عدد الصفحات:

المؤلفات > تزكية النفس من منظور الثقلين (7) التّوبة والأنابة (2)

الصفحة 1



تزكية النفس من منظور الثقلين (7)
التّوبة والأنابة (2)

إنّ البعض يقول في المقام (1): إنّ التجرّد للخير دأب الملائكة المقرّبين، والتجرد للشر دون التلافي سجيّة الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الأدميّين. فالمتجرّد للخير ملك مقرّب عند الملك الديّان، والمتجرد للشرّ شيطان، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان، كما صدر ذلك من أبينا آدم (عليه السلام)، فقد ازدوجت في طينة الإنسان شائبتان، واصطحبت فيه سجيتان، وكلّ عبد مصحّح نسبه إمّا إلى الملك، أو إلى آدم، أو إلى الشيطان. فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حدّ الإنسان، والمصرّ على الطغيان مسجّل على نفسه بنسب الشيطان. ولقد قلع آدم (عليه السلام) سنّ الندم، وتندّم على ما سبق منه وتقدّم، فمن اتَّخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلّت به القدم. فأمّا تصحيح النسب بالتجرد لمحض الخير إلى الملائكة فخارج عن حيّز الإمكان، فإنّ الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجناً محكماً لا يخلصه إلّا إحدى النارين: نار الندم، أو نار جهنّم، فإحراق النار ضروري في تخليص جوهر الإنسان عن خبائث الشيطان. وإليك الآن اختيار أهون الشرّين، والمبادرة إلى أخفّ النارين قبل أن يطوى بساط الاختيار، ويساق إلى دار الاضطرار إمّا إلى الجنّة أو إلى النار.

أقول: كلّ ما ذكره هذا القائل صحيح عدا افتراض أنّ التمحّض للخير خارج بالنسبة للإنسان عن حيّز الإمكان، فإنّ هذه الفكرة ناتجة من مذهبه ـ بما هو من أهل التسنن ـ من إنكار العصمة، أمّا نحن فنؤمن بمبدأ العصمة للمعصومين، وهم متمحّضون في الخير، وبإمكان غير المعصومين بالذات ان يتمحّضوا في الخير اقتداءً بالمعصومين (عليهم السلام) عن طريق تربية النفس، ولم يجعل الله المعصومين إلّا قدوة للأنام، وأمر الله ـ تعالى ـ الناس بالاقتداء بهم، قال عزّ من قائل: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾(2).


(1) المحجة البيضاء 7/3 ـ. نقلاً عن الإحياء للغزالي، ونحن نقلناه هنا مع تغيير يسير في ترتيب العبارة.
(2) السورة 33، الاحزاب، الآية: 21.
الصفحة 2

وما ظنّك بإنسان تنزّه عن شرب الماء على رغم عطشه الذي لا يتصوّر ولا يطاق، لا لحرمة شرب الماء ولا لكراهته، بل ولا لأجل الإيثار، فإنّ تركه لشرب الماء على المشرعة لم يكن فيه إيثار على الحسين وأهل بيته، بل لأجل مجرّد المؤاساة لإمام زمانه وأهل بيته، وقال:

هذا الحسينُ واردُ المنونِ *** وتشربين باردَ المعينِ

تاللهِ ما هذا فعالُ دينِ(1)فبالله عليك هل تحتمل بشأن هذا الإنسان أن يعصي الله طرفة عين ؟!!

وما ظنّك بامرأة اُثكلت في يوم واحد بأولادها وإخوتها وسائر عشيرتها، وأُسرت وحُملت مع نسائها على الأقتاب، ومررن على مقتل الحسين والأصحاب، فنظرت إلى إمام زمانها عليّ بن الحسين (عليه السلام) تكاد نفسه تخرج من شدة المصاب، فقالت: ـ مسلّية لإمامها منجيةً له من الموت ـ: مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟ وأخذت تسلّيه وتذكر له أنّه سيأتي جمع لا تعرفهم فراعنة هذه الأمّة ـ وهم معروفون في أهل السماوات ـ إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة، فيوارونها وهذه الجسوم المضرّجة، وينصبون لهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرَس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام.. إلى أن ذكرت له (عليه السلام) حديث أُمّ أيمن. وعن هذا الطريق أنجت إمام زمانها من الموت(2) فبالله عليك هل تحتمل بامرأة كهذه أن تعصي الله طرفة عين؟!

وأمّا ما اشتهر من انحصار المعصومين في هذه الأ مّة في أربعة عشر فالمقصود بذلك أولئك الذين خُلِقوا معصومين دون الذين عصموا أنفسهم بعد الولادة بالتربية وبحول الله اقتداءً بهم.

وفي ختام حديثنا عن ضرورة التوبة نشير إلى كلمتين نُقِلتا عن بعض السلف أو عن بعض العارفين، وهما وإن لم أرهما منتهيين إلى إمام معصوم ولكن فيهما عظة وعبرة، ونشير ـ أيضاً ـ إلى رواية لم أرها إلّا في نقل الغزالي، ولكن فيها ـ أيضاً ـ عظة وعبرة:


(1) البحار 45/41 تحت الخط.
(2) راجع البحار 45/179 ـ 183.
الصفحة 4

الثاني ـ مقدّمة التوبة:

قد يقال: إنّ مقدّمة التوبة هي اليقظة؛ وذلك أنّ الإنسان بفطرته السليمة مجبول على التوحيد وعلى آثار التوحيد التي لا تكون إلّا الخير والصلاح، وكلّ ذنب صدر عن العبد كان غباراً على تلك الفطرة وإخماداً لنورها ورَيْناً عليها، ولا تحصل التوبة إلّا بالتيقّظ والرجوع إلى الاهتداء بنور الفطرة ومسح الغبار.

والشاهد القرآني على كون التوحيد بجميع ما له من أغصان الخير وأوراقه وثماره أمراً فطرياً للبشر وأنّ مخالفة ذلك مخالفة للفطرة عدّة آيات من قبيل قوله تعالى :

1 ـ ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾(1).

2 ـ ﴿فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولّوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم. صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾(2).

3 ـ ﴿وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انّا كنّا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرّيّة من بعدهم أفتُهلكنا بما فعل المبطلون﴾(3).

سواءٌ فسّرنا هذه الآية ابتداءً بمسألة الفطرة أو فسّرناها بعالم الذر فإنها على الثاني ـ أيضاً ـ تدلّ على أنّ التوحيد صار بسبب ما جرى في عالم الذرّ فطريّاً، وإلا فما قيمة عهد نسيه المتعهّد، وكيف يُحتجّ به عليه؟!

وقد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه و آله): «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه»(4).

فكلّ انحراف عن هذه الفطرة بالذنب لا يمكن أن يتوب العبد منه قبل تيقّظه ورجوعه ولو بمقدار ناقص إلى تلك الفطرة، وهذا ما قد نسمّيه باليقظة.


(1) السورة 30، الروم، الآية: 30.
(2) السورة 2، البقرة، الآيتان: 137 ـ 138.
(3) السورة 7، الأعراف، الآيتان: 172 ـ 173.
(4) البحار. / 281.
الصفحة 3

1 ـ رُوِي عن بعض السلف(1) أنّه قال: «ما من عبد يعصي إلّا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف(2) به واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسَفاً، فيقول الله ـ تعالى ـ للأرض والسماء: كفّا عن عبدي وأمهلاه، فإنّكما لم تخلقاه، ولو خلقتماه لرحمتماه، لعلّه يتوب إليّ فأغفر له، لعلّه يستبدل صالحاً فاُبدله حسنات، فذلك معنى قوله تعالى: ﴿إنّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده...﴾(3)».

2 ـ رُوِيَ عن بعض العارفين(4) أنّه قال: «إنّ لله ـ تعالى ـ إلى عبده سرّين يسرّهما إليه على سبيل الإلهام: أحدهما إذاخرج من بطن أُمّه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عمرك، وائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني. والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء، أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿... أوفوا بعهدي أُوف بعهدكم...﴾(5) وبقوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾(6)».

3 ـ عن النبي (صلى الله عليه و آله): «ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلّا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات:

يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يُخلَقوا.

ويقول الآخر: يا ليتهم إذ خُلقوا علموا لماذا خُلقوا.

فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعلموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا.

وفي بعض الروايات: (ويا ليتهم إذ لم يعلموا لماذا خلقوا تجالسوا فتذاكروا ما علموا).

فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعملوا بما علموا تابوا ممّا عملوا»(7).


(1) نقله في المحجة 7/94 عن الإحياء للغزالي.
(2) يؤيده ما ورد في الدعاء بعد صلاة زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) خطاباً لله تعالى: سيدي لو علمت الأرض بذنوبي لساخت بي أو الجبال لهدّتني أو السماوات لاختطفتني أو البحار لاغرقتني... راجع مفاتيح الجنان باب زيارة الإمام الرضا: 502.
(3) السورة 35، فاطر، الآية: 41.
(4) نقله في المحجة 7/22 عن الإحياء للغزالي.
(5) السورة 2، البقرة، الآية: 40.
(6) السورة 23، المؤمنون، الآية:..
(7) المحجة البيضاء 7/93 ـ94 نقلاً عن الإحياء للغزالي.
الصفحة 5

واليقظة هي أحد التفسيرين للقيام في قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكّروا ما بصاحبكم من جنّة إن هو إلّا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾(1) فالقيام هنا تارةً يفسّر بالمعنى العام للقيام في سبيل العمل لله تعالى، ولعلّ الأنسب ـ عندئذ ـ أن يكون قوله: ﴿ما بصاحبكم من جنّة﴾بياناً لمتعلق التفكير، أي: تفكّروا حتى تعرفوا ما بصاحبكم من جنّة وتتضح لكم طريقة العمل في سبيل الله.

وأُخرى يفسّر بمعنى القومة من السُباة، وهي اليقظة من سِنة الغفلة كما فسّره بذلك العارف المعروف بعبد الله الانصاري(2) ولعلّ الأنسب ـ عندئذ ـ أن يكون قوله ﴿ثم تتفكّروا﴾ هو موطن الوقف في الآية، ويكون قوله: ﴿ما بصاحبكم من جنّة﴾ كلاماً مستقلاً، والمعنى ـ عندئذ ـ أن اليقظة تكون بالقيام من سِنة الغفلة ثُمّ التفكّر.

وعلى أيّة حال، فاليقظة تكون بعدّة أسباب، منها ما يلي:

أولاً ـ ملاحظة نِعَم الله ـ سبحانه وتعالى ـ التي لا تُحصى، فأوّل النِّعم ببعض المعاني هو الوجود؛ إذ هي الأرضية التي تبتني عليها باقي النِّعم، وببعض المعاني هو الهداية إلى الإيمان؛ لأنّ الإيمان أشرف من كلّ شيء، وببعض المعاني هو العقل، إذ لولاه لما كان مجال للإيمان ولا للالتذاذ الكامل بالنِّعم الاُخرى. وسائر النعم التي تأتي بعد هذه الاُمور لا تُحصى، قال الله تعالى:

1 ـ ﴿... وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة...﴾(3).

2 ـ ﴿وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها...﴾(4).

وتتجلّى النِّعم عند لحظ المحرومين منها، أو لحظ ذوي العاهات والبلاء.

وليس من الصدف ما نراه من أنّ القرآن العظيم يشير إلى نِعم الله في مواضع لا تُحصى من القرآن، فتأثير تذكّر النِّعم الإلهيّة في حصول اليقظة واضح؛ لأنّه يثير حالة الشكر من ناحية، والتي هي مصدر وجوب الطاعة عقلاً، ويخلق في النفوس الحبّ لله ـ سبحانه وتعالى ـ من ناحية اُخرى، والتي هي المصدر العاطفي للطاعة.


(1) السورة 34، سبأ، الآية: 46.
(2) راجع منازل السائرين الباب الأوّل من البدايات، وهو باب اليقظة.
(3) السورة 31، لقمان، الآية: 20.
(4) السورة 16، النحل، الآية: 18، والسورة 14، إبراهيم، الآية: 34.
الصفحة 6

وقد ورد عن الصادق (عليه السلام): أنّه قال: «ما أحبّ الله من عصاه»(1).

ولسنا الآن هنا بصدد ذكر نِعم الله التي لا تُحصى، ولكنّنا نذكر كإشارة إلى ذلك مقطعاً قرآنياً رائعاً من سورة النحل، وهو قوله سبحانه وتعالى : ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالاَْرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ* خَلَقَ الاِْنْسانَ مِنْ نُطْفَة فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَالاَْنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ* وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ إِلى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الاَْنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ والجملة الأخيرة تشير في الأكثر إلى مركوبات اليوم: من قبيل السيّارات والطائرات ونحوها ﴿وعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ وكأنّ هذا إشارة إلى نِعْمة الإيمان ﴿ومِنْها جَائرٌ﴾ وكأنّ هذا إشارة إلى وجود السُبل المنحرفة والتحذير منها ﴿وَلَوْ شَاء لَهَداكُمْ أجْمَعينَ﴾ وكأنّ هذا إشارة إلى عدم الهداية بالجبر التي تسقط الهداية عن قيمتها ﴿هُوَ الَّذي أنزَلَ مِنَ السَّماء ماءً لَكُمْ مِنْهُ شرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فيهِ تُسِيمُون* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُون والنَّخيلَ والأعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمراتِ إنّ في ذلكِ لآيةً لِقَوْم يتفكّرون* وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيل والنَّهارَ والشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّرات بأمْرِهِ إنَّ في ذلكَ لآيات لِقَوم يعقلونَ. وما ذَرألَكُمْ في الأرضِ مُختَلِفاً ألوانُهُ إنَّ في ذلك لآيةً لقومٍ يذّكّرون﴾ ويجلب الانتباه الإشارة تحت الآيات الثلاث الأخيرة إلى أن هذه آيات لقوم يتفكّرون ـ يعقلون ـ يذّكّرون، فهذه نعم من ناحية وآيات، وعلامات على وجود الله وحكمته ووجوب شكره من ناحية اُخرى ﴿وَهُوَ الَّذي سَخَّر البَحْرَ لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَريّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسونَها وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا من فَضْلِهِ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُون* وألْقى في الأرضَ رَوَاسي أن تَميدَ بِكُمْ وأنهاراً وسُبُلاً لَعلَّكمْ تَهْتَدونَ* وَعَلامَات وبِالنَّجمِ هُمْ يَهْتَدُون* أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذكَّرُون﴾ وهذه الآية الأخيرة يتجلّى مغزاها حينما نعلم أنّ المشركين ـ آنئذ ـ لم يكونوا ينسبون الخَلقَ إلى أصنامهم، بل كانوا يعترفون بأنّ الخَلقَ لله تعالى ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الله لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾(2).

وحاصل الكلام: أنّ ما في السماوات والأرض من النِّعَم مسخّرات لخدمة البشر.


(1) البحار 70. 15.
(2) السورة 16، النحل، الآيات:. ـ 18.
الصفحة 7

ولابدّ من الالتفات ـ أيضاً ـ إلى عجزنا عن شكر الله تبارك وتعالى؛ لأنّ الشكر يعني: مقابلة نِعْمة المنعم بشيء، يقدّمه المنعم عليه إلى المنعم ممّا يملكه هو مجازاةً لنعمه، ولو بأن يكتفي ببسمة شفة أو شُكر لسان إن لم يكن قادراً على مجازاته بالمال أو بسائر الخدمات.

أمّا أن يقدّم المنعم عليه شيئاً إلى المنعم من النِّعم التي أخذها منه وهي مازالت ملكاً للمنعم، فلا يعدّ شكراً؛ لأنّه كان وما زال ملكاً للمنعم، ولم يكن من قبل المنعم عليه مستقلاًّ. فالعبد كيف يشكر ربّه بشكر لسان أو بمدح وثناء أو بطاعة وعبادة في حين أنّ هذا كلّه لا يكون إلّا بما هو ملك لله تعالى لا له، وهو سبحانه وتعالى يستوجب شكراً على الشكر.

وقد ورد في مناجاة الشاكرين(1): «... فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر، فكلّما قلت لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول: لك الحمد...».

وفي الحديث: عن الصادق (عليه السلام) قال: «فيما أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى موسى (عليه السلام) يا موسى اشكرني حقّ شكري، فقال: يا ربّ وكيف أشكرك حقّ شكرك وليس من شكر أشكرك به إلّا وأنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى الآن شكرتني حين علمت أن ذلك منّي»(2).

وقد ورد في الدعاء الذي يقرأ بعد صلاة زيارة الإمام الرضا (عليه السلام): «... لا تُحمَدُ يا سيدي إلّا بتوفيق منك يقتضي حمداً، ولا تشكر على أصغر منّة إلّا استوجبت بها شكراً، فمتى تُحصى نعماؤك يا إلهي؟ وتُجازى آلاؤك يا مولاي؟ وتكافأ صنائعك يا سيدي؟ ومن نعمك يحمد الحامدون، ومن شكرك يشكر الشاكرون...»(3).

وثانياً ـ معرفة عِظَم الجناية التي ارتكبناها لدى المعصية وخطرها.


(1) وهي المناجاة السادسة من الخمس عشرة المعروفة.
(2) اُصول الكافي 2/98، الحديث 27.
(3) مفاتيح الجنان، فصل زيارة الإمام الرضا (عليه السلام)
الصفحة 8

وقد قيل(1): إنّ ذلك يكون باُمور ثلاثة: بتعظيم الحقّ جلّ وعلا، ومعرفة النفس، وتصديق الوعيد.

أمّا تعظيم الحقّ جلّ وعلا فهذا ما يوجب فهم عظمة المعصية؛ لأنّ عظمة المعصية تكون بتناسب عظمة المولى الذي عصاه العبد.

وقد ورد عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من عرف الله وعظّمه منع فاه من الكلام (طبعاً المقصود الكلام الذي لا يعنيه) وبطنه من الطعام (والمقصود هو الصوم أو عدم التخمة) وعفى(2) نفسه بالصيام والقيام. قالوا: بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله، قال: إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة. لولا الآجال التي قد كتب الله عليهم لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العقاب وشوقاً إلى الثواب»(3).

وممّا يشير إلى أنّ العاصي يجب أن يلتفت إلى عظمة مَنْ عصاه ما ورد في دعاء أبي حمزة: «... أنا الذي عصيت جبّار السماء...»(4).

وأمّا معرفة النفس فلو عرف الإنسان خسّة نفسه، وفقره الذاتي، واحتياجه الكامل إلى الله سبحانه وتعالى، التفت إلى عِظم الذنب أكثر فأكثر، واتّجه إلى التوبة بشكل أقوى.

ومن الروايات الطريفة الواردة بشأن النفس ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) وهو ما يلي:


(1) راجع منازل السائرين الباب. من البدايات، باب اليقظة.
(2) لعلّ الصحيح كتبه بالألف، أي: (عفا) أي: طلب معروف نفسه بالصيام والقيام.
(3) البحار 69/288 ـ 289.
(4) مفاتيح الجنان، دعاء أبي حمزة.
الصفحة 9

دخل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) رجل اسمه مجاشع، فقال: «يا رسول الله كيف الطريق إلى معرفة الحقِّ، فقال (صلى الله عليه و آله) معرفة النفس. فقال يا رسول الله فكيف الطريق إلى موافقة الحقّ؟ قال: مخالفة النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى رضا الحقّ؟ قال: سخط النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى وصل الحقّ؟ قال: هجر النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى طاعة الحقّ؟ قال: عصيان النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى ذكر الحق؟ قال: نسيان النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى قرب الحقّ؟ قال: التباعد عن النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى أُنس الحقّ؟ قال: الوحشة من النفس. فقال: يا رسول الله فكيف الطريق إلى ذلك؟ قال: الاستعانة بالحقّ على النفس»(1).

وتصديق ذيل الحديث وهو ضرورة الاستعانة بالحقّ على النفس وارد في قوله تعالى: ﴿... ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً...﴾(2).

وأمّا تصديق الوعيد فلولاه لم يكن أحد يطيع الله، ولا أحد يتوب إلى الله، إلّا المعصوم أو من يتلو تلو العصمة. فعلينا أن نلتفت إلى عذاب الله في الآخرة، ونقيسه إلى عذاب الدنيا الذي لا يعتبر بالنسبة لذاك عذاباً اصلاً. ونخاطب ربّنا بقولنا: «... أنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها، وما يجري فيها من المكاره على أهلها، على أن ذلك بلاء ومكروه قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدّته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها، وهو بلاء تطول مدّته، ويدوم مقامه، ولا يخفّف عن أهله؛ لأنّه لا يكون إلّا عن غضبك وانتقامك وسخطك، وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض...»(3).

وقد ورد في الحديث عن الصادق (عليه السلام): «أن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم، وقد اُطفأت سبعين مرّة بالماء ثُمّ التهبت، ولولا ذلك ما استطاع آدميّ أن يطفأها، وإنّه ليؤتى بها يوم القيامة حتى توضع على النار، فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلّا جثا على ركبتيه فزعاً من صرختها»(4).


(1) البحار 70/72.
(2) السورة 24، النور، الآية: 21.
(3) مفاتيح الجنان، دعاء كميل.
(4) البحار 8/288.
الصفحة 10

أقول: أظنّ أنّ النار الصارخة هي نار جهنم كما يشهد لذلك قوله تعالى: (إذا رأَتْهُم مِن مَكان بَعيد (وقد فسّر بمسيرة سنة)(1) سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفيراً)(2).

وفي حديث مفصّل يصف جبرئيل نار جهنّم لرسول الله (صلى الله عليه و آله): «... لو أنّ مثل خرق إبرة خرج منها على أهل الأرض لاحترقوا عن آخرهم...»(3).

والروايات في أوصاف عذاب جهنم كثيرة لا تُحصى. وقد نسلّي أنفسنا عن كلّ واحدة منها بأنّه خبر واحد يحتمل الصدق والكذب، ولكن ماذا نفعل بتواترها المعنوي أو الإجمالي؟! ثُمّ ماذا نفعل بالقرآن الذي هو مليء بذكر أوصاف عذاب جهنم بما يقشعرّ جلد الإنسان لمجرّد سماعه، ولو لم تكن إلّا آية واحدة لكفت، وهي قوله تعالى: ﴿... كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب...﴾(4) وقد قالوا: إنّ الجلد هو مركز الإحساس بالألم، وليس اللحم؛ ولذا لو غرزت جلدك بإبرة تحسّ بالألم، ثم لا تحسّ بالألم بتعمق الإبرة في لحمك. وقد اعتاد جبّارُوا الدنيا باختيار سائر التعذيبات على التعذيب بالنار؛ لأنّ النار تنهي المعذّب وتميته، فيستريح من العذاب، ولكن نار جهنم لا تنهي المعذّب ولا تميته، بل الجلد يتبدّل متى نضج الجلد السابق. وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا...﴾(5).

وإنّي أختم الحديث عن مسألة الوعيد هنا برواية واحدة تامّة سنداً، وهي ما ورد(6) عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما خلق الله خلقاً إلّا جعل له في الجنّة منزلاً وفي النار منزلاً، فإذا سكن أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار نادى مناد: يا أهل الجنة أشرفوا، فيشرفون على النار، وترفع لهم منازلهم فيها، ثُمّ يقال لهم: هذه منازلكم التي لو عصيتم الله دخلتموها قال: فلو أنّ أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة في ذلك اليوم فرحاً؛ لما صرفَ عنهم من العذاب، ثم ينادي مناد: يا أهل النار ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنة وما فيها من النعيم، فيقال لهم: هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم دخلتموها، قال: فلو أنّ أحداً مات حزناً لمات أهل النار حزناً، فيورث هؤلاء منازل هؤلاء، ويورث هؤلاء منازل هؤلاء، وذلك قول الله: ﴿اولئك هم الوارثون* الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾(7) ».


(1) البحار. / 288، نقلاً عن تفسير عليّ بن إبراهيم.
(2) السورة 25، الفرقان، الآية: 12.
(3) البحار 8/305.
(4) السورة 4، النساء، الآية: 56.
(5) السورة 35، فاطر، الآية: 36.
(6) البحار 8/287.
(7) السورة 23، المؤمنون، الآيتان: 10 ـ 11.
الصفحة 11

أقول: إنّ هذه الرواية تدلّ على أنّ الجنة لها علوّ مكاني على جهنم، وكأنه يشير إلى ذلك ـ أيضاً ـ قوله تعالى: ﴿إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين﴾ (1).

وثالثاً ـ مطالعة الزيادة والنقصان الواقعين فيما مضى من عمره؛ كي يتحسّر على ما حصل منه من نقصان، ويسعى في عدم تضييع ما بقي من عمره، ويتدارك ما فاته في الماضي.

وقد ورد في هذا المضمون حديث شريف عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنّما الدهر ثلاثة أيام أنت فيما بينهنّ مضى أمس بما فيه فلا يرجع أبداً، فإن كنت عملت فيه خيراً لم تحزن لذهابه، وفرحت بما أسلفته منه، وإن كنت قد فرّطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه وتفريطك فيه. وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرّة، ولا تدري لعلّك لا تبلغه، وإن بلغته لعلّ حظك فيه التفريط مثل حظّك في الأمس الماضي عنك، فيوم من الثلاثة قد مضى أنت فيه مفرّط، ويوم تنتظره لست أنت منه على يقين من ترك التفريط، وإنّما هو  يومك الذي أصبحت فيه، وقد ينبغي لك إن عقلت وفكّرت فيما فرّطت في الأمس الماضي ممّا فاتك فيه من حسنات أن لا تكون اكتسبتها، ومن سيئات أن لا  تكون أقصرت عنها، وأنت مع هذا مع استقبال غد على غير ثقة من أن تبلغه، وعلى غير يقين من اكتساب حسنة أو مرتدع عن سيئة محبطة، فأنت من يومك الذي تستقبل على مثل يومك الذي استدبرت، فاعمل عمل رجل ليس يأمل من الأيام إلّا يومه الذي أصبح فيه وليلته، فاعمل أو دع، والله المعين على ذلك»(2).


(1) السورة 7، الأعراف، الآية: 40.
(2) أُصول الكافي 2/453، باب محاسبة العمل، الحديث 1.
الصفحة 12

نعم، من لم يطالع الزيادة والنقصان في ما مضى من عمره كان دائماً مغبوناً؛ لأنّه لن يتدارك ما كان له من النقص، ولا يتوفّق لجعل يومه خيراً من أمسه.

وقد ورد بسند تامّ عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة»(1).

وأيضاً ورد عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «المغبون من غبن عمره ساعة بعد ساعة»(2).

وأيضاً ورد عن الصادق (عليه السلام) أنّه روى عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: «... لا خير في العيش إلّا لرجلين: رجل يزداد في كلّ يوم خيراً، ورجل يتدارك منيته بالتوبة»(3).


(1) الوسائل 16/94، الباب 95 من جهاد النفس، الحديث 5.
(2) المصدر السابق، الحديث 4.
(3) المصدر السابق: ص 93، الحديث 3.