عدد الصفحات:

المؤلفات > أحكام المقبوض بالعقد الفاسد

الصفحة 1

أحكام المقبوض بالعقد الفاسد

القسم الأول

آية الله السيد كاظم الحسيني الحائري

إنّ هذه الدراسة في الأصل هي جزء من مجموعة بحوث کتبها سماحة السيد الاُستاذ شرحاً لکتاب المکاسب للشيخ الأنصاري.. وهي تُعالج إحدى المسائل الساخنة في فقه العقود.. وهي أحکام المال المقبوض بالعقد الفاسد واُقتصر فيها علی طرح المهمّ من هذه الأبحاث.. وفي هذا القسم من هذه الدراسة تمّ بحث حکمين: الضمان ووجوب الردّ..

لقد وقع البحث فقهياً حول أحکام المال المقبوض بالعقد الفاسد، فإنّه تترتّب علی ما يُقبض بالعقد الفاسد عدّة أحکام، وهي ـ إجمالاً ـ: الضمان، ووجوب الردّ، وضمان المنافع المستوفاة. وتفصيل ذلك:

الحكم الأوّل:

من قبض ما اشتراه بالعقد الفاسد كان ضامنا.

قال الشيخ الأعظم (رحمه‏الله): «لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، وكان مضموناً عليه، أمّا عدم الملك؛ فلأنّه مقتضى فرض الفساد.

الصفحة 2

وأمّا الضمان بمعنى كون تلفه عليه ـ وهو أحد الاُمور المتفرّعة علی القبض بالعقد الفاسد ـ فهو المعروف، وادّعى الشيخ في باب الرهن (1) وفي موضع من البيع الإجماع عليه صريحاً (2)، وتبعه في ذلك فقيه عصره في شرح القواعد (3). وفي السرائر: أنّ البيع الفاسد يجري عند المحصّلين مجرى الغصب في الضمان (4)، وفي موضع آخر نسبه إلى أصحابنا (5)...» (6).

ثمّ استدلّ الشيخ (رحمه‏الله) على الضمان (7) بالنبويّ المشهور: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (8)، وبما ورد في الأمة المبتاعة إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري من أنّه: «يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بالقيمة» (9)، قال الشيخ (رحمه‏الله) ـ ما معناه ـ: إنّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري ـ لا بعقد فاسد ولا بغيره؛ لأنّه ولد حرّاً ـ يستلزم ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بطريق أولى (10).

المناقشة:

أقول: أمّا النبوي فلا إشكال في سقوطه سنداً، وأمّا ما ورد في الأمة المبتاعة إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري ـ من أنّه يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرجل ولده بالقيمة ـ فالكلام تارة يقع فيها من ناحية السند، واُخرى من ناحية الدلالة:

1 ـ البحث السندي:

أمّا من ناحية السند فهي واردة بعدّة أسانيد (11):

أوّلاً: ما رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه‏السلام) في رجل اشترى جارية فأولدها فوُجدت الجارية مسروقة، قال: «يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بقيمته» (12).


(1) الطوسي، محمّد بن الحسن، المبسوط في فقه الإمامية، المکتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية ـ طهران. 1407 هـ، 2: 204.
(2) المصدر السابق: 150.
(3) کاشف الغطاء، جعفر، شرح القواعد. مخطوط ): 52.
(4) ابن إدريس الحلّي، محمّد بن منصور، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، مؤسّسة النشر التابعة لجماعة المدرّسين ـ قم، ط. / 1410 هـ، 2: 285، 326.
(5) المصدر السابق 2: 285، 326.
(6) الأنصاري، مرتضی، کتاب المکاسب. المطبوع ضمن تراث الشيخ الأعظم )، مجمع الفکر الإسلامي ـ قم، ط. / 1380 هـ. ش، 3: 180.
(7) المصدر السابق: 180 ـ 181.
(8) ابن أبي جمهور الأحسائي، محمّد بن علي بن إبراهيم، عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث النبوية، مطبعة سيد الشهداء ـ قم، ط. / 1403 هـ، 1: 224، ح 106، و 389، ح 22. النوري الطبرسي، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، مؤسّسة آل البيت(عليهم‏السلام) لإحياء التراث ـ قم، ط. / 1407 هـ، 17: 88، ب. من الغصب، ح..
(9) الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسّسة آل البيت(عليهم‏السلام) لإحياء التراث ـ قم، ط. / 1412 هـ، 21: 204 ـ 205، ب 88 من نكاح العبيد والإماء، ح 3، 205، و 171، ب 77، ح..
(10) الأنصاري، مرتضی، کتاب المکاسب 3: 181.
(11) الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 21: 204 ـ 205، ب 88 من نكاح العبيد والإماء، ح 3، و 171، ب 77، ح..
(12) المصدر السابق: 204، ب 88 من نكاح العبيد والإماء، ح..
الصفحة 3

وهذه الرواية عيبها السندي إرسالها.

ثانياً: ما رواه الشيخ أيضاً بسنده عن الصفّار عن معاوية بن حكيم عن محمّد بن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن أبي عبد الله (عليه‏السلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثمّ يجيء مستحقّ الجارية قال: «يأخذ الجارية المستحقّ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي اُخذت منه» (1).

فإن احتملنا تعدّد الرواية فهذه الرواية الثانية تامّة السند، وإن اطمئنّا بوحدة الروايتين لوحدة السند ـ أعني ابن أبي عمير وجميل ـ ووحدة المضمون ـ وإن كانت هناك إضافة في الثانية ـ أصبحت الرواية مضطربة السند خصوصاً أنّ النقل الأوّل رواه الكلينيّ أيضاً بنفس الإرسال.

وثالثاً: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه‏السلام)، وفي ذيلها: «فإن اشترى رجل جارية وجاء رجل فاستحقّها وقد ولدت من المشتري ردّ الجارية عليه وكان له ولدها بقيمته» (2).

وهذه الرواية لا عيب في سندها.

إثارة: وكأنّ السبب في اقتصار الشيخ في الاستشهاد بروايات الجارية على روايات ضمان قيمة الولد وتركه الإشارة إلى روايات ضمان قيمة لبنها أو خدمتها اعتقاده أنّ ضمان قيمة الولد ليس للإتلاف؛ لأنّه وُلِد تالفاً باعتبار حرّيّته أمّا ضمان اللبن أو الخدمة فقد يكون للإتلاف.

ويرد عليه: أنّ السبب في تخيّل عدم الضمان إنّما هو تخيّل أنّ من أقبض ماله بعقد فاسد فقد أهدر كرامة ماله، فلا يضمنه القابض.

وأنت ترى أنّه لو كان المالك هو الذي أهدر كرامة ماله فالضمان ينتفي حتّى


(1) المصدر السابق: 205، ح..
(2) المصدر السابق: 171، ب 57، ح..
الصفحة 4

بلحاظ الإتلاف، وعليه فلو صار القرار على الاستشهاد للضمان بروايات ضمان قيمة الولد أمكن الاستشهاد أيضاً بروايات ضمان ما أتلفه من لبنها أو خدمتها، فتتّسع روايات الجارية التي يُمكن الاستشهاد بها لضمان المقبوض بالعقد الفاسد إلى روايتين اُخريين:

الاُولى: رواية زرارة: قال: قلت لأبي عبد الله (عليه‏السلام): رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولاداً، ثمّ إنّ أباها يزعم أنّها له. قال: «يقبض ولده، ويدفع إليه الجارية، ويعوّضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها» (1).

قوله: «ثمّ إنّ أباها يزعم أنّها له» هكذا ورد في الوسائل والتهذيب. وأظنّ أنّ الأصحّ ما ورد في الاستبصار عبارة: «يقبض لولده» بمعنى «يقبضه بالقيمة».

وعلى كلّ حال فهذه الرواية لا يخلو سندها من ضعف؛ فإنّ سندها ما يلي: الشيخ بإسناده عن الصفّار عن يعقوب بن يزيد عن صفوان بن يحيى عن سليم الطربال أو عمّن رواه عن سليم عن حريز عن زرارة، وسليم الطربال لم تثبت وثاقته إلا على تقدير اتّحاده مع سليم الفرّاء الذي شهد النجاشيّ بتوثيقه، ولا أرى دليلاً على هذا الاتّحاد.

والثانية: رواية اُخرى تامّة السند هي ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد عن أبي عبد الله الفرّاء عن حريز عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه‏السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثمّ يجيء الرجل فيقيم البيّنة على أنّها جاريته لم تبع ولم توهب. فقال: «يردّ إليه جاريته، ويعوّض بما انتفع». قال: كان معناه قيمة الولد (2).


(1) المصدر السابق: 204 ـ 205، ب 88 من نكاح العبيد والإماء، ح..
(2) المصدر السابق: 204، ب 88 من نكاح العبيد والإماء، ح..
الصفحة 5

وأبو عبد الله الفرّاء وإن كان لم يرد بشأنه توثيق لكنّه ممّن روى عنه ابن أبي عمير، فيحكم بوثاقته.

وأمّا تفسير جملة: «ويعوّض بما انتفع» بمعنى دفع قيمة الولد فهذا من قبل أحد الرواة الواقعين في سلسلة سند الحديث، ولا حجّيّة له. وتفسيرها بمعنى الانتفاع باللبن أو الخدمة أولى، أو يحتمل ذلك على أقلّ تقدير.

البحث الدلالي:

وأمّا من ناحية الدلالة فأساساً استشهاد الشيخ (رحمه‏الله) بروايات الجارية المسروقة من الغرائب؛ فإنّ نكتة تخيّل عدم ضمان المقبوض بالعقد الفاسد هي تخيّل أنّ المالك هو الذي أهدر حرمة مال نفسه، فجعل روايات الضمان في الأمة المسروقة ردّاً على نفي ضمان المقبوض بالعقد الفاسد غريب؛ لأنّ الضمان في باب الجارية المسروقة لا يكون ردّاً على ذلك، لوضوح أنّه لا هدر لحرمة المال من قِبل المالك في باب السرقة، فما معنى التعدّي من مورد تلك الروايات إلى المقام ؟. وهذه النكتة واردة في كلمات السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) (1).

نعم، الصحيح أنّ ضمان المقبوض بالعقد الفاسد لا يحتاج إلى نصّ؛ لأنّ الصحيح أنّ المالك لم يهدر في إقباضه بالعقد الفاسد حرمة مال نفسه؛ لأنّه قد أقبضه مبنيّاً على المعاوضة بالمسمّى (2).

وحتّى لو فرضنا علم المالك بفساد العقد قلنا ـ رغم ذلك ـ: أنّه لم يهدر المالك حرمة ماله؛ لأنّه إنّما أقبضه بعنوان المعاوضة بالمسمّى، وعلمه ببطلان ذلك لا ينافي ذلك (3)، فإذا لم يكن المالك مُهدراً لحرمة ماله فالارتكاز العقلائيّ قائم على قاعدة اليد، فنحن نقول بالضمان لا برواية على اليد الساقطة سنداً، بل بالارتكاز العقلائيّ.


(1) راجع: موسوعة الإمام الخوئيّ ــ إيران، ط. / 1428 هـ. التنقيح. 36: 233.
(2) المصدر السابق.
(3) راجع: المصدر السابق: 240.
الصفحة 6

نعم، لو فرضنا أنّ المالك كان عالماً بفساد العقد والقابض كان جاهلاً بفساده وقبضه بتغرير من المالك ثمّ تلف في يده أو أتلفه بأكل أو غيره فهذا يدخل في قاعدة «رجوع المغرور إلى من غرّه» فلو كان المثل أكثر من المسمّى لم يضمن الزيادة، كما أنّه لو كان المسمّى أكثر من المثل لم يضمن أيضاً الزيادة في المسمّى؛ لأنّ ضمان المسمّى كان بالعقد، وقد ظهر فساده، فهذا الجاهل المغرور من قِبل المالك ليس عليه دائماً إلا أقلّ القيمتين من المثل والمسمّى، وهذا بحث خارج عن أصل قاعدة «ما يضمن» والمهمّ أنّ أصل الضمان ثابت في المقام بحكم ارتكازيّة قاعدة اليد بعد أن كان المالك لم يُهدر حرمة ماله.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم (رحمه‏الله) بعد أن أوضح ثبوت الضمان في قبض المبيع بالبيع الفاسد ذكر أنّ هذا من جزئيّات القاعدة المعروفة: «كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفساده» (4).

أقول: وبسرد البحث إلى هنا اتّضح خير دليل على هذه القاعدة، وهو إنّ العقد إن كان يضمن بصحيحه إذن فالعاقد لم يهدر تسليمه للمال حرمة ماله، فلو تبيّن بطلان العقد وعدم سلامة ضمان المسمّى بقبض المال يكون القابض ضامناً على طبق القاعدة العقلائيّة التي تحكم ـ في غير موارد هدر المالك حرمة ماله ـ بأنّ اليد موجب لضمانه، بخلاف ما إذا لم يكن الصحيح فيه عوض مالي، كما في الهبة غير المعوّضة؛ فإنّه عندئذٍ يكون المالك هو الذي أهدر حرمة ماله، فلم يبق ما يوجب ضمان اليد عقلائيّاً.

الروايات الدالّة علی قاعدة اليد:

يبقى الكلام في أنّه هل يوجد نصّ يمكن إحلاله محلّ الارتكاز العقلائيّ الحاكم بضمان اليد حتّى تتمّ قاعدة اليد روائيّاً، كما هي تامّة عقلائيّاً أو لا ؟


(1) الأنصاري، مرتضی، کتاب المکاسب 3: 182.
الصفحة 7

والنصوص التي يُمكن أن نفترض حلّها محلّ الارتكاز العقلائيّ لضمان اليد عديدة:

منها: ما مضى من النبوّي المشهور: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1). وقد قلنا: إنّ عدم السند له أسقطه عن قابليّة التمسّك به.

ومنها: ما ورد في التوقيع الشريف: «... فإنّه لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا...» (2).

وفيه:أنّه لو لم يُضمّ إليه الارتكاز العقلائيّ الحاكم بضمان اليد في أخذ مال من دون وجه الحِلّ فهو لا يدلّ إلا على الحرمة التكليفيّة دون الضمان.

ومنها: ما رواه الكلينيّ عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيّوب عن عبد الله بن بكير عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه‏السلام)، قال: «قال رسول الله (ص): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه» (3).

هذا فيما إذا فسّرنا الحرمة بالاحترام بمعنى يشمل الضمان، لا بمعنى الحرمة التكليفيّة، وإلا لم تزد هذه الرواية على الرواية السابقة.

ومنها: ما رواه الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي ومحمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه‏السلام) قال: سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: «نعم، إذا لم يوجد من أهل ملّتهم جازت شهادة غيرهم، إنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد» (4).

وواضح أنّ التمسّك بـ «لا يصلح ذهاب حقّ أحد» لإثبات الحقّ تمسّكٌ بالكبرى لإثبات الصغرى، ولو أنّنا فرضنا العلم بالصغرى وهو حقّ الضمان في المقام فلا معنى للتمسّك بهذه الرواية.


(1) النوري الطبرسي، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل 17: 88، ب. من الغصب، ح..
(2) الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 9: 541، ب. من الأنفال، ح.. وعيب سند الحديث هو عدم ورود التوثيق بشأن مشايخ الصدوق الأربعة الذين روى الصدوق عنهم هذه الرواية، وهم: محمّد بن أحمد السناني، وعليّ بن أحمد بن محمّد الدقّاق، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب، وعلي بن عبدالله الورّاق، فإنّهم رووا جميعاً هذا الحديث عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي في أجوبة المسائل التي وردت عليه من صاحب الدار (عج) على يد الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري. قدّس الله روحه.. ولكن هذا الإشكال محلول عندنا بعدم احتمال توافق أربعة من مشايخ الصدوق على كذب من هذا القبيل. ولو لم نقتنع بهذا الجواب كفانا أيضاً صحيح زيد الشحّام عن أبي عبد الله (ع) عن رسول الله (ص): «من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيب نفسه». ومثله موثّقة سماعة: الحرّ العاملي، محمّد ابن الحسن، وسائل الشيعة 5: 120، ب. من مكان المصلّي، ح.. وتؤيّد هذه الروايات مرسلة عوالي اللآلي عنه (ص): «المسلم أخو المسلم لا يحلّ ماله إلا عن طيب نفس منه». ومرسلة الدعائم عن أمير المؤمنين (ع): «ولا يجوز أخذ مال المسلم بغير طيب نفس منه». راجع: النوري الطبرسي، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل 17: 88، ب. من الغصب، ح. و..
(3) الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 12: 297، ب 158 من أحكام العشرة، ح.. وهذا تامّ سنداً، وورد نظيره بسند غير تامّ في وصيّة رسول الله (ص) لأبي ذر. اُنظر: المصدر السابق: 281، ب 152 من أحکام العشرة، ح..
(4) المصدر السابق 19: 310، ب 20 من الوصايا، ح..
الصفحة 8

ومنها: قاعدة «نفي الضرر» والاستدلال بها في المقام للضمان يتوقّف على أحد أمرين:

الأمر الأوّل: أن نفترض أوّلاً: أنّ الارتكاز العقلائيّ يقتضي الضمان، ثمّ نقول عندئذٍ: إنّ عدم إمضاء هذا الارتكاز العقلائيّ من قِبل الشريعة يُعتبر ضرراً على المالك.

ونفترض أيضاً أنّ نفي الضرر يشمل إثبات الحكم لدى كون نفيه ضرراً.

والأمر الثاني: أن نفترض الكلام في خصوص ما إذا كان الضرر مستنداً إلى القابض، كما في مورد الإتلاف مثلاً، ولم يكن مستنداً إلى البائع أو إلى كليهما، ونفترض أنّ «لا ضرر» يقتضي لزوم التدارك من قِبل مَن أوجد الضرر.

والوجه الأوّل أشمل من الوجه الثاني؛ لأنّه لا يختصّ بخصوص ما إذا كان الضرر مستنداً إلى القابض.

والوجه الأوّل هو المهم في المقام.

والكلام بقدر ما يرجع إلى تفسير قاعدة «لا ضرر» موكول إلى بحث الاُصول أو بحث القواعد الفقهيّة.

والارتكاز العقلائيّ مسلّم في المقام، وهو في الحقيقة ارتكاز لقاعدة اليد، وذلك يُغنينا عن الحاجة إلى قاعدة «لا ضرر»، فلا يهمّنا كثيراً تماميّتها أوعدم تماميّتها في المقام.

وقد اتّضح ممّا ذكرناه: أنّ تمام الروايات التي سردناها ليست لوحدها دليلاً على قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، وإنّما هناك نقطة مركزيّة وقاسم مشترك بين كلّ أدلّة القاعدة، وهي: أنّ المالك لم يهدر حرمة مال نفسه.

الصفحة 9

وتبيّن أيضاً: أنّ عكس القاعدة لو تمّ فإنّما يتمّ في حدود صدق إهدار المالك حرمة مال نفسه بإقدامه على إقباض المال مجّاناً ومن غير عوض، وذلك كما في الهبة المجّانيّة لو كانت باطلة، كالهبة إذا وقعت بإنشاء عقد التمليك المجّاني باللغة الفارسيّة مع فرض شرط العربيّة، أو التمليك المجّاني للصبيّ مع فرض شرط بلوغ القابل، أو العارية غير المضمونة في صحيحها، كما في عارية غير الذهب والفضّة، أو غير مشروطة الضمان، فلو بطلت عاريته لعدم بلوغ المستعير مثلاً فقد يُقال بتماميّة قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»، ولو صحّ هذا الكلام فلا بدّ أن يُشترط فيه علم المُعير بكون العارية غير مضمونة، أو ـ على الأقلّ ـ قصده لعدم الضمان، وإلا لم يصدر منه إهدارٌ لحرمة ماله. وكذا الحال في عقد الرهن والمضاربة والوكالة ونحو ذلك.

وقد يشكّك في صحّة عكس القاعدة، وذلك بأن يُقال: إنّ معنی قاعدة «ما يضمن» هو أنّ المالك الذي أقبض ماله على أساس ضمان المسمّى لم يُهدر حرمة ماله، وأنّ من لم يهدر حرمة ماله فماله مضمون له بقاعدة اليد أو بأيّ دليل آخر، أمّا الذي أقبض ماله لا على أساس ضمان فهل هذا معناه إهدار حرمة ماله بقول مطلق أو معناه إهدار حرمة ماله إهداراً مقيّداً بما كان يتخيّله من صحّة المعاملة، وفرض تخيّله لتحقّق القيد خارجاً ليس معناه الإطلاق؟ فبعدما يطّلع على عدم تحقّق القيد ـ أي على عدم صحّة المعاملة ـ قد يُقال: إنّ له أن يُداعي بضمان ماله.

والخلاصة: أنّ مجرّد تخيّله لضمان المسمّى كان كافياً لعدم الإهدار، ولكن مجرّد تخيّله لعدم الضمان الشرعيّ ليس كافياً لإطلاق الإهدار.

وعليه، فلكي نرى هل هناك دليل على عكس القاعدة أيضاً أو لا ؟

الصفحة 10

نضطرّ حينئذٍ إلى استئناف بحث جدّيّ؛ لأنّ أصل القاعدة بالتشكيك الذي انتهينا إليه لا يستلزم عكسها.

أدلّة عکس القاعدة:

وهنا نحن نبحث وجوهاً لإثبات عكس القاعدة كالتالي:

الوجه الأوّل: ما رواه الشيخ الأنصاريّ (رحمه‏الله) في المكاسب (1) عن الشيخ الطوسيّ في المبسوط وهو: أنّ ما لا يضمن بصحيحه فلا يضمن بفاسده بطريق أولى.

ووضّح الشيخ الأنصاريّ (رحمه‏الله) هذا الوجه بما يلي (2): إنّ الصحيح من العقد إذا لم يقتض الضمان مع إمضاء الشارع له فالفاسد الذي هو بمنزلة العدم لا يؤثّر في الضمان؛ لأنّ أثر الضمان إمّا من الإقدام على الضمان، والمفروض عدمه وإلا لضمن بصحيحه، وإمّا من حكم الشارع بالضمان بواسطة هذه المعاملة الفاسدة، والمفروض أنّها لا تؤثّر شيئاً.

ووجه الأولويّة: أنّ الصحيح إذا كان مفيداً للضمان أمكن أن يُقال: إنّ الضمان من مقتضيات الصحيح، فلا يجري في الفاسد؛ لكونه لغواً غير مؤثّر، والإقدام كان على ضمان المسمّى، والشارع لم يمضه، فيرتفع أصل الضمان، والمفروض أنّ أصل الصحيح لا يُفيد الضمان فكيف بفاسده؟!

مناقشة الوجه الأوّل:

وناقش الشيخ الأنصاريّ في هذا الوجه أو في الأولويّة بإمكان أن يُقال (3): إنّ الضمان كان على مقتضى القاعدة، ولكن الذي رفعه نفس العقد الصحيح، فصحّة الرهن والإجارة ـ مثلاً ـ أوجبت تسلّط المرتهن والمستأجر على العين شرعاً، فأوجبت ضمان العين، بخلاف الفاسد الذي لا يوجب تسلّطاً لهما على العين، فلا أولويّة.


(1) الأنصاري، مرتضی، کتاب المکاسب 3: 196.
(2) المصدر السابق: 196 ـ 197.
(3) المصدر السابق: 197.
الصفحة 11

هنا يكون ظاهر عبارة الشيخ الأنصاريّ (رحمه‏الله) أنّ هذا خدش في الأولويّة، لا في أصل الوجه، فيصبح بصدد تصحيح أصل الوجه بالبيان التالي.

ولكنّنا نرى هذا تشويشاً في التعبير وأنّ الأولى جعل هذا سبباً في الانتقال إلى ذكر وجه ثانٍ وإثبات عكس القاعدة وبالبيان التالي:

الوجه الثاني: ما قاله الشيخ الأنصاريّ (رحمه‏الله)، وهو ما دلّ على أنّ من لم يضمّنه المالك لا يضمّن، سواء ملّكه إيّاه بغير عوض، أو سلّطه على الانتفاع به، أو استأمنه عليه لحفظه، أو دفعه إليه لاستيفاء حقّه، أو العمل فيه بلا اُجرة أو باُجرة أو غير ذلك.

أمّا دليل عدم الضمان في غير التمليك بلا عوض ـ أعني الهبة ـ فهو الدليل المخصّص لقاعدة الضمان، وهو ما دلّ على أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن، «بل ليس لك أن تتّهمه».

وأمّا دليل عدم الضمان في الهبة الفاسدة فهو الأولويّة من خروج صورة الاستئمان عن الضمان؛ فإنّ استئمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمانه له اقتضى التسليط المطلق عليه مجّاناً عدم ضمانه بطريق اُولى.

ولعلّ الشيخ يشير بقوله: «ما دلّ على أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن، بل ليس لك أن تتّهمه». إلى عدد من روايات باب الوديعة (1):

منها: صحيحة الحلبي، وهي الرواية الاُولى من الباب، وصحيحة مسعدة بن زياد وهي الرواية الأخيرة من الباب:

الرواية الاُولى: محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه‏السلام) قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان...» (2).


(1) اُنظر: الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 19: 79 ـ 81، ب. من الوديعة.
(2) المصدر السابق: 79، ب. من الوديعة، ح..
الصفحة 12

والرواية الأخيرة من الباب: عبد الله جعفر في قرب الإسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمّد (عليه‏السلام) عن أبيه (عليه‏السلام): «أنّ رسول الله (ص) قال: ليس لك أن تتّهم من قد ائتمنته، ولا تأتمن الخائن وقد جرّبته» (1).

مناقشة الوجه الثاني:

أورد السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) ـ على ما في التنقيح ـ على هذا الوجه: بأنّ ما في ذيل كلامه ـ يعني كلام الشيخ الأنصاريّ ـ من أنّ ما دلّ على أنّ من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن له، بل ليس لك أن تتّهمه، مخصّص لعموم على اليد، فياليت قد عيّن مورده؛ فإنّه غير معلوم الرواية (2).

وكلام السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) وجيه؛ فإنّ معنى الروايتين: أنّ من جُعل أميناً لا يتّهم بالخيانة الموجبة للضمان ما لم تثبت خيانته، أمّا أنّه متى يضمن حتّى مع فرض عدم الخيانة ومتى لا يضمن حتّى مع فرض بطلان العقد الذي تمّ في ضمنه الائتمان فأمر أجنبيّ عن مفاد الروايتين.

الوجه الثالث: ما أفاده السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) ـ على ما في التنقيح ـ من أنّ المدرك للضمان في أصل قاعدة «ما يضمن» كان عبارة عن السيرة العقلائيّة، وهي مختصّة بما يضمن بصحيحه، أي بما إذا لم يُقدم المالك على بذل ماله مجّاناً أو أمانة أو عارية، أمّا إذا كان الأمر كذلك، كما فيما لا يضمن بصحيحه فمن الأساس لا دليل على الضمان فيه، فصحّ أنّ ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده؛ لأنّ موارد العقود المجّانيّة خارجة تخصّصاً من موارد تلك السيرة العقلائيّة الموجبة للضمان (3).

مناقشة الوجه الثالث:

أقول: إنّ هذا الوجه لا يشمل ما إذا كان عدم الضمان في الصحيح خالقاً لهذه المجّانيّة:


(1) المصدر السابق: 81، ح..
(2) راجع: موسوعة الإمام الخوئيّ. التنقيح. 36: 248.
(3) المصدر السابق: 241 ـ 242، و 247 ـ 248.
الصفحة 13

ومثال ذلك: الجُعل الذي يجعله الجاعل للسابق في المسابقة؛ فإنّ هذا الجُعل لا يضمن له أحد في المسابقة الصحيحة، ولكن قد يتّفق أنّه بعد التسابق يندم الجاعل على ما جعله، فلا يدفعه إلى السابق مجّاناً، بل يدفعه إليه باعتقاد وجوب ذلك شرعاً، أو يكون رضاه مقيّداً من الأساس بفرض صحّة المسابقة، فلو بطلت وعلم السابق ببطلانها مثلاً فلا إشكال في أنّ قاعدة اليد العقلائيّة تقتضي ضمان السابق للجُعل ووجوب إرجاعه أو إرجاع المثل أو القيمة إلى الجاعل.

ومثال آخر: لو لم يعلم المؤجر والمستأجر أو المُعير والمُستعير بأنّ العين المؤجّرة أو المستعارة غير مضمونه ولكن الشريعة حكمت بكون يد المستأجر والمستعير أمانيّة وغير مُوجبة للضمان ثمّ انكشف بطلان الإجارة أو العارية فلا ينبغي الإشكال في أنّ قاعدة اليد العقلائيّة تبقى مقتضية للضمان.

تنبيه:

وهنا لا بأس بالتنبيه ـ بلحاظ أصل قاعدة «ما يضمن» على أنّ معرفة حدودها الحقيقيّة تُنهي بعض الأبحاث الواردة في الكتب من النقوض. ونمثّل لذلك بمثالين:

1 ـ قد يُقال: إنّ السبق في المسابقة الفاسدة ليس مضموناً على أحد في حين أنّه مضمون في المسابقة الصحيحة على من جعل جُعلاً للسابق فهو ممّا يضمن بصحيحه، ولكنّه لا يضمن بفاسده، فيفترض أنّ هذا نقض على القاعدة.

في حين أنّه لا معنى لنقض من هذا القبيل؛ فإنّ المعنى المعقول للقاعدة كان عبارة عن أنّ مقتضي الضمان حينما يكون موجوداً ولم يكن المالك قد أهدر حرمة ماله كان ماله مضموناً، وهذا الأمر لا مجال له أساساً في باب المسابقة؛ إذ لا مقتضي أصلاً لضمان السبق على أحد عدا أصل إمضاء الشارع لجعل الجاعل، والذي هو مخصوص بالسبق الصحيح، بينما في باب البيع ـ مثلاً ـ لم

الصفحة 14

يكن المقتضي لأصل الضمان منحصراً في إمضاء الشارع لصحّة البيع، بل كانت قاعدة اليد العقلائيّة مقتضية للضمان، فحينما لم يكن البائع قد أسقط حرمة مال نفسه تمّ له الضمان في البيع الفاسد.

2 ـ قد يُقال: إنّه في النكاح الفاسد مع علم المرأة بالفساد يكون الاستمتاع بها غير مضمون؛ لأنّها بغيّ، ولا مهر لبغيّ، في حين أنّ الاستمتاعات في النكاح الصحيح مضمونة؛ لأنّه في حكم العقود المعاوضيّة.

وإذا قلنا: إنّ المهر في النكاح الصحيح لم يكن كضمان للاستمتاعات، بل كان صداقاً في أصل عقد النكاح، فلنبدّل المثال بالعقد المنقطع بناءً على أنّهنّ مستأجرات (1)، فمهرها يكون في مقابل حقّ الاستمتاع، فبضاعتها مضمونة لدى صحّة العقد المنقطع، في حين أنّه لو كان العقد المنقطع باطلاً وهي تعلم بذلك فهي بغيّ لا مهر لها.

وقد أجاب السيّد الخوئيّ على هذا المثال تارةً بأنّه يمكن الإلتزام بتخصيص القاعدة بحكم الشريعة بأنّه لا مهر لبغيّ، واُخرى بأنّه يمكن الإلتزام بالتخصّص؛ لأنّ المهر في النكاح إنّما يجعل بإزاء نفس الزوجيّة دون الانتفاعات (2) على ما يستفاد من بعض النصوص من مضمون: «معاذ الله أن يجعل للبضع أجراً»، ويشير (رحمه‏الله) بذلك إلى صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما: أنّه سئل عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليها ثمّ يجد بها عيباً بعد ذلك؟ قال: «لا يردّها على صاحبها، ولكن تقوّم ما بين العيب الصحّة، فيردّ على المبتاع، معاذ الله أن يجعل لها أجراً» (3).

أقول: كأنّه (رحمه‏الله) وجد مجالاً للنقض بناءً على أنّ المهر أجر للبضع، فأجاب إمّا بالتخصيص أو بالتخصّص لمنع كون المهر أجراً للبضع.


(1) كما قد يُستشهد لذلك بقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. النساء: 24. فقد يقال: إنّ المقصود بالأجر هنا اُجرة التمتّع بالمرأة المنقطعة. ولا إشكال في ظهور هذه الآية في متعة النساء على خلاف رأي السنّة الذين ذهبوا إلى حرمتها؛ وذلك بقرينة فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ، ولكن كون المقصود بالاُجرة الاُجرة المعروفة في باب الإجارة لا الصداق المعروف في باب الزواج غير واضح؛ لأنّ كلمة أُجُورَهُنَّ مستعملة أيضاً في القرآن فيما هو منصرف إلى مورد النكاح الدائم وهو قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ. الأحزاب: 50.؛ إذ لا شكّ في انصراف الزوج إلى الزوجيّة الكاملة وهي الدائمة. وبالمناسبة يوجد هناك بحث أجنبيّ عن المقام، وهو هل إنّ النبيّ (ص) تمتّع في حياته بالمنقطع أو لا؟ نحن لم نر في التاريخ ما يدلّ على ذلك؛ فإنّ الوارد في التاريخ قصّة مارية القبطيّة، وهي كانت مملوكة للنبيّ (ص)، ولم تكن متعة. راجع بهذا الصدد: القمّي المشهدي، محمّد بن محمّد، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، مؤسّسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ــ إيران، ط. / 1411هـ. 1991 م، 13: 323 ـ 326»، فالمرويّ في روايات الباب هو أنّه (ص) حرّم على نفسه مارية أو حرّم على نفسه شراب عسل، فعاتبه الله تعالى بقوله: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، وفرض عليه تحلّة اليمين. التحريم:. و. )، ولكن وجدنا مع ذلك بعض روايات تفسيريّة تصرّح بتمتّع رسول الله (ص)، وهي:. ـ ما رواه صاحب الوسائل عن رسالة المتعة للشيخ المفيد بعنوان: روى الفضل الشيباني بإسناده إلى الباقر (ع) أنّ عبد الله بن عطاء المكّي سأله عن قوله تعالى: إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ. التحريم:. ) فقال: إنّ رسول الله تزوّج بالمتعة فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته بالفاحشة فقال: إنّه لي حلال إنّه نكاح بأجل فاكتميه فأطلعت عليه بعض نساءه. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 21: 10، ب. من المتعة، ح 22. ولم نعرف الفضل الشيباني ولا سنده. 2 ـ مرسلة الصدوق عن الصادق (ع) إنّي لأكره للرجل أن يموت وقد بقيت عليه خلّة من خلال رسول الله (ص) لم يأتها فقلت: فهل تمتّع رسول الله (ص)؟ قال: نعم وقرأ هذه الآية: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً ـ إلى قوله ـ: ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً سورة التحريم، الآية:. ـ.. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 21: 13، ب. من المتعة، ح.. وهاتان الروايتان غريبتان؛ لأنّهما خلاف التاريخ المشهور الذي يروي أنّ الرسول (ص) حرّم على نفسه في القصّة المعروفة مارية أو شراب العسل. 3 ـ صحيحة بكر بن محمّد عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن المتقدّم فقال: إنّي لأكره للرجل المسلم أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلّة من خلال رسول الله (ص) لم يقضها. الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 21: 13، ح.. وذلك بناءً على تفسير الخلّة بالخصلة المقبول بها من قبل صاحبها. وعلى أي حال فأصل البحث لا علاقة له بما نحن فيه.
(2) ولم يشر (رحمه‏الله) إلى احتمال الفرق بين النكاح الدائم والمنقطع.
(3) الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 18: 103، ب. من أحكام العيوب، ح..
الصفحة 15

ولكنّنا نقول: فلنفترض أنّ المهر أجر للبضع إلا أنّ إيراد هذا النقض ناتج من أصل تكبير قاعدة «ما يضمن» أكثر من واقعها وحقيقتها، فهي ليست قاعدة منصوصاً عليها بالأساس لا في كتاب ولا في سنّة، وإنّما حقيقتها عبارة عن أنّ من كان تسليطه لأحد على ماله بعوض لم يهدر حرمة مال نفسه، وهنا نسأل متی کان للاستمتاع بالبغيّ احترام حتّى نرى أنّها أهدرت حرمة مالها؟ !

ونقتصر في المقام على ما ذكرنا معرضين عن البحث الطويل العريض الوارد في بعض الكتب عن نقوض قاعدة «ما لا يضمن»، ومن أرادها فليراجع المطوّلات.

تبقى نقطة ينبغي الإلتفات إليها، وهي أنّه قد يتّفق أنّ العقد الأصليّ باطل وأنّه كان ذاك العقد الأصليّ على تقدير صحّته رافعاً للضمان الذي يكون مقتضيه ثابتاً وهي القاعدة العقلائيّة، فلم تنطبق على ذاك العقد الأصليّ قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»، ولكن يُوجد في المقام استئمان صحيح يرفع الضمان، فنصل إلى نتيجة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» عن هذا الطريق.

مثاله: ما لو آجر بيته من صبيّ عاقل أو أعاره له واشترطنا في عقد الإجارة أو العارية بلوغ المستأجر أو المستعير وكانت الشريعة قد أسقطت ضمان العين في الإجارة الصحيحة أو العارية الصحيحة بتسليط المستأجر أو المستعير على العين ولدى البطلان انتفى هذا الرافع للضمان، لكن صاحب البيت قد استأمن الصبيّ على البيت كي يقدر على الاستعارة منه، والقاعدة العقلائيّة ترى الإستئمان مُسقطاً للضمان عند التلف حتّى لو كان المستأمن عنده صبيّاً، فعن هذا الطريق نصل إلى نتيجة عدم الضمان في خصوص فرض التلف دون الإتلاف.

الصفحة 16

الحكم الثاني:

وجوب ردّ ما قبضه بالبيع الفاسد إلى المالك فوراً.

أفاد الشيخ الأنصاريّ (رحمه‏الله): إنّ من الاُمور المتفرّعة على عدم تملّك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب ردّه فوراً إلى المالك (1).

فهل هذا حكم مستأنف أو لغو لا ينبغي بحثه؟ لأنّه لو وجب دفع العوض إلى البائع لدى تلف المبيع فكيف لا يجب دفع نفس المبيع إليه مع وجوده؟ !

وبكلمة اُخرى: إنّ المشتري كان ضامناً لمثل المبيع أو قيمته للبائع سواء قرّرنا ذلك بلغة أنّ «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» أو قرّرنا باللغة البسيطة التي تقول: إنّ البائع لم يهدر حرمة مال نفسه، فماله محترم، وأيضاً سواء تلف المبيع أو أتلفه المشتري، وإذا كان لدى التلف ضامناً له فكيف لا يضمنه لدى الإتلاف ؟. فلو صحّ كلّ هذا فكيف يُحتمل عدم وجوب ردّ نفس المبيع إلى البائع مع وجوده؟ !

إلا أنّه بالإمكان الجواب على ذلك: بأنّه لدى تلف المبيع أو إتلافه لا يتعيّن ملك البائع إلا بتطبيق المثل أو القيمة على عين خارجيّة، وهذا التطبيق لا يتحقّق بمجرّد فرض التطبيق واعتباره على عين خارجيّة من قِبل المشتري فيما بينه وبين نفسه، وإنّما يتحقّق بالارتكاز العقلائيّ بتسليم تلك العين ـ مثلاً ـ أو قيمتها الى البائع.

أمّا مع وجود المبيع فملك البائع مشخّص خارجاً، والمقدار المسلّم وجوبه هو التخلية بينه وبين مالكه وهو البائع، أمّا وجوب الردّ فبحاجة إلى استئناف بحث جديد.

وهناك أثر آخر لهذا البحث يُخرجه أيضاً عن اللغويّة، وهو أنّنا لو اقتصرنا


(1) الأنصاري، مرتضی، کتاب المکاسب 3: 199.
الصفحة 17

الإذن الضمني في التصرّف؛ فإنّ المالك في ضمن تمليكه قد أذن للقابض في التصرّف.

ودعوى أنّ الإذن مقيّد بالملكيّة، وهي غير حاصلة مدفوعة بأنّ القيد إنّما هو الملكيّة في اعتبار البائع، وهي حاصلة؛ إذ المفروض أنّه أنشأها، ولم يكن الإذن مقيّداً بالملكيّة الشرعيّة (1).

وأجاب السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) على ذلك: بأنّ المستثنى في قوله (عليه‏السلام): «لا يجوز لأحد التصرّف في مال غيره إلا بإذنه» إنّما هو إذن المالك في التصرّف في ملك نفسه بما هو مالك، والإذن في المقام إنّما كان إذناً في تصرّف القابض في ملك نفس القابض ولو تشريعاً، فلا يكون داخلاً في المستثنى، بل يبقى تحت المستثنى منه، فيحرم (2).

ولكن في نفس الوقت لم يوافق السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) على استدلال الشيخ الأنصاريّ بالروايتين على وجوب الردّ (3).

أمّا الرواية الاُولى: وهي: «لا يحلّ التصرّف»، فلأنّ مجرّد الإمساك ما لم يكن بعنوان منع المالك عن ملكه ومزاحمته لا يُعدّ تصّرفاً، وعليه فتكفيه التخلية ورفع المزاحمة، فيقول للمالك: إنّي لا اُزاحم سلطانك، ولا أمنعك من التصرّف في مالك، أمّا أن يجب عليه الردّ أو تجب عليه مؤونة الردّ فلا دليل عليه.

وأمّا الرواية الثانية: وهي رواية: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» فلا إطلاق لها لغير التصرّف حتّى يُقال: إنّ مجرّد الإمساك ولو مع التخلية وعدم المزاحمة داخل في إطلاقها؛ لأنّ إسناد الحلّيّة أو الحرمة إلى المال وغيره من الأعيان يكون باعتبار الفعل المناسب لها باختلاف الموارد، لا باعتبار جميع الأفعال، ففي قوله سبحانه:. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ. (4) يكون المقدّر النكاح لا النظر واللمس وسائر الأفعال، وفي قوله سبحانه:. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ }


(1) المصدر السابق: 199 ـ 200.
(2) الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة 1: 541، ب. من الأنفال، ح..
(3) المصدر السابق 5: 120، ب. من مكان المصلّي، ح..
(4) موسوعة الإمام الخوئيّ. التنقيح. 36: 249 ـ 250.
الصفحة 18

الإذن الضمني في التصرّف؛ فإنّ المالك في ضمن تمليكه قد أذن للقابض في التصرّف.

ودعوى أنّ الإذن مقيّد بالملكيّة، وهي غير حاصلة مدفوعة بأنّ القيد إنّما هو الملكيّة في اعتبار البائع، وهي حاصلة؛ إذ المفروض أنّه أنشأها، ولم يكن الإذن مقيّداً بالملكيّة الشرعيّة (1).

وأجاب السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) على ذلك: بأنّ المستثنى في قوله (عليه‏السلام): «لا يجوز لأحد التصرّف في مال غيره إلا بإذنه» إنّما هو إذن المالك في التصرّف في ملك نفسه بما هو مالك، والإذن في المقام إنّما كان إذناً في تصرّف القابض في ملك نفس القابض ولو تشريعاً، فلا يكون داخلاً في المستثنى، بل يبقى تحت المستثنى منه، فيحرم (2).

ولكن في نفس الوقت لم يوافق السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) على استدلال الشيخ الأنصاريّ بالروايتين على وجوب الردّ (3).

أمّا الرواية الاُولى: وهي: «لا يحلّ التصرّف»، فلأنّ مجرّد الإمساك ما لم يكن بعنوان منع المالك عن ملكه ومزاحمته لا يُعدّ تصّرفاً، وعليه فتكفيه التخلية ورفع المزاحمة، فيقول للمالك: إنّي لا اُزاحم سلطانك، ولا أمنعك من التصرّف في مالك، أمّا أن يجب عليه الردّ أو تجب عليه مؤونة الردّ فلا دليل عليه.

وأمّا الرواية الثانية: وهي رواية: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» فلا إطلاق لها لغير التصرّف حتّى يُقال: إنّ مجرّد الإمساك ولو مع التخلية وعدم المزاحمة داخل في إطلاقها؛ لأنّ إسناد الحلّيّة أو الحرمة إلى المال وغيره من الأعيان يكون باعتبار الفعل المناسب لها باختلاف الموارد، لا باعتبار جميع الأفعال، ففي قوله سبحانه:. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ. (4) يكون المقدّر النكاح لا النظر واللمس وسائر الأفعال، وفي قوله سبحانه:. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ }


(1) وإن شئت نصّ كلام السيّد اليزديّ فراجع حاشية: 95 بحسب طبعة إسماعيليان بقم وكأنّه يقول بعدم تقيّد الإذن بالملكيّة الشرعيّة من باب أنّ المفروض علمه بفساد المعاملة شرعاً فلا يحتمل تقيّده بالملكيّة الشرعيّة.
(2) راجع: موسوعة الإمام الخوئيّ. التنقيح. 36: 250.
(3) راجع المصدر السابق: 251 ـ 252.
(4) النساء: 13.
الصفحة 19

{ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ. (1) يكون المقدّر هو الأكل، والمناسب في المقام إمّا هو تقدير الأكل أو جميع التصرّفات والانتفاعات، لا مجرّد كونه عنده مع فرض التخلية وعدم المزاحمة.

مؤونة الردّ:

ثمّ لو سلّمنا وجوب الردّ بإحدى هاتين الروايتين أو غيرهما فعلى مَن ستكون مؤونة الردّ لو توقّف على المؤونة؟ هل على البائع، أو على المشتري ؟

نقل الشيخ الأنصاري (رحمه‏الله) عن التذكرة (2) وجامع المقاصد (3): أنّ مؤونة الردّ على المشتري، من باب وجوب مقدّمة الواجب (4).

وقال: إنّ إطلاق هذا الكلام يشمل ما لو كان في ردّه مؤونة كثيرة إلا أن يقيّد بغيرها بأدلّة نفي الضرر (5).

وقال الشيخ النائينيّ (رحمه‏الله): إنّ مؤونة الردّ لو كانت من لوازم الردّ بطبعه الغالبي فهي غير مرفوعة بلا ضرر؛ لأنّ «لا ضرر» لا يدفع الأضرار الطبيعيّة الموجودة في الواجب، أمّا لو كانت مؤونة استثنائيّة ومجحفة فـ «لا ضرر» ترفعه (6).

وأفاد السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) على ما في التنقيح: أنّ ردّ المقبوض بالعقد الفاسد لا يكون ضرريّاً بطبعه؛ لعدم توقّفه في غالب أفراده علی صرف المؤونة، كما في ردّ الكتاب أو الخاتم ونحوهما، فليس وجوب الردّ من الأحكام المبنيّة على الضرر حتّى لا يرتفع بحديث «لا ضرر»، فلو تحقّق في فرد ضرر ولو بأدنى مراتب القلّة فحديث «لا ضرر» يصير حاكماً عليه فيرفعه، فلا فرق بين الضرر القليل الكثير في المرفوعيّة، فالصحيح أنّ مؤونة الردّ على المالك مطلقاً (7).


(1) الانفال:..
(2) العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف، تذکرة الفقهاء، مؤسّسة آل البيت(عليهم‏السلام) لإحياء التراث ـ قم، ط. / 1420 هـ، 10: 292.
(3) المُحقّـق الکرکي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد، مؤسسة آل البيت(عليهم‏السلام) لإحياء التراث ــ قم، ط. / 1408 هـ، 4: 435.
(4) الأنصاري، مرتضی، کتاب المکاسب 3: 199.
(5) المصدر السابق.
(6) النجفي الخونسـاري، مـوسی، منية الطالب فـي شـرح المکـاسب. تقريرات أبحاث المحقّق النائيني )، مؤسّسة النشر التابعة لجماعة المدرّسين ـ قم، ط. / 1418 هـ، 1: 290. وقريب منه في تقرير الآملي. الآملي، محمّد تقي، کتاب المکاسب والبيع، تقريرات أبحاث المحقّق النائيني، مؤسّسة النشر التابعة لجماعة المدرّسين ـ قم. 1413 هـ، 1: 327..
(7) موسوعة الإمام الخوئيّ. التنقيح. 36: 253 ـ 254.
الصفحة 20

ثمّ إنّ ما حكم به السيّد الخوئيّ (رحمه‏الله) من الواجب على القابض، إنّما هو التخلية بمعنى إبقاء الحالة بين المالك وماله بالنحو الذي كان حين تسليم المالك المال إليه من أوّل الأمر، فيصدق عندئذٍ أنّه لم يزاحم سلطان المالك على ماله، فلو فرض أنّهما في مكان واحد، كما لو بقيا في بلد المعاملة أو انتقلا معاً إلى بلد آخر، فمن الواضح أنّه تكفي في عدم مزاحمة سلطان المالك على ماله مجرّد التخلية والسماح له بأن يأتي ويأخذ منه ماله، كما أتاه قبل ذلك وسلّم إليه ماله.

ولو فرض أنّ المالك انتقل إلى مكان آخر، كما لو سافر إلى بلد آخر فأيضاً لم يصدر من القابض ضرر جديد على المالك، فلو اكتفى بمجرّد التخلية وعدم مزاحمته لسلطان المال على ماله صدق أيضاً أنّه لم يضّر المالك شيئاً، فعلى المالك لو أراد ماله أن يصرف ما يحتاج إلى صرفه من المؤونة والمال للوصول إلى القابض وتسلّم ما يملكه.

أمّا لو انعكس الأمر فانتقل القابض إلى مكان آخر يبتعد عن المالك، أو انتقل كلّ منهما إلى بلد غير ما انتقل إليه الآخر فللقابض أن يكتفي بدفع مقدار من المؤونة والمصرف يكفي لوصول المال إلى بلد المعاملة؛ إذ بذلك تتمّ التخلية المطلوبة، وعدم دفع ذلك يعتبر إضراراً بالمالك، ويكون الزائد على ذلك على المالك (1).

أقول: نسبة الإضرار إلى القابض وحده في مورد ابتعاده عن مكان المعاملة ليس واضحاً في كلّ الفروض. ونذكر لتوضيح الفكرة عدّة أمثلة:

1 ـ لو كان البائع مُلتفتاً إلى بطلان المعاملة وكان القابض غافلاً عن ذلك فانتقل القابض إلى مكان بعيد عن مكان المعاملة فيا تُرى هل يُنسب الإضرار المتوجّه للبائع في تحصيل ماله الى القابض ؟. لا أظنّ كون ذلك عرفيّاً.


(52) راجع المصدر السابق: 254.
الصفحة 21

2 ـ لو كان البائع والقابض متساويين في الإلتفات إلى بطلان المعاملة، أو الغفلة، فهل الإضرار يُوجّه إلى خصوص القابل لدى الابتعاد عن مكان المعاملة كي يضمّن ؟. هذا أيضاً لا أظنّه مفهوماً عرفاً.

3 ـ لو كان البائع هو الغافل والقابض هو الملتفت إلى بطلان المعاملة ومع ذلك قبض المال ثمّ ابتعد عن المكان ممّا اضطرّ البائع في تحصيل ملكه إلى صرف بعض المصارف الماليّة فهنا يبدو أنّ الإضرار بالمالك يُنسب عرفاً إلى القابض فيضمن.