insert into `lib_pages` (`book_id`, `page_id`, `title`, `text`, `footnote`, `sort`) values (2619, 1, 'book', '
محاضرات
سماحة آية الله العظمى
السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ
دام ظلّه الوارف
إصدار
مكتب المرجع الدينيّ آية الله العظمى السيّد الحائريّ
', '', 1), (2619, 2, 'book', 'الكتاب: … الإمامة وقيادة المجتمع
محاضرات: … سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه
الناشر: … دار البشير
المطبعة: … شريعت
عدد النسخ: … 7000 نسخة
الطبعة وتأريخ الطبع: … الثانية / 1427 هـ ق / 2006 م
تأريخ الطبعة الاُولى: … 1416 هـ ق / 1995 م
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
', '', 2), (2619, 3, 'book', ' ', '', 3), (2619, 4, 'book', ' ', '', 4), (2619, 5, 'book', 'كلمة المكتب
هذا الكتاب هو مجموعة محاضرات ألقاها سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه في شهر رمضان المبارك سنة (1406 هـ ق)، وكانت بحثاً متسلسلاً عن الإمامة ومقامها، وعن دور الأئمّة(عليهم السلام) وأساليبهم في قيادة المجتمع وحفظ الرسالة.
وقد اشتمل هذا البحث على فصول وأفكار مهمّة ناقشها سماحة السيّد بنَفَس علمي موضوعي ومحايد، خصوصاً الاُمور التي قد يثار حولها الشكّ أو الشبهات، أو تقصر فيها الرؤى عن إدراك حقيقتها وكنهها، كعصمة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، ومنشأ العصمة وشروطها وأهمّيتها، ومعنى ذنوب الأنبياء(عليهم السلام)، ومناقشة مسألة الشورى ودور النصّ في تعيين الإمام(عليه السلام)، والولاية التكوينيّة للمعصوم(عليه السلام)، وما إلى ذلك من عناوين طرحت في البحث، نجد أهمّيتها ليس لأنّها مواضيع حيوية وتحتاج إلى دراسة واستقصاء فقط؛ بل لأنّ المنهج الذي اتّبعه سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه هو منهج علمي تحليلي اعتمد استقراء الوقائع والأفكار ومناقشتها
', '', 5), (2619, 6, 'book', 'بهدوء ورصانة علميّة أفضت إلى نتائج مقنعة وقاطعة، برغم أنّ هذا البحث هو محاضرات لوحظ فيها مستوى الطرح المتلائم مع تنوّع المستمعين وأفهامهم، لكي لا يقعوا في عسرة استيعاب المطالب فيما إذا اعتمد الطرح المركّز والاستدلالي.
إنّنا نجد في هذا البحث، وفيما سواه من البحوث التي تناولها سماحة المؤلّف ملامح تلك المدرسة التي أسّس بنيانها المرجع الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)، بل نرى الامتداد الطبيعي لها، خصوصاً على صعيد المنهج وطريقة الأداء العلمي والفكري المتّبعة، وعلاوة على ذلك فإنّ ثمّة عناوين ومداخل تركها الإمام الشهيد(قدس سره)، وفي جوانب بحثيّة متنوّعة تستأهل التأسيس عليها واستكمال مشروعها، وهذا ما وجدناه في طريقة هذا الكتاب، حيث إنّ المخطّط العامّ في قيادة الأئمّة(عليهم السلام) للمجتمع يتّبع الطريقة نفسها التي وضعها السيّد الشهيد(قدس سره)، والتي قسّمت حياتهم(عليهم السلام) السياسيّة والاجتماعيّة إلى أدوار ثلاثة كلّ مجموعة من الأئمّة يختصّون بدور معيّن يمهّد للدور الثاني، ويؤسّس لمعالجة قضايا المجتمع الإسلاميّ الراهنة في وقتهم بما يهيّئ لاستقبال المجتمع الدور الجديد الذي سوف يقوده مجموعة اُخرى من الأئمّة(عليهم السلام) في إطار الهدف العامّ الرامي إلى حفظ المجتمع الإسلاميّ من صدمات الانحراف في تجارب الحكم المتعاقبة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
ولئن تمكّن سماحة السيّد المؤلِّف من إشباع الكلام حول أئمّة الدور الأوّل بحثاً ودراسة، ولم يتمكّن من ذلك بالنسبة إلى أئمّة
', '', 6), (2619, 7, 'book', 'الدورين الآخرين في هذا الكتاب، فالسبب يرجع إلى أنّ بحث الإمامة في الفصول الخمسة الاُولى قد استغرق جميع ليالي شهر رمضان، فلم يبقَ وقت لتكميل البحث سوى ختمه بلمحة عن مبدأ ولاية الفقيه في إطار بحث المنهج السياسيّ للأئمّة(عليهم السلام) قبل وبعد عصر الغيبة، وهو ما كان في الفصل السادس الذي خُتم به الكتاب.
ولهذا فنحن نأمل أن نُضيف الحديث عن أئمّة الدورين الثاني والثالث في طبعة اُخرى ـ إن شاء الله ـ بعد أن يبحثهما سماحة آية الله العظمى السيّد الحائريّ دام ظلّه في مناسبة اُخرى.
إنّ هذا الكتاب هو باكورة مشروع واسع لجمع نتاجات سماحة السيّد الحائري الفكريّة والثقافيّة، سواء كانت محاضرات أو دروساً أو مقالات أو بحوثاً منشورة أو غير منشورة، جمعها بحسب عناوينها الكبيرة وإعدادها لصلاحيّة النشر بهيئة كُتب ووفق منهجيّة تبتعد عن أداء المحاضرة والإلقاء ـ إذا كان البحث أو الموضوع محاضرة عامّة ـ ممّا يستلزم تصرّفاً في العبارة وصياغةً للمواضيع انسجاماً مع ضرورة المشروع ومقتضياته اللازمة.
وهذا ما نضعه بين يدي القارئ آملين الانتفاع، ومؤمّلين صدور كتب اُخرى هي حاليّاً قيد الإنجاز. والله تعالى بعد ذلك الموفّق.
', '', 7), (2619, 8, 'book', ' ', '', 8), (2619, 9, 'book', 'تقديم
بقلم سماحة آية الله العظمى
السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
إنّ فكرة الإمامة بما تشتمل عليها من قيادة المجتمع، وبما لها من الامتداد في خطّ ولاية الفقيه لهي فكرة حيّة حركيّة واسعة النطاق عميقة الغور. وهي تشكّل من ناحية مبدأً عقائديّاً مذهبيّاً للشيعة يكون حدّاً فاصلاً لتمييز الشيعي من غيره، وتعبّر من ناحية اُخرى عن شكل الحكم لدى الشيعة، فتكون هي الحجر الأساس للفكر السياسيّ الإسلاميّ من زاوية نظرهم، وتملأ من ناحية ثالثة ـ بامتدادها المتمثّل في ولاية الفقيه ـ الفراغ الذي يحسّ به الشيعة لدى غيبة الإمام المعصوم، ولهذا أصبح بحث الإمامة وبهذا العرض العريض من أرقى الأبحاث الإسلاميّة، وأضخمها وأجلّها شأناً وأعلاها، ومن أزخرها بالأفكار الإسلاميّة الرائعة التي بها تحلّ مشاكل المجتمع الإسلاميّ.
ولا أظنّ أنّه كُتب حتّى الآن بحث في الإمامة يشمل بعمق كلّ
', '', 9), (2619, 10, 'book', 'جوانب هذا البحث تحت دفّتي كتاب واحد. وكلّ كتاب كُتب في هذا المضمار يمثّل جزءاً من هذا البحث الواسع، ومنها كتابان صدرا عنّا وطُبعا من ذي قبل سمّي أحدهما باسم (أساس الحكومة الإسلاميّة)، والآخر باسم (ولاية الأمر في عصر الغيبة)، وكلا الكتابين قد فرضا أصل فكرة الإمامة ـ بشكلها الذي يعتبر مايزاً بين الشيعة وغيرهم ـ أمراً مفروغاً عنه، فلم يقع فيهما بحث عن ذاك الأساس.
وها هو ذا كتاب ثالث بين يديك يتناول بعض أبحاث الإمامة، ويتطرّق في بعض طيّاته بشكل بسيط إلى بحث الأساس المختلف فيه بين فرقتي المسلمين، محاولاً موضوعيّة البحث ونزاهته، ومتجنّباً حالة التعصّب أو الاستفزاز.
وإنّ هذا الكتاب لهو في واقعه تجميع لمحاضرات ألقيناها في إحدى السنين السابقة في شهر رمضان المبارك في مجلسنا العامّ الذي كان يعقد في مكتبنا في قم المقدّسة، ومن هنا ترى أنّ هذا الكتاب يختلف عن سائر تأليفاتنا المباشرة بتجنّب العمق الذي لم يكن يناسب المجلس العامّ من ناحية، وبالوضوح والبساطة من ناحية اُخرى، الأمر الذي يجعل الكتاب قابلاً للاستفادة من قبل عموم الناس، بخلاف كتابينا أساس الحكومة الإسلاميّة وولاية الأمر في عصر الغيبة اللذين ينفعان أهل الاختصاص أكثر من نفعهما لعموم الناس.
وقد تمّ كلّ هذا الجهد في شهر ذي القعدة (1415 هـ )، ثُمّ أحدثنا في ذلك بعض التعديلات في شهر رمضان المبارك (1424 هـ ).
أسأل الله تعالى أن يجعل كلّ هذه الأعمال خالصةً لوجهه نافعةً في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
', '', 10), (2619, 11, 'book', '
الفصل الأوّل
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾(1).
هذه الــ ﴿كَلِمَات﴾ التي ابتلى الله بها إبراهيم(عليه السلام) لا يقصد بها ـ على مايبدو ـ عبائر وألفاظ، وإن رأيت أنّ بعض الروايات قد فسّرت الــ ﴿كَلِمَات﴾ بشيء من هذا القبيل، فعلى أغلب الظنّ أنّ المقصود بالــ ﴿كَلِمَات﴾ هنا وقائع واُمور واقعيّة، فهي من سنخ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... ﴾(2). فالــ ﴿كَلِمَة﴾ هنا لا يقصد بها عبارة ما أو لفظ ما أو اسم ما، وإنّما يقصد بها عيسى نفسه(عليه السلام).
وهي أيضاً من سنخ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(3)، وذلك بناءً على الاحتمال الثاني من الاحتمالين في تفسير هذه الآية، فإنّها تفسّر بتفسيرين:
الأوّل: أن يكون الضمير المؤنّث في ﴿جَعَلَهَا﴾ راجعاً إلى كلمة التوحيد التي أطلقها إبراهيم(عليه السلام) بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ...﴾،
', '(1) سورة البقرة، الآية: 124.
(2) سورة آل عمران، الآية: 45.
(3) سورة الزخرف، الآية: 26 ـ 28.
', 15), (2619, 16, 'book', '
أي: جعل كلمة التوحيد كلمة باقية في عقبه ومستمرّة بعد مماته(عليه السلام)، لعلّ الناس يرجعون إليها ويهتدون بها بعده. ففاعل ﴿جَعَلَهَا﴾ هنا هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
الثاني: أن يكون فاعل ﴿جَعَلَهَا﴾ هو الله سبحانه وليس إبراهيم(عليه السلام)، فيكون المعنى هو: أنّ الله تعالى جعل الإمامة كلمة باقية في عقب نبيّه إبراهيم (عليه السلام)، أي: أنّها مستمرّة بعده(عليه السلام). فالله سبحانه وتعالى جعل إبراهيم(عليه السلام) إماماً ثمّ جعل الإمامة مستمرّة لِما بعد إبراهيم(عليه السلام)في نسله إلى الحجّة عجّل الله تعالى فرجه؛ إذ إنّ الأئمّة(عليهم السلام) كلّهم من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وقد رأيت بعض الروايات فسّرت هذه الآية المباركة بهذا المعنى الثاني.
وبناءً على هذا التفسير (الثاني) تكون الــ ﴿كَلِمَة﴾ الوارد ذكرها في الآية الكريمة ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً...﴾ بمعنى حقيقة واقعيّة، وهي حقيقة الإمامة، وليست بمعنى العبارة واللفظ والتعبير من قبيل كلمة التوحيد مثلاً، وهكذا الأمر بالنسبة إلى قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات﴾، فالظاهر أنّ المقصود من لفظ ﴿كَلِمَات﴾ هنا هو حقائق ووقائع، وليست هي عبائر وألفاظ.
إذن فلفظ الــ ﴿كَلِمَات﴾ ـ الوارد في آية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى...﴾ ـ يشير إلى الامتحانات الإلهيّة الصعبة التي مرّ بها النبيّ إبراهيم(عليه السلام)، من قبيل أمره بذبح ابنه، حيث استعدَّ(عليه السلام) لذبحه وهيّأ نفسه لذلك، وشرع بتنفيذ الأمر الإلهي إلى أن نُسخ الأمر في قصّة معروفة، ومن قبيل ابتلائه(عليه السلام)بمسألة إلقائه في النار لكي يُحرَق، وإن كان الله تبارك وتعالى قد
', '', 16), (2619, 17, 'book', 'أنجاه بعد ما ثبت في امتحانه، فأكبر الظنّ أنّ المقصود بالــ ﴿كَلِمَات﴾هنا هي هذه الاُمور وأمثالها من المحن والمصائب والابتلاءات التي ابتلى الله تعالى نبيّه إبراهيم(عليه السلام) بها.
كما يحتمل أيضاً أن يقصد بها أيضاً الأوامر.
ولا منافاة في الجمع بين المعنيين، بأن يكون المقصود بالــ ﴿كَلِمَات﴾ عبارة عن:
أ ـ القضايا التي ابتُلي بها النبيّ إبراهيم(عليه السلام).
ب ـ الأوامر الإلهيّة والتكاليف الإلهيّة التي ابتلي بها(عليه السلام) والتي استطاع(عليه السلام) أن يخرج منها جميعاً بنجاح كامل.
وأمّا قوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾، فإنّه يُعطي لنبيّ الله إبراهيم(عليه السلام) ميزةً لا نراها مذكورةً في القرآن لباقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل نرى أنّ بعض التعابير القرآنيّة تقول بأنّ بعض الأنبياء العظام (عليهم السلام) قد ابتلي بترك الأولى، من قبيل التعبير القرآني الوارد في قصّة أبينا آدم (عليه السلام)، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾(1)، ومن قبيل التعبير القرآني الوارد بشأن نبيّ الله داود(عليه السلام)، حيث قال تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾(2)، ومن قبيل يونس(عليه السلام) الذي أخطأ في دعوته على قومه خطأً لا بمعنى المعصية ـ طبعاً ـ وإنّما بمعنى أنّ المفروض به(عليه السلام)أن يكون حلمه أكبر وأكثر ممّا كان، وأن لا يدعو على قومه الظالمين، بل يدعولهم بالهداية، ولكنّه دعا على قومه، وكان جزاؤه
', '(1) سورة طه، الآية: 115.
(2) سورة ص، الآية: 24.
', 17), (2619, 18, 'book', '
أنّه ابتلي بالحوت، كما حدّثنا القرآن الكريم في قصّته(عليه السلام)، حيث قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾(1)، وقال تعالى في آية اُخرى: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾(2)، أي: لكان جزاء خطئه الذي صدر عنه أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، ولكنّ الله تعالى رحمه وتلطّف عليه وأنجاه من هذا السجن؛ لأنّه كان من المسبِّحين.
فتعبير ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ لم يرد في الأنبياء الكرام السابقين غير النبيّ إبراهيم(عليه السلام)، إذن معنى الآية المباركة ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ...﴾ هو أنّ الله سبحانه قد ابتلى نبيّه إبراهيم(عليه السلام) بكلمات (ابتلاءات)، وقد أتمّ إبراهيم(عليه السلام) تلك الكلمات التي ابتُلي بها وخرج من الامتحان بنجاح كامل، فلم يزلّ ولم يخطأ حتّى بذلك المستوى من الخطأ الذي حصل لآدم(عليه السلام)، أو ما يشابه ذلك الخطأ.
فنحن نؤمن بمبدأ العصمة، ونقول بأنّ الأنبياء العظام والأئمّة عليهم الصلاة والسلام كلّهم معصومون على ما سيأتي البحث فيه مفصّلاً إن شاء الله تعالى، ولكنّ هذا لا ينافي صدور مستوىً من «الخطأ» إن صحَّ التعبير، أو من «ترك الأولى» كما يعبَّر في لسان علمائنا الأعلام، أو من «ما لم يكن ينبغي لمقامات عالية»، كما
', '(1) سورة الأنبياء، الآية: 87 ـ 88.
(2) سورة الصافّات، الآية: 143 ـ 144.
', 18), (2619, 19, 'book', '
يمكن أن نعبّر عنه من قبيل: «حسنات الأبرار سيّـئات المقرّبين».
فحينما ننظر إلى تلك المستويات السامية للأنبياء العظام(عليهم السلام) نرى أنّ بعضهم قد صدر عنه «ما لم يكن ينبغي أن يصدر»، وليس ذلك بمعصية بالمعنى المألوف للمعصية والذنب الذي يعارض العصمة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وعلى الرغم من أنّ تلك الأخطاء التي كانت تصدر عن بعض الأنبياء الكرام(عليهم السلام) هي من المستوى الذي لا ينافي العصمة، فإنّه لم يصدر شيء من قبيلها عن نبيّ الله إبراهيم(عليه السلام)، كما يبدو من الآية الكريمة ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ...﴾، فهو إذن أتمَّ الكلمات ولم ينقص منها شيئاً، ولم يخطأ بشيء، فخرج من الامتحان بنجاح كامل، وكما قلنا آنفاً يبدو أنّ هذا إشارة إلى المصائب والمحن والأوامر التي وجِّهت إلى النبيّ إبراهيم(عليه السلام)، والتي خرج منها بنجاح، والتي كان في طليعتها قصّة أمرهِ بذبح ابنه اسماعيل؛ إذ لم يكن(عليه السلام) يعلم بأنّ هذا أمر امتحاني وأنّه سينسخ بعد حين، ومع ذلك فإنّه(عليه السلام) أقدم على ذبح ابنه، ولعلّ هذا شيء يصعب صدوره عن أقرب المقرَّبين، وهو امتحان ما فوقه امتحان.
وكذلك قصّة إلقائه(عليه السلام) في النار حينما صمّم الكفّار على أن يحرقوه بها؛ إذ إنّ إبراهيم(عليه السلام) صبر على ذلك، وخرج من الامتحان مُبيضّ الوجه أيضاً، فبعض الروايات الواردة في قصّة مخاطبة جبرائيلله(عليه السلام) حينما ألقوه في النار تؤكّد قوّة توكّله على الله، فقد كان توكّل إبراهيم(عليه السلام) على الله سبحانه بمستوىً لا يخطر على بال
', '', 19), (2619, 20, 'book', 'إنسان اعتيادي، ولهذا خرج من هذا الامتحان بنجاح أيضاً. تقول الرواية: إنّ إبراهيم(عليه السلام)حينما ألقوه في النار نزل جبرائيل وأدركه في الهواء وقال له: «يا إبراهيم، ألك حاجة؟» فقال: «أمّا إليك فلا»(1). فهذا هو مستوى التوكّل والاعتماد على الله تبارك وتعالى الذي كان يتمتّع به إبراهيم(عليه السلام) في تلك اللحظة الحرجة، وهو مستوى لم يتمتّع به بعض الأنبياء(عليهم السلام) ـ فضلاً عن غيرهم ـ في مواقف وظروف أقلّ حراجة.
فيوسف(عليه السلام) نبيّ من الأنبياء، وعلى الرغم من ذلك فإنّه قال للسجين الذي كان معه:﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾(2). صحيح أنّ هذا ليس من الأخطاء التي تعارض العصمة أو تنافيها، ولكنّه ـ على أيّ حال ـ بالنسبة إلى ذلك المستوى يكون من قبيل: «حسنات الأبرار سيّـئات المقرّبين»(3).
شموليّة الامتحان الإلهي للناس جميعاً
إنّ مسألة الامتحان عامّة لا تختصّ بنا نحن البشر الاعتياديين، وإنّما تشمل أيضاً الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، ولا يصل الإنسان إلى مقام الإمامة الذي هو فوق المقامات ـ على ما سنُبيّنه إن شاء الله ـ من دون أن يمتحن، ومن دون أن يخرج من الامتحان بنجاح.
فالله سبحانه امتحن حتّى الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين، كما
', '(1) البحار 12: 38، الحديث 21.
(2) سورة يوسف، الآية: 42.
(3) البحار 25: 205.
', 20), (2619, 21, 'book', '
هو واضح في تعابير القرآن الكريم والحكايات والقصص المذكورة عن الأنبياء العظام(عليهم السلام)، فقد امتحن الله آدم وإبراهيمويوسف وسليمان وداود وأيّوب وسائر الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام، وحتّى الأنبياء الذين اُعطوا النبـوّة في صغر سنِّهم كعيسى ويحيى(عليهما السلام).
فعيسى(عليه السلام) أصبح نبيّاً وهو في المهد صبيّاً؛ إذ قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾(1).
فهنا ربّما يقول قائل: إنّ عيسى(عليه السلام) لم يمرّ بالامتحان؛ لأنّه أصبح نبيّاً وهو في المهد، وكذا الأمر بالنسبة إلى يحيى(عليه السلام)؛ إذ قال تعالى: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾(2)، فقد يقال: إنّ يحيى(عليه السلام) قد خرج عن قانون الامتحان.
ولكنّ الذي يبدو لي هو أنّ عيسى ويحيى(عليهما السلام) لم يخرجا عن نظام الامتحان الإلهي، ولم يحصلا على المقام الذي حصلا عليه مجّاناً وبلا عوض، ولم يكونا مستثنَيَين من هذه القاعدة، وهنا نحتاج إلى أن نلتفت إلى معنى الامتحان الإلهي.
إنّ الامتحان الإلهي ليس كالامتحان الذي نقوم به حينما نريد أن نمتحن بعض أبنائنا أو أطفالنا، وليس كامتحان المعلم لتلاميذه؛ إذ إنّ الامتحان الذي يقوم به الأب أو المعلّم تجاه الابن أو التلميذ إنّما هو
', '(1) سورة مريم، الآية: 29 ـ 30.
(2) سورة مريم، الآية: 12.
', 21), (2619, 22, 'book', '
من أجل كشف الحقيقة؛ إذ إنّ مثل هذا الأب أو المعلم لا يعرف مدى قابليّة ابنه أو تلميذه، فيريد أن يمتحنه حتّى يكشف حقيقته ويجازيه بقدر ما ينكشف له منها، فهذا هو معنى الامتحان الذي يقوم به الناس بعضهم تجاه بعض، وهذا النوع من الامتحان يجب أن يكون متقدّماً على الجزاء، ويجب أن يكون متقدّماً على المنصب الذي يُعطى، فالطبيب والمهندس وغيرهما لا يُعطَونَ الشهادة والمقام قبل أن يؤدّوا الامتحانات التي كانت بهدف كشف الحقيقة.
أمّا امتحان الله تبارك وتعالى، فهو ليس من هذا القبيل، فالله سبحانه لا يمتحن عبيده من أجل أن تنكشف له حقائقهم؛ إذ إنّه تعالى عارف بالحقائق، عالم بالسرائر، عالم بالقابليّات والرتب والمستويات، عالم بمن يخرج من الامتحان بنجاح وبمن يسقط، عالم بكلّ شيء، فليس معنى امتحان الله تبارك وتعالى للإنسان كشف حقيقته قبل إعطائه المنصب والجزاء، ولكنّ الله تبارك وتعالى حينما يعطي الإ نسان مقاماً أو منصباً أو ثواباً فإ نّ ذلك يجب أن يكون بإزاء قابليّة ما، بحيث لولا هذه القابليّة لكان تمييز ذلك الإ نسان من غيره من البشر قد يُعدّ ظلماً؛ لأنّ الشخص الذي لا يعطى الثواب العظيم أو المنصب المرموق سوف يقول لله تعالى: لماذا لم تعطني هذاالمقام؟ أو لماذا لم تعطني هذا الثواب كما أعطيت فلاناً؟
وأمّا إذا كان ذلك الشخص ( صاحب الثواب والمنصب ) يمتاز من الآخرين بتحمّل المصائب والمتاعب، والصبر على المحن
', '', 22), (2619, 23, 'book', 'والرزايا، والخروج منها بنجاح، فإنّ الله سبحانه وتعالى إذا أعطاه المنصب المناسب والأجر والثواب الذي يستحقّه، فعندئذ لا يكون للآخرين أيّ مجال للاحتجاج أو الاعتراض على الله سبحانه.
ومن هنا فإنّ المنصب ربّما يكون سابقاً للامتحان الذي سيمتحن به الشخص.
فعيسى ويحيى(عليهما السلام) أيضاً امتُحنا في حياتهما على الرغم من أنّ المنصب كان قد ثبت لهما قبل الامتحان؛ إذ إنّ الامتحان الإلهي ليس بمعنى كشف الحقيقة لكي يشترط أن يتقدم على المنصب، وإنّما هو بمعنى أنّ هذا الإ نسان إنّما اُعطي هذا المقام لأنّه كان سينجح حتماً في كلّ قضاياه ومحنه التي ستمرّ به خلال حياته نجاحاً كاملاً، وقد يكون هذا في آخر عمره، لا في أوّله.
فالمنصب قد يسبق الامتحان باعتبار أنّ الله تبارك وتعالى يعرف هذا الرجل الذي يستحقّ هذا المنصب.
نعم، نحن لا نعرف حقيقة ذلك الرجل، ولا ندري بأنّه سوف يخرج من الامتحان بنجاح حقّاً إلاّ في آخر عمره، وبعد أن نراه يخرج من الامتحان بنجاح نكتشف أنّ ذلك المقام الذي أعطاه الله تبارك وتعالى له كان قد وقع في محلِّه.
', '', 23), (2619, 24, 'book', ' ', '', 24), (2619, 25, 'book', '
الفصل الثاني
الإمامة والقيادة بين النصّ والانتخاب
* مقام الإمامة.
* الفكر المادّي عن القيادة والاختلاف الجوهري بينه وبين الفكر الإسلاميّ.
* حقّانيّة التنصيص وبطلان انتخاب الإمام في الإسلام.
', '', 25), (2619, 26, 'book', ' ', '', 26), (2619, 27, 'book', 'مقام الإمامة
إنّ الذي يبدو من الروايات أنّ مقام الإمامة فوق المقامات الاُخرى ـ ما عدا مقام الربوبيّة طبعاً ـ التي يمكن أن يصل إليها الإنسان، فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: « إنّ الله اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً »(1).
و( العبوديّة ) هنا ليست بمعنى المملوكيّة، فكلّ الناس هم عبيد الله، وحتّى أخبث الخبثاء هو عبد لله، وإنّما العبوديّة تعني أن يصل الإ نسان إلى مقام الإخلاص بمستوى أن يذوب في الربّ تبارك وتعالى، فلا يكون الرسول رسولاً مالم يكن عبداً، فالعبوديّة مقدّمة على الرسالة.
والنبوّة لا تعني الإرسال إلى الاُمّة، فالله قد يخبر الإ نسان عن اُمور، ولكن قد لا يكون مرسلاً إلى اُمّة من الناس، فهو ليس برسول،
', '(1) البحار 25: 205 ـ 206، الحديث 17.
', 27), (2619, 28, 'book', '
ويبدو من قوله(عليه السلام): « وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً » أنّ مقام الرسالة فوق مقام النبوّة، وليس كلّ نبيٍّ رسولاً.
ومن قوله(عليه السلام): « إنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً » يبدو أنّ مقام الخلّة فوق مقام الرسالة، فليس كلّ رسول يصل إلى مستوى أن يكون خليلاً لله تبارك وتعالى، وإبراهيم خرج من كلّ الامتحانات بنجاح ولم يصدر عنه حتّى ما يسمّى بــ «ترك الأولى» على ما يبدو من قوله تعالى: ﴿... فَأَتَمَّهُنّ...﴾، وليس من الصدف أن نرى كلّ الحجّاج يصلّون خلف مقام إبراهيم(عليه السلام)، وليس من الصدف ما نراه من أمر الله تبارك وتعالى لكلّ الطائفين أن يدخلوا حجر إسماعيل(عليه السلام) في مطافهم، فلولا نجاح إسماعيل في ذلك الامتحان العظيم واستسلامه لأبيه ليذبحه لم نكن نعرف نكتةً لدخول حجر إسماعيل في المطاف.
وكذا قوله(عليه السلام): «وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً » يدلّ في ظاهره على تفوّق مقام الإمامة على مقام (العبوديّة، النبوّة، الرسالة، الخلّة)، وهذا ما يظهر أيضاً من قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾؛ إذ إنّ تعبير هذه الآية المباركة يُشير إلى أنّ إبراهيم(عليه السلام) قد حصل على منصب الإمامة ومقامها في أواخر عمره الشريف، أي بعد ابتلائه(عليه السلام)، فلم يكن إبراهيم(عليه السلام)في أوائل أ يّام حياته أو في أوائل أمره إماماً، وإنّما كان(عليه السلام) إماماً في
', '', 28), (2619, 29, 'book', 'أواخر عمره؛ وذلك لعدّة شواهد في الآية المباركة ذكرها المرحوم العلاّمة الطباطبائي(رحمه الله) في كتابه الميزان في تفسير القرآن، وهي:
1 ـ كلمة ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي...﴾، فهذه الكلمة تشير إلى أنّ إبراهيم(عليه السلام) إمّا كانت له ذرّيّة وقتئذ أو كان(عليه السلام) قد علم أنّه سوف تكون له ذرّيّة، ولذلك قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، وأمّا إذا لم تكن له ذرّيّة ولم يكن(عليه السلام) يعلم أنّه ستكون له ذرّيّة، فلا معنى لقوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، ونحن نعلم أنّ علم النبيّ إبراهيم(عليه السلام) واطّلاعه بأنّه ستكون له ذرّيّة قد كان في أواخر أيّامه وكِبَر سنّه؛ إذ قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام عَلِيم * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾(1)، فهذا شاهد على أنّ تبشير إبراهيم(عليه السلام) بالذرّيّة قد كان بعد أن مسَّه الكِبَر. وقال تعالى أيضاً في آية اُخرى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾(2).
2 ـ كلمة ﴿ابْتَلَى﴾ في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ...﴾،
', '(1) سورة الحجر، الآية: 51 ـ 55.
(2) سورة هود، الآية: 71 ـ 73.
', 29), (2619, 30, 'book', '
فهذه الآية المباركة تدلّ على أنّ مقام الإمامة إنّما جاء بعد هذه الابتلاءات والامتحانات التي مرّ بها إبراهيم(عليه السلام) ونجح فيها، فعندئذ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾، فوصول إبراهيم(عليه السلام) إلى مقام الإمامة كان بعدما مرّ ـ بنجاح ـ بهذه الامتحانات والابتلاءات، ومن الواضح أنّ من أبرز الامتحانات والابتلاءات التي مرَّ بها إبراهيم(عليه السلام) هي قصّة ذبح ابنه، ونحن نعلم أنّ قصّة الذبح هذه قد كانت في أ يّام كبره(عليه السلام)؛ إذ قال تعالى حكايةً عن نبيّه إبراهيم(عليه السلام): ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء﴾(1).
3 ـ إنّ قوله تعالى:﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ هو وحي، وهذا دليل على أنّه(عليه السلام) كان نبيّاً يُوحى إليه قبل أن يُجعل إماماً، وهذا دليل على أنّ الإمامة بعد النبوّة، فمقام الإمامة إذن فوق مقام النبوّة.
', '(1) سورة إبراهيم، الآية: 39.
', 30), (2619, 31, 'book', '
الفكر المادّي عن القيادة
والاختلاف الجوهري بينه وبين الفكر الإسلاميّ
الإمامة تعطي معنى القيادة، فمن يقود الناس فهو إمامهم، وإمام الناس يعني قائدهم.
إنّ العالم المادِّي الحديث ـ الذي يريد أن يظهر نفسه بأنّه عالم الحرّيّة والعدالة مثلاً ـ يُرينا طريقةً لتقمّص القيادة بشكل يختلف اختلافاً جوهريّاً عن فكرة الإمامة التي تقول بها السماء، وعمّا يقوله الإسلام فيها؛ وذلك لأنّ عالم الكفر ( العالم المادّي والحضارة المادّيّة ) الذي لا يؤمن بالمبدأ والمنتهى، ولا يؤمن بوجود الله تبارك وتعالى، ولا يؤمن بجنّة ولا نار ولا بوجود عالم آخر غير هذا العالم يرى أنّ مسألة الإمامة أو القيادة محصورة بإدارة شؤون الدنيا لا أكثر ولا أقلّ، ولهذا فإنّ دعاة العدل ـ على ما يزعمون ـ قالوا بأنّ العدل يكون في أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم، فالناس ليسوا بحاجة إلى شخص واحد معيّن من أعلى؛ إذ لا يوجد هناك مبدأ يفترض أنّه هو الأعلى الذي يعيّن من يدير الاُمور، وإنّما الناس يجب أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وهذا ما يسمّى في لغتهم بــ « الديمقراطيّة »، أو « الانتخاب الحرّ »، أو ما شابه ذلك، هذه هي فكرة القيادة بحسب ما يفهمه العلماء المادّيون، فيحصرون القيادة
', '', 31), (2619, 32, 'book', 'بهذا المعنى الضيّق، ويفترضون أنّ طريق الوصول إليها هو « الانتخاب »؛ إذ ليس في ذلك ظلم لأحد كما يدّعون.
وفي مقابل هذا الرأي هناك « الدكتاتوريّة » التي تعني سيطرة شخص أو فئة أو طبقة أو جماعة على الآخرين بالظلم والإجبار.
وإذا أردنا أن نناقش فكرة المادّيين عن القيادة في دائرتها الضيّقة، ونغضّ النظر عن الفارق الجوهري الموجود بين تفكير هؤلاء وبين تفكير الإسلام، ونناقش طريقتهم في تعيين القائد، نقول(1): إنّ هذه المسألة لا تخرجنا عن مسألة التحكّم والظلم وسيطرة شخص على آخر بلا حقّ، وبذلك يسقط ادّعاؤهم القائل بأنّ الالتجاء إلى الانتخاب الحرّ إنّما هو من أجل أن لا تكون سيطرة أحد على أحد بالقهر والإجبار؛ إذ إنّها ستكون بقبول الناس أنفسهم، وهذا يعني أنّ الناس قد حكموا أنفسهم بأنفسهم، وهذا ليس بظلم، بل هو عدل بحت كما يقولون.
ومن أجل أن نوضّح كيف أنّ الانتخاب يؤدّي إلى التحكّموالظلم نقول(2): إنّ الانتخاب سوف يؤدّي ـ على أفضل
', '(1) مناقشة هذا الأمر موجودة بشكل مفصّل في كتابنا ( أساس الحكومة الإسلاميّة ) فراجع.
(2) هذا مع غضّ النظر عمّا ذكره اُستاذنا الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)، من أنّ مسألة انتخاب الأكثريّة تنتهي في روحها وحقيقتها إلى انتخاب الأقلّيّة بما يملكون من قابليّات ووسائل وقدرات مادّية، فتتحكّم بأصوات الأكثريّة وآرائهم، وتُخضعها لما يُريدون من أشخاص ونظام، حيث إنّ مثل هذه الإمكانات لا تتوفّر لكلّ الناس ولا لأغلبهم، وإنّما تتوفّر لقسم قليل منهم، وبالتالي فإنّ هؤلاء القلّة ( أصحاب الإمكانات ) سوف يفرضون النظام الذي يريدونه من خلال تأثيرهم على آراء الأكثريّة من الناخبين وإخضاعهم لهم.
', 32), (2619, 33, 'book', '
التقادير(1) ـ إلى حكم الأكثريّة وسيادة النظام الذي ترغب به؛ إذ إنّ الحكم أو النظام الفائز بالانتخاب سوف لن يكون مؤيَّداً ومنتخباً من قبل جميع الناس، وإنّما يكون مؤيَّداً من قبل الأكثريّة فقط، وأمّا البقيّة الباقية من الناس ( الأقلّيّة )، فإنّها رافضة للحاكم ومعارضة للحكم، وعندئذ فإنّ هذا الشخص الفائز أو النظام الذي رغبت به الأكثريّة سوف يكون مفروضاً على الأقلّيّة ( الرافضة )؛ إذ يجب عليها أن تكون محكومة لرأي الأكثريّة وخاضعة له، وهل هذا إلاّ تحكيم رأي على رأي يؤدِّي إلى سحق حقوق الأقلّيّة وظلمها دون ذنب؟ فالانتخاب إذن لم يرفع الظلم ولم يحقّق العدل.
وقد اُجيب عن هذا الاعتراض بأنّ الأقلّيّة قد وافقت منذ البدء على الأخذ برأي الأكثريّة والخضوع للنظام الذي تُريده أو تُقرّه الأكثريّة؛ إذ إنّ جميع الناخبين مؤمنون بمبدأ الأكثريّة وموافقون على الخضوع له، ومن هنا فإنّ حقوق الأقلّيّة لم تهدر إذن.
', '(1) هذا إذا لم تخضع الانتخابات إلى التزوير والضغوط الرسميّة وغير الرسميّة، وكانت حرّةً تماماً، أمّا إذا لم تكن حرّةً، فسوف يفوز من تُريده الجهة أو الجهات التي أشرفت على الانتخابات وأثّرت في مجراها الحرّ، حتّى وإن كان ذلك الفائز ليس مقبولاً من قبل الأكثريّة.
', 33), (2619, 34, 'book', '
إلاّ أنّ هذا الجواب غير تامّ:
أوّلاً: لأنّ هناك قسماً من الناس لا يؤمن بمبدأ الأكثريّة، ومثل هؤلاء الناس لا يمكن إخضاعهم لقانون الأكثريّة إلاّ على أساس القهر والإجبار، وهذا رجوع إلى الدكتاتوريّة مرّة اُخرى.
ثانياً: لأنّ هناك قسماً من الناس هم أطفال أو أشخاص لم يبلغوا السنّ القانوني الذي يسمح لهم بالاشتراك في الانتخاب، فماذا يقولون لهم بعد أن تصل أعمارهم إلى السنّ القانوني وقبل أن تنتهي الفترة المحدَّدة للشخص أو النظام المنتخب؟
ففي كلّ سنة بل في كلّ يوم هناك الكثير من الأشخاص تصل أعمارهم إلى السنّ القانوني، ولكنّ الانتخابات لا تجرى في كلّ يوم أو سنة، وهذا يعني أنّ الأشخاص الذين تصل أعمارهم إلى السنّ القانوني بعد إجراء الانتخاب، عليهم أن يخضعوا للشخص أو النظام المنتخب ( الحاكم ) دون أيّ أساس، وعليهم أن يتحمّلوا الوضع القائم ـ الذي لم يساهموا بإيجاده ـ حتّى مجيء موعد الانتخابات الجديد الذي ربّما سوف يطول سنوات عديدة.
ثالثاً: لأنّ هناك مواليد جدد بعد إجراء الانتخاب، فماذا يقولون لهم؟
وهناك اعتراضات ومناقشات اُخرى ذكرناها في كتابنا ( أساس الحكومة الإسلاميّة ).
هذا، إضافةً إلى أنّ الإسلام يعارض هذه الفكرة معارضة جذريّة، ويرفضها رفضاً قاطعاً، باعتبارها فرضت منفصلة عن المبدأ
', '', 34), (2619, 35, 'book', 'والمنتهى، ولا يرى معنى الإمامة منحصراً بمجرّد إدارة اُمور الدنيا وشؤونها، فالإسلام يلحظ المسألة من دائرة أوسع وأعمق.
ولابدّ أن نشير هنا إلى أنّ الإسلام لا يرفض كلّ أشكال الانتخابات وأنواعها، وإنّما يرفض الانتخابات التي تمنح الولاية للأشخاص أو الفئات أو الأنظمة المنتخبة، وأمّا الانتخابات التي تكون بأمر الوليّ الفقيه ـ باعتباره قائداً وامتداداً لخطّ الإمامة ـ عندما يرى مصلحةً فيها، فإنّما تمارس امتثالاً لأمر الفقيه ( وليّ الأمر )، ولهذا فإنّ الذي يعطي الولاية للفائزين في هذه الحالة هو الوليّ الفقيه وليست الانتخابات، وعلى هذا الأساس يصحّ انتخاب رئيس الجمهوريّة وتصحّ انتخابات أعضاء مجلس الشعب وغيرها من الانتخابات التي تجرى بأمر الوليّ الفقيه.
ثمّ إنّ فكرة القيادة ـ بمستوىً من المستويات ـ مقبولة عند كلّ المادّيين المنكرين للمبدأ والمعاد، ما عدا الشيوعيين الذين آمنوا بمجيء زمان لا يحتاج فيه الناس إلى حكومة أو سلطة أو قيادة، وذلك حينما تسود الشيوعيّة على ما يزعمون، أمّا غير هؤلاء الشيوعيّين، فكلّهم يؤمنون بأنّ العالم أو المجتمع بحاجة إلى قائد يقوده، ويحسّون بحاجة الناس إلى من يأخذ بأيديهم نحو الخير والسعادة والرفاه.
وعلى هذا الأساس قال الذين حاولوا أن يدافعوا عن الحقّ والعدل: إنّ العدالة لا تسود إلاّ عندما يقوم المجتمع بقيادة نفسه بنفسه، وإدارة شؤونه بنفسه، وهذا لا يكون ـ على زعمهم ـ إلاّ عن
', '', 35), (2619, 36, 'book', 'طريق الانتخاب والإدلاء بالآراء.
ولكن فكرة القيادة عند المادّيين والملحدين تختلف اختلافاً جوهريّاً عمّا هي عندنا في الإسلام، فهي عندهم لا تعدو أن تكون مسألة إدارة شؤون الحياة الدنيويّة، أمّا عندنا فإنّها تنسحب على عدّة مجالات وترتبط بعدّة أصعدة إذا ما استوعبناها جميعاً نرى أنّه من الواضح جدّاً أنّ انتخاب البشر لا يمكن أن يُنتج تعيين الإمام الذي يجب اتّباعه، وهذه الأصعدة هي:
1 ـ صعيد العمل للدنيا:
فبغضّ النظر عن الجنّة والنار والعوالم الاُخرى فإنّ المجتمع الدنيوي بحاجة إلى القيادة، وإنّ الاُمور الدنيويّة بحاجة إلى إدارة، وهذا هو المجال الذي حصر المادّيون نظرهم فيه، وهو أيضاً من المجالات التي نظر الإسلام إليها باهتمام، غير أنّ الإسلام لم يقصر نظره عليه فقط، وإنّما نظر أيضاً إلى جملة من الاُمور الاُخرى.
وأمّا ما قد يتصوّره أو يقوله البعض من أنّ الإسلام لا يهتمّ بشؤون الدنيا، وإنّما يهتمّ بشؤون الآخرة فقط، وأنّه يفصل بين الدنيا والآخرة ويركِّز على الآخرة فحسب، فإنّه قول خاطئ يشبه خطأ من يقول بأنّ الدين منفصل عن السياسة، فهذه أفكار انحرافيّة وتوجّهات استعماريّة، جاء بها المستعمر الكافر لتخدير المسلمين وحرفهم عن طريق الإسلام القويم، وإلاّ فإنّ اهتمام الإسلام بإدارة شؤون الدنيا واضح من خلال زاويتين:
', '', 36), (2619, 37, 'book', 'الاُولى: زاوية تحقيق العدل ورفع الظلم؛ إذ إنّ هناك آيات مباركة تأمر بالعدل، منها:
قوله تعالى: ﴿... وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾(1).
وقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ...﴾(2).
وغيرها من الآيات والروايات التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم ممّا يُشير إشارةً واضحةً إلى أنّ الإسلام قد اهتمّ بإدارة شؤون الدنيا إدارةً عادلة، ودعا لدفع الظلم عن العباد.
الثانية: زاوية النعم الدنيويّة؛ إذ يتّضح من الآيات والروايات أنّ الإسلام ينظر إلى مُتَع الدنيا ونعمها، وأنّه مهتمّ بمسألة تكثيرها على المؤمنين.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق...﴾(3).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم...﴾(4).
فهذه الآيات وأمثالها دليل وشاهد على أنّ الإسلام ينظر إلى النعم الدنيويّة، وأنّه مشرَّع بشكل لو طبّق لكثرت النعم ولأصبح الناس جيمعاً في رخاء ونعيم.
', '(1) سورة النساء، الآية: 58.
(2) سورة ص، الآية: 26.
(3) سورة الأعراف، الآية: 32.
(4) سورة المائدة، الآية: 66.
', 37), (2619, 38, 'book', '
فصعيد العمل للدنيا إذن هو أحد الأصعدة التي ينظر إليها الإسلام حينما يريد أن ينصب إماماً، أو عندما يريد أن يقود المجتمع بواسطة الإمام، ولذا فلابدّ للقائد من أن يهتمَّ بالشؤون الدنيويّة للمجتمع، وهذا هو الجانب الذي نظر إليه المادّيون أيضاً ما عدا الشيوعيّون.
فكما أنّ المادِّيين يؤمنون بهذا النوع من القيادة، وينظرون إلى هذا الصعيد ( الدنيوي ) فإنّ الإسلام نظر إليه أيضاً ووافق عليه، وقال بأنّ الإنسان بحاجة إلى قيادة، ولكنّه يُضيف إلى هذا الصعيد أصعدةً اُخرى جعلها من شؤون القيادة والإدارة.
2 ـ صعيد العمل للآخرة:
ويتمثّل بمسألة هداية البشر إلى نعم الآخرة.
فالمادّيون عندما فصلوا العالم عن المبدأ والمنتهى فرضوا أنّ المسائل التي تحتاج إلى إمعان النظر هي مسائل الحياة الدنيويّة.
أمّا الإسلام فيرى أنّ الحياة الدنيويّة ما هي إلاّ مقدّمة لحياة اُخرويّة دائمة هي أوسع وأكبر وأعظم من هذه الحياة، ولذا فإنّه يرى بأنّه لابدّ من تمشية اُمور هذه الحياة الدنيويّة الزائلة بالشكل الذي ينسجم مع تلك الحياة الاُخرويّة الدائمة، والتي هي أهمّ من هذه الحياة الدنيا، كما تشير إلى ذلك آيات قرآنيّة كثيرة، من قبيل:
1 ـ قوله تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُْولَى﴾(1).
', '(1) سورة الضحى، الآية: 4.
', 38), (2619, 39, 'book', '
2 ـ قوله تعالى: ﴿ وَمَا هذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾(1).
3 ـ قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾(2).
فإذا فرضنا ـ جدلاً ـ أنّ المجتمع باستطاعته أن يقود نفسه بنفسه، وأغمضنا النظر عن الإشكالات الورادة على فكرة الديمقراطيّة التي يقول بها المادّيون، وافترضنا أنّه من الممكن أن يقوم البشر بانتخاب من يدبّر شؤونهم ويدبِّر اُمورهم، فإنّنا نتساءل: كيف يستطيع الناس أن ينتخبوا ذلك الشخص الذي يهديهم إلى نعم الآخرة؟
وذلك لأنّنا لو سلّمنا بأنّهم خبراء وعارفون بالاُمور الدنيويّة وإدارتها، فإنّهم غير عارفين بالحياة الاُخرويّة، وليست لديهم أيّ خبرة عن كيفيّة العمل لها، فكيف يتسنّى لهم إذن أن ينتخبوا من هو قادر على صعيد العمل للآخرة؟
وكيف يستطيعون أن ينتخبوا من هو بمستوى من قال: «سلوني قبل أن تفقدوني...»، و «إنّي بطرق السماوات أعلم من طرق الأرض»؟ فليس كلّ واحد يستطيع أن يقول هذا الكلام، وليس بإمكان المجتمع الاعتيادي أن ينتخب من يكون على هذا المستوى، فإنّ هذا بحاجة إلى من له علاقة بالغيب وله ارتباط بمنازل الآخرة.
', '(1) سورة العنكبوت، الآية: 64.
(2) سورة الكهف، الآية: 46.
', 39), (2619, 40, 'book', '
3 ـ صعيد الكمال والرقيّ المعنوي والوصول إلى رضـوان الله تعالى:
وهذا المستوى لا يستطيع المادّيون والملحدون أن يتصوّروه، فيتخيّلون أنّ هذا شيء وهمي.
فمسألة الكمال والوصول إلى رضوان الله تعالى هي مسألة السموِّ المعنوي والروحي، وهي مسألة فوق الدنيا والآخرة وأهمّ منهما معاً؛ إذ يقول تعالى: ﴿... وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ...﴾(1).
فرضوان الله تبارك وتعالى عند أهل المعرفة والكمال هو أكبر من جنّة عرضها السماوات والأرض.
وبصدد بيان النعم الإلهيّة على المؤمنين في يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾(2).
والنظر هنا لا يقصد به النظر المادّي لله تعالى؛ إذ إنّ الله سبحانه وتعالى ليس جسماً لكي يكون النظر إليه ممكناً، وإنّما يقصد به الاقتراب من الله سبحانه وتعالى، والكمال الروحي والرقيّ إلى مستوىً بحيث كأنّه ينظر إلى الله، وهذا هو فوق النعم الاُخرى الثابتة في عالم الآخرة، فالآية تشير إلى الاقتراب المجازي من الربّ، وهو الاقتراب من رحمته تبارك وتعالى.
وهناك آية مباركة اُخرى تتعرّض إلى العقوبات الإلهيّة على المجرمين والكافرين، فقد قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ
', '(1) سورة التوبة، الآية: 72.
(2) سورة القيامة، الآية: 22 ـ 23.
', 40), (2619, 41, 'book', '
لَّمَحْجُوبُونَ﴾(1)، وهذا نقيض ( النظر ) الذي ورد في الآية السابقة، والمعنى: أنّهم مبتعدون عن رحمة الربّ، فهذه الآية المباركة لم تتكلّم عن عذاب المجرمين في الجحيم وإحراقهم في النار، وإنّما تقول: ﴿ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. ومن هنا نتمكّن من معرفة كلام أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) حينما يقول في دعاء كميل: « هَبْنِيْ يَا إلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاَيَ وَرَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ... »، فكأنّ الصبر على النار يكون هيِّناً بالقياس إلى الصبر على فراق الله تعالى.
فالإسلام إذن اهتمّ بجانب الكمال والرقيِّ المعنوي الذي هو أهمّ من نعم الآخرة، فيفترض بالقائد إذن أن يكون على مستوىً بحيث يتمكّن من إيصال المجتمع إلى هذه المرتبة من الكمال. وهذا هو الصعيد الثالث الذي يدخل ضمن الأصعدة والقضايا التي يجب أن يخطِّط لها القائد، فلو افترضنا أنّ الذي سوف ينتخب من قبل الناس هو بمستوى تأمين أوضاع الحياة الدنيويّة، فكيف يمكنه أن يكون بمستوى تأمين هذه الحاجة، أي: حاجة الكمال الروحي والمعنوي الذي يجب على البشريّة أن تصل إليه.
4 ـ صعيد النظم الإسلاميّة والأحكام الإلهيّة التي شـرّعها الإسـلام:
فالإسلام دين يشتمل على أحكام ونظم، والمفروض بالقائد أن
', '(1) سورة المطففين، الآية: 15.
', 41), (2619, 42, 'book', '
يعمل في سبيل تبليغ وتطبيق الأحكام الإلهيّة على وجه الأرض.
وهذا الصعيد ( الرابع ) يؤثّر في كلّ الأصعدة السابقة، حيث إنّ تطبيق الأحكام هو الذي يوجد الرفاه للمجتمع في الحياة الدنيا، وهو الذي يوجد سعادة المجتمع في الحياة الآخرة، وهو الذي يأخذ بيد المجتمع نحو الكمال والرقيِّ المعنوي ويوصله إلى رضوان الله تعالى.
فحينما ننظر إلى فكرة الإمامة من هذا المنظار، فنفترض بالإمام أن يقوم بإدارة شؤون الحياة الدنيويّة، وهدي المجتمع نحو الجنّة، ورضوان الله تعالى، وتبيلغ الأحكام الإلهيّة وتطبيقها على المجتمع، ولم ننظر إليها ( الإمامة ) بمنظار إدارة الشؤون الدنيويّة فقط، عندئذ نفهم معنى التعابير الموجودة في الروايات والأدعية الواردة عن الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)؛ إذ يعبّرون عن الإمام أو الإمامة بتعابير عظيمة تشير إلى عظمة هذا المستوى:
فقد جاء في أحد التعابير: « أَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الأرْضِ وَالسَّمَاء »(1)، فالإمام إذن يكون السبب المتصل بين الأرض والسماء، وليس مجرّد إنسان ينتخبه المجتمع كمدير لقضايا الدنيا وشؤونها.
وكذلك جاء في تعبير آخر: «إنّي واثني عشر من وُلدي وأنت يا عليّ زِرُّ الأرضِ ـ يعني أوتادها وجبالها ـ بنا أوتَدَ اللّهُ الأرضَ أن تسيخَ بأهلِها، فإذا ذهب الاثنا عشر من وُلدي ساخَتِ الأرضُ بأهلِها ولم ينظروا»(2).
', '(1) دعاء الندبة.
(2) الكافي 1: 534، الحديث 17.
', 42), (2619, 43, 'book', '
حقّانـيّة التنصيص وبطلان انتخاب الإمامفي الإسلام
إذا كانت فكرة الإمامة بهذا المستوى من الأهميّة والعظمة ـ كما تقدّم ـ فمن الواضح جدّاً أنّ هذا ليس أمراً يمكن أن يخضع للانتخاب.
وإذا ما آمنّا بالانتخاب ضمن حدود وضمن قيادات وقتيّة، فإنّنا نقول به في آخر الزمان فحسب، بحسب ما ورد في بعض الروايات بخصوص فكرة ( المهديّون ) بالنسبة إلى ما بعد صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه عندما ينتهي عمره الشريف(عليه السلام)، فإنّه قد طرحت في الروايات بلحاظ ذاك الزمان فكرتان، وهما:
1 ـ فكرة الرجعة، وأنّ الأئمّة السابقين(عليهم السلام) سوف يرجعون إلى الدنيا واحداً بعد آخر.
2 ـ فكرة المهديّون، وهم ليسوا أئمّةً بالمعنى المصطلح عند الشيعة، ولكنّهم اُناس مهديّون مؤمنون يديرون المجتمع بعد انتهاء حياة الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه.
ولا تنافي بين هاتين الفكرتين، ويمكن أن تصحّ فكرة رجوع الأئمّة(عليهم السلام) وفكرة المهديّون معاً.
ومن المحتمل أنّ هؤلاء المهديّين يعيَّنون بالانتخاب، ومن المحتمل أيضاً أن يكون تعيّنهم بالنصّ من قبل الإمام(عليه السلام)، ولا نعرف الآن أيّ الاحتمالين سوف يقع.
', '', 43), (2619, 44, 'book', 'وإنّما آمنّا بإمكان الانتخاب في آخر الزمان فحسب، وضمن دائرة ضيّقة، وفي قادة وقتيّين ليسوا كالإمام المعصوم الذي نقول بقيادته للمجتمع من حين يومه وإلى يوم القيامة(1)، أقول: إنّما آمنّا بذلك وقلنا به لأنّ المجتمع سوف يصل وقتذاك إلى مستوىً من النضج يستطيع عنده أن يستوعب كلّ مساحات القيادة وأصعدتها، ويكتمل فيه النموّ والكمال بسبب التربية التي يمرّ بها على يد الإمام صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه، فيكون عندئذ قادراً على الانتخاب الصحيح.
وعلى هذا فإن صحّت الانتخابات إذن فإنّها تصحّ في آخر الزمان، وعندما يكون المجتمع بمستوىً عال من النضج والكمال، وإنّ الذي يتمّ انتخابه هو أحد المهديّين بحسب ما ورد في الروايات، ويكون انتخابه للقيادة لوقته، وليست قيادته دائميّة.
الأدلّة على الانتخاب
هناك عادة مؤسفة عند بعض كتّابنا، وهي: أنّهم يريدون أن يطبّقوا
', '(1) فقيادة الإمام المعصوم للمجتمع لا تنتهي بموته؛ إذ إنّ حال الإمام المعصوم ليس كحال الفقيه من هذه الناحية؛ إذ إنّ ولاية الوليّ الفقيه تنتهي بموته، وأمّا ولاية الإمام المعصوم، فلا تنتهي بموته، فالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)هو إمامنا ولا فرق بين حياته ومماته في إمامته وقيادته، فهو(عليه السلام) إمامنا عندما كان حيّاً بالحياة الظاهريّة، وهو(عليه السلام) إمامنا بعد ما استشهد وإلى يوم القيامة، ومعنى امتداد ولايته لما بعد وفاته أنّه لو أصدر في حال حياته أمراً ولائيّاً شاملاً لما بعد وفاته أو خاصّاً بما بعد وفاته، كان نافذاً بعد الوفاة.
', 44), (2619, 45, 'book', '
ما يألفونه ـ من عادات غربيّة أو أفكار مستوردة من الغرب ـ على القرآن الكريم والسنّة، ويحاولون أن يُفسّروا كلاًّ من الكتاب والسنّة وفق تلك المفاهيم والمباني التي أخذوها من عالم آخر لا يمُتُّ إلى الإسلام بأيّ صلة. وقد يتخيّلون بحسن نيّة أنّهم يخدمون القرآن، أو أنّهم أتوا بأفكار راقية بحسب ما يتصوّرون، ولكنّ هذا في الحقيقة هدم للإسلام.
فحينما نريد أن نحمل الكتاب المجيد أو السنّة المطهّرة على أمثال هذه المفاهيم التي نتصوّر أنّها راقية وسامية، يجب علينا أوّلاً أن نقرأ الكتاب والسنّة قراءةً بعيدةً عن مصطلحات اليوم وعن الأفكار المستورَدة، ونفهمهما فهماً جيّداً، ثمّ نأخذ تلك الأفكار والمفاهيم المستورَدة لنحاكمها وفق ما فهمنا من الكتاب والسنّة.
ومن هنا فإنّ فكرة الانتخابات أو الديمقراطيّة أو فكرة حكم الناس لأنفسهم بأنفسهم، إذا أراد البعض أن يحملها على الكتاب والسنّة، فإنّه ليس في الكتاب والسنّة ما يدلّ على شيء من هذا القبيل، عدا اُمور ثلاثة قد يتراءى لهذا البعض أنّ فيها ـ أو في بعضها ـ ما يدلّ على الانتخاب المألوف، أو يدلّ على فكرة الديمقراطيّة، وهذه الاُمور الثلاثة هي:
1 ـ ما ورد في بعض الآيات القرآنيّة المباركة من نسبة الخلافة إلى المجتمع وليس لشخص معيَّن، وعندئذ قد يحلو لكاتب ما أو لمفكّر معيَّن أن يتخيّل أنّ الإسلام جاء بفكرة الديمقراطيّة وفكرة الانتخاب حينما نسب الخلافة إلى المجتمع ككلّ.
', '', 45), (2619, 46, 'book', '2 ـ الرواية التي رواها إخواننا السنّة عن الرسول(صلى الله عليه وآله)، وهي: « لا يجمع الله اُمّتي على الضلالة أبداً »(1)، فهذه الرواية قد يجعلها البعض دليلاً على صحّة الانتخابات أو صحّة تعيين الإمام بإجماع المسلمين.
3 ـ آيتا الشورى الواردتان في القرآن الكريم، وهما:
أ ـ قوله تعالى: ﴿... وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...﴾(2).
ب ـ قوله تعالى: ﴿... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...﴾(3).
فقد يستفيد بعض الكتّاب من هاتين الآيتين أنّ الشورى هي التي تعيّن لنا الإمام، أو قل: الوليّ ومن يقودنا.
فهذه اُمور ثلاثة يمكن أن يتخيّل منها متخيّل أنّها تشير إلى فكرة القيادة الجماعيّة أو فكرة الانتخابات.
ولكن ـ وكما قلنا سابقاً ـ يجب علينا أوّلاً وقبل كلّ شيء أن نجرّد أنفسنا من مصطلحات اليوم، وعن الأفكار المستورَدة من الغرب، ثُمّ نبحث هذه الاُمور الثلاثة لكي نرى هل نستفيد منها هذا المعنى أو لا؟
آيات الخلافة:
بالنسبة إلى الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن الخلافة يجب أن نبحث كلمة ( الخلافة ) الواردة فيها؛ إذ وردت في موارد عديدة، منها:
', '(1) المستدرك على الصحيحين 1: 115 ـ 116.
(2) سورة الشورى، الآية: 38.
(3) سورة آل عمران، الآية: 159.
', 46), (2619, 47, 'book', '
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(1).
فهذه الآية المباركة تقول: إنّ الله تبارك وتعالى أراد أن يجعل في الأرض ﴿خَلِيفَة﴾، ولمعنى الـ ﴿خَلِيفَة﴾ في هذه الآية المباركة ثلاثة احتمالات:
1 ـ أن يقصد بالـ ﴿خَلِيفَة﴾ ليس خليفة عن الله تبارك وتعالى، وإنّما خليفة عن آدم سابق، وهذا يعني أنّه كان هناك آدم قبل أبينا آدم(عليه السلام)، وكان هناك ناس قبله(عليه السلام)، ولكنّهم انتهوا وقامت قيامتهم مثلاً، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل خليفة لهم، أي: أنّه تعالى أراد أن يجعل مَن يخلف اُولئك الناس على الأرض.
ولكنّ هذا الاحتمال بعيد جدّاً، ولا يناسب ظاهر الآية المباركة؛ وذلك لأنّه لابدّ أن تكون هناك نكتة من ذكر (الخلافة) في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ولو فسّرت (الخلافة) بهذا المعنى وهو أنّه تعالى يريد أن يجعل اُناساً ليخلفوا اُناساً كانوا قبلهم، فإنّ هذه ( الخلافة ) لا نكتة في ذكرها، ولا أهميّة للتركيز عليها، فالذي يبدو من الآية المباركة أنّ المقصود من كلمة ﴿خَلِيفَة﴾ هو الذي فسّره كثير من المفسِّرين، وهو:
2 ـ أن يقصد بالـ ﴿خَلِيفَة﴾ خلافة البشريّة عن الله تعالى، فيكون
', '(1) سورة البقرة، الآية: 30.
', 47), (2619, 48, 'book', '
معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ هو: أ نّي جاعل في الأرض مَن يخلفني، أي: يخلف الله تبارك وتعالى على وجه الأرض.
ولعلّ هذا الأساس هو الذي أثار غيرة الملائكة ـ إن صحَّ التعبير ـ عند سماعهم لذلك الخطاب، فأخذوا يقولون: لماذا لا نكون نحن خلفائك؛ إذ إنّنا نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، فلماذا تتخذ من غيرنا خلفاء لك على وجه الأرض؟
فالمقصود بكلمة ﴿خَلِيفَة﴾ على هذا الاحتمال هو: خليفة الله تعالى، وهذه الصفة ـ صفة الخلافة ـ ليست صفةً لشخص آدم(عليه السلام)، وإنّما هي صفة للبشريّة كلّها، فهي لآدم(عليه السلام) ونسله، والذي يؤيّد هذا الاحتمال هو قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾، فآدم (عليه السلام) ليس مفسداً في الأرض وليس سفّاكاً للدماء، وإنّما الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هم نسل آدم، وأمّا آدم(عليه السلام)، فهو أنزه وأعلى مقاماً من أن يفسد أو يسفك دماً.
فالملائكة عندما سألوا وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، كأنّما فهموا من كلام الله تبارك وتعالى أنّ البشريّة كلّها هي الخليفة وليس شخص آدم فحسب، ولهذا فإنّهم اعترضوا على خلافة البشريّة التي ستُفسد في الأرض وتسفك الدماء، وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾يعني: فلماذا تكون البشريّة هي الخليفة دوننا إذن ؟
3 ـ أن يكون لفظ الـ ﴿خَلِيفَة﴾ هنا صفة لآدم(عليه السلام) فقط دون البشريّة.
وهذا الاحتمال أيضاً وارد بالنسبة إلى الآية المباركة.
', '', 48), (2619, 49, 'book', 'ولكن إذا كانت هذه الآية المباركة تتّصف بشيء من الغموض والإجمال، ولا نعرف هل لفظ ﴿خَلِيفَة﴾ صفة لآدم(عليه السلام) وحده، أو صفة للبشريّة، فإنّ هناك آيات اُخرى واضحةً في توصيف البشريّة كلّها بالخلافة دون توصيف آدم(عليه السلام) فقط، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات...﴾(1).
فهذا الخطاب ليس خطاباً لشخص معيّن، وإنّما هو للبشريّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ...﴾(2).
وهذا أيضاً خطاب لكلِّ الناس، وليس خطاباً لشخص معيَّن.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ...﴾(3).
وذلك بعد استبعاد أن يكون المراد أنّ هؤلاء الخلائف خلائف لاُولئك الناس الذين اُغرقوا، فقد قلنا: إنّ هذا المعنى بعيد؛ إذ إنّ ذكر الخلافة بهذا المعنى لا تبدو فيه نكتة تستحقّ الذكر.
وقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الاَْرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ...﴾(4).
', '(1) سورة الأنعام، الآية: 165.
(2) سورة يونس، الآية: 13 ـ 14.
(3) سورة يونس، الآية: 73.
(4) سورة فاطر، الآية: 39.
', 49), (2619, 50, 'book', '
وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُل مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوح وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً...﴾(1).
وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَاد وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ...﴾(2).
وقوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الاَْرْضِ...﴾(3).
فما دامت الخلافة هنا صفة للمجتمع أو الناس فقد يتصوّر إذن أنّ هذه الآيات المباركات تُشير إلى تعيين القائد عن طريق الانتخاب، وأ نّ معنى أن يكون الناس كلَّهم خلفاء الله هو أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وهذا لا يكون إلاّ عن طريق الانتخابات.
ولكنّ الذي أفهمه من هذه الآيات المباركات بعيد عن هذا المعنى.
فصحيح أنّ الآيات قد جعلت الخلافة صفةً للمجتمع البشري، وجعلت البشريّة كلَّها خليفةً لله تعالى، ولكنّ هذا لا يعني حكم البشريّة نفسها بنفسها أو انتخابها لمن يقودها.
فمعنى أنّ البشريّة خليفة الله هو: أنّ هدف الله تبارك وتعالى ـ وهو عمران الأرض بشكل يكون كمقدّمة للآخرة ـ لابدّ أن تحقّقه كلّ البشريّة، فمنهم مَن يكون قائداً، ومنهم من يكون فلاّحاً، ومنهم من يكون مرشداً أو معلّماً...
فالمفروض أن تتظافر جهود البشريّة كلّها من أجل تحقيق ذلك
', '(1) سورة الأعراف، الآية: 69.
(2) سورة الأعراف، الآية: 74.
(3) سورة النمل، الآية: 62.
', 50), (2619, 51, 'book', '
الهدف العظيم، ويجب أن يعملوا جميعاً في سبيل تحقيق ما يرضي الله على وجه الأرض. وهذا هو معنى خلافة البشريّة لله على وجه الأرض، وهذا لا علاقة له بمسألة أن يقوموا بحكم أنفسهم بأنفسهم، أو يكون لهم جميعاً حقّ أو يد في تعيين مَن يقودهم.
أمّا حينما تستعمل الخلافة في القرآن بمعنى القيادة، وبالذات بمعنى الحكم، فإنّنا نرى أنّها لا تُنسَب إلى البشريّة، وإنّما تنسب إلى شخص معيَّن، من قبيل قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(1).
فالخلافة هنا بمعنى الحكم؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، فنرى هنا أنّ الخلافة عندما استعملت بمعنى الحكم فإنّها لم تنسب إلى الناس جميعاً أو إلى البشريّة كما نُسبت في الآيات السابقة، وإنّما نُسبت إلى شخص داود(عليه السلام) الذي هو معيّن من قبل الله تبارك وتعالى، ولم يكن للناس أيّ دخل في تعيينه.
رواية إجماع المسلمين:
أمّا ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) من قوله: « لا يجمع الله اُمّتي على الضلالة أبداً »(2)، فإنّه يستحقّ البحث ولو على سبيل الإجمال من ثلاثة جوانب:
', '(1) سورة ص، الآية: 26.
(2) المستدرك على الصحيحين 1: 115 ـ 116.
', 51), (2619, 52, 'book', '
1 ـ جانب السند، وهل صدرت هذه الرواية حقّاً عن الرسول(صلى الله عليه وآله)؟
2 ـ جانب التطبيق، وهل طبّق هذا الذي يُدّعى ـ من قبل أبناء العامّة ـ على مَن عُيّنَ كخليفة للمسلمين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟
3 ـ جانب الدلالة، فلو افترضنا أنّ هذه الرواية تامّة السند، فهل تثبت المدَّعى والمقصود؟ وهل تدلّ على أنّ الاُمّة تستطيع أن تنتخب القائد ولو عن طريق الإجماع لا عن طريق الأكثريّة؟!
1 ـ جانب السند:
وهنا نشير إشارةً عابرةً إلى سند هذه الرواية، ولا نريد أن نبحث ذلك وفق نظر الشيعة؛ لأنّهم لا يؤمنون بها، ولا يرون أنّها وردت بسند تامٍّ وصحيح، فرواتها ليسوا من الذين وثّقوا لدى الشيعة، ولكنّنا نريد الكلام فيها وفق اُسس إخواننا السنّة.
فهذه الرواية لم ترد في أيٍّ من الصحاح الستّ، وإنّما وردت في مستدرك الحاكم النيسابوري الذي كتبه كمستدرك على الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وقد التزم الحاكم في أوّل كتابه بأن لا يذكر في كتابه هذا إلاّ الأحاديث الصحيحة على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، وهذا يعني أنّه التزم أن لا يذكر من الأحاديث إلاّ ما كان منها بمستوى ما ورد في صحيح البخاري أو صحيح مسلم من حيث السند.
ولكن حينما نصل إلى هذه الرواية بالذات ـ رواية: «لا يجمع الله
', '', 52), (2619, 53, 'book', 'اُمّتي على الضلالة أبداً» ـ نراه يعترف بشكل وبآخر بعدم نقاء سندها، ثُمّ يعتذر عن ذلك ويسعى في سبيل تغطية هذا النقص، وخلاصة الكلام فيها هو مايلي:
إنّ الحاكم يروي هذه الرواية عن ثلاثة أشخاص(1)، وهم:
1 ـ عبد الله بن عمر.
2 ـ ابن عباس.
3 ـ أنس بن مالك.
وقبل البحث في أسانيد هذه الرواية نشير إلى أنّ الادِّعاء القائل بعدم الحاجة إلى النظر إلى أحوال رواة هذه الرواية، والبحث عن وثاقتهم؛ إذ إنّها رواية مستفيضة أو متواترة أو مشهورة ومرويّة بطرق كثيرة، فهي إذن تامّة السند مع غضّ النظر عن رواتها، فيجب الأخذ بها، هو إدّعاء غير صحيح؛ إذ إنّ طرق رواية هذه الرواية تنتهي كلّها إلى أحد هؤلاء الثلاثة، وعلى هذا فهي ليست مستفيضة أو متواترة. وقد قال العلماء بأنّ الرواية المتواترة يجب أن تكون متواترة في كلّ الطبقات، ولمّا كانت هذه الرواية من أصلها منتهية إلى ثلاثة رواة فقط، فإنّها ليست متواترة ولا مستفيضة.
أمّا بالنسبة إلى سند الرواية المنتهي إلى ابن عمر: فحينما يرويها عن ابن عمر، فإنّه يذكر لها سبعة أسانيد تنتهي كلّها إلى المعتمر بن
', '(1) راجع المستدرك على الصحيحين 1: 115 ـ 117.
', 53), (2619, 54, 'book', '
سليمان الذي يرويها بسند له إلى ابن عمر.
وأحد الأسانيد من تلك السبعة ينتهي إلى خالد بن يزيد القرني، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. ويقول الحاكم النيسابوري بشأن خالد بن يزيد القرني: إنّه لو حفظ هذا الحديث عنه لحكمنا له بالصحّة. يعني: أنّه لو ثبت لدينا أنّ هذا الحديث هو من خالد بن يزيد القرني حقّاً لحكمنا بصحّته؛ لأنّ المعتمر وأباه وعبدالله بن دينار وعبدالله بن عمر كلّهم ثقاة عند الحاكم. ولكن ـ مع الأسف ـ لم يحفظ هذا الحديث عنه، أي: أنّ الوسائط بين خالد بن يزيد وبين الحاكم غير موثوقين عند الحاكم نفسه.
ثمّ يتسلسل الحاكم بذكر الأسانيد إلى أن يصل إلى خامس الأسانيد، فيذكر أنّ المعتمر بن سليمان يروي الحديث عن سلم بن أبي الذيال، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، ويقول أيضاً: «لو كان محفوظاً عن الراوي ـ يعني خالد بن يزيد القرني عن المعتمر ـ لكان من شرط الصحيح»، وهذا يعني أنّه غير محفوظ عن الراوي، وأنّ وثاقة الوسائط بين الحاكم وخالد غير ثابتة.
أمّا الأسانيد الاُخرى الخمسة، فربّما يفترض أنّ الرواة (الوسائط) الواقعين بين الحاكم النيسابوري والمعتمر بن سليمان كلّهم ثقاة، ولكنّ نقطة الضعف في هذه الروايات ـ بحسب مايراه الحاكم نفسه ـ هي: أنّ هناك وسيطاً بين المعتمر وبين عبدالله بن
', '', 54), (2619, 55, 'book', 'دينار(1)، وهذا الوسيط رجل مجهول عُبّر عنه تارةً بأبي سفيان المديني، واُخرى بسفيان أو أبي سفيان، وثالثةً بأبي سفيان سليمان بن سفيان المدني، ورابعةً بسليمان المدني، وخامسةً بسليمان أبي عبدالله المدني، وقد قال الحاكم في تقويمه لهذا الرجل الوسيط: « قال الإمام أبو بكر محمّد بن إسحاق: لست أعرف سفيان أو أباسفيان هذا ».
ومن هنا سجّل الحاكم نقطة الضعف على سند هذه الرواية، ولكنّه حاول التغطية على هذا النقص وعلاجه، وقال: لمّا كان المعتمر بن سليمان أحد أئمّة الحديث، وكان من أركان الحديث، فليس من حقّنا إذن أن نناقش في روايته هذه. ومن هنا، فإنّ الحديث عند الحاكم صحيح؛ لأنّه مرويّ عن المعتمر الثقة!
وإذا قبلنا من الحاكم أنّ المعتمر بن سليمان ثقة وعظيم وجليل وأنّه من أركان الحديث، فعلينا أن نعرف أنّ هذا لا يتنافى مع نقله لرواية عن إنسان لم تثبت وثاقته، وأنّ الوثاقة والعظمة لا تمنع عن نقل الحديث عن غير الثقة؛ إذ إنّ هذا النوع من النقل ليس بحرام ولا يؤثِّر سلباً في وثاقة الناقل، حيث إنّ الذي يهمّ الراوي هو نقل الرواية وإعطاء السند، وهو غير مسؤول بعد ذلك عن كون الرواة
', '(1) جاء في السند السادس للحديث ـ بحسب الطبعة الموجودة لدينا ـ عمرو بن دينار بدلاً عن عبدالله بن دينار.
', 55), (2619, 56, 'book', '
الذين نقل عنهم ثقاة أم لا.
فوثاقة المعتمر إذن لا يمكن أن تعالج النقص الموجود في هذه الرواية التي يرويها الحاكم عن ابن عمر، وبهذا يتبيّن حال سندها.
وأمّا الرواية التي يرويها الحاكم عن ابن عباس، فيذكر سندين إلى ابن عباس، ويذكر الرواية مع شيء من الاختلاف في المتن، ولكن الجامع هو مفاد: « لا يجمع الله اُمّتي على ضلالة أبداً ».
ويعلّق الحاكم على هذين السندين وعلى سنده إلى أنس بن مالك قائلاً: « لا أدّعي صحّتها ولا أحكم بتوهينها »، وهذا يعني أنّ لديه توقّفاً بشأن هذه الأسانيد، وأنّ صحّتها لم تثبت عنده.
فهذا هو حال سند الرواية التي ينقلها عن ابن عباس وأنس.
ومتن الرواية التي ينقلها الحاكم عن أنس بن مالك، عن الرسول(صلى الله عليه وآله) مايلي: «إنّه سأل ربّه أربعاً: سأل ربّه أن لا يموت جوعاً، فاُعطي ذلك ـ أي: أنّ الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاءه ـ وسأل ربّه أن لا يجتمعوا على ضلالة، فاُعطي ذلك، وسأل ربّه أن لا يرتدّوا كفّاراً، فاُعطي ذلك، وسأل ربّه أن لا يغلبهم عدوّ لهم فيستبيح نساءهم(1)، فاُعطي ذلك، وسأل ربّه أن لا يكون بأسهم بينهم، فلم يُعطَ ذلك».
وقد علّق الحاكم على هذه الرواية قائلاً بأنّ في سندها شخصاً
', '(1) في المصدر فيستبيح بأسهم.
', 56), (2619, 57, 'book', '
باسم مبارك بن سحيم، وهذا الإنسان لا يمشي في مثل هذا الكتاب ( يعني: أنّه لا يستطيع أن يغطّي شرطاً؛ لأ نّا اشترطنا في هذا الكتاب أن يكون على شرط الشيخين، وشرطُ الشيخين غير موجود في هذا الرجل )، لكن ذكرته اضطراراً.
فهذه الرواية إذن غير ثابتة أيضاً.
ومن هنا يتّضح أنّ أسانيد هذه الرواية كلّها مخدوشة وغير ثابتة الصحّة.
2 ـ جانب التطبيق الخارجي:
وأمّا من جانب تطبيق هذه الرواية، فنتساءل: هل كان هناك إجماع حقّاً على مَن انتخب كخليفة للمسلمين بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)؟
وهذا بحث تأريخي مذكور في الكتب التأريخيّة التي ذكرت الخلافة أو الإمامة، أو ذكرت تأريخ عصر السقيفة، فلتراجع.
ومن المعروف أنّه لم يكن هناك إجماع.
3 ـ جانب الدلالة:
ولو تمّت الرواية سنداً، وفرضنا أنّها قد طبِّقت في وقتها، وانتخب مَن انتخب بالإجماع، فهل يؤدِّي هذا إلى القول بأنّ الإمامة تثبت بالإجماع، أو لا؟
وهنا يوجد تعليق للشيخ الآصفي ـ حفظه الله ـ رأيته في كتاب له غير مطبوع بعد، وقد جلب انتباهي، وأرغب ذكره هنا:
يقول الشيخ الآصفي: «إنّ قوله: ( اُمّتي لا تجتمع على ضلالة )
', '', 57), (2619, 58, 'book', 'يعني: أنّ الاُمّة حينما تجتمع على شيء فإنّ إجماعها هذا يكون حجّةً لمن تأخّر عن زمن الإجماع؛ وذلك لأنّ إجماعها على ذلك الشيء يكشف عن وجود أساس صحيح قد اعتمدت عليه الاُمّة في إجماعها هذا، وإلاّ لَما كان هناك إجماع واتّفاق تامّ، ولَما كان لإجماعها ـ لو اتّفق ـ أيّ قيمة؛ إذ لا يحقّ للاُمّة أن تجمع على شيء مالم يرد دليل صحيح بشأنه، ومن هنا فإنّ الاُمّة إذا أجمعت على شيء، فإنّنا نعرف أنّ ذلك الشيء صحيح تماماً، فيكون حجّةً لنا.
ولكن من حقِّنا أن نتساءَل هنا: ما هو الأساس الذي اعتمدته الاُمّة في إجماعها ـ لو قلنا بوقوعه ـ على خلافة أبي بكر؟
وهنا نقول: إنّ إجماعها على انتخابه لا يمكن أن يكون مستنداً على نفس إجماعها عليه، ولا يمكن أن يكون الإجماع على انتخابه هو الأساس في الإجماع على انتخابه؛ لأنّ هذا دور واضح.
كما أنّ إجماعها هذا على انتخابه لا يمكن أن يكون مستنداً على إجماع سابق قد حصل من قِبَل الاُمّة، حيث إنّه لم يكن هناك إجماع سابق ـ أي: في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله) ـ على انتخابه».
وبناءً على هذا الاستظهار نقول: إنّ أساس إجماع الاُمّة المدّعى إذن: إمّا أن يكون راجعاً ومستنداً إلى نصٍّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بإمامة إنسان ما، أو يكون راجعاً إلى مبدأ الشورى.
فإن قلنا بالأوّل ( بالنصّ )، رجعنا إلى مسلك أنّ الإمام يعيَّن بالنصّ، وهذا ما نؤمن به نحن. وإن قلنا بالثاني ( مبدأ الشورى )، فهذا ما سنناقشه الآن.
', '', 58), (2619, 59, 'book', 'آيتا الشورى:
أمّا آيتا الشورى(1): ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾(2) و ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾(3)، فمن الواضح أنّ الآية الاُولى ليست بصدد افتراض أنّ الشورى تعطي حجّيّةً وولايةً وإلزاماً للنبيّ(صلى الله عليه وآله)؛ ذلك لأنّها تقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾، فكأنّ الله سبحانه قد خاطب رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) قائلاً: يا رسول الله، شاور الاُمّة في الأمر، ولكنّ العزم والقرار بعد ذلك يكون بيدك أنت وليس بيد الاُمّة، والمشورة لا تعني أكثر من الاستضاءة بآراء الآخرين.
والمشورة هنا لم تكن بسبب حاجة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) إلى الاستضاءة بآراء الآخرين، كما لم تكن حجّةً عليه(صلى الله عليه وآله)، وإنّما كانت بهدف إشراك الآخرين في حمل المسؤوليّة.
وأمّا بالنسبة إلى الآية الثانية: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾، فإنّ تفسيرها بما تعارف عليه اليوم في بعض البلاد من مسألة الانتخاب والإدلاء بالآراء خطأ فاضح؛ إذ إنّ تفسير أيّ عبارة يجب أن يكون على أساس ما كان يمكن أن يفهم منها في ظرف صدورها زماناًومكاناً، ولا يجوز أن تُؤوّل وتُفسَّر على أساس المصطلحات السائدة في
', '(1) البحث المفصّل في كلتا الآيتين موجود في كتابنا: ( أساس الحكومة الإسلاميّة ).
(2) سورة آل عمران، الآية: 159.
(3) سورة الشورى، الآية: 38.
', 59), (2619, 60, 'book', '
زمان تفسيرها، ولمّا كان قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾، قد ورد قبل أربعة عشر قرناً، فإنّ تفسيره يجب أن يكون على أساس ما كان يفهم منه في ذلك الوقت، ولا يصحّ لنا أن نفسِّره بما تعارف عندنا من مصطلحات اليوم، كالانتخاب، والديمقراطيّة، والإدلاء بالآراء، والأخذ برأي الأكثريّة، فهذا كلّه لا يمكن أن يفهم من الآية؛ لغرابته عن عرف ذلك الزمان، وعدم تعارف الناس عليه وقتذاك، ومن هنا فإنّ الذي يمكن أن يفهم من هذه الآية المباركة هو ما كان متعارفاً في تلك القرون، وهو: مسألة الاستضاءة بمشورة العقول، وهذا شيء يختلف عن أن تكون الشورى حجّة على مَن استشار، ويجب عليه أن يأخذ برأي الأكثريّة، فهذا شيء وذاك شيء آخر، وهذا هو الخطأ الجذري الوارد في هذا الاستدلال بهذه الآية المباركة.
على أنّ هناك لاُستاذنا الشهيد الصدر(قدس سره) بحثاً قيِّماً في الطبعة الأخيرة(1) من كتابه ( بحث حول الولاية )، حيث بحث هناك احتمال أن يكون الرسول(صلى الله عليه وآله)قد أوكل أمر القيادة والإمامة الفكريّة والسياسيّة إلى الشورى، وهذه هي خلاصة كلام اُستاذنا الشهيد(قدس سره):
إنّنا لا نحتمل أن يكون الرسول(صلى الله عليه وآله) قد اعتمد على مبدأ الشورى في تعيين الخليفة من بعده؛ وذلك لأنّه لو كان(صلى الله عليه وآله) اعتمد على هذا
', '(1) ففي أواخر أ يّام حياته(قدس سره) أدخل بعض الإضافات المهمّة والقيّمة في هذه الطبعة.
', 60), (2619, 61, 'book', '
المبدأ، لكان عليه(صلى الله عليه وآله) أن يوضّح هذا المبدأ، ولا يمكن أن يكتفي بهذه الآية؛ إذ لابدّ له من إيضاح حدود الشورى وشرائطها، وماهو الحلّ فيما لو اختلف المتشاورون، فهل يؤخذ برأي الأكثريّة، أو برأي الثلّة الواعية ولو كانوا أقلّيّة؟ وما هي شرائط المشتركين في عمليّة الإدلاء بالآراء؟ وما إلى ذلك.
فهذه الاُمور وغيرها لم توضّح للاُمّة، بل إنّنا نرى أنّ فكرة الشورى لم تكن موجودةً حتّى عند أعمدة الخطّ السنّي وقتئذ ( أبي بكر، عمر ) أنفسهم، فحينما حضرت الوفاة أبا بكر نراه أوصى بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب، فلو كان الرسول(صلى الله عليه وآله) قد أوضح للاُمّة مبدأ الشورى، فمن الذي عمل به، هل السنّة أو الشيعة؟
فالشيعة طريقهم واضح، والمسألة عندهم مسألة نصّ.
وأمّا السنّة فهذا أبو بكر لم يعمل بشيء من هذا القبيل، فقد عيّن عمر بن الخطاب، وكذا عمر بن الخطاب الذي كان قد ناقش في بيعة أبي بكر نفسه؛ إذ وصفها بأنّها فلتة، لم يعمل بهذا المبدأ عندما حضرته الوفاة أيضاً؛ إذ حَصر الأمر في ستّة أشخاص وجعلها شورىً بينهم فقط، ولم يجعلها شورىً ضمن الاُمّة كلِّها.
إذن فمن الذي فهم فكرة الشورى وقتذاك؟ فالشيعة لم يقولوا بها، والسنّة لم يفهموها ولم يطبّقوها حتّى من قبل أئمّتهم.
ثم يشير اُستاذنا الشهيد(قدس سره) إلى أنّ الاُمّة وقتئذ لم تكن بمستوى استلام القيادة. والتفصيل مذكور في كتابه المشار إليه سابقاً، فراجع.
', '', 61), (2619, 62, 'book', 'الأدلّة على ضرورة التنصيص
أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) بشأن الإمامة:
تؤكِّد أحاديث أهل البيت ـ سلام الله عليهم أجمعين ـ بشأن الإمامة على مفهومين:
الأوّل: أصل ضرورة الإمامة وضرورة وجود الإمام؛ إذ تؤكِّد هذا بلسان يعطي للإمامة أهمّيتها وهيبتها الواقعيّة، فالإمامة لم تفسَّر في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)بأنّها مجرّد قيادة الحياة الدنيويّة، كما يقول به المادّيّون اليوم في الغرب، وقد ورد هذا المعنى في الروايات بتعبيرين أساسيَّين:
أحدهما: تعبير « لابدّ من وجود إمام لئلاّ تبطل حجّة الله »، ويعني هذا التعبير أنّ تماميّة الحجّة متوقّفة على وجود إمام.
ثانيهما: تعبير « لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها »، وقد ورد هذا التعبير كثيراً في الروايات، وبحسب هذا التعبير ينتهي العالم وينهدم لولا وجود الإمام.
والروايات الواردة بهذين التعبيرين كثيرة جدّاً وبالغة حدّ التواتر، وهي مذكورة في كتاب ( بحار الأنوار ) وغيره، وسنذكر هنا نموذجاً واحداً لكلّ قسم من هذين القسمين ( التعبيرين ):
1 ـ فعن أبي إسحاق الهمداني قال: حدّثني الثقة من أصحابنا أنّه سمع أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: «اللهمّ لا تخلو الأرض من حجّة لك
', '', 62), (2619, 63, 'book', 'على خلقك، ظاهر أو خاف مغمور؛ لئلاّ تبطل حججك وبَيِّناتك»(1).
2 ـ وعن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لو بقيت الأرض بغير إمام ساعةًلساخت»(2).
وهناك رواية اُخرى تجمع بين التعبيرين معاً، وهي: رواية(3)سليمان الأعمش، عن الصادق(عليه السلام)، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين(عليهم السلام) أنّه قال: «ولولا ما في الأرض منّا (يعني منّا أهل البيت) لساخت بأهلها»، ثُمّ قال(عليه السلام): «ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولاتخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله فيها»، ويقول: «ولولا ذلك ( يعني وجود الإمام ) لم يعبد الله»، قال سليمان الأعمش وهو يسأل الإمام الصادق(عليه السلام): فقلت للصادق(عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟ قال(عليه السلام): «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(4).
والذي أفهمه من هذه الروايات: أنّ الفائدتين من وجود الإمام تترتّبان بشكل وبآخر على وجود الإمام وإن كان مستوراً، فهو على الرغم من غيبته واختفائه وراء الستار يعطي كلتا الفائدتين السابقتين، وهما: ( ارتباط العالم به ) و ( تبيين الحجّة )، فقوام العالم
', '(1) البحار 23: 20، الحديث 17.
(2) المصدر السابق: 21، الحديث 20.
(3) وهي رواية مفصّلة، أكتفيتُ بنقل محلّ الشاهد منها.
(4) البحار 23: 5 ـ 6، الحديث 10.
', 63), (2619, 64, 'book', '
إذن وقوام الدين يكونان بالإمام(عليه السلام)، سواء كان حاضراً أم مستوراً، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، ولَما حفظ الدين.
فيبدو من هذه الروايات أنّ الإمام المستور يتدخّل في الاُمور بشكل لا نعرفه ولا ندركه؛ إذ إنّ الإمام(عليه السلام) في زمن الغيبة لا يُرى رؤية معرفة، وإنّ تدخّله بالاُمور ليس كتدخّله عندما يكون ظاهراً ومعروفاً، فهو حين غيابه ينبّه أو يشير ـ عن طريق بعض أصحابه المرتبطين به ( ونحن لا نعلمهم ) أو عن أيّ طريق آخر ـ إلى النقاط الحسّاسة التي تنقذ الموقف، وهذا ليس ببعيد.
الثاني: أنّ أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) تؤكّد على أنّ الإمام يجب أن يُعَيَّن بالنصّ.
وهنا روايات كثيرة تدلّ على هذا المعنى، أذكر منها روايةً واحدة، فعن سعد بن عبدالله القميّ قال: سألت القائم(عليه السلام) في حجر أبيه ( يعني: سأله وهو(عليه السلام) طفل في حجر أبيه(عليه السلام) )، فقلت: أخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم، قال (الإمام(عليه السلام)): «مصلح أو مفسد؟» (أي: هل يختار القوم مصلحاً أو يختارون مفسداً؟). قلت: مصلح. قال: «هل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟»، ( يعني: صحيح أنّ هؤلاء سوف يعملون على اختيار المصلح ويحاولون ذلك، ولكن أليس من المحتمل أنّهم سوف يخطؤون في اختيارهم فينتخبون مفسداً معتقدين أنّه مصلح؟ ). قلت: بلى. قال: «فهي العلّة أيّدتها لك ببرهان يقبل ذلك عقلك».
', '', 64), (2619, 65, 'book', 'قلت: نعم. قال: «أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتب وأيّدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الاُمم وأهدى، أن لو ثبت الاختيار ومنهم موسى وعيسى(عليهما السلام)، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن؟». قلت: لا. قال: «فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممّن لم يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا...﴾(1)، فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أ ن لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور وما تكنّ الضمائر وتنصرف عنه السرائر، وأن لاخطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح »(2).
حَديث الغَدير:
لقد نقل الشيعة قصّة الغدير، وادّعوا أنّ هناك نصّاً صريحاً من قبل الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) في نصب إمامنا أمير المؤمنين(عليه السلام) بالإمامة. وقد
', '(1) سورة الأعراف، الآية: 155.
(2) البحار 23: 68 ـ 69، الحديث 3.
', 65), (2619, 66, 'book', '
خالفهم آخرون؛ إذ أنكروا هذا النصّ.
ولكنّ القرآن الكريم ـ وهو مورد وفاق بين كلّ المسلمين ـ يدلّنا بوضوح على صحّة النصّ وتماميّته، وأنّ نصّ الغدير صادر عن الرسول(صلى الله عليه وآله)، وذلك في آيتين اثنتين:
الآية الاُولى: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾(1).
والمناقشة الوحيدة التي تُذكر بصدد الاستدلال بهذه الآية المباركة، هي: أنّ هذه الآية وردت في جوِّ آية تحريم الميتة وتحريم بعض أقسام اللحوم، وعندئذ لا تكون لهذه الآية ـ كما يقول المناقش ـ أيّ علاقة بقصّة الغدير، وإنّما لها علاقة بجوّ الآية المباركة، وهو: تحريم بعض اللحوم؛ وذلك لأنّ الآيات كما يلي:
قال تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِِثْم فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(2).
فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ...﴾ ورد ضمن آية أوّلها وآخرها يرجعان إلى قضيّة تحريم الميتة وتحريم بعض
', '(1) سورة المائدة، الآية: 3.
(2) سورة المائدة، الآية: 3.
', 66), (2619, 67, 'book', '
أقسام اللحوم، وعليه فإنّ هذه الآية ـ كما يقول المناقش ـ لا علاقة لها بقصّة الغدير.
إنّ هناك لفتة في كلام العلامة الطباطبائي(رحمه الله) في كتابه ( الميزان في تفسير القرآن )، حيث يلفت النظر إلى أنّ هذا المقطع بالذات: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ حين نقتطعه من وسط هذه الآية المباركة نرى أنّ صدر الآية وذيلها يلتئمان تمام الالتئام، وكأنّما لم يرفع منهما شيء، وهذا قليلاً ما يتّفق؛ إذ لا يكون إلاّ فيما يسمّى بحسب مصطلح علماء العربيّة بالجمل الاعتراضيّة ـ وهي الجمل التي تقحم في الأثناء إقحاماً ـ وإذا ما حذفت مثل هذه الجمل من الفقرة التي تتضمّنها، فإنّ ما قبلها وما بعدها يلتئم تمام الالتئام.
وهذه الظاهرة موجودة بشكل لافت للنظر في هذه الآية المباركة، فإذا ما رفعنا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ من الآية المباركة، فإنّها تُصبح هكذا: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ... فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجَانِف لاِِثْم فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وعندئذ نرى أنّ الآية متكاملة، وأنّ الارتباط قائم بشكل كامل بين الصدر والذيل.
', '', 67), (2619, 68, 'book', 'وممّا يلفت النظر أيضاً هو: أنّ مضمون هذه الآية المباركة ـ آية تحريم بعض اللحوم ـ قد تكرّر في القرآن الكريم عدّة مرّات، وفي تلك المواطن التي جاء فيها هذا المضمون جاء الصدر والذيل فحسب، وأمّا المقطع الوسط ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ...﴾، فلم يجئ، وإليك مايلي:
أ ـ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(1).
فهذه الآية عين تلك الآية من حيث مضمون صدرها وذيلها؛ إذ إنّ صدرها التحريم، وإنّ ذيلها الترخيص لمن يضطرّ، وأمّا الجملة الوسطيّة وهي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾، فغير موجودة.
ب ـ قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(2).
فمضمون هذه الآية هو نفس مضمون صدر وذيل آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ...﴾، وأمّا الوسط ـ وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ...﴾ ـ فلم يرد في هذه الآية المباركة.
ج ـ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا
', '(1) سورة البقرة، الآية: 173.
(2) سورة الأنعام، الآية: 145.
', 68), (2619, 69, 'book', '
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(1).
فمضمون صدر وذيل تلك الآية قد ورد هنا أيضاً، وأمّا الوسط فغير موجود.
وهذا ممّا يسترعي الانتباه إلى أنّ جملة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ كأنّما كانت جملة معترضة اُقحِمت إقحاماً في أثناء آية تحريم الميتة، ولم يكن لها علاقة بهذه الآية المباركة.
أمّا لو درسنا نفس مقطع ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾، وهل يمكن ربطه بقضيّة تحريم الميتة أو لا؟ فخلاصة الكلام في ذلك: أنّه ما المقصود بكلمة ﴿الْيَوْمَ﴾؟ فهل تشير هذه الكلمة إلى عصر الإسلام كلّه ـ أي: منذ بعثة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) إلى النهاية ـ أو تُشير إلى يوم مُعيّن ومحدّد من عصر الإسلام قد نزل فيه حكم خاصّ فكمل به الدين؟
فعلى التفسير الأوّل لكلمة ﴿الْيَوْمَ﴾ يكون معنى الآية المباركة هو: أنّ الإسلام هو المكمّل للدين السماوي، فإلى ما قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يكن ذاك الدين السماوي كاملاً (2)، وقد كمل ببعثة
', '(1) سورة النحل، الآية: 115.
(2) من الطبيعي أنّ الأديان السماويّة كلّها كاملة، ولكن هناك درجات ومراتب بينها، فالبشريّة فيما سبق لم تكن واصلةً إلى مستوىً بحيث يمكن أن ينزل عليها الدين الكامل التامّ، وأمّا في زمن الإسلام الحنيف، فكانت البشريّة قد وصلت إلى ذلك المستوى الذي يؤهِّلها لتلقِّي الدين الكامل، فنزل الإسلام.
', 69), (2619, 70, 'book', '
الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وفي عصر رسالته ودينه، ولذلك قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾.
وعلى ضوء هذا التفسير فإنّ كلَّ الأديان السابقة كانت إسلاماً ولا يوجد عندنا غير الإسلام من دين، فدين موسى إسلام، ودين عيسى إسلام، ودين إبراهيم إسلام...، فيكون معنى كلمة ﴿الإِسْلاَم﴾الواردة في قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ هو نفس معناها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَم﴾(1)، فلا يوجد عندنا إلاّ دين واحد وهو الإسلام، وعندئذ يكون معنى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾ هو: أنّ الإسلام الذي كان ديناً منذ آدم(عليه السلام) وإلى اليوم أصبح كاملاً وتامّاً بمجيء رسول الله محمّد(صلى الله عليه وآله)، ورضيتُ أن تكون شريعته ( الشريعة الإسلاميّة ) ديناً لكم.
وهذا التفسير يُناسب فرض القائل بأنّ هذا المقطع، أي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ...﴾ هو ضمن آية تحريم الميتة، فضمن بيان الله لأحكام الإسلام التي من جملتها تحريم الميتة، وتحريم الدم، وتحريم لحم الخنزير، وتحريم ما اُهلَّ لغير الله به، وضمن بيانه تعالى لمسألة الاضطرار يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾؛ ليبيّنَ أنّ هذا العصر ـ عصر الشريعة الإسلاميّة ـ هو عصر تكميل الدين، ولذا فإ نّي رضيت لكم الآن أن يكون دينكم الإسلام. وعندئذ يُصبح ارتباط
', '(1) سورة آل عمران، الآية: 19.
', 70), (2619, 71, 'book', '
هذا المقطع بصدر الآية وذيلها ارتباطاً منطقيّاً.
وأمّا على التفسير الثاني لكلمة ﴿الْيَوْمَ﴾ الواردة في ذلك المقطع من الآية المباركة، والقائل بأنّنا لا نُعيد ( لام العهد ) فيه إلى عصر الإسلام كلِّه وإلى عصر بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وإنّما نُعيدها إلى جزء من ذلك العصر، أي: إلى يوم معيّن قد نزل فيه حكم معيّن من الأحكام التي بعث بها النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله)، بحيث كان ذلك الحكم مكمّلاً للدين، فإنّ معنى الآية المباركة يكون هو: أنّ الشريعة الإسلاميّة التي جاء بها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، قد كملت اليوم بإنزال آخر حكم من أحكامها، ومن هنا فقد رضيت أن تكون لكم ديناً.
أمّا الاحتمال الأوّل القائل بافتراض أنّ اللام في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ﴾ تعود إلى كلِّ عصر الرسالة وليس إلى يوم معيّن ومحدّد، وأ نّ النظر ليس إلى حكم خاصٍّ من أحكام الإسلام، فإنّه غير معقول وغير متصور؛ وذلك لأنّ هذا الاحتمال لمعنى كلمة ﴿الْيَوْمَ﴾لا ينسجم مع قوله تعالى في العبارة السابقة: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾؛ إذ لابدّ وأن يكون معنى كلمة ﴿الْيَوْمَ﴾ في العبارتين واحداً، فلو كان النظر إلى الإسلام كلِّه وإلى عصر بعثة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، لكان معنى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ هو: أنّ الكفّار قد يئسوا من الأديان السماويّة ببعثة الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولكن كيف يكون الكفّار غير يائسين قبل بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله)مع وجود الدين السماوي، ثُمّ ييأسون بمجرّد بعثة النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله)، ومع هذا يبقون على محاربتهم للمسلمين؟!
', '', 71), (2619, 72, 'book', 'فهذا الدين ( الدين الإسلاميّ ) لم يكن موجوداً، والأديان السابقة كانت تُحارَب من قبل الكفّار، وحينما جاء دين الإسلام فإنّه حورب أيضاً من قبل الكفّار، ولم ييأسوا بمحض مجيء الرسول(صلى الله عليه وآله)، فقد حاربوا سنين كثيرة وعديدة، ولم يكونوا يائسين من دحض الإسلام؛ إذ لو كانوا كذلك لما حاربوه، فجملة ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ...﴾ تبقى لا مورد لها بناءً على هذا التفسير ( الأوّل ) لكلمة ﴿الْيَوْمَ﴾.
وإذا أبعدنا التفسير الأوّل وأسقطناه، تعيّن التفسير الثاني، فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ...﴾ إشارة إلى يوم معيّن من أ يّام الإسلام، وليس إشارةً إلى عصر الإسلام كلّه.
ففي ذلك اليوم المعيّن يئس الذين كفروا من الإسلام بعدما كانوا ـ قبل ذلك اليوم المعيّن ـ يحتملون أن يغلبوا المسلمين، وكان لهم أمل بأن يهزموا الإسلام ويلغوه بموت رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ إذ كانوا يقولون: إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله)يحاربنا مادام حيّاً، وأمّا حينما يموت، فإنّ كلّ شيء ينتهي، وسننتصر على المسلمين.
فيكون إذن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ إشارة إلى يوم معيّن كان فيه حادث معيّن أوجب يأس الكفّار، فما هو ذلك الحادث؟!
إنّ ملامح ذلك الحادث بارزة في الآية المباركة، وهي:
1 ـ إنّ ذلك الحادث هو سنخ حادث أوجب يأس الكفّار.
2 ـ إنّه أكمل الدين، فهو إذن آخر حكم من أحكام الإسلام التي
', '', 72), (2619, 73, 'book', 'نزلت بحيث إنّ الدين قد كمل به ولم ينزل بعده أيّ حكم آخر.
3 ـ إنّه سنخ حكم بحيث يكون أهمّ أحكام الإسلام على الإطلاق، أو من أهمِّها بحيث حينما جاء الحكم رضي الله تعالى لنا الإسلام ديناً.
ولا توجد في التأريخ قصّة تنطبق عليها هذه المواصفات إلاّ قصّة تعيين الخليفة، وتنصيب مَن يخلف رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فهذه القصّة هي الوحيدة الواردة في التأريخ التي تنطبق عليها هكذا مواصفات.
فتعيين الخليفة هو الذي أوجب يأس الكفّار الذين كانوا حتّى ذلك اليوم يتربّصون بالمسلمين، ويعتقدون بأنّهم سوف يتمكّنون من الإجهاز على الإسلام وإنهائه بعد موت الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ولكنّهم يئسوا من ذلك بعدما تبيّن لهم أنّ هناك من يحفظه بعده(صلى الله عليه وآله).
وتعيين الخليفة هو آخر حكم نزل، فبعد أن بيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلّ أحكام الإسلام لم يبقَ له إلاّ أن يعيّن خليفته.
ومعلوم أنّ قضيّة تعيين الخليفة في غاية الأهمّيّة بحيث يصحّ أن يقال بسببها: « رضيت لكم الإسلام ديناً ».
وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه:
أوّلاً: أنّ هذا المقطع ـ أي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ...﴾ ـ سنخ مقطع بحيث لو رفعناه لرأينا الآية ـ بصدرها وذيلها ـ متناسقة ومتكاملة، وهذا شاهد على أنّ هذه الجملة معترضة لا علاقة لها بقصّة تحريم بعض الاُمور.
وثانياً: أنّ هذا المقطع لا ينسجم ـ أصلاً ـ مع المورد وهو قضيّة
', '', 73), (2619, 74, 'book', 'تحريم بعض اللحوم.
ولكن يبقى هنا سؤال واحد، وهو: لماذا اُقحمت هذه الجملة ضمن هذه الآية؟
ففي أغلب الظنِّ أنّ هذا العمل هو عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ إذ إنّه (صلى الله عليه وآله)هو الذي كان يعيّن موطن الآيات ومحلّها، أو لعلّه كان من عمل جبرائيل، وبالتالي فهو عمل الله تعالى، فلماذا جعل هذا المقطع هنا؟ ولمَاذا ذلك الإقحام؟
هنا احتمالان:
الأوّل: دفع التحريف عن القرآن؛ إذ إنّ جعل هذا المقطع هنا وفي غير موضعه يمكن أن يكون من أجل الحفاظ عليه ومنع تحريف القرآن(1)، فلو وقع هذا النصّ في غير مثل هذا المورد، لجلب الانتباه، ولفت أنظار الأعداء، وعندئذ كان من المحتمل أن تمتدَّ يد الطغيان إلى اقتطاع هذه العبارة ورفعها، فُيحرّف القرآن، ولذا صُمِّمت الآية بشكل لا يجلب الانتباه، فالقارئ حينما يقرأ وقبل أن يلتفت إلى هذه التدقيقات التي شرحناها يظنُّ بأنّ هذا المقطع له علاقة بأكل الميتة وحرمة الدم والخنزير، وهذا الظنُّ يوجب الأمن من التحريف أو الإسقاط.
ويوجد شيء متعارف لدى الناس، وهو: أنّه لو كانت هناك
', '(1) إنّ القول بالتحريف ليس بصحيح عندنا، فنحن نقول بأنّ القرآن الكريم لم يُحرّف، وأنّ القرآن الكريم الموجود بأيدينا اليوم هو نفس القرآن الذي نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله).
', 74), (2619, 75, 'book', '
جوهرة ثمينة في البيت، فإنّهم لا يضعونها في مكان يجلب الانتباه لئلاّ تُسرق.
الثاني: دفع الارتداد، فلو أنّ هذا المقطع وضع في موضعه الطبيعي، لكانت هناك خشية الارتداد عن أصل الإسلام.
فالسياسة التي صُمِّمت على رفض مضمون هذه الآية المباركة لو عرفت أنّ هذه الآية وهذا المضمون هو صريح القرآن، فربما ترفع يدها عن أصل القرآن بالنكتة التي دعتها لرفع يدها عن هذا المضمون، فحفاظاً على أصل الإسلام جعل هذا المقطع هنا بشكل لا يلفت الانتباه في أوّل وهلة، وهذه هي عين النكتة التي من أجلها امتنع رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن كتابة ما أراد أن يكتب ـ وهو محتضر ـ حينما قال: «ائتوني بدواة وكَتف»(1)؛ إذ إنّه(صلى الله عليه وآله) لمّا رأى الأصحاب قد اختلفوا وتعارضوا في الموضوع، عرف أنّ هذا الأمر لن يُطاع، وأ نّ كتابته بشكل صريح على ورقة من المحتمل أن تؤدِّي إلى ترك أصل الإسلام، ولهذا امتنع الرسول(صلى الله عليه وآله) عنها.
وأقول هنا كلاماً عامّاً يشمل هذا وغيره: إنّ الوحي حينما كان ينزل على الرسول(صلى الله عليه وآله) فإنّه كان ينزل بما يفهمه الرسول(صلى الله عليه وآله)، وهذا ممّا لاشكّ فيه، أمّا بالنسبة إلينا، فلم يكن الأمر هكذا، ولم يكن الوحي ينزل دائماً بالآيات الواضحات بحيث يمكننا أن نفهمها؛ إذ لم يكن ينزل بالآيات المحكمات؛ إذ كان ينزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله)على مستويات عديدة، وهي:
', '(1) البحار 22: 468، الحديث 19.
', 75), (2619, 76, 'book', '
1 ـ مستوى الآيات المتشابهات، وهي التي فيها نوع من الغموض في التطبيق، فقد لا نعرف كيفيّة واُسلوب التطبيق، ولذا يجب أن يُشرح ذلك لنا من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله)أو من قبل خلفائه(عليهم السلام).
2 ـ مستوى الآيات المحكمات، وهي التي نفهمها بوضوح حينما تقرأ علينا.
3 ـ مستوى الحروف من قبيل: « ك هـ ي ع ص » أو « أ ل م »إلى آخره، وهي عبارة عن رموز بين الله ورسوله(صلى الله عليه وآله)، أمّا نحن فلا نفهم شيئاً منها أصلاً، بل لعلّ الوسيط الذي كان ينزل بها على الرسول(صلى الله عليه وآله)، لم يكن يفهمها هو أيضاً.
4 ـ ما يكون من قبيل هذه الآية المباركة: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ...﴾، حيث يقحم مقطع ما في مكان غير مكانه الأصلي لمصلحة ما ولنكتة معيّنة.
ولئن ناقش أحدٌ في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾، وأخذ يعاند ويقول بأنّ هذا المقطع لا علاقة له بقصّة الغدير والخلافة؛ لأنّ سياق الآية المباركة التي ورد فيها هذا المقطع لا يساعد على هذا الحمل؛ إذ إنّ هذا المقطع وارد ضمن آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اُهلَّ لغير الله به وما شابه، فعندئذ لدينا آية اُخرى وهي أصرح من هذه الآية، وأصرحيّتها من ناحية أنّها لم تقحم ضمن سياق من هذا القبيل، فتكون واضحة الدلالة على المضمون، فلا يتمّ النقاش فيها حتّى بلحاظ السياق، وإلاّ فإنّهما لا تختلفان، وهي آية التبليغ.
', '', 76), (2619, 77, 'book', 'الآية الثانية: قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾(1). وهي صريحة في أنّ الموضوع الذي تشير إليه هو سنخ موضوع له هذه المعالم:
1 ـ إنّه سنخ موضوع يصرُّ الله سبحانه وتعالى على إبلاغه؛ إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾.
2 ـ إنّه سنخ موضوع بحيث لو لم يبلّغ فكأنَّ الرسول(صلى الله عليه وآله) لم يبلّغ الرسالة أصلاً، وهذا يعني أنّ إسقاط هذا الموضوع هو إسقاط للصلاة والصوم والحجّ وكلّ الإسلام؛ إذ قال تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.
3 ـ إنّه سنخ موضوع بحيث إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يخشى الناس في تبليغه، فكان يخشى أن يؤذوه ويخالفوه ويعارضوه؛ إذ قال تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فهذا دليل على أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يستثقل إبلاغ هذا الأمر خوفاً وخشيةً من الناس، ولهذا فإنّ الله تعالى يُطَمئِنه ويقول له: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
فما هو ذلك الموضوع الذي أشارت إليه تلك الآية الكريمة، والذي يتّصف بهذه المواصفات الثلاث؟
التأريخ لم يحدِّثنا بشيء يمكن أن تكون به هذه المواصفات الثلاث إلاّ مسألة تعيين من يخلف رسول الله(صلى الله عليه وآله).
', '
(1) سورة المائدة، الآية: 67.
', 77), (2619, 78, 'book', '
', '', 78), (2619, 79, 'book', 'الفصل الثالث
العصمـة
* معنى العصمة.
* منشأ العصمة.
* بعض الأدلّة على عصمة الأئمّة (عليهم السلام).
* معنى ذنوب الأنبياء (عليهم السلام).
', '', 79), (2619, 80, 'book', ' ', '', 80), (2619, 81, 'book', 'معنى العصمة
إنّ العصمة هي وصف من أوصاف الإمام في نظر الشيعة.
وقد يقال: إنّنا لا نفهم معنىً معقولاً لكلمة (العصمة)؛ لأنّ العصمة يدور أمرها بين الجبر من ناحية، وبين مفهوم العدالة من ناحية اُخرى، أي أنّ العصمة لو كانت تعني: استحالة صدور المعصية عن المعصوم، لكان هذا هو الجبر بعينه؛ إذ إنّه لا يستطيع أن يعصي، وعندئذ تفقد العصمة قيمتها. وإن كانت العصمة تعني: أنّ المعصوم واجد لحالة نفسانيّة تمنعه من المعصية، فإنّ هذا يساوق معنى العدالة؛ إذ إنّ العدالة هي: الملكة التي تردع عن المعصية، فلا شيء إذن وراء العدالة يسمّى بــ ( العصمة ).
وهنا لابدّ من إيضاح المعنى المقصود من العصمة.
إنّنا لا نؤمن بأنّ المعصوم يستحيل عليه الذنب؛ لأنّنا لا نؤمن بالجبر؛ إذ لا تصبح هناك منقبة للمعصوم؛ لأنّه سوف يصبح كالجماد وغيره من الأشياء التي لا تستطيع أن تعصي.
فهذا المفهوم مرفوض من قبلنا نحن، ونقول: إنّ عمل المعاصي
', '', 81), (2619, 82, 'book', 'عمل اختياري لكلِّ الناس بما فيهم المعصوم، فهو مثلنا تماماً، وكما أنّنا نترك المعصية باختيارنا كذلك المعصوم يترك المعصية بمحض اختياره، فهي شبيهة بالعدالة، ولكن العدالة تختلف عن العصمة، فصحيح أنّ العدالة مَلَكة أو حالة نفسانيّة رادعة عن المعصية، غير أنّها ذات مستوىً من القوّة بحيث تستطيع أن تردع عن المغريات الاعتياديّة التي يبتلى بها الإنسان، أمّا لو فرضنا أنّ المغريات قد ضوعفت آلاف المرّات، فإنّ هذا الإنسان العادل قد يزل عندئذ وينهار أمام هذه المغريات، وعندئذ يفقد هذا العادل عدالته، ويحتاج مرّة اُخرى إلى تحصيل الملكة، وإذا كانت الملكة موجودةً، فإنّ التوبة ـ كما قالوا ـ تكفي لرجوع العدالة.
وأمّا العصمة فهي عبارة عن تلك المناعة النفسيّة التي لو قوبلت بكلّ ما يتصور من مغريات العالم ـ من أوّله إلى آخره ـ في نقطة معيّنة وقوبلت بالمناعة النفسيّة الموجودة في نفس الإنسان المعصوم، لتغلَّبت تلك المناعة على كلِّ هذه المغريات، وسنخ ملكة من هذاالمستوى هو الذي نسمّيه بــ ( العصمة ). فالعصمة إذن تختلف عن العدالة، كما أنّ المسألة ليست مسألة جبر.
', '', 82), (2619, 83, 'book', 'مَنشـأ العصمة
هل العصمة من الله تعالى، أو هي صفة اكتسابيّة؟
والجواب: أنّ العصمة من الله تبارك وتعالى، ولكن ليس بالمعنى الذي يؤدّي إلى الجبر، وإنّما بمعنى أنّ شفّافيّة نفس المعصوم وطيبتها من الله تعالى.
ولتوضيح هذا نقول: هل تكون الطاعة والمعصية أساساً منّا، أو تكونان من الله تعالى؟ وهل نحن الذين نطيع ونعصي، أو أنّ الهدى والضلال من الله تعالى؟
إنّنا نرى أنّ هناك لهجتين ولسانين، بل اُسلوبين موجودين في الكتاب والسنّة، فهل هما متعارضان ومتناقضان؟
فهناك آيات صريحة في أنّ الهداية والضلال منّا، وأنّنا لم نُجبر على الهداية أو على الضلال من قبل الله تعالى:
فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾(1).
وقال تعالى أيضاً: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾(2).
وغيرهما من الآيات والروايات الدالّة على أنّنا نضلّ أو نهتدي بمحض اختيارنا.
وهناك آيات دالّة على أنّ الهداية والضلال من الله سبحانه:
', '(1) سورة الدهر، الآية: 3.
(2) سورة البلد، الآية: 10.
', 83), (2619, 84, 'book', '
فقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾(1).
وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الْفَاسِقِينَ﴾(2).
وقال تعالى: ﴿اللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم﴾(3).
وقال تعالى: ﴿قُل لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم﴾(4).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾(5).
وأمثال هذه الآيات كثير.
وهذا التعارض الظاهر بين هذين اللسانين لا يعني أنّ الله سبحانه قد ناقض نفسه في القرآن الكريم، فتارةً يقول: إنّكم تهتدون وتضلّون بمحض اختياركم، واُخرى يقول: أنا الذي أهدي وأنا الذي اُضلّ؛ إذ لا تناقض بين هاتين اللهجتين، ولا تنافي بين التعبيرين، وما علينا إلاّ أن ندقّق في النصوص الإلهيّة الواردة في القرآن، ونراجع الأخبار الواردة عن المعصومين(عليهم السلام)؛ لكي نتعرّف على لهجتها ويتّضح معنى أنّ الله هو الذي يهدي وهو الذي يُضلّ.
فهناك نصوص صريحة في أنّ القدرة والاختيار بيد الإنسان،
', '(1) سورة القصص، الآية: 56.
(2) سورة البقرة، الآية: 26.
(3) سورة البقرة، الآية: 213.
(4) سورة البقرة، الآية: 142.
(5) سورة الرعد، الآية: 27.
', 84), (2619, 85, 'book', '
وهذا ما نحسُّ به بوجداننا وبفطرتنا، فعندما نعمل عملاً إنّما نعمله بقدرتنا واختيارنا.
ولكن مع هذا يصحّ أن نقول: إنّ الله هو الهادي وهو المضلّ؛ وذلك لأنّ الهداية والضلال تعود إلى صفات نفسيّة قد خلقها الله تعالى مع النفس، كما ورد ذلك في الروايات، فعندما يرد خبر بأنّ: « الشقيّ من شقي في بطن اُمّه والسعيد من سعد في بطن اُمّه »(1) فإنّ هذا لا يعارض الاختيار؛ إذ إنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاء بمحض اختياره، ولكنّ طينة الشقاء كانت موجودة معه في نفسه حين خلقت، وهو الذي يختار السعادة بمحض اختياره، ولكنّ طينة السعادة أيضاً كانت موجودة في نفسه حين خلقها الله تعالى.
فمعنى أنّ الله يهدي ويُضلّ إذن هو: أنّ مناشئ الهداية والضلال هي من عند الله تعالى؛ إذ إنّه سبحانه قد خلقها في نفس الإنسان منذ أن خلقه، وهذا لا يعني خروج الاختيار من يد الإنسان، بل يبقى قادراً على مخالفة الحالة النفسيّة التي عنده.
ولا نريد الدخول في البحث الكلامي الموجود بشأن أنّ هذا هل هو ظلم من الله تبارك وتعالى؛ لأنّه يجعل الشقيّ شقيّاً والسعيد سعيداً، أو يجعل الغلبة في بعض الناس لفطرة الشرّ، ولبعض الناس لفطرة الخير؟
لا نريد الدخول في هذا البحث ـ فإنّه أجنبيّ عمّا نحن فيه ـ كي
', '(1) البحار 5: 9، الحديث 13.
', 85), (2619, 86, 'book', '
ندخل في جوابه الفلسفي الذي يقول: ما خلق الله المشمشة مشمشة، بل أوجدها، والله تعالى أوجد هذه النفس بما لها من صفات، ولم يخلق صفةً إضافيّةً ما إلى النفس، لتقودها إلى الخير أو الشرّ، ليُقال: إنّ هذا ظلم.
ولكن الذي نريد أن نقوله هو أنّه: على الرغم من أنّ أصل الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي فطرة التوحيد، فإنّ بذور الضلال موجودة من أوّل الأمر في كلّ إنسان، وتكون الغلبة أحياناً لهذه وأحياناً لتلك.
ولمّا كان الله سبحانه هو الذي أوجد مناشئ الهداية والضلال في نفس الإنسان، فإنّه يصحّ إسناد الهداية والضلال إليه تعالى، وبالشكل الذي لا ينافي الاختيار والقدرة في النفس، فيصحّ أن نقول: إنّه تعالى يهدي ويُضلّ، وذلك باعتباره خالقاً لبذور الهداية والضلال في نفس الإنسان.
وعلى أساس نفس هذا المعنى نفهم ونفسِّر العصمة، فنقول بأنّها من الله تعالى بمعنى أنّه هو الذي خلق نفساً شفّافةً روحانيّةً طيّبةً إلى هذا المستوى من الطيب، بحيث لو جُوبِهَ صاحبها بكلّ مغريات العالم مجتمعة، فإنّه لن يتورّط أبداً في أيّ معصية.
', '', 86), (2619, 87, 'book', 'بعض الأدلّة على عصمة الأئمّة (عليهم السلام)
آيتا التطهير ولا ينال عهدي الظالمين:
هناك في القرآن الكريم آيتان واضحتا الدلالة على العصمة:
إحداهما تختصّ بأهل البيت(عليهم السلام)، والاُخرى لا تختصّ بهم، وإنّما تُعطي عنواناً عامّاً وهو عنوان عصمة الإمام، فتُثبِت الآية إذن عصمة كلِّ من كان إماماً، حتّى الأنبياء الذين كانوا أئمّةً كرسولنا(صلى الله عليه وآله)، وكإبراهيم، وكاُولي العزم إطلاقاً، وغيرهم.
أمّا الآية الاُولى الواضحة الدلالة على العصمة والمختصّة بأهل البيت(عليهم السلام)، فهي آية التطهير، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾(1).
فهذه الآية المباركة تدلّ على العصمة؛ وذلك لأنّ الله تبارك وتعالى قد أراد أن يُذهب الرجس عن أهل البيت بأن يكونوا مطهَّرين.
ولمّا كانت إرادة الله سبحانه لا تنفكّ عن مراده سبحانه، فإنّ ما أراد الله تعالى ـ وهو تطهير أهل البيت(عليهم السلام) ـ واقع لا محالة، فيكونون معصومين إذن، ولا نقصد بالعصمة إلاّ هذا.
والنقاش الوارد على الاستدلال بهذه الآية المباركة يكون على
', '(1) سورة الأحزاب، الآية: 33.
', 87), (2619, 88, 'book', '
مستويين: مستوى الدلالة، ومستوى السياق.
أمّا النقاش على مستوى الدلالة، فيقال: إنّ الله سبحانه عندما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...﴾ فإنّه:
أ ـ إمّا أن يقصد الإرادة التشريعيّة، فلا تدلّ الآية عندئذ على العصمة، ولا تكون هذه الإرادة خاصّةً بشأن أهل البيت(عليهم السلام).
ب ـ وإمّا أن يقصد الإرادة التكوينيّة، وعندئذ تدلّ على أنّهم مجبورون على العصمة، فلا فضل لهم بها ولا ميزة.
ولتوضيح هذا الأمر نقول: إنّ علماءنا الأبرار ـ رضوان الله عليهم ـ قسّموا الإرادة إلى قسمين:
1 ـ الإرادة التشريعيّة: ويعنون بها ما يريده الله تبارك وتعالى من تشريعات وأحكام، فهي إرادة راجعة إلى التشريعات والأحكام، فتحريم الخمر والميسر وإيجاب الصلاة والزكاة ـ مثلاً ـ يعني أنّ الله قد أراد من الخلق أن يتركوا الخمر والميسر، وأن يقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة، وهذا النوع من الإرادة يسمّى بــ ( الإرادة التشريعيّة )، أي: أنّه تعالى قد أراد منّا بتشريعاته وأحكامه وقوانينه ونظمه أن نترُك الخمر والميسر، ونُقيم الصلاة ونُؤتي الزكاة.
2 ـ الإرادة التكوينيّة: وهي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(1)، فقد أراد الله تعالى أن يخلُقنا فخُلقنا، وأراد أن يخلُق الأرض والسماء فخُلقتا، وقال
', '(1) سورة يس، الآية: 82.
', 88), (2619, 89, 'book', '
العلماء: إنّ إرادة الله التكوينيّة لا تتخلّف عن المراد، أي: أنّ الله تعالى حينما يُريد أن يخلُق شيئاً فإنّه يُخلق بمجرّد إرادته تعالى لخلقه.
وأمّا الإرادة التشريعيّة، فتتخلّف عن المراد، أي: أنّ إرادة الله تعالى الكامنة في الأحكام والتشريعات تتخلّف عن مراده، فقد أراد الله منهم أن يُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة و...، ولكنّ الكثير منهم لا يُصلِّي ولا يُؤدِّي، وأراد الله منهم أنّ لا يشربوا الخمر ولا يُقامروا، بينما نرى أنّ هناك من يشرب أو يُقامر، وهذا هو معنى تخلّف الإرادة التشريعيّة عن المراد.
وهنا نقول: إنّ الله سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ هل كان يقصد الإرادة التشريعيّة أو الإرادة التكوينيّة؟ فإن كان يقصد بها الإرادة التشريعيّة، فإنّ الآية إذن لا تدلّ على العصمة أوّلاً، ولا تكون مختصّة بأهل البيت (عليهم السلام) ثانياً. أمّا أنّها لا تدلّ على العصمة، فلأنّ الإرادة التشريعيّة ـ كما قلنا ـ قد تنفكّ وتتخلّف عن المراد، فلا تكون مطابقة للمراد دائماً، فلا تثبت العصمة. وأمّا إن كان المقصود بها هو الإرادة التكوينيّة من قبيل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فإنّ هذه الإرادة لا تتخلّف عن المراد، فإذا كانت إرادة الله التكوينيّة قد تعلّقت بطهارة أهل البيت(عليهم السلام) وابتعادهم عن الرجس، فإنّ هذا يعني: أنّهم المبتعدون عن الرجس حتماً، وأنّهم مطهّرون حتماً؛ إذ لا يمكن أن تتخلّف إرادة الله التكوينيّة عن المراد، إلاّ أنّ هذا هو
', '', 89), (2619, 90, 'book', 'الجبر بعينه، ويعني: أنّ أهل البيت مجبورون على الطهارة وعن الابتعاد عن الرجس؛ لأنّ الله أراد لهم إرادة تكوينيّة، وما أراده الله إرادة تكوينيّة فإنّه كائن حتماً، وبذلك نرجع إلى الجبر مرّةً اُخرى. وهذا معناه: أنّ عصمة أهل البيت إذن ليست شرفاً أو مدحاً لهم؛ لأنّ العصمة لم تكن باختيارهم، وإنّما كانت بإرادة الله تعالى كإرادته للبشر أن يكونوا بشراً وإرادته للحجر أن يكون حجراً. هذا هو الإشكال الكامن في الاستدلال بهذه الآية المباركة.
وقد كان اُستاذنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله تعالى عليه ـ يُجيب عن هذا الإشكال قائلاً بأنّ هناك إرادة ليست تكوينيّة ولا تشريعيّة، وإنّما هي قسم ثالث من الإرادة من سنخ ما يقول المعلّم لطلاّبه: اُريدكم أن تكونوا علماء، واُريد أن أصنع منكم علماء أو فقهاء مثلاً، فهذه الإرادة ليست تكوينيّة ولا تشريعيّة ومجرّد أمر ونهي تشريعيّين بأن يأمرهم أن يكونوا علماء، وإنّما تعني أنّ هذا المعلّم يُريد أن يُهيّئ ما بيده من المقدّمات التي ستؤدّي بهؤلاء الطلاّب إلى أن يتخرّجوا أو يُصبحوا علماء، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا يكون بمحض اختيارهم وليس بالجبر، فالمعلّم يُلقي على طلاّبه الدروس الدقيقة ويوفّر مناخ الدرس والفهم لهم، فيُصبحون بذلك علماء، وسوف تكون إرادة المعلّم هذا مطابقة للواقع حينما يكون قادراً على توفير كلّ المقدّمات لطلاّبه، فيصبحون علماء فعلاً. ويرى(قدس سره) أنّ هذه الإرادة لم تكن تشريعيّة بحتاً، ولم تكن تكوينيّة بمعنى ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وإنّما هي إرادة بمعنى أنّه أراد أن
', '', 90), (2619, 91, 'book', 'يُحقّق المقدّمات التي تنتهي إلى النتيجة، وهي: أنّ هؤلاء الطلاّب يصبحون علماء، ولكن هذه النتيجة تنتهي بمحض اختيار الطلاّب وقدراتهم وبإرادتهم. والآية الشريفة السابقة الذكر هي من هذا القبيل، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني: أنّ الله تبارك وتعالى أراد أن يوفّر كلّ المقدّمات الدخيلة في صيرورة أهل البيت(عليهم السلام) طاهرين وبعيدين عن الرجس، ولم تكن مجرّد إرادة تشريعيّة ولا هي تكوينيّة من قبيل ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولمّا كان الله تعالى قادراً على تهيئة كلّ المقدّمات الدخيلة في العصمة، وهو يُريد تهيئة تلك المقدّمات إرادة تكوينيّة، فإنّ هذه المقدّمات لا تتخلّف عن مراده، فتتحقّق حتماً، وبذلك يصبح أهل البيت(عليهم السلام)طاهرين مُطهّرين ومُبتعدين عن الرجس بمحض إرادتهم واختيارهم. فالآية الشريفة إذن تدلّ على عصمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وكان ذلك بمحض اختيارهم.
وقد يُستشهد لما أفاده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ـ من أنّ الإرادة هنا ليست تشريعيّة ولا تكوينيّة، بل هي بالمعنى الثالث الذي شرحناه ـ بأنّه لو اُريدت بها الإرادة التكوينيّة، لزم الجبر وهو باطل، ولو اُريدت بها الإرادة التشريعيّة، كان المناسب أن يقال: يريد الله أن تبتعدوا عن الرجس وتتطهّروا، لا أن يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ ذلك لأنّه في باب الإرادة التشريعيّة يُسند الفعل إلى العبد والإرادة إلى الله، فيقال: يريد الله لعباده أن يُصلّوا، ولا يقال: يريد الله لنا أن يجعلنا مصلّين.
', '', 91), (2619, 92, 'book', 'وبالإمكان تثبيت الإرادة التكوينيّة في المقام، ولكن لا بمعنى جبرهم على ترك المعصية، بل بمعنى ما مضت الإشارة إليه، وهو إعطاؤهم نفساً شفّافةً وروحانيّةً طيّبةً إلى مستوى لو جُوبه صاحبها بكلّ مغريات العالم مجتمعة، فإنّه لن يتورّط أبداً في أيّ معصية، فالإرادة التكوينيّة تعلّقت بهذه الشفّافيّة والطيب، لا بترك المعصية مباشرةً، حتّى يلزم الجبر.
وأمّا النقاش على مستوى السياق، فيقال: إنّ هذه الآية المباركة ( آية التطهير ) قد وردت ضمن آيات نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فيدلّ سياقها على أنّ لآية التطهير علاقة بهنّ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاَِّزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾(1).
', '(1) سورة الأحزاب، الآية: 28 ـ 34.
', 92), (2619, 93, 'book', '
إنّ هذا المقطع ( آية التطهير ) لا يختصّ بنساء النبيّ على الرغم من اختصاص باقي المقاطع بهنَّ؛ إذ لو كان مخصوصاً بنساء النبيّ لقال: « إنّما يُريد الله ليُذهب عنكنَّ » شأنه شأن باقي المقاطع، حيث قال: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، ﴿قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ﴾، فهذا المقطع إذن غير مخصوص بنساء النبيّ حتماً، ولكن هل له علاقة بهنَّ، أو أنّه أجنبيّ عنهنَّ ولا علاقة له بهنَّ أصلاً، وإنّما له علاقه بأمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم؟
وهنا نلحظ تلك النقطتين اللتين أشرنا إليهما سابقاً في بحث قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فكلتا النقطتين موجودتان هنا، وهما:
1 ـ حينما نقتطع هذا المقطع: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ من المقاطع الواردة بشأن نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) نرى أنّ الصدر والذيل ملتئمان تمام الالتئام وكأنّما هذا المقطع كان جملة معترضة في الأثناء، ولنحذف الآن هذا المقطع ( آية التطهير ) ونقرأ هكذا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾، فنرى هذا الكلام متّسقاً تمام الاتّساق ومنسجماً تمام الانسجام، وكأنّه لم يُحذف أيّ شيء، وهذا يعني أنّ هذا المقطع ـ أي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ...﴾ ـ كأنّه اُقحم هنا إقحاماً.
2 ـ إنّ هذا المقطع ( آية التطهير ) نراه غير مناسب للمورد؛ إذ إنّه
', '', 93), (2619, 94, 'book', 'ـ كما شرحنا ـ يدلّ على العصمة، فلو كان هذا المقطع خاصّاً بنساء النبيّ، أو كان منطبقاً على نساء النبيّ وشاملاً لهنَّ، لدلّ على عصمتهنّ، بينما هذه الآية المباركة الواردة بشأنهنَّ تنافي عصمتهنَّ؛ لأنّ الآية تقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاَِّزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾، فهي تقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾، ولو كنَّ معصومات لكان المفروض أن لا تقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾. فهذا التخصيص: ﴿أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾إشارة إلى أنّ هؤلاء النساء كسائر نساء العالم فيهنَّ مُحسنات وفيهنَّ مُسيئات، إذن الآية واضحة في عدم عصمة نساء النبيّ، وعليه فإنّ المقطع الذي يدلّ على العصمة لا يناسب سياق الآيات ومضمونها، فليس له علاقة إذن بنساء النبيّ.
ولا يخفى أنّ الكلام الذي قلناه سابقاً حول أسباب إقحام آية: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ...﴾ يأتي نفسه هنا أيضاً، فهذا المقطع لعلّه جُعل هنا حذراً من الارتداد وحذراً من تحريف القرآن الكريم؛ إذ لو كان مستقلاًّ وواضحاً وصارخاً في أنّه وارد في أئمّة أهل البيت ـ سلام الله عليهم ـ فإنّ هذا لعلّه يُؤدّي إلى ارتداد بعض المسلمين، أو يؤدّي إلى تحريف القرآن، ولكنّه عندما جُعل هنا واُقحم ضمن هذه الآيات فقد سلم من التحريف وسلم عن الحذف.
هذا إضافةً إلى أنّ الروايات الواردة بشأن تفسير هذه الآية
', '', 94), (2619, 95, 'book', 'المباركة ( آية التطهير ) يبدو منها أنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) أراد أن يُوضِّح للاُمّة أنّ هذا المقطع لا علاقة له بنسائه، وإنّما له علاقة بعليِّ وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام).
ولا نريد أن نورد هنا الروايات الواردة بأسانيد الشيعة؛ لأنّ اتجاهها واضح ولا غبار عليه، وإنّما نُريد أن نُورد روايةً من الروايات الكثيرة الواردة بهذا الصدد عن طريق السنّة.
فقد جاء في رواية رويت بعدّة طرق عن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أنّ اُمّ سلمة ـ رضوان الله عليها ـ قالت: إنّ «النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في بيتها، فأتت فاطمة ( دخلت البيت ) ببرمة ( أي: بيدها برمة، والبرمة تُفسّر بقدر من حجر ) فيها حريرةٌ ( وفُسّرت بعدّة تفاسير وقيل المرق الذي فيه اللحم، أمّا إذا لم يكن فيه لحم، فيُسمّى عصيدة )، فدخلت بها عليه، قال: ادعي لي زوجك وابنيك. قالت: فجاء عليّ وحسن وحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو وهم على منامة له ولي وكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة اُصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...﴾، قالت: فأخذ فضل الكساء وكساهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء وقال: هؤلاء أهل بيتي وحامّتي اللهمّ فأذهب عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت وقلت: وأنا معكم يا رسول الله. قال: إنّك لعلى خير لعلى خير»(1)، فأخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
', '(1) البحار 35: 220، الحديث 27.
', 95), (2619, 96, 'book', '
بفضلة إزاره ( الكساء الخيبري ) فغشّاهم إيّاها، أي: أنّه(صلى الله عليه وآله) جعل كلاًّ من أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ضمن الكساء، ثُمّ أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ثُمّ قال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. كأنّما كان الهدف أن يتعيّن أهل البيت في هؤلاء. قالت اُمّ سلمة: فأدخلت رأسي في الستر فقلت: يا رسول الله وأنا معكم؟ فقال: إنّك على خير ( مرّتين )، كي يُعرف أنّ هذا المقطع لا علاقة له بنساء النبيّ حتّى النساء الصالحات من قبيل اُمّ سلمة رضوان الله عليها.
وهناك رواية اُخرى وردت من طريق السنّة أيضاً عن ابن عباس قال: شهدتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب عليّ بن أبي طالب عند كلّ صلاة فيقول: « السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾... »(1).
هذه الآية من آيتين قلنا بأنّهما واضحتا الدلالة على العصمة، وكانت خاصّة بأهل البيت سلام الله عليهم.
وأمّا الآية الثانية التي تُعطي المبدأ العامّ للعصمة لكلّ من نال مقام الإمامة، فهي قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي
', '(1) معالم المدرستين 1: 274 نقلاً عن الدرّ المنثور، وكذلك القرآن الكريم وروايات المدرستين 1: 223 نقلاً عن الدرّ المنثور.
', 96), (2619, 97, 'book', '
الظَّالِمِينَ﴾(1). و( الظالم ) في لغة الشريعة: هو كلّ من يعصي الله. و( العهد ) هنا: الإمامة، بقرينة قوله تعالى في نفس الآية: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾، ومعنى الآية المباركة: أنّ الله تعالى لا يعهد بالإمامة أبداً إلى أحد من العاصين. فكأنّ إبراهيم(عليه السلام) قد طلب من الله تعالى أن لا تكون هذه الهبة التي وهبها إيّاه خاصّة به، بل تثبت الإمامة في بعض ذرّيّته على الأقلّ: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، فقال الله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، يعني: أنّ في ذرّيّتك من يكون ظالماً وعاصياً لله، وعهد الإمامة لا يصل إلى من يعصي الله، لا يصل إلى الظالم. وهذا يدلّ على أنّ الإمامة لا تجتمع مع المعصية، فلابدّ من العصمة إذن.
والإشكال الذي يُذكر عادةً بالنسبة إلى هذه الآية المباركة هو: أنّ الآية دلّت على أنّ الظالم لا يكون إماماً، وهذا لا يُشكّ فيه، ولكن من الممكن أن نفترض بأنّ الإمامة يمكن أن تنال التائبين من المعاصي، فإذا كان هناك شخص ظالم ـ كأن يكون قد عبد صنماً ـ ثُمّ تاب وأسلم وخرج عن الظلم، فإنّه يصلح لأن يُصبح إماماً، فلا تثبت عندئذ العصمة التامّة للإمام بمعنى افتراض أنّ الإمام لابدّ أن يكون منذ أوّل يوم من حياته إلى آخر أيامه معصوماً من الزلل، وغاية ما تدلّ عليه هذه الآية هي: أنّ الإمام لابدّ أن يكون مبتعداً عن الظلم في زمن نيل الإمامة، أمّا أنّه يجب أن يكون غير ظالم حتّى قبل أن
', '(1) سورة البقرة، الآية: 124.
', 97), (2619, 98, 'book', '
يعهد إليه بالإمامة فلا، وقد قال علماء الاُصول: إنّ المشتقَّ ليس حقيقة فيما انقضى عنه المبدأ، وإنّما هو حقيقة في المتلبّس بالمبدأ ومجاز فيما انقضى عنه المبدأ. وعليه فإنّ هذه الآية المباركة لا تدلّ على ضرورة عصمة الإمام وطهارته ونقائه منذ أوّل يوم.
والذين درسوا علم الاُصول يعلمون أنّ هناك أبحاثاً مفصّلةً وعميقةً بهذا الصدد، ونحن لا نريد أن ندخل في تلك الأبحاث المفصّلة، وإنّما نشرح المطلب ونبيِّنه بمستوى ما يمكن بيانه في مثل هذا المقام.
فيقال في الجواب: إنّ أيّ إنسان إذا ظلم ( عصى ) فإنّه في ساعة المعصية ظالم حتماً؛ لأنّ المشتقَّ حقيقة في المتلبّس، وعندئذ فإنّ الآية تشمله؛ إذ تقول: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، ومعناها: أنّ عهدي لا ينال هذا الرجل، وهذا تعبير مطلق، ويعني أنّه لا ينال عهد الله أبداً، وحتّى بعد أن يتوب هذا الرجل.
ويعترض على هذا الجواب بأنّ الحكم إذا ربط بوصف فإنّ الظاهر عرفاً من هذا الربط هو أن يتزامن الوصف والحكم دائماً، فإذا قال: قلّد المجتهد العادل ـ مثلاً ـ فقد ربط التقليد بالاجتهاد وبالعدالة، وهذا يعني وجوب تزامن العدالة والاجتهاد مع حكم التقليد دائماً، بمعنى أنّه إذا سقطت العدالة بسبب الفسق، أو سقط الاجتهاد بسبب النسيان أو كِبر السنّ، لم يجز تقليده عند ذلك؛ إذ لابدّ من التزامن بين الحكم والوصف الذي رُبط به الحكم، وكذلك الحال في قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فإنّ عدم نيل العهد لابدّ أن يتزامن مع
', '', 98), (2619, 99, 'book', 'الظلم، فلو انتهى الظلم ينتهي قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي﴾، إذن قد ينال عهد الله، فيصبح إماماً.
وللجواب عن هذا الإشكال نقول: صحيح أنّ الحكم حينما يرتبط بوصف يكون ظاهراً في التزامن، ولكنّ هذه القاعدة ليست مطّردة ودائميّة، وإنّما هي متوقّفة على المناسبات الراجعة إلى الحكم والوصف، فالمناسبة ربّما تقتضي التزامن بين الوصف والحكم كالاجتهاد والتقليد؛ إذ إنّ عدم الاجتهاد يعني الجهل، فإذا سقط الاجتهاد من شخص، فإنّه يُصبح جاهلاً، وعندئذ لا يختلف عن بقيّة العوام ( الجهّال )، فكيف يصحّ لهم تقليده؟! إذ لا توجد في هذه الحالة مناسبة أو نكتة للتقليد. وربّما لا تقتضي المناسبة التزامن، فقد توجد هناك نكات وقرائن عُرفيّة تنفي هذا التزامن بين الوصف والحكم وتفصل بينهما، فيكون الحكم عندئذ أوسع امتداداً من الوصف، ومثاله العُرفي هو: أنّ الثوب إذا لاقى البول ـ مثلاً ـ فإنّه يتنجّس، وهذا لا يعني أنّه نجس ما دام ملاقياً للبول، وأنّه يطهر بمجرّد إبعاده عن البول، بل يعني أنّه نجس حتّى بعد إبعاده عن البول، ولا يطهر إلاّ بعد أن يتمّ غسله بالماء بالشكل والعدد المطلوبين، فنجاسة الثوب تصبح هنا غير مشروطة بالتزامن مع الملاقاة، بل إنّ الثوب يصبح نجساً حتّى إذا لاقى البول ولو لحظة واحدة، وسيبقى نجساً ما لم يطهر بالماء، فالمدار في التزامن وعدمه يرجع إلى المناسبة، فإذا رأينا كلاماً يربط بين حكم ووصف، يجب أن نلحظ المناسبات الراجعة إليهما؛ لنعرف أنّها تقتضي التزامن أم لا؟ وقوله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يربِط عهد الإمامة بترك
', '', 99), (2619, 100, 'book', 'الظلم، وهنا ترى أنّ عظمة شأن هذا العهد وعظمة شأن الإمامة تناسب أن يكون الحكم أوسع امتداداً من الوصف، فالإنسان إذا ظلم شمله قوله:﴿لاَ يَنَالُ﴾ حتماً، فلا ينال عهد الإمامة، ويبقى الحكم بعدم نيل العهد شاملاً له حتّى بعد أن يتوب وتزول صفة الظلم عنه، فلا يزول الحكم بزوال الوصف. والذي يدُلّنا على هذا: أنّ إبراهيمَ(عليه السلام) على عظمته وجلاله ونبوّته ورسالته وخلّته وإمامته ليس من المحتمل أنّه كان يرغب في أن يكون الظالمون أئمّة، وليس هناك أيّ احتمال في أنّ إبراهيم (عليه السلام) كان يتوقّع من الله تعالى أن يجعل ذرّيّته ـ بما فيهم شاربوا الخمر والزناة والعصاة ـ أئمّة؛ إذ إنّ إبراهيم أعلى وأجلّ من أن يتخيّل بأنّ الزناة والعصاة وشرّابي الخمور وعابدي الأوثان يمكن أن يُصبحوا أئمّةً على الرغم من استمرارهم في ارتكاب المعاصي، فالذي يمكن أن يفترض بشأن إبراهيم هو أنّه (عليه السلام) كان يتخيّل ويتصور بأنّ الذين عصوا وظلموا في وقت ما ثُمّ تابوا وأصلحوا يمكن أن يصبحوا أئمّة، فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. فالآية الشريفة إذن تدلّ بوضوح على عصمة كلِّ من ينال مقام الإمامة منذ اليوم الأوّل، ولابدّ وأن يكون الإمام معصوماً قَبل الإمامة وبعدها.
اعتباران عقليّان لإثبات العصمة:
وهناك اعتباران عقليّان يدلاّن على العصمة على اختلاف في مرتبة العصمة بين الاعتبارين:
أحد الاعتبارين هو: أنّ المفروض بالإمام أن يكون قائداً
', '', 100), (2619, 101, 'book', 'للمجتمع، وليس لمجتمع خاصّ دون مجتمع آخر، فليس قائداً لمنطقة معيّنة دون اُخرى، بل المفروض به أن يكون قائداً للمجتمع ككلّ ولا يقبل للمجتمع التجزئة في حكمه، وليس حال الإسلام حال النظم الوضعيّة التي تفترض التجزئة وتفترض حكومة هنا وحكومة هناك، فهذا لا يُقرّه الإسلام؛ لأنّه دين واحد والإله واحد، والسلطة واحدة، والدولة واحدة، والعالم كلّه يجب أن يكون تحت راية الإسلام، وعليه فلابدّ أن يكون إمام المسلمين من حيث سعة دائرة قيادته قائداً لكلّ المجتمع. هذا من حيث سعة قيادة الإمام اُفقيّاً. وأمّا من حيث سعة قيادته عموديّاً ـ أي بالنسبة إلى شمولها عمود الأزمنة ـ فإنّ قيادة الإمام ليست مخصوصة بزمان دون آخر كزمان حياته فحسب، مثل الفقيه الذي تكون ولايته مدّة حياته وتنتهي ولايته بانتهاء حياته، أمّا الإمام فليس كذلك بل إمام لجميع الأزمنة، وهو قدوة للناس واجب الطاعة فيما يأمر وينهى.
ولو لاحظنا قيادة الفقيه ـ وهي أضيق دائرةً من قيادة الإمام حيث قد تتحدّد الاُولى بمجتمع وزمان معينين بخلاف الثانية ـ لوجدناها مع ذلك مشروطة بالعدالة والتقوى والاستقامة، وبدون ذلك لا تتحقّق للفقيه ولاية شرعاً، ولا ينقاد الناس لها، ولا تؤثّر أوامره في نفوسهم، فتسقط قيادته من الناحية الفعليّة، فلو فقد العدالة، لا يستطيع أن يهدي الناس؛ إذ إنّ فاقد الشيء لا يعطيه، والفاسق لا يستطيع أن يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، فلن يقلّدوه، ولا يؤمنون بولايته، ولا يقتدون ولا يثقون به، فلا يقدر عندها على قيادة الناس، وكيف يُربِّي الناس من تنقُصه التربية الصالحة
', '', 101), (2619, 102, 'book', 'والاستقامة؟! وعندئذ ينتفي الغرض من ولايته، لذا كانت ولاية الفقيه مشروطة بالعدالة لا بالعصمة؛ لأنّ العصمة ليست شرطاً في القيادات الضيّقة مساحةً والقصيرة زمناً، وأمّا القيادة الأوسع مساحةً والأطول زمناً ـ كما مضى شرحها ـ فإنّها بحاجة إلى شرط أرقى من العدالة وأعلى وهو العصمة؛ إذ إنّ الإمام نُصب من قبل الله تعالى ليكون هادياً للناس أجمعين إلى يوم القيامة، فإنّ مثل هذه القيادة العالميّة الطويلة المدى ـ التي يُراد لها أن ترتقيَ بالبشريّة إلى أرقى سلّم الكمال الروحي والمعنوي الممكن، أو إلى أعلى درجات الارتباط بالله المتعال لنيل رضوانه تبارك وتعالى ـ بحاجة إلى شرط أعلى من العدالة، فلا يكتب لها النجاح إلاّ بالعصمة، ولو أخطأ الإمام في عمره مرّةً واحدةً، فلن يثق به الناس، فلا يقتدون به، وعندها لا يكون لهم هادياً إلى يوم القيامة كما أراد الله تعالى. نعم، لئن كانت القيادة الضيّقة المُختصرة لا تتمّ إلاّ بالعدالة ـ التي هي منزلة أدنى من العصمة ـ فلا تصحّ للفاسق، فكيف بقيادة واسعة المدى زمناً ومساحة، إنّها لا يمكن أن يكتب لها النجاح إلاّ بالدرجة العليا من التقوى والاستقامة والتي تُسمّى بالعصمة.
هذا هو الاعتبار العقليّ الأوّل الدالّ على العصمة. وهناك دليل أو اعتبار عقليّ ثان يدلّ على العصمة، لكنّه يدلّ عليها في الجملة، أي: مدّة إمامته لا من أوّل حياته، فلا يدلّ على العصمة الكاملة حتّى بالنسبة إلى ما قبل الإمامة، فهذا الدليل كما يقال أخصّ من المدّعى؛ لأنّ المدّعى هو عصمته مدّة حياته كلّها حتّى قبل إمامته، وهذا
', '', 102), (2619, 103, 'book', 'الاعتبار العقليّ هو: أنّ الذي عُهد إليه الحكم من قبل الله تبارك وتعالى وارتبط بالله تعالى بعهد الإمامة ـ على حدّ تعبير القرآن الكريم: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ـ أي: جعله الله حاكماً وإماماً للمسلمين، يكون إنساناً احتلّ رتبةً إلهيّةً عظيمة، فهو ليس إنساناً اعتياديّاً؛ لذلك فإنّ هذا الإنسان لو صدر عنه أقلّ ذنب أو معصية من تلك الصغائر التي يغفرها الله تعالى للناس الاعتياديين: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾(1)، يصبح هذا الذنب الصغير من هذا الإنسان الكبير من أكبر الكبائر، والعقل يدرك هذا الفرق، فلو أنّ إنساناً اعتياديّاً ساذجاً بسيطاً لا يعرف أحكام الله تعالى ولا تربّى تربية إسلاميّة جيّدة عصى معصية صغيرة، فإنّه يُؤنَّب عليها وقد تُغفر له، بينما لو صدرت نفس المعصية الصغيرة عن فقيه كبير، أو مرجع دينيّ للناس يُقتدى به، فإنّها ستكون بالنسبة إليه من الكبائر التي لا تُغتفر، ولنفترض أنّ الذي فعل تلك الصغيرة ليس فقيهاً كبيراً وإنّما إمام كبير وعظيم، إمام للمسلمين بل للناس أجمعين، فستكون أصغر الصغائر بالنسبة إليه من أكبر الكبائر وعظائم الذنوب التي تدلّ على خبث عظيم، ومثل هذا لا نحتمل صدوره عن ذلك الإنسان الذي أخذ الله عليه عهد الإمامة، وارتبط مع الله ارتباطاً عهديّاً، ولا نحتمل من هذا الإنسان العظيم أن يُزلّه الشيطان فيُخطئ ولو خطأً يُعتبر بالنسبة إلى غيره اعتياديّاً وصغيراً.
', '(1) سورة النساء، الآية: 31.
', 103), (2619, 104, 'book', '
معنى ذنوب الأنبياء(عليهم السلام)
بعد أن أثبتنا عصمة الأئمّة(عليهم السلام) بالدليلين القرآنيّين، وكذلك بالدليلين الاعتباريّين ننتقل إلى الآيات المباركات التي يظهر منها نسبة صدور الذنب إلى الأنبياء سلام الله عليهم وبالأخصّ إلى الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) الذي لا شكّ أنّه نبيّ ورسول وإمام، فإنّ كلّ المقامات الثابتة لإبراهيم(عليه السلام) من النبوّة ثُمّ الرسالة ثُمّ الخلّة ثُمّ الإمامة وأكثر من ذلك وبشكل أكبر وأكمل وأعلى موجودة في رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومع ذلك ترى بعض آيات القرآن المباركة يظهر منها نسبة ذنب ما إليه(صلى الله عليه وآله)، فما نصنع بهذه الآيات، وكيف نُفسّر هذه الآيات ونُوفّق بينها وبين الآيات الاُخرى التي دلّت على العصمة كما أوضحنا؟ ولنستعرض أوّلاً بعض تلك الآيات التي يظهر منها نسبة الذنب إلى الأنبياء (عليهم السلام):
قوله تعالى يُخاطب رسول الله(صلى الله عليه وآله): ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾(1)، ومعنى ﴿اسْتَغْفِرْهُ﴾: اطلب منه المغفرة، وهذا يعني أنّ هناك ذنباً صدر عنه(صلى الله عليه وآله) وعليه أن يستغفر منه الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالاِْبْكَارِ﴾(2)، وهذا خطاب للنبيّ نصّاً، وهذه الآية
', '(1) سورة النصر، الآية: 3.
(2) سورة غافر، الآية: 55.
', 104), (2619, 105, 'book', '
صرّحت بنسبة الذنب إلى الرسول(صلى الله عليه وآله) وطلبت منه الاستغفار.
وآية ثالثة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾(1)، وهذا أيضاً خطاب موجّه للرسول(صلى الله عليه وآله)، وقد نَسب ذنباً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) كالآية السابقة صريحاً.
وآية اُخرى عن لسان النبيّ نوح(عليه السلام) يُخاطب الله عزّ وجلّ فيقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾(2)، و ﴿اغْفِرْ لِي﴾بمعنى أنّه لديه ذنب، لذا يطلب المغفرة من الله تعالى.
وآية خامسة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾(3)، وهي عن لسان إبراهيم(عليه السلام) الذي دلّت آية سابقة على أنّه أتمَّ الكلمات بمعنى أنّه لم يُخطئ ولم يعص، ومع ذلك دلّت هذه الآية على أنّه(عليه السلام) طلب المغفرة من ربّه جلّ وعلا.
والآية الأخيرة التي نذكرها هي عن لسان موسى(عليه السلام) وهو نبيّ من اُولي العزم: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾(4)، فكلمة ﴿اغْفِرْ لِي﴾ تدلّ على أنّ هناك ذنباً يطلب غفرانه من الله تبارك وتعالى.
أعتقد أنّ الجمع واضح جدّاً بين أدلّة العصمة ـ من آيات وأدلّة اعتباريّة عقلائيّة وقد مضى شرحها ـ وبين الآيات التي ظاهرها
', '(1) سورة محمّد، الآية: 19.
(2) سورة نوح، الآية: 28.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 41.
(4) سورة الأعراف، الآية: 151.
', 105), (2619, 106, 'book', '
نسبة الذنب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو إلى أنبياء عظام آخرين ـ كموسى أو إبراهيم(عليهما السلام) ـ وقد ذكرنا بعضها، وبهذا الجمع لا يبقى غموض بالنسبة إلى هذه الآيات التي تنسب الذنب إلى الأنبياء العظام إذا قسناها إلى تلك الآيات التي أثبتت العصمة للأنبياء(عليهم السلام)، وعلى الرغم من أنّ معناها بحسب ما أعتقد واضح لا غبار عليه لكن لا أستعجل بإعطاء النتيجة، أعني: لا أستعجل في تفسير هذه الآيات، بل نُلقي أوّلاً نظرةً سريعةً على حقيقة الذنوب الصادرة عن الأنبياء العظام والتي ذكرها القرآن الكريم، ونُدقّق شيئاً ما في تلك الذنوب، فما هو ذنب النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله)؟ وما هي ذنوب الأنبياء الآخرين(عليهم السلام)؟ وبعد ذلك ستعرف معنى هذه الآيات، وكيف أنّها تنسجم مع آيات العصمة.
فهناك في آيات القرآن الكريم ما يوضّح حقيقة بعض تلك الذنوب، ومنها قوله تعالى: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾(1)، هذا في القرآن الكريم اعتُبر ذنباً بحيث يُعاتب عليه الرسول(صلى الله عليه وآله)، ويقول: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ﴾، لماذا فعلت هذا العمل؟ فماذا صنع رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ كلّ ما صنعه هو أنّ اُناساً ـ على ما يظهر من الآية ـ جاؤوا إليه واعتذروا من الاشتراك في القتال، قالوا: نحن لدينا أعذار كذا وكذا، مثل أنّنا مرضى أو عندنا مشاكل عائليّة معيّنة...، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي هو اُذن خيرٌ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، يصدِّق كلام المسلم ويحمله على الصحّة،
', '(1) سورة التوبة، الآية: 43.
', 106), (2619, 107, 'book', '
صدّقهم فأذِن لهم، وقال لهم: أنتم معذورون، فالله تعالى يُعاتبه ويقول: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾، إذن ذنبه كان من هذا المستوى، هذا مَثل يلقي الضوء على حقيقة الذنوب التي ينسبها القرآن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)وباقي الأنبياء(عليهم السلام).
ومنها آيات اُخرى على أحد تفسيرين، وهي قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الاَْعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾(1)، ولهذه الآيات تفسيران: أحدهما يتبنّاه إخواننا أهل السنّة، والآخر يتبنّاه الشيعة على الأغلب، والتفسير الذي يتبنّاه الشيعة هو: أنّ الضمير لا يرجع إلى الرسول(صلى الله عليه وآله)، فقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الاَْعْمَى﴾ ليس له علاقة برسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإنّما الذي عبس هو شخص آخر، ففي بعض الروايات أنّه عثكن(2)، وأنّه كان حاضر المجلس حينما جاء هذا الأعمى، فعبس وتولّى وتأذّى، هكذا وردت الروايات في تفسير هذه الآيات، وعليه تخرج عن محلّ الشاهد، لذا فلنغضّ النظر عن هذا التفسير الذي لا علاقة له برسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولنفترض أنّ التفسير الآخر هو الصحيح، وهو أنّ الخطاب موجّه إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّ الله تعالى يُعاتب رسوله، لذا ورد في الخبر: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان إذا رأى ذلك الأعمى وهو ابن اُمّ مكتوم كان يقول له: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي»(3)، لنفترض
', '(1) سورة عبس، الآية: 1 ـ 4.
(2) تفسير القمّي 2: 404 ـ 405.
(3) البحار 17: 77.
', 107), (2619, 108, 'book', '
أ نّ هذا هو الصحيح، عندئذ فلنتأمّل شيئاً ما لنرى ما هو الذنب الذي صدر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فقد جاء في جملة من الروايات: أنّ عبدالله بن اُمّ مكتوم أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يُناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعبّاس بن عبد المطّلب واُبيّاً واُميّة ابني خلف ـ وهم صناديد العرب وكانوا مجتمعين عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ حيث كان يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، وفي تلك الأثناء جاء هذا الرجل ـ ابن اُمّ مكتوم وكان أعمى ولا يدري من كان عند رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وبمن كان الرسول(صلى الله عليه وآله) مشغولاً ـ فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، فجعل يناديه والرسول(صلى الله عليه وآله) كان مشغولاً بصناديد العرب يريد أن يهديهم، ويكرّر النداء ولا يدري أنّه مشتغل مقبل على غيره، حتّى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) لقطعه كلامه، وقال في نفسه: هؤلاء الصناديد سيقولون: إنّما أتباعه العميان والعبيد. فأعرض وأقبل على القوم الذين يُكلّمهم، فنزلت الآيات: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الاَْعْمَى...﴾. فلو كان هذا التفسير هو الصحيح، فما هو ذنب الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ لنلقِ نظرةً على طبيعة الذنب المنسوب إليه(صلى الله عليه وآله)، وهل حقّاً هو معصية يستحقّ العقاب عليها؟
كلاّ؛ فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أراد خيراً، أراد هداية جماعة من عَلِيّة القوم ورجا بذلك هداية ناس كثيرين فأعرض عن هذا الرجل. نعم، الله تعالى يُريد أن يُؤدّب رسوله ويُريد أن يجعله في أعلى مستوى من الخُلق، وقد رأى أنّ هذا المستوى لا يليق برسوله(صلى الله عليه وآله)،
', '', 108), (2619, 109, 'book', 'والمفروض أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله) في مستوى أعلى من هذا، فعاتبه فنزلت الآيات، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي، ويقول له: هل لك حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين.
وسواء أصحّ هذا التفسير أو ذاك التفسير، وسواء أكان الخطاب موجّهاً إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أو إلى شخص آخر هو عثكن أو غيره، هناك آيات اُخرى في القرآن الكريم تدُلّ على أنّ هذا الجوّ كان يعيشه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أي: أنّها تدلّ على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان مبتلى بهذه المشكلة؛ إذ إنّ الملتفّين حوله هم الفقراء والمساكين والمستضعفون، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يطمح في هداية الصناديد كبار القوم، وكان يُعاني من هذه المشكلة بحيث لو اتّجه نحو هؤلاء المساكين، فاُولئك يبتعدون عنه، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) يُريد أن يُقرّبهم إلى الإسلام، ولو اتّجه إلى اُولئك، فهؤلاء الفقراء يُظلمون؛ باعتبار أنّ هؤلاء المستضعفين هم المؤمنون حقّاً، فمن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْء فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْض لِّيَقُولواْ أَهـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾(1)، ولنلاحظ جوَّ الآية، إنّ هناك جماعةً يعتبرون أنفسهم الملأ والعَلِيّة من قومهم،
', '(1) سورة الأنعام، الآية: 52 ـ 53.
', 109), (2619, 110, 'book', '
وهناك جماعة اُخرى فقراء مستضعفون، هؤلاء المستضعفون كانواملتفّين حول رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والرسول(صلى الله عليه وآله) ربّما كان يخطر على نفسه الشريفة أن يُبعد المستضعفون قليلاً حتّى يُقرّب رؤساء القوم وكبارهم منه لعلّهم يهتدون، لكنَّ الله تعالى يقول: لا، هؤلاء الفقراء فتنة لاُولئك الملأ، دعهم يقولون: ﴿أَهـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾، دعهم يقولون هكذا، ﴿أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، الله لا ينظر إلى من هو الرئيس وزعيم القبيلة وزعيم العشيرة، فإنّ الرئيس والمرؤوس عنده تعالى سواء؛ لأنّهم جميعاً عبيده، الله ينظر إلى من هو الشاكر، والفقراء كانوا هم الشاكرين، إذن لا تطردهم يا رسول الله ﴿لاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
وآية ثالثة تُعطينا نفس الجوِّ، وتدلّ على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يُعاني من هذه المشكلة بين هؤلاء الفقراء وبين اُولئك الزعماء الذين كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يطمع في هدايتهم، والآية هي قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾(1)، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، يعني: اهتمّ بهؤلاء الفقراء الذين التفّوا حولك، ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، أي: لا تنظر إلى اُولئك الكبار الذين
', '(1) سورة الكهف، الآية: 28.
', 110), (2619, 111, 'book', '
يملكون أموالاً وقصوراً.
وأمّا قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فما معناه؟ هل يعني ذلك أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يُريد أن يستفيد فائدة شخصيّة من زينة الحياة الدنيا، وعندما يُعرض عليه مُلك الدنيا مع بقائه على منزلته من الله تعالى يقول: «دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً»(1)؟ هل يُريد أن ينتفع من زينة الحياة الدنيا لنفسه؟! طبعاً لا، إذن ما معنى قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟ معناه: أنّه كان يُريد أن يُقرّب هؤلاء المترفين لعلّهم يهتدون، فيأخذ منهم شيئاً من زينة الحياة الدنيا التي عندهم، ليُنفقها في مصالح الإسلام وتوسيع نطاق دائرة الدولة الإسلاميّة وتثبيت أركانها، هذا هو هدف رسول الله(صلى الله عليه وآله) وليس شيئاً آخر، ومع ذلك يقول له الله تعالى: ﴿اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...﴾.
وورد في تفسير هذه الآية المباركة: أنّ «المؤلّفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا: يا رسول الله، إن جلست في صدر المجلس ونحّيت عنّا هؤلاء ( يعنون: سلمان وأباذر وفقراء المسلمين ) وروائح صنانهم ـ وكانت عليهم جباب الصوف ـ جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك»(2). فأنزل الله تعالى هذه الآية المباركة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ
', '(1) البحار 42: 276.
(2) البحار 69: 2، الباب 94.
', 111), (2619, 112, 'book', '
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾(1).
وممّا سبق تبيّن أنّ الذنب الذي كان يصدر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، كان من هذا القبيل، وليس هو معصية من المعاصي، بل كان بحدّ ذاته خُلُقاً رفيعاً وعملاً صالحاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، إلاّ أنّه وفق قانون « حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين » كان الله تعالى يُريد أن يُؤدِّب رسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله)، لكي يكون أرفع خلقاً من هذا الخلق الرفيع الذي يُسمّيه ذنباً بالنسبة إليه(صلى الله عليه وآله).
وكذلك الحال بالنسبة إلى نبيّ الله يونس(عليه السلام)، فما هو ذنب يونس (عليه السلام) الذي يقول الله تعالى عنه في القرآن: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِن الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾(2)؟ هل كان ذنبه كبيراً إلى هذا الحدِّ بحيث لو لم يكن من المسبِّحين للبث في بطنه إلى يوم يُبعثون حتّى أنّ كثرة تسبيحه(عليه السلام) لم تُعفِه ولم تُنجِه إلاّ من العقاب الطويل، فعُوقب بأدنى من ذلك، فما هو ذنبه؟ وقد ذكر الله تعالى ذنبه بقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(3)، فمعنى قوله: ﴿ذَهَبَ مُغَاضِباً﴾ أنّه تأذّى من قومه الكفّار الذين تعب من أجلهم وأراد أن يهديهم، لكنّهم أصرّوا على كفرهم وشركهم ولم
', '(1) سورة الكهف، الآية: 28.
(2) سورة الصافات، الآية: 143 ـ 144.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 87.
', 112), (2619, 113, 'book', '
يعبدوا الله ربّهم، فتأذّى وغضب ودعا عليهم وخرج عنهم بعد أن علم بقرب نزول العذاب بقومه، وتقول الروايات: إنّ عالماً كان موجوداً لم يوافق يونس(عليه السلام) في دعائه على قومه. ومن الواضح أنّ الله عزّ وجلّ إن لم يكن يقبل هذا الأمر، فإنّه لا يستجيب له ولا يُهلك قوم يونس (عليه السلام)، فهذا الدعاء منه (عليه السلام) ليس معصية، ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بمعنى لن نُضيّق عليه، مثل: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾(1)، أي: فظنّ أن لن نُضيّق عليه، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، لاحظوا ما هو الظلم الصادر عن هذا النبيّ؟ الظلم الصادر عنه أنّه لم يكن أرحب صدراً ممّا كان عليه، فهو (عليه السلام)وإن صبر سنين لكن كان عليه أن يصبر أكثر، فهذا هو الذنب الصادر عنه(عليه السلام).
بعد ذلك يُصبح واضحاً جدّاً معنى الذنب الذي يُسند إلى الأنبياء (عليهم السلام)، فإنّه تعبير آخر عمّا يُقال من أنّ «حسنات الأبرار سيّـئات المقرّبين»، هذا هو ذنبهم، يعني ما يصدر عنهم ويُسمّى ذنباً ويستغفرون منه هو وإن كان حسناً في نفسه لكنّه خلاف الأولى بهم وبمقامهم العظيم، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: « إنّه ليغان على قلبي، وإنّي لأستغفر بالنهار سبعين مرّة »(2)، يعني هذه الحسنة التي تصدر عنه(صلى الله عليه وآله) بالنسبة إليه سيّئة؛ لأنّه من المقرّبين، وحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، هذا هو الذي نفهمه من الآيات المباركات.
', '(1) سورة الطلاق، الآية: 7.
(2) البحار 25: 204.
', 113), (2619, 114, 'book', '
ومن هذا النمط أيضاً قصّة داود(عليه السلام) قال الله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾(1).
فماذا كان ذنب داود الذي أوجب ظنّه بفتنة الله فاستغفر ربّه وخرّ راكعاً وأناب؟! قصّة داود وبكائه وتضرّعه معروفة ومذكورة في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْض فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ﴾(2).
وخلاصة القصّة: أنّ شخصين أو ملكين بصورة شخصين دخلا على داود(عليه السلام) وتظاهرا أنّهما خصمان بغى بعضهما على بعض، وطلبا منه أن يحكم بينهما بالحقّ ولا يشطط ويهديهما إلى سواء الصراط، فعرض أحدهما القصّة قائلاً: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾(3)، أي: أراد أن يأخذها منّي، فقال له داود(عليه السلام): ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾، ولكن كان ينبغي لداود وفق قانون القضاء أن يسمع دفاع الخصم أيضاً ثُمّ يُطالب المدّعي بالبيّنة، فإن لم تكن له بيّنة، فعليه أن يُطالب الخصم باليمين لو أنكر. فغفل عن هذا الأمر ووقع تحت تأثير المدّعي، فقال له: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾، ولعلّه لم يكن بقوله هذا يُريد
', '(1) سورة ص، الآية: 24 ـ 25.
(2) سورة ص، الآية: 21 ـ 22.
(3) سورة ص، الآية: 23.
', 114), (2619, 115, 'book', '
القضاء بينهما، بل قال بعنوان تقييم الوضع: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾(1)، قال ذلك قبل أن يُجري الحكم القضائي، ثُمّ التفت داود إلى خطئه كما قال الله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، انتبه داود(عليه السلام) إلى قوله: ﴿ظَلَمَكَ﴾ الذي لم يكن في محلّه بل سابق لأوانه، وكان عليه أن يُطالب بالبيّنة ويُجري أحكام القضاء، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب﴾.
فعندما نقرأ هذا النمط من الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن صدور أخطاء عن الأنبياء(عليهم السلام) ونتفحّص تلك الأخطاء نرى أنّها ليست ذنوباً بالمعنى المتعارف وحتّى بغضّ النظر عن آيات العصمة، فهي ليست أخطاء بمستوى المعاصي، بل هي إمّا غفلة كما في قصّة داود(عليه السلام)، أو هي من قبيل « حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ».
ومن هذا القبيل طلب يوسف (عليه السلام) من صاحبه في السجن أن يذكره عند ربّه، وليست الآية صريحة بتخطئة يوسف(عليه السلام) إلاّ أنّ فيها إشعاراً بالخطأ، والآية الكريمة هي: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾(2)، أي: طلب من أحد السجينين اللذَين كانا معه في السجن ـ بعد أن أوّل لهما رؤياهما وظنّ أنّه سينجو من السجن ـ أن يذكره عند الملك، ويذكر له أمره، لعلّ الملك يعطف عليه ويُفرج
', '(1) سورة ص، الآية: 24.
(2) سورة يوسف، الآية: 42.
', 115), (2619, 116, 'book', '
عنه ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾، فكأنّ الآية ناظرة إلى هذا المعنى، وهو أنّه لماذا لم يفعل يوسف(عليه السلام) كما فعل إبراهيم(عليه السلام) عندما أراد قومه أن يوقعوه في النار حيث قال له جبرائيل: « ألك حاجة؟» فقال: «أمّا إليك فلا »(1)، لماذا لم يصنع يوسف(عليه السلام) هكذا وقال: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾، ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾؟
ومن ذلك قول زين العابدين(عليه السلام): « لَيْتَ شِعْرِي أَلِلشقاءِ وَلَدَتْنِي اُمّي أَمْ لِلْعَناء رَبَّتْنِي فَلَيْتَها لَمْ تَلِدْنِي وَلَمْ تُرَبِّنِي »(2).
فهل الإمام(عليه السلام) لا يدري أنّه معصوم وأنّه ولد للسعادة لا للشقاء؟! هنا عدّة إجابات:
منها: أنّ هذا كان تعليماً لنا، وهو احتمال وارد لقسم من الأدعية، ولا يمكن تفسير جميع الروايات والأدعية من هذا القبيل بذلك.
ومنها: أنّ العصمة التي كانت لهم(عليهم السلام) إنّما نتجت عن هذا الخوف والوجل الشديد وحالة التضرّع والخشية المتواجدة فيهم، الخشية من النار من ناحية، والتضرع أمام عظمة الله جلّ وعلا من ناحية اُخرى، فهذه الاُمور هي التي عصمتهم وجعلتهم لا يأبهون بمغريات الدنيا ولو اجتمعت أمامهم، ولا يبقى هناك سبب للمعصية.
فمن غير الصحيح أن نقول: إنّ الأئمّة(عليهم السلام) إذا كانوا معصومين فلماذا يوجلون ويتضرّعون ويبكون؟ أوليس هذا التضرّع والخشوع
', '(1) البحار 12: 5، الحديث 12.
(2) البحار 91: 143 مناجاة الخائفين.
', 116), (2619, 117, 'book', '
هو سبب عصمتهم؟
ومنها: أنّهم لعلّهم كانوا يخافون ويبكون تائبين إلى حدّ الإغماء لأجل ما قد صدر عنهم ممّا يكون بحدّ ذاته حسنةً من الحسنات، إلاّ أنّه بالنسبة إلى اُولئك المقرّبين يُعتبر سيّئة.
وكثيراً ما ورد في القرآن الكريم التعبير بالتوبة أو بالمغفرة وما شابه ذلك فيما لا يكون معصيةً بالمعنى الذي نفهمه منها، وهذا متعارف في القرآن الكريم، وليس غريباً في لغته.
فهذه الآية الشريفة تذكر التوبة في القتل فتقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُّؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْم عَدُوّ لَّكُمْ﴾، أي: من الكافرين كالمسيحيين واليهود ﴿وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُّؤْمِنَة﴾، وهنا تسقط الدية عن القاتل؛ لأنّها إنّما تُعطى لأهل المقتول، وهم هنا كفّار لا يستحقّونها، فلا يبقى إلاّ تحرير رقبة مؤمنة ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، يعني: أنّهم كانوا كفّاراً إلاّ أنّ بينهم وبين المسلمين ميثاقاً كالذمّيّين والمعاهدين، فلابدَّ من الوفاء بذمّتهم وعهدهم، فعندئذ ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُّؤْمِنَة فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ﴾(1).
فالقاتل كان عليه أن يفعل ذلك كي يتوب الله عليه، بينما نحن نعلم أنّه لم تصدر عنه معصية يستحقّ العقاب عليها، فهو قتل خطأ،
', '(1) سورة النساء، الآية: 92.
', 117), (2619, 118, 'book', '
والقتل الخطأ غير المقصود ليس بمعصية.
وقد يقال: إنّ هناك آيات قرآنيّة اُخرى قد يصعب توجيهها، فهي تدلّ نوعاً ما على صدور ذنب عن بعض الأنبياء الكرام، كقوله تعالى في معصية يوسف (عليه السلام): ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، وإذا أردنا بحث هذه الآية علينا أن نلحظ مجموع الآيات الواردة في ذلك الموقف، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾(1).
إنّ عبارة ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ في القرآن الكريم وردت بمعنيين:
المعنى الأوّل: بلوغ سنّ التكليف كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾(2)، أي: يبلغ سنّ التكليف والرشد.
المعنى الثاني: هو بلوغ سنّ الأربعين؛ إذ إنّ الإنسان في ذلك السنّ يبلغ عادةً آخر مدارج كماله من ناحية القوّة والمزاج ثُمّ ينتقل بعده إلى النقص، أو أنّه يتوقّف في سنّ الأربعين حتّى الخمسين ثُمّ يبدأ بالنقص بعد الخمسين يوماً بعد آخر، وهذا المعنى الثاني ورد في
', '(1) سورة يوسف، الآية: 22 ـ 24.
(2) سورة الإسراء، الآية: 34.
', 118), (2619, 119, 'book', '
القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾(1).
أمّا ما ورد في قصّة يوسف(عليه السلام) من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، فهو في أغلب الظنّ بالمعنى الأوّل، أي: بلغ سنّ التكليف بقرينة قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾، فهي لا تنتظر أن يبلغ أربعين سنةً حتّى تراوده عن نفسه، بل كان ذلك ـ كما في العادة ـ في أوّل شبابه وبلوغه سنّ التكليف.
وهذا يدلّ أيضاً على أنّ يوسف(عليه السلام) قد بلغ مرتبة النبوّة بل المرتبة الأعلى منها ـ وهي مرتبة الحكم ـ في أوائل سنّ التكليف، أي: أنّه لم يكن مجرّد نبيٍّ يُوحى إليه ورسول يُبلغ الحكم الإلهي، بل كان في مرتبة أعلى من مرتبة النبوّة والرسالة، وهي مرتبة الحكم أو مرتبة الإمامة، ومع الأخذ بعين الاعتبار أنّ يوسف(عليه السلام) كان من أوّل بلوغه سنّ التكليف نبيّاً ورسولاً وإماماً وحاكماً، فإن كان بالإمكان الشكّ في عصمة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) قبل النبوّة وقبل الإمامة، واحتملنا صدور الخطأ والمعصية عنهم في تلك المرحلة، فإنّنا لا نحتمل ذلك لمن هو نبيّ أو إمام بالفعل بالغاً مرتبة الحكم والإمامة.
إلاّ أنّ إخواننا العامّة: يُعطون الخلافة والإمامة معنىً باهتاً، فيُجوِّزون أن يكون الخليفة فاسقاً ومع ذلك يكون خليفة المسلمين،
', '(1) سورة الأحقاف، الآية: 15.
', 119), (2619, 120, 'book', '
أمّا في مدرستنا ـ مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ـ فلو احتمل أحدٌ أنّ النبيّ أو الإمام يمكن أن يعصي قبل بلوغه هذه المرتبة وهذا المقام، فلا يحتمل أبداً أنّه يعصي حينما يكون متلبِّساً بهذا المقام، فمن غير المعقول أن يزني أو يهمَّ بالزنا من جعله الله حاكماً وإماماً حاملاً لعهده تعالى، فلابدّ من تفسير آخر لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾، ولو لم يرد في صدر الآية أنّ يوسف(عليه السلام) بلغ مستوى الحكم، لأمكن لقائل أن يقول: إنّ يوسف(عليه السلام) لم يكن نبيّاً في أوائل بلوغه، ولا إماماً عندما همّت به وهمّ بها، ثمّ أصبح نبيّاً وإماماً، إلاّ أنّ الآية ظاهرة في أنّ وقوع القصّة والحادثة كان بعد إمامته لقوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾.
ولقد وردت عدّة تفاسير لتلك الآية في روايات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) كما عن الإمام الرضا(عليه السلام): أنّها همّت به لأجل الزنا، وهمَّ بها ليقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله؛ إذ تقول الآية بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء﴾، فالسوء بمعنى القتل، والفحشاء بمعنى الزنا، أي: لنصرف عنه القتل والفحشاء(1)، فعلى هذا التفسير لا يكون همّه بها للزنا وإنّما لقتلها تخلّصاً منها.
وفي رواية اُخرى: أنّ همّه بها كان موقوفاً على عدم رؤيته برهان ربّه، أي: لولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها كما همّت به، ولكن
', '(1) تفسير نور الثقلين 2: 419، الحديث 41.
', 120), (2619, 121, 'book', '
برؤيته له لم يهمَّ بها(1).
وهناك احتمالات تفسيريّة اُخرى بهذا الصدد من قبيل أن نقول: إنّ أصل الهمِّ لا يعدو أن يكون خاطراً يطرق القلب واشتياقاً نفسيّاً، وهذا الشوق والميل الخارج عن الاختيار لا يكون له مقام الفعل والعمل الاختياري الذي تكون المحاسبة عليه ويكون ظلماً، والآية لم تدلّ على صدور بعض المقدّمات عن يوسف(عليه السلام) وإن كانت بعض الروايات الواردة عن غير طريق أهل البيت(عليهم السلام)، تشير إلى شيء من ذلك، أمّا روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فخالية منها تماماً، ونفس عبارة ﴿هَمَّ بِهَا﴾ لا تدلّ على صدور بعض المقدّمات، بل تدلّ على حصول ميل نفسي، وهو ـ كما قلنا ـ خارج عن القدرة ولا يخضع للتكليف.
ومن الآيات التي يصعب توجيهها شيئاً ما قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(2) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾(3).
ففي هذه الآيات ما يدلّ على نفي العصمة عن آدم(عليه السلام) والتي ثبتت بقوله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فهل ظلم آدم(عليه السلام) نفسه وعصى ربّه فغوى، أو نسي ولم يكن له عزم؟
وللجواب عن ذلك طريقان:
الطريق الأوّل: أن ننكر أنّ آدم(عليه السلام) قد صدرت عنه معصية عمديّة
', '(1) راجع المصدر السابق، الحديث 42.
(2) سورة طه، الآية: 121.
(3) سورة طه، الآية: 115.
', 121), (2619, 122, 'book', '
بقرينة قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾(1). ففي إحدى الروايات أنّ آدم وحواء لم يكونا يعرفان إلى ذلك الوقت أنّ من المعقول والممكن أن يحلف شخص بالله تعالى كاذباً ولم يخطر ذلك ببالهما أبداً، فاستطاع الشيطان أن يُقنعهما بأ نّ النهي الإلهي الصادر لم يكن نهياً مولويّاً واجب الطاعة، وإنّما كان نهياً إرشاديّاً باعتبار أنّ الله تبارك وتعالى إنّما خلق آدم لكي يكون خليفةً على وجه الأرض، لا أن يبقى في الجنّة(2)، كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(3)، فلم يقُل: إنّي جاعل في الجنّة خليفة، بل خلقه للأرض من أوّل الأمر، فكأنّما أراد إبليس أن يُفهِمَ آدم وحواء بأنّ الله عزّ وجلّ إنّما نهاكما عن أكل هذه الشجرة نهياً إرشاديّاً لا نهياً تحريميّاً أو مولويّاً يصدر عن مولى لعبده؛ بل ليُبيّن لكما طريق الخروج من الجنّة والانحدار إلى الأرض، فإن كنتما تحبّان البقاء في الجنّة كملكين، فكُلا من هذه الشجرة ﴿قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾، فلو أكلتما من الشجرة، فستصبحان خالدين فيها، ولا تخرجان منها، وتكونان من ملائكتها ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
', '(1) سورة الأعراف، الآية: 20 ـ 21.
(2) راجع البحار 11: 164، الحديث 8.
(3) سورة البقرة، الآية: 30.
', 122), (2619, 123, 'book', '
وكما في الرواية المشار إليها أنّ آدم وحواء لم يكونا يتوقّعان أن يجرأ أحدٌ على الحلف بالله كذباً، فاقتنعا بكلامه وأكلا.
فلو صحَّ هذا التفسير والتوجيه لم يكن آدم(عليه السلام) قد خالف نهياً يعتقد أنّه نهي تشريع، ونهي مولى لعبده، وإنّما كان يعتقد أنّه نهي إرشاد، وهذه أيضاً معصية؛ لأنّ المعصية لغة المخالفة، وعصى بمعنى خالف، فقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بمعنى خالف آدم ربّه، وحتّى المريض لو خالف الطبيب لقلنا عنه: إنّه عصى الطبيب على الرغم من أنّ أمر الطبيب أمر إرشادي وليس أمراً مولويّاً تجب طاعته، فمخالفة آدم النهي الإلهي كان معصية إلاّ أنّها ليست بالمعنى المصطلح عليه شرعاً وما يستحقّ عليه العقاب.
الطريق الثاني: ما ورد في بعض الروايات من أنّ هذه المعصية إنّما صدرت عن آدم، وآدم لم يكن نبيّاً حينها، إنّما أصبح نبيّاً أو خليفة في الأرض بعد ذلك. وما كانت معصية سوى صغيرة من الصغائر، ومثلها موهوبة للأنبياء قبل نبوّتهم(1).
فإن أردنا التسليم بهذه النصوص والعمل وفقها، فعندئذ سنقول بالتفصيل والتفريق بين مقام النبوّة ومقام الإمامة، باعتبار أنّ آدم(عليه السلام)لم ترد بشانه آية ولا رواية تقول: إنّه كان بمستوى الإمامة كما هو الحال في إبراهيم(عليه السلام) ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فيكون المقصود بقوله: ﴿لاَ يَنَالُ
', '(1) راجع البحار 11: 164، ذيل الحديث الثامن.
', 123), (2619, 124, 'book', '
عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ هو عهد الإمامة، وليس مجرّد النبوّة المستلزمة للوحي فقط، بل عهد الإمامة الذي يستلزم عصمة صاحبه حتّى قبل إمامته عن كلّ صغيرة وكبيرة.
فإبراهيم(عليه السلام) لم تصدر عنه أيّ معصية حتّى الصغيرة، كما يُستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ﴾، أي: لم تصدر عنه أيّ مخالفة، وعندها استحقّ مقام الإمامة، فقال له تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: أنّ الإمامة لا تُعطى لإنسان صدر عنه أيّ ظلم ولو بمستوى المعصية الصغيرة قبل الإمامة.
أمّا بالنسبة إلى النبوّة المجرّدة، فبحسب بعض الروايات التي لا تصلح لدينا سنداً قد تصدر الصغائر الموهوبة عن الأنبياء قبل نبوّتهم(1).
وبالمقارنة بين الطريق الأوّل والطريق الثاني نجد أنّ المنهج والتفسير الأوّل هو الأوفق لما ذهب إليه علماؤنا ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ من أنّ هذه المعصية لآدم لم تكن معصية ولا صغيرة.
وهناك بعض الآيات التي يظهر منها عدم عصمة الأنبياء(عليهم السلام)، والجواب عنها واضح كلّ الوضوح، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(2).
فقد تُذكر هذه الآية بعنوان صدور الذنب عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)، إلاّ أنّها
', '(1) المصدر السابق.
(2) سورة الفتح، الآية: 1 ـ 2.
', 124), (2619, 125, 'book', '
واضحة في كونها أجنبيّة عن المقام، فالذنب في هذه الآية لا يُقصد به المعصية؛ إذ لا علاقة له بالفتح، يقول تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ بفتح مكّة أو فتح العالم أو فتح باب السلطة على الناس، فأيّ علاقة لذلك بمغفرة الذنب؟! فيكون المقصود من قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ﴾ الذنوب التي كانت له أمام الناس حيث كانوا يَعُدّون عليه الذنوب، أمّا حين انتصر عليهم، فسيتحوّل حديث الناس، وستتحوّل هذه الذنوب إلى حسنات في نظرهم، كما هوالمشروح في بعض الكتب.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى﴾(1)، فقوله: ﴿وَجَدَكَ ضَالاًّ﴾ لا يدلّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان قد صدرت عنه المعاصي قبل النبوّة، إنّما المقصود هو الإشارة إلى مستوى الهداية التي وصل إليها النبيّ(صلى الله عليه وآله) لو قسنا بينها قبل نزول الوحي وبعد نزوله، فهو قبل الوحي لم يكن يملك ذاك المستوى من الإيمان الذي فهمه بالوحي، كما قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِْيمَانُ﴾(2)، إنّما بلغ ما بلغ من مستوىً بالوحي والذي نزل عليه بعد سنّ الأربعين ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ﴾ يعني الضلال بالنسبة إلى هذا المستوى الرفيع من الإيمان والعلم والمعرفة التي نزلت عليه بالوحي، ولا يعني ذلك صدور معصية عنه قبله.
', '(1) سورة الضحى، الآية: 6 - 7.
(2) سورة الشورى، الآية: 52.
', 125), (2619, 126, 'book', '
وأيضاً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾(1).
قد يقول القائل: إنّ قوله تعالى: ﴿وَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ـ والوزر بمعنى المعصية ـ يدلّ على صدور المعصية عنه(صلى الله عليه وآله)، وهي ليست معصية صغيرة بدلالة قوله: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾، فلابدّ أن تكون من جنس المعصية الكبيرة التي تنقض ظهر الرسول(صلى الله عليه وآله).
ولكنّ الوزر لا يعني المعصية، بل يعني ـ لغةً ـ الحمل الثقيل، وإنّما سُمّيت المعصية وزراً بمناسبة أنّها حمل يكون على ظهر ابن آدم حتّى يرد ساحة الحساب يوم القيامة، فالوزر لا يعني المعصية، وإنّما الحمل، ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ أي: الحمل الثقيل الذي أنقض ظهرك، فأكبر الظنّ أنّ المقصود به أعباء هداية الناس، وهذه الآية على ما يبدو من ظاهرها واردة في أواخر أ يّام الرسول(صلى الله عليه وآله)، وليست في أوائل أيّامه(صلى الله عليه وآله) بقرينة قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾؛ فإنّ هذا الرفع للذِكر لم يكن في أوائل أيّامه(صلى الله عليه وآله)، بل كان العكس، معاداة الناس وأذاهم له، ثُمّ رفع الله له ذكره بالتدريج حتّى كانت أواخر أيامه حيث وفّقه الله تعالى لهداية المجتمع الذي كان يعيش فيه، ووضع عنه عِبء هدايتهم الذي أنقض ظهره وما أثقله من عِبء!
إلى هنا قد اتضح لنا أنّ عصمة من جعله الله تعالى للناس إماماً
', '(1) سورة الانشراح، الآية: 1 ـ 6.
', 126), (2619, 127, 'book', '
عن الذنب أمر ثابت في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّ الآيات التي تكون ظاهرة في نسبة الذنب إلى بعض الأنبياء (عليهم السلام)، بل إلى بعض اُولي العزم منهم، وحتّى إلى شخص الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، قد اتضح أنّها تتحدّث عن حسنات الأبرار التي هي سيّئات المقرّبين، وليست هي الذنوب التي يترتّب عليها العقاب، بل هي من باب ترك الأولى.
ومن المؤسف أنّنا نجد بعض الروايات القليلة في كتب الشيعة فضلاً عن كتب أهل السنّة تحمل روحاً مخالفة لذلك، وهي روايات ينبغي أن نضربها عرض الحائط، كما أمرنا بذلك أئمّتنا(عليهم السلام) حين قالوا: إنّ كلّ رواية تخالف كتاب الله عزّ وجلّ يجب أن تضرب عرض الحائط ويُقطع بكذبها، وأن يعلم أنّ هناك من أخطأ في روايتها على خلاف ما كانت عليه، أو تعمّد التحريف، فليس من شأنهم أن يصدر عنهم خلاف الكتاب الكريم الذي هو كتاب الله الصامت، وهم كتاب الله الناطق.
وما ورد من قول المعصوم: « لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى »(1) لا يعني نفي المعارضة للنصّ القرآني الصريح فحسب، كأن يأمر القرآن الكريم بالصلاة وترد عنهم رواية تنهى عنها، فهكذا خلاف لا يرد عادة، وليس هناك كذّاب يضع الحديث عنهم يجرأ أن
', '(1) البحار 2: 250، الحديث 62.
', 127), (2619, 128, 'book', '
يكذب بهذا الوضوح، بل المراد بقوله(عليه السلام): « لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى » كلّ أنواع المخالفة سواء كانت نصّاً أو مضموناً وروحاً، فكلّ ما خالف روح القرآن الكريم والمعنى العامّ المفهوم من مجموع الآيات الشريفة لم نقله.
ولنذكر لذلك مثالاً يتعلّق بعصمة الأنبياء(عليهم السلام)، حيث ورد في تفسير القمّي(1) في قصّة داود ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أنّه: نادى ربّه فقال: يا ربّ، قد أنعمت على الأنبياء بما أثنيت عليهم ولم تُثنِ عليَّ. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: هؤلاء عبادٌ ابتليتهم فصبروا وأنا اُثني عليهم بذلك. فقال: يا ربّ، فابتلِني حتّى أصبر. فعيّن الله تعالى له يوماً للبلاء والامتحان، فلمّا كان اليوم الذي وعده الله عزّ وجلّ اشتدّت عبادته، وخلا في محرابه، وحجب الناس عن نفسه وهو في محرابه يصلّي، فإذا طائر قد وقع بين يديه، جناحاه من زبرجد أخضر ورجلاه من ياقوت أحمر ورأسه ومنقاره من لؤلؤ وزبرجد، فأعجبه جدّاً، ونسي ما كان فيه، فقام ليأخذه، فطار الطائر، فوقع على حائط بين داود وبين اُوريا بن حنّان ـ وكان داود قد بعث اُوريا في بعث ـ فصعد داود(عليه السلام) الحائط ليأخذ الطير وإذا امرأة اُوريا جالسة تغتسل، فلمّا رأت ظِلّ داود نشرت شعرها وغطّت به بدنها، فنظر إليها داود فافتتن بها ورجع إلى محرابه.
ولا تكتفي هذه الرواية بنسبة العمل القبيح إلى داود(عليه السلام)، بل تذكر
', '(1) اُنظر تفسير القمّي 2: 229 ـ 231.
', 128), (2619, 129, 'book', '
ما هو أعظم من ذلك، حيث تقول: إنّه أخذ يفكّر بتحقيق غرضه الشهواني، فماذا يصنع واُوريا كان قد ذهب إلى الجهاد والقتال في سبيل الله بأمره هو؟!
لقد كان مع الجيش وقتئذ تابوت السكينة، وكان هذا التابوت يُجعل أمام جيش بني إسرائيل فيغلب جيش الكفر، وكلّ من يتقدّم التابوت يُقتل ومن يتأخّر عنه ينجو ويسلم من القتل.
فكتب داود إلى صاحبه الذي بعثه: أن ضع التابوت بينك وبين عدوّك وقدّم اُوريا بين يدي التابوت، فقدّمه وقُتل. وكان لداود تسع وتسعون زوجة، وهنا جاءت قصّة الملكين اللذين تمثّلا بمثال بشرين، وبدءا بالتخاصم بينهما، فقال أحدهما: إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وطلب منّي نعجتي إلى نعاجه، فقال داود: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فضحك المستعدى عليه من الملائكة وقال: قد حكم الرجل على نفسه.
فقال داود: أتضحك وقد عصيت، لقد هممت أن اُهشَّم فاك. قال: فعرجا وقال الملك المستعدى عليه: لو علم داود أنّه أحقّ بهشم فيه منّي، ففهم داود الأمر وذكر الخطيئة، وعرف أنّها كانت إشارة إلى قصّته، فهو الذي كان يملك تسع وتسعين زوجة وأخذ زوجة اُوريا.
ولكن أين هذه الرواية من قوله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾؟! وحتّى لو لم نؤمن ـ لا سمح الله ـ بعصمة الأنبياء والأئمّة، وافترضنا أنّ الذنب الصغير يمكن أن يصدر عنهم قبل النبوّة وقبل الوحي، ولكن كيف نقبل أنّه نبيّ وخليفة وإمام ثُمّ يصدر عنه
', '', 129), (2619, 130, 'book', 'هذا النوع من المعاصي الكبيرة التي تهتزّ لها السماوات والأرض؟! فهذا أمر غير مقبول أبداً وينبغي طرح ورفض هكذا روايات.
موعظة وعبرة
وهنا لابدّ أن نعتبر بما ورد عنهم (عليهم السلام)، فنقول: لئن كان نبيّ من الأنبياء كيونس(عليه السلام) قد أفنى عمره في سبيل الله وهداية الخلق إلى عبادة الله تبارك وتعالى، وجلب مرضاته، ولم يصدر عنه ذنب إلاّ ترك أولى حين ضاق صدره ودعا على قومه لمّا رأى من كفرهم وعتوّهم، وكان ينبغي منه سعة الصدر والصبر، فكان عقاب الله عزّ وجلّ حيث يقول: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِن الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، إذن ما حالنا نحن؟! وما موقفنا أمام الله تبارك وتعالى؟!
إنّ نبيّاً من الأنبياء لم تصدر عنه معصية، بل ترك أولى، فعاقبه الله عزّ وجلّ بهذا العقاب الشديد، إذن ماذا نستحقّ نحن من عقاب في الدنيا وفي الآخرة على ما صدر عنّا من ذنوب صريحة، ومعاصي كبيرة وصغيرة، وممّا لا يُحصيه إلاّ الله تبارك وتعالى؟! وكلّ ذلك سنراه كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ﴾(1).
', '(1) سورة الزَلزَلة، الآية: 7 ـ 8.
', 130), (2619, 131, 'book', '
نحن نعلم أنّ ذلك الحساب الدقيق الذي حاسب الله به يونس(عليه السلام)سوف لا نحاسب به، فإنّ الله عزّ وجلّ يغفر لنا من الخطايا والذنوب ومن صغائر أعمالنا، فليس حالنا حال يونس(عليه السلام)، وما فعله الله به كان تأديباً لنبيٍّ من أنبيائه بلحاظ مستوى النبوّة، وهذا الفارق لا يوجب سرورنا بل يكشف عن قلّة قدرنا، وصغر خطرنا، وخسّة أمرنا، فنحن لا نستحقّ هذا التأديب وهذه الرعاية الدقيقة الكاشفة عن علوّ قدر المؤدّب بها، وشدّة الاعتزاز به، فأنت تحرص على تأديب ولدك أكثر من حرصك على تأديب صبي آخر؛ وذلك لأنّ ابنك أعزّ لديك وأحبّ إليك. إنّ يونس(عليه السلام) كان من الأجلاّء عند الله تبارك وتعالى، وعزيزاً عليه، فلا يتركه على خطأ ولو كان ترك أولى، أمّا نحن فنعصي الله ليل نهار دون أن يعاقبنا مباشرة، فهذا السكوت عنّا كاشف عن قلّة قدرنا، وهذا لطف من الله بنا ورعاية لحالنا أيضاً؛ إذ إنّنا لا نتحمّل أكثر من ذلك.
إنّ الله عزّ وجلّ لو أحبَّ مؤمناً فهو يعاقبه وينبّهه حين صدور الزلّة عنه فوراً، ويوجب له عثرة تكون في طريقه كي ينتبه ويرتدع عن خطئه ومعصيته.
إنّ هناك اُموراً أربعة تؤثّر في الارتداع عن الذنوب والمعاصي وردت في القرآن الكريم والروايات:
الأمر الأوّل ـ العذاب:
عذاب يوم القيامة الذي لا تقوم له السماوات والأرض، نار
', '', 131), (2619, 132, 'book', 'جهنّم، أعاذنا الله منها، وقد ورد في وصفها: أنّ نار الدنيا هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم، وأنّها غُسلت سبعين مرّةً بماء الجنّة ثُمّ اُنزلت إلى الدنيا، ونحن نعرف أنّ عذاب النار في الدنيا هو أشدّ أنواع العذاب، أمّا ما يقوم به الطواغيت من تعذيب سجنائهم بألوان العذاب الاُخرى، فليس لأنّها أشدّ من النار؛ بل لأنّ التعذيب بالنار قد يؤدّي إلى قتل السجين بسرعة، فلا يصلون إلى مآربهم وينتهي التعذيب، أمّا عذاب الله تبارك وتعالى بالنار يوم القيامة، فقال تعالى عنه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾(1)، وهذا أشدّ العذاب، وهو يكفينا ردعاً عن الذنوب والمعاصي، أعاذنا الله تعالى من كلِّ ذلك.
الأمر الثاني ـ الجنّة ومراتبها:
وقد قارن الله عزّ وجلّ في قرآنه الكريم بين وضع الآخرة ووضع الدنيا، فقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾(2)، أي: كانت الفوارق في الدنيا كبيرة بين إنسان وإنسان آخر من حيث النِعم الدنيويّة، فهذا يصعب عليه تحصيل الخبز وذاك إلى جنبه يملك القصور والأموال وما لا يحصى من النِعم، ونحن هنا لا نتكلّم عن الجانب التشريعي لهذا التفاوت وهل هو مقبول أو مرفوض، وإنّما الحديث عمّا هو قائم فعلاً ولو نتيجةَ ظلم الظالمين.
', '(1) النساء، الآية: 56.
(2) سورة الإسراء، الآية: 21.
', 132), (2619, 133, 'book', '
ثُمّ يقول الله تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾، فالفارق بين المؤمنين وهم في الجنّة سيكون أكبر وأكبر من الفوارق المعهودة في الدنيا بين الناس، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
الأمر الثالث ـ الابتعاد عن رحمة الله ورضاه:
وهو أعظم عند أهله من عذاب النار، وما هي إلاّ صورة من صور الغضب الإلهي، والخشية منه هي التي تردع أولياء الله من الذنوب والمعاصي، فغضب الله عزّ وجلّ أعظم من النار، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) كما في دعاء كميل: « هَبْنِي صَبَرْتُ عَلى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلى فِرَاقِكَ »، أي: فراق الله ورحمته، وهو أصعب وأشدّ عند أمير المؤمنين(عليه السلام) من عذاب النار.
الأمر الرابع ـ التنبيهات الدنيويّة:
من قبيل ما ورد بشأن يونس (عليه السلام) من تنبيهه بإلقائه في بطن الحوت، ومن قبيل ما ورد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ الاَْدْنَى﴾(1).
قق
', '(1) سورة السجدة، الآية: 21.
', 133), (2619, 134, 'book', '
', '', 134), (2619, 135, 'book', 'الفصل الرابع
الولاية التكوينيّة للمعصوم(عليه السلام)
* إدارة العالم والعلاقة بين الخالق والمخلوق.
* معنى الولاية التكوينيّة للمعصوم(عليه السلام).
* بعض روايات إثبات الولاية التكوينيّة للأئمّة(عليهم السلام).
', '', 135), (2619, 136, 'book', ' ', '', 136), (2619, 137, 'book', 'قد انتهينا من الحديث عن الولاية التشريعيّة، وهي الولاية المستفادة من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(1).
فهذه الآية المباركة تدلّ ـ كما تقدّم البحث عنها ـ على ما يسمّى بالولاية التشريعيّة، فالإمام هو الذي يؤتمُّ به، فقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ يعني: إنّي جاعلك مقتدىً للاُمّة، ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه.
فالإمامة تعني الولاية، وتعني وجوب الطاعة ووجوب الالتزام بما يأمر وينهى، وهذا هو معنى الولاية التشريعيّة، وهي ثابتة للإمام.
إنّ الولاية في جانب التشريع مصطلح قرآني وارد في القرآن الكريم ووارد في السنّة أيضاً:
أمّا القرآن فكقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾(2)، فهذه ولاية تشريعيّة، أي: يجب على المؤمنين أن يتّبعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله)لو أمرهم بأيّ أمر، فهو أولى بهم من أنفسهم، فكما أنّ الإنسان وليّ
', '(1) سورة البقرة، الآية: 124.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 6.
', 137), (2619, 138, 'book', '
نفسه وله الحقّ في أن يتصرّف بالشكل الذي يحلو له ما لم يخرج من دائرة الشريعة، فكذلك النبيُّ(صلى الله عليه وآله) أولى به من نفسه، وعليه أن يطيعه.
وأمّا السنّه الشريفة، فكقوله(صلى الله عليه وآله): « مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ »(1)؛ إذ أعطى الولاية التشريعيّة لعليٍّ(عليه السلام)، أي: أنّ عليّاً كنفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) يجب على المسلمين أن يتّبعوه كما كان يجب عليهم أن يتّبعوا الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله).
أمّا عنوان الولاية التكوينيّة، فإنّا لم نجده لا في القرآن الكريم ولا في الأحاديث الشريفة، وإنّما هو مصطلح متأخّر جاء على لسان بعض علمائنا الأعلام ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ في زمن متأخّر، ولهذا لا نستطيع أن نبحث عن معنى هذه الكلمة في الكتاب والسنّة.
إدارة العالم والعلاقة بين الخالق والمخلوق:
وقبل أن نبحث في الولاية التكوينيّة للأئمّة(عليهم السلام) ـ والتي تتلخّص في الحقيقة في معنى أنّ الله تبارك وتعالى كأنّما قد فوّض للأئمّة(عليهم السلام)بمستوىً من مستويات التفويض أمر إدارة العالم إليهم ـ نشير إلى العلاقة بين الخالق والمخلوق، بين الله تبارك وتعالى وإدارة العالم الذي خلقه، ثُمّ ننتقل من هذا الارتباط الموجود بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه أو العالم المخلوق له إلى موضوع الأئمّة(عليهم السلام)
', '(1) ينابيع المودّة 1: 114.
', 138), (2619, 139, 'book', '
وعلاقتهم بالعالم؛ لكي نرى هل رُبطت علاقة الإدارة ـ مثلاً ـ بالإمام المعصوم، وهل وهبها الله تعالى للإمام المعصوم أو لا؟
إنّ سَير الاُمور والأحداث دائماً ـ فلسفيّاً وعقليّاً ـ لا يخلو من أن يكون خاضعاً لأحد مبدأين:
المبدأ الأوّل: مبدأ العلّيّة، وهو الذي يُسيّر الحوادث، أي: أنّ الأحداث تتكرّر وتتغيّر وتتحرّك وتتبدّل وفق عللها، وهذا ما قال به الفلاسفة العقليّون الذين آمنوا بضرورة العلّيّة وبحجّة أنّ الشيء الممكن ـ المسمّى بممكن الوجود ـ نسبته إلى الوجود والعدم على حدٍّ سواء، فلا يمكن أن يرجّح جانب الوجود فيه إلاّ بعلّة؛ إذ لو لم تكن هناك علّة، إذن كان ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ترجيحاً بلا مرجّح، وهو مستحيل على حدّ قول الفلاسفة.
وقد أنكر الفلاسفة المادّيّون الجدد مبدأ العلّيّة، ولم يؤمنوا إلاّ بمبدأ التقارن، أي: تقارن شيء بشيء، كاقتران النار بالاحتراق، واقتران حركة المفتاح بانفتاح الباب، وما شابه ذلك من دون أن يؤمنوا برابطة العلّيّة بين النار والاحتراق، أو بين حركة المفتاح وانفتاح الباب، وافترضوا رابطة العلّيّة هذه شيئاً غيبيّاً لا يمكن أن يخضع للتجربة، وبما أنّ الفلاسفة المادّيين هم تجريبيّون يؤمنون بأنّ مصدر المعرفة هو التجربة، والتجربة لا تستطيع أن تكشف مبدأ العلّيّة، لذا أنكروا هذا المبدأ، وقالوا: إنّ سير الاُمور لا يكون إلاّ بحفنة من التقارنات والصدف. ولا نريد أن ندخل في صميم البحث الفلسفي في ذلك؛ فإنّ ذلك لا يتناسب مع ما بنينا عليه من الاختصار
', '', 139), (2619, 140, 'book', 'والبساطة في هذه الأبحاث.
ولاُستاذنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في هذه المسألة بحث مفصَّل وطريف وممتع في كتابه (الاُسس المنطقيّة للاستقراء)، يقول فيه: إنّ إيماننا بمبدأ العلّيّة لا يقوم على أساس المباني الفلسفيّة العقليّة ـ فحسب ـ التي تقول باستحالة الترجيح بلا مرجّح، وأنّ الممكن نسبته إلى الوجود وإلى العدم على حدّ سواء، فلابدّ إذن من علّة كي تترجّح كفّة الوجود على كفّة العدم، بل نضيف إلى ما قاله الفلاسفة العقليّون: أنّ التجربة لوحدها أيضاً كافية لإثبات مبدأ العلّيّة، خلافاً للفلاسفة المحدَثين الذين قالوا: إنّ العلّيّة لا تثبت بالتجربة(1). وهذا له بحث مفصَّل وعميق لا مجال لشرحه هنا، وإجمال قوله (رضوان الله عليه) هو: أنّنا حينما نكرّر إيجاد شيء ونرى نتيجةً تقترن مع ذاك الشيء ـ كما في تكرار إيجاد النار واقتران الاحتراق بها مثلاً ـ نستكشف من هذا التكرار والتعدّد بحساب الاحتمالات نقطة مشتركة ثابتة في كلّ هذه الأعداد من التجربة، هي العنصر المشترك بين هذه التجارب العديدة، وليس هذا العنصر المشترك إلاّ العلّيّة؛ إذ لولا أنّ النار علّة للاحتراق لكان هذا التكرار مجرّد تجمّع صدف ومن دون وجود نقطة مشتركة فيما بينها، وهذا مستبعد جدّاً بضرب القيم الاحتماليّة بعضها في بعض.
', '(1) راجع الاُسس المنطقيّة للاستقراء: 117. والبرهان الكامل على المدّعى تجده في مبحث القسم الثالث من الكتاب.
', 140), (2619, 141, 'book', '
وعلى أيّ حال فهذا أحد المبدأين اللذين بالإمكان افتراض سير هذا العالم والأحداث التي نراها على أساس أحدهما.
والمبدأ الثاني الذي يمكن افتراض قيام العالم على أساسه هو: مبدأ القدرة والسلطنة، وهذا ما اعتقده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) مبدأً لظهور العالم، فإيجاد الله سبحانه وتعالى للعالم ليس بالعلّيّة؛ فإنّ العلّيّة أمر يَستبطن استحالة الانفكاك بين العلّة والمعلول، وهذا بدوره يستبطن الجبر، أمّا الله تبارك وتعالى، فهو يفعل ما يشاء وفق إرادته ووفق قدرته وسلطنته، والقدرة شيء والعلّيّة شيء آخر، والفارق بين القدرة والعلّيّة أمر مبرهن في محلّه، وفي الجملة: لا شكّ أنّنا نحسّ في وجداننا بالفارق بينهما، فهناك فرق ـ كما مثّل العلماء ـ بين حركة الحجر الذي يسقطونه من الأعلى، وبين حركة الإنسان وهو ينزل من الدرج، هاتان حركتان: حركة الإنسان وهو ينزل من الأعلى إلى الأسفل، وحركة الحجر أيضاً حينما ينزل من الأعلى إلى الأسفل، لكن الوجدان يحكم بفارق جوهري بينهما، ويعتقد كثير من العلماء أنّ الفارق بينهما هو عبارة عن الإرادة، فالحجر لا يمتلك الإرادة، بينما يملكها الإنسان، فالحجر ينزل من الأعلى إلى الأسفل بلا إرادة، بلا شوق، بلا حبٍّ، بلا اختيار، أمّا الإنسان فإنّه ينزل من الأعلى إلى الأسفل بإرادة وشوق، وعلى هذا الأساس امتاز مبدأ الجبر من مبدأ الاختيار، واُستاذنا الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر(قدس سره)يرى أنّه لا يُكتفى بهذا المقدار من الفارق؛ لأنّه لا يحقّق الاختيار، ولا يخرجنا من عالم الجبر، فأيُّ فرق بين ما
', '', 141), (2619, 142, 'book', 'يصدر عن الإنسان في حالة الوجل من حركات غير اختياريّة، وبين ما يصدر عن إنسان آخر اعترتهُ حالة الشوق؟ فلو كان الأمر كما قالوا من أنّ الإرادة تعني أن تعتري الإنسان حالة الشوق والرغبة الأكيدة، فيصدر عنه العمل الذي اشتاق إليه قهراً، فلا فرق إذن بين ما يصدر عن الإنسان في حالة الشوق أو حالة الوجل أو حالة الخجل أو سائر الحالات، فمجرّد أنّ هذا شوق ومحبّة ورغبة لا يجعل هذا العمل اختياريّاً.
إنّ المائز والمقياس الحقيقي الذي يفصل بين الجبر والاختيار هو مسألة السلطنة والقدرة، وليس مسألة الشوق، ولا يعني هذا الاستغناء عن الشوق والإرادة، فهذا ممّا لابدّ منه،فإنّ الشوق يلازم الاختيار، والإنسان المختار لا يعمل شيئاً إلاّ بالشوق والاختيار، إلاّ أنّ الشوق ليس هو الذي جعل هذا العمل اختياريّاً لو لم يكن إلى جانبه القدرة والسلطنة التي تعني أنّه يستطيع أن يفعل ويستطيع أن لا يفعل.
ولاُستاذنا الشهيد(قدس سره) رأي آخر طرحه على مستوى الافتراض والاحتمال لا الجزم واليقين بعد أن كتب الاُسس المنطقيّة للاستقراء يقول فيه: إنّنا نفترض أنّ مبدأ العلّيّة بالمعنى الفلسفي لا وجود له في العالم، وهذا احتمال لا دليل لدينا يمنعنا عن ذلك أو يبطله، فمن المحتمل أنّ كلّ ما نراه يعود إلى مبدأ السلطنة والقدرة وإرادة الله تبارك وتعالى، وحتّى ما نراه من أنّ النار تحرق، فالتفكير الفلسفي الاعتيادي المتعارف وإن كان يقول: إنّ النار علّة للإحراق وإنّ الله
', '', 142), (2619, 143, 'book', 'تعالى خلق العلّة وهي النار مثلاً، وعلّيّتها ذاتيّة لها، ولكن توجد إلى جانب ذلك فرضيّة اُخرى معقولة أيضاً، وهي: أن تكون قد اقتضت الحكمة الربّانيّة أن يخلق الله تعالى دائماً الإحراق متى ما تتحقّق الملاقاة بالنار، وكلا هذين الأمرين محتملان، فالأوّل ـ وهو الرأي الفلسفي المعروف ـ محتمل، والثاني ـ وهو الذي طرحه السيّد الشهيد الصدر(قدس سره) وهو أن لا تكون النار علّة للإحراق، وإنّما شاءت إرادة الله تبارك وتعالى أن يخلق الإحراق متى وجدت النار ـ محتمل أيضاً، ولا ينفيه القانون الفلسفي الذي يقول بأنّ الممكن نسبته إلى الوجود والعدم على حدّ سواء ولا يوجد إلاّ بمرجّح، فصحيح أنّ الممكن بحاجة إلى مرجّح، ولكن من قال: إنّ مرجّحه مبدأ العلّيّة؟ فلعلّ مرجّحه مبدأ الإرادة، إرادة الله وقدرته تبارك وتعالى، فالقانون الفلسفي لا يبطل هذا الاحتمال، وكذلك القانون التجريبي الذي أشرنا إليه، فإنّ كثرة التجارب بإشعالنا النار آلاف المرّات ـ مثلاً ـ ورؤيتنا ترتّب الإحراق على ذلك، يدلّنا على وجود عنصر مشترك فيما بين هذه التجارب العديدة، ولكن من قال: إنّ هذا العنصر المشترك هو عبارة عن العلّيّة؟ فلعلّه عبارة عن إرادة الله تبارك وتعالى وقدرته وسلطنته، فهو أراد أن يخلق الاحتراق متى ما صنعنا النار.
وعلى أيّة حال فحينما ننتقل إلى لغة القرآن نرى أنّ الله تبارك وتعالى نسبَ كلّ شيء في هذا العالم إليه جلّ وعلا، ونرى هذه اللغة واردة حتّى في الأفعال الاختياريّة للإنسان كما في كثير من الآيات،
', '', 143), (2619, 144, 'book', 'فهنالك لونان من الآيات المباركة: لون منها ينسب الاُمور إلى الله تعالى، ولون آخر ينسب أفعال البشر بمستوىً من مستويات النسبة إلى الله تبارك وتعالى.
أمّا اللون الأوّل، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(2)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَْنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾(3)، وقوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا﴾(4)، وغير ذلك من الآيات.
وأمّا اللون الآخر الذي يَنسب فعل البشر إلى الله تعالى، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾(5)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾(6)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾(7)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ﴾(8)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾(9)، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾(10)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾(11)،
', '(1) سورة الأعراف، الآية: 54.
(2) سورة الذاريات، الآية: 58.
(3) سورة الزمر، الآية: 42.
(4) سورة التوبة، الآية: 51.
(5) سورة الأنفال، الآية: 17.
(6) سورة الكهف، الآية: 23 ـ 24.
(7) سورة البقرة، الآية: 253.
(8) سورة الأنعام، الآية: 107.
(9) سورة الأنعام، الآية: 137.
(10) سورة الأنعام، الآية: 149.
(11) سورة يونس، الآية: 99.
', 144), (2619, 145, 'book', '
وأمثال ذلك من الآيات.
إنّ تفسير الآيات من القسم الأوّل الراجع إلى غير الأفعال الاختياريّة هو أحد تفسيرين: إمّا أنّ الله تبارك وتعالى بإرادته المباشرة وبلا وساطة مبدأ العلّيّة يفعل الاُمور، ويخلق ما يريد، ويصنع ما يشاء، ويغيّر، ويبدّل، ويحرّك، كلّ ذلك وفق إرادته مباشرةً. وإ مّا أنّ الاُمور تجري بأسبابها وعللها، « أبى الله أن يُجري الأشياء إلاّ بالأسباب »(1)، فقانون العلّيّة هو الذي يحكم العالم، ويسيّر الاُمور، ولكنّ إرادة الله تكمن فوق العلل، أي: أنّ أصل العلل الأساسيّة مخلوقة من قبل الله تبارك وتعالى وبإرادته سبحانه، فإرادته عزّ وجلّ ليست هي التي تسيّر الاُمور بالمباشرة وإنّما تسيّرها من وراء قانون العلّيّة، والعلّة مخلوقة لله. فبأحَدِ التفسيرين ترجع الاُمور كلّها إلى الله كما نطقت بذلك هذه الآيات المباركات.
وأمّا القسم الثاني من الآيات ـ وهي الآيات الراجعة إلى الأفعال الاختياريّة للبشر ـ كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾(2)، فهذا أيضاً تفسيره واضح، ولا نؤوّل هذه الآيات ولا نلتزم بالجبر، فلا نقول: إنّ هذه الآيات تفيد الجبر وتسلب القدرة والاختيار من الإنسان وتجعل أعمالنا هي أعمال الله، بل نقول: إنّ الذي نفهمه من هذه الآيات هو أنّ الفعل البشري دائماً له جانبان:
', '(1) بصائر الدرجات 1: 6، الحديث 2.
(2) سورة الأنفال، الآية: 17.
', 145), (2619, 146, 'book', '
جانب نفسي وجانب مادّي، فالرمي مثلاً في الآية الكريمة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ له جانب نفسي يرجع إلى الشخص الرامي، فلو لم يرد أن يرمي لا يرمي، وله أيضاً جانب مادّي، وهو: أنّ السهم يخرج من القوس ويتحرك وينتهي إلى الشخص الذي تمّ توجيه السهم إليه فيقتله، فبالقياس إلى الجانب النفسي تأتي إرادة البشر وسلطته وقدرته، القدرة التي خلقها الله تعالى فيه، فهذه القدرة تؤثّر أثرها وبهذا لا ننتهي إلى الجبر. وأمّا الجوانب المادّية، فكلّها تنتهي إلى الله، فهو سبحانه الذي جعل هذا السهم يخرج من القوس لدى تحرّك اليد، وجعل الهواء بالشكل الذي يخترقه هذا السهم، وهو الذي جعله يصيب ذاك الهدف، والشخص المستهدف أيضاً هو الذي جعله يُخترَق بهذا السهم، فتزهق روحه ويُميتهُ، كلّ هذا من الله تبارك وتعالى.
معنى الولاية التكوينيّة للمعصوم(عليه السلام):
لقد تقدّم أنّ تعبير الولاية التكوينيّة مصطلح متأخّر، ولذا نتساءل عن معناه والمقصود منه بالنسبة إلى الأئمّة (عليهم السلام)؟ وما هو دور الأئمّة(عليهم السلام)على أساس القول بولايتهم التكوينيّة؟ وما هو دورهم(عليهم السلام) ضمن هذه الاُسس الفلسفيّة والقرآنيّة التي أشرنا إليها وعرضناها في بداية البحث؟
فإن كان المقصود بالولاية التكوينيّة خرق نواميس الطبيعة، فإنّ الإمام يخرق أحياناً نواميس الطبيعة بإرادة الله ويأتي بما يسمّى
', '', 146), (2619, 147, 'book', 'بالمعجز، فيشقّ القمر، أو يجعل الحصى تُسبّح، أو يمنع النار عن الإحراق، وما إلى ذلك من الاُمور التي هي خرق لقوانين الطبيعة، فإن سُمّي هذا بالولاية التكوينيّة، فهو معقول ومقبول وثابت في الكتاب والسنّة المتواترة، فلا شكّ ولا ريب أنّ الأئمّة(عليهم السلام) أظهروا من المعاجز ما لا يحصى، والمعجز هو خرق قانون الطبيعة، وهذا ليس شيئاً جديداً حتّى نشكّك فيه، وليس هو إلاّ تطبيقاً لأحد القانونين اللذين أشرنا إليهما، فلو آمنّا بمبدأ العلّيّة، وبأنّ هذا المبدأ لا يتخلف ( استحالة انفكاك المعلول عن العلّة )، فعندئذ يكون خرق قوانين الطبيعة بمعنى أنّ الله تعالى هدى رسوله والأئمّة المعصومين(عليهم السلام) إلى علل غائبة عنّا، فهم يعرفونها ونحن لا نعرفها، فيتدخّل الإمام وفق تلك العلل الغائبة عنّا.
وعلى سبيل المثال: إنّ النار تحرق، لكن هناك علّة تمنع النار عن الإحراق، وتلك العلّة يعرفها الإمام، فيوجِد ذاك المانع فلا تحرق النار، ونسمّي هذا بحسب ظاهر الأمر خرق قانون الطبيعة، أو خرق نواميس الطبيعة، هذا تفسير الإعجاز وفق مبدأ العلّيّة، فإذن الإعجاز يثبت دون بطلان مبدأ العلّيّة، أي: أنّ مبدأ العلّيّة ـ وهو استحالة انفكاك العلّة عن المعلول ـ ثابت إلاّ أنّ الإمام في نفس الوقت يأتي بالمعجز، فإتيانه بالمعجز لا يعني شلّ العلّة عن العلّيّة، وإنّما يعني أنّه أتى بعلل هي غائبة عنّا يعرفها هو ولا نعرفها، هذا هو تفسير المعجز بناءً على هذا المسلك.
أمّا على المسلك الآخر المؤمن بمبدأ الإرادة وقدرة الله تبارك
', '', 147), (2619, 148, 'book', 'وتعالى وأنّنا لسنا بحاجة إلى مبدأ العلّيّة إلى صفّ مبدأ الإرادة وقدرة الله، فالأمر أوضح؛ إذ إنّ الإمام أو النبيّ عندما يريد أن يأتي بالمعجز يطلب من الله تبارك وتعالى أن يتدخّل بإرادته وبقدرته البالغة، فيتدخّل فيكون المعجز خلافاً لمقتضى الطبيعة التي نألفها، أو يفترض أنّ الله تعالى أعطى المعصوم ولو جزئيّاً إمكانيّة أن يتدخّل هو بإرادته التي لا تخالف إرادة الله. وعلى أ يّة حال فالمعجز معترَف به من أوّل الأمر، ولا نقاش في ذلك.
أمّا لو أراد القائلون بالولاية التكوينيّة أنّ المعصوم(عليه السلام) يتمكّن دائماً أن يفعل ما يريد، أي: لا يعجز عن أيّ شيء، فهذا خلاف صريح القرآن، فالقرآن الكريم يقول: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيل وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُف أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾(1)، أي: أنّ هذه الاُمور خارجة عن قدرتي، فلو أنّ الله أراد أن أفعل فعلت، وحينما لا يريد لا أفعل، بل لا أستطيع أن أفعل.
وإذا تجاوزنا هذين التفسيرين، فقد يكون المراد بالولاية التكوينيّة أنّ الله عزّ وجلّ فوّض العالم وما يجري فيه إلى الإمام(عليه السلام)،
', '(1) سورة الإسراء، الآية: 90 ـ 93.
', 148), (2619, 149, 'book', '
فالإمام هو الذي يُسيّر الأحداث، فإن كان هذا هو مقصود القائل بالولاية التكوينيّة، فعندئذ نقول: إنّ هذا ينقسم إلى قسمين أو يحتمل فيه احتمالان: إمّا أن يفترض أصحاب هذا الرأي أنّ الإمام يسيّر الأحداث وفق عللها الغائبة عنّا والتي عرّفها له الله تبارك وتعالى، فالإمام وفق العلل يسيّر الأحداث، وإمّا أن يفترض ـ ما يشبه مقولة المفوّضة ـ أنّ الله تبارك وتعالى كأنّما فوّض الاُمور إليهم، وبدلاً عن إرادة الله ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تحلّ إرادة الأئمّة(عليهم السلام) ويقع ما يريدون، فهم الذين يريدون الحياة لمن يحيى ويريدون الموت لمن يموت، وهكذا، وبالإرادة مباشرةً يفعل الإمام مايريد.
فإن فُرض الأوّل ـ وهو: أنّ الله تبارك وتعالى أرشد الأئمّة(عليهم السلام)إلى علل الحوادث والأحداث، فيتصرفون في العالم وفق تحريك العلل ـ فهذا كلام في الوقت الذي لم أجد دليلاً عليه لا في كتاب ولا في سنّة، لا يوجد دليل مخالف ومعارض له في الكتاب والسنّة، ولا توجد لدينا ضرورة دينيّة تمنع عن القول بذلك.
أمّا لو قصدوا المعنى الثاني ـ وهو: أنّ الله فوّض إليهم الاُمور، فكما أنّ الله تبارك وتعالى يفعل ما يريد وما يشاء وبإرادته يُسيّر العالم كذلك نفترض الإمام(عليه السلام)، وكأنّه يحلّ محلّ الله تبارك وتعالى، وبإذنه سبحانه ومشيئته ـ فهذا في روحه يرجع إلى التفويض، أو إلى شِقٍّ من شقوق التفويض الذي ننكره كما ننكر الجبر ونقول: لا جبر ولا تفويض.
', '', 149), (2619, 150, 'book', 'إنّ التفويض له معنيان وشِقّان: فتارةً يُفترض أنّ الله تعالى فوّض العالم إلى عباده وهو كأنّما ترك العالم، وعبادُه يفعلون ما يريدون. واُخرى يفترض: أنّ الله تبارك وتعالى فوّض العالم إلى قسم من عباده فقط وهم المعصومون(عليهم السلام). وهذا التفويض بشقّيه يخالف ظاهر الآيات المباركة التي تسند الاُمور دائماً ومباشرة إلى الله تعالى كما في الآيات التي أشرنا إليها، منها قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَْنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿لن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا﴾، وما شابه ذلك.
كما أنّ هناك آيات اُخرى تقبل الحمل على نفس المعنى الذي ندّعيه، من قبيل قوله تعالى بالنسبة إلى المسيح(عليه السلام): ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾(1)، فالمقطع الأوّل: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ هو من القسم الذي ذكرناه من أنّ فعل البشر ينسبه إلى الله بالمعنى الذي شرحناه، فقد خلق من الطين كهيئة الطير ـ وكلّ إنسان يستطيع أن يخلق من الطين كهيئة الطير ـ وهو فعل البشر ومع ذلك فإنّ الله تعالى يقول: ﴿بِإِذْنِي﴾، وكلّ ما قام به عيسى (عليه السلام) هو بإذن الله، من إبراء الأكمه والأبرص وإخراج الموتى وغير ذلك. كما أنّ الآية الاُخرى تتحدّث عن لسان
', '(1) سورة المائدة، الآية: 110.
', 150), (2619, 151, 'book', '
عيسى (عليه السلام): ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾(1).
إنّ كلمة ﴿بِإِذْنِي﴾ أو كلمة ﴿بِإِذْنِ اللّهِ﴾ في هذه الآيات المباركة هي على منوال الآية الاُخرى التي تقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إلاَّ بِإِذْنِ الله﴾(2) الذي يعني أنّ الموت من قبل الله تعالى، فهو الذي يميت النفس، وهو الذي يميت الإنسان، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إلاَّ بِإِذْنِ الله﴾.
بعض روايات إثبات الولاية التكوينيّة للأ ئمّة(عليهم السلام):
أمّا الروايات التي قد يُتمسَّك بها لإثبات الولاية التكوينيّة للأئمّة (عليهم السلام)، فهي من قبيل ما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة، كقوله(عليه السلام): « بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَمَاءَ أنْ تَقَعَ عَلَى الاْرْضِ إلاّ بِإذْنِهِ وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ... ». قد يفترض أنّ هذا يعني الولاية التكوينيّة، أي: أنّ الأئمّة(عليهم السلام) هم الذين يديرون الأرض والسماء والغيث وما شابه، وكذلك الرواية المعروفة أو الحديث القدسي المعروف على الألسن: « لولاك لما
', '(1) سورة آل عمران، الآية: 49.
(2) سورة آل عمران، الآية: 145.
', 151), (2619, 152, 'book', '
خلقت الأفلاك »(1)، ومنها الروايات الواردة بعنوان: لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها، فيقال: إنّ حياة العالم مرتبطة بحياة الإمام والحجّة المعصوم، ولولاه لفنى وانتهى العالم، ومنها ما روي عن أبي حمزة: « قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت »(2)، ورواية اُخرى، وهي التوقيع الشريف المعروف عن الإمام صاحب الزمان(عليه السلام) الذي أجاب فيه عن عدّة أسئلة من جملتها قوله(عليه السلام): « وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء »(3)، وعن الإمام الباقر(عليه السلام) يقول: « لو بقيت الأرض يوماً بلا إمام منّا، لساخت بأهلها، ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه، إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، وإذا أراد الله أن يهلكهم ولا يمهلهم ولا يُنظِرهم، ذهب بنا من بينهم ورفعنا الله، ثُمّ يفعل الله ما يشاء وأحبَّ »(4)، وأمثال هذه الروايات كثيرة وهي شبه متواترة كلّها تدلّ على هذا المضمون، وعلى أنّ قوام العالم بالإمام المعصوم وبدونه ينتهي العالم.
', '(1) البحار 16: 406، الحديث 1.
(2) البحار 23: 28، الحديث 40.
(3) البحار 52: 92، الحديث 7.
(4) البحار 23: 37، الحديث 64.
', 152), (2619, 153, 'book', '
فمجموع هذه الروايات لا شكّ في أنّها تعطي معنى مسلّماً عند أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، وهو أنّ قيام العالم ووجود العالم وسبب الحياة في العالم كلّه مرتبط بالإمام المعصوم، ولولاه لما كان شيء من هذا القبيل، إلاّ أنّ هذا لا يعني ما يسمّى بالولاية التكوينيّة، فافتراض أنّهم ـ سلام الله عليهم ـ هم الذين يباشرون العمل الذي يفترض مباشرته من قبل الله تبارك وتعالى شيء، وافتراض أنّ الله تعالى هو الذي يديم العالم ويدير الاُمور ببركتهم ـ سلام الله عليهم ـ شيء آخر، وهذه الروايات إنّما دلّت على المفهوم الثاني ولم تدلّ على المفهوم الأوّل، فالاستدلال بها على مبدأ الولاية التكوينيّة بالمعنى الأوّل خلط بين المفهومين.
قق
', '', 153), (2619, 154, 'book', ' ', '', 154), (2619, 155, 'book', 'الفصل الخامس
قيادة الأئمّة (عليهم السلام)للمجتمع
* الإمام(عليه السلام)والاُمّة.
* تنوّع الأدوار القياديّة للأ ئمّة (عليهم السلام).
', '', 155), (2619, 156, 'book', ' ', '', 156), (2619, 157, 'book', 'نبحث الآن في كيفيّة قيادة الأئمّة(عليهم السلام) للمجتمع، وما هي العناصر الثابتة والمتغيّرة في قيادتهم؟ وكيف واجه الأئمّة متغيّرات عصورهم؟ وما هو موقفهم(عليهم السلام) من السلطات الوقتيّة الظالمة؟ وكيف تعاملوا معها ومع المعارضة الشيعيّة ضدّها؟ وسوف نتناول مراحل عمل الأئمّة(عليهم السلام) في ضوء المخطَّط العامّ للإمامة في قيادة المجتمع وهدايته وتحصينه ضدّ الانحرافات، وصيانة التجربة الإسلاميّة ـ التي تعرّضت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) للاهتزاز والزيغ ـ من السقوط والزوال. وسنعرض دور أربعة أئمّة كنماذج للدراسة، هم: الإمام عليّ(عليه السلام)، والإمامان الحسن والحسين(عليهما السلام)، والإمام عليّ بن الحسين(عليه السلام).
الإمام (عليه السلام) والاُمّة
العلاقة التي تربط الإمام بالاُمّة والاُمّة بالإمام ترتكز على محور الإمامة، فالإمام قائد ديني، وقائد اجتماعي، ولازم قيادته في كلا الأمرين عمله على هداية الاُمّة وبيان الأحكام الإلهيّة لها، وصيانة الرسالة من الانحراف، بالإضافة إلى كون الإمام قدوةً للاُمّة في أخلاقه وسلوكه، هذا من جهة. ومن جهة اُخرى إنّ الإمام قائد
', '', 157), (2619, 158, 'book', 'للمجتمع يعمل على إدارته وحلّ مشاكله، وإنجاح الاُطروحة الإسلاميّة، خصوصاً إذا كان الإمام مبسوط اليد وله قدرة سياسيّة مؤثّرة. أمّا إذا لم يكن الإمام مبسوط اليد وليست بيده قدرته، فحقّ الاُمّة عليه ـ الذي لا ينفكّ عن منصب إمامته ـ هو هداية المجتمع وبيان الأحكام الشرعيّة له، فهو حقّ ثابت في جميع الظروف والأحوال.
أمّا بالنسبة إلى الاُمّة في علاقتها مع الإمام، فالحقّ الثابت عليها هو اتّباع الإمام والاقتداء به وعدم الخروج عن طاعته.
يقول الإمام عليّ (عليه السلام) موضّحاً دوره الديني والاجتماعي بعد إقصائه عن منصب السلطة السياسيّة: «والله لا دخلت المسجد ( أي مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ) إلاّ كما دخل أخواي موسى وهارون إذ قال له أصحابه: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، واللهِ لا أدخل إلاّ لزيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو لقضيّة أقضيها، فإنّه لا يجوز لحجّة أقامه رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يترك الناس في حيرة»(1).
فالإمام عليّ(عليه السلام) برغم إقصائه من السلطة والخلافة لم يترك إرشاد الاُمّة وهدايتها؛ لأنّه «لا يجوز لحُجّة أقامه رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يترك الناس في حيرة».
والقاعدة هذه تنطبق على جميع الأئمّة(عليهم السلام)، حيث مارسوا مهمّة قيادة الاُمّة وهدايتها دون أن يكترثوا لضغوط الواقع وقمع السلطات
', '(1) البحار 28: 202 ـ 203.
', 158), (2619, 159, 'book', '
الظالمة. وعلى الرغم من أنّ بعض الكتّاب المنحرفين طعنوا بسيرة الأئمّة (عليهم السلام)وميّزوا بينهم في العمل الاجتماعي متّهمِين بعضهم بعدم ممارسة وظيفتهم في قيادة المجتمع، لكنّ حقائق السيرة المطهّرة للأئمّة الأطهار(عليهم السلام) تؤكّد عكس ذلك، وإنّ أبرز دليل على تصدّي الأئمّة(عليهم السلام) لقيادة المجتمع ومنع الانحراف فيه هو موقف الطواغيت المعادي للأئمّة(عليهم السلام)، والذي كانت تعبّر عنه: المضايقات، والعيون المبثوثة حول الإمام، والسجون، ووسائل القتل المتنوّعة، فالأئمّة(عليهم السلام) قضوا إمّا مسمومين أو مقتولين بحدّ السيف.
فلماذا سلك الطواغيت هذا السلوك الظالم مع الأئمّة لولا أنّهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ كانوا من الناشطين في قيادة المجتمع والمعارضين للسلطات الطاغوتيّة في أزمانهم؟!
فالإمام الحسن(عليه السلام) أوقع الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، وعلى الرغم من ذلك عاد هذا الأخير للفتك بالإمام والتخلّص منه بدسّ السمّ إليه. ألا يدلّ هذا الفعل الشنيع على توجّس وخيفة من الإمام(عليه السلام)؟! فلو كان الإمام قاعداً ومنصرفاً عن القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة، فلا حاجة لمعاوية عندئذ بقتل الإمام.
والإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) الذي قضى عمره مسجوناً في طوامير هارون الرشيد دُسّ له السمّ أيضاً، فقضى مسموماً مقتولاً، فلماذا دسّ هارون السمّ للإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)؟
إنّ السبب الذي جعل هارون الرشيد يعتقل الإمام(عليه السلام) هو نفسه الذي جعله يقدم على قتله، وهو عمق وسِعة الولاء الشعبي للإمام،
', '', 159), (2619, 160, 'book', 'وقد خشي هارون الرشيد من مغبّة تفجّره، لاسيّما وأنّ محاولات هارون في استمالة الإمام إلى جانبه باءت بالفشل جميعاً خصوصاً الطلب الذي تقدّم به إلى الإمام من زيارته(عليه السلام) إيّاه مقابل إطلاق سراحه من السجن.
وقصّة سليمان عمّ هارون الرشيد معروفة، وهو الذي أمر أن يُنادى ـ بعد أن أخرج جثمان الإمام أربعة حمّالين يحملونه ـ: «ألا من أراد الطيّب ابن الطيّب موسى بن جعفر فليخرج»(1)، فحدثت تلك الضجّة المعروفة، وشيّع الإمام تشييعاً عظيماً.
فلماذا فعل سليمان هذا الفعل وأمر بتشييع الإمام بتلك الصورة؟ هل كان مخلصاً للإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)؟!
كلاّ لم يكن سليمان موالياً للإمام فضلاً عن كونه مخلصاً، بل كان من أنصار هارون الرشيد، ومن السائرين بركب الظالمين، ولكنّه فعل هذا الأمر لأنّه عرف بأنّ تشييع الإمام بهذه الطريقة يحمله أربعة من الحمّالين ليس في صالح هارون الرشيد، فأراد أن يمتصّ الغضب الشعبي بهذه الطريقة. وفي هذه القصّة دلالة على عمق وسعة الولاء الشعبي للإمام، وهو الذي خشي منه هارون الرشيد فارتكب تلك الحماقة فقتل الإمام(عليه السلام).
وكذلك الأمر بالنسبة إلى أ ئمّتنا المتأخّرين كالإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، وبالأخصّ الإمام العسكريّ(عليه السلام)، فعلى الرغم من
', '(1) البحار 48: 227، الحديث 29.
', 160), (2619, 161, 'book', '
أنّهما كانا محتجبين عن قواعدهما الشعبيّة (الشيعيّة) نسبيّاً؛ لأنّهما كانا يهيّـئان الشيعة لاستقبال الغيبة، إلاّ أنّهما لم يتخلّصا من رقابة السلطات وعيونها المبثوثة التي تترصّد المولود المنتظر ابن الإمام العسكريّ(عليه السلام).
ولهذا عمد الإمام العسكري لإخفاء المولود ( الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه ) والتعتيم عليه، وحتّى إخفاء اسمه حفاظاً عليه من بطش السلطة الظالمة.
وبكلمة واحدة نقول: إنّ أقلّ دليل يمكن أن نستدلّ به على الموقع القيادي والمؤثّر للأئمّة(عليهم السلام) في المجتمع هو توجّس السلطات خيفة منهم، ومطاردتهم والفتك بهم جميعاً(عليهم السلام)، باستثناء الإمام الحجّة المنتظر ـ عجّل الله فرجه ـ الذي هو غائب عن الأبصار.
والإمام الحجّة ـ عجّل الله فرجه ـ هو الآخر ليس بعيداً عن التدخّل في القضايا الاجتماعيّة، ولكن على نحو غير اعتيادي أو طبيعي بسبب ظروف الغيبة. والدليل على ذلك قوله ـ عجّل الله فرجه ـ في التوقيع المروي: «أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء»(1). فالإمام ينتفع به كما ينتفع بالشمس المغيّبة بالسحاب. وقد تحمل الرواية بقرينة ذيلها: «إنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء»
', '(1) البحار 53: 181، الحديث 10.
', 161), (2619, 162, 'book', '
على الارتباط التكوينيّ المرتكز على فكرة (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها)، أي: أنّ الإمام هو قطب رحى الأرض وثباتها.
ونحن لا نمانع من فهم هذا المعنى من الحديث بالمقدار الذي قبلناه في بحث الولاية التكوينيّة، ولكنّنا نقول إضافةً إلى ذلك: إنّ هذه الرواية وكذلك روايات اُخرى تؤكّد أنّ الإمام الحجّة ـ عجّل الله فرجه ـ يمارس وظيفة الهداية والإرشاد للمجتمع، فعن الإمام الصادق(عليه السلام): «لم تخلُ الأرض منذ خَلَقَ الله آدم من حجّة لله فيها، ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله»، فلم تشر هذه الرواية إلى ارتباط العالم بالإمام تكوينيّاً، وإنّما ذكرت ارتباط المجتمع بالإمام ارتباط هداية وإرشاد، ولم تقل: لولا وجود الإمام لساخ العالم أو لساخت الأرض، وإنّما قالت: لولا وجود الإمام لم يعبد الله.
وأيضاً قال سليمان الأعمش: فقلت للصادق(عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟ قال(عليه السلام): «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(1). وقد تكون هذه الرواية ناظرةً أيضاً إلى الجانب التكويني وإلى جانب الهداية والإرشاد في وقت واحد.
فوائد وجود الإمام الحجّة(عليه السلام) تحت الستار:
لقد تساءل اُستاذنا السيّد الشهيد محمّدباقر الصدر(قدس سره) في كتابه (بحث حول المهدي) عن فائدة وجود الإمام وما هو المبرّر لذلك
', '(1) البحار 23: 6، الحديث 10.
', 162), (2619, 163, 'book', '
بعد أن فرض تحت الستار؟ فأجاب مفترضاً وجود ثلاث فوائد اجتماعيّة تصبّ في إنجاح وتمكّن الإمام ـ عجّل الله فرجه ـ من ممارسة قيادته بدرجة أكبر:
الفائدة الاُولى: الإعداد النفسي لعمليّة التغيير الكبرى، بمعنى: أنّ «عمليّة التغيير الكبرى تتطلّب وضعاً نفسيّاً فريداً في القائد الممارس لها مشحوناً بالشعور بالتفوّق، والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي اُعِدَّ للقضاء عليها ولتحويلها حضاريّاً إلى عالم جديد، فبقدر ما يعمر قلب القائد المغيّر من شعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها، وإحساس واضح بأنّها مجرّد نقطة على الخطّ الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسيّة على مواجهتها، والصمود في وجهها، ومواصلة العمل ضدّها حتّى النصر.
ومن الواضح أنّ الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يراد القضاء عليه من حضارة وكيان، فكلّما كانت المواجهة لكيان أكبر ولحضارة أرسخ وأشمخ تطلّبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم. ولمّا كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم وبالجور تغييراً شاملاً بكلّ قيمه الحضاريّة وكياناته المتنوّعة، فمن الطبيعي أن تفتّش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالَم كلّه، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالَم الذين نشؤوا في ظلّ تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدالها بحضارة العدل والحقّ؛ لأنّ من ينشأ في ظلِّ حضارة راسخة تعمّر الدنيا بسلطانها وقيمها
', '', 163), (2619, 164, 'book', 'وأفكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها؛ لأنّه ولد وهي قائمة، ونشأ صغيراً وهي جبّارة، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة، وخلافاً لذلك شخص يتوغّل في التأريخ عاش الدنيا قبل أن ترى تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الاُخرى ثمّ تداعت وانهارت، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتاب تأريخ، ثمّ رأى الحضارة التي يقدّر لها أن تكوِّن الفصل الأخير من قصّة الإنسان قبل اليوم الموعود، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبيّن، ثمّ شاهدها وقد اتخذت مواقعها في أحشاء المجتمع البشري تتربّص الفرصة لكي تنمو وتظهر، ثمّ عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب بالنكسة تارةً ويحالفها التوفيق تارةً اُخرى، ثمّ واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدّرات عالَم بكامله، فإنّ شخصاً من هذا القبيل عاش كلّ هذه المراحل بفطنة وانتباه كاملين ينظر إلى هذا العملاق ـ الذي يريد أن يصارعه ـ من زاوية ذلك الامتداد التأريخي الطويل الذي عاشه بحسّه لا في بطون كتب التأريخ»(1).
ففرق بين ما لو كان القائد المعدّ لقطع دابر الظلمة مولوداً في عصر اُبّهة ذلك الظالم وهيمنته وسطوته، وما لو كان القائد موجوداً في عصر سابق. وما أكثر ما يرى خلال هذه المدّة الطويلة من الظَلَمة الذين يعاشرهم من أوّل نقطة ضعفهم وضآلة وضعهم، وإلى أن يصلوا إلى نهاية طغيانهم، وإلى أن يضمحلّوا مرّةً اُخرى، ثمّ يعاصر آخر
', '(1) بحث حول المهدي: 42 ـ 45.
', 164), (2619, 165, 'book', '
الأوضاع الظالمة التي بدأ أيضاً الطواغيت فيها بأدوار ضآلتهم إلى أن تفرعنوا، وكان هذا القائد مأموراً بتطهير الأرض منهم ومن آثارهم، فستكون للقائد عندئذ نفسيّة متهيّـئة ومستعدّة للعمل الجادّ أكثر ممّا لو فتح عينيه منذ البدء في عصر اُبّهتهم وسيطرتهم.
الفائدة الثانية: الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القياديّة، بمعنى: أنّ « التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارات المتعاقبة والمواجهة المباشرة لحركتها وتطوراتها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القياديّة لليوم الموعود؛ لأنّها تضع الشخص المدّخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكلّ ما فيها من نقاط الضعف والقوّة، ومن ألوان الخطأ والصواب، وتعطي لهذا الشخص قدرةً أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعيّة بالوعي الكامل على أسبابها، وكلّ ملابساتها التأريخيّة»(1).
الفائدة الثالثة: الاقتراب من مصادر الإسلام الاُولى، بمعنى: أنّ «عمليّة التغيير المدّخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معيّنة هي رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أن تتطلّب العمليّة في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الاُولى، قد بُنيت شخصيّته بناءً كاملاً بصورة مستقلّة ومنفصلة عن مؤثّرات الحضارة التي يقدر لليوم الموعود أن يحاربها»(2).
إنّ افتراضات اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) هذه حول فائدة الغيبة
', '(1) المصدر السابق: 47.
(2) المصدر السابق: 47 ـ 48.
', 165), (2619, 166, 'book', '
الطويلة للإمام الحجّة الغائب ـ عجّل الله فرجه ـ واجهت اعتراضاً مفاده: أنّ الإمام الحجّة، وهو إمام معصوم ملهم من قبل الله سبحانه وتعالى، لا يحتاج إلى كثرة التجارب لغرض الإعداد النفسي وتعميق الخبرة القياديّة؛ لأنّه حاصل على هذه الملكات بحكم إمامته.
إنّ هذا الاعتراض غير وارد على هذه الفوائد التي ذكرها اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره)؛ وذلك لأنّه لا تنافي بينها وبين افتراض أنّ الإمام مزوَّد بالعلم والمعرفة مباشرةً من قبل الله تعالى، فتسديد الإمام(عليه السلام)من قبل الله قد تختلف طريقته، فتارةً عن طريق الإلهام، واُخرى بهذا النحو الذي ذكره اُستاذنا السيّد الشهيد(رحمه الله) ـ وهو التجارب ـ ويتمّ تكميله بهذا الاُسلوب، وثالثةً بالجمع بينهما. وهذا محتمل الصحّة ولا تنافي بين الأمرين.
أمّا بالنسبة إلى مقارنة هذه النقاط ـ التي ذكرها اُستاذنا السيّد الشهيد ـ مع الرواية التي أوردتُها حول أثر وجود الإمام الحجّة في زمن غيبته: «أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء»، فلا شيء من التقارب بينهما؛ لأنّ الرواية غير ناظرة إلى هذه النقاط، ومضمونها لا يشير إليها، لكنّ الذي تشير إليه هذه الرواية هو امتداد تأثير الإمام القيادي والاجتماعي والتكويني على طول غيبته، كما أنّ الشمس تؤثّر وهي خلف السحاب.
', '', 166), (2619, 167, 'book', 'تنوّع الأدوار القياديّة للأ ئمّة (عليهم السلام)
تكاد تكون قيادة الأئمّة(عليهم السلام) للمجتمع الإسلاميّ من البديهيّات المعروفة في التأريخ الإسلاميّ، برغم أنّ قيادتهم لم تجرِ بنسق واحد وطريقة واحدة، بمعنى أنّها مرّت بمراحل وأدوار تأريخيّة يكمّل بعضها البعض الآخر، وتحديد الأدوار القياديّة للأئمّة الأطهار(عليهم السلام) بداية ونهاية يرجع إلى تصوّر يتّفق مع طبيعة الأحداث المنظورة في خطّ تأريخ الإسلام، فيما يتعلّق بأعمال الأئمّة ومواقفهم من الدولة والمجتمع والاُمّة التي خلّفها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وبمواقف الحكم المنحرف من الأئمّة أنفسهم، كما أوضح ذلك اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) في محاضراته التي طبعت في كتاب (أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف).
واُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) ذكر في الكتاب المذكور ثلاث مراحل تأريخيّة في قيادة الأئمّة(عليهم السلام) للمجتمع، وهي:
المرحلة الاُولى: مرحلة تفادي صدمة الانحراف. وقد عبّر عنها(قدس سره) بقوله: «هذه المرحلة هي التي عاش فيها قادة أهل البيت(عليهم السلام)مرارة الانحراف وصدمته بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت مرارة
', '', 167), (2619, 168, 'book', 'الانحراف وصدمة هذا الانحراف من الممكن أن تمتدّ وتقضي على الإسلام ومصالحه وعلى الاُمّة الإسلاميّة، فتصبح قصّةً في التأريخ لا وجود لها في خطّ الزمن المستمرّ.
الأئمّة(عليهم السلام) في هذه المرحلة عاشوا صدمة الانحراف وقاموا بالتحصينات اللازمة بقدر الإمكان، بكلّ العناصر الأساسيّة للرسالة ضدّ صدمة الانحراف، فحافظوا على الرسالة الإسلاميّة نفسها... وتبدأ هذه المرحلة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتستمرّ إلى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت(عليهم السلام)»(1).
المرحلة الثانية: مرحلة بناء الكتلة الواعية. وقد عبّر عنها اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) بقوله: «هي المرحلة التي شرع فيها قادة أهل البيت(عليهم السلام) ـ بعد أن وضعوا التحصينات اللازمة وفرغوا من الضمانات الأساسيّة ضدّ صدمة الانحراف ـ ببناء الكتلة، بناء الجماعة المنطوية تحت لوائهم، الشاعرة بكلّ الحدود والأبعاد من المفهوم الإسلاميّ المتبنّى من قبلهم(عليهم السلام)... حتّى تكون هذه الجماعة هي الرائد والقائد والحامي للوعي الإسلاميّ الذي حُصّن بالحدّ الأدنى.
هذا العمل مارسه الإمام الباقر (عليه السلام) على مستوى القمّة، وقلنا: إنّ هذه المرحلة استمرّت إلى زمن الإمام الكاظم(عليه السلام)، وفي زمن الإمام الكاظم(عليه السلام) بدأت المرحلة الثالثة»(2).
', '(1) أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: 115.
(2) المصدر السابق: 115 ـ 116.
', 168), (2619, 169, 'book', '
المرحلة الثالثة: ظهور الكتلة الواعية بمستوى تسلّم زمام الحكم. وقد وصف اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) هذه المرحلة بقوله: «لا تحدّد (هذه المرحلة) بشكل بارز من قبل الأئمّة(عليهم السلام) أنفسهم، بل يحدّدها بشكل بارز موقف الحكم المنحرف من الأئمّة أنفسهم؛ وذلك لأنّ الجماعة التي نشأت في ظلّ المرحلة الثانية التي وضعت بذرتها في المرحلة الاُولى، نشأت ونمت في ظلّ المرحلة الثانية، هذه الجماعة غزت العالم الإسلاميّ وقتئذ، وبدا للخلفاء أنّ قيادة أهل البيت(عليهم السلام)أصبحت على مستوى تسلّم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الإسلاميّ إلى حظيرة الإسلام الحقيقي، وهذا خلّف بشكل رئيسي ردود الفعل للخلفاء تجاه الأئمّة(عليهم السلام) من أ يّام الإمام الكاظم(عليه السلام)»(1)، وهذه المرحلة امتدّت من زمن الإمام الكاظم إلى زمن الإمام العسكري(عليه السلام).
وقبل أن نشرع في الحديث عن أئمّة الدور الأوّل والظروف المحيطة بكلّ واحد منهم وفق التقسيم الثلاثي لأدوارهم العامّة، لابدّ من إشارة توضيحيّة مهمّة للاُسلوب والمنهج المتّبع من قبلهم في قيادة الاُمّة وتوجيهها؛ إذ إنّ الأئمّة(عليهم السلام) اختصّوا بأداء منهجيٍّ معيّن في القيادة يختلف عن باقي الناس المتصدّين لنفس المهمّة؛ إذ الأئمّة ليسوا كباقي الناس، فاختصاصهم من قبل الله تعالى بالعصمة والنزاهة وقربهم الداني من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإيكال مهمّة الإمامة لهم
', '(1) المصدر السابق: 116.
', 169), (2619, 170, 'book', '
والنصّ عليهم دون غيرهم، كلّها اُمور جعلت منهجهم القيادي يتّصف بخصوصيّة تتلائم وطبيعتهم هذه.
فالأئمّة(عليهم السلام) من جهة يشتركون مع باقي الناس في أنّهم يعيشون في المجتمع ويؤدّون دورهم الاجتماعي على نحو طبيعي، وتواجههم الأحداث والظروف بنفس الكيفيّة التي تواجه الآخرين، كما أنّ كيفيّة تفاعلهم مع الأحداث والوقائع يتمّ أيضاً بشكل طبيعي، أي: بشكل بشري ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ...﴾، تتكافأ فيه قدراتهم الظاهريّة مع قدرات البشر الاعتياديّة، ولكنّ الأئمّة في الوقت نفسه، وبحكم الخصوصيّات والمؤهّلات التي يتميّزون بها (العصمة، الإمامة، والقرب من رسول الله) يعون الأشياء والوقائع ويدركونها بشكل مختلف وربما مغاير عن باقي الناس؛ لسببين أساسيين:
الأوّل: أنّ وعي الناس للأحداث والوقائع غالباً ما تؤثّر فيه الأهواء النفسيّة والجهل وما إلى ذلك من صفات يتّصفون بها، لكنّ الأئمّة براء منها؛ لعصمتهم واستقامتهم، وبهذا فإنّ الأئمّة(عليهم السلام) يعون الأشياء وعياً عقليّاً محضاً خالصاً من المؤثّرات النفسيّة.
الثاني: أنّ الأئمّة(عليهم السلام) ولقربهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولمهمّة الإمامة التي اُنيطت بهم أخبرهم الرسول(صلى الله عليه وآله) بالحوادث والوقائع الاجتماعيّة العامّة والخاصّة التي ستقع لكلّ واحد منهم، ولهذا فالأئمّة (عليهم السلام) كانوا يعلمون بالأحداث ولا يُباغتون بها كما يُباغت الإنسان الاعتيادي.
ولكن ثمّة سؤال مهمّ في هذا الصدد، هو: هل كان الأئمّة (عليهم السلام)يعملون وتصدر عنهم ردود الأفعال على أساس علمهم هذا، أي:
', '', 170), (2619, 171, 'book', 'على أساس معرفتهم السابقة بالأحداث والوقائع؟ وكيف إذن يتمّ التوفيق بين استجابتهم للأحداث وفق ذلك العلم وبين ما يُتراءى من توافق استجاباتهم مع الأسباب الظاهريّة المألوفة؟
والجواب المعقول عن هذا الاستفهام هو: أنّ الأئمّة كانوا يعملون ويخطّطون لقضايا المجتمع، ولِما تواجههم من أحداث بمستوى طبيعي من السلوك وفق السنن والعلل الظاهرة لها، وكان علمهم الخاصّ أمراً يوفّر لهم رؤيةً وعمقاً واقعيّاً ومستقبليّاً لإدراك ماهيّة القضايا الاجتماعيّة إدراكاً صحيحاً من شأنه تعزيز قدراتهم القياديّة ومهمّاتهم التغييريّة في المجتمع.
فالرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان يعلم بأنّ الكثير من أصحابه سوف يرتدّون بعده، وكان يعلم بنواياهم، ومستويات تديّنهم وإيمانهم ـ وقد ورد عن أئمّتنا(عليهم السلام): «ارتدّ الناس بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلاّ ثلاثة»(1) ـ ومع ذلك كان عمله وتخطيطه للاُمور يجري بشكل طبيعي وفق ظواهر الاُمور ومجريات السنن الطبيعيّة، فمثلاً عندما جهّز الرسول جيش اُسامة بن زيد وأمر بعض الصحابة بمرافقة الجيش تحت إمرته كان(صلى الله عليه وآله) يعلم بأنّ اُولئك (الصحابة) المأمورين بمرافقة الجيش سوف لن يخضعوا لأمره ولن يطيعوه، ولكنّه(صلى الله عليه وآله) لم يعمل بعلمه السابق عنهم، بل عمل بظاهر الحال ريثما تظهر النتائج بشكل طبيعي. والأمر نفسه عندما أفضى الرسول بعلمه لابن عمّه ووصيّه الإمام
', '(1) البحار 34: 274.
', 171), (2619, 172, 'book', '
عليٍّ(عليه السلام) عن مآل الاُمور بعده، فأخبره عن ارتداد الناس وتنكّرهم لخلافته، وعلى الرغم من ذلك لم يعمل الإمام عليّ(عليه السلام) إلاّ بظاهر الاُمور، وهكذا الأمر مع باقي الأئمّة(عليهم السلام)، فالإمام الحسين(عليه السلام)وعلى الرغم من علمه بأنّه سوف يقتل وتُسبى عياله ويُحال بينه وبين أهدافه، لكنّه أعلن لدى خروجه من مدينة جدّه صوب مكّة والعراق للثورة على حكومة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان عن أهداف موضوعيّة، ودعا الناس إلى مؤازرته رافعاً شعار الثورة على الظلم والانحراف المتمثّلين بحكومة يزيد، وداعياً إلى إقامة حكومة الإسلام العادلة، فقوله(عليه السلام): «إ نّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي»(1)، وقوله(عليه السلام): «يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرّمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله»(2)، وكذلك قوله(عليه السلام): «ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً حقّاً»(3)، وقوله(عليه السلام): «فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً»(4)، ونحو ذلك من الكلمات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على المنهج الواقعيّ والموضوعي للأئمّة(عليهم السلام)في قيادة المجتمع، وهو منهج تربوي اُريد له أن يعطي ثماره في تكوين وعي الاُمّة على اُسس صحيحة وأصيلة.
', '(1) البحار 44: 329، الحديث 2.
(2) المصدر السابق: 325، الحديث 2.
(3) المصدر السابق: 381.
(4) المصدر السابق.
', 172), (2619, 173, 'book', '
أمّا تفصيل الحديث عن الأئمّة(عليهم السلام) وفق التقسيم الثلاثي الذي عرفته عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، فنحن هنا نقتصر ـ لضيق المجال ـ على التحدّث عن أئمّة الدور الأوّل مؤجّلين الحديث عن أئمّة الدورين الأخيرين.
', '', 173), (2619, 174, 'book', 'أئمّة الدور الأوّل
تمتدّ المرحلة الاُولى في قيادة الأئمّة للمجتمع ـ وهي مرحلة تفادي صدمة الانحراف ـ من بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتستمرّ إلى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت(عليهم السلام)، فيكون الإمام عليّ(عليه السلام)بدايةً لها، وهو أوّل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الذين شاهدوا بداية انحراف التجربة الإسلاميّة في نطاق الدولة وفيما بعدُ في نطاق المجتمع، بعد أن حِيزت الخلافة عنه وتلقّفها بعض الصحابة متنكّرين لوصيّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومجازفين بحداثة التجربة وجدّة عهد المسلمين بالإسلام، فوضعوا كيان الدولة على حافّة الانهيار، بعد أن اتخذت القيادة طريقاً غير طريقها الصحيح، وكان من الطبيعي ـ على حدّ تعبير اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) ـ أن ينمو الانحراف ويتّسع حتّى يحيط بالتجربة نفسها، فتنهار الزعامة التي تشرف على تطبيق الإسلام، وحينما تنهار الدولة وتنهار زعامة التجربة ينهار تبعاً لذلك المجتمع الإسلاميّ؛ لأنّ المجتمع الإسلاميّ يتقوّم بالعلاقات التي تنشأ على أساس الإسلام، فإذا لم تبقَ زعامة التجربة لترعى هذه العلاقات وتحمي وتقنّن قوانين لهذه العلاقات، فلا محالة ستتفتّت هذه العلاقات وتتبدّل بعلاقات اُخرى قائمة على أساس آخر غير الإسلام، وهذا معناه زوال المجتمع الإسلاميّ.
وبهذا فإنّ الأئمّة(عليهم السلام) ـ وبعد ظهور انحراف التجربة الإسلاميّة
', '', 174), (2619, 175, 'book', 'الفتيّة، واتساع آثار هذا الانحراف إلى الدرجة التي أودت بالتجربة نفسها، وامتداد الآثار السيّئة لهذا الانهيار إلى الاُمّة وتهديد كيانها بالتفتّت ـ قاموا بالعمل على خطّين، وهما على حدّ تعبير اُستاذنا الشهيد(قدس سره):
1 ـ خطّ تسلّم زمام التجربة، زمام الدولة، ومحو آثار الانحراف، وإرجاع القيادة إلى موضعها الطبيعي.
2 ـ خطّ تحصين الاُمّة ضدّ الانهيار، بعد سقوط التجربة وإعطائها من المقوّمات القدر الكافي؛ لكي تبقى وتقف على قدميها.
فكيف عمل الأئمّة(عليهم السلام) على هذين الخطّين ضمن المراحل الثلاث لأدوارهم القياديّة في المجتمع الإسلاميّ؟ هذا ما سنقتصر في الحديث عنه بإيجاز حول أئمّة الدور الأوّل، مستعرِضين المعالم والدلالات الأساسيّة في اُسلوب قيادة كلّ إمام منهم.
الإمام عليّ(عليه السلام)
تمهيد:
قبل أن نتناول الحياة السياسيّة للإمام عليّ(عليه السلام) وطبيعة المنهج الذي اتّبعه من الأحداث بدءاً من مسألة السقيفة وانتهاءً بقصّة الحكمين، لابدّ من الإشارة ولفت الانتباه إلى الظروف التي حالت دون نجاح الإمام في استلام زمام الأمر والسيطرة على الأوضاع إجمالاً، على أن تبقى لكلّ مسألة واجهت الإمام خصوصيّاتها التي سوف نستعرضها لدى تناول منهجه من القضايا المهمّة التي تصدّى
', '', 175), (2619, 176, 'book', 'لها. فالظروف التي حالت دون نجاح الإمام في استلام زمام الأمر ترجع بحقيقة الأمر إلى تركيبة المجتمع الإسلاميّ الذي خلّفه الرسول(صلى الله عليه وآله)، هذه التركيبة التي كانت تستبطن قدراً عالياً من عدم النضوج والوعي الذي أثّر بدوره على الموقف من ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وقد ذكر اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) ثلاثة موانع رئيسيّة تفاعلت فيما بينها لتدع الإمام(عليه السلام) مُقصىً عن الخلافة بلا أنصار يذود بهم عن حقّه، سوى الثلّة المخلصة القليلة من أصحابه، وهم قد نالهم نفس ما نال الإمام من جهل وغمط لشؤونهم، واستخفاف بمنزلتهم وانتهاك لحقوقهم، وهذه الموانع هي:
1 ـ التفكير اللا إسلاميّ من ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)؛ إذ كان المجتمع الإسلاميّ ما يزال جديد عهد بالإسلام، وما تزال الرواسب الجاهليّة تعمل في أنفس الكثيرين من المسلمين، وبالخصوص رواسب التعصّب، والعشائريّة والقبليّة التي حالت دون تأييد المسلمين للإمام عليّ(عليه السلام)؛ إذ كانوا ينظرون إلى مسألة ولاية الإمام بأنّها مجرّد زعامة آثرها الرسول(صلى الله عليه وآله) لابن عمّه وقبيلته، ولم يكونوا ينظرون لها من زاوية عقيديّة وأنّها اختيار الله سبحانه وتعالى.
يقول اُستاذنا السيّد الشهيد حول هذه النقطة: «وأنا أظنّ ظنّاً كبيراً أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) لو لم يكن ابن عمِّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لو أنّ الصدفة لم تشأ أن يكون الرجل الثاني في الإسلام، لو لم يكن من اُسرة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، لو كان من عدي، أو لو كان من تميم، لو كان من اُسرة اُخرى، لكان لهذه الولاية مفعول كبير جدّاً، لقضي على هذا
', '', 176), (2619, 177, 'book', 'التفكير اللا إسلامي... لكن ما هي حيلة محمّد إذا كان الرجل الثاني في الإسلام ابن عمّه؟ لم يكن له حيلة في أن يختار شخصاً دون شخص آخر، وإنّما كان عليه أن يختار من اختاره الله سبحانه وتعالى»(1).
2 ـ وجود قطّاع واسع من المنافقين في المجتمع الإسلاميّ نتيجة انفتاح المجتمع الإسلاميّ قُبَيل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) على مكّة، ودخول اُناس كثيرين إلى الإسلام استسلاماً للأمر الواقع، أو انتفاعاً أو طمعاً أو حرصاً على الجاه، وهؤلاء لم يكن ليروق لهم تزعّم الإمام عليّ (عليه السلام) للتجربة الإسلاميّة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)؛ لِما يعرفونه في الإمام من استقامة على الحقّ لا تدع لهم مجالاً للاستئثار بالمصالح والامتيازات التي كانوا عليها أو التي يطمعون بالحصول عليها، ولهذا عزفوا عن الإمام وتركوه وبايعوا غيره؛ لِما يمثّله غيره من تميّع ومرونة يمكن معهما ضمان استمرار الوجود الرخو للإسلام والذي به تضمن مصالح الطبقة المنافقة في المجتمع الإسلاميّ.
3 ـ حسد بعض الصحابة لأمير المؤمنين(عليه السلام)؛ لِما كان يمثّله الإمام من تحدٍّ أخلاقي لهم، يقول اُستاذنا السيّد الشهيد(رحمه الله) حول هذه النقطة: «عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) كان يمثّل باستمرار تحدّياً بوجوده التكويني، كان يمثّل تحدّياً للصادقين من الصحابة لا للمنحرفين من الصحابة، كان يمثّل تحدّياً بجهاده، بصرامته، باستبساله، بشبابه، بكلّ
', '(1) أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: 83.
', 177), (2619, 178, 'book', '
هذه الاُمور،... كان ردّ الفعل لهذا مشاعر ضخمة جدّاً ضدّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)»(1).
هذه الاُمور وعوامل اُخرى شكّلت موانع كبيرة أمام الإمام عليّ(عليه السلام) في تصدّيه لقيادة التجربة الإسلاميّة، ومن ثَمَّ حالت دون تسلّمه زمام الاُمور والسلطة وإرجاع الاُمور إلى وضعها الطبيعي.
المنهج القيادي عند الإمام عليّ(عليه السلام):
لقد واجهت الإمام عليّ(عليه السلام) عقيب وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) معضلات ومشاكل غاية في الصعوبة والتعقيد، فالوضع السياسيّ والاجتماعي في تلك الفترة أخذ يتحرك باتجاه وكيفيّات متناقضة، وبعيدة عن روح الإسلام وقيمه وأخلاقيّاته، وكان الإمام(عليه السلام) يشاهد بوادر انحراف وتدهور واسعين في الدولة والمجتمع الإسلاميّ، والمشاكل تأخذ أبعاداً أكثر تعقيداً وصعوبة، وفي كلّ تلك الظروف كان منهج الإمام عليّ (عليه السلام) القيادي يسير بنسق واحد ومبدئيّة صارمة وأخلاقيّة مشهودة، من أجل هدف واحد هو إنقاذ المجتمع الإسلاميّ من صدمة الانحراف وتقويم التجربة، ونشر الهداية والاستقامة بعد أن ضرب الضلال والظلام أطنابه في المجتمع، وأنذر بنسف ما تبقّى من قيم صمدت أمام تيّار الانحراف والتآمر الذي يوشك أن يقضي على الإسلام نهائيّاً.
', '(1) المصدر السابق: 84 ـ 85.
', 178), (2619, 179, 'book', '
ويمكن إجمال موقف الإمام عليّ(عليه السلام) من أهمّ القضايا التي واجهته على النحو التالي:
1 ـ موقفه من قصّة السقيفة.
2 ـ موقفه من معاوية بن أبي سفيان.
3 ـ موقفه من قضيّة الحَكمَين والخوارج.
الإمام عليّ(عليه السلام) وقصّة السقيفة:
يمكن إيجاز موقف الإمام عليّ(عليه السلام) من قصّة السقيفة بخمس نقاط هي:
1 ـ معارضته السقيفة معارضة سلمية، وابتعاده عن اُسلوب المعارضة المسلّحة.
2 ـ قيامه بتعبئة الاُمّة تعبئة فكريّة لفتح أنظارها على حجم الانحراف، ولكي تكون بمستوى المسؤوليّة.
3 ـ منعه فاطمة الزهراء(عليها السلام) من الدعاء على الخلفاء.
4 ـ إرشاد المسلمين وتعريفهم الإسلام الصحيح.
5 ـ مبايعته الوضع الذي نتج عن السقيفة.
أمّا بالنسبة إلى النقطة الاُولى، فإنّ السبب الأساس الذي لم يسمح للإمام عليّ(عليه السلام) بمعارضة السقيفة بشكل مسلّح ـ أي باستخدام اُسلوب القوّة ـ يرجع إلى قلّة أنصار الإمام الذين يتفهّمون الأوضاع التي حلّت بالمجتمع الإسلاميّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)؛ إذ الغالبيّة من الناس انطلت عليها المؤامرة، وانصاعت مع الأمر الواقع الذي حدث أثناء السقيفة وفيما بعدها.
', '', 179), (2619, 180, 'book', 'وقد أشار الإمام عليّ(عليه السلام) إلى هذه الحقيقة في كثير من خطبه كقوله: «وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه...»(1)، كما أنّ هناك وقائع رواها التأريخ تؤكّد أنّ الإمام(عليه السلام) كان حريصاً على معالجة بدايات الانحراف بقطع دابره، وكان هميماً في هذا الاتجاه، لكن قلّة أنصاره وقلّة المؤهّلين لخوض غمار الجهاد والتصدّي بالسيف حالت دون تحقيق اُمنيّته، وأرجأته لتغيير اُسلوب المعارضة.
فممّا دوّنه التأريخ: مجيء بعض الصحابة إلى الإمام(عليه السلام)لاستشارته في إعلان المعارضة على الخليفة الأوّل، فما كان من الإمام إلاّ أن أجابهم بقوله: «وأيم الله لو فعلتم ذلك، لما كنتم لهم إلاّ حرباً، ولكنّكم كالملح في الزاد وكالكحل في العين...»(2)، بمعنى أنّ الإمام فضّل نهيهم عن المعارضة؛ لقلّة عددهم بالقياس إلى كثرة أنصار الوضع الجديد.
وفي رواية عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك إلى عليّ(عليه السلام) فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت والله أحقّ الناس وأولاهم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)، هلمّ يدك نبايعك، فوالله لنموتنّ قدّامك، ( فأراد أمير المؤمنين اختبار مدى صدقهم في
', '(1) نهج البلاغة، الخطبة الثالثة: 48.
(2) البحار 28: 191.
', 180), (2619, 181, 'book', '
مدّعاهم ) فقال عليّ(عليه السلام): إن كنتم صادقين، فاغدوا عليَّ غداً محلقين. فحلق أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحلق سلمان، وحلق مقداد، وحلق أبوذر، ولم يحلق غيرهم، ثُمّ انصرفوا، فجاؤوا مرّة اُخرى بعد ذلك، فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت أحقّ الناس وأولاهم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)، هلمّ يدك نبايعك، وحلفوا (أيضاً). فقال: إن كنتم صادقين، فاغدوا عليَّ محلقين، فما حلق إلاّ هؤلاء الثلاثة»(1).
وهناك رواية اُخرى عن الإمام عليّ(عليه السلام) يقول: «اللهّم إنّك تعلم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد قال لي: إن تمّوا عشرين فجاهدهم. وهو قولك في كتابك: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾». قال الراوي: وسمعته يقول: « اللهمّ وإنّهم لم يتمّوا عشرين حتّى قالها ثلاثاً»(2).
وهكذا، ومن خلال هذه الروايات يتّضح أنّ عدم وفرة الأنصار المخلصين للإمام(عليه السلام) كان وراء عزوف الإمام عن استعمال اُسلوب القوّة في مواجهة الانحراف، واقتناعه بالاكتفاء بالمعارضة السلميّة كتعبير عن رفضه للأوضاع القائمة بعد أحداث السقيفة.
وأمّا بالنسبة إلى النقطة الثانية ـ وهي قيام الإمام(عليه السلام) بتعبئة الاُمّه فكريّاً وإنضاج وعيها حول حجم الانحراف ووضعها أمام مسؤوليّتها ـ فقد مارس الإمام هذا الدور على أكثر من صعيد،
', '(1) المصدر السابق: 236، الحديث 21.
(2)المصدر السابق: 229، الحديث 14.
', 181), (2619, 182, 'book', '
واستثمر من أجل إنجاح مهمّته هذه عدّة عوامل وإمكانات متاحة بين يديه، فعلى الصعيد الاجتماعي حاول الإمام(عليه السلام) إيضاح الوضع غير الطبيعي المنحرف الذي أعقب وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) للاُمّة، وقد استثمر لهذه المهمّة سيدة نساء العالمين بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)فاطمة الزهراء(عليها السلام) مستعيناً بمنزلتها الاجتماعيّة لاستثارة عواطف المسلمين ومشاعرهم المرتبطة بها شخصيّاً باعتبارها ابنة الرسول الوحيدة الباقية بين المسلمين بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)، ولهذا فإنّ الاستعانة بفاطمة الزهراء(عليها السلام) لاستثارة عواطف المسلمين المرتبطة برسول الله كان عملاً اُريد منه بالأساس حشد الجانب العاطفي في إطار التعبئة الفكريّة التي مارسها الإمام على أكثر من صعيد.
وفي هذا الاتجاه ورد أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) غالباً ما كان يصطحب الزهراء(عليها السلام) مع ابنيهما الحسن والحسين(عليهما السلام) ويجوب بهم بيوت الأنصار والمهاجرين، ويُحدّثهم عن المسألة مذكّراً إيّاهم بمنزلتهم(عليهم السلام) عند رسول الله، وبالحقّ الذي اغتصب منهم، ويطالبهم بنصرة الحقّ وعدم السكوت على الظلم الذي لحق بآل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله). كما أنّ الإمام(عليه السلام) وعلى صعيد آخر أوعز إلى سيدة نساء العالمين أو أذن لها لكي تخطب في المسلمين حول مسألة فدك، وضرورة استرجاعها. وقد فعلت ذلك في مسجد أبيها(صلى الله عليه وآله) في المدينة، وكان القصد من طرح مسألة فدك هو إيضاح جانب مهمٍّ من الجوانب التي تمّ الاعتداء عليها، يتميّز بمادّيّته ووضوحه لدى المسلمين كافّة، وتوظيف هذه المسألة في هدف عمليّة التعبئة العامّة
', '', 182), (2619, 183, 'book', 'التي كان الإمام(عليه السلام) حريصاً على تنفيذها بالوسائل المتاحة والمشروعة، وإلاّ فمسألة مثل فدك ماذا تعني بالنسبة إلى الإمام مادّيّاً وهو القائل: «بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونِعمَ الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غد جدث، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها...»(1).
وإذا أمكن تصوّر أنّ الإمام(عليه السلام) كان حريصاً على فدك لأهمّيّتها المادّيّة، ولهذا أوعز لفاطمة الزهراء(عليها السلام) بالمطالبة بها، فإنّ ذلك يعبّر عن حرص تدعيم جانب الحقّ والاستفادة من مردودات فدك المادّيّة ـ فيما لو استرجعاها ـ في سبيل إنجاح المعارضة.
أمّا على الصعيد السياسيّ، فقد عمل الإمام(عليه السلام) ـ وفي إطار التعبئة الفكريّة التي كان يقوم بها ـ على الموازنة بين موقفه المعارض من السلطة، وبين حرصه الشديد على عدم انهيار التجربة الإسلاميّة، وبين تقويم السلطة وتوجيه الإرشادات والنصائح لها بغية وضعها على الطريق الصحيح لتطبيق الإسلام، وكان مقتضى هذه الموازنة المعقّدة بين هذه الأهداف الثلاثة استخدام استراتيجيّة موحّدة في العمل ومواجهة الأحداث ضمن ضوابطها ومحدّداتها.
فعلى صعيد المعارضة يذكر التأريخ: أنّ جمعاً من الصحابة المخلصين استشاروا الإمام(عليه السلام) في أمر إنزال الخليفة الأوّل من على
', '(1) البحار 33: 474.
', 183), (2619, 184, 'book', '
منبر رسول الله، فنهاهم الإمام(عليه السلام) عن فعل ذلك مشيراً إلى ردود الفعل المضادّة من جهة، وقلّة عددهم من جهة ثانية، وحبّذ لهم الذهاب إلى مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله) واستغلال فرصة وجود الخليفة في المسجد للتحدّث معه ومحاججته ونصحه، وفعل الصحابة ما بدا لهم من نصيحة الإمام عليّ (عليه السلام)، فذهبوا إلى المسجد، وكان الخليفة الأوّل مرتقياً المنبر، فقام كلّ واحد منهم وتكلّم معه بكلام مفصّل وحاججه إلى أن اُفحم الخليفة ولم يستطع الجواب سوى أنّه قال ـ أمام الناس ـ قولته المشهورة: «وليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني»(1)! ونزل الخليفة من على المنبر وطفق هو وصاحبه هامّين بالخروج من المسجد. ويذكر التأريخ أيضاً: أنّهما مكثا في بيتهما ثلاثة أ يّام متواريَين عن الناس، ولم يحضرا المسجد خشيه تكرار مثل ما حدث(2).
أمّا على صعيد تقويم السلطة وتسديدها بالنصح والإرشادات حفاظاً على التجربة الإسلاميّة من الانهيار، فالتأريخ سجّل لنا الكثيرَ من المواقف المهمّة التي وقفها الإمام(عليه السلام) من الخليفتين الأوّل والثاني، وكيف كان حاضراً في أوقات شدّتهما وحرجهما حتّى قال الخليفة الثاني مادحاً الإمام في هذا الصدد: «لا أبقاني الله لمعضلة لم
', '(1) روي حديث إقالته في المعجم الأوسط 8: 267، ولفظه: «إنّي قد أقلتكم رأيكم إنّي لست بخيركم»، وفي الإمامة والسياسة 1: 31: «لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي»، وقد تكرّر النقل بألفاظ قريبة في مواطن اُخرى.
(2) البحار 28: 189 ـ 204.
', 184), (2619, 185, 'book', '
يكن لها أبو الحسن»(1)، وقوله أيضاً: «لولا عليٌّ لَهَلك عمر»(2)!
وأمّا بالنسبة إلى النقطة الثالثة ـ وهي منع الإمام عليّ(عليه السلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة الزهراء(عليها السلام) من الدعاء على الظالمين ـ فقد وردت روايات كثيرة تؤكّد أنّه غير مرّة همّت سيّدة نساء العالمين(عليها السلام) بالدعاء على الخلفاء، لكنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) كان يتدارك الموقف ويمنعها من الدعاء لأسباب إنسانيّة بحتة؛ ذلك لأنّ دعاء فاطمة(عليها السلام) وشكاية أمرها إلى الله تعالى لن تمرَّ دون استجابة، وهي التي قال لها أبوها(صلى الله عليه وآله): «يا فاطمة، إنّ الله تبارك وتعالى لَيغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(3)، وقال(صلى الله عليه وآله) عنها: «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني...»(4)، وبهذا فإنّ هذا الموقف يندرج في ضمن خطّة الإمام عليّ(عليه السلام) العامّة والرامية إلى إصلاح الاُمور ومعالجتها على نحو موضوعي من غير اضطرار لاتّخاذ مواقف اُخرى قد تنأى بالعمليّة التغييريّة إلى غير أهدافها ومقاصدها.
ومن الروايات الدالّة على هذه النقطة أنّه: «أخرجوا عليّاً(عليه السلام)ملبَّباً، فخرجت فاطمة(عليها السلام) فقالت:... أتريد أن ترمّلني من زوجي؟ والله لئن لم تكفَّ عنه لأنشرنّ شعري، ولأشقّنّ جيبي، ولآتينّ قبر أبي، ولأصيحنّ إلى ربّي. فأخذت بيد الحسن والحسين(عليهما السلام)وخرجت تريد قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فقال عليّ(عليه السلام) لسلمان: أدرك ابنة
', '(1) البحار 76: 53.
(2) البحار 10: 231.
(3) البحار 43: 22، الحديث 12.
(4) البحار 27: 62.
', 185), (2619, 186, 'book', '
محمّد، فإنّي أرى جنبتَي المدينة تكفآن، والله إن نشرت شعرها وشقّت جيبها وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربّها، لا يناظر بالمدينة أن يُخسف بها وبمن فيها. فأدركها سلمان(رضي الله عنه) فقال: يابنت محمّد، إنّ الله بعث أباكِ رحمةً، فارجعي. فقالت: ياسلمان، يريدون قتل عليّ، ما عليّ صبر، فدعني حتّى آتي قبر أبي، فأنشر شعري، وأشقّ جيبي، وأصيح إلى ربّي. فقال سلمان: إنّي أخاف أن يخسف بالمدينة وعليّ بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له إلى بيتك وتنصرفي. فقالت: إذن أرجع وأصبر وأسمع له واُطيع»(1).
وأمّا بالنسبة إلى النقطتين الرابعة والخامسة ـ وهما إرشاد المسلمين وتعريفهم الإسلام الصحيح، ومبايعته الوضع الذي نتج عن السقيفة ـ فإنّ الإمام(عليه السلام) ومن واقع مسؤوليّته الشرعيّة استمرّ يعمل بنهجه في إرشاد الاُمّة وتعريفها الإسلام الذي نأت تجربة التطبيق الجديدة عن أحكامه وقواعده، وكان الإمام بحكم الوضع الذي نتج عن أحداث السقيفة مقصىً عن الإدارة السياسيّة المباشرة لاُمور الاُمّة، الأمر الذي جعل المجتمع الإسلاميّ يعيش بعمق خطرين فادحين: خطر تنحية الرجال الاُمناء على الرسالة عن الإشراف عليها، وخطر تسلّم زمام الاُمور رجال غير مؤهّلين لقيادة التجربة الإسلاميّه، وكان الوضع ينذر ـ وبكلّ المقاييس ـ بتصدّع المجتمع الإسلاميّ وانهياره. ولهذا فإنّ الإمام(عليه السلام) سارع إلى إعلان البيعة
', '(1) البحار 28: 227 ـ 228 الحديث 14.
', 186), (2619, 187, 'book', '
للوضع السياسيّ الجديد الذي حلّ بعد السقيفة درءاً للشقاق والاختلاف والتشتّت، ومنعاً من حصول المفاسد التي قد تنجم عن ذلك، والتي ليس في المجتمع من مقوّمات استيعابها أو هضمها. كما أنّه(عليه السلام) وعلى صعيد العمل مع الاُمّة استمرّ يدافع عن الرسالة، ويدعو إلى سبيل ربّه، ويرشد الناس، ويقضي بينهم، ويمارس جميع وظائفه وصلاحيّاته باعتباره وصيّاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وأميناً على الرسالة، وهو الذي عبّر عن ذلك بقوله صلوات الله وسلامه عليه: «والله لا أدخل (المسجد) إلاّ لزيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو لقضيّة أقضيها، فإنّه لا يجوز لحُجّة أقامه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يترك الناس في حيرة »(1).
ولم يستثنِ الإمام(عليه السلام) في هذا الأمر حتّى الخلفاء الذين اغتصبوا حقّه وتنكّروا له؛ إذ غالباً ما كان يشير عليهم في أوقات حرجهم وحيرتهم بكلّ أمر مستحسن وصحيح وشرعي، بل ويقف منهم المواقف المشرّفة التي لا تليق إلاّ بأمثاله، وقد ذكر التأريخ الكثير من هذه المواقف والتي ليس أوّلها تلك الإشارة التي أشار بها على الخليفة الثاني بعدم ترك المدينة والخروج منها في واحدة من الحروب خشية انفلات الأوضاع وتضرّر الوضع العامّ، ولم يكن آخر مواقفه إيعازه لابنه الإمام الحسن(عليه السلام) بمرافقة الجيش الإسلاميّ ومناصرته في إحدى الغزوات.
', '(1) المصدر السابق: 202 ـ 203، الحديث 12.
', 187), (2619, 188, 'book', '
الإمام عليّ(عليه السلام) وموقفه من معاوية:
حينما بُويع الإمام عليّ(عليه السلام) على تولّي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفّان قبلها مكرهاً، وقال قولته الشهيرة: «دَعوني والتَمِسوا غيري... واعلَموا أ نّي إن أجبتكم ركبتُ بكُم ما أعلم، ولم اُصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمَعُكُم وأطوَعُكُم لمن ولَّيتُموه أمرَكُم، وأنا لكم وزيراً خيرٌ لَكُم منّي أميراً»(1). وكان معنى هذا القول فيما يستبطنه من معاني: أنّ الإمام(عليه السلام) يطلب البيعة من الناس على المنهج والخطّ، وليس على الخلافة والإمارة والسلطة بعدما استطاعت التجربة المنحرفة والمتعاقبة على تزييف معنى الخلافة وقيادة المسلمين؛ إذ أمست الخلافة في وجدان القطّاع العريض من المسلمين تشير إلى المنصب، ولا ترى في الرجال الذين يتعاقبون عليه ميزة في منهج أو شيء آخر، لاسيّما وأنّ الانحراف في قيادة التجربة الإسلاميّة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحوّل بمرور الزمن إلى نظريّة وقواعد في الحكم استقرت بشكلها الأكثر انحرافاً في أ يّام خلافة عثمان، فكان الإمام عليّ (عليه السلام) يمثّل الاتجاه الآخر والصحيح، وقد برز هذا الأمر جليّاً أ يّام خلافة عثمان عندما دخل الإمام (عليه السلام) في صراع مكشوف وعلني معه؛ ليثبت للاُمّة محتوى واُسس وأخلاقيّات نظريّته في
', '(1) نهج البلاغة، الخطبة 92: 136.
', 188), (2619, 189, 'book', '
الحكم الإسلاميّ وقيادة التجربة، وكانت الاُمّة مهيّئة أكثر من أيّ وقت مضى للإحساس بحقيقة الاُمور وحقيقة الاختلاف بين منهج الخلفاء ومنهج الإمام عليّ(عليه السلام) في رؤية الإسلام ووعيه وقيادة تجربته في الحكم والخلافة، لكنّ هذا التهيّؤ من قِبَل الاُمّة كان بحاجة إلى كثير من الصقل والتدريب؛ لكي يتحوّل من مجرّد معرفة ونظر إلى موقف عملي ونفسي لتحمّل أعباء ذلك الوعي فيما يتطلّبه من مواقف وحزم وصبر على المشاقّ، سواء في جانب التصدّي للانحراف وتحمّل النتائج، أم في جانب الصبر على التطبيق الجديد للإسلام فيما يقرّره هذا المنهج من زهد في الدنيا وعدالة في التوزيع والحكم والمجتمع قد لا تصبر عليها النفوس التي درجت واُشربت اتّباع المنهج السابق الذي كرّسه الخلفاء وتحوّل إلى ميوعة مطلقة في التعامل مع الحدود والأخلاق الإسلاميّة زمن خلافة عثمان، ولهذا قال الإمام مخاطباً الاُمّة: «أنا لكم وزيراً خير منّي لكم أميراً...»، أي: أن أكون بعيداً عن القرار «وزيراً» خير وأفضل من أن أكون في موقع القرار والمسؤوليّة «أميراً»؛ إذ إنّ الموقع الثاني يستبطن إصدار الأوامر والقرارات الصعبة التي تتطلّب قاعدة بشريّة واعية ومطيعة قد وطّنت نفسها على خوض غمار الصعوبات، وعلى هذا الأساس فإنّ بيعتكم لي يجب أن تكون بيعة قد أخذت في حسابها جميع هذه الاُمور، وإلاّ «فأنا لكم وزيراً خير منّي لكم أميراً».
وقد قبلت الاُمّة شروط الإمام بعد أن بلغ الإصرار أشدّه على
', '', 189), (2619, 190, 'book', 'الإمام في قبول الخلافة، وكان مقتضى هذا القبول هو قبول المنهج الجديد في العمل السياسيّ والاجتماعي والإداري، وكانت خلافته بداية عهد جديد ونقطة تحوّل في الخطّ الذي وجد بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)، كما عبّر عن ذلك اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره): إنّ اُولى وأكبر العقبات التي واجهت الإمام عليّاً(عليه السلام) فور تسلّمه زمام الاُمور هو انشقاق معاوية وتخلّف الشام عن الانضمام إلى بيعته(1) بعد رفض الإمام(عليه السلام)إقراره في منصبه، وبهذا امتطى الإمام(عليه السلام) أوّل صعوبة وخطا أوّل خطوة في إقامة منهجه الخاصّ بالحكم والإدارة خلافاً للمنهج السابق الذي درج عليه الخلفاء في إقرار معاوية في منصبه وصلاحيّاته في الشام.
وعلى الرغم من أنّ هناك من أشار على الإمام(عليه السلام) إقرار معاوية في إمارته على الشام أمداً معيّناً ريثما تستتبّ له الاُمور ثُمّ يتّخذ قراره بعزله عن منصبه، نرى أنّ الإمام لم يستجب لهذا الرأي؛ لوضوح الموقف عنده إزاء هذه المسألة، ولتوافر المبرّرات التي لا تسمح ـ بأيِّ حال من الأحوال ـ باتخاذ منهج آخر مسالم، وهذه المبرّرات ليست مبرّرات سياسيّة بحتاً لكي يستوي فيها الإمام عليّ(عليه السلام) مع غيره فيما لو كان غيره خليفة للمسلمين، وإنّما هي مبرّرات أخلاقيّة لا تصدر إلاّ عن الإمام، ولا تكون مقدّسة ومحترمة إلاّ لأمثاله الذين يضحّون من أجل المبادئ، ولن يكون غيره الذي لا يشابهه في سيرته ومبدئيّته بمستعدّ لفعل ما فعله الإمام، ولهذا قال الأغيار الذين لا يشابهونه: إنّ إقرار معاوية في منصبه حيناً ريثما
', '(1) أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: 104.
', 190), (2619, 191, 'book', '
تستتبّ الاُمور للإمام عليّ(عليه السلام) يعدّ من الحكمة السياسيّة(1)، وإنّ استتباب الاُمور له هو الأهمّ فيما يكون عزل معاوية أمراً مهمّاً، والأهمّ متقدّم على المهمّ في حالة التزاحم. فلِمَ كان الأهمّ عند الإمام هو عزل معاوية، ولِمَ وحّد الإمام بين عزل معاوية وإقامة الدولة ولم يَر فيهما أمرين منفصل أحدهما عن الآخر لكي تأتي هنا «قاعدة التزاحم»؟
لقد أفاد اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في الجواب عن هذا التساؤلوكتفسير لفعل إمامنا أمير المؤمنين(عليه السلام) عدّة مبرّرات(2)، ومن جملتها ما يلي:
1 ـ لقد كان الإمام(عليه السلام) لدى تسلّمه منصب الخلافة يهدف ويخطّط لإيجاد وصنع قاعدة شعبيّة مبدئيّة له في العراق، وأنّ من ضروريّات هذا الهدف التمسّك بالمبادئ ورفض المساومات وأنصاف الحلول مع المنحرفين، لكي يكون قدوة في سلوكه، ولكي تشعر الاُمّة بالمائز العملي بين التطبيق الصحيح للإسلام والتطبيق المنحرف الذي لم ترَ الاُمّة في العراق سواه في طول عهدها مع الإسلام بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).
2 ـ لقد جاء الإمام(عليه السلام) في أعقاب المشاعر الثوريّة التي تأ لّبت ضدّ عثمان بن عفّان والتي نتج عنها مقتله، والمسلمون وقتئذ كانوا
', '(1) قد ورد نقل هذا الكلام عن البعض في كتاب أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: 6.
(2) راجع أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: 8 ـ 31.
', 191), (2619, 192, 'book', '
في مرحلة تصاعد المعنويات وارتفاعها، وفي لحظة زخم ثوري سليم باتجاه القضاء على الانحراف ومحاولة بناء تجربة إسلاميّة صحيحة، وكان الإمام عليّ (عليه السلام) بصدد استثمار هذه الحالة وتوظيفها في بناء المجتمع الجديد. فالمهمّات التي كانت أمام الإمام تحتاج إلى هذا النوع من الطاقة الحراريّة والوعي، وبدونهما لا يمكن خوض غمار الجهاد لإعادة بناء المجتمع والدولة، الأمر الذي لا يسمح بمهادنة معاوية وإبقاء الباطل ولو مؤقّتاً؛ لأنّ مهادنته تعني قتل هذه الروح لما تؤدّيه من الشكّ في حقّانيّة الإمام(عليه السلام) ومبدئيّته.
3 ـ لقد جاء الإمام(عليه السلام) وهو بصدد القضاء على مظاهر الفساد الحكومي والإداري الذي خلّفه معاوية في الدولة والمجتمع الإسلاميّ، واجتثاثه مع جميع تأثيراته وجهازه الإداري الفاسد، ولم يكن بالإمكان ـ حتّى في منطق السياسة ـ إقرار معاوية ومهادنته؛ لأنّ من شأن هذا الإقرار توطيد سلطته وإسباغ الشرعيّة على نظامه الحكومي والإداري، وهذا يتناقض مع ما كان يستهدفه الإمام من إضعاف موقف معاوية وصولاً إلى إزالته من الشام، كما أنّه يتناقض مع ما كان يستهدفه الإمام من إفهام الناس حقيقة المعركة بينه وبين معاوية.
4 ـ لم يكن الإمام(عليه السلام) ضعيفاً حين تسلّم منصب الخلافة، وكانت جميع المؤشّرات تؤكّد انتصار الإمام على خصمه المنكفئ في الشام الحريص على إبقائها تحت سلطته، متشبّثاً بشعار المطالبة بدم الخليفة الثالث، وملمِّحاً إلى اتّهام الإمام عليّ(عليه السلام) في ذلك، وعلى
', '', 192), (2619, 193, 'book', 'أساس خلفيّة هذا الأمر انشقّ معاوية من الانضمام إلى بيعة الإمام وحاول تعبئة الناس ضدّه، وكان هذا كلّ ما يملكه من سلاح ضدّ الإمام. أمّا الإمام فقد كان يمتلك جميع عناصر القوّة التي تمكّنه من دحر عدوّه، وقد تمكّن منه فعلاً لولا خدعة عمرو بن العاص التي قلبت مقاييس القوّة بين الإمام ومعاوية. وهذه الحقيقة بذاتها لا تدع مجالاً للمصالحة أو المساومة مع العدوّ، بل تدفع لمحاربته بغية اجتثاث جذوره، وهذا ما فعله الإمام(عليه السلام) استناداً إلى ثقته بعناصر القوّة التي يمتلكها، وضعف خصمه وعدوّه.
موقف الإمام(عليه السلام) من قضيّة الحَكَمين والخوارج:
إنّ محنة الإمام وحرجه من قضيّة الحَكَمين وقضيّة الخوارج جليّة ولا تحتاج إلى بيان؛ إذ رضخ الإمام لتحكيم الحَكَمين برغم عدم إيمانه بهما، ثُمّ ابتلى بعد ذلك باُولئك الذين رفضوا التحكيم وهم الخوارج، وكان موقف الإمام من كلتا المسألتين حرجاً؛ لأنّه ـ بطبيعة الحال ـ موقف من كلا طرفَي النقيض، أو من النقيضين المرفوضين لديه، وللاختصار وبيان مدى حرج الإمام في هاتين المسألتين نورد القصّة المعروفة التي وردت في واحدة من روايات أهل البيت(عليهم السلام)، وهي: محادثة جرت بين رأس اليهود والإمام حيث سأل رأس اليهود الإمام عليّاً(عليه السلام) عن الامتحانات التي امتحن بها محتجّاً عليه بما ورد في الكتب القديمة من أنّ الوصي يُمتحن بأربعة عشر امتحاناً: سبعة في زمن الرسول، وسبعة بعد الرسول، ويقول
', '', 193), (2619, 194, 'book', 'للإمام: كم امتحنك الله يا عليّ؟(1).
فيجيب الإمام عليّ(عليه السلام) عن هذا السؤال بالتفصيل، وهنا نذكر محلّ الشاهد فقط، وهما: الامتحانان السادس والسابع كما ورد في الرواية. فعن الامتحان السادس يذكر الإمام قضيّة رفع المصاحف والحَكَمين، فيقول: «... فرَفَع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقي من أصحابي بعد فناء خيارهم وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم، فظنّوا أنّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوته، وأقبلوا بأجمعهم في إجابته، فأعلمتهم أنّ ذلك منه مكر، ومن ابن العاص معه، وأنّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي، ولم يطيعوا أمري، وأبوا إلاّ إجابته، كرهت أم هويت، شئت أو أبيت، حتّى أخذ بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحِقوه بابن عفّان، وادفعوه إلى ابن هند برمّته، فجهدت علم الله جهدي، ولم أدع علّة في نفسي إلاّ بلّغتها في أن يخلّوني ورأيي، فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة (بمعنى الفاصل بين حلبتين) أو ركضة الفرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ ـ وأومأ بيده إلى الأشتر ـ وعصبة من أهل بيتي، فو الله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلاّ مخافة أن يقتل هذان ـ وأومأ بيده إلى الحسن والحسين(عليهما السلام) ـ فينقطع نسل رسول الله وذرّيته من اُمّته، ومخافة أن يُقتل هذا وهذا ـ وأومأ بيده إلى عبد الله
', '(1) البحار 38: 167 ـ 168، الحديث 1.
', 194), (2619, 195, 'book', '
بن جعفر، ومحمّد بن الحنفيّة رضي الله عنهما ـ فإنّي أعلم لولا مكاني...»(1).
ويذكر الإمام كيف أنّه أراد أن يعيّن ابن عباس لموضوع الحكمين إلاّ أنّهم أبوا عليه إلاّ أن يعيّن أبا موسى الأشعري، وهكذا قبل الإمام الحكمين تحت تأثير الضغوط التي واجهها والتي على رأسها انفضاض أتباعه وقلّة ناصريه.
أمّا الموقف الحَرِج الآخر الذي واجهه الإمام، فهو موقف الخوارج الذين خرجوا عليه يطالبونه بنقض موقفه من الحكمين بعد أن كانوا من السبّاقين في تأييد الحكمين وتوجيه الضغوط على الإمام لقبول فكرة الحكمين وللرضوخ لمطاليبهما، هؤلاء الذين كانوا يوصفون بالزهد والورع والتهجّد في تلاوة القرآن حتّى وصف تهجّدهم بالقرآن بأنّ لهم دويّاً كدويّ النحل. يقول الإمام(عليه السلام) لرأس اليهود واصفاً اُولئك الخوارج: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان عهد إليّ أن اُقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوماً من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون الكتاب، يمرقون بخلافهم عَلَيَّ ومحاربتهم إيّاي من الدين مروق السهم من الرميّة»(2)!!
وكان هؤلاء الخوارج قد جاؤوا الإمام عليّاً(عليه السلام) وقالوا: «قد كنّا زللنا حين رضينا بالحكمين، وقد بان لنا زللنا وخطؤنا، فرجعنا إلى
', '(1) المصدر السابق: 181 ـ 182.
(2) البحار 33: 382 ـ 383، الحديث 613.
', 195), (2619, 196, 'book', '
الله وتبنا، فارجع أنتَ يا عليّ كما رجعنا، وتب إلى الله كما تبنا وإلاّ برئنا منك»(1)!
لكنّ الإمام لم يوافق هؤلاء الخوارج في مسألة الرجوع عن تحكيم الحكمين. فلماذا لم يتراجع الإمام عن موقفه ذاك ويستجيب لدعوة الخوارج؟ ألم يكن من المناسب إرضاء الخوارج وكسب ودّهم بغية الاستفادة منهم في حربه ضدّ معاوية، لاسيّما وأنّ مسألة التحكيم قد التقى عندها عدم رضا الطرفين بفارق أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام)قد اُكره على تأييد الحكمين، وأنّ الخوارج عدلوا عن رأيهم بعد سبق التأييد والموافقة منهم... ؟!
وللإجابة عن هذا التساؤل نذكر نقطتين:
النقطة الاُولى: معرفة الإمام(عليه السلام) بالظروف التي آلت إلى رجحان كفّة معاوية على كفّته في الحرب، وأنّها ـ أي الظروف ـ لم تزل ماثلة لم يطرأ عليها أيّ تغيير يصبّ في مصلحة الإمام، فالوهن الذي أصاب أصحاب الإمام نتيجة لرفع المصاحف ولغير ذلك لم يزل ثابتاً، الأمر الذي يعني أنّ أ يّة مواجهة جديدة مع معاوية محكوم عليها سلفاً بالفشل. هذا من جهة، ومن جهة ثانية أنّ الاعتماد على الخوارج في هذا الأمر لا يعدّ أمراً حصيفاً؛ لأنّ هؤلاء ليسوا ممّن يعتمد عليهم في مثل هذه الاُمور، لاسيّما وأنّهم هم الذين قد
', '(1) البحار 32: 545.
', 196), (2619, 197, 'book', '
تناقضوا في مواقفهم وسبّبوا الحرج تلو الحرج للإمام(عليه السلام)، فهل يمكن بعد ذلك استعادة الثقة بهم والاعتماد عليهم في المسائل الحسّاسة والخطرة؟!
النقطة الثانية: هي أنّ أخلاق الإمام(عليه السلام) لا تسمح بنقض العهد الذي أبرمه في مسألة تحكيم الحكمين، وكما هو معلوم فإنّ الإسلام يحثّ المؤمنين على التزام عهودهم حتّى ولو كانت مع المشركين. قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾(1). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾(2)، ومعنى هذه الآية الأخيرة هو: أنّه لو أخذ مشرك الأمان بغرض المجيء وسماع كلمة الحقّ، لكنّه بعد ذلك لم يذعن للحقّ، ولم يؤمن به، وأراد الرجوع من حيث أتى، فلا يجوز حينئذ الغدر به وقتله بدعوى استمراره على الضلالة، بل الواجب إبلاغه إلى مأمنه سالماً.
وبهذا فإنّ الإمام لم يجد بُدّاً من الاستمرار على العهد الذي اُبرم معه في مسأله الهدنة مع معاوية وتحكيم الحكمين، ولم تكن المبرّرات متوافرة وقتئذ لاعتبار العهد لاغياً أو منقوضاً. لقد كان للإمام عليٍّ(عليه السلام) في ذلك اُسوة حسنة برسول الله(صلى الله عليه وآله) في تعاهده على الصلح مع المشركين في الصلح الذي عُرف بصلح الحديبيّة.
', '(1) سورة التوبة، الآية: 4.
(2) سورة التوبة، الآية: 6.
', 197), (2619, 198, 'book', '
الإمام الحسن(عليه السلام)
حينما نتناول حياة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) السياسيّة يتمّ التركيز على قضيّة الصلح الذي اُبرم فيما بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، وتُثار في هذا الإطار تساؤلات عن الأسباب التي دعت الإمام الحسن(عليه السلام) لمصالحة معاوية، وعن النتائج التي آل إليها الصلح، وعن جدوى المصالحة مع شخص مثل معاوية، وبالتالي يثار السؤال الرئيسي عن المنهج الذي انتهجه الإمام الحسن(عليه السلام) في هذه المسألة، واختلافه عن منهج أبيه وأخيه من بعده(عليهما السلام)؛ إذ كان منهجهما قائماً على الثورة وعدم مهادنة الظالمين.
ويبدو أنّ الكثير من هذه التساؤلات وأمثالها قد انطلقت على خلفيّة تصوّر غير ناضج ومفتقد للعلميّة ومنهج التفسير التأريخي الصحيح، فتصوّر أنّ الأئمّة(عليهم السلام) يمارسون قيادتهم للمجتمع ومواجهة الانحراف بنسق وطريقة واحدة تصوّرٌ خاطئ؛ لسبب بسيط هو: أنّ كلّ إمام منهم يواجه ظروفاً مختلفة تحكم بالضرورة لانتهاج ما يراه مناسباً لظرفه الخاصّ في إطار الهدف الأساسي الذي يسعى لتحقيقه جميع الأئمّة(عليهم السلام)، وبالتالي فإنّ هدف الأئمّة هو هدف واحد، ومنهجهم في العمل السياسيّ والاجتماعي أيضاً واحد، غاية الأمر أنّ منهج هذا الإمام المعصوم قد يظهر بصورة تبدو للوهلة الاُولى مختلفة عن الصورة التي تظهر في منهج الإمام اللاحق أو الآخر،
', '', 198), (2619, 199, 'book', 'ومردّ هذا التصوّر الزائف هو استعجال النظرة وفقدانها للرؤية الاستراتيجيّة الكلّيّة لعمل وجهاد جميع الأئمّة(عليهم السلام). فصلح الإمام الحسن(عليه السلام) مع معاوية كان في حقيقة الأمر حرباً على معاوية ولكنّها كانت حرباً باردة؛ لأنّها كشفت زيف معاوية أمام الاُمّة، وأبطلت حججه واُسطورته في أذهان الكثيرين من المغفّلين به، وهذا الكشف حينما يوضع في إطار المعركة الشاملة التي قادها الأئمّة(عليهم السلام) مع الانحراف ومظاهره في المجتمع الإسلاميّ تكتمل الصورة؛ إذ يتناسق الموقف بصيغته اللاحقة مع ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) على يزيد بن معاوية، وهكذا إلى أن يتبلور الموقف النهائي للأئمّة(عليهم السلام) في إحكام الخطّ الإسلاميّ الصحيح في المجتمع، وتحصين وحفظ شيعتهم من الذوبان في الاتجاهات الاُخرى المنحرفة.
تفسير صلح الإمام الحسن(عليه السلام) مع معاوية:
لا بُدّ من تفسير الصلح لمعرفة دواعيه وغاياته والنتائج التي تمخّضت عنه، وفي الحقيقة هناك تفسيران يفسِّران إقدام الإمام(عليه السلام)على إبرام الصلح مع معاوية: أحدهما خاصّ والآخر عامّ:
أمّا التفسير الخاصّ، فهو ما بيّنه اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) حول المرض الذي كانت الاُمّة مبتلاة به، وهو مرض الشكّ؛ إذ كانت الاُمّة تشكّ في طبيعة الصراع الذي كان ناشباً بين الإمام الحسن(عليه السلام)ومعاوية، وتتصوّره صراعاً من أجل حيازة السلطة، وليس صراعاً بين الحقّ ممثّلاً بالإمام الحسن(عليه السلام) وبين الباطل ممثّلاً بمعاوية بن
', '', 199), (2619, 200, 'book', 'أبي سفيان، وإنّما هو صراع بين سلطانين. ولم يكن أمام الإمام الحسن(عليه السلام) من سبيل لمعالجة هذا المرض إلاّ بمصالحة معاوية؛ لأنّ الصلح وحده هو القادر على كشف حقيقة معاوية، وإذا ما كشفت الاُمّة حقيقة معاوية سوف تدرك أنّ حربه على الإمام الحسن(عليه السلام)إنّما هي حرب ظالمة، وأنّ الإمام الحسن(عليه السلام) إنّما يدافع عن الحقّ وعن الرسالة، وليس عن السلطان والجاه والرئاسة، وبالتالي فإنّه سوف يصار إلى تعرية بني اُميّة وكشف زيفهم وبطلانهم، وبهذا يُزال مرض الشكّ الذي كانت الاُمّة مبتلاة به، فلا تشكّ بعدئذ بحقّانيّة الأئمّة(عليهم السلام) في دفاعهم عن الرسالة، ولا تصدّق بشعارات بني اُميّة الكاذبة الزائفة.
وأمّا التفسير العامّ، فهو الذي يفسّر نهوض الأئمّة(عليهم السلام) بالأمر على أساس الأمر الواقع، فالإمام(عليه السلام) لا ينهض بالأمر إلاّ عندما تتوافر لديه قوّة ومقدرة تكفي لإنجاح مهمّته وفق المقاييس المعقولة، ولا يشترط في هذه القوّة أن تكون أكبر من قوّة العدوّ من الناحية المادّيّة، بل يكفي أن تكون متوافرة على شروط القوّة المعنويّة التي قد تفوق على القوّة المادّيّة، والإمام الحسن(عليه السلام) لم يحصل على هذه القوّة حتّى بالحدّ الأدنى الذي يمكن أن تستمرّ بواسطته المجابهة، ولهذا اضطرّ إلى إيقاع الصلح مع معاوية.
وهناك نصوص وروايات تؤكّد هذه الحقيقة، حقيقة عدم امتلاك الإمام الحسن(عليه السلام) القوّة التي تمكّنه من الاستمرار في مواجهة معاوية، واضطراره لمصالحته، نختار منها نصّين:
', '', 200), (2619, 201, 'book', 'أحدهما: خطاب له(عليه السلام) يخاطب به أصحابه ويبيّن فيه هذه المسألة: «أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجّهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكُنّا لكم وكُنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثُمّ أصبحتم تصدّون قتيلين: قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر، وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نَصَفَة، فإن أردتم الحياة قبلناه منه وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمناه إلى الله، فنادى القوم بأجمعهم بل البقيّة والحياة»(1)!!
والنصّ الآخر رواية مرويّة عن زيد بن وهب الجهنيّ، قال: «لمّا طُعن الحسن بن عليّ(عليه السلام) بالمدائن أتيته وهو متوجّع، فقلت: ما ترى يا ابن رسول الله، فإنّ الناس متحيّرون؟ فقال: أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء، يزعمون أنّهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني، فتضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سِلماً، فو الله لئن اُسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسيره، أو يمنّ عليّ فتكون سبّة على بني هاشم إلى آخر الدهر ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه
', '(1) البحار 44: 21 ـ 22، الحديث 5.
', 201), (2619, 202, 'book', '
على الحيِّ منّا والميت»(1).
إنّ هذا النصّ وما قَبله يعطياننا فكرة واضحة عن مدى الصعوبات التي كانت تواجه الإمام الحسن(عليه السلام) والتي لم تترك أمامه خياراً سوى المصالحة مع خصمه اللدود، ليس اضطراراً فحسب، وإنّما دفعاً لخصمه نحو الزاوية الحرجة التي يضيق بها فكره وسلوكه أيضاً، فما لبث معاوية بعد حين إلاّ ونقض الصلح وقد تهكّم عليه معلناً عن حقيقته، فكان هذا الأمر كاشفاً عن سياسة معاوية وبطلانه، ومؤكّداً حقّانيّة الإمام(عليه السلام) واستقامته وحكمته، وبذلك انتهى دور الإمام الحسن(عليه السلام) عند هذه المهمّة العظيمة التي مهّد بها السبيل لأخيهالإمام الحسين(عليه السلام).
الإمام الحسين(عليه السلام)
لقد توّج الإمام الحسين(عليه السلام) حياته السياسيّة بصنع حدث كبير هزّ الضمائر، وآل إلى تحولات عظيمة على صعيدَي الفكر والواقع الاجتماعي، فكانت الثورة هي ذلك الحدث الذي انطلق لمواجهة الانحراف الحكومي المتمثّل وقتئذ بيزيد بن معاوية، في وقت كانت الاُمّة قد بلغت حدّاً من النضج جعلها تدرك تلك الأوضاع، وتدرك ضرورة تغييرها، وتتأهّب للمواجهة لإعادة الاُمور إلى مجاريها
', '(1) المصدر السابق: 20، الحديث 4.
', 202), (2619, 203, 'book', '
الصحيحة التي تعرفها أيضاً، فجاء الإمام الحسين(عليه السلام) لينقل هذا الوعي إلى ذروة المواجهة، وليعلن الثورة على الظالمين، مستعيداً سيرة جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، طالباً للإصلاح في اُمّته، ضارباً أروع الأمثلة للتضحية من أجل المبادئ، وبذلك أسّس الإمام الحسين وعياً سياسيّاً جديداً يأبى المصالحة مع الحاكم المنحرف، ويأبى السكوت على انحرافه، أو الركون إليه مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾(1).
آراء المفسّرين:
لقد دارت حول ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) آراء عديدة لتفسيرها ربّما تتناقض فيما بينها ويؤدّي بعضها إلى القول بأقوال غريبة أو غير معقولة، وقد تساهم في تشويه الهدف الذي نهض وثار من أجله الإمام(عليه السلام)، ولهذا سوف نستعرض نماذجَ مهمّةً من هذه الآراء لمناقشتها ونفي الفاسد منها وإثبات الصالح الموافق لطبيعة الثورة وأهدافها وغاياتها:
هناك رأيان أساسيّان يهيمنان على حدث الثورة لاستكناه أسبابها ودواعيها وغاياتها في الواقع الشيعي: الأوّل غير هادف، والثاني هادف، وينقسم الرأي الثاني بدوره إلى قسمين في تحقيق مصداقيّة الهدف من خلال تفاصيل حدث الثورة ونتائجها، وسوف
', '(1) سورة هود، الآية: 113.
', 203), (2619, 204, 'book', '
نستعرض ذلك تباعاً:
أمّا بالنسبة إلى الرأي غير الهادف والذي أنتجه العقل الشيعيّ الجمعيّ لعدد من سواد الناس، والفاقد للدليل والبرهان، فمفاده: أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) إنّما خرج وأعلن ثورته على يزيد بن معاوية لا لشيء إلاّ ليُقتَل ويستشهد على أيدي الظالمين من أجل أن يصبح موضوعاً للتأسّي والألم والبكاء من قبل شيعته ومحبّيه، ولكي يكون ذلك سبباً لغفران ذنوبهم وتخليصهم من عقاب الآخرة وإدخالهم الجنّة.
ومن الواضح أنّ هذا التفسير يلغي هدفيّة الإمام الحسين بالشكل الذي يمكن للعاملين الهادفين الاقتداء به، ويجعل ذلك عملاً قائماً على أساس تعبّد بحت خاصٍّ به(عليه السلام)؛ لأنّنا لو كنّا وظاهر ما بأيدينا من نُظُم الشريعة، لقلنا بترتّب الإشكال الشرعي على التضحية التي قام بها الإمام؛ إذ إنّ السبب المذكور آنفاً يفتقد الملاك الشرعي الذي بموجبه يجوز إراقة الدم وتعريض النفس للهلاك.
ويرد على هذا الوجه: أنّ الأهداف التي أعلنها الإمام في خطبه وبياناته صادعة بأنّ للإمام هدفاً رئيسيّاً هو طلب الإصلاح في اُمّة جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّ الروايات التي وردت تبشّر بالثواب الجزيل لمن يبكي على مصاب الإمام(عليه السلام)، لا يمكن أن يُقبل في تفسيرها أكثر من التأكيد على حصول الثواب، ولا يمكن قبول فرضيّة أنّ الحسين(عليه السلام) قُتل لكي تبكي عليه الشيعة ويوجب ذلك دخولهم الجنّة وغفران ذنوبهم مهما عظُم إجرامهم، فإنّ الاعتقاد
', '', 204), (2619, 205, 'book', 'بمثل هذا الرأي يبطل الأهداف التغييريّة التي جاء بها الإسلام وعمل بها الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام) من بعده، فالتغيير لا يحصل إلاّ باتِّباع جميع مقرّرات الشريعة ومن خلال العمل الصالح والإيمان واليقين.
أمّا بالنسبة إلى الرأي الهادف في تفسير ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)، فهو الرأي الذي يتحرّك على أساس هدفيّة الإمام الحسين في إعلانه المعارضة على حكم يزيد والثورة عليه والتصدّي للظالمين. وفي دائرة هذا الرأي ثمّة اتجاهان يفسّران عمل الإمام الحسين:
الاتجاه الأوّل: هو الاتجاه الذي يذهب إلى أنّ هدف الإمام الحسين كان إقامة الحكومة الإسلاميّة، ولم يكن هدفه الاستشهاد، وإنّما شاءت الأقدار فاستشهد، فكانت شهادته خسارة عظيمة للإسلام ولم يكن فيها نفع، وقد يكون لهذا الرأي دعاته ومتبنّوه، ولكنّنا نختار نموذجاً واحداً هو صالحي نجف آبادي في كتابه (شهيد جاويد)، وهذا الكتاب فارسي.
الاتجاه الثاني: ـ ويمثّله اُستاذنا الشهيد(قدس سره) ـ أنّ الإمام الحسين(عليه السلام)خرج وهو يقصد الشهادة ويطلبها وكانت هي غايته النهائيّة، وكان الهدف منها هو إحداث هزّة عنيفة في نفوس وضمائر المسلمين، اُولئك الذين كانوا مبتلين بمرض «ضعف الإرادة» كما أسماه السيّد الشهيد(قدس سره)، فالاُمّة آنذاك وفي زمن الإمام الحسين(عليه السلام) بالذات كانت تعرف الحقّ وأهله وتعرف الباطل وأهله، تعرف انحراف يزيد وظلمه وعدم شرعيّته، وتعرف الإمام الحسين(عليه السلام) واستقامته وشرعيّته، ولكنّها كانت ضعيفة الإرادة خائفة لا تقدر أن تترجم
', '', 205), (2619, 206, 'book', 'أحاسيسها ووعيها إلى أعمال ومواقف، ولهذا وجد الإمام الحسين(عليه السلام) أنّ أيّ عمل سيصبح عديم الجدوى مع اُمّة تعاني من وطأة هذا المرض الوبيل، وسوف لن يكون بمقدور أيّة حركة تصحيحيّة أن تجني ثمارها الواقعيّة بسبب ركود القاعدة وتصلّبها، كما أنّ استمرار هذا المرض وتفشّيه في الاُمّة سوف يؤدّي إلى موتها، وبالتالي انهيار كيانها وانعدام أيّة فرصة ضئيلة ممكنة لاستنهاضها في المستقبل، ولهذا وجد الإمام الحسين (عليه السلام) أنّ علاج وضع كهذا لن يكون إلاّ بإحداث هزّة عنيفة تهزّ وجدان وضمائر الاُمّة وتبعث فيها الحيويّة والإقدام، وأنّ هذه الهزّة العظيمة لا تحدث إلاّ بتضحية عظيمة، وقد رأى أن يكون هو(عليه السلام) الضحيّة التي سوف تهزّ الضمائر، ولم يكن أحد في الاُمّة مرشَّحاً لهذه المنزلة سواه، فأقدم على الشهادة، فكانت شهادته منعطفاً بارزاً وقويّاً في وعي الاُمّة وحياتها، وكان أثرها في النفوس عظيماً؛ إذ تحركت الحياة في الضمائر المريضة، وحدثت الانتفاضات والثورات من بعده إلى أن تقوّض حكم بني اُميّة، وظلّ دم الإمام الحسين(عليه السلام) منذ استشهاده وإلى اليوم محرِّكاً للثوار وملهماً لشيعة آل البيت في كلّ حين.
إنّ الكاتب (صالحي نجف آبادي) استدلّ على رأيه بالتصريحات والشعارات التي أطلقها الإمام الحسين كقوله(عليه السلام): «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي(صلى الله عليه وآله)»(1). وكذلك استدلّ بالرسائل والكتب
', '(1) البحار 44: 329.
', 206), (2619, 207, 'book', '
التي بعثها(عليه السلام) إلى أهل البصرة والكوفة والتي حثّهم فيها على نصرته، والتي كانت تعني فيما تعني أنّ الإمام(عليه السلام) عازم على إرساء قواعد حكم إسلامي صحيح بعد القضاء على الانحراف والظلم، هذا من جهة. ومن جهة اُخرى يؤكّد صالحي نجف آبادي على أنّ الوضع الاجتماعي وقتئذ كان يلحّ على الثورة، خصوصاً بعد بيعة أهل الكوفة وغيرهم له ومطالبتهم إيّاه الإسراع بالمجيء إلى العراق، الأمر الذي لم يبقَ أمام الإمام من خيار سوى الاستجابة لنداءات الثورة، وقد استجاب عندما بعث رسوله ابن عمّه مسلم بن عقيل(عليه السلام)لاستطلاع الوضع في الكوفة للتأكّد من مقوّمات النصر، وبعد أن مكث مسلم(عليه السلام) قرابة أربعين يوماً في الكوفة بعث إلى الحسين(عليه السلام): أن أقدم فإنّ هؤلاء جنود مجنّدة لك. وحينما رأى الإمام المؤشّرات الدالّة على النصر جدّ المسير إلى العراق، وحينما وصل مقصده حيل بينه وبين الدخول إلى الكوفة، وعُزل عن أنصاره، فاختلّ ميزان القوّة بينه وبين أعدائه لصالحهم، وحدثت المواجهة غير المتكافئة واستشهد الإمام الحسين(عليه السلام)، فكانت شهادته خسارة كبيرة للإسلام ونكبة عظيمة حلّت بالمسلمين، وإذن فإنّ شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)حدثت بسبب اختلال ميزان القوّة بين الإمام وجيش عبيد الله بن زياد، وأنّ الأسباب التي أدّت إلى هذا الاختلال إنّما هي أسباب لم تكن في حسبان الإمام وقد فوجئ بها.
ويتساءل هذا الكاتب ويستفهم ويقول: ما معنى اعتبار قتل الحسين(عليه السلام) انتصاراً للإسلام؟ هل يسبّب قتله هداية الناس أو أنّ
', '', 207), (2619, 208, 'book', 'وجوده حيّاً بين الناس هو الذي يؤدّي إلى هدايتهم؟ وهل أدّى مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) إلى فضح يزيد بن معاوية وهو المفضوح بشرب الخمر والفجور والفسوق؟ وهل أدّى مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) إلى قوّة الشيعة وحركاتهم الثائرة كحركة التوّابين وحركة المختار الثقفي وحركة سليمان بن صُرَد الخزاعي، وهي جميعها قد اُجهضت وقُتل قادتها ولم تحقّق جميعاً أهدافها؟
ثُمّ ينتهي الكاتب المذكور إلى نتيجة أنّ مقتل الإمام الحسين كان خسارة للإسلام ومفسدة للمسلمين، وأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لو كان يعلم ظاهريّاً أنّه سيقتل لما جاز له الخروج، ولكنّه خرج على خلفيّة أمر ثُمّ تبيّن له خلافه، وعندئذ طلب من جيش ابن زياد السماح له بالرجوع، ولكنّهم منعوه وأبوا إلاّ أن يفرضوا عليه الحصار لإيصاله إلى النتيجة التي آلت إلى استشهاده مع جميع أصحابه.
أمّا اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره)، فإنّه كان يرى أنّ الاُمّة كانت مصابة بمرض الشكّ في زمن معاوية بن أبي سفيان، وقد عالجه الإمام الحسن(عليه السلام) بالصلح مع معاوية، أمّا في زمن يزيد، فإنّ الاُمّة برأت من ذلك المرض، وكانت تعرف الحقّ وأهله، وتعرف الباطل وأهله، ولكنّها اُصيبت بمرض آخر هو مرض فقدان الإرادة أو فقدان الضمير، وهذا المرض لم يكن له من علاج لكي تبرأ الاُمّة منه سوى أن يقدم الإمام الحسين (عليه السلام) على التضحية بنفسه وأهل بيته وأصحابه؛ لكي يهزّ بها الضمائر الميّتة ويبعث الشجاعة والإرادة فيها، وهذا ما حدث فعلاً، وحصلت تبعاً لذلك النتائج المتوقّعة.
', '', 208), (2619, 209, 'book', 'فشهادة الإمام الحسين(عليه السلام) كانت انتصاراً كبيراً للإسلام وقد حقّقت أهدافاً عظيمة. أمّا ظواهر النصوص التي كانت تصدر عن الحسين (عليه السلام) ممّا يشير إلى أنّ الهدف هو إقامة الحكم الإسلاميّ، فقد وجّهها اُستاذنا الشهيد (قدس سره) بالتوجيه التالي وهو: أنّ الإمام الحسين(عليه السلام)حينما كان هدفه من الشهادة هو هزّ ضمير الاُمّة وشحذ إرادتها، فلا فائدة عندئذ من عنونة عمله بالشهادة فقط؛ لأنّ عنوان الشهادة لا يكفي بمفرده تحقيق ذلك الهدف، وكان ممكناً أن يقال عنه بأنّه ذهب لكي ينتحر، أمّا لو رأت الاُمّة إنساناً مخلصاً للإسلام كالإمام الحسين(عليه السلام) وقد تحرّك نحو هدف إقامة النظام الإسلاميّ الأصلح، ومن أجل كلمة الله، وقد ضحّى بنفسه من أجل هذا الهدف، عندئذ تدرك الاُمّة أنّ السعي للهدف الذي ضحّى من أجله الإمام الحسين(عليه السلام) يعدّ من أقدس الواجبات، ويستحقّ التضحية كما ضحّى له الإمام الحسين(عليه السلام)، ولهذا فالإمام الحسين(عليه السلام) عندما خرج معلناً الثورة على يزيد أعلن عن هدفه ومبرّرات خروجه والغاية التي ينشدها، واتّضح من مجموع خطاباته وأقواله وبياناته أنّه كان يريد تصحيح الأوضاع المنحرفة، وتشييد نظام صالح تقام فيه الشريعة وتصان فيه الحقوق ويحكمه الأخيار المنتجبون.
وحقّاً أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قد خرج من أجل هذه الأهداف، ولكنّه كان يعلم سابقاً بأنّه لا يستطيع تحقيقها، وأنّه سيُقتل وتُسبى نساؤه ومع ذلك خرج ليؤكّد مبدأ الشهادة من أجل الأهداف الصالحة، وليهزّ بذلك ضمير الاُمّة ويحرك وجدانها وإرادتها، وهذا
', '', 209), (2619, 210, 'book', 'ما حصل؛ إذ تحركت الاُمّة على خطى الإمام الشهيد(عليه السلام)، وحصلت الثورات المعروفة في التأريخ.
تقييم الرأيين:
اختلف الرأيان في أغلب النقاط المثارة حول الثورة الحسينيّة إلى الدرجة التي جعلت لكلٍّ من اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) والكاتب (صالحي نجف آبادي) أرضيّته التي يقف عليها وينطلق منها، ولم يكن بينهما من قدر مشترك فيما أورداه من آراء سوى مسألة واحدة، وهي اتفاقهما على القول بأنّ الإمام الحسين(عليه السلام) قد عنون معارضته لحكم يزيد وخروجه بالثورة عليه بعنوان طلب الحكم الإسلاميّ: «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً... وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي(صلى الله عليه وآله)»، بيد أنّ الاختلاف متضمّن أيضاً في توجيه هذا الادّعاء لكلٍّ من الطرفين، فاُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) يؤكّد أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) إنّما خرج لطلب الشهادة وهو يعلم بأنّه يستشهد، وأنّ إطلاقه عنوان طلب الحكم الإسلاميّ كان مجرّد شعار تعبوي وتغييري، بينما الكاتب (صالحي نجف آبادي) يؤكّد أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لم يكن يقصد في خروجه طلب الشهادة ولكنّه كان يقصد طلب الحكم الإسلاميّ، بل ولم يكن يعلم ظاهريّاً بأنّه سوف يُستشهد، وإلاّ فلماذا أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل(عليه السلام) إلى الكوفة لكي يطلعه على أوضاع الناس ومقدار ولائهم واستعدادهم لمناصرته؟ ولماذا طلب من الحرّ بن يزيد الرياحي حينما كان آمراً
', '', 210), (2619, 211, 'book', 'على جيش عبيد الله بن زياد أن يفكّ الحصار عنه ويسمح له بالرجوع من حيث أتى؟ ولماذا كرّر الإمام الحسين(عليه السلام) الطلب يوم عاشوراء؟
ألا يعني ذلك أنّ الإمام لم يكن قاصداً الشهادة وإنّما كان قاصداً الثورة على يزيد وقلب نظام الحكم وتأسيس حكومة إسلاميّة صحيحة برئاسته؟
وفي الحقيقة أنّ هذا الاستدلال الذي أورده هذا الكاتب سرعان ما يبطل وينهار؛ للسبب الذي ذكره اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره)، وهو: أنّ طرح عنوان الشهادة بمفرده لا يهزّ الضمائر، ولا يؤثّر في النفوس، ولا يؤدّي الأغراض التي استهدف الإمام(عليه السلام) تحقيقها، وعندئذ يكون من الطبيعيّ أن يرسل رسوله إلى الكوفة مسلم بن عقيل(عليه السلام)لكي يستطلع الاُمور له، ومن الطبيعيّ أيضاً أن يطالب الحرّ بن يزيد الرياحي حينما كان آمراً لجيش ابن سعد بفكّ الحصار عنه، أو يطالب أهل الكوفة المعسكرين حوله بالسماح له بالعودة؛ لأنّ غرض الإمام المعلن إنّما هو إقامة الحكومة العادلة وكان هذا شعار ثورته.
إنّ رأي صالحي نجف آبادي السالف الذكر وإن كان خيراً من الفكرة اللاواعية المتعارفة لدى بعض الناس والتي مفادها أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) ما خرج إلاّ لكي يقتل، ولكي يكون مقتله مصاباً يستثير شيعته ويُبكيهم، وبالتالي يكون بكاؤهم عليه شفيعهم يوم القيامة وماحياً ذنوبهم ومُدخلهم الجنّة، ولكنّه لا يصلح رأيه أبداً للمقاومة
', '', 211), (2619, 212, 'book', 'في مقابل رأي اُستاذنا الشهيد(قدس سره) على ما يتّضح من تقييم المفردات التي اختلفا عليها، فما ذكرناه الآن إنّما كان في دائرة الرأي الذي اتفقا عليه جزئيّاً.
أمّا الآراء التي اختلفا فيها بشكل كامل، فهي:
أوّلاً: أنّ الكاتب ( صالحي نجف آبادي ) يرى أنّ شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) ألحقت خسارة كبيرة بالإسلام ولم تكن في صالحه أبداً؛ إذ إنّ مصلحة الإسلام تقتضي أن يبقى الإمام الحسين(عليه السلام) حيّاً وأن يمارس عمله في قيادة الاُمّة وهدايتها لا أن يموت ويُقتل.
وفي المقابل يرى اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) أنّ شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) قد أحيت الإسلام، وكانت شجرة الإسلام بحاجة إلى أن تروى بدم كدم الحسين(عليه السلام) وقد اُرويت بهذا الدم المبارك.
ثانياً: أنّ الكاتب ( صالحي نجف آبادي ) يؤكّد أنّ الإمام لم يكن يعلم بأنّه سوف يستشهد، بل كان يتراءى له أنّه سوف ينتصر ويُقيم الدولة الإسلاميّة، وفي مقابل ذلك يؤكّد اُستاذنا الشهيد أنّ الإمام(عليه السلام)كان يعلم بأنّه سوف يستشهد وقد أقام عمله على أساس ذلك.
ثالثاً: أنّ الكاتب ( صالحي نجف آبادي ) يعتقد أنّ خسارة الإمام الحسين(عليه السلام) للمعركة ظاهريّاً لم تكن قابلةً للرصد والتخمين للإنسان الاعتيادي منذ البدء، وإنّما حصلت نتيجة توارد اُمور وعقبات صادفت حركة الثورة، فأعاقتها وأخلّت بميزان القوّة لصالح جيش ابن سعد، الأمر الذي أدّى إلى استشهاد الإمام وأهل بيته وأصحابه.
وفي مقابل ذلك يرى اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) أنّ الاُمور منذ بدء حركة
', '', 212), (2619, 213, 'book', 'الإمام(عليه السلام) لم تكن في صالح الانتصار الظاهريّ، ولم تكن تجري بالشكل الذي يكون في صالح إقامة الحكم الإسلاميّ. وبعبارة اُخرى: إ نّ الإمام(عليه السلام) كان يعلم حتّى بالحساب الظاهريّ لدى كلّ إنسان خبير بأنّه سيكون مغلوباً ومقتولاً، واُستاذنا الشهيد(قدس سره) يؤكّد أنّ هذه النتيجة هي في صالح الإسلام بحدّ ذاتها.
هذه هي النقاط الثلاث الخلافيّة بين وجهتَي نظر السيّد الشهيد(قدس سره)والكاتب (صالحي نجف آبادي). ولدى مناقشتنا لهذه الآراء نكتشف أنّ آراء الكاتب المذكور لا تصمد أمام الدليل ويبطل تأثيرها، فيما تكون آراء اُستاذنا(قدس سره) حائزة على أكبر قدر من المصداقيّة؛ لتماسّها مع الواقع وكشفها عنه.
فأمّا ما يتعلّق بالنقطة الاُولى، فقد استدلّ الكاتب المذكور على الرأي الذي طرحه في خصوص مسألة شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) من أنّها كانت خسارة كبيرة للإسلام، بدليلين:
الدليل الأوّل: ما هو مدى انتفاع الإسلام من شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)؟ وماذا تقتضي المقارنة بين أن يكون الإمام(عليه السلام) حيّاً بين الناس يهديهم إلى الإسلام ويعلّمهم أحكام الدين ويقودهم، وبين أن يكون ميّتاً لا يفعل شيئاً من ذلك؟ واستنتج أنّ مصلحة الاُمّة والرسالة ليست في موت الإمام وإنّما هي في بقاء الإمام حيّاً لكي ينتفع الإسلام به.
الدليل الثاني: ما هو مدى تأثير استشهاد الإمام(عليه السلام) على الحكم الاُموي وعلى الفتوحات التي حصلت بعد استشهاده، كفتح بخارى
', '', 213), (2619, 214, 'book', 'وسمرقند وأندونيسيا؟ لاشكّ في أنّ الحكم الاُموي كان قويّاً قبل شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)، وظلّ قويّاً بعده، والدليل على ذلك هو قيامهم بالفتوحات المذكورة مباشرة بعد استشهاد الإمام، كما أنّ شهادة الإمام(عليه السلام) لم تزد في فضيحة بني اُميّة؛ إذ كانوا مفضوحين لدى الاُمّة من قبل، وقد سبق القول من معاوية لأهل العراق: «ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا... ولكنّي قاتلتكم لأتأمَّرَ عليكم»(1)!
بل على العكس، فبنو اُميّة تمكّنوا من توطيد حكمهم بقتلهم الإمام الحسين(عليه السلام) لتخلّصهم من قوّة معارضة كبيرة.
إنّ الكاتب ( صالحي نجف آبادي ) لم يقرّ بنتيجة إيجابيّة أسفرت عن شهادة الإمام سوى قوله بحصول فوائد جانبيّة، منها: تحوّل شهادة الإمام الحسين إلى مدرسة سيّارة عمّقت حبّ الحسين(عليه السلام) في قلوب محبّيه، وألهمتهم دروس التضحية والفداء، وعلّمتهم أحكام وأخلاق دينهم نتيجة مظلوميّته وتضحيته العظيمة في سبيل الإسلام.
إنّ الجواب عن هذه الاستدلالات يكمن في الرأي الذي طرحه اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) والذي سبق ذكره من أنّ ثمّة فائدة عظيمة ترتّبت على شهادة الإمام الحسين، ألا وهي علاجه للمرض الذي كانت الاُمّة مبتلاةً به، وهو مرض فقدان الإرادة أو فقدان الضمير؛ إذ كانت الاُمّة بحاجة إلى علاج جذري لإعادة إرادتها وثقتها بنفسها إليها، ولكي لا تستسلم أكثر لمؤامرات حكّام بني اُميّة، فجاءت شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) كعلاج للاُمّة من هذا المرض الوبيل، وفعلاً بعد شهادة الإمام استعادت الاُمّة ثقتها بنفسها، ونهضت معلنة صرخة
', '(1) البحار 44: 49.
', 214), (2619, 215, 'book', '
الرفض لكلّ أشكال الحكم المنحرف، وحدثت ثورة التوّابين، وثورة المختار الثقفي، وثورة زيد بن عليّ وغيرها من الثورات، وكانت تعبّر هذه الثورات برغم انتكاستها عن مدى التأثير الذي أحدثته شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) في نفوس أبناء الاُمّة، وكانت تدلّل في الوقت نفسه على دخول الاُمّة في عهد جديد من أبرز ملامحه: المعارضة والثورة والعصيان، وهذا ما لم يحدث من قبل شهادة الإمام، كما أنّ ثمّة تأثيرات واستجابات حصلت لدى حكّام بني اُميّة نتيجة تصاعد هذه الروح، منها: استجابة الحاكم الاُموي عمر بن عبد العزيز وإصداره الأوامر برفع سبّ أمير المؤمنين من على منابر المسلمين، وكذلك الضعف الذي دبّ في أوصال حكم بني اُمّية، والذي أدّى تدريجيّاً إلى تقويضهم نهائيّاً.
أمّا ما ورد في ثنايا رأي الكاتب المذكور من أنّ علامة قوّة بني اُميّة بعد استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام) قد تمثّلت بالفتوحات الإسلاميّة في بخارى وسمرقند وأندونيسيا، فإنّ هذا الادّعاء غير صالح البتة؛ وذلك لأنّ فتح هذه البلدان وإن كان صحيحاً قد حصل في زمن حكم بني اُميّة، لكنّه لا يدلّ بحال على قوّة بني اُميّة، وإنّما يدلّ على قوّة الإسلام في نفوس المسلمين، وأنّ مسألة فتح البلدان تعدّ من الاُمور التي يتّفق عليها جميع المسلمين حتّى المعارضين لحكم بني اُميّة؛ لأنّه يدخل في إطار محاربة الكفّار ونصرة الإسلام وتوسيع رقعة الحقّ، حتّى أنّ بعض حكّام بني اُميّة كان ينال الدعم من قبل بعض أئمّتنا(عليهم السلام) في مقابل الحكومات الكافرة بالتخطيط لصالح
', '', 215), (2619, 216, 'book', 'الإسلام وضدّ الحكم الكافر، فهل يعدّ هذا قوّةً لبني اُميّة، أو دليلاً على قوّتهم، أو لا بل يدلّ على قوّة الإسلام في نفوسهم.
وأمّا ما يتعلّق بالنقطة الثانية، فإنّ الجواب عمّا ذكره الكاتب المذكور ـ من أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) لم يكن يعلم بأنّه سوف يقتل، بل كان يعمل لتحقيق الانتصار وإقامة الحكم الإسلاميّ، وكانت الأمارات دالّة على إمكانيّة تحقّق ذلك ـ يكمن في الجواب عن السؤال التالي: لماذا لم يتجنّب الإمام الحسين(عليه السلام) الشهادة ـ لما يترتّب عليها من مضرّة كما زعم هذا الكاتب ـ بعد أن تغيّرت أمارات الانتصار واختلّ ميزان القوّة لصالح عدوّه؟ ألم يكن مقتضى العمل بعلم الظاهر المكلّف به الأئمّة(عليهم السلام) هو أن يغيّر الإمام قناعاته بإمكانيّة الانتصار ويتجنّب القتل، وكان ظاهر الاُمور أنّ اُناساً طلبوا منه أن يأتي إلى العراق بعد أن بايعوه على النصرة ومجاهدة الظالمين، وبذلك تمّت الحجّة عليه بالمجيء إلى العراق، وقد جاء فعلاً، ولكن تبيّن له فيما بعد أنّ الاُمور قد تغيّرت، وأنّ الناس قد تبدّل موقفهم منه تحت تأثير سياسة ابن زياد القائمة على الترهيب والترغيب، فلماذا لم يتجنّب المواجهة التي فيها قتله وقتل أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه بعد أن تغيّر ظاهر الأمر؟
إنّ الحقيقة قاطعة على أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان يعلم بأنّه سوف يقتل وتُسبى نساؤه، وغير مرّة كان قد صارح أصحابه بعاقبة القتل والشهادة، وقد خيّرهم بالانصراف عنه أو البقاء معه واستقبال هذه النتيجة، وعلى هذا الأساس استمرّ بالمسير إلى العراق برغم علمه
', '', 216), (2619, 217, 'book', 'بمقتل رسوله إلى الكوفة ابن عمّه مسلم بن عقيل(عليه السلام)، وتغيّر الأوضاع في الكوفة، ألا يدلّ هذا على أنّ الإمام كان يعلم بمصيره وكان يطلبه وقد سعى إليه حثيثاً، إلى أن نال مرتبة الشهادة العظيمة، فكان دمه الطاهر ثورةً للأجيال منذ استشهاده وإلى ظهور ولده الحجّة عجّل الله فرجه.
وأمّا ما يتعلّق بنقطة الخلاف الثالثة، فقد استدلّ الكاتب المذكور ـ على اعتقاده بأ نّ ثمّة اُموراً استجدّت ولم يكن للإمام علم سابق بها، أعاقت حركة الثورة وأخلّت بميزان القوّة لصالح ابن زياد، فسبّبت خسارة المعركة ظاهريّاً للإمام ـ بذكر سببين:
الأوّل: ادّعاؤه بأنّ عبيد الله بن زياد أجبر مسلم بن عقيل(عليه السلام) على تزعّم الثورة عندما جابهه بالسيف في الوقت الذي لم يكن مسلم بن عقيل(عليه السلام) مكلّفاً بتزعّم الثورة والتخطيط لها، وإنّما كانت مهمّته ـ حصراً ـ هي استطلاع الأوضاع في الكوفة وإبلاغ الإمام بالنتائج التي يصل إليها ويشاهدها، لكن هذا التزعّم المفاجئ للثورة من قبل مسلم بن عقيل أدّى إلى تفجير الثورة قبل أوانها، وكان ذلك سبباً لفشلها وتحمّل الإمام الحسين(عليه السلام) عبء هذا الفشل!
الثاني: قيام جيش الحرّ بن يزيد الرياحي بمنع الإمام الحسين من الدخول إلى الكوفة والحيلولة دون تزعّمه الثورة، الأمر الذي أدّى إلى حصول انفصال بين القائد والقاعدة الجماهيريّة، فتبدّلت عندئذ مقاييس القوّة والنصر لصالح عبيد الله بن زياد.
وهذا الأمر أيضاً لم يكن في حسبان الإمام الحسين(عليه السلام).
والجواب عن هذين السببين هو: أنّنا وإن كنّا نعتبر الواقعتين
', '', 217), (2619, 218, 'book', 'اللتين ذكرهما الكاتب آنفاً صحيحتين، إلاّ أنّنا نخالفه بادّعاء أنّهما حدثتا على حين غرّة وقد فوجئ الإمام بهما؛ إذ إنّ من أوّليّات قيادة الثورات توقّع القائد إمكانيّة اندلاع الثورة قبل أوانها أو قبل ساعة الصفر التي تقرّرت لها، وهذا احتمال وارد بنسبة كبيرة؛ لأنّ السلطات غالباً ما تحرص على مواجهة الثورات مبكّراً لجرّها للمواجهة قبل اكتمال شروطها، وهذا ما يدعونا للاعتقاد بأنّ ما حدث لمسلم بن عقيل(عليه السلام) في الكوفة لم يكن صدفة وأمراً غير متوقّع، فالكوفة كانت تحت سلطان بني اُميّة، والإمام يعلم بذلك، وكان يتوقّع حدوث المواجهة بين السلطات وبين رسوله، ولهذا ما انفكّ الإمام يتابع أخبار ابن عمّه ويستبين اُموره إلى أن بلغه خبر قتله ـ في منطقة الثعلبيّة في طريقه إلى العراق ـ وانفضاض الناس من حوله، فحزن لذلك حزناً كبيراً، وواصل مسيره معتبراً أنّ ما حدث لم يكن صدفة وإنّما هو أمر متوقّع. وقد سأله بعض أصحابه عن موقفه بعد علمه بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وفيما إذا كان ينوي الرجوع إلى مكّة أو الاستمرار بالمسير إلى العراق، فأجابهم الإمام بالاستمرار بالمسير إلى نهاية المطاف. وحتّى عندما بلغه خبر مقتل رسوله الثاني إلى الكوفة بعد مسلم بن عقيل (قيس بن مسهّر الصيداوي) أو (عبد الله بن يقطر) على اختلاف في التأريخ، لم يثنه هذا الحادث أو يضعف في عزيمته، وواصل مسيره إلى العراق بالبقيّة المخلصة من أصحابه بعد انفضاض نفر قليل عنه وإجازته ذلك لهم.
إنّ هاتين الحادثتين، بالإضافة إلى حادثة منعه من دخول الكوفة
', '', 218), (2619, 219, 'book', 'بعد أن أحال جيش الحرّ بن يزيد الرياحي بينه وبينها ـ وقد شبّه الكاتب المذكور هذه الأخيرة بحادث رفع المصاحف في معركة صفّين الذي وقع صدفة ـ إنّما تدلّ على عزيمة الإمام وإصراره على بلوغ هدفه النهائي وهو الشهادة، وكذلك تدلّ على وضوح رؤية الإمام للمواجهة والتحدّيات والمصاعب. وقد أمكنه من تجاوزها جميعاً وعدم الاكتراث بها إلاّ بمقدار ما أبداه من عواطف تجاه المحن التي لاقته.
وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة خطأ آخر وقع فيه هذا الكاتب عندما صوّر حادثة منع الإمام من الدخول إلى الكوفة بأنّها مصادفة بحت وتشبه إلى حدٍّ بعيد حادثة رفع المصاحف التي صادفت الإمام عليّ(عليه السلام) في معركة صفّين؛ إذ إنّ حادثة منع الإمام من الورود إلى الكوفة لا تشبه بأيّ حال من الأحوال حادثة رفع المصاحف؛ لأنّ الحادثة الاُولى هي من سنخ الحوادث المتوقّعة الواردة في احتمالات المواجهة بين قوّة معارضة وبين سلطة تخشى من امتدادات التأثير في أوساط المجتمع والقواعد الشعبيّة، فيما تعتبر حادثة رفع المصاحف من الحوادث غير المتوقّعة في تأريخ الثورات والأحداث السياسيّة، وبالخصوص في التأريخ الإسلاميّ؛ لعدم وجود سابق لها في الإسلام، ولهذا فلا تشابه بين الحادثتين وبين حكميهما.
وفي النتيجة النهائيّة يتبيّن أنّ الكاتب المذكور كان مخطئاً في جميع آرائه التي سبقت الإشارة إليها والمتعلّقة بالثورة الحسينيّة.
', '', 219), (2619, 220, 'book', 'فيما تعتبر آراء اُستاذنا السيّد الشهيد(قدس سره) هي الصحيحة في تحليل الثورة الحسينيّة، والهدف الذي كانت تتوخّاه، والغاية التي ضحّى الإمام السبط من أجلها. وكانت هذه الغاية هي الدالّة الكبيرة على حكمة القائد وهدفيّته في سبيل إعادة الاُمّة إلى سابق عهدها وشجاعتها وأصالتها بعد أن غزا عقلها وروحها المرض نتيجة المؤامرات الكبيرة التي تعرّضت لها من قبل السلطات المنحرفة التي تسلّمت زمام التجربة الإسلاميّة بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكانت شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) علاجاً ناجعاً في تخليص الاُمّة من مرض فقدان الإرادة وموت الضمير؛ إذ هبّت الاُمّة بعد حين تقارع الظالمين، وتنادي بتحكيم الإسلام المحمّدي، وظلّت هذه الروح سارية إلى يومنا هذا، وستبقى إلى أن يظهر المصلح من آل البيت(عليهم السلام)الإمام الحجّة عجّل الله فرجه.
الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
على الرغم من أنّ الإمام عليّ بن الحسين(عليهما السلام) كان في زمن تصدّيه للإمامة غير مبسوط اليد إلاّ أنّه نال منزلة رفيعة في نفوس أبناء الاُمّة لم ينلها أحد سواه في زمانه، وقصّة هشام بن عبد الملك معروفة عندما أقدم إلى مكّة ليحجّ وأراد أن يطوف بالكعبة ومن ثَمّ يستلم الحجر الأسود فلم يتمكّن من ذلك بسبب شدّة الزحام، ولكن عندما أقدم الإمام زين العابدين(عليه السلام) انشقّ الناس له سماطين،
', '', 220), (2619, 221, 'book', 'وتمكّن من الوصول إلى الحجر الأسود بسهولة ومن غير حرج، الأمر الذي جعل هشام بن عبد الملك يتعجّب ويسأل عن هذا الذي انفرج الناس له محاولاً تجاهل الإمام، فعُرّف به وسكت.
إنّ هذه الواقعة وعشرات أمثالها تشير وتؤكّد مدى احترام الناس للإمام في الوقت الذي تزدري السلطان وتحتقره.
إنّ احترام الناس للإمام زين العابدين(عليه السلام) إنّما جاء نتيجة المعرفة الحقيقيّة بمنزلة الإمام ودوره الديني والاجتماعي، وبعبارة اُخرى: إنّ نمط قيادة الإمام للمجتمع هو الذي أدّى إلى حصول هذا التأثير الكبير في نفوس أبناء الاُمّة على الرغم من أنّه لم يكن مبسوط اليد وكان معزولاً من قبل السلطة الظالمة ومحارباً منها، وعلى الرغم من أنّ الاُمّة كانت تعاني من قسوة وتهوّر حكّام بني اُميّة من أمثال يزيد بن معاوية ـ الذي هدم الكعبة واستباح المدينة ثلاثة أيّام وعمل المنكرات ـ لكن ذلك لم يثنِ الإمام عن ممارسة دوره القيادي والاجتماعي، كما لم يثنِ الاُمّة من الانشداد للإمام(عليه السلام) والانقياد له.
لقد تميّز الدور القيادي للإمام(عليه السلام) بالعمل على تحقيق ثلاث مهمّات في آن واحد:
الاُولى: الاستمرار في سياسة فضح سلطة بني اُميّة والتعريف بحقيقتها.
الثانية: إعداد الاُمّة فكريّاً ونفسيّاً لتحمّل المسؤوليّات.
الثالثة: دعم ومساندة الحركات الثوريّة الشيعيّة.
أمّا الأساليب التي اتّبعها الإمام في تنفيذه لهذه المهمّات الثلاث، فهي:
', '', 221), (2619, 222, 'book', 'أ ـ الاُسلوب العاطفي غير المباشر لفضح سلطة بني اُميّة:
ذلك من خلال إظهارالإمام(عليه السلام) الحزن العميق والبكاء على مصيبة أبيه الإمام الحسين(عليه السلام)، واستغلال الفرص والمناسبات لاستنفار عواطف الناس وأحاسيسها باتجاه الانشداد والولاء لآل البيت(عليهم السلام)، وكان هذا العمل يعني بشكل غير مباشر فضح الظالمين، ظالمي أئمّة آل البيت(عليهم السلام)، وبالخصوص حكّام بني اُميّة، وللمثال نذكر هذه الواقعة المشهورة: عندما رأى الإمام ذات يوم قصّاباً يهمّ بذبح كبش له، فاقترب الإمام من القصّاب وسأله: يا هذا هل سقيت الكبش ماءً قبل أن تذبحه؟ فأجابه القصّاب: نعم، نحن معاشر القصّابين لا نذبح الحيوان حتّى نسقيه ماءً. وهنا بكى الإمام وأخذ ينتحب ويندب أباه الإمام الحسين(عليه السلام)، وأخذ يعرّف بمصيبته؛ إذ قتل عطشاناً.
إنّ حادثةً مثل هذه تكشف عن دقّة الاُسلوب الذي اتّبعه الإمام(عليه السلام) للتأثير في نفوس الناس وعواطفهم ولشحذ هممهم ضدّ السلطات الكافرة.
ب ـ اُسلوب العبادات والأدعية للتأثير في الاُمّة نفسيّاً وفكريّاً:
لقد تميّز الإمام بكثرة الدعاء والصلاة وطول القنوت، واشتهر بالصحيفة السجاديّة، وهي مجموعة الأدعية التي كان يدعو بها والتي تحتوي على تراث غنيٍّ من المفاهيم التربويّة والأخلاقيّة ذات البعد التغييري.
', '', 222), (2619, 223, 'book', 'أمّا أساليبه العباديّة الاُخرى ذات التأثير التغييري الكبير، فنذكر هذه الحادثة على سبيل المثال والشاهد لها، وهي موقف الإمام وأخلاقه الخاصّة مع عبيده وإمائه. فقد ورد: «كان عليّ بن الحسين(عليهما السلام) إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبداً له ولا أمة. وكان إذا أذنب العبد والأمة يكتب عنده أذنب فلان، أذنبت فلانة يوم كذا وكذا ولم يعاقبه، فيجتمع عليهم الأدب (يعني استحقاق التأديب)، حتّى إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله، ثمّ أظهر الكتاب، ثمّ قال: يا فلان، فعلت كذا وكذا ولم اُؤدّبك أتذكر ذلك؟ فيقول: بلى يا بن رسول الله. حتّى يأتي على آخرهم ويقرّرهم جمعياً. ثمّ يقوم وسطهم ويقول لهم: ارفعوا أصواتكم وقولوا: يا عليّ بن الحسين، إنّ ربّك قد أحصى عليك كلّما عملت كما أحصيت علينا كلّ ما عملنا، ولديه كتاب ينطق عليك بالحقّ ﴿لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ ممّا أتيت ﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾، وتجد كلّ ما عملت لديه حاضراً كما وجدنا كلّ ما عملنا لديك حاضراً، فاعفُ واصفح كما ترجو من المليك العفو وكما تحبّ أن يعفو عنك، فاعفُ عنّا تجده عفوّاً وبك رحيماً ولك غفوراً ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾، كما لديك كتاب ينطق بالحقّ علينا لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً ممّا أتيناها إلاَّ أحصاها، فاذكر يا عليّ بن الحسين ذلّ مقامك بين يدي ربّك الحَكَم العَدل الذي لا يظلم مثقال حبّة من خردل ويأتي بها يوم القيامة وكفى بالله حسيباً وشهيداً، فاعفُ واصفح يعفو عنك المليك ويصفح، فإنّه يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهو ينادي بذلك
', '', 223), (2619, 224, 'book', 'على نفسه ويلقِّنهم، وهم ينادون معه وهو واقف بينهم يبكي وينوح، ويقول: ربّ إنّك أمرتنا أن نعفو عمّن ظلمنا، فقد ظلمنا أنفسنا، فنحن قد عفونا عمّن ظلمنا كما أمرت، فاعف عنّا فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين، وأمرتنا أن لا نردّ سائلاً عن أبوابنا وقد أتيناك سؤّالاً ومساكين، وقد أنخنا بفنائك وببابك نطلب نائلك ومعروفك وعطاءَك، فامنن بذلك علينا ولا تخيّبنا، فإنّك أولى بذلك منّا ومن المأمورين، إلهي كرمت فأكرمني إذ كُنت من سُؤّالك وجدت بالمعروف فاخلطني بأهل نوالك يا كريم. ثمّ يُقبِل عليهم (أي على العبيد والإماء) فيقول: قد عفوت عنكم فهل عفوتم عنّي وممّا كان منّي إليكم من سوء ملكة، فإنّي مليك سوء لئيم ظالم مملوك لمليك كريم جواد عادل محسن متفضّل؟ فيقولون: قد عفونا عنك يا سيّدنا وما أسأت. فيقول لهم: قولوا اللهمّ اعف عن عليّ بن الحسين كما عفا عنّا، فأعتقه من النار كما أعتق رقابنا من الرقّ. فيقولون ذلك. فيقول: اللّهم آمين ربّ العالمين. اذهبوا فقد عفوت عنكم وأعتقت رقابكم رجاءً للعفو عنّي وعتق رقبتي. فيعتقهم، فإذا كان يوم الفطر أجازهم بجوائز تصونهم وتغنيهم عمّا في أيدي الناس. وما من سنة إلاّ وكان يعتق فيها في آخر ليلة من شهر رمضان ما بين العشرين رأساً إلى أقلّ أو أكثر، وكان يقول: إنّ لله تعالى في كلّ ليلة من شهر رمضان عند الإفطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلاًّ قد استوجب النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه، وإنّي لاُحبّ أن يراني الله وقد أعتقتُ رقاباً في ملكي في دار
', '', 224), (2619, 225, 'book', 'الدنيا رجاء أن يعتق رقبتي من النار»(1).
هذه قصّة واحدة من عشرات القصص التي تروى من عبادات الإمام عليّ بن الحسين(عليهما السلام) والتي تستبطن توجيهاً أخلاقيّاً فريداً للمجتمع.
ج ـ دعم ومساندة الحركات الثوريّة الشيعيّة:
لقد حفل تأريخ الإمام عليّ بن الحسين(عليهما السلام) بمواقف مؤيّدة ومناصرة للحركات الثوريّة الشيعيّة التي ظهرت في أعقاب شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) ترفع لواء الثأر من قتلة الإمام الشهيد، وكان الإمام زين العابدين(عليه السلام) يستهدف من وراء دعمه لهذه الثورات والحركات استثمار الحالة التي خلقتها واقعة كربلاء في نفوس الاُمّة، وتوجيهها نحو الأهداف التي استشهد من أجلها الإمام الحسين(عليه السلام)، والشواهد على دعم الإمام لهذه الثورات كثيرة نختار منها قصّة دعمه لثورة المختار الثقفي:
فقد ورد: إنّ اُناساً من أنصار المختار اجتمعوا عند عبد الرحمن بن شريح، فقالوا له: «إنّ المختار يريد الخروج بنا للأخذ بالثأر، وقد بايعناه ولا نعلم أرسله إلينا محمّد بن الحنفية أم لا (يظهر أنّ الأمر كان ملتبساً على الشيعة آنذاك، ولم يكن واضحاً لديهم مَن هو الإمام بعد الحسين(عليه السلام)، أهو محمّد بن الحنفية أم عليّ بن الحسين(عليه السلام))،
', '(1) البحار 95: 186 ـ 188.
', 225), (2619, 226, 'book', '
فانهضوا بنا إليه نخبره بما قَدِمَ به علينا، فإن رخّص لنا اتّبعناه، وإن نهانا تركناه»، فخرجوا وجاؤوا إلى ابن الحنفية، فسألهم عن الناس، فخبّروه وقالوا: «لنا إليك حاجة»، قال: «سرّ أم علانية؟»، قلنا: «بل سرّ»، قال: «رويداً إذن»، ثمّ مكث قليلاً وتنحّى ودعانا، فبدأ عبد الرحمن بن شريح بحمد الله والثناء، وقال: «أمّا بعد، فإنّكم أهل بيت خصّكم الله بالفضيلة وشرّفكم بالنبوّة وعظّم حقّكم على هذه الاُمّة، وقد اُصبتم بحسين مصيبة عمّت المسلمين، وقد قدم المختار يزعم أنّه جاء من قبلكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنّة نبيّه والطلب بدماء أهل البيت، فبايعناه على ذلك، فإن أمرتنا باتّباعه اتّبعناه، وإن نهيتنا اجتنبناه».
فلمّا سمع كلامه وكلام غيره حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ وقال: «أمّا ما ذكرتم ممّا خصّنا الله، فإنّ الفضل لله ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، وأمّا مصيبتنا بالحسين، فذلك في الذكر الحكيم، وأمّا الطلب بدمائنا قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم عليّ بن الحسين». فلمّا دخل ودخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاؤوا لأجله، قال: «يا عمّ، لو أنّ عبداً زنجيّاً تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت»، فخرجوا وقد سمعوا كلامه وهم يقولون: «أذن لنا زين العابدين(عليه السلام)ومحمّد بن الحنفية»(1). وخرجوا مع المختار إلى آخر القصّة.
', '(1) البحار 45: 364 ـ 365.
', 226), (2619, 227, 'book', '
ويظهر من هذه القصّة كيف أنّ الإمام يدعم الحركات المناوئة لبني اُميّة والمطالبة بالحقّ لأهل البيت(عليهم السلام)؟
تقييم الثورات الشيعيّة:
إنّ الحديث عن الثورات الشيعيّة وموقف الأئمّة منها لابدّ وأن يجرّ إلى الحديث عن اتجاهات هذه الثورات وولائها للأئمّة؛ إذ إنّ الروايات تتضارب بشأن الأهداف التي تبنّتها هذه الثورات الشيعيّة المعارضة للحكّام، وهل حقّاً تنطبق هي مع الشعار الذي رفعته بعض هذه الثورات وهو تسليم الأمر إلى الرضا من آل محمّد(صلى الله عليه وآله)، أو أنّ هذا مجرّد ادعاء استفادت منه القيادات في تحريض الناس وتعبئتهم لغرض استلام السلطة، كما في بعض الثورات التي قادها بعض أحفاد الإمام الحسن(عليه السلام) وكانوا في حقيقة الأمر يطلبون الأمر لأنفسهم؟
وعلى أيّة حال فإنّ تفسير ظاهرة الثورات في ذلك العصر يقبل ثلاثة احتمالات:
أحدها: ـ وقد مال إليه اُستاذنا الشهيد(قدس سره)، ويستشفّ من بعض محاضراته ـ أنّ هذه الثورات كانت مرضيّة من قبل أئمّتنا(عليهم السلام)، وأنّ الأئمّة كانوا يشجّعون على أعمال من هذا القبيل، كما يستفاد من قول الإمام الصادق(عليه السلام): « لا أزال وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمّد، ولوددت أنّ الخارجي من آل محمّد خرج وعليّ نفقة عياله»(1).
', '(1) البحار 46: 172، الحديث 21.
', 227), (2619, 228, 'book', '
وهذا الاحتمال وارد جدّاً، فسياسة الأئمّة(عليهم السلام) كانت تناسب تبنّي هذه الثورات سرّاً وتوجيهها بشكل غير مباشر، لتفادي المواجهة المباشرة مع السلطات، وبهذا الاُسلوب أمكن للأئمّة(عليهم السلام) المحافظة على روح الثورة في الاُمّة، وفي نفس الوقت أمكن لهم الاحتفاظ بمكانتهم الشخصيّة في المجتمع من أجل المحافظة على مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) كمدرسة حيّة ومعطاءة.
ثانيها: أنّ قيادات هذه الثورات كانوا يخرجون ـ باستثناء زيد بن عليّ، وحسين بن عليّ صاحب الفخّ ـ بغير رضا أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) إمّا لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بإمامتهم(عليهم السلام)، وإمّا لأنّ الأئمّة(عليهم السلام) لم يكونوا يرون أنّ الأوضاع تناسب الثورة آنذاك.
ثالثها: أنّ الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يؤيّدون أصل حدوث هذه الثورات، أي: يؤيّدونها مبدئيّاً، لكنّهم في الوقت ذاته كانوا يعارضون قياداتها التي تدّعي الإمامة لأنفسها.
أمّا بالنسبة إلى الروايات الواردة بشأن الثورات الشيعيّة وهي تمدح بعض هذه الثورات وتذمّ وتقدح ببعضها الاُخرى، فتوجد عدّة روايات ذامّة بشأن عبد الله وابنه محمّد، وإبراهيم ويحيى، وتوجد روايات مادحة بشأن الحسين بن عليّ صاحب الفخّ، إلاّ أنّ هذه الروايات وردت في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصفهاني، وأبو الفرج الإصفهاني متّهم بالزيديّة، فتكون رواياته كذلك متّهمة.
أمّا بالنسبة إلى زيد بن عليٍّ(رحمه الله)، فتوجد روايات مادحة له كثيرة، بيدَ أنّ ثمّة روايات اُخرى تشير إلى عدم رضا أئمّتنا(عليهم السلام) بثورته
', '', 228), (2619, 229, 'book', 'وبالثورات الاُخرى التي هي مثل ثورة زيد بن عليّ. ولهذا سوف نقتصر على ذكر روايتين من الروايات المادحة لثورة زيد بن عليّ(رحمه الله)، ثمّ نشير إلى الروايات التي تذمّها، لنستنتج أخيراً الموقف الصحيح من مجموع هذه الروايات المتضاربة:
الرواية الاُولى: ما وردت في قصّة ولادة زيد(رحمه الله) وهي: «عن الثمالي قال: كنت أزور عليّ بن الحسين في كلّ سنة مرّة في وقت الحجّ، فأتيته سنةً من ذاك وإذا على فخذيه صبيٌّ، فقعدت إليه، وجاء الصبيّ فوقع على عتبة الباب فانشجّ، فوثب إليه عليّ بن الحسين(عليهما السلام)مهرولاً، فجعل ينشّف دمه بثوبه ويقول له: يا بني، اُعيذك بالله أن تكون المصلوب في الكُناسة. قُلت: بأبي أنت واُمّي أيّ كُناسة؟ قال: كناسة الكوفة. قلت: جُعلت فداك، ويكون ذلك؟ قال: إي والذي بعث محمّداً بالحقّ إن عشتَ بعدي لترينّ هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة مقتولاً مدفوناً، منبوشاً مسلوباً، مسحوباً مصلوباً في الكُناسة، ثمّ يُنزّل فيحرق ويُدقّ ويُذرّى في البرّ. قلت: جُعلت فداك، وما اسم هذا الغلام؟ قال: هذا ابني زيد، ثمّ دمعت عيناه، ثمّ قال: ألا اُحدّثك بحدث ابني هذا؟ بينا أنا ليلة ساجد وراكع إذ ذهب بيَ النوم من بعض حالاتي، فرأيت كأنّي في الجنّة، وكأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين قد زوّجوني جاريةً من حور العين فواقعتها، فاغتسلت عند سدرة المنتهى وولّيت وهاتف بي يهتف ليهنئك زيد، ليهنئك زيد، ليهنئك زيد، فاستيقظت فأصبت جنابة، فقمت فتطهّرت للصلاة وصلّيت صلاة الفجر، فُدقّ الباب وقيل لي: على الباب رجل يطلبك. فخرجت فإذا أنا برجل معه
', '', 229), (2619, 230, 'book', 'جارية ملفوف كمّها على يده، مخمّرة بخمار، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أردت عليّ بن الحسين(عليه السلام). قلت: أنا عليّ بن الحسين. فقال: أنا رسول المختار بن أبي عبيد الثقفي يُقرئك السلام ويقول: وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستّ مئة دينار، وهذه ستّ مئة دينار فاستعِن بها على دهرك. ودفع إليّ كتاباً، فأدخلت الرجل والجارية وكتبت له جواب كتابه، وتثبّت الرجل، ثمّ قلت للجارية: ما اسمك؟ قالت: حوراء. فهيّؤوها لي وبِتّ بها عروساً، فعلقت بهذا الغلام فسميّته زيداً، وهو هذا، سترى ما قلت لك.
قال أبو حمزة: فوالله ما لبثت إلاّ برهةً حتّى رأيت زيداً بالكوفة في دار معاوية بن إسحاق، فأتيته فسلّمت عليه ثمّ قلت: جُعلت فداك، ما أقدمك هذا البلد؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكنت أختلف إليه، فجئت إليه ليلة النصف من شعبان، فسلّمت عليه ـ وكان ينتقل في دور بارق وبني هلال ـ فلمّا جلست عنده قال: يا أبا حمزة، تقوم حتّى نزور قبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام). قلت: نعم جُعلت فداك. ثمّ ساق أبو حمزة الحديث حتّى قال: أتينا الذكوات البيض فقال: هذا قبر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). ثمّ رجعنا فكان من أمره ما كان، فوالله لقد رأيته مقتولاً مدفوناً، منبوشاً مسلوباً، مسحوباً مصلوباً قد اُحرق ودقّ في الهواوين وذُرّي في العريض من أسفل العاقول»(1).
الرواية الثانية: قصّة وقعت بين المأمون وبين الإمام الرضا(عليه السلام)
', '(1) البحار 46: 183 ـ 184، الحديث 48.
', 230), (2619, 231, 'book', '
حول زيد بن موسى بن جعفر الذي خرج على المأمون واعتقل من قبله. وتقول الرواية: «لمّا حُمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون ـ وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس ـ وهب المأمون جرمه لأخيه عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) وقال له: يا أبا الحسن،لئن خرج أخوك وفعل ما فعل لقد خرج قبله زيد بن عليّ فقتل، ولولا مكانك منّي لقتلته، فليس ما أتاه بصغير. فقال الرضا(عليه السلام): يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن عليّ(عليه السلام)؛ فإنّه كان (يعني زيد بن عليّ) من علماء آل محمّد، غضب لله عزّ وجلّ، فجاهد أعداءه حتّى قُتل في سبيله، ولقد حدّثني أبي موسى بن جعفر(عليه السلام): أنّه سمع أباه جعفر بن محمّد يقول: رحم الله عمّي زيداً، إنّه دعا إلى الرضا من آل محمّد، ولو ظفر لَوفى بما دعا إليه، وقد استشارني في خروجه، فقلت له: يا عمّ، إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكُناسة فشأنك. فلمّا ولّى قال جعفر بن محمّد: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه. فقال المأمون: يا أبا الحسن، أليس قد جاء في من ادّعى الإمامة بغير حقّها ما جاء؟! فقال الرضا (عليه السلام): إنّ زيد بن عليّ(عليه السلام) لم يدّعِ ما ليس له بحقّ، وإنّه كان أتقى لله من ذاك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وإنّما جاء ما جاء فيمن يدّعي أنّ الله نصّ عليه ثمّ يدعو إلى غير دين الله، ويضلّ عن سبيله بغير علم، وكان زيد والله ممّن خوطب بهذه الآية: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾»(1).
', '(1) المصدر السابق: 174 ـ 175، الحديث 27.
', 231), (2619, 232, 'book', '
وتوجد في قبال هاتين الروايتين اللتين وردتا بشأن زيد بن عليّ(رحمه الله) تمدحانه، روايات تذمّ زيد بن عليّ، وتذمّ ثورات اُخرى حصلت بعد زيد بن عليّ. وحينما نستقرئ الروايات الذامّة نجدها على قسمين، ويمكن تفسير كلّ قسم بتفسير معيّن:
أمّا القسم الأوّل من الروايات الذامّة، فقد وردت تذمّ أصل الثورات بغضّ النظر عن قياداتها والأشخاص القائمين بها. نذكر منها رواية واحدة، وهي عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «اتقوا الله (خطاب موجّه لاُناس عزموا الخروج على السلطة وقتئذ) وانظروا لأنفسكم، فإنّ أحقّ من نظر لها أنتم (أي: لا يصلح خروجكم قبل التثبّت من شرعيّة الخروج)، لو كان لأحدكم نفسان فقدّم إحداهما وجرّب بها استقبل التوبة بالاُخرى كان، ولكنّها نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة. إن أتاكم منّا آت يدعوكم إلى الرضا منّا، فنحن نستشهدكم أ نّا لا نرضى، إنّه لا يطيعنا اليوم وهو وحده، فكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والأعلام؟!»(1).
إنّ تفسير هذا النوع من الروايات يمكن من خلال الجمع بينها وبين الروايات المادحة للثورات، فمن المستبعد أ ن تكون الروايات الواردة في تأييد الثورات الشيعيّة كاذبة، سواء افترضنا صدورها عن محبّ لأهل البيت(عليهم السلام) ومن ثقاتهم، أم افترضنا أنّها صدرت عن أعداء أهل البيت(عليهم السلام) وهي من مفترياتهم؛ لأنّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام)
', '(1) المصدر السابق: 178، الحديث 35.
', 232), (2619, 233, 'book', '
لا يُحتمل منهم الافتراء والكذب على الأئمّة(عليهم السلام) بما يورّطهم في الهلاك، وذلك بأن ينسبوا إليهم كذباً تأييد الثورات؛ ولأنّ أعداء أهل البيت لا يؤمنون بالثورة عادة، بل ويتعاونون مع السلطة الظالمة، وحينما يريدون الكذب والافتراء على الأئمّة(عليهم السلام) فلا بُدّ أن يكون كذبهم في صالح السلطة وليس ضدّها، فمدح هذه الثورات المناهضة للسلطات الظالمة لا يحتمل صدورها عن أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، كما أنّ هذه الروايات غير مرويّة عن طريق الزيديّة كروايات مقاتل الطالبيين حتّى نقول: إنّ الزيديّة كذبوا واخترعوها.
وإذن ففي أغلب الظنّ أنّ الروايات المادحة هي صادقة، أمّا الروايات الذامّة ـ كالرواية السابقة ـ فعلى كلا التقديرين ـ أي: سواء افترضنا وصولها عن طريق اُناس غير ثقات، أو عن طريق اُناس ثقات ـ فإنّ تفسيرها واضح، فلو كانت صادرة عن غير الثقات، فهي من مفترياتهم على الأئمّة(عليهم السلام)، وتصبّ في صالح السلطة، وهذا أمر مألوف وقتئذ؛ إذ كانت السلطات الظالمة تجنّد الكاذبين لخدمة مصالحها.
وأمّا إذا كانت هذه الروايات صادرةً عن الأئمّة(عليهم السلام) حقّاً، فإنّه من الطبيعي أن يمارس الإمام المعصوم معها اُسلوب التقيّة لكي لا تُنسب إليه ولا يكون مسؤولاً عنها، ولو تصوّرنا أ نّ الإمام المعصوم يرضى بنسبة الثورات الشيعيّة إلى شخصه، لكان من الأولى عليه أن يثور هو كما ثار الإمام الحسين (عليه السلام)، لكن حينما لا يريد المعصوم أن تنسب هذه الثورات إليه فمن الطبيعي أن يقول: أنا غير راض عن
', '', 233), (2619, 234, 'book', 'الذين يدعون إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله). فالإمام الذي يريد أن يفصل بينه وبين هذه الثورات ـ كي يجمع بين شيئين في آن واحد، بين سلامة نفسه وإيفاء دوره في قيادة الاُمّة وهدايتها، وبين الثورات ضدّ الظلم ـ يكون من المتوقّع صدور مثل هذه الروايات عنه، على العكس من الروايات المادحة لهذه الثورات، فمن المتوقّع عدم وصولها إلينا بسبب ظروف التقيّة حيث يمتنع الإمام من التصريح أمام الناس، وقد يكتفي بالتصريح أمام الخواصّ من أصحابه لكي يمنحها الشرعيّة على خلاف الروايات الذامّة، فظرف التقيّة يجعل الإمام يصرّح بذمّها أمام عموم الناس، وهذا هو الذي أفهمه واُقدّره من مجمل هذه الروايات المتعارضة.
وأمّا القسم الثاني من الروايات الذامّة ـ بحسب تقسيمنا الثنائي لها ـ فهي التي تحكي خلافاً فكريّاً بين أئمّتنا(عليهم السلام) وبين الثائرين حول مبدأ الإمامة ومصداقها، فأئمّتنا كانوا يعتقدون أنّهم الأئمّة المنصوص عليهم والمنصَّبون من قبل الله تعالى، فيما كان قادة الثورات الشيعيّة يرون أنّهم هم الأئمّة؛ لاعتقادهم أنّ الإمام إنّما هو القائم الثائر، والجالس في بيته لا يمكن أن يكون إماماً للناس!
وفي هذا الاتجاه نذكر بعض الروايات التي تحكي وجود الخلاف الفكري حول مسألة الإمامة بين الأئمّة(عليهم السلام) وبين الثائرين:
منها: رواية نأخذ منها محلّ الشاهد، وهو نقاش دار بين زيد بن عليّ وبين أخيه الإمام الباقر(عليه السلام)، يقول زيد ـ بعدما رفض الإمام الباقر تأييد ثورته والالتحاق بها وقد غضب زيد بحسب ما تقول
', '', 234), (2619, 235, 'book', 'الرواية ـ: «ليس الإمام منّا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبّط عن الجهاد، ولكنّ الإمام منّا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده، ودفع عن رعيّته وذبّ عن حريمه»(1).
ومنها: رواية اُخرى تحكي قصّة طريفة حول مُحاججة وقعت بين زيد بن عليّ وبين مؤمن الطاق(2): «قال (أبان بن تغلب): أخبرني الأحول أبو جعفر محمّد بن النعمان الملقّب بمؤمن الطاق: أنّ زيد بن عليّ بن الحسين(عليهما السلام) بعث إليه... فقال لي: يا أبا جعفر، ما تقول إن طرقك طارق منّا أتخرج معه؟ قال: قلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه. قال: فقال لي: فأنا اُريد أن أخرج اُجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي. قال: قلت: لا أفعل جُعلت فداك. قال: فقال لي: أترغب بنفسك عنّي؟ قال: فقلت له: إنّما هي نفس واحدة، فإن كان لله عزّ وجلّ في الأرض معك حجّة (أي إمام معصوم)، فالمتخلّف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله معك حجّة، فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء. قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كُنت أجلس مع أبي على الخوان (أي: على مائدة الطعام)، فيلقمني اللقمة السمينة، ويبرّد لي اللقمة الحارّة حتّى تبرد من شفقته عليّ ولم يشفق عليّ من حرّ النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به.
', '(1) البحار 46: 203 ـ 204.
(2) وسمّي أيضاً شيطان الطاق، والأحول، والشيعة يسمّونه مؤمن الطاق، ونسبة الطاق إليه لأنّ دكّانه كان تحت الطاق، وكان معروفاً بقوّة المحاجّة، وله باع طويل فيها مع أبي حنيفة وغيره.
', 235), (2619, 236, 'book', '
قال: فقلت له: من شفقته عليك من حرّ النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني فإن قبلته نجوت، وإن لم أقبل لم يبالِ إن أدخل النار، ثمّ قلت له: جُعلت فداك، أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء. قلت: يقول يعقوب ليوسف: ﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾، ثمّ لم يخبرهم حتّى لا يكيدونه ولكن كتمهم، وكذا أبوك كتمك؛ لأنّه خاف عليك. قال: فقال: أما والله لئن قلت ذاك لقد حدّثني صاحبك (يعني الإمام الباقر) بالمدينة: أ نّي اُقتل واُصلب بالكُناسة، وإنّ عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي. فحججت (أي: مؤمن الطاق)، فحدّثت أبا عبد الله(عليه السلام) بمقالة زيد وما قلت له، فقال (أي: الإمام الصادق(عليه السلام)) لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه»(1).
هذه من الروايات التي تحكي عدم إيمان زيد بن عليّ بإمامة أخيه الإمام الباقر(عليه السلام) واعتقاده بإمامة نفسه، لكن ثمّة روايات اُخرى تحكي العكس، أي: إيمان زيد بإمامة الأئمّة، نذكر منها هذه الرواية: «عن عمرو بن خالد قال: قال زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام): في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ الله به على خلقه، وحجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمّد لا يضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه»(2).
', '(1) البحار 46: 180 ـ 181.
(2) المصدر السابق: 173.
', 236), (2619, 237, 'book', '
فهذه الرواية تدلّ صراحةً على إيمان زيد بإمامة ابن أخيه، وهناك رواية تدلّ على إيمان زيد بإمامة جميع الأئمّة(عليهم السلام): «عن يحيى بن زيد قال: سألت أبي عن الأئمّة، فقال: الأئمّة اثنا عشر، أربعة من الماضين، وثمانية من الباقين. قلت: فسمِّهم يا أبة. قال: أمّا الماضين فعليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، ومن الباقين أخي الباقر وبعده جعفر الصادق ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمّد ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده المهديّ ابنه. فقلت له: يا أبة، ألست منهم؟ قال: لا، ولكنّي من العترة. قلت: فمن أين عرفت أساميهم؟ قال: عهد معهود عهده إلينا رسول الله(صلى الله عليه وآله)»(1).
وعلى أيّة حال، فالذي أفهمه من القسم الثاني من الروايات الذامّة للثورات والتي تحكي خلافاً فكريّاً بين الأئمّة(عليهم السلام) والثوار ـ سواء افترضنا أنّ زيداً كان أحدهم أم لم يكن ـ أنّ هذه الروايات لا تريد أن ترفض أصل الثورة على الظالمين أو معارضتها، وإنّما هي ترفض وتعارض أمرين:
الأمر الأوّل: هو الخطأ العقائدي الذي ارتكبه قادة بعض الثورات الشيعيّة، وهو تصوّرهم أنّ الإمام هو الخارج بالسيف فقط، بينما الإمام إمام قائماً كان أم قاعداً، فالرسول(صلى الله عليه وآله) قال: «الحسن
', '(1) المصدر السابق: 198.
', 237), (2619, 238, 'book', '
والحسين إمامان قاما أو قعدا»(1)، وعلى هذا فالإمام هو وحده الذي يقدّر المصلحة في العمل بإحدى الصيغتين: القيام بالسيف أو التقيّة، ولا يقدح ذلك بمنصبه كإمام معصوم مفترض الطاعة.
الأمر الثاني: التحاق ومشاركة أكبر عدد من شيعة الأئمّة(عليهم السلام) في هذه الثورات؛ إذ إنّ الإمام لو كان يمنح تأييداً تامّاً لهذه الثورات عندئذ كانت تتّسع المشاركة فيها من قبل الشيعة، وهذا ما لا يريده الأئمّة(عليهم السلام) حقناً لدماء شيعتهم وحفظاً لهم من الفناء.
وللشاهد على ما ذكرناه من أنّ الهدف لم يكن رفض أصل الثورات نذكر روايةً مرويةً عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «لا أزال وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمّد، ولوددت أنّ الخارجي من آل محمّد خرج وعليَّ نفقة عياله»(2).
وبهذا يتأكّد لنا أنّ الأئمّة(عليهم السلام) وبسبب ظروف التقيّة ومهمّات قيادة الاُمّة وقفوا من هذه الثورات موقفاً هو بمنزلة أمر بين أمرين؛ إذ لم يعارضوا الثورات الشيعيّة المناهضة للسلطات الظالمة؛ لأنّها بنظرهم تعبّر عن جزء من أهدافهم، وكذلك لم يساندوها كلّيّاً؛ لأنّها لم تكن نقيّة وصحيحة من الناحية العقائديّة والمذهبيّة، أو لمراعاتهم لمتطلّبات قيادة الاُمّة التي لم تكن ظروفها تسمح بإعلان الثورة الشاملة وتعبئة جميع الشيعة لها؛ لضعفهم وقوّة السلطات، وهذا هو
', '(1) البحار 43: 291، الحديث 54.
(2) البحار 46: 172، الحديث 21.
', 238), (2619, 239, 'book', '
الذي دعا الأئمّة(عليهم السلام) للتظاهر بمعارضة الثورات، وبهذا أمكن لهم من ضبط المسافة الفاصلة بين شيعتهم وبين هذه الثورات من جهة، وبين السلطات الظالمة من جهة اُخرى، فاحتفظت الاُمّه بروحها الثوريّة، فيما أمكن للثورات أن تؤدّي واجبها في الوقت نفسه، وبهذا يثبت لدينا أنّ الأئمّة(عليهم السلام) لم يعترضوا على الثورات الشيعيّة المناهضة للسلطات الظالمة بما هي حركات ثائرة، وإنّما اعترضوا على الأخطاء العقائديّة والمذهبيّة التي وقع فيها قادة بعض هذه الثورات، ولو كان الأئمّة(عليهم السلام) قد شجبوا أهل هذه الثورات، لكان يعني هذا اعترافهم الضمني بالسلطات الظالمة، ولأدركت السلطات هذا المعنى ولقيّمته على نحو التقرّب من الأئمّة(عليهم السلام) أو تكريمهم، أو على أقلّ تقدير كانت تعدّل من سلوكها وتلين معهم، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحصل، ولم يصل إلينا ما يؤكّده، بينما الذي وصل إلينا هو العكس تماماً، حيث العداء المستحكم بين السلطات والأئمّة(عليهم السلام)، والمطاردة والسجون والقتل، فلم يبق إمام معصوم إلاّ وهو محبوس في بيته أو في طامورة مظلمة، ولم يمت منهم أحد إلاّ مسوماً أو مقتولاً.
قق
', '', 239), (2619, 240, 'book', ' ', '', 240), (2619, 241, 'book', 'الفصل السادس
لمحة عن مبدأ ولاية الفقيه
', '', 241), (2619, 242, 'book', ' ', '', 242), (2619, 243, 'book', 'ثمّة رواية وردت في القضاء، إلاّ أنّها تعطي مفهوماً عن المنهج الإسلاميّ في العمل السياسيّ والاجتماعي، فعن عمر بن حنظلة: «قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة (يقصد السلطان والقضاة الجائرين) أيحلّ ذلك؟ قال(عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الجبت والطاغوت المنهيّ عنه، وما حكم له به فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله عزّوجلّ أن يكفر به، قال الله عزّ وجلّ: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾. قلت: فكيف يصنعان وقد اختلفا؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا وعرف حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكم ولم يقبله منه، فإنّما بحكم الله استخفّ وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله، وهو على حدِّ الشرك بالله»(1).
', '(1) البحار 101: 261 ـ 262، الحديث 1.
', 243), (2619, 244, 'book', '
من هذه الرواية الواردة بشأن القضاء يمكن أن نستنتج بعض قواعد المنهج الإسلاميّ في العمل السياسيّ والاجتماعي؛ ذلك لأنّ هذه الرواية قد دلّتنا على قاعدتين:
الاُولى: عدم الاحتكام إلى الطاغوت ومعاداته.
الثانية: الاحتكام إلى الفقهاء والتزام توجيهاتهم.
إنّ النهي الذي ورد على الاحتكام إلى الطاغوت يشمل حتّى المورد الذي يدخل تحت عنوان استرداد الحقوق، فليس للمؤمن أن يطلب حقّاً له مضيّعاً من حكم طاغوت؛ ذلك لأنّ مثل هذا الاحتكام والطلب يؤدّي إلى إعلاء كلمة الطاغوت وسطوته على المجتمع، بينما الذي يريده الإسلام هو محاربة الطاغوت وإضعافه وصولاً إلى نفي سلطته عن المجتمع. وإنّ هذه القاعدة من شأنها أن تربّي الاُمّة على روح التمرّد والعصيان والثورة على كلّ طاغوت كما هو شأن شيعة أهل البيت(عليهم السلام)، خلافاً لمنهج تربوي آخر يقرّر طاعة وليّ الأمر حتّى إذا كان فاسقاً!
وعلى الرغم من أنّ هذه الرواية في القضاء لكنّنا نستطيع أن نرى فيها نَفَس الشريعة الإسلاميّة في توجيه الاُمّة والمجتمع إلى الفقهاء، لاسيّما أنّ القضاء ليس سوى شعبة من شعب الاُمور الاجتماعيّة التي اُوكلت إلى الفقيه، فالوليّ الفقيه هو الذي يعطي المواقف السياسيّة والاجتماعيّة طبقاً للمصلحة التي يراها في ضوء الضوابط
', '', 244), (2619, 245, 'book', 'والمقرّرات الشرعيّة، والاُمّة مكلّفة بطاعة الوليّ الفقيه طبقاً لتكليفها الشرعيّ.
إنّ إعطاء المواقف الشرعيّة للقضايا الاجتماعيّة والسياسيّة بيد الوليّ الفقيه يعني الإرجاع إليه في المسائل التالية:
المسألة الاُولى: تحديد المواقف الصحيحة إزاء الأحداث والقضايا الاجتماعيّة والسياسيّة؛ ذلك لأنّ القرار السياسيّ والاجتماعي ليس من الصحيح أن يُترك من غير رعاية أو يكون بيد الناس جميعاً، فمؤدّى ذلك هو وقوع المجتمع في الفوضى؛ ولهذا لا بُدّ أن يكون القرار السياسيّ والاجتماعي بيد جهة مختصّة، وهذه الجهة بنظر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هي الفقهاء طبقاً لقولهم (عليهم السلام): «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله»(1) و«فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(2).
المسألة الثانية: تقديم المصلحة الاجتماعيّة على المصالح الفرديّة؛ ذلك لأنّ المصالح الفرديّة في المجتمع غالباً ما تتعارض مع مصلحة المجتمع العامّة، ولو تركت مصالح الأفراد تتقاطع وتتعارض مع مصلحة المجتمع لعمّت الفوضى واضطرب الاجتماع. وهنا يأتي
', '(1) الوسائل 27، الباب 11 من صفاة القاضي: 140، الحديث 9، وكمال الدين، الباب 45، التوقيعات الواردة عن الإمام الحجّة عجّل الله فرجه، التوقيع الرابع: 484، والغيبة: 291.
(2) البحار 101: 262.
', 245), (2619, 246, 'book', '
دور الوليّ الفقيه لحسم هذا التعارض لصالح المجتمع. فمثلاً: لو أنّ شخصاً ارتأى أن يبيع سلعته بسعر فاحش استناداً إلى قاعدة: «الناس مسلّطون على أموالهم»، فمن الذي يمنع هذا الشخص من البيع بأسعار غالية مُضِرّة بالمجتمع، لاسيّما أنّ القاعدة الفقهيّة المذكورة آنفاً تجيز له البيع بالسعر الذي يراه؟ فالوليّ الفقيه هو الذي خوّل صلاحيّة تنظيم المصالح الاجتماعيّة وتقديمها على مصلحة الأفراد، ويدخل ضمنها ضبط الأسعار وتحديدها.
المسألة الثالثة: حسم الخلافات والمواقف المتباينة في المجتمع، وبالخصوص المواقف التي لها مساس بأمن المجتمع والدولة، كالموقف من الحرب والسلم، فلو أنّ موقف المجتمع تجزّأ إزاء مسألتي الحرب والسلم، وكان لقرار الحرب أنصار، ولقرار السلم أنصار، فمن أجل تماسك المجتمع وتوجيهه وجهة معيّنة يحكم الوليّ الفقيه بإحدى المسألتين: الحرب أو السلم، وينفذ أمر الوليّ على المولّى عليه بحكم كونه أمراً ولائيّاً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ أوامر الوليّ الفقيه إذا ما صدرت عن مقام الولاية البحت تسمّى عندئذ بــ (الأحكام الولائيّة)، وهي ملزمة الطاعة وليس للمكلّف عصيانها حتّى لو كان للمكلّف رأي مخالف، وتصدر هذه الأحكام غالباً في الاُمور السياسيّة والاجتماعيّة، أمّا
', '', 246), (2619, 247, 'book', 'آراء الوليّ الفقيه التي تصدر عنه لا من مقام الولاية البحت بل بعنوان الكشف عن حقيقة ما، فإنّ للمكلّف مخالفتها إذا علم بخطئها، مثال ذلك: رأي الوليّ الفقيه بثبوت هلال العيد، الذي يُلزم المكلّفين بالإفطار استناداً إلى كاشفيّته عن العيد وحسب. فإذا ما علم المكلّف بخطأ رأي الفقيه هذا، لم يجب عليه العمل به، خلافاً للمسألة السابقة المتعلّقة بالأحكام الولائيّة الصادرة عن مقام الولاية البحت.
اختلاف ولاية الفقيه عن الإمامة:
ولاية الفقيه هي امتداد لفكرة الإمامة كما ثبت بالدليل، وبالخصوص الرواية التي نقلها الصدوق(رحمه الله) والتي وردت عن إسحاق بن يعقوب الذي سأل محمّد بن عثمان العمري رضوان الله تعالى عليه (أحد النوّاب الأربعة للإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه ) أن يوصل إليه كتاباً سأل فيه عن عدّة مسائل أشكَلَت عليه، فورد التوقيع بخطّ مولانا الإمام صاحب الزمان(عليه السلام): «أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك... وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله»(1)، ولكن بحسب ما نفهمه من مجموع الأدلّة أنّ ولاية الفقيه تختلف عن إمامة الإمام
', '(1) الوسائل 27، الباب 11 من صفات القاضي: 140، الحديث 9، وكمال الدين: 484، والغيبة: 290 ـ 291.
', 247), (2619, 248, 'book', '
المعصوم في عدّة جوانب، وهذه الجوانب هي:
1 ـ الإمام المنصوص عليه معصوم عن الزلل والخطأ، وهو قدوة للمؤمنين، ويجب عليهم اتّباعه بشكل عامٍّ ومطلق وبلا استثناء، بينما الشرط اللازم للوليّ الفقيه هو العدالة وليست العصمة، وقد يتّفق أن يزلّ أو ينحرف ـ لا سمح الله ـ فتسقط عندئذ عنه الولاية.
2 ـ الإمام تستمرّ ولايته لما بعد موته، فله أن يحكم بحكم ما في حال حياته ويستمرّ حتّى بلحاظ ما بعد وفاته، بينما الفقيه تنتهي ولايته بمجرّد موته. والسبب في ذلك واضح نستظهره من دليل الولاية الذي منح الولاية للفقيه على أساس كفاءته العلميّة وقدرته على إدارة الاُمور، وهذه الكفاءة والمقدرة متوقّفة على بقاء الفقيه حيّاً، فإذا مات انقطعت عنه؛ لانقطاع زمن حياته الذي فيه تظهر العلمية والكفاءة، وتتجسّد بهيئة استيعاب الاُمور ووضع الحلول للمشاكل. أمّا الإمام المعصوم، فولايته غير مخصوصة بأيّام حياته؛ لأنّها مستمدّة من إلهام الله الذي لا يخطأ، والذي يستوعب حتّى زمان المستقبل الذي قد لا يفي به عمر الإمام (عليه السلام)، ونفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾(1)، ومن قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «من كُنت مولاه فهذا عليّ مولاه»(2)، فالولاية هنا غير مخصوصة بفترة الحياة، وهذا بخلاف ولاية الفقيه.
', '(1) سورة الأحزاب، الآية: 6.
(2) البحار 28: 187.
', 248), (2619, 249, 'book', '
3 ـ إنّ الولاية الثابتة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) وللإمام تعني الأولويّة على نفوس المؤمنين من أنفسهم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، بينما هذا المعنى غير ثابت بالنسبة إلى الفقيه، بمعنى أنّ الفقيه الذي ورد الدليل على ولايته لا يعدو أن يكون من سنخ سائر أدلّة الولايات الاعتياديّة، كولاية الأب على الأطفال وما شابه ذلك، وولاية الأب على طفله لا تجعله أولى بالطفل من نفسه، وإنّما هي رعاية مصلحة الطفل، وسدّ نقصه باعتباره طفلاً. وهذا المعنى هو نفسه الذي نفهمه من ولاية الفقيه؛ إذ لا نفهم أنّ الفقيه يصبح أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما هي ولاية النبيّ والمعصوم، وإنّما نفهم ـ على حدّ تعبير الاُصوليين بـ «مناسبات الحكم والموضوع» ـ أنّ المقصود بولاية الفقيه على الناس والمجتمع هو سدّ النقص والقصور الحاصل لديهما، ويكون أمره نافذاً. وتفصيل ذلك موكول إلى كُتبنا الفقهيّة الاستدلاليّة.
والواقع أنّنا لو لاحظنا الأمر بغضّ النظر عن البحث الفقهيّ في ولاية الفقيه، وركّزنا على الناحية الاجتماعيّة، لوجدنا أنّ الشيعة وفي طول تأريخهم امتلكوا عنصراً مهمّاً امتازوا به ممّن سواهم، وهو الذي منحهم القدرة على الانتصار والعزّة وجعلهم مرفوعي الرأس دائماً، وهو عنصر احترامهم وإطاعتهم للعلماء الذي تحوّل مع مرور الزمن إلى سُنّة جارية لدى الشيعة، وقد أعطى لهم وحدة
', '', 249), (2619, 250, 'book', 'كلمتهم وحقّق لهم انتصاراتهم بسبب أنّ العلماء الأعلام كانوا قادة للمجتمع يتصدّون لجميع اُموره الفقهيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، ولهذا كان الناس يطيعونهم في كلّ الاُمور، ليس استناداً إلى الدليل الفقهيّ لولاية الفقيه، بل استناداً إلى الدور الاجتماعيّ والسياسيّ للفقهاء في المجتمع، بالإضافة إلى دورهم الديني المنصبّ على بيان أحكام الشريعة للمكلّفين، ولهذا استطاع الفقهاء قيادة ثورات كثيرة في الواقع الشيعي أكّدت حقيقة هذا الولاء، والشواهد على ذلك كثيرة، منها: ثورة التنباك الشهيرة في إيران، وثورة العشرين في العراق، وأخيراً الثورة الإسلاميّة المباركة التي قامت واستمرّت بفضل ولاية الفقيه في إيران. فنسأل الله تعالى أن يوفّق المسلمين لاتّباع علمائهم الصالحين، وأن ينصرهم على عدوّهم، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
', '', 250), (2619, 251, 'book', 'فهرس المصادر
', '', 251), (2619, 252, 'book', ' ', '', 252), (2619, 253, 'book', '«أ»
1 ـ أساس الحكومة الإسلاميّة: لسماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه.
2 ـ أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف: محاضرات الإمام الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)، الناشر: دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.
3 ـ الإمامة والسياسة: لأبي محمّد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ المتوفّى سنة: ( 276 هـ )، الناشر: انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الاُولى: (1413 هـ )، قم ـ إيران.
4 ـ الاُسس المنطقـيّة للاستقراء: للإمام الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر(قدس سره)، الناشر: دار الفكر، الطبعة الاُولى، سنة: ( 1391 هـ ـ 1972 م )، بيروت ـ لبنان.
', '', 253), (2619, 254, 'book', '«ب»
5 ـ بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: للعلاّمة الشيخ محمّدباقر المجلسي(رحمه الله) المتوفّى سنة: ( 1110 هـ )، طبع في مئة وعشرةِ مجلّدات، سنة النشر: ( 1404 هـ )، الناشر: مؤسّسة الوفاء، الطبعة الرابعة، بيروت ـ لبنان.
6 ـ بحث حول المهديّ: لسماحة الإمام الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)، الناشر: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الثانية، سنة: ( 1399 هـ ـ 1979 م )، بيروت ـ لبنان.
7 ـ بصائر الدرجات: لمحمّد بن حسن بن فروخ الصفّار المتوفّى سنة: ( 290 هـ )، الناشر مكتبة آية الله العظمى المرعشيّ، قم ـ إيران.
«ت»
8 ـ تفسير نور الثقلين: للمحدّث العلاّمة الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ المتوفّى سنة: ( 1112 هـ )، صحّحه وعلّق عليه السيّد هاشم الرسوليّ المحلاّتيّ، الناشر: دار التفسير سنة ( 1424 هـ ).
9 ـ تفسير القمّيّ: لأبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّيّ، من أعلام قرني ( 3 ـ 4 هـ )، الناشر: مؤسّسة دار الكتاب، سنة النشر: ( 1404 هـ )، قم ـ إيران.
', '', 254), (2619, 255, 'book', '«غ»
10 ـ الغيبة: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ(رحمه الله)المتوفّى سنة: ( 460 هـ )، الناشر: مؤسّسة معارف إسلامي، سنة النشر: ( 1411 هـ )، قم ـ إيران.
«ق»
11 ـ القرآن الكريم.
12 ـ القرآن الكريم وروايات المدرستين: للعلاّمة السيّد مرتضى العسكريّ، الناشر: المجمع العلميّ الإسلاميّ، إشراف: المنير للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، سنة: ( 1416 هـ ـ 1996 م )، إيران.
«ك»
13 ـ الكافي: لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينيّ الرازيّ المتوفّى سنة: ( 329 هـ )، الناشر: دار الكتبالإسلاميّة، سنة النشر: (1365 هـ ش )، الطبعة الرابعة، في ثمانية مجلّدات، طهران ـ إيران.
', '', 255), (2619, 256, 'book', '14 ـ كمال الدين وتمام النعمة: للشيخ المحدّث أبي جعفر الصدوق محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ(رحمه الله) المتوفّى سنة: (381 هـ )، صحّحه وعلّق عليه عليّ أكبر الغفّاري، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قم ـ إيران.
«م»
15 ـ المستدرك على الصحيحين: لأبي عبدالله الحاكم النيسابوريّ، الناشر: دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.
16 ـ المعجم الأوسط: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبرانيّ المتوفّى سنة: ( 360 هـ )، الناشر: دار الحرمين، سنة النشر: ( 1415 هـ )، في عشرة مجلّدات.
17 ـ معالم المدرستين: للعلاّمة السيّد مرتضى العسكريّ، الناشر: مؤسّسة البعثة، الطبعة الرابعة، سنة: ( 1412 هـ )، إيران.
«ن»
18 ـ نهج البلاغة بحسب ضبط وفهرسة الدكتور صبحي الصالح، الناشر: دار الهجرة للنشر، قم ـ إيران.
', '', 256), (2619, 257, 'book', '«و»
19 ـ وسائل الشيعة: للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ(رحمه الله)المتوفّى سنة: ( 1104 هـ )، الناشر: مؤسّسة آل البيت، سنة النشر: ( 1409 هـ )، قم ـ إيران
«ي»
20 ـ ينابيع المودّة لذوي القربى: لسليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ ( 1220 ـ 1294 هـ )، تحقيق السيّد عليّ جمال أشرف الحسينيّ، الناشر: دار الاُسوة للطباعة والنشر، الطبعة الاُولى، تأريخ النشر: ( 1416 هـ ).
', '', 257), (2619, 258, 'book', ' ', '', 258),