جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 316

لا يتيسّر له استعماله من أجل الصلاة لمرض أو غيره، وقد يتيسّر له الماء والاستعمال معاً.

فإذا تيسّر له الماء والاستعمال معاً لم يصحّ منه التيمّم إلّا في بعض الحالات النادرة(1) (2)، ووجب عليه أن يتوضّأ أو يغتسل.

وإذا لم يتيسّر الماء أو لم يتيسّر استعماله فيسوغ التيمّم، فهناك إذن مسوّغان رئيسيان للتيمّم، وسوف نتكلّم عنهما تباعاً.

عدم تيسّر الماء:

المسوّغ الأول: عدم تيسّر الماء الذي يصحّ الوضوء به، ونعني بعدم تيسّر الماء: إحدى الحالات التالية:

 


(1) وهي حالتان: الاُولى: إذا أراد أن يؤدّي الصلاة على الميّت أمكنه أن يتيمّم ولو كان الوضوء ميسوراً، كما يمكنه أيضاً أن يصلّي بدون وضوء ولا تيمّم.
الثانية: إذا أوى إلى فراشه لينام وذكر أنّه ليس على وضوء فقد سمح له بعض الفقهاء بأن يتيمّم ليكون نومه على طهارة وإن كان استعمال الماء ميسوراً، ولا يقين لنا بأنّ هذا السماح ثابت.(منه (رحمه الله)).
(2) قصد (رحمه الله) بذلك حالتين بيّنهما تحت الخطّ:
الاُولى: ما لو أراد الصلاة على الميّت فبإمكانه أن يتيمّم ولو كان الوضوء ميسوراً.
أقول: لم يدلَّ النصّ على جواز التيمّم إلّا في فرض أنّه لو توضّأ لفاتته الصلاة.
والثانية: إذا أوى إلى فراشه لينام وذكر أنّه ليس على وضوء فقد سمح له بعض الفقهاء بأن يتيمم ليكون نومه على طهارة وإن كان استعمال الماء ميسوراً.
أقول: دليل ذلك غير تامّ، فلا بدّ من قصد الرجاء في ذلك دون قصد الورود. ولعله لهذا أضاف (رحمه الله)في طبعة متأخّرة في نهاية بيانه لهاتين الحالتين تحت الخط قوله: «ولا يقين لنا بأنّ هذا السماح ثابت».
الصفحة 317

(2) الحالة الاُولى: أن لا يوجد الماء في كلّ المساحة التي يقدر المكلّف على الوصول إليها والتحرّك ضمنها ما دام وقت الصلاة باقياً، ولا فرق في ذلك بين أن لا يوجد ماء بحال أو يوجد منه مقدار يسير لا يكفي لما هو المطلوب من الوضوء أو الغسل، أو يوجد منه ما لا يسوغ الوضوء أو الاغتسال به، كماء نجس أو ماء مغصوب.

(3) الحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، ولكن يصعب الوصول إليه بدرجة يحسّ الإنسان عند محاولة ذلك بالمشقة الشديدة والحرج، سواء كانت المشقة جسديةً ـ كما إذا كان الماء في موضع بعيد ـ أو معنوية، كما إذا كان الماء ملكاً لشخص ولا يأذن بالتصرّف فيه إلّا أن يتذلّل له الإنسان ويعامله بما يشقّ عليه.

(4) الحالة الثالثة: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، وقد لا يكون بعيداً أيضاً ولكنّ محاولة الوصول إليه تعرّض الإنسان للضرر أو الخطر، كما إذا كان الإنسان في صحراء وكان الماء على مقربة من سباع مفترسة، أو كان الطريق إليه غير آمن لسبب أو آخر، أو كان الإنسان مريضاً ـ كالمصاب بالقلب ـ ويضرّ به صِحّياً التحرّك وصرف الجهد من أجل الوصول إلى الماء ولا يوجد من يستعين به.

(5) الحالة الرابعة: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، ولكنّه ملك لشخص لا يأذن لهذا المكلّف المريد للوضوء بالتوضّؤ منه إلّا إذا دفع ثمناً مجحفاً يضرّ بحاله من الناحية المالية.

(6) الحالة الخامسة: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، ولكنّ الوصول إليه يتوقّف على ارتكاب اُمور محرّمة، كما إذا كانت الآلة التي يستعملها

الصفحة 318

في الحصول على الماء مغصوبةً وإن كان الماء مباحاً.

ونلاحظ أنّ المكلّف في الحالة الاُولى لا يمكن أن يحصل منه الوضوء، فالواجب عليه هو التيمّم، وفي الحالات الأربع التالية (الثانية إلى الخامسة) قد يمكن أن يتوضّأ ولكنّ الشارع مع هذا لم يأمره به، بل سوّغ له التيمّم، لكنّ المكلّف إذا أصرّ على الوضوء وحصل على الماء متحمّلا كلّ المضاعفات والصعوبات وجب عليه عندئذ أن يتوضّأ به، وصحّ منه الوضوء.

عدم تيسّر استعمال الماء:

المسوّغ الثاني للتيمّم عدم تيسّر استعمال الماء على الرغم من وجوده وتوفّره، ونعني بعدم تيسّر استعمال الماء: إحدى الحالات التالية:

(7) الحالة الاُولى: أن يكون التوضّؤ أو الاغتسال من الماء لأجل الصلاة غير ممكن؛ لضيق الوقت عن استيعاب الوضوء والصلاة معاً، أو الغسل والصلاة معاً.

(8) الحالة الثانية: أن يكون التوضّؤ أو الاغتسال للصلاة ـ مثلا ـ ممكناً، ولكنّه مضرّ بالإنسان من الناحية الصحّية؛ نظراً لمرضه، أو لأيّ سبب آخر، والضرر الصحّي يشمل نشوء المرض وتفاقمه وطول أمده.

(9) الحالة الثالثة: أن يكون استعمال الماء في الوضوء أو الغسل ممكناً ولا ضرر صحّي، ولكنّه شاقّ على المكلّف وسبب للحرج، كما إذا كان الماء والجوّ بارِدَين بدرجة يتألم الإنسان عند استعمال ذلك الماء ألماً شديداً محرجاً له.

(10) الحالة الرابعة: أن يكون استعمال الماء في الوضوء أو الغسل يؤدّي إلى التعرض للعطش على نحو يوقع المتوضّئ في الخطر أو الضرر أو الحرج والألم الشديد.

الصفحة 319

وقد لا يكون المتعرّض لضرر العطش أو خطره نفس المتوضّئ شخصياً، بل شخصاً آخر ممّن تجب صيانته، أو كائناً حيّاً ممّن يهمّه أمره، أو يضرّه فقده كفرسه وغنمه، أو يجب عليه حفظه، كما إذا اُودع لديه حيوان.

(11) الحالة الخامسة: أن يكون على بدن المكلّف نجاسة، أو على ثوبه الذي لايملك غيره للستر الواجب في الصلاة وعنده ماء يكفي لإزالة النجاسة فقط أو للوضوء فقط، فيسوغ للمكلف أن يغسل بدنه وثوبه من النجاسة ويتيمّم للصلاة، كما يسوغ له أيضاً أن يتوضّأ ويصلّي في الثوب النجس، أو مع نجاسة البدن.

(12) ففي كلّ هذه الحالات يسوغ التيمّم. وإذا أصرّ المكلّف على الوضوء وتوضّأ على الرغم من الظروف المذكورة صحّ منه الوضوء في الحالة الثالثة والرابعة، وكذلك في الخامسة على ما تقدم.

وأمّا حكم الوضوء في الحالة الاُولى فقد تقدّم في الفقرة (10) من فصل الوضوء، كما تقدّم حكم الوضوء في الحالة الثانية في الفقرة (7) من فصل الوضوء.

ويجمع كلّ ما تقدم من الحالات العشر أن لا يتيسّر الوضوء لعجز أو لضرر، أو لمشقّة شديدة، أو رعاية لواجب آخر كالوضوء أو أهمّ منه.

(13) وإذا أخبر الثقة بعدم وجود الماء أخذ بخبره (1)، أو أخبر الطبيب الثقة بالضرر الصحّي(2) أخذ بقوله أيضاً، بل يكفي مجرّد احتمال الضرر الذي يبعث على الخوف والتردّد لدى الناس عادة.

 


(1) إن أورث كلامه الاطمئنان.
(2) إن أورث كلامه احتمال الضرر الذي يبعث على الخوف والتردد لدى الناس عادة.
الصفحة 320

وإذا كان المكلّف يائساً من وجود الماء في هذا المكان واحتمل بعد ذلك أنّه وجد لم يجب عليه الفحص، بل يعمل بيأسه السابق.

الصعيد الذي يتيمّم به:

(14) يجب التيمّم بوجه الأرض، أو ما كان مقتطعاً منها، على أن يكون طاهراً ومباحاً، سواء كان تراباً أو صخراً أو رملا أو طيناً يابساً.

بل يصحّ التيمّم بما تبنى به البيوت من جصٍّ(1) وآجر و (إسمنت) ما دامت موادّه مأخوذةً من الأرض وإن اُحرقت وصنعت، وكذلك ما يصنع من (الإسمنت) من قطع للبناء (الكاشي والموزائيك) إذا لم تكن مطليةً بطلاء خارجيّ غير مأخوذ من الأرض، والغالب فيها أنّها غير مطلية كذلك حتّى الملونة منها.

ويصحّ التيمّم بالرخام المعروف في الأوساط العراقية بـ (المَرمَر)(2).

وكلّ ما يصحّ التيمّم به لا فرق فيه بين أن يكون في الأرض أو جزءاً من جدار وحائط، فيسوغ للإنسان أن يتيمّم بالجدار، فيضرب يديه عليه إذا كان مكوّناً من بعض الأشياء التي ذكرناها.

(15) وليس من الضروريّ في صحّة التيمّم أن يترك الشيء الذي يتيمّم به أثراً منه في أعضاء التيمّم، فمن تيمّم بحجر نقيّ ومصقول صحّ منه هذا التيمّم (3).

(16) ويشترط في المادة التي يتيمّم بها:

 


(1) الجُصُّ: ما تطلى به البيوت من الكِلْس.(منه (رحمه الله)).
(2) الأحوط وجوباً الاقتصار في التيمم على التراب وأمّا الموادّ الصلبة المذكورة في المتن فلكي يصح التيمم بها يجب أن تدقّ حتى تصبح تراباً.
(3) مضى أنّ الأحوط وجوباً الاقتصار في التيمّم على التراب.
الصفحة 321

أوّلا: أن تكون كمّيةً واضحةً محسوسةً، لا من قبيل الغبار الذي يعني أجزاءً صغيرةً من التراب التي لايبدو لها حجم وإن كانت موجودةً في الواقع.

وثانياً: أن لا تكون مخلوطةً بالماء بدرجة تجعلها طيناً.

(17) فإذا لم يتوافر لدى المكلّف مادة بهذين الشرطين تيمّم بما تيسّر من غبار الأرض أو الطين، فإذا تيسّر الغبار والطين معاً قدّم الغبار على الطين، بمعنى أنّه يتيمّم عندئذ بالغبار لا بالطين (1). أجَل، إذا كان بالإمكان تجفيف الطين أو تجميع الغبار على نحو يصبح تراباً واضحاً محسوساً وجب ذلك، فإذا جفّ الطين أو تجمّع الغبار تيمّم به.

(18) ولا يسوغ التيمّم بما لا يصدق عليه اسم الأرض، كالذهب والحديد والفولاذ والنحاس والرصاص وما أشبه، أو كالفيروزج والعقيق واللؤلؤ والمرجان، أو كالملح والكحل والرّماد، وكلّ ما يؤكل ويلبس، وكذلك لا يسوغ التيمّم بالخشب، ولا بقطع البناء المطلية بغطاء زجاجيّ التي تستعمل في الحمّامات الحديثة عادة.

(19) وإذا اختلط التراب أو غيره من موادّ الأرض بعناصر غير أرضية


(1) وإن عجز حتّى عن الغبار والطين ولكن استطاع تبليل يده أو بدنه على شكل التدهين بمثل الثلج أو ماء غير كاف للغَسل فعل ذلك وصلّى ثمّ قضاها بعد تحصيل الماء. وإن كان لديه ما يدخل في حقيقة الأرض ولا يكون تراباً كالرخام وغير ذلك ولم يمكنه تحويله إلى التراب تيمّم به وصلّى ثمّ قضاها، وإذا توفّر له ما يكون من الأرض دون ما يكون من التراب وتوفّر لديه أيضاً الغبار أو الطين جمع بين التيمّم بالأوّل والتيمّم بالغبار إن كان، وإلّا فبالطين ولا قضاء عليه، وإذا توفّر له ما يكون من الأرض دون ما يكون من التراب وتمكّن أيضاً من مثل التدهين بالثلج جمع بينهما وصلّى ثمّ قضاها.
الصفحة 322

ـ كما إذا خلط بالملح مثلا ـ فلا يصحّ التيمّم به إلّا إذا كانت العناصر غير الأرضية ضئيلةً بدرجة يصدق معها على المادة كلّها اسم التراب أو الأرض (1).

(20) ومن عجز عن الحصول على مايسوغ التيمّم به صلّى بدونه احتياطاً ووجوباً (2)، ومتى قدر بعد ذلك على مايتطهّر به طهارةً مائيةً أو ترابيةً تطهّر وأعاد كلّ فريضة صلاّها بلا وضوء ولا تيمّم، كأنّه لم يصلّ من الأساس، وإذا لم يتح له أن يتطهّر بوضوء أو تيمّم إلّا بعد انتهاء وقت الصلاة فعليه القضاء.

صورة التيمّم:

(21) وهي: أن يضرب المتيمّم اختياراً بباطن كفّيه مجتمعتين على الأرض دفعةً واحدة، فلا يجزي مجرّد وضع الكفّين بلا ضرب، ولا الضرب بواحدة أو بهما على التعاقب، فيمسح بهما أيضاً مجتمعتين(3) تمام جبهته وجبينيه من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الذي يلي الحاجب مباشرة، والأحسن الأولى استحباباً أن يدخل الحاجبين في المسح، فيمسحهما أيضاً مع جبهته، ثمّ يمسح تمام ظاهر الكفّ اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع(4) يمسحها بباطن الكفّ اليسرى، ثمّ


(1) بل اسم التراب على الأحوط وجوباً كما مضى.
(2) لا يجب هذا الاحتياط، بل الاحتياط من جهة اُخرى في الترك؛ لاحتمال حرمة الدخول في الصلاة بلا طهور.
(3) التقارن بين اليدين في الضرب وفي المسح على الوجه حكم احتياطي.
(4) الجبهة: ما بين الحاجبين إلى منبت شعر الرأس من مقدّمه، والجبينان: هما عن يمين الجبهة وشمالها، وقصاص الشعر: مجرى المقصّ، وحيث ينتهي شعر منبت الرأس من مقدّمه، والزند: ما يوصل الذراع بالكفّ.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 323

يمسح تمام ظاهر الكفّ اليسرى إلى أطراف الأصابع بباطن الكفّ اليمنى تماماً، كما فعل بظاهر اليمنى.

ونريد بظاهر الكفّ: ماتلمسه من ظاهر إحدى كفّيك بكفّك الاُخرى عند إمرارها عليها ومسحها بها، فلا يجب أن يشتمل المسح ما بين الأصابع، ولا غيره ممّا لايلمس عادةً بوضع إحدى الكفّين على الاُخرى.

ويستحبّ أن ينفض يديه بعد ضربهما على الأرض وقبل المسح بهما (1).

وإذا امتدّ شعر الرأس إلى الجبهة أو الجبينين وجب رفعه عند المسح، أمّا ماينبت عليها بالذات فيكفي مسحه.

(22) وبهذا تبيّن أنّ الممسوح أربعة: الجبهة، والجبينان ـ والحاجبان على سبيل الأفضلية والاستحباب ـ وظاهر الكفّين، وأنّ الماسح باطن الكفّين، وكلّ ممسوح ممّا يجب مسحه لابدّ أن يستوعبه المسح بالكامل، ولكن لا يجب أن يكون هذا الاستيعاب بكلّ أجزاء الماسح، بل يكفي للجبهة ـ مثلا ـ المسح ببعض الكفّين، أي بعض الأجزاء من باطن الكفّين مجتمعتين على نحو تساهم كلّ من الكفّين في المسح.

(23) والواجب من الضرب على الأرض بباطن الكفين ضربةً واحدةً فقط، سواء كان التيمّم بدلا عن الوضوء أو عن الغسل، ولو ضرب مرّتين ـ واحدةً للوجه بالتحديد السابق، وثانيةً لظاهر الكفّين ـ كان خيراً وأولى، وعلى الأخص إذا كان التيمّم بدلا عن الغسل.

هذه هي صورة التيمّم شرعاً.


(1) إن علق بهما شيء كما في التيمّم بالتراب وجب النفض على الأحوط، وإن لم يعلق بهما شيء كما لو جوّزنا التيمّم بالرخام النقي فلا دليل على وجوب النفض، ولا على استحبابه.
الصفحة 324

(24) وقد يؤتى به ناقصاً من أجل تعذّر الصورة الكاملة فيصحّ، فمن قُطعت إحدى يديه فضرب على الأرض بالثانية الباقية، ومسح بها وجهه، ثمّ مسح ظهرها بالأرض كفاه ذلك، ومن قطع جزء من كفّه كان الجزء الباقي بمثابة الكفّ، ومن عجز عن الضرب بيديه اكتفى بوضعها على الأرض، ومن عجز عن مباشرة التيمّم حتى على هذا النحو يَمّمَه آخر قادر، على ان يكون الضرب والمسح بيد العاجز، لا بيد القادر.

وإذا تعذّر الضرب والمسح على الأرض بباطن الكفّين وأمكن ذلك بظاهرهما ضرب بظاهرهما ومسح به ما يجب مسحه من أعضاء التيمّم، وإذا كان على بعض أعضاء التيمّم جبيرة فحكمه حكم المتوضّئ إذا كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة، فيمسح عليها ويمسح بها على أساس أنّها تعتبر بمثابة ما تستره من بشرة الإنسان.

شروط التيمّم:

هنا شروط يجب مراعاتها في التيمّم، وهي كما يلي:

(25) أوّلا: إباحة الشيء الذي يتيمّم به وطهارته، كما تقدم في الفقرة (14) فلا يسوغ التيمّم بالتراب المتنجّس، أو بتراب يملكه الغير بدون إذنه.

(26) ثانياً: نية القربة؛ لأنّ التيمّم عبادة كما تقدم، وسواء كان التيمّم من أجل التعويض عن الوضوء أو من أجل التعويض عن الغسل لا يجب في نية التيمّم شيء سوى القربة إلى الله تعالى، وليس من الضروريّ أن ينوي كونه بدلا عن الوضوء، أو بدلا عن الغسل، أو كونه طهارةً اضطرارية.

أجَل، إذا كان قد حصل منه ما يوجب الوضوء وحصل أيضاً ما يوجب الغسل ولم يتيسّر له الوضوء والغسل كان عليه تيمّمان، ووجب في كلٍّ منهما أن

الصفحة 325

يعيّنه ويميّزه عن الآخر، بأن ينوي ـ مثلا ـ بأحدهما التعويض عن الوضوء، وبالآخر التعويض عن الغسل (1).

(27) ثالثاً: أن يأتي بأفعال التيمّم حسب تسلسلها وترتيبها المقرّر سابقاً، فيبدأ بالضرب، ثمّ يمسح الوجه على التحديد السابق، ثمّ يمسح ظاهر الكفّ اليمنى، وأخيراً يمسح ظاهر الكفّ اليسرى، فلو خالف وقدّم وأخّر لم يكفِهِ ذلك.

(28) رابعاً: أن يباشر المكلّف المسؤول بنفسه عملية التيمّم مع التمكّن من ذلك.

(29) خامساً: عدم وجود الحائل والحاجب على العضو الماسح أو العضو الممسوح. وعلى هذا الأساس يجب نزع الخاتم عند التيمّم؛ لأنّه حاجب وحائل.

(30) سادساً: التتابع بين الضرب بالكفّين ومسح الأعضاء، وعدم الفصل الطويل بين الضرب على الصعيد والمسح على النحو الذي يؤدّي إلى عدم الارتباط بين الضرب والمسح عرفاً.

(31) سابعاً: أن يكون المكان الذي يشغله المتيمّم عند التيمُّم مباحاً، فإذا


(1) إن كان ذلك الغسل عبارةً عن غسل الجنابة فالتيمّم عنه يكفي عن التيمّم عن الوضوء، كما يكفي عن أصل الوضوء لو كان متمكناً منه وغير متمكن من الغسل، وهذا الفرض خارج عن مفروض المتن هنا؛ لكفاية التيمّم البديل عن غسل الجنابة عن الوضوء وعن التيمّم بدل الوضوء كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في الفقرة (35)، فمفروض المتن هنا إنّما هي الأغسال الاُخرى.
وإذا اجتمع حدثان على الشخص يوجب كلّ واحد منهما الغسل كفاه تيمّم واحد؛ لقاعدة التداخل، فمقصود المتن هنا هو أنّه لو اجتمع الحدث الأصغر مع حدث أكبر غير الجنابة وجب تيمّمان: أحدهما عن الغسل والآخر عن الوضوء، وتعيّن التمييز بينهما بالنيّة.
الصفحة 326

غصب دار غيره وتيمّم فيها بطل تيمّمه، حتّى ولو كان التراب الذي يتيمّم به ملكاً شخصياً له.

(32) وهناك اُمور يحسن بالمتيمّم استحباباً تحقيقها، وهي:

أوّلا: أن تكون أعضاء التيمّم طاهرة، وليس من الضروري طهارة جميع البدن من النجاسة، بل تكفي طهارة تلك الأعضاء فقط.

ثانياً: أن يبدأ مسح الوجه من منابت الشعر إلى أسفل، ويبدأ مسح الكفّ من الزند إلى أطراف الأصابع، فلو مسح من الحاجب إلى أعلى أو من أطراف الأصابع إلى الزند لم يحسن صنعاً.

ثالثاً: أن يكون التيمّم للصلاة بعد دخول وقتها.

ولو لم يوفّر المتيمّم هذه الاُمور ووفّر الشروط الواجبة التي ذكرناها سابقاً كفاه ذلك.

نواقض التيمّم:

(33) التيمّم إذا كان بديلا عن الوضوء انتقض بكلّ ماينقض الوضوء ويوجبه، وينتقض إضافةً إلى ذلك بتيسّر الوضوء، شريطة أن تبقى هذه القدرة أمداً يتّسع للطهارة، بمعنى أنّه ينتهي حينئذ مفعول التيمّم، ويكون المكلّف بحاجة إلى الوضوء.

وإذا تيسّر الوضوء برهةً كافيةً من الزمن فلم يبادر المكلّف إلى الوضوء ثمّ تعذّر عليه الوضوء لم يجزِ للمكلف أن يعتمد على تيمّمه السابق، بل لابدّ أن يجدّد التيمّم؛ لأنّ تيمّمه السابق قد انتقض بتيسّر الوضوء.

(34) وإذا كان التيمّم بديلا عن الغسل انتقض بكلّ ما ينقض الغسل ويوجبه، وينقض إضافةً إلى ذلك بتيسّر الغسل، بمعنى انتهاء مفعول التيمّم بذلك،

الصفحة 327

ويكون المكلّف بحاجة إلى الغسل، ولا ينتقض هذا التيمّم البديل عن الغسل بما يوجب الوضوء (الحدث الأصغر)، فلو تيمّم الجنب ـ مثلا ـ ثمّ نام أو بال بقي تيمّمه عن الجنابة نافذ المفعول، وعليه أن يتوضّأ من أجل البول او النوم إن كان متيسّراً، وإن لم يتيسّر الوضوء تيمّم بدلا عنه.

وكذلك إذا تيمّمت الحائض بدلا عن غسل الحيض ثمّ نامت أو بالت فإنّها لا تعيد تيمّمها هذا، وإنّما عليها أن تتوضّأ إن أمكن، وإلّا تيمّمت بدلا عن الوضوء.

(35) وقد يعدم الإنسان الماء ويحصل منه ما يوجب الغسل، كمسّ الميّت، ويحصل منه أيضاً ما يوجب الوضوء كالبول والنوم، فيتيمّم مرّتين: إحداهما بدلا عن غسل المسّ، والاُخرى بدلا عن الوضوء؛ نظراً إلى أنّ التيمّم بدلا عن غسل مسّ الميّت لا يجزي عن الوضوء.

ونفترض أنّه بعد ذلك يجد الماء فله حالات:

الاُولى: أن يجد ماءً يكفي للغسل والوضوء معاً، فينتقض كلا التيمّمين، وعليه أن يغتسل ويتوضّأ (1).

الثانية: أن يجد ماءً يكفي للوضوء خاصّةً، فيبقى تيمّمه عن غسل مسّ الميت نافذ المفعول، وينتقض التيمّم الآخر، وعليه أن يتوضّأ.

الثالثة: أن يجد ماءً يكفي للغسل ولا يكفي للغسل والوضوء معاً، وفي هذه الحالة ينتقض كلا التيمّمين، ويجب عليه أن يغتسل لمسّ الميّت، وكفاه ذلك عن الوضوء؛ لما تقدّم من إجزاء هذا الغسل عن الوضوء في الفقرة (5) من فصل الغسل.


(1) بل يكفيه الغسل.
الصفحة 328

حول الخلل في التيمّم:

(36) إذا تيمّم المكلّف ثمّ علم بأنّه لم يأتِ به بالصورة المطلوبة شرعاً وجبت عليه إعادته، وإذا علم بأنّه لم يأتِ بالجزء الأخير من التيمّم ـ مثلا ـ (المسح على ظهر الكفّ اليسرى) مسح عليها إن لم يكن قد مضى على التيمّم وقت طويل، وإلّا أعاد التيمّم من الأساس.

(37) وقد يشكّ ويتردّد المتيمّم وهو يؤدّي عملية التيمّم، أو بعد أن يخلو منها ويفرغ، ويتساءل في نفسه، هل ذهلت وغفلت ـ يا ترى ـ عن واجب من واجبات التيمّم، أو أدّيته بالتمام والكمال؟ فماذا يصنع؟

والجواب عن هذا التساؤل يستدعي التفصيل تبعاً لحال المتيمّم وشكّه، فإن كان قد أتى بكامل أجزاء التيمّم أو بعضها ثمّ شكّ في أنّ ما أتى به هل اُدِّيَ بصورة صحيحة، أوْ لا؟ فلا أثر لشكّه، بل يبني على أنّ ما وقع منه صحيح.

ومثال ذلك: أن يمسح بكفّيه جبهته، ثمّ يشك في أنّه هل مسح جبينه أيضاً، أو لا؟ فلا أثر لهذا الشكّ، بل يكمل تيمّمه.

ومثال آخر: أن يمسح كفّه، ثمّ يشكّ في أنّه هل استوعب ظاهرها بالمسح، أوْ لا (1)؟.

وإن شكّ المتيمّم في ضرب يديه على الأرض من الأساس قبل أن يبدأ بمسح جبهته، أو في مسح جبهته قبل أن يبدأ بمسح ظهر كفّه اليمنى، أو في مسح ظهر كفّه اليمنى قبل أن يبدأ بمسح ظهر كفّه اليسرى قبل أن تطول المدّة ويفوت


(1) كون هذين مثالاً للشك في الصحّة لا في الجزء بحيث تجري القاعدة لإثبات الصحّة بلا حاجة إلى تجاوز المحلّ قابل للتأمّل، فلا يترك الاحتياط بالتدارك مادام الشك شكّاً قبل تجاوز المحلّ.
الصفحة 329

التتابع وجب عليه أن يؤدّي ما شكّ فيه.

وإن شكّ المتيمّم في ضرب يديه على الأرض من الأساس بعد أن بدأ بمسح جبهته فليس شكّه بشيء، بل يواصل تيمّمه، وكذلك إذا شكّ في مسح جبهته بعد أن بدأ بمسح كفّه اليمنى، أو شكّ في مسح كفّه اليمنى بعد أن بدأ بمسح كفّه اليسرى، أو شكّ في مسح كفّه اليسرى بعد مدّة طويلة من الانصراف عن التيمّم.

(38) وأحكام الشكّ في أنّه هل تيمّم أو لا؟ أو في أنّ هذا التيمّم انتقض أو لا؟ أو في أنّ هذه الصلاة التي يصلّيها، أو التي صلاّها وفرغ منها هل تيمّم لها أو لا؟ أو في وجود الحاجب على العضو الماسح أو العضو الممسوح، كأحكام الشكّ المناظر في الوضوء تماماً، وقد تقدّم بيان تلك الأحكام في الفقرات (96) و (98) و (99) و (102) و (103).

أحكام التيمّم:

نلاحظ على ضوء ما تقدّم أنّ الحالات التي يسوغ فيها التيمّم ـ وهي عشر حالات ـ يمكن تصنيفها على أساس الأحكام إلى قسمين:

أحدهما: ما كان عدم تيسّر استعمال الماء فيه من أجل ضيق وقت العمل الذي يراد الوضوء له، ولولا ذلك فالماء موفور، والمكلّف سليم ومعافى.

والآخر: ما كان عدم تيسّر استعمال الماء فيه من أجل الأسباب الاُخرى التي فصّلناها في سائر الحالات، من قبيل عدم توفّر الماء، أو كون الإنسان مريضاً، ونحو ذلك.

وهذان القسمان يختلفان في الأحكام.

(39) فالقسم الأول يكون التيمّم فيه مسوّغاً ومعوّضاً عن الوضوء أو

الصفحة 330

الغسل بالنسبة إلى ذلك العمل الذي ضاق وقته، سواء كان ذلك العمل فريضةً واجبةً كصلاة الفجر ـ مثلا ـ أو عبادةً مستحبةً لها وقت وقد ضاق وقتها ولم يتّسع للوضوء، كصلاة الليل، أو عملا واجباً على سبيل الفور، كما إذا وجب على الجنب دخول المسجد فوراً لإنقاذ حياة إنسان يتعرّض للخطر فيه ولم يكن الوقت متّسعاً للغسل فيتيمّم ويدخل، أو وجب على غير المتوضّئ أن يمسّ فوراً كتابة المصحف الشريف لإنقاذه من التردّي في النجاسة ولم يسمح الوقت بأكثر من التيمّم، ففي كلّ هذه الحالات يسوغ بالتيمّم ذلك العمل الذي ضاق وقته. ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن تكون الطهارة شرطاً ضرورياً في ذلك العمل الذي ضاق وقته ـ كما في الأمثلة المتقدّمة ـ أو شرطاً كمالياً(1)، كالتيمّم للصلاة على الميّت إذا ضاق وقتها ولم يجز تأخير الجنازة، فإنّ للمريض أن يتيمّم ويصلّي على الميت، ولا يسوغ بالتيمّم في هذا القسم غير ذلك العمل الذي ضاق وقته، فلا يجوز لمن يتيمّم لصلاة الليل ـ على النحو الذي ذكرناه ـ أن يكتفي بهذا التيمّم لأداء صلاة الفجر، أو لمسّ كتابة المصحف الشريف.

(40) والقسم الثاني يكون التيمّم فيه معوّضاً عن الوضوء أو الغسل بالنسبة للاُمور التالية:

أوّلا: لممارسة ما يحرم على غير المتوضّئ أو غير المغتسل من مسّ كتابة المصحف، أو دخول المساجد وقراءة آيات السجدة، وغير ذلك.

ثانياً: للكون على الطهارة.


(1) تكون الطهارة شرطاً ضرورياً للعبادة حينما لا تصحّ هذه العبادة بدونها، بل تقع باطلةً وتكون شرطاً كمالياً حينما تصحّ العبادة بدونها، ولكنّ وقوعها مع الطهارة أفضل، كالصلاة على الأموات فإنّها جائزة وصحيحة بدون طهارة، ولكنّها مع الطهارة أفضل.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 331

ثالثاً: لممارسة كلّ عبادة مؤقّتة تشترط فيها الطهارة، أو تستحبّ من أجلها الطهارة إذا كان عدم تيسّر استعمال الماء مستمرّاً في وقتها بكامله، كالظهرين بالنسبة إلى المريض المستمرّ مرضه من الظهر إلى المغرب.

رابعاً: لممارسة كلّ عبادة تشترط فيها الطهارة، أو تستحبّ من أجلها الطهارة وغير مؤقّتة، كالمريض يريد أن يصلّي صلاة جعفر، أو الجنب يريد أن يقرأ سور العزائم التي فيها آيات السجدة فإنّ له أن يتيمّم ويصلّي ويقرأ.

ويستثنى من ذلك: العبادة التي يكون المطلوب من المكلّف الإتيان بها مرّةً واحدةً وبإمكانه أن يؤدّيها بعد شفائه من مرضه بالوضوء، كصلاة القضاء فإنّ المريض إذا كان عليه صلاة قضاء فلا يكتفي بالتيمّم لها في حال مرضه والإتيان بها متيمّماً؛ لأنّها صلاة موسّعة لا وقت لها، وبإمكانه تأجيلها إلى ما بعد الشفاء.

وقد تقول: إنّ صلاة جعفر أيضاً عبادة موسّعة ولا وقت لها، فما الفرق بينهما ؟

والجواب: أنّ صلاة جعفر ـ مثلا ـ ليس المطلوب منها مرّةً واحدةً فقط، بل هي مطلوبة في كلّ حين، فالمريض لو لم يرخّص له في أن يصلّي هذه الصلاة بالتيمّم فقد فاته شيء من المطلوب، وخلافاً لذلك من عليه القضاء فإنّ المطلوب في القضاء مرّة واحدة، وهي تحصل بعد الشفاء. أجَل، إذا كان المرض أو أيّ عائق آخر عن استعمال الماء مستمرّاً دائماً كان له أن يتيمّم ويقضي.

(41) وكلّما تيمّم المكلّف لأحد الاُمور التي يسوّغها التيمّم جازت له سائر تلك الاُمور، فمن كان مريضاً فأجنب وتيمّم لصلاة الليل كان له أن يصلّي بذلك التيمّم صلاة الفجر ونافلته، وأن يقرأ سور العزائم، وأن يصلّي صلاة جعفر، وهكذا حتّى ينتقض تيمّمه بشيء ممّا ينقض التيمّم على ما تقدّم.

الصفحة 332

(42) وإذا دخل وقت الصلاة على المكلّف وهو لا يتيسّر له الطهارة المائية: فإن كان على يقين بأنّه ستُتاح له الطهارة المائية في الفترة الأخيرة من الوقت أخّر الصلاة إلى ذلك الحين لكي يتوضّأ أو يغتسل، فإذا أخّر صلاته وصادف أنّ العذر استمرّ على خلاف اعتقاده تيمّم وصلّى.

وأمّا إذا لم يكن عند دخول الوقت على يقين بأنّ الطهارة المائيّة ستُتاح له في آخر الوقت أمكنه أن يبادر إلى الصلاة فيتيمّم ويصلّي، حتّى ولو لم ييأس من تيسّر الطهارة المائية في المستقبل، ولكن إذا تيسّر له استعمال الماء بعد الصلاة وفي الوقت متّسع لإعادتها ثانيةً مع الوضوء أو الغسل توضّأ أو اغتسل وأعاد، وإذا استمرّ به العذر إلى أن انتهى وقت الصلاة ثمّ تيسّر له استعمال الماء لم يجب عليه أن يقضي مامضى من صلاته (1).

(43) وقد يكون على المكلّف صلاة قضاء وهو فعلا ممّن لايتيسّر له الوضوء ـ كالمريض مثلا ـ ولا يدري عن مستقبله شيئاً فهل يسوغ له أن يتيمّم ويقضي، أو ينتظر حتّى يحصل له اليأس من الشفاء ؟


(1) تعرّض المتن لحكم ما إذا كان على يقين بأنّه ستتاح له الطهارة المائيّة في الفترة الأخيرة من الوقت، وحكم ما إذا لم يكن على يقين بذلك.وقد يتفق أنّه يكون على يقين بأنّه سوف لن تتاح له هكذا فرصة فيتيمّم ويصلّي، ولكن يصادف خطأ يقينه فيزول العذر في أثناء الوقت، ولعلّ هذه الصورة مقصودة من المتن ضمن الصورة الثانية فيحكم فيها بوجوب الإعادة في الوقت كما حكم بذلك في الصورة الثانية، ولكنّ الصحيح عندنا في الصورة الثالثة عدم وجوب الإعادة.وكذلك الحال لو كان شاكّاً في استيعاب العذر لتمام الوقت وعدمه وأخّر الصلاة برجاء ارتفاع العذر إلى أن خشي فوات الوقت فبادر بالتيمّم والصلاة ثمّ ارتفع العذر وقد كانت من الوقت بقيّة باقية، فهنا أيضاً لا تجب الإعادة، وفي كلتا الصورتين يكون الأحوط والأفضل الإعادة.
الصفحة 333

والجواب: أنّه يسوغ له أن يتيمّم ويقضي، وحينئذ إذا تيسّر له بعد ذلك استعمال الماء لم يكتفِ بما أتى به. وأمّا إذا كان على يقين من البداية بأنّه سيُشافى من مرضه ويتيسّر له الوضوء في المستقبل فعليه الانتظار. وفي الحالات التي قلنا فيها: إنّه يؤجّل صلاته إلى حين يتيسّر له استعمال الماء لا نعني بذلك أنّه لا يسوغله التيمّم لغاية اُخرى، فالجنب المريض الذي لا يتمكّن من الغسل في بداية وقت صلاة الفريضة وهو على علم بأنّه سيتمكن من ذلك في آخر الوقت يمكنه أن يتيمّم فعلا، لا من أجل صلاة الفريضة، بل من أجل أن يُتاح له فعلا دخول المساجد ومسّ كتابة المصحف، ونحو ذلك.

(44) وإذا تيمّم الجنب بدلا عن غسل الجنابة كفاه ذلك عن الوضوء، ما لم يحصل بعد التيمّم ما يوجب الوضوء، وإن حصل شيء من ذلك توضّأ إن كان الوضوء ميسوراً، وإلّا تيمّم.

(45) وكلّ من حصل له سوى الجنابة من موجبات الغسل ـ كمسّ الميّت وغيره ـ وكان في نفس الوقت قد حصل لديه أيضاً ما يوجب الوضوء قبل ذلك أو بعده ولم يتيسّر له الغسل فعليه أن يتيمّم بدلا عن الغسل، ولا يكفيه ذلك عن الوضوء، بل عليه أيضاً أن يتوضّأ إن أمكنه ذلك، وإلّا تيمّم بدلا عن الوضوء أيضاً.

وكلّ من كان على وضوء وحصل لديه ما يوجب الغسل كالمتوضّئ يمسّ ميّتاً ولم يُتَحْ له أن يغتسل فتيمّم لم يحتج إلى وضوء أو تيمّم بدلا عنه؛ لأنّ وضوءه لا يزال باقياً.

(46) ومن وجب عليه أكثر من غسل واحد، كالرجل يمسّ ميّتاً ويجنب، والمرأة تبرأ من حيضها وتمسّ ميّتاً، ويعجز كلّ منهما عن الغسل فهل يكفي تيمّم

الصفحة 334

واحد عن الغسلين، أو لابدّ من التعدّد والتكرار بعد الموجب للغسل ؟

الجواب: يكفي تيمّم واحد، كما كان يكفي غسل واحد للأمرين معاً، على ما تقدم في الفقرة (6) من فصل الغسل.

وإذا كان أحد الأغسال الثابتة على هذا المتيمّم غسل الجنابة لم يحتج إلى وضوء أو تيمّم بديل عنه، وأمّا إذا لم يكن منها غسل الجنابة فلابدّ إضافةً على التيمّم عن الأغسال إلى وضوء أو تيمّم بديل عنه إذا كان أحد موجبات الغسل موجباً للوضوء أيضاً، كالاستحاضة الوسطى، أو كان قد حصل منه ما يوجب الوضوء خاصّةً، كالبول أو النوم.

الصفحة 335

الطهارة

5

أنواع النجاسات

 

 

○   الأعيان النجسة.

○   الأشياء المتنجّسة.

○   أحكام الشكّ في السراية.

○  أحكام تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها.

 

 

الصفحة 337

النجاسة لغةً: القذارة، وشرعاً: ما يجب على المسلم أن يتنزّه عنها، ويغسل ما يصيبه منها عند الصلاة. وفي مقابل النجاسة الطهارة، وقد تسمّى النجاسة بالخبث، وتسمّى الطهارة منها بالطهارة الخبثية، أي الطهارة من الخبث، كما تقدم في فصل أحكام الماء.

(1) وكلّ جسم فهو طاهر شرعاً لا يجب التنزّه عنه، باستثناء الأعيان النجسة، أو الأشياء التي تتنجّس بسبب تلك الأعيان.

ونريد بالأعيان النجسة: أشياء معيّنةً حكمت الشريعة بأنّها نجسة وقذرة بطبيعتها بصورة أصيلة، أي لم تكتسب هذه النجاسة من الملاقاة لشيء آخر قذر.

ونريد بالأشياء التي تتنجّس بها: أشياء طاهرةً بطبيعتها، ولكنّها تكتسب النجاسة بالملاقاة لشيء نجس أو قذر، ويسمّى أحدها بالمتنجّس تمييزاً له عن عين النجس، فالبول عين النجس، ويدك التي يصيبها البول شيءمتنجّس.

ونبدأ الكلام هنا عن الأعيان النجسة، واستعراض أنواعها، وبيانها بالكامل كالآتي:

الصفحة 338

[ الأعيان النجسة:]

(2) الأول والثاني: البول والعذرة، كلّ ما يطلق عليه اسم البول أو الغائط (أردأ الفضلات التي تخرج من الإنسان وغيره من الحيوانات بسبب الطعام والشراب) فهو نجس عيناً، ولا يطهر بحال، ولا فرق في النجاسة بين ما إذا خرجت هاتان الفضلتان من القبل والدبر، أو من غيرهما، بصورة اعتيادية أو بصورة غير اعتيادية، فإنّهما نجستان على أيّ حال، ويستثنى منه ما يلي:

(3)أوّلا: فضلات الطير بأقسامه فإنّها طاهرة، سواء كان لحم الطير ممّا يسوغ أكله شرعاً كالحمام، أو ممّا لا يؤكل كالبازي.

(4)ثانياً: فضلات كلّ حيوان يسوغ أكل لحمه شرعاً، سواء كان طيراً أو من سائر أصناف الحيوانات، كالغنم والبقر والإبل والدوابّ والخيل والبغال والدجاج وغير ذلك، شريطة أن لا يعيش الحيوان على العذرة أمداً حتّى يشتدّ لحمه، وإلّا حرم من أجل ذلك، وكانت فضلاته نجسةً ما دام على هذا النحو.

(5) ثالثاً: فضلات الحيوانات التي ليس لها لحم عرفاً فإنّها طاهرة، حتّى ولو لم يكن أكلها سائغاً شرعاً، كفضلات العقرب والخنفساء (1).

(6) إذا أصابت الثوب فضلة ولم نعلم بأنّها نجسة، أو من الأنواع المستثناة


(1) وهناك قسم رابع، وهو فضلات حيوان ذي لحم غير ذي نفس سائلة كالسمك، فإن كان محلّل الأكل فقد دخل في القسم الثاني فلا إشكال في طهارة فضلاته، وإن كان محرّم الأكل كالسمك الذي لا فلس له فلا إشكال في طهارة خرئه، وكذلك لا إشكال في طهارة بوله لو لم يكن له وجود متميّز عن الخرء بأن كان بوله يندفع كرطوبات مع الخرء ولا يتميّز في إحساسنا عنه، أمّا لو كان له بول مستقلّ عن الخرء ومتميّز عنه فمقتضى الاحتياط الاجتناب عنه، وعلى أيّ حال فأصل وجود شيء من هذا القبيل غير واضح.
الصفحة 339

فهناك حالات:

الاُولى: أن يكون المكلّف على يقين بأنّها فضلة حيوان لا يسوغ أكل لحمه، ولكن لا يدري هل هو من نوع الطيور أو من أصناف الحيوانات الاُخرى (1)؟ وفي هذه الحالة يحكم بنجاستها شرعاً.

الثانية: أن لا يعلم بأنّ هذه الفضلة هل هي لحيوان يسوغ أكل لحمه أو لحيوان لا يؤكل لحمه شرعاً؟ وفي هذه الحالة الحكم هو الطهارة.

الثالثة: أن لا يعلم بأنّ هذه الفضلة هل هي لحيوان ليس له لحم أو لحيوان لهلحم؟ وفي هذه الحالة الحكم هو الطهارة أيضاً.

(7) الثالث: المني نجس من الإنسان ومن كلّ حيوان، سواء كان ممّا يسوغ أكل لحمه، أم لا. ويستثنى من ذلك: الحيوانات التي لا يجري دمها من العروق بدفع وقّوة، وإنّما يجري رشحاً كالسمك والحشرات، فإنّ هذه الحيوانات إذا كان لها مني فهو طاهر، ويعرف عادةً أنّ دم الحيوان يجري بدفع وقوة أوْ لا حِين يذبح فيرى كيفية اندفاع الدم.

ومني الرجل واضح، وأمّا المرأة فقد سبق أنّه لا دليل على أنّ لها منياً، ولكنّها مع هذا تغتسل وتطهّر بدنها وثيابها من كلّ ماء تحتاط بالجمع بسببه بين غسل الجنابة والوضوء، على ما تقدم في الفقرة (34) من فصل الغسل (2).

 


(1) الظاهر أنّ مقصوده(رحمه الله): هو فرض تردّد فرد معيّن من الحيوان بين كونه طائراً وعدمه، أمّا لو كانت الفضلة مردّدةً بين انتمائها إلى ما نعلم كونه طائراً وانتمائها إلى ما نعلم عدم كونه طائراً فلا وجه للحكم بنجاستها.
(2) تقدّم منّا عدم وجوب الغسل عليها؛ بسبب خروج الرطوبات، ونقول هنا أيضاً: إنّه لا دليل على نجاسة تلك الرطوبات.
الصفحة 340

(8) وقد يخرج من قُبل الإنسان أشياء اُخر غير المني والبول، وهي: المذي والوذي والودي. وقد تقدم تفسيرها في الفقرة (80) من فصل الوضوء، وهذه الأشياء طاهرة، ولا يجب غسل الموضع منها.

(9) الرابع والخامس: الكلب والخنزير.

الكلب والخنزير نجسان عيناً وذاتاً بكلّ ما فيهما، حتّى العظم والشعر والسنّ والظفر، حيّين وميّتين، من غير فرق بين الكلب المسيّب والكلاب المستخدمة في الحراسة، أو المدرّبة على الصيد، أو الممرّنة على اكتشاف الجرائم، أو غير ذلك من الكلاب.

ولا تشمل النجاسة كلب البحر ولا خنزير البحر، وهما حيوانان بحريان يطلق عليهما اسم الكلب والخنزير تشبيهاً لهما بالكلب والخنزير البرّيّين.

(10) وما عدا الكلب والخنزير من الحيوانات طاهر على اختلاف أصنافها، حتّى الثعلب والأرنب والعقرب والفأرة.

(11) السادس: المِيتَة.

قد يكون الحيوان نجساً بالذات كالكلب والخنزير على ما تقدم، فإذا مات تضاعفت النجاسة وتعاضدت بتعدّد السبب.

والكلام هنا حول الحيوان الطاهر ما دام حياً، فإن مات تنجّس بالموت فقط. فكلّ حيوان طاهر إذا مات أصبح نجساً، ويسمّى بالميتة، ونقصد بالميتة أو الحيوان الميّت: ما مات بدون أن يذبح على الوجه الشرعي، من غير فرق بين أن يكون قد مات موتاً طبيعياً، أم قتلا، أم خنقاً، أم ذبحاً على غير الوجه الشرعي، أم غير ذلك. وأيضاً لا فرق بين أن يكون مأكول اللحم أم غير مأكول.

وأمّا ما ذبح على الطريقة الشرعية فهو طاهر، ويسمّى بالمذكّى.

(12) ويستثنى من نجاسة الميتة: الحيوان الذي تقدم أنّ منيّه طاهر، وهو