الصفحة 107

 

 

 

ـ 2 ـ

المـراد بالمــال

تعريف المال:

مقصودنا بالمال في المقام (ما يرغب في امتلاكه بالعوض ذاتاً امتلاكاً غير محرّم) ولا يشترط في ذلك الرغبة العقلائيّة العامّة، فصورة شخص مّا مثلا قد يرغب ابنه في شرائها ولو بأغلى الأثمان، بينما عامّة الناس لا يقيم لها وزناً. ولو فرضنا دلالة دليل تعبّدي على اشتراط الرغبة العامّة في صحّة البيع أو المبادلة فهذا لا يمنع عن أن نجعل موضوع البحث هنا مطلق المال حتى نبحث بعد ذلك عن شرائط صحّة المبادلة كي نرى هل من شرائطها الرغبة العامّة أوْ لا؟

 

تحديد حدود المال:

والمال كما يصدق على العين كذلك يصدق على العمل والمنفعة ـ وإن كانت ماليّة المنفعة مندكّة في ضمن ماليّة العين ـ بل المنفعة حيثيّة تعليليّة لماليّة العين، وليست ماليّتها مستقلّة عن العين، كما أنّ ملكيّتها لم تكن مستقلّة عن العين. نعم، تظهر ماليّتها بشكل مستقلّ حينما تفصل عن العين، كما في عمل الحرّ في رأي الشريعة التي أسقطت الحرّ عن الماليّة ـ أي حكمت بتحريم امتلاكه ذاتاً

 
الصفحة 108

والمعاوضة عليه ـ ولم تسقط عمله عن الماليّة. كما مضى أنّه تظهر ملكيّتها بالاستقلال حينما تنفصل عن ملكيّة العين كما في باب الإيجار.

والهدف من ذكر كلمة (ذاتاً) في تعريفنا للمال هو إدخال ما امتنع امتلاكه بالعوض لعارض مّا ضمن تشريع، ولم يكن ذاك التشريع يرى عدم صحّة امتلاكه بالعوض لازماً ذاتياً له، وذلك كالعين الموقوفة التي منع التشريع عن تبادله لعارض وهو تعلّق الوقف بها، وكالعين المرهونة ونحو ذلك. فذاك التشريع معترف بماليّة هذه العين رغم عدم إمكان امتلاكها بالعرض.

والهدف من قيد (الرغبة) إخراج ما لا يرغب في امتلاكه إمّا لفقدانه لجميع المنافع أو لانتشاره وسعته كالهواء.

والهدف من قيد عدم الحرمة إخراج مثل الخمر التي يحرم امتلاكها والمعاوضة عليها شرعاً، فهي ليست مالا شرعاً وإن كانت مالا عرفاً لعدم الحرمة العرفيّة في ذلك.

وقد أخرجنا بهذا التعريف الحقّ، لأنّه لا يصبح طرفاً لإضافة الملك وإنّما هو إضافة في عرض إضافة الملك، وإنّما المال هو ما يتعلّق به الحقّ.

 

آراء اُخرى في تحديد المال:

وقد نقل عن الحنفيّة اختصاص عنوان المال بالعين، فلا يشمل المنفعة(1). وليس مقصودهم بهذا منع التبادل في باب المنافع وتخصيص العقود الماليّة بالأعيان، فإنّ هذا خلاف فتاواهم. إذن فلا يعدو هذا أن يكون اصطلاحاً خاوياً.


(1) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 71 - 73.

الصفحة 109

وقد نقل عن علماء القانون الحديث شمول عنوان المال للحقوق المتعارف تداولها والاعتياض عنها(1).

وما ذكرناه أولى لما قلناه من أنّ الحقّ كالملك، وهما يتعلّقان بالمال، وكما لا يكون الملك مالا آخر غير متعلّقه كذلك الحقّ.

وأغرب ما رأيته في المقام ما نقل عن القانون المدنيّ العراقيّ من تعريف المال بأنّه كلّ حقّ له قيمة مادّيّة(2)، فقصر مفهوم المال على الحقوق بما فيها حقّ الملكيّة، وأخرج بذلك الأعيان عن حيّز المال، نظراً إلى أنّ ماليّة الأعيان إنّما هي باعتبار ما فيها من حقوق لأصحابها، فتدخل في زمرة الحقوق.


(1) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 75.

(2) راجع نفس المصدر، الفقرة 76.

الصفحة 110

 

 
الصفحة 111

 

 

 

ـ 3 ـ

تحليل حقيقة الحقّ

يقع البحث عن الحقّ، والفرق بينه وبين الملك والحكم.

 

تفسير الحقّ في الفقه الإسلامي:

ذكر المحقّق النائينيّ : أنّ الحقّ سلطنة ضعيفة على المال، والسلطنة على المنفعة أقوى منها، والأقوى منهما السلطنة على العين، فالجامع بين الملك والحقّ هو الإضافة الحاصلة من جعل المالك الحقيقي لذي الإضافة المعبّر عنها بالواجديّة، وكون زمام أمر الشيء بيد من جعل له وكونه ذا سلطنة وقدرة. وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامّة بأن تكون قابلة لأنحاء التقلّبات تسمّى ملكاً. ولو كانت ضعيفة ـ إمّا لقصور نفس الإضافة كحقّ المرتهن بالنسبة للعين المرهونة، وإمّا لقصور في متعلّقه كحقّ التحجير وحقّ الخيار بناءً على تعلّقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة وحقّ الاختصاص بالنسبة إلى الأشياء غير المتموّلة كالخمر القابل للتخليل ـ تسمّى حقّاً(1).

وقد جاء في تقرير الشيخ الآمليّ لبحث المحقّق النائينيّ نقلا عن بعض


(1) منية الطالب للشيخ موسى النجفي 1: 41.

الصفحة 112

الاساطين التعبير عن الحقّ بـ (ملكيّت نارسيده) أي الملكيّة غير الناضجة(1).

وبحث المحقّق الإصفهانيّ (2) في المقام تفاسير ثلاثة للحقّ:

التفسير الأوّل: ما نسبه إلى المشهور، وهو أنّ الحقّ بمعنى السلطنة، ورأى أنّ هذا غير الملك; لأنّه يرى الملك عبارة عن الإحاطة والاحتواء دون السلطنة. وذكر : أنّه ليكن المراد بالسلطنة السلطنة الاعتباريّة لا السلطنة التكليفيّة ليورد على ذلك أنّ الجواز التكليفي من أحكام الحقّ لا نفسه، أو أنّه لا سلطنة للقاصر على التصرّفات مع كونه ذا حقّ شرعاً. وذكر أيضاً : أنّ المرادبالسلطنة الاعتباريّة اعتبار السلطنة لا السلطنة الانتزاعيّة لما يرد على ذلك ما أوردناه على انتزاعيّة الملك.

التفسير الثاني: أن يقال: إنّ الحقّ هو الملك، ولذا عُبّر عن حقّ الخيار بملك الفسخ والإمضاء.

وذكر على هذا التفسير إشكالين:

الأوّل: أنّ الملك يستلزم السلطنة المطلقة مع أنّ الحقّ سلطنة خاصّة على تصرّف خاصّ.

وأجاب على ذلك: بأنّ سعة المملوك وضيقه لا ربط له بسعة الوجدان وضيقه.

والثاني: أنّ الحرّ لا يملك عمل نفسه بالمعنى الذي يملك به أمواله، بينما الحقّ قد يتعلّق بعمل من أعمال ذي الحقّ كحقّ الفسخ والإمضاء، فإنّ الفسخ أو الإمضاء عمل لنفس ذي الحقّ.


(1) المكاسب والبيع للشيخ محمد تقي الآملي 1: 92.

(2) في تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 10 و 11.

الصفحة 113

وأجاب على ذلك بأنّ عمل الحرّ يصبح مملوكاً له في حالتين:

(الاُولى) ما يتوقّف تحقّقه على اعتبار ملكه إيّاه وسلطنته عليه كالفسخ والإمضاء والتملّك، فهنا يعتبر ملكه لذاك العمل كي يصبح قادراً عليه. أمّا العمل الذي يقال عنه أنّه لا يملكه نفس العامل فهو ما يكون من قبيل الأكل والشرب والكتابة والخياطة ونحو ذلك ممّا لا يتوقّف تمكّنه منه من اعتبار الملك فيلغو اعتبار الملك.

(والثانية) العمل الذي يكون الإنسان قادراً عليه بلا حاجة إلى اعتبار ملكه إيّاه كالأكل ولكن كان له مساس بملك الغير، فمن حيث انتسابه إلى ملك الغير عدّ من منافع ملك الغير ومملوكاً للغير تبعاً، فيصحّ تمليك الغير إيّاه لنفس العامل أو جعل الشارع له إيّاه كحقّ المارّة.

وأورد على هذا الوجه ـ أعني تفسير الحقّ بالملك ـ بأنّه ربّما يضاف الحقّ إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً كحقّ الاختصاص بالخمر التي كانت خلاًّ قبل ذلك، وكحقّ الأولويّة في الأرض المحجّرة التي لا تملك إلاّ بالإحياء على المشهور، فالحقّ ليس بمعنى الملك إمّا مطلقاً أو في أمثال هذه الموارد.

قال : نعم، تفسيره بمعنى السلطنة الوضعيّة ـ يعني التفسير الأوّل ـ ممّن يجعل الملك غير السلطنة لا مانع منه. وأمّا من يرى أنّ الملك بمعنى السلطنة فالإيراد متوجّه إليه أيضاً.

أمّا الجواب على مثل النقض بحقّ الاختصاص في الخمر التي لا تملك شرعاً وحقّ الأولويّة في الأرض المحجّرة على رأي المشهور القائل بعدم ملكها بأنّنا نفترض الحقّ مرتبة ضعيفة من الملك، والملك المنفيّ في الخمر وفي الأرض المحجّرة هي الملكيّة التامّة، فلم يرتضه المحقّق الإصفهانيّ ، واعترض على

 
الصفحة 114

التفريق بين الملك والحقّ باختلاف الدرجة بأنّ حقيقة الملك سواء كانت من مقولة الإضافة أو مقولة الجدة ليست لها مراتب مختلفة. أمّا الإضافة فهي تتبع المقولة التي تعرضها، فإن كانت من مقولة تقبل الشدّة والضعف كالكيف قبلت الشدّة والضعف كعنوان الأحرّ العارض على الحرارة، وإلاّ فلا. وأمّا الجدة فلا تتّصف بالشدّة والضعف، وإنّما تتّصف بالزيادة والنقص، حيث إنّ الهيئة الحاصلة للرأس من العمامة مثلا أنقص من الهيئة الحاصلة للبدن من القميص.

التفسير الثالث: ما ذكره بعنوان (يمكن أن يقال) قائلا: «وإن لم أجد من وافق عليه صريحاً» وهو أن يقال: إنّ الحقّ ليس له معنىً واحد في كلّ الموارد، ففي جملة من الموارد توجد هناك اعتبارات خاصّة لها آثارها الخاصّة، ولتكن تلك الاعتبارات هي الحقّ بلا حاجة إلى افتراض اعتبار آخر و هو اعتبار سلطنة أو ملك لترتيب تلك الآثار عليه.

فحقّ الولاية مثلا ليس إلاّ اعتبار ولاية الحاكم والأب والجدّ، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً أو وضعاً، ولا حاجة إلى اعتبار آخر اسمه السلطنة أو الملك مثلا، وإضافة الحقّ إلى الولاية إضافة بيانيّة. وكذلك حقّ التولية وحقّ النظارة. وكذلك حقّ الرهانة، فإنّه ليس إلاّ اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعه عند الامتناع عن الوفاء. وكذلك حقّ التحجير، أي الحقّ المسبّب عن التحجير، فهو ليس إلاّ اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر. وحقّ الاختصاص في الخمر ليس إلاّ نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخرين من دون اعتبار ملك أو سلطنة له، وأثر الأولويّة والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير له.

وخلاصة هذا الكلام: أنّه لا داعي لاعتبار السلطنة في جملة من الحقوق.

 
الصفحة 115

قال : نعم، لا بأس بتفسير الحقّ بالسلطنة عندما يكون مفهوم السلطنة مأخوذاً في لسان الدليل كحقّ القصاص، حيث قال الله تعالى بشأنه: ﴿ فقد جعلنا لوليّه سلطاناً (1) وكذلك عندما لا يكون هناك معنىً اعتباريّ آخر مناسب للمقام. ولو فرض عدم ذكر عنوان السلطنة في لسان الدليل ـ وذلك كما في حقّ الشفعة ـ فإنّه ليس معناه اعتبار نفس الشفعة أي ضمّ حصّة الشريك إلى حصّته، وإلاّ للزم انتقال حصّة الشريك إليه بمجرّد ثبوت الحقّ، بينما ليس كذلك. فحقّ الشفعة يعني السلطنة على ضمّ حصّة الشريك إلى حصته. وكذلك حقّ الخيار يعني السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء لا اعتبار اختيار أحدهما بالفعل بأن يكون بالفعل فاسخاً أو ممضياً، إذ لا فسخ ولا إمضاء بمجرّد جعل الحقّ.

قال : نعم، ليس حقّ الخيار ملك الفسخ والإمضاء معاً أو السلطنة عليهما معاً، وإلاّ نفذ إمضاؤه وفسخه معاً، ولا أحد الأمرين من الفسخ والإمضاء، فإنّ أحدهما المردّد لا ثبوت له حتى يقوّم به الملك أو السلطنة، بل الملك أو السلطنة يتعلّق بترجيح أحد الأمرين على الآخر.

وقال : ويمكن أن يقال: إنّ المعنى الاعتباريّ المعقول هنا غير السلطنة، والمناسب للخيار جعله مفوّضاً، فاعتبار كونه مفوّضاً يترتّب عليه جواز الفسخ والإمضاء تكليفاً ووضعاً من دون لزوم اعتبار آخر.

أقول: إنّ هذا الكلام المفصّل للمحقّق الإصفهانيّ فيه مجال واسع للملاحظة:

فأوّلا: أنّنا لا نظنّ بمن يعتبر الحقّ مرتبة ضعيفة من الملك كالمحقّق النائيني


(1) الاسراء: 33.

الصفحة 116

أنّه يقصد بذلك الشدّة والضعف بالمعنى الفلسفيّ الذي شرح المحقّق الإصفهانيّ عدم تصوّره في الملك، وإنّما المقصود التعبير العرفيّ عن كون السلطنة على الشيء أحياناً بلحاظ تمام الجهات، واُخرى بلحاظ بعض الجهات.

وثانياً: ما ذكره جواباً على أنّ الحقّ قد يتعلّق بعمل الإنسان فلا يمكن أن يفسّر بالملك من أنّ عمل الإنسان يمكن تصوير امتلاك صاحبه له في موردين.

يرد عليه: أنّ نكتة عدم تصوير العقلاء للملكيّة بالنسبة لعمل الإنسان بالقياس إلى نفس العامل هي أنّ العقلاء إنّما اعتبروا الملكيّة لتكون علاقة اعتباريّة بين الإنسان والأموال المنفصلة عنه من أعيان أو منافع أو أعمال الآخرين كي يرتّبوا عليها أحكام الاختصاص والأولويّة للإنسان بالنسبة لتلك الاُمور المنفصلة عنه. أمّا بالنسبة لأعماله هو فلم يروا حاجة إلى خلق علاقة اعتباريّة بينه وبينها بعد ما كانت العلاقة التكوينيّة والسلطنة الحقيقيّة موجودة بينه وبينها، فلم يبق إلاّ الحكم التكليفيّ من حلّيّة وحرمة شرعيّتين، أو حُسن وقبح عقليّين، أو النفوذ وعدم النفوذ كنفوذ الفسخ وعدمه، فمتى ما جاز ذلك أو نفذ لا حاجة إلى خلق علاقة اعتباريّة لوجود العلاقة التكوينيّة، ومتى ما لم يجز أو لم ينفذ لسبب مّا انفصلت تلك العلاقة التكوينيّة عمّا يرتّب عليها من الأولويّة لمانع.

وهذه النكتة نسبتها إلى كلّ الأعمال على حدّ سواء، ولا استثناء فيها، فحتّى فسخه للعقد بمقدار ما هو عمل له ـ أعني إنشاء الفسخ وأكله لثمرة الأشجار التي مرّ بها ـ توجد بينه وبينهما العلاقة التكوينيّة والسلطنة الحقيقيّة، فان نفذ الفسخ وجاز الأكل لم تكن حاجة إلى فرض علاقة اعتباريّة بينه وبينهما، وإن لم ينفذ الفسخ ولم يجز الأكل لارتباط ذلك بمال الغير أو لأيّ سبب آخر، لم نحتج أيضاً إلى فرض علاقة اعتباريّة بينه وبينهما.

 
الصفحة 117

وكان الأولى به أن يدفع الإشكال ببيان أعمق وهو أن يتجاوز الأعمال في معرفة مصبّ الحقّ إلى الأموال التي تتعلّق بها تلك الأعمال، ويقول: إنّ مصبّ حقّ الفسخ هي العين المباعة، ومصبّ حقّ المارّة هي الثمرة التي تؤكل. إذن فكلّ الحقوق في واقعها تتعلّق بالأموال كالملك، وإن صحّ أحياناً التعبير العرفيّ عن ذلك بمثل تعلّق الحقّ بالفسخ أو بالأكل.

وثالثاً: أنّ تفسيره للخيار بحقّ الفسخ والإمضاء غير صحيح، وإنّما الخيار هو حقّ الفسخ. وأمّا الإمضاء فهو إسقاط للخيار، وإسقاط الخيار غير الخيار. نعم، قد يقال بالنسبة لصاحب المال الذي باعه الفضوليّ: إنّ له حقّ الإمضاء والردّ.

ورابعاً: أنّ قوله: إنّ حقّ الخيار ليس هو حقّ الفسخ والإمضاء معاً لعدم إمكان الجمع بينهما ولا حقّ أحدهما، لأنّ أحدهما المردّد لا ثبوت له، ثمّ حلّه للإشكال بأنّ حقّ الفسخ هو حقّ ترجيح أحد الأمرين على الآخر.

أقول: هذا الكلام من أطرف ما جاء في بحثه ، ولا أدري لماذا لم يكرّر السؤال على نفسه من أنّ ما اُضيف إليه (الترجيح) في فرض تعلّق الحقّ بترجيح أحد الأمرين هل هو كلا الأمرين معاً أو أحدهما المردّد؟ والأوّل مستحيل، لعدم إمكان الجمع بينهما. والثاني باطل، لأنّ أحدهما المردّد لا ثبوت له. والواقع أنّ الخيار إذا كان بمعنى حقّ الفسخ والإمضاء إذن هو متعلّق بالفسخ والإمضاء معاً، ولكن كلمة (معاً) هنا ليست بمعنى المجموع، بل بمعنى الجميع، فله حقّ الفسخ وله حقّ الإمضاء، وهو تكويناً عاجز عن الجمع في إعمال الحقّ بين الأمرين، وهذا ما يصاغ عرفاً بصياغة (تعلّق الحقّ بأحدهما). فعنوان أحدهما قالب ذهنيّ يصوغه الذهن لصبّ بعض أحكامه عليه في عالَمه، والاستفادة منه خارجاً سيتجسّد في فرد معيّن لا في فرد مردّد.

 
الصفحة 118

وخامساً: أنّ الفارق بين الأمثلة التي ذكرها غير واضح، فلماذا يكون الحقّ في الخيار والشفعة سلطنة ولا يكون في الولاية والتولية والنظارة والاختصاص في الخمر سلطنة؟! وصحيح أنّ إضافة الحقّ إليها بيانيّة، فحقّ الولاية مثلا لا يعني حقّ السلطنة على الولاية، وإنّما يعني (حقّاً هي الولاية)، ولكن لِمَ لا نفسّر نفس الولاية بالسلطنة على أموال المولّى عليه والاُمور التي يجوز له التدخّل فيها بالنسبة لمولّى عليه؟ والتفسير الأخير الذي ذكره للخيار وهو جعله مفوّضاً لِمَ لا يذكر في الشفعة؟ فيقال أيضاً: إنّ حقّ الشفعة عبارة عن جعله مفوّضاً في ضمّ حصّة شريكه إلى حصّته ثمّ كيف الطريق لمعرفة أنّ التفويض غير التسليط؟ كلّ هذا غامض لم يوضّحه المحقّق الإصفهانيّ في كلامه.

ومن الغريب ما استفاده من كلمة (السلطان) فى قوله تعالى ﴿ جعلنا لوليّه سلطاناً من أنّ حقّ القصاص يكون بمعنى اعتبار السلطنة، بينما من الطبيعيّ العرفيّ التعبير عن الحقّ بالسلطنة حتى لو لم يكن فى تحليله الدقيق الفلسفيّ عبارة عن السلطنة، ولِمَ لا نحتمل أنّ السلطان في هذه الآية المباركة عبارة عن السلطنة التكليفيّة ولا علاقة لها بالسلطنة الاعتباريّة؟!

وذكر الإمام الخمينيّ(1) في المقام: أنّ الحقّ بحسب المفهوم العرفيّ والمرتكز العقلائي له معنىً واحد وهو اعتبار خاصّ يختلف عن اعتبار الملك أو السلطنة، وجعل الحقوق التي عدّها المحقّق الإصفهانيّ بعنوان حقيقة اُخرى غير السلطنة خارجة عن الحقوق، فذكر: أنّ مثل الولاية أمر اعتباريّ لدى العقلاء مجعول بذاته غير الحقّ والملك والسلطنة.


(1) راجع كتاب البيع 1: 22 - 25.

الصفحة 119

واستشهد على كون الحقّ اعتباراً خاصّاً مغايراً للملك والسلطنة ـ إضافة إلى دعوى الفهم العرفيّ والارتكاز ـ باُمور:

1 ـ صدق الحقّ في موارد لا يعتبر فيها الملك ولا السلطنة، فحقّ الأولويّة الذي قال به المشهور في مَن سبق إلى المسجد أو الأمكنة الاُخرى الموقوفة وكذلك حقّ أولويّة الإحياء في مورد التحجير قد انفصل عن الملك لعدم الملك فى هذه الموارد بلا ريب ولو بمرتبة ضعيفة لو سلّمنا تصوّر الشدّة والضعف في الملك.

والحقوق الثابتة للصغير أو السفيه المحجور عليهما منفصلة عن السلطنة، فإنّ السلطنة فيها للولي لا للمحجور عليه. وما يقال من أنّ سلطنتهم سلطنة القاصر ليس بشيء، لأنّ القاصر مسلوب السلطنة لا مفوّضها.

2 ـ أنّه قد تثبت السلطنة ولا يثبت الملك ولا الحقّ، فهذا دليل على أنّ الحقّ غير السلطنة، وذلك من قبيل سلطنة الناس على نفوسهم، فإنّها عقلائيّة، ولهم أن يتصرّفوا في أنفسهم بأيّ نحو شاؤوا لولا المنع القانونيّ لدى العقلاء والشرعي لدى المتشرّعة، مع أنّهم لا يملكون أنفسهم ولا لهم الحقّ على أنفسهم.

3 ـ أنّ الملك في جميع الموارد إضافة بين المالك والمملوك، ولا يتقوّم بطرف ثالث اسمه المملوك عليه حتى في باب الدَين، فإنّ حال الذمّة فى الدَين حال المحفظة الخارجيّة في الأموال العينيّة التي جعلت فيها لا دخل لها فى اعتبار الملكيّة، بينما الحقّ كثيراً مّا يعتبر بين ذي الحقّ ومَن عليه الحقّ، كما في حقّ الاستحلاف للمدّعي على المدّعى عليه، فهذا دليل على أنّ الحقّ غير الملك.

4 ـ وذكر هذا الوجه بعنوان التأييد، وهو أنّ الحقّ حينما يكون على شخص يعتبر فيه الأداء، فيقال مثلا: أدّى حقّه، كما يقال في الدين: أدّى دينه، بينما لا يقال: أدّى سلطنته أو أدّى ملكه، فهذا يؤيّد تغاير الحقّ للملك والسلطنة.

 
الصفحة 120

5 ـ أنّهم قالوا: إنّ للمطيع على الله تعالى حقّ الثواب، بينما لا تعتبر الملكيّة ولا السلطنة في ذلك بالضرورة.

أقول: إنّ هذه الشواهد التي ذكرها كلّها قابلة للنقاش:

أمّا عدم تصوير الملكيّة الضعيفة في حقّ الأولويّة لمن سبق في الوقف كالمسجد ونحوه فليس بأوضح من أصل دعوى دلالة الارتكاز العقلائيّ على مغايرة الحقّ للملك، ومن ينكر ذلك لا يمكن إفحامه بهذا الشاهد، والقدر المسلّم بين الجميع عدم الملك بمعناه المقابل للحقّ، وهو الملك التامّ في المقام في رأي من يفترض الشدّة والضعف في الملك، وقد مضى أنّ المقصود بالشدّة والضعف قد لا يكون معناهما الفلسفيّ الواضح بطلانه في المقام، فبالإمكان أن يقال: إنّ من سبق إلى إشغال مكان في الوقف كانت له سلطنة محدودة على ذاك المكان في مقابل من يريد إزاحته كي يجلس هو مكانه، وبناءً على أنّ السلطنة هي الملك رجع الأمر إلى الملك بلحاظ بعض الجهات، ولا نعني بالملكيّة الضعيفة إلاّ هذا.

وأمّا ثبوت سلطنة الناس على أنفسهم من دون ملك أو حقّ فهذه هي سلطنة تكليفيّة أو عنوان منتزع عنها، وهي أجنبيّة عن السلطنة الاعتباريّة التي يتكلّم السيّد الإمام عنها، والعقلاء لم يروا ملاكاً في اعتبار السلطنة للإنسان على نفسه أو جوارحه بعد أن كانت السلطنة التكوينيّة الموجودة في المقام تكفي في نظرهم لترتيب السلطنة التكليفيّة عليها، بلا حاجة إلى افتراض سلطنة اعتباريّة يترتّب عليها الحكم التكليفيّ.

وأمّا كون الحقّ متقوّماً أحياناً بمن عليه الحقّ بخلاف الملك فالواقع أنّ الحقّ دائماً متقوّم بمن عليه الحقّ حتى في الحقوق المتعلّقة بالأعيان الخارجيّة من قبيل حقّ التحجير، فحقّ التحجير يعني أنّ المحجّر له على الناس حقّ عدم

 
الصفحة 121

مزاحمتهم إيّاه في إحياء الأرض... وهكذا. والملك في مورد الدَين أيضاً متقوّم بالمملوك عليه، وفرق الذمّة عن المحفظة إضافتها إلى الإنسان وعدم امتلاكها الاستقلاليّة التي تمتلكها المحفظة، بل الملك في غير الدَين أيضاً قد فرض في حيثيّته التعليليّة وجود المملوك عليه. فلو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرّف في كلّ الأموال كما يشاء لم تكن نكتة لفرض مالكيّته لها، وإنّما يملك الشخص الأموال باعتبار وجود آخرين معه في العالم فيقال: إنّ المال الفلاني ملك لزيد، أي أنّه مختصّ به في مقابل باقي الناس.

نعم، هناك فارق لغويّ بين الحقّ والملك، وهو أنّ الحقّ لوحظ في مفهومه لغةً فرض مَن عليه الحقّ، ولكن الملك لم يلحظ في مفهومه لغةً فرض مَن عليه الحقّ، فكأنّما يُرى أنّ الملك متقوّم بالمالك والمملوك فحسب، بخلاف الحقّ الذي هو بحاجة إلى من عليه الحقّ، وهذا فارق لغويّ بين الكلمتين، وليس فارقاً ماهويّاً بين السلطنتين.

وبما ذكرناه اتّضح الجواب على الشاهد الرابع، فإنّما يتعلّق الأداء بالحقّ وبالدَين فيقال: أدّى حقّه، أو أدّى دَينه، لأنّ (كلمتي الحقّ) والدَين قد اُشرِبتا لغويّاً معنى الإضافة إلى مَن عليه الحقّ أو الدَين، ولا يتعلّق الأداء بالملك، فلا يقال: أدّى ملكه، لعدم وجود إشراب من هذا القبيل لكلمة (الملك) فالفارق لغويّ لا علاقة له بهويّة السلطنتين.

وأمّا استحقاق العبد للثواب على الله تعالى فإنّما هو حقّ عقليّ بمنطق العقل العمليّ، وليس حقّاً وضعيّاً اعتباريّاً بالمعنى الذي نبحثه في المقام.

وتحقيق الكلام في المقام: أنّنا إذا اعتبرنا الحقّ عبارة عن أمر اعتباريّ يعتبره العقلاء كعلاقة بين صاحب الحقّ ومتعلّق الحقّ كي تترتّب عليه الأحكام فلا

 
الصفحة 122

ينبغي الشكّ في أنّ هذا الأمر الاعتباريّ هو من سنخ نفس الأمر الاعتباريّ الذي يعتبره العقلاء باسم الملك، فإنّ الدافع العقلائيّ لكلا الاعتبارين واحد، وهو إيجاد ربط بين الإنسان وما هو منفصل عنه من عين أو عمل أو منفعة يحلّ محلّ الربط التكوينيّ الموجود بين الإنسان وما هو متّصل به من جوارحه وأعماله، ويكون استنساخاً لتلك العلقة التكوينيّة التي إن شئت فسمّها بالسلطنة، و إن شئت فسمّها بالإحاطة، أو بأيّ اسم آخر، وهذا الخلق والاعتبار من قِبل العقلاء ـ سواء كان بملاك تنظيم الأحكام المترتّبة عليه أو بملاك صعوبة تصوّرهم لترتّب تلك الأحكام على ما هو منفصل عن الإنسان من دون فرض ربط وعلقة بينه وبين الانسان ـ من سنخ العلقة والربط الموجود بين الإنسان وجوارحه وأعماله، والتي كانت تترتّب على الجوارح والأعمال بنكتة تلك العلقة. ولا معنى لافتراضه في باب الملك شيئاً وفي باب الحقّ شيئاً آخر، فهو في كليهما استنساخ عن العلقة التكوينيّة الثابتة بين الإنسان وجوارحه، أو الإنسان وأعماله، وهي السلطنة، وإنّما الفرق يكون في سعة وضيق الأحكام التي تترتّب على هذه السلطنة الاعتباريّة، أو شدّة الأهمّية وضعفها، فالأحكام المترتّبة في باب الملك واسعة أو مهمّة، وفي الحقّ تكون في دائرة ضيّقة أو أقلّ أهمّية، وهذا يعني صحّة ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ الحقّ هو المرتبة الضعيفة من الملك، وذلك لا بالمعنى الفلسفيّ للشدّة والضعف الذي أورد عليه المحقّق الإصفهانيّ بعدم معقوليّة ذلك في مفهوم الملك، بل بمعنىً عرفيّ يقصد به كون اعتبار السلطنة بلحاظ دائرة واسعة من التصرّفات أو دائرة أهمّ تارةً، وبلحاظ دائرة ضيّقة أو أقلّ أهمّيّة تارةً اُخرى. والمقصود هو السعة والضيق أو الأهمّية وعدم الأهمّية بلحاظ الطبيعة الأوّليّة للاُمور، وبقطع النظر عن الطوارئ والموانع. فلا يرد على ذلك النقض بأنّ

 
الصفحة 123

الآثار المترتّبة على الملك من جواز التصرّف أو نفوذه قد تضيق أو تنعدم نهائيّاً بالنسبة للمالك كما في حالات الحجر.

وعلى هذا، فالحقّ عبارة عن سلطنة ضعيفة من سنخ السلطنة الموجودة بمرتبة أقوى في الملك، ولا اُريد أن أنكر بهذا الفارق اللغويّ الموجود بين الملك والحقّ وهو أنّ الحقّ لوحظ فيه لغويّاً فرض النظر إلى المحقوق عليه، بينما لم تشرّب كلمة (الملك) بفرض المملوك عليه، فالملك رابطة بين المالك والمملوك بلا حاجة إلى المملوك عليه وإن كان وجود المملوك عليه ضروريّاً من الناحية التعليليّة في الملك كما في الحقّ تماماً، أي أنّه لو لم يكن في العالم إلاّ شخص واحد يتصرّف فيه كما يشاء لم تكن حاجة إلى اعتبار الملكيّة وفرض السلطنة الاعتباريّة له، وإنّما وقعت الحاجة إلى ذلك بلحاظ وجود الآخرين، فيفترض عندئذ كلّ شخص مالكاً لشي كي لا تجوز للآخرين مزاحمته في ملكه، فالملك أيضاً في واقعه حقّ على الآخرين ولكن لم ينظر إلى ذلك في مفهوم الملك لغويّاً، بينما نظر إليه في مفهوم الحقّ، وهذا لا يعدو أن يكون فارقاً لغويّاً بين المفهومين لا فارقاً ماهويّاً بين السلطنتين.

والخلاصة: أنّه بناءً على افتراض الحقّ اعتباراً عقلائيّاً يربط بين ذي الحقّ ومتعلّق الحقّ يكون الصحيح ما قاله المحقّق النائينيّ من أنّه درجة خفيفة من الملك.

 

تفسير الحقّ في الفقه الوضعي:

والمعروف في الفقه الغربيّ عدم التمييز بين الملك والحقّ، واعتبار الملك مصداقاً من مصاديق الحقّ.

والحقّ بهذا المعنى قد يكون صادقاً في بعض الحقوق كحقّ الولاية، ولكنّه

 
الصفحة 124

لا يصدق حتماً في جميع الحقوق كحقّ الأولويّة في مَن سبق في إشغال مكان في الأوقاف العامّة. فمن الواضح أنّ العقلاء لا يوجدون بالخلق والاعتبار رابطة بين هذا الإنسان والمكان الذي أشغله، ولا يوجد هنا عدا الحكم التكليفيّ من جواز بقائه في المكان واستمراره في الاستفادة منه، وعدم جواز مزاحمة الآخرين له وإزاحتهم إيّاه إلى أن ينتقل هو من المكان، وما ينتزع من ذلك وهو عنوان اختصاصه بهذا المكان، فهذا المعنى الأوّل للحقّ وهي السلطنة الاعتباريّة قد يكون صحيحاً في الجملة.

ولكن يوجد في المقام منحىً ثان لتفسير الحقّ بما هو أوسع مصداقاً وأعمّ تطبيقاً من المعنى الأوّل، وهو تفسيره بأمر انتزاعيّ ينتزع من الأحكام التكليفيّة من الجواز وعدمه، والوضعيّة من النفوذ وعدمه، لا بأمر اعتباريّ جعل موضوعاً لتلك الأحكام، وذلك الأمر الانتزاعيّ عبارة عن عنوان اختصاص متعلّق الحقّ بذي الحقّ.

وقد فسّر الاُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء الحقّ بذلك حيث قال: «الحقّ هو اختصاص يقرّر به الشرع سلطةً أو تكليفاً»(1)، وبكلمة (الاختصاص) تخرج العلاقة التي لا اختصاص فيها كإباحة الاصطياد والاحتطاب من البراري وحيازة المباحات وحقّ الانتخاب وما إلى ذلك.

وهذا المنحى في تعريف الحقّ يشمل مثل حقّ الولاية، ومثل حقّ الأولويّة في مَن سبق إلى مكان في الوقف العامّ، وسائر الحقوق الاُخرى.

ويقصد بكلمة (السلطة) في التعريف ما يرجع إلى تصرّف نفس الولىّ كما في حقّ الولاية على النفس، حيث يمارس الوليّ فيه سلطته على القاصر تأديباً


(1) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: 11 الفقرة 3.

الصفحة 125

وتطبيباً وتعليماً وإيجاراً وتزويجاً وغير ذلك. وكما في حقّ الملكيّة حيث يمارس الإنسان سلطته على الشي المملوك. وكحقّ الشفعة حيث يمارس الإنسان فيه سلطته على حصّة الشريك المشتراة بضمّها إلى ملكيّة نفسه. والاُستاذ الزرقاء يتّبع في مصطلحه في (الحقّ) الفقه الغربيّ في جعل الملك مصداقاً من مصاديق الحقّ.

ويقصد بكلمة (التكليف) في التعريف ما يرجع إلى تصرّف مَن عليه الحقّ من قبيل حقّ المستأجر على الأجير الموجب لقيام الأجير بعمله، وحقّ الدائن على المدين الذي هو حقّ قيام المدين بوفاء الدَين.

وفي المقام معنىً ثالث للحقّ أوسع وأعمّ تطبيقاً من المعنين الأوّلين، وهو نفس الجواز التكليفيّ أو الجواز الوضعيّ بمعنى النفوذ، فهذا يشمل حتى مثل حقّ الاصطياد والاحتطاب والحيازة وحقّ الانتخاب وما إلى ذلك.

وعلى أيّة حال فهذا المنحى من البحث الذي بحثناه حتى الآن وهو البحث عن تعريف الحقّ وإن كانت له قيمته من زاوية فقه الحقوق ولكن لا أثر عمليّ فقهيّ يترتّب عليه.

وإنّما الأثر العمليّ يترتّب على منحىً ثان من البحث، وهو ما قد يسمّى ببحث الفرق بين الحقّ والحكم، وهو البحث عن الآثار المعروفة التي قد ترتّب على الحقّ.

 

الآثار المعروفة للحقّ:

وهي ثلاثة:

الأوّل ـ جواز الإسقاط.

الثاني ـ جواز النقل.

الثالث ـ الانتقال بالإرث.

 
الصفحة 126

(الأوّل) جواز الاسقاط:

وقد أفاد المحقّق النائينيّ : أنّ قوام الحقّ بقبول الإسقاط، لأنّ الحقّ عبارة عن السلطنة، ولولا جواز الإسقاط لم يكن هذا سلطنة لذي الحقّ، بل هو حكم مفروض عليه، فإنّ السلطنة تعني كون زمام أمر الشيء بيده(1).

وهذا الاستدلال غريب، فإنّ السلطنة على الشيء تعني كون زمام أمر ذلك الشيء الذي هو متعلّق للسلطنة بيده، ولا تعني كون زمام أمر تلك السلطنة من الإسقاط وعدمه بيده.

ولا أدري لماذا لا يقول أيضاً بأنّ قوام الحقّ يكون بقبول النقل، لأنّ جواز النقل وعدمه أيضاً نوع من كون زمام أمر تلك السلطنة بيد الإنسان؟!

(الثاني والثالث) جواز النقل والإرث:

وأفاد المحقّق النائينيّ بالنسبة للنقل والإرث: أنّ الحقوق ليست كلّها على حدّ سواء:

فمنها: ما لا يقبل غير الإسقاط كحقّ القذف.

ومنها: ما يقبل النقل إلى الغير إمّا بلا عوض كحقّ القسم على ما ذكره جماعة فهو ينقل إلى الضرّة ولا يجوز أخذ العوض(2)، أو ينقل بعوض كحقّ التحجير.

وما يقبل النقل قد يقبل النقل إلى كلّ أحد كحقّ التحجير، وقد لا يقبل النقل إلاّ إلى بعض الناس كحقّ القسم الذي لا يقبل النقل إلاّ إلى الضرّة.


(1) راجع منية الطالب 1: 42.

(2) لم نعرف السببب في عدم جواز أخذ العوض في المقام.

الصفحة 127

ومنها: ما يقبل الانتقال بالإرث لا النقل، كالخيار، فالبايع مثلا لو كان له خيار الفسخ لإرجاع العين فلا معنى لنقل خياره إلى شخص آخر، إذ لا معنى لإرجاع العين المبيعة إلى شخص آخر، ولكن انتقاله إلى الوارث في محلّه لدخوله تحت عنوان التركة.

والحقّ القابل للنقل لا يقبل النقل إلى مَن هو عليه لنكتة عامّة في جميع موارده، ولنكات خاصّة في بعض الموارد. أمّا النكتة العامّة في جميع موارده فهي عدم إمكان وحدة المسلّط والمسلّط عليه. وأمّا النكات الخاصّة فمن قبيل أنّ حقّ الرهانة سلطنة للمرتهن على العين المرهونة ليستوفي منها دَينه، ولا يتصوّر ذلك في الراهن كي يعقل نقله إليه، وحقّ الشفعة سلطنة بها يقدر الشريك على أخذ الحصّة المشتراة، ولا يتصوّر ذلك في المشتري نفسه كي ينقل إليه، وحقّ الخيار بالنسبة للبايع مثلا يعني حقّ تملّكه للمبيع، ولا معنى لنقل هذا الحقّ إلى المشتري بأن يكون له حقّ تملّك المبيع(1). انتهى ما أردنا نقله عن المحقّق النائينيّ .

وللسيّد الإمام (2) إشكال على مثل دعوى عدم إمكان نقل حقّ القسم إلى غير الضرّة لعدم معقوليّة انتقال حقّ المضاجعة إلى غير الزوجة، وهو أنّ معنى انتقال حقّ القسم إلى إنسان آخر غير الزوجة ليس هو امتلاكه لحقّ المضاجعة بمعنى مطالبته لذاك الرجل بمضاجعته معه، وإنّما معنى ذلك أنّ حقّ المضاجعة الذي كان لتلك الزوجة صار أمره بيد من نقل إليه الحقّ، فبإمكانه مثلا إسقاطه وبإمكانه إعطاؤه لإحدى الضرّات الاُخرى، أو مصالحته مع إحدى الضرّات على


(1) منية الطالب 1: 42 - 43.

(2) راجع كتاب البيع 1: 28.

الصفحة 128

الحقّ الذي صار بيده، وكذلك حقّ الشفعة قابل للانتقال إلى المشتري بمعنى أن يكون له حقّ ضمّ الحصّة المشتراة إلى ملك الشريك، وليس بمعنى حقّ أن يمتلك هو تلك الحصّة حتى يقال: إنّ هذا غير معقول، لأنّ تلك الحصّة هي ملك له.

وبهذا يتّضح أنّ ما ذكره المحقّق النائينيّ من عدم إمكان نقل الخيار من البائع إلى المشتري ـ إذ لا معنى لتملّك المشتري للعين المبيعة، لأنّها ملكه ـ في غير محلّه، فإنّ جواب السيّد الإمام الذي نقلناه يسري هنا بأن يقال: إنّ معنى انتقال الخيار إلى المشتري هو أن يكون له حقّ إرجاع العين إلى البائع لا حقّ تملّكها، كي لا يعقل ذلك بالنسبة للمشتري، ولك أن تقول: إنّ الخيار للبائع لا يعني حقّ تملّك العين المبيعة بالذات، وإنّما يعني حقّ فسخ العقد، وهذا كما يتصوّر بشأن البائع يتصوّر بشأن المشتري.

كما أنّ ما ذكره المحقّق النائينيّ من عدم معقوليّة نقل الخيار إلى شخص ثالث ـ لأنّ الخيار يعني حقّ إرجاع العين إلى ملك المالك الأوّل بالفسخ ولا يعقل إرجاعها بالفسخ إلى ملك الأجنبيّ ـ غير صحيح، لأنّه يرد عليه ما أفاده السيّد الإمام ، حيث ذكر: أنّ لصاحب الخيار سلطنة على الفسخ والإمضاء، ولازم الفسخ رجوع كلّ من العين والثمن إلى محلّه الأوّل، وهذا المعنى قابل للنقل إلى الغير سواء كان هو الأجنبيّ أو طرف المعاملة، وليس نقله إلى الأجنبيّ أو طرف المعاملة إلاّ كجعل الخيار ابتداءً للأجنبيّ أو لطرف المعاملة، فلو فسخ ذاك الأجنبيّ كانت نتيجة الفسخ رجوع كلّ من العوضين إلى ملك مالكه الأوّل لا إلى ملك الأجنبيّ(1).


(1) كتاب البيع 1: 27 - 28.

الصفحة 129

نقل الحقّ إلى مَن هو عليه:

وأمّا ما أفاده المحقّق النائينيّ من أنّ نقل الحقّ إلى من هو عليه غير معقول لعدم إمكان وحدة المسلّط والمسلّط عليه، فهو منقوض ببيع الدين على من هو عليه.

وقد أجاب الشيخ الأنصاريّ عن هذا النقض بأنّ الحقّ متقوّم بالمحقوق عليه، فلا يمكن نقله إلى المحقوق عليه للزوم اتّحاد ذي الحقّ والمحقوق عليه، ولكن الملك غير متقوّم بغير المالك والمملوك، فيمكن نقل الدَين الذي في ذمّة المدين إلى المدين، فيملك الدَين فيسقط(1).

واعترض عليه المحقّق النائينيّ بأنّه إذا فرضنا تقيّد الدَين المملوك بالذمّة فأيّ أثر للقول بأنّ الملك لا يتقوّم إلاّ بطرفين: المالك والمملوك؟ بينما الحقّ بحاجة إلى المحقوق عليه، فيلزم اتّحاد ذي الحقّ والمحقوق عليه!! فإنّه بعد فرض تقيّد الدَين بالذمّة من الواضح وقوع الحاجة إلى المملوك عليه، فلزم اتّحاد المالك والمملوك عليه، فلا فرق في الإشكال بين الموضعين(2).

وقد نقل عن المحقّق النائينيّ جوابان(3) على هذا النقض.

(الجواب الأوّل) يتركّز ابتداءً على تحليل حقيقة المبيع في بيع الدَين الذي هو بيع للكليّّ، حيث يقال: إنّ المبيع ليس متقوّماً ومتقيّداً بالذمّة، إذ لا شكّ في إمكان تطبيق الكلّي المبيع في بيع الكلّيّ على ما في الخارج لدى الوفاء، والمتقيّد بالذمّة لا يقبل الانطباق على ما في الخارج، وبهذا البيع يصبح المدين مالكاً على


(1) المكاسب 1: 79 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) المكاسب والبيع للشيخ الآمليّ 1: 96، منية الطالب 1: 43.

(3) على ما في منية الطالب 1: 43، واقتصر في تقرير الشيخ الآمليّ 1: 95 على الجواب الثاني.

الصفحة 130

الدائن كلّيّاً منطبقاً تماماً على ما في ذمّته هو، وبهذا الانطباق القهريّ على ما في ذمّته تفرغ ذمّته، فهذا شبيه بالتهاتر، وليس تهاتراً، فإنّ التهاتر يعني سقوط الدَينين بالتقابل، بينما في المقام قد سقط الدَين بانطباق الكلّيّ المبيع عليه قهراً.

(والجواب الثاني) يبدأ بالتركيز على معرفة حقيقة ما في ذمّة المدين من الدَين، حيث يقال: إنّ الدَين الذي في ذمّة المدين ليس عبارة عن المال المتقوّم والمتقيّد بالذمّة، وإلاّ لزم عدم إمكان تطبيقه على ما في الخارج وقت الأداء، وإنّما الذي في ذمّة المدين عبارة عن ذات المال من دون تقيّد بالذمّة، وليس الكليّّ المتقيّد بالذمّة في الذمّة ومستحقّاً عليه، وإنّما ذات الكلّيّ هو المستحَقّ عليه، وبهذا الاستحقاق اعتبرت الذمّة، فحينما باعه الدائن على المدين فقد باعه ذات الكلّي لا الكلّي المقيّد بما في الذمّة حتى يلزم اتّحاد المالك والمملوك، وقد ترتّبت على هذا البيع براءة ذمّته.

وفي أكبر الظنّ أنّ المقصود الحقيقيّ للمحقّق النائينيّ هو ما جاء في الجواب الثاني والذي ذكر مشروحاً في تقرير الشيخ الآمليّ مقتصراً عليه وأنّ ما جاء في منية الطالب من ذكر الجواب الأوّل مشروحاً ثمّ الإشارة إلى الجواب الثاني بشكل مختصر ناتج عن تشويش البيان أو تشويش التقرير، وذلك لأنّ ما جاء في الجواب الأوّل ـ من أنّ المبيع الكلّي لا بدّ أن لا يتقيّد بالذمّة كي يمكن تطبيقه على ما في الخارج لدى الوفاء ـ لا علاقة له بمورد البحث، إذ لا تطبيق على ما في الخارج لدى الوفاء في بيع الدَين، وإنّما المفروض حصول الوفاء بنفس سقوط الدَين قهراً، فهذا الكلام إنّما يناسب غير بيع الدَين من موارد بيع الكليّّ، وليس المفروض في باب بيع الدَين بيع كليّّ أجنبيّ ينطبق قهراً على الدَين، وإنّما المفروض فيه هو بيع الدَين نفسه.

 
الصفحة 131

على أن هناك إشكالا يرد على فرض هذا الانطباق ـ لو قيل به ـ وهو أنّه لا يوجد محتوىً حقيقيّ لفرض انطباق الكلّي المبيع على الدَين، لأنّ هذا يعني انطباق الرمز على الرمز بينما الرمز لا ينطبق إلاّ على ذي الرمز.

وعلى أ يّة حال فالجواب الثاني في المقام أكثر معقوليّة في نفسه من الجواب الأوّل، إلاّ أنّه مع هذا لا يصلح لإثبات كون المبيع هو ذات الكلّي لا الكلّي المتقيّد بالذمّة، فصحيح أنّ ما هو موجود في ذمّة المدين هو ذات الكلّي لا الكلّي المتقيّد بكونه في الذمّة، لأنّ المحمول لا يؤخذ قيداً في مرتبة الموضوع، ولكن البيع الطارئ على هذا الكلّي إنّما طرأ على الكلّي المقيّد بالذمّة، ففرق كبير بين طروّ الدخول في الذمّة على الكلّي وبين طروّ البيع على الكلّي الذي دخل في الذمّة، فالدخول في الذمّة لا يطرأ على الكلّي الذي هو داخل في الذمّة، وإنّما يطرأ على ذات الكلّي، ولكن بيع الدين ـ لا محالة ـ هو بيع للكلّي الذي هو في الذمّة.

والآن فلنفترض أنّ الكلّي الذي باعه على المدين هو ذات الكلّي لا الكلّي الذي في ذمّته سواء قرّب ذلك بالوجه الأوّل أو بالوجه الثاني، ولكنّنا نقول: إنّه هل امتلك المدين بالنتيجة الكلّي الذي في ذمّته ولو بسبب انطباق ذاك الكلّي على ما في ذمّته مثلا، أو امتلك كلّيّاً على البائع من دون انطباقه على ما في ذمّته؟ فعلى الأوّل لزم تملّك الشيء على نفسه واتّحاد المالك والمملوك عليه ولو بعد الانطباق، وعلى الثاني لزم عدم مبرّر لسقوط ما في ذمّته إلاّ بالتهاتر، وهو خلف المفروض.

ثمّ إنّ الجواب الثاني لو تمّ لتمّ في باب الحقّ أيضاً، ولم يصلح فارقاً بين نقل الحقّ إلى مَن عليه الحقّ وبيع الدين على مَن هو عليه، إذ كما أنّ ما في ذمّة المدين هو ذات الكلّي لا الكلّي المتقيّد بكونه في ذمّته كذلك ما ثبت على المحقوق عليه من متعلّق الحقّ إنّما هو ذات متعلّق الحقّ لا المتعلّق بقيد كونه ثابتاً عليه.

 
الصفحة 132

والواقع: أنّ أصل الإشكال في نقل الحقّ إلى مَن هو عليه وبيع الدَين على مَن هو عليه والوجوه التي ذكرت للفرق بينهما لا تخلو كلّها عن كونها دوراناً في عالم الألفاظ، وحقيقة الأمر هي أنّ امتلاك كلّ شيء بحسبه، فامتلاك شخص لذمّة شخص آخر يعني انشغالها للشخص المالك، وامتلاكه لذمّة نفسه يعني فراغ ذمّته، وبيع الدَين على مَن هو عليه أمر عرفيّ لا يقصد به إلاّ تمليك ذمّته إيّاه وامتلاكه لذمّته عين فراغها، وكذلك بيع الحقّ على مَن عليه الحقّ يعني رجوع الحقّ أو متعلّقه إليه وهو عين سقوطه.

وعلى أيّة حال فلم نعرف من كلام المحقّق النائينيّ ضابطاً محدّداً لقبول الحقّ للنقل أو الإرث وعدمه.

 

نفي الفرق الجوهري بين الحقّ والحكم:

والذي يستفاد من المطالب المنقولة عن السيّد الخوئي (1) في المقام هو أنّه لا فرق بين الحقّ والحكم عدا مجرّد اصطلاح، حيث اصطلح على الحكم القابل للإسقاط باسم الحقّ، فلم يرَ السيّد الخوئيّ مجالا للبحث عن كون شيء مّا حقّاً وعدمه لنثبت بذلك قبوله للإسقاط أو النقل أو الإرث وعدمه، بل لا بدّ في كلّ حكم من الرجوع إلى الأدلّة الواردة بشأن ذلك الحكم، فإن ورد ما دلّ على جواز إسقاطه أو نقله أو عدم جواز ذلك أخذنا به، وإلاّ فبالنسبة للإسقاط يكون مقتضى إطلاق دليل ذلك الحكم ـ لو كان له إطلاق لما بعد الإسقاط ـ هو عدم السقوط بالإسقاط. ولو لم يكن له إطلاق، فإن آمنّا باستصحاب بقاء الحقّ بعد إسقاطه ثبت أيضاً عدم نفوذ الإسقاط، وإن لم نؤمن بهذا الاستصحاب ـ إمّا لعدم الإيمان


(1) راجع المحاضرات 2: 20 - 24، ومصباح الفقاهة 2: 45 - 51.

الصفحة 133

بالاستصحاب في الحكم الكلّي الشرعيّ وإمّا لتعليقيّة الاستصحاب في ما إذا كان الحكم المشكوك قابليّته للإسقاط وضعيّاً لا تكليفيّاً ـ فعندئذ يكون مقتضى القاعدة هو سقوط الحقّ بالإسقاط، لأنّ المتيقّن من ثبوته هو ما قبل الإسقاط، أمّا بعد الإسقاط فنرجع إلى دليل عدم جواز التصرّف في مال الغير بلا رضاه، وإنّما رفعنا اليد عن هذا الدليل قبل الإسقاط لتقدّم دليل الحقّ عليه، والمفروض عدم ثبوت إطلاق له لما بعد الإسقاط.

وأمّا بالنسبة للنقل فمقتضى الأصل العمليّ ـ بعد فرض عدم دليل خاصّ على جوازه ـ عدم صحّة النقل، لأنّ دليل الحقّ إنّما دلّ على ثبوته على صاحبه الأوّل، ولم يدلّ على ثبوته للمنقول إليه، بل قد يقتضي الأصل اللفظيّ أيضاً عدم جوازالنقل، وذلك كما في حقّ الفسخ، فإنّ أكل المال بفسخ الشخص الثاني غير من كان له الفسخ أوّلا يكون خلاف إطلاق دليل حرمة أكل مال الغير إلاّ بالتجارة عن تراض.

وأمّا الإرث فهو يتبع النقل، فإنّ ما يقبل النقل ولا يكون متقوّماً بالشخص الأوّل يبقى بعد موته ويصدق عليه عنوان التركة، ومع الشكّ في ذلك نكون قد شككنا في انتقاله إلى الوارث، ومقتضى الأصل عدم انتقاله إليه.

هذه خلاصة كلام السيّد الخوئيّ ، ومقتضاه أيضاً عدم وجود مميّز موضوعيّ نميّز به الحقّ عن الحكم بشكل يقع في طريق معرفة جواز الإسقاط أو النقل أو الإرث.

ضابطة التمييز بين الحقّ والحكم:

وذكر اُستاذنا الشهيد : أنّه من الواضح المرتكز لدى العقلاء أنّ الحقّ قابل للإسقاط بخلاف الحكم، والتفتيش عن ضابط ذلك يكون بأحد وجوه ثلاثة:

 
الصفحة 134

الأوّل: أن يفتّش عن موارد الحقّ وموارد الحكم، أي عن التشريعات القابلة للإسقاط والتشريعات غير القابلة له، ثمّ يؤخذ جامع بين الطائفة الاُولى وجامع بين الطائفة الثانية، وهذا لا يفيدنا في مقام استنباط الأحكام، وإنّما هو شيء في طول الاستنباط، وإنّما أثره تنظيم الاستنباط والتطبيق لكبريات المطلب بعد الفراغ عن مجموعة الاستنباطات.

الثاني: أن يفتّش عن الموارد التي دلّ الدليل على قابليّة الإسقاط فيها فتستكشف نكتة مشتركة عن تلك الموارد فيحكم بالحقّيّة على كلّ تشريع مشتمل على تلك النكتة ولو لم يدلّ دليل خاصّ فيه على الحقّيّة وقابليّة الإسقاط، وهذا لو تمّ يفيدنا في مقام الاستنباط، إلاّ أنّ هذا الاستقراء حجّيته موقوفة على إيراثه للقطع، إذن ففي غالب الظنّ سوف لن يفيدنا هذا الاستقراء خصوصاً إذا وجدت مادّة أو مادّتان للنقض وانخرام القاعدة.

الثالث: أن ننظر إلى المرتكزات والتشريعات العقلائيّة بقطع النظر عن الأحكام الشرعيّة، فقد نستكشف النكتة المشتركة عن طريق الرجوع إلى الارتكازات العقلائيّة وهذا يفيدنا فى مقام الاستنباط بعد إعطاء تلك طابع الشرعيّة بأحد وجوه ثلاثة:

الأوّل: إثبات إمضائها عن طريق عدم الردع على حدّ إمضاء سائر السِيَر العقلائيّة.

الثاني: الرجوع إلى ظاهر أدلّة التشريعات بعد تحكيم تلك الارتكازات في ظهورها، فدليل الخيار مثلا لا يبقى له ظهور في الإطلاق لمابعد الإسقاط بعد الالتفات إلى الارتكاز العقلائيّ القائل بقبوله للإسقاط، فإنّ الارتكازات العقلائيّة تتحكّم في الظهورات كما تتحكّم فيها الأوضاع اللغويّة.

 
الصفحة 135

إلاّ أنّ الصحيح: أنّ هذا الوجه لا يثبت الإمضاء، إذ غاية ما يثبت به هو عدم الإطلاق لتلك الأدلّة لما بعد الإسقاط. وأمّا السقوط بالإسقاط فلا يثبت بها، بل يبقى مشكوكاً يجب الرجوع فيه إلى القواعد.

الثالث: الرجوع إلى الأخبار الظاهرة في الإمضاء كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر قال: «قلت له : رجل جنى إليَّ أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان؟ قال : هو حقّك، إن عفوت عنه فحسَن، وإن رفعته إلى الإمام فإنّما طلبت حقّك، وكيف لك بالإمام»(1). فهذا ظاهر في ذكر الصغرى والإحالة في الكبرى على الارتكاز العقلائيّ، فيدّل على إمضائه بحدوده العقلائيّة.

ثمّ إنّ هذا الطريق ـ أعني التمسّك بالسيرة العقلائيّة مع إثبات الإمضاء بعدم الردع أو بالرجوع إلى الأخبار الظاهرة في الإمضاء ـ لا يضرّه وجود بعض الموادّ للنقض وانخرام القاعدة، فتلك الموارد تعتبر ردعاً عن السيرة، وهذا لا ينافي الإمضاء في الموارد الاُخرى بالسكوت أو بتلك الأخبار.

ومع وجود هذا الطريق لا ننتهي إلى ما انتهى اليه السيّد الخوئيّ من انغلاق باب البحث عن كون شيء مّا حقّاً وعدمه بنحو منتج فقهيّاً. هذا تمام ما أردنا نقله عن اُستاذنا الشهيد .

ولا يخفى أنّ إثبات الإمضاء بعدم الردع وإثباته بمثل ما مضى من صحيح محمّد بن مسلم كلاهما ينتجان جواز الإسقاط بمستوىً واحد، ولا يتوهّم أنّ نتيجة الثاني أوسع من الأوّل باعتبار ظهور الحديث في أنّ موضوع جواز الإسقاط هو الحقّ، وهو يشمل حتى الحقّ الذي ليس في ارتكاز العقلاء قابلا للإسقاط كحقّ الولاية.


(1) الوسائل 18: 329، الباب 17 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1.

الصفحة 136

والوجه في منع هذه السعة في نتيجة الثاني هو أنّنا إمّا أن نقول: إنّ ما لا يقبل الإسقاط في نظر العقلاء لا يسمّى حقّاً عندهم، أو نقول: إنّه يسمّى حقّاً رغم عدم قبول الإسقاط، فإن قلنا بالأوّل فعدم شمول الحديث له واضح، وليس القول بعدم تسميته حقّاً منافياً لما مضى منّا من فرض الولاية حقّاً إمّا بمعنى السلطنة الاعتباريّة أو بمعنى الاختصاص المنتزع من الأحكام، فإنّنا هناك كنّا نتكلّم عن الحقيقة الفلسفيّة لمغزى الحقّ مع غضّ النظر عن مثل الإسقاط أو النقل، ونعتقد أنّ الحقّ في سائر الموارد إن كان سلطنة اعتباريّة أو أمراً انتزاعيّاً من الأحكام وهو عنوان الاختصاص، فنفس هذه الحقيقة موجودة في مثل الولاية رغم قبولها للإسقاط، وهذا لا ينافي أن يفترض في المقام أخذ قيد جواز الإسقاط عقلائيّاً في المفهوم اللغويّ والعرفيّ لكلمة الحقّ.

وإن قلنا بالثاني ـ أي أنّنا افترضنا أنّ مثل الولاية أيضاً تسمّى في نظر العرف حقّاً رغم عدم قبولها للإسقاط في ارتكاز العقلاء ـ فأيضاً نقول: إنّ مثل صحيح محمّد بن مسلم لا يشمل ذلك، لما مضى عن اُستاذنا الشهيد من (أنّه ظاهر في ذكر الصغرى والإحالة في الكبرى على الارتكاز العقلائيّ) فهو إنّما يدلّ على سراية الحكم من المورد إلى سائر الحقوق في حدود الارتكاز العقلائيّ لا أكثر، فإنّ الارتكازات العقلائيّة مؤثّرة كالدلالات اللغويّة في تحديد الظهورات.

ويمكن أن يقال في بعض ما لا يقبل الإسقاط كحقّ الولاية وحقّ الحضانة: إنّه لم يكن فقط حقّاً لمن يمارس السلطة كي يشمل قوله: «هو حقّك إن عفوت عنه فحسَن» بل هو حقّ أيضاً للمولّى عليه أو الطفل.

 

الضابط العقلائيّ لجواز الإسقاط:

وإذا أردنا التفتيش عن الارتكازات العقلائيّة فخير ما اُفيد كضابط لجواز

 
الصفحة 137

الإسقاط وعدمه هو ما يمكن استنباطه من كلام المحقّق الإصفهانيّ (1) من أنّ ما كان في نظر العقلاء لرعاية حال من اُعطي الأمر بيده، ولأجل مصلحته كحقّ التحجير وحقّ الخيار وما شابه ذلك، فهو قابل للإسقاط في نظرهم، وكلّما لم يكن كذلك فهو غير قابل للإسقاط من قبيل الولاية المجعولة لمصلحة المولّى عليه لا لمصلحة الولي، والوصاية التي أعطاها الميّت للوصيّ حفاظاً على مصلحته هو لا حفاظاً على مصلحة الوصيّ.

وبهذا يظهر الفرق بين الأمثلة التي ذكرها السيّد الخوئيّ ، وجعل وضوح عدم الفرق بينها شاهداً على ما قال من عدم الفرق بين الحقّ والحكم. فقد جاء في المحاضرات: وممّا يشهد لما ذكرناه ـ من أنّ الحقّ هو الحكم بعينه ـ أ نّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكميّ غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجانيّ قصاصاً، وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع من له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكميّ والثاني حقّي(2).

وجاء في مصباح الفقاهة: «فاعطف نظرك هل ترى فارقاً بين جواز قتل المشرك الذي يسمّى حكماً شرعيّاً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الذي يسمّى حقّاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط؟ ثمّ ارجع البصر كرّتين هل ترى فارقاً بين حقّ الحضانة والاُبوّة والولاية وأشباهها ممّا لا يقبل الإسقاط، وبين حقّ الشفعة وحقّ الخيار القابلين للإسقاط؟ فافهم واغتنم»(3).


(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 12.

(2) المحاضرات 2: 21.

(3) مصباح الفقاهة 2: 46.

الصفحة 138

أقول: إنّ الفرق أصبح واضحاً بالبيان الذي ذكرناه، فجواز القتل قصاصاً كان لأجل وليّ الدم ولمصلحته، وجواز قتل الكافر كان لخسّة الكافر وعدم حرمته. وجواز الفسخ بالخيار كان في نظر العقلاء لمصلحة الفاسخ. وكلمة الخيار الواردة في لسان الأدلّة تعني اختيار صاحب الحقّ، وتشير ـ في الفهم العرفيّ ـ إلى النظر إلى مصلحة ذي الحقّ، وعندئذ يحكم الارتكاز العقلائيّ بقبوله للإسقاط، بينما لم يعبّر عن جواز فسخ الهبة في لسان الدليل بعنوان خيار للواهب، بل فرض حالة راجعة إلى ذات الهبة، وهي كونها عقداً متزلزلا. ولا يفهم من هذا اللسان أنّ الجواز إنّما جعل لأجل الواهب ولصالحه وإن كان حقّ الحضانة قد لوحظت فيه مصلحة الاُمّ، فلا إشكال في أنّه ليس متمحّضاً في مصلحة الاُمّ، بل لوحظت فيه مصلحة الطفل أيضاً بلا شكّ، وهذا بخلاف حقّ الشفعة وحقّ الخيار. وبهذا يظهر الكلام في مثل حقّ الاُبوّة أو الولاية وأشباههما. هذا كلّه في جواز الإسقاط.

 

الضابط العقلائي لجواز النقل والإرث:

وأمّا جواز النقل أو الإرث فأيضاً يمكن أن يستنبط من كلام المحقّق الإصفهانيّ (1) له ضابط ارتكازيّ للعقلاء، وهو أنّه إن وجدت في ذي الحقّ خصوصيّة ترى بالنظر العقلائيّ أنّها مقوّمة للحقّ لم يجز نقله إلى غيره ممّن لا يملك تلك الخصوصيّة، وإن نفيت مقوّميّة الخصوصيّة بالنظر العقلائيّ جاز.

فحق الولاية المعطى للحاكم أو للأب يُرى عقلائيّاً أنّه لخصوصيّة في الحاكم أو الأب، فلا معنى لنقله إلى الغير. وكذلك حقّ الوصاية التي أوكلها الميّت


(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 12.

الصفحة 139

إلى شخص إنّما أوكلها إليه لخصوصيّة فيه ونظر الميّت إليه بالخصوص، فلا معنى لنقله إلى غيره. وحقّ الشفعة المجعول للشريك يرى أنّ التضرّر اللاحق به مقوّم له، فلا معنى لنقله إلى غيره. وحقّ الرهانة يُرى أنّ حاجة الدائن للوثيقة بالنسبة لدَينه مقوّمة لثبوته له، فلا معنى لنقله إلى غيره، وهذا بخلاف حقّ التحجير مثلا، فهو يقبل النقل لعدم وجود خصوصيّة مقوّمة في بقائه لنفس المحجّر عقلائيّاً.

وكلام المحقّق الإصفهانيّ ليس كاملا في بلورة هذه الفكرة، فقد جاء في كلامه ما لا يمكن المساعدة عليه، من قبيل: أنّ حقّ الشفعة لا يمكن نقله إلى المشتري، لأنّ سلطنة الشخص على تملّك ما ملكه غلط: وأنّ حقّ الرهانة لا يمكن نقله إلى غير الدائن; لأنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فلا ينقل إلى الغير إلاّ بتبع نقل الدَين إلى الغير فينقل حقّ الرهانة تبعاً. وأنّ حقّ القسم يمكن انتقاله إلى الضرّة ولكن لا يمكن انتقاله إلى الوارث، إذ لا يعقل قيام الوارث مقام الزوجة في هذا الحقّ، ولا يعقل استفادته من هذا الحقّ.

وهذا كلّه يرد عليه ما مضى عن السيّد الإمام من أنّه بالإمكان انتقال حقّ القسم إلى غير الضرّة بأن يكون بيده أمر هذا الحقّ من إسقاطه أو إيقاع المصالحة عليه مع إحدى الضرّات ونحو ذلك. وبالإمكان انتقال حقّ الشفعة إلى المشتري بأن يكون أمر إرجاع تلك الحصّة إلى الشريك المالك للحصّة الاُخرى بيده. وكذلك في حقّ الرهانة يمكن أن يكون أمر هذه الوثيقة بيد شخص أجنبيّ لا بمعنى كونها وثيقة له حتى يقال: إنّ هذا غير معقول، بل لا زالت وثيقة لنفس الدَين السابق.

ولكن إذا صغنا المطلب بالصياغة التي نحن بيّنّاها لم يكن مورد لهذا الإشكال، وذلك بأن نقول: إنّ حقّ القسم متقوّم عرفاً بالخصوصيّة الموجودة في

 
الصفحة 140

الزوجة من استفادتها من المضاجعة، فلا يمكن نقله إلى غير الزوجة. وحقّ الشفعة متقوّم عرفاً بتوجّه الضرر المخصوص إلى صاحب الحقّ، حيث جعل له الحقّ تداركاً لذاك الضرر، فلا يمكن نقله إلى غير المتضرّر به. وحقّ الرهانة متقوّم عرفاً بالحاجة إلى الوثيقة، فلا يمكن نقله إلى الغير، بل قد لا يمكن نقله إلى الغير حتى بنقل الدَين إليه حينما تكون خصوصيّة الدائن الأوّل مأخوذة بعين الاعتبار في موافقة المدين على إعطاء الوثيقة.

والكلام في الإرث هو عين الكلام في النقل، فأيضاً نقول: إن المورّث إن كان واجداً لخصوصيّة ترى مقوّمة للحقّ فالوارث الفاقد لها لا يرثه، ولا يعتبر متعلّق الحقّ تركة بعد الوفاة، وإلاّ اعتبر تركة وورثه الوارث.

ولا أقصد بهذا الكلام أنّ جواز النقل والإرث متلازمان متى ما صحّ أحدهما صحّ الآخر، فهما وإن كانا دائرين مدار نكتة واحدة وهي وجود الخصوصيّة المقوّمة وعدمها ولكنهما قد يفترقان بلحاظ نفس هذه النكتة. فحقّ الشفعة يورث ولا ينقل، لأنّ الوارث مالك لنفس الخصوصيّة المقوّمة بخلاف الأجنبيّ. وكذلك حقّ الخيار وحقّ الرهانة. بينما حقّ القسم ينقل إلى الضرّة ولايورث، لأنّ الضرّة مالكة لنفس الخصوصيّة المقوّمة بخلاف الوارث.

والواقع أنّ النقل أو الإرث بحاجة إلى مجموع أمرين لو ثبتا معاً ثبت النقل أو الإرث، وإلاّ فلا:

أحدهما: أن لا تكون في الشخص الأوّل خصوصيّة مقوّمة للحقّ في نظر العقلاء مفقودة في الثاني، وهذا ما وضّحناه بالأمثلة الماضية.

والثاني: أن لا يكون الحقّ لقصره وضيقه غير قابل للانتقال، ومثاله حقّ الأولويّة الثابت لمن سبق في حيازة الوقف. فهذا لا يقبل النقل إلى الغير عقلائيّاً،

 
الصفحة 141

لأنّ الشخص الأوّل لو أراد نقله إلى شخص آخر فالمفروض به أن يخلي المكان كي يشغله صاحبه الذي أراد نقل الحقّ إليه، وبمجرّد إخلائه للمكان ينتهي حقّه، وتصبح نسبة المكان إلى صاحبه وإلى ايّ إنسان آخر على حدّ سواء.

وإن شئت فقل: إنّ كلا الأمرين راجعان إلى فكرة الخصوصيّة المقوّمة، إلاّ أنّه تارةً يفرض أنّ الخصوصيّة المقوّمة أشارت إلى شخص معيّن ولا ينتقل الحقّ إلى غيره لفقدان الغير لتلك الخصوصيّة، واُخرى يفرض أنّ الخصوصيّة المقوّمة أشارت إلى فترة معيّنة من الزمان كفترة جلوسه في المسجد مثلا، وبفقدانها يفقد نفس الشخص الأوّل الخصوصيّة فينتهي حقّه. نعم، قد يأخذ مالا من شخص مّا لقاء أن يخلي المكان فيتمكّن الآخر من إشغاله، وهذا خروج عمّا نحن بصدده.

هذا، وكلّ حقّ لايقبل الإسقاط عرفاً لا يقبل النقل أو الإرث عرفاً أيضاً، لأنّ عدم قبوله للإسقاط كان لدخل مصلحة فيه غير مصلحة ذي الحقّ. ومن الواضح أنّ مصلحة الشخص الآخر التي أوجبت ثبوت حقّ الولاية أو الوصاية أو غيرهما لشخص مّا ليست بالضرورة منحفظة لدى انتقال الحقّ إلى شخص آخر، وليس ذو الحقّ هو صاحب المصلحة فقط حتى يحقّ له عرفاً أن يقول: أنا أرفع يدي عن مصلحتي.

 

اعتبار الماليّة في نقل الحقّ:

وهناك مشكلة اُخرى في مسألة نقل الحقّ أو المعاملات التي تكون بحاجة إلى ماليّة العوضين فيها، وهي أنّه هل الحقّ يعتبر مالا كي يمكن نقله بتلك المعاملة أوْ لا؟

والواقع أنّ الحقّ ليس مالا، فإنّ حاله حال الملك. وكما أنّ الملك لم يكن يعتبر مالا وإنّما كان يتعلّق بالمال كذلك الحقّ لا يعتبر مالا، وإنّما يتعلّق بالمال.

 
الصفحة 142

وماليّة المتعلّق كافية في حلّ الإشكال كما كان الحال كذلك في الملك. ولا فرق بين المعاوضة بين مالين في عالم الملكيّة أو في عالم الحقّ، أو ملكيّة وحقّ، والتعبير عن ذلك بمبادلة المالين أو بمبادلة الملكين أو الحقيّن سيّان، فكلّ هذا تعبير عن حقيقة واحدة عرفيّة.

والبحث الموروث عن المحقّق النائيني (1) عن أنّ البيع هل هو تبديل الملكيّتين والإضافتين كما يناسبه تعريف البيع بأنّه تمليك عين بمال؟ أو هو تبديل المملوك بالمملوك كما يناسبه تعريف البيع بأنّه مبادلة مال بمال، ثمّ استظهاره الثاني، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم لا على ملكيّتهم الاعتباريّة... أقول: كلّ هذا بحث لفظيّ، ولا فرق في واقع المقصود العرفيّ بين التعبير بتبديل الملكيّتين أو الإضافتين في باب البيع والتعبير بتبديل المملوك بالمملوك. والواقع الفلسفيّ للعمليّة هو فناء الإضافة الاُولى وخلق إضافة جديدة. كما لا فرق في واقع المقصود العرفيّ أيضاً في باب الإرث بين التعبير بأنّ الوارث حلّ محلّ المورّث أو التعبير بأنّ الإضافة إلى المال انتقلت من المورّث إلى الوارث. والواقع الفلسفيّ للعمليّة هو فناء الإضافة الاُولى وخلق إضافة جديدة.

نعم، الفرق العرفيّ بين باب الإرث وباب البيع هو: أنّ الإضافة كأنّها تبدّلت في باب الإرث بتبدّل أحد طرفيها، وتبدّلت في باب البيع بتبدّل الطرف الآخر، وكلاهما مشتركان في صدق تبدّل الإضافة عرفاً. وليس من الصحيح تفريع الثمرة التي ذكرها المحقّق النائينيّ لهذا البحث في الإرث من أنّه لو كان المال متعلّقاً لحقّ آخر يكون بما هو كذلك موروثاً، لأنّ التغيّر والتحويل لم يحصل في ناحية الملكيّة، وإنّما التبديل في المالك.


(1) راجع تقرير الشيخ الآملي 1: 86 - 87.

الصفحة 143

ويرد عليه: أنّ الحقّ إذا كان متعلّقاً بالمال فمن الطبيعيّ أن يكون مع المال حيث ما ذهب المال، سواء فرض التبدّل في الملكيّة أو المالك أو المال.

وكذلك يظهر بما ذكرناأنّه لامورد للبحث الذي أثاره الشيخ الأنصاريّ (1)من أنّه هل يصحّ جعل الحقّ ثمناً في المبيع مع أنّ الحقّ ليس بمال ويشترط في ثمن البيع الماليّة؟ مع جواب السيّد الخوئيّ عليه بأنّ الحقّ مال، لأنّ المال ما يرغب فيه العقلاء ويبذلون بإزائه شيئاً، ومن البيّن أنّ حقّ التحجير مورد لرغبة العقلاء وتنافسهم، فيكون مالا بالحمل الشائع.

ولكن مع ذلك قال السيّد الخوئيّ : بأنّه لا يصحّ جعله ثمناً في البيع لأنّه لا تتعلّق بالحقّ الذي هو حكم من الأحكام إضافة ملكيّة أو غيرها بأن يملك الإنسان الحقّ مثلا، والبيع مبادلة بين المالين والمملوكين لا بين الملكيّتين أو السلطنتين. نعم، نقل الحقّ أو إسقاطه أو إعماله فعل من أفعال المكلّف، فيصحّ جعله ثمناً، وإذن فيملك البائع على المشتري هذا الفعل ويلزم عليه تسليمه إلى البائع بعد البيع، كما هو الحال في بقيّة الأفعال المجعولة ثمناً(2).

أقول: هذا الكلام كلّه لا مورد له، صحيح أنّ حقّ التحجير شيء يرغب فيه العقلاء ويبذلون بأزائه المال، لكن هذا تماماً من قبيل أنّ ملكيّة الأرض أيضاً شيء يرغب فيه العقلاء ويبذلون بإزاء اتّصافهم بصفة ملكيّة الأرض المال، وهذا كلّه يعني ماليّة المتعلّق ومعاوضة المتعلّقين في كلّ شيء بحسبه، فقد تكون المعاوضة في عالم الملكيّة واُخرى في عالم الحقّيّة.


(1) راجع المكاسب 1: 79 أوّل البيع بحسب الطبعة التي تشتمل على تعليقة الشهيديّ.

(2) راجع المحاضرات 2: 22 - 23، ومصباح الفقاهة 2: 42 - 43.

الصفحة 144

وذكر المحقّق الإصفهانيّ : أنّ النقل لو كان متعلّقاً بطرف الحقّ كان صحيحاً، فإنّ ذا الحقّ يخرج الأرض المحجّرة من طرف إضافته الحقّيّة إلى طرف إضافة اُخرى. وأمّا نقل نفس الإضافة بذاتها فغير معقول، لأنّ الإضافات تتشخّص بأطرافها، فشخص العين قابل للنقل دون شخص الإضافة، فإذا اُريد نقل الإضافة فلا بدّ أن يكون النقل فيها بالعناية وبنظر الوحدة، فكأنّ الإضافة المنقولة من طرف نفسه إلى طرف غيره شخص تلك الإضافة، بينما واقع الأمر هو موت إضافة وخلق إضافة جديدة(1).

أقول: إن كان المقصود بذلك مجرّد بحث لفظيّ عن مثل كلمة (النقل) كي ترى أنّ الأصحّ هو التعبير بنقل طرف الإضافة أو التعبير بنقل الإضافة فلا كلام لنا في ذلك، وأمّا إن كان المقصود تصوير عمليّتين إحداهما نقل طرف الإضافة والاُخرى إفناء الإضافة الاُولى بين شخص وذاك الطرف وخلق إضافة جديدة بين شخص آخر وذاك الطرف وأنّ العمليّة الثانية يعبّر عنها بنقل الإضافة بالعناية فالواقـع أنّهما عمل واحد فلسفيّاً يصحّ التعبير عنه عرفاً بنقل الحقّ كما يصحّ التعبير عنه عرفاً بنقل متعلّق الحقّ.

 

تقسيم الحقّ إلى العيني والشخصي

ثمّ إنّه تعارف في فقه القانون الوضعيّ الحديث تقسيم الحقوق الماليّة إلى قسمين(2): الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ.


(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 11 - 12.

(2) راجع بهذا الصدد الوسيط 1 الفقرة 2 - 5، و 8، الفقرة 94 - 99، والفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: الفقرة 5 ـ 14.

الصفحة 145

فالأوّل: هو الحقّ الذي يكون قائماً بين صاحب الحقّ والشيء المستحقّ، ويكون ذو الحقّ مسلّطاً بموجبه على ذلك الشيء مباشرة ومن دون وساطة شخص آخر في ممارسة السلطان على ذلك الشيء، ومثاله: حقّ الملكيّة، وحقّ السكنى، وحقّ الانتفاع، وحقّ الرهن، وما إلى ذلك.

والثاني: هي الرابطة القائمة بين شخصين، التي يمارس ذو الحقّ بموجبها سلطته على ما يريد بواسطة الشخص الآخر، أي بمطالبته إيّاه بإعطاء ما يستحقّه من دَين أو عمل، أو الامتناع عن عمل من قبيل حقّ الدائن المقرض على المدين المقترض وحقّ المستأجر على الأجير. وقد وجد للبعض في داخل الفقه الوضعيّ اتّجاه إلى إنكار هذا التقسيم، وإرجاع كلّ الحقوق الماليّة إلى قسم واحد على خلاف في ذلك بين إرجاع الحقّ العينيّ إلى الحقّ الشخصيّ، وبالعكس.

 

إرجاع الحقّ العيني إلى الشخصي:

أمّا من أرجع الحقّ العينيّ إلى الشخصيّ فحاصل كلامه: أنّ الحقّ إنّما هو رابطة بين شخصين، ويكون الحقّ ثابتاً لشخص على شخص آخر حتى في ما يسمّى بالحقّ العينيّ، وليس الحقّ ثابتاً لشخص على العين، غاية ما هناك أنّ العين هو مورد حقّه ومحلّه، فحقّ الملكيّة مثلا محلّه ومتعلّقه الشيء المملوك، وذو الحقّ هو المالك، ومَن عليه الحقّ هم الناس كافّة عدا نفس المالك، إذ يجب عليهم جميعاً احترام هذا الحقّ.

فكما أنّ الحقّ الشخصيّ يشتمل على عناصر ثلاثة: ذو الحقّ، ومَن عليه الحقّ، ومتعلّق الحقّ، كذلك الحقّ العينيّ مشتمل على هذه العناصر الثلاثة، ولا

 
الصفحة 146

فارق جوهريّ بينهما. نعم، هما يختلفان في شيء غير جوهريّ، وهو أنّ المدين ـ أي مَن عليه الحقّ ـ في الحقّ الشخصيّ هو شخص معيّن أو أشخاص معيّنون، وفي الحقّ العينيّ هم جميع الناس عدا الدائن، ولهذا يمكن اعتبار الحقّ العينيّ حقّاً شخصيّاً عامّاً من حيث المدين.

وأجاب على ذلك الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوريّ بجوابين(1):

الجواب الأوّل: صحيح أنّ الحقّ العينيّ يشتمل على جانب عامّ، وهو أنّه يجب على الجميع احترامه ولا يجوز لهم هتكه، إلاّ أنّ هذا ليس هو امتياز الحقّ العينيّ عن الحقّ الشخصيّ كما تخيّله صاحب الإشكال، فإنّ هذا ثابت حتى في الحقّ الشخصيّ، فحقّ المقرض على المقترض مثلا يجب على الناس جميعاً احترامه، ولا يجوز لأحد أن يحرّض المدين على الامتناع عن أداء الدَين مثلا، وإن فعل ذلك كان مسؤولا عن التدارك، فالحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ مشتركان في الجانب العامّ، ولكنّ الحقّ الشخصيّ يزيد على الحقّ العينيّ في أمر جوهريّ، وهو ثبوت الجانب الخاصّ من حيث المدين إلى هذا الجانب العامّ الذي تقدّم ذكره، ففي كلّ حقّ شخصيّ يوجد مدين معيّن أو مدينون معيّنون هم الذين يباشر الدائن سلطته على الشيء محل الحقّ بوساطتهم، ولا وجود لهؤلاء في الحقّ العينيّ، وهذا فرق جوهريّ ما بين الحقّين تترتّب عليه نتائج هامّة سيأتي ذكرها.

وإذا اعتدى شخص بالذات على الحقّ العينيّ فأصبح مسؤولا عن تداركه فهذا الشخص ليس مسؤولا بموجب الحقّ العينيّ ذاته، بل بموجب التزام شخصيّ


(1) الجواب الأوّل موجود في الجزء الأوّل من الوسيط: الفقرة 3، وكلا الجوابين موجودان في الجزء الثامن منه: الفقرة 97.

الصفحة 147

تولّد عن الخطأ الذي ارتكبه، ويكون إذن طرفاً لا في الحقّ العينيّ الموجود من قبل بل في الحقّ الشخصيّ الذي تولّد عن الخطأ.

الجواب الثاني: أنّ الحقّ العينيّ غير متقوّم في عناصره بالمدين أو المدينين حتى بلحاظ عموم الناس، وصحيح أنّه يجب على الناس كافّة احترام الحقّ العينيّ لذي الحقّ، لكن هذا إنّما يكون بعد استكمال هذا الحقّ لجميع عناصره وقيامه حقّاً كاملا مستوفياً لجميع مقوّماته، فهذا الاحترام إذن ليس عنصراً من عناصر الحقّ العينيّ، ولا يوجد مدين بالحقّ العينيّ هو عنصر من عناصر هذا الحقّ، بينما يوجد مدين في الحقّ الشخصيّ هو أحد عناصره.

أقول: إنّ ما افترضوه من عدم وجود المدين في الحقوق العينيّة لا ينافي ما مضى منّا من أنّ كلمة (الحقّ) اُشربت لغويّاً النظر إلى مَن عليه الحقّ لا في الملك ولا في الحقوق الاُخرى.

أمّا في الملك فيكفي في رفع التنافي أن يقال: إنّنا لم نكن نصطلح على الملك بالحقّ، فنحن وإن قلنا: إنّ الحقّ ـ بناءً على كونه أمراً اعتباريّاً ـ هو في روحه ملكيّة ضعيفة ولكنّنا أشرنا إلى فارق لغويّ بين الملك والحقّ، وهو إشراب كلمة (الحقّ) النظر إلى من عليه الحقّ دون كلمة (الملك). نعم، قلنا: إنّ وجود الآخرين المملوك عليهم كان دخيلا كحيثيّة تعليليّة في جعل الملك، لكن هذا لا يعدو أن يكون حيثيّة تعليليّة، وبما أنّ الملك يفترض في الفقه الغربيّ حقّاً من الحقوق إذن فقد حصلوا على حقٍّ غير مأخوذ فيه عنصر المدين.

وأمّا في الحقوق العينيّة الاُخرى كحقّ الرهن أو حقّ الفسخ أو حقّ الشفعة فالمفروض عندنا تقوّمها بمن عليه الحقّ من شخص خاصّ، وهو الراهن أو المفسوخ عليه العقد أو المشتري. بينما ذكر السنهوريّ في جوابه الأوّل: أنّ

 
الصفحة 148

الحقوق الشخصيّة لا تشتمل على الجانب الخاصّ من حيث المدين. وذكر في جوابه الثاني: أنّ الحقوق الشخصيّة لا تتقوّم أصلا بالمدين حتى بلحاظ عموم الناس.

ولكن مع ذلك لا تنافي بين هذه الكلمات وما ذكرناه، وذلك بلحاظ الفرق بيننا وبينهم في المصطلحات. فنحن كنّا نقصد بمن عليه الحقّ المتقوّم به حقّ الرهن أو الفسخ أو الشفعة الراهن أو المفسوخ عليه أو المشتري بلحاظ أنّ الحقّ متعلّق بما يملكه ومحدِّد لصلاحيّاته في التصرّف الناتجة من مالكيّته. وهم يقصدون بنفي تقوّم هذه الحقوق بمن عليه الحقّ أو عدم وجود المدين في هذه الحقوق أنّ صاحب الحقّ يمارس سلطته على هذه الأعيان مباشرة لا بواسطة ممارسة السلطة على شخص مّا. وهذا صحيح. هذا، وسيأتي إن شاء الله أنّ الدكتور السنهوريّ أنكر دخول مثل الشفعة في الحقّ سواء العينيّ أو الشخصيّ.

 

إرجاع الحقّ الشخصي إلى العيني:

وأمّا من أرجع الحقّ الشخصيّ إلى الحقّ العينيّ فحاصل كلامه: أنّه حان الآن وقت النظر إلى الحقّ الشخصيّ لا باعتباره رابطة بين الشخصين، بل باعتباره عنصراً من عناصر الذمّة الماليّة ومنفصلا عن المدين، وهذا ما يقتضيه تقدّم المعاملات وسرعة تداول الأموال وتصحيح حوالة الدَين، فتتجرّد القيمة الماليّة للحقّ الشخصيّ عن شخص الدائن وعن شخص المدين، وبذلك يقرب الحقّ الشخصيّ من الحقّ العينيّ، وهذا هو المذهب المادّيّ في الالتزام.

وأجاب عليه الدكتور السنهوريّ(1): بأنّنا لا ننكر على المذهب المادّيّ


(1) راجع الوسيط الجزء 1: الفقرة 4، والجزء 8: الفقرة 98.

الصفحة 149

للالتزام انتشاره ومسايرته للتطوّر القانونيّ الحديث، ولكنّنا نقول: إنّ هذا لا يؤدّي إلى هدم التمييز بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ، فيبقى الفارق جوهريّاً بين الحقّين حتى إذا نظرنا إليهما من حيث متعلّق الحقّ وهو أنّ الدائن يمارس في الحقّ العينيّ سلطته على متعلّق الحقّ مباشرة دون وسيط بينهما، بخلاف الحقّ الشخصيّ، فليس للدائن فيه إلاّ سلطة غير مباشرة على متعلّق الحقّ، ولا يستعمل هذه السلطة إلاّ بوساطة المدين.

ورغم ما يتراءى من وضوح الفرق بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ قد يقع نوع من الخلط أو التقارب بينهما من قبيل ما يسمّى عندهم بالالتزام العينيّ(1).

ووجه هذه التسمية هو أنّ كلمة (الالتزام) تشير إلى جانب شخصيّة الحقّ، لأنّ الالتزام هو العنوان المضايف للحقّ الشخصيّ، فكلّ حقّ شخصيّ بالقياس إلى الدائن حقّ، وبالقياس إلى المدين التزام. وكلمة (العين) تشير إلى علاقة هذا الحقّ بعين معيّنة، وهذا في الموارد التي يكون الالتزام الثابت على المدين التزاماً بعمل للدائن يجب إيقاعه بلحاظ عين مملوكة للمدين، من قبيل ما افترضوه من أنّ كلّ مالك يجبر جاره على وضع حدود لأملاكهما المتلاصقة، وتكون نفقات التحديد شركة بينهما.

ومثل هذا الالتزام يوافق الالتزام الشخصيّ من حيث إنّه يجبر مديناً معيّناً نحو دائن معيّن على أداء عمل معيّن، لكنّه يوافق الحقّ العينيّ في أنّه يتركّز الالتزام العينيّ في عين معيّنة بالذات، وأنّه يدور مع ملكيّة هذه العين أينما دارت، فلو انتقلت الأرض المجاورة مثلا إلى شخص آخر تحوّل الالتزام بوضع الحدّ إلى


(1) راجع الوسيط 8: الفقرة 100 وآخر الفقرة 99.

الصفحة 150

ذاك الشخص، وأنّ المدين يستطيع أن يتخلّص من التزامه بتركه العين أو التخلّي عنها.

 

إلحاق بعض الحقوق إلى العيني أو الشخصي:

ثمّ إنّ الدكتور عبد الرزاق السنهوريّ ذكر: أنّ الشفعة ليست حقّاً وأنّ الشفيع إنّما يطالب بملكيّة العقار المشفوع فيه، فهو لا يطالب بالشفعة، وإنّما يطالب بالملكيّة، وقد كان اعتبار الشفعة حقّاً هو الذي حيّر بعض الفقهاء ودفعهم إلى التساؤل: هل الشفعة حقّ عينيّ أو حقّ شخصيّ؟ والواقع أنّها ليست بحقّ عينيّ ولا بحقّ شخصيّ، وإنّما هي كالعقد سبب من أسباب كسب الملكيّة، وإذا كانت المناقشة لا تجوز في اعتبار العقد حقّاً عينيّاً أو حقّاً شخصيّاً كذلك لا تجوز المناقشة في اعتبار الشفعة هذا أو ذاك(1).

وذكر أيضاً: كثيراً مّا يناقش الفقهاء هل الشفعة حقّ عينيّ أو هي شيء غير ذلك؟ كما يتناقشون في طبيعة الحيازة وهل هي حقّ عينيّ؟ ونحن لا نتردّد في الإجابة على هذه المسائل بما قدّمناه، فلا الشفعة ولا الحيازة حقّ عينيّ أو شخصيّ، بل هما واقعتان قانونيّتان تدخلان في أسباب كسب الملكيّة، فهما إذن ليستا بحقوق، بل هما مصدر للحقوق، ولا يصحّ أن يقال عن أيٍّ منهما إنّه حقّ عينيّ أو حقّ شخصيّ بالقدر الذي لا يصحّ أن يقال به إنّ العقد ـ وهو أيضاً مصدر للحقوق ـ حقّ عينيّ أو حقّ شخصيّ. والأهمّية العمليّة لعدم اعتبار الشفعة حقّاً أنّه لا يجوز لدائني الشفيع أن يستعملوا الشفعة باسم مدينهم(2).


(1) انظر الوسيط 8: الفقرة 105.

(2) الوسيط 1: الفقرة 33، الهامش.

الصفحة 151

أقول: لا إشكال في أنّ الشفعة تختلف عن العقد في أن العاقد لا يعقد رغم أنف الطرف الآخر، بل يعقد برضاه، بخلاف الشفيع الذي يطالب ببطلان البيع رغم البائع. وكذلك الشفعة تختلف عن العقد وعن الحيازة في أنّ ممارسة العقد أو الحيازة جائزة لكلّ أحد بخلاف الشفعة التي لا تكون إلاّ للشريك، فلو فرضت الشفعة حقّاً عينيّاً أو شخصيّاً لا ينقض بالعقد أو الحيازة. وأمّا أنّ الشفيع يطالب بملكيّة العقار لا بالشفعة فيرد عليه:

أوّلا: أنّ الشفيع لا يطالب بملكيّة العقار وإنّما يطالب بالجامع بين ملكيّة العقار ورجوعه بالفسخ إلى البائع، ومن هنا كان وسطاً بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ; لأنّ الفسخ عمل يلزم به البائع وتملّك العقار أمرٌ متعلّق بالعين.

وثانياً: أنّه لو كان الشفيع يطالب بملكيّة العقار لكانت الشفعة عبارة عن حقٍّ أن يمتلك لا أنّها تخرج عن كونها حقّاً، ولا ينقض بالعقد أو الحيازة، لما عرفت من أنّهما لا يختصّان بشخص دون شخص، بخلاف حقّ الشفعة.

وذكر السنهوريّ ـ بعد تثبيته لعدم كون الشفعة حقّاً ـ: والذي ضلّل الناس في أمر الشفعة هو أنّها تجعل الشفيع بالنسبة إلى العين المشفوع فيها في منزلة مَن له الحقّ في أنْ يمتلكها، وهذه منزلة وسط بين مجرّد الرخصة في التملّك حيث يكون الشخص أجنبيّاً عن الشيء، وحقّ الملكيّة الكامل حيث يكون للشخص حقّ عينيّ في الشيء. ونظير ذلك شخص صدر له إيجاب البيع، فهو أيضاً في منزلة وسطى بين من له مجرّد الرخصة في الشراء قبل صدور الإيجاب وبين المشتري الذي أصبح مالكاً عند تمام البيع(1).


(1) الوسيط الجزء 1، الفقرة 33، الهامش.

الصفحة 152

أقول: إنّ الفرق بين الشفعة وقبول القابل بعد صدور الإيجاب هو أنّ للموجب أن يرجع من إيجابه قبل قبول القابل، وللأجنبيّ أن يتّفق مع الموجب ويشتري منه العين قبل قبول القابل، ولكنّ الشفيع ليس لأحد أن يزاحمه في إعمال حقّه.

وأمّا ما ذكره من أنّه لا يجوز لدائني الشفيع أن يستعملوا الشفعة باسم مدينهم فلدى إرادة حمله على معنىً معقول ينبغي أن يكون إشارة إلى شرط من شروط المعنى المصطلح عليه بالحقّ الماليّ، وهو أن يكون الحقّ الماليّ قابلا للانتقال على الأقلّ إلى الدائنين، بمعنى أن يتمكّنوا من الاستفادة الماليّة من حقّ مدينهم، كما هو حاصل في حقّ الرهن، فمن حقّ دائني المرتهن لدى تفليسه الاستفادة من العين المرهونة. وليس الأمر كذلك في الشفعة أو خيار الفسخ، فإنّ فرض هذا الشرط في معنى الحقّ المالي صحّ ما يقوله الدكتور السنهوريّ من أنّ الشفعة ليست حقّاً عينيّاً ولا حقّاً شخصيّاً.

هذا كلّ ما أردنا بيانه هنا لتوضيح مصطلح الحقّ العينيّ والشخصيّ في الفقه الغربيّ.

 

ثمرات الفرق بين الحقّ العيني والشخصي:

أمّا الثمرات التي ترتّب على تقسيم الحقّ إلى العينيّ والشخصيّ فلعلّ من أهمّها ما يلي:

1 ـ لصاحب الحقّ العيني تتبّع العين في حقّه أينما انتقلت، وذلك إمّا بمعنى أنّ العين متى ما تنتقل من حيازة شخص إلى حيازة شخص آخر يكون لصاحب الحقّ تتبّع العين أينما كانت. فمالك العين مثلا له أن يقيم الدعوى على اليد الأخيرة لدى تعاقب أيد متعدّدة على العين المغصوبة، وله أن يفرض سيطرته على

 
الصفحة 153

العين وإن كان صاحب اليد الأخيرة يتضرّر بذلك; لأنّه اشتراها من صاحب اليد السابقة بثمن مّا باعتقاد كونه مالكاً لها. نعم، لصاحب اليد الأخيرة الرجوع إلى من قبله، وهكذا إلى أن يستقرّ الضمان على الغاصب.

وإمّا بمعنى أنّ العين متى ما تنتقل من ملكيّة شخص إلى ملكيّة شخص آخر فصاحب الحقّ يتتبّعها بحقّه. فالعين المرهونة مثلا إذا انتقلت من المالك الأوّل إلى أيّ مالك آخر كان للمرتهن حقّ افتراضه وثيقة لدَينه وحقّ استيفاء دَينه منه، وتبدّل المالك مهما تكرّر لا يؤثّر على ذلك، بينما لا يتصوّر التتبّع في الحقّ الشخصيّ.

2 ـ أنّ لصاحب الحقّ العينيّ أن يتقدّم على جميع الدائنين الشخصيّين في تقاضي حقّه من الشيء، فالمرتهن مثلا يتقدّم في استيفاء حقّه من العين على الغرماء الشخصيّين، ولا يكون اُسوة الغرماء(1).

والواقع أنّنا إن قصدنا بالثمرة الأثر الشرعيّ المتفرّع على الفرق بين الحقّين فالمفروض أن تكون الثمرة من قبيل الثمرة الثانية دون الاُولى، فإنّ الاُولى لا تعدو أن تكون فارقاً موضوعيّاً بين الحقّين لا ثمرة شرعيّة مترتّبة على الفرق بينهما، فمتعلّق الحقّ حينما يكون عيناً خارجيّة فهذه العين تقبل الانتقال خارجاً من حيازة إلى اُخرى، أو أنّ ملكيّة هذه العين تنتقل من شخص لآخر، والحقّ يبقى ملتصقاً بها. أمّا متعلّق الحقّ الشخصيّ فقوامه بنفس الحقّ، ولا وجود له خارجيّ منفصلا عن عالم الحقّ والالتزام كي يفترض تنقّله من حيازة إلى حيازة، أو من ملكيّة إلى ملكيّة كي نرى هل يتبعه الحقّ أو لا يتبعه.


(1) راجع بشأن آثار الحقّين الوسيط 1: الفقرة 6، و 8: الفقرة 115 - 120، والفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: الفقرة 12.

الصفحة 154

وأمّا إن قصدنا بالثمرة مطلق الفارق المبرّر لتقسيم الحقّ بنكتة تنظيم أبواب الفقه وترتيبها فلا بأس بذكر الثمرات التي تكون من قبيل الثمرة الاُولى.

ونقل الاُستاذ مصطفى الزرقاء(1) عن كتاب «نظرية العقد» للدكتور السنهوريّ قوله:

إنّ الشريعة الإسلاميّة لا يستشعر فيها بهذا التمييز بين الحقّ العينيّ والشخصيّ إلاّ في بعض عبارات تأتي عرضاً في موضوعات مختلفة ميّز فيها فقهاء المسلمين بين حقّ يتعلّق بالعين وحقّ لا يتعلّق بها، ولكنّه تمييز غير واضح، ولم يعقّب عليه الفقهاء تعقيباً يتّفق مع أهمّـيّته، ولم تصغ منه نظريّة ممهّدة كما فعلت في النظريات الاُخرى للفقه الإسلامي وإن كان الفقهاء قد رتّبوا لحقّ الرهن مثلا حقّ التقدّم ونوعاً من حقّ التتبّع.

وأجاب على ذلك الاُستاذ مصطفى الزرقاء بقوله:

أمّا أنّ فقهاء المسلمين لم يصوغوا نظريّة ممهّدة مستقلّة للتمييز بين الحقّ الشخصيّ والحقّ العينيّ فنعم، وهذا راجع إلى اختلاف مبنى الترتيب والصياغة بين الفقه الإسلاميّ والفقه الأجنبيّ.

فالفقه الأجنبيّ يقوم ترتيبه على أساس تقسيم أحكامه إلى زمرتين منفصلتين:

1 ـ زمرة أحكام الحقوق الشخصيّة، وتشمل على النظريّة العامّة للالتزامات ثمّ أحكام العقود المسمّـاة.

2 ـ زمرة أحكام الحقوق العينيّة، وتسمّى نظريّة الأموال، ومن ثمّ برز للنظر هذا التمييز بين الحقّين العينيّ والشخصيّ في الفقه الأجنبيّ والقوانين المصوغة منه، لأنّ هذا التمييز هو أساس ترتيب الفقه الأجنبيّ كلّه.


(1) في كتاب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 15.

الصفحة 155

أمّا الفقه الإسلاميّ فإنّ ترتيبه وصياغته يقومان على أساس سرد مصادر الحقوق والالتزامات وبيان أحكامها ونتائجها في كلّ مصدر بحسب أحواله، فلم يبق مجال لأن يظهر تمييز فقهاء الفقه الإسلاميّ بين الحقّين العينيّ والشخصيّ إلاّ في فروع الأحكام المتفرّقة لمن يتتبّعها.

وإذا كان فقهاؤنا لم يتّخذوا هذا التمييز بين نوعي الحقّ أساساً لترتيب فقههم ـ كما فعل علماء القانون الأجنبيّ ـ فليس في ذلك أبداً دلالة على عدم تمييز فقهائنا بين نوعي الحقّ وطبيعتهما تمييزاً ذاتيّاً، إذ العبرة في هذا التمييز لفروع الأحكام لا للترتيب.

وهذا ممّا دعانا إلى صياغة فقهنا على غرار نظريّة الالتزامات القانونيّة.

والواقع أنّ فقهاءنا قد ميّزوا بين الحقّين في جميع المسائل التي يقتضي هذا التمييز فيها اختلاف الأحكام، ولهم في ذلك أنظار دقيقة جدّاً.

فمن ذلك الأمثلة التي تقّدمت(1) ومن ذلك أيضاً تصريح فقهائنا بأنّ المبيع المعيّن إذا استحقّ من يد المشتري ينتقض عقد البيع السابق فلا يكلّف البائع إعطاء المشتري مثل المبيع الذي استحقّ من يده، بل يستردّ المشتري ما دفع من الثمن، لأنّ حقّ المشتري عينيّ متعلّق بعين المبيع، فباستحقاق المبيع استحال تنفيذ البيع، فيبطل.

أمّا إذا استحقّ الثمن من يد البائع فلا ينتقض البيع، ولا يستردّ البائع المبيع وإن كان قائماً، وإنّما يرجع على المشتري بمثل الثمن المستحقّ، لإنّ أصل الثمن حقّ شخصيّ للبائع في ذمّة المشتري(2)، فإذا وفّاه إيّاه بمبلغ معيّن فاستحقّ هذا


(1) يشير بذلك إلى أمثلة ذكرها في الفقرة 12 من كتابه.

(2) ينظر إلى الفرض الغالب في الخارج من كون الثمن كلّيّاً.

الصفحة 156

المبلغ من يد البائع تبيّن عدم صحّة وفاء الثمن، فيوفيه المشتري مجدّداً بمبلغ آخر.

ومن ذلك أيضاً ما صرّحوا به في بحث الحقوق التي تتعلّق بالتركة وترتيب استيفائها، فقد قالوا: إنّ الحقوق منها ما يتعلّق بعين التركة كالدَين المتعلّق بالمرهون والمأجور(1)، وأرش جناية العبد الجاني في حياة مولاه، والمبيع المحبوس بالثمن(2)، والعبد المأذون بالتجارة إذا لحقته ديون ثمّ مات المولى ولا مال له سوى هذا العبد(3).

ومنها ما يتعلّق بماليّة التركة كالديون العاديّة التي على الميّت.

فالنوع الأوّل يقدّم استيفاؤه على نفقات التكفين إلاّ إذا كان الحقّ قد تعلّق بالعين بعد صيرورتها تركة كالعين الموصى بها، فإنّ تنفيذ الوصيّة بها عندئذ يؤخّر عن التكفين.

وأمّا النوع الثاني فإنّ التكفين يقدّم عليه مطلقاً....

   والعلّة هي أنّ هذا النوع الثاني حقوق شخصيّة على الميّت لا تتعلّق بعين معيّنة من التركة ليكون لاستيفائها امتياز ورجحان...»(4).

أقول ـ بعد ترك البحث عن كلّ فرع من الفروع التي أشار إليها ـ إنّ ما ذكره من تمييز الفقه الإسلاميّ تمييزاً دقيقاً بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ صحيح.


(1) يشير إلى دعوى أنّ المستأجر من حقّه أن يستوفي دينه من منفعة العين المأجورة على تقدير ما ذهب إليه الفقه الحنفيّ من انفساخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين.

(2) يشير إلى الرأي القائل بثبوت حقّ الفسخ للبايع عند عدم تسليم الثمن وهو حقّ عينيّ متعلّق بعين المبيع.

(3) يعني بناءً على تعلّق الديون عندئذ بنفس العين وهي العبد.

(4) الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 15.

الصفحة 157

نعم، التسمية بهذه الأسامي إنّما وردت في الفقه الغربي. وفي الفقه الإسلامي حقوق ماليّة تتعلّق بالأعيان الخارجيّة ـ كالملكيّة، وحقّ الرهن، وحقّ الفسخ، وما إلى ذلك ـ وهي التي تقابل مصطلح الحقّ العينيّ في الفقه الغربيّ، وحقوق ماليّة تتعلّق بالذمّة ـ كحقّ المقرض على المقترض، أو حقّ المالك على من أتلف العين، أو على الغاصب الذي تلفت العين في يده، وحقّ المستأجر على الأجير ـ وهي تقابل مصطلح الحقّ الشخصيّ في الفقه الغربيّ. وقد ذكر الفقهاء آثار كلّ فرع من هذه الفروع في محلّه.

وهناك حقوق ثالثة تتعلّق بالعهدة ولا تتعلّق بالذمّة، من قبيل حقّ نفقة الابن على الأب أو العكس، ومن قبيل انشغال العهدة بأداء أعيان خارجيّة لم تدخل الذمّة لكونها أموالا حقيقيّة ثابتة في وعاء الخارج لا رمزيّة كي يكون وعاؤها الذمّة، من قبيل وجوب تسليم المشتري للثمن إلى البائع، أو وجوب تسليم البائع للمبيع إلى المشتري، أو وجوب أداء الأمانة، أو وجوب ردّ الغاصب ما غصبه إلى صاحبه، وما إلى ذلك، فهذه كلّها التزامات من طرف وحقوق من طرف آخر.

ولو اُريد إدراج هذه الاُمور في أحد القسمين الشخصيّ والعينيّ من الحقوق فهي ملحقة بالحقّ الشخصيّ، وأنا لم أجد ـ بقدر فحصي الناقص ـ فيما يترجم عن الفقه الغربيّ حينما يتعرّضون لشرح الحقّ الشخصيّ والعينيّ وضوحاً لإدراج أمثال هذه الحقوق في المقسَم وإلحاقها بالحقّ الشخصيّ، لكن إذا ضممنا عدّهم لأمثال هذه الاُمور في الالتزامات حيث قالوا مثلا: إنّ العقد سبب لالتزام المشتري بتسليم الثمن والتزام البائع بتسليم المبيع، إذا ضممنا ذلك إلى ما افترضوه من أنّ الالتزام والحقّ الشخصيّ متضايفان ـ فكلّ حقّ شخصيّ في طرف الدائن يعتبر التزاماً من طرف المدين، وكل التزام في طرف المدين يعدّ حقّاً

 
الصفحة 158

شخصيّاً من طرف الدائن ـ كانت النتيجة افتراض أمثال هذه الالتزامات حقوقاً شخصيّة لمن فرضت هذه الالتزامات فى صالحه ولأجله.

 

حقوق الابتكار

وهناك قسم ثالث للحقوق الماليّة لا يدخل في الحقّ العينيّ ولا في الحقّ الشخصيّ ذكره الاُستاذ مصطفى الزرقاء حيث قال:

وهناك نوع ثالث حديث من الحقوق الماليّة أوجدَته أوضاع الحياة المدنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة الحديثة، ونظّمته القوانين العصريّة والاتّفاقات الدوليّة، يسمّيه بعض القانونيين: (الحقوق الأدبيّة) كحق المخترع والمؤلّف وكلّ منتج لأثر مبتكر فنّيّ أو صناعيّ، فإنّ لهؤلاء حقّاً في الاحتفاظ بنسبة ما اخترعوه أو أنتجوه إليهم، وفي احتكار المنفعة الماليّة التي يمكن استغلالها من نشره وتعميمه. ومثله العلامات الفارقة الصناعيّة والعناوين التجاريّة وامتيازات إصدار الصحف الدوريّة، كلّ ذلك بشرائط وحدود تقرّرها القوانين المحلّيّة والاتّفاقات الدوليّة.

فهذا النوع من الحقوق لم يكن معروفاً في الشرائع القديمة، لإنّه وليد العوامل والوسائل المدنيّة والاقتصاديّة الحديثة.

وهو لا يدخل في الحقوق العينيّة لأنّه لا يرد مثلها مباشرة على شيء مادّيٍّ معيّن، كما أنّه لا يدخل في الحقوق الشخصيّة لأنّه لا يفرض تكليفاً خاصّاً على شخص معيّن آخر غير صاحب الحقّ.

والقصد من إقرار هذه الحقوق إنّما هو تشجيع الاختراع والإبداع، كي يعلم مَن يبذل جهده فيهما أنّه سيختصّ باستثمارهما، وسيكون محميّاً من الذين يحاولون أن يأخذوا ثمرة ابتكاره وتفكيره ويزاحموه في استغلالها.

 
الصفحة 159

وفي الشرع الإسلاميّ متّسع لهذا التدبير تخريجاً على قاعدة المصالح المرسلة في ميدان الحقوق الخاصّة.

وقد رجّحنا أن نسمّي هذا النوع (حقوق الابتكار) لأنّ اسم (الحقوق الأدبيّة) ضيّق لا يلائم مع كثير من أفراد هذا النوع، كالاختصاص بالعلامات الفارقة التجاريّة، والأدوات الصناعيّة المبتكرة، وعناوين المحالّ التجاريّة ممّا لا صلة له بالأدب، والنتاج الفكري. أمّا اسم (حقّ الابتكار) فيشمل الحقوق الأدبيّة كحقّ المؤلّف فى استغلال كتابه، والصحفيّ في امتياز صحيفته، والفنّان في أثره الفنّيّ من الفنون الجميلة، كما يشمل الحقوق الصناعيّة والتجاريّة ممّا يسمّونه اليوم بالملكيّة الصناعيّة، كحقّ مخترع الآلة، ومبتدع العلامة الفارقة التي نالت الثقة، ومبتكر العنوان التجاري الذي أحرز الشهرة...»(1).

 

التبرير الشرعي لحقّ الابتكار:

أقول: بما أنّنا لا نؤمن بمبدأ المصالح المرسلة بحرفيّتها التي يؤمن بها الاُستاذ الزرقاء فبالإمكان استبداله بمبدأ ولاية الفقيه. فالوليّ الفقيه متى ما يرى المصلحة الاجتماعيّة بالمستوى المبرّر لإلزام المجتمع بأمثال هذه الحقوق يعمل ولايته في تثبيت ذلك، فإذا حرّم مثلا على الناس أن يطبعوا تأليف شخص مّا بلا إذنه صحّ للمؤلّف أن يأخذ مبلغاً من المال ممّـن يريد الطبع لقاء إذنه له بذلك، ولو طبع بلا إذنه فرض عليه بمبدأ ولاية الفقيه دفع ثمن حقّ الطبع إلى المولّف، كما تفرض الضرائب على الناس بمبدأ الولاية.

أمّا لو غضضنا النظر عن إعمال وليّ الأمر صلاحيّته لتثبيت هذه الحقوق


(1) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: الفقرة 11، الهامش.

الصفحة 160

فهل يمكن إثباتها في المقام في فقهنا الإسلاميّ أوْ لا؟

يمكن ذكر عدّة أوجه لإسباغ الشرعيّة على هذه الحقوق بحسب الفقه الإسلاميّ:

الوجه الأوّل: التمسّك بالارتكاز العقلائيّ الدالّ على امتلاك هذه الحقوق بعد عدم ورود الردع.

وهذا الوجه بهذا المقدار يتبادر إلى الذهن الإيراد عليه بأنّ هذا الارتكاز العقلائيّ ارتكاز حديث لم يكن في زمن المعصوم كي يدلّ عدم الردع على إمضائه بناءً على دلالة عدم الردع على إمضاء الارتكاز حتى غير المترجم إلى العمل، وقد مضت منّا الإشارة إلى أنّ التوسّع الجديد في الارتكازات لا يثبت إمضاؤه بعدم الردع، ولا يقاس ذلك بالتوسّع في المصاديق من قبيل ارتكاز مملّكيّة الحيازة الثابت في زمن المعصوم والمقتصر في عالم الصدق الخارجيّ وقتئذ على الحيازات اليدويّة أو الحيازة بالآلة اليدويّة، بينما توجد اليوم مصاديق جديدة للحيازة وهي الحيازات الواسعة بالأدوات الصناعيّة الحديثة، ففي مثل ذلك يمكن أن يقال: إنّ عدم الردع دلّ على إمضاء كبرى الارتكاز، واليوم يطبّق الحكم المستفاد من إمضاء الارتكاز على مصاديق جديدة لم تكن وقتئذ.

أمّا في ما نحن فيه فارتكاز ثبوت الحقّ في مثل حقّ الطبع والنشر وجميع الحقوق الأدبيّة أو حقوق الابتكار ارتكاز جديد، لا يكون عدم الردع عنه في زمان المعصوم دليلا على إمضائه.

إلاّ أنّه بالإمكان أن توجّه دعوى التمسّك بالارتكاز في المقام بأن يقال: إنّ التوسّع في ما نحن فيه توسّع في تطبيق ارتكاز ثابت في زمن المعصوم، أي أنّه وجدت للقضيّة المرتكزة مصاديق جديدة، وليس توسّعاً في نفس الارتكاز.

 
الصفحة 161

وتوضيح ذلك: أنّه مضى في بحث الملكيّة أنّ المناشئ الأوّليّة للملكيّة الاعتباريّة في ارتكاز العقلاء أمران: الحيازة، والعلاج أو الصنع، فالحيازة توجب ملكيّة الأشياء المنقولة، والعلاج أو الصنع يوجب ملكيّة الأشياء غير المنقولة، كما في إحياء الأرض أو تعميرها، أو حفر عين الماء، أو ما شابه ذلك. وهنا نقول: إنّ العلاج أو الصنع لا يختصّ بالأشياء المادّيّة غير المنقولة بل يتحقّق في الاُمور المعنويّة، فمؤلّف الكتاب يكون صانعاً لتلك الشخصيّة المعنويّة وهي شخصيّة الكتاب بوجوده التجريديّ، وقد يكون تعب عليها أكثر من تعب محيي الأرض أو معمّرها، أو حافر العين وأمثالهم، وقد يكون صنعه وعلاجه أشدّ وأقوى من صنعهم وعلاجهم، وقد لا يختصّ علاج صاحب الكتاب بمجرّد التأليف والتبويب والجمع والترتيب، بل تكون له إبداعات حديثة وابتكارات جديدة خلقها وضمّنها الكتاب.

والكبرى المركوزة في الذهن العقلائيّ إنّما هي مملكيّة الصنع والعلاج بالمعنى الشامل لصنع الاُمور المعنويّة، غاية ما هناك أنّ الأفراد المعنويّة لم تكن موجودة في زمن المعصوم ووجدت في الأزمنة المتأخّرة، وهذا يعني التوسّع في المصداق والتطبيق لا في أصل الارتكاز.

والصحيح: أنّ هذا الوجه غير تامّ، فإنّ أمثال هذه العلاجات المعنويّة والصنع المعنويّ كانت موجودة في زمن المعصوم ولو بمستوىً منخفض وضيّق، فهناك تأليفات في ذاك الزمن وهناك إبداعات راقية وقتئذ بالقياس إلى زمانها، ولكن لم يكن هناك ارتكاز امتلاكها من قبل مؤلّفها أو مبدعها، أو نشكّ ـ على الأقلّ ـ في وجود ارتكاز من هذا القبيل وقتئذ. وكان السبب في عدم هذا الارتكاز عدم الشعور بحاجة إلى اعتبار ملكيّة من هذا القبيل، إذ لم يكن مجال

 
الصفحة 162

لاستغلال ذاك الأمر التجريدي المصنوع، إذ لا طباعة وقتئذ ولا قدرة على سعة النشر، ولا على تقليد الفنون والصناعات بشكل واسع، وقد حصلت الحاجة حديثاً إلى اعتبار هذه الملكيّة بسبب تطوّر الأوضاع والأدوات واتّساع القدرات وانفتاح أبواب كثيرة للاستغلال، فهنا حصل للعقلاء ارتكاز الملكيّة للأمر التجريديّ المعنويّ بصنعه وعلاجه، وفيما سبق لم يكن الارتكاز إلاّ على مملكيّة العلاج في الاُمور المادّيّة، ولا أقلّ من احتمال ذلك، فالقضيّة إذن راجعة إلى حصول التوسّع في الارتكازات، وليست راجعة إلى التوسّع في دائرة المصاديق.

والوجه الثاني: أن يقال: إنّ ملكيّة الإنسان لأعماله وذممه وجوارحه وأعضائه ونتائج أعماله ليست ملكيّة اعتباريّة، بل هي ملكيّة تكوينيّة بمعنى السلطة التكوينيّة عليها، ولم يرَ العقلاء حاجة إلى جعل السلطة الاعتباريّة في هذه الموارد لكفاية السلطة التكوينيّة فيها عن الاعتباريّة في نظرهم. وهذه الملكيّة التكوينيّة موضوع لحقّ الاختصاص والأولويّة للإنسان على تلك الأعمال والنتائج، لا تمسّكاً بالارتكاز القائل بذلك كي يعود المحذور ويشكّك في ثبوت هذا الارتكاز في مورد الكلام في زمن المعصوم، بل تمسّكاً بروايات عدم جواز التصرّف في مال الغير من قبيل ما ورد في توقيع على يد أبي جعفر محمد بن عثمان العمريّ من قول الإمام صاحب الزمان : «لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه»(1).

ومن قبيل ما ورد عن سماعَة وعن زيد الشحّام عن أبي عبد الله عن رسول الله : «من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا


(1) الوسائل 6: 377، الباب 3، من الانفال، الحديث 6.

الصفحة 163

يحلّ دم امرىء مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه»(1).

فإذا ثبتت هذه الأولويّة للإنسان بالقياس لنتائج أعماله قلنا: إنّ الكتاب مثلا بوجوده التجريديّ المعنويّ يكون من نتائج صاحب الكتاب فهو مملوك له ملكيّة تكوينيّة لا اعتباريّة، والتصرّف فيه بمثل الطبع بغير إذنه مثلا تصرّف في مال الناس ومنهيّ عنه بحكم تلك الروايات. وكذلك تشمله أدلّة المعاملات في غير ما تشترط فيه العينيّة كالمبيع مثلا.

والجواب ـ بعد تسليم شمول روايات النهي عن مال الغير وأدلّة المعاملات لما هو مملوك بالملكيّة التكوينيّة لا الاعتباريّة ـ: أنّ المملوك بالملكيّة التكوينيّة التي هي بمعنى السلطنة التكوينيّة إنّما هو نفس الأعمال لا نتائجها التي تنفصل عن الإنسان وتخرج عن اختيار الإنسان تكويناً، وليس حال الكتاب مثلا بمعناه التجريديّ بعد أن أوجده المؤلّف وجسّده في الكتاب الخارجيّ الذي يصل إلى يد كلّ أحد بالقياس إلى المؤلّف إلاّ كحال الدار المبنيّة بالقياس إلى من بناها، ولا سلطة تكوينيّة لصاحب الدار على الدار، ولا للمؤلّف على الكتاب، وكلاهما بحاجة إلى السلطة الاعتباريّة الارتكازيّة، وإذا انتهينا إلى الارتكاز فقد انتهينا إلى الوجه الأوّل الذي عرفت جوابه.

الوجه الثالث: أن يقال بأنّ أولويّة الإنسان بعمله وبنتائج عمله أمر عقليّ، وليست مجرّد ارتكاز عقلائيّ. نعم، الإنسان إنّما يكون أولى بعمله وبنتائج عمله بالقياس إلى الناس الآخرين لا بالقياس إلى المولى سبحانه والشريعة الإسلاميّة،


(1) ورد الحديث عن سماعة في الوسائل 3: 424، الباب 3 من مكان المصلّي، الحديث 1، وورد عن سماعة وعن زيد الشحّام في الوسائل 19: 3، الباب 1 من قصاص النفس، الحديث 3.

الصفحة 164

فلو وصل حكم من الشريعة الإسلاميّة بالتسليم أمام استغلال الآخرين لعمله ونتيجة عمله يسلّم بذلك، ويكون وصول هذا الحكم مغيّراً للموضوع، لأنّ ما أدركه العقل كان عبارة عن أولويّته بعمله وبنتاج العمل في قبال الآخرين فقط، وهذا لا ينافي استغلال الآخرين لذلك بحكم واصل من الشريعة الإسلاميّة، لعدم الأولويّة في قبال المولى.

إذن فالاستغلال ـ على هذا الأساس ـ موضوع جديد يتحقّق بوصول الحكم الشرعيّ، ونحن لم يصلنا حكم شرعيّ من هذا القبيل، فموضوع الحكم العقليّ باق على حاله، أي أنّ استغلال الآخرين لنتيجة عملنا التأليفيّ أو الفنيّ أو نحو ذلك استغلال غير ناشئ من حكم المولى، فهو لا يجوز لحكم العقل بأولويّة الإنسان على عمله ونتاجه من الآخرين.

والصحيح: أنّنا إن سلّمنا حكم العقل وكونه مغيّى بالحكم الشرعيّ الواصل فإنّما هو في مورد السلطنة التكوينيّة كما في الأعمال لا أكثر من ذلك. وأمّا في دائرة نتائج الأعمال فلا يوجد عدا حكم العقلاء وارتكازهم، فنعود مرّة اُخرى إلى الوجه الأوّل الذي عرفت عدم تماميّته.

الوجه الرابع: التمسّك بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» لأنّ استغلال نتيجة عمل المؤلّف أو الفنّان أو نحوهما إضرار به، فهو منفيّ بهذه القاعدة.

والجواب: أنّ الضرر في باب الأموال والحقوق ليس إلاّ عبارة عن سلب المال والحقّ، فصدقه يتوقّف على تماميّة امتلاك المال والحقّ، وهو أوّل الكلام. ولو ثبت الحقّ في المقام في الرتبة السابقة على التمسّك بلا ضرر بوجه شرعيّ لم نحتج إلى قاعدة لا ضرر. أمّا إثبات الحقّ في الرتبة السابقة بالارتكاز فهو رجوع إلى الوجه الأوّل.

 
الصفحة 165

الوجه الخامس: أنّ المعاملات التي تقع عند العقلاء على أمثال هذه الحقوق معاملات عقلائيّة داخلة في مثل إطلاق ﴿ اوفوا بالعقود (1).

والجواب: أنّنا إن سلّمنا بدلالة (اوفوا بالعقود) على صحّة العقد أو وجدنا إطلاقاً آخر يناسب المقام فالإطلاق إنّما يتمّ بعد ثبوت الماليّة والحقّ شرعاً، إذ لا شكّ أنّ العقد يجب أن يقع على ما هو داخل في ملك العاقد أو حقّه في نظر التشريع الذي استقينا منه قاعدة وجوب الوفاء بالعقد، فإذا كان الحقّ والمال ثابتاً عقلائيّاً فقط ثبتت صحّة العقد عقلائيّاً لا شرعاً، إلاّ بمعونة الارتكاز، وهو رجوع إلى الوجه الأوّل. وإذا كان ذلك ثابتاً شرعاً ثبتت صحّة العقد شرعاً، ومع الشكّ في ذلك يكون التمسّك بمثل ﴿ اوفوا بالعقود تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.

 

حقّ السرقفليّة

وفي ختام بحثنا عن الحقّ لا بأس بالكلام عمّا تعارف في هذه الأيّام ممّا يسمّى بالسرقفليّة، فنقول:

 

مقتضى القواعد العامّة:

لا إشكال في أنّ المالك له ـ بالعنوان الأوّليّ ـ الخيار في قبول بقاء المستأجر بعد انتهاء مدّة الإيجار في الحانوت مثلا، وتجديد العقد معه إذا أراد مع تصعيد مبلغ الاُجرة وعدمه، وتبديل المستأجر بمستأجر آخر، أو ترك الإيجار نهائيّاً، فبإمكانه نقل هذا الحقّ إلى المستأجر لقاء مبلغ باسم السرقفليّة مع إعطائه صلاحيّة نقل ذلك إلى المستأجر الثاني، وهكذا.


(1) المائدة: 1.

الصفحة 166

وقد يناقش في ذلك(1) بأنّ الأصل لدى الشكّ في الحقّ والحكم أو في قابليّة الحقّ للنقل أو الإسقاط هو عدم القابليّة للنقل أو الإسقاط، إذن فليس للمالك نقل هذا الحقّ إلى المستأجر. نعم، له أخذ مبلغ باسم السرقفليّة من المستأجر بعنوان القرض المشترط في ضمن عقد الإيجار، أو كجزء من إيجار الشهر الأوّل مثلا.

ويرى صاحب هذا النقاش أنّه بإمكاننا تثبيت النتائج المطلوبة في فكرة حقّ السرقفليّة بأحد طريقين:

الأوّل: أن يشترط المستأجر على المالك في ضمن عقد الإيجار أن يعمل بما يرغبه المستأجر من عدم تصعيد مبلغ الإيجار، وعدم إخراجه بعد انتهاء المدّة من الحانوت، وتجديد الإيجار منه بنفس المبلغ، أو إيجاره بنفس المبلغ من أيّ شخص آخر يتّفق معه المستأجر الأوّل، وأن يتعامل مع المستأجر الجديد نفس تعامله مع المستأجر الأوّل، ويكون من حقّ المالك أن يأخذ مبلغ السرقفليّة من المستأجر الأوّل بعنوان جزء من الإيجار في الشهر الأوّل مثلا، كما يكون من حقّ المستأجر الأوّل أن يأخذ المبلغ من المستأجر الثاني مقابل أن لا يزاحمه في إيجار المالك للحانوت إيّاه، إذ كانت من حقّه ـ بمقتضى شرطه مع المالك ـ هذه المزاحمة فيأخذ منه المبلغ كشرط أو جعالة أو من قبيل الهبة المعوّضة، عوضها عدم مزاحمته إيّاه.

والثاني: أن يشترط المستأجر على المالك توكيله في تجديد الإيجار على نفسه بنفس المبلغ وإيجاره على شخص آخر ـ لو أراد ـ بنفس المبلغ مع تفويض


(1) راجع المسائل المستحدثة للسيّد الروحاني: 21 - 28.

الصفحة 167

نفس الأمر إلى المستأجر الجديد، ويأخذ المالك من المستأجر بإزاء هذه الوكالة مبلغ السرقفليّة، كما أنّه من حقّ المستأجر الأوّل أن يأخذ مبلغ السرقفليّة من المستأجر الجديد مقابل تفويض الأمر إليه.

وهذه الوكالة لا تقبل العزل لأنّها لزمت بشرطها في ضمن العقد اللازم.

وإذا مات الوكيل انتقلت هذه الوكالة إلى ورثة الوكيل، لأنّ لها قيمة وماليّة. ولو لم نقبل بهذا الإرث أمكن شرط وكالة الورثة بعد موت المورّث في ضمن العقد أيضاً.

وإذا مات الموكّل بقي المستأجر على وكالته، لأنّ الوكالة لا تنفسخ بموت الموكّل، سيّما في الوكالة اللازمة كما في المقام.

أقول: لو سلّمنا عدم انفساخ الوكالة بموت الموكّل فإنّما هو فيما يبقى تحت ملك الموكّل بعد موته، لكونه من الثلث الذي استبقاه في ملكه بالوصيّة مثلا. أمّا دعوى بقاء الوكالة فيما خرج عن ملك الموكّل فغريبة.

وأمّا دعوى انتقال الوكالة بالإرث إلى ورثة الوكيل بعد موته لأنّ لها ماليّة فهذه أيضاً غير صحيحة، فإنّ المقصود بالخير في مثل قوله: ﴿ إن ترك خيراً (1)هو الأمر الذي يكون قائماً بعد موت الميّت، لاستقلاله الخارجيّ عن الميّت، وعدم كونه أمراً إضافيّاً متقوّماً بالميّت كالملك أو الحقّ أو الوكالة، وبهذا يصدق عنوان الترك في قوله: ﴿ إن ترك خيراً . فهذا العنوان إنّما صدق بلحاظ متعلّق الملك أو الحقّ أو الوكالة، لا بلحاظ نفس هذه العناوين الإضافيّة. وعنوان المال والخير وما شابه ذلك أيضاً يراد به متعلّق هذه الإضافات لا نفسها، والمفهوم عرفاً


(1) البقرة: 180.

الصفحة 168

من انتقال المال الخارجيّ من عين أو منفعة إلى الوارث انتقاله في عالم الملكيّة أو في عالم الملكيّة والحقّ، وليس في عالم مطلق الإضافات بما فيها الوكالة مثلا.

وعلى أيّة حال، فنحن لسنا بحاجة في تصحيح نتائج فكرة حقّ السرقفليّة إلى ما ذكره من التخريجات، وذلك لأنّ نقاشه الأساس في الأمر بأصالة عدم قبول الإسقاط والنقل في كلّ ما شككنا في كونه حقّاً أو حكماً، أو شككنا في قبوله للنقل والإسقاط لا نقبل انطباقه على المقام، وذلك لما مضى منّا في شرح مقياس قبول الحقّ للنقل أو الإسقاط، فلا إشكال في أنّ المالك كان له ـ بالعنوان الأوّليّـ حقّ التصرّف في ماله وتعيين مصيره بتجديد الإيجار وعدمه، وتبديل المستأجر وعدمه، وتصعيد مبلغ الاُجرة وعدمه. وهذا الحقّ قابل للإسقاط والنقل كما يظهر بمراجعة ما مضى منّا في ضابط ذلك، لأنّ هذا الحقّ إنّما كان لمصلحة المالك، وله أن يرفع اليد عن المصلحة، وليس متقوّماً عرفاً بعنصر خاصّ بالمالك من قبيل حقّ الولاية، أو الوصاية التي جعلت لشخص الوليّ أو الوصيّ لخصوصيّة فيه، فلا معنى لنقلها إلى غيره.

إذن فيصحّ للمالك نقل هذا الحقّ إلى المستأجر الأوّل، أو نقل المستأجر هذا الحقّ إلى مستأجر جديد، وله أن يجعل ذلك لقاء مبلغ السرقفليّة. وهذه معاملة برأسها، أو تكون شرطاً ضمن عقد الإيجار، ولا حاجة إلى إرجاعها إلى الجعالة أو الهبة المعوّضة أو القرض.

وإذا تمّ نقل هذا الحقّ ثمّ مات المستأجر المنقول إليه، فإن فهمنا من دليل الإرث انتقال متعلّق الحقّ إلى الوارث في عالم الحقّ كما ينتقل في عالم الملك فلا إشكال، وإلاّ فينحصر حلّ الإشكال بالنسبة للوارث بتعميم الشرط في ضمن عقد الإيجار بأن يشترط ثبوت هذا الحقّ للوارث بعد موت المستأجر.

 
الصفحة 169

وأمّا إذا مات المالك الناقل للحقّ فبالإمكان تخريج بقاء الحقّ للمستأجر وعدم جواز نقضه من قِبل الورثة بأنّ المنفعة الباقية للحانوت للورثة قد تضيّقت. فهذا يشبه العين الموروثة التي هي تحت إيجار الآخرين فانتقلت إلى الوارث مسلوبة المنفعة. وبكلمة اُخرى: انّ العين محمّلة بحقّ السرقفليّة، فتورث بهذا الشكل من قبيل إرث العين المحمّلة بحقّ الرهن.

 

مقتضى الروايات الخاصّة:

وقد يناقش في ذلك بإحدى روايتين:

الاُولى: ما عن خالد بن نافع (أو رافع) البجليّ عن ابي عبد الله قال: سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار له مدّة حياته يعني صاحب الدار (والظاهر أنّ هذا التعبير خطأ، والصحيح: يعني من جعلت له السكنى) فمات الذي جعل السكنى و بقي الذي جعل له السكنى، أرأيت إن أراد الورثة أن يخرجوه من الدار ألهم ذلك؟ قال: فقال: أرى أن يقوّم الدار بقيمة عادلة وينظر إلى ثلث الميّت، وإن كان في ثلثه ما يحيط بثمن الدار فليس للورثة أن يخرجوه. وإن كان الثلث لا يفي بثمن الدار فلهم أن يخرجوه...(1).

فقد يقال: إنّ هذا الحديث دلّ على أنّ متعلّق حقّ السكنى لو لم يدخل في الثلث انتقض الحقّ بموت المالك، فكذلك الأمر فيما نحن فيه.

والجواب ـ بقطع النظر عن ضعف سند الحديث ـ: أنّ هناك فرقاً يحتمل كونه فارقاً بين ما نحن فيه ومورد الحديث، وهو أنّ تصرّف المالك في مورد الحديث كان مجّاناً فلم يأكل هو منفعة الدار، والتصرّف المجّانيّ نفّذ شرعاً بمقدار


(1) الوسائل 13: 331، الباب 8 من أحكام السكنى والحبيس، الحديث 1.

الصفحة 170

حياته. أمّا في مورد السرقفليّة فالمالك أعطى الحقّ للمستأجر بإزاء مبلغ السرقفليّة. وهذا يعني أنّه أخذ المنفعة المستقبليّة في حال حياته، فهو شبيه بما لو أجّر الدار لمدّة من الزمن ثمّ مات قبل انتهاء الإيجار، فالوارث يرث الدار مسلوبة المنفعة، ويرث الاُجرة لو كانت باقية.

والثانية: ما ورد بسند تامّ عن عمر بن اُذينة قال: كنت شاهداً عند ابن أبي ليلى وقضى في رجل جعل لبعض قرابته غلّة داره ولم يوقّت وقتاً، فمات الرجل فحضر ورثته ابن أبي ليلى وحضر قرابته الذي جعل له غلّة الدار، فقال ابن أبي ليلى: أرى أن أدعها على ما تركها صاحبها، فقال محمّد بن مسلم الثقفيّ: أما إنّ عليّ ابن أبي طالب قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت، فقال: وما علمك ؟ فقال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ يقول: قضى عليّ بردّ الحبيس وإنفاذ المواريث، فقال له ابن أبي ليلى: هذا عندك في كتابك؟ قال: نعم، قال: فارسل وائتني به، فقال له محمّد بن مسلم: على أن لا تنظر من الكتاب إلاّ في ذلك الحديث، قال: لك ذلك. قال: فأحضر الكتاب وأراه الحديث عن أبي جعفر في الكتاب فردّ قضيّته(1). واختصاص مورده بحبيس لم يوقّت فيه الوقت لا يضرّ بإطلاق النصّ.

ونحوه حديث آخر (2) لم يذكر في مورده هذا القيد إلا أنّه غير تامّ سنداً.

فيقال: لئن كان الحبيس يردّ إلى الورثة فكذلك حقّ السرقفليّة.

وهنا أيضاً يكون الفارق الذي ذكرناه في ذيل الرواية الاُولى موجوداً، فالحبس عبارة عن تخصيص المنافع للمحبوس له دون أكل المالك لها بأخذ ما


(1) و (2) الوسائل 13: 328 و 329، الباب 5 من أحكام السكنى والحبيس، الحديث 1 و 2.

الصفحة 171

يقابلها، بخلاف ما نحن فيه المفروض أكل المالك فيه لحقّ السرقفليّة بأخذ العوض، فذاك العوض لو كان باقياً كان هو الذي ينتقل إلى الوارث بالإرث، ولو كان مصروفاً كانت العين هي التي تورث فحسب مسلوبة المنفعة.

هذا، مضافاً إلى أنّه لا بدّ من تخصيص هذه الرواية بفرض عدم توقيت الحبس، لا بمدى حياة المحبوس له ولا بأمد آخر، مع عدم فرضه تحبيساً مؤبّداً الذي هو راجع إلى الوقف. والوجه في هذا التخصيص هو ورود روايات صريحة في أنّ السكنى والعمرى لو جعلت لمن يسكن في الدار مع عقبه فهي له ولعقبه حتى يفنوا ثمّ تردّ إلى صاحب الدار(1). ومن الواضح: أنّ الغالب في هذا الفرض هو موت المالك قبل فناء عقب المحبوس له.

 

تخريج جديد لحقّ السرقفليّة:

هذا، وهناك منحىً آخر لفهم فكرة حقّ السرقفليّة لا بأس بالتعرّض له ومناقشته، وهو أن يقال: إنّ حقّ السرقفليّة (الناتج عن هذه النكتة التي سنشرحها) خاصّ بمثل الحانوت البكر الذي أشغله المستأجر إلى أن راج الحانوت وتعارف الناس عليه وتعوّدوا على التردّد عليه، فأوجب ذلك رفع قيمة الدكان، إذ من الواضح أنّ الدكان الذي لم يتعوّد الناس على التردّد عليه والشراء منه يكون أقلّ قيمة من الدكان الذيّ تعوّد الناس عليه، فالمستأجر يطالب عند إخراجه من هذا الدكان بهذا الفارق في القيمة أو بجزء منه، ويأخذه من المالك الذي يخرجه أو يشترط عليه تصعيد الاُجرة أو من المستأجر الجديد الذي يطالبه بمغادرة الحانوت كي يعقد هو الإيجار مع صاحب الدكان ويحلّ محلّه، وذلك


(1) راجع الوسائل 13: 325، الباب 2 من كتاب السكنى والحبيس.

الصفحة 172

بدعوى أن خالق القيمة يملكها، وهذا المستأجر هو الذي خلق القيمة الإضافيّة لهذا الدكان، أو أنّه سهيم في خلق هذه القيمة الإضافيّة.

ولا ترد على هذا البيان جملة من الإشكالات الواردة على فكرة القيمة الفائضة المنسوبة إلى ماركس، فماركس أقام فكرته على أساس أنّ العمل هو الأساس الوحيد للقيمة، وهذا مناقش في محلّه، إلاّ أنّنا هنا لا نقيم الفكرة على هذا الأساس، وإنّما نقول: إنّه لا إشكال في أنّ المستأجر يكون لعمله سهم في رفع قيمة الدكان، فله حقّ المطالبة بجزء من هذه القيمة الإضافيّة باسم السرقفليّة.

وكذلك ماركس ادّعى أنّ القيمة الفائضة جاءت من ناحية أنّ المستأجر يشتري من العامل قوّة العمل ويستلم منه نفس العمل، وقوّة العمل أرخص من نفس العمل، لأنّ إرجاعها بعد استهلاكها ليس بحاجة إلاّ إلى قليل من العمل والمصرف. فالقيمة الفائضة تخلق من الفارق بين قوّة العمل ونفس العمل، وهذا الكلام مناقش في محلّه لكنّنا لسنا بحاجة إليه في ما نحن فيه، وإنّما نقول: إنّ المستأجر سهيم ـ على أيّ حال ـ في رفع قيمة الدكان، فله المطالبة بشيء مّا في مقابل ذلك.

وأيضاً يرد على ماركس الذي لا يؤمن بغير المذهب الحسّيّ والتجريبيّ في نظرية المعرفة أنّه كيف عرف أنّ الذي يملك القيمة الفائضة هو خالقها؟! وليس هذا شيئاً دلّ عليه الحسّ أو التجربة، ونحن لا نبني كلامنا طبعاً على مباني الحسّ والتجربة كي يرد هذا الإشكال.

ولكنّ الصحيح ـ رغم هذا كلّه ـ أنّ تأثير عمل المستأجر في رفع قيمة الدكان وإن صلح كداع للاتّجاه إلى فكرة السرقفليّة ثمّ تخريجها على أساس البيان الذي مضى منّا ولكنّه لا يصلح كتخريج شرعيّ لحقّ السرقفليّة. فنحن وإن كنّا لا

 
الصفحة 173

نشكّ في أنّ عمل المستأجر في كثير من الأحيان سهيم في رفع قيمة الدكان ولكنّنا نناقش في كون ذلك كافياً في امتلاكه لهذه القيمة المرتفعة أو جزء منها، ونقول: هل أنّ الحكم بامتلاكه لما خلقه من القيمة عقليّ أو عقلائيّ؟

فإن قيل: إنّ هذا حكم عقليّ فالعقل يحكم بأنّ من يخلق قيمةً مّا يملكها لا بمعنى الملكيّة الاعتباريّة حتى يقال: إنّها مجعولة من قبل العقلاء وليست عقليّة، بل بمعنى الأولويّة العقليّة من قبيل ما يدّعى من حكم العقل بأولويّة الإنسان على عمله وجوارحه من الناس الآخرين.

قلنا: إنّنا لا نحسّ بحكم عقليّ من هذا القبيل في نتائج العمل التي تنفصل عن نفس العمل. وممّا ينبّه الوجدان على كون هذا حكماً عقلائيّاً لا عقليّاً اختلاف المجتمعات المختلفة والأزمنة المتعدّدة في قبوله وعدمه، بل تفريق مجتمع واحد في زمان واحد بين مصداقين من مصاديق خلق القيمة، فمثلا قد يقال: إنّ للمستأجر حقّ السرقفليّة لأنّه كان سهيماً في رفع قيمة الدكان، ولكن لا يقال بمثل ذلك في رجل عالم أو ألمعيّ يتهافت عليه الناس، فسكن منطقة قليلة السكّان وأدّى ذلك إلى غلاء أسعار بيوت تلك المنطقة أو إيجاراتها لتهافت الناس على مجاورته، أو في شركة مدّت أنابيب الغاز أو أسلاك الكهرباء إلى منطقة مّا وأدّى ذلك إلى غلاء أسعار بيوتها وما شابه ذلك.

وإن قيل: إنّ هذا حكم عقلائيّ.

قلنا: إنّ هذا الارتكاز العقلائيّ متأخّر عن عصر التشريع الإسلاميّ، فليس سكوت المشرّع عنه دليلا على الإمضاء.

   هذا تمام كلامنا في بحث الحقّ.

 

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب