جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 356

النجس واسطة واحدة وهي الأرض، وأمّا الثوب فبينه وبين عين النجس واسطتان، وهما الأرض أوّلا والشاي ثانياً، ولكنّه يتنجّس على الرغم من ذلك؛ لأنّ الواسطة الثانية لا تحسب؛ لأنّها من المائعات، فكان بين الثوب وعين النجس واسطة واحدة فتسري النجاسة، أي تمتدّ إلى الملاقي.

أحكام الشكّ في السراية:

(51) قد يشكّ في سراية النجاسة إلى جسم طاهر، إذ لا يعلم بأنّه لاقى نجساً أوْ لا، والحكم عندئذ هو طهارته ما لم يثبت بإحدى وسائل الإثبات الشرعية أنّه قد لاقى النجس وتنجّس به، وهي كما يلي:

أوّلا: إخبار البيّنة عن ذلك.

ثانياً: إخبار الثقة (1)، سواء كان هذا الشيء الطاهر في حيازته، أوْ لا.

ثالثاً: قول من يكون الشيء في حيازته وتصرّفه، فيسمّى بصاحب اليد، فإذا أخبر بنجاسة الشيء ثبتت نجاسته، ولا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب اليد قد حاز ذلك الشيء بملك أو إجارة أو أمانة أو إعارة أو وكالة أو بغصب، بالغاً كان صاحب اليد أو مقارباً للبلوغ، حتّى لو لم يكن ثقة.

(52) وقد يعلم المكلّف بأنّ هذا الشيء الطاهر لاقى نجساً، ولكنّه يشكّ فيوجود الرطوبة القابلة للانتقال التي هي شرط في سراية النجاسة، ففي مثل ذلك يبني على الطهارة، وعدم تنجّس الملاقي، حتّى ولو كان على علم بأنّ الملاقي أو النجس كان مرطوباً سابقاً واحتمل الجفاف عند الملاقاة، فلا يحكم بنجاسة


(1) في حجيّة خبر الثقة في الموضوعات ما لم يورث الاطمئنان عندنا إشكال.
الصفحة 357

الملاقي إلّا إذا تأكّد المكلّف بالحسّ والمشاهدة أو بدليل شرعيّ من أنّ الرطوبة كانت موجودةً عند الملاقاة.

(53) وفي الحالات التي يشكّ فيها الإنسان في حدوث النجاسة لا يجب عليه أن يفحص ويسأل ويدقّق، بل يبني على الطهارة حتّى تتوفّر لديه إحدى وسائل الإثبات المتقدّمة. وإذا لم تتوفّر إحدى هذه الوسائل ولكن حصل لديه ظنّ بحدوث النجاسة لم يأخذ بهذا الظنّ، بل يبقى على الحكم بالطهارة ما لم يحصل اليقين بالعكس.

أحكام تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها:

توجد أحكام شرعية تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها، وهي كما يلي:

1 ـ الطهارة شرط في الصلاة:

(54) وأهمّ تلك الأحكام: أنّ طهارة البدن حتّى الشعر والظفر، وطهارة الثياب حتى غير ما يستر العورة شرط أساسي في صحة الصلاة الواجبة والمندوبة وركعات الاحتياط والأجزاء المنسية من الصلاة. أمّا سجدتا السهو والتعقيب بعد الصلاة والأذان والإقامة قبلها فلا تشترط الطهارة في صحة شيء منها.

وهناك استثناءات تسوغ بموجبها الصلاة بالنجاسة يأتي استعراضها في الفقرة (78) وما بعدها.

وعلى هذا الأساس إذا تنجّس شيء من بدن المكلّف أو ثيابه وجب عليه لكي يصلّي أن يطهّر بدنه، ويطهّر الموضع المتنجّس من ثوبه، أو يستبدله بثوب طاهر، أو يخلعه بدون بديل إذا كان عليه لباس آخر طاهر يستر عورته حال الصلاة.

الصفحة 358

(55) وإذا كان بدنه متنجّساً ولم تتهيّأ له وسائل التطهير صلّى مع النجاسة، فإنّ الصلاة لا تسقط بحال، ولكن إذا أمكنه تطهير بعض المواضع لوجود ماء قليل يكفي لذلك وإن لم يفِ بتطهير الجميع وجب عليه أن يطهرّ ما أمكنه تطهيره من البدن.

وإذا كان ثوبه متنجّساً ولا يتمكّن من تطهيره ولا ساتر لديه سواه صلّى فيه (1)، وإذا أمكنه غسل بعضه وجب، كما مرّ بالنسبة إلى البدن.

(56) وإذا كان شيء من النجاسة على بدنك وشيء منها على ثوبك ولا ماء يفي بتطهيرهما معاً فالبدن أحقّ بالتطهير (2).

(57) وإن كانت النجاسة في مكانين من ثوبك أو بدنك ولم يفِ الماء بتطهيرهما معاً وكان بالإمكان تطهير أحدهما فقط طهَّرت أوسعهما مساحةً وأشدّهما نجاسة، وإن كانتا في مستوى واحد فالخيار لك.

(58) ومن كان عنده ماء بقدر ما يتوضّأ به فقط وكان على بدنه نجاسة فله أن يزيل النجاسة بما لديه من الماء ويتيمّم للصلاة، وبإمكانه أن يتوضّأ بالماء ويصلّي وبدنه نجس، كما تقدم في الفقرة (11) من فصل التيمّم.

(59) ومن كان عنده ثوبان طاهران وتنجّس أحدهما وتعذّر التمييز بين


(1) الصلاة فيه مجزية إن شاء الله.
(2) إلّا إذا كانت نجاسة الثوب أشدّ فيتخيّر، أو كانت رقعة النجاسة في الثوب أوسع منها في البدن ولم يمكن الجمع بين تطهير الزيادة وتطهير البدن فيتخيّر أيضاً، أو كانت نجاسة الثوب عينيّةً ونجاسة البدن حكميّةً فيتخيّر أيضاً. والظاهر أنّ كلّ هذه الفروض خارجة عن منظور الماتن(رحمه الله).
الصفحة 359

النجس والطاهر فماذا يصنع ؟

الجواب: لا يسوغ له أن يكتفي بالصلاة بأحدهما فقط إلّا بعد تطهيره، ويمكنه أن يكرّر الصلاة مرّتين: مرّةً بهذا ومرّةً بذاك.

(60) ومن صلّى بالنجاسة عالماً ـ لا جاهلا بوجودها ـ متعمّداً ـ لا غافلا ـ بطلت صلاته، سواء كان عالماً بأنّ الصلاة يشترط فيها طهارة البدن والثياب منها أوْ لا.

فمثلا: إذا كان على ثوب المصلّي دم وهو يعلم بذلك وملتفت إليه حين الصلاة ولكنّه لا يعلم أنّ الدم نجس، أو لا يعلم بأنّ المصلّي يجب عليه التنزّه عنه وتطهير ملابسه من نجاسته فهذا المصلّي صلاته باطلة، فضلا عمّا إذا كان عالماً بأنّ الدم نجس وأنّ الصلاة مع النجاسة لا تصحّ.

(61) من صلّى بالنجاسة وهو معتقد للطهارة، وبعد الصلاة علم بمكان النجاسة وأنّه قد صلّى بها يقيناً فلا شيء عليه، حتّى ولو كان وقت الصلاة قائماً ولم يمضِ بعد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون اعتقاده بالطهارة نتيجةً ليقينه بأنّ بدنه وثوبه لم يلاقِ النجس، أو يسلِّم بأنّه لاقى النجس ولكنّه يعتقد بأنّه طهّره.

ومن كان شاكّاً في حصول النجاسة في ثوبه أو بدنه فبنى على الطهارة ـ وفقاً لما تقدم في الفقرة (53) ـ وصلّى، ثمّ انكشف له بعد الصلاة بصورة جازمة أنّه كان نجساً فلا شيء عليه، كالسابق تماماً.

(62) ومن علم بأنّ على ثوبه أو بدنه نجاسةً ثمّ ذهل عنها وصلّى فصلاته باطلة، وجودها وعدمها بمنزلة سواء، فإن تنبّه وتذكّر قبل مضي وقت الصلاة أقامها في وقتها المؤقّت، وإلّا أتى بها بعد الوقت وفاءً لما مضى وانقضى.

الصفحة 360

(63) من تذكّر ـ وهو يقيم الصلاة ـ أنّ ثوبه هذا الذي يصلّي فيه الآن نجس من قبل أن يبدأ بالصلاة، ولكن قد ذهل عن نجاسته فصلاته باطلة، وعليه أن يقطعها ويطهِّر ثوبه ويصلّي من جديد.

ومن علم ـ وهو يقيم الصلاة ـ أنّ ثوبه نجس من قبل أن يبدأ بالصلاة ولكنّه كان جاهلا بذلك حين دخل في صلاته فحكمه هو الحكم السابق، إذ تبطل الصلاة.

(64) وهذا الذي تذكّرَ أو علم في أثناء الصلاة بأنّ ثوبه نجس منذ البداية، إذا كان الوقت لا يتّسع بالنسبة إليه للإعادة مع الطهارة ولا لركعة واحدة: فإن أمكنه أن يطهّر ثوبه أو يستبدله في أثناء الصلاة مع الحفاظ على واجبات الصلاة فعل وأكمل صلاته، وإلّا واصل صلاته في النجس، وفي كلتا الحالتين يجب ـ احتياطاً ـ القضاء.

(65) ومن كان يصلّي فأصابت النجاسة ثوبه أو بدنه وعلم بذلك فوراً حين إصابتها طهّر بدنه أو ثوبه من النجاسة، أو خلع الثوب النجس عنه إذا كان هناك ما يتستّر به وواصل صلاته، وإن لم يتمكّن من التطهير أو الخلع في أثناء الصلاة، بأن كان ذلك يؤدّي به إلى ممارسة ما تبطل الصلاة به ـ كالتكلّم أو الفصل الطويل ونحو ذلك ـ قطعها وأصلح حاله، وأعاد الصلاة، وإذا كان لا يتمكّن من التطهير أو النزع في أثناء الصلاة ولا من إعادتها لضيق الوقت حتّى عن ركعة(1)


(1) ومعنى هذا: أنّ الوقت لو كان يتّسع للتطهير أو التبديل مع ركعة واحدة وجب عليه أن يقطع صلاته، ويطهّر أو يبدّل ويعيد الصلاة، فتقع ركعة منها في الوقت والباقي خارج الوقت، ويكفي ذلك في صحة الصلاة.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 361

واصل صلاته بالنجاسة ولا شيء عليه.

(66) ونفس الشيء نقوله في حالة شعور المصلّي وإحساسه بالنجاسة أثناء الصلاة ولم يعلم بأنّها قد طرأت عليه الآن، أو كانت موجودةً سابقاً فإنّه يبني على أنّها قد أصابته الآن، ويعمل كما تقدم.

2 ـ الطهارة شرط في موضع السجود:

(67) الطهارة شرط في موضع السجود (1)، بمعنى أنّ الشيء الذي يسجد عليه المصلّي من تراب أو ورق أو خشب أو غير ذلك يجب أن يكون الحدّ الأدنى الذي يكتفي بالسجود عليه وإصابة الجبهة له طاهراً، ولا يلزم أن يكون كلّ التراب أو كلّ الخشبة طاهراً.

(68) وإذا تعذّر السجود على موضع طاهر سجد على غيره.

(69) وإذا سجد على النجس جاهلا أو ناسياً، وبعد أن فرغ علم بذلك أو التفت صحّت صلاته ولا إعادة عليه، وكذلك الحال إذا علم أو التفت بعد انتهاء السجدة مباشرةً ورفع رأسه.

3 ـ استعمال النجس:

(70) لا يسوغ أكل الأشياء المتنجّسة، ولا شربها، كما يأتي في موضعه من أحكام الطعام والشراب، ويسوغ التصرّف والانتفاع بها في غير الصلاة والطعام والشراب.

 


(1) على الأحوط وجوباً.
الصفحة 362

4 ـ بيع النجس:

(71) يأتي في موضعه من فصول البيع: أنّ المائع المتنجّس يجوز بيعه وشراؤه ما دامت له منفعة سائغة شرعاً وعرفاً، كالزيت يداوى به إنسان أو حيوان بالتدهين، أو يصنع منه صابوناً أو غير ذلك. وأمّا الجامد المتنجّس فهو نظراً إلى إمكان تطهيره عادةً لا شكّ في جواز بيعه على أيّ حال.

أمّا الأعيان النجسة فلا يجوز بيع الخمر ولا الخنزير بحال، ولا الكلب إلّا إذا كان نافعاً في الصيد ومتمرّساً عليه. ويجوز بيع ما سوى ذلك إذا كانت له منفعة سائغة.

5 ـ حرمة تنجيس المساجد:

(72) لا يسوغ تنجيس المسجد، أيّ مسجد كان، وتجب إزالة النجاسة منه(1) وجوباً كفائياً وفورياً(2)، ومن رآها في المسجد وعجز عن إزالتها فعليه أن يعلم سواه بها.

وأيضاً لا يسوغ إدخال نجس العين إلى المسجد إذا كان ذلك موجباً لهتك حرمته وهدر كرامته، كإدخال الكلب ونحوه.

(73) وحرمة تنجيس المسجد تشمل أرضه وجدرانه وسائر موادّ بنائه من


(1) حرمة التنجيس ووجوب التطهير لدى صدق الهتك لا شكّ فيهما، ولدى عدم صدق الهتك حكمان احتياطيّان.
(2) الوجوب الكفائي يعني: أنّه واجب على سبيل الكفاية، وقد تقدم معنى ذلك في بداية أحكام الأموات. والوجوب الفوري هنا معناه: أنّ الواجب الإسراع بالتطهير، فلا يجوز التماهل والتأجيل.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 363

شبابيك وأبواب وغيرها، وكذلك تشمل الفراش والمنبر وغيرها من الأشياء المنفصلة التي تُوقَف للاستعمال في المسجد.

وأمّا وجوب التطهير كفائياً إذا تنجّس شيء من ذلك فيختصّ بالمسجد وجدرانه وموادّ بنائه، ولا يشمل الأشياء المنفصلة.

(74) وإذا تنجّس المسجد أو شيء من توابعه التي ذكرناها بفعل إنسان معيّن وجب على ذلك الإنسان التطهير إضافة إلى الوجوب الكفائي العام الآنف الذكر، أي أنّ ذلك الإنسان أكثر مسؤوليةً من غيره، وإذا امتنع ذلك الشخص الذي نجّسَ المسجد عن القيام بواجبه أمكن لغيره إذا قام بذلك وأنفق عليه بإذن الحاكم الشرعي(1) أن يطالب الشخص المنجّس ـ بوصفه المسؤول المباشر ـ بالتعويض عمّا أنفقه.

(75) ويستثنى من الحكم بحرمة تنجيس المسجد أو وجوب تطهيره عدّة حالات، كما يلي:

1 ـ يستثنى من حرمة التنجيس أن يكون التنجيس كجزء من عملية التطهير، كما إذا وقعت عين النجس على أرض المسجد وتوقّف التطهير منها على استعمال الماء القليل؛ لعدم توفّر الماء الكثير وكان الماء القليل بحكم قلّته يتنجّس بالعين النجسة وينجِّس بدوره المواضع التي يمتدّ إليها من أرض المسجد فإنّ هذا التنجيس جائز؛ لأنّه تنجيس مؤقّت يحصل بالغسلة الاُولى التي تزال بها عين النجس ويزول بالغسلة الثانية، وهذا يجوز أيضاً حتى مع إمكان تفاديه عن طريق استعمال الماء الكثير.


(1) لو رأى الحاكم الشرعي وجوب التطهير عيناً على المنجّس ولم يمكن إجباره عليه فقام أحد بإذنه بالأمر عن المنجّس كان له حقّ التعويض أو الاُجرة.
الصفحة 364

2 ـ يستثنى من حرمة التنجيس ووجوب التطهير المسجد الذي اغتصبه طاغية وحوّله إلى مسرح أو متجر أو طريق وما أشبه، فلا يحرم تنجيسه، ولا يجب تطهيره إذا تنجّس. وأمّا المساجد التي يصيبها الخراب ويهجرها المصلّون فيحرم تنجيسها، ويجب تطهيرها إذا تنجّست، كالمساجد المعمورة تماماً.

3 ـ يستثنى من وجوب التطهير حالة ما إذا تطلّب التطهير تخريب شيء من المسجد، كما إذا كان الجصّ الذي جُصّصت به حيطان المسجد قد خلط بماء متنجّس وبني به المسجد ولا سبيل إلى التطهير إلّا بالهدم، ففي هذه الحالة لا يجب التطهير.

4 ـ يستثنى من وجوب التطهير الفوريّ حالة ما إذا كان على المكلّف واجب آخر يفوت وقته لو اشتغل عنه بالتطهير، كما إذا دخل الإنسان المسجد في آخر وقت الفريضة ليؤدّيها ووجد فيه نجاسة، فلو اشتغل في تطهيره منها تفوته الصلاة في وقتها، فلا يجب عليه حينئذ التطهير فوراً، بل يجب في المثال المذكور أن يصلّي، وبعد الفراغ من الصلاة يطهّر المسجد. وأمّا إذا كان وقت الفريضة واسعاً وواجه المكلّف مشكلة النجاسة في المسجد وجب عليه أن يقدّم التطهير على الصلاة، ولكن إذا قدّم المكلّف الصلاة فصلّى وترك النجاسة صحّت صلاته، غير أنّه عصى في ترك النجاسة، إلّا إذا كان وقت الصلاة ضيّقاً لا يسمح بتأجيلها.

(76) حكم العتبات المقدسة كحكم المساجد في حرمة التنجيس ووجوب التطهير.

(77) وكذلك أيضاً يحرم تنجيس المصحف الشريف، ويجب تطهيره وإزالة النجاسة عن خطّه وورقه وغلافه.

الصفحة 365

6 ـ المصلّي في بعض النجاسات:

يباح للمصلّي من النجاسات ما يلي:

(78) الأول: (78) دم الجروح والقروح (مثل الدُمّل والجراح ونحوهما) فإنّه معفوّ عنه في الصلاة ـ وإن كان نجساً ـ ما لم يبرأ الجرح أو القرح، قلّ هذا الدم أو كثر، في الثوب أو في البدن، سواء كان موضع الجرح في ظاهر البدن أو في باطنه، كالبواسير الداخلية إذا ظهر دمها وسرى إلى البدن أو الملابس.

ولكنّ هذا العفو مرتبط بصعوبة التطهير، أو تبديل الثوب والمشقّة في ذلك، ويكفي في الصعوبة والمشقّة أن يكون ذلك شاقّاً على الكثرة الكاثرة من المكلفين فيعفى عن ذلك حينئذ، حتّى ولو اتّفق أنّ مكلّفاً ما كان يتيسّر له التبديل باستمرار بدون أي صعوبة.

ولا يجب على المكلّف المصاب بتلك الجروح والقروح أن يحاول منع دمها من التسرّب إلى ملابسه وسراية النجاسة منه إليها ما دامت هذه النجاسة معفوّاً عنها. وكما يعفى عن دم الجروح والقروح كذلك يعفى عن القيح الخارج من الجرح والقرح، وعن الدواء الذي عليه، وعن العرق المتّصل به.

وإذا شككنا في دم أنّه من الجرح أو القرح المعفّو عنه أو من غيره وجب تطهيره.

وقد يشكّ الجريح في أنّ جرحه هل برأ، أم لا؟ كما إذا كان جرحاً داخلياً فماذا يصنع؟

والجواب: أنّه يعتبر الجرح باقياً، وعلى هذا الأساس لا يجب تطهير ما رشح منه من دم حتّى يحصل اليقين بالبرء.

(79) الثاني: الدم الذي لا يبلغ مجموعه عقدة السبّابة في الرجل الذي

الصفحة 366

يعتبر اعتيادياً في حجم اصابعه، والسبّابة: هي الإصبع الواقعة بين الإبهام والوسطى، والعقدة: هي أحد المواضع الثلاث المقسّم إليها الإصبع طبيعياً. فالدم الذي تقلّ المساحة التي يشغلها من البدن أو الثوب عن مساحة عقدة السبابة يعفى عنه في الصلاة وإن كان نجساً، وهذا العفو مرتبط بالشروط التالية:

أوّلا: أن لا يكون دماً من نجس العين، كالكلب والخنزير.

ثانياً: أن لا يكون دماً من حيوان لا يسوغ أكل لحمه وإن كان طاهراً، كالأرنب والصقر.

ثالثاً: أن لا يكون من دماء الحيض أو الاستحاضة(1) أو النفاس.

رابعاً: أن لا يكون من دم الميتة.

وإذا وجد الدم نقطاً صغيرةً في مواضع متعدّدة من ثوب المصلّي ـ مثلا ـ لوحظ مجموعها: فإن كانت بمجموعها تبلغ عقدة السبّابة فلا عفو، وإلّا ساغت الصلاة بها. وإذا كان الدم الضئيل قد تفشّى إلى الوجه الآخر من الثوب أو غيره من ألبسة المصلّي فماذا يصنع ؟

والجواب: إذا كان الدم قد تفشّى ـ بمعنى أنّه ظهر من الوجه الآخر دون أن يتعدّاه إلى قطعة ثانية من ملابس المصلّي ـ فلا يضرّ ذلك، وتصحّ الصلاة فيه. وإذا كان قد تعدّاه إلى قطعة اُخرى من الملابس ووجب أن ينظر إلى ما احتلّه الدم من موضع جديد ويجمع مع الموضع السابق: فإن بلغ المجموع قدر السبابة لم تجز الصلاة فيه، بدون فرق بين أن يكون الموضع الجديد في قطعة مستقلّة من ملابس المصلّي، أو في قطعة خلفية (البطانة) للثوب الذي عليه الدم. وإذا تنجّس ماء قليل بالدم ووقعت قطرة من هذا الماء المتنجّس بالدم على ثوب المصلّي فلا يعفى


(1) الكثيرة أو المتوسطة.
الصفحة 367

عن ذلك، حتّى ولو كانت أصغر من عقدة السبّابة؛ لأنّ العفو يختصّ بالدم.

وإذا شككنا في أنّ هذا الدم هل هو بقدر عقدة السبّابة أو أقلّ من ذلك (1)؟ صحّت الصلاة فيه من غير فحص واختبار، وإذا تبيّن وانكشف بعد الصلاة أنّه غير معفوٍّ عنه فلا يجب الإتيان بالصلاة مرّةً ثانية، وإن كان في الوقت متّسع لها.

(80) الثالث: الملبوس الذي لا تتمّ فيه الصلاة، وضابطه: أن لا يكفي لستر العورتين: القبل والدبر. كالجورب والتكّة والخاتم والسوار. وما يصنع لرؤوس الرجال ـ كالقلنسوة ونحوها ـ فتجوز فيه الصلاة وإن كان متنجّساً، سواء كان اللباس من النبات (كالقطن) أو من المعدن (كالنايلون) ونحوه، أو من حيوان يسوغ أكل لحمه كصوف الغنم والبقر، وسواء كانت النجاسة فضلة حيوان يسوغ أكل لحمه، أو فضلة حيوان لا يسوغ أكل لحمه، أو غير ذلك من نجاسات. ولا يشمل هذا العفو ما يلي:

أوّلا: إذا كان اللباس متّخذاً من الميتة النجسة، كجلد الميتة.

ثانياً: إذا كان اللباس متنجّساً بفضلة حيوان لا يؤكل لحمه وكان شيء منها لا يزال موجوداً على اللباس، وكذلك إذا وجد عليه أيّ شيء مأخوذ من الحيوانات التي لا يسوغ أكل لحمها فإنّ الصلاة به حينئذ باطلة، لا من أجل النجاسة، بل من أجل وجوب تنزيه ملابس المصلّي كلّها عن أجزاء وفضلات تلك الحيوانات.

ثالثاً: إذا كان اللباس متّخذاً من حيوان نجس العين، كشعر الكلب أو الخنزير اللَذَين حكمت الشريعة بنجاستهما وحرمتهما، بل لا يسوغ الصلاة بما


(1) المقصود: هو الشك بنحو الشبهة المصداقيّة أي الشك في مقدار الدم، لا المفهوميّة أي الشك في أنّه ما هو مقدار السبّابة المتوسّطة.
الصفحة 368

يتّخذ من أيّ حيوان يحرم أكله ولو كان طاهراً كشعر الأرنب مثلا.

وبكلمة مختصرة: أنّ الملبوس المتنجّس الذي لا تتمّ به الصلاة تصحّ الصلاة به إلّا إذا كان نجس العين، أو كان يحمل شيئاً من حيوان لا يؤكل لحمه، أو كان بنفسه متّخذاً من مثل هذا الحيوان.

(81) الرابع: المحمول، وهو تارةً متنجّس، واُخرى عين نجسة، فالمحمول المتنجّس يعفى عنه، وتُباح الصلاة به حتّى ولو كان ممّا تتمّ فيه الصلاة لو استعمله، كالمنديل الكبير يطوى ويوضع في الجيب ـ مثلا ـ فضلا عمّا لا تتمّ فيه الصلاة.

والمحمول النجس يعفى عنه أيضاً إذا كان حمله بطريقة لا تعني ملاقاته مباشرةً لبدن المصلّي أو ثوبه، كما إذا وضع الدم أو البول في قارورة أو وعاء زجاجيّ مغلّق ـ مثلا ـ ووضع القارورة أو الوعاء في جيبه فإنّ الصلاة بهذه الحالة صحيحة، ويستثنى من ذلك:

أوّلا: ما إذا كان هذا المحمول بتلك الطريقة جزءً من ميتة نجسة.

ثانياً: ما إذا كان مأخوذاً من حيوان لا يسوغ أكل لحمه، كدم الأرنب.

الصفحة 369

الطهارة

6

أنواع المطهّرات

 

 

○  تطهير الأعيان النجسة.

○  تطهير الأشياء المتنجّسة.

○  كيف يثبت التطهير؟

 

 

الصفحة 371

عرفنا أنّ الشيء النجس على قسمين: أحدهما: عين النجس، والآخر المتنجّس، وهو ما تنجّس بملاقاة عين النجس. ونريد أن نعرف الآن متى وكيف يمكن تطهير الشيء النجس؟ وذلك أوّلا في الأعيان النجسة، وثانياً في المتنجّسات.

 

1 ـ تطهيرُ الأعيان النجسة

 

الأعيان النجسة لا تطهر إلّا في حالات معيّنة نذكرها في ما يلي:

(1) أوّلا: ميتة الإنسان المسلم نجسة، كما تقدم في الفقرة (14) من فصل أنواع النجاسات، وهذه نجاسة عينية. ويطهر هذا الميت بالتغسيل، على الوجه الشرعي المتقدّم في الفقرة (126) من فصل الغسل.

فتغسيل الميّت على هذا الأساس أحد المطهِّرات شرعاً. وأمّا ميتة الحيوان النجسة فلا تطهر بالغسل، ولا بغيره، ولا يطهر جلد الميتة بالدبغ والتصنيع.

(2) ثانياً: إذا استحالت العين النجسة طهرت، والمراد بالاستحالة: تحوّل الشيء النجس عن طبيعته الأصلية التي حكم الشارع عليها بالنجاسة إلى طبيعة

الصفحة 372

ثانية بصورة أساسية، على نحو يقول العرف: هذا شيء جديد يحتلّ موضع الجسمالقديم النجس، كتحوّل العذرة النجسة إلى دودة طاهرة، وتحوّل البول إلى بخار ثمّ رجوعه مائعاً (1)، وتحوّل جسم الكلب الميت إلى تراب، وتحوّل الأسمدة الزراعية المتّخذة من الفضلات النجسة إلى نبات وشجر، وكذلك المني يصير حيواناً، والخمر إذا شربه حيوان سائغ الأكل فتحوّل إلى بول أو عرق.

والضابط: تغيّر الطبيعة وتحوّلها من الجذور والأساس على ما ذكرناه.

أمّا إذا تغيّر الشكل والصورة دون الطبيعة ـ كجعل لحم الميتة مرقاً، أو جلدها حقيبةً، أو شعر الخنزير وسادةً ـ فإنّ النجاسة تبقى على ما كانت عليه ما لم يوجد مطهّر آخر غير الاستحالة.

(3) ثالثاً: إذا أسلم الكافر النجس كان هذا الإسلام مطهِّراً له من النجاسة(2) التي سبّبها له كفره، ولا حاجة به إلى غسل وتطهير.

(4) رابعاً: إذا تحوّل الخمر إلى خلٍّ، أو إلى أيّ صورة اُخرى على نحو لم يعدّ خمراً ولا يسمّى بالخمر عرفاً طهر بذلك.

(5) خامساً: إذا امتصّ البرغوث والبقّ ونحوهما دماً من إنسان أو غيره فهذا الدم يطهر بالامتصاص، واكتسابه اسم دم البرغوث أو دم البقّ، وهكذا.

وأمّا الحيوانات التي لها دم بطبيعتها ولكنّ دماءها طاهرة إذا امتصّت دماً من إنسان أو من حيوان له دم نجس فليس من المعلوم أنّ ذلك الدم الممتصّ


(1) بشرط زوال مناشئ القذارة عرفاً عن هذا المائع على ما مضى شرحه في تعليقنا على البند (26) من أحكام الماء.
(2) وكذلك من نجاسة فضلاته المتّصلة به كالبصاق والنخامة.
الصفحة 373

يطهر بهذا الامتصاص، فاذا انتقل دم الإنسان إلى جسم سمكة ـ مثلا ـ فلا مؤكِّد لطهارة هذا الدم؛ لأنّ السمكة من ذوات الدماء. وكذلك الأمر إذا انتزعت عين من حيوان نجس كالكلب ورُكّبت في حيوان طاهر فإنّه ليس من المعلوم أنّها تطهر بذلك.

 

2 ـ تطهيرُ الأشياء المتنجِّسة

 

الأشياء المتنجِّسة تطهر بوسائل مختلفة أهمّها الماء؛ لأنّ الماء يتميّز تطهيره باليسر والسهولة من ناحية، وبالشمول من ناحية اُخرى، بمعنى أنّ أكثر الأشياء المتنجِّسة يمكن تطهيرها بالماء.

التطهير بالماء:

الماء ـ كما تقدّم في الفقرة (7) من فصل أحكام الماء ـ ينقسم إلى الماء الكثير والماء القليل، والتطهير: تارةً يكون بالكثير، واُخرى بالقليل.

أمّا التطهير بالماء الكثير فيتوقّف:

(6) أوّلا: على أن يكون الماء طاهراً، فلا يسوغ التطهير بالماء النجس.

(7) ثانياً: على أن لا يتغيّر الماء من خلال عملية الغسل والتطهير تغيّراً منجّساً له، وفقاً لما تقدّم في الفقرة (19) من فصل أحكام الماء.

(8) ثالثاً: على أن يكون ماءً مطلقاً، ويظلّ ماءً مطلقاً خلال الغسل والتطهير، فلو تغيّر الماء خلال التطهير به تغيّراً منجّساً، أو تحوّل إلى ماء مضاف قبل أن يكتمل الغسل لا يطهر الشيء المتنجّس.

الصفحة 374

وعلى هذا الأساس إذا غسل ثوب مصبوغ بالماء وانتقل الصبغ إلى الماء وأصبح مضافاً قبل أن يكمل الغسل فلا يطهر الثوب، وأمّا مجرّد تغيّر لون الماء مع بقائه ماءً مطلقاً فلا يضرّ بالتطهير.

(9) رابعاً: على أن تزال عين النجس عن الشيء المتنجّس إمّا قبل البدء بغسله، أو بنفس الغسل، ولا يضرّ أن تبقى من عين النجس رائحته أو لونه أو شيء من صفاته ما دام غير موجود وجوداً مادياً محسوساً، فإذا كانت في يدك دسومة من النجس وغسّلتها طهرت شرعاً، حتّى ولو بقيت الدسومة (1)؛ لأنّ الدسومة صفة وأثر، وليست عيناً. خلافاً لما إذا كانت مدهّنةً بدهن نجس فإنّ التطهير يتوقّف على إزالة الدهن. وإذا شكّ في أنّ العين هل زالت أوْ لا ؟ فلا يحصل التطهير، حتّى يتوافر اليقين أو الاطمئنان بأنّ عين النجس قد زالت:

(10) خامساً: على أن يتحقّق الغسل؛ وذلك باستيلاء الماء على الموضع المتنجّس من الشيء استيلاءً كاملا، سواء تمّ ذلك عن طريق إجراء الماء الكثير على الشيء المتنجّس وصبّه عليه، أو عن طريق إدخال الشيء المتنجّس في الماء الكثير (2)، وتكفي الغسلة الواحدة في التطهير.

(11) وهذا الشرط الخامس ـ وهو الغسل والاستيلاء ـ يعفى منه باطن الشيء، فإذا تنجّس الخبز أو الصابون أو الخشب أو الخزف ونفذت النجاسة إلى أعماقه كفى في تطهير تلك الأعماق نفوذ الماء وتسرّبه إليها؛ على الرغم من أنّ


(1) على أن تكون الدسومة قليلةً إلى حدٍّ لا يستقذر منها عرفاً بعد تقدير كونها دسومة عين النجس.
(2) وفي كلتا الحالتين لابدّ في مثل الثوب من شيء من الفرك والغمز.
الصفحة 375

المتسرّب منه إلى الأعماق مجرّد رطوبات، وليس بدرجة تحقّق الغسل والاستيلاء. ويحصل ذلك بوضعه في الماء حتّى يتسرّب الماء إلى أعماقه (1)، أو بصبّ الماء عليه مدّةً طويلةً حتّى يحصل هذا المقصود (2).

والأفضل في هذه الحالات تجفيف الشيء المتنجّس أوّلا، ثمّ تطهيره بجعل الماء ينفذ إلى أعماقه.

ويمكن تطهير العجين والطين ونحوهما بنفس الطريقة أيضاً (3)، ولو بأن يخبز العجين ـ مثلا ـ ثمّ يطهر بما ذكرناه من إيصال رطوبة الماء إلى أعماقه، وأمّا مجرّد تجفيف العجين المتنجّس وخبزه فلا يكفي في تطهيره.

وكذلك الحال في المائعات إذا جمدت، فالحليب المتنجّس إذا جمد ـ بأن يصنع جبناً مثلا ـ أمكن تطهير أعماقه بنفس الطريقة أيضاً، أما وهو مائع فلا يمكن تطهيره، وكذلك سائر المائعات باستثناء الماء فإنّها لا يمكن تطهيرها وهي مائعة.

وأمّا تطهير الماء فقد تقدم حكمه في الفقرة (25) من فصل أحكام الماء. فكلّما تحقّقت هذه الشروط طهر الشيء المتنجّس بالغسل بالماء الكثير، بدون حاجة إلى شيء علاوةً على ذلك.

 


(1) زوال الاستقذار عرفاً من باطن هذه الأشياء بمجرّد نفوذ رطوبات الماء فيه مشكل، فالحكم بطهارة باطنها شرعاً عن هذا الطريق لا يخلو من نظر.
(2) بشرط أن يطول الصبّ إلى حدٍّ يتبادل على باطن هذه الاُمور نفوذ الماء ولو بشكل الرطوبات وخروجه إلى أن يحصل زوال الاستقذار عرفاً.
(3) قد أشرنا إلى الطريقة الصحيحة، وهي الصبّ الطويل الأمد إلى حدٍّ ينهي الاستقذار من الباطن عرفاً.
الصفحة 376

ويستثنى من ذلك عدد من الحالات لا يحصل فيها التطهير شرعاً إلّا مع بعض الاُمور الإضافية. وفيما يلي نذكر هذه الحالات:

(12) ـ أ ـ إذا كان الشيء المغسول وعاءً من أوعية الطعام والشراب ومتنجّساً بالخمر فإنّه يحتاج إلى الغسل ثلاث مرّات (1).

(13) ـ ب ـ إذا كان وعاءً من أوعية الطعام والشراب ومتنجّساً بسبب شرب الخنزير منه غسل سبع مرّات (2).

(14) ـ ج ـ إذا كان وعاءً ـ كما تقدّم ـ وتنجّس بسبب موت الجرذ فيه ـ وهو الكبير من الفأر البرّيّ، لا فئران البيوت الصغار ـ غسل سبع مرّات (3).

(15) ـ د ـ إذا كان وعاءً ـ كما تقدّم ـ وشرب منه الكلب بطرف لسانه ـ ولغ فيه ـ أو لطع بدون شرب، أو شرب بدون استعمال اللسان، كما لو كان مقطوع اللسان مثلا، أو باشره بلعابه احتاج قبل الغسل بالماء الكثير إلى الغسل بتراب طاهر ممزوج بشيء من الماء، وبعد أن يغسل بالتراب على هذا النحو يغسل بالماء الكثير مرّةً واحدةً فيطهر.

(16) ـ هـ ـ إذا كان الشيء المغسول ثوباً متنجّساً ببول غير الرضيع والرضيعة غسل مرّتين (4)، إلّا إذا كان الماء من الماء الجاري ـ الماء الذي له مادة ـ وهو أحد أقسام الماء الكثير المتقدّمة في الفقرة (7) من فصل أحكام الماء،


(1) هذا الحكم في الغسل بالماء المعتصم احتياطي. ويلحق بالخمر كلّ مسكر مائع بالأصالة.
(2) هذا الحكم في الغسل بالماء المعتصم احتياطي.
(3) هذا الحكم في الغسل بالماء المعتصم احتياطي
.(4) بل يكفي الغسل بالماء المعتصم مرّةً واحدة. وقد مضى منّا شرط الفرك والغمز.
الصفحة 377

فإنّ التطهير بالماء الجاري يكفي فيه الغسل مرّةً واحدة.

وفي كلّ حالة قلنا فيها بوجوب الغسل أكثر من مرّة لا يجب التتابع بين المرّتين أو المرّات ووقوع بعضها عقيب البعض الآخر مباشرة.

وأمّا التطهير بالماء القليل فيتوقّف:

(17) أوّلا: على أن يكون طاهراً، كما تقدّم في الماء الكثير.

(18) ثانياً: على أن لا يتنجّس خلال عملية الغسل والتطهير، والماء القليل يتنجّس بملاقاة عين النجس خاصّة، فإذا غسلنا المتنجّس الخالي من عين النجس لم يتنجّس الماء الذي نغسل به (1)، خلافاً لما إذا غسلنا المتنجّس وهو متلوث بعين النجس فإنّ الماء حينئذ يتنجّس بملاقاة عين النجس، فلا يتمّ التطهيربذلك.

وهذا يعني أنّ الغسلة التي تساهم في إزالة عين النجس عن الشيء المتنجّس لا تكفي لتطهيره، بل لابدّ من غسله بعد ذلك (2).

(19) ثالثاً: على أن يكون الماء مطلقاً، ويظلّ مطلقاً خلال الغسل، كما تقدم في الماء الكثير.

(20) رابعاً: على أن تُزالَ عين النجس إزالةً تامّة، وكما مرّ في الماء الكثير.

(21) خامساً: على أن يستولي الماء على الموضع المتنجّس. ويعفى من


(1) بل يتنجّس بالمتنجّس الأوّل الخالي من عين النجس، ولكنّ ذلك لا يضرّ بتطهير ذاك المتنجّس.
(2) ولو بإدامة الغسل الأوّل بعد زوال العين، فلا حاجة إلى تعديد الغسل بقطع الماء ثمّ صبّه مرّةً اُخرى.
الصفحة 378

هذا الشرط باطن الشيء المتنجّس، على ما تقدّم في الماء الكثير (1).

(22) سادساً: على أن يكون ذلك بصبّ الماء القليل على الشيء المتنجّس، لا بإدخاله في ذلك الماء (2)، فلو أدخل الإنسان يده المتنجّسة في وعاء ماء قليل لم تطهر بذلك، وإذا توفّرت هذه الشروط طهر الشيء المغسول بالماء القليل بغسلة واحدة إذا لم يكن على الشيء المغسول عين النجس عند غسله، وإلّا لم تكفِ الغسلة التي أزالت عين النجس واحتاج التطهير إلى غسلة واحدة بعد ذلك، فالتطهير يحتاج إذن إلى غسلة واحدة بعد زوال عين النجس (3)، ولا حاجة به حينئذ إلى غسلة ثانية، أو اُمور اُخرى إضافية.

ويستثنى من ذلك الحالات التالية، إذ يتوقّف فيها التطهير على اُمور إضافية:

(23) ـ أ، ب، ج ـ الأوعية التي تستعمل في الطعام والشراب وتتنجّس بالخمر (4)، أو شرب الخنزير منها، أو بموت الجرذ فيها. فإنّ تطهيرها يحتاج إلى غسلات متعدّدة في القليل، كما تقدّم في الكثير تماماً.

(24) ـ د ـ الوعاء الذي يستعمل في الطعام والشراب إذا ولغ فيه الكلب، أو


(1) تقدّمت تعليقاتنا هناك فهي بنفسها تأتي هنا.
(2) هذا الشرط احتياطي.
(3) ولو بإدامة الغسلة الاُولى بعد زوال العين، فلا حاجة إلى تعديد الغسل بقطع الماء ثمّ صبّه مرّةً اُخرى.
نعم، بناءً على عدم اشتراط الصبّ لو أدخل المتنجّس في الماء القليل ومعه عين النجاسة لم تكفِ إدامة الغسل في نفس ذلك الماء، بل لا بدّ من الغسل بماء آخر.
(4) الأحوط في الإناء المتنجّس بالخمر الدلك في كلّ الغسلات الثلاث.
الصفحة 379

شرب منه، أو لطع فيطهر إذا غسل بالتراب الطاهر الممزوج بشيء من الماء، ثمّ غُسِلَ بالماء القليل مرّتين.

(25) ـ هـ ـ الثوب أو البدن إذا تنجّس شيء منهما بالبول فإنّ الغسلة الواحدة بالماء القليل لا تكفي، بل يحتاج تطهيره بالماء القليل إلى غسله مرّتين.

(26) ـ و ـ الأشياء التي يمكن للنجاسة المائعة أن تنفذ فيها ـ كالملابس والفراش والوسائد والستائر ونحو ذلك ـ إذا تنجّست بنجاسة مائعة كالبول أو الماء المتنجّس وجب عند تطهيرها بالماء القليل فَرْكُها (1).

(27) ويستثنى من هذه الفقرة والفقرة السابقة عليها: الأشياء التي تتنجّس ببول الطفل الرضيع، فإنّها تطهر إذا غسلت بالماء القليل مرّةً واحدةً وبدون حاجة إلى فرك (2)، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرضيع ذكراً أم اُنثى، ولا بين أن تكون الرضاعة في الحولين أم بعدهما (3)، شريطة أن يتغذّى باللبن عموماً، وهو الحليب الطبيعي، أو ما هو البديل المتعارف اليوم استعماله بدلا عن لبن الاُمّ.

(28) ـ ز ـ أوعية الطعام والشراب إذا تنجّست بصورة عامّة وغسلت بالماء القليل فلا يقين بطهارتها إلّا إذا غسلت ثلاث مرّات (4)، بأن يملأ الوعاء ماءً، أو


(1) المقياس هو نفوذ النجاسة من دون فرق بين أن تكون مائعة أو غير مائعة.
(2) لا يبعد وجوب العصر فيما إذا كانت الغسلة مزيلةً للعين، أو إدامة الغسل إلى أن تنفصل غسالة الغسلة المزيلة ولو بواسطة الفرك ضمن إدامة الغسل.
(3) الأحوط وجوباً الاقتصار في الحكم بالصبي الذي يكون في داخل الحولين.
(4) بل من الثابت وفق ظاهر الأدلة عدم طهارتها قبل الغسل ثلاث مرّات.
الصفحة 380

يصبّ فيه شيء من الماء، ثمّ يدار فيه إلى أن يستوعب كامل أجزائه، ثمّ يراق، يفعل به ذلك ثلاث مرّات.

(29) وإذا كان الوعاء المتنجّس كبيراً ومثبّتاً في الأرض واُريد تطهيره بالماء القليل أمكن ذلك بأن يصبّ الماء فيه ويدار باليد أو بآلة حتّى يستوعب كامل أجزائه، ثمّ يُخرَج حينئذ هذا الماء، ويجدّد الغسل هكذا ثلاث مرّات.

(30) وعلى ضوء مجموع ما تقدم يتّضح: أنّ الأشياء التي بالإمكان عصرها وإخراج بقية الماء الذي غسلت به منها ـ كالثياب ـ لا يجب في تطهيرها ذلك (1)، وإنّما اللازم الفرك إذا غسلت بالماء القليل، على ما تقدم في الفقرة (26).

كما اتّضح: أنّ الأرض المتنجّسة الخالية من عين النجس إذا غسلت بالماء القليل فضلا عن الكثير فليس من الضروريّ أن يسحب منها هذا الماء بالكامل، بل تطهر الأرض بكاملها ولو بقي شيء من هذا الماء الذي صبّ عليها في بعض المواضع منها.

وعلى هذا الأساس كما يمكن تطهير الأرض الصلبة بطبيعتها الصلبة أو بواسطة التزفيت والتبليط التي لايتخلّف فيها الماء عادةً بحكم صلابتها ويجري عنها كذلك يمكن تطهير الأرض الرخوة أيضاً الخالية من عين النجس؛ وذلك بأن يصبّ الماء عليها على وجه يصدق عليه الغسل، حتّى ولو تسرّب الماء إلى أعماقها ولم يتجاوزها إلى غيرها.

واتّضح أيضاً: أنّ الماء الذي تصبّه على يدك المتنجّسة إذا امتدّ وأخذ


(1) إلّا ما عرفته في التعليق على البند (27).