جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 328

حول الخلل في التيمّم:

(36) إذا تيمّم المكلّف ثمّ علم بأنّه لم يأتِ به بالصورة المطلوبة شرعاً وجبت عليه إعادته، وإذا علم بأنّه لم يأتِ بالجزء الأخير من التيمّم ـ مثلا ـ (المسح على ظهر الكفّ اليسرى) مسح عليها إن لم يكن قد مضى على التيمّم وقت طويل، وإلّا أعاد التيمّم من الأساس.

(37) وقد يشكّ ويتردّد المتيمّم وهو يؤدّي عملية التيمّم، أو بعد أن يخلو منها ويفرغ، ويتساءل في نفسه، هل ذهلت وغفلت ـ يا ترى ـ عن واجب من واجبات التيمّم، أو أدّيته بالتمام والكمال؟ فماذا يصنع؟

والجواب عن هذا التساؤل يستدعي التفصيل تبعاً لحال المتيمّم وشكّه، فإن كان قد أتى بكامل أجزاء التيمّم أو بعضها ثمّ شكّ في أنّ ما أتى به هل اُدِّيَ بصورة صحيحة، أوْ لا؟ فلا أثر لشكّه، بل يبني على أنّ ما وقع منه صحيح.

ومثال ذلك: أن يمسح بكفّيه جبهته، ثمّ يشك في أنّه هل مسح جبينه أيضاً، أو لا؟ فلا أثر لهذا الشكّ، بل يكمل تيمّمه.

ومثال آخر: أن يمسح كفّه، ثمّ يشكّ في أنّه هل استوعب ظاهرها بالمسح، أوْ لا (1)؟.

وإن شكّ المتيمّم في ضرب يديه على الأرض من الأساس قبل أن يبدأ بمسح جبهته، أو في مسح جبهته قبل أن يبدأ بمسح ظهر كفّه اليمنى، أو في مسح ظهر كفّه اليمنى قبل أن يبدأ بمسح ظهر كفّه اليسرى قبل أن تطول المدّة ويفوت


(1) كون هذين مثالاً للشك في الصحّة لا في الجزء بحيث تجري القاعدة لإثبات الصحّة بلا حاجة إلى تجاوز المحلّ قابل للتأمّل، فلا يترك الاحتياط بالتدارك مادام الشك شكّاً قبل تجاوز المحلّ.
الصفحة 329

التتابع وجب عليه أن يؤدّي ما شكّ فيه.

وإن شكّ المتيمّم في ضرب يديه على الأرض من الأساس بعد أن بدأ بمسح جبهته فليس شكّه بشيء، بل يواصل تيمّمه، وكذلك إذا شكّ في مسح جبهته بعد أن بدأ بمسح كفّه اليمنى، أو شكّ في مسح كفّه اليمنى بعد أن بدأ بمسح كفّه اليسرى، أو شكّ في مسح كفّه اليسرى بعد مدّة طويلة من الانصراف عن التيمّم.

(38) وأحكام الشكّ في أنّه هل تيمّم أو لا؟ أو في أنّ هذا التيمّم انتقض أو لا؟ أو في أنّ هذه الصلاة التي يصلّيها، أو التي صلاّها وفرغ منها هل تيمّم لها أو لا؟ أو في وجود الحاجب على العضو الماسح أو العضو الممسوح، كأحكام الشكّ المناظر في الوضوء تماماً، وقد تقدّم بيان تلك الأحكام في الفقرات (96) و (98) و (99) و (102) و (103).

أحكام التيمّم:

نلاحظ على ضوء ما تقدّم أنّ الحالات التي يسوغ فيها التيمّم ـ وهي عشر حالات ـ يمكن تصنيفها على أساس الأحكام إلى قسمين:

أحدهما: ما كان عدم تيسّر استعمال الماء فيه من أجل ضيق وقت العمل الذي يراد الوضوء له، ولولا ذلك فالماء موفور، والمكلّف سليم ومعافى.

والآخر: ما كان عدم تيسّر استعمال الماء فيه من أجل الأسباب الاُخرى التي فصّلناها في سائر الحالات، من قبيل عدم توفّر الماء، أو كون الإنسان مريضاً، ونحو ذلك.

وهذان القسمان يختلفان في الأحكام.

(39) فالقسم الأول يكون التيمّم فيه مسوّغاً ومعوّضاً عن الوضوء أو

الصفحة 330

الغسل بالنسبة إلى ذلك العمل الذي ضاق وقته، سواء كان ذلك العمل فريضةً واجبةً كصلاة الفجر ـ مثلا ـ أو عبادةً مستحبةً لها وقت وقد ضاق وقتها ولم يتّسع للوضوء، كصلاة الليل، أو عملا واجباً على سبيل الفور، كما إذا وجب على الجنب دخول المسجد فوراً لإنقاذ حياة إنسان يتعرّض للخطر فيه ولم يكن الوقت متّسعاً للغسل فيتيمّم ويدخل، أو وجب على غير المتوضّئ أن يمسّ فوراً كتابة المصحف الشريف لإنقاذه من التردّي في النجاسة ولم يسمح الوقت بأكثر من التيمّم، ففي كلّ هذه الحالات يسوغ بالتيمّم ذلك العمل الذي ضاق وقته. ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن تكون الطهارة شرطاً ضرورياً في ذلك العمل الذي ضاق وقته ـ كما في الأمثلة المتقدّمة ـ أو شرطاً كمالياً(1)، كالتيمّم للصلاة على الميّت إذا ضاق وقتها ولم يجز تأخير الجنازة، فإنّ للمريض أن يتيمّم ويصلّي على الميت، ولا يسوغ بالتيمّم في هذا القسم غير ذلك العمل الذي ضاق وقته، فلا يجوز لمن يتيمّم لصلاة الليل ـ على النحو الذي ذكرناه ـ أن يكتفي بهذا التيمّم لأداء صلاة الفجر، أو لمسّ كتابة المصحف الشريف.

(40) والقسم الثاني يكون التيمّم فيه معوّضاً عن الوضوء أو الغسل بالنسبة للاُمور التالية:

أوّلا: لممارسة ما يحرم على غير المتوضّئ أو غير المغتسل من مسّ كتابة المصحف، أو دخول المساجد وقراءة آيات السجدة، وغير ذلك.

ثانياً: للكون على الطهارة.


(1) تكون الطهارة شرطاً ضرورياً للعبادة حينما لا تصحّ هذه العبادة بدونها، بل تقع باطلةً وتكون شرطاً كمالياً حينما تصحّ العبادة بدونها، ولكنّ وقوعها مع الطهارة أفضل، كالصلاة على الأموات فإنّها جائزة وصحيحة بدون طهارة، ولكنّها مع الطهارة أفضل.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 331

ثالثاً: لممارسة كلّ عبادة مؤقّتة تشترط فيها الطهارة، أو تستحبّ من أجلها الطهارة إذا كان عدم تيسّر استعمال الماء مستمرّاً في وقتها بكامله، كالظهرين بالنسبة إلى المريض المستمرّ مرضه من الظهر إلى المغرب.

رابعاً: لممارسة كلّ عبادة تشترط فيها الطهارة، أو تستحبّ من أجلها الطهارة وغير مؤقّتة، كالمريض يريد أن يصلّي صلاة جعفر، أو الجنب يريد أن يقرأ سور العزائم التي فيها آيات السجدة فإنّ له أن يتيمّم ويصلّي ويقرأ.

ويستثنى من ذلك: العبادة التي يكون المطلوب من المكلّف الإتيان بها مرّةً واحدةً وبإمكانه أن يؤدّيها بعد شفائه من مرضه بالوضوء، كصلاة القضاء فإنّ المريض إذا كان عليه صلاة قضاء فلا يكتفي بالتيمّم لها في حال مرضه والإتيان بها متيمّماً؛ لأنّها صلاة موسّعة لا وقت لها، وبإمكانه تأجيلها إلى ما بعد الشفاء.

وقد تقول: إنّ صلاة جعفر أيضاً عبادة موسّعة ولا وقت لها، فما الفرق بينهما ؟

والجواب: أنّ صلاة جعفر ـ مثلا ـ ليس المطلوب منها مرّةً واحدةً فقط، بل هي مطلوبة في كلّ حين، فالمريض لو لم يرخّص له في أن يصلّي هذه الصلاة بالتيمّم فقد فاته شيء من المطلوب، وخلافاً لذلك من عليه القضاء فإنّ المطلوب في القضاء مرّة واحدة، وهي تحصل بعد الشفاء. أجَل، إذا كان المرض أو أيّ عائق آخر عن استعمال الماء مستمرّاً دائماً كان له أن يتيمّم ويقضي.

(41) وكلّما تيمّم المكلّف لأحد الاُمور التي يسوّغها التيمّم جازت له سائر تلك الاُمور، فمن كان مريضاً فأجنب وتيمّم لصلاة الليل كان له أن يصلّي بذلك التيمّم صلاة الفجر ونافلته، وأن يقرأ سور العزائم، وأن يصلّي صلاة جعفر، وهكذا حتّى ينتقض تيمّمه بشيء ممّا ينقض التيمّم على ما تقدّم.

الصفحة 332

(42) وإذا دخل وقت الصلاة على المكلّف وهو لا يتيسّر له الطهارة المائية: فإن كان على يقين بأنّه ستُتاح له الطهارة المائية في الفترة الأخيرة من الوقت أخّر الصلاة إلى ذلك الحين لكي يتوضّأ أو يغتسل، فإذا أخّر صلاته وصادف أنّ العذر استمرّ على خلاف اعتقاده تيمّم وصلّى.

وأمّا إذا لم يكن عند دخول الوقت على يقين بأنّ الطهارة المائيّة ستُتاح له في آخر الوقت أمكنه أن يبادر إلى الصلاة فيتيمّم ويصلّي، حتّى ولو لم ييأس من تيسّر الطهارة المائية في المستقبل، ولكن إذا تيسّر له استعمال الماء بعد الصلاة وفي الوقت متّسع لإعادتها ثانيةً مع الوضوء أو الغسل توضّأ أو اغتسل وأعاد، وإذا استمرّ به العذر إلى أن انتهى وقت الصلاة ثمّ تيسّر له استعمال الماء لم يجب عليه أن يقضي مامضى من صلاته (1).

(43) وقد يكون على المكلّف صلاة قضاء وهو فعلا ممّن لايتيسّر له الوضوء ـ كالمريض مثلا ـ ولا يدري عن مستقبله شيئاً فهل يسوغ له أن يتيمّم ويقضي، أو ينتظر حتّى يحصل له اليأس من الشفاء ؟


(1) تعرّض المتن لحكم ما إذا كان على يقين بأنّه ستتاح له الطهارة المائيّة في الفترة الأخيرة من الوقت، وحكم ما إذا لم يكن على يقين بذلك.وقد يتفق أنّه يكون على يقين بأنّه سوف لن تتاح له هكذا فرصة فيتيمّم ويصلّي، ولكن يصادف خطأ يقينه فيزول العذر في أثناء الوقت، ولعلّ هذه الصورة مقصودة من المتن ضمن الصورة الثانية فيحكم فيها بوجوب الإعادة في الوقت كما حكم بذلك في الصورة الثانية، ولكنّ الصحيح عندنا في الصورة الثالثة عدم وجوب الإعادة.وكذلك الحال لو كان شاكّاً في استيعاب العذر لتمام الوقت وعدمه وأخّر الصلاة برجاء ارتفاع العذر إلى أن خشي فوات الوقت فبادر بالتيمّم والصلاة ثمّ ارتفع العذر وقد كانت من الوقت بقيّة باقية، فهنا أيضاً لا تجب الإعادة، وفي كلتا الصورتين يكون الأحوط والأفضل الإعادة.
الصفحة 333

والجواب: أنّه يسوغ له أن يتيمّم ويقضي، وحينئذ إذا تيسّر له بعد ذلك استعمال الماء لم يكتفِ بما أتى به. وأمّا إذا كان على يقين من البداية بأنّه سيُشافى من مرضه ويتيسّر له الوضوء في المستقبل فعليه الانتظار. وفي الحالات التي قلنا فيها: إنّه يؤجّل صلاته إلى حين يتيسّر له استعمال الماء لا نعني بذلك أنّه لا يسوغله التيمّم لغاية اُخرى، فالجنب المريض الذي لا يتمكّن من الغسل في بداية وقت صلاة الفريضة وهو على علم بأنّه سيتمكن من ذلك في آخر الوقت يمكنه أن يتيمّم فعلا، لا من أجل صلاة الفريضة، بل من أجل أن يُتاح له فعلا دخول المساجد ومسّ كتابة المصحف، ونحو ذلك.

(44) وإذا تيمّم الجنب بدلا عن غسل الجنابة كفاه ذلك عن الوضوء، ما لم يحصل بعد التيمّم ما يوجب الوضوء، وإن حصل شيء من ذلك توضّأ إن كان الوضوء ميسوراً، وإلّا تيمّم.

(45) وكلّ من حصل له سوى الجنابة من موجبات الغسل ـ كمسّ الميّت وغيره ـ وكان في نفس الوقت قد حصل لديه أيضاً ما يوجب الوضوء قبل ذلك أو بعده ولم يتيسّر له الغسل فعليه أن يتيمّم بدلا عن الغسل، ولا يكفيه ذلك عن الوضوء، بل عليه أيضاً أن يتوضّأ إن أمكنه ذلك، وإلّا تيمّم بدلا عن الوضوء أيضاً.

وكلّ من كان على وضوء وحصل لديه ما يوجب الغسل كالمتوضّئ يمسّ ميّتاً ولم يُتَحْ له أن يغتسل فتيمّم لم يحتج إلى وضوء أو تيمّم بدلا عنه؛ لأنّ وضوءه لا يزال باقياً.

(46) ومن وجب عليه أكثر من غسل واحد، كالرجل يمسّ ميّتاً ويجنب، والمرأة تبرأ من حيضها وتمسّ ميّتاً، ويعجز كلّ منهما عن الغسل فهل يكفي تيمّم

الصفحة 334

واحد عن الغسلين، أو لابدّ من التعدّد والتكرار بعد الموجب للغسل ؟

الجواب: يكفي تيمّم واحد، كما كان يكفي غسل واحد للأمرين معاً، على ما تقدم في الفقرة (6) من فصل الغسل.

وإذا كان أحد الأغسال الثابتة على هذا المتيمّم غسل الجنابة لم يحتج إلى وضوء أو تيمّم بديل عنه، وأمّا إذا لم يكن منها غسل الجنابة فلابدّ إضافةً على التيمّم عن الأغسال إلى وضوء أو تيمّم بديل عنه إذا كان أحد موجبات الغسل موجباً للوضوء أيضاً، كالاستحاضة الوسطى، أو كان قد حصل منه ما يوجب الوضوء خاصّةً، كالبول أو النوم.

الصفحة 335

الطهارة

5

أنواع النجاسات

 

 

○   الأعيان النجسة.

○   الأشياء المتنجّسة.

○   أحكام الشكّ في السراية.

○  أحكام تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها.

 

 

الصفحة 337

النجاسة لغةً: القذارة، وشرعاً: ما يجب على المسلم أن يتنزّه عنها، ويغسل ما يصيبه منها عند الصلاة. وفي مقابل النجاسة الطهارة، وقد تسمّى النجاسة بالخبث، وتسمّى الطهارة منها بالطهارة الخبثية، أي الطهارة من الخبث، كما تقدم في فصل أحكام الماء.

(1) وكلّ جسم فهو طاهر شرعاً لا يجب التنزّه عنه، باستثناء الأعيان النجسة، أو الأشياء التي تتنجّس بسبب تلك الأعيان.

ونريد بالأعيان النجسة: أشياء معيّنةً حكمت الشريعة بأنّها نجسة وقذرة بطبيعتها بصورة أصيلة، أي لم تكتسب هذه النجاسة من الملاقاة لشيء آخر قذر.

ونريد بالأشياء التي تتنجّس بها: أشياء طاهرةً بطبيعتها، ولكنّها تكتسب النجاسة بالملاقاة لشيء نجس أو قذر، ويسمّى أحدها بالمتنجّس تمييزاً له عن عين النجس، فالبول عين النجس، ويدك التي يصيبها البول شيءمتنجّس.

ونبدأ الكلام هنا عن الأعيان النجسة، واستعراض أنواعها، وبيانها بالكامل كالآتي:

الصفحة 338

[ الأعيان النجسة:]

(2) الأول والثاني: البول والعذرة، كلّ ما يطلق عليه اسم البول أو الغائط (أردأ الفضلات التي تخرج من الإنسان وغيره من الحيوانات بسبب الطعام والشراب) فهو نجس عيناً، ولا يطهر بحال، ولا فرق في النجاسة بين ما إذا خرجت هاتان الفضلتان من القبل والدبر، أو من غيرهما، بصورة اعتيادية أو بصورة غير اعتيادية، فإنّهما نجستان على أيّ حال، ويستثنى منه ما يلي:

(3)أوّلا: فضلات الطير بأقسامه فإنّها طاهرة، سواء كان لحم الطير ممّا يسوغ أكله شرعاً كالحمام، أو ممّا لا يؤكل كالبازي.

(4)ثانياً: فضلات كلّ حيوان يسوغ أكل لحمه شرعاً، سواء كان طيراً أو من سائر أصناف الحيوانات، كالغنم والبقر والإبل والدوابّ والخيل والبغال والدجاج وغير ذلك، شريطة أن لا يعيش الحيوان على العذرة أمداً حتّى يشتدّ لحمه، وإلّا حرم من أجل ذلك، وكانت فضلاته نجسةً ما دام على هذا النحو.

(5) ثالثاً: فضلات الحيوانات التي ليس لها لحم عرفاً فإنّها طاهرة، حتّى ولو لم يكن أكلها سائغاً شرعاً، كفضلات العقرب والخنفساء (1).

(6) إذا أصابت الثوب فضلة ولم نعلم بأنّها نجسة، أو من الأنواع المستثناة


(1) وهناك قسم رابع، وهو فضلات حيوان ذي لحم غير ذي نفس سائلة كالسمك، فإن كان محلّل الأكل فقد دخل في القسم الثاني فلا إشكال في طهارة فضلاته، وإن كان محرّم الأكل كالسمك الذي لا فلس له فلا إشكال في طهارة خرئه، وكذلك لا إشكال في طهارة بوله لو لم يكن له وجود متميّز عن الخرء بأن كان بوله يندفع كرطوبات مع الخرء ولا يتميّز في إحساسنا عنه، أمّا لو كان له بول مستقلّ عن الخرء ومتميّز عنه فمقتضى الاحتياط الاجتناب عنه، وعلى أيّ حال فأصل وجود شيء من هذا القبيل غير واضح.
الصفحة 339

فهناك حالات:

الاُولى: أن يكون المكلّف على يقين بأنّها فضلة حيوان لا يسوغ أكل لحمه، ولكن لا يدري هل هو من نوع الطيور أو من أصناف الحيوانات الاُخرى (1)؟ وفي هذه الحالة يحكم بنجاستها شرعاً.

الثانية: أن لا يعلم بأنّ هذه الفضلة هل هي لحيوان يسوغ أكل لحمه أو لحيوان لا يؤكل لحمه شرعاً؟ وفي هذه الحالة الحكم هو الطهارة.

الثالثة: أن لا يعلم بأنّ هذه الفضلة هل هي لحيوان ليس له لحم أو لحيوان لهلحم؟ وفي هذه الحالة الحكم هو الطهارة أيضاً.

(7) الثالث: المني نجس من الإنسان ومن كلّ حيوان، سواء كان ممّا يسوغ أكل لحمه، أم لا. ويستثنى من ذلك: الحيوانات التي لا يجري دمها من العروق بدفع وقّوة، وإنّما يجري رشحاً كالسمك والحشرات، فإنّ هذه الحيوانات إذا كان لها مني فهو طاهر، ويعرف عادةً أنّ دم الحيوان يجري بدفع وقوة أوْ لا حِين يذبح فيرى كيفية اندفاع الدم.

ومني الرجل واضح، وأمّا المرأة فقد سبق أنّه لا دليل على أنّ لها منياً، ولكنّها مع هذا تغتسل وتطهّر بدنها وثيابها من كلّ ماء تحتاط بالجمع بسببه بين غسل الجنابة والوضوء، على ما تقدم في الفقرة (34) من فصل الغسل (2).

 


(1) الظاهر أنّ مقصوده(رحمه الله): هو فرض تردّد فرد معيّن من الحيوان بين كونه طائراً وعدمه، أمّا لو كانت الفضلة مردّدةً بين انتمائها إلى ما نعلم كونه طائراً وانتمائها إلى ما نعلم عدم كونه طائراً فلا وجه للحكم بنجاستها.
(2) تقدّم منّا عدم وجوب الغسل عليها؛ بسبب خروج الرطوبات، ونقول هنا أيضاً: إنّه لا دليل على نجاسة تلك الرطوبات.
الصفحة 340

(8) وقد يخرج من قُبل الإنسان أشياء اُخر غير المني والبول، وهي: المذي والوذي والودي. وقد تقدم تفسيرها في الفقرة (80) من فصل الوضوء، وهذه الأشياء طاهرة، ولا يجب غسل الموضع منها.

(9) الرابع والخامس: الكلب والخنزير.

الكلب والخنزير نجسان عيناً وذاتاً بكلّ ما فيهما، حتّى العظم والشعر والسنّ والظفر، حيّين وميّتين، من غير فرق بين الكلب المسيّب والكلاب المستخدمة في الحراسة، أو المدرّبة على الصيد، أو الممرّنة على اكتشاف الجرائم، أو غير ذلك من الكلاب.

ولا تشمل النجاسة كلب البحر ولا خنزير البحر، وهما حيوانان بحريان يطلق عليهما اسم الكلب والخنزير تشبيهاً لهما بالكلب والخنزير البرّيّين.

(10) وما عدا الكلب والخنزير من الحيوانات طاهر على اختلاف أصنافها، حتّى الثعلب والأرنب والعقرب والفأرة.

(11) السادس: المِيتَة.

قد يكون الحيوان نجساً بالذات كالكلب والخنزير على ما تقدم، فإذا مات تضاعفت النجاسة وتعاضدت بتعدّد السبب.

والكلام هنا حول الحيوان الطاهر ما دام حياً، فإن مات تنجّس بالموت فقط. فكلّ حيوان طاهر إذا مات أصبح نجساً، ويسمّى بالميتة، ونقصد بالميتة أو الحيوان الميّت: ما مات بدون أن يذبح على الوجه الشرعي، من غير فرق بين أن يكون قد مات موتاً طبيعياً، أم قتلا، أم خنقاً، أم ذبحاً على غير الوجه الشرعي، أم غير ذلك. وأيضاً لا فرق بين أن يكون مأكول اللحم أم غير مأكول.

وأمّا ما ذبح على الطريقة الشرعية فهو طاهر، ويسمّى بالمذكّى.

(12) ويستثنى من نجاسة الميتة: الحيوان الذي تقدم أنّ منيّه طاهر، وهو

الصفحة 341

ما لا يجري دمه من عرقه بقوة ودفع، فإنّ ميتته طاهرة، ومنه السمك والذباب والعقرب، وغيرها من الحشرات.

(13) وإذا شككنا في أنّ هذا الزاحف على الأرض ـ مثلا ـ أو هذا الطائر بجناحيه أو أيّ حيوان آخر هل له دم يجري بقوة ودفع أو ليس له ذلك ؟ حكمنا بطهارة الميتة منه.

(14) والإنسان ينجس بالموت كالحيوان، ويطهر الميّت المسلم بتغسيله غسل الأموات، على الوجه المتقدّم في الفقرة (126) من فصل الغسل.

(15) الحمل إذا بلغ مرحلةً يتحّرك فيها ثمّ صار سقطاً فهو نجس بالموت، وإذا صار سقطاً قبل ذلك فاللازم احتياطاً اعتباره ميتةً أيضاً، وكذلك الفرخ في البيضة.

(16) النجس بالموت إنّما ينجس منه الأجزاء التي يجري فيها الدم وتدبّ فيها الحياة، وأمّا ما لا يجري فيها الدم فلا ينجس، ومن ذلك: الصوف والشعر والوبر والسنّ والعظم والريش والمنقار والظفر والقرن والمخلب، وغير ذلك. ولا فرق في طهارة هذه الأشياء من الميتة بين ميتة حيوان يسوغ أكله وميتة حيوان محرّم الأكل.

وما ذكرناه من عدم نجاسة هذه الأشياء بسبب الموت لا يعني أنّها لا تتنجّس بما في الميتة من رطوبات، فإذا لاقى شيء منها تلك الرطوبات يصبح متنجّساً.

(17) وكلّ جزء ينجس من الميتة ينجس أيضاً لو انفصل من الحيوان الحي، فلو قطعت ألية الغنم أو رجله كانت نجسة.

ولا بأس بما ينفصل من جسم الحيوان أو الإنسان ممّا يكون بالفضلات

الصفحة 342

أشبه، كالثؤلول(1)، وقشور الجرب، وقشرة الرأس تخرج بالتمشيط والحلق بالموس، وما يعلو الجرح والشفة عند البرء، وما يتّصل بالأظفار عند قصّها، وما ينفصل عن باطن القدم حين حَكّه بالحجر عند الاستحمام، وغير ذلك ممّا لا يعدّه العرف شيئاً ذا قيمة.

(18) وكما لا ينجس الريش في الميتة كذلك البيضة في جوف الطائر الميّت، فإنّها طاهرة إن اكتست القشر الأعلى حتّى ولو كان طريّاً، أمّا أكل البيضة فيجري عليه ما يجري على البائض تحليلا وتحريماً.

(19) وقد تسأل: هل الحليب الموجود في ضرع الحيوان الميّت تشمله نجاسة الميتة، أوْ لا ؟

والجواب: إن كان الحيوان المذكور مأكول اللحم ـ كالغنم ـ فالحليب الموجود في ضرعه عند موته طاهر، أمّا إذا كان غير مأكول اللحم ـ كالهرّة ـ فحليبه نجس.

(20) وقد تسأل عن فأرة المسك، وهي جلدة في الغزال فيها ما يشبه الدم طيّب الرائحة ؟

والجواب: أنّها طاهرة، سواء اُخذت من غزال حيّ أم ميّت.

(21) وقد تسأل أيضاً عن حكم أنفحة الميتة، فقد جرت العادة عند أصحاب المواشي إذا مات ابن العنزة حال ارتضاعه أن يستخرجوا معدته ويعصروها في شعرة مبتلّة باللبن فتجمد كالجبن، وتسمّى أنفحة ؟

والجواب: أنّها طاهرة تماماً، كصوف الحيوان الميّت وشعره.


(1) على وزن عُصْفُور، وهو حبّ صغير يخرج من الجسد، ويسمّى عرفاً بالفالول، أو الثألول.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 343

(22) كلّما شككنا في لحم أو شحم أو جلد هل هو مأخوذ من حيوان ذبح على الوجه الشرعي (مذكّى) لكي يكون طاهراً، أو مأخوذ من حيوان مّيت لكي يكون نجساً ؟ كلّما شككنا في ذلك فهو طاهر شرعاً، سواء كان في حيازة مسلم أو كافر، ولا فرق بين حيازة المسلم وحيازة الكافر من هذه الناحية.

(23) وإنّما تختلفان من ناحية أحكام اُخرى، فإنّ الميتة كما تكون نجسةً شرعاً كذلك هي محرّمة، ولا يجوز الأكل من لحمها، ولا الصلاة في جلدها أو في شيء منها.

وعلى هذا الأساس فالمشكوك في أنّه مذكّىً ـ لحماً أو جلداً ـ إذا لم يكن في حيازة المسلم فلا يحلّ الأكل منه، ولا الصلاة فيه، على الرغم من طهارته. وإذا كان في حيازة المسلم وفي معرض استعماله على نحو يتعامل معه معاملةً تشعر بأنّه مذكّى ـ كالقصاب المسلم يعرض اللحم للبيع ـ فهو حلال، ويسوغ الأكل من اللحم حينئذ. كما يجوز لبس الجلد في الصلاة.

ويستثنى من ذلك حالة واحدة، وهي: أن نعلم بأنّ المسلم قد أخذه من يدِ كافر أخذاً عفويّاً بدون فحص وتحقيق ففي هذه الحالة يحرم. وسيأتي الحديث عن الحرمة مرّةً اُخرى في مواضعها من فصول الصلاة وفصول الأطعمة.

وأمّا إذا علمنا بأنّ هذا اللحم أو الشحم أو الجلد لم يذكّ على الوجه الشرعي فهو حرام ونجس معاً، سواء كان في حيازة كافر أو مسلم.

(24) السابع: الدم.

الدم نجس عيناً، سواء كان من إنسان أو حيوان، وسواء كان الحيوان ممّا يسوغ أكل لحمه شرعاً أو ممّا لا يؤكل لحمه.

ويستثنى من ذلك ما يلي:

(25) أوّلا: دم الحيوان الذي لا يجري دمه من العروق بقوة ودفع، كدم

الصفحة 344

السمك فإنّه طاهر.

(26) ثانياً: كلّ دم يبقى ويرسب في لحم الذبيحة أو كبدها وما أشبه، بعدما يخرج دمها المعتاد من محلّ الذبح أو النحر فهو طاهر، ويسمّى في عرف الفقهاء بالدم المتخلّف في الذبيحة.

(27) ثالثاً: الدم الذي يمتصّه البرغوث والقمّل ونحوهما من البعوض الذي ليس له دم أصلي، فإنّ ما تمتصّه هذه الحيوانات من الإنسان أو من الحيوانات ذات الدماء الأصلية يصبح طاهراً بامتصاصها له وامتزاجه بجسمها.

(28) رابعاً: قطرة الدم التي قد يتفّق وجودها في البيضة فهي طاهرة، وإن كان ابتلاعها حراماً.

وأمّا الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب فهو نجس ومنجّس للبن، وكذلك الأمر في النطفة التي تصير مع الأيام قطعةً جامدةً من الدم، وتسمّى علقة، فإنّه إذا رشح من هذه العلقة شيء من الدم فهو نجس (1).

(29) وإذا شكّ المكلّف هل أنّ هذا الأحمر على ثوبه أو بدنه دم أم لا حكم بطهارته شرعاً، وكذلك إذا شكّ في سائل أصفر خرج من جرح في بدنه أو عند الحكّ ونحوه هل هو دم، أوْ لا ؟ فإنّه يبني على طهارته.

(30) وإذا علم بأنّ هذا الأحمر على ثوبه أو بدنه دم بلا ريب، ولكنه شكّ هل هو من دم الغنم ـ مثلا ـ كي يكون نجساً، أو من السمك الذي لا يجري دمه من عروقه كي يكون طاهراً ؟ فهو طاهر.

(31) وإذا علم بأنّ هذا الدم لا يخلو من أحد شيئين: إمّا هو من بدنه، وإمّا هو من بعوضة امتصّته منه، أو من إنسان آخر، أو من حيوان دماؤه تجري بدفع


(1) على الأحوط وجوباً.
الصفحة 345

وقوة ـ كما يحدث ذلك في الأكثر الأغلب ـ فهو نجس يجب تطهير البدن أو الثوب منه.

(32) الثامن: المسكر المتّخذ من العنب (1).

المسكِرات تؤخذ من موادّ كثيرة، منها العنب، ومنها الشعير، ومنها غير ذلك من الأشياء التي تشتمل على موادّ سكّرية قابلة للتحوّل إلى كحول وتوليد المسكر، كما في العنب. أو على موادّ نشوية تتحوّل بدورها إلى موادّ سكّرية ثمّ إلى كحول، كما في الشعير.

وكلّ المسكِرات محرّمة يحرم شربها وبيعها وشراؤها، سواء كانت مائعةً كالخمر، أو جامدةً كالحشيشة.

وأمّا النجاسة فلا تثبت للمسكر الجامد بدون شكّ، فالحشيشة طاهرة باتّفاق الفقهاء على الرغم من حرمتها.

وأمّا المسكرات المائعة فالنجاسة فيها تختصّ ـ في رأينا ـ بالمسكر المتّخذ من العنب وهو الخمر. وأمّا غيره من المسكرات السائلة والمائعة المأخوذة من غير العنب فهي محرّمة وطاهرة، ولا فرق من حيث الحرمة والطهارة بينها وبين


(1) المسكر المائع بالأصالة سواء كان متخذاً من العنب أم من غيره يحمل من آثار النجاسة إفساد الطعام والشراب بالملاقاة المباشرة وبملاقاة ما لاقاه، كالآنية التي شرب فيها الخمر أو غيره من المسكرات، فالطعام أو الشراب الذي يلقى في تلك الآنية قبل تطهيرها يحرم أكله أو شربه، وأمّا باقي آثار النجاسة كحرمة الصلاة في ثوب لاقى خمراً أو مسكراً فغير ثابتة لا في الخمر ولا في غيره من المسكرات، وأمّا المسكر الجامد بالأصالة كالحشيش فإسكاره نوع آخر من الإسكار، ولا دليل على نجاسته وإن كان حراماً. وبهذا البيان ظهر تعليقنا على ما في هذا البند وإلى آخر البند (35) فلا نعيد.
الصفحة 346

المسكر الجامد بالأصل كالحشيشة.

(33) وكذلك الحكم في العصير العنبي إذا غلى بالنار واشتدّ ولم يذهب ثلثاه فإنّه احتياطاً يحرم بالغليان، ولكنّه طاهر، فإذا ذهب ثلثاه بسبب الغليان يصير حلالا بالإضافة إلى طهارته.

(34) وأمّا إذا غلى العصير العنبي أو تهيّأ للغليان بالنشيش(1) ولكن بدون نار فهو نجس وحرام بدون شكّ؛ لأنّه خمر مأخوذ من العنب، فإنّ استخراج المسكر من العنب يتمّ بهذه الطريقة، فهناك فرق إذن بين العصير العنبي الذي يحدث فيه الغليان بالنار، والعصير العنبي الذي يحدث فيه الغليان بصورة تلقائية وبتدّرج طبيعي، فالأول حرام وليس بنجس، والثاني حرام ونجس.

(35) وعصير التمر والزبيب والحصرم طاهر على أيّ حال، سواء غلى بالنار أو بدون نار، وحلال أيضاً إذا غلى بالنار أو نحوها. وأمّا إذا غلى بدون ذلك وبمرور الزمن فهو حرام، إذ يصبح بذلك مسكراً وإن ظلّ على طهارته.

وعلى ضوء ما ذكرناه يعرف حكم الفقاع، أو ما يسمّى بـ « البيرة » فإنّه حرام محرّم؛ لأنّه ممّا يُسكِر، ولكنّه ليس نجساً؛ لأنّه غير مأخوذ من العنب، بل من الشعير عادةً.

(36) التاسع: الكافر.

من آمن بوحدانية الله ورسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) واليوم الآخر فهو مسلم طاهر، من أيّة فرقة أو طائفة، أو أيّ مذهب كان من المذاهب الإسلامية.

وكلّ إنسان أعلن الشهادتين (الشهادة لله بالتوحيد وللنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)


(1) الغليان: هو تحرّك أجزاء السائل وتصاعدها بالحرارة، والنشيش: صوت يسبق الغليان عادةً.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 347

بالرسالة) فهو مسلم عملياً وطاهر، حتى ولو عُلِمَ بأنّه غير منطو في قلبه على الإيمان بمدلول الشهادتين ما دام هو نفسه قد أعلن الشهادتين ولم يعلن بعد ذلك تكذيبه لهما، أو اعتقادات دينية اُخرى تتعارض معها بصورة صريحة لا تقبلالتأويل.

وكلّ من ولد عن أبوين مسلمين فهو مسلم عملياً وطاهر ما لم يعلن تكذيبه للشهادتين. أو اعتقاده بعقائد اُخرى تتعارض معهما كذلك.

وغير هذا وذاك يعتبر كافراً. وكلّ كافر نجس (1)، ويستثنى من نجاسة الكافر قسمان من الكفّار:

(37) أحدهما: أهل الكتاب، وهم الكفّار الذين ينسبون أنفسهم إلى ديانات سماوية صحيحة مبدئياً ولكنّها نسخت، كاليهود والنصارى، بل وكذلك المجوس أيضاً.

(38) والآخر: من ينسب نفسه إلى الإسلام ويعلن في نفس الوقت عقائد دينيةً اُخرى تتعارض مع شروط الإسلام شرعاً، وذلك كالغُلاة الذين يشهدون الشهادتين ولكنّهم يُغالون في بعض الأنبياء أو الأولياء من أهل البيت (عليهم السلام)أو غيرهم غلوّاً يتعارض مع الإسلام، وكذلك النواصب الذين ينصبون العداء لأهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فإنّ هؤلاء الغُلاة والنواصب كفّار، ولكنّهم طاهرون شرعاً ما داموا ينسبون أنفسهم إلى الإسلام.

(39) العرق:

العرق الذي ينضح به بدن الإنسان الطاهر وأبدان الحيوانات الطاهرة طاهر في جميع الحالات، حتّى عرق الجنب وعرق الحائض، ولكن في الفقهاء من حكم


(1) هذا حكم احتياطي.
الصفحة 348

بنجاسة العرق في حالتين:

(40)الاُولى: من أجنب بسبب الحرام ـ كالزنا ـ ورشح بدنه بالعرق فقد قال بعض الفقهاء بأنّه نجس(1)، ولكنّ الصحيح أنّه طاهر، ولا فرق بينه وبين عرقالجنب بسبب الحلال.

(41) الثانية: إذا أصبح الحيوان معتاداً على العذرة في غذائه ـ ويسمّى بالحيوان الجلاّل ـ ورشح بدنه بالعرق فقد قال بعض الفقهاء بأنّ عرقه هذا نجس كنجاسة بوله، وبخاصّة في الإبل(2)، والأجدر احتياطاً ووجوباً العمل على أساس هذا القول (3).

وكلّ حكم يثبت للحيوان الجلاّل ـ كنجاسة عرقه، أو حرمة الأكل من لحمه، ونجاسة فضلاته ـ يستمرّ إلى أن يستبرأ؛ وذلك بأن يمنع عن أكل العذرة فترةً من الزمن حتّى يقلع عن عادته ويعود إلى الطبيعة.

الأشياء المتنجّسة:

قد يتنجّس الماء الطاهر بسبب الأعيان النجسة، وقد فصّلنا الكلام حول ذلك في فصل أحكام الماء، راجع الفقرة (8) وما بعدها.

وأمّا غير الماء من الأشياء الطاهرة فهي تكتسب نجاسةً بسبب تلك الأعيان النجسة في حالة حدوث الملاقاة والمماسة بين الشيء الطاهر وإحدى تلك


(1) منهم الشيخ الطوسي في النهاية: 53، والقاضي في المهذّب 1: 51.
(2) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 71، والشيخ الطوسي في النهاية: 53.
(3) في خصوص الإبل على الأقوى، وفي غيره على الأحوط وجوباً، ويلحق بالعرق سائر الفضلات كالبصاق.
الصفحة 349

الأعيان النجسة، على التفصيل التالي:

(42) ـ 1 ـ إذا كانت عين النجس مائعةً ـ كقطرة بول أو دم ـ ولاقت جسماً جامداً ـ كالثوب والبدن والأرض ـ سرت النجاسة إلى هذا الجسم الجامد الملاقي؛ وتنجّس منه خصوص المحلّ الذي لاقته قطرة الدم أو البول دون غيره من أطراف الملاقي وأجزائه.

(43) ـ 2 ـ إذا كانت عين النجس مائعةً ـ كما في الحالة السابقة ـ ولاقت شيئاً مائعاً طاهراً ـ كالحليب تقع فيه قطرة دم ـ سرت النجاسة إلى الطاهر المائع وتنجس كلّه، ولم تختصّ النجاسة بموضع منه دون موضع.

وبالمقارنة بين هذه الحالة والحالة السابقة نعرف الفرق بين الأشياء الطاهرة الجامدة والأشياء الطاهرة المائعة في كيفية سراية النجاسة وامتدادها إليها، فإنّ الاُولى يتنجّس منها محلّ الملاقاة المباشر خاصّةً، والثانية تتنجّس كلّها بالملاقاة(1).

وليس الفارق بين المائع والجامد في سعة الرقعة أو المساحة التي تتنجّس من المائع بالملاقاة فحسب، بل في عمق النجاسة أيضاً، فإنّ النجاسة التي تسري إلى الجامد تنجِّس سطحه الذي مسّته مباشرةً. وكما لا تشمل النقاط المجاورة من سطحه كذلك لا تسري في عمقه ما لم تنفذ العين النجسة في داخله. وأمّا النجاسة التي تسري إلى المائع فهي تنجِّس موضع الملاقاة وغيره على السواء، وتسري


(1) ينبغي أن يلاحظ بهذا الصدد: أنّ المائع إذا كان يجري بدفع وقوة من أعلى إلى أسفل كالإبريق يصبّ منه الماء، أو من أسفل إلى أعلى كالفوارة، أو من نقطة من الأرض إلى نقطة موازية فلا ينجس بملاقاته لعين النجس إلّا موضع الملاقاة، كما تقدم في الفقرة (4) و (9) من فصل أحكام الماء.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 350

إلى عمقه في الوقت نفسه.

وقد يتّفق أنّ شيئاً واحداً يكون في حالة مائعاً وفي حالة اُخرى جامداً كالدهن والعسل، فإذا لاقى النجس وهو جامد انطبق عليه حكم الحالة الاُولى، وإذا لاقاه وهو مائع انطبق عليه حكم الحالة الثانية (1).

ونريد بالمائع الذي يتنجّس كلّه بالملاقاة ما توفّر فيه أمران:

أوّلا: أن يكون مَيعانه على نحو يجعل فيه رطوبة كرطوبة الماء (2)، فليس منه قِطَع الذهب أو الحديد التي تذوب بتسليط الحرارة عليها حتى تصبح سائلةً وتتحوّل من حالة الانجماد إلى حالة السيولة، فالذهب المذاب إذا لاقى نجساً فهو


(1) وإن كان جامداً حين التنجّس بالملاقاة ثمّ ماع سرت النجاسة إلى الكلّ بعد الميعان.
(2) المقصود بذلك: الرطوبة المسرية التي توجب التلوّث عرفاً، سواءً كانت مائيةً أو ما يشبهها كالنفطية والزيتية ونحوهما، وهذا بخلاف الميعان الذي لا يوجب سريان التلوّث عرفاً، ومَثّل له بميعان الذهب والحديد عن طريق تسليط الحرارة عليهما فهذا حاله حال الجامد.
أقول: إن كان الواقع الخارجي شاهداً على ذلك فهذا الكلام إنّما يصحّ في ملاقاة المائع للنجس الجامد، فيقال: إنّ المائع الذي يتلوّث بالنجس الجامد ـ وهو المائع المائي ـ يتنجّس به، والمائع الذي لا يتلوّث به ـ كالمائع الزئبقي أو الذهبي ـ لا يتنجّس به، ولا يصحّ في ملاقاة المائع للنجس المائع ميعاناً مائياً فإنّه بعد أن فرض تلوّث السطح الملاقي للمائع الزئبقي بالنجس لميعانه المائي فالمقياس في سريان النجاسة إلى كلّ المائع وعدمه يكون شيئاً آخر غير كون المائع مائياً أو زئبقياً، وهو نفوذ أجزاء المائع بعضهافي البعض وعدمه، إلّا إذا فرض استلزام الأوّل للثاني، أي أنّ الرقّة في الميعان المائي تستلزم تنافذ الأجزاء وتداخلها، والميعان الزئبقي يستلزم عدم تنافذها وتداخلها مهما كان المائع رقيقاً. فإن صحّ ذلك أمكنك إرجاع كلا الشرطين الواردين في المتن إلى شرط واحد وهو الميعان بشكل تكون أجزاؤه ممّا ينفذ بعضها في البعض.
الصفحة 351

كالجامد إذا لاقى نجساً، أي كالثوب والخشب والفراش، فإذا وقعت قطرة دم على ذهب مذاب تنجّس منه موضع الملاقاة خاصّة.

وثانياً: أن تكون درجة الكثافة في المائع ضئيلةً بدرجة لو اُخذ منه شيء لمَا بقي موضعه خالياً حين الأخذ، بل يمتلئ فوراً وفي نفس اللحظة. وأمّا إذا كانت درجة الكثافة أكبر من ذلك على نحو لو اُخذ من المائع شيء يبقى موضعه خالياً حين الأخذ وإن امتلأ بعد ذلك فهو جامد، وحكمه حكم الثوب والفراش إذا لاقى نجساً، فإذا أصابه دم ـ مثلا ـ تنجّس منه موضع الملاقاة خاصّة.

(44) ـ 3 ـ إذا كانت عين النجس جامدةً ـ كالدم اليابس أو شعر الخنزير ـ ولاقت المائع بالمعنى الذي تقدم في الحالة السابقة فيتنجّس كلّه بالملاقاة، كما مرّ في تلك الحالة.

(45) ـ 4 ـ إذا كانت عين النجس جامدةً ولاقت شيئاً جامداً، كالثوب والفراش والبدن أو الذهب المذاب أو الدبس المتماسك الذي لا يملأ الفراغ فوراً إذا اُخذ منه شيء فالحكم في هذه الحالة يرتبط بمدى الجفاف والرطوبة، فإذا كان النجس والشيء الطاهر الملاقي له كلاهما جافّين فلا ينجس الطاهر بالملاقاة، وإذا كانا ندِيّين، أو كان أحدهما نديّاً ولكن بنداوة لا تنتقل بالملاقاة من أحد الجسمين إلى الآخر فلا ينجس الطاهر أيضاً بالملاقاة، وإذا كان كلاهما أو أحدهما نديّاً ومرطوباً برطوبة قابلة للانتقال والامتداد إلى الجسم الملاقي سرت النجاسة بالملاقاة، وتنجّس من الشيء الطاهر موضع الملاقاة خاصّة.

وعلى ضوء ما تقدم يتّضح: أنّ سراية النجاسة من العين النجسة إلى جسم آخر يتوقّف على أمرين أساسيين: أحدهما الملاقاة، والآخر توفّر الرطوبة، بأن يكون أحدهما على الأقلّ مائعاً أو مرطوباً برطوبة قابلة للانتقال بالملاقاة من جسم إلى آخر.

الصفحة 352

(46) ونريد بالملاقاة: أن يمسّ الجسم الطاهر عين النجس وجرمها، ولا يكفي أن يتسرّب أثرها ويبدو على الشيء الطاهر. وعلى هذا الأساس إذا سرت الرطوبة والعفونة من بالوعة الفضلات والنجاسات ـ مثلا ـ إلى شيء طاهر(1) ومجاور كالفراش والأثاث وأرض الغرفة وحائطها فلا يتنجّس هذا الطاهر المجاور بذلك؛ لأنّ ذلك لا يحقّق عرفاً الملاقاة بينه وبين عين النجس.

وعلى أيّ حال فإذا تحقّقت الملاقاة بين جسم طاهر وعين النجس وتوفّرت الرطوبة أصبح الجسم الطاهر نجساً، ونجاسة الجسم الطاهر هذه لا ترتبط بالتصاق شيء من عين النجس بالجسم الطاهر، بل تحصل بسبب الملاقاة بين عين النجس وذلك الجسم، حتّى ولو لم يلتصق منها شيء فيه.

 


(1) سراية الريح لا توجب النجاسة حتماً حتّى مع الملاقاة، وأمّا سراية الرطوبة فإن كانت بالتشرّب كما لو كان أساس الجدار في بالوعة النجاسات والفضولات فوصلت رطوبة البول والنجاسات إلى الجدار على أساس تشرّب الجدار ذلك عن طريق أساسه المباشر لتلك النجاسات وكانت الرطوبة بمقدار لو سرت عن طريق الملاقاة لحكمنا بالنجاسة، فالحكم بالطهارة هنا في غاية الإشكال، فإنّ الارتكاز العرفي لا يفرّق في استقذاره بين حصول الرطوبة عن طريق الملاقاة لنفس الجدار وحصولها عن طريق التشرّب بواسطة الأساس الملاقي للنجاسة.
وأمّا إن كانت بالمجاورة فحَسب بأن تبخّرت رطوبة النجاسات في الهواء ثمّ برز البخار في الشيء المجاور من فراش ونحوه على شكل الرطوبة: فإن كان هذا التبخّر مساوقاً لتخلّص الرطوبة العائدة بعد البخار عن تلوّث النجاسات أصبح ذلك من سنخ الاستحالة المطهِّرة فلا يتنجّس بذلك الشيء المجاور، واحتمال التخلّص عن تلوّث النجاسات كاف في الحكم بالطهارة، أمّا مع فرض عدم التخلّص عن تلوّثها فأيضاً تقبّل العرف التفكيك في التقذّر بين سريان الرطوبة عن هذا الطريق وسريانها عن طريق الملاقاة في غاية الإشكال.