عدد الصفحات:

المؤلفات > مقياس المسافة الشرعيّة مكانيّ أو زمانيّ

الصفحة 1

مقياس المسافة الشرعيّة مكانيّ أو زمانيّ

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

هل المسافة الشرعيّة للسفر بلحاظ المقدار الطوليّ والمكانيّ هي المسافة التي كانت معهودة في عصر النصوص، أو أنّها اختلفت باختلاف وسائل السفر المتعارفة؟

قد يقال: إنّ روايات تحديد المسافة ليست جميعاً قد حدّدت المسافة بالوحدة الطوليّة، كثمانية فراسخ، أو أربعة وعشرين ميلاً، أو كذا كيلو متراً حتّى يقال: إنّ هذا المقدار لا  معنى لتغيّره بتغيّر الزمان، أو بتغيّر وسائل السفر، وإنّما تلك الروايات وردت بألسنة مختلفة قد يمكن حصرها في ثلاثة ألسنة:

الأوّل: هو التحديد بوحدة طوليّة، أو قل بمقدار الابتعاد المكانيّ عن الوطن من قبيل:

1 ـ صحيحة عبدالله بن يحيى الكاهليّ: أنّه سمع الصادق يقول: «في التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة وعشرون ميلاً»(1)، هذا في نقل الشيخ، وأضاف في نقل الصدوق: «ثُمّ قال: كان أبي يقول: إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء(2)، والدابّة الناجية(3)، وإنّما وضع على سير القطار».

وليس في السند من يتوقّف لأجله عدا عبدالله الكاهليّ، ويكفيه نقل البزنطيّ عنه، على أنّ النجاشي قال بشأنه: «كان وجهاً عند أبي الحسن ».

2 ـ رواية الفضل بن شاذان عن الرضا في كتابه إلى المأمون: «والتقصير في ثمانية فراسخ وما زاد، وإذا قصّرت أفطرت»(4).

وعيب السند هو عيب أسانيد الصدوق إلى الفضل بن شاذان.

3 ـ رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، عن أبيه، عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) قال: «التقصير يجب في بريدين»(5).


(1) الوسائل 8: 452 بحسب طبعة آل البيت، الحديث. /. من صلاة المسافر.
(2) الخفيفة السريعة.
(3) أيضاً السريعة.
(4) الوسائل 8: 453 بحسب طبعة آل البيت، الحديث 6.
(5) المصدر السابق: 455، الحديث 17.
الصفحة 2

وفي السند عليّ بن محمّد بن قتيبة، حيث روى الشيخ الحرّ هذا الحديث عن رجال الكشّي، عن عليّ بن محمّد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن أبيه، عن غير واحد من أصحابنا، عن محمّد بن حكيم وغيره، عن محمّد بن مسلم.

4 ـ رواية عيص بن القاسم عن أبي عبدالله قال: «في التقصير حدّه أربعة وعشرون ميلاً»(1).

وعيب السند عبارة عن عيب سند الشيخ إلى عليّ بن الحسن بن فضّال بناءً على ما في الوسائل من نقل هذا الحديث عن الشيخ بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن فضّال.

ولكن الموجود في التهذيب(2) هو الحسن بن عليّ بن فضّال، وليس عليّ بن الحسن بن فضّال، وسند الشيخ في الفهرست إلى الحسن بن عليّ بن فضّال صحيح.

إلّا أنّ المظنون صحّة ما هو وارد في الوسائل؛ لأنّ نفس الرواية مرويّة في الاستبصار(3) بعنوان: أخبرني أحمد بن عبدون، عن عليّ بن محمّد بن الزبير، عن عليّ بن الحسن بن فضّال ... ، والشيخ ليس له في مشيخة التهذيب سند إلى الحسن بن عليّ بن فضّال، ولكن له فيها السند إلى عليّ بن الحسن بن فضّال.

5 ـ صحيحة معاوية بن وهب قال: «قلت لأبي عبدالله : أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ قال: بريد ذاهباً وبريد جائياً»(4).

6 ـ صحيحة زيد الشحّام قال: «سمعت أبا عبدالله يقول: يقصّر الرجل الصلاة في مسيرة اثني  عشر ميلاً»(5).

7 ـ صحيحة زرارة عن أبي جعفر قال: «التقصير في بريد، والبريد أربعة فراسخ»(6).

8 ـ صحيحة زرارة قال: «سألت أبا عبدالله عن التقصير؟ فقال: بريد ذاهب وبريد جائي»(7).


(1) المصدر السابق: الحديث 14.
(2) التهذيب. بحسب طبعة الآخوندي، الحديث 647.
(3) التهذيب. بحسب طبعة الآخوندي، الحديث 788.
(4) الوسائل 8: 456 بحسب طبعة آل البيت. /. من صلاة المسافر.
(5) المصدر السابق، الحديث 3.
(6) المصدر السابق، الحديث 1.
(7) المصدر السابق: 461، الحديث 14.
الصفحة 3

ونحوها روايات اُخرى(1).

والثاني: هو التحديد بوحدة زمنيّة من قبيل:

1 ـ رواية سعيد بن يسار بسند فيه عمرو بن حفص أو عمر بن حفص قال: «سألت أبا عبدالله عن الرجل يشيِّع أخاه في شهر رمضان، فيبلغ مسيرة يوم، أو مع رجل من إخوانه، أيفطر أو يصوم؟ قال: يفطر»(2).

2 ـ موثّقة زرارة عن أبي جعفر قال: «قلت الرجل يشيِّع أخاه في شهر رمضان اليوم واليومين؟ قال: يفطر ويقضي ... »(3).

وفي دلالة هذين الحديثين على الوحدة الزمنيّة غموض.

3 ـ صحيحة عليّ بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن الأوّل عن الرجل يخرج في سفره ( وفي نسخة الوسائل: يخرج في سفره في مسيرة يوم ) قال: يجب عليه التقصير في مسيرة يوم ( وفي نسخة التهذيب: إذا كان مسيرة يوم ) وإن كان يدور في عمله»(4).

وعيب هذه الرواية ابتلاؤها بمعارضة الأخبار الدالّة على أنّ من يدور في عمله يتمّ(5).

والثالث: ما يشتمل على كلا التحديدين وكأنّهما متّفقان، أي: أنّ لسان هذه الروايات لسان يشتمل على كلتا الوحدتين من قبيل:

1 ـ موثّقة سماعة قال: «سألته عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم، وذلك بريدان، وهما ثمانية فراسخ»(6).

2 ـ صحيحة أبي أيّوب، عن أبي عبدالله قال: «سألته عن التقصير؟ قال: فقال: في بريدين أو بياض يوم»(7).


(1) راجع الباب نفسه.
(2) الوسائل 8: 484 بحسب طبعة آل البيت. / 10 من صلاة المسافر.
(3) المصدر السابق، الحديث..
(4) الوسائل 8: 455 بحسب طبعة آل البيت 16. 1 من صلاة المسافر.
(5) راجع الوسائل، الباب 11 من صلاة المسافر.
(6) الوسائل 8: 453 بحسب طبعة آل البيت 13 و. /. من صلاة المسافر.
(7) المصدر السابق،. /. من صلاة المسافر.
الصفحة 4

3 ـ صحيحة أبي بصير قال: «قلت لأبي عبدالله : في كم يقصّر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين»(1).

ولم يكن يحسّ في زمن صدور الروايات بأيّ تعارض أو تصادم بين الوحدتين؛ لتطابقهما على سير الجمال وقتئذ والذي كان هو الأكثر تعارفاً عندهم للذين يحملون الثقال من الأثاث من السير على حيوان آخر أسرع أو أبطأ مشياً، فكان المتعارف في سير الجمال هو قطع ثمانية فراسخ في بياض يوم، فليس المهمّ إذن أن تكون الوحدة الأصليّة هي وحدة الزمن، أو وحدة المسافة، أو أن تكونا مشيرتين إلى أمر واحد.

أمّا اليوم فقد اختلفت احدى الوحدتين في وضعها المتعارف عن الاُخرى، فلو كانت العبرة بالوحدة الطوليّة أو المكانيّة، فهي هي التي كانت وقتئذ، ولا  معنى لتبدّلها أو تطوّرها يوماً مّا، أمّا لو كانت العبرة بما تتعارف من وحدة زمانيّة، وإنّما اُخذت الوحدة المكانيّة أو وحدة المسافة كأمر مشير إلى الوحدة الزمانيّة، فقد تبدّلت الوحدة الزمانيّة في عرف اليوم يقيناً، فلا أحد يسافر عادة على الجِمال إلّا من شذّ وندر، وإنّما السفر الاعتياديّ يكون بالوسائل الحديثة من السيّارات أو الطائرات أو الباخرات التي تشغّل بقوّة النفط أو الكهرباء أو نحو ذلك.

فاليوم يظهر التصادم بين هذه الروايات.

وقد يقال: إنّ بالإمكان الجمع بينها بالرجوع إلى طائفة رابعة من الروايات ظاهرة في أنّ الوحدة الأصليّة إنّما كانت هي الوحدة الزمانيّة، وأمّا التحديد بالمسافة، فكان على ضوء تطابقها مع الوحدة الزمانيّة، وإن شئت فسمّ ذلك باسم حكومة هذه الطائفة على تلك الطوائف.

وهذه الطائفة تتمثّل في عدّة روايات من قبيل:


(1) المصدر السابق: 454، الحديث 11.
الصفحة 5

1 ـ ما مضى من صحيحة عبدالله بن يحيى الكاهليّ في الطائفة الاُولى، فقد مضى أنّها نقلت في نقل الشيخ بمقدار: «التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة وعشرون ميلاً»، وعلى هذا النقل تصبح الرواية من الطائفة الاُولى، ولكن في نقل الصدوق اُضيف في ذيل الرواية قوله: «كان أبي يقول: إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء، والدابّة الناجية، وإنّما وضع على سير القطار».

فلو كانت الوحدة الأصليّة هي وحدة المسافة ومقدار الفاصل المكانيّ، فمن الواضح أنّ هذا لا  يختلف باختلاف السفر بالقطار ـ  على حدّ تعبير الرواية  ـ أو على البغلة السفواء، أو على الدابّة الناجية، أو على عابرات القارّات في زماننا، فالبريد هو البريد، والميل هو الميل، وأربعة وعشرون هو الأربعة وعشرون من دون تأثير لآلة السفر في ذلك، أفليس يعني قوله: « إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء، والدابّة الناجية، وإنّما وضع على سير القطار » أنّ المقياس الأصليّ هو الوحدة الزمنيّة، وهي بياض اليوم، وبما أنّ القطار أي: الجمال التي كانت تشكّل القافلة، كانت تسير في بياض يوم أربعة وعشرين ميلاً، قلنا: إنّ مسافة القصر هي الأربعة وعشرون ميلاً؟! فلو اختلفت اليوم الوحدة الزمنيّة عن الوحدة المكانيّة كان علينا أن نتّبع الوحدة الزمانيّة.

2 ـ رواية الفضل بن شاذان التي رواها الصدوق بإسناده إلى الفضل بن شاذان، وهي بشكلها الذي نقلناه في الطائفة الاُولى تكون من الطائفة الاُولى، ولكن بشكلها الذي رواه الصدوق بإسناده إلى الفضل بن شاذان، عن الرضا أنّه سمعه يقول: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا  أقلّ من ذلك ولا  أكثر لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، ولو لم يجب في مسيرة يوم، لما وجب في مسيرة ألف سنة؛ وذلك لأنّ كلّ يوم يكون بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم، لما يجب في نظيره؛ إذ كان نظيره مثله لا  فرق بينهما»(1).


(1) المصدر السابق: 451،. /. من صلاة المسافر.
الصفحة 6

3 ـ وزاد في العلل وعيون الأخبار قوله: «وقد يختلف المسير، فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ، وسير الفرس عشرون فرسخاً، وإنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجِمال والقوافل، وهو الغالب على المسير، وهو أعظم السير الذي يسيره الجمّالون والمكاريّون»(1).

أفلا يعني كلّ هذا أنّ الوحدة الأصليّة هي الوحدة الزمنيّة، وأنّ اتّخاذ الوحدة الطوليّة كان على ضوء الوحدة الزمنيّة؟!

4 ـ رواية محمّد بن مسلم بسند فيه سند الشيخ إلى عليّ بن الحسن بن فضّال عن أبي جعفر قال: «سألته عن التقصير؟ قال: في بريد قال: قلت: بريد؟ قال: إنّه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً، فقد شغل يومه»(2)، فتراه علّل كفاية بريد واحد بأنّ له رجعة، فإذا رجع فقد تمّ اشتغاله بالسفر بمقدار بياض اليوم، وهذا يعني أنّ المقياس الأصليّ إذن هو بياض اليوم.

5 ـ مرسلة الصدوق في المقنع قال: «سئل أبو عبدالله عن رجل أتى سوقاً يتسوّق بها، وهي من منزله على أربع فراسخ، فإن هو أتاها على الدابّة، أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن، لم يأتها في يوم؟ قال: يتمّ الراكب الذي يرجع من يومه صوماً ويقصّر صاحب السفن»(3)، وهذه هي الرواية الوحيدة التي تدلّ زائداً على أنّ المقياس الأصليّ هي الوحدة الزمنيّة دون الوحدة الامتداديّة على أنّ اختلاف آلة السفر أيضاً يؤثّر في الحساب، ولا  يقتصر على حساب سفر الجِمال فحسب، في حين أنّ المستفاد من روايات اُخرى كان عبارة عن أنّ المقياس يكون وفق الآلة الأكثر تعارفاً في سير الناس.


(1) المصدر السابق، الحديث 2.
(2) المصدر السابق: 459،. /. من صلاة المسافر.
(3) المصدر السابق: 467، 13. 3 من صلاة المسافر.
الصفحة 7

ولعلّ مقتضى الجمع أن يقال: إنّ اختلاف آلة السير لم يفرض في الرواية الأخيرة هو المؤثّر في اختلاف الحكم، وإنّما المؤثّر هو اختلاف مجال السير، فلمجرى البحر مقياسه، ولمجرى البرّ مقياسه، وبما أنّه فرض في الحديث أنّ مجرى البرّ يستوعب السير بمقدار نصف يوم لأنّ المسافة كانت أربعة فراسخ، ولم يكن المفروض رجوعه في نفس اليوم حتّى يشغل بياض النهار، حكم عليه بالتمام، ولكن في مجال البحر كان المفروض أنّ سفره يشغل يومه، فحكم عليه بالقصر.

فالنتيجة إذن هي أنّنا في هذا اليوم يجب أن نفتح حساباً خاصّاً للسفر البرّي بالسيّارات، وحساباً خاصّاً للسفر البحري بالباخرات، وحساباً خاصّاً للسفر الجوّي بالطائرات، ونأخذ في كلّ مجال من هذه المجالات الثلاثة بما هو أكثر تعارفاً بين المسافرين.

إلّا أنّ الانصاف أنّ الرواية الأخيرة ـ وهي مرسلة المقنع ـ خارجة عمّا نحن فيه أساساً؛ فإنّ مفادها أنّ الراكب الذي يرجع من يومه يصوم على الرغم من أنّ مجموع الرواح والمجيء يكون ثمانية فراسخ، وذلك بمعنى أنّ الرجوع إلى الوطن في نفس اليوم كاف في صحّة الصوم سواء أبقينا ذلك على إطلاقه، أو قيّدناه بما دلّ على اشتراط الرجوع قبل الزوال. وأمّا الذي يسافر عن طريق الماء بالسفينة ويطول سفره، فلا  يستطيع الرجوع في نفس اليوم، فيفطر. هذا بغضّ النظر عن أنّه لا  حجّيّة في مرسلة المقنع، فإذا قطعنا النظر عنها لعدم تماميّتها سنداً ودلالةً ـ  كما عرفت  ـ يبقى أن نرى هل نفترض المقياس هو الشيء الأكثر رواجاً من وسائل السفر، ونقيسه ببياض اليوم ومن دون أن نفرّق بين السفر الأرضيّ والمائيّ والسماويّ، أو نفترض المقياس هي الثمانية فراسخ كائناً ما كانت الوسيلة؟

وعندئذ نقول: إنّنا موقّتاً نقطع النظر عن الروايات التي افترضها صاحبُ مقياس بياض يوم حاكمةً ومعلِّلةً لمقياس الفراسخ بتطابقه وقتئذ لسير بياض يوم، وننظر إلى الروايات التي فرضت تعارضها فيما بينها والتي حدّدت بعضها المسافة بالفراسخ، وبعضها ببياض يوم، وبعضها بالجمع بين الأمرين، ونلفت النظر للجمع العرفيّ فيما بينهما إلى نكتتين:

الصفحة 8

الاُولى: وضوح أنّ الثمانية فراسخ لها تحدّد واقعيّ في حين أنّ السير بمقدار بياض يوم ليس له تحدّد واقعيّ؛ إذ يختلف باختلاف وسيلة السير، وباختلاف طول النهار وقصره، بل وحتّى السفر المتعارف وفي فصل معيّن من الفصول لا  يحدّده؛ فإنّ السفر على الفرس أيضاً كان متعارفاً وقتئذ كالسفر على الجِمال، وكان مقدار السير مع الجِمال وخاصّة الجِمال المثقلة بالأثاث يختلف كثيراً عن مقدار السير على الفرس.

والثانية: أنّ تحديد الفراسخ بعلائم الأميال لم يكن وقتئذ رائجاً في غالب الأسفار كما في يومنا هذا، فكان المقياس الوحيد الذي يمكن تقدير مقدار الفراسخ بها في كثير من الأسفار منحصراً بجعل زمن السير أمارة على ذلك.

وبعد الالتفات إلى هاتين النكتتين نقول: إنّ المفهوم عرفاً من الجمع بين تلك الروايات أنّ التحديد بالفراسخ تحديد واقعيّ؛ فإنّه الذي لا  يزيد ولا  ينقص، وأنّ التحديد ببياض يوم تحديد أماريّ، أمارةً على مقدار الفراسخ المطويّة، فالأئمّة (عليهم السلام) جعلوا العلامة المشخّصة لمقدار السير بياض يوم، وجعلوا ذلك بلحاظ سير الجِمال المثقلة المألوفة وقتئذ، وهذا ليس لأنّ سير الجِمال هو الأكثر وقوعاً لدى المسافرين من سير الفرس مثلاً؛ بل لأنّ سير الجمال هو الذي كان يطابق فيما تعارف وقتئذ ثمانية فراسخ في اليوم.

وممّا يشهد لذلك ما أشرنا إليه من أنّ بياض يوم في الأيّام الطويلة يختلف كثيراً عنه في الأيّام القصيرة، ولكنّ الذي لم يكن يختلف هو: أنّ الجمال كانوا يسيّرونها في كلّ يوم منزلين يسمّى كلّ منزل ببريد، ولم يكونوا يسيّرون الجمال عادة في كلّ يوم بأكثر من ذلك ولا  أقلّ سواء طالت الأيّام كأيّام الصيف أم قصرت كأيّام الشتاء، فسمّي ذلك باسم مسير بياض يوم، وروايات مسير يوم، أو بياض يوم، أو البريدين، أو بريد في بريد، أو ما إلى ذلك كلّها إشارة إلى ما كان يعتبر معرِّفاً لتحقّق السير ثمانية فراسخ.

الصفحة 9

وبهذا اتّضح تفسير الرواية الثالثة التي فرضت من الروايات الحاكمة، وهي رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر: «سألته عن التقصير؟ قال: في بريد، قال: قلت: بريد؟ قال: إنّه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً، فقد شغل يومه»، وهذا يعني أنّه يعطي علامة على كون البريد ذاهباً والبريد جائياً يساوي ثمانية فراسخ؛ لأنّه يشغل يومه والذي كان بسير الجمال عبارة عن المشي ثمانية فراسخ.

وأمّا خبر الفضل بن شاذان ـ وهي الرواية الثانية والثالثة ممّا فرض حاكماً ومفسّراً وجاعلاً المقياس الحقيقيّ مقياساً زمانيّاً لا  مكانيّاً  ـ فهو عبارة عن قوله: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا  أقلّ من ذلك ولا  أكثر لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم»، وزاد في العلل وعيون الأخبار: «وقد يختلف المسير، فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ ... »، فتأكيده على أنّ التقصير إنّما يجب في ثمانية فراسخ لا  أقلّ ولا  أكثر كالصريح في أنّ الموضوع الحقيقيّ للتقصير إنّما هو سير ثمانية فراسخ، فالتعليل في المقام ينصرف إلى الحكمة لا  العلّة التي هي بمعنى الموضوع الذي يدور مداره الحكم وجوداً وعدماً. والغالب في روايات علل الأحكام هو ذكر مجرّد الحِكَم والمصالح، وهذا لا  يوجب انتزاع موضوع آخر للحكم، وسلخ الموضوع الأوّل عن كونه موضوعاً. على أنّ الخبر غير تامّ سنداً.

وبذلك لم يبق في المقام ما يدّعى كونه حاكماً ومثبّتاً للمقياس الزمنيّ الذي يختلف مقدار ما يستوعبه من المسافة في يومنا هذا عن ذلك اليوم إلّا صحيحة عبدالله بن يحيى الكاهليّ: «أنّه سمع الصادق يقول في التقصير في الصلاة: بريد في بريد أربعة وعشرون ميلاً. ثُمّ قال: كان أبي يقول: إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء، والدابّة الناجية، وإنّما وضع على سير القطار».

الصفحة 10

والواقع أنّ هذه الرواية لا  إشارة فيها إلى الوحدة الزمانيّة من قريب أو بعيد، بل هي واضحة الدلالة على أنّ المقياس هو بريد في بريد، وبما أنّ البريد يعني المنزل الذي ينزله المسافرون عادةً للاستراحة وحطّ الرحل في نصف يوم، وكان يعتبر سفر يوم بريدين، كان هنا محلّ للسؤال، وهو: أنّ البريد يختلف مقدار مسافته بالسير على البغلة السفواء والدابّة الناجية عنه بسير القطار الذي كان مع الجمال المثقلة، فأيّ بريد هو المقصود في المقام؟ ولماذا فسّر البريد بمعنى أربعة وعشرين ميلاً مع أنّ الأبردة تختلف؟! فأجاب الإمام بأنّه كان أبي يقول: إنّ التقصير لم يوضع على سير البغلة السفواء، والدابّة الناجية، وإنّما وضع على سير الجمال المثقلة. ومن المعلوم أنّ سير الجمال المثقلة وقتئذ لا  يختلف مقداره عنه في هذا الزمان، وانّما فرق هذا الزمان عن ذاك الزمان هو غياب أصل سير الجمال وليس اختلاف مبلغه، ولم تكن في الرواية إشارة إلى مقياس زمنيّ قبل ذكره للبغلة السفواء والدابّة الناجية كي يصبح معنى العبارة صرف المقياس الزمنيّ إلى سير ما تعارف عليه السير مثلاً، وإنّما الوارد في الرواية هو البريد والأميال، فهذا الذيل إشارة إلى كيفيّة تطبيق البريد على الأميال.

وكأنّ المستدلّ توهّم أنّ البريد اسم لمقطع محدّد من المسافة كما هو الحال في الفرسخ والميل في حين أنّه ليس الأمر كذلك، وإنّما البريد يعطي معنى المنازل السفريّة المرسومة وقتئذ، وما في الروايات من تفسير البريد بأربعة فراسخ إنّما يعني أنّ البريد في سير الجِمال يساوي أربعة فراسخ.

ولعلّ هذا هو السبب في أنّه ورد في بعض الروايات بدل ذكر البريدين ذكر ثلاثة برد، فكأنّه كان ينظر إلى سير أبطأ من سير الجِمال.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

10. ذي القعدة. 1422 هـ ق