الصفحة 208

 

إطلاقات أدلّة العقود

وبعد، فالآن نريد أن نبحث عن أنّه هل يوجد لدينا إطلاق في الكتاب أو السنّة يقتضي كفاية مجرّد إبراز المقصود في العقود وعدم اشتراط شكليّة معيّنة نرجع إليه في جميع الموارد إلاّ أن يخرج قيد مّا بدليل خاصّ، أوْ لا؟ وهنا تذكر عدة إطلاقات لا بدّ من تمحيصها كي نرى هل يصحّ منها شيء أوْ لا؟

 

آية الوفاء بالعقد:

(أوّلا) قوله تعالى: ﴿ أوفوا بالعقود (1)، وكون هذه الجملة معقّبة بقوله تعالى: ﴿ اُحلّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم... لا تكون قرينة على صرف الآية الى العقود الإلهيّة. ولو سلّمت قرينيّة ذلك فإنّما هي قرينة على شمول الآية للعقود الإلهيّة، وهي التكاليف، حيث إنّ التكاليف كما تعتبر عهوداً بمعنى الوصيّة كما قال تعالى: ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان (2)كذلك تعتبر مواثيق مأخوذة من البشر في عالم الذرّ أو الفطرة كما قال تعالى: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين (3) فيصّح تعلّق الوفاء بذلك، ولكنّ هذا لا يعني اختصاص الآية بالعقود والمواثيق الإلهيّة، بل مقتضى إطلاقها شمولها للعقود التي تكون بين الناس. وما مضى من الرواية التي فسّرت العقود في الآية بالعهود(4) (والمقصود


(1) المائدة: 1.

(2) يس: 60.

(3) الأعراف: 172.

(4) تفسير عليّ بن إ براهيم 1: 160، الوسائل 16: 206، الباب 25 من أبواب النذر والعهد، الحديث 3 عن العيّاشيّ.

الصفحة 209

بها المواثيق بقرينة الوفاء) محمولة على التفسير بفرد بارز، لا على الحصر كي يخرج مثل البيع لعدم كونه ميثاقاً، فإنّ هذا اللحن وهو التفسير بفرد بارز شايع في الروايات الواردة في تفسير القرآن من قبيل ما ورد من تفسير الصادقين في قوله تعالى: ﴿ كونوا مع الصادقين (1) بالأئمة (2). وما ورد من تفسير اُولي الأمر في قوله تعالى: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم (3) بعليّ والحسن والحسين (4).

وهذه الآية هي أكمل إطلاق ورد في المقام، حيث تشمل كلّ العقود حتى التي لا تكون ماليّة والتي هي خارجة ـ كما مضى ـ عن بحثنا.

هذا، والشيخ الأنصاريّ لم يذكر هذه الآية المباركة في عداد أدلّة صحّة المعاطاة، ولكنّه ذكرها في عداد أدلّة اللزوم، ولعلّ السرّ في ذلك النقاش في دلالة هذه الآية على صحّة العقود وحملها على خصوص اللزوم إمّا بدعوى أنّ الوفاء بالعقد عبارة عن الوفاء بآثار العقد، وآثار العقد إنّما تترتّب على العقد الصحيح، فصحّة العقد يجب أن تكون مفروغاً عنها في رتبة الموضوع، أو بدعوى أنّ عدم صحّة العقد يعني عدم انعقاد العقد، وعدم انعقاده يعني فقدانه، فالشكّ فيه شكّ في الموضوع. إلاّ أنّ هذا كلّه واضح البطلان، فإنّ انعقاد العقد ليس إلاّ عبارة عن ارتباط قرار بقرار سواء نفذ شرعاً أوْ لا، والوفاء بالعقد يعني الوفاء بالأثر الذي قصده المتعاقدان من قرارهما، لا الأثر الشرعيّ. وكلّ هذا حاصل حتى في العقد


(1) التوبة: 119.

(2) راجع تفسير البرهان 2: 169 و 170.

(3) النساء: 59.

(4) اُصول الكافي 1: 286، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الائمة الحديث 1.

الصفحة 210

الباطل شرعاً، إذن فإطلاق الآية يدلّ على صحّة العقد الذي هو ربط قرار بقرار بأيّ مبرز عرفيّ ونفوذه شرعاً.

نعم، البطلان الذي يأتي من قِبل عدم مشروعيّة متعلّق العقد لا ينفيه إطلاق ﴿ اوفوا بالعقود . فالعقد على المحرّم لا يشمله هذا الإطلاق، لا أنّه خرج بالمخصّص، وذلك إمّا ببيان أنّ مثال هذه النظم الثانويّة كنظام الوفاء بالعقد أو الشرط أو اليمين أو النذر في أيّ شريعة شرّعت تنصرف عرفاً بالمناسبات الى نُظم ضمن إطار تلك الشريعة، ولا يفهم منها نظام يحلّل مخالفة النظم الأوّليّة للشريعة، أو ببيان أنّ المفهوم من هذه النظم كونها أحكاماً حيثيّة، أيّ أنّ العقد من حيث كونه عقداً صدر من الطرفين يجب احترامه من قبل الطرفين، أو أنّ الشرط أو اليمين أو النذر من حيث هو واجب الاحترام. أمّا لو حكم المولى تعالى بنقضه بفرض حرمة متعلّقه فهذا لا ينافي احترام العقد كعقد، أو الشرط والنذر كشرط ونذر.

هذا، وقدجاء في مصباح الفقاهة(1) توجيه آخر لإغفال الشيخ الأنصاريّ لهذه الآية في عداد أدلّة صحّة المعاطاة، ولا يظهر من عبارته نسبة هذا التوجيه الى السيّد الخوئي، لأنّه ذكره تحت الخط لا في متن التقرير.

وذلك التوجيه هو: أنّ الآية إنّما دلّت بالمطابقة على لزوم العقد; لأنّ الأمر بالوفاء بالعقد إنّما يكون إرشاداً الى لزومه وعدم انفساخه بالفسخ. وهذا يدلّ بالملازمة على صحّة العقد، إذ لا معنى للزوم العقد الفاسد، والدلالة الالتزاميّة تسقط عن الحجّيّة إذا سقطت المطابقيّة عن الحجّيّة. وبما أنّ الشيخ الأنصاري ذكر قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة إذن لم يبق عنده مجال للتمسّك بهذه الآية لصحّة المعاطاة لأنّه بسقوط المطابقيّة سقطت الالتزاميّة. وهذا بخلاف آيتي حلّ البيع والتجارة عن تراض، فإنّهما تدلاّن بالمطابقة على صحّة البيع.


(1) مصباح الفقاهة 2: 105.

الصفحة 211

أقول: إنّ دلالة الآية على اللزوم والصحّة في عرض واحد، فالآية تدلّ بالمطابقة على وجوب الوفاء وبالالتزام على الصحّة واللزوم، لأنّ وجوب الوفاء لا يكون إن فسد العقد، وكذلك لا يكون إن لم يكن العقد لازماً، فلعلّ الأولى في تقريب النتيجة المقصودة أن يقال: إنّنا إذا قطعنا بعدم اللزوم بسبب الإجماع فقد قطعنا بعدم وجوب الوفاء، فقد سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة، وبسقوطها تسقط الدلالة الالتزاميّة على الصحّة(1).


(1) لا يخفى أنّ الاستدلال بمثل ﴿ أوفوا بالعقود على صحّة مثل البيع لا يخلو من إشكال، فإنّ البيع ليس عقداً على الالتزام بعمل كي يتصوّر فيه الوفاء وعدم الوفاء مباشرةً، وإنّما الذي يتصوّر فيه مباشرةً هو النفوذ وعدم النفوذ. نعم يتصوّر فيه الوفاء وعدم الوفاء بمعنى الوفاء بآثاره أو عدم الوفاء بها، فقد يقال: إنّ وجوب الوفاء بآثاره المقصودة من قِبل المتعاقدين يدلّ بالالتزام على نفوذه، إذ لو لم يكن نافذاً لما وجب الوفاء بآثاره من تسليم العوضين ونحو ذلك، ولكنّ الجواب على ذلك هو: أنّ الأمر بالوفاء بالعقود أمرٌ حيثيّ أي بيان لكون العقد بما هو عقد محترماً وواجب الوفاء، فلكي تثبت فعليّة هذا الأمر لا بدّ من ثبوت كون المتعلّق مشروعاً، فلو كان المتعلّق غير مشروع ولذلك لم يجب الوفاء به لم يكن ذلك تخصيصاً في الأمر بالوفاء بالعقد، لأنّ هذا لا ينافي كون العقد من حيث هو عقد محترماً والعقد إذا كان عقد فعل كما لو تعاقدا على الاجتماع في مكان مّا كانت مشروعيّة متعلّقه عبارة عن إباحته، فالتعاقد على الاجتماع في الحرم الشريف نافذ ولكنّ التعاقد على الاجتماع في مجلس المنادمة على مائدة الخمر ليس نافذاً لحرمة متعلّقه. وإذا كان عقد نتيجة كالبيع كانت مشروعيّة متعلّقه عبارةً عن نفوذه فلا يعقل دلالة الأمر بالوفاء بالعقد على النفوذ، لأنّ مشروعيّة المتعلّق يجب أن تكون أمراً مفروغاً عنه مسبقاً. نعم بعد ثبوت نفوذه ومشروعيّته يدلّ الأمر بالوفاء على حرمة مخالفة الآثار وعلى اللزوم. ومن هنا يظهر أيضاً الإشكال في الاستدلال ببعض الإطلاقات الآتية كآية الميثاق أو رواية: المؤمنون عند شروطهم.

الصفحة 212

وعلى أيّة حال، فلعلّه يأتي في المستقبل بيان منع تحقّق إجماع حجّة على عدم اللزوم في المقام.

 

أحلّ الله البيع:

(وثانياً) قوله تعالى: ﴿ أحلّ الله البيع (1). وهذا وإن كان خاصّاً بالبيع إلاّ أنّه يتعدّى من البيع الى كلّ ما لا يحتمل الفرق بينه وبين البيع، فمثلا لو كان المقصود تصحيح المعاطاة ولم يحتمل الفرق بين البيع وسائر المعاملات الماليّة في صحّة المعاطاة وعدمها صحّ التمسّك بهذه الآية لإثبات صحّة المعاطاة في المعاملات الماليّة على الإطلاق على أنّه لو عثرنا في كلّ معاملة ماليّة على نصّ لإمضاء تلك المعاملة من سنخ هذا النصّ في البيع جرى فيه بلحاظ تلك المعاملة نفس البحث الذي يجري في ﴿ أحلّ الله البيع بلحاظ عقد البيع.

وربّما تذكر على التمسّك بهذا الإطلاق عدة إشكالات:

إشكال التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة:

الإشكال الإوّل: انّ أسامي المعاملات لو كانت اسماً للأعمّ صحّ التمسّك بإطلاق أدلّة المعاملات. أمّا لو كانت اسماً للصحيح فالتمسّك بإطلاقها مشكل، لأنّ الشكّ في الصحّة يعني الشكّ في موضوع العامّ، فيصبح التمسّك به تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفس العامّ، وهذا لا يجوز قطعاً.

ولعلّ هذا الإشكال يسري الى مثل الإطلاق الماضي، وهو: ﴿ أوفوا بالعقود ، أو الإطلاق الآتي وهو: ﴿ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض بدعوى أنّ العقد أيضاً اسم للعقد الصحيح، أو أنّ التجارة تعني المعاملات الصحيحة.


(1) البقرة: 275.

الصفحة 213

ولكنّي أحسّ بفطرتي العرفيّة أنّ عدم اختصاص العقد بخصوص الصحيح أوضح من عدم اختصاص البيع بخصوص الصحيح، فالعقد ليس عدا قرار مرتبط بقرار، أو ربط قرار بقرار، أمّا نفوذ ذاك القرار شرعاً أو عرفاً ووجوب الوفاء به شرعاً أو عرفاً فخارج عن مفاد العقد، فحتى لو تعاقدا مثلا على أعظم المناكير الشرعيّة والعرفيّة والتي لم يرَ الشرع ولا العرف مصلحة في إمضاء التعاقد عليها لم يكن ذلك خارجاً عن معنى العقد.

وعلى أ يّة حال، فالذي يبدو أنّ الإشكال في الإطلاق بفرض عناوين المعاملات أسماء للصحيح كان بحاجة الى نوع من التعميق، إذ يتبادر الى الذهن الجواب عليه ـ لولا التعميق ـ بأنّ المعاملات ليست كالعبادات التي هي من مخترعات الشارع حتى يأتي احتمال كون أساميها أسام للصحيح، بل هي ثابتة لدى العرف قبل الشرع الإسلاميّ، وجاء الشرع الإسلاميّ فأدخل في شروطها بعض التعديلات، وهذا لا يوجب انتقال الوضع من معناه اللغوي والعرفي الى وضع جديد.

وكأنّه لهذا حاول الشيخ الأنصاري تعميق صيغة الإشكال ببيان(1)يرجع بعد إدخال شيء من التعديل عليه بأنّ البيع يمكن افتراضه من أوّل الأمر اسماً للصحيح، لكنّ الصحيح في نظر الشرع يختلف عن الصحيح في نظر العرف، فما يكون صحيحاً عرفاً وباطلا شرعاً يكون بيعاً عرفاً ولا يكون بيعاً شرعاً، فالتمسّك لدى الشكّ في ذلك بدليل ﴿ أحلّ الله البيع يعود عليه إشكال التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للعامّ.


(1) راجع المكاسب: 80 و 81.

الصفحة 214

وأجاب الشيخ الأنصاري على هذا الإشكال ـ بناءً على فرض حمل ﴿ أحلّ الله البيع على هذا المعنى ـ بأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف يحمل هذا الكلام بالإطلاق المقامي على إرادة ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف، فلدى الشكّ في شرط جديد يرجع الى إطلاق الدليل لنفيه.

وقد فسّر المحقّق النائينيّ كلام الشيخ الأنصاري في المقام إشكالا وجواباً ـ على ما جاء في تقرير الشيخ الآملي (1) ـ بتفسير غريب، وهو: أنّ الإطلاقات الواردة في أبواب المعاملات راجعة الى إمضاء المسبّبات لا الأسباب، إذ لا معنى مثلا لحمل ﴿ أحلّ الله البيع على حلّيّة مجرّد إنشاء الإيجاب والقبول، وإنّما المقصود حلّيّة المسبب، فإذا شككنا في تحقّق المسبّب للشكّ في دخل شيء شرطاً أو شطراً في السبب كان التمسّك فيه بالعامّ تمسّكاً في الشبهة المصداقيّة للعامّ. ومن هنا عمّم المحقّق النائينيّ الإشكال على مثل ﴿ اُوفوا بالعقود حيث يقول: إنّ هذا أيضاً راجع الى ناحية المسبّب ضرورة أنّ العقد عبارة عن العهد الموثَّق الحاصل بالإيجاب والقبول لا نفس الإيجاب والقبول. هذا تفسير الإشكال.

وأمّا تفسير الجواب الذي ذكره الشيخ الأنصاري فقد نقله ببيان أنّ الدليل وإن كان ناظراً الى إمضاء المسبّبات لكن إمضاء المسبّبات يدلّ بالملازمة على إمضاء أسبابها، إذ لا يتحقّق المسبّب من دون السبب. وعندئذ أورد عليه المحقّق النائينيّ بأنّ إمضاء المسبب إنّما يقتضي إمضاء السبب في الجملة، إذ يكفي في تحقّق المسبّب تحقّق السبب في الجملة، ولا يقتضي إمضاء السبب بقول مطلق كي نتمسّك لدى الشكّ بالإطلاق.


(1) راجع الجزء الأوّل من تقريره: 111 ـ 115.

الصفحة 215

ثمّ تصدّى هو لحلّ الإشكال بما حاصله: أنّ ترتّب الـمُنشأ على ألفاظ العقود والإيقاعات ليس من قبيل ترتّب المسبّبات على أسبابها، كترتّب الإحراق على الإلقاء في النار، أو كترتّب حصول السنبل على إلقاء البذر، فمثل هذين المثالين يكونان من ترتّب المسبّب على السبب، بفرق أنّ السبب في المثال الأوّل سبب تامّ، ويكون المسبّب فعلا لفاعل السبب حقيقة، إلاّ أنّه فعل غير مباشر، وفي المثال الثاني مقدّمة إعداديّة، ويفصل بينه وبين المسبّب ما يكون خارجاً عن قدرة فاعل السبب واختياره، فلا ينسب المسبّب حقيقة الى فاعل السبب.

وأمّا ما نحن فيه فليس من هذا القبيل، وإنّما هو من باب إيجاد ذي الآلة بالآلة كالتكلّم باللسان، أو الكتابة بالقلم، وهذا يكون فعلا مباشراً للفاعل لا مسبّباً توليديّاً وفعلا غير مباشر. نعم، هذه المنشآت تارةً ينظر إليها باعتبار ذاتها من حيث هي هي بقطع النظر عن انتسابها الى الفاعل، واُخرى ينظر إليها باعتبار انتسابها الى الفاعل، وإن شئت فعبّر عن الأول بالمعنى الاسم المصدري، وعن الثاني بالمعنى المصدري.

ودليل إمضاء هذه المنشآت إن كان ناظراً إليها بالمعنى المصدري، فإمضاء المنشأ بالإنشاء عين إمضاء إنشائه بالآلة المعدّة لإنشائه، فإنّ إمضاء الكتابة بمعناها المصدري عين إمضاء إيجادها بالقلم، وإن كان ناظراً إليها بالمعنى الاسم المصدري فكذلك. لأنّ التغاير بين المعنى المصدري والمعنى الاسم المصدري ليس إلاّ بالاعتبار.

أقول: إنّ هذا البيان ـ إشكالا وجواباً ـ يشتمل على خلط غريب بين الـمُنشأ والثمرة التي تثبت بالشرع أو القانون أو عرف العقلاء، وذلك لأنّ تصوير الإشكال ـ بكون الشكّ في المسبّب شبهة مصداقيّة للعامّ ـ يتوقّف على كون المراد

 
الصفحة 216

بالمسبّب تلك الثمرة القانونيّة أو الشرعيّة، أو على تخيّل كون ما يثبت بإمضاء القانون هو عين الـمُنشأ بالإيجاب والقبول وتصوير الجواب ـ بأنّ ما نحن فيه من قبيل الآلة وذي الآلة ـ يتوقّف على كون المراد بالمسبّب هو الـمُنشأ. والواقع أنّ المنُشأ هو غير الثمرة القانونيّة، فكلاهما أمران اعتباريّان، لكنّ الاول أمر اعتبره الناقل، ونسبته الى اعتباره نسبة الوجود الى الإيجاد. والثاني أمر اعتبره المقنّن، ونسبته الى اعتبار المقنّن له نسبة الوجود الى الإيجاد، وليس هذا نسبته الى فعل الناقل نسبة ذي الآلة الى الآلة، وإنّما هي نسبة الحكم الى الموضوع.

ومع الالتفات الى أنّ الثمرة القانونيّة غير المنُشأ وإنّ عدم إمضاء القانون للمنُشأ لا يعني عدم تحقّق المنُشأ يتّضح أنّ فرض البيع أو العقد اسماً للمنُشأ لا يصوّر إشكالا في المقام بلزوم كون التمسّك بالعامّ تمسّكاً به في الشبهة المصداقيّة حتى يجاب عليه بالجواب الذي نسبه الى الشيخ الأنصاري، أو الجواب الذي اختاره هو.

أمّا لو فرضنا أنّ المقصود الواقعي للشيخ الأنصاري هو تصوير الإشكال ـ بناءً على فرض كون البيع اسماً لما يثمر الثمرة القانونيّة ـ فهنا اختلاف في تصوير تلك الثمرة القانونيّة المقصود للشيخ بالنحو الذي يؤدّي الى تصوير الإشكال في المقام.

فالسيّد الخوئيّ نسب الى الشيخ أنّه يفسّر فرض كون البيع اسماً للصحيح بمعنى كونه اسماً لما هو المؤثّر واقعاً أثر الملكيّة والانتقال، وما يقع أحياناً من مخالفة الشرع للعرف في صحّة بعض المعاملات مرجعه الى تخطئة العرف في تشخيصه للواقع، وعندئذ أورد عليه بمنع كون الملكيّة أمراً واقعيّاً،

 
الصفحة 217

وإنّما هو أمر اعتباري صرف(1).

إلاّ أنّ المحقّق الإصفهانيّ فسّر كلام الشيخ بتفسير آخر وهو أن يكون معنى فرض البيع اسماً للصحيح فرضه اسماً للبيع المؤثّر على ما هي عليه كلمة المؤثّر من معنى متقوّم بالاعتبار المختلف باختلاف الأنظار، ومخالفة الشرع للعرف ليست بمعنى تخطئته في تشخيصه للواقع، بل بمعنى كون اعتبار أحدهما مغايراً لاعتبار الآخر(2).

وهذا الكلام يمكن أن يذكر كتقريب لتماميّة الإطلاق في ﴿ أحلّ الله البيع بدعوى أنّ البيع اسم لجامع المؤثّر ولا يختصّ بالمؤثّر الشرعي حتى يكون الشكّ في التأثير الشرعي شكّاً في المصداق، ويمكن أن يذكر كتقريب للإشكال على الإطلاق بدعوى أنّ البيع لئن كان اسماً للمؤثّر فالمؤثّر لدى كلّ متكلّم يختلف عن المؤثّر لدى متكلّم آخر، فإذا شككنا في ثبوت التأثير لدى الشارع يكون التمسّك بإطلاق كلامه تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للعامّ، وعندئذ نكون بحاجة الى الجواب بمثل دعوى الإطلاق المقامي، وإنّ خطاب الشارع المتوجّه الى العرف ينصرف الى إرادة ما هو المؤثّر لدى العرف مثلا.

إلاّ أنّ السيّد الخوئي لم يقبل صلاحيّة هذا التقريب كبيان للإشكال على الإطلاق، فهو يرى أنّ التقريب الوحيد لفرض البيع اسماً للصحيح بنحو يصلح تقريباً للإشكال هو أن نتخيّل أنّ الملكيّة والانتقال من الاُمور الواقعيّة. أمّا إذا اعترفنا بأنّ تأثير البيع ليس عدا أمر اعتباري بحت ولا وجود واقعيّ للملكيّة فلا


(1) راجع مصباح الفقاهة 2: 80، والمحاضرات 2: 40.

(2) راجع تعليقته على المكاسب 1: 21 و 22.

الصفحة 218

يبقى موضوع للإشكال فإنّه إذا فرض البيع اسماً للمؤثّر فإن قصد بذلك التأثير الشرعي قلنا: إنّ كلمة البيع موضوعة من قبل العرف قَبل الشرع، وليست موضوعة من قِبل الشرع، والعرف لا يضعها للمؤثّر الشرعيّ، وإن قصد بذلك جامع التأثير كان هذا في صالح الإطلاق، لأنّ جامع التأثير لا يشكّ فيه بالشكّ في التأثير الشرعي. وإن قصد به التأثير في الاعتبار الصحيح الناشئ عن المصلحة الواقعيّة قلنا: إنّ موافقة الاعتبار للمصلحة وعدمها أجنبية عن المفهوم العرفي الذي تجري عليه الاستعمالات العرفيّة(1).

أقول: يمكن افتراض وضع البيع للصحيح بمعنى المؤثّر اعتباراً لا واقعاً، مع تصوير الإشكال في الإطلاق رغم اعتباريّة الأثر، وذلك بأن يُقال: إنّ البيع موضوع ليس لجامع المؤثّر على شكل الوضع العامّ والموضوع له العامّ على حدّ وضع الرجل مثلا للجامع بين أفراد الرجل كي يقال: إنّ هذا بإطلاقه يشمل المؤثّر باعتبار العقلاء والمؤثّر باعتبار الشرع، وهذا لا يوجب إشكالا في إطلاق الآية، بل يؤكّد إطلاقها، وإنّما هو موضوع للمؤثّر في اعتبار أيّ معتبر على حدّ الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ مثلا، فيحمل في لسان أيّ متكلّم على الاعتبار الذي يرتئيه هو، وذلك سنخ أنّ كلمة (الحَسَن) مثلا ـ بناءً على كون الحُسْن والقُبح أمرين اعتباريّين عقلائيّين لا واقعيّين ـ يحمل في لسان كلّ متكلّم على الاعتبار الذي يرتئيه هو فيكون هذا تصويراً للإشكال بناءً على وضع البيع للصحيح.

وعلى أيّة حال، فالجواب على هذا الإشكال ـ حسب ما حملنا عليه كلام


(1) راجع المحاضرات 2: 40، أمّا في مصباح الفقاهة 2: 81 فقد حذف التنبيه على إشكال الشقّ الثالث.

الصفحة 219

الشيخ الأنصاري ـ هو التمسّك بالإطلاق المقاميّ لـ ﴿ أحلّ الله البيع الذي هو خطاب موجّه الى العرف، فيحمل على الصحيح العرفيّ.

إلاّ أنّ السيّد الخوئيّ (1) فسّر جواب الشيخ بتفسير آخر، وهو التمسّك بالإطلاق المقاميّ لـ ﴿ أحلّ الله البيع ببيان أنّ إمضاء المسبّب المنُشأ بجعله مؤثّراً شرعاً مع إهمال سببه لغو. إذن فيصبح الكلام بإطلاقه المقامي ظاهراً في إمضاء كلّ الأسباب العرفيّة، لأنّ إمضاء سبب ما على الإجمال يكون بمنزلة إلغاء كلّ الأسباب، فقرينة صون كلام الحكيم عن اللغويّة تثبت لنا الإطلاق.

وأجاب السيّد الخوئيّ على ذلك بأنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يكن في الأسباب العرفيّة ما هو متيقّن الاعتبار بالإضافة الى غيرها، وإلاّ كفى ذلك في صون كلام الحكيم عن اللغويّة ولم يتمّ الإطلاق.

واختار هو جواباً آخر ـ بناءً على القول بالصحيح ـ وهو أنّ ظهور النصّ في الإمضاء يصرفه الى الصحيح العرفي، لأنّ الصحيح الشرعي لا معنى لإمضائه.

وعلى أيّة حال، فالظاهر أنّ الإشكال من أساسه غير وجيه، لأنّه كان مبنيّاً على كون أسماء المعاملات موضوعة للصحيح، والواقع خلاف ذلك. فالحقّ هو أنّها لم توضع إلاّ للاعتبار المبرز بغضّ النظر عن إمضائه من قِبل العقلاء، أو من قِبل الشرع وعدمه، كما اختار ذلك السيّد الخوئيّ (2).

أمّا عدم أخذ الإمضاء الشرعي في مفهوم مثل البيع فواضح، لما مضى من أنّ هذه الأسماء ثابتة لدى العرف لمعانيها قبل الشرع، ولم يتدخّل الشرع إلاّ في بعض التعديلات ممّا لا يستوجب انتقال اللفظ الى معنى جديد.


(1) راجع المحاضرات 2: 41 - 42، ومصباح الفقاهة 2: 83 - 85.

(2) راجع المحاضرات 2: 27 و 42، ومصباح الفقاهة 2: 53 و 84.

الصفحة 220

وأمّا عدم أخذ الإمضاء العقلائيّ أو مطلق الإمضاء في مفهومه فلوضوح أنّ البيع مثلا في نظر العرف فعل للبائع أو للمتبايعين، والتأثير العقلائيّ أو الشرعيّ حكم له، وليس من المعهود في اللغة أو العرف أخذ الحكم ضمن مفهوم الموضوع.

ثمّ إنّ السيّد الخوئيّ رتّب على ما اختاره من كون البيع اسماً للاعتبار المبرز وعدم دخل الإمضاء الشرعي ولا العقلائيّ في مفهومه أنّ الإطلاق الذي يثبت لـ ﴿ أحلّ الله البيع بناءً على ذلك يكون أوسع من تقريب إطلاقه بكونه ناظراً بالإطلاق المقامي أو بقرينة عدم معقوليّة إمضاء البيع الشرعي الى ما هو المؤثّر عند العرف، وذلك لأنّه لو صرف الى ما هو المؤثّر عند العرف فإنّما يتمّ التمسّك بالإطلاق إذا تحقّق المؤثّر العرفي وشككنا فى إضافة شرط جديد فى الشريعة، ولا يتمّ التمسّك به عند الشكّ في اعتبار قيد في صحّة المعاملة عرفاً، وهذا بخلاف فرض القول بأنّ الإمضاء العرفي كالإمضاء الشرعيّ ليس دخيلا فى مفهوم البيع، فعندئذ يتمّ التمسّك بالإطلاق حتى لدى الشكّ في اعتبار قيد في صحّة المعاملة عرفاً(1).

أقول: لا ينبغي الإشكال في عدم إمكان نفي شرط ما شرعاً بإطلاق ﴿ أحلّ الله البيع حينما يكون مقتضى الارتكاز العقلائيّ دخله في صحّة البيع حتى على القول بأنّ الصحّة العقلائيّة غير مأخوذة في مفهوم البيع، وذلك لأنّ هذا الارتكاز العقلائيّ يمنع عن انعقاد الإطلاق.

وعندئذ نقول: إنّه إن قصد السيّد الخوئيّ بالشكّ في دخل قيد عرفاً وعقلائياً احتمالنا لدخله عرفاً، أي أنّ حكم العقلاء في ذلك كان مجهولا لدينا،


(1) المحاضرات 2: 43.

الصفحة 221

فهنا لا يصحّ التمسّك بإطلاق ﴿ أحلّ الله البيع ، لأنّ احتمال ذلك احتمال لما يصرف الإطلاق. والصحيح في مثل احتمال وجود قرينة كالمتصل عدم تماميّة الإطلاق ما لم يكن فرض القرينة منفيّاً بأصالة عدم الغفلة.

وإن قصد بذلك فرض إجمال الأمر على العرف نفسه بأن لم يكن واضحاً لدى العرف دخل هذا القيد وعدمه، فقد يقال: إنّنا عندئذ نتمسّك بالإطلاق لعدم وجود احتمال الارتكاز الصارف للإطلاق، وقد يقال: إنّ عقلائيّة المعاملات تصرف إطلاقاتها الى دائرة ما يتقبّله العقلاء بحيث يصبح الإجمال والتردّد عند نفس العقلاء موجباً لإجمال الدليل الشرعيّ وعدم تماميّة الإطلاق.

عدم كون الآية في مقام البيان:

الإشكال الثاني: أنّ ﴿ أحلّ الله البيع إنّما هو بصدد تشريع أصل البيع، وليس بصدد بيان الشروط. وقد أجاب على ذلك المحقّق الإصفهانيّ بعد إيراده على التمسّك بإطلاق الآيّة لتصحيح المعاطاة باشتهار التمسّك به من علماء الإسلام في موارد الشكّ، ثمّ استشهد على تماميّة الإطلاق بحديث عمر بن يزيد التامّ سنداً قال: قلت لأبي عبد الله : جعلت فداك إنّ الناس يزعمون أنّ الربح على المضطرّ حرام وهو من الربا، قال: وهل رأيت أحداً يشتري غنيّاً أو فقيراً إلاّ من ضرورة؟! يا عمر قد أحلّ الله البيع وحرّم الربا، فاربح ولا ترب، قلت: وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل(1). قال المحقّق الإصفهاني : والظاهر أنّه إشارة الى الآية الشريفة وليس الربح على المضطرّ بأظهر ولا باغلب من المعاطاة ليمنع عن شمولها بإطلاقها(2).


(1) الوسائل 12: 329، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1.

(2) تعليقة الشيخ الإصفهاني على المكاسب 1: 26.

الصفحة 222

أقول: إنّ مجرّد تمسّك العلماء ليس دليلا إلاّ إذا كشف عن الفهم العرفي، ولم يحتمل كونه خطأً فنيّاً مشتركاً بين الكلّ.

ويمكن الجواب على أصل الإشكال بأنّه إن قصد بذلك الجانب الإيجابي، وهو كونه بصدد التشريع من دون نفي كونه بصدد بيان كلّ قيود ما شرّعه ـ لو كانت له قيود ـ، فهذا لا ينافي الإطلاق. وإن قصد بذلك نفي كونه بصدد بيان قيود ما شرّعه فهذا ليس إشكالا فنيّاً على الإطلاق، وإنّما هو مجرّد دعوى عدم كونه بصدد البيان المنافي لأصالة كون المتكلّم إثباتاً بصدد بيان كلّ ما قصده ثبوتاً، فهذا الإشكال لا محصّل له.

إلاّ أن يرجع هذا الإشكال الى تقريب آخر، وهو أنّ الآية بصدد المقايسة بين البيع والربا ونفي التسوية بينهما، حيث تقول: ﴿ أحلّ الله البيع وحرّم الربا وليست بصدد بيان حكم البيع في ذاته، أو أنّ الآية إنّما كانت بصدد بيان حرمة الربا. أمّا حليّة البيع فلم تبيّن إلاّ استطراقاً.

إلاّ أنّ هذا البيان الثاني أيضاً لا محصّل له، إذ لئن كان بصدد بيان حرمة الربا فحسب دون حلّيّة البيع فلِمَ لم يقتصر على ذكر حرمة الربا دون حلّيّة البيع؟! إلاّ أن يرجع حاقّ المقصود الى البيان الاول، وهو أنّ الآية بصدد المقايسة بين البيع والربا ونفي التسوية لا بصدد بيان حكم البيع في ذاته.

والجواب على ذلك ما ذكره السيّد الإمام الخميني من أنّ بيان نفي التسوية تارةً يكون بنفي التسوية مباشرة بأن يقول مثلا: ليس البيع مثل الربا، واُخرى يكون ببيان حكم كلّ منهما الذي يؤدّي بالملازمة الى نفي التسوية، والآية من قبيل الثاني. وهذا يعني أنّه كان في مقام بيان الحكمين حتى يتجلّى بذلك عدم تسويتهما في الحكم، وهذا لا يضرّ بالأخذ بإطلاق كلّ من الحكمين

 
الصفحة 223

وحمل ذلك على نفي التسوية بينهما في حكميهما المطلقين(1).

دلالة الآية على حلّيّة الآثار:

الإشكال الثالث: إنّ قوله تعالى:﴿ أحلّ الله البيع إنّما دلّ على حلّيّة التصرّفات المترتّبة على البيع ـ باعتبار أنّ حلّيّة نفس البيع لا معنى لبيانها لعدم مبرّر لاحتمال الحرمة ـ وحلّيّة التصرّفات أعمّ من صحّة البيع بمعنى افادته لمقصود المتعاملين وهو الملك. فإن دلّ هذا النصّ على صحّة البيع فإنّما هي صحّة بمعنى أنّه أثمر ـ على أيّ حال ـ ثمرة شرعيّة، وهي حلّيّة التصرّفات ولم يدلّ على الصحّة بالمعنى الذي قصدناه من إفادته لمقصود المتعاملين. ولئن أصررنا على توقّف حلّيّة بعض التصرّفات على الملك وعدم قبول ذلك للاستثناء، أمكن فرض حصول الملكيّة قبل التصرّف آناً مّا مثلا، فالآية ـ على كلّ حال ـ لا تدلّ على إفادة البيع المعاطاتي، أو أيّ بيع شككنا في صحّته للملك مباشرة.

والجواب على ذلك يكون بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه بعد فرض حمل الحلّيّة في الآية المباركة على حلّيّة التصرّفات تدلّ الآية بالملازمة العرفيّة على صحّة البيع بالمعنى المقصود للمتعاملين، وذلك:

إمّا بتقريب أنّ حلّيّة جميع التصرّفات بما فيها الموقوفة على الملك تدلّ عرفاً على حصول الملك بالفعل. وهذا هو المفهوم ممّا نسبه المحقّق الإصفهانيّ إلى مختار الشيخ (2) والمفهوم من بعض عباير مصباح الفقاهة(3). أمّا فرض


(1) كتاب البيع 1: 61 و 62.

(2) راجع تعليقته على المكاسب 1: 25.

(3) مصباح الفقاهة 2: 104.

الصفحة 224

حصول الملك قبل التصرّف آناً مّا أو الاستثناء عن شرط الملك، فهو بعيد عن فهم العرف لدليل تلك الحلّيّة.

أو بتقريب أنّ العرف لمّا كان يعتقد بكون حلّيّة التصرّفات مستندة الى إفادة البيع للملك بالفعل، فتوجيه الخطاب إليه بحلّيّة البيع ينصرف الى ما يطابق مرتكزهم.

أو بتقريب أنّ نسبة الحلّيّة في الآية الى البيع ظاهرة عرفاً في كون حلّيّة التصرّف بسبب إمضاء البيع، وهذا هو الذي اختاره السيّد الخوئيّ ـ على ما في المحاضرات ـ على تقدير كون الحلّيّة في الآية تكليفيّة(1).

الوجه الثاني: أنّنا نمنع حمل الحلّيّة في الآية المباركة على الحلّيّة التكليفيّة المتعلّقة بالتصرّفات، حيث إنّ لازم ذلك كون إسناد الحلّ في الآية إلى البيع إسناداً للشيء إلى غير ما هو له، بل نحملها على الحلّيّة المنتسبة حقيقة إلى البيع. والظاهر من إسناد الحلّ إلى الاُمور الاعتباريّة كالبيع هو الحلّ الوضعيّ بمعنى الإمضاء والصحّة.

إلاّ أنّه يقع الكلام في حمل الحلّ على الحلّ الوضعيّ هل هو حمل له على معنىً حقيقيّ أو مجاز؟ فإن كان مجازاً لم يكن هذا الوجه وجهاً مستقلاًّ للجواب في قبال الوجه الاول، بل يصاغ من الوجهين وجه واحد للاستدلال ببيان أنّ الحلّ في الآية مردّد أمره بين الحلّ الوضعيّ والحلّ التكليفيّ، إذ في كلّ منهما وجه للتجوّز، حيث إنّ الحلّ الوضعيّ معنىً مجازيّ للحلّ، والحلّ التكليفيّ يكون


(1) راجع المحاضرات 2: 51.

الصفحة 225

إسناده ـ في الواقع ـ إلى التصرّفات، فإسناده إلى البيع إسناد إلى غير ما هو له، وسواء حمل الحل على الوضعي أو التكليفي تثبت صحة البيع أما على الاول فبالدلالة المطابقيّة، وأمّا على الثاني فبالدلالة الالتزاميّة العرفيّة بأحد التقريبات الثلاثة الماضية.

أمّا إذا افترضنا استعمال الحلّ في مورد الحلّ الوضعيّ حقيقة، فهذا الوجه يصبح دليلا مستقلاًّ على المدّعى، حيث يقال: إنّ الحلّ هنا مستند بظاهره الى ذات البيع، فهو حلّ وضعيّ بمعنى إمضاء البيع وصحّته.

ويرى السيّد الخوئيّ أنّ حمل الحلّ في المقام على الحلّ الوضعي لا يستلزم المجاز وذلك بدعوى أنّ الحلّ في الآية الشريفة يكون بمعنى الإرسال وإطلاق السراح وإرخاء العنان في مقابل الشدّ والعقد. وهذا نسبته إلى الحلّ التكليفيّ والحلّ الوضعيّ على حدّ سواء، وفي كلّ مورد يحمل على ما يناسبه، فإذا اُسند الى أفعال المكلفين أو الموضوعات الخارجيّة أعطى معنى الحلّ التكليفيّ، وإذا اُسند إلى الاعتبارات العرفيّة أعطى معنى الحلّ الوضعيّ والإمضاء(1).

وذكر المحقّق الإصفهانيّ : أنّ حمل الحلّ في المقام على معنى الحلّ في مقابل الشدّ غير صحيح، لأنّ الحلّ في مقابل الشدّ يتعدّى بنفسه إلى ما يحلّ، ولا مجال لتعديته إليه بتحويله إلى باب الإفعال، والموجود في الآية الكريمة هو صيغة «أحلّ» أي من باب الإفعال، فالمفروض أن يحمل الحل على ما يشتقّ من الحلول بمعنى القرار فإنّه يتعدّى إلى ما يحلّ بأدوات التعدية، فيقال مثلا: أحلّه


(1) المحاضرات 2: 48 و 49، ومصباح الفقاهة 2: 94.

الصفحة 226

الدار. وهذا يناسب التكليف والوضع، فالمعنى ـ والله أعلم ـ: أنّه ـ تعالى ـ أحلّ البيع محلّه وأقرّه مقرّه، ولم يجعله كالقمار بحكم العدم(1).

وأورد عليه السيّد الخوئيّ : بأنّ حمل الحلّ في الآية الكريمة على معنى الحلول والقرار خلاف الظاهر، خصوصاً بملاحظة مقابلته بـ «حرّم الربا»، إذ لو كان المقصود به الحلول والقرار لكان المناسب مقابلته بالإزالة، فيقول: وأزال الربا(2).

أقول: الظاهر أنّ «أحلّ» في الآية المباركة ليس من الحلّ بفتح الحاء في مقابل الشدّ والعقد لأنّه يتعدّى إلى ما يحلّ بنفسه لا بباب الإفعال، ولا من الحلول بمعنى القرار، لأنّه لا يناسب المقابلة بـ «حرّم الربا»، بل المفروض أن يقابل بـ (أزال الربا)، وإنّما هو مِنَ الحِل ـ بكسر الحاء ـ في مقابل الحرمة، كما تشهد له مقابلته بـ «حرّم الربا». وهذا حقيقة في الحلّيّة التكليفيّة، ومجاز في الحلّيّة الوضعيّة. فالصحيح أن نصوغ من الوجهين دليلا واحداً على المقصود بالتقريب الذي مضى.

على أنّه يرد على جعل تفسير الحلّ بالحلّيّة الوضعيّة دليلا مستقلاًّ في مقابل الوجه الاول: أنّ الربا اسم لذات الربح، بينما البيع اسم للعقد الذي هو أمر اعتباريّ، وكما يحتمل حمل الربا بقرينة المقابلة بالبيع على معنى البيع الربوي مثلا كذلك يحتمل حمل البيع بقرينة المقابلة بالربا على الربح البيعي. وعلى هذا التقدير يتعيّن الحلّ في الحلّيّة التكليفيّة.


(1) تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب 1: 25.

(2) المحاضرات 2: 49، ومصباح الفقاهة 2: 95 و 96.

الصفحة 227

 

آية التجارة عن تراض:

وثالثاً ـ قوله ـ تعالى ـ: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (1).

والاستدلال بهذه الآية يكون بتقريبين:

التقريب الاول ـ هو الاستفادة من النهي عن أكل المال واستثناء فرض التجارة عن تراض. وتوضيح ذلك: أنّ المقصود بالأكل هنا ليس هو معناه اللغوي الأصليّ حتماً كما هو واضح، وإنّما هو كناية إما عن مطلق التصرّف، وإمّا عن التملّك.

فإن كان كناية عن التملّك فالنهي المتعلّق به نهي وضعي يقصد به البطلان، وقد استثني من هذا البطلان فرض التجارة عن تراض، وهذا يعني صحة التجارة عن تراض ومقتضى إطلاق ذلك عدم اشتراط شكلية معيّنة في التجارة.

وإن كان كناية عن مطلق التصرّف فالنهي المتعلّق به تكليفيّ، واستثناء فرض التجارة عن تراض يعني حلّيّة التصرّف بالتجارة عن تراض. وهذا يدلّ بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة على صحّة التجارة إمّا بتقريب أنّ حلّيّة جميع التصرّفات بلا إذن البايع الموقوفة على الملك دالّة عرفاً على الملكيّة الفعليّة، أو بتقريب أنّ الخطاب متوجّه الى العرف الذي يرى التجارة عن تراض مملّكة، فينصرف الخطاب الى إمضاء ذلك، أ و بتقريب أنّ إسناد حلّ الأكل الى التجارة عن تراض إسناد المسبّب الى سببه ظاهر عرفاً في إمضاء التجارة بنفس المعنى المقصود للمتعاملين، ومقتضى الإطلاق عدم اشتراط شكليّة معيّنة في التجارة عن تراض.


(1) النساء: 29.

الصفحة 228

التقريب الثاني ـ هو الاستفادة من كلمة (الباطل)، حيث إنّ الاستثناء سواء فرض متّصلا أو منقطعاً يدلّ على أنّ التجارة عن تراض ليست باطلة، إذ لا يتقبّل عرفاً أن يقال: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ هذا الباطل». وهذا يعني صحّة التجارة المنصرفة إلى الصحّة بالمعنى الذي قصده المتعاملان من التمليك والتملّك، فهذه الدلالة تتمّ سواء فرضنا أنّ الاستثناء منقطع تمسّكاً بأصالة عدم التقدير، أو فرضناه متّصلا بأن قدّرنا شيئاً يناسب المورد كأن نقول: إنّ التقدير ما يلي: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بكلّ سبب فإنّه باطل، إلاّ أن تكون تجارة عن تراض» وذلك باعتبار أنّ الاستثناء المنقطع بطبعه وبلا نكتة ومناسبة ليس عرفيّاً، بخلاف التقدير والحذف، فإنّه وإن كان خلاف الأصل لكنّه أمر عرفيّ ومقبول، وكثير الوقوع فى الاستعمالات.

ثمّ إنّه ذكر في بلغة الفقيه(1) إشكالا على التمسّك بهذه الآية لصحّة المعاطاة، وهو أنّ هذه الآية وزانها وزان: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، ولا صلاة إلا بطهور، ونحو ذلك ممّا يكون مركز عموم الحكم فيه هو حكم المستثنى منه لما عدا موارد المستثنى، وليس مركز العموم هو حكم المستثنى لجميع موارده. فقوله مثلا: «لا صلاة إلاّ بطهور» يعني عموم بطلان الصلاة لكلّ موارد عدم الطهارة، ولا يعني عموم صحّة الصلاة لكلّ موارد الطهارة بحيث لو صلّى متطهّراً مستدبراً للقبلة مثلا لكان هذا الكلام دليلا على صحّة صلاته. فآية التجارة عن تراض من هذا القبيل، فهي إنّما تدلّ على عموم حرمة أكل المال لكلّ موارد فقدان التجارة عن تراض، ولا تدلّ على جواز أكل المال في كلّ موارد حصول التجارة عن تراض، أي أنّها مسوقة لبيان شرطيّة المستثنى من دون نفي شرطيّة شيء آخر.


(1) راجع بلغة الفقيه 2: 103 - 104.

الصفحة 229

وأجاب على ذلك: بأنّ الاستثناء هنا منقطع بخلاف الحال في مثل لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، أو لا صلاة إلاّ بطهور. وفي مورد الاستثناء المنقطع لا يكون مركز العموم هو حكم المستثنى منه لما عدى موارد المستثنى، لأنّ مغايرة المستثنى للمستثنى منه بالجنسية في المنقطع تبطل كون ما عدا المستثنى من جنس المستثنى منه كلّيّة حتـى يؤخذ بعموم الحكم فيـه، إذن فمركز العموم إنّما هو حكم المستثنى، ويكون الكلام مسوقاً لبيان حكم المستثنى فقط، وإنّما ذكر المستثنى منه توطئة لذلك. فهذا الإشكال إنّما يمكن تماميّته بناءً على حمل الآية الكريمة على الاستثناء المتّصل.

إلاّ أنّ حملها على الاستثناء المتّصل غير صحيح، إذ أوّلا يستلزم الحذف والتقدير، وهو خلاف الأصل. وثانياً يستلزم الالتزام بالنسخ أو كثرة التخصيص المستهجن، إذ لو كان الاستثناء متّصلا لدلّت الآية على حرمة الأكل بكلّ ما عدا التجارة عن تراض، مع أنّه كما يحلّ الأكل بذلك كذلك يحلّ بالهبات والوقوف والصدقات والوصايا واروش الجنايات وسائر النواقل الشرعيّة والإباحات بقسميها الشرعيّة والمالكيّة. فكيف يكون مطلق غير التجارة عن تراض أكلا بالباطل، ولا كذلك على المنقطع لرجوعه إلى ذكر السبب الخاص لا حصر الأسباب به؟

أقول: إنّ هذا الكلام من أوّله إلى آخره لا يمكن المساعدة عليه.

أمّا كون الحذف خلاف الأصل فيمكن الجواب عليه بكون الاستثناء المنقطع من دون مناسبة مقبولة أمر غير مطبوع عرفاً، بخلاف الحذف الذي هو مقبول وكثير الوقوع في الاستعمالات.

وأمّا لزوم النسخ أو كثرة التخصيص المستهجن، فقد أجاب عليه السيّد

 
الصفحة 230

الخوئيّ أنّ ما عدّه من أسباب جواز الأكل كلّما كان منها مشتملا على القبول كالهبات والصدقات والوصايا بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة داخل في التجارة عن تراض. وأمّا ما لا يشتمل على القبول كالوقوف والإباحات والوصايا بناءً على عدم اعتبار القبول فيها، فهي وإن لم تكن من التجارة لكنّها أوّلا ليست في الكثرة بمقدار يوجب استهجان التخصيص، وثانياً هي خارجة عن حدود المستثنى والمستثنى منه من الآية تخصّصاً لا تخصيصاً; لأنّ المستثنى منه إنّما هو أكل مال الغير بعنوان التملّك، وهذا إنّما يكون فيما يحتاج إلى القبول(1).

أقول: لعلّ مقصوده: أنّ الأكل في الآية كناية عن التملّك، فما يدخل في ملك الإنسان من دون تملّك أو يباح للإنسان من دون تملّك ليس داخلا في مورد الآية. أمّا إذا فسّرنا الأكل بمعنى التصرّف فهذا البيان الأخير لا يأتي:

وعلى أيّة حال، فحتى لو تسجّل إشكال صاحب البلغة على فرض كون الاستثناء متّصلا من لزوم كثرة التخصيص مثلا فهذا لا يهمنا، فإنّه لا علاقة له بما هو المقصود من الاستدلال بالآية، إذ لم يكن متوقّفاً على كون الاستثناء متّصلا.

وأمّا ما ذكره من أنّ الاستثناء إذا كان منقطعاً فالعموم لا يتركّز في المستثنى منه لعدم صحّة شموله لجميع ما عدا الاستثناء، فيتركّز في المستثنى، فهو مع أصل الإشكال الذي يفرض هذا جواباً عليه من أنّ العموم في موارد الاستثناء يتركّز في شمول حكم المستثنى منه لجميع الموارد ما عدا المستثنى لا في المستثنى غريب، فلا أدري ما هو الوجه في افتراض أنّ العموم يتركّز في طرف المستثنى منه فحسب؟! وهل أنّ أداة الاستثناء هي التي تخلق العموم في المستثنى منه فيقال


(1) مصباح الفقاهة 2: 104 - 105.

الصفحة 231

مثلا: إنّ أداة الاستثناء إنّما تخلق العموم في المستثنى منه لا في المستثنى؟! ولو تمّ ذلك فلا أدري ما هو الوجه في الجواب عليه بأنّه في الاستثناء المنقطع حيث لا يمكن تركّز العموم في المستثنى منه يتركّز في المستثنى؟ ومن الواضح أنّ تركّز العموم في المستثنى منه بلحاظ أفراد المستثنى منه ممكن، بلا فرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع، وتركّز العموم في أفراد اُخرى غير أفراد المستثنى منه وغير المستثنى لا يمكن، بلا فرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع.

وأمّا أصل النقض بمثل لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، أو لا صلاة إلاّ بطهور فهذا هو الإشكال المنقول عن أبي حنيفة على دلالة الاستثناء على عموم المفهوم، والذي أجاب عليه صاحب الكفاية في كفايته تارةً بأنّ الصلاة إمّا هي اسم للصحيح أو محمولة في مثل هذا النصّ على الصلاة التامّة المأمور بها، فالنص يدل على أنّ الصلاة التامة لا تكون إلاّ مع طهور، أمّا أن تتمّ الصلاة الناقصة بنقص آخر بواسطة الطهور فلا. واُخرى بأنّه إن لم يثبت المفهوم في مورد لعلمنا بالحال فهذا لا يعني إنكار المفهوم على الإطلاق(1). وأجاب عليه في تعليقته على الكفاية بأنّ المراد من المستثنى منه في مثل هذا المثال هو نفي الإمكان، ومقتضاه إمكان ثبوته مع المستثنى لا وقوعه.

أقول: الحمل على الإمكان خلاف الظاهر، فإنّ الفعل المقدّر المتعلّق به الظرف هو من أفعال العموم عادة كالوجود لا الإمكان، وأمّا علمنا بالقرينة بعدم المفهوم فقد يكون مقصود أبي حنيفة وضوح عدم دلالة (لا صلاة إلاّ بطهور، أو إلاّ


(1) راجع الكفاية 1: 326 - 327 مع تعليقته هو على الكفاية في الصفحة 326 بحسب الطبعة التي معها تعليقة المشكيني.

الصفحة 232

بفاتحة الكتاب) على المفهوم العامّ بقطع النظر عن القرينة وعلمنا الخارجيّ. والانصاف أنّه لا ينبغي الشكّ في عدم الدلالة في مثل هذا المثال.

وأمّا الجواب الأوّل لصاحب الكفاية في كفايته ـ فبناءً على كون الصلاة اسماً للأعمّ ـ لا يتم أيضاً، إذ لا موجب لحمل الكلام على نفي الصلاة التامّة، بل يحمل على نفي الصلاة نفياً تشريعيّاً، ولو تمّ هذا الوجه فإنّما يتمّ في مقابل دعوى التمسّك بإطلاق كلمة (الصلاة)، ولكن القائل بعموم المفهوم في باب الاستثناء يتمسّك بإطلاق المستثنى، فقد ينقض عليه بأنّه لو تمّ هذا الإطلاق في المستثنى لتمّ في مثل لا صلاة إلاّ بطهور أو إلاّ بفاتحة الكتاب، وهو يعني أنّ الطهور أو الفاتحة يصحّح الصلاة حتّى لو كان المصلّي مستدبراً للقبلة مثلا، ومن الواضح عدم دلالة له من هذا القبيل.

والتحقيق في المقام: إنّه لا مجال لدلالة مثل لا صلاة إلاّ بطهور أو بفاتحة الكتاب على صحّة كلّ صلاة حتّى المستدبرة للقبلة مثلا بواسطة الطهور أو الفاتحة، وذلك لأنّه إن فرضت هذه الدلالة ناتجة من إطلاق كلمة (الصلاة) الشاملة للصلاة المستدبرة للقبلة ـ لو قلنا بأنّها اسم للأعمّ ـ، فالجواب هو أنّ الخبر المحذوف في المقام هو كلمة (موجود) أو نحو ذلك، وقد حقّقنا في علم الاُصول أنّه متى ما كان المحمول عبارة عن مثل الوجود لم يتمّ للموضوع إطلاق شموليّ، فإنّ الطبيعيّ يوجد بوجود فرد واحد منه.

وإن فرضت هذه الدلالة ناتجة من إطلاق الطهور أو الفاتحة فالجواب هو أنّ الحكم المحمول على الطهور أو الفاتحة ليس هو وجود الصلاة وتحقّقها، بحيث لو أنّ أحداً تطهّر مثلا حصلت الصلاة سواء فعل شيئاً آخر أو لا، وليس مدّعى من يفترض الإطلاق ذلك، وإنّما مدّعاه أنّ الإطلاق يصحّح الصلاة الفاقدة لبعض

 
الصفحة 233

الأجزاء أو الشرائط الاُخرى، وإنّما الحكم المحمول على الطهور أو الفاتحة هو تقيّد الصلاة بالطهور أو الفاتحة، وهذا التقيّد مستفاد من الباء وإطلاق الطهور أو الفاتحة عندئد يعني أنّ صلاتك مقيّدة ومشروطة بالطهور أو الفاتحة سواء كنتَ مستقبلا للقبلة أو مستدبراً لها. وهذا كما ترى لا يعني عدم تقيّد الصلاة بشيء آخر كاستقبال القبلة مثلا.

وأمّا قوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض فالحكم المحمول فيه على تجارة عن تراض هو نفس حلّ الأكل لا مجرّد كونه مقيّداً بالتجارة عن تراض كي يقال: إنّ هذا لا ينافي تقيّده بقيد آخر أيضاً، ومقتضى إطلاق التجارة عن تراض هو ترتّب حلّ الأكل عليها، سواء كان معها شيء آخر كالعقد بصيغة لفظيّة أوْ لا.

 

آية ﴿ أخذن منكم ميثاقاً غليظاً :

ورابعاً ـ قوله ـ تعالى ـ: ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً (1).

وخير وجه للاستدلال بهذه الآية هو التمسّك بعموم التعليل بأخذ الميثاق الغليظ بعد وضوح أنّ الميثاق الذي يكون في العقود ليس عادة منقسماً إلى قسمين: غليظ وغير غليظ، فليس قيد الغليظ مخرجاً لبعض أقسام الميثاق، بل هو وصف منتزع من ذات الميثاق، فكلّ ميثاق هو غليظ، فالآية تدلّ على وجوب الوفاء بالميثاق. وهذا إمّا من باب أنّ كلّ قرار مرتبط بقرار داخل في مفهوم


(1) النساء: 20 ـ 21.

الصفحة 234

الميثاق، أو من باب أنّ الميثاق وإن فرض اختصاصه بالاستيثاق من عمل في المستقبل ولا يشمل العقود التي تنجز أمراً حالياً كالنكاح والبيع، ولكنّ الآية قد نزّلت عقد النكاح منزلة الميثاق.

وهنا قد يُقال: إنّه بناءً على الاحتمال الأخير لا يوجد للآية إطلاق لمثل عقد البيع; لأنّ الآية إنّما نزّلت عقد النكاح منزلة الميثاق، ولم تدلّ على تنزيل كلّ عقد منزلة النكاح.

والجواب: أنّ الآية مسوقة مساق التعجّب والاستغراب، وهذا ظاهر في كون التعليل تعليلا بأمر مرتكز عقلائياً، لا بأمر تعبّدي بحت، ولو فرض وجوب الوفاء المقصود في الآية مختصّاً بعقد النكاح لكان حكماً تعبّدياً بحتاً، فالمقصود إذن هو الاستغراب والتعجّب من نقض عقد النكاح بنكتة عقلائية عامّة وهي أنّ كلّ قرار مرتبط بقرار حاله حال الميثاق، ويجب الوفاء به.

أمّا الإيراد على خصوص الاستدلال بهذه الآية على صحّة العقد المعاطاتي بلزوم خروج المورد من إطلاق النصّ لوضوح عدم صحّة المعاطاة في عقد النكاح، فالجواب عليه هو أنّه لا يلزم من ذلك خروج المورد، إذ لم يكن المقصود فرض اختصاص الميثاق بالعقد المعاطاتي حتّى يقال: لزم من ذلك خروج المورد لعدم صحّة المعاطاة في النكاح، وإنّما المقصود كفاية صدور الميثاق في وجوب الوفاء مع رفض أيّ شكليّة وقيد آخر في الموضوع، وإذا دلّ دليل خاصّ باشتراط شكليّة معيّنة في عقد النكاح، وهي الصيغة اللفظيّة فهذا تقييد للإطلاق في خصوص باب النكاح، ولا يسري التقييد إلى سائر الأبواب.

وتحقيق الحال في هذا الاستدلال أنّه يختلف الأمر باختلاف ما يحمل عليه قوله ـ تعالى ـ: ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ، ففيه احتمالان:

 
الصفحة 235

الأوّل: أن يكون هذا تعليلا أخلاقيّاً، ويكون قوله ـ تعالى ـ: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً تعليلا قانونيّاً، فكأنّه ـ سبحانه وتعالى ـ يقول: كيف يجوز لكم نقض الميثاق على الخصوص أنّ بعضكم دخل في فناء بعض وتعاشرتم وتواددتم؟! أفهل بعد المعاشرة والتوادّ يحلو لكم نقض الميثاق؟!

وعلى هذا التفسير قد يتمُّ الاستدلال بالآية الشريفة على نفوذ العقد والميثاق.

والثاني ـ أن تكون الآية إشارة إلى ما هو المعروف في الفقه من أنّ تمام المهر إنّما يتنجّز بالدخول، فلو طلّق قبل الدخول كان له حقّ استرجاع نصف المهر، فالإمضاء كناية عن الدخول. ومفاد الآية: أنّه بعد أخذ الميثاق والدخول لا يجوز استرجاع شيء من المهر، وعليه فالآية لا تدلّ على المقصود، لأنّه وإن فهم منها ضمناً لزوم الوفاء بالميثاق لكنّها كانت بصدد بيان حكم آخر وهو لزوم المهر بعد الميثاق والدخول، ولم تكن في مقام بيان حكم الميثاق ذاتاً كي تجري بلحاظه مقدّمات الحكمة ويتمّ الإطلاق. فهذه الآية من قبيل آية: ﴿ كلوا ممّـا أمسكن (1) التي هي بصدد بيان التذكية لا بصدد بيان طهارة محلّ الامساك، كما أنّه لا يتمّ أيضاً جعل الآية إشارة إلى أمر ارتكازيّ عقلائي وهو وجوب الوفاء بالعقد والميثاق; لأنّ الارتكاز العقلائي لا يفرّق بين فرض الدخول وعدمه، والطلاق ليس فسخاً حتّى يوجب ردّ المهر.

ولا استبعد ـ بحسب الفهم العرفيّ ـ كون الاحتمال الأوّل هو الأظهر.

إلاّ أنّ هناك نصّاً تامّ السند جعل كلمة (الغليظ) إشارة إلى الدخول أو


(1) المائدة: 4.

الصفحة 236

الإنزال فيها، حيث ورد عن بريد بسند تامّ، قال: سألت أبا جعفر عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً فقال: الميثاق هو الكلمة التي عقد بها النكاح، وأمّا قوله: غليظاً فهو ماء الرجل يفضيه إليها(1).

فلو أخذنا بمفاد هذا الحديث ولم نحمل ذلك أيضاً على إلفات النظر إلى النكتة الأخلاقيّة بطل التمسّك بهذه الآية على المقصود.

 

الناس مسلّطون على أموالهم:

وخامساً ـ المرسل المعروف عن النبيّ : أنّ الناس مسلّطون على أموالهم(2). ووجه الاستدلال بذلك هو التمسّك بإطلاق متعلّق السلطنة، وأنّه يشمل مطلق التصرّفات بما فيها التصرّفات الاعتباريّة. والسلطنة على التصرّفات الاعتباريّة لا تكون بمجرّد الجواز التكليفي، بل هي تستبطن الإمضاء الشرعيّ. أمّا التمسّك بإطلاق السلطنة وشمولها لأنواع السلطنة فهو من التمسّك بإطلاق المحمول، وقد أوضحنا في محلّه أنّ إطلاق المحمول ليس شموليّاً.

وخير جواب على التمسّك بإطلاق هذا الحديث ـ بعد غضّ النظر عن سقوطه سنداً ـ ما يستفاد من كلام السيّد الخوئي من أنّ المفهوم عرفاً من هذا الحديث إنّما هو سلطنة المالك في مقابل الآخرين على التصرّفات، وهذا يعني أنّ كلّ تصرّف جائز أو نافذ في ذاته يكون المالك مسلّطاً عليه، أي أنّه هو المقدّم على الآخرين، فلا يتوقّف تصرّفه على إذن غيره، بينما لا يجوز أو لا ينفذ تصرّف


(1) الوسائل 14: 195، الباب 1 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(2) البحار 2: 272، الباب 33 من كتاب العلم، الحديث 7، نقلا عن عوالي اللآلي.

الصفحة 237

غيره بلا إذنه. أمّا إذا شككنا في نفوذ تصرف مّا في ذاته كالبيع المعاطاتي فالحديث لا يدلّ على نفوذه، كما أنّه لم يتمسّك أحد بإطلاقه لجواز تصرّف شككنا في جوازه في ذاته، كما لو شككنا في حلّيّة شرب التتن، وليس هذا إلاّ لأجل أنّ الحديث ينظر إلى السلطنة على التصرّفات في المال من زاوية إضافته إلى المالك وفي مقابل الآخرين، ولا ينظر إلى حكم التصرّفات في ذاتها(1).

 

المؤمنون عند شروطهم:

   وسادساً ـ حديث (المسلمون أو المؤمنون عند شروطهم).

وقد ورد ذلك بأسانيد عديدة:

1 ـ فعن عبد الله بن سنان ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّـا وافق كتاب الله ـ عزّ وجل ـ(2).

2 ـ وعنه ـ بسند تامّ ـ عن أبي عبد الله 7: المسلمون عند شروطهم، إلاّ كلّ شرط خالف كتاب الله ـ عزّ وجل ـ فلا يجوز(3). ويحتمل كونهما رواية واحدة.

3 ـ وروى الشيخ بإسناده عن الصفّار عن الحسن بن موسى الخشاب عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمّـار عن جعفر عن أبيه : أنّ عليّ بن أبي طالب كان يقول: من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به، فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلاّ شرطاً حرّم حلالا أو أحلّ حراماً(4). وهذا السند أيضاً تامّ، فإنّ


(1) انظر مصباح الفقاهة 2: 102 والمحاضرات في الفقه الجعفري 1: 52.

(2) و (3) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 2.

(4) الوسائل 12: 354، الحديث 5، و 14: 487، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 9.

الصفحة 238

غياث بن كلوب يفهم توثيقه من كلام الشيخ الطوسيّ في العدّة. وحسن بن موسى الخشاب يفهم توثيقه من نصّ النجاشي بشأنه بأنّه (من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم والحديث). وبعض أسانيد الشيخ إلى الصفّار تامّ.

4 ـ وعن عليّ بن رئاب ـ بسند تامّ ـ عن أبي الحسن موسى قال: سُئل وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإنّ مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده، قال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إيّاها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها والمسلمون عند شروطهم...(1).

5 ـ وعن منصور بزرج ـ بسند تامّ ـ عن عبد صالح قال: قلت له: إنّ رجلا من مواليك تزوّج امرأة ثمّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلاّ أن يجعل لله عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول الله قال: المؤمنون عند شروطهم(2). والظاهر أنّ المقصود بـ «عبد صالح» هو الإمام الكاظم ، فإنّ منصور بزرج يروي عن الصادق والكاظم ، وينصرف هذا التعبير إلى الإمام رغم عدم الألف واللام كانصراف المضمرات إلى الإمام .

وأمّا تطبيق الحديث المروي فيه عن رسول الله على المورد المذكور


(1) الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 2.

(2) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

الصفحة 239

في كلام منصور من قِبل الإمام الكاظم ، فلو لم يقبل وحمل على التقيّة لم يضرّ ذلك بأصل الحديث المرويّ فيه عن الرسول ، وهو قوله: المؤمنون عند شروطهم.

وعلى أيّة حال، فوجه الاستدلال بحديث (المؤمنون أو المسلمون عند شروطهم) على وجوب الوفاء بالعقد ونفوذه أيّاً كان شكله هو دعوى صدق الشرط على العقد.

ويمكن الإيراد على ذلك بإشكالين:

1 ـ الشرط الضمني والشرط الابتدائي:

الإشكال الأوّل ـ أنّ الشرط حقيقة في الشرط الضمني، أي الالتزام الذي يكون في ضمن العقد، وإطلاقه على الشرط الابتدائي مجاز، وعليه فالبيع مثلا الذي هو عقد وليس شرطاً في ضمن العقد ليس مشمولا لنصوص (المسلمون عند شروطهم).

ويشهد لهذا الإشكال ما عن بعض أهل اللغة من تفسير الشرط بمثل (إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه).

أقول: إن كان المقصود بالشرط الضمنيّ ما يشمل كلّ التزام متقابل مع التزام آخر باعتبار أنّ مجموع الالتزامين عقد، وقد وقع كلّ واحد من الالتزامين ضمن هذا العقد. فهذاالإشكال لايوجب خروج مثل البيع عن إطلاق نصوص (المسلمون عند شروطهم)، إذ بالإمكان أن يُقال عندئذ: إنّ كلاّ من الإيجاب والقبول في البيع مثلا يستبطن التزاماً ضمن مجموع الالتزامين المتقابلين والشرط الابتدائي إنّما هو ذاك الالتزام الذي لا يقابله التزام آخر من قِبَل الشخص الآخر. وكلمات اللغويّين قابلة للحمل على هذا المعنى بأن يكون مقصودهم بالضمنيّة ما ذكرناه.

 
الصفحة 240

وإن كان المقصود بالشرط الضمنيّ خصوص ذاك الالتزام الذي وقع ضمن عقد مؤتلف من التزامين غير ذاك الشرط، بأن يكون ذاك الشرط شيئاً زائداً على أصل الإيجاب والقبول اُخذ ضمن الإيجاب والقبول، فهذا هو الذي لا يصدق على مثل البيع، لأنّه لم يكن ضمن عقد آخر، ولكن بالإمكان إثبات كون معنى الشرط أوسع من ذلك، فهو يشتمل الالتزام المتقابل مع التزام آخر إن لم يشمل الشرط الابتدائي البحت، وذلك بعدّة بيانات:

أ ـ موارد الاستعمال لكلمة (الشرط):

البيان الأوّل ـ الاستشهاد بجملة من موارد الاستعمال التي استعمل الشرط فيها في الالتزام المتقابل لالتزام آخر لو لم يكن مستعملا في الالتزام الابتدائيّ البحت. وهنا يمكن النقاش بلحاظ كلّ مورد من موارد تلك الاستعمالات: بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة. ولكن قد نستطيع أن نحصل بالفحص على نسبة من الاستعمالات كافية لحصول الجزم أو الاطمئنان بأنّها ليست جميعاً مجازيّة.

وهذا الوجه بحاجة إلى فحص واسع نسبيّاً، إلاّ أنّنا نشير بهذا الصدد إلى بعض موارد الاستعمالات.

1 ـ ورد في بعض الروايات «شرط الله قبل شرطكم»(1). ومن الواضح أن شرط الله لم يكن في ضمن العقد بالمعنى الأوّل. وغاية ما يمكن فرضه فيه هي تقابله بالالتزام بالثواب مثلا، فالله ـ تعالى ـ ألزمنا بالطاعة في مقابل التزامه بالثواب.


(1) من قبيل ما في الوسائل 15: 31، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 6، و: 47 الباب 38 منها الحديث 1.

الصفحة 241

2 ـ ونحوه ما ورد في دعاء الندبة «اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك...» فغاية ما يمكن افتراض النظر في هذا النصّ إلى ضمنيّة الشرط هي تقابل الإلزام بالزهد بالالتزام بجزيل النعيم من دون أن يكون الشرط أمراً مغايراً للعقد، وواقعاً ضمن العقد.

3 ـ ما ورد في دعاء الصحيفة «وأوجب لي محبّتك كما شرطت، ولك يا ربّ شرطي أن لا أعود» فهذا الشرط أيضاً ليس شرطاً مغايراً للعقد واقعاً ضمن العقد، وغاية ما يفترض في المقام هي النظر إلى التقابل بين التزام العبد بالتوبة أو بعدم العود، والتزام الربّ ـ تعالى ـ بالمحبّة.

4 ـ ما ورد في حكاية بيع بريرة ـ على ما جاء في مستدرك الوسائل(1) ـ «الولاء لمَن أعتق، وشرط الله آكد» والتعبير الوارد في مكاسب الشيخ الأنصاري : أنّ قضاء الله أحقّ وشرطه أوثق والولاء لمن أعتق(2). والظاهر أنّ هذا التعبير مأخوذ من روايات العامّة.

5 ـ إطلاق الشرط في بعض الروايات على خيار الحيوان وخيار المجلس(3)، فقد يكون ذلك بمعنى كونه إلزاماً من قبل الله ـ تعالى ـ إمّا بلحاظ كون الشرط صادقاً على مطلق الإلزام حتّى الابتدائيّ البحت، أو بلحاظ كونه


(1) 2: 473، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

(2) 2: 275، أوّل بحث الشروط، حسب الطبعة المشتملة على حاشية الشهيدي.

(3) راجع الوسائل 12: 346، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3، و: 349، الباب 3 منها، الحديث 1، 4 و 5، و: 350، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1، و: 352، الباب 5 منها، الحديث 2.

الصفحة 242

إلزاماً من قبله ـ تعالى ـ في مقابل الالتزام بالجزاء والثواب لمن يفي من العبيد بالالتزامات الثابتة عليه من قبل المولى سبحانه.

ب ـ التحليل العقلائي للشرط:

البيان الثاني ـ إلفات النظر إلى تحليل عقلائي في المقام. وتوضيحه: أنّه لا ينبغي إلإشكال في أنّ الشرط في نظر العقلاء مقتض بذاته لوجوب الوفاء، وليس وجوب الوفاء بالشرط حكماً تعبديّاً بحتاً، فإذا استطعنا أن نلقي ضوءاً بالتحليل العقلائيّ على ما يقتضي وجوب الوفاء واستبعدنا دخل بعض العناصر عقلائيّاً في هذا الحكم عرفنا أنّ ذاك العنصر ليس دخيلا في مفهوم الشرط.

وعلى هذا الأساس نقول: إنّ العنصر المؤثّر في وجوب الوفاء عقلائيّاً إمّا هو مطلق التعهّد والالتزام وإن كان ابتدائيّاً بحتاً، أو خصوص الالتزام الضمنيّ بأن تكون الضمنيّة عنصراً دخيلا في وجوب الوفاء. فإن فرض الأوّل فلا إشكال في شمول الشرط للشرط الابتدائيّ بمعنى مطلق التعهّد والالتزام. وإن فرض الثاني بأن تكون الضمنيّة عنصراً دخيلا في وجوب الوفاء قلنا: إنّ الضمنيّة التي تفترض دخيلة في وجوب الوفاء يحتمل فيها عدّة معان:

الأوّل ـ أن يكون المقصود بها مجرّد ظرفيّة العقد لذكر الشرط بقطع النظر عن أيّ ربط آخر بين الشرط والعقد. ومن الواضح أنّ الظرفيّة بما هي ظرفيّة لا أثر لها عقلائيّاً في وجوب الوفاء.

والثاني ـ أن يكون المقصود بها القيديّة بأن يكون الشرط مقيّداً لمتعلّق العقد ومحصّصاً له. ومن الواضح أنّه لو كان المقصود بالشرط الضمني ذلك لكان هذا مستلزماً لكون الشرط الفاسد مفسداً للعقد، ولكون عدم وفاء المشروط عليه بالشرط موجباً لعدم إمكان الوفاء بالعقد من قبل الطرف الآخر في حالة فقدان ما

 
الصفحة 243

اشترط، لا موجباً لخيار الفسخ. ومن الواضح عقلائيّاً أنّ تخلّف الشرط إنّما يوجب خيار الفسخ لا أكثر من ذلك.

والثالث ـ أن يكون المقصود بها الداعويّة، بأن يكون التزام المشروط عليه بالشرط هو الذي دعا المشروط له إلى قبول الدخول في العقد، والالتزام به، وتخلّفه لا يوجب فساد العقد أو عجز المشروط عليه عن الوفاء بالعقد; لأنّ تخلّف الداعي لا يؤثّر شيئاً من هذا القبيل، إذ لم يكن قيداً في متعلّق العقد، ولكن تخلّفه يوجب الخيار للمشروط عليه رغم أنّ تخلّف الداعي في سائر الموارد لا يوجب الخيار، وذلك لأنّ السبب في اعتقاد الشخص بالداعي الذي أوجب دخوله في العقد لم يكن هو إغراء صاحبه إيّاه وإيحاءه إليه بذلك الداعي، ولذا لم يوجب تخلّفه الخيار.

أمّا إذا كان صاحبه هو الذي أغراه بذلك وأوحى إليه ذلك فتخلّفه يوجب في نظر العقلاء الخيار، بنكتة أنّ المغرور يرجع إلى من غرّه. فمثلا لو أنّ أحداً اشترى الدواء لعلاج ابنه باعتقاد كون ابنه مريضاً، ثمّ انكشف الخلاف لم يكن له خيار الفسخ، لأنّ مجرّد تخلّف الداعي لا يوجب الخيار، ولكن لو كان الصيدليّ هو الذي أغراه وأوحى إليه بأنّ ابنه مريض فصدّقه واشترى منه الدواء، ثمّ تبيّن الخلاف، فهنا يوجد له عقلائيّاً خيار الفسخ. وما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ التزام المشروط عليه هو الذي أغرى المشروط له ودعاه إلى الدخول معه في العقد، فتخلّفه يوجب الخيار.

أقول: إنْ كان هذا هو معنى ضمنيّة الشرط، فهذا ثابت في كلّ التزام متقابل للالتزام الآخر حينما يكون أحد الالتزامين هو الداعي لالتزام الآخر، ولو لم يكن الالتزام الآخر عبارة عن الالتزام بعقد واجد للإيجاب والقبول المغايرين تماماً

 
الصفحة 244

للشرط. والفرق بين هذا وبين الشرط في ضمن العقد بمجرّد أنّ ما يقابل الشرط في الثاني هو الدخول في عقد كامل ذي إيجاب وقبول غير الشرط، وفي الأوّل هو مجرّد التزام في مقابل الالتزام بالشرط ليس عقلائيّاً فارقاً موجباً لوجوب الوفاء وعدمه، فلو كانت الضمنيّة بهذا المعنى لزم كون دخل هذا العنصر في وجوب الوفاء دخلا تعبّدياً صرفاً، وقد فرضنا منذ البدء أنّ اقتضاء الشرط بذاته للوفاء يكون أمراً عقلائياً، وليس تعبّداً بحتاً.

والواقع أنّ ارتباط الشرط بالعقد الموجب للخيار لدى تخلف المشروط عليه ليس منحصراً بداعويّته لقبول المشروط له بالعقد، ولذا ترى أنّ الخيار ثابت عقلائيّاً للمشروط له عند تخلّف المشروط عليه حتّى في المورد الذي كان للمشروط له داع آخر تامّ الداعويّة إلى دخوله في العقد من دون حاجة إلى ضمّ الشرط إليه، وإنّما اشترط ذلك الشرط طلباً للمزيد من الخير، إذن فللشرط في ضمن العقد ارتباط آخر بالعقد زائداً على مسألة الداعويّة، وهو التقابل الذي نشرحه في الاحتمال الرابع.

وأيضاً يرى العقلاء ثبوت الخيار في تخلّف الوصف في الموارد الراجعة إلى تخلّف الشرط، كما لو باعه العبد الكاتب فتبيّن أنّه ليس بكاتب مع أنّه ربما يفترض أنّ البايع لم يكن هو الذي أغراه في المقام، بل المشتري هو كان من أوّل الأمر معتقداً أنّ هذا العبد كاتب والبايع أيضاً كان معتقداً نفس الاعتقاد، فتبايعا مبنيّاً على كونه كاتباً.

والرابع ـ أن يكون المقصود بها التقابل بين الشرط والعقد، بمعنى أنّ الالتزام بالشرط من طرف المشروط عليه، والالتزام بالعقد من طرف المشروط له متقابلان، أي جعل أحدهما مكافأة للآخر، فكأنّهما أمران متبادلان، لو قدّم

 
الصفحة 245

أحدهما البدل رأى الآخر نفسه ملزماً بتقديم المبدل. وهذا غير تقيّد متعلّق أحدهما بالآخر بمعنى التحصيص، فإنّ التقابل بين أمرين يستدعي استقلال أحدهما عن الآخر لا التحصيص به، ولذا ترى أنّ التخلف عن الشرط لا يوجب عجز الشخص الآخر عن الوفاء بالعقد، وإنّما يوجب الخيار، فإن كانت نكتة وجوب الوفاء هي هذا التقابل فهذه موجودة في كلّ التزامين متقابلين من دون حاجة إلى اشتراط كون أحدهما في ضمن عقد متكامل واجد للإيجاب والقبول بقطع النظر عن الشرط، فنكتة التقابل هي التي أوجبت الوفاء. أمّا فرض دخل كون أحد الطرفين عبارة عن الدخول في عقد واجد للإيجاب والقبول مغاير للشرط، فهو يرجع إلى كون تأثير الشرط في وجوب الوفاء تعبّدياً بحتاً، وقد استبعدنا ذلك منذ البدء.

وبهذا التحليل نعرف أنّ الشرط إن سلّم كونه اسماً لخصوص الشرط الضمني دون الابتدائي فإنّما نسلّم ذلك بمعنى يشمل مطلق التزام في مقابل التزام، وبما أنّ العقد بمعنى قرار مرتبط بقرار يستبطن دائماً التزاماً مرتبطاً بالالتزام إذن يمكن التمسّك لإثبات وجوب الوفاء به بدليل (المسلمون عند شروطهم).

وفي الختام نشير إلى أمرين:

أحدهما: وجوب الوفاء بالعهد:

أ نّا لو سلّمنا اختصاص الشرط بمعناه الحقيقي بالشرط الضمني، فهذا لا يعني الإفتاء بعدم وجوب الوفاء بالشرط الابتدائي، فإنّ الشرط الابتدائي إذا كان بمعنى التزام شخص لشخص وتعهّده له بأمر مّا، فإنّ هذا يجب الوفاء به، إذ لو لم يكن داخلا في قوله: «المسلمون أو المؤمنون عند شروطهم» فهو داخل ـ بلا إشكال ـ في آيات الأمر بالوفاء بالعهد والعقد.

 
الصفحة 246

نعم، مجرّد الوعد غير المشتمل على الالتزام والتعهّد لا يجب الوفاء به وإن كان مستحبّاً.

والثاني: الرهن مع الإيجار:

قد تعارف بين جمع من الناس تعامل يسمّى برهن البيت مع الإيجار، وحاصله: أنّ أحدهم يقرض مبلغاً للآخر، والآخر يؤجّره البيت بسعر منخفض. وقد صدرت من بعض الأعلام الفتوى بالتفصيل في جواز ذلك وعدمه بين ما إذا كان القرض شرطاً في ضمن عقد الإيجار فيجوز، لأنّه اشترط في ضمن العقد شرطاً سائغاً فهو نافذ، وما إذا كان الإيجار شرطاً في ضمن عقد القرض فلا يجوز، لأنّه دخل ذلك تحت عنوان (قرض جرّ نفعاً).

أقول: قد اتّضح بما ذكرناه أنّه لا معنى لهذا التفصيل، فإنّ الضمنيّة هنا ليست بمعنى التقييد كما مضى، والضمنيّة بمعنى الظرفيّة البحتة من دون أيّ ربط آخر لا أثر لها، و لا تجعل القرض قرضاً جرّ نفعاً، والضمنيّة بمعنى الداعوية أو التقابل ثابتة من كلا الطرفين، ومجرّد ذكر هذا في ضمن ذاك أو بالعكس ليس عدا فارق في الصياغة اللفظيّة لا تؤثّر على المحتوى الحقيقي للمعاملة إطلاقاً.

نعم، بالإمكان أن يقال في أصل هذه المعاملة : إنّها قد لا تستبطن قرضاً جرّ نفعاً، لأنّ البيت المرهون اجرته أقلّ من اُجرة البيت غير المرهون لعجز المالك من إيجاره لغير المرتهن، فإذا استأجره المرتهن بسعره السوقي النازل لم يكن هنا نفع.

ويرد عليه: أنّ الرهن لو كان مؤثّراً في تقليل المنفعة الاستعمالية للبيت، وعلى هذا الأساس تنزّلت قيمة الإيجار، كان هذا الكلام صحيحاً، ولكنّ الواقع ليس هكذا، فإنّ تنزّل قيمة الإيجار في المقام إنّما هو نتيجة عجز المالك من إيجاره لغير المرتهن، وهذا يؤدّي وجداناً إلى انتفاع المقرض.

 
الصفحة 247

نعم، لو تمّ الإقراض من دون أن يكون المقترِض في مقابل ذلك ملزماً بإيجار البيت بسعر منخفض، ثمّ بدا له بمحض اختياره أن يؤجّره من المرتهن بسعر منخفض، فهذا خارج عن محلّ الكلام، ولا إشكال فيه.

وقد يُقال انتصاراً للتفصيل بين ما إذا كان القرض شرطاً في ضمن الإيجار أو العكس بأنّه لو وقع القرض أولا واشترط في ضمنه الإيجار بسعر منخفض، فمن الواضح أنّ هذا قرض جرّ نفعاً. أمّا لو وقع الإيجار أوّلا واشترط في ضمنه القرض فالقرض الذي يقع بعد الإيجار لا يسمّى عرفاً مشروطاً بالإيجار. صحيح أنّه لولا الإيجار لما كان يقرضه، ولكن بما أنّ الإيجار متحقّق بالفعل فالقرض سوف لن يكون مشروطاً بالإيجار.

أمّا ما يُقال من أنّ تحقّق الشرط لا يخرج الأمر المشروط مثلا عن كونه مشروطاً فهذا إنّما يتمّ في أمر أو قرار أو عقد وقع مشروطاً ثمّ تحقّق شرطه، كما لو قال المولى: إذا زالت الشمس فصلِّ ثمّ زالت الشمس، فزوال الشمس لا يخرج الصلاة عن كونها واجباً مشروطاً إلى الوجوب المطلق. أمّا لو زالت الشمس فأوجب ذلك أن يأمر المولى عبده بنحو القضيّة الخارجيّة بالصلاة لا بنحو القضيّة الحقيقية، فهذا الأمر لا يسمّى مشروطاً، وكذلك الحال في المقام، فلو تمّ عقد القرض بشرط الإيجار فهذا قرض مشروط وبعد ذلك لو تحقّق الشرط وهو الإيجار لم يخرج عقد القرض عن كونه مشروطاً. أمّا لو تمّ أوّلا الإيجار بشرط القرض، ثمّ تمّ القرض فهذا القرض ليس مشروطاً، لأنّ ما كان من المتوقّع أن يكون شرطاً له هو حاصل بالفعل.

والواقع: أنّ هذا التفصيل غير صحيح، فإنّه إن كان تقدّم الإيجار على القرض بمعنى عدم ترابط بينهما، أي أنّه حينما تمّ الإيجار لم يكن الاتّفاق الذي

 
الصفحة 248

تمّ بينهما قبل العقد على التقابل بين الإيجار والقرض، ولكن بعد أن تمّ الإيجار بسعر منخفض بدا للمستأجر أن يكافئ الموجَر بالقرض، فهنا لا يعتبر القرض قرضاً بزيادة، أو قرضاً ربويّاً. أمّا إذا كان الاتّفاق منذ البدء، بينهما على التقابل والداعويّة بينهما وأنّه لا قرض بلا إيجار كما لا إيجار بلا قرض، فهذا القرض لا محالة قرض جرّ نفعاً وزيادة، وهو ربا سواء سمّي مشروطاً أو لم يسمّ، ولذا ترى أنّ العرف حينما يسمع حرمة القرض بزيادة لا يفرّق بين الإقراض بشرط الزيادة أو هبة الزيادة بشرط القرض، فكما يكون إقراض مائة دينار بشرط زيادة عشرين ربا، كذلك تكون هبة عشرين ديناراً بشرط الإقراض الذي لم يكن يتمّ لولا الهبة رباً في القرض، لا بمعنى أنّ العرف يتعدّى من تحريم القرض الربوي إلى تحريم الثاني، بل بمعنى أنّه هو هو.

حكم الحيلة في الربا:

نعم هناك حيل شرعيّة تكون في واقعها غير القرض الربوي قد يدّعى أنّ العرف يتعدّى من دليل حرمة الربا إليها، وقد لا يدّعى من قبيل أن يتّفقا على بيع متاع بسعر مّا مؤجّلا، ثمّ شراؤه من المشتري بسعر أقلّ معجّلا، ومن قبيل بيع متاع بالنسيئة مع إضافة في القيمة لأجل كون الثمن نسيئة، بحيث لو وافق المشتري على أن يشتريه بثمن معجّل لكان يبيعه إيّاه بأقلّ من ذلك، وإنّما زاد في الثمن بنكتة كونه مؤجّلا.

ولا يبعد أن يُقال في هذه الحيل بالتفصيل بين ما لا يشتمل على غرض غير نفس غرض الربا كما في المثال الأوّل، وإنّما بدّلت الصياغة فراراً من الربا، وبين ما يشتمل على غرض آخر، ولكنه يشتمل في نفس الوقت على نفس الأثر الموجود في القرض الربوي، كما في مثال بيع النسيئة، فالأوّل يكون حراماً لأنّه لو حلّ كان معنى ذلك أنّ تحريم قرض الربا تعبّدي بحت، وهو ممّـا يقطع بخلافه،

 
الصفحة 249

أو لا يقبله الفهم العرفيّ من الدليل. وأمّا الثاني فلا دليل على حرمته إذ لعلّ الغرض الآخر حلّل المعاملة، ومجرّد اشتمالها ضمناً على نفس أثر الربا لا دليل على كونه موجباً للتحريم، لأنّ الأثر الاقتصادي للربا كان حكمة للحرمة، ولم يثبت كونه علّة لها، بمعنى أنّه متى ما وجد وجدت الحرمة، وأنّه لا يمنع عنها مانع، وأنّه لا يكون تحريم ما عداه كافياً لإشباع الحكمة المقصودة.

ومن هنا نقول: لو باع غرفة من البيت بالمبلغ الذي كان يريد اقتراضه ببيع خياريّ، أي بشرط أنّ لهما الخيار على رأس السنة مثلا وأجّر باقي البيت بسعر أقلّ من سعر إيجار تمام البيت جاز ذلك، لاشتمال ذلك على غرض آخر غير الإقراض بفائدة، وهو نفس غرض تحصيل الغرفة للسكنى، وهذا بخلاف مثال التوافق على بيع متاع بسعر أكثر مؤجّلا ثمّ شراؤه منه بثمن أقلّ معجّلا، فإنّ هذا لا يشتمل بتاتاً على غرض غير القرض الربوي لا بمعنى أنّ البيعين صوريّان، فيكون هذا ربا حقيقة، بل بمعنى أنّ الغرض النهائي ليس عدا نفس غرض القرض الربوي، وفتح مثل هذا الباب يؤدّي إلى كون تحريم القرض الربوي تعبّداً بحتاً.

ونحن نفرّق بين القرض الربوي والقرض المعامليّ، فحرمة القرض المعامليّ حكم تعبّديّ بحت، ولذا ترى أنّ مبادلة الموزون بالموزون مع زيادة الرديء منهما على الجيّد، أو مبادلة الذهب الجيّد بذهب رديء أكثر منه مثلا غير جائز، مع أنّ الرديء المشتمل على الزيادة قد لا يكون أكثر قيمة من الجيّد الذي هو أقلّ منه، ولا تتصوّر في ذلك أيّة نكتة اقتصادية مفهومة ـ ولو إجمالا ـ، فهذا الحكم ليس إلاّ تعبّداً بحتاً، ويجوز التخلّص منه بالحيلة كما وردت بذلك بعض الروايات(1).


(1) راجع الوسائل الجزء 12: 455 الباب 20 من أبواب الربا، و 466 الباب 6 من أبواب الصرف.

الصفحة 250

وأمّا الربا القرضي فهناك نكتة اقتصاديّة مفهومة لدى العرف ـ ولو إجمالا ـ لتحريمه، وهي وقوع الزيادة مقابلا للزمان محضاً من دون القيام من قِبَل المرابي بأيّ عمل مفيد، فقد يدّعى القطع بأنّ تحريم القرض الربوي ليس حكماً تعبّديّاً بحتاً، أو يدّعى أنّ هذا هو المفهوم عرفاً، إذن فلا يصحّ التخلّص منه بالحيلة التي يكون الهدف منها تماماً هو هدف القرض الربوي، إذ لو جاز ذلك لأصبح الحكم تعبّديّاً بحتاً، نعم ما كان يشتمل على هدف آخر ويترتّب عليه ضمناً أثر الربا لا يلزم عرفاً من تحليله كون تحريم الربا تعبّديّاً صرفاً، ولا يتعدّى العرف من القرض الربوي في التحريم إلى تلك المعاملة.

القرض المشروط بمعاملة مربحة:

وبالإمكان أن يُقال: إنّ الربا إنّما هي الزيادة الكميّة في المال بأن يقرضه مالا ويسترجع منه ما هو أكثر منه، أو الزيادة الكيفيّة بأن يقرضه مالا من القسم الرديء ويسترجع منه القسم الجيّد. أمّا جعل القرض مشروطاً بمعاملة مربحة فليس ربا، ومثال الرهن مع الإيجار من هذا القبيل، فالمستأجر يقرض الموجِر مبلغاً من المال من دون أن يسترجع منه مبلغاً أكثر، غاية ما هناك أنّه يجعل القرض مشروطاً بإيقاع معاملة مربحة له، وهي إيجار البيت بسعر زهيد، وهذا ليس ربا.

والدليل على جواز القرض المشروط بمعاملة مربحة، وعدم دخول ذلك في الربا المحرّم هو ورود روايات بذلك(1). والصحيح سنداً منها منحصر برواية


(1) ذكرها في الوسائل 12: 381، الباب 9 من أبواب أحكام العقود. والرواية الأخيرة منها إضافة إلى ضعفها السندي قابلة للنقاش الدلاليّ، باعتبار أنّه لا يفهم منها بشكل واضح كون المعاملة المربحة شرطاً في مقابل القرض، فلعلّهم كانوا مستعدّين لإرباحه مطلقاً فكان ذلك داعياً له إلى الإقراض، راجع المصدر، الحديث 7.

الصفحة 251

واحدة هي ما ورد عن محمّد بن إسحاق بن عمّـار، قال: قلت لأبي الحسن : يكون لي على الرجل دراهم، فيقول أخّرني بها وأنا اربحك فأبيعه جبّة تقوّم عليّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال بعشرين ألفاً واؤخّره بالمال، قال: لا بأس(1). ومحمّد ابن إسحاق بن عمّـار رجل صيرفيّ فقد يتّهم في هذه الرواية، باعتبار أنّ هذا النحو من المعاملة يناسب وضعه، لكنّه ثقة، بل هو في أعلى درجات الوثاقة على ما قاله المفيد من أنّه: من خاصّة الكاظم وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته(2) فاتّهام رجل من هذا القبيل في ذلك بعيد.

ولكن مع ذلك في النفس شيء من العمل بهذه الرواية، وذلك لأنّه إن صحّ القرض المشروط بمعاملة مربحة لكان تصحيح القروض الربويّة جميعاً من أسهل ما يكون، وذلك بالإقراض من دون ربح مع بيع متاع زهيد بمبلغ يشتمل على الربح المطلوب. وهذا لا يكون إلاّ إذا حملنا تحريم القرض الربوي على التعبّد البحت، فيجوز عندئذ كلّ أقسام الحيل من قبيل بيع متاع على من يحتاج مبلغاً من المال بسعر كبير مؤجّلا، وشرائه منه بثمن أقلّ معجّلا(3). أمّا إذا لم نحتمل التعبّد


(1) الوسائل 12: 380، الباب 9 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.

(2) الإرشاد 2: 248.

(3) إن لم يكن هذا بشرط فلا إشكال فيه، وإن كان بشرط فهو غير جائز لورود النهي عن ذلك تارةً بلسان المنع عن بيع العينة مع كون البيع الثاني مشروطاً في البيع الأوّل من قبيل حديث عليّ بن جعفر... «إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس». راجع الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6. واُخرى بلسان المنع عن الإلزام بالبيع الثاني قبل تماميّة البيع الأوّل وإن كان مورد الحديث هو البيع من شخص ثالث من قبيل حديث معاوية بن عمّـار الوارد في الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 7.

الصفحة 252

الصرف أو قلنا: إنّ الفهم العرفيّ لا يحتمل ذلك، فهذه الرواية تعتبر عرفاً معارضة للكتاب لا مخصّصة له، فتطرح عرض الحائط. بل حتّى لو فرضناها مخصّصة للقرآن لا بدّ من طرحها; وذلك لأنّ هذه الرواية معارضة بروايات حرمة بيع الشيء بثمن مؤجّلا وشرائه منه بثمن أقلّ نقداً إذا كان أحد البيعين مشروطاً بالآخر، من قبيل ما ورد في كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر : سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى رجل ثمّ اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحلّ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس(1). فإنّ العرف لا يحتمل أن يكون القرض المشروط بمعاملة مربحة جائزاً وغير ملحق بالربا، ولكنّ البيع بثمن مؤجّل مشروطاً ببيع آخر يوجب ربح من تقبّل الأجل يكون حراماً وملحقاً بالربا، فإذا تعارضت الروايتان قدّم ما وافق القرآن على ما خالفه.

ج ـ الاستشهاد برواية خاصّة:

البيان الثالث ـ أنّه مضى فيما سبق حديث منصور بزرج، وهو تامّ السند عن عبد صالح قال: قلت له: إنّ رجلا من مواليك تزوّج امرأة ثمّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها، فأبت عليه إلاّ أن يجعل لله عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار؟! قل له فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول الله قال: المؤمنون عند شروطهم.

والوارد في هذا الحديث إنّما هو أنّ المرأة أبت من العقد عليها إلاّ بعد أن


(1) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6. راجع أيضاً الحديث 4 و 5 من نفس الباب.

الصفحة 253

ينذر الرجل أو يعاهد الله أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، ولم يرد فيه فرض ذكر ذلك كشرط في ضمن العقد، أو تقيّد العقد به. فتطبيق قول رسول الله وهو المؤمنون عند شروطهم على هذا المورد يعني أنّ الشرط لم يقصد به خصوص ما ذكر في متن العقد أو ما كان العقد مقيّداً به، فهذا دليل آخر على بطلان المعنى الأوّل والثاني من المعاني الأربعة التي شرحناها في البيان الثاني، وبهذا ينحصر الأمر في المعنى الثالث والرابع، وكلاهما في صالح المدّعى في المقام كما عرفت. نعم لا إشكال في أنّ العقد معها وقع مبنيّاً على ما ذكراه قبل العقد والذي تعلّق به النذر أو العهد، لكن هذا البناء ليس شيئاً أكثر من الداعويّة أو التقابل، وهما المعنيان الأخيران من تلك المعاني الأربعة، ولئن توهّم متوهّمٌ أنّ ذكر الشرط في متن العقد يرجع إلى التقييد فهذا التوهّم في أمر لم يذكر في متن العقد ولكن ذكر في المقاولة ثمّ بني العقد عليه أبعد.

وإن حمل تطبيق حديث النبيّ على المورد في هذا الحديث على التقيّة، فهذا يعني أنّ السنّة وقتئذ لم يكونوا يفهمون من الشرط خصوص فرض ذكره في متن العقد أو تقييد العقد به. ولا إشكال في أنّهم كانوا أقرب منّا إلى اللغة العربية الأصيلة، فلا أقلّ من كون هذا الحديث مؤيّداً للمقصود.

2 ـ ليس البيع التزاماً بشيء:

الإشكال الثاني ـ إنّ الشرط حتّى لو شمل الالتزام الابتدائي لا يكون صادقاً على مثل البيع; لأنّ البيع ليس التزاماً بشيء، وإنّما هو اعتبار للمبادلة بالفعل، والالتزام إنّما يكون بأمر مستقبليّ. إذن فلا معنى لتطبيق مثل (المسلمون عند شروطهم) على البيع ونحوه، فلو كان البيع التزاماً بالمبادلة صحّ تطبيق هذا النصّ عليه، ولكن بما أنّ البيع مبادلة بالفعل لا التزام بها فهذا التطبيق بلا مورد.

 
الصفحة 254

والجواب: أنّه صحيح أنّ البيع في فقهنا مبادلة بالفعل، وليس ـ كما في الفقه الغربي ـ التزاماً بالمبادلة، لكنّه يستبطن في نظر العقلاء الالتزام بالآثار، ولهذا لا يحسّ عرفاً بالمؤونة في استعمال الوفاء بالنسبة للعقود مع أنّه لا وفاء إلاّ بالالتزام. أمّا مجرّد المبادلة الفعليّة فلا معنى للوفاء بها، ولا يحسّ بالمؤونة في إطلاق الميثاق على عقد النكاح في قوله ـ تعالى ـ: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً (1).

ويدلّ على شمول الشرط في نصوص (المسلمون عند شروطهم) لمثل ذلك ما مضى عن عليّ بن رئاب ـ بسند تام ـ عن أبي الحسن موسى قال: سئل وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإنّ مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده، قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إ يّاها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطهم، وليس له أن يخرج بها إلى بلاده حتّى يؤدّي إليها صداقها، أو ترضى منه من ذلك بما رضيت، وهو جائز له(2).

والمقصود بقوله: له ما اشترط عليها وهو خروجها معه، وانتقاص مهرها إلى النصف لو لم تخرج معه لا الأوّل فقط، وذلك بقرينة المقابلة بفرض ما إذا أراد الخروج بها إلى بلاد الشرك، حيث نفى الإمام في ذاك الفرض كِلا الأمرين. ومن الواضح أنّ انتقاص مهرها إلى النصف ليس بمعناه المطابقي التزاماً، وإنّما هو من قبيل شرط النتيجة، وهذا دليل لنا على نفوذ شرط النتيجة. ولا فرق بين هذا


(1) النساء: 21.

(2) الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 2.

الصفحة 255

ومثل البيع في أنّه ليست بالمدلول المطابقي التزاماً وإن كان يستبطن الالتزام بالآثار، فالبيع هو من قبيل شرط النتيجة، فإذا كان النصّ شاملا لشرط النتيجة بقرينة هذا الحديث فهو شامل لمثل البيع.

هذا تمام الكلام في الإطلاقات التي يمكن التمسّك بها لرفض أيّ قيد احتماليّ في شكليّة العقد لم يقم عليه دليل.

 

مقتضى السيرة في بيع المعاطاة

وقد يتمسّك بالسيرة لنفي بعض القيود كقيد العقد اللفظي، وهذه ليست إطلاقاً نتمسّك به متى ما شككنا في قيد، فإنّ الدليل اللبّي لا إطلاق له، ولكنّها ـ على أيّ حال ـ تفيد في مقام دفع بعض القيود، ولعلّ أهمّها قيد العقد اللفظيّ.

وكأنّ الشيخ الأنصاريّ حمل ذلك على التمسّك بسيرة المتشرّعة، فاعترض عليه بأنّ هذه السيرة تنشأ من قلّة المبالاة في الدين كمسامحتهم في كثير من العبادات والمعاملات والسياسات(1).

ونقل عن السيّد الخوئي في المحاضرات(2) التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرّعة، فالتمسّك بسيرة المتشرّعة غير صحيح، والتمسّك بسيرة العقلاء صحيح. وكأنّ المقصود من العبارة: أنّ سيرة المتشرّعة في أيّام مراجع التقليد القدامى قبل المحقّق الثاني لم تكن سيرة لهم بما هم متشرّعة، بدليل أنّ علماءهم كانوا يفتون بعدم إفادة المعاطاة للملك، وهم كانوا يبنون على إفادتها للملك،


(1) المكاسب 1: 83، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) المحاضرات 2: 47.

الصفحة 256

فكيف نثبت اتّصال سيرة المتشرّعة بما هم متشرّعة بزمان المعصوم ؟! والتمسّك بسيرة العقلاء صحيح، إذ لا شكّ في ثبوتها في زمان المعصوم وبعدم الردع يثبت الإمضاء.

أقول: إنّ سيرة المتشرّعة لو ثبت استمرارها من زمان المعصوم فحتّى لو كانت ناتجة عن اللامبالاة تدلّ على المقصود، لأنّها لو لم تكن مرضيّة من قِبَل الإمام لكان يردع عنها ردعاً كاسراً لها، ففرضُ ثبوتها في زمن المعصوم وعدم انكسارها يعني رضا الإمام بذلك. وأمّا السؤال عن أنّه كيف تثبت استمراريّة السيرة من زمان المعصوم فلعلّها سيرة طارئة بعد المعصوم. فهذا سؤال لا يختصّ بسيرة المتشرّعة، بل يأتي حتّى في سيرة العقلاء، ولم يبحثه السيّد الخوئي .

والواقع: أنّه يمكن تقريب السيرة في المقام بأحد وجوه ثلاثة:

الأوّل ـ سيرة العقلاء، وذلك بلحاظ ما نحسّ به نحن من الطبع العقلائي ونحدس اشتراكه بين هذا الزمان وزمان المعصوم، وهذا الحدس أمر ممكن ومعقول، لأنّها سيرة مفهومة لنا أي مفهومة جذورها النفسيّة وأسبابها، فبإمكاننا الحدس عن ثبوتها في زمن المعصوم، ونتمّم الدليل عندئذ ببيان أنّ المعصوم لو لم يكن يرض بها لردع عنها، ولو ردع لوصل الردع ولم يصل.

الثاني ـ أنّنا لا نشكّ في أنّ الالتزام بالعقد فيه مؤونة زائدة، وهي على خلاف الطبع، فحتّى لو تنازلنا عن فرض كون ذلك بمستوىً يوجب القطع بثبوت السيرة العقلائيّة في زمان المعصوم، فلا أقلّ من التسليم بأصل كون ذلك خلاف الطبع، ومشتملا على المؤونة، وعليه فلولا قيام سيرة المتشرّعة ـ ولو بما هم عقلاء ـ على المعاطاة لكثر السؤال والجواب، ولوصل ذلك إلينا، فعدم وصول ذلك دليل على ثبوت سيرة المتشرّعة ـ ولو بما هم عقلاء ـ، وسيرة المتشرّعة إن

 
الصفحة 257

كانت بما هم متشرّعة فهي دليل إنّي على رأي الشارع، إذ لا تتكوّن إلاّ برأي الشارع وسيرتهم بما هم عقلاء دليل على عدم ردع الشارع ردعاً كاسراً لها، إذ لو ردع كذلك لانكسرت، وهو خلاف الفرض، على أنّ المفروض عدم وصول الردع، وعدم ردعه كذلك دليل الرضا.

الثالث ـ أنّه بعد تسليم سيرة العقلاء على المعاطاة أمكن إثبات سيرة المتشرّعة ـ ولو بما هم عقلاء ـ، بأنّنا نعلم حتماً أنّ المجتمع ـ أيّ مجتمع كان ـ لا يخلو عن سيرة قائمة على طريقة المعاملة، فإن لم تكن سيرة المتشرّعة قائمة على طبق سيرة العقلاء فهي قائمة حتماً على خلاف سيرة العقلاء، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا ملفتاً للنظر، ولتناقلته الألسن، وكان يصلنا خبره ولم يصل، فبهذا البيان تثبت سيرة المتشرّعة ولو بما هم عقلاء على المعاطاة، إلاّ أنّ سيرة المتشرّعة في هذا التقريب ثبتت في طول ثبوت سيرة العقلاء، وفائدة ثبوتها أنّنا لسنا بحاجة في مقام تتميم الدليل على صحّة المعاطاة إلى القول بأنّه لو ردع الشارع لوصل الردع إلينا، فإنّ نفس قيام سيرة المتشرّعة دليل على المقصود بلا حاجة إلى البحث عن وصول الردع وعدمه، لأنّها إن كانت سيرة لهم بما هم متشرّعة فهي في طول رأي الشارع، وإن كانت سيرة لهم بما هم عقلاء، فنفس ثبوتها دليل على عدم صدور الردع الكاسر، وإلاّ لانكسرت، وهو خلف. وهذا بخلاف ما لو لم تثبت عدا سيرة العقلاء، فإنّنا عندئذ بحاجة إلى البحث عن عدم وصول الردع، فلو شكّك مُشكِّك في عدم وصول الردع لمثل ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من حديث «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام»، فهذا التشكيك قد يضرّ بالتمسّك بسيرة العقلاء، ولكنّه لا يضرّ بالتمسّك بسيرة المتشرّعة ولو بما هم عقلاء، وإن كان ثبوتها لنا في طول ثبوت سيرة العقلاء.

هذا تمام كلامنا في إثبات صحّة المعاطاة بالسيرة.

 
الصفحة 258

 

إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام:

وقد ورد بعض ما يمكن أن يدّعى كونه رادعاً عن السيرة ومقيّداً للإطلاقات الماضية، ولعلّ أقواها دلالة حديث خالد بن الحجّاج أو خالد بن نجيح، قال: قلت لأبي عبد الله : الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب واربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام(1). والذي رواه عن خالد هو يحيى بن الحجّاج. وخالد بن نجيح ثقة لنقل ابن أبي عمير عنه، ولكن خالد بن الحجّاج لا دليل على وثاقته، ويغلب على الظنّ كون الصحيح هو خالد بن نجيح، وذلك لأمرين:

أوّلا ـ أنّ نسخة الكافي التي هي أضبط من التهذيب ورد فيها خالد بن نجيح، بينما الوارد في التهذيب هو خالد بن الحجّاج.

وثانياً ـ أنّ احتمال الخطأ بتبدّل ابن نجيح بابن الحجّاج أقوى من العكس، وذلك لاحتمال أنّ كون الراوي عنه يحيى بن الحجّاج أخا خالد بن الحجّاج أوجب سبق الذهن أو القلم خطأً إلى خالد بن الحجّاج، ولكن مع ذلك كلّه يصعب تحصيل الاطمئنان بأنّ النسخة الصحيحة هي النسخة المشتملة على خالد بن نجيح.

وعلى أيّة حال فلا يمكن دفع الاستدلال بسيرة المتشرّعة بهذا الحديث لما مضى من أنّنا إذا أثبتنا سيرة المتشرّعة في زمان المعصوم على شيء لم نحتج إلى البحث عن وصول الردع وعدمه، فتلك السيرة إمّا هي سيرة لهم بما هم متشرّعة، فهي في طول رأي الشارع، أو سيرة لهم بما هم عقلاء فهي بنفسها كاشفة عن عدم


(1) الوسائل 12: 376، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.

الصفحة 259

ردع كاسر، ولو كان المعصوم غير راض بسيرة المتشرّعة لكان يكسرها بالردع.

بل قد لا يكفي هذا الحديث لو بقي وحده للردع عن سيرة العقلاء، لأنّ الردع يجب أن يتناسب في الشدّة مع مدى شدّة السيرة وأصالتها وقوّتها، وبما أنّ سيرة العقلاء على المعاطاة سيرة قويّة وعريقة فلو كانت غير مرضيّة لدى الشارع لكثر الردع عنها وكان هذا الردع ملفتاً للنظر وكان يكثر تناقله وبالتالي كان يصلنا أكثر من مثل حديث واحد في الردع.

أمّا لو قطعنا النظر عن السيرة وأردنا البحث عن فرض كون هذا الحديث مقيّداً لما مضى من الإطلاقات، فهنا تدخل مسألة السند في الحساب، بينما لا تدخل مسألة السند في حساب الردع عن السيرة، فإنّ فرض صدور ردع لا يساوق فرض وصوله بسند صحيح، واحتمال الردع يكفي لعدم حجيّة السيرة.

وبما أنّك عرفت أنّ سند الحديث لا يخلو من إشكال لعدم ثبوت وثاقة خالد ابن الحجّاج واحتمال أن يكون الراوي هنا خالد بن الحجّاج، إذن فالحديث لا يصلح لتقييد المطلقات.

على أنّ تماميّة دلالته أيضاً محلّ إشكال. وتوضيح ذلك: أنّه ذكر الشيخ الأعظم (1) بالنسبة لمعنى قوله: (إنّما يُحلّ الكلام ويحرّم الكلام) بقطع النظر عن صدر الحديث وجوهاً أربعة:

الأوّل ـ أن يكون وارداً أساساً بصدد بيان أنّ التحليل والتحريم يكون بالنطق دون القصد بلا دلالة أو بدلالة الأفعال، وعليه تكون الرواية دالّة على المدّعى.


(1) في المكاسب 1: 86، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيديّ.

الصفحة 260

والثاني ـ أن يكون المقصود أنّ المطلب الواحد قد يؤدّى بمضامين مختلفة يحلّ حينما يؤدّى ببعضها ويحرم حينما يؤدّى بالآخر، وذلك كالنكاح الذي قد يؤدّى بمضمون زوّجتك نفسي، فيصحّ، وقد يؤدّى بمضمون أحللت لك نفسي، فلا يصحّ. وهذا سنخ ما يحتمل في حديث أبي ربيع ونحوه(1).

والثالث ـ أنّ الكلام الواحد وجوده محلّل وعدمه محرّم، أو بالعكس، أو أنّه محلّل في محلّ ومحرّم في محلّ آخر، وتحتمله روايات المزارعة.

والرابع ـ أنّ المقاولة قبل استيجاب البيع محلّلة وإيجاب البيع محرّم.

وأبطل الشيخ الأنصاري الاحتمال الأوّل بأنّه ـ بناءً عليه ـ يلزم تخصيص الأكثر، إذ ما أكثر ما يحلّ أو يحرم بغير الكلام.

إلاّ أنّ هذا الإشكال على الاحتمال الأوّل غير صحيح; لأنّ المفهوم ـ وفق المناسبات الارتكازية ـ من هذا الكلام إنّما هو حصر التحليل والتحريم بالكلام في باب المعاملات لا في كلّ الاُمور. وما ذكره السيّد الخوئي من أنّ هذا لا يتمّ حتّى بلحاظ باب المعاملات; لأنّ المعاطاة تفيد الإباحة ـ على الأقلّ ـ بالإجماع(2) غير صحيح، إذ لا إجماع تعبّدي في المقام.

وذكر السيّد الخوئي : أنّ تفسير (يحلّل الكلام ويحرّم الكلام) بالتفصيل بين الوجود والعدم غير مقبول فإنّ اللفظ إذا اُطلق يكون فانياً في الوجود الواقعي لا في الوجود والعدم(3).


(1) راجع الوسائل 13: 199 ـ 201 الباب 8 من أبواب المزارعة والمساقاة.

(2) راجع المحاضرات 2: 71 و 72، ومصباح الفقاهة 2: 149.

(3) راجع المحاضرات 2: 72، ومصباح الفقاهة 2: 152.

الصفحة 261

وعلى أيّة حال، فهذه الاحتمالات الأربعة في قوله: (إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام) إنّما ذكرها الشيخ بقطع النظر عن صدر الحديث. وأمّا بالنظر إلى صدر الحديث فقد ذكر الشيخ : أنّ الاحتمال الأوّل والثاني يسقطان بعدم مناسبتهما لمورد الحديث فكون النصّ أساساً بصدد حصر المحلّل والمحرّم في الكلام لا يناسب المورد، فإنّ التفصيل المقصود في الحديث بينما إذا كان الأمر بنحو إن شاء ترك وإن شاء أخذ وما إذا كان مجبوراً على الأخذ لا علاقة له بحصر المحلّل والمحرّم في الكلام بداهة أنّ هذا التفصيل يكون وارداً حتّى لو لم يكن الكلام هو المحلّل والمحرّم، أي أنّه حتّى لو كانت المعاطاة صحيحة في نفسها كان يرد التفصيل بين ما إذا كان بالخيار في الأخذ والترك، أو كان مجبوراً على الأخذ، هذا حال الاحتمال الأوّل، وكذلك الحال في الاحتمال الثاني وهو كون المقصود أنّ مطلباً واحداً يبيّن بمضمون وصياغة ويكون محللا، ويبيّن بمضمون وصياغة اُخرى فيكون محرّماً، فإنّ هذا لا يناسب المورد، إذ ليس الكلام فيه في مطلب واحد يكون محلّلا حينما يؤدّى بمضمون ومحرّماً حينما يؤدّى بمضمون آخر، فينحصر الأمر بالاحتمال الثالث والرابع.

وعلى أية حال فببطلان الاحتمال الأوّل يبطل الاستدلال بهذا الحديث على بطلان المعاطاة.

ثمّ ذكر الشيخ الأنصاري : أنّ بالإمكان التمسّك بالحديث لفساد المعاطاة رغم بطلان الاحتمال الأوّل بعد فرض أنّ المقصود بالكلام إيجاب البيع إذ يُقال عندئذ: إنّه لولا انحصار البيع بالكلام فلماذا حصر المحلّل والمحرّم بالكلام؟! ولو كانت المعاطاة صحيحة لكان الحكم المقصود في هذا المقطع ثابتاً على المعاطاة أيضاً لا على الكلام فقط، قال : إلاّ أن يفرض أنّ السبب في هذا

 
الصفحة 262

الحصر كان هو عدم إمكان المعاطاة في مورد الحديث، لأنّ الثوب لا زال في يد المالك الأوّل، فليس بإمكان الدلاّل أن يبيعه من المشتري بالمعاطاة.

وأورد عليه السيد الخوئي بأنّ ظاهر الحديث هو أن الثوب كان بيد الدلاّل حيث يشير إليه بقوله: «اشتر هذا الثوب» فالمعاطاة ممكن في المقام، وحتّى لو فرضنا عدم وجود الثوب عنده فيكفي في المعاطاة الاعطاء من طرف واحد كالمشتري في المقام(1).

أقول: ولو فرض عدم إمكان المعاطاة في مورد الكلام فهذا لا يبرّر حصر المحلّل والمحرّم في الكلام إلاّ إذا فرض كون النصّ ناظراً إلى المورد فحسب.

وأمّا ما ذكره الشيخ من إمكانيّة الاستدلال بالحديث على المقصود رغم فرض بطلان الاحتمال الأوّل، وذلك بنكتة أنّه لولا انحصار البيع بالكلام لما انحصر المحلّل والمحرّم في الكلام، فقد أورد عليه السيد الخوئي :

أوّلا ـ بأنّ ثبوت الكلام مأخوذ في مفروض المورد.

وثانياً ـ أنّه يلزم عليه القول بعدم ترتّب الأثر على المعاطاة حتّى إباحة التصرّف، وهو خلاف الإجماع(2).

أقول: أمّا الإجماع فليس تعبّديّاً في المقام، ولا يفيدنا شيئاً. وأمّا كون مفروض الحديث هو ثبوت الكلام فلا أعرف كيف اكتشفه السيّد الخوئي في المقام.

ولعلّ مقصوده ـ رغم قصور العبارة ـ أن يقال: إنّه لو حملنا الحديث على


(1) راجع المحاضرات 2: 74، ومصباح الفقاهة 2: 153 ـ 154.

(2) راجع المحاضرات 2: 74، ومصباح الفقاهة 2: 153.

الصفحة 263

أيّ احتمال آخر غير الاحتمال الأوّل فهو ليس بصدد البيان بالنسبة لاشتراط الكلام وعدمه، وإنّما هو بصدد بيان حكم آخر وهو الحكم المذكور في ذاك الاحتمال. وعندئذ فقوله: إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام يحتمل حمله على أنّه فرض في مورد الحديث وجود الكلام، ولا يتعيّن حمله على اشتراط الكلام ولا إطلاق في الحديث من هذه الناحية كي يتعيّن به ذلك.

 

المعاطاة في النكاح

وفي خاتمة البحث عن صحّة المعاطاة لا بأس بالكلام عن إشكال نقضي قد يورد في المقام، وهو النقض بالنكاح حيث قد يقال: لئن كانت الإطلاقات في باب البيع تدلّ على صحّة المعاطاة فقسم من تلك الاطلاقات نسبته إلى البيع والنكاح على حدّ سواء. صحيح أنّ النكاح خارج عن موضوع بحثنا، وهو العقد في المعاملات الماليّة لكنّه ـ على أيّ حال ـ عقد، فيشمله مثل (اُوفوا بالعقود) وغيرذلك من عديد من الإطلاقات التي مضى شرحها، فلِمَ لا يقال بصحّة المعاطاة في النكاح؟! فإمّا أن الإطلاقات تامّة فتصحّ المعاطاة في النكاح أو غير تامّة فلا تدلّ على صحّة المعاطاة في البيع.

صحيح أنّ آية التجارة عن تراض ورواية الناس مسلّطون على أموالهم أجنبيتان عن باب النكاح، لكنّ آية ﴿ أوفوا بالعقود تشمل النكاح كما تشمل البيع، وآية ﴿ أخذن منكم ميثاقاً غليظاً واردة في النكاح، وروايـة المؤمنون عند شروطهم تشمل النكاح والبيع. وما يقـوم في النكاح مقـام ﴿ أحـلّ الله البيع في البيع كثير كروايات فضل النكاح، كمعتبرة محمّد بن مسلـم عن أبي عبد الله عن رسول الله : تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الاُمم غداً في يوم

 
الصفحة 264

القيامة(1)... وروايات تحليل الفرج بأسباب ثلاثة(2)، وحديث زرارة التامّ سنداً عن أبي جعفر في المتعة: أحلّها الله في كتابه وعلى سنّة نبيّه، فهي حلال إلى يوم القيامة(3)...، وحديث أبي مريم عن أبي عبد الله قال: المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنّة من رسول الله (4)وقوله ـ تعالى ـ: ﴿ واُحلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن اُجورهن (5)، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله (6)، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة (7).

ولو كنّا نحن ودليل السيرة على المعاطاة فالفرق بين البيع والنكاح بلحاظ هذا الدليل واضح، فإنّ السيرة على المعاطاة قائمة في البيع دون النكاح، ولكن بالنظر إلى كثير من الإطلاقات قد يُقال بعدم الفرق بين البيع والنكاح.

وقبل أن نشرع في الجواب على الإطلاقات لا بأس بذكر رواية قد تستفاد


(1) الوسائل 14: 3، الباب 1 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

(2) راجع الوسائل 14: 58، الباب 35، من أبواب مقدّمات النكاح، وأحاديث الباب جميعاً غير تامّة سنداً.

(3) الوسائل 14: 437، الباب 1 من أبواب المتعة، الحديث 4.

(4) الوسائل 14: 437، الباب 1 من أبواب المتعة، الحديث 5.

(5) النساء: 24.

(6) النور: 32.

(7) النساء: 3.

الصفحة 265

منها صحّة المعاطاة بالخصوص لا بالإطلاق في باب النكاح، وهي ما روي عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إنّي زنيت فطهّرني فأمر بها أن تُرجم فاُخبر بذلك أمير المؤمنين فقال: كيف زنيتِ؟ قالت: مررتُ بالبادية فأصابني عطش شديد فاستقيت أعرابيّاً فأبى أن يسقيني إلاّ أن اُمكّنه من نفسي فلمّـا أجهدني العطش وخفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي، فقال أمير المؤمنين تزويج وربّ الكعبة(1). إلاّ أنّ سند الحديث ضعيف بعلي بن حسان وبعبد الرحمن بن كثير الذي ضعّف واتّهم بوضع الحديث، ودلالته ضعيفة بأنّ الظاهر أنّه لم يرد في النكاح المعاطاتي، بل مورده مورد الزنا الصريح إذ الظاهر أنّهما لم يقصدا إيجاد علقة الزواج لا الدائميّة ولا الموقّتة بوقت معيّن.

والرواية معارضة برواية اُخرى مثلها في كون السند ضعيفاً، وهي رواية محمّد بن عمرو بن سعيد عن بعض أصحابنا في قصّة تشبه هذه القصة، ولكن لم يرد في آخرها: (سقاني فامكنته من نفسي) بل ورد فيها: (سقاني ووقع عليّ). وكان جواب أمير المؤمنين : «هذه التي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ ﴿ فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد هذه غير باغية ولا عادية، فخلّ سبيلها...»(2) فهذه الرواية ظاهرة في كون ما حدث زنا إلاّ أنّها معذورة بالاضطرار. فبناءً على كونهما ناظرتين إلى قصّة واحدة يقع التعارض بينهما. نعم لو فرض أنّهما ناظرتان إلى قصّتين، وأنّ المفروض في الاُولى أنّها هي مكّنته من نفسها ففرض هذا تزويجاً ولو بالمعاطاة، وفي الثانية أنّه هو وقع عليها قهراً فكان زنا فلا تعارض بينهما.


(1) الوسائل 14: 472، الباب 21 من أبواب المتعة، الحديث 8.

(2) الوسائل 18: 384، الباب 18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 7.

الصفحة 266

أمّا الإطلاقات فيمكن الجواب عليها بأجوبة ثلاثة:

الجواب الأوّل ـ مختصّ بالإطلاقات الخاصّة بباب النكاح، ولا يرد في مثل أوفوا بالعقود ممّـا كان يشمل البيع والنكاح وهو أنّها لم ترد مورد بيـان أصل حلّيّة النكاح، بل حلّيّة النكاح كأنّها مفروغ عنها(1) في المرتبة السابقة بشروطها المفروضة، وتكون هذه الأدلّة بصدد بيان حكم آخر من الترغيب في هذا النكاح المشروع وبيان استحبابه وفضله أو كونه منقسماً إلى أقسام ثلاثة، أو جواز جعله على شكل العقد الموقّت خلافاً للعامّة، أو تمييز النساء المحلّلات من المحرّمات، أو حلّ مشكلة الأيامى والصالحين، أو بيان جواز التعدّد، أو بيان الوظيفة عند احتمال عدم العدل وفي خصوص قوله ـ تعالى ـ: ﴿ اُحلّ لكم ما وراء ذلكم توجد قرينة واضحة في أنّها ليست بصدد بيان شرائط النكاح، وإنّما هي بصدد بيان تمييز النساء المحلّلات من المحرّمات، وهي قوله ـ تعالى ـ: ﴿ محصنين غير مسافحين فكلّما شككنا في اشتراطه شككنا في أنّه مع عدمه هل يقع الاحصان أو السفاح.

الجواب الثاني ـ يشمل حتّى مثل ﴿ أوفوا بالعقود وهو أنّ الإطلاقات لا تنفي الشروط العقلائيّة، وذلك إمّا بنكتة كونها اسماً للصحيح ومحمولا على الصحيح العقلائي بالإطلاق المقامي، أو بسبب أنّ حمله على الصحيح الشرعي يجعله قضيّة بشرط المحمول، وإمّا بنكتة أنّ الارتكاز العقلائي يكون كالمتّصل الذي يمنع عن انعقاد الإطلاق، والعقد اللفظي في النكاح في بيئة النصوص من الشروط العقلائيّة بخلاف البيع، ويكفينا احتمال ذلك.


(1) لا يبعد القول بأنّ دليل الترغيب بنفسه دليل للحلّ وليس الحلّ مأخوذاً مفروغاً عنه.

الصفحة 267

الجواب الثالث ـ يشمل أيضاً جميع الإطلاقات وهو دعوى تخصيصها ببعض المخصّصات من قبيل.

1 ـ ما قد يستفاد منه شرط التلفّظ بالكلام في المتعة (بعد العلم بعدم الفرق من هذه الناحية بين المتعة والعقد الدائم) كحديث ثعلبة قال: تقول: أتزوّجك متعة...(1) إلاّ أنّه غير منته إلى المعصوم، وحديث أبان بن تغلب، قال: قلتُ لأبي عبد الله كيف أقولُ لها إذا خلوتُ بها؟ قال: تقول: أتزوّجُكِ متعة...(2) إلاّ أنّه غير تامّ سنداً، على أنّه في الدلالةِ أيضاً ضعيف لأنّ مفروض السائل هو العقد اللفظي وسأل الإمام عن كيفيّته فأجابه ببيان كيفية معيّنة وهذا لا يدلّ على أصل اشتراط العقد اللفظي دلالة أقوى من مجرّد الإشعار.

ونحوه في الضعف سنداً ودلالةً حديث هشام ابن سالم:

قال: قلتُ كيف يتزوّج المتعة؟

قال: يقول: أتزوّجك...(3).

وبسند آخر ضعيف أيضاً عن هشام بن سالم الجواليقي عن أبي عبدالله ، نحوه (4) ولعلّهما حديثٌ واحد.

وورد أيضاً عن الأحول قال: سألتُ أبا عبد الله ، قلتُ: ما أدنى ما يتزوّج الرجل به المتعة؟ قال: كفٌّ من برٍّ يقول لها: زوّجيني... (5).

وهذا امتيازه عمّـا قبله أنّه لم يكن المفروض في لسان السائل وجود العقد اللفظي فدلالته أقوى ممّـا قبله، ولكن يوجد في أحد سنديه جبير أبو سعيد المكفوف وفي الآخر محمّد بن علي ماجيلويه.


(1) الوسائل 14: 466 و 467، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 2.

(2) (3) (4) (5) الوسائل 14 : 466 ـ 467، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 1 و 3 و 6 و 5.

الصفحة 268

2 ـ روايات شرط اللفظ في الطلاق بل وشرط لفظ مخصوص...(1) فبناءً على عدم احتمال الفرق في شرط اللفظ بين الطلاق والنكاح يُتعدّى إليه. ولكن الإنصاف أنّ احتمال الفرق وارد فكما أنّ الطلاق اختصّ باشتراط الشهود بخلاف النكاح فكذلك لو اشترط فيه اللفظ لم يكن يعني هذا شرط اللفظ في النكاح.

3 ـ روايات اشتراط ذِكر شروط المتعة في متن العقد(2) حيث تدلّ ضمناً على شرط العقد اللفظي وبعدم الفرق يُتَعدى إلى النكاح الدائم. والاستدلال بهذه الروايات يتوقّف على أن لا نحتمل أنّ السبب في حاجة المتعة إلى العقد اللفظي إنّما هو أنَّ شروط المتعة يجب أن تذكر في متن العقد فلا بُدَّ من العقد اللفظي لكي تُذكر تلكَ الشروط في متنه، أمّا إذا احتملنا ذلك كان هذا بنفسه هو الفارق بين المتعة والعقد الدائم.

وفي ختام البحث عن المعاطاة في النكاح اُشير إلى نكتتين في الفرق بين مثل المعاطاة في البيع والمعاطاة في النكاح:

الاُولى ـ لو قلنا: إنّ المعاطاة في البيع لا تدلّ عرفاً على إنشاء التمليك


(1) راجع الوسائل 15: 290 ـ 296، الأبواب 14 و 15 و 16 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه.

(2) راجع الوسائل 14: 468 و 469، الباب 19 من أبواب المتعة، و: 492 ـ 493 الباب 39 منها، والجزء 18: 412، الباب 42 من أبواب حدّ الزنا، والحديث في هذين البابين تارةً يُروى بصيغة «أنسى أن يشترط» واُخرى بصيغة «ثمّ نسي حتّى واقعها» الظاهر في نسيان العقد والإنصاف قوّةُ دلالة هذه الأحاديث، على الخصوص الحديث الأخير بصيغته الظاهرة في نسيان العقد على بطلان المعاطاة. واحتمال اختصاص ذلك بالمتعة لأجل التمكّن من ذكر الشروط في لفظ العقد بعيد جدّاً.

الصفحة 269

والتملّك وإنّما يرجع واقعها إلى أنّ كلّ واحد منهما يسمح لصاحبه التملّك بالحيازة، ولكن في مقابل تملّك الآخر لا مجّاناً، فالفرق بين المعاطاة في البيع والمعاطاة في النكاح الموجب لعدم نفوذ الثانية، بخلاف الاُولى حسب الارتكاز العقلائي يصبح واضحاً فإنّ الحيازة إنّما تكون مملّكة في باب الأموال، ومالكية الشخص السابق تمنع عن تأثير الحيازة، وسماحه بذلك يرفع المانع أمّا في باب النكاح فلا يوجب شيء يحلّ محلّ الحيازة في الأموال.

والثانية ـ لو قلنا: إنّ المعاطاة في البيع إنشاء للتمليك والتملّك فالنكتة في أنّ المعاطاة في النكاح لا تعتبر عرفاً إنشاءً للزوجية بلحاظ مدرسة لا تسمح بالارتباط الجنسي غير القائم على أساس الزوجية هو أنّ نفس المعاطاة في النكاح مصداق للسفاح أو الحرام لأنّ هذا المصداق لم يكن عملا ناشئاً عن زوجية فكان حراماً، وهذا بخلاف المعاطاة في البيع فإنّ القبض أو الإقباض الأوّل وإن لم يكن ناشئاً عن الملكية الجديدة لكنّه لم يكن حراماً، لأنّ التصرف العملي في مال الغير برضاه جائز، وليس التصرّف العملي الجنسي بمجرّد رضا الرجل والمرأة جائزاً لدى عرف يحرّم الارتباط الجنسي غير القائم على أساس الزوجية، إذن فهذا التصرف مصداق لما يناقض النكاح، أي للسفاح أو الحرام فلا يساعد العرف على إنشاء النكاح به في دين يحرّم ذاك الارتباط.

 

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب