جميع الصفحات: 827 صفحة
من صفحة:

عدد الصفحات:

المؤلفات > الفتاوى الواضحة

الصفحة 203

(66) يجب نزع الجبيرة ورفعها عن الجرح والقرح والكسر عند أمن الضرر وعدم الخوف منه، وإلّا بقيت في مكانها ما دام الخوف قائماً، ويجري عليها جميع مايخصّها من أحكام، حتّى مع احتمال الشفاء.

آثار وضوء الجبيرة وأحكامه:

(67) إذا دخل وقت الصلاة وكان صاحب الجبيرة يعتقد بأنّه سيبرأ في آخر الوقت ويصبح متمكّناً من الوضوء الكامل وجب عليه أن ينتظر إلى الفترة الأخيرة من الوقت؛ لكي يبرأ ويتوضّأ بالطريقة الاعتيادية ويصلّي، ولو استعجل والحالة هذه وتوضّأ في الوقت الأول وضوء الجبيرة وصلّى لم يكفِهِ ذلك.

وإذا دخل وقت الصلاة وكان صاحب الجبيرة يعتقد أو يظنّ أنّ عذره باق ومستمرٌّ حتّى آخر وقت الصلاة، أو يخشى أن يكون كذلك جاز له في هذا الفرض أن يبادر إلى الصلاة في وقتها الأول، ولكن إذا صلّى وزال العذر في أثناء الوقت المؤقّت للصلاة خلافاً لظنّه أو ترقبه أعاد الوضوء والصلاة.

(68) وإذا توضّأ المريض وضوء الجبيرة وصلّى واستمرّ به المرض والعذر إلى نهاية الوقت، ثمّ برأ بعد ذلك وهو لم يذهب إلى الغائط ولم يصدر منه شيء من نواقض الوضوء فهل يمكنه أن يصلّي الصلوات الجديدة اعتماداً على ذلك الوضوء؟

الجواب: كـلاّ، بل يتوضّأ من جديد وضوءً كاملا ثمّ يصلّي.

(69) وإذا انتهى وانقضى السبب الموجب والمبرّر لبقاء الجبيرة قبل انتهاء وقت الصلاة، ولكن صادف أنّ عملية رفعها وإزالتها تستغرق أمداً غير قصير بحيث يفوت معه وقت الصلاة المفروضة، ولكن يمكنه التيمّم، إن صادف ذلك

الصفحة 204

لا يجوز الوضوء ويجب التيمّم.

(70) وإذا اعتقد الضرر في غسل العضو فوضع الجبيرة عليه وعمل بموجبها في وضوئه، ثمّ تبين وانكشف العكس، وأنّه لا ضرر في الواقع ولا موجب للجبيرة من الأساس بطل وضوؤه.

(71) وإذا انعكس الفرض السابق فاعتقد بأنّه لا ضرر ولا حاجة للجبيرةفتركها وتوضّأ تماماً كالسليم المعافى، ثمّ تبيّن وانكشف وجود الضرر في الواقع، وأنّ أحكام الجبيرة من واجباته ووظائفه فهل يصحّ منه الوضوء والغسل في هذا الفرض؟

والجواب: هنا يقتضي التفصيل بين أن يكون الضرر المنكشف يسيراً يمكن الصبر عليه عادةً، فعلى هذا يصحّ الغسل والوضوء(1)، وبين أن يكون الضرر المنكشف خطيراً يحرم شرعاً تحمّله والصبر على شدّته فيبطل الوضوء.

(72) وكذلك يجري هذا التفصيل في حقّ من اعتقد وجود الضرر وأنّ وظيفته أن يعمل بالجبيرة وحكمها، ومع ذلك تركها وتوضّأ، أو اغتسل ثمّ تبيّن الخطأ في اعتقاده، وأنّه لا ضرر ولا حاجة للجبيرة، وبكلام آخر: إن كان قد اعتقد وجود الضرر اليسير صحّت أعماله، وإن كان قد اعتقد وجود الضرر الخطير المحرّم بطلت(2).

 


(1) بل عليه الاحتياط بالإعادة جبيرةً.
(2) المقياس هو اعتقاد الحرمة أو احتمالها، فإن اعتقد الحرمة أو احتملها بطل وضوؤه باختلال قصد القربة، سواء كان يعتقد كون الضرر خطيراً أم لا، وإن كان يعتقد عدم الحرمة صحّ وضوؤه، وكأنّ هذا هو مقصود اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) رغم أنّ العبارة قد توهم غير ذلك.
الصفحة 205

(4) في ما يجب الوضوء له ويستحبّ

 

(73) الوضوء في نفسه طاعة ومستحبّ، وبه يُتقرّب إلى الله ومرضاته. وفي نفس الوقت هو واجب لغيره، حيث يجب للصلاة الواجبة والمستحبّة(1) أداءً وقضاءً، ولصلاة الاحتياط(2)، وأجزاء الصلاة المنسية، وأيضاً يجب لصلاة الطواف، ولطواف المعتمر أو الحاجّ. وتسمّى هذه الأشياء بالغايات الواجبة للوضوء، بمعنى أنّها لا تصحّ ولا تستساغ بدونه.

(74) ويستحبّ للطواف المستحبّ، ولأيّ فعل من أفعال الحجّ، وللدعاء، ولتلاوة القرآن الكريم، ولصلاة الجنائز، وللمكث في المساجد، وزيارة العتبات المقدّسة.

وتسمّى هذه الأشياء بالغايات المستحبّة للوضوء؛ لأنّها بدون وضوء طاعة أيضاً، وإن كانت مع الوضوء أكمل وأفضل.

(75) وقد مرّ بنا في شروط المتوضّئ أنّ نية القربة شرط لا يصحّ الوضوء بدونها، وهي تحصل بأن يأتي بالوضوء قربةً إلى الله تعالى: إمّا لأنّه مطلوب في نفسه، أو لأنّه يريد بذلك إيجاد إحدى غاياته الواجبة أو المستحبّة.

 


(1) أي أنّ الوضوء واجب حتّى للصلاة المستحبّة، ومعنى هذا أنّ الصلاة المستحبة لا تصحّ بدون وضوء، فلا يجوز للمكلف أن يصلّي صلاةً مستحبةً بدون وضوء، وإن كان بإمكانه أن يترك الصلاة المستحبة رأساً.(منه (رحمه الله)).
(2) صلاة الاحتياط: صلاة تتأ لّف من ركعة واحدة أو ركعتين، شرّعت من أجل معالجة بعض حالات الشكّ في الصلاة، لاحظ الفقرة (66) و (82) من فصل الأحكام العامة للصلاة.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 206

والوضوء ـ كما قلنا آنفاً ـ مستحبّ في نفسه، وكما هو مستحبّ كذلك تكراره مستحبّ، حتّى ولو لم يصدر حدث من المتوضّئ، ويسمّى الوضوء الثاني بالوضوء التجديدي، وقد عبّر عنه في بعض الروايات بأنّه: نور على نور(1).

أحكام المحدِث:

(76) وليس للمحدث أن يمسّ كتابة المصحف الشريف حتّى الحرف الواحد منه، بل حتّى الحركة والسكون..، أبداً لا يمسّ شيئاً من ذلك، لا بيده ولا بشيء من جسمه وشعره، من غير فرق بين أن تكون الكتابة بالحروف أو غيرها، ولا بين أن تكون بالقلم، أو الطباعة، أو الحفر، أو الحرف الناتئ البارز في الحجر أو الخشب أو غيرهما. ويجوز له أن يمسّ ما عدا الكتابة من الورق والجلد، وأسماء السور الموضوعة في أوّل الصفحة، وأرقامها، وأرقام الأجزاء والأحزاب.

(77) وإذا لم تكن الكلمة القرآنية أو الآية في المصحف، بل كانت بكتاب أو برسالة أو بطاقة تهنئة أو ورقة تعزية أو نقش خاتم فيجوز للمحدِث أن يمسّها.

(78) وكذلك يجوز للمحدِث أن يمسّ اسم الجلالة وصفاته في غير المصحف، وأسماء المعصومين عليهم الصلاة والسلام.

(79) ويسوغ للمحدِث إذا أراد أن يمسّ كتابة المصحف الشريف أن يتوضّأ بقصد مسّها بحيث يكون هذا المسّ بالذات هو الغاية من الوضوء؛ لئـلاّ يمسّ بدون وضوء فيقع في الحرام، وبخاصّة إذا كان المسّ بالتقبيل(2).

 


(1) وسائل الشيعة 1: 265، الباب 8 من أبواب الوضوء، الحديث 8 .
(2) لم أجد ما يدلّ على خصوصية للتقبيل، ولعلّ مقصوده (رحمه الله) مجرّد أمر اعتباريٍّ على أساس أنّ التقبيل تعظيم واحترام للقرآن فليس المفروض به أنْ يكون بعمل محرّم.
الصفحة 207

(5) نواقض الوضوء

 

النقض لغةً: الإبطال والهدم. وناقض الوضوء عند الفقهاء: ما يبطل الوضوء ويزيل أثره الشرعي ـ أي الطهارة ـ ويخرجه عن الفائدة المقصودة منه، ويسمّى كلّ واحد من نواقض الوضوء بالحَدَث.

ونواقض الوضوء كما يلي:

(80)الأوّل: خروج البول، أمّا خروج المذي أو الوذي أو الودي فإنّه لا ينقض الوضوء، كما أنّه لا ينجس الموضع، على ما يأتي في فصل أنواع النجاسات.

والمذي: ماء أبيض لزج يخرج من الذكر بملاعبة النساء أو التفكير بالجماع.

والوذي: ماء يخرج أحياناً بعد خروج المني.

والودي: ماء يخرج أحياناً بعد خروج البول.

(81)الثاني: خروج الغائط، وإذا خرج البول أو الغائط من المكان الطبيعي فهو ناقض على أيّ حال، سواء خرج بصورة اعتيادية، أو سُحِبَ بآلة ونحوها، وكذلك إذا خرج من منفذ آخر اعتاده الإنسان في حالة طارئة لمرض ونحوه.

(82) وإذا خرج من غير المكان الطبيعي كجرح ونحوه وبدون اعتياد لذلك فهو ناقض إذا كان خروجه بدفع طبيعيٍّ من جسم الإنسان، وأمّا إذا كان قد سُحِبَ بآلة من ذلك الجرح فلا ينقض.

(83) إذا استعمل المتوضّئ الحقنة فخرج ماؤها ولا شيء فيه من الغائط

الصفحة 208

بقي على وضوئه، ولو خرج شيء من الغائط مع الماء أو بعده ولو يسيراً انتقض الوضوء، ومع الشكّ في خروج شيء أو عدم خروجه فلا يبطل الوضوء.

(84) الثالث: خروج الريح من الدبر، ولا أثر شرعاً لخروج الريح من مكان آخر.

(85) الرابع: النوم المستغرق الذي لا يبقى معه سمع ولا بصر ولا إدراك، ومثله الجنون والسكر والإغماء(1).

(86) الخامس: استحاضة المرأة، ويأتي الكلام عنها مفصّلا إن شاء الله تعالى في الأغسال(2).

هذه هي نواقض الوضوء، أو الأحداث الموجبة للوضوء.

(87) ويكفي وضوء واحد للمحدث حتّى لو تكرّر منه الحدث، فترتفع به آثار كلّ ما صدر منه من أحداث.

(88) ولا يجب على المتوضّئ أن يقصد بالوضوء رفع حدث معيّن، ولا أن يستحضر في ذهنه أنّه محدث ويريد رفع الحدث، بل يكفيه أن يتوضّأ بقصد القربة.

(89) ويسوغ للمتوضّئ أن ينقض وضوءه ما دام قادراً على استئنافه؛ لتوفر الماء والقدرة على استعماله، وأمّا إذا علم بأنّه لا يقدر على إعادة الوضوء إذا نقضه فيسوغ له أيضاً نقضه قبل دخول وقت الصلاة، حتّى ولو علم بالعجز عن


(1) على الاحتياط الوجوبي.
(2) تنبغي الإشارة هنا إلى أنّ خروج المني ينقض الوضوء أيضاً، ولكنّه لا يوجب الوضوء، وإنّما يوجب الغسل، ولا يتطهّر المكلّف منه بالوضوء، بل بالغسل، ولهذا لم نذكره هنا.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 209

الوضوء بعد دخول الوقت فإنّ له أن يبطله اعتماداً على أنّه يتيمّم ويصلّي. وأمّا بعد دخول الوقت فلا يجوز له أن ينقض وضوءه ما دام غير قادر على التوضّؤ من جديد للصلاة.

المبطون والمسلوس:

المبطون: مَن به داء البطن، وهو الذي لا يستمسك معه الغائط.

والمسلوس: مَن به داء السلس، وهو الذي لا يستمسك معه البول.

ويسمّى المبتلى بأحد الدائين بدائم الحَدَث عند الفقهاء، ويختلف حكم المسلوس والمبطون تبعاً للحالات التالية:

(90)الحالة الاُولى: أن تكون للمسلوس أو المبطون عادة مستمرّة؛ وذلك بأن تمرّ به فترة معيّنة من الزمن تتّسع للطهارة والصلاة معاً في الوقت المؤقّت للصلاة، ولو بالاقتصار على الواجبات وترك جميع المستحبات، وعندئذ يجب على المبتلى بهذا الداء أن ينتظر هذه الفترة، سواء كانت في أوّل الوقت، أو وسطه، أو آخره، ومتى جاءت الفترة المعيّنة تجب المبادرة فوراً إلى الوضوء والصلاة، وفي غير تلك الفترة تجري عليه الأحكام الاعتيادية للمحدِث.

(91)الحالة الثانية: أن يكون الحدث متّصلا بلا فترة إطلاقاً، أو توجد فترة قصيرة لا تتّسع للطهارة وبعض الصلاة، فيجب عندئذ أن يتوضّأ ويصلّي، ويجوز له أن يجمع بوضوء واحد صلاتين أو أكثر(1)؛ لأنّه بحكم المتطهّر يمارس


(1) يجب عليه احتياطاً أن يجمع بين الظهرين بوضوء واحد، والعشاءين بوضوء واحد، ويتوضّأ لصلاة الصبح، ويجوز له أن لا يجمع بين صلاتين بشرط أن يتوضّأ لكلّ صلاة بوضوء، وإذا أراد أن يصلّي صلوات مستحبّةً توضّأ لكلِّ صلاة بوضوء.
الصفحة 210

كلّ مايمارسه المتطهّر، إلّا أن يُحدِث بحدث آخر من نوم ونحوه، أو يشفى ولو يوماً واحداً بحيث يخرج منه البول والغائط حسب المعتاد والمعروف.

(92)الحالة الثالثة: أن تكون له فترة معيّنة من الزمن ولكنّها لا تتّسع للصلاة والطهارة بالكامل، بل تتّسع للطهارة وبعض الصلاة، وعندئذ يجب عليه أن ينتظر هذه الفترة بالذات تماماً كالحالة الاُولى، ويتوضّأ فيها ويصلّي، ولا يجب عليه أن يجدّد الوضوء في أثناء صلاته إذا فاجأه الحدث(1)، بل يمضي إلى نهايتها حتّى ولو لم يكن عليه حرج ومشقّة في تجديد الوضوء.

ولكن لا يجوز له ـ احتياطاً ـ الجمع بين صلاتين في وضوء واحد، بل يجب لكلّ صلاة وضوء. وإذا أراد أن يصلّي صلاةً مستحبّةً توضّأ لها أيضاً، وكذلك يتوضّأ أيضاً لصلاة الاحتياط. ولا حاجة به إلى وضوء مستقلٍّ للسجدة أو التشهّد اللذين إذا نسيهما في الصلاة قضاهما بعد الفراغ منها.

(93) وإذا توضّأ لصلاة ثمّ صلّى صلاةً ثانيةً بدون وضوء آخر واتّفق صدفةً أنّه لم يصدر منه حدث منذ بدأ يتوضّأ للصلاة الاُولى إلى أن فرغ من كلتا الصلاتين صحّتا معاً في جميع الحالات المتقدّمة.

(94) وكلّما جاز للمسلوس والمبطون أن يصلّي بوضوئه جاز له أيضاً أن يمسّ كتابة المصحف الشريف، ولا تجري عليه أحكام الحدث(2) إلى أن ينتهي مفعول الوضوء وأثره في استساغة الصلاة.

 


(1) يجب عليه احتياطاً التجديد بشكل لا يضرّ بشروط الصلاة، وذلك بأن يحضر من أوّل الصلاة عنده ماءً كي يتوضّأ به في أثناء الصلاة.
(2) يجب عليه احتياطاً اجتناب ذلك.
الصفحة 211

(95) هل يجب على كلٍّ من المسلوس والمبطون أن يحرص ويتحفّظ ـ جهد المستطاع ـ من تعدّي البول والغائط وسرايتهما إلى البدن والثياب ؟

الجواب: أجل، يجب ذلك عليه من أجل الصلاة، وبخاصّة إذا تيسّر له بعض المصنوعات الحديثة لهذه الغاية، وأيضاً يجب عليه عند كلّ صلاة أن يطهّر الحشفة والمقعد(1)، وكلّ ماسرت إليه النجاسة ممّا يتّصل ببدنه وثيابه بلا استثناء.


(1) من ليست له فترة الوضوء في أثناء الصلاة وجمع بين الظهرين أو العشاءين لم يجب عليه تطهير الحشفة والمقعد للصلاة الثانية.
الصفحة 212

(6) الخلل والشكّ في الوضوء

 

الخلل لغةً: الوهن والفساد، أمّا الفقهاء فيريدون به: نقص العمل، والشكّ هو التردّد في إنجاز العمل بصورة كاملة، وفيما يلي أمثلة للخلل أو الشكّ في الوضوء مع أحكامها.

(96) من كان على يقين من وضوئه وطهارته، وبعد أمد تردّد وشكّ في أنّه هل أحدث وانتقض وضوؤه وطهارته؟ بنى على بقاء الوضوء والطهارة.

ومن كان على يقين من الحدث وشكّ في أنّه هل توضّأ وزال الحدث، أو لم يتوضّأ؟ بنى على بقاء الحدث وعدم الوضوء. وإذا ذهل بعد ذلك وصلّى بلا وضوء في هذا الفرض بطلت صلاته، وعليه أن يعيد الصلاة في داخل وقتها، ويقضي في خارجه إن تذكّر أو ذكر.

(97) من علم أنّه قد توضّأ، وأيضاً علم أنّه قد أحدث ولكنّه لا يدري هل كان الوضوء متأخّراً كي يكون على طهر، أو كان الحدث متأخّراً عن الوضوء كي يكون الآن محدثاً فماذا يصنع؟

الجواب: هو في حكم المحدث، وعليه أن يتوضّأ لكلّ ما يشترط فيه الوضوء، سواء أكان عالماً بالساعة التي توضّأ فيها وجاهلا بتأريخ حدوث الحدث، أم كان عالماً بالساعة التي أحدث فيها وجاهلا بتأريخ الوضوء، أم جهل التأريخين معاً.

(98) من شكّ ـ وهو في أثناء الصلاة وقبل تمامها ـ في أنّه هل توضّأ وصلّى، أم دخل في الصلاة بلا وضوء؟ فعليه أن يتوضّأ ويعيد الصلاة من جديد.

(99) إذا فرغ المرء من صلاته وشكّ في أنّها هل كانت بلا وضوء؟ فصلاته

الصفحة 213

صحيحة، ولكن عليه أن يتوضّأ للصلاة الآتية، ولا يجب أن يعيد مامضى وانقضى من صلاته، إلّا إذا علم وتيقّن بأنّ الشكّ في الوضوء كان لسبب سابق على هذه الصلاة ولم يكن قد تنبّه له حين دخوله بالصلاة، ولو أنّه التفت إليه وتنبّه قبل أن يصلّي لشكّ وأحجم عن الصلاة حتّى يعالج شكّه بما تقتضيه القواعد الشرعية.

ومثال ذلك: أن يعلم بعد الصلاة أنّه كان قد غسل وجهه ويديه قبلها يقيناً ولا يدري هل كان يقصد بذلك الوضوء أو مجرّد التنظيف ؟ ولكنّه يعلم أنّه بادر إلى الصلاة غافلا عن ذلك، وأنّه لو التفت إلى حاله وهو يصلّي لشكّ أيضاً تماماً كما يشكّ الآن ففي هذا الفرض وأمثاله يجب الوضوء وإعادة الصلاة، حتّى ولو كان الشكّ بعد الفراغ، وفيما عدا ذلك لا تجب إعادة الصلاة، وإنّما يجب الوضوء لما يأتي من صلوات.

وإذا حصل الشكّ الآنف الذكر بعد انتهاء وقت الصلاة فلا يجب قضاؤها على أيّ حال.

(100) إذا كان في أثناء الوضوء وعلم أنّه قد ترك منه ما لا غنى عنه في الوضوء وصحّته وجب عليه أن يستدرك النقص والخلل، ويأتي بما فات وأهمل، وبما بعده من واجبات الوضوء، مراعياً كلّ مايعتبر في الوضوء من الشروط التي تقدم الكلام عنها مفصّلا.

هذا إذا علم بالنقص والخلل في أثناء الوضوء، وكذلك الأمر إذا علم بالخلل بعد الفراغ من الوضوء وكان بالإمكان تكميله مع الحفاظ على كلّ شروطه.

وأمّا إذا علم به بعد الفراغ بمدّة ولم يتيسّر التكميل مع الاحتفاظ بتلك الشروط لطول المدّة أو لأيّ سبب آخر فإنّه يستأنف الوضوء بلا ريب.

(101) أمّا إذا شكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل الفراغ من الوضوء رجع

الصفحة 214

وأتى به مع مراعاة الشروط المعتبرة في الوضوء تماماً، كما هو الشأن لو علم بالنقص والخلل.

ومثال ذلك: أن يشكّ في غسل ذراعه اليمنى وهو مشغول فعلا بغسل ذراعه اليسرى، أو بالمسح على رأسه، أو يشكّ في غسل ذراعه اليسرى وهو يمسح على رأسه، أو يشكّ في أنّه مسح على رأسه وهو يمسح فعلا على قدمه ففي كلّ هذه الحالات يجب عليه أن يعود ويأتي بما شكّ فيه وبما بعده.

وكذلك الأمر إذا كان يعلم بأنّه غسل يده اليمنى (مثلا) ولكنّه شكّ ـ وهو لا يزال مشغولا بأفعال الوضوء ـ في أنّه هل غسل يده بالصورة الصحيحة من الذراع إلى أطراف الأصابع، أو بصورة معكوسة ؟ فإنّ الأجدر بالمكلف وجوباً واحتياطاً أن يعود إلى ما شكّ فيه، فيأتي به بالصورة الصحيحة وبما بعده ما دام الشكّ قد حدث له وهو في أثناء الوضوء.

وأمّا إذا حدث الشكّ في غسل ذراعه أو في أنّه هل غسلها بالصورة الصحيحة أو لا ـ أو أيّ شكٍّ من هذا القبيل ـ إذا حدث هذا الشكّ بعد الفراغ من الوضوء فهنا حالتان:

الاُولى: أن يحدث بعد أن يكون المتوضّئ قد دخل في عمل آخر من قبيل تجفيف بدنه أو غلق اُنبوب الماء، أو تحرّك عن المكان الذي كان يتوضّأ فيه، أو حصل فاصل يعتدّ به بحيث لا يمكن الجمع بين التتابع والموالاة وبين تدارك ما فات، بأن جفّت أعضاء وضوئه ففي أمثال ذلك لا يعتني بشكّه ويعتبر وضوءه صحيحاً.

الثانية: أن يحدث الشكّ المذكور قبل هذه الأشياء التي ذكرناها في الحالة الاُولى، وحكمه حكم من شكّ في الأثناء، كما تقدّم، ولكن كلّما كان الشكّ شاذّاً وممّا لا يحدث لدى الإنسان الاعتياديّ عادةً فلا يعتني المتوضّئ به.

الصفحة 215

(102) إذا علم بأنّ الخاتم كان في إصبعه حينما توضّأ وهو يدري أيضاً بأنّه لم ينزعه ولم يحرّكه حين كان يتوضّأ، غفلةً منه، أو اعتقاداً بأنّه لا يمنع الماء من الوصول إلى البشرة، ولكنّه يشكّ الآن بعد الفراغ من الوضوء في أنّ الماء هل وصل إلى البشرة، أو حجبه الخاتم عن ذلك ؟ ففي هذا الفرض يجب عليه أن يستأنف الوضوء.

(103) وإذا علم بوجود الحاجب المانع من صحة الوضوء، ولكنّه لا يدري هل كان موجوداً قبل الوضوء لكي يكون الوضوء باطلا، أو أنّ الحاجب وجد بعد الوضوء كي يكون الوضوء صحيحاً ؟ يصحّ الوضوء إذا احتمل أنّه كان ملتفتاً عند الوضوء إلى حقيقة الحاجب وما يترتّب عليه. أمّا إذا علم بعدم الالتفات إلى ذلك فتجب عليه إعادة الوضوء.

(104) من توضّأ ثم توضّأ مرّةً اُخرى وضوءً تجديدياً(1)، وصلّى وبعد الصلاة علم بأنّ الوضوء الأول باطل لسبب من الأسباب اكتفى بالوضوء الثاني، وكانت صلاته صحيحةً، ولا يجب أن يعيد الوضوء للصلاة الآتية.

(105) ومن توضّأ وصلّى ثمّ توضّأ مرّةً اُخرى وضوءً تجديدياً، وعلم بعد ذلك بأنّ أحد الوضوءين باطل، كما إذا أيقن بأنّه لم يمسح على رأسه في أحدهما لم يعد صلاته، ولم يحتج إلى وضوء للصلوات الآتية.

(106) ومن توضّأ وصلّى ثمّ أحدث، بأن بال أو نام ـ مثلا ـ وبعد ذلك توضّأ من جديد وصلّى صلاةً اُخرى، وفي أعقاب ذلك علم بأنّ أحد الوضوءين باطل وجب عليه أن يتوضّأ ويعيد ماأتى به من صلوات.

(107) إذا توضّأ مرّتين وصلّى بعد إكمال الوضوءين معاً، ثمّ علم أنّه قد


(1) تقدم معنى الوضوء التجديدي في الفقرة (75) من هذا الفصل.(منه (رحمه الله)).
الصفحة 216

أحدث عقيب أحد الوضوءين، ولا يدري هل كان الحدث بعد الوضوء الأول فيبطل هو وحده ويكون الثاني صحيحاً وبه تصحّ صلاته، أو أنّ الحدث كان بعد الوضوء الثاني فيبطل الوضوءان معاً وتكون الصلاة باطلة؟ إذا كان ذلك صحّ مامضى من صلاته إذا احتمل أنّه كان ملتفتاً إلى الحدث وآثاره حين العمل، ووجب الوضوء للصلاة الآتية.

(108) إذا علم بعد فراغه من وضوئه(1) أنّه قد ترك جزءاً منه، ولكنّه لا يدري أنّ المتروك هو الجزء الواجب كمسح الرأس، أو المستحبّ كالمضمضة؟ يحكم بصحّة الوضوء.

(109) إذا علم أنّه قد باشر الوضوء وأتى ببعض أفعاله كغسل الوجه واليدين، ولكنّه شكّ في أنّه هل أكمله بمسح الرأس والقدمين، أو أنّه عرضت له حاجة فترك وضوءه ولم يكمله؟ فوضوءه باطل وعليه أن يعيده.

(110) إذا فرغ من وضوئه، ثمّ علم يقيناً بأنّه قد عاكس وخالف في أفعال الوضوء، فمسح ـ مثلا ـ على العصابة التي تلفّ قدمه بدلا عن المسح على القدم مباشرةً، ولكن لا يدري هل فعل لوجود مبرّر كحالات وضوء الجبيرة كي يكون الوضوء صحيحاً، أو فعله بدون مبرّر بل سهواً أو غفلةً؟ إذا كان هذا لا يجب عليه أن يعيد الوضوء، بل يعتبر صحيحاً(2).

 


(1) يقصد(رحمه الله) بعد انتقاله إلى غيره، أو وقوع الفاصل المعتدّ به.
(2) يقصد (رحمه الله)بشرط الدخول في غيره، أو الفصل المعتدّ به.
الصفحة 217

(7) سنن الوضوء

 

سنن الوضوء تعني مستحبّاته وآدابه التي يثاب المتوضّئ إذا أدّاها، ولا يعاقب إذا تركها، ومن ذلك:

(111) أن يغسل يديه ثمّ يتمضمض ـ بأن يدير الماء في فمه ـ ويستنشق ـ بأن يصبّ الماء في أنفه ويجذبه ـ قبل الابتداء بغسل أعضاء وضوئه، وإذا بدأ بالوضوء فله أن يغسل وجهه مرّتين، وكـلاًّ من يديه مرّتين، وتعتبر الغسلة الثانية حينئذ مستحبّةً (1).

ويستحبّ للمتوضّئ عند الابتداء بصبّ الماء أن يقول: « بسم الله وبالله، اللهمّ اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهّرين »، وعند الانتهاء من الوضوء أن يقول: « الحمد لله ربّ العالمين ».

 


(1) في استحبابها إشكال، فلا يترك الاحتياط بتركها في اليد اليسرى كي لا يختلّ بها المسح، وكذلك اليد اليمنى فيما إذا لا يريد أن يوضّئ اليسرى بكفّ اليمنى.
الصفحة 218

(8) قضاء الحاجة وأحكامها

 

مرّ بنا استعراض نواقض الوضوء، ولمّا كان منها البول والغائط صحّ أن نذكر عقيب مسائل الوضوء وأحكامه بعض الأحكام التي ترتبط بقضاء الحاجة وأحكامها.

والمراد من قضاء الحاجة هنا المضي إلى الخلاء للتغوّط، وقد جاء في الحديث « إذا جلس أحدكم لحاجته(1) فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها »(2).

ويجب عند قضاء الحاجة اُمور:

(112)الأول: ستر العورة عن كلّ ناظر بالغ أو بالغة، وكذلك عمّن لم يصل إلى سنّ البلوغ إذا كان ينظر إلى العورة نظراً متميّزاً عن نظره إلى سائر أجزاء الإنسان.

ولا يجب على المرأة سترها عن الزوج، ولا على الرجل سترها عن الزوجة. والمراد بالعورة في الرجل: السبيلان ـ الذكر والدبر ـ والبيضتان، وسترها عن الناظر المذكور واجب في كلّ حال إلّا للاضطرار، ولا خصوصية من هذه الجهة للحاجة وقضائها، والقصد من ذكرها بالخصوص بيان الحكم عندها دون الحصر، ويأتي الحكم بوجوب الستر بصيغته العامة وتفاصيله في القسم الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

(113)الثاني: أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها في حالة التبوّل والتغوّط، سواء كان المتخلّي في فضاء مكشوف أو في المرافق المعدّة لقضاء الحاجة، وإن


(1) في المصدر: على حاجة.
(2) مستدرك الوسائل 1: 247، الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 3.
الصفحة 219

اضطرّ المتخلّي إلى أن يستقبل القبلة أو يستدبرها عند الحاجة ـ حيث لا ثالث ـ فهو مخيَّر.

(114) وإذا جهل مكان القبلة فعليه أن يبحث ويسأل لكي يتفادى استقبالها واستدبارها، وإن يئس عن معرفتها وصعب عليه أن يصبر وينتظر للضرر أو للحرج فلا إثم عليه أ نّى يتّجه.

(115) الثالث: إزالة النجاسة عن الموضع وتطهيره(1).

(116) ويطهر محلّ البول بمجرّد اتّصاله وملاقاته للماء الكثير، أمّا إذا كان الماء قليلا فيجب غسل المحلّ مرّتين، ولا يكفي غير الماء.

(117) أمّا محلّ الغائط: فإن تعدّت النجاسة من المخرج إلى ما حوله تعيّن الغسل بالماء حتى ينقى المحلّ تماماً كغيره من المتنجّسات، وإن لم يتعدّ الغائط المخرج تخيّر المكلّف في إزالة النجاسة بين الماء أو الأحجار والخرق ونحوها من أشياء. والماء أفضل، والجمع بينه وبين الأحجار أكمل على حدّ تعبير الفقهاء عليهم الرحمة والرضوان.

ولابدّ من الإشارة إلى أنّه لو خرج مع الغائط شيء آخر من النجاسة ـ كالدم ـ وتنجّس به المخرج أو ماحوله تعيّن التطهير بالماء وحده.

(118) إذا أراد أن يطهِّر موضع الغائط بالأحجار ونحوها فيجب أن تكون الأحجار وما إليها طاهرة، وأن يكون المسح بثلاثة منها، حتى ولو زالت النجاسة وتحقّق النقاء بالواحد أو بالاثنين، وإذا احتاجت الإزالة إلى أكثر من ثلاثة وجب الزائد حتّى تزول النجاسة بالغاً ما بلغ العدد.

وإذا زالت عين النجاسة بالماء أو بالأحجار ولكن بقيت رائحتها أو لونها


(1) لا يقصد به الوجوب النفسي، بل يقصد الوجوب الشرطي لما هو مشروطٌ بالطهارة.
الصفحة 220

فلا بأس.

(119) ولا يجوز قضاء الحاجة في ملك الآخرين إلّا بإذن خاصٍّ أو عامٍّ ولو بظاهر الحال، بأن تكون حالة المالك دالّةً على الإذن وإن لم يصرّح بذلك في كلامه.

ولا يجوز التخلّي في مرافق المدارس لغير طلبتها إذا ثبت أنّها مختصّة بهم ولو بإخبار متولّي المدرسة أو سكنتها.

(120) لا يجب الاجتناب عن ماء الاستنجاء(1) ـ وهو الذي استعمل في إزالة البول أو الغائط ـ ولا عمّا يلاقيه، شريطة أن لا يتغيّر بالنجاسة لونه أو طعمه أو رائحته، وأن لا تكون النجاسة قد تعدّت السبيلين تعدّياً مخالفاً للعادة، وأن لا يحمل ماء الاستنجاء شيئاً من النجاسة.

وفي سائر الأحوال فإنّ هذا الماء لايزيل خبثاً ولا يرفع حدثاً.

(121) الاستبراء: يستحبّ للرجل أن يستبرئ من البول(2)، وهو: أن يتحرّى خروج مايحتمل بقاءه من البول في قصبة الذكر.

وكيفية الاستبراء: أن يمسح الرجل بيده من المقعد إلى أصل القضيب ثلاث مرّات، ثمّ يضع إصبعه تحت الذكر وإبهامه فوقه ويمسحه إلى رأس الحشفة ثلاث مرّات، ثمّ ينترها ثلاث مرّات(3).

(122) أمّا فائدة ذلك فهي: أنّ المستبرئ إذا خرج من ذكره رطوبة


(1) ماء الاستنجاء لا يجب الاجتناب عن ملاقاته، ولكنّ الحكم بطهارته مشكلٌ فلا يترك الاحتياط بترك مثل التطهير به.
(2) ليس هذا استحباباً نفسيّاً، بل هو استحباب غيريٌ تحرّزاً عن احتمال النجاسة الذي ينتج عن احتمال خروج الرطوبة.
(3) هذه الكيفيّة الواردة في المتن هي الكيفيّة الكاملة والمطابقة للاحتياط.
الصفحة 221

يجهل حقيقتها وتردّد أمرها بين البول أو المذي أو الوذي أو الودي ـ وهي رطوبات تقدم شرحها في بداية نواقض الوضوء ـ يحكم بطهارتها، وأنّها لا توجب وضوءً ولا تنقضه، خلافاً لمن بال ولم يستبرئ وتوضّأ ثمّ خرجت منه هذه الرطوبة المشكوك في أمرها فإنّها تعتبر حينئذ بولا منجّساً للموضع وناقضاً للوضوء.

وإذا اتّفق للمرأة أن خرج منها بلل تشكّ في أنّه بول أو رطوبة اُخرى ليست بنجسة فهو طاهر ما لم يحصل لها اليقين بأنّه بول.

الصفحة 223

الطهارة

3

الغُسل

 

 

○   أحكام عامّة للغُسل.

○   غسل الجنابة وأحكامها.

○   غسل الحيض.

○  المستحاضة وأحكامها.

○   النفاس وأحكامه.

○   أحكام الأموات.

○   الغسل من مسّ الميّت.

○  الأغسال المستحبّة.

 

 

الصفحة 225

أحكام عامّة للغسل

 

تمهيد:

(1) الغسل: هو غسل كلّ البدن ـ الرأس والرقبة والجسد ـ وبكيفية تأتي تفاصيلها.

ومنه مستحبّ ومنه واجب، والواجب على قسمين:

واجب لنفسه، وهو غسل الأموات، فإنّ وجوبه ليس من أجل شيء آخر، بل من أجل نفسه.

وواجب لغيره، وهو ماوجب من أجل القيام بواجب آخر بوصفه من الإجراءات التي تمهّد له، كغسل الجنابة الذي يجب من أجل الصلاة مثلا.

والغسل الواجب لغيره أنواع: غسل الجنابة، وغسل الحيض، وغسل الاستحاضة، وغسل النفاس، وغسل مسّ الميّت.

وإذا عطفنا غسل الأموات على هذه الخمسة يكون مجموع الأغسال الواجبة ستّة أنواع. ونتكلّم عن كلّ واحد من الستّة في بحث مستقلٍّ.

والأغسال المستحبّة كثيرة، ولها أوقاتها، أو مواقعها الخاصّة المحدودة شرعاً، وتأتي الإشارة إلى بعضها: كالغسل في يوم الجمعة، والغسل لمن أراد الإحرام لعمرة أو لحجّ.

الصفحة 226

والأغسال الواجبة والمستحبّة كلّها عبادات، كالوضوء، فلا يصحّ شيء منها إلّا مع نية القربة.

وتعتبر هذه الأغسال طهارةً ونظافةً شرعاً.

(2) وكلّ غسل لم يأمر به الشارع إلزاماً ووجوباً أو ندباً واستحباباً ليس عبادةً ولا طهارة، ولا أثر له شرعاً، فإذا اغتسل الإنسان في غير المواقع التي أمر الشارع فيها بالغسل ـ إلزاماً ووجوباً أو استحباباً وندباً ـ لم يصحّ، ولم تقع به الطهارة شرعاً، وبذلك يختلف الغسل عن الوضوء، فقد عرفنا سابقاً أنّ الوضوء طاعة ومندوب في نفسه في كلّ الأحوال والمواقع؛ لأنّه مستحبّ في كلّ الظروف، فمتى توضّأ بنية القربة صحّ وضوؤه واعتبر متطهّراً.

وكلّ واحد من الأنواع الخمسة للغسل الواجب لغيره له سببه الذي يوجبه: كالجنابة والحيض والنفاس والاستحاضة ومسّ الميّت، وهذه الأسباب الموجبة للغسل يسمّى واحدها في عرف الفقهاء بالحدث الأكبر؛ تمييزاً لها عن نواقض الوضوء التي يطلق على كلٍّ منها اسم الحدث الأصغر، والوضوء طهارة من الحدث الأصغر، والغسل طهارة من الحدث الأكبر.

(3) وكلّ عمل مشروط بالطهارة من الحدث الأصغر ـ أي الوضوء ـ فهو مشروط بالطهارة من الحدث الأكبر، كالصلاة وغيرها، على ما تقدم في الوضوء في الفقرة (73).

(4) وكلّ ما يحرم على المحدِث بالحدث الأصغر حتّى يتوضّأ يحرم أيضاً على المحدِث بالحدث الأكبر حتّى يغتسل، فيحرم عليه مسّ كتابة المصحف الشريف، كما تقدم في الفقرة (76) من الوضوء.

وهناك أشياء إضافية تحرم بسبب بعض الأحداث الكبيرة ـ كالجنابة والحيض ـ يأتي الحديث عنها في فصولها.

الصفحة 227

(5) وإذا صدر من المكلّف الحدث الأصغر الموجب للوضوء والحدث الأكبر الموجب للغسل كفاه أن يغتسل وأجزأه ذلك عن الوضوء، وكذلك إذا اغتسل بدون حدث أكبر في المواقع التي يكون الغسل فيها مستحباً فإنّه يكفي ويجزي عن الوضوء أيضاً(1).

وإجزاء الغسل عن الوضوء وكفايته عنه له استثناء واحد بالنسبة إلى غسل المستحاضة، يأتي توضيحه عند الحديث عن أحكامها، وبيان أنّ غسلها يجب أن يُضمّ إليه الوضوء أحياناً.

(6) وإذا تراكمت أسباب الغسل ـ كمن أجنب ومسّ ميّتاً، أو كالمرأة تنقى من حيضها ويقاربها زوجها فتجنب ـ كفى غسل واحد يقصد به كلّ ما عليه من أغسال، أو واحداً معيّناً عنه فيكفيه عن الباقي.

كيف يغتسل المكلّف؟

(7) الأنواع الخمسة من الغسل الواجب لغيره والأغسال المستحبّة كلّها تتّفق في كيفية الغسل، فالجنب والحائض إذا نقت، والمستحاضة إذا ابتليت باستمرار الدم، والنفساء إذا انتهى نفاسها، والإنسان إذا مسّ ميّتاً، والمتطوّع إذا تطوّع بغسل جمعة أو غيره من الأغسال المستحبّة كلّ هؤلاء يغسلون على نحو واحد.

ويتميّز عن ذلك جميعاً غسل الأموات فإنّ له كيفيةً خاصّةً به، وسوف نشرح هنا كيفية الغسل العامة، تاركين الكيفية التي يتميّز بها غسل الأموات إلى الفصل المختصّ به.

 


(1) يكفي ويجزي بمعنى واحد، من الكفاية والإجزاء.(منه (رحمه الله)).