تواضعه

يشهد كلّ من عرف سماحته (دام ظله)عن قرب بتواضعه الاجتماعيّ والعلميّ، وقد صادف ذات يوم أن طلب منه أحد حُضّار درسه تعريفاً إلى الحوزة وكان سماحة السيّد على علم من أنّ هذا الطالب يحضر الدرس بعض الوقت ولايحضر ما يزيد على نصف الوقت من الشهر فخاطب الطالب قائلاً: "كيف أكتب لك؟ أنت لاتحضر كلّ الوقت فهل أكتب أنّك تحضر نصف الوقت؟"، قال الطالب: إبْكَيْفَك (يعني الأمر إليك).
فقال سماحة السيّد أكتب: "كذا ..."، فأجاب الطالب بنفس الجواب. وهكذا إلى ثلاث مرّات، ففهم سماحته أنّ الطالب يقصد أنَّ الأمرَ كيفيٌ ولايخضع للموازين، فانزعج من ذاك الطالب وعاتبه عتاباً شديداً إلاّ أنّ ردّ الطالب كان لطيفاً وأطلعنا على أ نّه كان يقصد من تعبيره ذاك أنّ الأمر إليك، وبعد صلاة المغرب والعشاء بيّنا مقصود الطالب لسماحة السيّد وطلبنا منه أن يأذن لنا فنزور ذاك الطالب ونعتذر منه فأبى وقال أنا أعتذر، وكلّما طلبنا منه أن لايفعل لم يقبل وفي اليوم التالي وبعد ما أتَمَّ سماحته إلقاء درسه طلب من حضّار الدرس أن لايتفرّقوا حتّى يعتذر للطالب الذي عاتبه نتيجة أنّ عبارة الطالب كانت موهمة، وذكر: إنّ الروايات تُصَرّح بأنَّ من كسر مؤمناً فعليه جَبره ولقد كسرت بالأمس فلاناً واليوم أعتذر لعلَّ اعتذاري يكونُ جبراً.
هذا النوع من التواضع لم يُؤلَف ورأيناه من سماحة السيّد(دام ظله) .
ومن تواضعه أنّه كان يباشر أحياناً قضاء حوائج البعض بنفسه عندما كان قادراً على تلبيتها.
وقد رأيناه (دام ظله) مرّات عديدة يأتي بالطعام لضيوفه أو بعض مَن يعمل له بيديه على الرغم من وجود من يفعل ذلك.
كما رأيناه يستجيب لدعوة كلّ من يدعوه إلى بيته حتّى إذا كان من أبسط الناس، والشواهد على ذلك كثيرة لا مجال لذكرها في هذا المختصر، ويشهد بها كلّ من عاشره عن قرب.
ومن تواضعه أنّه كان يقبل الكلام المنطقيّ والفكرة العلميّة الصحيحة حتّى إذا جاءت من أصغر طلبة العلم.
ومن تواضعه أنّه كان يرفض التصديّ للمرجعيّة على الرغم من كثرة مقلّديه، وكان يكتفي بالإجابة عن الاستفتاءات التي كانت تصل إليه من شتّى أنحاء العالم، ولم يوافق على طبع فتاويه على الرغم من إصرار بعض محبّيه ومريديه، إلاّ بعد ما أحسّ بالوظيفة الشرعيّة تجاه ذلك; ولهذا نجد أنّ رسالته العمليّة لم تطبع إلاّ بعد مضي أكثر من عشرين سنة على تدريسه لأبحاث الخارج.
والجدير بالذكر هو أنّ هذه الحالات من التواضع ليس فيها أيّ تكلّف أو افتعال، بل هي حالة طبيعيّة وعفويّة تعيش في أعماق نفسه (دام ظله).