جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 704

وإذا خرج من جوفه شيء وعاد قبل أن يصل إلى فضاء الفم فلا شيء عليه، وإذا وصل إلى فضاء الفم فلا يسوغ له أن يبتلعه، بل عليه أن يقذفه، وإن ابتلعه عن قصد وعمد بطل صيامه؛ وعليه القضاء والكفارة.

(49) هذه هي المفطرات، ولا شيء سواها، ومن شكّ في شيء هل يوجب الإفطار ويفسد الصيام؟ فليرجع إلى هذه القائمة؛ ويلاحظ ما ذكرناه من واجبات الصائم بإمعان، فإن كان ما شكّ فيه مندرجاً في ذلك عمل بموجبه، وإلّا فلن يضرّ الصيام شيئاً، ومع هذا نؤكّد ـ لمزيد التوضيح ـ على أنّه لا يضرّ بالصيام ولا يفطر الصائم الحجامة، والحقنة في الإحليل، والاستمتاع بالمرأة بدون جماع ولا إنزال للمني، ولا يفطر أيضاً شمّ الطيب، والجلوس في الماء، ولو غمر الماء الجسد كلّه ما دام رأس الصائم خارج الماء.

حكم تناول المفطرات:

ويبطل الصيام بوقوع أيّ واحد من المفطرات المتقدّمة. ويُستثنى من ذلك ما يلي:

(50) أوّلا: إذا صدر من الصائم بعض تلك المفطرات ناسياً أنّه صائم وغافلا عن صيامه فلا يبطل الصيام بذلك.

(51) ثانياً: إذا صدر من الصائم شيء وهو معتقد أنّه ليس من الثمانية ولكنّه كان في الواقع منها فلا يبطل الصيام بذلك.

ومثاله: أن يكذب على الله ورسوله ولكنّه يعتقد أنّ ما يقوله ليس كذباً، أو يحتقن بالمائع ولكنّه كان يعتقد أنّ ما في الحقنة جامد وليس بمائع.

(52) ثالثاً: إذا وقع شيء من تلك المفطرات بدون قصد من الصائم، كما إذا فتح إنسان فم الصائم عنوةً وزرق ماءً إلى جوفه، وكذلك إذا كان الصائم يسبَح في

الصفحة 705

النهر فغمره موج الماء فانغمس رأسه كاملا في الماء بدون قصد منه، أو عثر بأرض البركة فوقع في الماء وانغمس رأسه فيه ففي كلّ ذلك لا يبطل الصيام؛ لأنّ الشرب والارتماس لم يقعا عن قصد وإرادة.

(53) ويُستثنى من حالات عدم القصد حالتان:

الاُولى: من أدار الماء في فمه وحرّكه لسبب أو لآخر فسبق الماء ودخل في جوفه قسراً بدون قصد منه فعليه أن يقضي صيام ذلك اليوم، إلّا إذا كان قد حدث ذلك في حالة الوضوء لصلاة واجبة؛ إذ تستحبّ المضمضة في الوضوء كما تقدم في سنن الوضوء وآدابه، فإذا تمضمض المتوضّئ للفريضة والحالة هذه وسبق الماء إلى جوفه فلا شيء عليه.

الثانية: إذا تصرّف الصائم تصرّفاً بأن داعب زوجته ـ مثلا ـ وهو واثق من عدم نزول المني ولكن سبقه المني ونزل بدون قصد منه فعليه القضاء.

(54) رابعاً: إذا شكّ الإنسان في طلوع الفجر، ففحص ولاحظ بصورة مباشرة فاعتقد بعدم طلوعه فأكل أو شرب مثلا، ثمّ تبيّن له أنّ الفجر كان طالعاً وقتئذ فلا شيء عليه، وصيامه صحيح على الرغم من أنّه قد كان تناول المفطر بعد طلوع الفجر.

وخلافاً لذلك الإنسان الذي لا يفحص ولا يلاحظ الفجر مباشرةً ويأكل أو يشرب على أساس أنّه لم يعلم بعد بطلوع الفجر فإنّه ليس بآثم حين يفعل ذلك (1)، ولكنّه إذا تبيّن له بعد ذلك أنّ الفجر كان طالعاً حين أكل أو شرب فعليه أن يقضي صيامه. ومثله من يأكل أو يشرب في آخر النهار ثقةً منه بأنّ المغرب قد حلّ، فإنّه إذا تبيّن له بعد ذلك أنّ النهار كان لا يزال باقياً حين أكل أو شرب فعليه القضاء.

 


(1) إلّا إذا كان يسهل عليه النظر إلى الفجر وتعمّد إغماض العين مثلاً.
الصفحة 706

أحكام عامّة

 

(55) لا يسمح للشخص الذي كان صيام شهر رمضان واجباً عليه أن يأكل أو يتناول أيّ مفطر آخر إذا بطل صيامه أثناء نهار رمضان، بل يجب عليه الإمساك تشبّهاً بالصائمين.

وكلّما بطل الصيام وجب القضاء، سواء كان بطلانه بسبب الإخلال بالواجب الأول فقط؛ وهو النية بأن لم ينوِ الصيام فإنّ عليه حينئذ القضاء حتى ولو لم يمارس شيئاً من المفطرات، أو كان بسبب الإخلال بالواجب الثاني؛ وهو الاغتسال قبل طلوع الفجر؛ على ما تقدم من التفصيل، أو كان بسبب الإخلال بالواجب الثالث وهو اجتناب المفطرات، وذلك باستعمال بعضها.

(56) ولا تجب الكفّارة لمجرّد ترك نية الصيام والإخلال بها ـ وإن وجب القضاء ـ ما لم يمارس شيئاً من المفطرات، أو يتعمّد الإصباح جنباً، فإذا مارس شيئاً من المفطرات وجبت الكفّارة بشروط:

(57) الأوّل: أن يكون قد تناول أحد المفطرات بقصد واختيار، لا من قبيل من تمضمض بالماء فسبق الماء إلى جوفه.

(58) الثاني: أن لا يكون مكرَهاً على تناوله، كما إذا وقع تحت تأثير ظالم يأمره بالإفطار ويهدده فأفطر، فإنّ صومه يبطل بذلك؛ ولكن لا كفّارة عليه.

(59) الثالث: أن لا يكون معتقداً جواز تناول ذلك المفطر شرعاً، وأمّا إذا كان معتقداً جوازه فلا كفّارة عليه، سواء كان يتخيّل أنّ الصيام غير واجب عليه أساساً، أو أنّ الشارع لم يجعل هذا الشيء مفطراً فارتكبه بناءً على ذلك.

(60) وكذلك تجب الكفّارة على من أبطل صيامه في شهر رمضان بتعمّد

الصفحة 707

البقاء على الجنابة وترك الغسل إلى طلوع الفجر، ويشمل ذلك حالة ما إذا علم بأنّه جنب ونام فاستمرّ به النوم إلى طلوع الفجر إذا لم يكن معتاداً للانتباه من نومه قبل طلوع الفجر وناوياً للغسل عند الانتباه.

وسيأتي في فصل الكفّارات تحديد كفّارة إفطار شهر رمضان وتوضيح عدد من أحكامها إن شاء الله تعالى.

(61) إذا شكّ الصائم ولم يدرِ هل طلع الفجر من نهار شهر رمضان لكي يُمسِكَ أم لا؟ فله أن يأكل ويشرب ويواصل إفطاره حتى يتيقّن بطلوع الفجر، أو يشهد شاهد ثقة بذلك (1)، ولا يجب عليه قبل أن يحصل شيء من هذا أن يفحص ويتطلّع إلى الاُفق (2)، ولكن إذا واصل إفطاره ثمّ انكشف له بعد ذلك أنّ الفجر كان طالعاً فعليه القضاء، إلّا في حالة واحدة، وهي: أن يكون قد فحص وتطلّع وقت ذاك واعتقد أنّ الفجر لم يطلع، كما تقدم في الفقرة (54).

(62) وإذا شكّ الصائم في حلول وقت الإفطار وانتهاء النهار فلا يسوغ له أن يفطر ما لم يتأكّد من حلول المغرب بصورة مباشرة، أو بإخبار ثقة عارف (3)، أو بأذان ثقة عارف، ولو بادر إلى الإفطار بدون ذلك فعليه القضاء والكفّارة، إلّا إذا اتّضح له فيما بعد أنّه كان على صواب وأنّ النهار كان قد انقضى.

(63) وإذا احتلم الصائم النائم في النهار أو خرج منه المني في حالة اليقظة بدون أيّ عمل منه فلا شيء عليه، ولا يجب عليه الإسراع بالغسل، بل له أن ينام مرّةً اُخرى ويؤجّل غسله إلى أن يستوفي نومه ما دام وقت الصلاة واسعاً.

 


(1) حجيّة شاهد واحد في الموضوعات محلّ إشكال.
(2) إلّا بمثل ما يساوق عدم إغماض العين.
(3) حجيّة شاهد واحد في الموضوعات محلّ إشكال.
الصفحة 708

ثبوت الهِلال

 

(64) شهر رمضان وشعبان من الشهور القمرية، وهي تتكوّن: تارةً من تسعة وعشرين يوماً، واُخرى من ثلاثين يوماً حسب طول الدورة الاقترانية للقمر وقصرها، وهي دورة القمر حول الأرض، حيث إنّ القمر يتحرّك حول الأرض من المغرب إلى المشرق، وهو كالأرض نصفه يواجه الشمس فيكون نَيِّراً، ويكون الوقت في المناطق الواقعة فيه نهاراً، ونصفه الآخر لا يقابل الشمس فيكون مظلماً، ويكون الوقت في المناطق الواقعة فيه ليلا، فإذا ما دار القمر حلّ الليل في المناطق التي كانت في النصف النيّر وطلع النهار في المناطق التي كانت في النصف المظلم.

والقمر أثناء دورته هذه حول الأرض: تارةً يصبح في موضع بين الأرض والشمس على صورة يكون مواجهاً بموجبها للأرض بوجهه المظلم، ومختفياً عنها بوجهه المنير اختفاءً كاملا.

واُخرى يُصبح في موضع على نحو تكون بينه وبين الشمس.

وثالثةً يكون بين هذين الموضعين.

وحينما يكون القمر في الموضع الواقع بين الأرض والشمس (على النحو الذي وصفناه) لا يمكن أن يُرى منه شيء، وهذا هو المَحاق، ثم يتحرّك عن هذا الموضع فتبدو لنا حافّة النصف أو الوجه المضيء المواجه للشمس، وهذا هو الهلال، ويعتبر ذلك بداية الحركة الدورية للقمر حول الأرض، وتسمّى بالحركة الاقترانية؛ لأنّ بدايتها تقدّر من حين اقتران القمر بالأرض والشمس وتوسّطه بينهما، على النحو الذي وصفناه، وابتداؤه يتجاوز هذه النقطة.

الصفحة 709

وكلّما بعد القمر عن موضع المَحاق زاد الجزء الذي يظهر لنا من وجهه أو نصفه المضاء، ولا يزال الجزء المنير يزداد حتى يواجهنا النصف المضاء بتمامه في منتصف الشهر، ويكون القمر إذ ذاك بدراً، وتكون الأرض بينه وبين الشمس، ثمّ يعود الجزء المضيء إلى التناقص حتى يدخل في دور المَحاق، ثمّ يبدأ دورةً اقترانية جديدة، وهكذا.

وعلى هذا الأساس تعتبر بداية الشهر القمريّ الطبيعي عند خروج القمر من المَحاق وابتدائه بالخروج عن حالة التوسّط بين الأرض والشمس، وابتداؤه بالخروج هذا يعني أنّ جزءً من نصفه المضيء سيواجه الأرض، وهو الهلال، وبذلك كان الهلال هو المظهر الكوني لبداية الشهر القمريّ الطبيعي.

وظهور الهلال في أول الشهر يكون عند غروب الشمس، ويرى فوق الاُفق الغربي بقليل، ولا يلبث غير قليل فوق الاُفق ثمّ يختفي تحت الاُفق الغربي، ولهذا لا يكون واضح الظهور، وكثيراً ما تصعب رؤيته، بل قد لا يمكن أن يُرى بحال من الأحوال لسبب أو لآخر، كما إذا تمّت مواجهة ذلك الجزء المضيء من القمر للأرض ثمّ غاب واختفى تحت الاُفق قبل غروب الشمس فإنّه لا تتيسّر حينئذ رؤيته ما دامت الشمس موجودة، أو تَواجَدَ بعد الغروب ولكن كانت مدّة مكثه بعد غروب الشمس قصيرةً جدّاً بحيث يتعذّر تمييزه من بين ضوء الشمس الغاربة القريبة منه، أو كان هذا الجزء النَيّر المواجه للأرض من القمر (الهلال) ضئيلا جدّاً؛ لقرب عهده بالمَحاق إلى درجة لا يمكن رؤيته بالعين الاعتيادية للإنسان، ففي كل هذه الحالات تكون الدورة الطبيعية للشهر القمريّ قد بدأت على الرغم من أنّ الهلال لا يمكن رؤيته.

ولكنّ الشهر القمريّ الشرعي في هذه الحالات التي لا يمكن فيها رؤية الهلال لا يبدأ تبعاً للشهر القمريّ الطبيعي، بل يتوقّف ابتداء الشهر القمريّ الشرعي على أمرين:

الصفحة 710

أحدهما: خروج القمر من المَحاق وابتداؤه بالتحرّك بعد أن يُصبِح بين الأرض والشمس، وهذا يعني مواجهة جزء من نصفه المضيء للأرض.

والآخر: أن يكون هذا الجزء ممّا يمكن رؤيته بالعين الاعتيادية المجرّدة(1).

وعلى هذا الأساس قد يتأخّر الشهر القمريّ الشرعي عن الشهر القمريّ الطبيعي، فيبدأ هذا ليلة السبت ـ مثلا ـ ولا يبدأ ذاك إلّا ليلة الأحد، وذلك في كلّ حالة خرج فيها القمر من المَحاق، ولكنّ الهلال كان على نحو لا يمكن أن يرى.

والشهر القمريّ الطبيعي ـ كما مرّ ـ قد يكون كاملا يتكوّن من ثلاثين يوماً، وقد يكون ناقصاً يتكوّن من تسعة وعشرين يوماً، ولا يكون ثمانية وعشرين يوماً، ولا واحداً وثلاثين يوماً بحال من الأحوال. وأمّا الشهر القمريّ الشرعي فهو أيضاً قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعةً وعشرين يوماً، ولا يكون أقلّ من هذا ولا أكثر من ذاك.

وقد تقول: إنّ الشهر القمريّ الشرعي قد يتأخّر ليلةً عن الشهر القمريّ الطبيعي، كما تقدم، وإنّ الشهر القمريّ الطبيعي قد يكون تسعةً وعشرين يوماً كما مرّ، وهذان الافتراضان إذا جمعناهما في حالة واحدة أمكننا أن نفترض شهراً قمرياً طبيعياً ناقصاً بدأ ليلة السبت وتأخّر عنه الشهر القمريّ الشرعي يوماً فبدأ ليلة الأحد؛ نظراً إلى أنّ الهلال في ليلة السبت لم يكن بالإمكان رؤيته، وفي هذه الحالة نلاحظ أنّ الشهر القمريّ الشرعي قد يكون ثمانية وعشرين يوماً؛ وذلك لأنّ الشهر القمريّ الطبيعي بحكم افتراضه ناقصاً سينتهي في تسعة وعشرين يوماً، ويهلّ هلال الشهر التالي في ليلة الأحد بعد مضي تسعة وعشرين يوماً، وقد يكون هذا الهلال في ليلة الأحد ممكن الرؤية، فيبدأ الشهر القمريّ التالي طبيعياً وشرعياً


(1) لا يبعد كفاية إمكانيّة الرؤية بالعين المسلّحة.
الصفحة 711

في هذه الليلة، ونتيجة ذلك أن يكون الشهر القمريّ الشرعي الأول مكوّناً من ثمانية وعشرين يوماً؛ لأنّه تأخّر عن الشهر القمريّ الطبيعي الناقص يوماً وانتهى بنهايته.

والجواب: أنّ في حالة من هذا القبيل تعتبر بداية الشهر القمريّ الشرعي الأول من ليلة السبت على الرغم من عدم رؤية الهلال؛ لكي لا ينقص الشهر الشرعي عن تسعة وعشرين يوماً(1).

وبهذا أمكن القول: إنّ الشهر القمريّ الشرعي يبدأ في الليلة التي يمكن أن يُرى في غروبها الهلال لأوّل مرّة بعد خروجه من المَحاق، أو في الليلة التي لم يُرَ فيها الهلال كذلك ولكن رُئي هلال الشهر اللاحق في ليلة الثلاثين من تلك الليلة(2).

(65) وإمكان الرؤية هو المقياس، لا الرؤية نفسها، فقد لا تتحقّق الرؤية؛ لعدم ممارسة الاستهلال، أو لوجود غيم ونحو ذلك، غير أنّ الهلال موجود بنحو يمكن رؤيته لولا هذه الظروف الطارئة، فيبدأ الشهر الشرعي بذلك.

وبكلمة: إنّ وجود حاجب يحول دون الرؤية ـ كالغيم والضباب ـ لا يضرّ بالمقياس؛ لأنّ المقياس إمكان الرؤية في حالة عدم وجود حاجب من هذا القبيل.

 


(1) هذه الظاهرة كانت فيما سبق نتيجة عدم تسلّح العيون، فهذا الحكم يؤيّد ما قلناه من كفاية الرؤية بالعين المسلّحة.
(2) وكذلك في الليلة التي لم يُرَ فيها الهلال كذلك ولكن رُئي هلال الشهر الذي بعد اللاحق بعد مضي (57) يوماً مع افتراض الشهر اللاحق (29) يوماً، وهكذا، فمثلا إذا ثبت أنّ رجب ثلاثون يوماً بموجب إكمال العدّة، ثمّ ثبت أنّ شعبان (29) يوماً، ثمّ رُئي الهلال بعد مضي (28) يوماً من رمضان فلابدّ أن نأخذ يوماً من شعبان فيقع (28) يوماً، فنأخذ له يوماً من رجب فيثبت أنّه كان ناقصاً.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 712

ولا وزن للرؤية المجهرية وبالأدوات والوسائل العلمية المكبّرة(1)، وإنّما المقياس إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجرّدة، وتلك الوسائل العلمية يحسن استخدامها كعامل مساعد على الرؤية المجرّدة وممهّد لتركيزها.

(66) وقد تختلف البلاد في رؤية الهلال، فيرى في بلد ولا يُرى في بلد آخر، فما هو الحكم الشرعي ؟

والجواب: أنّ هذا الاختلاف يشتمل على حالتين:

الاُولى: أن يختلف البَلَدانِ لسبب طارئ، كوجود غيم أو ضباب ونحو ذلك، وفي هذه الحالة لا شكّ في أنّ الرؤية في أحد البلدين تكفي بالنسبة إلى البلد الآخر؛ لأنّ المقياس ـ كما تقدم ـ هو إمكان الرؤية، لا الرؤية نفسها، وإمكان الرؤية هكذا ثابت في البلدين معاً؛ ولا يضرّ به وجود حاجب في أحد البلدين يمنع عن الرؤية فعلا، كغيم ونحوه، كما تقدم.

الثانية: أن يختلف البَلَدانِ اختلافاً أساسياً؛ لتغايرهما في خطوط الطول، أو تغايرهما في خطوط العرض على نحو يجعل الرؤية في أحدهما ممكنة، وفي الآخر غير ممكنة بذاتها، وحتى بدون غيم وضباب، وذلك يمكن افتراضه في صورتين:

إحداهما: أن يكون هذا التفاوت بسبب اختلاف البلدين في خطوط الطول؛ على نحو يكون الغروب في أحد البلدين قبل الغروب في البلد الآخر بمدّة طويلة.

وبيان ذلك: أنّنا عرفنا سابقاً أنّ القمر بعد خروجه من المَحاق ومواجهة جزء من نصفه النَيّر للأرض يظلّ هذا الجزء النيّر يزداد، وكلّما ابتعد عن المحاق اتّسع وازداد.

ونُضيف إلى ذلك: أنّ الليلة ـ أيّ ليلة ـ تسير تدريجياً بحكم كروية الأرض


(1) قلنا: لا يبعد كفاية إمكانيّة الرؤية بالعين المسلّحة.
الصفحة 713

من المشرق إلى الغرب، فتغرب الشمس في بلد بعد غروبها في بلد آخر بدقائق أو ساعات حسب موقع البلدين في خطوط الطول، والغروب في كلّ خطٍّ يسبق الغروب في الخطّ الواقع في غربه، ويتأخّر عن الغروب في الخطّ الواقع في شرقه، فقد تغرب الشمس في بلد ـ كالعراق مثلا ـ ويكون القمر قد خرج من المحاق، ولكنّ الهلال لا يمكن رؤيته؛ لضآلته مثلا، غير أنّه يصبح بعد ساعات ممكن الرؤية؛ لأنّ الجزء النيّر من القمر يزداد كلّما بعد عن المحاق، فحين تغرب الشمس في بلد يقع في غرب العراق بعد ساعات عديدة يكون بالإمكان رؤية الهلال.

والصورة الاُخرى التي يكون الهلال بموجبها ممكن الرؤية في أحد البلدين دون الآخر: أن نفترض البلدين واقعين على خطّ طول واحد، بمعنى أنّ الغروب فيهما يحدث في وقت واحد ولكنّهما مختلفان في خطوط العرض، فأحدهما أبعد عن الآخر عن خطّ الاستواء، ونحن نعلم أنّ طول النهار وقصره يتأ ثّر بخطوط العرض، فالنهار الواحد والليل الواحد يكون في بعض المناطق أطول منه في بعضها تبعاً لما تقع عليه من خطوط العرض، ويختلف بسبب ذلك أيضاً ـ في الغالب ـ طول مكث الهلال في تلك المناطق، إذ يمكث في بعضها أطول ممّا يمكث في بعضها الآخر، فإذا افترضنا أنّ مكثه في أحد هذين البلدين كان قصيراً جدّاً على نحو لا يمكن رؤيته، ومكثه في البلد الآخر كان طويلا نسبيّاً نتج عن ذلك اختلاف البلدين في إمكان الرؤية.

وقد يتميّز بلد عن بلد آخر في إمكان الرؤية على أساس كلا الاعتبارين السابقين، بأن نفترض أنّه واقع في خط طول غربيّ بالنسبة إلى البلد الآخر، وواقع أيضاً على خطّ عرض آخر يُتيح للهلال مكثاً أطول.

وهكذا نلاحظ أنّ البلاد قد تختلف في إمكان الرؤية وعدم إمكانها، فهل

الصفحة 714

يكون الشهر القمريّ في كلّ منطقة من الأرض مرتبطاً بإمكان الرؤية فيها بالذات، فيكون لكلّ اُفق شهره القمريّ الخاصّ، فيبدأ في هذا الاُفق الغربي في ليلة متقدّمة وفي اُفق شرقيّ في ليلة متأخّرة، أو أنّ الشهر القمريّ له بداية واحدة بالنسبة إلى الجميع، فاذا رُئي الهلال في جزء من العالم كفى ذلك للآخرين ؟

وبكلمة اُخرى: هل حلول الشهر القمريّ الشرعي أمر نسبي يختلف فيه اُفق عن اُفق فيكون من قبيل طلوع الشمس، فكما أنّ الشمس قد تطلع في سماء بغدادَ ولا تطلع في سماء دمشق، فيكون الطلوع بالنسبة إلى بغداد ثابتاً والطلوع بالنسبة إلى دمشق غير متحقّق كذلك بداية الشهر القمريّ الشرعي، أو أنّ حلول الشهر القمريّ الشرعي أمر مطلق وظاهرة كونية مستقلّة لا يمكن أن يختلف باختلاف البلاد ؟

وتوجد لدى الجواب على هذا السؤال في مجال البحث الفقهي نظرية تؤكّد على الافتراض الثاني، وتقول: بأنّ حلول الشهر لا يمكن أن يكون نسبياً وأن يكون لكلّ منطقة شهرها القمري الخاصّ، وأنّ من الخطأ قياس ذلك على نسبيّة الطلوع التي تجعل لكلّ منطقة طلوعها الخاصّ؛ وذلك لأنّ طلوع الشمس عبارة عن مواجهة هذا الجزء من الأرض أو ذلك للشمس، ولمّا كانت الشمس تواجه أجزاء الأرض بالتدريج بحكم كرويتها وحركتها ـ أي الأرض ـ حول نفسها فمن الطبيعي أن يكون الطلوع نسبياً، فتطلع الشمس على هذا الجزء من الأرض قبل ذاك.

وأمّا بداية الشهر القمريّ فهي بخروج القمر من المحاق، أي ابتدائه بالتحرّك بعد أن يتوسّط بين الشمس والأرض، وهذه ظاهرة كونية محدّدة تعبّر عن موقع جرم القمر من جرمَي الشمس والأرض، ولا تتأ ثّر بهذا الجزء من الأرض أو ذاك، فلا معنى لافتراض النسبية هنا وللقول بأنّ الشهر يبدأ بالنسبة إلى هذا الجزء من

الصفحة 715

الأرض في ليلة السبت وبالنسبة إلى ذلك الجزء في ليلة الأحد.

وهذه النظرية ليست صحيحةً من الناحية المنهجية؛ لأنّها تقوم على أساس عدم التمييز بين الشهر القمريّ الطبيعي والشهر القمريّ الشرعي، فإنّ الشهر القمريّ الطبيعي يبدأ بخروج القمر من المَحاق، ولا يتأ ثّر بأيّ عامل آخر، ولمّا كان خروج القمر من المَحاق قد يؤخذ كظاهرة كونية محدّدة لا تتأ ثّر بهذا الموقع أو ذاك، فلا معنى حينئذ لافتراض النسبية فيه(1).

وأمّا الشهر القمريّ الشرعي فبدايته تتوقّف على مجموع عاملين: أحدهما كوني، وهو الخروج من المحاق. والآخر أن يكون الجزء النيّر المواجه للأرض ممكن الرؤية، وإمكان الرؤية يمكن أن نأخذه كأمر نسبيّ يتأ ثّر باختلاف المواقع في الأرض، ويمكن أن نأخذه كأمر مطلق محدّد لا يتأ ثّر بذلك؛ وذلك لأنّنا إذا قصدنا بإمكان الرؤية إمكان رؤية الإنسان في هذا الجزء من الأرض، وفي ذاك كان أمراً نسبياً وترتّب على ذلك أنّ الشهر القمري الشرعي يبدأ بالنسبة إلى كلّ جزء من الأرض إذا كانت رؤية هلاله ممكنةً في ذلك الجزء من الأرض فقد يبدأ بالنسبة إلى جزء دون جزء.

 


(1) وذلك إذا فسّرنا المَحاق بأنّه عبارة عن انطباق مركز القمر على الخطّ الواصل بين مركز الأرض ومركز الشمس على أساس أنّ هذا الانطباق هو الذي يحقّق غيبة القمر عن كلّ أهل الأرض؛ نظراً لأنّ حجم الأرض الصغير لا يُتيح في هذه الحالة حتى لمن كان في أقصى الأرض أن يواجه شيئاً من وجهه المضيء، فإذا كان المَحاق هو الانطباق المذكور صحّ ما يقال من أنّه ليس نسبياً.
وأمّا إذا فسّرنا المَحاق بأنّه مواجهة الوجه المظلم بتمامه لمنطقة ما على الأرض فهذا أمر نسبي.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 716

وإذا قصدنا بإمكان الرؤية إمكان الرؤية ولو في نقطة واحدة من العالم فمهما رُئي في نقطة بدأ الشهر الشرعي بالنسبة إلى كلّ النقاط كان أمراً مطلقاً لا يختلف باختلاف المواقع على الأرض.

وهكذا يتّضح أنّ الشهر القمريّ الشرعي لمّا كان مرتبطاً ـ إضافةً إلى الخروج من المحَاق ـ بإمكان الرؤية وكانت الرؤية ممكنةً أحياناً في بعض المواضع دون بعض كان من المعقول أن تكون بداية الشهر القمريّ الشرعي نسبية.

فالمنهج الصحيح للتعرّف على أنّ بداية الشهر القمريّ هل هي نسبية أو لا؟ الرجوع إلى الشريعة نفسها التي ربطت شهرها الشرعي بإمكان الرؤية؛ لنرى أنّها هل ربطت الشهر في كلّ منطقة بإمكان الرؤية في تلك المنطقة، أو ربطت الشهر في كلّ المناطق بإمكان الرؤية في أيّ موضع كان؟

والأقرب على أساس ما نفهمه من الأدلّة الشرعية هو الثاني، وعليه فاذا رُئي الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر البلاد (1).

كيف يثبت أوّل الشهر؟

اتّضح أنّ بداية الشهر القمريّ الشرعي تتوقّف على أمرين: خروج القمر من المحاق، وكون الهلال ممكن الرؤية بالعين الاعتيادية المجرّدة(2) في حالة


(1) هذا الكلام صحيح لو كان بمعنى أنّ الليل الذي ظهر فيه الهلال في بلد أينما حلّ ثبت أوّل الشهر في ذاك المحلّ، والنتيجة أنّه متى ما رُئي الهلال في بلد ثبت أوّل الشهر في ذاك البلد وفي كلّ بلد آخر يشترك مع هذا البلد في الليل ولو يسيراً، أمّا البلد الذي لا يصل إليه الليل إلى أن ينتهي ليل البلد الأوّل فيتأخّر أوّل الشهر عندهم لا محالة.
(2) مضى منّا أنّه لا يبعد كفاية إمكان الرؤية بالعين المسلّحة.
الصفحة 717

عدم وجود حاجب، والآن نريد أن نوضّح كيف يمكن إثبات هذين الأمرينوإحرازهما بطريقة صحيحة شرعاً ؟

إنّ إثبات ذلك يتمّ بأحد الطرق التالية:

(67) الأول: الرؤية المباشرة بالعين الاعتيادية المجرّدة(1) فعلا؛ لأنّ رؤية الهلال فعلا تثبت للرائي أنّ القمر قد خرج من المَحاق وأنّ بالإمكان رؤيته، وإلّا لَما رآه فعلا.

(68) الثاني: شهادة الآخرين برؤيتهم، فإذا لم يكن الشخص قد رأى الهلال مباشرةً ولكن شهد الآخرون برؤيتهم له كفاه ذلك إذا توفّرت في هذه الشهادة أحد الأمرين التاليين:

أوّلا: كثرة العدد، وتنوّع الشهود على نحو يحصل التواتر أو الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، فإذا كثر العدد ولم يحصل العلم أو الاطمئنان من أجل منشاًمعقول لم يثبت الهلال، فالكثرة العددية عامل مساعد على حصول اليقين، ولكنّها ليست كلّ شيء في الحساب، بل ينبغي للفَطِن أن يدخل في الحساب كلّ ما يلقي ضوءً على مدى صدق الشهود أو كذبهم أو خطأهم، ونذكر الأمثلة التالية على سبيل التوضيح:

1 ـ إذا اُحصي أربعون شاهداً بالهلال من بلدة واحدة فقد يكون تواجدهم جميعاً في بلدة واحدة يعزّز شهادتهم، بينما إذا اُحصي أربعون شاهداً من أربعين بلدة استهلّ أبناؤها فشهد واحد من كلّ بلدة لم يكن لهم نفس تلك الدرجة من الإثبات، والسبب في ذلك: أنّ تواجد أربعين شخصاً على خطاً في مجموعة المستهلِّين من بلدة واحدة أمر بعيد نسبياً، بينما تواجد شخص واحد على خطاً في مجموعة المستهلّين من كلّ بلد أقرب احتمالا.

2 ـ وفي نفس الحالة السابقة قد يصبح الأمر على العكس؛ وذلك فيما إذا كانت تلك البلدة التي شهد من أهاليها أربعون شخصاً واقعةً تحت تأثير ظروف


(1) مضى تعليقنا على ذلك.
الصفحة 718

عاطفية غير موجودة في المدن الاُخرى.

3 ـ وكما ينبغي أن يلحظ الشهود بالإثبات كذلك يلحظ نوع وعدد المستهلّين الذين استهلّوا وعجزوا عن رؤية الهلال، فكلّما كان عدد هؤلاء الذين عجزوا عن الرؤية كبيراً جدّاً ومتواجداً في آفاق نقية صالحة للرؤية وقريبة من مواضع شهادات الشهود شكّل ذلك عاملا سلبياً يدخل في الحساب.

4 ـ ونوعية الشهود لها أثر كبير إيجاباً وسلباً على تقرير النتيجة، ففرق بين أربعين شاهداً يعرف مسبقاً أنّهم لا يتورّعون عن الكذب وأربعين شاهداً مجهولي الحال وأربعين شاهداً يعلم بوثاقتهم بدرجة واُخرى.

5 ـ قد تتّحد مجموعة من الشهادات في المكان؛ بأن يقف عدد المستهلّين في مكان مشرف على الاُفق، فيرى أحدهم الهلال، ثمّ يهدي الآخر إلى موضعه فيراه، ثمّ يهتدي الثالث إليه، وهكذا، وفي مثل ذلك تتعزّز هذه الشهادات؛ لأنّ وقوعها كلّها فريسةَ خطاً واحد في نقطة معيّنة من الاُفق بعيدٌ جدّاً، وقدرة المشاهد الأول على إراءة ما رآه تعزّز الثقة بشهادته.

6 ـ التطابق العفويّ في النقاط التفصيلية بين الشهود؛ بأن يشهد عدد من الأشخاص المتفرّقين من بلدة واحدة ويعطي كلّ منهم نقاطاً تطابق النقاط التي يعطيها الآخر، من قبيل أن يتّفقوا على زمان رؤية الهلال وزمان غروبه عن أعينهم، فإنّ ذلك عامل مساعد على حصول اليقين.

7 ـ ينبغي أن يلحظ أيضاً مدى ما يمكن استفادته من استخدام الوسائل العلمية الحديثة من الأدوات المقرّبة والرصد المركز، فإنّ رؤية الهلال بهذه الوسائل وإن لم تكن كافيةً(1) لإثبات الشهر ولكن إذا افترضنا أنّ التطلّع إلى الاُفق رصدياً لم يُتِح رؤية الهلال فهذا عامل سلبي يزيل من نفس الإنسان الوثوق


(1) مضى تعليقنا على ذلك.
الصفحة 719

بالشهادات ولو كثرت، إذ كيف يرى الناس بعيونهم المجرّدة ما عجز الرصد العلمي عن رؤيته ؟ !

8 ـ بل يدخل في الحساب أيضاً التنبّؤ العلمي المسبق بوقت خروج القمر من المحاق، فإنّه إذا حدّد وقتاً وادّعى الشهود الرؤية قبل ذلك الوقت كان التحديد العلمي المسبق عاملا سلبياً يضعف من تلك الشهادات، فإنّ احتمال الخطأ في حسابات النبوءة العلمية وإن كان موجوداً ولكنّه قد لا يكون أبعد أحياناً عن احتمال الخطأ في مجموع تلك الشهادات، أو على الأقلّ لا يسمح بسرعة حصول اليقين بصواب الشهود في شهادتهم.

(69) ثانياً: تواجد البينة في الشهود.

والبينة على الهلال تكتمل إذا توفّر ما يلي:

1 ـ أن يشهد شاهدان رجلان عدلان برؤية الهلال، فلا تكفي شهادة الرجل الواحد، ولا النساء وإن كُنّ عادلات.

2 ـ أن لا يقع اختلاف بين الشاهدَين في شهادتهما على نحو يعني أنّ ما يفترض أحد الشاهدين أنّه رآه غير ما رآه الآخر.

3 ـ أن لا تتجمّع قرائن قوية تدلّ على كذب البينة أو وقوعها في خطأ، ومن هذه القرائن: أن ينفرد اثنانِ بالشهادة من بين جمع كبير من المستهلّين لم يستطيعوا أن يروه مع اتّجاههم جميعاً إلى نفس النقطة التي اتّجه إليها الشاهدان في الاُفق، وتقاربهم في القدرة البصرية، ونقاء الاُفق وصلاحيته العامّة للرؤية، وهذا معنى قولهم (عليهم السلام) « إذا رآه واحد رآه مائة »(1).

(70) الثالث: مضي ثلاثين يوماً من هلال الشهر السابق؛ لأنّ الشهر القمريّ الشرعي لا يكون أكثر من ثلاثين يوماً، فإذا مضى ثلاثون يوماً ولم يُرَ الهلال


(1) وسائل الشيعة 7: 209، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 10.
الصفحة 720

الجديد اعتبر الهلال موجوداً، ويبدأ بذلك شهر قمريّ جديد.

(71) الرابع: حكم الحاكم الشرعي فإنّه نافذ وواجب الاتّباع، حتى على من لم يطّلع بصورة مباشرة على وجاهة الأدلّة التي استند إليها في حكمه؛ وذلك ضمن التفصيل التالي:

أ ـ أن لا تكون لدى المكلّف أيّ فكرة عن صواب الحكم الذي أصدرهالحاكم الشرعي وخطئه، وفي هذه الحالة يجب عليه الاتّباع.

ب ـ أن تكون لدى المكلّف فكرة تبعث في نفسه الظنّ بأنّ الحاكم على خطاً في موقفه على الرغم من اجتهاده وعدالته، وفي هذه الحالة يجب عليه الاتّباع أيضاً.

ج ـ أن تكون لدى المكلّف فكرة تأكّد على أساسها من عدم كفاية الأدلّة التي استند إليها الحاكم الشرعي، كما إذا كان قد استند إلى شهود وثق بعدالتهم، ولكنّ المكلّف يعرف أنّهم ليسوا عدولا، فهو يرى أن شهادتهم غير كافية ما داموا غير عدول، ولكنّه لا يعلم بأنّهم قد كذبوا في شهادتهم هذه بالذات، وفي هذه الحالة يجب عليه الاتّباع(1) أيضاً ما دام لا يعلم بأنّ الشهر لم يبدأ فعلا على الرغم من علمه بفسق الشهود.

د ـ أن يعلم المكلّف بأنّ الشهر لم يبدأ فعلا، وأنّ الحاكم الشرعي وقع فريسةَ خطاً فأثبت الشهر قبل وقته المحدود، وفي هذه الحالة لا يجب الاتّباع، بل يعمل المكلّف على أساس علمه.

ونريد بحكم الحاكم الشرعي: اتّخاذه قراراً بثبوت الشهر، أو أمره


(1) وجوب الاتّباع في هذا الفرض لا يخلو من إشكال.
الصفحة 721

للمسلمين بالعمل على هذا الأساس. وأمّا إذا حصلت لديه قناعة بثبوت الشهر ولكن لم يتّخذ قراراً بذلك ولم يصدر أمراً للمسلمين بتحديد موقفهم العملي على هذا الأساس فلا تكون هذه القناعة ملزمةً إلّا لمن اقتنع على أساسها وحصل لديه الاطمئنان الشخصي بسببها.

وفي حالة إصدار الحاكم الشرعي للحكم يجب اتّباعه حتى على غير مقلّديه ممّن يؤمن بتوفّر شروط الحاكم الشرعي فيه.

(72) الخامس: كلّ جهد علميّ يؤديّ إلى اليقين أو الاطمئنان بأنّ القمر قد خرج من المَحاق؛ وأنّ الجزء النيّر منه الذي يواجه الأرض (الهلال) موجود في الاُفق بصورة يمكن رؤيته فلا يكفي لإثبات الشهر القمريّ الشرعي أن يؤكّد العلم بوسائله الحديثة خروج القمر من المَحاق ما لم يؤكّد إلى جانب ذلك إمكان رؤية الهلال وتحصل للإنسان القناعة بذلك على مستوى اليقين أو الأطمئنان.

(73) وهناك حالات تلاحظ في الهلال عندما يُرى لأوّل مرّة كثيراً ما يتّخذها الناس قرينةً لإثبات أنّه في ليلته الثانية، وأنّ الشهر القمريّ كان قد بدأ في الليلة السابقة على الرغم من عدم رؤيته، من قبيل أن يكون الهلال على شكل دائرة، وهو ما يسمّى بتطوّق الهلال، أو سمك الجزء المنير منه وسعته، أو استمرار ظهوره قرابة ساعة من الزمان وعدم غيابه إلّا بعد الشفق مثلا، إذ يقال حينئذ عادةً: إنّ الهلال لو كان جديد الولادة ولم يكن ابن ليلة سابقة لَما كان بهذه الكيفية أو بهذه المدّة.

ولكنّ الصحيح: أنّ هذه الحالات لا يمكن اتّخاذها دليلا لإثبات بداية الشهر القمريّ الشرعي في الليلة السابقة؛ لأنّ أقصى ما يمكن أن تثبته هو أنّ القمر كان قد خرج من المَحاق قبل فترة طويلة؛ ولهذا أصبح بهذه الكيفية أو بهذه المدة،

الصفحة 722

لكنّه لا يدلّل على أنّه كان بالإمكان رؤيته في غروب الليلة السابقة، فلو كان القمر ـ مثلا ـ قد خرج من المَحاق قبل اثنتي عشرة ساعةً من الغروب الذي رُئي فيه لأول مرّة فسوف يبدو أوضح وأشمل نوراً وأطول مدّة ممّا لو كان قد خرج من المَحاق قبل دقائق من الغروب، على الرغم من أنّه ليس ابن الليلة السابقة في كلتا الحالتين.

وعلى العموم لا يجوز الاعتماد على الظنّ في إثبات هلال شهر رمضان وإثبات هلال شوّال، ولا على حسابات المنجّمين الذين لا يعوَّل على أقوالهم في هذا المجال عادةً.

أحكام مترتّبة:

(74) فإذا ثبت هلال شهر رمضان بصورة شرعية وجب الصيام، وإذا ثبت هلال شوّال كذلك وجب الإفطار، وإذا لم يثبت هلال شهر رمضان بأحد الطرق التالية ـ كما إذا حلّت ليلة الثلاثين من شعبان ولم يمكن إثبات هلال شهر رمضان ـ لم يجب صيام النهار التالي، بل لا يسوغ صيامه بنية أنّه من رمضان ما دام رمضان غير ثابت شرعاً، فله أن يفطر في ذلك النهار، وله أن يصومه بنية أنّه من شعبان استحباباً، أو قضاءً لصيام واجب في عهدته، وله أن يصومه قائلا في نفسه: إن كان من شعبان فأصومه على هذا الأساس وإن كان من رمضان فأصومه على أنّه من رمضان، فيعقد النية على هذا النحو من التأرجح فيصحّ منه الصيام. ومتى صام على هذه الأوجه التي ذكرناها ثمّ انكشف له بعد ذلك أنّ اليوم الذي صامه كان من رمضان أجزأه وكفاه.

(75) وإذا حلّت ليلة الثلاثين من شهر رمضان ولم يثبت هلال شوّال بطريقة

الصفحة 723

شرعية وجب صيام النهار التالي، وإذا صامه وانكشف له بعد ذلك أنّه كان من شوّال، وأنّه يوم العيد الذي يحرم صيامه فلا حرج عليه في صيامه ما دام قد صامه وهو لا يعلم بدخول شهر شوّال.

وإذا حصل لدى المكلّف ما يشبه القناعة بأنّ غداً أول شوّال، ولكنه لا يسمح لنفسه بأن يفطره؛ لعدم وجود طريق شرعيّ واضح، كما يعزّ عليه أن يصومه خوفاً من أن يكون يوم العيد فبإمكانه أن يحتاط بالسفر الشرعي، فإن سافر ليلا فقد تخلّص، وإن أجّل سفره إلى النهار وجب عليه أن ينوي الصيام ويمسك إلى حين خروجه من بلده وتجاوزه لحدّ الترخّص بالمعنى المتقدم في الفقرة (20).

وقد تقول: إذن قد وقع في ما كان يخشاه وهو صيام ذلك اليوم الذي يظنّ بأنّه يوم العيد، وصيام يوم العيد حرام.

والجواب: أنّ الحرام هو صيام نهار يوم العيد بكامله، وأمّا صيام جزء منه فلا يحرم.

الصفحة 725

الصّيام

2

الصّيام في غير شهر رمضان

 

 

○   صيام قضاء شهر رمضان.

○   صيام التكفير والتعويض.

○   الصيام المستحبّ.

○   الصيام المحرّم.

○   جدول للمقارنة.

 

 

الصفحة 727

صِيام قضاءِ شهرِ رمضان

 

تقدّم أنّ أهمّ صيام جاءت به الشريعة هو صيام شهر رمضان، وهناك أنواع اُخرى من الصيام الواجب، منها: صيام قضاء شهر رمضان، وفي ما يلي نذكر أحكامه:

على من يجب القضاء؟

(1) كلّ مَن لم يؤدّ فريضة الصيام في شهر رمضان وجب عليه القضاء، وذلك بأن يصوم من الأيّام بعد شهر رمضان بعدد ما فاته، سواء كان عدم أدائه لفريضة الصيام لعصيان، أو لغفلة ونسيان، أو لجهل بأنّ هذا شهر رمضان، أو لنوم، أو لسفر، أو لمرض، أو لما يصيب المرأة من حيض أو نفاس، أو لغير ذلك من الأسباب. ويستثنى من ذلك الحالات التالية:

(2) أولا: مَن ترك الصيام لصغر سنّه وعدم بلوغه فلا يجب عليه القضاء.

(3) ثانياً: مَن ترك الصيام في حالة الجنون فلا يجب عليه القضاء.

(4) ثالثاً: مَن كان كافراً أصيلا في كفره وترك الصيام فلا يجب عليه القضاء بعد أن أسلم، وأمّا إذا كان مسلماً وارتدّ عن الإسلام وترك الصيام ثمّ عاد

الصفحة 728

إلى الإسلام وجب عليه القضاء.

(5) رابعاً: من داهمه الإغماء قبل أن ينوي الصيام ففاته الصيام بسبب ذلك فلا يجب عليه القضاء.

(6) خامساً: من ترك الصيام على أساس الشيخوخة، أو كونه مصاباً بداء العطاش ـ على ما تقدّم في الفقرة (21) و (22) من الفصل السابق ـ فلا يجب عليه القضاء.

(7) سادساً: من ترك صيام شهر رمضان لمرض واستمرّ به المرض طيلة السنة إلى أن أدركه رمضان الثاني فلا يجب عليه القضاء، ولكن تجب الفدية بالقدر المتقدّم في الفقرة (21) من الفصل السابق.

وأمّا إذا صحّ وعُوفي في أثناء السنة فيجب عليه القضاء.

أحكام القضاء:

(8) وكلّ من وجب عليه القضاء فلا يجب عليه الإسراع به، وله أن يؤخّره شهراً أو شهوراً، بل سنة أو أكثر ما لم يؤدّ إلى الإهمال والتفريط، ولكن في حالة التأخّر إلى حلول رمضان الثاني يجب عليه القضاء والفدية بالقدر المتقدم في الفقرة(21) من الفصل السابق.

وأمّا المريض الذي أفطر في شهر رمضان واستمرّ به المرض إلى رمضان آخر فلا قضاء عليه ـ كما تقدم ـ وعليه الفدية فقط.

ولا تزداد هذه الفدية بالتمادي في تأخير القضاء سنتين أو أكثر، بل تظّل كما وجبت أوّلا.

وما ذكرناه من وجوب الفدية على من أخّر قضاء رمضان إلى رمضان آخر