جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 387

الصلاة

1

تمهيد

 

 

○  أنواع الصلاة الواجبة.

○  موجز عن صورة الصلاة عموماً.

○  الشروط العامّة في الصلاة.

 

 

الصفحة 389

الصلاة أهمّ عبادة في الإسلام، وهي عمود الدين، كما جاء في الحديث الشريف. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّها أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحّت نظر في عمله، وإن لم تصحّ لم ينظر في بقية عمله(1) ومثلها ـ كما دلّ الحديث ـ كمثل النهر الجاري، فكما أنّ من اغتسل فيه في كلّ يوم خمس مرّات لم يبقَ في بدنه شيء من الدَرَن كذلك كلّما صلّى صلاةً كفّر ما بينهما من الذنوب(2).

وقد سأل معاوية بن وهب الإمام الصادق (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم، وأحبّ ذلك إلى الله عزّ وجلّ ما هو؟ فقال: ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم قال: ﴿وَأوْصَاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾(3)؟!

وقد بلغ من اهتمام إمامنا أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بالحثّ على الصلاة ما روي عن زوجته اُمّ حميدة، إذ دخل عليها أبو بصير وهو يعزّيها بوفاته، فبكت وبكى، ثمّ قالت: يا أبا محمّد، لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً، فتح


(1) وسائل الشيعة 3: 23، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 13.
(2) وسائل الشيعة 3: 6، الباب 2 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3.
(3) وسائل الشيعة 3: 25، الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.
الصفحة 390

عينيه ثمّ قال: « اجمعوا كلّ مَن بيني وبينه قرابة »، قالت: فما تركنا أحداً إلّاجمعناه، فنظر إليهم ثمّ قال: « إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة »(1).

أنواع الصلاة الواجبة:

(1) والصلاة منها واجبة، ومنها مستحبّة، والواجبة ستّ صلوات:

(أ) الصلوات اليومية، وأيضاً يطلق عليها الصلوات الخمس، والفرائض الخمس، وهي: صلاة الصبح، وصلاة الظهر (2)، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.

(ب) صلاة الطواف. (اُنظر رسالتنا الخاصّة موجز أحكام الحجّ).

(ج) صلاة الآيات: الخسوف والكسوف وغيرهما ممّا يأتي استعراضه.

(د) الصلاة على الأموات. وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل في (الطهارة)، لاحظ الفقرة (144) من فصل الغسل.

(هـ) قضاء الولد الأكبر عن والده ما فاته من الصلاة، على ما يأتي في موضعه.

(و) صلاة العيدين: عيد الأضحى، وعيد الفطر، إذا أقامها الإمام أو سلطان عادل يمثّله فإنّ الحضور لها حينئذ واجب، ولا يجب في غير هذه الحالة.

ولهذا يمكن القول على أساس الواقع المعاش فعلا في غيبة الإمام (عليه السلام): إنّ صلاة العيدين غير واجبة عمليّاً؛ لعدم توافر الشرط(3)، وإنّ الواجب هو الخمسة الاُولى، وما سوى ذلك من الصلوات المشروعة فمندوب ومستحبّ، ولا يجب إلّا بأحد الأسباب العامّة التي يطرأ الوجوب بموجبها، كالنذر، واليمين، ونحو ذلك.

 


(1) وسائل الشيعة 3: 17، الباب 6 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 11.
(2) يقصد الظهر أو بديلها من الجمعة.
(3) كان كلامه(رحمه الله) في زمان تأليفه لهذه الرسالة المباركة صحيحاً؛ أمّا اليوم ففي إيران الإسلام السلطان العادل موجود ـ والحمد لله ـ فالأحوط وجوباً حضور صلاة العيدين حينما تقام بالشكل الصحيح من قِبَله.
الصفحة 391

موجز عن صورة الصلاة عموماً:

(2) وكلّ صلاة فهي تتكوّن من ركعات، والحدّ الأقصى من الركعات في الصلاة أربع، كصلاة العشاء مثلا، والحدّ الأدنى من الركعات في الصلوات الواجبة ركعتان، كصلاة الصبح، وفي الصلوات المندوبة ركعة واحدة، وهي ركعة الوَتر،على ما يأتي.

وعلى العموم فالركعات هي: الوحدات والأجزاء الأساسية التي تتكوّن منها الصلاة، ويستثنى من ذلك الصلاة على الأموات فإنّها مكوّنة من تكبيرات لا من رَكعات، وليست هي صلاة إلّا بالاسم فقط، وقد تقدمت كيفيتها وأحكامها.

والركعة الاُولى من كلّ صلاة ـ باستثناء صلاة الآيات وصلاة العيدين ـ يمكن أن تؤدّى كما يلي:

ينوي الإنسان أنّه يصلّي قربةً إلى الله تعالى، ويبدأ بتكبيرة الإحرام فيقول: « الله أكبر »، وبذلك يدخل في الصلاة، ثمّ يقرأ فاتحة الكتاب (السورة الاُولى في المصحف الشريف)، ويقرأ بعدها سورة، ويسمّى ذلك بالقراءة، ثمّ يركع بأن ينحني على نحو تصل أطراف أصابعه إلى ركبتيه، ويقول: « سبحان ربّي العظيم وبحمده »، ويسمّى ذلك بالذكر، ثمّ يرفع رأسه وينتصب واقفاً، وبعد ذلك يسجد واضعاً كفّيه وركبتيه وإبهاميه على الشيء الذي يصلّي عليه، وواضعاً جبهته على تراب أو خشب أو ورق ونحو ذلك، ويقول في سجوده: « سبحان ربّي الأعلى وبحمده »، ويسمّى ذلك بالذكر، ويرفع رأسه جالساً منتصباً، ثمّ يسجد مرّةً ثانيةً ويقول كما قال في الاُولى، ويرفع رأسه كذلك، وبهذا تكمل ركعة واحدة.

فإن كانت الصلاة مكوّنةً من ركعة واحدة قال وهو جالس بعد سجدته الثانية: « أشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد »، (وهذا هو التشهّد)، « السلام عليكم ورحمة الله وبركاته »، (وهذا هو التسليم بصيغته الموجزة)، وتتمّ بذلك صلاته.

الصفحة 392

وإن كانت الصلاة مكوّنةً من ركعتين ـ كصلاة الصبح مثلا ـ قام بدلا عن أن يقول هذا الكلام وكرّر نفس مافعله في الركعة الاُولى، باستثناء تكبيرة الإحرام، حتّى إذا أكمل الركعة الثانية ورفع رأسه من سجدتها الثانية جلس منتصباً، وقال ذلك الكلام الذي يشتمل على التشهّد والتسليم، وأكمل صلاته.

وإذا كانت الصلاة مكوّنةً من ثلاث ركعات ـ وهي صلاة المغرب ـ اقتصر في الركعة الثانية على التشهّد، ثمّ قام منتصباً، وقال ثلاث مرّات: « سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر »، ويسمّى ذلك بالتسبيحات، وبعد ذلك يركع ويكمل ركعته الثالثة التي لاتختلف عن الثانية إلّا فيما يقرأه المصلّي وهو قائم، فإذا انتهى من السجود الثاني في الركعة الثالثة جلس منتصباً وتشهّد وسلّم.

وإذا كانت الصلاة مكوّنةً من أربع ركعات ـ كصلاة الظهر ـ لم يتشهّد ولم يسلّم عقيب الثالثة، بل عليه أن يقوم ويأتي بركعة رابعة مشابهة للركعة الثالثة تماماً، ثمّ يتشهّد ويسلّم، ويكمل بذلك صلاته. وهذه هي الصورة الكاملة للصلوات الآحادية الركعات والثنائية والثلاثية والرباعية.

ومن المستحبّ في كلّ ركعة ثانية بعد الفراغ من قراءة الفاتحة والسورة وقبل الركوع أن يقنت المصلّي، وذلك بأن يذكر الله تعالى بدعاء أو حمد وثناء ونحو ذلك، سواء كانت الصلاة ثنائيةً أو ثلاثيةً أو رباعية.

وهناك صور اُخرى يصحّ أن تؤدّى في حالات استثنائية، كحالات التعذّر والمرض، يأتي استعراضها فيما بعد.

وعلى هذا الأساس نعرف أنّ الركوع والسجدتين والذكر المقرّر في الركوع والسجود أجزاء ثابتة في كلّ ركعة، وأنّ تكبيرة الإحرام جزء للركعة الاُولى دائماً، وأنّ التشهّد والتسليم جزءان في الركعة الأخيرة دائماً، وأنّ القراءة جزء في كلٍّ من الركعة الاُولى والثانية، وأنّ التسبيحات جزء في ما بعد الثانية من الركعات، وأنّ الركعة الثانية إذا لم تختم بها الصلاة فهي تشتمل على التشهّد فقط

الصفحة 393

عقيب السجدة الثانية فيها.

(3) وبذلك صحّ أن يقال: إنّ أهمّ أجزاء الصلاة كما يلي:

1 ـ تكبيرة الإحرام.

2 ـ القراءة.

3 ـ الركوع.

4 ـ السجود.

5 ـ الذكر.

6 ـ التشهّد.

7 ـ التسليم.

[ الشروط العامّة في الصلاة:]

(4) وهناك إلى جانب هذه الأجزاء شروط يجب توافرها في كلّ صلاة، نذكر الآن المهمّ منها، وهو على قسمين: أحدهما شروط للمصلّي، والآخر شروط لنفس الصلاة.

أمّا الشروط العامة للمصلّي فهي كما يلي:

أوّلا: أن يكون على وضوء وطهارة.

ثانياً: أن يكون بدنه طاهراً، وكذلك ثيابه، وقد تقدم تفصيل الحديث عن هذين الشرطين في فصول الطهارة.

ثالثاً: أن تكون عورته مستورة.

رابعاً: أن لا تكون ملابسه من الميتة، ولا من حيوان لا يسوغ أكل لحمه، بل أن لا يحمل شيئاً منهما، وأن لايلبس الرجل في صلاته حريراً أو ذهباً.

خامساً: أن يستقبل القبلة ـ وهي الكعبة الشريفة ـ عند الصلاة، بأن يكون مواجهاً لها ولو من بعيد.

الصفحة 394

سادساً: أن يقصد بالصلاة القربة إلى الله تعالى.

سابعاً: أن يقصد اسمها الخاصّ المميّز لها شرعاً، فعندما يصلّي صلاة الفجر ـ مثلا ـ ينوي أنّه يصلّي صلاة الفجر قربةً إلى الله تعالى، ولا يكفي أن ينوي أنّه يصلّي ركعتين قربةً إلى الله تعالى، وهكذا بالنسبة إلى سائر الصلوات.

وأمّا الشروط العامّة للصلاة فهي كما يلي:

أوّلا: الالتزام بالتسلسل الشرعي للأجزاء، فتكبيرة الإحرام قبل القراءة، والقراءة قبل الركوع، وهكذا.

ثانياً: التتابع بين الأجزاء على نحو لايفصل بينها فاصل زمني طويل يعتبر بموجبه بعض العمل مفصولا عن البعض الآخر.

ثالثاً: وضع الجبهة حال السجود على الأرض، أو على خشبة، أو ورق، ونحو ذلك على ما يأتي تفصيله في أحكام السجود.

هذه صورة موجزة عن الصلاة عموماً، وكيفية أدائها بأجزائها وشروطها العامّة.

وهناك أجزاء وشروط خاصّة تختلف فيها بعض الصلوات عن بعض، فصلاة العيدين ـ مثلا ـ فيها تكبيرات إضافية علاوةً على تكبيرة الإحرام، والصلوات اليومية يشترط في كلّ واحدة منها وقت معيّن، وهكذا، ونحن في ما يلي سنقسّم الكلام على الوجه التالي:

أوّلا: نستعرض أنواع الصلاة المختلفة، وكيفية أداء كلّ واحدة منها.

ثانياً: نستعرض الشروط العامة للصلاة والأجزاء العامة لها التي مرّت بنا، ونفصّل أحكامها بعد ذلك الإيجاز.

ثالثاً: نستعرض الأحكام العامّة للصلاة، وهي: مبطلات الصلاة، القضاء، الخلل، الشكّ، صلاة الجماعة، الفوارق بين الفريضة والنافلة.

الصفحة 395

الصلاة

2

أنواع الصلاة

 

ذكرنا سابقاً: أنّ الواجب من الصلوات ستّة، أحدها بل أهمّهاالصلاة اليوميّة، أو الصلوات اليوميّة بتعبير آخر. وعلى هذا الأساس سوف نصنّف الكلام إلى بابين:

 

○  أحدهما: في الصلوات اليوميّة.

○  والآخر: في سائر الصلوات.

 

 

الصفحة 397

أنواع الصلاة

الباب الأوّل

في

الصلوات اليومية

 

 

○  عرض الصلوات اليوميّة ونوافلها.

○  أحكام عامّة للصلوات اليوميّة.

 

 

الصفحة 399

الصلوات اليومية الواجبة خمس، وقد تقدم ذكر أسمائها، وهي تشترك في آداب وأحكام، كما تختلف في بعض الخصائص. وتشتمل هذه الصلوات الخمس بمجموعها على سبع عشرة ركعة.

وهناك أربع وثلاثون ركعةً مستحبة في مجموع النهار والليلة استحباباً مؤكّداً، وورد الحثّ عليها والترغيب فيها كثيراً في النصوص والأحاديث، وتسمّى هذه الركعات بالنوافل اليومية، وتسمّى أيضاً بالنوافل المرتّبة؛ لأنّ لها أوقاتاً قد رتّبت وعيّنت لها تمييزاً عن سائر مايتطوّع به المكلّف من صلاة في أيّ وقت يشاء.

وفي ما يلي نذكر الصلوات اليومية الواجبة والنوافل اليومية المستحبة كلّ واحدة وخصائصها.

الصفحة 401

الصلوات اليوميّة

1

عرض الصلوات اليوميّة ونوافلها

 

 

○  فريضة صلاة الفجر ونافلتها.

○  فريضة صلاة الظهر ونافلتها.

○  فريضة صلاة العصر ونافلتها.

○  فريضة صلاة المغرب ونافلتها.

○  فريضة صلاة العشاء ونافلتها.

○  نافلة الليل.

○  صلاة الجمعة.

 

 

الصفحة 403

فريضة صلاة الفجر ونافلتها:

(5) فريضة صلاة الفجر، وهي اُولى الصلوات اليومية، ولها شأن كبير، وقد عبّر عنها القرآن الكريم بقرآن الفجر في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾(1)، وتسمّى بصلاة الفجر، كما تسمّى بصلاة الصبح؛ لأنّ الصباح يبدأ بابتداء الفجر، وصلاة الفجر ركعتان، وقد عرفنا سابقاً كيف تؤدّى الصلاة إذا كانت مكوّنة من ركعتين، ويجهر المكلّف الرجل في صلاة الفجر بقراءة الفاتحة والسورة التي عقيبها.

ونقصد بالجهر بالقراءة: أن يرفع صوته بها، على ما يأتي في الفقرة (97) من فصل الشروط والأجزاء العامّة.

(6) ولصلاة الفجر وقت محدّد، وهو الوقت الذي يبدأ من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، ويبلغ هذا الوقت عادةً حوالي ساعة ونصف.

والفجر: هو ضوء الصباح الذي يسبق طلوع الشمس، وهذا الضوء يبدأ في الاُفق بياضاً، ويتّخذ هذا البياض في البداية شكلَ مستطيل ممتدّ إلى أعلى كعمود


(1) الإسراء: 78.
الصفحة 404

أبيض يحوطه الظلام من الجانبين، ثمّ يأخذ هذا البياض بالانتشار في الفضاء اُفقياً ويشكّل مايشبه الخيط الممتدّ مع الاُفق، ويستمرّ في الانتشار طولا وعرضاً.

والفجر هو هذا البياض عندما يمتدّ اُفقياً ويصبح متميّزاً عن ظلمة الليل. وأمّا الفترة التي تسبق ذلك ويكون البياض فيها ممتدّاً عمودياً ومحاطاً بالظلام من جانبيه فتسمّى بالفجر الكاذب، ولا تسوغ صلاة الفجر فيه.

(7) وينتهي وقتها بطلوع الشمس، غير أنّ الوقت المفضّل لها شرعاً ينتهي قبل ذلك، فإنّ الشمس قبل أن تطلع تظهر حمرةٌ في الاُفق في ناحية المشرق تمهيداً لطلوع الشمس، وبظهور هذه الحمرة ينتهي الوقت المفضّل لصلاة الفجر، فلو أخّر المكلّف الصلاة إلى حين ظهور الحمرة وصلاّها قبل طلوع الشمس فقد فاته ما هو الأفضل، ولكن أدّى الواجب ولا إثم عليه.

(8) وكما توجد فريضة صلاة الفجر كذلك توجد نافلة الفجر، وهي صلاة تتكوّن من ركعتين كفريضة الفجر تماماً، ولكن ينوي المصلّي بها نافلة الفجر قربةً إلى الله تعالى.

(9) ووقت نافلة الفجر يبدأ من السدس الأخير من الليل (1)، بمعنى أنّ الفترة الواقعة بين غروب الشمس وطلوع الفجر إذا قسّمت إلى ستّة أقسام فبداية السدس الأخير منها هي بداية وقت هذه النافلة، ويستمرّ وقتها إلى طلوع الشمس. والأفضل الأحوط استحباباً أن لا تؤخّر إلى حين ظهور الحمرة المشرقية الذي ينتهي به الوقت المفضّل لفريضة الفجر.

(10) وعلى هذا لأساس لا يجوز تقديم نافلة الفجر على السدس الأخير


(1) المتيقَّن من بدء وقتها ما يصدق عليه عرفاً عنوان ما قبل الفجر، وهو قريب الانطباق على السدس الأخير، ولا يبعد بدء وقتها ببدء وقت صلاة الليل، كما ذكره الماتن(رحمه الله)في تعليقه على منهاج الصالحين.
الصفحة 405

من الليل؛ لأنّ ذلك قبل وقتها (1).

ويستثنى من ذلك: ما إذا صلّى المكلّف صلاة الليل ـ وهي نافلة يومية اُخرى يأتي الحديث عنها ـ فإنّه لا بأس حينئذ بأن يضمّ نافلة الفجر إليها، ولو لم يكن السدس الأخير من الليل قد بدأ.

(11) ويشترط الإتيان بنافلة الفجر قبل فريضة الفجر، ولكن إذا خشي أن يفوته بسبب ذلك الوقت المفضّل لفريضة الفجر فالأفضل أن يبدأ بالفريضة، ويأتي بالنافلة بعد ذلك قبل طلوع الشمس.

فريضة صلاة الظهر ونافلتها:

(12) فريضة صلاة الظهر هي الصلاة اليومية الثانية، وتسمّى بالصلاة الوسطى. وقد أكّد القرآن الكريم على المحافظة عليها بوجه خاصّ، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى...﴾(2).

وإنمّا سمّيت بالصلاة الوسطى لأنّها وسط بين صلاتين نهاريّتين، فقبلها فريضة الفجر، وبعدها فريضة العصر، وهي بينهما.

(13) وصلاة الظهر أربع ركعات. وقد تقدم الكلام عن صورة الصلاة التي تتكوّن من أربع ركعات. وقد تصبح صلاة الظهر ركعتين؛ وذلك بالنسبة إلى المسافر ضمن شروط معيّنة يأتي شرحها في الأحكام العامة للصلوات اليومية.

ويُخفِت المكلّف في قراءة الفاتحة والسورة التي عقيبها في صلاة الظهر، عدا البسملة في كلٍّ من السورتين فإنّ الإخفات فيها غير واجب، ويستثنى من


(1) تقدّم أنّه لا يبعد بدء وقتها ببدء وقت صلاة الليل.
(2) البقرة: 238.
الصفحة 406

وجوب الإخفات صلاة الظهر من يوم الجمعة فإنّه لا يجب فيها الإخفات، ويجب الإخفات أيضاً في قراءة التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة من صلاة الظهر في جميع الأيام.

(14) ووقت صلاة الظهر يبدأ من منتصف الفترة الواقعة بين طلوع الشمس وغروبها، بمعنى أنّ المدّة الواقعة بين طلوع الشمس وغروبها إذا قسّمت إلى قسمين متساويين في الساعات والدقائق كان أوّل النصف الثاني منها بداية الوقت لصلاة الظهر. وتسمّى بداية الوقت هذه بالزوال، أي زوال الشمس عن جهة المشرق إلى جهة المغرب، وهو ماعبّر عنه القرآن الكريم بدلوك الشمس. وهذا الموعد قد يتطابق مع الساعة الثانية عشرة بالتوقيت الزوالي، وقد يتقدّم أو يتأخّر. ويعرف الزوال بطرق عديدة، منها ما يلي:

(15) أوّلا: أن تضبط بالساعة موعد طلوع الشمس وموعد غروبها، وتحدّد نصف الفترة الواقعة بين الموعدين، ويكون هذا هو الزوال، أو الظهر.

(16) ثانياً: يعرف الزوال عن طريق الظلّ، وذلك أنّ الشمس حينما تطلع من المشرق يحدث لكّل جسم ظلّ، وهذا الظلّ يحدث في الجهة المقابلة للشمس دائماً. فإذا افترضنا جداراً واقعاً بين نقطتي الشمال والجنوب تماماً كان لهذا الجدار في بداية النهار ظلّ في الجانب المقابل لجهة الشمس (أي في جانب المغرب)، وأمّا جانب المشرق منه فلا ظلّ فيه؛ لأنّه مواجه للشمس، وكلّما ارتفعت الشمس تقلّص الظلّ الغربي للجدار وانكمش، وعند الزوال ينعدم(1)، ويبدأ للجدار ظلّ شرقي (أي في جانب المشرق)، فكلّما لوحظ أنّ الظلّ انعدم في


(1) ولكنّه لا ينعدم بصورة نهائية غالباً، بل يتطرّف ويميل إلى الشمال أو الجنوب، فانعدام الظلّ الذي نقصده هو الانعدام بالنسبة إلى جهة المغرب، لا انعدام الظلّ من الأساس.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 407

جانب المغرب وحصل في جانب المشرق فقد دخل وقت صلاة الظهر.

ثالثاً: (17) وهناك طريقة اُخرى لمعرفة الزوال، هي: أن تعرف نقطة الجنوب مسبقاً فتستقبلها بوجهك، وتلاحظ الشمس وهي في السماء، فإن كانت قد مالت إلى جانب حاجبك الأيمن فاعرف أنّ وقت الفريضة قد حلّ.

(18) ويستمرّ وقت صلاة الظهر إلى غروب الشمس، ولكن إذا كان على عهدة الإنسان صلاة الظهر وصلاة العصر معاً ولم يصلّهما حتّى لم يبقَ إلى الغروب إلّا فترة لا تكفي إلّا لإحدى الصلاتين فقط اعتبر وقت صلاة الظهر قد انتهى من أجل صلاة العصر، وصلّى المكلّف صلاة العصر (وصلاة العصر هي الصلاة اليومية الثالثة التي يأتي الكلام عنها). وإذا كانت الفترة الباقية خمس دقائق ـ مثلا ـ على افتراض أنّ كلّ ركعة تستغرق دقيقةً بكاملها وجب على المكلّف أن يصلّي صلاة الظهر، ويصلّي بعدها فوراً صلاة العصر.

(19) وعلى الرغم من استمرار وقت صلاة الظهر إلى الغروب فإنّ المرجّح الإسراع بالإتيان بها والحرص على أدائها في وقتها المفضّل، والوقت المفضّل لصلاة الظهر لا يستمرّ إلى الغروب، بل يبدأ من أوّل الزوال وينتهي بأمد معيّن يقاس بمقدار امتداد الظلّ الذي يحدث لكلّ جسم، ويمتدّ نحو المشرق بعد أن تزول الشمس وتميل نحو المغرب.

وبيان ذلك: أ نّا إذا افترضنا جداراً ممتدّاً بين الشمال والجنوب تماماً(1)فإنّ هذا الجدار سوف يكون له عند طلوع الشمس في المشرق ظلّ في جانب المغرب، وعند الظهر يتقلّص هذا الظلّ من جانب المغرب نهائياً، وكثيراً مايبقى في نقطة الشمال ـ كما في العراق ـ أو الجنوب بالنسبة إلى الحائط. ثمّ يحدث في


(1) يعني بشكل يفصل خطّه على الأرض بين نقطة الشروق ونقطة الغروب من الوسط تماماً بخطٍّ مستقيم.
الصفحة 408

جانب المشرق على عكس ما كان تماماً في بداية النهار، ويتزايد في جانب المشرق باستمرار إلى غروب الشمس.

والوقت المفضّل لصلاة الظهر يبدأ من حين الزوال إلى أن يبلغ امتداد ظلّ الجدار في جانب المشرق بقدر ارتفاع ذلك الجدار (1)، فإذا كان ارتفاع الجدار الواقع بين الشمال والجنوب سبعة أمتار كان انتهاء الوقت المفضّل لصلاة الظهر ببلوغ الظلّ في جانب المشرق سبعة أمتار،على نحو لو قسنا المسافة من قاعدة هذا الجدار إلى نهاية رأس الظلّ بخطٍّ مستقيم غير مائل ـ أي بخطٍّ عموديٍّ ـ لكان مساوياً لارتفاع صاحب الظلّ، أي سبعة أمتار.

(20) وكما توجد فريضة صلاة الظهر كذلك توجد نافلة الظهر، وهي مكوّنة من أربع صلوات، وكلّ واحدة من هذه الصلوات تتكوّن من ركعتين، فيكون المجموع ثمان ركعات، يقصد بها المصلي نافلة الظهر قربةً إلى الله تعالى.

(21) ووقت نافلة الظهر هو وقت فريضة الظهر تماماً. ويؤتى بالنافلة قبل الفريضة، ولكن إذا لم يكن قد صلّى أوّل الوقت وخشي أنّه إذا بدأ بالنافلة يفوته الوقت المفضّل لفريضة الظهر فالأفضل أن يبدأ بالفريضة، ثمّ يأتي بالنافلة قبل انتهاء وقت الفريضة، والأفضل تقديم الفريضة وتأخير النافلة عنها أيضاً إذا بلغ الظلّ في جانب المشرق اثنين من سبعة من ارتفاع الجدار (2)، بل الأفضل ذلك إذا بلغ الظلّ واحداً من سبعة؛ حفاظاً على السرعة في الإتيان بصلاة الفريضة.

(22) وعلى هذا الأساس لا يجوز تقديم نافلة الظهر على الظهر (3)؛ لأنّه


(1) بل بقدر ارتفاع سبعي الجدار، فلو كان الجدار سبعة أمتار كان انتهاء وقت الفضيلة ارتفاع الظلّ مترين.
(2) مضى أنّ هذا هو عين نهاية وقت الفضيلة.
(3) الظاهر جوازه.
الصفحة 409

قبل الوقت. ولكن يستثنى من ذلك حالتان:

الحالة الاُولى: نافلة الظهر في يوم الجمعة فإنّه يجوز تقديمها على الزوال.

الحالة الثانية: إذا علم المكلّف بأنّه سوف يشتغل عند الزوال عنها بشغل من أشغاله، فيقدّمها توفيقاً بينها وبين شغله الخاصّ (1).

بديل صلاة الظهر:

(23) عرفنا أنّ صلاة الظهر فريضة واجبة، ولكن هناك بديل عنها في ظهر يوم الجمعة خاصّةً ضمن شروط معيّنة، وهذا البديل صلاة الجمعة، وسيأتي الحديث عنها بصورة مستقلّة.

فريضة صلاة العصر ونافلتها:

(24) فريضة صلاة العصر، وهي الصلاة اليومية الثالثة، وتشابه صورتها وعدد ركعاتها وإخفات قراءتها صلاة الظهر تماماً، غير أنّ المصلّي ينوي فيها أنّه يصلّي صلاة العصر قربةً إلى الله تعالى. وتختلف عن صلاة الظهر في أنّها لا بديل عنها في حال من الأحوال، بينما تحلّ صلاة الجمعة محلّ صلاة الظهر في بعض الأحيان، كما أشرنا سابقاً، ويأتي تفصيله.

(25) ويبدأ وقت فريضة العصر من الزوال (الظهر)، غير أنّه يجب أن يؤتى بها بعد الإتيان بفريضة الظهر، فإذا حلّ الظهر لم يسغْ للمكلف أن يتعمد الإتيان بها قبل فريضة الظهر وهو عالم بأنّ هذا لا يسوغ له، ولو صنع المكلّف ذلك وجب


(1) لو لم نقبل بجواز التقديم على الإطلاق فالمتيقَّن من التقديم بسبب الشغل هو مقدار ستّ ركعات، لا جميع الثمان ركعات.
الصفحة 410

عليه أن يصلّي الظهر ويعيد صلاة العصر بعد صلاة الظهر.

(26) وإذا حلّ الظهر وخُيّل للمكلف أنّه قد أتى بفريضة الظهر فبادر إلى فريضة العصر، وانتبه في أثناء الصلاة إلى أنّه لم يكن قد صلّى الظهر وجب عليه أن يعتبر صلاته التي بدأها بنيّة العصر ظهراً، فيكملها بنية الظهر، ويأتي بعد ذلك بصلاة العصر.

(27) وإذا استمرّت غفلته إلى أن فرغ من الصلاة ثمّ التفت إلى أنّه لم يكن قد صلّى الظهر قبلا صحّت صلاة العصر منه؛ وكان معذوراً في تقديمها، سواء كان قد صلاّها في بداية الظهر أو في وسط الوقت، ووجب عليه أن يصلّي الظهر فقط (1). ومثل هذا تماماً مَن كان يعلم بأنّه لم يصلّ الظهر ولكنّه كان يعتقد بأنّ تقديم صلاة العصر على صلاة الظهر جائز، فقدّمها ثمّ علم بأنّ هذا لا يسوغ بعد الانتهاء من الصلاة فلا يعيد تلك الصلاة (2).

(28) ويستمرّ وقت صلاة العصر إلى غروب الشمس، أي سقوط قرص الشمس، فإذا لم تبقَ إلى الغروب إلّا فترة تسع صلاةً واحدةً وكان على المكلّفصلاتا الظهر والعصر معاً وجب عليه أن يقدّم العصر، خلافاً لما كان هو الواجب في البداية من تأخير العصر عن الظهر.

(29) ولكنّ الوقت المفضّل لفريضة العصر يبدأ مع بداية وقت الظهر، ويستمرّ إلى أن يبلغ امتداد الظلّ الحاصل في جانب المشرق من الجدار الواقع بين الشمال والجنوب ضعف ارتفاع الجدار (3)، فلو كان ارتفاع الجدار متراً ـ مثلا ـ


(1) الأحوط وجوباً أن ينوي ما سبق ظهراً ثمّ يصلّي الثانية بقصد ما في الذمّة.
(2) الأحوط وجوباً أن ينوي ما سبق ظهراً ثمّ يصلّي الثانية بقصد ما في الذمّة.
(3) بل أربعة أسباع ارتفاع الجدار.
الصفحة 411

وقسنا امتداد الظلّ من قاعدة الجدار إلى نهاية امتداده في خطٍّ مستقيم غير مائل ـ أي بخطٍّ عموديٍّ ـ فكان مترين(1) فقد انتهى الوقت المفضّل لصلاة العصر.

(30) وهناك نافلة بين فريضتي الظهر والعصر تتكوّن من أربع صلوات وثمان ركعات كنافلة الظهر تماماً، ويسوغ الاقتصار فيها على ثلاث صلوات أو على صلاتين، أي ستّ أو أربع ركعات، ووقتها يمتدّ بامتداد وقت العصر، ويؤتى بها بعد فريضة الظهر وقبل فريضة العصر. ولكن إذا تأخّر في الإتيان بالنافلة حتّى خشي أن يفوته الوقت المفضّل لفريضة العصر لو أدّى النافلة قبلها فالأفضل أن يقدّم الفريضة ويأتي بالنافلة بعدها، وهذا هو الأفضل أيضاً لو بلغت المسافة من قاعدة الجدار إلى نهاية الظلّ في جانب المشرق أربعة أسباع ارتفاع الجدار (2)، بل هو الأفضل أيضاً لو بلغت بقدر سبعي ارتفاع الجدار أيضاً؛ حفاظاً على السرعة في الإتيان بصلاة الفريضة.

فريضة صلاة المغرب ونافلتها:

(31)فريضة صلاة المغرب هي الصلاة الرابعة من الصلوات اليومية، وتتكوّن من ثلاث ركعات، وقد تقدّم سابقاً توضيح صورة الصلاة التي تتكوّن من ثلاث ركعات، وينوي المصلّي بها أنّه يصلّي صلاة المغرب قربةً إلى الله تعالى، ويجهر بقراءة الفاتحة والسورة التي بعدها في الركعتين الاُولى والثانية، ويُخفتبالتسبيحات التي يقرأها في الركعة الثالثة.

ونقصد بالجهر: أن يرفع صوته بالقراءة، على ما يأتي في الفقرة (97) من


(1) بل أربعة أسباع المتر.
(2) مضى أنّ هذا هو عين نهاية وقت الفضيلة.