جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 766

الفقرة (6).

(36) ثالثاً: يجب النحر أو الذبح في حجّ التمتّع، كما مرّ بنا، ولا يعتبر شيء من ذلك في حجّ الإفراد.

أجَل، إذا صَحِب المؤدّي لحجّ الإفراد هدياً معه وقت الإحرام؛ بأن أحضر شاةً ـ مثلا ـ وأعدّها ليسوقها معه في حجّه وجب عليه أن يضحّي بذلك الهدي يوم العيد، ويسمّى الحجّ حينئذ بحجّ القِران؛ حيث إنّ الحاجّ يُقرِن معه الهدي.

(37) رابعاً: لا يجوز اختياراً تقديم الطواف والسعي على الوقوف بعرفات والمزدلفة (المشعر) في حجّ التمتّع، ويجوز ذلك في حجّ الإفراد.

 

ماذا يَحرُم عَلى المُحرِم؟

 

(38) ذكرنا سابقاً: أنّ الحاجّ إذا أحرم للعمرة أو للحجّ حرمت عليه أشياء معيّنة، وهي على سبيل الإيجاز كما يلي:

1 ـ صيد الحيوان البرّي.

2 ـ الاستمتاع الجنسي.

3 ـ الطِيب والرَياحيِن.

4 ـ الزينة.

5 ـ النظر في المرآة.

6 ـ الاكتحال.

7 ـ إخراج الدم من البدن.

8 ـ الفسوق: (الكذب والسبّ).

9 ـ الجِدال.

الصفحة 767

10 ـ قتل هوامّ الجسد: (القمل والبراغيث ونحوها).

11 ـ التدهّن.

12 ـ إزالة الشعر عن البدن.

13 ـ تقليم الأظافر.

14 ـ الارتماس: (غمس الرأس بكامله في الماء).

15 ـ حمل السلاح.

16 ـ قلع شجر الحرم ونبته.

17 ـ لبس الثياب الاعتيادية، وهذا يحرم على الرجال خاصّة.

18 ـ لبس الحذاء الذي يستر تمام ظهر القدم أو الجورَب، وهذا يحرم على الرجال خاصّة.

19 ـ ستر الرأس، وهو محرّم على الرجال خاصّة.

20 ـ التظليل بظلٍّ يتحرّك بحركة المحرِم.

ومثاله: ركوب المحرِم باخرةً أو طائرةً أو سيّارةً غير مكشوفة فتسير به بحراً أو جوّاً أو برّاً. ومثله أيضاً أن يسير المحرم وهو يحمل بيده مظلّةً يستظلّ بها حال سيره، وهذا محرّم على الرجال خاصّة، ولا يحرم عليهم الجلوس في خيمة أو في سيارة وهي واقفة.

21 ـ ستر الوجه، وهذا محرّم على النساء خاصّة.

22 ـ لبس القُفّازَين(1)، وهذا محرّم على النساء خاصّة.

وتفصيل الحديث عن هذه المحرّمات وحدودها وبعض استثناءاتها موكول إلى مناسكنا (موجز أحكام الحجّ).


(1) القُفّاز: لباس الكفّ، وتسمّيه العامّة « الكفوف ». المنجد في اللغة.
الصفحة 768

متى يجب الحج؟

 

(39) يجب الحجّ على: البالغ، العاقل، الحرّ، المستطيع.

والاستطاعة تتكوّن من العناصر التالية:

أولا: الإمكانية المالية لنفقات سفر الحجّ ذهاباً وإياباً لمن يريد الرجوع إلى بلده، وذهاباً لمن لايريد الرجوع.

ثانياً: الأمن والسلامة على نفسه وماله وعرضه في الطريق، وعند ممارسة أعمال الحجّ.

ثالثاً: تمكّنه بعد الإنفاق على سفر الحجّ من استئناف وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج بسبب الحج وما أنفقه عليه.

رابعاً: أن لا يكون ملزماً شرعاً منذ بداية حصول المال لديه بصرفه في واجب أهمّ، كدين حانَ وقت وفائه والدائن يطالِب به.

(40) ويعوّض عن الإمكانية المالية للشخص أن يبذل له آخر القيام بنفقات حجّه، فيجب عليه الحجّ حينئذ، سواء أكان مديناً أم لا ما دامت استجابته لبذل الباذل لا أثر لها بشأن وفاء الدين.

 

الاستنابة في الحجّ

 

تجب الاستنابة في الحجّ ـ بمعنى إرسال شخص آخر للحجّ عنه ـ في حالتين:

(41) الاُولى: إذا كان الإنسان موسراً ولم يُتَح له أن يحجّ لمرض أو أيّ

الصفحة 769

عائق آخر، أو اُتيح له ذلك ولكنّه تسامح ولم يحجّ حتّى ضعف عن الحجّ وعجز عنه لسبب من الأسباب فعليه إذا انقطع أمله في التمكّن من القيام المباشر بالحجّ أن يستنيب شخصاً يحجّ عنه، والأجدر به استحباباً أن يختار شخصاً لم يحجّ من قبل لينوب عنه (1).

(42) الثانية: إذا وجب الحجّ على المكلّف بسبب الاستطاعة ولم يحجّ إلى أن تُوُفّيَ وجب الإنفاق من تركته لتهيئة من يحجّ عنه، وتسدّد نفقات هذا الحجّ من تركة الميّت على الوجه التالي:

(43) (أ) إذا لم يكن الميّت قد أوصى بأن يحجّ عنه اُخرجت النفقات من التركة، ولكن في هذه الحالة لا حقّ للميّت إلّا في نفقات حجّة ميقاتية (2).

والحجّة الميقاتية هي: الحجّة التي لا تكلف النائب السفر إلّا من الميقات الذي يجب الإحرام منه، ونفقاتها أقلّ من الحجّة البلدية التي تكلف النائب السفر من البلد الذي كان المنوب عنه يعيش فيه.

فإذا أمكن وجدان شخص يسكن في الميقات، أو على مقربة منه واستئجاره للحجّ نيابةً عن الميّت أجزأ ذلك.

وفي كلّ حالة نقول فيها: إنّ نفقات الحجّ تخرج من التركة نعني بذلك: أنّ هذا الميّت لو كان قد أوصى بثلثه ليصرف في وجوه البّر ـ مثلا ـ فالواجب أوّلا إخراج نفقات الحجّ من التركة ككلٍّ، ثمّ تقسيم الباقي إلى ثلاثة أقسام وتخصيص قسم منها للميّت وفقاً للوصية.

(44) (ب) إذا كان الميّت قد أوصى بأن يحجّ عنه(3) من تركته وجب


(1) ولا يترك هذا الاحتياط فيما إذا كان ذلك الإنسان الموسر رجلاً.
(2) إلّا أن لا توجد حجّة ميقاتيّة، كما يفهم هذا الاستثناء من المتن الذي يأتي في البند (48).
(3) يعني حجّة الإسلام.
الصفحة 770

الإنفاق من التركة على حجّة بلدية عنه، ولكن إذا خالف الوصي أو الوارث ودفع عن الميّت حجّةً ميقاتيةً من أجل أنّها أرخص برأت بذلك ذمّة الميّت، ولا تجب إعادة الحجّ.

(45) (ج) إذا كان الميّت قد أوصى بأن يحجّ عنه(1) وأوصى أيضاً بإخراج ثلث التركة لأغراض اُخرى فوصيته نافذة، ويجب الإنفاق من التركة على حجّة بلدية عنه، ثمّ إخراج ثلث الباقي من التركة تنفيذاً للوصية.

(46) (د) إذا كان الميّت قد أوصى بأن يحجّ عنه(2) وأن تؤدّي عنه اُمور اُخرى: من صلاة وصيام، أو وجوه البرّ والخير على أن يسدّد ذلك كله من الثلث: فإن اتّسع الثلث لذلك كلّه فهو المطلوب، وإن لم يتّسع إلّا لنصف النفقة التي تتطلّبها كلّ تلك الاُمور الموصى بها اُخرج نصف نفقة الحجّ من الثلث، واُخرج النصف الآخر من باقي التركة.

(47) وإذا علم الوارث بأنّ مورّثه كان مستطيعاً وقد وجب عليه الحجّ ولم يعلم بأنّه هل حجّ أم لا؟ وجب عليه أن يتنازل عن مقدار من التركة بالقدر الذي يفي بحجّة ميقاتية عنه على الأقلّ، فيحجّ عنه من تركته.

(48) ومن مات وعليه حجّة الإسلام تجب المبادرة إلى الاستئجار عنه في سنة موته، ولا يجوز تأجيل ذلك إلى سنة اُخرى. ولا يبرّر التأجيل أن لا يجد الوارث أو الوصي في تلك السنة من يقبل باُجور الحجّة الميقاتية، إذ يتعيّن عليه في هذه الحالة دفع اُجور الحجّة البلدية من تركة الميّت.

وكذلك إذا اقترح الأجير اُجرةً أكبر ممّا هو مقرّر عادةً للنيابة في الحجّ ولم يوجد من يقبل بأقلّ من ذلك فإنّ الواجب تلبية اقتراحه، ولا يسوغ التأجيل


(1) يعني حجّة الإسلام.
(2) يعني حجّة الإسلام.
الصفحة 771

إلى سنة اُخرى.

(49) قد يموت الشخص ويترك مالا قد تعلّق به الخمس ولم يؤدّه، كما أنّه لم يحجّ حَجّة الإسلام في نفس الوقت فيجب إخراج الخمس والإنفاق على الحجّ من الباقي، فإن لم يتّسع الباقي للحجّ سقط واكتفى بإخراج الخمس المتعلق بذلك المال.

وإذا كان هذا الشخص قد أوصى بأن يحجّ عنه حَجّة الإسلام من ماله على الرغم من أنّ ماله متعلّق للخمس فعلى الوصي أن يدفع الخمس أولا، ثم ينفق على الحجّ من الباقي، ولا يجوز له أن ينفق على الحجّ من المال الذي لا يزال الخمس ثابتاً فيه.

(50) وإذا كانت التركة بمجموعها لا تتّسع للحدّ الأدنى من نفقات الحجّ سقط الحجّ، وكانت التركة للورثة ما لم يوجد دين أو وصية، ولا يجب على الورثة تكميل النفقة من مالهم الخاص، كما لا يجب عليهم بذل النفقة للحجّ إذا لم يكن للمّيت تركة إطلاقاً، سواء أوصى بأن يحجّ عنه أو لم يوصِ بذلك.

(51) إذا وجبت حَجّة الإسلام على شخص فمات قبل أن يحجّ ولم يوصِ بالحجّ عنه، وتبرّع متبرّع بالحجّ نيابةً عنه دون أن يأخذ من التركة شيئاً فالتركة للورثة، ولا يجب عليهم أن يستثنوا مقدار نفقات الحجّ منها لمصلحة الميّت.

وفي نفس الفرض إذا كان الميّت قد أوصى بإخراج حَجّة الإسلام من ثلثه وتبرّع المتبرِّع بالحجّ عنه لم يجز للورثة إهمال الوصية رأساً، بل وجب صرف مقدار نفقات الحجّ من الثلث في وجوه الخير والإحسان (1).


(1) الظاهر رجوع المال إلى الورثة.
الصفحة 772

(52) وقد تسأل: هل يجوز للورثة التصرّف في التركة قبل الاستئجار للحجّ إذا كان المورث قد وجبت عليه حجّة الإسلام ولم يؤدّها إلى أن مات ؟

والجواب: إذا كانت التركة واسعةً على نحو لا يخشى عليها عادةً والتزم الوارث بتهيئة الحجّة النيابية المطلوبة جاز له التصرّف في التركة.

(53) وقد تسأل عن الحكم: إذا اختلف الورثة فأقرّ بعضهم بأنّ على الميّت حَجّة الإسلام وأنكر الآخرون أو تمرّدوا فماذا يصنع ذلك الوارث المقرّ المتحرّج في دينه ؟

والجواب: أنّ هذا ليس عليه أن يسدّد كلّ نفقات الحجّ من نصيبه الخاصّ به، فإذا كانت نفقة الحجّ بقدر ربع التركة فليس عليه إلّا أن يبذل ربع ما عنده من أجل الحجّ، فإن اتّفق وجود متبرّع بسائر النفقة أدّى إليه ربع ما عنده، وإلّا تصرّف في كامل حصّته ولا شيء عليه (1).

(54) وإذا وجب الاستئجار لحَجّة الإسلام عن الميّت ـ وفقاً لما تقدم في الفقرة (42) ـ وأهمل من كانت التركة في حيازته حتى تلف المال كان ضامناً، وعليه الإنفاق من ماله على الاستئجار للحجّ عن الميّت.

وإذا تلف المال المذكور في حيازة الوصيّ بدون تفريط وإهمال فلا يضمن، ووجب الإنفاق على الاستئجار للحجّ عن الميّت من باقي التركة.

(55) وإذا أوصى الميّت بالحجّ عنه حَجّة الإسلام، وبعد مدّة مات الوصي ولم يعلم الورثة أنّه هل نفّذَ الوصية أم لا ؟ فيجب إخراج المال الكافي للحجّ من التركة، ولا يسوغ الاعتماد على احتمال التنفيذ.


(1) بل عليه أن يصرف المقدار المتعلق بحصّته على الميّت في سبيل الخير.
الصفحة 773

(56) وإذا كان الشخص قد حجّ حَجّة الإسلام وأوصى بأن يحجّ عنه حَجّة اُخرى اعتبرت نفقات ذلك من الثلث.

وإذا أوصى بحَجّة ولم يعلم هل أنّها حَجّة الإسلام أم غيرها ؟ اعتبرت نفقاتها من الثلث (1).

(57) وإذا أوصى بأن يحجّ عنه حَجّة الإسلام وعيّن مقداراً معيّناً من المال لينفق على ذلك: فإن كان هذا المال أكثر من الاُجرة الاعتيادية التي يتطلّبها الحجّ عن الميّت اُخرج مقدار الاُجرة الاعتيادية من التركة رأساً، واعتبر الزائد منه عن الاُجرة الاعتيادية من ثلث الباقي. وإذا لم يزد على الاُجرة الاعتيادية فيخرج من التركة رأساً.

(58) وإذا كانت الاُجرة الاعتيادية على درجات تبعاً لنوعية الأجير ووجب إخراجها من تركة الميّت، جاز الأخذ بأعلى تلك الدرجات، كما يجوز الأخذ بأدناها.

(59) وإذا كان لدى شخص أو في ذمّته مال لشخص آخر، ومات صاحب المال بعد أن استقرّت في عهدته حجّة الإسلام، واحتمل الشخص الذي في حيازته أو في ذمّته المال أنّه إذا أدّى إلى الورثة أكلوه ولم ينفقوا منه على الحجّ عن الميّت، كان عليه أن ينفق من ذلك المال للحجّ عن الميّت، فإن زاد المال عن اُجرة الحجّ ردّ الزائد إلى الورثة. ولا فرق في طريقة الإنفاق بين أن يستأجر شخصاً للحجّ عن الميّت، أو يحجّ بنفسه نائباً عنه.


(1) لا إشكال في ذلك عندما يكون الشك في وجوب الحجّ على الميّت، أمّا لو علم بوجوبه عليه وشك في أدائه إيّاه فالظاهر هو البناء على عدم أدائه إيّاه فيخرج من الأصل.
الصفحة 774

المنوب عنه والنائب:

اتّضح ممّا سبق: أنّ الشخص لا يُناب عنه في حَجّة الإسلام إلّا إذا استقرّت عليه الحجّة فلم يؤدّها إلى أن مات، أو كان موسراً وعجز عن مباشرة الحجّ بنفسه.

(60) وأمّا في الحجّ المستحبّ فتسوغ الاستنابة فيه عن الأموات والأحياء على السواء، شريطة أن يكون المنوب عنه مسلماً.

ولا فرق في النيابة على العموم بين أن يكون المنوب عنه طفلا مميّزاً أو بالغاً، مجنوناً أو عاقلا، شيعياً أو سنّياً، فتصحّ النيابة عن هؤلاء جميعاً.

هذا بالنسبة إلى المنوب عنه.

(61) وأمّا في مايتّصل بالنائب ـ سواء كان متبرِّعاً بالنيابة، أو مستأجراً لذلك ـ فهناك شروط لا تصحّ حجّة النائب بدونها، وهي كما يلي:

الأول: البلوغ، فلا يجزي حجّ الصبّي ـ ولو كان مميِّزاً ـ عن غيره في حَجّة الإسلام وغيرها من الحجّ الواجب. أجَل، تصحّ نيابة الصبي المميِّز عن غيره في حجٍّ مندوب بإذن الولي (1).

الثاني: العقل، فلا تجزي استنابة المجنون، ولا فرق في ذلك بين المجنون المستمرّ جنونه، والمجنون الذي يصاب بالجنون أحياناً إذا كان العمل في حالة جنونه، وأمّا السفيه فلا بأس باستنابته.

الثالث: الإيمان.

الرابع: أن يكون النائب متمكّناً من القيام بكلّ واجبات الحجّ، وأمّا إذا كان معذوراً في بعضها لمرض أو غير ذلك فليس من المعلوم أنّ نيابته عن غيره في الحجّ الواجب كافية، وعليه فلا يجوز أن يُستأجر لأداء الحجّ الواجب عن غيره، وإذا بادر وتبرّع بأدائه عن الغير فلا يكتفى بذلك.

 


(1) ينبغي أن يكون المقصود وليّه المالي، فلو حجّ بمال شخص آخر وبإذن المالك صحّ.
الصفحة 775

(62) وإذا كان الإنسان مكلفاً بالحجّ في سنة لم يجزْ له إهمال ما هو واجب عليه من أجل أن يحجّ نيابةً عن غيره، ولكن إذا صنع ذلك إهمالا لا جهلا منه بوجوب الحجّ عليه صحّت نيابته وحجّته النيابية.

(63) وقد تسأل: هل يمكن للإنسان أن يستأجر شخصاً من هذا القبيل للحجّ النيابي في سنة على الرغم من أنّه مكلّف بالحجّ في تلك السنة؟

والجواب: أنّ هذه الإجارة لا تسوغ إذا كان الشخص المكلّف بالحجّ عالماً بأنّه مكلف وملتفتاً إلى ذلك.

وقد تسأل: إذا وقعت هذه الإجارة فعلا وأدّى الأجير الحجّ نيابةً فهل يستحقّ شيئاً على المستأجر؟

والجواب: أنّه يستحقّ الاُجرة التي يتقاضاها الاُجراء عادةً للقيام بمثل ذلك العمل، وإذا كانت الاُجرة المحدّدة في الإجارة أكثر من ذلك لم يكن له المطالبة بالزائد؛ لأنّ الإجارة باطلة (1).

(64) ولا يجب في نيابة الحجّ عن الرجل أن يكون النائب رجلا (2)، ولا في نيابة الحجّ عن المرأة أن تنوب امرأة، كما لا فرق في النائب بين أن يكون قد حجّ سابقاً أو لم يحجّ.

(65) ولا بأس بنيابة شخص واحد عن جماعة في الحجّ المستحبّ، ولا يجوز ذلك في الحجّ الواجب، فاذا كان الحجّ واجباً على كلٍّ من الشخصين أو الأشخاص احتاج كلّ منهم إلى نائب مستقلّ.

 


(1) بل الإجارة على تقدير عصيانه للأمر الفوري عليه بالحجّ عن نفسه صحيحة ويستحق الاُجرة المسمّاة دون اُجرة المثل.
(2) الأحوط في الرجل الحيّ الذي وجبت عليه الاستنابة أن يُحجّ عن نفسه رجلاً صرورةً لا مال له.
الصفحة 776

(66) ويسوغ لجماعة أن ينوبوا في عام واحد عن شخص واحد فيحجّ كلّ واحد منهم نيابةً عنه، سواء اختلف قصد بعضهم عن بعض (كما إذا قصد أحدهم النيابة في حجٍّ مستحبّ، وقصد الآخر النيابة في حجٍّ واجب) أو قصدوا جميعاً حجّاً واحداً (كما إذا قصدوا جميعاً النيابة عنه في حَجّة الإسلام احتياطاً، على أساس أنّ كلّ واحد منهم يحتمل أنّ عمل الآخرين ناقص).

(67) إذا كان على الميّت حجّ واجب واستؤجر شخص لأدائه فلا تبرأ ذّمة الميّت بمجرّد ذلك، وإنّما ترتبط براءة ذمّته بأداء الأجير للحجّ على الوجه الصحيح، وكذلك الحال في الحي الذي وجب عليه أن يستنيب شخصاً ليحجّ عنه. وعلى هذا الأساس لابدّ أن يكون الأجير مأموناً على أداء الحجّ، والتعرّف على واجباته، وجديراً بالثقة والاعتماد، وإن كان عادلا إضافةً إلى وثاقته ومعرفته فهو أحسن وأفضل.

 

الطواف المستحب

 

(68) الطواف حول الكعبة الشريفة جزء من العُمرة وجزء من الحجّ، كما مرّ بنا،وهو ـ إضافةً إلى ذلك ـ عبادة مستقلّة يمكن للإنسان أن يؤدّيها، فيطوف دون أن يضمّ إلى ذلك شيئاً آخر من أعمال الحجّ.

وإذا طاف طوافاً مستحباً فليس عليه أن يكون متوضّئاً حال الطواف، ولكن لابدّ أن يكون متوضّئاً عند أداء صلاة ذلك الطواف المستحبّ، إذ « لا صلاة إلّا بطهور »(1).

ويعتبر الطواف بالنسبة إلى المسافر أفضل من الصلاة المستحبّة، خلافاً لأهل مكّة أنفسهم فإنّ الصلاة بالنسبة اليهم أفضل.

 


(1) وسائل الشيعة 1: 258، الباب 2 من أبواب الوضوء، الحديث 3.
الصفحة 777

العبادات

7

الكفّارات

 

 

○   تمهيد.

○   أنواع الكفّارات وأسبابها.

○   كيفيّة أداء الكفّارة.

○   أحكام عامّة للكفّارة.

 

 

الصفحة 779

[تمهيد]

 

الكفّارة:

(1) لمادة كفر « ك ف ر » في اللغة العديد من المعاني، منها: الإنكار والجحود، والمحو، والتغطية.

والمراد هنا بالكفّارة ـ بتشديد الفاء ـ ما يؤدّى بدلا عن نقص أو ذنب تماماً، كالعقوبة أو الأرش، أي ما يجبر النقص، وهذه العقوبة أو هذا الأرش مقدّر شرعاً تبعاً لنوع النقص والذنب في نظر الشارع، وقد تكون العقوبة ماليةً، كإطعام عدد معيّن من المساكين أو كسوتهم، وقد تكون نفسيةً، كالصيام، والكفّ بعض الوقت عن الطيبات وضرورات الحياة.

وكلّ كفّارة تعتبر عبادة، ويجب أن يؤتى بها بنية القربة، ولا تصحّ إلّا من المسلم.

(2) كما يجب في الكفّارة أن يقصد المكلّف بها التكفير عن ذنبه الذي كان سبباً في وجوب تلك الكفّارة عليه، فإذا اجتمعت عليه كفّارات متعدّدة وجب أن يعيّن كلّ واحدة منها عند أدائها، سواء كانت تلك الكفّارات متماثلة(1) ـ كما لو


(1) إن كانت الكفّارات متماثلةً كفى قصد الجامع، ولا حاجة إلى قصد خصوصية الفرد إلّا إذا ←
الصفحة 780

كرّر ذنباً واحداً مرّات عديدة ـ أو متغايرةً، كما لو ترتّبت عليه كفّارات من أنواع شتّى بأسباب مختلفة.

 

[ أنواع الكفّارات وأسبابها ]

 

(3) (أ) من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً وجبت عليه الكفّارة؛ كما تقدم في الصيام. والكفّارة هي: أن يختار القيام بأحد اُمور ثلاثة: عتق رقبة مؤمنة (أي مسلمة)، أو صيام شهرين، أو إطعام ستّين مسكيناً، فأيّ واحد من هذه الاُمور أتى به كفاه وكان تكفيراً عن ذنبه. وتسمّى هذه الكفارة من أجل ذلك بالكفّارة المخيَّرة؛ لأنّ المكلّف فيها بالخيار بين ثلاثة أشياء، وكلّ كفّارة من هذا القبيل يطلق عليها اسم الكفّارة المخيّرة.

(4) وتتعدّد هذه الكفّارة بعدد الأيام التي أفطرها من شهر رمضان. وأمّا إذا استعمل المفطر في يوم واحد مرّتين بأن أكل طعاماً ثمّ شرب ماءً فليس عليه إلّا كفّارة واحدة.

(5) ويستثنى من ذلك ما إذا جامع أو استمنى مرّتين فإنّ عليه حينئذ كفّارتين، وكذلك الأمر إذا جامع أو استمنى مرّةً واحدةً بعد أن مارس غير ذلك من المفطرات فإنّ عليه كفّارتين أيضاً.

(6) (ب) من عاهد الله تعالى على شيء بصورة صحيحة ـ على ما يأتي



كان يترتّب أثر خاصّ عليه، كما لو ظاهر من امرأتين فكفّر عن أحد الظهارين فالمفروض به أن ينوي أحدهما بالخصوص كي تحلّ له تلك الامرأة.
الصفحة 781

في القسم الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ـ ثمّ خالف عهده فعليه أن يكفّر، وكفّارته نفس الكفّارة السابقة.

(7) (ج) من نذر لله تعالى شيئاً بصورة صحيحة ـ على ما يأتي في القسم الثالث ـ ثمّ خالف نذره فعليه أن يكفّر، ويكفيه تكفيراً أن يعتق رقبةً أو يطعم ستّين مسكيناً (1).

(8) (د) من أقسم بالله يميناً بصورة صحيحة ثم خالفه وجب عليه أن يكفّر، وكفّارته أن يختار القيام بأحد اُمور ثلاثة: عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز عن كلّ ذلك صام ثلاثة أيام متواليات.

(9) (هـ) من أقسم بالله يميناً أن لا يواقع زوجته لمدّة لا تقلّ عن أربعة أشهر وجب عليه أن ينقض يمينه، ويعود إلى حياته الخاصّة مع زوجته (على ما يأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى)، ويسمّى ذلك بالإيلاء، فإذا نقض الزوج يمينه هذا وعاد إلى معاشرة زوجته وجبت عليه الكفّارة، وهي نفس كفّارة اليمين الآنفة الذكر.

(10) (و) إذا قال الزوج لزوجته: « أنتِ عَلَي كظهرِ اُمّي » سمّي ذلك ظهاراً، وإذا توفّرت الشروط الشرعية ـ التي يأتي استعراضها في موضعه من القسم الثاني ـ حرمت عليه مقاربة زوجته حتّى يكفّر عن هذا الكلام، وكفّارته أن يعتق رقبة، فإن لم يتيسّر له ذلك صام شهرين، فإن لم يتيسّر أطعم ستيّن مسكيناً، وتسمّى هذه الكفّارة بالكفّارة المرتّبة؛ لأنّ الاختيار لم يترك للمكلف، بل عيّن له


(1) هذا فيما إذا تعلّق نذره بترك الحرام، أمّا لو كان قد تعلّق نذره بمجرّد أمر راجح فتكفي في كفارة حنث النذر كفارة حنث اليمين، والمفروض أن يتوب أيضاً إلى الله؛ لأنّ حنث النذر الراجح إذا قال: (لله عليّ) محرّم.
وفي خصوص حنث نذر صوم يوم معيّن الأحوط وجوباً مع عدم إمكان العتق أن يطعم ستّين مسكيناً.
الصفحة 782

نوع الكفّارة على سبيل الترتيب.

(11) (ز) إذا قتل الإنسان إنساناً آخر خطأً فعليه الكفّارة، وهي نفس كفّارة الظهار المتقدّمة. وإذا اشترك جماعة في هذا الخطأ وجبت هذه الكفّارة على كلّ واحد منهم.

(12) (ح) إذا جامع المعتكف امرأةً في اعتكافه بطل اعتكافه ـ كما تقدم في الفقرة (9) من الاعتكاف ـ ووجبت عليه الكفّارة، والأجدر به احتياطاً وجوباً أن يكفّر على النحو الذي يكفّر به الزوج كفّارة الظهار (1).

(13) (ط) إذا قتل الإنسان مؤمناً ظلماً وعدواناً كان عليه إضافةً إلى القصاص الكفّارة (2)، يؤدّيها إذا أمهله القصاص، وهي أن يجمع بين الاُمور الثلاثة: عتق رقبة، وصيام شهرين، وإطعام ستّين مسكيناً، ومن أجل ذلك تسمّى بكفّارة الجمع.

وإذا اشترك جماعة في هذا العدوان فقتلوا شخصاً ظلماً وجبت هذه الكفّارة على كلّ واحد منهم.

(14) وقد قال عدد من الفقهاء(3) بأنّ من أفطر في نهار شهر رمضان متعمّداً على حرام فعليه كفّارة الجمع هذه (4). ومثاله: أن يشرب الخمر أو يزني.

(15) (ي) إذا صام قضاءً عن شهر رمضان وأفطر بعد الظهر قبل انتهاء النهار


(1) الأقوى كفاية كفّارة إفطار شهر رمضان.
(2) على الأحوط وجوباً، أمّا في فرض الدية فلا إشكال في وجوب ضمّ الكفّارة إليها.
(3) منهم الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 2: 118 ذيل الحديث 1892، والشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام 4: 208 ـ 209 ذيل الحديث 604، وابن حمزة في الوسيلة: 146.
(4) هذا عندنا احتياط استحبابي.
الصفحة 783

وجبت عليه الكفّارة، وكفّارته أن يطعم عشرة مساكين، فإن لم يتيسّر له ذلك صام ثلاثة أيام.

(16) (ك) يحرم على الإنسان أن يقسم يمين البراءة، بأن يقول ـ مثلا ـ إنّه يبرأ من الله تعالى أو من النبي أو الإمام إذا فعل كذا، فإذا أقسم على هذا النحو كان آثماً وعليه أن يكفّر، وكفّارته إطعام عشرة مساكين.

(ل) يجب التكفير بهبة كمّية من الخبز أو الاُرز أو الطحين أو غير ذلك من الطعام تقارب ثلاثة أرباع الكيلو، وذلك في الحالات التالية:

أولا: (17) إذا كان على الإنسان قضاء يوم من شهر رمضان وتسامح فلم يؤدّهِ إلى أن حلّ رمضان الآخر. وإذا كان عليه يومان كانت عليه كفّارتان من هذا القبيل، وهكذا تتكرّر بعدد الأيام التي لم يقضِها من رمضان السابق حتّى حلّ رمضان الثاني، على ما سبق في فصل صيام غير شهر رمضان.

ثانياً: (18) إذا مرض الإنسان في شهر رمضان فلم يصُمْهُ واستمرّ به المرض إلى رمضان الآخر سقط عنه القضاء، وكان عليه أن يعوِّض عن كلّ يوم من القضاء بهبة ثلاثة أرباع الكيلو من الطعام.

ثالثاً: (19) إذا أفطر الرجل أو المرأة الطاعنان في السنّ ومن إليهما ـ ممّن تقدم في فصل صيام شهر رمضان ـ أنّهم مرخَّصون في الإفطار مع الفدية، (لاحظ الفقرة 21 ـ 24)، وتسمّى الكفّارة المفروضة في هذه الحالات بالفدية، وهي ليست كفّارةً بالمعنى الذي يفترض ذنباً يكفّر عنه؛ لأنّ هؤلاء ليسوا آثمين، وإنّما وجبت عليهم هذه الفريضة كتعويض، فهي بالتعويض أشبه منها بالكفّارة.

وهناك كفّارات تترتّب على المُحرِم للعمرة أو للحجّ إذا ارتكب أشياء معينةً ممّا تحرم عليه، نترك الحديث عنها إلى كتابنا (موجز أحكام الحجّ).

(20) وقد تتعرّض المرأة لمصيبة فتجزّ شعرها أو تخدش وجهها ونحو ذلك،

الصفحة 784

ولا كفّارة عليها في هذا، وإنّما عليها أن تتوب وتعود إلى رشدها، وتتحلّى بالصبر والاستسلام لأمر الله تعالى.

(21) ولا كفّارة على من يقارب زوجته وهي حائض وإن كان آثماً، وإنمّا عليه أن يتوب.

(22) ولا كفّارة على من نام عن صلاة العشاء حتّى أصبح، وإن كان الأجدر به استحباباً إذا أصبح وانتبه إلى أنّه كان قد نام عن صلاة العشاء أن يصوم ذلك النهار.

 

[كيفيّة أداء الكفّارة]

 

العتق:

اتّضح ممّا سبق أنّ العتق في بعض الكفّارات (الكفارات المخيرة) واجب، كواحد من ثلاثة أشياء يخيّر المكلّف بينها، وفي بعضها(الكفّارات المرتّبة) واجب بذاته، ولا يجزي غيره إلّا حيث لا يتيسّر، وفي بعضها (كفّارة الجمع) واجب إضافةً إلى غيره.

(23) وفي كلّ هذه الحالات يشترط أن يكون المعتق إنساناً مسلماً، وأن يقصد المكفّر بالعتق القربة إلى الله تعالى والتكفير عن ذنبه، والعتق مطلوب على أي حال، ويعتبر من أفضل الطاعات، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أوْ إطْعَامٌ في يَوْم ذِي مَسْغَبَة﴾(1). وهو عبادة؛ لأنّ نيّة القربة شرط فيه ولا يصحّ بدونها.

 


(1) البلد: 11 ـ 14.
الصفحة 785

(24) وفي حالة تعذّر العتق إذا كان على الإنسان كفّارة مخيرّة فعليه أن يختار أحد بديليه، وإذا كان على الإنسان كفّارة مرتّبة فعليه أن يختار الصيام، وإذا كان على الإنسان كفّارة الجمع سقط العتق عنه، وعوّض عنه بالاستغفار، وبقي عليه الباقي.

(25) ويعتبر العتق متعذّراً إذا تحرّر كلّ العبيد والإماء وتخلّصوا من هذا الأسر، أو لم يجد المكفّر قدرةً على شراء من يعتقه؛ لعدم توفّر المال لديه بما يزيد عن ضرورات حياته من سكن وثياب وأثاث ونحو ذلك.

الصيام:

الصيام في الكفّارات المخيّرة أحد البدائل الثلاثة التي تُرِكَ للمكلف اختيار أيّ واحد منها، وفي الكفّارات المرتّبة يحتلّ الدرجة الثانية، فيكون واجباً إذا تعذّر العتق، وفي كفّارة الجمع يجب إضافةً إلى غيره.

(26) وفي كلّ هذه الحالات يجب أن يكون الصيام شهرين هلاليّين متتابعين؛ من قبيل أن يصوم من أول شهر محرّم إلى آخر صفر، أو من الخامس من شوّال إلى الخامس من ذي الحجّة، وهكذا، غير أنّه إذا صام الشهر الأول ويوماً من الشهر الثاني جاز له أن يفرّق الأيام الباقية من الشهر الثاني.

ففي المثال الأول: إذا صام من بداية محرّم إلى آخره وصام اليوم الأول من صفر جاز له أن يصوم بعدد ما بقي من أيام صفر ولو في فترات متفرّقة.

وفي المثال الثاني: إذا صام من الخامس من شوّال إلى آخره وصام من ذي القعدة ستّة أيام(1) جاز له أن يصوم بعدد ما بقي من أيام ذي القعدة(2) ولو في فترات متفرّقة.

 


(1) كان الأولى أن يقول: خمسة أيّام.
(2) زائداً المقدار الفائت من أوّل شوال.
الصفحة 786

(27) وعلى هذا الأساس إذا أفطر هذا المكفّر في أثناء صيام الكفّارة قبل أن يمضي شهر ويوم من الشهر الثاني وجب عليه أن يبدأ بالصيام من جديد، ولا يحتسب ما سبق، ويستثنى من ذلك: ما إذا كان إفطاره لعذر، كما إذا مرض أو اضطرّ إلى سفر مفاجئ، أو انتبه فجأةً إلى أنّ العيد الذي يحرم صيامه يقع في خلال تلك المدّة، أو نسي أن ينوي الصيام في بعض الأيام حتى فات الوقت، أو جاءت العادة الشهرية للمرأة أثناء الشهر، ففي كلّ هذه الحالات يعود إلى الصيام بعد انتهاء العذر مكمّلا ما مضى من صيامه.

(28) وفي حالة تعذّر الصيام إذا كان عليه كفّارة مخيّرة فعليه أن يختار ما يتيسّر له من بدائلها. وإذا كان على الإنسان كفّارة مرتّبة وقد تعذّر عليه العتق والصيام معاً وجب الإطعام، وإذا كان على الإنسان كفّارة جمع سقط المتعذّر وعوّض عنه بالاستغفار، وعليه أداء الباقي.

(29) ويعتبر الصيام متعذّراً إذا كان عاجزاً عن صيام شهرين، على النحو الذي قرّرناه، أو كان فيه من المشقّة والصعوبة والحرج ما لا يتحمّله عادة، أو كان ممّن يضرّ به الصيام المذكور.

الإطعام والكسوة والهبة:

كفّارة الإطعام: تارةً تقدّر بإطعام ستّين مسكيناً، واُخرى بإطعام عشرة مساكين.

وإطعام ستّين مسكيناً: تارةً يجب كأحد بدائل ثلاثة، وذلك في الكفّارة المخيّرة، واُخرى يجب بوصفه درجةً ثالثةً في الكفّارة المرتّبة حين يتعذّر العتق والصيام، وثالثةً يجب إضافةً إلى غيره، كما في كفّارة الجمع.

وإطعام عشرة مساكين: تارةً يجب بوصفه أحد بدائل ثلاثة، وذلك في كفّارة اليمين مثلا، واُخرى يجب بوصفه الدرجة الاُولى من الكفّارة المرتّبة،

الصفحة 787

كما في كفّارة إفطار قضاء شهر رمضان.

(30) ويجب أن يكون الإطعام لعدد معيّن وهو ستّون إنساناً في غير كفّارة اليمين وكفّارة إفطار قضاء شهر رمضان، وأمّا فيهما فيكفي إطعام عشرة مساكين.

والإطعام له صورتان:

إحداهما: أن يُولِم للعدد المطلوب مجتمعين أو متفرّقين في بيته، أو في مطعم من المطاعم، أو في أيّ مكان آخر، فيقدّم لهم طعاماً بقدر يشبعهم، والأجدر به احتياطاً وجوباً أن يعتني بالطعام، فيجعله من متوسّط الأطعمة التي يأكل منها هو وأهل بيته، وبخاصّة في كفّارة اليمين.

والآخر: أن يقدّم لكلّ واحد منهم ثلاثة أرباع الكيلو من الخبز أو الحنطة أو الطحين، بل يسوغ في غير كفّارة اليمين(1) بدون شكٍّ أن يقدّم هذه الكمّيّة من الاُرز أو التمر أو الماش، أو نحو ذلك من أنواع القوت، والأجدر بالمكلّف احتياطاً وجوباً إذا ابتلي بكفّارة الظهار وأدّاها بتوزيع الخبز ونحوه أن يدفع إلى كلّ واحد كيلو ونصف الكيلو، ولا يقتصر على ثلاثة أرباع الكيلو(2).

 


(1) يكفي في كفّارة اليمين تقديم الاُرز؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ...﴾ ـ سورة 5 المائدة، الآية: 89 ـ وهذا يشمل الاُرز حتماً، وهي آبية عن التخصيص بما يكون أقلّ من الاُرز، أعني: الحنطة والشعير.
(2) الوجه في ذلك: ما ورد في صحيح أبي بصير عن أحدهما(عليهما السلام) في كفّارة الظهار: «قال: تصدّق على ستّين مسكيناً ثلاثين صاعاً مدّين مدّين». الوسائل، ج 22 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام)، ب 14 من الكفّارات، ص 382، ح 6.
أمّا وجه التنزّل من الإفتاء إلى الاحتياط فهو ما قد يدّعى من التسالم على عدم الفرق في ذلك بين كفّارة الظهار وكفّارة غيره.
الصفحة 788

(31) ولا يكفي بدلا عن هاتين الصورتين أن يدفع إليهم القيمة النقديّة لهذاالمقدار مباشرةً، كما لا يكفي أن يجمع حصص ستّين فقيراً أو عشرة فقراء ويدفعها إلى فقير واحد أو إلى فقراء أقلّ من العدد المطلوب. ويسوغ الأخذ بالصورتين معاً، وذلك ـ مثلا ـ بأن يُولِم لنصف العدد ويوزّع حصصاً من الخبز ـ وفقاً لما تقدّم ـ على النصف الآخر.

(32) ويشترط في الأشخاص الذين يشملهم إطعام الكفّارة:

أولا: الفقر.

ثانياً: أن لا يكون هؤلاء ممّن تجب نفقته على المكفّر، كأبنائه وآبائه.

(33) وكما يجوز إطعام الكبار والبالغين يجوز أيضاً إطعام الصغار، فمن أخذ بالصورة الاُولى من الإطعام أمكنه أن يطعم الأطفال مباشرةً بدون حاجة في ذلك إلى إذن ولي الطفل، ويحتسب كلّ طفل واحداً في العدد، فلو أطعم ستّين طفلا وأشبعهم أجزأه، على أن يكونوا من الأطفال الذين يأكلون المآكل الاعتيادية (1).

ومن أخذ بالصورة الثانية من الإطعام وأراد أن يطعم طفلا بأن يمنحه حصّةً فلا بأس بذلك، على أن يسلّم حصّة الطفل إلى وليّه ليصرفه عليه.

(34) وأمّا كسوة عشرة فقراء فهي أحد البدائل الثلاثة في كفّارة اليمين، ويراد بها منح كلّ واحد منهم ثوباً، والأفضل منحه ثوبين.

(35) وأمّا هبة ثلاثة أرباع الكيلو من الخبز وأمثاله فقد تقدم في الفقرة (17 ـ 19) أنّها كفّارة، أو تعويض في بعض الحالات، وأنّها تسمّى بالفدية.


(1) كمّاً ونوعاً، فلا يجزي ـ مثلاً ـ إرضاع الطفل الحليب ولا إطعامه بتقديم المائدة إليه بأقلّ ممّا يأكل الكبير باعتباره صغيراً في السنّ إلى درجة يشبع بأقلّ من حاجة الكبير.
الصفحة 789

ويجب على المكفّر أو المعوّض أن يقصد بهذه الهبة القربة إلى الله تعالى، وكونها فديةً وتعويضاً كما فرضها الشارع.

(36) ويجب أن يكون الشخص الذي يوهَب له ذلك الطعام فقيراً، وإذا اجتمع على المكلّف عدد كبير من هذه الفدية أمكنه أن يعطيها جميعاً لواحد، ولا يكفي دفع القيمة النقدية لها، كما لا يكفي الإطعام المباشر بوليمة ونحوها.

(37) وفدية المرخَّصين في إفطار شهر رمضان ـ من شيخ كبير السنّ، أو امرأة عجوز وغيرهما ـ تجب بمجرّد الإفطار.

وأمّا من كان عليه قضاء شهر رمضان فلم يقضِ لاستمرار المرض به إلى رمضان الآخر فالفدية تجب عليه عند مجيء رمضان الثاني، ولا تجب عليه قبل ذلك حتّى ولو علم أنّه سيبقى مريضاً.

وكذلك المتسامح في القضاء فإنّه لا تجب عليه الفدية إلّا إذا حلّ رمضان الثاني.

 

أحكام عامّة للكفّارة

 

(38) كلّ من وجبت عليه الكفّارة مخيّرةً أو مرتّبةً أو كفّارة جمع وعجز عن أدائها وجب عليه الاستغفار.

(39) وكلّ من وجبت عليه الكفّارة فالأجدر به احتياطاً استحباباً أن يبادر ويسرع إلى القيام بها، ولكنّ ذلك ليس بواجب، فلو أجّلها أو دفعها تدريجياً صحّ ولم يكن آثماً.

(40) الشكّ: وإذا شكّ المكلّف في أنّه هل صدر منه ما يوجب عليه الكفّارة أوْ لا؟ فلا يجب عليه شيء.

الصفحة 790

وإذا علم بأنّ عليه كفّارةً وشكّ في أنّه أدّاها أم لا، وجب عليه القيام بها.

وإذا علم بأنّ عليه كفّارات لسبب من الأسباب ولم يعلم عددها، فلم يدرِ هل هي ثلاث كفّارات أو أربعٌ مثلا ؟ أدّى ثلاثة، ولا تجب عليه كفّارة رابعة.

وإذا علم بأنّه أفطر وهو صائم بالصورة التي تفرض عليه كفّارة ولكن لم يدرِ هل كان صائماً في شهر رمضان أو في قضائه بعد الظهر ؟ خرج عن العهدة بإطعام ستّين مسكيناً.

وإذا علم بأنّ عليه كفّارةً واحدةً مخيّرةً ـ مثلا ـ ولم يعلم بأنّها هل كانت بسبب إفطار شهر رمضان أو بسبب مخالفته للعهد ؟ كفاه أن يأتي بها قاصداً التكفير عمّا صدر منه في الواقع، وإن لم يكن محدّداً لديه بالضبط.

ونكتفي بهذا القدر من الأحكام في ما يتّصل بالعبادات في الشريعة الإسلاميّة، وقد كان الانتهاء من تدوينها في ليلة الثاني والعشرين من ربيع الثاني عام (1396) هجريّة، ومن الله تعالى نستمدّ الاعتصام، وهو وليّ التوفيق.