عدد الصفحات:

المؤلفات > مقياس طلوع الفجر في الليالي المقمرة

الصفحة 2

أمّا الكتاب: فهو قوله تعالي: ?كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ?(1)، أي: حتّي يتميّز الخيط الأبيض الذي هو من النهار من الخيط الأسود الذي هو من الليل، ثمّ عقّبه بقوله: ?مِنَ الْفَجْرِ? الظاهر في أنّ ذاك التبيّن أو التميّز هو الفجر، وظاهرٌ أنّ الظاهر من التبيّن والتميّز هو التميّز الفعليّ الحقيقيّ، كما هو الشأن في كلّ العناوين المأخوذة في العقود والقضايا..... هذا لو كانت كلمة ?مِن? للتبيّن كما لعلّه الظاهر، ويحتمل أن تكون للنشوء، فيصير المعني: أنّ ذاك التبيّن والامتياز لابدّ وأن يكون ناشئاً من بياض الفجر، والفرض أنّ بياضه لا يظهر حتّي يقهر على نور القمر حسّاً).

أقول: وهناك تفسير ثالث من التفاسير غير البعيدة لكلمة ?مِنَ الْفَجْرِ? نسبه الشيخ مجتبي الأعرافيّ إلي المفسّرين، وهو: أن تكون بياناً لكلمة ?الْخَيْطُ الأَبْيَضُ?، فالمعني هكذا: حتّي يتبيّنَ لكمُ الخيطُ الأبيضُ أي: الفجر(2). وهذا في الحقيقة لا يضرّ بالهدف الذي يريده السيّد الإمام من تفسير الآية المباركة من ضرورة التبيّن الفعليّ.

وأيضاً اُريد أن اُنبّه: أنّ الشيخ الأعرافيّ ذكر في مقام تعيين الليالي المقمرة: «ويتحقّق ذلك من الليلة الثانية عشرة إلي الرابعة والعشرين من كلّ شهر كما قيل»(3).

وأيضاً اُريد أن أنقل. قبل أن أنتقل إلي بحث الروايات. اعتراضاً من قِبَل الشيخ الأعرافيّ على حمل التبيّن في الآية الشريفة على موضوعيّة التبيّن الحسّيّ، لا مطلق التبيّن والانكشاف، ونصّ اعتراضه ما يلي:


(1) سورة البقرة، الآية: 187.
(2)راجع مقال الشيخ مجتبي الأعرافيّ المطبوع في مجلّة فقه أهل البيت، رقم 42، ص115.
(3)المصدر السابق، ص110.
الصفحة 1

مقياس طلوع الفجر في الليالي المقمرة

الحمد للّه الذي دَلَعَ لسانَ الصباحِ ‏بِنُطْقِ تَبَلُّجِه، وَسَرَّحَ قِطَعَ الليْلِ المُظْلِمِ بِغَياهِبِ تَلَجْلُجِه، وَأَتْقَنَ صُنْعَ الفَلَكِ الدوَّارِ في مَقاديرِ تَبَرُّجِه، وَشَعْشَعَ ضِياءَ الشَمْسِ بِنُورِ تَأجُّجِه.

ثمّ الصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

أفاد السيّد الإمام الخمينيّ رضوان اللّه تعالي عليه. في رسالة له طبعت أخيراً ضمن رسائل عشرة من قِبَل مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ قدّس سرّه -: (أنّه كثيراً مّا تقع الغفلة عن أمر مهمّ تترتّب عليه فروع مهمّة، وهو: أنّ الفجر في الليالي المقمرة من الليلة الثالثة عشرة إلي أواخر الشهر يتأخّر عن غيرها قريب عشرة دقائق أو أقلّ أو أكثر، بحسب اختلاف ضياء القمر وقربه من الاُفق الشرقيّ، وهذا الفرع مع كثرة الابتلاء به في صلاة الفجر وصلاة العشائين ونافلة الليل وغير ذلك يكون مغفولاً عنه، وكثيراً مّا يراعي المؤذّنون والمصلّون الوقت النجوميّ، ويكون تشخيصهم الفجر بحسب الساعات قبل تبيّن الفجر حسّاً.

ومحصّل الكلام في هذا المقام: أنّه هل المعتبر في اعتراض الفجر وتبيّنه هو الاعتراض والتبيّن الفعليّ، أو الأعمّ منه ومن التقديريّ، نظير الاحتمالين في باب تغيّر الماء في باب المياه؟

ظاهر الكتاب والسنّة وكذا ظاهر فتاوي الأصحاب. على ما قاله المحقّق صاحب مصباح الفقيه. هو الأوّل:

الصفحة 3

«إنّ القاعدة الأوّليّة وإن كانت تقتضي حمل العناوين المأخوذة في الأدلّة على الموضوعيّة إلّا أنّ هذه غير جارية في العناوين الإدراكيّة التي تكون طريقاً إلي الواقع كالعلم والتبيّن والرؤية، فإنّ القاعدة العرفيّة فيها بالعكس تقتضي حملها على الطريقة والإراءة المحضة لا الموضوعيّة، وعليه فلا يستفاد من الآية أنّ التبيّن الحسّيّ مأخوذ في موضوع الحكم، ويؤكّد ذلك: أنّه يلزم على القول باعتبار التبيّن الحسّيّ لزوم التأخّر في الليالي ذات الغيم الأبيض، فإنّ الجوّ في هذه الليالي يتنوّر طيلة الليل، ومن أجله لا يمكن رؤية ضوء الفجر في الاُفق، مع أنّه لا إشكال في أنّه مع إحراز طلوع الفجر واقعاً يحرم الأكل والشرب في الصوم، ويجوز الإتيان بصلاة‌ الفجر وإن لم يتبيّن ضوء الفجر في الاُفق بواسطة الغيم، ومن الواضح أنّه لا فرق هناك بين الغيم وضوء القمر؛ إذ كما أنّ الغيم لا يكون مانعاً عن تكوّن الفجر بل يكون مانعاً عن الرؤية فقط كذلك ضوء القمر، فإنّه أيضاً لا يكون مانعاً عن تكوّن الفجر بل يكون مانعاً عن الرؤية فقط، وعلى هذا فكما أنّ عدم رؤية الفجر بواسطة الغيم لا يوجب عدم ترتّب الحكم كذلك عدم رؤية الفجر بواسطة غلبة ضوء القمر، فإنّه أيضاً لا يوجب عدم ترتّب الحكم»(1).

أقول: بما أنّ الاكتشافات العلميّة الموجودة في زماننا لم تكن موجودة في زمن الشريعة‌ فالإنسان الاعتياديّ لم يكن يدرك معني لحصول الفجر في الليالي المقمرة من دون التبيّن بالبصر، وكان على الشريعة أن تنبّههم على خطئهم، ولم تفعل ذلك، وهذا معناه إمضاء ما كانوا عليه عملاً.

وأمّا النقض الأخير الذي شرحه وهو: أنّ الغيم الأبيض المطبق ينوّر الجوّ طيلة الليل بسبب نور الكواكب التي تنعكس عليه، فهذا جوابه: أنّ كون ذلك قضيّة اتّفاقيّة وليس من قبيل علّيّة نور القمر يوجب عدم اعتناء الإنسان الاعتياديّ بذلك.


(1)المصدر السابق، ص 116-117.
الصفحة 4

ثمّ انتقل السيّد الإمام. رحمه اللّه. من الاستدلال بالكتاب إلي الاستدلال بالسنّة،‌ فقال:

(وأمّا السنّة: فكثيرة ظاهرة في المطلوب، بل بعضها كالنصّ عليه:

فمنها: ما عن الفقيه عن أبي بصير ليث المرادي قال:«‌سألت أبا عبداللّه متي يحرم الطعام والشراب على الصائم، وتحلّ الصلاة صلاة الفجر؟ فقال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطيّة(1) البيضاء...»(2).

ومنها: رواية هشام بن الهذيل عن أبي الحسن الماضي قال: «سألته عن وقت صلاة الفجر؟ فقال: حين يعرض الفجر فتراه مثل نهر سوري(3)»(4).

ومنها: ما عن الرضا: «صلّ صلاة الغداة إذا طلع الفجر وأضاء حسناً»(5).

وظاهر أنّ الكون كالقبطيّة ونهر سوري وأمثال هذه التعبيرات لاينطبق إلّا على التميّز الحسّيّ والإضاءة الحسّيّة.

وأظهر منها خبر عليّ بن مهزيار قال: «كتب أبو الحسن بن الحصين إلي أبي جعفر الثاني معي: جعلت فداك، قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأوّل المستطيل في السماء، ومنهم من يصلّي إذا اعترض في أسفل الاُفق واستبان، ولستُ أعرف أفضل الوقتين فاُصلّي فيه، فإن رأيت أن تُعلمني أفضل الوقتين وتحدّه لي، وكيف أصنع مع القمر والفجر لا يتبيّن معه حتّي يحمرّ ويصبح؟ وكيف أصنع مع الغيم؟ وما حدّ‌ ذلك في السفر والحضر؟ فعلتُ إن شاء اللّه. فكتب بخطّه وقرأته: الفجر. يرحمك اللّه. هو الخيط الأبيض المعترض، وليس هو الأبيض صعداء‌، فلا تصلّ في سفر ولا حضر حتّي تبيّنه، فإنّ اللّه. تبارك وتعالى. لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال: ?وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر?، فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل والشرب في الصوم، وكذلك هو الذي يوجب الصلاة»(6).


(1)القبطيّة: ثياب بيض رقاق من كتّان يتّخذ بمصر. (نقل ذلك عن الصحاح).
(2)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، كتاب الصلاة، ب 27 من المواقيت، ح 1، ص 209.
(3)سوري: موضع بالعراق من أرض بابل، وهو بلد السريانيّين. (نقل ذلك عن لسان العرب). وعن معجم البلدان: سوراء موضع في العراق في أرض بابل.
(4)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، كتاب الصلاة، ب 27 من المواقيت، ح 6، ص212.
(5)مستدرك الوسائل، ج 3، ب 21 من المواقيت، ح 3، ص 139.
(6)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 27 من المواقيت، ح 4، ص 210-211.
الصفحة 5

واشتماله على الغيم في سؤال السائل لا ينافي ما نحن بصدده، فإنّ الفرق بين ضوء القمر الذي هو مانع عن تحقّق البياض رأساً مع الغيم الذي هو كحجاب عارضيّ مانع عن الرؤية، واضح.

هذا كلّه مضافاً إلي أنّ مقتضي الأصل أو الاُصول ذلك، ولا مخرج عنها، فإنّ الأدلّة لو لم تكن ظاهرة فيما ذكرنا لما كانت ظاهرة في القول الآخر، فلا محيص عن التمسّك بالاستصحاب الموضوعيّ أو الحكميّ مع الخدشة في الأوّل)(1).

والظاهر: أنّ مقصود السيّد الإمام. رحمه اللّه. من قوله: «مع الخدشة في الأوّل»: أنّ الاستصحاب الموضوعيّ لعدم طلوع الفجر مخدوش؛ لأنّ طلوع الفجر بأحد المعنيين. وهو طلوعه في الاُفق الواقعيّ. مقطوع التحقّق، وبالمعني الآخر. وهو طلوعه بالشكل الذي يتبيّن للعين. مقطوع العدم.

وهناك روايات اُخري غير الروايات التي جمعها السيّد الإمام. رحمه اللّه. من قبيل ما يلي:

1- حديث يزيد بن خليفة عن أبي عبداللّه قال: «وقت الفجر حين يبدو حتّي‌ يضيء»(2).

2- صحيحة أبي بصير المكفوف قال: «سألت أبا عبداللّه عن الصائم متي ‌يحرم عليه الطعام؟ فقال: إذا كان الفجر كالقبطيّة البيضاء. قلت: فمتي تحلّ الصلاة؟ فقال: إذا كان كذلك...»(3).

3- صحيحة الحلبيّ قال: «سألت أبا عبداللّه عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ فقال: بياض النهار من سواد الليل. قال: وكان بلال يؤذّن للنبيّ (صلّي اللّه عليه وآله)، وابن اُمّ مكتوم. وكان أعمي. يؤذّن بليل، ويؤذّن بلال حين يطلع الفجر، فقال النبيّ (صلّي اللّه عليه وآله): إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب، فقد أصبحتم»(4).


(1)رسالة من الرسائل العشرة التي جمعت أخيراً من قِبَل "مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ قدّس سره"، ص 199-205.
(2)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 21 من المواقيت، ح 3، ص 207. وعيب السند هو يزيد بن خليفة الذي هو واقفيّ ولم يرد توثيق بشأنه، ولكن يجبره أنّه روي‌ عنه صفوان بن يحيي.
(3)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 28 من المواقيت، ح 2، ص 213.
(4)وسائل الشيعة، ج 10 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 42 من وقت الإمساك، ح 1، ص 111.
الصفحة 7

وأورد على ذلك السيّد الخوئيّ. رحمه اللّه. بقوله: «ولكن الظاهر عدم الفرق بين ضوء القمر وبين غيره من موانع الرؤية، فإنّه أيضاً مانع عن التبيّن الذي اُخذ في الموضوع طريقاً لاستعلام الفجر وكاشفاً عن تحقّقه، ضرورة‌ عدم الفرق في أصل تكوين البياض بين الليالي المقمرة وبين غيرها، والقاهريّة المدّعاة إنّما تمنع عن فعليّة الرؤية لا عن تحقّق المرئيّ، كما يرشدك إليه فرض الانخساف في هذه الحالة، فإنّ البياض الموجود يستبين وقتئذٍ بنفسه لا محالة، فإذا علم به من أيّ سبيل كان ولو من غير طريق الرؤية ترتّب عليه الحكم بطبيعة الحال، وبالجملة حال ضياء القمر حال الأنوار الكهربائيّة في الأعصار المتأخّرة، ولا سيّما ذوات الأشعّة القويّة؛ لاشتراك الكلّ في القاهريّة، غاية الأمر أنّ منطقة الأوّل أوسع ودائرته أشمل من غير أن يستوجب ذلك فرقاً في مناط القهر كما هو واضح، فالقصور في جميع هذه الفروض إنّما هو في ناحية‌ الرائي دون المرئيّ، وأمّا قياس المقام بالتغيّر التقديريّ فهو مع الفارق الظاهر؛ إذ المستفاد من الأدلّة أنّ ‌الموضوع للنجاسة هو التغيّر الفعليّ الحسّيّ، فله موضوعيّة في تعلّق الحكم، ولا يكاد يترتّب ما لم يتحقّق التغيّر ولم يكن فعليّاً في الخارج، ولا يكفي الفرض والتقدير، وأمّا في المقام فالأثر مترتّب على نفس البياض، والتبيّن طريق إلي إحرازه وسبيل إلي عرفانه، والمفروض تحقّقه في نفسه غير أنّ ضوء القمر مانع عن رؤيته، فالتقدير في الرؤية لا في المرئيّ، فإنّه فعليّ بشهادة ما عرفت: من افتراض الانخساف، فإذا علم المكلّف بتحقّقه بحسب الموازين العلميّة المساوق للعلم بطلوع الفجر كيف يسوغ له الأكل في شهر رمضان، أو يمنع من الدخول في الصلاة بزعم عدم تحقّق الرؤية، فإنّ هذه الدعوي‌ غير قابلة للإصغاء كما لا يخفي»(1).

أقول: إنّ الاكتشافات الحديثة لم تكن موجودة في زمن الشريعة، فالناس الاعتياديّون كانوا يفهمون من تبيّن الفجر تبيّن الفجر للحسّ البصريّ لدي عدم خلق مانع بشريّ عن التبيّن، من قبيل إرسال الأشعّة القاهرة‌ في الفضاء، وكانوا يرون أنّ تبيّن الفجر في حدّ ذاته مساوق للانفجار الحقيقيّ، وكان على الشريعة ردعهم عن هذا الفهم ولم تردعهم، فيعتبر هذا إمضاءً لعملهم.

وأخيراً يوجد إشكال آخر على كلام السيّد الإمام والمحقّق الهمدانيّ رحمة اللّه عليهما، وهو مؤتلف من مقدّمتين:


(1)كتاب المستند للشيخ مرتضي البروجرديّ، وهو المجلّد 11 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 201-202.
الصفحة 6

4- معتبرة سماعة بن مهران قال: «سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان؟ فقال: إن كان قام فنظر فلم يرَ الفجر، فأكل ثمّ عاد فرأي الفجر فليتمّ صومه، ولا إعادة عليه، وإن كان قام فأكل وشرب ثمّ نظر إلي الفجر فرأي أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه، ويقضي يوماً آخر؛ لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر، فعليه الإعادة»(1).

5- صحيحة معاوية بن عمّار قال: «قلت لأبي عبداللّه: آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا، فتقول: لم يطلع بعد. فآكل، ثمّ أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت. قال: اقضه، أمّا إنّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شيء»(2).

6- صحيحة عيص بن القاسم قال: «سألت أبا عبداللّه عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرّون في بيت، فنظر إلي الفجر، فناداهم أنّه قد طلع الفجر، فكفّ بعض، وظنّ بعض آخر أنّه يسخر، فأكل؟ فقال: يتمّ ويقضي»(3).

7- معتبرة سماعة قال: «سألته عن رجلين قاما فنظرا إلي الفجر، فقال أحدهما: هو ذا، وقال الآخر: ما أري شيئاً؟ قال: فليأكل الذي لم يستبن له الفجر، وقد حرم على الذي زعم أنّه رأي الفجر، إنّ اللّه عزّوجل يقول: ?كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر?»(4).

والإنصاف أنّ الآية المباركة والروايات الكثيرة واضحة الدلالة فيما أفاده السيّد الإمام رضوان اللّه عليه، وسبقه إلي ذلك المحقّق الهمدانيّ. رحمه اللّه. في مصباح الفقيه وقال ما لفظه:

«مقتضي ظاهر الكتاب والسنّة وكذا فتاوي الأصحاب اعتبار اعتراض الفجر وتبيّنه في الاُفق بالفعل، فلا يكفي التقدير مع القمر لو أثّر في تأخّر تبيّن البياض المعترض في الاُفق، ولا يقاس ذلك بالغيم ونحوه؛ فإنّ ضوء القمر مانع عن تحقّق البياض ما لم يقهره ضوء الفجر، والغيم مانع عن الرؤية لا عن التحقّق، وقد تقدّم في مسألة التغيّر التقديريّ في مبحث المياه من كتاب الطهارة ما له نفع للمقام، فراجع»(5).


(1)المصدر السابق، ب 44 من وقت الإمساك، ح 3، ص 116.
(2)وسائل الشيعة، ج 10 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 46 من وقت الإمساك، الحديث الوحيد في الباب، ص 118.
(3)المصدر السابق، ب 47 من وقت الإمساك، الحديث الوحيد في الباب، ص 119.
(4) المصدر السابق، ب 48 من وقت الإمساك، الحديث الوحيد في الباب، ص 119.
(5)أخذته من كتاب المستند تقريراً لبحث السيّد الخوئيّ رحمه اللّه، وهو المجلّد 11 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 201.
الصفحة 8

الاُولي: أنّ الفجر الكاذب أيضاً له بعض الأحكام، وقد دلّت على ذلك بعض الروايات من قبيل:

1- صحيحة معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبداللّه عن أفضل ساعات الوتر؟ فقال: الفجر أوّل ذلك»(1). وطبعاً المقصود هو الفجر الكاذب.

2- صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعريّ قال: «سألت أبا الحسن الرضا عن ساعات الوتر؟ قال: أحبّها إليّ الفجر الأوّل، وسألته عن أفضل ساعات الليل؟ قال: الثلث الباقي...»(2). وتكملة الحديث واردة في التهذيب، وهي ما يلي: «وسألته عن الوتر بعد فجر الصبح؟ قال: نعم قد كان أبي ربما أوتر بعد ما انفجر الصبح»(3).

وهناك بعض روايات ضعاف تشبه هاتين الروايتين الصحيحتين، من قبيل: رواية زرارة(4)، ومرسلة إسحاق بن عمّار عمّن أخبره عنه (5).

والثانية: أنّه إن اُخذ بإطلاق هذه الروايات للّيالي المقمرة لزم أن يكون المقصود بالفجر الكاذب واقع الفجر الكاذب والذي هو مختفٍ بنور القمر، فهذا يؤيّد حمل فجر الصبح أيضاً على الانفجار الواقعيّ المختفي بنور القمر في الليالي المقمرة.

وقد وقع الالتفات إلي هذه النكتة من قِبَل المرحوم السيّد أحمد الخونساريّ. رحمه اللّه. في كتابه (جامع المدارك في شرح مختصر النافع)(6).

أقول: ويدعم ذلك التقابل الواقع فيما مضي: من صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعريّ، بين الفجر الأوّل وفجر الصبح.

وهذا أقوي اعتراض يمكن الاعتراض به على كلام السيّد الإمام والمحقّق الهمدانيّ رحمة اللّه عليهما.


(1)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 54 من المواقيت، ح 1، ص 271.
(2)المصدر السابق، ح 4، ص 272.
(3)التهذيب، ج. بحسب طبعة الآخونديّ، ص 339، ورقم الحديث بالتسلسل العامّ: 1401.
(4)وسائل الشيعة، ج. بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 54 من المواقيت، ح 5، ص 272.
(5)المصدر السابق، ب 51 من المواقيت، ح 7، ص 267.
(6)جامع المدارك في شرح مختصر النافع، ج 1، ص 243.
الصفحة 9

ومع ذلك أقول: يبدو لنا أنّ تخصيص الروايات التي حكمت بحكم خاصّ على الفجر الكاذب بالنظر إلي الوقت الواقعيّ لانفجاره في محلّه، وإبقاء الأدلّة الدالّة على أنّ المقياس في الإمساك عن الطعام للصوم وفي الانشغال بصلاة الصبح هو التبيّن الحسّيّ على ظاهرها أمر محتمل على أقلّ تقدير.

والاحتمال الآخر حمل حكم الفجر الكاذب على الليالي غير المقمرة.

وبالتالي لا نستطيع رفع اليد عن الاحتياط الوجوبيّ بتقديم الإمساك وتأخير الصلاة ‌في الليالي المقمرة.