عدد الصفحات:

المؤلفات > بحث في الاستنساخ البشري

الصفحة 12

«مسألة (284): أ ـ رجل زرع نطفته في رحم امرأة أجنبيّة بواسطة الوسائل الطبّيّة متّفقاً معها على حمل الجنين مقابل مبلغ معيّن من المال؛ لأنّ رحم زوجته لايتحمّل حمل الجنين. والنطفة مكوّنة من مائه هو وماء زوجته الشرعيّة، وإنّما المرأة الأجنبيّة وعاء حامل فقط، فمع العلم بحرمة ذلك لاختلاط المياه، لكن المشكلة التي حدثت بعدئذ هي أنّ المرأة المستأجرة للحمل طالبت بالولد الذي نما وترعرع في أحشائها، فما قولكم؟

بسمه تعالى

المرأة المذكورة التي زُرِعَ المنيُّ في رحمها اُمٌّ للولد شرعاً؛ فإنّ الاُمّ هي المرأة التي تلد الولد، كما هو مقتضى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾، وصاحب النطفة أب له، وأمّا زوجته فليست اُمّاً له، وعلى هذا فالمرأة المزبورة من حقّها أن تأخذ الولد إلى سنتين من جهة حقّ الحضانة لها. والله العالم.

ب ـ وما حكم هذا الولد من حيث التوارث والنسب؟

بسمه تعالى

يترتّب عليه تمام أحكام الولد من السببيّة والنسبيّة بالنسبة إلى أبيه واُمّه. والله العالم»(1).

انتهى ما في كتاب مسائل وردود.

إلّا أنّ هذا الكلام غير تامّ؛ إذ لاشكّ أنّ الاُمّ الحقيقيّة العرفيّة إنّما هي صاحبة البُيَيْضة، وأنّ الملاك للاُمومة واضح عند العقلاء، وهو كون النطفة حاصلة من بُيَيْضتها على حدّ أنّ والديّة الأب تكون بسبب أنّ خلايا الولد ولدت منه. والآية المشار إليها لادلالة لها على خلاف ذلك في المقام؛ فإنّها ـ على ما يظهر من سياقها ـ ليست بصدد بيان اُمّ ولو تعبّديّة، وإنّما هي بصدد بيان الاُمّ الحقيقيّة لمن يظاهر من امرأته، وأنّ اُمّه الحقيقيّة هي التي ولدته، وليست التي ظاهر منها، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً...﴾(2).


(1) مسائل وردود، جمع وإعداد محمّد جواد الشهابي، وكَتْب وتبويب عبدالوهاب النجّار: 99 ـ 100.
(2) سورة المجادلة، الآية: 2.
الصفحة 1

الاستنساخ البشري

 

 

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

إنّ هذا البحث كان بحثاً جمعيّاً فيما بيننا نحن أعضاء المجمع العلميّ الفقهيّ لأهل البيت (عليهم السلام)، وكانت أبحاث سماحة آية الله الشيخ محمّد المؤمن (حفظه الله) هي الأصل والأساس فيه. وقد صمّمت على أخذ خلاصة منه مع تغييرات عديدة:

فأوّلاً: قد حذفت منه الكثير الكثير من الأبحاث.

وثانياً: قد غيّرت الكثير من العبارات ممّا صغته بتعبيري ما عدا النصوص؛ إذ لاسبيل إلى تغييرها.

وثالثاً: في موارد الخلاف كتبت البحث على وفق رأيي، وليس على وفق رأي الجمع، ولا على وفق رأي سماحة الشيخ (حفظه الله).

أسأل الله تعالى القبول، إنّه سميع مجيب.

كاظم الحسينيّ الحائريّ

4. صفر/ 1426 هـ ق

الصفحة 2

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

إنّ الثورة العلميّة التي تثير في كلّ زمان حديثاً جديداً بعد آخر قد وُفّقت ـ بحسب ما يقوله علماء الفنّ الجينيّ وغيرهم ـ لاستنساخ عضو أو نبات أو حيوان بطرق مختلفة مُبيَّنة، وقد ينتهي الأمر إلى استنساخ الإنسان، ولذلك فعلى العالِم الدينيّ المسلم أن يُبيِّن حكم ذلك بالنسبة إلى الإنسان بعد أن يأخذ بعين الاعتبار ما يقوله اُولئك العلماء في بيان ماهيّة الاستنساخ بحسب ما أبرزوه في كتبهم، فلابدّ لتبيين المطلب من ذكر مقدّمات:

 

المقدّمة الاُولى:

إنّ جسم كلّ شيء مادّي من الإنسان والحيوان يتألّف من أجزاء صغيرة متّصلة، وكلّ جزء لايكون أصغر منه يسمّى بالخليّة، والخليّة ذات غشاء خاصّ، ولهذه الخليّة نواة هي بمنزلة لبّ الخليّة، ومادّة سائلة أحاطت بالنواة يعبّر عنها بالسائل الخلوي، أو السيتوبلازم، وفي داخل النواة شبكة مكوّنة من ستّة وأربعين شريطاً يُسمّى مجموعها: (الكروموزومات).

والخلايا الجسديّة كلّها على هذا العدد من الأشرطة باستثناء الخلايا الجنسيّة، أعني: خلايا المنيّ الذي تفرزه الخُصْية في الرجال وخلايا بُيَيْضَة النساء التي يفرزها المِبْيَض؛ فإنّ هذه الخلايا الجنسيّة وإن شاركت خلايا الجسم في اشتمالها على غشاء خاصّ، وعلى السائل الخلوي (السيتوبلازم)، والنواة، ولكن نواتها تحتوي على ثلاثة وعشرين (كروموزوماً) لاعلى ستّة وأربعين.

 

المقدّمة الثانية:

إنّ تكوّن الإنسان أو الحيوان الذي تلده اُمّه بطريق الحمل والتوالد الطبيعي يكون باختلاط واندماج خليّة المنيّ من الأب وخليّة البُيَيْضَة من الاُمّ في داخل رحم الاُمّ لدى الإنزال، وتتحقّق بالاندماج خليّة جديدة واجدة لستّة وأربعين (كروموزوماً)، هي مجموع كروموزومات خليّة المنيّ والبُيَيْضَة، وتتغذّى هذه الخليّة داخل الرحم، وتتكثّر، فتنقسم إلى خليّتين، ثُمّ أربع خلايا، ثُمّ ست عشرة، ثُمّ اثنتين وثلاثين. وكلّ هذه الخلايا أمثال سواء من جميع الجهات والخصوصيّات، إلّا أنّها إذا بلغت الاثنتين والثلاثين، لاتتكاثر مثل السابق بهذه الخصوصيّات، بل تصبح كلّ خليّة منها موظّفة بأعمال خاصّة بحسب ما قدّره الله تعالى في الإنسان والحيوان من الأعضاء المختلفة التي يتكوّن الإنسان أو ذاك الحيوان منها: فمنها ما يحقّق الجلد، ومنها ما يحقّق اللحم، ومنها ما يحقّق العظم، أو المخّ، أو القلب... وما إلى ذلك، فكأنّه ليس في كلّ واحدة منها إلّا مبدأ ذاك العضو الذي جُعل باختيارها حتّى يصبح الجنين طفلاً كاملاً تلده الاُمّ خلقاً سويّاً.

 

الصفحة 3

المقدّمة الثالثة:

الحمل إذا أصبح تامّ الخلقة، فكلّ عضو من أعضائه المتعدّدة يكون متكوّناً من خلايا متماثلة، فالجلد مهما نما وامتدّ وكبر، فهو متكوّن من خلايا جلديّة متماثلة مختصّة بصنع الجلد، والكبد مهما امتدّ ونما، فهو متكوّن من خلايا متماثلة مختصّة بصنع الكبد، وكذلك القلب والعظم... وما إلى ذلك، وكما أشرنا: إنّ الكروموزومات الستّة والأربعين واجدة لجميع ما بعهدة كلّ كروموزوم، إلّا أنّها في مقام الفاعليّة والتأثير لاتفعل ولاتؤثّر إلّا ما يحتاج إليه الجلد مثلاً أو أيُّ عضو آخر.

 

المقدّمة الرابعة:

إنّ التقدّم العلميّ وصل إلى الكشف عن أنّ تلك الكروموزومات هي الدخيلة في كامل الصفات الوراثيّة والخصوصيّات المختصّة بكلّ نوع أو فرد، فهي بمنزلة المخّ للخليّة، وهي الحاملة لجميع خصوصيّات الفرد الكامل للإنسان أو الحيوان، ولافرق في ذلك بين أن يكون التكاثر والتوالد بشكل طبيعي أو بشكل صناعي.

 

المقدّمة الخامسة:

إنّ الاستنساخ (معناه المطابقي الذي اُريد منه هنا) هو: طلب نسخة ثانية، فكأنّ ما كان أوّلاً تكوّن من جديد كصورة اُخرى متّحدة الخصوصيّات له، ويعبّر عنه باللغة اللاتينيّة بـ (كلونينك)، ولفظة (كلونينك) مأخوذة من (كلون)، وهي كلمة يونانيّة بمعنى ما يُغْرَس من جذع الشجر مثلاً؛ لينمو ويصبح شجراً كاملاً، فكلونينك عبارة اُخرى عن العمل بصدد الحصول على أمر جديد هو نماء ونسخة كاملة لما غرسنا جذعه؛ ولذلك كلّه يعبّر عن الاستنساخ بأنّه خَلْق المشابه وخَلْق المشابهات؛ لأنّ الحاصل الجديد شبيه للأصل الذي كان. إلّا أنّ هذه المشابهة ربّما تكون بلحاظ العضو الذي تكثّرت خليّته حتّى صارت نسخة ثانية لذلك العضو، واُخرى تكون بلحاظ الفرد من الإنسان أو الحيوان الذي اُخذت خليّته وتكثّرت.

 

المقدّمة السادسة:

يقسّم الاستنساخ إلى أقسام ثلاثة:

الصفحة 4

القسم الأوّل: استنساخ العضو:

فثورة العلوم الطبيعيّة الجينيّة انتهت إلى نتيجة إمكان أخذ خليّة واحدة من بعض الأعضاء بوسائل صناعيّة، فتجعل في جهاز خاصّ أبدعته العلوم الحديثة، وتغذّى بالوسائل الصناعيّة، فتتكثّر إلى خلايا متماثلة متّصلة إلى أن نحصل على قطعة من الجلد أو العضو الآخر الذي أخذنا خليّته، فنفوز بجلد جديد مثلاً يكون نسخة ثانية للجلد الأصلي.

وربّما يستفاد من هذا العضو الجديد في معالجة ذاك العضو أو ذاك الشخص الذي أخذنا خليّته، فيبدّل المعيوب أو المقطوع بذلك، ويتقبّل الجسمُ هذه القطعة الجديدة لمشابهتها تماماً القطعة المعيبة.

ونتجاوز ما فعله بعض من إخراج هذا عن اسم الاستنساخ بسبب أنّ حصيلته ليست إنساناً أو حيواناً.

 

القسم الثاني: الاستتئام:

قد عرفنا أنّ البُيَيْضَة بعد ما لقّحت في رحم المرأة بمنيّ الرجل فالخليّة الملقّحة تتكاثر، فتصبح اثنتين، ثُمّ أربعاً، ثُمّ ثمانياً وستّ عشرة... وهذه الخلايا بجميعها داخلة تحت غشاء واحد يكسوها، ولكلّ منها ما عرفت: من غلاف، ومادّة سائلة، والنواة المشتملة على الكروموزومات.

وتقدّم العلم أوجب إمكان خرق ذاك الغشاء الذي كسى جميعها، وتفريقَ الخلايا التي تكاثرت وتعدّدت؛ لتغشى كلّ خليّة بغشاء جديد قالوا: إنّه يؤخذ من بعض الموادّ في البحار، فتكون كلّ خليّة نسخة ثانية للخليّة الاُولى، وتشرع في المحيط المناسب ـ أعني الرحم ـ بالتكاثر إلى أن تصل إلى اثنتين وثلاثين، وتنمو وتصبح ولداً كاملاً، وهؤلاء الأولادُ أمثال في جميع الصفات والخصوصيّات، ويكونون توائم متشابهة.

فيمكن أن توضع كلّ منها في رحم امرأة؛ كي تصبح ولداً كاملاً، كما يمكن جعل بعض منها في رحم المرأة، ويُحْفَظ بعض آخر بصورة جامدة، وبعد عامين مثلاً يجعل في رحم المرأة، فيكون الولدان أو الأولاد متشابهين وتوائمَ كلّ منها عين الآخر، لافرق بينها، إلّا بأنّ المتقدّم أكبر سنّاً من المتأخّر.

الصفحة 7

فخليّة بُيَيْضة المرأة كانت تشتمل على ثلاثة وعشرين كروموزوماً، ولم تقدر على التكاثر والبلوغ إلى مرحلة جنين كامل، ولكن خليّة العضو الذي أخذنا خليّته مشتملة على ستّة وأربعين كروموزوماً، فإذا وضعت مكان نواة خليّة البُيَيْضَة، تقدر الخليّة المتحقّقة من الخليّتين على أن تتكاثر، وتصل إلى مرتبة كاملة للجنين، ويتولّد الطفل من اُمّه.

والمفهوم من مقالة الدكتور حتحوت ومن بيان الدكتور (في سيلقر) بنقل الدكتور سليمان السعدي: أنّ بُيَيْضة المرأة المنزوعة النواة التي تجعل خليّة الجسم كنواة لها لاتكون ملقّحة بمنيّ الرجل، فقد نقل الدكتور سليمان السعدي في كتابه (الاستنساخ بين العلم والفقه)(1) قائلاً: «كيف يُستنسخ البشر؟

تمّ تحديد هذه المعلومات من قبل الدكتور (في سيلقر) من جامعة برنستون، وهو خبير بارز في الاستنساخ: إنّ عمليّة إجراء الاستنساخ ليست عمليّة خياليّة، بل هي شيء حقيقي، وهي مبنيّة على إجراءات استنساخ الشياه، ويبدو أنّ عمليّة استنساخ الفئران يمكن إجراؤها بصورة أفضل. والعمليّتان متشابهتان، ولكنّهما ليستا متماثلتين.

لوازم العمل:

1 ـ نسيج بشري: خلايا بشريّة نقيّة لنسيج واحد، وتؤخذ من الشخص المراد استنساخه.

2 ـ وسائط زرع للنسيج البشري: وهي الوسائط التي سوف تنمو فيها تلك الخلايا البشريّة، وتنقسم.

3 ـ وسائط زرع دنيا للنسيج البشري: وهي الوسائط التي سوف تتوقّف الخلايا المزروعة فيها عن الانقسام، وتدخل في حالة من (السُبات) من غير أن تموت.

4 ـ تجهيزات مختبريّة حاضنة: غطاءٌ واق للرأس والعنق، صحون بتري (صحون صغيرة رقيقة) مختبريّة خاصّة للزرع، مجاهر، أدوات قادرة على نزع وغرس جُسَيْمات الخليّة ـ كالنواة ـ من خليّة إلى اُخرى.

5 ـ خلايا بُيَيْضات بشريّة غير ملقّحة.

6 ـ وسائط إنماء خليّة البُيَيْضة البشريّة: وهي وسائط تنمو فيها البُيَيْضات المخصّبة، وتنقسم.


(1) طبع بلبنان في سنة: 1423 هــ ـ 2002 م.
الصفحة 6

والقصد من ذلك: أنّه إذا أخصب منويّ ناضج بُيَيْضَة ناضجة باختراق جدارها السميك، التحمت نواتهما إلى نواة واحدة ذات ثلاثة وعشرين زوجاً لافرداً (46) من الأجسام الصبغيّة كما هي سائر خلايا جسم الإنسان، فكأنّهما جسمان التحما إلى خليّة واحدة هي البُيَيْضَة الملقّحة. وهي اُولى مراحل الجنين».

ثُمّ أفاد الفرق في تكاثر الخلايا الجنسيّة وخلايا الجسم بأنّ البُيَيْضَة الملقّحة تشرع في الانقسام إلى خلايا مماثلة لعدد محدود من الأجيال، فما تكاد تُفضي إلى كتلة من اثنتين وثلاثين خليّة حتّى تتفرّع خلايا الأجيال التالية إلى اتّجاهات وتخصّصات شتّى ذات وظائف متباينة، وتتخلّق إلى خلايا الجلد والأعصاب والأمعاء وغيرها، أي: تنمو إلى تكوين جنين ذي أنسجة وأعضاء مختلفة ومتباينة(1).

فهو ـ كما ترى ـ قد صرّح في تكاثر خلايا الجسم بأنّ نواتها تنمو، وتنشقّ نصفين، وتلتقط، وتستفيد من الموادّ اللازمة الموجودة في السائل الخلويّ، وعطف على ذلك تكاثر الخلايا الجنسيّة، وذكر:

أنّ غاية الفرق بينهما: أنّ البُيَيْضَة الملقّحة ذات ثلاثة وعشرين زوجاً من الكروموزومات، وأنّ تكاثرها المشابهي إنّما يصل إلى اثنتين وثلاثين خليّة، ثُمّ تتفرّع الأجيال التالية إلى تخصّصات شتّى ذات وظائف متباينة، ففي تكاثر الخلايا المحقّقة للنطفة أيضاً إنّما تنمو النواة المتحقّقة من المنيّ والبُيَيْضَة، وليس (السيتوبلازم) إلّا غذاءً مناسباً لها.

وبهذا ظهر أنّه إن ابتُلِت امرأة متزوّجة بمرض في سيتوبلازمها، فنقلت نواة بُيَيْضتها بعد تلقيحها بمضاجعة الزوج مكان نواة بُيَيْضة امرأة اُخرى مسلوبة النواة، وجعلت في رحم الثانية؛ كي يستفيد الجنين من سيتوبلازمها السالم، فالاُمّ الحقيقية لهذا الجنين هي تلك الزوجة، وليست صاحبة السيتوبلازم، ولا كلَّ واحدة منهما ولامجموعَهما؛ لأنّ السيتوبلازم لم يكن إلّا غذاءً، والذي نما إنّما هو نواة الزوجة.

 

القسم الثالث من الاستنساخ:

أن نأخذ خليّة بُيَيْضة امرأة غير ملقّحة،فننزع نواتها، هذا من ناحية، ومن ناحية اُخرى نأخذ خليّة بعض أعضاء رجل أو امرأة ولو كانت نفس هذه الامرأة صاحبة البُيَيْضَة، فنأخذ مثلاً خليّة جلده، ونجعل هذه الخليّة مكان نواة البُيَيْضَة المنزوعة النواة، ثُمّ نجعل هذه الخليّة المتكوّنة بهذا الشكل في داخل رحم امرأة، فتشرع في التكاثر إلى أن تبلغ اثنتين وثلاثين خليّة، ثُمّ تصل إلى مراحل رشد الجنين، ويولد طفل يكون من جميع الخصوصيّات والجهات نسخة ثانية لصاحب الجلد في المثال المفروض الذي أخذنا منه خليّة جلده.


(1) نقلناه عن صورة فتوغرافيّة من الرسالة: 3.
الصفحة 5

قالوا: إنّه قد عمل بعض علماء الفنّ هذا العمل، إلّا أنّه لم تصل جميع الموارد إلى المطلوب الأقصى، بل نجح من كلّ ثلاثة موارد واحدٌ منها، ولعلّه لعدم كمال الأدوات اللازمة، ولعلّه يتمّ الأمر فيها بلااستثناء في المستقبل.

ونسبة النواة بما لها من الكروموزومات إلى المادّة السائلة (السيتوبلازم) نسبة النواة إلى الماء الذي تغوص فيه وتتغذّى منه، فالسيتوبلازم ليس إلّا غذاءً كما صرّح بذلك الدكتور حتحوت في رسالته (الاستنساخ البشري) حيث قال:

«يتكوّن الجسم كلّه من خلايا كما يتكوّن البناء من قطع الحجارة أو قوالب الطوب، وبداخل كلّ خليّة نواة هي سرّ النشاط الحياتي للخليّة، ويحيط بالنواة غشاء نوويّ، وتحتوي بداخلها على شبكة مكوّنة من ستّة وأربعين شريطاً تلتقط الصبغة القاتمة؛ ولهذا تسمّى الأجسام الصبغيّة (الكروموزومات)، أمّا باقي مساحة الخليّة فيما بين النواة وبين جدار الخليّة، فمليء بسائل يعرف بالسائل الخلوي أو السيتوبلازم، والأجسام الصبغيّة (الكروموزومات) الستّةُ والأربعون هي حوامل الصفات الوراثيّة على هيئة وحدات من حمض النوويك(1)، تسمّى الجينات مرتّبة ترتيباً خاصّاً، فكأنّها حروف تؤلّف كلمات، وهذه تؤلّف رسالة عامّة، وكذلك الصفات الوراثيّة لفرد بذاته لايطابقه مثيل بين الناس على مدى الزمان والمكان.

وتتكاثر الخليّة بالانقسام الذي بموجبه ينشقّ كلّ شريط من هذه الأجسام الصبغيّة طوليّاً إلى نصفين، يتمّم كلّ منهما نفسه إلى شريط كامل بالتقاط الموادّ اللازمة من السائل المحيط به، وهكذا تتكوّن صبغيّتان، تُغَلِّف كلّ منهما نفسَها بغلاف نوويّ؛ لتصبح هناك توأمان تقتسمان السائل الخلويّ، ويحيط بكلّ منهما غشاء خلويّ، وتصبح الخليّة خليّتين، وهكذا أجيال بعد أجيال من الخلايا المتماثلة»(2).

ثُمّ قال في الخلايا الجنسيّة: «هي المنويّات التي تفرزها الخُصْية والبُيَيْضات التي يفرزها المبيض، وهي كسائر الخلايا لولا أنّ لها خاصيّة ليست لغيرها؛ ذلك أنّها في انقسامها الأخير الذي تتهيّأ به للقدرة على الإخصاب لاينشطر الشطر الكروموزومي إلى نصفين يكمّل كلّ منهما نفسه، لكن تبقى الأجسام الصبغيّة سليمة، ويذهب نصفها ليكون

نواة خليّة، والنصفُ الآخر ليكون نواة خليّة اُخرى، فتكون نواة الخليّة الجديدة إذن مشتملة على ثلاثة وعشرين من الأجسام الصبغيّة، لاعلى ثلاثة وعشرين زوجاً؛ ولهذا يسمّى هذا الانقسام بالانقسام الاختزاليّ، فكأنّ النواة فيما يختصّ بالحصيلة الإرثيّة نصف نواة.


(1) نسبة إلى النواة.
(2) نقلناه عن صورة فتوغرافيّة من الرسالة: 2.
الصفحة 8

مناهج العمل:

1 ـ يتمّ إنماء الخلايا البشريّة المراد استنساخها حتّى يتمّ الحصول على كمّيّة كافية منها.

2 ـ تنقل الخلايا إلى وسائط دنيا (وهنا فإنّ بحث استنساخ الخراف هو مرجعٌ جيّد لمعرفة الفترة المطلوبة بالضبط)، ويسمح ذلك للخلايا بأن تعيش، ولكنّها تتوقّف عن الانقسام وتدخل في مرحلة السُبات، ويحتمل أنّ هذه المرحلة هي المرحلة التي تفقد فيها الخلايا تمايزها (تخصّصها) وتعود إلى حالة كليّة القدرة، أي: تصبح قادرة على التخصّص والتمايز إلى نوع من أنواع الخلايا المختلفة.

3 ـ عندما تصبح الخلايا المغروسة في حالة سُبات يتمّ الحصول على خليّة بُيَيْضة بشريّة غير مخصّبة، تُنزع النواة من هذه البُيَيْضة، ثُمّ تطرح النواة وبأقلّ ضرر ممكن للبُيَيْضة.

4 ـ تؤخذ واحدة من الخلايا المُسبِتة كاملة، وتغرس في داخل الغلاف المحيط بالبُيَيْضة ويُعرف بـ (الطبقة الشفّافة)، فيما يلي البُيَيْضة مباشرة.

5 ـ يتمّ توجيه صعقة كهربائيّة إلى البُيَيْضة (وهنا بحث استنساخ الخراف يمكن أن يكون مرجعاً جيّداً لقوّة وطول فترة الصعقة). إنّ الصعقة الكهربائيّة تستحثّ الخليّتين على الاندماج بحيث يمكن أن نعرف إن كانت الصعقة كافيةً من خلال النظر إلى الخلايا وحسب، ويُعتقد بأنّ برمجة الجينات الجنينيّة تبتدئ بإحلال الإشارات البروتينيّة للبُيَيْضة، إلّا أنّ الصعقة الكهربائيّة قد تساعد في تحريك هذه المؤشّرات البروتينيّة عبر غشاء النواة أيضاً. إنّ النفاذيّة الكهربائيّة طريقة شائعة لتسيير جُزَيئات (الدنا) عبر جدار الخليّة.

6 ـ تعاد الخطوات الثلاثة الأخيرة حسب الحاجة كلّما دعت الضرورة إلى ذلك حتّى يصير لدينا ما يكفي من النُسوخ، وعلينا أن نتوقّع أنّ الكثير منها لن يبقى على قيد الحياة بسبب الأضرار المسبَّبة للخليّة والحوادث الاُخرى. يُسمح للأجنّة بالنموّ والانقسام مرّات قليلة في وسط زرع خليّة البُيَيْضة البشريّة.

7 ـ تغرس الأجنّة من اُمّهات بشريّات حيث يمكن حملها حتّى يحين أجل وضعها الطبيعي».

انتهى كلام الدكتور (في سيلقر) بحسب نقل الدكتور (داود سليمان السعدي).

وهو كما ترى صريح في أنّ من لوازم العمل خلايا بُيَيْضات بشريّة غير ملقّحة.

الصفحة 9

وهذه الأقسام الثلاثة للاستنساخ يسمّى الأوّل والثالث منها بالاستنساخ التقليدي، والثاني منها بالاستتئام. وسرّ تسمية الأوّل والثالث منها بالاستنساخ التقليدي هو: أنّ ما يحصل منهما من نتاج يكون نسخة ثانية ومقلّدة للنسخة الاُولى: إمّا نسخة للعضو، أو نسخة للإنسان، أو الحيوان، في حين أنّ التوائم في الاستتئام كلّها في عرض واحد، وليس بعضها تقليداً لبعض.

وقد انتهينا إلى هنا من المقدّمات التي توضّح حقيقة الاستنساخ.

أمّا البحث عن حكم ذلك، فتارةً يكون عن جواز نفس الاستنساخ في شريعة الإسلام، واُخرى يكون عمّا يترتّب من الأحكام على الحصيلة المتحصّلة بهذه العمليّة:

أمّا البحث عن جواز أصل عمليّة الاستنساخ، فلاريب في أنّه يجب في ذلك الاجتناب عن المحرّمات التي ربّما يكون الإقدام على ذلك مصاحباً لها، فليجتنب مثلاً عن مسّ الأجنبيّ أو الأجنبيّة لبدن إنسان تُؤخذ منه الخليّة، وكذا النظر إلى ما يحرم النظر إليه، ونظر غير الزوجين إلى عورة غيرهما وإن كان من المحارم.

إلّا أنّ هذه الأحكام أحكام مستقلّة، إذا لم يراع أمثالها، لم يوجب ذلك حرمة نفس الاستنساخ.

نعم، في الاستنساخ التقليدي للإنسان قد يقال: إنّ استنساخه بشكل وافر يخلق الهرج والمرج في المجتمع: كإمكانيّة اشتباه المجرم كثيراً، وتكثّر الإجرام، وإخفاء الجرم دائماً، وما إلى ذلك.

إلّا أنّ هذا أيضاً إن تحقّق فهو خاصّ بصورة غير ملازمة، فلايحرّم الاستنساخ الفردي القليل مثلاً.

وفي الاستتئام قد يقال: إنّه يحرم إعدام النطفة وإلقاؤها من الرحم في جميع مراحل وجودها كما دلّت على ذلك روايات معتبرة من قبيل موثّقة إسحاق بن عمّار: «قلت لأبي الحسن: المرأة تخاف الحبل، فتشرب دواءً، فتلقي ما في بطنها؟ قال: لا. فقلت: إنّما هو نطفة. فقال: إنّ أوّل ما يخلق نطفة»(1). ونظيرها صحيحة رفاعة: قال: «قلت لأبي عبدالله: أشتري الجارية، فربّما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح في رحم، فتسقى دواءً لذلك، فتطمث من يومها، أفيجوز لي ذلك وأنا لاأدري من حبل هو أو غيره؟ فقال لي: لاتفعل ذلك. فقلت له: إنّه إنّما ارتفع طمثها منها شهراً، ولو كان ذلك من حبل إنّما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل. فقال لي: إنّ النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة، ثُمّ إلى مضغة، ثُمّ إلى ما شاء الله، وإنّ النطفة إذا وقعت في غير الرحم، لم يخلق منها شيء، فلاتسقها دواءً إذا ارتفع طمثها شهراً وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه»(2).


(1) راجع الوسائل، الباب. من القصاص في النفس.
(2) راجع الوسائل، الباب 33 من أبواب الحيض.
الصفحة 10

فهاتان الروايتان صريحتان في تحريم إسقاط ما يصلح أن يكون منشأً للولد من الرحم ولو كان على مستوى النطفة، فإذا كان الاستتئام موجباً لفقد خليّة منها كما لعلّه الأغلب، كان حراماً فليجتنب عنه.

وقد يقال في جواب ذلك: إنّ ما وقعت في الرحم من الخلايا ليست عادةً كلُّها قادرة على طيّ المسافة إلى حين تكوّن الولد في عرض واحد، وإنّما يتكوّن منها القليل كالواحدة مثلاً، فإذا كان ما اُخذ من الرحم بالطريقة الماضية يموت بعضها، وتتكوّن منها الواحدة، فهذا كاف لتلبية ما تتطلّبه حرمة الإسقاط أو الإعدام؛ إذ لانعلم بقابلية أكثر من الواحدة على سبيل البدل لذلك.

إلّا أنّ هذا الإشكال إن صحّ، ولم نقل بكفاية قابلية ما يُعدم لنشوء الولد ولو بدلاً في الحرمة، يبقى أنّ احتمال موت الجميع بالعمليّة الماضية وعدم تمامية الإنجاب نهائيّاً واردٌ؛ فإنّ نجاح العمليّة ليس مضموناً في كلّ قضيّة قضيّة، وإنّما أثبت العلم النجاح في بعض العمليّات، وهذا تقريب آخر للحرمة، وهو كاف لضرورة الاجتناب.

إلّا أنّ هذا العمل المحرّم بكلا تقريبه يقع في مقدّمة الوصول إلى الاستتئام، ونفس الاستتئام ليس بمحرّم بمقتضى هذه الروايات.

هذا حكم نفس الإقدام على هذه العمليّات.

وأمّا حكم ما يتحقّق من كلّ واحد من هذه الأقسام، فالبحث فيها ما يلي:

 

القسم الأوّل من الاستنساخ

القسم الأوّل من الاستنساخ هو الاستنساخ التقليدي المؤدّي إلى حصول عضو جديد كالجلد مثلاً، ولاريب في جواز الانتفاع به في علاج صاحب الخليّة، أي: الذي اُخذت منه الخليّة إذا كان صاحبها إنساناً، ولامجال لتوهّم حرمة هذا الانتفاع به؛ لشبهة اعتبار رضا صاحب العضو في الانتفاع بعضوه، ولو احتملت حرمت العلاج بنفسه، يرفع الاحتمال بأصالة البراءة.

ولا ريب أيضاً في جواز الانتفاع به في علاج الأرحام لصاحب تلك الخليّة، وللأجانب برضا المالك أو بالشراء منه.

الصفحة 14

الاُولى: رواية محمّد بن عبيدة الهمداني، وهو رجل مجهول قال: «قال الرضا: ما يقول أصحابك في الرضاع؟ قال: قلت: كانوا يقولون: اللبن للفحل حتّى جاءتهم الرواية عنك: أنّك تحرّم من الرضاع ما يحرم من النسب. فرجعوا إلى قولك. قال: فقال: وذلك أنّ أمير المؤمنين (يعني المأمون) سألني عنها البارحة، فقال لي: اشرح لي: (اللبن للفحل) وأنا أكره الكلام، فقال لي: كما أنت حتّى أسألك عنها، ما قلت في رجل كانت له اُمّهات أولاد شتّى، فأرضعت واحدة منهنّ بلبنها غلاماً غريباً أليس كلّ شيء من ولد ذلك الرجل من اُمّهات الأولاد الشتّى محرّماً على ذلك الغلام؟ قال: قلت: بلى. قال: فقال أبو الحسن: فما بال الرضاع يحرّم من قبل الفحل، ولايحرّم من قبل الاُمّهات؟! وإن كان لبن الفحل أيضاً يحرّم»(1).

وهذه الرواية مع سقوطها سنداً تُشمّ منها رائحة التقيّة.

والثانية: موثّقة جميل بن درّاج عن أبي عبدالله قال: «إذا رضع الرجل من لبن امرأة، حرم عليه كلّ شيء من ولدها وإن كان من غير الرجل الذي كان أرضعته بلبنه، وإذا رضع من لبن رجل، حرم عليه كلّ شيء من ولده وإن كان من غير المرأة التي أرضعته»(2).

إلّا أنّ الظاهر: أنّ المعمول به لدى معروف الأصحاب هو الأوّل دون الثاني، فوحدة البطن في باب الرضاع لاتنشر الحرمة حتّى يحمل المقام عليه بالأولويّة.

 

القسم الثالث من الاستنساخ

والقسم الثالث من الاستنساخ هو الاستنساخ التقليدي للبشر لو نجح العلم في ذلك ولو مستقبلاً.


(1) الوسائل، باب. ممّا يحرم بالرضاع، الحديث 9.
(2) راجع الوسائل، باب 15 ممّا يحرم بالرضاع، الحديث 3.
الصفحة 11

ولو قلنا: إنّ المالك أو صاحب الاختصاص هو صاحب الخليّة، اشترط في الحلّ رضاه بمال أو مجّاناً.

نعم، قد يقال: بنجاسة العضو الجديد إذا كان مشتملاً على اللحم والدم مثلاً بسبب أنّه كالأعضاء المقطوعة من الحيّ.

ولكن لاينبغي الإشكال في عدم شمول روايات نجاسة الأعضاء المبانة من الحيّ لذلك(1)، فإذا شككنا في الطهارة والنجاسة، فإن قلنا بجريان أصالة الطهارة لدى الشكّ في نجاسة شيء من أوّل أمره، انتهى الإشكال، وإن لم نقل بذلك بناء على الإشكال الموروث من اُستاذنا الشهيد الصدر (رحمه الله) الناتج من التشكيك في كيفيّة قراءة « قذر » في جملة: « حتّى تعلم أنّه قذر»، قلنا: إنّ الشكّ في الطهارة والنجاسة يكفي في إجراء الاُصول المؤمّنة عن أحكام النجاسة، فينتهي الإشكال بذلك أيضاً.

 

القسم الثاني من الاستنساخ

والقسم الثاني من الاستنساخ هو الاستتئام، ولاشكّ في أنّ ما يتحقّق منه يكون توأمين أو توائم متعدّدة أباً واُمّاً،

وحالها حال باقي الإخوة والأخوات في التوالد الطبيعي العادي، وكذلك النسبة بينهم وبين سائر الأقرباء.

نعم، يبقى الحديث عن النسبة بين الطفل وبين المرأة التي غذّته برحمها، ولم تكن صاحبة البُيَيْضَة. وهي المسمّاة بالاُمّ الحاضن.

فقد يقال: إنّها هي الاُمّ شرعاً دون التي قلنا إنّها هي الاُمّ الحقيقيّة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾(2)، وعلى هذا الأساس يقال في الاُمّ الحاضن ـ سواء كان في مورد الاستتئام أو غيره ـ: إنّها هي الاُمّ الحقيقيّة شرعاً، كما صرّح بذلك السيّد الخوئي (رحمه الله) على ماورد في كتاب مسائل وردود مجيباً على سؤال موجّه إليه ما نصّه:


(1) راجع الوسائل، الباب 24 من الصيد، والباب 30 من الذبائح.
(2) سورة المجادلة، الآية: 2.
الصفحة 13

وقد يقال: إنّ الاُمّ الحاضن هي بمنزلة الاُمّ الرضاعيّة؛ وذلك على أساس مقدّمتين:

الاُولى: أصل فكرة الاُمّ الرضاعيّة، فلو أنّها كانت ترضع ولداً من دون حضانة في الرحم ولاولادة، فلاشكّ في أنّ ذلك كان يخلق قرابة رضاعيّة تحلّ محلّ قرابة النسب.

والثانية: أنّ تأثير الاُمّ الحاضن في اشتداد اللحم والدم والعظم للطفل أشدّ بكثيرمن اشتدادها بالرضاع، فتدّعى الأولويّة العرفيّة في نفس التأثير.

والجواب: أنّه لم يكن تمامُ الملاك في خلق القرابة الرضاعيّة الحالّة محلّ القرابة النسبيّة مسألة اشتداد لحم الطفل وبدنه بها، بل لذلك شروط تعبّديّة:

فمثلاً: قد دلّ النصّ التامّ السند على أنّه لو درّ اللبن من المرأة من غير ولادة، وأرضعت طفلاً، لم تنشر الحرمة، كما هو صريح صحيحة يونس بن يعقوب، ورواية يعقوب بن شعيب غير التامّة سنداً(1).

وأيضاً أفتى الأصحاب بعدم انتشار الحرمة بالإرضاع من الزنا.

وأيضاً دلّت النصوص التامّة على أنّ مقياس نشر الحرمة هو لبن الفحل، وليس بطن المرأة(2). وأنا أقتصر هنا على ذكر الرواية الاُولى من الباب، وهي:

صحيحة بريد العجلي: «سألت أبا جعفر عن قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فسّر لي ذلك. فقال: كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة اُخرى من جارية أو غلام، فذلك الذي قال رسول الله(صلى الله عليه و آله). وكلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام، فإنّ ذلك رضاع، ليس بالرضاع الذي قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يحرم من الرضاع مايحرم من النسب. وإنّما هو من نسب ناحية الصهر رضاع، ولايحرّم شيئاً، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم».

نعم وجدنا روايتين تدلاّن على أنّ وحدة البطن كوحدة الفحل في نشر الحرمة:


(1) راجع الوسائل، باب. ممّا يحرم بالرضاع.
(2) راجع الوسائل، باب. ممّا يحرم بالرضاع.
الصفحة 15

والصحيح في ذلك: أنّ هذا الطفل: إمّا أنّ له أباً ولااُمّ له، أو أنّ له اُمّاً ولاأب له؛ وذلك لأنّه اتّضح ممّا تقدّم أنّ بُيَيْضة المرأة التي اُفرغت من نواتها ليست هي المكوّنة للطفل بأكثر من أنّ سيتوبلازمها يعمل كغذاء مناسب لنموّ النطفة، فالنطفة الحقيقيّة إنّما هي نواة خليّة جزء من عضو رجل أو امرأة ـ ولو كانت نفس تلك المرأة ـ والذي اُريدَ استنساخ فرد مثله، فإن كان ذاك رجلاً فهو أبوه، وإن كان امرأة فهي اُمّه.

ولايشترط في شرعيّة هذا الأب أو الاُمّ عقد شرعيّ؛ فإنّ العقد الشرعيّ إنّما ورد في تلاقح الخلايا الجنسيّة.

وبذلك يتعيّن كلّ نسب هذا الطفل، وتثبت جميع أحكام النسب بإطلاق أدلّتها.

وفرض انصرافها إلى باب التزاوج الطبيعي ليس إلّا انصرافاً بدويّاً ناتجاً من انحصار الفرد المتعارف في عصر النصّ بذلك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.