تصرفاً مباحاً من دون أن يكون له ملكه، وفائدة ذلك أن البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة ان يسترجع قطعته كان لهما ذلك لان الملك لم يحصل لهما، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون بيعاً صحيحاً وإن لم يوجد الإيجاب والقبول وقال ذلك في المحقرات دون غيرها، دليلنا أن العقد حكم شرعي ولا دلالة له في الشرع على وجوده هنا، فيجب ان لا تثبت، وأمّا الإباحة بذلك فهو مُجمع عليه لا يختلف العلماء فيها هذا وقد يستشهد ببعض الشواهد على كون المسألة لدى القدماء خلافية ولم يكن وقتئذ إجماع على عدم إفادة المعاطاة للملك من قبيل: 1 ـ الكلام المنقول عن المُقنعة للمفيد | ||
(1) راجع المكاسب 1: 83، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي. (2) راجع المكاسب 1: 83، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي. (3) راجع المكاسب 1: 81 حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي. | ||
![]() |
الصفحة 316 | ![]() |
بالأبدان ولكن من المحتمل أنّ المفيد 2 ـ ما مضى من كلام الشيخ ويمكن أن يناقش في ذلك باحتمال أنّ الشيخ ولكن الإنصاف أنّ كلامه | ||
(1) راجع مفتاح الكرامة 4: 160. | ||
![]() |
الصفحة 317 | ![]() |
المسلمين، فانّك ترى أنّ دأبه في الخلاف هو التمسك بإجماع الفرقة وأخبارهم بعد ذكره لآراء العامة في كثير من المسائل. 3 ـ ما مضى عن العلاّمة في التذكرة من قوله: (الأشهر عندنا أنّه لا بدّ منها) أي من الصيغة، فهذا يدل على وجود رأي مشهور في قِبال الأشهر، وهو القول بعدم اشتراط الصيغة وكفاية المعاطاة في حصول الملك. ولكنّ العلاّمة من المتأخرين ويحتمل أن يكون المشهور الذي ينظر إليه من المتأخرين، فهذا لا ينافي دعوى الإجماع على عدم الملك لدى المتقدمين. إلاّ أنّه رغم كل ما ذكرناه لا يتم الاستدلال بالإجماع في المقام على عدم إفادة المعاطاة للملك، فإنّ الذي يكسر الحدس بكون حكم الشرع هو عدم إفادتها للملك مجموع اُمور: فقه العقود، الجزء الأوّل، من صفحة 325 إلى 4091 ـ ما مضى من كلام الشيخ في الخلاف الذي لا يخلو من إشعار بعدم الإجماع على ذلك. 2 ـ سيرة المتشرعة أو سيرة العقلاء على أقلّ تقدير، فإنّها تبطل فرض وضوح الحكم بعدم الملك خلفاً عن سلف، إذ لو كان الأمر كذلك لانكسرت سيرة المتشرعة ولم تنكسر، أو لكان لا بدّ من تكثّر النصوص ضدّ السيرة العقلائية وعدم الاكتفاء بوضوح متوارث ولم يرد نصّ من هذا القبيل. 3 ـ من المحتمل أن مقتضى طبيعة سير الفقه ونموّه بمرور الزمن هو التدرج في شرائط العقود من التضييق إلى التوسعة باتساع الاُمور وتعقّدها، فسهولة الحياة وبساطتها كأن توحي إلى الاتجاه نحو الاحتياط والتضييق والاقتصار على المتيقن. ولكن تعقّد الاُمور بالتدريج زائداً نفس مرور الزمن الموجب لنموّ العلم أدّيا إلى انقلاب الرأي في الفقه من التضييق إلى التوسعة، ويشهد لذلك تقدّم فقه | ||
![]() |
الصفحة 318 | ![]() |
السنّة على فقه الشيعة في الاعتراف بمملكية المعاطاة باعتبار اختلاف فقه السنّة عن فقه الشيعة في الأمر الثاني، وهو مرور الزمن، لأنّ البحث الفقهي لدى السنّة أقدم تاريخياً منه لدى الشيعة على أثر انقطاع عصر النصوص لدى السنّة قبل انقطاعه لدى الشيعة. وهذا الذي ذكرناه يصلح نكتة مشتركة لتورّط الجميع في الخطأ وبهذا ينكسر الحدس بثبوت الحكم الشرعي من وراء هذا الإجماع. عدم شمول الإطلاقات لموردين:الأمر الثاني ـ أنّ إطلاقات اللزوم لا تشمل موردين: أوّلا ـ موارد ثبوت الخيار عقلائياً كخيار العيب أو الغبن أو التدليس ونحوها لانصرافها عن عقد لا يقبل العقلاء لزومه كما أنّ من الواضح عدم إمكان إثبات اللزوم في مثل ذلك بالسيرة. أمّا استصحاب الملكية فيجري في المقام ويثبت اللزوم بقطع النظر عن دلالة السيرة أو مثل قاعدة لا ضرر أو أيّ دليل خاص على عدم اللزوم. ثانياً ـ موارد العقود المسمّاة في مصطلح المحقق النائيني أمّا الهبة فإنْ فسّرنا العقد بالالتزام في مقابل الالتزام فهي ليست عقداً، لعدم وجود التزام من قِبَل المتهب في غير الهبة المعوضة والمشروطة فلا تشملها | ||
![]() |
الصفحة 319 | ![]() |
الإطلاقات فينحصر دليل اللزوم في السيرة والاستصحاب لولا دليل خاص يرفع اللزوم. وإن فسّرنا العقد بقرار مرتبط بقرار، فعندئذ لو قلنا: إنّ الهبة تمليك مجاني فهي عقد وتشملها الإطلاقات، ولو قلنا إنّها مجرد رفع المانع عن تملك المتهب للعين بالحيازة. إذن ليست عقداً وإنّما هي من سنخ الاعراض بناءً على تفسير الاعراض برفع المانع عن تملك الآخرين للمال بالحيازة. ولكنّ الهبة اعراض مضيّق وفي مقابل المتهب فحسب، بخلاف الاعراض الكامل. وعلى أيّة حال فدليل اللزوم في الهبة ينحصر عندئذ بالسيرة والاستصحاب ما لم نفرض دليلا خاصاً على عدم اللزوم رادعاً عن السيرة وحاكماً على الاستصحاب. وأمّا القرض لمدة معينة فان قلنا انّه إذن في التملك مع الضمان فليس عقداً ولكن تكفي السيرة والاستصحاب لإثبات لزومه. وإن قلنا بانّه تمليك بضمان فهو عقد سواء فسّر العقد بالالتزام في مقابل الالتزام أو بقرار مرتبط بقرار وتشمله الإطلاقات. وقد عدّ الاستاذ الزرقاء من العقود الجائزة التحكيم إلى غير القاضي | ||
(1) و (2) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 1: 487، الفقرة 200 بحسب الطبعة الثامنة. | ||
![]() |
الصفحة 320 | ![]() |
وعلى أيّة حال فلو عدّت الوصية من العقود فمن الواضح كونها من العقود الاذنية. هذا تمام ما أردنا أن نبحثه في مدى تواجد الإطلاقات في أدلة العقود، ويليه البحث عن أركان العقد وشروطه إن شاء الله. | ||
![]() |
الصفحة 321 | ![]() |
فقه العقود
الفصل الثاني
أركان العقود وشرائطها
1 ـ مع الفقه الوضعي في أركان العقد. 2 ـ الإرادة. 3 ـ الإبراز. 4 ـ المتعاقدان. 5 ـ محلّ العقد. | ||
![]() |
الصفحة 322 | ![]() |
| ||
![]() |
الصفحة 323 | ![]() |
مقدّمة:لئن سمّينا مراكز شروط العقود بأركان العقود لصحّ القول ـ وفق ما تعارف لدى الأصحاب من ترتيب ذكر الشروط ـ بأنّ أركان العقد ثلاثة: 1 ـ صيغة العقد. 2 ـ المتعاقدان. 3 ـ العوضان. حيث نرى أنّ الأصحاب يبحثون تارة عن شروط صيغة العقد، واُخرى عن شروط المتعاقدين، وثالثة عن شروط العوضين. ولئن سمّينا ما بها قوام العقود بأركان العقود أمكن القول أيضاً بأنّ أركان العقد ثلاثة: صيغة العقد، والمتعاقدان، والعوضان. وأنا أقترح افتراض أركان العقد أربعة: 1 ـ إرادة المضمون. 2 ـ إبرازها سواء كان باللفظ أو بأيّ مبرز آخر. 3 ـ المتعاقدان. | ||
![]() |
الصفحة 324 | ![]() |
4 ـ المحلّ. والأصحاب إنّما ذكروا شروط (العوضين) لأنّ مصبّ كلامهم كان هو البيع المشتمل على العوضين. أمّا التعبير بالمحلّ فيشمل كل عقد ولو لم يكن مشتملا على العوضين كالهبة. وبهذا التقسيم لأركان العقد نأتي على ذكر الشروط بطريقة تختلف عن عرض الأصحاب لها فمثلا: شرط الصراحة راجع إلى الركن الثاني. وشرط التنجيز راجع إلى الركن الأوّل، بينما نرى في عرض الأصحاب أنّ شرط الصراحة والماضوية وتقديم الإيجاب على القبول ونحوها مع مثل شرط التنجيز تجعل جميعاً ـ في صف واحد ـ شروطاً للركن الأوّل وهو صيغة العقد. وشرط الرضا والاختيار نبحثه في شروط الركن الأوّل وهو الإرادة فهو أنسب بها، بينما ذكرها الأصحاب في شروط المتعاقدين.
| ||