19 ربيع‌الثاني 1437

بيان (۸۲) بيان سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظلّه الوارف) بشأن مؤامرة تقسيم العراق وإضعافه

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أبناءنا الأكارم.. أيّها الشعب الأبي.. إنّ ما بلغه أمرُ العراق في الظروف الراهنة موجب لحزن أبيكم ولوعته، فإنّ قلبي لا يطيق هذه المأساة المخيّمة على ربوع بلد أهلي وأبنائي وعشيرتي، فإنّي أرى في الاُفق معالم الفتنة التي حذّرت المتصدّين للاُمور منها في بيانات سابقة، إذ أبديت لهم النصحية الكافية وكشفت لهم فيها عن مكامن الخطر.. وها هي اليوم تُدخل العراق وأهله حالة التشتّت في قواه، والخنوع للأجنبي في سيادته وعزّة أهله، والهبوط عن مكانته وموقعه بين الاُمم على مرأى من السياسيّين والإعلاميّين، وأصحاب القرار والبرلمانيّين، وعلى مسمع رجال الحكومة ودراية منهم، ألا وهي الفتنة المتمثّلة بالمشروع الأمريكىّ للمنطقه عموماً وللعراق خصوصاً; حيث بوادر تفتّت العراق وتقسيمه تظهر في حفر الخندق حول المناطق الشماليّة من البلد، وتواجد القوّات التركيّة على أرض نينوى، وإعلان الحكومة الاقليميّة في الشمال عن طرح مشروع الانفصال على الشعب الكردىّ، بل وعود الأمريكان بمباركة وتأييد الحكومة الاقليميّة في الشمال إذا ما أعلنت انفصالها عن الحكومة المركزيّة.

وتظهر معالم المشروع الأمريكىّ في إضعاف العراق عسكريّاً وأمنيّاً بمشروع تذويب قوّات الحشد الشعبىّ المقدّس، وعزل بعض قياداته المخلصة، ليتمكّن العدوّ الأمريكىّ بعد إضعاف العراق عسكريّاً من تمرير مشروعه الذي أعلن سابقاً عنه من إرسال قوّات برّيّة أجنبيّة مقاتلة تحمي تنفيذ مخطّطه الذي يكون تقسيم العراق من اُولى أولويّاته.

بل تدخّل بعض رجال المشروع الأمريكي ودعاته بشكل صريح في تحريض الإخوة السنّة في المحافظات الغربيّة، وتشجيعهم على إعلان وضع مستقلّ لهم، وتأتي في هذا السياق التصريحات الطائفيّة لرجل الأمن السعودىّ الذي يعمل بصفة سفير في العراق، حيث كانت متضمّنة لإثارة الفتنة الطائفيّة، ومتطاولة على أبنائنا في الحشد الشعبىّ، وتمثّل تدخّلاً سافراً في الشأن العراقىّ..

كلّ ذلك لأجل أن ينتهي الأمر إلى قبول السياسيّين بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم رئيسة تخضع لحكم فيدرالىّ في بغداد كشرط أساس تضعه الولايات المتحدة لحسم الملفّات الساخنة التي تديرها في العراق.

فيا أبنائي وأهلي.. اُعلن لكم اليوم كما أعلنت سابقاً: أنّني لن أدّخر جهداً في الدفاع عن سيادتكم، وعزّتكم، وأمنكم، ووحدة أرضكم مهما كلّف الثمن.. وأقولها من موقع المسؤوليّة وإتمام الحجّة للموطّئين للفتنة: إنّ وحدة البلد وأمنه وسيادته وعزّة أهله قيم بالغة، ومصالح أساس، ليس لجهة تجاهلها، أو تجاوزها، أو المهادنة عليها مهما كلّف ذلك، والمعنىّ أوّلاً بهذا الأمر هي الحكومة، وعليها الكفّ عن المواقف الذليلة تجاه ما يهدّد القيم الأساس والمصالح العليا للبلد، وليحمل رجالاتها نصيحتي هذه على نحو الجدّ تجاه فتنة تقسيم العراق قبل فوات الأوان وضياع العراق بتخاذلكم وتهاونكم تجاه المشروع الأمريكىّ ممّا يسجّله التأريخ علامة سوداء في صحيفة أعمالكم في مشهد الله تعالى والأجيال القادمة، ويصدق فيكم قول أمير المؤمنين عليه السلام: (واللّهِ، إِنَّ امْرئً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفسِهِ، يَعْرُقُ لَحْمَهُ، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ، أنتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ..). نهج البلاغة، الخطبة: 34.

وفي هذا السياق لابدّ من أن يعلم: أنّ الأمريكان رأس كلّ شرّ وفساد في العالم ﴿اِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ـ النمل: 34 ـ وأنّ شعبنا وأهلينا في العراق اُمّة حيّة ويقظة، واُذن واعية لنصائح مرجعيّتها الرشيدة التي لن تسمح للعدوّ بتمرير مشاريعه الخبيثة. وأنّ شعبنا الكردىّ الغيور لن يخدعه شعار الاستقلال المستورد من أمريكا وإسرائيل، وهو لازال يتذكّر مواقف هؤلاء الأجانب في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن المنصرم من قضيّته، ويميّز بينها وبين موقف المرجعيّة الشيعيّة المدافعة عنه، والمحرّمة لقتاله. كما يدرك أبناء الطائفة السنّيّة الكريمة أنّ الصهيونيّة العالميّة التي تهيمن اليوم على المفاصل الرئيسة في مؤسّسات الدولة الأمريكيّة وصنع القرار الأمريكىّ لم ولن تفكّر في خدمة مصالح المسلمين سنّة كانوا أو شيعة، عرباً كانوا أو كرداً; إذ يكفي تأريخهم الطويل في عداوة الشعوب وسرقتهم وإذلالهم وقتلهم لكشف هذه الحقيقة، وما جرائمهم في غزّة عنّا ببعيدة، بل قال الله تعالى فيهم وهو أصدق القائلين: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. المائدة: 82.

واُوجّه خطابي في هذه اللحظة التأريخيّة العصيبة إلى المتصدّين للمسؤليّات بمجموعهم وعلى كافّة المستويات من السياسيّة والتنفيذيّة والبرلمانيّة والقضائيّة.. بأنّهم فشلوا في تحمّل الأمانة، وأداء المسؤوليّة تجاه شعبهم ووطنهم، وأخصّ بالذكر منهم الحكومة التي اتّجهت في مواقفها الوجهة المنفّذة للمشروع الأمريكىّ في البلد، فلابدّ من تصحيح المسير والعودة إلى السراط القويم، وليعلموا أنّ الشعب العراقىّ الأبىّ قد يمهل ولكن لا يهمل.

ويا رجال الأحزاب والتنظيمات والتجمّعات السياسيّة.. اعلموا إذا اتّقيتم الله في هذا الشعب المظلوم، وتمسّكتم بحبله تعالى، واجتمعت كلمتكم على خدمة هذه الاُمّة العراقيّة المظلومة، فالخير كلّ الخير معكم، وقد ندبكم الله تعالى إلى الاعتصام بحبله، ونهاكم عن التفرّق، فإن استجبتم لله تعالى، أنزلت السماء بركاتها على العراق، وأخرجت الأرض ثمارها، وقد قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. هود: 117.

ويا علماء الاُمّة الكرام، ويا طلاب العلم في الحوزات العلميّة المباركة.. قد حان وقت الإنذار وتثقيف الاُمّة بمسؤوليّاتها والعمل على إفشال المشروع الأجنبىّ المناهض لمصالح الاُمّة.

ويا من ولّى وجهه شطر أمريكا من رجال الداخل والمنطقة، فكان لسانها الناطق ويدها العاملة.. اعتبروا بعاقبة من سار قبلكم في هذا الطريق; إذ إنّ سياسة أمريكا الماكرة كانت وما زالت لا تفهم قيماً متعالية، ولا أخلاقاً متسامية، ولا مبادئ حقّة ثابتة، بل تدور ما دارت مصالحها القوميّة، واقتضته سياستها الخارجيّة، فهي على استغلال طاقات من كان قبلكم ممّن استهوته قوّتها وجبروتها، فإذا استوفت غرضها وبلغت بغيتها طرحته كما تطرح فضلات طعامها.. فالرهان على وعودها ومشاريعها رهان فاشل عند كلّ ذي عقل سليم.

اللّهمّ اشهد: أنّي أدّيت الأمانة، وبلّغت الرسالة، فـ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾. يونس: 84-85. والحمد لله ربّ العالمين.

19 / ربيع الثاني / 1437 هـ  

 كاظم الحسينيّ الحائريّ