كلمة المكتب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

يمتاز الفقه الإسلاميّ في إطار مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالمتانة أوّلاً وبالحيويّة ثانياً; لارتكاز هذه المدرسة على مبدأ الاجتهاد المنفتح بماله من مضمون موضوعيّ مسوّغ منطقيّاً وعمليّاً، لا بمعنى الرأي الشخصيّ السيّال في مطبّات الرؤية الذاتيّة.

ولم يعطّل هذا المبدأ في حركة الفقه لدى هذه المدرسة طرفة عين، بل ظلّ مستمراً وفاعلاً في اُفق الزمن أسفر عنه بناء معرفيّ ضخم ممتدّ بامتداد الشريعة، ومنبسط على مساحات الحياة الرحيبة ناظراً إلى تطوّرها، ومراقباً لانعطافاتها في عمود الزمان.

وإلى جانب هذا المبدأ يلاحظ مبدأ آخر، ألا وهو مبدأ القيادة الدينيّة الذي يصطلح عليه في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بالمرجعيّة. وثمّة ملازمة بين هذين المبدأين وعلقة وثيقة قائمة بينهما، وعلى أثر تلك الملازمة وببركة تلك العلقة اكتسب كلّ منهما قيمة أكبر وقوّة أشد; إذ أنّ الاجتهاد مهما بلغ من العمق والدقّة فإنّه لا يتجاوز الدائرة النظريّة، ولا يتعدّى الأروقة العلميّة، ولا يكاد يتجسّد في واقع الحياة عمليّاً في أغلب الحالات إلاّ من خلال نظام المرجعيّة الذي يربط بين الاُمّة سلوكيّاً وبين المنتوجات الاجتهاديّة.

وفي الوقت نفسه نرى المؤسّسة المرجعيّة لم تتلخّص حقيقتها في كونها وجوداً رابطاً فحسب، فإنّها في المرتبة الاُولى ذات هويّة اجتهاديّة قيّمة; فإنّ المرجع مجتهد أوّلاً، ومتخصّص بالشريعة وخبير بها قبل أن يكون مرجعـاً للاُمّة وموجّهاً لـها ثانياً، بل لابدّ من أن يكون في درجة علميّة اجتهاديّة مرموقة، هذا. مضافاً إلى خصوصيّات اُخرى قد اعتبرت في المرجع تتناسب مع الوظيفة الحركيّة الملقاة على كاهله، وتتلائم مع خطورة الموقع القياديّ الذي يشغله.

فليست المرجعيّة كياناً فارغاً يُملأ من خلال الحماس والميل العاطفيّ من قِبل المُراجعين والمقلِّدين، بل إنّها كيان محكم مبتن على أساس منطقيّ موضوعيّ.

كما أنّ المرجعيّة لم تنحصر وظيفتها مبدأيّاً في حدود بيان الأحكام والتفقيه والنطق باسم الشريعة; إذ أنّ وظيفتها أبعد من ذلك وأخطر; فإنّ المرجعيـّة قيادة حركيّة وريادة فكريّة وايدلوجيّة.

ولقد وقفت مرجعيّتنا على المحكّ في لحظات تأريخيّة عصيبة تجلّى بذلك إخلاصها ومهارتها وحنكتها وشجاعتها; وهذا ما دعا الاُمّة إلى أن تزداد إيماناً بمرجعيّتها، وأن تمنحها ثقتها، بل تذوب فيها، وتسلّم قيادها لها بكلّ وعي وحبّ وإرادة; لما لمسته من وفاء وصدق. فلم تكن المرجعيّة لتتربّع على عرش الافتاء فحسب، بل هي المتصدّي والمدافع الأوّل عن الشريعة وعن الاُمّة معاً.

ونمرّ في التأريخ على نماذج فذّة للمرجعيّة الرشيدة، ولا سيّما في تأريخنا المعاصر، حيث قدّم الشهيد السعيد سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر (قدس سره) أداءً رائعاً للمرجعيّة الكفوءة بما أحدثه من يقظة فكريّة وهزّة حضاريّة من خلال ما طرحه من رؤية إسلاميّة معاصرة في الكون والحياة، وبما صمّم من مشروع سياسيّ دقيق للاُمّة، وقد أضفى موقفه البطوليّ في مشروعه الاستشهاديّ روعةً أكبر على مشروعيه الفكريّ والسياسيّ.

وفي هذا الضوء واصل تلميذه الممتاز سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد محمّد صادق (قدس سره) الصدر طريق اُستاذه علماً ووعياً وقيادةً حتّى حظى بشرف الشهادة اقتداءً باُستاذه العظيم (قدس سره).

ويواصل اليوم تلميذه الآخر سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظله)طريق المرجعيّة الرشيدة الواعية، وقد تضاعفت مسؤوليّته بعد استشهاد الصدرين (قدس سرهما);إذ أخذ على عاتقه إدامة هذه المدرسة الرائدة، ووجد فيه المجاهدون والطبقة الواعية وعشّاق الخط الصدريّ الملاذ الذي يُلجأ إليه.

وبالرغم من أنّنا قد أصدرنا ـ قبل ثلاث سنوات تقريباً ـ نبذة من حياته حفظه الله نزولاً عند رغبة الكثيرين من مريديه ومحبّيه، لمسنا ـ من خلال ما يصل إلى المكتب من أسئلة ملحّة ـ وجودَ رغبة واسعة ما زالت تبغي اطلاعاً واسعاً على السيرة الذاتيّة لسماحته (دام ظله) ; ولأجل ذلك عمدنا إلى تعديل ما أصدرناه سابقاً بما يشتمل على إضافات كثيرة سواء في عرض سيرته الذاتيّة العطرة، أو في بيان مواقفه الجهاديّة الواعية، أو في غير ذلك ممّا يرتبط بتعريف شخصيّته الفذّة، وها نحن نقدّم حصيلة ذلك في ضمن هذا المختصر بين يدي الطالبين، آملين به تحقيق رغبتهم إن شاء الله تعالى. والحمد لله ربّ العالمين.

مكتب
سماحة آية الله العظمى
السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ
( 1425 ﻫ ق )