insert into `lib_pages` (`book_id`, `page_id`, `title`, `text`, `footnote`, `sort`) values (65, 1, 'book', '
مباحث الاُصول
تأليف
سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ(دام ظلّه)
$
', '', 1), (65, 2, 'book', 'اسم الكتاب: … مباحث الاُصول، الجزء الثالث من القسم الأوّل
تقريراً لأبحاث آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر(قدس سره)
المؤلّف: … سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ (دام ظلّه)
الطبعة: … الاُولى
تأريخ الطبع: … 1432 هـ . ق
الكمّيّة: … 2000 نسخة
المطبعة: … ظهور ـ قم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إصدار مكتب سماحة آية الله العظمى السيّد الحائريّ (دام ظلّه)
حقوق الطبع محفوظة للمؤلّف
$
', '', 2), (65, 3, 'book', '$
', '', 3), (65, 4, 'book', '$
', '', 4), (65, 5, 'book', 'الأوامر
الفصل الخامس
اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه
اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه
اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ.
اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه العامّ.
ثمرة بحث الضدّ.
الترتّب.
التزاحم.
$
', '', 5), (65, 6, 'book', '$
', '', 6), (65, 7, 'book', 'يقع الكلام في هذا الفصل تارةً في الضدّ الخاصّ، أي: الفعل الوجوديّ الذي يقابل المأمور به تقابل التضادّ، واُخرى في الضدّ العامّ، أي: ما يقابله تقابل السلب والإيجاب، وثالثة في ثمرة البحث. فيقع الكلام أوّلاً في بحوث ثلاثة، ثمّ يلحق بها بحثان هامّان، وهما: بحثا الترتّب والتزاحم:
اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ
البحث الأوّل: في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ.
لا إشكال في أنّ الأمر بالشيء يقتضي عدم الأمر بضدّه الخاصّ: إمّا مطلقاً، أو بنحو العرضيّة لا الترتّب، وإنّما الكلام في أنّه: هل يقتضي النهي عنه، أو لا؟
وكأنّه يفرض في هذا البحث الفراغ عن اقتضائه للنهي عن ضدّه العامّ، حيث يؤخذ هذا كجزء من دليل اقتضائه للنهي عن الضدّ الخاصّ كما سيتّضح ذلك.
ولإثبات الاقتضاء في الضدّ الخاصّ مسلكان:
الكلام في إثبات الاقتضاء عن طريق التلازم:
المسلك الأوّل: مسلك التلازم، بأن يقال: إنّ الإزالة مثلا ملازمة لترك الصلاة، فإذا وجبت وجب ترك الصلاة؛ لأنّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم، وإذا وجب ترك الصلاة، حرم ضدّه العامّ وهو الصلاة، فثبتت بذلك حرمة الصلاة التي هي ضدّ خاصّ للإزالة الواجبة.
$
', '', 7), (65, 8, 'book', 'وهذا ـ كما ترى ـ مركّب من ثلاث مقدّمات:
المقدّمة الاُولى: دعوى الملازمة بين الإزالة وترك الصلاة، وهي بديهيّة، والاستشكال في ذلك بمنع الملازمة بين أحد الضدّين وعدم الضدّ الآخر إلاّ في ضدّين لا ثالث لهما في غير محلّه؛ فإنّ الهدف من الملازمة المدّعاة في المقام هو إسراء الوجوب إلى ترك الصلاة، بناءً على كبرى: أنّ الشيء لا يختلف حكمه عن حكم ما يستلزمه، وهذه الكبرى ـ لو قبلت ـ يكفي في تحقّق نكتتها لإسراء الحكم من شيء إلى شيء كون الأوّل مستلزماً للثاني، سواء صدق العكس أو لا؛ فإنّ ضابط سريان الوجوب إلى شيء هو استلزام الواجب لذلك الشيء، ومن البديهيّ أنّ الإزالة تستلزم ترك الصلاة، سواء كان للضدّين ثالث أو لا.
المقدّمة الثانية: دعوى: أنّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم، وهذه الدعوى ممنوعة جدّاً؛ فإنّ التلازم في الوجود لا يقتضي التلازم في الحكم، لا وجداناً ولا ببرهان يدلّ عليه.
نعم، يمكن أن يبرهن على هذا التلازم في الحكم بما ما مضى في بحث وجوب المقدّمة، من الوجه الثاني من الوجوه التي يستدلّ بها على وجوب المقدّمة، فكما قيل هناك: لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها إلى آخره... يقال هنا أيضاً: لو لم يجب اللازم لجاز تركه، وعندئذ لو بقي الملزوم واجباً فالإتيان به مع ترك اللازم مستحيل، ولو لم يبقَ واجباً، لزم انقلاب الواجب المطلق إلى الواجب المشروط بإتيان لازمه، وهو غير معقول، أو يقال: لو لم يجب اللازم لجاز تركه، ومع جواز الترك: إن كان يثبت في فرض الترك عقاب، كان هذا خلف جوازه، وإلاّ انقلب الواجب المطلق إلى الواجب المشروط بإتيان لازمه.
وعلى أيّ حال، فجواب ذلك ظهر ممّا تقدّم في بحث المقدّمة.
$
', '', 8), (65, 9, 'book', 'المقدّمة الثالثة: أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، وهذا ما يأتي بحثه في البحث الثاني.
الكلام في إثبات الاقتضاء عن طريق المقدّميّة:
المسلك الثاني ـ وهو المسلك المهمّ في المقام ـ: مسلك المقدّميّة، بأن يقال: إنّ ترك الضدّ الخاصّ مقدّمة للإتيان بالضدّ العامّ، ومقدّمة الواجب واجبة، فترك الضدّ الخاصّ واجب، وإذا وجب ترك الضدّ الخاصّ حرم الضدّ الخاصّ؛ لأنّه ضدّ عامّ لتركه، والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ.
وهذا أيضاً مركّب من ثلاث مقدّمات:
1 ـ إنّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الآخر.
2 ـ إنّ مقدّمة الواجب واجبة.
3 ـ إنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ.
والمقدّمة الثالثة يأتي تحقيقها في البحث الثاني، والمقدّمة الثانية مضى تحقيقها في بحث مقدّمة الواجب. يبقى الكلام في المقدّمة الاُولى، وهي مقدّميّة ترك الضدّ للضدّ الآخر، ولإثبات ذلك عدّة بيانات:
البيان الأوّل: أنّ الضدّين متعاندان في الوجود، ولو وجد أحدهما لما أمكن وجود الآخر معه، كما هو واضح، فلا محالة يتوقّف أحدهما على عدم الآخر.
وهذا المقدار من البيان يرد عليه ما أورده في الكفاية(1) من النقض بالنقيضين، حيث إنّ النقيضين أيضاً متعاندان، ولكن ليس أحدهما موقوفاً على عدم الآخر؛ إذ هو عين عدم الآخر.
ولكن يمكن أن يفترض صاحب هذا البيان أنّ التعاند يوجب توقّف أحد
', '(1) ج 1، ص 307 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقات المشكينيّ.
', 9), (65, 10, 'book', '
المتعاندين على عدم الآخر في صورة المغايرة وعدم العينيّة، وعندئذ فهذا النقض غير وارد. نعم، يبقى عليه أنّ فرض مساوقة التعاند في الوجود لتوقّف أحدهما على عدم الآخر مجرّد دعوى ليس على طبقه وجدان، ولا دُلِّل على ذلك في هذا البيان ببرهان، ومن هنا ننتقل إلى البيان الثاني ليكون برهاناً على ذلك.
البيان الثاني: أنّه لو لم يكن عدم أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر، قلنا:لو فرض وجود أحد الضدّين، وفي نفس الوقت وجدت العلّة التامّة للضدّ الآخر، فهل يوجد ذلك الضدّ الآخر أو لا؟ فإن قيل: نعم، يوجد ذلك الضدّ، لزم اجتماع الضدّين، وإن قيل: لا يوجد، لزم انفكاك المعلول عن العلّة التامّة، وكلا الأمرين محال، بينما لو قلنا بأنّ عدم أحد الضدّين هو بنفسه أحد أجزاء علّة وجود الضدّ الآخر، فمع وجود أحد الضدّين لا معنى لفرض تحقّق العلّة التامّة للضدّ الآخر.
وهذا البيان أيضاً غير صحيح؛ إذ بالإمكان أن يفرض أنّ عدم أحد الضدّين ملازم لشيء هو جزء العلّة للضدّ الآخر، فعند وجوده لا تتمّ علّة الضدّ الآخر؛ لفقدان ذلك الملازم.
البيان الثالث: أنّه لا إشكال في أنّ عدم أحد الضدّين مقدّم على الضدّ الآخر تقدّماً بالطبع؛ فإنّ التقدّم تارةً يكون بالوجود(1)، واُخرى يكون بالطبع، فالمتقدّم بالوجود هو ما يجعل وجود الشيء واجباً، وهو العلّة التامّة بالنسبة لمعلوله، والمتقدّم بالطبع هو ما يكون فرض وجود الشيء الآخر مستلزماً لفرض وجوده دون العكس، كما هو الحال في عدم أحد الضدّين مع الضدّ الآخر؛ فإنّ وجود الضدّ لا يعقل إلاّ مع فرض عدم الضدّ الآخر دون العكس.
$
', '(1) وهو الذي يعبّر عنه في الحكمة بالتقدّم بالعلّيّة.
', 10), (65, 11, 'book', '
والتقدّم بالطبع على ثلاثة أقسام:
1 ـ تقدّم جزء الماهيّة على الماهيّة.
2 ـ تقدّم المقتضي على المقتضى.
3 ـ تقدّم الشرط على المشروط.
وعدم الضدّ ليس جزءاً لماهيّة ضدّه، ولا مقتضياً له ـ كما هو واضح ـ فبقي أن يكون شرطاً له، فيكون الضدّ متوقفاً على عدم ضدّه توقّف المشروط على الشرط، وهو المطلوب.
والجواب: أنّ تقدّم عدم أحد الضدّين على الضدّ الآخر بالطبع يمكن أن يفرض بشكل آخر خارج عن الأقسام الثلاثة، وذلك بأن يكون عدم أحد الضدّين ملازماً للمقتضي، أو الشرط للضدّ الآخر، فلا محالة لا يعقل وجود الضدّ الآخر إلاّ مع تحقّق هذا العدم، بخلاف العكس، فحصر التقدّم الطبعيّ في تلك الأقسام الثلاثة باطل. ومجرّد كون عدم أحد الضدّين مقدّماً على الضدّ الآخر بالطبع لا يوجب انحصار الأمر في فرضيّة كونه شرطاً له. نعم، لو خلطنا بين التقدّم بمعنى المقدّميّة والتوقّف، والتقدّم بالطبع بمعنى عدم إمكان فرض وجود الشيء من دون وجوده، جاء تخيّل كون عدم أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر؛ لكونه متقدّماً عليه بالطبع، ولكن هذا الخلط ممّا لا ينبغي.
ثُمّ إنّ ما ذكرناه من المسلكين قد عرفت أنّهما معاً مشتركان في افتراض الفراغ عن أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، فلا يمكن دعوى: اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ في عرض دعوى: اقتضائه للنهي عن الضدّ العامّ.
نعم، لو فرض أنّنا ادّعينا ابتداءً وجدانيّة كبرى: أنّ كلّ شيئين يوجد بينهما تضادّ في عالم الوجود، يوجد أيضاً بينهما في عالم الحكم والتشريع تضادّ بالنحو المناسب لذلك التضادّ، أي: كما أنّ في عالم الخارج حينما يتمّ اقتضاء لأحد الضدّين، يتمّ بنفس تلك الدرجة من الاقتضاء اقتضاء لعدم الضدّ الآخر، كذلك في
', '', 11), (65, 12, 'book', 'عالم التشريع إذا تمّ اقتضاء لأحد الضدّين، تمّ الاقتضاء بنفس الدرجة لعدم الضدّ الآخر، إذن فلو كان حكم أحدهما هو الوجوب، كان حكم الآخر هو الحرمة وبالعكس، ولو كان حكم أحدهما هو الاستحباب كان حكم الآخر هو الكراهة وبالعكس، فهذا معناه الالتزام باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ. في عرض الالتزام باقتضائه للنهي عن الضدّ العامّ، إلاّ أنّهم لم يدّعوا مثل هذه الدعوى فيمن أعلم، وإنّما مدّعاهم في مقام إثبات كون الأمر بالشيء مقتضياً للنهي عن ضدّه، هو أحد المسلكين الماضيين.
ثمّ إنّ ما ذكرناه من المسلكين ـ أعني: مسلك التلازم ومسلك المقدّميّة ـ قد بيّنّا فيهما علاقة التلازم في الحكم، أو المقدّميّة بين الإزالة التي هي الواجب وترك الصلاة الذي هو ترك الضدّ، ويمكن أيضاً بيان علاقة التلازم في الحكم أو المقدّميّة بين عدم الإزالة الذي هو الضدّ العامّ للواجب والصلاة التي هي ضدّ الواجب.
أمّا بيان مسلك التلازم على هذا الأساس، فبأن يقال: إنّ الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، فيحرم ترك الإزالة، فإذا حرم ترك الإزالة عرفنا حرمة الصلاة أيضاً؛ للملازمة بين ترك الإزالة والصلاة.
ونقطة الضعف الموجودة في هذا البيان لمسلك التلازم هي: أنّ ترك الإزالة لا يستلزم فعل الصلاة، إلاّ إذا كانت الإزالة والصلاة ضدّين لا ثالث لهما، وهذا البيان لمسك التلازم يختصّ بضدّين لا ثالث لهما، بخلاف البيان السابق الذي عرفت أنّه لو تمّ، يتمّ في كلّ ضدّين ولو كان لهما ثالث.
ويمكن التغلّب على هذه النقطة بأحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن يقال: إنّ حرمة عدم الإزالة تكون بنحو مطلق الوجود والاستغراق، فتثبت لكلّ حصص عدم الإزالة التي إحداها هي الإزالة المقترنة بالصلاة، وإذا حرمت تلك الحصّة حرمت الصلاة؛ للملازمة بينهما.
$
', '', 12), (65, 13, 'book', 'وهذا الوجه غير صحيح؛ لأنّ شمول الحرمة وإطلاقها ليس بمعنى سريانها إلى كلّ القيود، وإنّما هو بمعنى ثبوتها للطبيعة مع رفض كلّ القيود.
وتوضيح ذلك: أنّه لو كانت الحرمة تسري إلى الحصص بما هي مقيّدة بالمقارنة للصلاة، أو أيّ شيء آخر، فمن المعلوم أنّ الحصّة المقيّدة بالمقارنة للصلاة ـ بما هي مقيّدة بذلك ـ ملازمة لقيدها لا محالة، فإنّ وجود المقيّد يستلزم وجود القيد كما هو واضح، ولكن الأمر ليس كذلك، فإنّ هذا القيد ليس تحت الحكم، وإنّما الحكم ثابت على ذات الطبيعة فحسب.
الوجه الثاني: أن يقال: إنّ عدم الإزالة وإن لم يكن مستلزماً للصلاة، لكن الصلاة مستلزمة لعدم الإزالة، فإذا كان عدم الإزالة محرّماً، عرفنا أنّ الصلاة محرّمة؛ فإنّ الصلاة: إمّا أن يفرض أن لا حكم لها، أو يفرض أنّ لها حكماً غير الحرمة، أو يفرض أنّ حكمها الحرمة. والأوّل ينافي قانون: (ما من واقعة إلاّ ولها حكم)، والثاني ينافي قانون: (أنّ الشيء إذا كان له حكم ثبت ذلك الحكم لما يستلزمه أيضاً)، فإنّ الصلاة مستلزمة لعدم الإزالة، ومع ذلك لم يثبت حكم الصلاة لعدم الإزالة؛ لأنّ حكم الصلاة هو غير الحرمة، وحكم الإزالة هو الحرمة، فتعيّن الفرض الثالث وهو حرمة الصلاة، وهو المقصود.
أمّا إذا لم نقبل قانون: (ما من واقعة إلاّ ولها حكم)، وقلنا: إنّ هذا القانون إنّما هو ثابت بمقدار تحديد مواقف العبيد، أمّا إذا كان موقف العبد محدّداً من قِبَل المولى كما في المقام، فإنّ موقفه هو لزوم الاشتغال بالإزالة، فليس على المولى أن يحدّد له موقفاً آخر بتعيين حكم الصلاة، يلجأ العبد إليه لو بنى على عصيان الموقف الأوّل، إذن فليس من اللازم على الشريعة أن تعيّن حكماً للصلاة في مثل المقام، فبهذا يبطل هذا الوجه، إلاّ إذا كان المدّعى: أنّ ما يثبت للشيء من حكم أو من عدم الحكم يسري إلى ما يلازمه، إذن فلو كانت الصلاة لا حكم لها، لكان
', '', 13), (65, 14, 'book', 'لازمها ـ وهو عدم الإزالة ـ أيضاً لا حكم له، بينما حكمه الحرمة(1).
الوجه الثالث: أن يقال: إنّ عدم الإزالة يستلزم جامع الأضداد الوجوديّة ولو فرض جامعاً انتزاعيّاً، فيحرم، فإنّ كونه مقوليّاً أو انتزاعيّاً لا يؤثّر في المقام، وإذا حرم الجامع ـ ولو كان انتزاعيّاً ـ حرمت كلّ حصصه، ومنها الصلاة. وهذا الوجه أحسن الوجوه.
وعلى أيّ حال فقد عرفت بطلان مسلك التلازم بعدم لزوم اتّحاد المتلازمين في الحكم؛ إذ لم يثبت ذلك بوجدان ولا برهان.
وأمّا بيان مسلك المقدّميّة على هذا الأساس فبأن يقال: إنّه إذا وجبت الإزالة، فقد حرم ترك الإزالة؛ لأنّه الضدّ العامّ، وإذا حرم ترك الإزالة فقد حرمت الصلاة؛ لأنّ الصلاة علّة تامّة لترك الإزالة، والعلّة التامّة للحرام حرام على حدّ كون مقدّمة الواجب واجبة. أمّا الدليل على كون الصلاة علّة تامّة لترك الإزالة، فهو عبارة عن إثبات مقدّميّة ترك الصلاة لفعل الإزالة بأحد البيانات الثلاثة الماضية، فإذا ثبت
', '(1) أو كان المدّعى: أنّ مصبّ الملازمة بين حكم الشيء وحكم لازمه ليس هو مرحلة الجعل والإنشاء، بل يشمل مرحلة الحبّ والبغض أيضاً، وفي هذه المرحلة يستحيل أن لا يكون للصلاة أحد المبادئ الخمسة للأحكام الخمسة. نعم، ذكر اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): أنّه إذا كان دليل مدّعي الملازمة في الحكم بين المتلازمين من سنخ دليل وجوب المقدّمة القائل: (لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها، ولو جاز تركها لزم التكليف بغير المقدور، أو خروج الواجب المطلق عن الإطلاق)، أمكن أن يستظهر من ذكره للشرطيّة الاُولى وعدم اقتصاره على أن يقول: (لو لم تجب المقدّمة ـ أو لم يجب اللازم ـ لزم التكليف بغير المقدور، أو خروج الواجب المطلق عن الإطلاق) أنّه يرى أنّ المحذور إنّما يلزم من الجواز الذي هو حكم من الأحكام الخمسة، لا من مجرّد كون الشيء بحسب مبادئ الحكم غير واجب.
', 14), (65, 15, 'book', '
ذلك ثبت أنّ فعل الصلاة علّة تامّة لعدم الإزالة؛ لأنّ عدم أيّ جزء من أجزاء علّة الوجود بنفسه علّة تامّة للعدم.
وعلى أي حال فقد عرفت أنّ البيانات الماضية لإثبات مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر كلّها غير تامّة، أي: أنّه لا برهان على مقدّميّة عدم أحد الضدّين للضدّ الآخر.
الاستدلال على عدم مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر:
بقي الكلام فيما قد تقام من براهين على عدم مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر، فهناك عدّة براهين على ذلك:
البرهان الأوّل: يتأ لّف من أمرين:
الأمر الأوّل: أنّ مقتضي أحد الضدّين حينما يكون أقوى من مقتضي الآخر يكون مانعاً عن وجود الضدّ الآخر، وعن تأثير مقتضي الآخر في مقتضاه. ويمكن إثبات ذلك بأحد بيانين:
البيان الأوّل: أن يقال: إنّه إذا اجتمع مقتضيا الضدّين، وكانا متساويين في القوّة ـ وليس اجتماع مقتضيي الضدّين محالا، بل هو واقع خارجاً ـ فإذا اتّفق ذلك، فهل يوجد كلا الضدّين، أو يوجد أحدهما، أو لا يوجد شيء منهما؟
الأوّل باطل؛ للزوم اجتماع الضدّين، والثاني أيضاً باطل؛ للزوم الترجيح بلا مرجّح، وهو محال؛ لأنّه يساوق تحقّق المعلول بلا علّة؛ لأنّ ترجّح أحدهما على الآخر لا علّة له، فلو جاز ذلك لجاز أن يوجد أحدهما بلا علّة ابتداءً، فتعيّن الثالث، وهو: أنّه لا يوجد شيء من الضدّين.
وحينئذ نقول: إنّ عدم وجود كلّ واحد من هذين الضدّين هل هو مستند إلى عدم المقتضي، أو مستند إلى وجود المانع؟ الأوّل خلاف الواقع؛ لأنّنا فرضنا
', '', 15), (65, 16, 'book', 'وجود المقتضيين، فتعيّن الثاني، وهو استناده إلى وجود المانع، فنقول: هل المانع ـ الذي على أساسه لم يوجد هذا الضدّ ـ هو الضدّ الآخر، أو مقتضي الضدّ الآخر؟ لا سبيل إلى الأوّل؛ لأنّ الضدّ الآخر لم يوجد حتّى يمنع، وفعليّة منع الشيء عن شيء آخر فرع وجوده، فتعيّن الثاني، وهو: أنّ مقتضي أحد الضدّين المساوي لمقتضي الآخر مانع عن الآخر، فإذا كان المقتضي المساوي مانعاً عن وجود الضدّ، فالمقتضي الأقوى أيضاً مانع حتماً؛ إذ لا يحتمل كون المقتضي المساوي مانعاً، ولكن حينما تزداد قوّته يسقط عن المانعيّة، فتحصّل: أنّ المقتضي الأقوى لأحد الضدّين مانع عن الضدّ الآخر، وهو المطلوب.
البيان الثاني: أن يقال: إنّ المقتضي الأقوى لأحد الضدّين ـ وهو السواد مثلا ـ لا يخلو أمره في كيفيّة اقتضائه للضدّ من أحد فروض ثلاثة:
1 ـ أن يقتضي السواد اقتضاءً مطلقاً من ناحية وجود البياض وعدمه، أي: أنّه يقتضي تحقّق السواد حتّى على تقدير وجود البياض.
2 ـ أن يقتضي السواد اقتضاءً مقيّداً بعدم وجود البياض، أي: أنّه على تقدير وجود البياض لا اقتضاء له للسواد.
3 ـ أن يقتضي سواداً لا بياض معه، أي: أنّه يقتضي السواد وعدم البياض، فيكون عدم البياض داخلا في مقتضاه، فلا معنى لافتراض كون اقتضائه مطلقاً بالنسبة إليه أو مقيّداً، كما لا معنى لافتراض كون اقتضائه للسواد مطلقاً بالنسبة إلى وجود السواد أو مقيّداً. والثالث هو المطلوب؛ فإنّه يعني: أنّ المقتضي الأقوى لأحد الضدّين مانع عن الضدّ الآخر. والأوّل والثاني باطلان:
أمّا الأوّل، فلأنّ معناه: أنّ مقتضي السواد يقتضي سواد الأبيض بما هو أبيض؛ لأنّ اقتضاءه للسواد فرض مطلقاً من ناحية وجود البياض وعدمه، وهذا معناه:
', '', 16), (65, 17, 'book', 'اقتضاء المحال، ومقتضي المحال محال(1).
وأمّا الثاني، وهو أن يكون اقتضاؤه للسواد مقيّداً بعدم البياض، فهو أيضاً باطل لأحد أمرين:
الأوّل: دعوى وجدانيّة هذا البطلان؛ فإنّ الوجدان حاكم بأنّ مجرّد التضادّ والتمانع بين شيئين لا يقتضي تقيّد اقتضاء المقتضي لأحدهما بعدم الآخر، وإن كان قد يتّفق ـ كصدفة خارجيّة ـ أن يكون اقتضاء أحدهما مقيّداً بعدم الآخر، كما لو فرض أنّ زيداً وعمرواً لا يمكن دخولهما في غرفة معيّنة؛ لتضيّق الغرفة عن
', '(1) لا يخفى: أنّ الإطلاق المفترض لاقتضاء السواد من ناحية وجود البياض وعدمه ليس بمعنى جمع القيود، كي ينتج اقتضاء سواد الأبيض بما هو أبيض، وإنّما هو بمعنى اقتضاء ذات السواد على كلا تقديري وجود البياض وعدمه.
ويمكن تعديل عبارة تقريب الاستحالة بأن يقال: إذا كان اقتضاء المقتضي للسواد مطلقاً وشاملا لكلا التقديرين، كان معنى ذلك اقتضاءه للسواد حتّى على تقدير البياض، وهذا اقتضاء للمحال؛ لأنّ السواد على تقدير البياض محال، واقتضاء المحال محال.
إلاّ أنّ هذا البيان أيضاً لا يتمّ إلاّ بإرجاعه إلى ما يأتي من البرهان الثالث المشتمل على توضيح كون استحالة اجتماع الضدّين استحالةٌ ذاتيّة لا غيريّة، وإلاّ فبالإمكان أن يدّعي الخصم في المقام: أنّ اقتضاء المقتضي للسواد مطلق وشامل لكلا تقديري وجود البياض وعدمه، أمّا ما ترونه من استحالة السواد على تقدير البياض فهي استحالة غيريّة، على أساس مانعيّة الضدّ ـ وهو البياض ـ عن ضدّه وهو السواد، ولا استحالة في اقتضاء المقتضي المستحيل بالاستحالة الغيريّة.
وكأنّ هذا الإشكال هو المقصود بما سيأتي من اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في آخر بحث الضدّ الخاصّ من أنّ البرهان الأوّل لا يكفي للبرهنة على عدم مانعيّة السواد للبياض التوأم مع السواد.
', 17), (65, 18, 'book', '
قبول شخصين، وكان زيد بانياً على إيثار عمرو على نفسه لو أراد عمرو الدخول.
فإن قلت: إنّ دعوى هذا الوجدان ـ أعني: وجدان عدم كون اقتضاء المقتضي لأحد الضدّين مقيّداً بعدم الضدّ الآخر ـ أشبه شيء بأن يدّعى ابتداءً وجدانيّة أنّ أحد الضدّين لا يمنع عن وجود الضدّ الآخر، والذي معناه تكذيب الخصم ابتداءً بالوجدان.
قلت: إنّ عدم مانعيّة أحد الضدَّين عن ضدّه، أو عدم مقدّميّة ترك أحدهما للآخر وإن كان وجدانيّاً أيضاً ـ وفق وجداننا المعمّق ـ لكنّنا لا نريد أن نقتصر على مجرّد أن نقول: إنّ مدّعى الخصم باطل وجداناً، بل نريد أن نستشهد على هذا الأمر بوجدان آخر أوضح من هذا الوجدان، فإنّ وجدان عدم مانعيّة أحد الضدّين للآخر قد يغفل عنه الخصم؛ لوجود وجدان آخر موهِمٌ للمانعيّة، وهو وجدان التضادّ والتنافي، وعدم إمكان الجمع بينهما، ولكن مثل هذا الموهِم غير موجود بالنسبة إلى اقتضاء مقتضي أحد الضدّين مع الضدّ الآخر؛ إذ ليس بين اقتضاء مقتضي أحد الضدّين والضدّ الآخر تناف، وإنّما التنافي بين فعليّة تأثير ذاك الاقتضاء بإيجاده للضدّ والضدّ الآخر، فالوجدان الحاكم بعدم تقيّد اقتضاء مقتضي أحد الضدّين بعدم الضدّ الآخر غير مبتلى بوجدان آخر يوهم خلافه، فيكون أوضح من وجدان عدم مانعيّة أحد الضدّين للضدّ الآخر، وينبغي للخصم أيضاً أن يعترف به.
الثاني: أن يقال: إنّ المقتضي الأقوى لأحد الضدّين لو كان اقتضاؤه لذلك الضدّ مقيّداً بعدم الضدّ الآخر، إذن لما كانت أقوائيّته تشفع له في تقدّمه على مقتضي الضدّ الآخر في التأثير وإيجاده لمقتضاه؛ إذ لو أثّر المقتضي الآخر لارتفع موضوع هذا الاقتضاء مهما فرض قويّاً، مع أنّنا نشاهد ـ بحسب الخارج ـ أنّه حينما يتزاحم مقتضيا ضدّين في عالمنا هذا يغلب المقتضي الأقوى المقتضي الأضعف.
$
', '', 18), (65, 19, 'book', 'فالمتعيّن هو الفرض الثالث، وهو: أنّ المقتضي الأقوى لأحد الضدّين يكون اقتضاؤه مانعاً عن الضدّ الآخر، لا مطلقاً من ناحيته ولا مقيّداً بعدمه.
الأمر الثاني: أن يقال: إنّ الضدّ هل يمنع حين وجوده الضدّ الآخر عن الوجود، أو حين عدمه؟ طبعاً منعه حين عدمه غير معقول، فلابدّ أن يكون منعه حين وجوده، إلاّ أنّ هذا أيضاً غير معقول؛ إذ لا يعقل أن يوجد إلاّ عند وجود مقتض أقوى من مقتضي ضدّه؛ فإنّه لا يعقل أن يوجد بلا مقتض أو بمقتض مغلوب أو مساو لمقتضي الآخر كما هو واضح، وقد فرغنا في الأمر الأوّل عن أنّ المقتضي الأقوى مانع عن وجود الضدّ الآخر، إذن فهذا الضدّ إنّما يوجد في طول المانع عن الضدّ الآخر، فلا يعقل أن يكون هو بدوره مانعاً عن ذلك الضدّ، فإنّ ذلك الضدّ ممنوع بمقتضى هذا الضدّ بحسب الفرض.
فإن قلت: إنّ كون مقتضي هذا الضدّ الذي وجد مانعاً عن الضدّ الآخر ليس دليلا على أنّ هذا الضدّ ليس مانعاً عنه أيضاً؛ إذ من المحتمل كون هذا أيضاً مانعاً، فيكون من باب اجتماع مانعين على ممنوع واحد، سنخ اجتماع علّتين تامّتين على معلول واحد، فإنّ هذا ليس بمستحيل، غاية ما هناك أنّه تصبح حينئذ كلّ واحدة من العلّتين جزء المؤثّر.
قلت: قياس ذلك باجتماع مانعين عرضيّين على ممنوع واحد، أو علّتين تامّتين عرضيّتين على معلول واحد قياس مع الفارق.
وتوضيح ذلك: أنّ منع هذا الضدّ إنّما هو في طول وجوده كما هو واضح، ووجوده في طول أقوائيّة مقتضيه كما هو واضح أيضاً، فقد أصبح منعه في طول أقوائيّة مقتضيه، أو قل: في طول ضعف مقتضي ضدّه بالقياس إلى مقتضيه، وكون منعه عن ضدّه في طول ضعف مقتضي الضدّ عبارة اُخرى عن كون ممنوعيّة ضدّه به في طول ضعف مقتضيه، وهذا معناه: أنّ الممنوع بهذا الضدّ إنّما هو ضدّه المقيّد
', '', 19), (65, 20, 'book', 'بأن يكون مقتضيه ضعيفاً بما هو مقيّد بذلك، بينما الضدّ المقيّد بهذا القيد هو ممتنع بالغير، وليست فيه جهة إمكان حتّى تفرض لعدمه علّة اُخرى، فإنّ العلّة إنّما يعقل كونها علّة لشيء حينما ينسب ذلك الشيء إلى وجوده، فتكون نسبته إلى وجوده وإلى عدمه على حدّ سواء، فالعلّة تقرّبه نحو الوجود، أمّا إذا نسب ذلك الشيء إلى علّة اُخرى له، فذلك الشيء بما هو منسوب إلى علّة اُخرى له لم تبقَ فيه جهة إمكان وتساو بالنسبة للوجود والعدم حتّى تكون هذه علّة مقرّبة له نحو الوجود، وهذا بخلاف العلّتين التامّتين العرضيّتين، فإنّهما بمجموعهما تؤثّران في الشيء المُقاس إلى وجود نفسه، والذي تكون نسبته إلى وجوده وعدمه على حدّ سواء فتقرّبانه نحو الوجود(1).
بقي في المقام شيء، وهو: أنّ مقدّميّة عدم أحد الضدّين للضدّ الآخر تتصوّر بشكلين:
1 ـ أن يكون ذلك من باب تأثير الوجود في الوجود تأثيراً معاكساً، أي: من باب أنّ وجود أحد الضدّين مانع عن وجود الآخر، فيصبح ـ لا محالة ـ عدمه مقدّمة للضدّ الآخر.
2 ـ أن يكون ذلك من باب تأثير العدم في الوجود، بأن يكون عدم أحد
', '(1) وبكلمة اُخرى: إذا كانت إحدى العلّتين في طول الاُخرى، كان معنى فرض تأثير العلّة الثانية ـ ولو بعنوان جزء العلّة ـ الفراغ عن العلّة الاُولى؛ لأنّه لولاها لم تكن الثانية موجودة حتّى تؤثّر، ومع فرض الفراغ عن العلّة الاُولى يكون المعلول واجباً، ولم تبقَ فيه جهة إمكان حتّى تفترض العلّة الثانية مؤثّرة ولو بعنوان جزء العلّة، وهذا بخلاف العلّتين العرضيّتين، فإنّ فرض تأثير إحداهما لا يساوق فرض الفراغ عن الاُخرى.
وهذا التعبير أوسع من إبداء التضايف بين أقوائيّة المقتضي الأوّل وأضعفيّة المقتضي الثاني؛ لأنّه يشمل جميع موارد العلّتين الطوليّتين أو المانعين الطوليّين.
', 20), (65, 21, 'book', '
الضدّين جزءاً(1) من أجزاء المؤثّر في وجود الضدّ الآخر، بناءً على إنكار ما يقال: من أنّ تأثير العدم في الوجود مستحيل.
وهذا البرهان الذي قد أوضحناه متكفّل لإبطال الشقّ الأوّل كما هو واضح؛ حيث يقال: إنّ وجود الضدّ الذي وجد في طول ضعف مقتضي ضدّه لا يمكن أن يكون مانعاً عن ضدّه؛ لأنّ ضدّه ممنوع بما هو أسبق رتبة منه، بلا فرق في ذلك بين افتراض كون ممنوعيّة الضدّ بتأثير مقتضي ضدّه من باب تأثير الوجود في الوجود تأثيراً معاكساً، أو بكون عدم مقتضي ضدّه جزء المؤثّر أو شرطه في وجوده، فإنّه على أيّ حال قد امتنع الضدّ بما هو أسبق رتبة من ضدّه، فلا يمكن أن يمتنع به.
وأمّا الشقّ الثاني، وهو افتراض كون عدم أحد الضدّين جزء المؤثّر أو شرطاً، فيمكن إبطاله بغضّ النظر عمّا يأتي في ضمن برهان آخر: من دعوى استحالة تأثير العدم في الوجود، بأن يقال: إنّنا قد فرغنا عن أنّ مقتضي الضدّ الموجود كاف في التسبّب إلى عدم وجود الضدّ الآخر، وعليه نقول: إنّه تارةً يفرض: أنّ مقتضي الضدّ هو الذي أثّر في منع ضدّه، واُخرى يفرض: أنّ عدم مقتضي الضدّ هو المؤثّر أو الشرط في وجود ضدّه، فعدم تحقّق الضدّ عند وجود مقتضي الضدّ الآخر يكون من باب فقدانه لمؤثّره أو شرطه، لا من باب وجدان المانع:
أمّا الفرض الأوّل، فيستحيل أن يجتمع مع افتراض كون عدم الضدّ مؤثّراً أو شرط التأثير للضدّ الآخر؛ لأنّه إذا كان عدم الضدّ مؤثّراً أو شرطاً لضدّه، لم يعقل مانعيّة مقتضي ذلك الضدّ؛ لأنّ المانعيّة في طول تماميّة المقتضي والشرط، بينما هنا يكون هذا المانع الذي هو مقتض للضدّ بنفسه مفنياً للمقتضي أو الشرط؛ إذ هو مفن لعدم الضدّ الذي هو مقتض أو شرط لتحقّق ضدّه بحسب الفرض.
$
', '(1) ولو بمعنى الشرطيّة.
', 21), (65, 22, 'book', '
وأمّا الفرض الثاني، وهو أن يفرض: أنّ عدم مقتضي الضدّ هو جزء المؤثّر فيوجود ضدّه، لا أنّ مقتضيه هو المانع عنه، فهذا يمكن نفيه بحساب الاحتمالات؛ وذلك لأنّنا قد شاهدنا بحسب الخارج دائماً أنّه متى ما تمّ اقتضاء المقتضي لأحد الضدّين، بلا ابتلاء بأيّ مزاحم غير مقتضي ضدّه، وأصبح أقوى من مقتضي الآخر، أو مساوياً له، امتنع الضدّ الآخر، ومتى ما لم يكن كذلك لم يمتنع الضدّ الآخر من هذه الناحية، فإذا كان هذا مستنداً إلى اقتضائه للضدّ من باب امتناع اجتماع ذاك الضدّ مع هذا الضدّ ـ فما يكون مقتضياً لهذا الضدّ يكون قهراً مانعاً عن الضدّ الآخر بقدر اقتضائه لهذا الضدّ ـ لم يلزم منه تجمّع صدف كثيرة، وأمّا إذا كان مستنداً إلى أنّ عدم تماميّة اقتضاء هذا المقتضي جزء المؤثّر في وجود ذلك الضدّ، لزم من ذلك تجمّع صدف كثيرة؛ إذ متى ما ينعدم هذا الاقتضاء أو يبتلى بموانع عن التأثير، يبطل امتناع الضدّ الآخر، بينما هذا الانعدام له أقسام شتّى، فقد يكون انعداماً للجزء الفلانيّ من المقتضي، واُخرى انعداماً لجزئه الآخر، وثالثة انعداماً لجزئه الثالث، ورابعة ابتلاءً بالمانع الفلانيّ، وخامسة ابتلاءً بالمانع الآخر، وهكذا. فإذا كانت معاصرة هذه الأعدام جميعاً لزوال امتناع الضدّ ـ الآتي من قِبَل وجود مقتضي ضدّه ـ على أساس كون مقتضي الضدّ مانعاً قهريّاً عن الضدّ الآخر، لما بين الضدّين من تعاند في الوجود، كان ذلك نكتة واحدة مشتركة بين كلّ هذه الأعدام، مفسّرة لهذه التعاصرات على كثرتها في شتّى أنحاء العالم والأضداد بتفسير واحد، وأمّا إذا كانت على أساس تأثير نفس هذه الأعدام، فهذه صدف كثيرة مجتمعة بلا توصّل إلى نكتة مشتركة، وهذا منفيّ بحساب الاحتمالات(1).
$
', '(1) يمكن أن يورد على هذا البرهان الذي أفاده(رحمه الله) لإبطال اقتضاء عدم الضدّ للضدّ الآخر بأن يقال: إنّ ما مضى لإثبات كون مقتضي السواد مثلا مقتضياً لعدم البياض، بعد حمله ـ بما عرفته من حساب الاحتمالات، أو بوجدانيّة عدم تأثير العدم في الوجود ـ على أنّ مقتضي السواد مانع عن البياض، لا أنّ عدمه شرط أو مقتض له، لم يكن يثبت فعليّة المانعيّة التي لا تكون إلاّ مع تماميّة المقتضي والشرط، وإنّما كان يثبت قوّة المانعيّة، أي: اقتضاء المنع في نفسه بغضّ النظر عن أنّه لو لم يتمّ المقتضي لم تصل النوبة إلى المنع. وهذه القوّة ثابتة حتّى مع فقد المقتضي، كيف وقد يتّفق بلا إشكال أنّ مقتضي البياض مثلا غير موجود، فهل مقتضي السواد حينئذ يسقط عن اقتضاء عدم البياض نهائيّاً؟ ولو كان كذلك، قلنا مثلا: إنّ اقتضاءه للسواد هل هو مطلق من ناحية البياض، أو مقيّد بعدمه؟ وكلاهما باطل كما مضى، إذن فلا محيص عن أن يقال في مثل ذلك بالاقتضاء الشأنيّ لعدم البياض، والمانعيّة الشأنيّة للبياض بمعنى قوّة المنع. وإن شئت فقل: إنّ مقتضي السواد الأقوى من مقتضي البياض والمؤثّر فعلا إنّما يقتضي بالفعل سواداً لا بياض معه، لكي لا يلزم مثلا كون الاقتضاء بالقياس إلى البياض مطلقاً أو مقيّداً بالعدم، وهذا لا يعني اقتضاءه لعدم البياض، بمعنى منعه الفعليّ للبياض، بمعنى ضرورة تماميّة مقتضي البياض وشرائطه، إذن فأيّ مانع من افتراض: أنّ عدم السواد شرط، أو جزء المقتضي للبياض؟ فإنّ غاية ما يلزم من ذلك هو رفع اليد عن فعليّة منع مقتضي السواد عن البياض؛ لأنّ البياض منتف بانتفاء شرطه أو مقتضيه، فلا معنى للمانعيّة الفعليّة لمقتضي السواد عن البياض، لكن هذا لا ينافي المانعيّة الشأنيّة بمعنى قوّة المنع ذاتاً.
', 22), (65, 23, 'book', '
البرهان الثاني: أنّ عدم أحد الضدّين لو كان مقدّمة للضدّ الآخر، فمقدّميّته له: إمّا تكون من باب تأثير العدم في الوجود، أو من باب تأثير الوجود في الوجود تأثيراً معاكساً كما مضى هذا التشقيق آنفاً. وكلا الشقّين باطل:
أمّا الشقّ الأوّل، فلوضوح استحالة تأثير العدم في الوجود، وبذلك يبرهن في الفلسفة على وجود الله، حيث إنّه لا يعقل افتراض أن يكون المؤثّر في وجود هذا
', '', 23), (65, 24, 'book', 'العالم عدم عالم آخر مثلا.
وأمّا الشقّ الثاني، وهو كون أحد الضدّين مانعاً عن ضدّه على حدّ تأثير الوجود في الوجود تأثيراً معاكساً، فلأنّه متى يمنع الضدّ عن ضدّه الآخر؟ هل حين عدمه، أو حين وجوده؟ أمّا حين عدمه، فهو غير معقول؛ إذ يلزم تأثير المعدوم في الموجود، وأمّا حين وجوده، فأيضاً غير معقول؛ لأنّه إذا فرض أنّ عدم أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر، إذن فوجود هذا الضدّ معناه الفراغ في المرتبة السابقة عن عدم الضدّ الآخر، إذن فما معنى دفع هذا الضدّ لذاك الضدّ وإعدامه إيّاه؟!(1).
البرهان الثالث: أنّ مقدّميّة عدم أحد الضدّين: إن فرضت بمعنى تأثير العدم في الوجود، فتأثير العدم في الوجود من المستحيلات كما هو واضح، وإن فرضت بمعنى منع الوجود عن الوجود، قلنا: إنّ وجود أحد الضدّين متى يمنع عن وجود الآخر؟ هل عند عدمه أو عند وجوده؟ أمّا عند عدمه، فيلزم تأثير المعدوم في الموجود والذي هو محال، وأمّا عند وجوده، فلا يعقل تأثيره في رفع وجود الآخر؛ لأنّ اجتماع الضدّين محال بالذات(2)، أي: أنّ ماهيّة الشيء بذاتها تضيق وتمتنع عن أن توجد عند وجود ضدّها، فلا يعقل أن يكون وجود ضدّها في هذا الحال مانعاً عن وجودها؛ لأنّ المستحيل بالذات لا يعقل أن يكون له مانع، كما لا يعقل أن يكون له مقتض؛ وذلك: إمّا بالبداهة، وإمّا ببيان(3): أنّ أجزاء العلّة
', '(1) وهذا البرهان يبطل حتّى المانعيّة الشأنيّة؛ إذ الشيء لا يعقل أن تكون له شأنيّة إيجاد ما فرغنا سابقاً عن وجوده، أي: شأنيّة تحصيل الحاصل.
(2) هذا البرهان أيضاً يبطل المانعيّة الشأنيّة، كما يبطل المانعيّة الفعليّة؛ لأنّ الممتنع بالذات لا مانع له ولو شأناً، وذلك لو تمسّكنا في ذلك بالبداهة.
(3) هذا البيان إنّما يبطل المانعيّة الفعليّة لا الشأنيّة، بخلاف فرض البداهة.
', 24), (65, 25, 'book', '
شغلها إخراج الماهيّة من عالم الإمكان إلى عالم الوجوب، فالماهيّة التي لا إمكان فيها، والتي تكون ممتنعة أو واجبة لا معنى لافتراض شيء له دخل في إخراجها من عالم الإمكان إلى وجوب الوجود، أو وجوب العدم.
يبقى الكلام في أنّه كيف عرفنا: أنّ اجتماع الضدّين مستحيل بالذات؟
فنقول: إنّ معرفتنا لذلك ترجع إلى إحدى دعاوى وجدانيّة لو أنّ أحداً لم يحسّ بها في وجدانه، لم يتمّ له هذا البرهان.
الاُولى: أن ندّعي ابتداءً وجدانيّة كون اجتماع الضدّين مستحيلا بالذات، وأنّ الماهيّة تضيق وتمتنع عن وجودها التوأم مع وجود ضدّها.
الثانية: أن ندّعي بالوجدان أنّ استحالة اجتماع الضدّين أبده وأوضح من استحالة وجود الشيء بلا علّة؛ ولذا وجد تيّارٌ فكريّ ينكر استحالة الثاني، ولا يجرأ على إنكار استحالة الأوّل.
نعم، لو تعقّلنا مانعيّة وجود عن وجود، بمعنى كونه خالقاً لفنائه وإعدامه، لا بمعنى مزاحمته لمقتضي وجوده، لم يتمّ هذا الشاهد؛ إذ بالإمكان أن يقال عندئذ: إنّ استحالة اجتماع الضدّين استحالة بالغير على أساس أنّ وجود أحد الضدّين مُفن ابتداءً للضدّ الآخر، وأوضحيّة استحالته من استحالة وجود الشيء بلا علّة تنشأ من أوضحيّة استحالة وجود الشيء مع فرض وجود مُفنيه من استحالة وجود الشيء من دون وجود موجد له.
الثالثة: أن ندّعي أنّنا نحسّ بالوجدان باستحالة اجتماع الضدّين ولو فرض الضدّان واجبين، في حين أنّه على تقدير وجوب الضدّ لا معنى لمانعيّة ضدّه عنه؛ لأنّ واجب الوجود لا يتصوّر له مانع.
البرهان الرابع: ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وهو مؤتلف من مقدّمتين:
المقدّمة الاُولى: أنّ مانعيّة المانع إنّما تعقل في الرتبة المتأخّرة عن المقتضي
', '', 25), (65, 26, 'book', 'والشرط، أمّا قبلهما فلا معنى للمانعيّة؛ وذلك لأنّ المقتضي وظيفته إفاضة المعلول، والشرط وظيفته تحصيص المقتضي إلى حصّة كاملة الاقتضاء، والمانع وظيفته مزاحمة المقتضي ودفعه عن التأثير، فلو لم يوجد مقتض كامل الاقتضاء في نفسه، فالمانع يزاحم أيّ شيء؟! ويمنع أيّ شيء؟!
المقدّمة الثانية: أنّ منع أحد الضدّين للضدّ الآخر يعني افتراض وجود مقتضيي كلا الضدّين: أمّا وجود مقتضيه، فلأنّ منعه فرع وجوده، ووجوده فرع وجود مقتضيه، وأمّا وجود مقتضي ضدّه، فلما قلنا: من أنّ مانعيّة المانع إنّما هي في طول وجود المقتضي، ولكن وجود مقتضيي كلا الضدّين محال؛ لأنّ معنى ذلك وجود مقتض لاجتماع الضدّين، واجتماع الضدّين محال، ومقتضي المحال محال، إذن فالضدّ متى يمنع عن ضدّه؟ هل عند عدمه، أو عند وجوده؟ أمّا الأوّل، فغير معقول، وأمّا الثاني، فمعنى وجوده ومانعيّته: تكوّن مقتضي المحال، وهو محال، فمنع أحد الضدّين عن المحال غير معقول إطلاقاً(1).
وقد أورد السيّد الاُستاذ(رحمه الله) على ذلك بأنّ اجتماع مقتضيي كلا الضدّين ليس محالا، فإنّ ذلك لا يرجع إلى مقتضي اجتماع الضدّين الذي هو محال حتّى يقال: إنّ مقتضي المحال محال، وإنّما الواقع: أنّ هناك مقتضيين كلّ منهما يقتضي أمراً غير محال(2).
$
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 307 ـ 308 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 255 ـ 256 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 255 ـ 256، تحت الخطّ، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، والمحاضرات للفيّاض، ج 3، ص 14 بحسب طبعة مطبعة النجف.
', 26), (65, 27, 'book', '
أقول: يمكن إصلاح برهان المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من ناحية هذا الإشكال الذي أورده السيّد الاُستاذ دامت بركاته، وذلك بأن يقال: إنّ مقتضي أحد الضدّين: إمّا أن يقتضيه اقتضاءً مطلقاً من ناحية وجود الضدّ الآخر وعدمه، أو يقتضيه اقتضاءً مقيّداً بعدم الضدّ الآخر، أو أنّه بنفسه يقتضي عدم الضدّ الآخر.
والثالث هو الصحيح، وهو مختار المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وقد جَعَل ذلك برهاناً آخر على استحالة مانعيّة أحد الضدّين للآخر، وهو أنّ مقتضي الضدّ مانع عن ضدّه، فلا مجال لمانعيّة الضدّ عنه(1). وهذا مرجعه إلى البرهان الأوّل الذي ذكرناه من دون الإلفات إلى مسألة الطوليّة، أي: كون الضدّ في طول مقتضيه، وقد عرفت أنّ هذه الطوليّة هي التي تكمّل البرهان، ولولاها لأمكن افتراض كون الضدّ أيضاً مانعاً من باب اجتماع مانعين على ممنوع واحد.
والخلاصة: أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله)جعل الشقّ الثالث برهاناً آخر على المقصود. فلو تنزّل المحقّق النائينيّ(رحمه الله) عن برهانه الآخر ـ بتنزّله عن الشقّ الثالث ـ أمكنه أن يبرهن على استحالة المانعيّة بأن يقول ـ بعد فرض انحصار الأمر في الشقّين الأوّلين ـ: إنّ الضدّ متى يمنع عن ضدّه؟ هل عند عدمه؟ وهذا غير معقول، أو عند وجوده؟ وهذا أيضاً غير معقول؛ لأنّ هذا الضدّ الموجود هل يفرض منعه عن ضدّ ليس له مقتض، أو يفرض منعه عن ضدّ يكون اقتضاء مقتضيه مقيّداً بعدم الضدّ الآخر، أو يفرض منعه عن ضدّ يكون اقتضاء مقتضيه ثابتاً على الإطلاق؟
أمّا الأوّل، فهو خلف ما مضى: من أنّ المانعيّة إنّما تعقل بعد فرض وجود المقتضي.
$
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 257 ـ 258 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 27), (65, 28, 'book', '
وأمّا الثاني، فأيضاً هو خلف ما مضى: من كون المانعيّة في طول وجود المقتضي؛ إذ إنّ اقتضاء مقتضي الضدّ المعدوم مقيّد بعدم الضدّ الموجود، فعند وجود هذا الضدّ لا مقتضي لذاك الضدّ، فلا معنى للمانعيّة؛ لأنّ المانعيّة في طول وجود المقتضي.
وأمّا الثالث، فهو باطل؛ لأنّ اقتضاء مقتضي الضدّ إذا كان مطلقاً يشمل فرض وجود الضدّ الآخر، كان معنى ذلك أنّ ذاك المقتضي مقتض للمحال بإطلاق اقتضائه؛ لأنّ وجود هذا الضدّ في فرض وجود الضدّ الآخر محال.
والذي ينبغي أن يعلّق به على هذا البرهان ـ بعد إصلاحه بما عرفت ـ هو أن يقال: إنّ دعوى استحالة اجتماع مقتضي الضدّين لاستحالة مقتضي المحال تستبطن الاعتراف السابق بأنّ اجتماع الضدّين محال، وعندئذ نسأل: أنّ اجتماع الضدّين هل هو محال بالذات أو محال بالغير؟ فإن فرض كونه محالا بالغير، قلنا: لا استحالة في كون شيئاً مقتضياً لما هو المحال بالغير، وإنّما المستحيل هو اقتضاء المحال بالذات، وإن فرض كونه محالا بالذات فلا حاجة إلى هذا التطويل في المسافة، بأن يقال: إنّ المانعيّة إنّما هي في طول المقتضي، ومقتضي المحال محال، بل رأساً يقال: إنّ المانع عن المحال بالذات محال، فإنّه كما يكون مقتضي المحال بالذات محالا، كذلك المانع عنه محال بنفس نكتة استحالة المقتضي له، كما مضى بيانه في البرهان الثالث قبل صفحات.
البرهان الخامس: تلخّص من كلام السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في مقام تفسير عبارة لصاحب الكفاية(رحمه الله) حيث جاءت في الكفاية عبارة(1) اختلف في
', '(1) عبارة صاحب الكفاية وردت في الجزء الأوّل، ص 206 ـ 207 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقات المشكينيّ، والعبارة مايلي: «وذلك لأنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق، وحيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر...».
', 28), (65, 29, 'book', '
تفسيرها المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) والسيّد الاُستاذ دامت بركاته، وكلّ من التفسيرين يصلح أن يكون برهاناً مستقلاًّ على عدم مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر، فنحن نغضّ النظر عن كونهما تفسيراً لكلام صاحب الكفاية، ونذكر كلّ واحد منهما كبرهان مستقلّ على المقصود، فهنا نذكر ما ذكره السيّد الاُستاذ، وهو: أنّه لو كان عدم أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر، إذن لكان عدم أحدهما في الرتبة السابقة على وجود الآخر، في حين أنّنا نبرهن على أنّ عدم أحد الضدّين يكون في رتبة الضدّ الآخر؛ وذلك لأنّ أحد الضدّين يستحيل أن يكون في مرتبة الضدّ الآخر؛ لأنّه كما يستحيل اجتماع الضدّين في زمان واحد كذلك يستحيل اجتماعهما في رتبة واحدة، فإذا لم يكن أحد الضدّين في رتبة ضدّه، إذن فعدمه يكون في رتبة ضدّه حتّى لا يلزم ارتفاع النقيضين(1).
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على هذا البرهان بأنّ التضادّ والتنافي إنّما هو من شؤون عالم الخارج، وليس من شؤون عالم الرُتَب، ولذا ليس من الوحدات المشروطة في اجتماع الضدّين وحدة الرتبة، فيستحيل أن يجتمع السواد مثلا مع البياض ولو فرض معلولا للبياض، مع أنّهما في فرض العلّيّة
', '(1) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض، ج 3، ص 20 ـ 21 بحسب طبعة مطبعة النجف.
', 29), (65, 30, 'book', '
والمعلوليّة في رتبتين، لا في رتبة واحدة. هذا ما جاء في تقرير بحث السيّد الاُستاذ(1).
ولكن لا يمكننا المساعدة على هذا الردّ، ولا على أصل البرهان.
أمّا الردّ، فيرد عليه: أنّ عدم اشتراط وحدة الرتبة في استحالة اجتماع الضدّين غير مرتبط بمسألة استحالة اجتماع الضدّين في رتبة واحدة، فإنّ هنا مسألتين لا ينبغي خلط إحداهما بالاُخرى.
الاُولى: دعوى اشتراط وحدة الرتبة في استحالة اجتماع الضدّين، وهذا معناه تضييق دائرة الاستحالة، بدعوى: أنّ الضدّين يجتمعان في زمان واحد إذا كانا في رتبتين.
والثانية: دعوى توسعة دائرة الاستحالة بمعنى: أنّ مصبّ الاستحالة ليس هو عالم الخارج فحسب، بل عالم الرُتَب أيضاً مصبّ لاستحالة اجتماع الضدّين اللذين حفظت فيهما الوحدات المشترطة في المنطق، ومقصود المستدلّ هو الدعوى الثانية، والنقض باستحالة اجتماع السواد والبياض في زمان ومكان واحد ـ ولو في مرتبتين ـ إنّما هو نقض على الدعوى الاُولى.
يبقى: أنّ التضادّ والتنافي إنّما هو من شؤون عالم الخارج، وليس من شؤون عالم الرُتَب. وهذه الدعوى غير صحيحة، فالعلّة والمعلول مثلا يستحيل اجتماعهما في رتبة واحدة، ويوجد بينهما تناف وتضادّ راجع إلى شؤون عالم الرتب.
وأمّا أصل البرهان، فهو أيضاً غير صحيح. وتوضيح ذلك: أنّه إن قصد باستحالة اجتماع الضدّين في رتبة واحدة: استحالة كونهما معلولين لشيء واحد، فهذا
', '(1) راجع المصدر السابق، ص 25 ـ 26.
', 30), (65, 31, 'book', '
صحيح، ولكن عدم ثبوت أحد الضدّين في رتبة الآخر لا يعني ثبوت عدمه في رتبته بدعوى استحالة ارتفاع النقيضين؛ فإنّ نقيض ثبوت أحد الضدّين في رتبة الآخر إنّما هو عدم هذا الثبوت المقيّد بكونه في رتبة الآخر، لا عدمه المقيّد بذلك، وفرق كبير بين عدم المقيّد والعدم المقيّد.
وإن قصد باستحالة اجتماع الضدّين في رتبة واحدة: ضرورة كون أحدهما مقدّماً على الآخر، أو مؤخّراً عنه، بأن يكون أحدهما واقعاً في سلسلة علل الآخر أو معلولاته، فهو باطل؛ فإنّ صيرورة أحد الضدّين علّة للآخر محال، وليس عدم تقدّم أحدهما على الآخر أو تأخّره عنه يعني كونهما في رتبة واحدة بالمعنى الذي يكون ظرفاً تحليليّاً يستحيل اجتماع الضدّين فيه، غاية ما هناك أن يُسمّى كونهما في سلسلتين مختلفتين بأنّهما في رتبة واحدة، ولكن مجرّد التسمية لا يوجب الاستحالة.
البرهان السادس: برهان الدور وللدور. في المقام عدّة تقريبات:
التقريب الأوّل: أن يفرض: أنّ القائل بمقدّميّة ترك أحد الضدّين يدّعي مانعيّة أحد الضدّين للآخر، فيكون عدم الضدّ المانع مقدّمة للشيء، فيقال: إنّ هذه المانعيّة تستبطن الدور؛ وذلك لأنّ المانعيّة ثابتة من الطرفين، فالسواد مانع عن البياض، والبياض أيضاً مانع عن السواد، وكلتا المانعيّتين داخلتان في المدلول المطابقيّ لمدّعى الخصم، ويلزم منهما الدور؛ لأنّ السواد إنّما يمنع عن البياض حال وجوده، بينما فرض وجوده يستبطن سابقاً فرض عدم البياض؛ لمانعيّة البياض عنه، فما فرض سابقاً على السواد عدمه، كيف يفرض أنّ السواد يمنع عنه ويعدمه؟!
وهذا بيان لاستلزام المدلول المطابقيّ لمدّعى الخصم للدور، بلا حاجة إلى ضمّ مقدّمة اُخرى لازمة لمدّعى الخصم.
وهذا البيان إنّما يبطل دعوى المانعيّة، أمّا لو ادّعى الخصم: أنّ عدم أحد
', '', 31), (65, 32, 'book', 'الضدّين هو جزء المؤثّر لوجود الضدّ الآخر، فهذه الدعوى لا تستلزم دوراً ما لم تضمّ إليها مقدّمة اُخرى تدّعى كونها لازمة لكلام الخصم؛ لأنّه على هذا الفرض يكون الضدّ بعدمه مؤثّراً في الوجود، وليس بوجوده مؤثراً في المنع حتّى يقال: إنّ وجوده كيف يمنع ما فرض عدمه قبل فرض هذا الوجود. وهذا التقريب ليس هو التقريب المعروف للدور(1) في المقام، وإنّما هو عبارة عن الشقّ الثاني من برهاننا الثاني الذي أتممناه بشقّه الأوّل، وهو دعوى استحالة تأثير العدم في الوجود.
التقريب الثاني: أن يقال: إنّ القائل بمقدّميّة ترك الضدّ يقول بالمدلول المطابقيّ لمدّعاه: إنّ عدم الضدّ مكمّل لقابليّة المحلّ للضدّ الآخر، فعدم البياض مثلا مكمّل لقابليّة المحلّ للسواد، فيكون مقدّمة للسواد، ويضاف إلى هذه الدعوى مقدّمة اُخرى تفرض أنّها لازمة لهذه الدعوى، وهي: أنّ وجود الضدّ أيضاً مكمّل لقابليّة المحلّ لعدم الضدّ الآخر، فيكون عدم البياض مقدّمة للسواد، والسواد مقدّمة لعدم البياض، وهذا دور.
وأوضح ما يورد على هذا: أنّه لا دليل على الملازمة بين ما يدّعيه الخصم من مكمّليّة عدم الضدّ لقابليّة المحلّ للضدّ الآخر، وما فرض لازماً لدعواه من مكمّليّة وجود الضدّ لقابليّة المحلّ لعدم الضدّ الآخر.
التقريب الثالث: أن يقال: إنّ الخصم يدّعي: أنّ عدم الضدّ جزء العلّة لوجود الضدّ الآخر، سواء كان ذلك على أساس مؤثّريّة العدم في الوجود، أو على أساس مانعيّة الوجود عن الوجود، وتضاف إلى هذه الدعوى مقدّمة اُخرى لازمة لها،
', '(1) لا يخفى: أنّ الشيخ الإصفهانيّ(رحمه الله) في تعليقته على نهاية الدراية جعل هذا التقريب هو التقريب المعروف للدور. راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 184، تحت الخطّ، بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
', 32), (65, 33, 'book', '
وهي أنّ وجود أحد الضدّين علّة لعدم الآخر. والبرهان على الملازمة هي القاعدة المعروفة القائلة: إنّ نقيض العلّة علّة للنقيض، فإذا ضمّت دعوى الخصم إلى هذا اللازم، لزم الدور؛ إذ معنى ذلك أنّ عدم أحد الضدّين علّة للضدّ الآخر، والضدّ الآخر أيضاً علّة لعدم ذاك الضدّ.
وقد اُورد على هذا التقريب بإيرادين:
الإيراد الأوّل: ما نقل عن المحقّق الخونساريّ(رحمه الله)(1)، وهو مؤتلف من مقدّمتين:
1 ـ إنّ منع المانع إنّما يكون بعد فرض وجود المقتضي. وهذا عين المقدّمة الاُولى من برهان المحقّق النائينيّ(رحمه الله) على عدم المقدّميّة.
2 ـ إنّه عند وجود الضدّ يستحيل وجود مقتضي ضدّه. والبرهان على ذلك قد نقل في الكفاية بشكل، وفي تقريرات المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بشكل آخر، فالمذكور في تقرير المحقّق النائينيّ(رحمه الله)البرهنة عليه بأنّ اجتماع مقتضيي الضدّين محال؛ لأنّه يقتضي اجتماع الضدّين الذي هو محال، ومقتضي المحال محال(2). وهذا عين المقدّمة الثانية من مقدّمتي برهان المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، فما جعله المحقّق النائينيّ(رحمه الله)برهاناً على عدم المقدّميّة قد جعل هنا دفاعاً عن المقدّميّة بإبطال الدور، بدعوى: أنّ هذا يبطل فعليّة المانعيّة، فيصبح وجود الضدّ غير مؤثّر في نفي ضدّه، ولكن مع ذلك يكون الضدّ متوقّفاً على عدم ضدّه لمانعيّته الشأنيّة، فقد أمكن القول بالمقدّميّة من دون لزوم دور.
والمذكور في الكفاية هو: أنّه لعلّ وجود مقتضي الضدّ محال؛ لأجل انتهاء عدم
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 257 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 308 ـ 310 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
(2) المصدر السابق.
', 33), (65, 34, 'book', '
وجود أحد الضدّين مع وجود الآخر إلى عدم تعلّق الإرادة الأزليّة به، وتعلّقها بالآخر؛ حيث إنّه لابدّ وأن يرجع كلّ شيء إلى الإرادة الأزليّة(1).
وهذا التقريب جوابه واضح؛ فإنّ الإرادة الأزليّة ليست دائماً هي السبب المباشر للشيء، وإنّما ينتهي الشيء إليها في نهاية السلسلة، فقد يكون عدم وجود شيء لا لعدم تعلّق الإرادة الأزليّة بوجود مقتضيه، بل لتعلّقها بوجود مانعه مع فرض وجود مقتضيه المباشر، فالبرهان المذكور في تقرير المحقّق النائينيّ(رحمه الله) على المقدّمة الثانية أمتن(2).
وعلى أيّ حال، فقد اُجيب عن كلام المحقّق الخونساريّ(رحمه الله) بجوابين:
أحدهما: ما جاء في تقرير المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ إنكار المانعيّة يساوق إنكار المقدّميّة، حيث إنّ المقدّميّة إنّما كانت على أساس فرض المانعيّة(3).
ويمكن تنقيح ذلك، بأن يقال: إنّ الصلاة التي هي ضدّ للإزالة الواجبة مثلا لها
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 207 ـ 208 بحسب الطبعة المشتملة في الحاشية على تعليقات المشكينيّ.
(2) لا يخفى: أنّ البرهان على المقدّمة الثانية بأنّ مقتضي المحال محال، يرد عليه إشكال السيّد الخوئيّ(رحمه الله): من أنّ كلاًّ من المقتضيين إنّما اقتضى أحد الضدّين، والجمع بين المقتضيين غير اقتضاء الجمع، ولئن أمكن توجيه كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) حينما استعان بهذا البرهان لنفي المقدّميّة، بأنّه قد يقصد الاستفادة من هذا البرهان بعد التنزّل عمّا هو دليل آخر على نفي المقدّميّة، وهو اقتضاء كلّ من المقتضيين لنفي الضدّ الآخر أيضاً، فبعد التنزّل عن هذا ودوران الأمر بين إطلاق الاقتضاء وتقييده تمّ هذا البرهان، لئن أمكن هذا التوجيه هناك، فهو غير ممكن هنا دفاعاً عن المحقّق الخونساريّ(رحمه الله)؛ لأنّ المفروض: أنّه يريد أن يدافع عن المقدّميّة، فلا معنى لذلك التنزّل.
(3) فوائد الاُصول، ج 1، ص 309 ـ 310 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
', 34), (65, 35, 'book', '
حصّتان من الوجود: الاُولى: وجودها المقارن لمقتضي الإزالة، والثانية: وجودها المقارن لعدم مقتضي الإزالة، والاُولى مانعة عن الإزالة، لكن صدورها من المكلّف مستحيل بحسب الفرض(1)، فلا معنى لأن نبحث عن حرمتها وعدم حرمتها، ولا شغل للفقيه بكون هذه الحصّة مبغوضة أو غير مبغوضة، والثانية لا تمنع عن الإزالة؛ لأنّ المفروض عدم مقتضي الإزالة، وعندئذ فوجود هذه الحصّة وعدمها سيّان(2)، فما معنى كون عدمها مقدّمة للواجب وواجباً؟!
والثاني: ما جاء في الكفاية من استحالة أن يكون الشيء الصالح لأن يكون موقوفاً عليه الشيء موقوفاً عليه(3)، ومقصوده من هذا الكلام إبطال المانعيّة الشأنيّة التي على أساسها ادّعى المحقّق الخونساريّ(رحمه الله)مقدّميّة ترك الضدّ لضدّه، فتنهار بذلك المقدّميّة. وتنقيح ذلك أن يقال:
إنّ مانعيّة الضدّ الموجود توجب الدور، فهي محال ذاتاً، والقول بأنّ هذه المانعيّة غير فعليّة ـ لأجل عدم المقتضي ـ في غير محلّه، فإنّ هذا معناه: أنّ هذه المانعيّة في نفسها ممكنة، ولذا صارت ممتنعة بالغير، أي: بعدم مقتضي الممنوع، فإنّ الامتناع بالغير يستبطن الإمكان بالذات، بينما الدور محال بالذات.
$
', '(1) لأنّ الصلاة موجودة، فمقتضي ضدّها، أعني: مقتضي الإزالة محال؛ لما فرض في المقدّمة الثانية من مقدّمتي المحقّق الخونساريّ(رحمه الله) من أنّه عند وجود الضدّ يستحيل وجود مقتضي ضدّه.
(2) لا يخفى: أنّ هذا الكلام من سنخ إنكار وجوب المقدّمة غير الموصلة، ولا بأس به، إلاّ أنّه لا يصلح توجيهاً لكلام المحقّق النائينيّ الذي لا يرى التفصيل بين الموصل وغير الموصل صحيحاً.
(3) راجع الكفاية، ج 1، ص 208 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعاليق الشيخ المشكينيّ.
', 35), (65, 36, 'book', '
وبكلمة اُخرى: ليس المحال فقط فعليّة الدور حتّى يقال: إنّ الدور ليس فعليّاً؛ لعدم فعليّة المنع، بل إمكان الدور أيضاً محال، فالمانعيّة الشأنيّة أيضاً غير معقولة، فإنّه حتّى لو كان مقتضي الضدّ ـ على فرض المحال ـ موجوداً، لكانت هذه المانعيّة مستحيلة؛ للزوم الدور، فبذلك تنهار المقدّميّة التي فرضت على أساس المانعيّة.
الإيراد الثاني: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله): من أنّ عدم أحد الضدّين إذا كان علّة للضدّ الآخر، لم يلزم من ذلك كون أحد الضدّين علّة لعدم الضدّ الآخر حتّى يلزم الدور، فإنّه وإن صحّ القول بأنّ نقيض العلّة علّة للنقيض، لكن نقيض عدم الضدّ هو عدم عدم الضدّ، لا الضدّ، إذن فأحد الضدّين يتوقّف على عدم الضدّ الآخر، ولكن عدم أحد الضدّين لا يتوقّف على ضدّه، وإنّما يتوقّف على ما يلازم ضدّه، وهو عدم عدم الضدّ، فلا دور، وعدم عدم الضدّ ليس هو عين وجود الضدّ، بداهة استحالة عينيّة الأمر العدميّ للأمر الوجوديّ(1).
ويرد على ذلك:
أوّلا: أنّ ما هو الثابت من أنّ نقيض العلّة علّة النقيض لا يراد بالنقيض فيه مجرّد الرفع، بل يراد به أحد الطرفين: من العدم والوجود، أعني: أنّ نقيض الرفع هو المرفوع، لا رفع الرفع كما مضى فيما سبق.
وثانياً: أنّ هذا الإيراد لا يتمّ بناءً على افتراض كون مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر على أساس مانعيّة الضدّ للضدّ؛ فإنّه بناء على هذا نقول: إنّ محطّ المانعيّة ومحطّ العلّيّة للعدم شيء واحد، ومن الواضح: أنّ نفس وجود الضدّ يفرض مانعاً عن ضدّه، ولا يحوّل محطّ المانعيّة من وجود الضدّ إلى عدم عدمه؛ لأنّ ملاك
', '(1) نهاية الدراية، ج 2 ص 184 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
', 36), (65, 37, 'book', '
المانعيّة هو التضادّ، وتضادّ وجود السواد مع البياض بديهيّ، إذن فيكون محطّ العليّة للعدم أيضاً هو نفس وجود الضدّ، فيلزم الدور. نعم، هذا يرجع إلى التقريب الأوّل من تقريبات الدور، ولكن مع ذلك يصحّ تسجيله إشكالا على المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله)؛ لأنّه لم يكن قد قسّم تقريب الدور إلى تقريبات حتّى يقال: إنّه يفرض غضّ النظر عن التقريب الأوّل، ويريد إبطال التقريب الثالث بعد التنازل عن محذوريّة التقريب الأوّل(1).
وثالثاً: أنّ عدم عدم الوجود معلول للوجود على حدّ معلوليّة العنوان الانتزاعيّ لمنشأ انتزاعه، فيعود الدور؛ إذ بالتالي يتوقّف عدم الضدّ على وجود ضدّه ولو بتوسّط توقّفه على عدم عدم ضدّه.
لا يقال: إنّ عدم عدم الشيء علّته هي عدم عدم علّة الشيء، وعدم عدم علّة الشيء علّته هي عدم عدم علّة تلك العلّة، وهكذا، وليس عدم عدم الشيء منتزعاً من وجود الشيء.
فإنّه يقال ـ بغضّ النظر عن شهادة الوجدان بكون عدم عدم الشيء منتزعاً عن وجوده ـ: إنّه ماذا تقول حينما نصل إلى واجب الوجود، فما هي علّة عدم عدمه؟!
فإن قلت: إنّ علّة عدم عدمه هي نفس وجود الواجب، فلنقل بذلك في سائر المراتب أيضاً، فعدم عدم الشيء دائماً معلول لنفس وجود ذلك الشيء على حدّ معلوليّة العنوان الانتزاعيّ لمنشأ انتزاعه، كما قلنا.
$
', '(1) لا يخفى: أنّ الشيخ الإصفهانيّ(رحمه الله) فرّق ـ في تعليقته على نهاية الدراية ـ بين تقريب الدور بنكتة كون نقيض العلّة علّة النقيض، وتقريبه بنكتة كون الضدّ على تقدير التمانع سبباً لانتفاء الضدّ. راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 184، تحت الخطّ، بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
', 37), (65, 38, 'book', '
وان قلت: إنّ عدم عدمه عين وجوده، فلنقل بذلك في سائر المراتب.
وإن قلت: إنّ عدم عدمه هو واجب الوجود، أو ينتهي إلى واجب الوجود غير هذا الواجب الذي نتكلّم عن عدم عدمه، لزم تعدّد واجب الوجود مع الملازمة بينهما؛ إذ من الواضح إنّ عدم عدم الشيء مع وجوده متلازمان، بينما التلازم بين واجبي الوجود مستحيل؛ لأنّ التلازم لا يكون بين شيئين إلاّ بأن يكون أحدهما معلولا للآخر، أو بأن يكونا معلولين لشيء ثالث(1).
ورابعاً: أنّ عدم عدم الشيء يستحيل أن يكون له دخل أو تأثير في العالم الخارجيّ.
وذلك لأنّه إن فرض أنّ المقصود بالعدم المضاف إليه واقع العدم، فالعدم لا يضاف إلى العدم على ما قالوا: من أنّ الوجود والعدم إنّما يضافان إلى الماهيّة، ولا يضاف أحدهما إلى الآخر ولا إلى نفسه.
وإن فرض أنّ المقصود به مفهوم العدم الذي هو أمر ذهنيّ، فالاُمور الذهنيّة بوجودها أو بعدمها لا تؤثّر في العالم الخارجيّ.
وخامساً: أنّنا لو فرضنا أنّ عدم عدم السواد مثلا علّة لعدم البياض، وإنّ عدم البياض علّة للسواد، كان معنى ذلك: أنّ عدم عدم السواد علّة للسواد ولو بالواسطة، بينما لا يُعقل أن يكون نفي عدم الشيء علّة لوجوده؛ لأنّ هذا التأثير في طول تحقّق هذا النفي ومقيّد به، في حين أنّه يكون ثبوت النقيض في الظرف المقيّد بنفي نقيضه ـ بما هو كذلك ـ ضروريّاً؛ لبداهة استحالة ارتقاع العدم والوجود.
$
', '(1) قد يقال: إنّ تلازم الوجود لعدم العدم نشأ من تعانده مع ما يكون عدم العدم نقيضاً له، وهو العدم، وهذا الملاك للتلازم ثابت حتّى في واجبي الوجود، ولا نعني بالملازمة إلاّ المصاحبة التي لابدّ منها، والتي ليست مجرّد صدفة.
', 38), (65, 39, 'book', '
وبكلمة اُخرى: إنّ السواد في الظرف المقيّد بنفي عدم السواد واجب، وليس فيه جهة إمكان حتّى تفرض له علّة مقيّدة بهذا الظرف.
بل من هنا ينفتح باب لبرهان سابع على نفي المقدّميّة؛ لأنّ الضدّين اللذين لا ثالث لهما يشبهان النقيضين في استحالة ارتفاعهما، فنقول:
البرهان السابع: أنّه إذا كان الضدّان لا ثالث لهما ـ كما مثّلوا لذلك بالحركة والسكون ـ لم يعقل كون عدم أحدهما علّة للآخر؛ لأنّ تأثير هذه العليّة في طول تحقّق هذا العدم ومقيّد به، إذن ففعليّة معلوليّة أحدهما لعدم الآخر تكون في الظرف المقيّد بعدم الآخر، بينما في الظرف المقيّد بعدم أحدهما ـ بما هو كذلك ـ يكون الآخر واجباً، وليست فيه جهة إمكان حتّى يكون عدم ضدّه علّة له.
هذا حال الضدّين اللذين لا ثالث لهما، ويُتعدّى من ذلك إلى سائر الأضداد بأحد بيانين:
الأوّل: أن يدّعى بداهة عدم الفرق بين ضدّ وضدّ في مقدّميّة عدمه لوجود ضدّه، أو عدم مقدّميّته لذلك.
الثاني: أن يتعدّى إلى الأضداد العديدة، كأضداد ثلاثة لا رابع لها، أو أربعة لا خامس لها، وهكذا، ويقال بلحاظ مجموع أضداد الواجب التي يدّعي الخصم طبعاً حرمتها جميعاً: إنّ عدمها لا يمكن أن يكون مقدّمة للواجب؛ لأنّه في الظرف المقيّد بعدمها جميعاً يكون الواجب ضروريّاً. نعم، التعدّي بهذا البيان لا يسري إلى ضدّين أو أضداد يمكن عدمهما أو عدمها جميعاً بلا حلول ضدٍّ وجوديّ مكانها، كما قد يمثّل لذلك بالحبّ والبغض، فيقال: إنّهما ضدّان يكون ثالثهما عدمهما جميعاً من دون ضدٍّ وجوديّ آخر.
البرهان الثامن: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) كتفسير لعبارة صاحب الكفاية(رحمه الله) التي فسّرها السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ بما مضى في البرهان
', '', 39), (65, 40, 'book', 'الخامس، وهو مؤتلف من مقدّمتين:
المقدّمة الاُولى: أنّ النقيضين في رتبة واحدة؛ لأنّ النقيض بديل لنقيضه، والبديل يجب أن يحلّ محلّ مُبدَله ويأخذ رتبته.
والمقدّمة الثانية: أنّ المقارن للمتقدّم متقدّم، والمقارن للمساوي مساو، والمقارن للمتأخّر متأخّر، كلّ ذلك قضايا قياساتها معها.
فبناءً على هاتين المقدّمتين نقول: إنّ عدم البياض في رتبة البياض بحكم المقدّمة الاُولى، فإذا كان عدم البياض مقدّماً على السواد ـ لأجل مقدّميّة عدم أحد الضدّين لضدّه ـ لكان البياض مقدّماً على السواد؛ لأنّ ما مع المتقدّم متقدّم بحكم المقدّمة الثانية. وبنفس البيان أيضاً نثبت أنّ السواد مقدّم على البياض؛ لأنّ السواد في رتبة عدم السواد الذي هو مقدّم على البياض، فلزم أن يكون كلّ من السواد والبياض مقدّماً على الآخر، وهذا تهافت غير معقول. هذا ما يستفاد من كلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله).
وقد اتّضح بهذا البيان: أنّه لا حاجة إلى فرض وجدان أو برهان يدلّ على أنّ الضدّين في رتبة واحدة ـ كما يظهر من كلام السيّد الاُستاذ دامت بركاته ـ بأن يقال مثلا: إنّ النقيضين في رتبة واحدة، والضدّين أيضاً في رتبة واحدة، فعدم البياض في رتبة البياض، والبياض في رتبة السواد، فصار عدم البياض في رتبة السواد؛ لأنّ مانع المساوي مساو، فلا يعقل أن يكون مقدّماً عليه(1).
$
', '(1) عبارة السيّد الخوئيّ(رحمه الله) ـ المنقولة في المحاضرات، ج 3، ص 21 بحسب طبعة مطبعة النجف ـ تشعر بأنّ تفسير اُستاذه الشيخ الإصفهانيّ(رحمه الله) لعبارة اُستاذه صاحب الكفاية يعني: أنّ الضدّين في رتبة واحدة، والنقيضين أيضاً في رتبة واحدة، فنقيض أحد الضدّين في رتبة الضدّ الآخر، بناءً على قياس المساواة، وهو: أنّ مانع المقارن مقارن.
ولكن ما طرحه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) هنا يعني: أنّ تفسير الشيخ الإصفهانيّ(رحمه الله) لا يشتمل على افتراض كون الضدّين في رتبة واحدة، بل يكتفى بدعوى كون النقيضين في رتبة واحدة مع قياس المساواة؛ لأنّ نقيض أحد الضدّين إن كان في رتبة الضدّ لزم تقدّم كلّ من الضدّين على ضدّه بناءً على قاعدة المساواة، لأنّ نقيض كلّ واحد منهما مقدّم على الآخر بحسب رأي القائل بمقدّميّة عدم الضدّ، فكلّ واحد منهما مقدّم على الآخر؛ لمساواته في الرتبة مع نقيضه.
أقول: أصل عدم الحاجة في المقام إلى افتراض كون الضدّين في رتبة واحدة وإن كان صحيحاً ـ كما أوضحه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ـ ولكن عبارة الشيخ الإصفهانيّ(رحمه الله) ـ في نهاية الدراية وفي تعليقه على نهاية الدراية وفي كتاب الاُصول على النهج الحديث ـ ظاهرة فيما يبدو أنّ السيّد الخوئيّ(رحمه الله) فهمه من عبارته، بإضافة نكتة احتمال أن يكون المقصود بوحدة الرتبة: مجرّد المعنى السلبيّ، أي: عدم التقدّم والتأخّر، واحتمال أن يكون المقصود: المعنى الإيجابيّ، أي: التقارن، فقد صرّح بالاحتمالين في تعليقه على نهاية الدراية، ولكن صرّح بتعيين الاحتمال الأوّل، أي: مجرّد نفي التقدّم والتأخّر في الاُصول على النهج الحديث.
ثُمّ إنّه يوجد في عبارة الكفاية احتمال آخر غير التفسير الذي مضى عن السيّد الخوئيّ(رحمه الله) لعبارة الكفاية في البرهان الخامس، من الاستفادة من نكتة استحالة اجتماع الضدّين وارتفاع النقيضين في عالم الرُتَب، كما في عالم الخارج، وغير التفسير الذي عرفته هنا من الاستفادة من نكتة قياس المساواة، وهو الاستفادة من نكتة أنّ كمال الملائمة الموجود بين الضدّ ونقيض ضدّه دليل على أنّهما في مرتبة واحدة، أو على أنّهما ليسا في رتبتين.
وقد نفى الشيخ الإصفهانيّ(رحمه الله) هذا الاحتمال في تعليقه على نهاية الدراية وفي الاُصول على النهج الحديث؛ بوضوح أنّ كمال الملائمة لا يدلّ على وحدة الرُتَب أو عدم تعدّدها، فإنّ المعلول والعلّة لا شكّ فيما بينهما من كمال الملائمة، مع وضوح تعدّد الرتبتين فيهما. راجع لكلّ هذه الاُمور نهاية الدراية، ج 2، ص 180 مع ما تحت الخطّ من تعليقه على نهاية الدراية بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، والاُصول على النهج الحديث، ص 85 ـ 86 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
ويوجد في عبارة الكفاية احتمال رابع، وهو: أن لا يكون مقصوده أصلا البرهنة على عدم مقدّميّة عدم الضدّ لضدّه، بل يكون مقصوده إبطال برهان الخصم القائل بأنّ المضادّة والمعاندة بين الوجودين تقتضي الممانعة بينهما، وعدم المانع يعتبر من المقدّمات، فأجاب على ذلك بأن المضادّة والمعاندة والمنافرة بين شيئين لا تقتضي إلاّ عدم الاجتماع، ولا تبرهن على الممانعة، وبما أنّ الضدّ مع عدم ضدّه لا تنافي بينهما، بل بينهما كمال الملائمة أمكن اجتماع أحد الضدّين مع عدم الضدّ الآخر، من دون أن يلزم من ذلك التوقّف وتعدّد الرتبة، فبالإمكان أن يكونا في رتبة واحدة.
', 40), (65, 41, 'book', '
$
', '', 41), (65, 42, 'book', 'فإنّنا إذا آمنّا بكون النقيضين في رتبة واحدة، وآمنّا بأنّ ما مع المساوي أو المتقدّم أو المتأخّر مساو أو متقدّم أو متأخّر، تمّ البرهان بلا حاجة إلى فرض كون الضدّين في مرتبة واحدة.
وعلى أيّ حال فيرد على هذا البرهان إيرادان:
الأوّل: أنّ كون نقيض الشيء بديلا عن الشيء لا يعني كونه في رتبته، فإنّ نقيض الشيء بديل عنه، يحلّ محلّه بحسب لوح الواقع، دون لوح الرتبة أو الزمان أو المكان، فإنّ الشيء المقيّد برتبة أو زمان أو مكان، نقيضه عدم المقيّد بذلك القيد
', '', 42), (65, 43, 'book', 'لا العدم المقيّد به، فالقيام في بيت زيد ـ مثلا ـ نقيضه عدم هذا القيام، لا العدم المقيّد بكونه في بيت زيد، وإلاّ لأمكن ارتفاعهما بعدم البيت رأساً.
الثاني: أنّه ماذا يقصد بالمقارنة في قوله: إنّ مقارن المتقدّم أو المساوي أو المتأخّر متقدّم أو مساو أو متأخّر؟ هل يقصد بذلك: التقارن بالمعنى السلبيّ، أعني: عدم كون أحدها علّة للآخر ومقدّماً عليه، ولا معلولا له ومتأخّراً عنه؟ أو يقصد به: التقارن بالمعنى الإيجابيّ، أعني: كونهما معلولين لعلّة واحدة؟
فإن قصد الأوّل، فصحيح أنّ نقيض أحد الضدّين مقارن لنقيضه وفي رتبته ـ لأنّ أحد النقيضين لا يعقل أن يكون علّة أو معلولا لنقيضه ـ ولكن لا يلزم من عدم تقدّم شيء على آخر وعدم تأخّره، أنّه إذا كان أحد الشيئين مقدّماً على شيء ثالث كان الشيء الآخر أيضاً كذلك؛ فإنّ ملاك تقدّم أحد الشيئين على شيء ثالث هو كونه علّة له مثلا، بينما ليس من اللازم أن يكون الشيء الآخر أيضاً علّة له(1).
وإن قصد الثاني ورد عليه: أنّ النقيضين يستحيل أن يكونا في رتبة واحدة بهذا المعنى؛ فإنّ النقيضين لا يمكن أن يكونا معلولين لشيء واحد.
مضافاً إلى أنّه لو فرض إمكان ذلك فمجرّد كون شيئين معلولين لعلّة واحدة، لا يقتضي أن يتقدّم أحدهما على ما يتقدّم عليه الآخر؛ إذ لو كان أحدهما علّة لشيء لم يلزم أن يكون الآخر أيضاً علّة له، حتّى يكون مقدّماً عليه، كما تقدّم ذاك عليه. نعم، في التقدّم والتأخّر الزمانيّ يصحّ القول بأنّ المقارن للمتقدّم متقدّم، فإذا كان زيد متقدّماً علينا ـ لكون وجوده قبل الف سنة ـ وكان عمروٌ مقارناً لزيد، كان عمرو أيضاً متقدّماً علينا، لا لأنّه مقارن لزيد، بل لنفس النكتة التي بها صار زيد متقدّماً علينا، وهي وجوده قبل الف سنة. أمّا في التقدّم الرتبيّ فلا يلزم كون نكتة
', '(1) بل في النقيضين هذا غير معقول.
', 43), (65, 44, 'book', '
تقدّم أحد المتقارنين على شيء ـ وهي العلّيّة ـ ثابتة في مقارنه، كما أوضح ذلك أيضاً الحكماء، وإن كان قد يتراءى من عبارة الشيخ الرئيس صحّة قاعدة: ما مع المتقدّم متقدّم في عالم الرُتَب.
هذه هي ما قيل أو يمكن أن يقال من البراهين على عدم مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر، وقد صحّ منها عدّة براهين، وهي: البرهان الأوّل والثاني والثالث والسادس والسابع.
الكلام في التفصيل بين الضدّ الموجود والضدّ المفقود:
بقي هنا تفصيل، وهو: التفصيل بين الضدّ الموجود والضدّ المفقود، فيقال: إنّ الضدّ الموجود يكون عدم بقائه مقدّمة لحدوث الضدّ الآخر، ولكن ليس عدم حدوث الضدّ المعدوم مقدّمة لضده.
وهذا لا يرد عليه برهان الدور، سواءً كان بصياغته المشهورة، أو بصياغة برهاننا الثاني، كما هو واضح.
نعم، يرد عليه البرهان الثالث والسابع، حيث يقال: إنّه في ظرف بقاء الضدّ الموجود بما هو كذلك، يكون حدوث الضدّ المعدوم مستحيلا بالذات، فلا يعقل كون هذا البقاء علّة لعدم حدوثه. أو يقال: إنّه في مورد الضدّين اللذين لا ثالث لهما يكون ثبوت أحد الضدّين ضروريّاً في ظرف انعدام ما وجد من الضدّ الآخر، ولم تبق فيه جهة إمكان حتّى يبدّل إلى الوجوب بسبب عدم هذا الضدّ.
وأمّا البرهان الأوّل الذي حاصله هو: أنّ وجود الضدّ يكون في طول مقتضيه، وذلك المقتضي قد منع سابقاً عن وجود الضدّ الآخر، فلا تصل النوبة إلى منع هذا الضدّ عن ذلك، فجريانه في المقام مبنيّ على القول بأنّ بقاء الشيء ـ كحدوثه ـ يحتاج إلى مقتض، فيقال أيضاً: إنّ بقاء الضدّ الموجود يكون في طول مقتضيه
', '', 44), (65, 45, 'book', 'الذي قد منع الضدّ الآخر عن الوجود، فلا يبقى مجال لمانعيّة بقاء هذا الضدّ.
أمّا إذا قلنا بإمكان خلوّ البقاء من المقتضي، وأنّه ليس كالحدوث، فالبرهان الأوّل لا يأتي هنا؛ لأنّ بقاء هذا الضدّ لا يحتاج إلى مقتض حتّى يقال: إنّ ذاك المقتضي قد منع سابقاً عن وجود الضدّ الآخر. فالبرهان الأوّل إذا اُريد إسراؤه إلى المقام يجب أن تضمّ إليه مسألة: أنّ البقاء كالحدوث في الاحتياج إلى العلّة.
الضدّ البديل والضدّ التوأم:
بقي في المقام شيء، وهو: أنّ مقدّميّة عدم أحد الضدّين للآخر إذا فُرضت على أساس مانعيّة وجود أحدهما عن الآخر، بأن فُرض وجود السواد مثلا مانعاً عن البياض، فهنا يأتي تشقيقٌ؛ وذلك لأنّ وجود البياض مثلا يمكن أن تُفرض له حصّتان:
1 ـ وجوده بديلا عن السواد.
2 ـ وجوده التوأم مع السواد.
والمدّعى: أنّ السواد حينما يوجد تكون مانعيّته عن كلّ من الحصّتين محالا، وأغلب البراهين التي اخترناها تبطل كلتا المانعيّتين، فمثلا كنّا نقول في البرهان الثالث: إنّه في ظرف وجود السواد يكون البياض مستحيلا بالذات، فلا معنى لمنع السواد عنه، وهذا ـ كماترى ـ يشمل كلتا حصّتي البياض؛ فإنّ كلتيهما مستحيلة بالذات عند وجود السواد، بنفس القرائن التي ذكرناها في البرهان الثالث.
ولكنّ البرهان الأوّل لا يبطل إلاّ الشقّ الأوّل؛ فإنّ خلاصة ذلك البرهان هي: أنّ وجود السواد في طول وجود مقتضيه، ومقتضيه يمنع عن البياض، فلا تصل النوبة إلى مانعيّة السواد عنه. وهنا نقول: إنّ مقتضي السواد لا شكّ أنّه يمنع عن وجود البياض البديل عن السواد، أمّا وجود البياض التوأم مع السواد فإنّما يثبت
', '', 45), (65, 46, 'book', 'بهذا البرهان عدم منع السواد عنه لو ثبت أنّ مقتضي البياض يمنع عنه سابقاً، ولكن منع مقتضي البياض عنه إنّما هو في طول استحالة اجتماع السواد والبياض؛ لأنّ مقتضي السواد إنّما يتضايق عن وجود البياض؛ لأنّه يرى أنّ البياض يزاحم السواد، وإذا حلّ في المكان حلّ كبديل عمّا يقتضيه هذا المقتضي.
أمّا لو فرض محالا أنّ الضدّين يمكن اجتماعهما، وأنّ البياض إذا حلّ في المكان يحلّ توأماً مع السواد، فمقتضي السواد لا يوجد لديه مانع(1) عن حصول البياض الذي هو ضدّ للسواد، وإنّما غاية همّه إيجاد السواد. وعليه فلابدّ من فرض استحالة اجتماع الضدّين في المرتبة السابقة على مانعيّة مقتضي السواد عن البياض، وهذه الاستحالة التي يجب ثبوتها في المرتبة السابقة، أمرها مردّد بين ما ينسجم مع مدّعانا، وهو كونها استحالة ذاتيّة، وما ينسجم مع مدّعى الخصم، وهو كونها استحالةٌ بملاك كون أحد الضدّين مانعاً عن الضدّ الآخر، إذن فهذا النوع من المانعيّة يجب أن يبطل ببيان آخر، كاستلزامها للدور أو غير ذلك(2).
$
', '(1) ينبغي ذكر هذا بعنوان الاحتمال؛ إذ لا برهان ولا وجدان على طبقه.
(2) لا يخفى: أنّ هذه الملاحظة إنّما تأتي على ما مضى من البرهان الأوّل، ببيانه الثاني الماضي، لا ببيانه الأوّل.
', 46), (65, 47, 'book', '
اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه العامّ
البحث الثاني: في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه العامّ وعدمه.
والكلام تارة: يقع بلحاظ عالم الجعل والحكم، واُخرى: بلحاظ عالم مبادئ الحكم من الحبّ والبغض. وعلى أيّ حال فهذا الاقتضاء قد يفرض بنحو العينيّة، واُخرى بنحو الجزئيّة، وثالثة بنحو الالتزام.
أمّا بلحاظ عالم الجعل والحكم، فالصحيح أنّه لا يوجد اقتضاءٌ بنحو العينيّة.
وطبعاً ليس البحث عن العينيّة وعدمها بحثاً لغويّاً عن أنّ (صلّ) و(لا تترك الصلاة) مثلا هل يعطيان لغةً معنىً واحداً أو لا؛ فإنّنا لسنا نتكلّم عن مرحلة الإبراز اللغويّ، وأنّ الأمر بالصلاة مثلا هل يمكن إبرازه من الناحية اللغويّة بلسان (لا تترك الصلاة) أو لا، وإنّما نتكلّم بحسب مرحلة الجعل ومرحلة المبادئ كما قلنا.
والآن كلامنا في مرحلة الجعل، والعينيّة في هذه المرحلة إنّما تتمّ لو قلنا: إنّ النهي عن شيء معناه طلب نقيضه، وإنّ الوجود نقيض للعدم، إذن فالأمر بالصلاة هو عين النهي عن عدم الصلاة؛ لأنّ الأمر بالصلاة طلب لنقيض ترك الصلاة، ولكنّ الصحيح ـ كما سوف يأتي إن شاء الله في بحث النواهي ـ أنّ النهي هو إنشاء نسبة زجريّة بين الفعل والفاعل، كما أنّ الأمر إنشاء نسبة إرساليّة بين الفعل والفاعل، فطرف النسبة في كليهما هو نفس الفعل، وإنّما الفرق بين نفس النسبتين، حيث إنّ إحداهما إرساليّة، والاُخرى زجريّة، فليس الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه.
وأمّا دعوى الجزئيّة والتضمّن فالذي ينبغي أن يقال في تقريبها هو: أنّ جعل الوجوب ليس عبارة عن مجرّد اعتبار طلب الفعل، وإلاّ فالاستحباب أيضاً فيه طلب للفعل، وإنّما هو عبارة عن اعتبار طلب الفعل مع اعتبار المنع من الترك، وبه
', '', 47), (65, 48, 'book', 'يختلف عن الاستحباب؛ إذ لا يوجد فيه منع من الترك، إذن فالمنع من الترك جزءٌ من جعل الوجوب.
ولا يرد على هذا التقريب إشكال السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ(1) بأنّ الوجوب أمر اعتباريّ، والاعتبار أمر بسيط، فلا يمكن فرض تركيبه.
فإنّ هذا الكلام ـ كما ترى ـ أجنبيّ عن ذاك التقريب؛ فإنّ كون الاعتبار أمراً بسيطاً هو كلام للحكماء يراد به البساطة بمعنى عدم تركّب كلّ فرد من أفراد الاعتبار من الجنس والفصل أو المادّة والصورة. والتركّب المدّعى للوجوب ـ في التقريب الذي ذكرناه ـ عبارة عن كون الوجوب مركّباً من اعتبارين، وهذا لا ينافي أن يكون كلّ فرد منهما بسيطاً غير مركّب من جنس وفصل أو مادّة وصورة.
والذي ينبغي أن يقال ـ في إبطال هذا التقريب ـ هو: أنّه إذا كان طلب الفعل منقسماً إلى قسمين: طلب إلزاميّ، وطلب غير إلزاميّ، فالمنع من الترك أيضاً منقسم إلى قسمين: منع إلزاميّ ومنع غير إلزاميّ، فما هو المنع الذي فرض جزءاً من الوجوب؟! إن كان ذاك عبارة عن مطلق المنع الشامل للمنع غير الإلزاميّ، لم يتكوّن الوجوب من ذلك، فإنّ طلب الفعل مع المنع غير الإلزاميّ عن الترك ليس وجوباً، بل هو استحباب. وإن كان ذاك عبارة عن المنع الإلزاميّ قلنا: كيف صار هذا المنع إلزاميّاً؟! فلئن كان إلزاميّاً بنفسه من دون تركيب، فليكن طلب الفعل في الوجوب إلزاميّاً بنفسه من دون تركيب. ولو كان لابدّ من القول بالتركيب فالأولى أن يقال: إنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل مع عدم الترخيص في الترك، لا طلب الفعل مع المنع من الترك.
$
', '(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 3، ص 48 بحسب طبعة مطبعة النجف.
', 48), (65, 49, 'book', '
وأمّا دعوى الاستلزام فهي أيضاً باطلة؛ فإنّه إن اُريد بذلك استلزام جعل الوجوب لجعل حرمة الترك، من قبيل الاستلزام في التكوينيّات، بأن يكون جعل الوجوب مستلزماً تكويناً وقهراً لجعل حرمة الترك بلا إرادة واختيار، فهذا غير معقول في الأفعال الاختياريّة، وجعل الحكم فعل اختياريّ.
وإن اُريد بذلك أنّ جعل الوجوب يستلزم خلق داع في نفس الجاعل يدعوه إلى جعل حرمة الترك، فهو أيضاً باطل؛ إذ لا داعي إلى جعلها، بل اللغويّة تدعو إلى عدم الجعل؛ فإنّ الحكم الغيريّ ـ على ما مضى ـ لا يترتّب على امتثاله أو عصيانه استحقاقٌ للثواب أو العقاب، ولا يؤكّد التحريك.
هذا كلّه بلحاظ عالم الجعل.
وأمّا بلحاظ عالم الحبّ والبغض، فدعوى اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه في هذا العالم يجب أن تقوم على أساس دعوى فرضيّة من فرضيّات أربع في باب عاطفة الحبّ والبغض:
الفرضيّة الاُولى: أن يقال: إنّه لا توجد في وجدان الإنسان وضميره عاطفة اسمها عاطفة الحبّ، وإنّما الموجود دائماً هو عاطفة البغض، غاية ما هناك أنّ البغض قد يتعلّق بالفعل، وقد يتعلّق بالترك، فيسمّى الفعل محبوباً(1). وهذه الفرضيّة في صالح القول بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن الترك.
وهذه الفرضيّة يبطلها الوجدان الشاهد بوجود عاطفة في النفس اسمها عاطفة الحبّ.
$
', '(1) ويمكن دعوى العكس أيضاً، بمعنى إنكار عاطفة البغض وحصرها في الحبّ، والنتيجة أيضاً هي العينيّة، وهذه الدعوى أيضاً تخالف الوجدان.
', 49), (65, 50, 'book', '
الفرضيّة الثانية: ما يقوله علماء النفس المحدثون: من أنّ هناك عاطفة(1)واحدة في الإنسان، حينما تُنسب إلى ما يلائمه تكون حبّاً، وحينما تُنسب إلى نقيض ذلك المحبوب تكون بغضاً. وهذه الفرضيّة أيضاً في صالح القول بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن الترك.
وهي أيضاً غير صحيحة؛ فإنّه يرد عليها:
أوّلا: إنّها خلاف الوجدان الحاكم بأنّ هذه العاطفة يكون مركز ثقلها أحياناً هو الطرف المحبوب، وأحياناً اُخرى هو الطرف المبغوض.
وثانياً: إنّ هذه العاطفة من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، والمضاف إليه لصفة من هذا القبيل دائماً توجَد في نفس الاُفق الذي توجد فيه هذه الصفة، وتكون مقوّمة لها، كما هو الحال في العلم بالقياس إلى المعلوم بالذات، والظنّ بالقياس إلى المظنون بالذات، وغير ذلك. فإذا تبدّل المضاف إليه تبدّلت الصفة لا محالة، إذن فحبّ الفعل عاطفة غير عاطفة بغض الترك؛ لأنّ المضاف إليه غير المضاف إليه.
وثالثاً: إنّ هذه الصفة لو كانت صفة واحدة مضافةً إلى الفعل والترك معاً، لكانت نسبتها إلى الفعل والترك على حدٍّ سواء، ولا معنى لأن تكون بالقياس إلى الفعل حبّاً، وبالقياس إلى الترك بغضاً.
الفرضيّة الثالثة: أن يقال: إنّ الملاك الموجود في الفعل ـ الذي يولّد في النفس
', '(1) فرق هذه الفرضيّة عن الفرضيّة الاُولى: أنّ العاطفة المعترف بها في الفرضيّة الاُولى كانت هي البغض، ومركز الثقل فيها هو الطرف المبغوض. كما أنّه لو أخذنا بعكس الفرضيّة الاُولى فالعاطفة المعترف بها هي الحبّ، ومركز الثقل فيها هو الطرف المحبوب. أمّا على هذه الفرضيّة فهناك عاطفة واحدة، ليس مركز الثقل فيها هو خصوص الطرف المحبوب أو المبغوض، بل نسبتها إلى الطرفين على حدّ سواء.
', 50), (65, 51, 'book', '
حبّه ـ يولّد في عرض واحد مجموع أمرين: حبّ الفعل. وبغض الترك.
وهذه الفرضيّة في صالح القول بالاقتضاء بنحو الجزئيّة، أي: أنّ الحبّ والبغض جزءان عرضيّان لما اقتضاه الملاك.
ولابدّ في هذه الفرضيّة من مراجعة الوجدان ليرى أنّ الحسّ الباطنيّ هل يساعدها أو لا، فعهدتها على مدّعيها. وما ادّعيناه في ردّ الفرضيّة الثانية ـ من شهادة الوجدان بأنّ مركز الثقل في هذه العاطفة قد يحسّ أنّه الجانب المحبوب، وقد يحسّ أنّه الجانب المبغوض ـ ينافي هذه الفرضيّة أيضاً.
الفرضيّة الرابعة: أن يقال: إنّ المصلحة الموجودة في الفعل تولّد في النفس حبّاً للفعل، وبذلك يصبح تركه مؤلماً له حينما يكون الحبّ حبّاً مقيّداً به، وعندئذ فيكره الترك؛ حيث إنّ الإنسان يتأ لّم من فوات المحبوب، فحبّ الفعل حينما يكون شديداً هو الذي يولّد بغض الترك.
وهذه الفرضيّة في صالح القول الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الترك بالاستلزام، وهي أقرب الفرضيّات إلى الوجدان.
وأمّا ما أورده السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على القول بالاستلزام: من أنّ الحكم الغيريّ إنّما يكون ملاكه المقدّميّة، ولا مقدّميّة في المقام(1)، ففي غير محلّه؛ فإنّ انحصار ملاك الحكم الغيريّ في المقدّميّة أوّل الكلام، والمدّعي لحرمة ترك الواجب يدّعي أنّ للحكم الغيريّ ملاكاً آخر أيضاً وهو النقيضيّة، وإنكار ذلك ابتداءً ليس إلاّ مصادرة على المطلوب.
$
', '(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 3، ص 49 بحسب طبعة مطبعة النجف.
', 51), (65, 52, 'book', '
ثمرة بحث الضدّ
البحث الثالث: في ثمرة البحث. وقد ذكر فرعان لإبراز ثمرته:
1 ـ لو تزاحم عباديّ موسّع مع واجب مضيّق، فلو كان الأمر بالمضيّق يقتضي النهي عن ضدّه بطلت العبادة؛ لأنّ النهي في العبادات يوجب البطلان، وإلاّ صحّت.
2 ـ لو تزاحم عباديّ مع واجب أهمّ، فعلى الاقتضاء تبطل العبادة بالنهي، وعلى عدم الاقتضاء تصحّ.
وقد اُورد على هذه الثمرة بإيرادين:
الإيراد الأوّل: أنّ العبادة باطلة على كلّ حال؛ لأنّ الأمر بالشيء إن لم يقتض النهي عن ضدّه، فلا أقلّ من اقتضائه لعدم الأمر بضدّه؛ لأنّ الأمر بالضدّين غير معقول، فتبطل العبادة بعدم الأمر، من قبيل صلاة الحائض(1).
وقد اُجيب عن ذلك بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما عن المحقّق الثاني(رحمه الله)(2)، وهو يختصّ بالفرع الأوّل، وهو: أنّه يكفي في صحّة العبادة الأمر بالجامع، والجامع بين أفراد الموسّع لا يضادّ المضيّق، وإنّما الذي يضادّه خصوص الفرد المزاحم له، فيأتي بهذا الفرد امتثالا لأمر الجامع.
$
', '(1) هذا منقول عن الشيخ البهائيّ(رحمه الله)، نقله في فوائد الاُصول للشيخ الكاظميّ، ج 1، ص 312 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأخرجه تحت الخطّ عن كتاب الزبدة للشيخ البهائيّ(رحمه الله)، المطلب الأوّل من المنهج الثالث، بحث الضدّ، ص 82.
(2) أخرجه في فوائد الاُصول، ج 1، ص 312 بحسب الطبعة الماضية تحت الخطّ، عن جامع المقاصد للمحقّق الثاني، كتاب الدين وتوابعه، المطلب الأوّل من المقصد الأوّل.
', 52), (65, 53, 'book', '
وقد أورد على ذلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بأنّ هذا إنّما يتمّ لو كان ملاك اشتراط القدرة في التكليف قبح تكليف العاجز، فيقال هنا: لا قبح بالتكليف بالجامع بين الفرد غير المقدور والفرد المقدور؛ لأنّ ذلك لا يُحرِج المكلّف؛ إذ بإمكانه الإتيان بالفرد المقدور. ولكنّ الأمر ليس كذلك؛ فإنّ الخطاب بذاته يقتضي الاختصاص بالمقدور، وحتّى لو أنكرنا الحسن والقبح العقليّين كان التكليف مشروطاً بالقدرة؛ لأنّ قوام التكليف بالداعويّة وقابليّة التحريك، وهي لا تكون إلاّ بالنسبة للمقدور؛ لاستحالة التحرّك نحو غير المقدور. وعليه فنفس توجّه الوجوب إلى الجامع يحصّص الجامع ويخرج منه الفرد غير المقدور؛ لأنّ الداعويّة وقابليّة التحريك لا تكون إلاّ بالقياس إلى باقي الحصص، فليس هذا الفرد داخلا في الجامع المأمور به(1).
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على هذا الكلام بإيرادات:
الإيراد الأوّل: أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) سلّم بكلام المحقّق الثاني(رحمه الله) بناءً على كون ملاك اشتراط القدرة في التكليف عبارة عن حكم العقل بقبح التكليف بغير المقدور، بينما لم يكن ينبغي له التسليم بذلك حتّى على هذا الفرض، بناءً على مذهبه من استحالة الواجب المعلّق؛ وذلك لأنّه في زمان الفرد المزاحم غير قادر على ذلك الواجب أصلا؛ إذ لا هو قادر على فرده الأوّل؛ لأنّه مزاحمٌ بحسب الفرض، ولا على باقي الأفراد؛ لأنّها استقباليّة وتكون القدرة عليها في المستقبل دون الآن، فالواجب استقباليّ، فإذا كان الوجوب حاليّاً كان من الواجب المعلّق
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 262 ـ 264 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 314 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
', 53), (65, 54, 'book', '
المستحيل عنده(1).
أقول: إنّ بإمكان المحقّق النائينيّ(رحمه الله) الجواب عن هذا الإيراد وفقاً لمبانيه. ونوضّح ذلك بعد تقديم أمرين:
1 ـ إنّ استحالة الواجب المعلّق يذكر لها وجهان:
الوجه الأوّل: ما يستفاد ممّا نقله صاحب الكفاية(2) عن بعض معاصريه، مع تعميقه من قِبَل المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله)(3)، وهو أنّ التكليف متقوّم بإمكانيّة البعث، وإمكانيّة البعث لا تكون إلاّ مع إمكانيّة الانبعاث، وفي الواجب المعلّق لا يمكن الانبعاث قبل وقت الواجب.
والوجه الثاني: ما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الواجب المعلّق يستلزم الشرط المتأخّر، فإذا وجب من الغروب الصوم عند الفجر، كان هذا الوجوب مشروطاً بشرط متأخّر وهو طلوع الفجر(4)، والشرط المتأخّر محال.
2 ـ إنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) القائل باستحالة الشرط المتأخّر يقول: إنّه إذا دلّ
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 263، تحت الخطّ، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، والمحاضرات للشيخ الفيّاض، ج 3، ص 59 ـ 61 بحسب طبعة مطبعة النجف في النجف الأشرف.
(2) راجع الكفاية، ج 1، ص 161 ـ 162 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.
(3) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 76 ـ 77 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، وبحوث في الاُصول، ص 59 ـ 60 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
(4) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 186 ـ 191 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 136 ـ 142 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 54), (65, 55, 'book', '
دليل خاصّ في مورد على شرطيّة المتأخّر، أوّلناه بكون الشرط هو التعقّب، ويقول: إنّه بذلك يرجع إلى الشرط المقارن(1).
أقول: إنّ هذا الكلام له تطبيقان:
1 ـ أن يرد دليل خاصّ بمضمون شرطيّة أمر متأخّر، كما لو دلّ الدليل على أنّ بيع الفضوليّ يكون صحيحاً بشرط أن تأتي الإجازة من قِبَل المالك.
2 ـ أن يرد دليل عامّ على الحكم خال من الشرط المتأخّر، ويرد إجماع ـ ونحوه من دليل لبّيّ ـ يخرج من الدليل العامّ الحصّة غير المتعقّبة بذلك الشرط، فيبقى المتعقّب به داخلا تحت العامّ، فيثبت إمّا الشرط المتأخّر، أو كون التعقّب شرطاً، وبما أنّ الأوّل مستحيل بحسب الفرض، فالمتعيّن هو الثاني.
إذا عرفت هذين الأمرين قلنا:
لو كان المحقّق النائينيّ(رحمه الله) يقول باستحالة الواجب المعلّق على أساس عدم إمكانيّة الانبعاث، وعدم صدق إمكانيّة البعث، فقد يقال بأنّه يُسجّل عليه إشكال السيّد الاُستاذ دامت بركاته؛ وذلك لأنّه في زمان الفرد المزاحم لا يمكنه الانبعاث نحو الصلاة.
ولكنّه لا يقول بالاستحالة من هذه الناحية، وإنّما يقول بالاستحالة من ناحية كون الواجب المعلّق مستلزماً للشرط المتأخّر، وما يتوهّم كونه شرطاً متأخّراً في المقام هو القدرة على الواجب المتأخّرة عن زمان الفرد المزاحم، إلاّ أنّ اشتراط القدرة قد فرض أنّه إنّما يكون على أساس حكم العقل بقبح تكليف العاجز.
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 281 ـ 282 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع أجود التقريرات، ج 1، ص 146 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 55), (65, 56, 'book', '
فالدليل بمقتضى إطلاقه يقتضي وجوب الصلاة مطلقاً، وقد خرج منه بالمخصّص اللبّيّ العاجز؛ لقبح تكليفه، ولكن ليس تكليف العاجز بالجامع قبيحاً إلاّ ذلك العاجز الذي سيعقب عجزه العجز عن باقي الأفراد الطوليّة. إذن تخرج هذه الحصّة من الإطلاق، ويبقى الباقي ويصبح الشرط تعقّب القدرة.
الإيراد الثاني: أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) لم يكن ينبغي له أن يسلِّم بكلام المحقّق الثاني على تقدير كون ملاك اشتراط القدرة هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز؛ وذلك بناءً على مبناه من أنّ امتناع التقييد يوجب امتناع الإطلاق؛ لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فإنّه يقال ـ مبنيّاً عليه ـ: إنّ تقييد الوجوب بالفرد المزاحم غير ممكن، فشمول إطلاقه للفرد المزاحم أيضاً غير ممكن(1).
أقول: إنّ هذا الإيراد أيضاً غير وارد على المحقّق النائينيّ(رحمه الله)؛ فإنّ الإطلاق تارةً يقصد به: شمول الحكم لفرد في مقابل اختصاصه به أو بغيره. واُخرى يقصد به: عدم التقييد. وما فرضه المحقّق النائينيّ مقابلاً للتقييد ـ تقابل العدم والملكة ـ إنّما هو الثاني، لا الأوّل؛ فإنّ الأوّل أمرٌ وجوديّ.
والسيّد الاُستاذ قد طبّق في المقام قانون: أنّ استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق على الأوّل؛ حيث ذكر أنّه إذا امتنع التقييد بالفرد المزاحم، امتنع إطلاقه للفرد المزاحم، بينما هذا غير مرتبط بمبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله).
وإذا أردنا أن نتكلّم في المقام وفقاً لمبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله) قلنا: إنّ التقييد بالفرد المزاحم غير ممكن. إذن، فالإطلاق بمعنى عدم هذا القيد ـ المستوجب لشمول الحكم لباقي الأفراد ـ غير ممكن، وهذا وإن كان نتيجة غريبة، إلاّ أنّه
', '(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 3، ص 64 بحسب طبعة مطبعة النجف في النجف الأشرف.
', 56), (65, 57, 'book', '
لا يضرّ بمقالة المحقّق الثاني، والتقييد بالفرد غير المزاحم ممكن، إذن فالإطلاق بمعنى: عدم هذا القيد ـ المستوجب لشمول الحكم للفرد المزاحم ـ ممكن. وهذا هو الذي ينفع المحقّق الثاني.
نعم، تلك النتيجة الغريبة إشكالٌ على أصل مبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله)في الإطلاق والتقييد؛ إذ لازمها سقوط الصلاة رأساً، وبمثل ذلك يمكننا أن نتخلّص من الشريعة(1).
ولا يمكن علاج الموقف بمتمّم الجعل سنخ ما يقوله(رحمه الله) في قصد القربة، فإنّه في باب قصد القربة أمكن فرض أمر ثان يأمر بقصد الأمر الأوّل، لكن في المقام مهما فرض من أمر جديد يستحيل تقييده بالفرد المزاحم.
الإيراد الثالث: أنّ كون الخطاب بنفسه يتطلّب شرط القدرة؛ لأنّ قوام التكليف بإمكانيّة البعث غير صحيح؛ فإنّ هذا إنّما يتمّ بناءً على ما اشتهر من أنّ الأمر وُضع لإنشاء البعث والنسبة الإرساليّة ونحو ذلك، وأمّا على ما هو المختار ـ أي: للسيّد الاُستاذ دامت بركاته ـ من أنّ صيغة الأمر وضعت لاعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، فليس قوام التكليف بإمكانيّة البعث(2).
أقول: إنّ هذا الكلام أجنبيٌّ عن نكتة البحث في المقام؛ فإنّ النزاع في كون مفاد
', '(1) بأن نقول مثلا: إنّ تقييد كلّ تكليف لصورة العجز غير ممكن، فإطلاقه لصورة القدرة أيضاً غير ممكن، فبذلك نتخلّص من كلّ تكاليف الشريعة.
ولكن لا يخفى أنّه سيأتي الجواب على هذا الإشكال في بحث الترتّب في الجواب على الشبهة الجانبيّة الثانية من الشبهات الواردة على الترتّب.
(2) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 3، ص 66 ـ 68 بحسب طبعة مطبعة النجف في النجف الأشرف.
', 57), (65, 58, 'book', '
صيغة الأمر هل هو: البعث والتحريك والنسبة الإرساليّة والطلبيّة ونحو ذلك، أو هو: اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، إنّما هو نزاعٌ في المدلول التصوّريّ لصيغة الأمر، أو قل: المدلول التصديقيّ بالدرجة الاُولى على ما يدّعيه السيّد الاُستاذ من كونه هو المدلول الوضعيّ للّفظ، في حين أنّ نكتة البحث في المقام هي معرفة المدلول التصديقيّ الأقصى لصيغة الأمر، فلو فرض أنّ المدلول الوضعيّ لصيغة الأمر هو اعتبار الفعل في الذمّة، لكن كان يستكشف من الأمر بالدلالة التصديقيّة أنّ المولى قد أمر بداعي البعث والتحريك، كفى ذلك في اشتراط القدرة على الانبعاث ولو فرض أنّ المدلول الوضعيّ لصيغة الأمر هو البعث والتحريك. لكنّنا لم نقبل أنّ الأمر يكشف عن داعي البعث والتحريك تصديقاً، إذن لم يكن الخطاب متطلّباً لثبوت القدرة.
والذي ينبغي أن يقال(1) ـ في مقام التعليق على كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ هو: أنّه حتّى بناءً على ما يقوله: من كون الخطاب بنفسه متطلّباً للقدرة على المتعلّق ـ لأنّ قوام التكليف بالبعث ـ لابدّ من التسليم لما ذكره المحقّق الثاني(رحمه الله): من تعلّق الأمر بالجامع؛ وذلك لأنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، فالبعث وإن كان يقتضي إمكانيّة الانبعاث التي هي بالقدرة على المتعلّق، لكنّ القدرة على المتعلّق حاصلة في المقام بلا حاجة إلى تحصيص الجامع وإخراج الفرد غير المقدور منه، فلا مبرّر لكون تعلّق التكليف بالجامع محصّصاً له. إذن، فالوجه الأوّل للجواب على الإيراد ـ وهو ما ذكره المحقّق الثاني(رحمه الله) ـ صحيح، إلاّ أنّه مختصٌّ بالفرع الأوّل.
$
', '(1) وقد بيّن السيّد الخوئيّ(رحمه الله) هذا الجواب أيضاً، راجع المحاضرات للفيّاض، الطبعة الماضي ذكرها، ص 62 ـ 63، وص 65.
', 58), (65, 59, 'book', '
الوجه الثاني: دعوى ثبوت الأمر بالضدّ العباديّ بنحو الترتّب. وهذا الوجه يأتي في الفرع الثاني، وكذلك يأتي في الفرع الأوّل بعد فرض التنزّل عن إمكانيّة الأمر العرضي بالنحو الذي جاء في مقالة المحقّق الثاني(رحمه الله). وهذا الوجه تامٌّ على ما نحن نذهب إليه من إمكان الترتّب. وسنبحث عن إمكان الترتّب وعدمه بعد الانتهاء من الإيرادين الذين اُوردا على ثمرة البحث مع أجوبتهما.
الوجه الثالث:هو أنّه حتّى لو فُرض عدم الأمر عرضيّاً ولا بنحو الترتّب، يكفي في صحّة العبادة وجود الملاك، بناءً على كفاية التقرّب بالملاك، فلا تبطل إلاّ إذا كان الأمر بالشيء مقتضياً للنهي عن ضدّه، فتبطل العبادة عندئذ بالنهي. والضدّ في المقام إنّما لم يؤمر به لا لعدم الملاك، بل لضيق الخناق من باب استحالة الأمر بالضدّين.
وهذا التقريب ـ بهذا المقدار ـ يورد عليه: أنّ الكاشف عن الملاك هو الأمر، والمفروض أنّه انتفى في فرض التزاحم، فلعلّه لا ملاك في المقام؟!
وفي مقام إثبات الملاك عمدة ما يذكر كاشفاً عنه أحد أمرين:
الأمر الأوّل: هو الدلالة الالتزاميّة لصيغة الأمر، فإنّها تدلّ بالمطابقة على الإلزام، وبالالتزام على الملاك، ففي المقام نأخذ بالدلالة الالتزاميّة للأمر.
وأورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ بأنّ هذا مبنيّ على القول بأنّ الدلالة الالتزاميّة لا تتبع المطابقيّة في الحجّيّة، وإنّما تتبعها في الوجود. ففي المقام وإن سقطت المطابقيّة عن الحجّيّة، لكنّنا نتمسّك بالالتزاميّة، فيثبت بذلك الملاك. والصحيح تبعيّتها لها حتّى في الحجّيّة(1).
ولنا حول هذا المطلب ثلاث كلمات:
الاُولى: أنّ هذا الكلام لا يناسب مبناه، حيث قد صرّح في المقام بأنّ التكليف
', '(1) راجع المحاضرات، ج 3، ص 75 ـ 79.
', 59), (65, 60, 'book', '
ليس مشروطاً بالقدرة، لا بلحاظ اقتضاء ذات الخطاب له، ولا بلحاظ حكم العقل بقبح تكليف العاجز، وإنّما القدرة شرطٌ في حكم العقل بوجوب التحرّك وفْق الأمر وامتثاله، فبناءً على هذا ليست الدلالة المطابقيّة ساقطة عن الحجّيّة في المقام حتّى تسقط الدلالة الالتزاميّة أيضاً بتبع سقوطها، فعلى هذا المبنى يكون التمسّك بالملاك في مقام تصحيح العبادة جواباً متيناً على الإيراد.
الثانية: أنّ المختار لنا هو: أنّ التكليف مشروط بالقدرة، وأنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة في الحجّيّة، وإثبات كلّ واحد من الأمرين موكول إلى محلّه. فالدلالة المطابقيّة في المقام ساقطة عن الحجّيّة، فمن يقول بتبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة لا ينبغي له التمسّك بالدلالة الالتزاميّة في المقام.
الثالثة: أنّ الدلالة الالتزاميّة في المقام ساقطة حتّى لو لم نقل بتبعيّتها للمطابقيّة في الحجّيّة؛ وذلك لأنّ تبعيّتها لها في الوجود ممّا لا شكّ فيه، وهنا الدلالة المطابقيّة غير موجودة؛ فإنّ اشتراط القدرة ليس بمخصّص منفصل هادم لحجّيّة الظهور مع انحفاظ أصل الظهور، وإنّما هو مخصّص متّصل هادم لأصل الظهور؛ فإنّ المدرك في اشتراط القدرة هو تطلّب الخطاب للقدرة؛ لبداهة عدم إمكان البعث عند عدم إمكان الانبعاث، والبعث هو قوام التكليف؛ أو وضوح قبح تكليف العاجز الذي هو أمر إرتكازيّ بديهيّ كالمتّصل.
الأمر الثاني: ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من التمسّك بإطلاق المادّة. والذي يظهر(1) من تقرير بحثه أنّه يقول: إنّ المولى في أمره بالصلاة ـ مثلا ـ يكون بصدد
', '(1) ما ظهر لي من عبارة أجود التقريرات ليس هو هذا، ولكن هذا أكثر فنّيّةً ممّا ظهر لي من تلك العبارة.
', 60), (65, 61, 'book', '
بيان شيئين في عرض واحد ـ وموضوعهما شيء واحد، وهو المادّة ـ أحدهما: الوجوب، والآخر: الملاك. فهناك موضوع واحد دلّ الأمر على ثبوت محمولين له، فالمحمول الأوّل ـ وهو الحكم والوجوب ـ ثبت بدلالة وضعيّة، والمحمول الثاني ـ وهو الملاك ـ ثبت بدلالة سياقيّة؛ فإنّ ظاهر حال المولى أنّه بصدد بيان الحكم مع بيان روحه ـ وهو الملاك ـ لا بصدد بيان الحكم فقط. وهاتان الدلالتان عرضيّتان، أي: كلتاهما دلالة مطابقيّة، وليست الثانية التزاميّة كما فرض في الأمر الأوّل.
والمقيّد الذي قيّد الخطاب بالقدرة مفاده واضحٌ في اختصاصه بجانب الحكم، ولا يمسّ جانب الملاك بصلة؛ فإنّ اقتضاء البعث لإمكانيّة الانبعاث، أو حكم العقل بقبح تكليف العاجز كلاهما مرتبطان بالحكم. أمّا ثبوت الملاك في حقّ العاجز فلا يوجد فيه قبحٌ ولا فيه جنبة بعث وتحريك، فهذا المقيّد لا هو قرينة على تقييد الملاك، ولا هو صالحٌ للقرينيّة على ذلك حتّى يوجب الاجمال، فبلحاظ الملاك نتمسّك بإطلاق المادّة.
نعم، حينما تؤخذ القدرة قيداً في الموضوع بواسطة نفس الدليل اللفظيّ للحكم، لا بالقرينة اللبّيّة المفروضة في المقام، يكون الظاهر من ذلك تقيّد المادّة بلحاظ كلا المحمولين.
وهذا التقريب بهذا النحو يعني: أنّ تمام نكتة المطلب هو فرض الدلالة على الملاك مع الدلالة على الحكم عرضيّتين، وكون المقيّد مرتبطاً بجانب الحكم فقط.
وليست نكتة المطلب هي: أنّ قرينة التقييد تكون في الرتبة المتأخّرة عن الخطاب؛ لأنّها عبارة عن حكم العقل بقبح توجيه الخطاب إلى العاجز، أو تطلّب نفس الخطاب القدرة، فلا يمكن أن تمتدّ إلى المرتبة المتقدّمة على الخطاب، وتقيّد الملاك، حتّى يرد عليه إشكال السيّد الاُستاذ دامت بركاته: من أنّ القرينة المتأخّرة قد تنظر إلى مدلول متقدّم.
$
', '', 61), (65, 62, 'book', 'فإنّ المقصود ـ بناءً على ما ذكرناه من التقريب ـ هو: أنّ القرينة بذاتها قاصرة عن تقييد الملاك، ولا تصلح لأكثر من تقييد الحكم، لا أنّها باعتبارها في مرتبة متأخّرة أصبحت عاجزة عن تقييد الملاك.
والصحيح ـ في ردّ ذلك التقريب ـ هو: إنكار أصله الموضوعيّ، وهوكون الدلالة على الملاك في عرض الدلالة على الحكم؛ فإنّ الصحيح: أنّالأمر يدلّ على الحكم، والحكم يدلّ على الملاك، فالدلالة على الملاكدلالة التزاميّة، فرجعنا إلى الطريق الأوّل لاستكشاف الملاك الذي عرفت الجواب عنه.
وقد تحصّل: أنّ الوجه الثالث للتخلّص عن الإيراد الأوّل، وهو التشبّث بالملاك غير تامٍّ، وأنّ الوجهين الأوّلين الراجعين إلى التشبّث بالأمر تامّان، فالإيراد الأوّل غير وارد.
الإيراد الثاني: أنّ العبادة صحيحة على كلّ حال؛ لأنّ النهي الغيريّ لا يوجب البطلان، وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) والسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ(1)بدعوى: أنّ النهي الغيريّ حيث إنّه ينشأ من ملاك في غيره لا في نفسه، إذن لا ينافي الملاك النفسيّ، فيمكن التقرّب بالملاك.
$
', '(1) الموجود ممّا نقل عن السيّد الخوئيّ(رحمه الله) في تقرير الفيّاض يختلف عن هذا، فإنّه يقول بعدم مضرّيّة النهي الغيريّ، وتصحيح العبادة بالأمر بالجامع في الموسّع، ولا يقول بتصحيحها بالملاك فيما يشمل المضيّق.
ويرد عليه: أنّ النهي الغيريّ لئن أمكن اجتماعه مع الملاك، فمن الواضح عدم إمكان اجتماعه مع الأمر بالجامع؛ فإنّ النهي ـ ولو فرض غيريّاً ـ يساوق المبغوضيّة، وينافي المحبوبيّة، ولو بمعنى كونه فرداً من الجامع المحبوب.
', 62), (65, 63, 'book', '
إلاّ أنّ هذا الإيراد أيضاً لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ يرد عليه:
أوّلا: أنّه إن قُصد بالملاك المحبوبيّة النفسيّة، لم نُسلّم كون النهي الغيريّ غير مناف له؛ فإنّ المحبوبيّة والمبغوضيّة متضادّتان، سواءً كانتا نفسيّتين أو غيريّتين أو مختلفتين.
وإن قُصد به المصلحة، فمجرّد قصد المصلحة ـ من دون إضافتها إلى المولى، بأن يأتي بها بما هي محبوبة للمولى ـ لا يوجب التقرّب إلى المولى، فلا تصحّ به العبادة.
وثانياً: أنّ عدم منافاة النهي الغيريّ للملاك لا يفيدنا شيئاً؛ لأنّه بعد أن كان منافياً للأمر أصبحت العبادة بلا أمر. وقد اتّضح ـ في مناقشة الوجه الثالث للجواب على الإيراد الأوّل ـ: أنّه لا يمكن تصحيح العبادة بمجرّد الملاك من دون أمر؛ إذ بعد فرض سقوط الأمر لا كاشف عن الملاك.
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ الثمرة التي ذُكرت للبحث في المقام صحيحة، ويمكن صياغتها بهذه الصياغة، وهي: أنّه لو لم يقتض الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه، فضدّه العباديّ لو أتى به كان صحيحاً؛ لتعلّق الأمر به عرضيّاً أو بنحو الترتّب، ولو اقتضى النهي عن ضدّه كان باطلا.
كما اتّضح أيضاً ـ بما ذكرناه ـ: أنّ الثمرة لا تختصّ بالضدّ العباديّ، بل تجري في التوصّليّ أيضاً؛ لأنّك قد عرفت: أنّ إحراز الملاك من دون ثبوت الأمر غير ممكن، وعليه فالضدّ يبطل ولو لم يكن عبادة.
ويمكن بيان الثمرة بصياغة اُخرى أوسع وأشمل، وذلك بأن يقال: إنّه بناءً على اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه يرجع باب التزاحم دائماً إلى باب التعارض؛ لأنّ الأمر بكلّ ضدّ يوجب النهي عن ضدّه الآخر، فيتكاذب الأمران لا محالة. وبناءً على عدم الاقتضاء قد لا يرجع التزاحم إلى التعارض؛ لأنّه مع فرض
', '', 63), (65, 64, 'book', 'الإيمان بالترتّب لا يتكاذبان، فيكون كلّ منهما واجباً من دون أن ينفي وجوب الآخر. نعم، بناءً على إنكار الترتّب يتكاذبان أيضاً، كما سيتّضح شرح ذلك إن شاء الله تعالى. فإذا بيّنّا الثمرة بهذه الصياغة كان من جملة آثار هذه الثمرة، الثمرة بالصياغة الاُولى، أعني: بطلان الضدّ بناءً على الاقتضاء، إذا قدّم جانب الأمر بضدّه بقواعد باب التعارض.
بقي الكلام في الترتّب والتزاحم:
$
', '', 64), (65, 65, 'book', 'الترتّب
أمّا الكلام في الترتّب، فيقع في جهات:
ثمرة الترتّب:
الجهة الاُولى: في ثمرة بحث الترتّب. وهي: أنّ الترتّب إن كان صحيحاً أصبح باب التزاحم باباً مستقلاًّ برأسه في مقابل باب التعارض، ويعالَج التزاحم بقوانينه الخاصّة التي سوف تأتي إن شاء الله، لا بقوانين باب التعارض. وإن لم يكن صحيحاً دخل التزاحم في باب التعارض، ويعالَج بقوانين باب التعارض.
ونوضّح ذلك الآن ببيان بدائيّ سوف يتعمّق خلال البحث إن شاء الله فنقول:
إنّه إذا تزاحم واجبان مضيّقان، ولنفرضهما الصلاة والإزالة مثلا، فبناءً على صحّة الترتّب لا تعارض بين دليل الأمر بالصلاة ودليل الأمر بالإزالة؛ لأنّ كلاًّ منهما مخصوص بحال القدرة، ولا تكاذب بين وجوب الصلاة عند القدرة، ووجوب الإزالة عند القدرة، فإن ترك الإزالة أصبح قادراً على الصلاة ووجبت عليه الصلاة، وإن ترك الصلاة أصبح قادراً على الإزالة ووجبت عليه الإزالة.
نعم، يقع الضيق في عالم القدرة، فالمكلّف إمّا أن يُعمل قدرته في هذا الجانب ويخرج عن موضوع ذاك الدليل، أو يُعمل قدرته في ذاك الجانب ويخرج عن موضوع هذا الدليل؛ لأنّه لا يملك إلاّ قدرة واحدة.
أمّا لماذا يكون كلّ من الحكمين مخصوصاً بحال القدرة؟ فلأنّ التكليف والأمر حتّى لو فُرض وضعه لمجرّد اعتبار الفعل في الذمّة، يدلّ ـ بدلالة سياقيّة يفهمها كلّ إنسان عرفيّ ـ على أنّ المولى في مقام الجدّ، لا في مقام الهزل، أي: إنّه في مقام
', '', 65), (65, 66, 'book', 'البعث والتحريك، ولا يمكن البعث والتحريك عند عدم القدرة وعدم إمكانيّة الانبعاث(1).
هذا إذا قبلنا الترتّب، وأمّا إذا لم نقبل الترتّب فلا يمكننا أن نقول: إنّه تجب عليه الصلاة عند القدرة، وتجب عليه الإزالة عند القدرة أيضاً، فمتى ما ترك أحدهما قدر على الآخر فوجب عليه؛ إذ هذا مرجعه إلى الأمر بكلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر، وهذا هو الترتّب الذي فرضنا إنكاره. إذن، فلابدّ من سقوط أحدهما عند التزاحم، وطبعاً إطلاق دليل كلّ واحد منهما يقتضي بقاءه، ويتطلّب سقوط الآخر، فيتكاذبان فيقع التعارض. ومن هنا نقول: إنّ القول بالترتّب من مبادئ مبحث التزاحم. هذا.
وقد ذكر السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في مقام بيان ثمرة بحث الترتّب: أنّ ثمرته تظهر في فرعين. وذكر الفرعين الماضيين:
الأوّل: إذا تزاحم الواجب العباديّ المضيّق مع واجب مضيّق أهمّ، فبناءً على الترتّب يُصحَّح المهمّ بالأمر، بينما لو أنكرنا الترتّب لم يمكن تصحيحه، لا بالأمر؛ لعدمه بحسب الفرض، ولا بالملاك؛ لعدم طريق إلى إحرازه.
الثاني: إذا تزاحم بعض أفراد الواجب العباديّ الموسّع مع واجب مضيّق، فإن
', '(1) أمّا الاستدلال على اشتراط القدرة بحكم العقل بقبح تكليف العاجز، فغير صحيح؛ فإنّه لا وجه للقبح؛ إذ لو كان وجه القبح هو أنّه إحراجٌ للمكلّف، قلنا: إنّ الإحراج إنّما يكون لو حكم العقل بالتنجّز، والعقل لا يحكم بالتنجّز إلاّ إذا كان للمولى حقّ تكليف من هذا القبيل، وفَرض حقّ تكليف من هذا القبيل للمولى خلف فرض القبح العقليّ. ولو كان وجه القبح اللغويّة، فقد يكون شمول التكليف للعاجز بالإطلاق وعدم التقييد، ولا يشترط فيه الفائدة؛ فإنّ التقييد هو الأمر الوجوديّ الذي يحتاج إلى داع عقلائيّ، لا الإطلاق.
', 66), (65, 67, 'book', '
قلنا بثبوت الأمر عرضيّاً على الجامع بين الفرد المزاحم وغيره، صحّ العمل من دون أن تصل النوبة إلى الترتّب وثمرته. وأمّا إن قلنا بعدم إمكان ذلك ـ لما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق ـ فهنا تظهر ثمرة الترتّب، فبناء عليه صحّ العمل بالأمر، وبناءً على عدم الترتّب لم يصحّ العمل؛ لعدم إحراز الأمر وعدم إحراز الملاك.
أقول: إنّ لنا حول هذا الكلام ثلاث نقاط:
1 ـ إنّ الأولى إبراز الثمرة بصيغتها الأوسع والأشمل، وهي التي نحن ذكرناها، فإنّ صحّة العمل بالأمر وعدم صحّته مظهر من مظاهر التعارض وعدمه، فإنّه لو فرض التعارض وسقط الأمر بطل العمل؛ إذ لم يثبت أمر ولا ملاك. ولو فُرض عدم التعارض ووجوب الصلاة على القادر، فهو إذا ترك الإزالة فقد حصلت له القدرة على الصلاة، فثبت عليه الأمر بالصلاة، فصحّت صلاته.
وببيان آخر: إنّ الثمرة التي اخترناها تمتاز على الثمرة التي اختارها السيّد الاُستاذ بنكتتين:
الاُولى: أنّ الثمرة التي ذكرناها هي الأصل للثمرة التي ذكرها السيّد الاُستاذ، وتلك الثمرة تتفرّع على الثمرة المختارة. ففي الفرع الأوّل إنّما تبطل العبادة ـ بعدم الأمر ـ بناءً على بطلان الترتّب؛ لأنّه بناءً على بطلان الترتّب يقع التعارض بين الأمرين، فبعد فرض تقديم الأمر الآخر، وسقوط هذا الأمر تبطل العبادة. وفي الفرع الثاني إن قلنا بثبوت الأمر على الجامع عرضيّاً فلا ثمرة، بلا فرق بين مختارنا ومختاره؛ إذ لا تعارض بين الأمرين، وتصحّ العبادة بالأمر، سواءً قلنا بالترتّب أو لا.
الثانية: أنّه على بعض المباني والفروض تظهر الثمرة بالصياغة التي نحن بيّنّاها، ولا تظهر الثمرة بالصياغة التي ذكرها السيّد الاُستاذ؛ وذلك لأنّنا لو قلنا بإحراز
', '', 67), (65, 68, 'book', 'الملاك حتّى مع عدم الأمر، وصحّحنا العمل بذلك، فالثمرة بالنحو الذي ذكره السيّد الاُستاذ لا تظهر؛ لأنّه يصحّ العمل على كلّ حال. ولكنّ الثمرة بالنحو الذي ذكرناه تظهر؛ إذ نتكلّم في أنّ دليل الأمرين هل يتعارضان وتطبّق عليهما قوانين باب التعارض، أو يتزاحمان وتطبّق عليهما قوانين باب التزاحم؟
ثُمّ إنّ قيد كون الواجب عباديّاً ـ الذي جاء على لسان السيّد الاُستاذ ـ في غير محلّه؛ فإنّه لو كان المفروض إمكان إحراز الملاك ـ بمعنى المصلحة ـ مع فرض سقوط الأمر، أمكن تخصيص الثمرة بالواجب العباديّ؛ لأنّ الملاك ـ بمعنى المصلحة ـ لا يصحّح العبادة؛ لعدم إمكان التقرّب بالمصلحة بغضّ النظر عن المحبوبيّة، ولكنّه يصحّح الواجب التوصّليّ، لكنّه قد فرغنا وفرغ ـ دامت بركاته ـ عن عدم إمكان إحراز الملاك، لولا الأمر، ومعه فالواجب التوصّليّ أيضاً يبطل باقتضاء الأمر للنهي عن ضدّه؛ إذ لم يثبت أمرٌ به ولا ملاك فيه.
2 ـ إنّ السيّد الاُستاذ ـ الذي قد صرّح بأنّ القدرة ليست شرطاً في التكليف، وإنّما هي شرط في التنجيز؛ لأنّ التكليف ليس إلاّ مجرّد اعتبار وفرض، وفرض المحال ليس بمحال ـ لم يكن من حقّه أن يفترض كون صحّة العمل من آثار الترتّب؛ فإنّه لا حاجة إلى الترتّب، بل يثبت كلّ من الأمرين عرضاً؛ فإنّه إذا أمكن تعلّق أمر واحد ابتداءً بما هو محال، فكذلك يمكن تعلّق أمرين بشيئين يكون الجمع بينهما محالا.
ومن هنا كان اشتراط القدرة في التكليف من المبادئ التصديقيّة للترتّب. وقد عرفت أنّ القدرة شرط في التكليف حتّى ولو فرضنا أنّ التكليف والأمر مجرّد اعتبار؛ فإنّه على أيّ حال يدلّ بدلالة سياقيّة على أنّ المولى بصدد البعث والتحريك، لا بصدد مجرّد الفرض والخيال حتّى يقال: إنّ فرض المحال ليس بمحال، ولا يعقل البعث عند عدم القدرة وعدم إمكانيّة الانبعاث.
$
', '', 68), (65, 69, 'book', '3 ـ إنّ ما ذكره في الفرع الثاني ـ من أنّه بناءً على تعلّق الأمر بالجامع لا مورد للترتّب ـ صحيح، ولكنّ ما ذكره من أنّه بناءً على مبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ من استحالة الإطلاق عند استحالة التقييد ـ لا يمكن شمول الجامع المأمور به للفرد المزاحم، غير صحيح؛ لما مضى من أنّ الإطلاق الذي يفرضه المحقّق النائينيّ(رحمه الله)عدم الملكة بالنسبة للتقييد، هو إطلاق الحكم للطرف المقابل لذاك التقييد، على ما مضى شرحه. كما أنّ الصحيح هو تعلّق الأمر بالجامع حتّى بناءً على أنّ ملاك اشتراط القدرة هو كون الخطاب ـ بحسب روحه ـ عبارة عن البعث الذي لا يُعقل إلاّ مع إمكانيّة الانبعاث والقدرة، فإنّ الجامع مقدور. إذن، فثمرة الترتّب لا تظهر في الفرع الثاني.
ثُمّ إنّ الثمرة ـ سواءً بُيّنت بالصياغة التي نحن اخترناها، أو بصياغة السيّد الاُستاذ ـ موقوفةٌ على أصلين موضوعيّين، لو لم يتحفّظ عليهما معاً لم تظهر أيّ ثمرة للترتّب، لا بصياغتنا للثمرة، ولا بصياغة السيّد الاُستاذ لها:
أحدهما: أن يقال بأنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ، أمّا على تقدير الاقتضاء فلا إشكال في وقوع التعارض على كلّ حال، كما لا إشكال في عدم إمكان تصحيح العبادة بالأمر على كلّ حال؛ لأنّه بعد أن فُرض تقديم جانب الأمر بالإزالة ـ مثلا ـ فالواجب الآخر المزاحم له منهيٌّ عنه، فكيف يكون مأموراً به؟!
هذا إذا كان الواجبان مضيّقين، أمّا إذا كان الضدّ واجباً موسّعاً زاحم بعض أفراده مع الواجب الآخر، فلو آمنّا بمقالة المحقّق الثاني ـ من تعلّق الأمر العرضيّ بالجامع الشامل للفرد المزاحم ـ لم يكن هناك تعارضٌ بين الأمرين على كلّ حال، وصحّت العبادة على كلّ حال. ولو قلنا بعدم إمكان تعلّق الأمر بالجامع عرضيّاً على إطلاقه الشامل للفرد المزاحم، فبناءً على اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه ـ كما هو المفروض ـ لا تظهر الثمرة أيضاً؛ إذ على هذا الفرض يصبح إطلاق
', '', 69), (65, 70, 'book', 'تعلّق الأمر بالجامع ـ بنحو يشمل الفرد المزاحم ولو بنحو الترتّب ـ معارضاً لدليل الأمر بالإزالة المقتضي للنهي عن الضدّ المستحيل اجتماعه مع الأمر بجامع يشمل ذلك الضدّ، ولو قدّم الأمر بالإزالة لم يبق أمرٌ بالعبادة، فتبطل.
ثانيهما: أن يقال باشتراط القدرة في التكليف، فلو أنكرنا ذلك لم تبق ثمرة للترتّب، لا بصياغتنا؛ لأنّه لا يقع التعارض على كلّ حال، أي: حتّى لو أنكرنا الترتّب؛ فإنّ غاية ما يلزم من ذلك الأمر بضدّين، ولا بأس به، ولا بصياغة السيّد الاُستاذ؛ لأنّه على كلّ حال يكون الأمر بالعبادة موجوداً، فتصحّ بذلك العبادة.
ما يرجع إليه تقديم أحد المتزاحمين على الآخر من أقسام رافعيّة أحد الحكمين لموضوع الآخر:
الجهة الثانية: أنّ كلّ حكمين قد يكون أحدهما غير رافع لموضوع الآخر، سواءً كانا غير متنافيين، كـ (صلّ) و(صم)، أو كانا متنافيين، كـ (صلّ) و(لا تصلّ). وقد يكون أحدهما رافعاً لموضوع الآخر، وهذا على خمسة أقسام؛ فإنّ الرافع للحكم الآخر: إمّا هو جعل الحكم الأوّل، أو فعليّة المجعول، أو وصول المجعول، أو تنجّز الواصل، أو امتثال المنجّز.
مثال الأوّل: ما قد يقال في مسألة الزكاة: من أنّه لو ملك نصاباً كعشرين إبلاً، وعلى رأس نهاية ستّة أشهر ـ مثلا ـ اُضيف إليه ما أدخله في نصاب آخر، كما لو صار خمساً وعشرين إبلاً، وقلنا: إنّ سنة الزكاة بلحاظ النصاب الأوّل تبدأ من الشهر الأوّل، وبلحاظ النصاب الثاني تبدأ من الشهر السابع، وقلنا بأنّ عيناً واحدة لا يصحّ أن تشترك في تكوين نصابين، وقلنا بأنّ النصاب السابق زماناً هو الذي يحكم على النصاب اللاحق، فإن صحّ كلّ هذا فالحكم بالزكاة في النصاب الأوّل بجعله يرفع موضوع الحكم بالزكاة الثانية، برغم أنّ فعليّة الحكم بالزكاة لا تكون إلاّ بعد الحول.
$
', '', 70), (65, 71, 'book', 'ومثال الثاني: الحكم بحرمة ما وقع متعلّقاً للشرط، والمفروض وجوب الوفاء بالشرط إلاّ ما خالف الكتاب والسنّة، فلو اشترط ـ مثلا ـ في ضمن العقد المشي في مكان معيّن، فالحكم بحرمة الغصب بجعله لا يرفع موضوع وجوب الوفاء بالشرط، ولكن إذا صار فعليّاً، بأن ملك شخص ذلك المكان ولم يرض بالمشي فيه، ارتفع بذلك موضوع وجوب الوفاء بالشرط؛ لأنّه أصبح شرطاً مخالفاً للكتاب والسنّة.
ومثال الثالث: ارتفاع موضوع الاُصول العمليّة، كـ (رفع ما لا يعلمون) بالعلم بالحكم، بناءً على أنّ العلم اُخذ غاية لها بما هو طريق، لا بما هو منجّز.
ومثالٌ آخر: أنّ حرمة الإفتاء بغير علم يرتفع موضوعها بالعلم بالحكم.
ومثال الرابع: ارتفاع موضوع الاُصول العمليّة بالعلم بالحكم، بناءً على أنّ العلم اُخذ غايةً لها بما هو منجّز.
ومثالٌ آخر: ما يقال في باب الزكاة: من أنّها مشروطة بأن يكون قادراً في أثناء الحول على التصرّف في العين الزكويّة، بمعنى عدم كونه عاجزاً عن ذلك، لا تكويناً ولا تشريعاً ومن باب تقيّده بالشرع وأداء حقّ المولويّة، فإذا حرم عليه التصرّف بحجر ـ مثلا ـ وتنجّزت عليه الحرمة، أصبح بتنجّزها عاجزاً شرعاً عن التصرّف، وبذلك ارتفع موضوع وجوب الزكاة.
ومثالٌ آخر: ما يقال في باب الوضوء أو الحجّ من اشتراطه بالقدرة الشرعيّة، بناءً على تفسيرها بأن لا يكون عاجزاً عقلا ولا مولويّاً ومن ناحية التزامه بالشرع، فحينئذ لو تنجّز عليه حفظ الماء تحفّظاً على نفس محترمة ـ مثلا ـ أو تنجّزت عليه زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة ارتفع موضوع الوضوء أو الحجّ.
والنقاش في بعض هذه الأمثلة أو كلّها لا يضرّنا؛ فإنّ المقصود فعلا مجرّد المثال لتوضيح المقصود.
$
', '', 71), (65, 72, 'book', 'ومثال الخامس: وجوب الكفّارة على من أفطر شهر رمضان، الذي يرتفع موضوعه بامتثال وجوب الصوم في شهر رمضان.
إذا عرفت ذلك جئنا إلى ما نحن فيه، لنرى أنّ وجوب الإزالة ـ مثلا ـ الذي فُرض مقدّماً بوجه من الوجوه على وجوب الصلاة ورافعاً لموضوعه، داخل في أيّ قسم من هذه الأقسام الخمسة؟
فنقول: بناءً على القول بالترتّب يدخل في القسم الأخير، كما هو واضح؛ إذ قد فُرض أنّ المولى أوجب الصلاة على تقدير تركه للإزالة، فوجوب الإزالة يكون بامتثاله رافعاً لوجوب الصلاة.
وأمّا بناءً على القول ببطلان الترتّب ووقوع التعارض، فالصحيح أنّه يدخل في القسم الرابع، أي: أنّ وجوب الإزالة بتنجّزه يرفع موضوع وجوب الصلاة؛ فإنّ اشتراط القدرة لا يقتضي تقييد وجوب الصلاة بقيد غير قيد عدم تنجّز الإزالة؛ فإنّ من لم تتنجّز عليه الإزالة يكون قادراً على الصلاة، ولا يقبح ـ مثلا ـ تكليفه بالصلاة؛ لعدم كون ذلك إحراجاً له وإيقاعاً له فيما يوجب استحاق العقاب. هذا بلحاظ اشتراط القدرة بملاك قبح تكليف العاجز، وكذلك الأمر بلحاظ كون البعث بنفسه متطلّباً للقدرة على الانبعاث وشأنيّته؛ فإنّه لا يتطلّب أكثر من هذه الشأنيّة.
فإن قلت: إذا فُرض رجوع الأمر بالصلاة والأمر بالإزالة إلى باب التعارض، فكيف يُعقل كون مجرّد تقييد أحدهما بعدم تنجّز الآخر موجباً لرفع التعارض؟ بينما في سائر موارد التعارض لو قُيّد أحدهما بعدم تنجّز الآخر لم يرتفع التعارض، مثلا: لو ورد دليلٌ على الأمر بالصلاة، ودليلٌ على النهي عن الصلاة في الحمّام، فتعارضا في الصلاة في الحمّام، فحتّى لو قيّد الأمر بالصلاة بعدم تنجّز النهي عن الصلاة في الحمّام يبقى التعارض ثابتاً بينهما في مادّة الاجتماع في فرض عدم تنجّز النهي. وكذلك الحال في مثل (صلّ) و(لا تغصب) في مادّة
', '', 72), (65, 73, 'book', 'الاجتماع، بناءً على امتناع اجتماع الأمر والنهي، ولذا يقال ـ بناءً على الامتناع ـ ببطلان الصلاة في المكان المغصوب، ولو مع الجهل والعذر.
فليكن ما نحن فيه أيضاً كذلك، فبمجرّد تقييد وجوب الصلاة بعدم تنجّز وجوب الإزالة لا يرتفع التعارض، حتّى يُفرض أنّ القيد المأخوذ فيه هو عدم تنجّز وجوب الإزالة، وأنّ وجوب الإزالة بتنجّزه يرفع موضوع وجوب الصلاة، فحتّى لو فرض وجوب الإزالة غير منجّز يبقى التعارض ثابتاً بين الأمرين؛ لأنّهما أمران بضدّين، والمفروض عدم قدرة المكلّف على الجمع بين الضدّين، في حين أنّ الخطاب يتطلّب القدرة على الانبعاث، فمحذور عدم القدرة على الجمع بين الضدّين ـ الذي أوجب التعارض بين الأمرين ـ لم يرتفع بمجرّد تقييد أحدهما بعدم تنجّز الآخر.
قلت: إنّه في مثل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) يكون التعارض بينهما ثابتاً في مادّة الاجتماع، حتّى مع فرض تقييد أحدهما بعدم تنجّز الآخر؛ وذلك لأنّ كلاًّ من الأمرين يكشف عن ثبوت مبادئ الحكم في متعلّقه، ومتعلّقهما في مادّة الاجتماع واحد، ويستحيل اجتماع الحبّ والبغض، أو اجتماع المصلحة والمفسدة ـ الغالب كلّ منهما في التأثير ـ في متعلّق واحد، ولو في فرض عدم تنجّز أحدهما؛ إذ من الواضح أنّ عدم تنجّز أحدهما لا يوجب إمكان اجتماع الحبّ والبغض الفعليّين في مورد واحد.
وأمّا في مثل المقام وهو (صلّ) و(أزِل) فإن فرض أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه كان معنى ذلك اجتماع الأمر والنهي في مورد واحد، فصار حالُه عيناً حال (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) ويقع التعارض بلحاظ مبادئ الأمر ومبادئ النهي، ولا ينحلّ التعارض بمجرّد تقييد أحد الأمرين بعدم تنجّز الآخر.
وأمّا بناءً على ما هو الحقّ من عدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه
', '', 73), (65, 74, 'book', 'الخاصّ، فمع فرض تقيّد أحدهما بعدم تنجّز الآخر لا معنى للتعارض بينهما، فإذا كان وجوب الصلاة مقيّداً بعدم تنجّز وجوب الإزالة لم يبق أيّ تعارض بينهما؛ إذ ما هي النقطة التي يتمركز فيها التعارض؟ هل هي عبارة عن مبادئ الحكم، أو عبارة عن نفس الحكم، أي: ما هو مدلول الخطاب، أو عبارة عمّا لكلّ واحد منهما من استحقاق الامتثال؟
أمّا النقطة الاُولى ـ وهي مبادئ الحكم ـ: فمن الواضح عدم أيّ تعارض بينهما بلحاظ المبادئ؛ لتباين متعلّقهما، فأحدهما تعلّق بالصلاة، والآخر تعلّق بالإزالة، وليس أحد الأمرين متعلّقاً بنقيض ما تعلّق به الأمر الآخر، وأيّ منافاة بين افتراض كون الشخص الواحد محبّاً بالفعل لعمل حبّاً شديداً جدّاً، ومحبّاً لما يضادّه أيضاً بنفس الدرجة؟! غاية الأمر أنّه عاجز عن تحصيلهما معاً لما بينهما من التضادّ.
وأمّا النقطة الثالثة ـ وهي اقتضاء كلّ منهما للامتثال لو فُرض أنّ تزاحمهما في ذلك يوجب التعارض بينهما ـ: فمن الواضح أنّه لا تعارض بينهما بلحاظها أيضاً؛ إذ لو تنجّز وجوب الإزالة لم تجب الصلاة بحسب الفرض، ولو لم يتنجّز وجوب الإزالة لم يكن وجوب الإزالة مستحقّاً للامتثال حتّى يقع التعارض بينهما بلحاظ استحقاق الامتثال.
وأمّا النقطة الثانية ـ وهي نفس الحكم ومفاد الخطاب ـ: فإن قلنا: إنّ مفاد الخطاب ليس إلاّ مجرّد الاعتبار والخيال، فمن الواضح عدم التعارض بين مجرّد خيال وخيال، أو اعتبار واعتبار.
وإن قلنا: إنّ الخطاب يدلّ بدلالة سياقيّة على كونه بداعي الجدّ، أي: يكشف عن داعي البعث والتحريك، وعلى أساسه يتطلّب الخطاب اشتراط القدرة، فكشف الخطاب ـ بدلالة سياقيّة ـ عن داعي البعث والتحريك يتصوّر بأحد أنحاء عديدة لابدّ من تمحيصها:
الأوّل: أن يُفرض أنّ الخطاب يكشف عن ثبوت داعي التحريك الفعليّ على الإطلاق.
$
', '', 74), (65, 75, 'book', 'وهذا أقلّ ما يرد عليه: أنّه يلزم منه عدم شمول الخطاب للعاصين، أوتخيّل المولى أنّ المكلّفين مطيعون، وإلاّ فالمولى المطّلع على وجود عاصين لخطابه لا يعقل أن يخاطب بداعي التحريك الفعليّ لكلّ المكلّفين علىالإطلاق.
الثاني: أن يُفرض أنّ الخطاب يكشف عن ثبوت داعي التحريك الفعليّ على الإطلاق لكلّ مكلّف على تقدير انقياده.
وهذا أيضاً غير صحيح، وإلاّ لزم عدم شمول الخطاب للمنقاد الذي لم يصل إليه الخطاب بل وصل إليه عدمه، فالمنقاد على الإطلاق لا يمكن أن يتحرّك بهذا الخطاب، وإنّما يتحرّك به المنقاد الذي وصله الحكم وتنجّز عليه مثلا.
الثالث: أن يُفرض أنّ الخطاب يكشف عن ثبوت داعي التحريك الفعليّ لكلّ مكلّف على تقدير انقياده ووصول الخطاب إليه وصولا منجّزاً، ولهذا لا يكون العاجز تكويناً مشمولاً للخطاب؛ لعدم معقوليّة التحريك بالنسبة إليه.
وفيما نحن فيه يكون الأمر بالإزالة مع الأمر بالصلاة مقيّداً بعدم تنجّز وجوب الإزالة معقولا بلا تعارض بينهما؛ لأنّ كلاًّ منهما يكشف عن الداعي للتحريك الفعليّ للمكلّف على تقدير انقياده ووصول الخطاب إليه وصولا منجّزاً، وهذا الداعي في كلا الخطابين معقول؛ فإنّ فرض وصول وجوب الإزالة وصولا منجّزاً مساوقٌ لعدم فعليّة وجوب الصلاة، وفرض فعليّة وجوب الصلاة ووصوله وصولا منجّزاً مساوقٌ لعدم تنجّز وجوب الإزالة؛ إذ بتنجّزه ترتفع فعليّة وجوب الصلاة بحسب الفرض، بلا تناف بينهما؛ إذ مع فرض تنجّز وجوب الإزالة لا تجب عليه الصلاة، ومع فرض عدم تنجيزه تجب عليه الصلاة، ولكن داعي التحريك الكامن في الأمر بالإزالة لا ينافيه؛ إذ ذلك داع للتحريك الفعليّ على تقدير الانقياد
', '', 75), (65, 76, 'book', 'والتنجّز بحسب الفرض؛ إذن لم يبق أيّ تناف بين داعيي التحريك.
الرابع: أن يُفرض أنّ الخطاب لا يكشف عن ثبوت داعي التحريك الفعليّ ـ كما هو الحال في الاحتمالات الثلاثة الماضية ـ وإنّما يكشف عن داعي إيجاد المقتضي للتحريك الذي قد يقترن صدفةً بمانع ـ من خبث أو غيره ـ ولا يحرّك، وقد لا يقترن صدفةً بمانع فيحرّك. ومبنيّاً عليه أيضاً لا يكون العاجز تكويناً مشمولا للخطاب؛ لعدم اقتضاء الخطاب لتحريكه.
ولا يبقى تعارضٌ بين الخطابين فيما نحن فيه من ناحية داعيي التحريك حتّى لو فرض عدم تقيّد أحدهما بفرض عدم تنجّز الآخر؛ إذ كلّ منهما فيه اقتضاء التحريك حينما يصبح فعليّاً، وهو كاف فيما يكشف عنه الخطاب من داعي التحريك ولو فرض الخطاب الآخر مانعاً عن تأثير هذا المقتضي. فلو فُرض تعارضٌ بين الخطابين العرضيّين فإنّما هو من ناحية استحقاق كلّ منهما للامتثال لو فُرض أنّ مثل ذلك يوجب التعارض، وهذا التعارض يرتفع بتقييد أحدهما بعدم تنجّز الآخر كما مضى. إلاّ أنّ هذا الاحتمال الرابع لا يساعد عليه الفهم العرفيّ للمدلول السياقيّ للخطاب.
الخامس: أن يُفرض أنّ الخطاب يكشف عن داعي تحريك كلّ منقاد بقدر انقياده وفقاً لدرجات الوصول، أي: أنّه اُنشئ الخطاب لكي يحرّك بوصوله التنجيزيّ مَن فيه طبع الانقياد بالوصول التنجيزيّ، ولكي يحرّك بوصوله الظنّيّ غير التنجيزيّ مَن فيه طبع الانقياد حتّى بالوصول الظنّي غير المنجّز، ولكي يحرّك بوصوله الاحتماليّ مَن فيه طبع الانقياد حتّى بالوصول الاحتماليّ وهكذا.
وبناءً على هذا لا يرتفع التعارض بين الأمرين في المقام بمجرّد تقييد أحدهما بعدم تنجّز الآخر؛ إذ المفروض أنّ الأمر بالإزالة يكشف عن داعي التحريك بوصوله الاحتماليّ أيضاً على تقدير بعض درجات الانقياد، في حين أنّه لا يمكن
', '', 76), (65, 77, 'book', 'أن يجتمع هذا التحريك مع التحريك الثابت في الأمر بالصلاة الفعليّ عند عدم وصول الأمر بالإزالة وصولا منجّزاً.
إلاّ أنّ هذا الاحتمال الخامس لا يساعد عليه الفهم العرفيّ للمدلول السياقيّ للخطاب.
وحيث إنّه لا برهان عقليّ يعيّن أحد الاحتمالات، وإنّما المرجع هو الفهم العرفيّ، فنحن نقول: إنّ الفهم العرفيّ يساعد على الاحتمال الثالث، وبه يثبت المقصود، وهو عدم التعارض في المقام عند تقييد أحدهما بعدم تنجّز الآخر.
وبذلك اتّضحت صحّة ما يقال: من التفصيل بين الصلاة في المكان المغصوب بناءً على الامتناع، والصلاة عند التزاحم بما يفرض تقدّمه عليها، ببطلان الصلاة في الفرض الأوّل حتّى مع الجهل والعذر، وصحّتها في الفرض الثاني عند الجهل والعذر، فهذا الكلام تامّ حتّى بناءً على إنكار الترتّب.
الكلام في الفروع الفقهيّة التي قد توهم وقوع الترتّب:
الجهة الثالثة: قد تورد على القائلين بامتناع الترتّب نقوضٌ فقهيّة تُجعل كبرهان إنّيٍّ على إمكان الترتّب؛ لأنّ أدلّ الدليل على الإمكان هو الوقوع:
منها: أنّ مَن وجب عليه السفر ـ لحجّ أو إنقاذ غريق أو غير ذلك ـ ولم يسافر فهل يجب عليه التمام، أو القصر، أو تسقط عنه الصلاة؟ الأخيران كلاهما ضروريّ البطلان، والمتعيّن هو الأوّل وهو وجوب التمام على تقدير عصيان وجوب السفر، ولا نعني بالترتّب إلاّ هذا، من قبيل وجوب الصلاة على تقدير عصيان وجوب الإزالة.
ومنها: عكس المسألة السابقة، أعني: أنّ المسافر إذا وجبت عليه الإقامة وعصى، فهل يجب عليه القصر، أو التمام، أو لا تجب عليه الصلاة؟! لا سبيل إلى
', '', 77), (65, 78, 'book', 'الأخيرين فقهيّاً، والمتعيّن هو الأوّل، فقد وجب عليه القصر على تقدير عصيان الأمر بالإقامة.
ومنها: نفس الفرع الأوّل مع تبديل الصلاة بالصوم، فمن وجب عليه السفر في شهر رمضان وعصى فهل يجب عليه الصوم، أو لا؟ طبعاً لا سبيل إلى الثاني، والمتعيّن هو الأوّل فقهيّاً، فقد اتّجه إليه أمران ترتّبيّان وهما: (سافر) (وإن لم تسافر فصُم)، عيناً من قبيل قولنا: (أزل) (وإن لم تزل فصلّ).
ولنا حول هذه النقوض ثلاث كلمات:
الكلمة الاُولى: أنّ هذه ليست نقوضاً على القائل بامتناع الترتّب؛ فإنّه في موارد الترتّب المختلف فيه ـ من قبيل الأمر بالإزالة مع الأمر بالصلاة ـ توجد علاقتان بين الأمرين: إحداهما: كون الأمر بالأهمّ متطلّباً لهدْم موضوع الأمر بالمهمّ. والاُخرى: كون الأمر بالأهمّ مقرّباً نحو الأهمّ، وبالتالي مبعّداً عن المهمّ، بينما الأمر بالمهمّ يقرّب ويجرّ العبد نحو المهمّ، فيفرض تناف بين الجرّين.
فالعلاقة الاُولى هي نكتة القول بإمكان الترتّب، والعلاقة الثانية هي نكتة القول بامتناعه. وفي هذه النقوض إنّما توجَد العلاقة الاُولى التي هي نكتة القول بالإمكان من دون أن توجَد العلاقة الثانية التي هي نكتة القول بالامتناع، فلا الأمر بالتمام يبعّد العبد عن السفر؛ لأنّه مشروط بعدم السفر، ولا الأمر بالسفر يبعّده عن التمام؛ لعدم تضادّ بينهما، ومع عدم التضادّ ليس الجرّ نحو أحدهما تبعيداً عن الآخر.
الكلمة الثانية: أنّ الضرورة الفقهيّة إنّما تدلّ على النتيجة، وهي: أنّ من عصى الأمر بالسفر أو الإقامة لم يكن له سبيل إلى النجاة من العقاب الثاني، إلاّ بأن يتمّ ويصوم في الأوّل، أو يقصّر في الثاني، ولا تُعيّن التكييف الفنّيّ لذلك، وليس تكييفه الفنّيّ منحصراً بافتراض كون الأمر بالتمام والصوم، أو بالقصر مشروطاً بعصيان الأمر الآخر.
$
', '', 78), (65, 79, 'book', 'فلو افترضنا أنّ هذا هو الترتّب المستحيل عند القائل بامتناع الترتّب، وأنّ الضرورة الفقهيّة دلّت على تلك النتيجة، كان بإمكان القائل بامتناع الترتّب أن يخرّج هذه الفروع بتخريج آخر، فيقول ـ مثلا ـ في صلاة التمام: إنّه مأمور بأمرين: أحدهما الأمر بالسفر، والثاني الأمر بالجامع بين السفر وصلاة التمام في الحضر(1). وكذلك في الصوم يقول: إنّه مأمور بالسفر، وبالجامع بين السفر والصوم في الحضر. وكذلك في القصر يقول: إنّه مأمور بالإقامة وبالجامع بين الإقامة والقصر(2) على تقدير عدم الإقامة.
وبإمكانه أن يخرّج هذه الفروع بتخريج آخر أيضاً، وهو أن يبدّل ما ذكرناه من الأمر بالجامع، بالنهي عن الجمع بين تركي كلا الفردين لذاك الجامع.
نعم، هذان التخريجان خلاف ظاهر الأدلّة؛ فإنّ ظاهرها أنّ الواجب هو الصلاة أو الصوم، لا ذاك الجامع، أو عدم الجمع بين تركي الفردين. إلاّ أنّ الكلام ليس في البحث الإثباتيّ، وإنّما الكلام في التكليف المعقول والممكن لشيء ثابت بحسب مقام الإثبات.
الكلمة الثالثة: تختصّ بالفرعين الأوّلين، وهي: أنّ جعلهما كنقض على القول باستحالة الترتّب موقوف على افتراض أنّ هناك حكمين على موضوعين مختلفين: أحدهما الحكم بالتمام على الحاضر، والآخر الحكم بالقصر على المسافر، بينما هذا المطلب غير ثابت فقهيّاً؛ إذ من المحتمل أن يكون هناك حكمٌ واحدٌ على الحاضر والمسافر معاً، بالجامع بين التمام الحضريّ والقصر السفريّ، بأن يكون السفر والحضر قيداً في الواجب.
$
', '(1) (2) أمراً ضمنيّاً ضمن الأمر بالصلاة.
', 79), (65, 80, 'book', '
وبناءً على هذا الاحتمال يكون تفسير كون العبرة في القصر والتمام بوقت الأداء واضحاً، فلو كان حاضراً في أوّل الوقت ثمّ سافر يقصّر، ومع العكس يتمّ. أمّا على احتمال كون التمام والقصر حكمين لموضوعين فيشكل تصوير ذلك؛ إذ قد يقال: إنّه إذا كان التمام ـ مثلا ـ حكم الحاضر في أوّل الوقت ولو سافر في الأثناء، إذن فلماذا لو سافر في الأثناء قبل أن يصلّي يقصّر؟ وإذا كان التمام حكم الحاضر بشرط أن لا يسافر في الأثناء لزم أنّه لو صلّى تماماً ثمّ سافر في أثناء الوقت بطلت صلاته، بينما لا يلتزم بذلك.
إلاّ أنّ هذا يمكن أن يجاب عليه بمثل أن يقال: إنّ التمام حكم الحاضر بشرط أن لا يسافر في الأثناء سفراً لم يصلّ قبله التمام مثلا. فالاحتمال الأوّل أيضاً معقول لكنّه لا معيِّن له، فلا يكون هذان الفرعان شاهدين للقول بالترتّب.
الاستدلال على صحّة الترتّب بارتفاع محذور الأمر بضدّين بالطوليّة وتعدّد الرتبة بين الأمرين:
الجهة الرابعة: قد يستدلّ على صحّة الترتّب بأنّ محذور الأمر بضدّين مرتفع بالطوليّة وتعدّد الرتبة بين الأمرين، وهذا يمكن بيانه بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أن يقال(1): إنّ كلاًّ من الأمرين وإن كان يقتضي جرّ العبد إلى ما
', '(1) هذا الوجه نقله المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) عن بعض في الجزء الثاني من المجلّد الأوّل من نهاية الدراية، ص 30، ببيان خلاصته:
إنّ الأمر بالمهمّ متأخّر رتبة عن الأمر بالأهمّ؛ لأنّه في طول عصيان الأمر بالأهمّ الذي هو في عرض نقيضه، وهو إطاعة الأمر بالأهمّ، وإطاعة الأمر بالأهمّ في طول الأمر بالأهمّ؛ لأنّها مرتبة تأثيره وأثره، والعلّة منعزلة في رتبة أثرها عن التأثير، بل تمام اقتضائها لأثرها في مرتبة ذاتها المتقدّمة على تأثيرها وأثرها، إذن ففي رتبة الأمر بالأهمّ وتأثيره في صرف القدرة نحوه، لا وجود للأمر بالمهمّ، وفي رتبة وجود الأمر بالمهمّ لا اقتضاء للأمر بالأهمّ، فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلٌّ يؤثّر في رتبة نفسه، بلا إيجاب لتحيّر المكلّف في الامتثال، ولا يقتضي كلّ من الأمرين الإلقاء فيما لا يطاق.
', 80), (65, 81, 'book', '
يضادّ متعلّق الآخر، إلاّ أنّ اقتضاء الأمر بالمهمّ هو في طول اقتضاء الأمر بالأهمّ؛ وذلك لأنّ فعليّة الأمر بالمهمّ فرع ترك الأهمّ بحسب ما هو المفروض من أنّه اُخذ في موضوعه ترك الأهمّ، فاقتضاؤه يكون في طول ترك الأهمّ، وترك الأهمّ يكون في رتبة فعل الأهمّ؛ لأنّ النقيضين في رتبة واحدة. إذن، فاقتضاء الأمر بالمهمّ صار في طول فعل الأهمّ، وفعل الأهمّ هو معلول للأمر بالأهمّ. إذن، هو متأخّر عن اقتضاء الأمر بالأهمّ. فاقتضاء الأمر بالمهمّ متأخّر عن اقتضاء الأمر بالأهمّ فلم يجتمع الاقتضاءان في رتبة واحدة حتّى يقع التهافت بينهما؛ فإنّه في رتبة اقتضاء الأمر بالأهمّ ليس الأمر بالمهمّ فعليّاً، وفي رتبة اقتضاء الأمر بالمهمّ لا اقتضاء للأمر بالأهمّ؛ إذ عرفنا أنّ الأمر بالأهمّ هو العلّة لفعل الأهمّ، ولا اقتضاء للعلّة في رتبة المعلول ـ وإلاّ لزم تحصيل الحاصل ـ فضلا عن رتبة متأخّرة عن رتبة المعلول.
وما قيل أو يمكن أن يقال في مقام الردّ على هذا الوجه اُمور:
الأوّل: النقض بما لو قيّد الأمر بالمهمّ بامتثال الأهمّ، فهذا أيضاً يكفي لتحقيق ما فُرض من الطوليّة، مع أنّه من الواضح عدم صحّة ذلك.
ويرد عليه: أنّ الأمر بالمهمّ مقيّداً بالإتيان بالأهمّ بنفسه أمر بالمحال؛ لاستحالة
', '', 81), (65, 82, 'book', 'الإتيان بالمهمّ مقيّداً بإتيان الأهمّ، ولا يحتاج في بطلانه إلى ضمّ الأمر بالأهمّ إليه حتّى يقال: إنّنا نرفع غائلة المنافاة بين الأمرين بفرض الترتّب بينهما، فمن حقّ صاحب ذاك الوجه أن يقول: إنّ غائلة المنافاة بين الأمرين تزول بتقييد أحدهما بامتثال الآخر، ولكن يصبح نفس الأمر بالمهمّ المقيّد بامتثال الأهمّ بنفسه متعلّقاً بأمر غير مقدور، وهذا لا يمتّ إلى بحث الترتّب بصلة.
الثاني: النقض بما لو قُيّد الأمر بالمهمّ باقتضاء الأمر بالأهمّ للتحريك، أو قل: بوصول الأمر بالأهمّ وتنجيزه، فبهذا تتمّ الطوليّة، مع أنّه من الواضح أنّ مشكلة تعلّق أمرين بضدّين باقية على حالها. وهذا نقضٌ متين.
الثالث: المنع عن كون الطوليّة في الرتبة رافعة لغائلة التنافي بين الضدّين؛ فإنّ الضدّين لا يمكن أن يجتمعا في زمان واحد ومكان واحد ولو فُرضت الطوليّة والترتّب بينهما، فالسواد لا يمكن أن يجتمع مع البياض ولو فرض علّة للبياض. وهذا جواب متين.
الرابع(1): أن تُمنع الطوليّة بين الاقتضائين؛ لأنّ اقتضاء الأمر بالمهمّ وإن كان في طول ترك الأهمّ، لكنّنا نمنع استلزام كون الشيء في طول أحد النقيضين لكونه في طول النقيض الآخر، كما مضى في بحث مقدّميّة ترك أحد الضدّين للضدّ الآخر.
ويمكن أن يجاب على ذلك بإجراء تعديل في البيان، وذلك بأن يفرض أنّ الأمر بالمهمّ مقيّد بعصيان الأمر بالأهمّ بما هو عصيان له، لا بواقع العصيان بمعنى الترك، وعندئذ فتتمّ الطوليّة؛ لأنّ فعليّة الأمر بالمهمّ في طول عصيان الأمر بالأهمّ، وعصيان الأمر بالأهمّ في طول الأمر بالأهمّ؛ إذ لو لا الأمر بالأهمّ لم يُعقل عصيانه، ففعليّة الأمر بالمهمّ معلولة ـ بالواسطة ـ للأمر بالأهمّ.
$
', '(1) هذا الجواب ذكره المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله).
', 82), (65, 83, 'book', '
إلاّ أنّ هناك نكتة ينبغي الالتفات إليها، وهي: أنّ التضادّ بين الأمرين إنّما هو تضادٌّ عرَضيٌّ منشؤه التضادّ بين المتعلّقين ـ وهما الصلاة والإزالة ـ الذي هو التضادّ الذاتيّ، فلو فُرض إمكان رفع غائلة الضدّين بتعديد الرتبة بينهما، فلابدّ من تعديد الرتبة بين المتعلّقين حتّى يرتفع التضادّ بينهما، فلا يكون الأمر بهما أمراً بضدّين، أمّا إذا فُرض بقاء المتعلّقين على ما هما عليه من التضادّ، فالأمر بهما أمرٌ بضدّين، والمفروض أنّه إنّما وقع التضادّ بين الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ لأنّ مجموعهما أمرٌ بضدّين، وهذه الغائلة لا ترتفع بفرض الطوليّة(1) بين نفس
', '(1) من يقول بأنّ الطوليّة ترفع غائلة التضادّ: إمّا أن يقصد بذلك أنّ الطوليّة ترفع نكتة التضادّ، وإمّا أن يقصد بذلك أنّ الطوليّة تعارض التضادّ. وبتعبير آخر: تارة يقصد أنّ الطوليّة ترفع مقتضي التضادّ، واُخرى يقصد أنّ الطوليّة هي تقتضي عدم التضادّ، وتغلب على مقتضي التضادّ.
فإن قصد الأوّل فمن الواضح أنّه لا أثر في المقام لمجرّد الطوليّة بين الأمرين؛ لأنّ نكتة التضادّ هي أنّهما أمرٌ بضدّين، أي: هي التضادّ الذاتيّ بين الفعلين، وهذا لا زال باقياً على حاله، لم يرتفع بتعديد الرتبة، فلو أفادت الطوليّة فإنّما تفيد لو وقعت بين الضدّين اللذين يكون بينهما تضادٌّ ذاتيٌّ أوجب هذا التضادّ العرَضيّ.
وإن قصد الثاني فقد يُدّعى أنّ الطوليّة تقتضي عدم التضادّ حتّى في التضادّ العرَضيّ، ومن دون أن يعالج التضادّ الذاتيّ. وقد يُدّعى أنّها تقتضي عدم التضادّ فيما لو كانت بين الضدّين بالتضادّ الذاتيّ. ولكن أصل دعوى أنّ الطوليّة تقتضي عدم التضادّ أوضح بطلاناً من دعوى أنّها ترفع نكتة التضادّ؛ وذلك لأنّ غاية ما يُدّعى في المقام هي كون وحدة الرتبة ـ كوحدة الزمان والموضوع مثلا ـ دخيلة في نكتة التضادّ، فكما أنّ تعدّد الزمان أو الموضوع رافعٌ لنكتة التضادّ، لا أنّه مقتض لعدم التضادّ، غالبٌ على مقتضي التضادّ، كذلك تعدّد الرتبة.
', 83), (65, 84, 'book', '
الأمرين؛ فإنّه حتّى لو كانا طوليّين فهما أمران بضدّين. والمكلّف عاجز عن الإتيان بضدّين، فالمهمّ رفع التضادّ بين المتعلّقين ببيان الطوليّة بينهما، حتّى يرتفع التضادّ العرَضيّ بين الأمرين.
ولا يمكن رفع التضادّ العرَضيّ بينهما ابتداءً بتعديد الرتبة، بدون علاج التضادّ الذاتيّ بين المتعلّقين الذي هو المنشأ لذاك التضادّ العرَضيّ، وعليه فإن قبلنا كون ما في طول أحد النقيضين في طول النقيض الآخر أمكن أن يقال: إنّ فعل المهمّ ـ الحاصل بتحريك الأمر به ـ معلولٌ لفعليّة الأمر بالمهمّ الذي هو في طول ترك الأهمّ، وبالتالي في طول نقيضه وهو فعل الأهمّ، فأصبح فعل المهمّ الناشئ بتحريك الأمر بالمهمّ في طول فعل الأهمّ، وهذا معناه الطوليّة بين المتعلّقين.
أمّا إذا لم نقبل ذلك فمجرّد تبديل قيد الترك بقيد العصيان لا ينفع شيئاً؛ فإنّه وإن كان يثبت بذلك أنّ الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ، لكنّه لا يثبت بذلك الطوليّة بين المتعلّقين؛ فإنّ فعل المهمّ وإن كان في طول الأمر بالمهمّ، الذي هو في طول عصيان الأمر بالأهمّ، الذي هو في طول الأمر بالأهمّ، لكنّه لا يثبت بذلك كون فعل المهمّ في طول فعل الأهمّ، ومجرّد الطوليّة بين الأمرين لا يفيد شيئاً.
الوجه الثاني: أنّ الأمر بالمهمّ معلولٌ لعصيان الأهمّ، وسقوط الأهمّ أيضاً معلولٌ لعصيان الأهمّ؛ لأنّ العصيان ـ كالامتثال ـ سبب للسقوط، إذن فالأمر بالمهمّ مع سقوط الأهمّ في رتبة واحدة؛ لأنّهما معلولان لشيء واحد، إذن ففي رتبة الأمر بالمهمّ لا أمر بالأهمّ؛ لأنّ في هذه الرتبة يكون الأمر بالأهمّ منعدماً وساقطاً بحسب الفرض، إذن فلا يتنافى أحدهما مع الآخر.
وهذا الوجه له بعض الامتيازات على الوجه الأوّل، فمثلا هنا لا نحتاج إلى إثبات كون ما هو المتقدّم على الأمر بالمهمّ متأخّراً عن الأمر بالأهمّ، حتّى يقال بناءً على كون موضوع الأمر بالمهمّ واقع العصيان وهو الترك: إنّ ما هو متأخّر عن
', '', 84), (65, 85, 'book', 'أحد النقيضين غير متأخّر عن النقيض الآخر؛ إذ في هذا الوجه لا ننطلق من نقطة أنّ المتأخّر عن المتأخّر متأخّر، وإنّما ننطلق من نقطة أنّ مرتبة الأمر بالمهمّ هي مرتبة سقوط الأهمّ؛ لكونهما معلولين لشيء واحد، فلا أمر بالأهمّ في مرتبة الأمر بالمهمّ.
وأيضاً لا يرد على هذا الوجه ما قد يورد على الوجه الأوّل: من أنّ الأمر بالمهمّ وإن لم يكن يصعد إلى مرتبة الأمر بالأهمّ، ولكنّ الأمر بالأهمّ ينزل إلى مرتبة الأمر بالمهمّ؛ فإنّ العلّة وإن كانت أقدم من المعلول رتبةً، لكن معنى تقدّم المتقدّم رتبة إنّما هو أنّه غير متقيّد بالرتبة المتأخّرة ـ كما هو الحال في المتأخّر رتبة ـ لا أنّه متقيّد بالرتبة المتقدّمة، بل هو مطلقٌ يمتدّ إلى المراتب المتأخّرة، فالمعلول لا يصعد إلى مرتبة علّته، ولكنّ العلّة موجودة في مرتبة المعلول أيضاً(1).
فهذا الإيراد لو تمّ على الوجه الأوّل لا مجال له على هذا الوجه؛ إذ هذا الوجه قد أثبت أنّ سقوط الأمر بالأهمّ ثابت في مرتبة الأمر بالمهمّ؛ لكونهما معلولين لشيء واحد، فلا يعقل أن يكون ثبوته متحقّقاً في تلك المرتبة.
$
', '(1) هذا محتمل كلام صاحب الكفاية ـ ج 1، ص 213 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات المشكينيّ ـ حيث قال: «فإنّه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهمّ اجتماع طلبهما، إلاّ أنّه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما؛ بداهة فعليّة الأمر بالأهمّ في هذه المرتبة، وعدم سقوطه بعدُ بمجرّد المعصية فيما بعد ما لم يعص أو العزم عليها...»، وعلى أيّ حال فقد أفاد اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): أنّ هذا الكلام في نفسه غير معقول؛ فإنّه لو كانت الرُتَب اُموراً ثابتة بغضّ النظر عن انتزاع التقدّم للمتقدّم والتأخّر للمتأخّر لأمكن أن يقال: إنّ المتقدّم موجود في كلّ هذه الظروف، والمتأخّر غير موجود إلاّ في الظرف الأخير مثلا، ولكن الرُتب ليست ظروفاً ثابتة بغضّ النظر عن تقدّم المتقدّم وتأخّر المتأخّر، بل هي عبارة اُخرى عن ذاك التقدّم وهذا التأخّر، فهذا الكلام خلف وغير متصوّر.
', 85), (65, 86, 'book', '
ولكن يرد على هذا الوجه:
أوّلا: ما أوردناه على الوجه الأوّل: من منع كون الاختلاف في الرتبة رافعاً لغائلة الضدّين.
وثانياً: ما مضى أيضاً: من أنّ الاختلاف في الرتبة ـ لو أفاد ـ وجب تصويره بين المتعلّقين لا بين الأمرين.
وثالثاً: نحن نسأل ما الذي رفع غائلة التضادّ بين الأمرين؟ هل هو ثبوت عدم الأمر بالأهمّ بنحو الموجبة المعدولة المحمول في رتبة الأمر بالمهمّ، لكونهما معلولين لشيء واحد؟ أو هو عدم ثبوت الأمر بالأهمّ في رتبة الأمر بالمهمّ بنحو السالبة المحصّلة؟ أو هو تقدّم الأمر بالأهمّ على الأمر بالمهمّ رتبة؟
أمّا الأوّل فهو واضح البطلان؛ فإنّ ما يرفع غائلة اجتماع الضدّين ليس هو ثبوت العدم بنحو معدولة المحمول، وإنّما الغائلة ترتفع عند ثبوت عدم أحدهما؛ لكونه ملازماً لعدم ثبوته بنحو السلب التحصيليّ، وهذا رجوع إلى الأمر الثاني.
وأمّا الثاني فعدم ثبوت الأهمّ في رتبة المهمّ لا يكون هنا إلاّ بمعنى أنّهما ليساً معلولين لشيء ثالث، فلو كان هذا كافياً في رفع التنافي لصحّ اجتماع أيّ ضدّين ـ كالسواد والبياض ـ لمجرّد عدم كونهما معلولين لشيء واحد، وهو واضح البطلان.
وأمّا الثالث فلم يثبت بهذا الوجه الثاني كون الأمر بالأهمّ مقدّماً رتبة على الأمر بالمهمّ وإنّما كان ذلك يثبت بالوجه الأوّل(1).
الوجه الثالث: أنّ الأمر بالمهمّ مترتّب على عصيان الأمر بالأهمّ المترتّب على
', '(1) ورابعاً: أ نّا نمنع كون عصيان الأمر سبباً لسقوطه، وإنّما هو مقارن لسبب السقوط الذي هو انتفاء الموضوع. إلاّ أنّه يمكن الهروب عن هذا الإشكال بافتراض الأمر بالمهمّ مشروطاً بذلك الفرد من سبب السقوط الذي يكون مقارناً للعصيان.
', 86), (65, 87, 'book', '
الأمر بالأهمّ. إذن، فالأمر بالمهمّ مترتّب على الأمر بالأهمّ، وما يكون مترتّباً على شيء وفي طوله يستحيل أن يكون رافعاً له؛ فإنّه متى يرفعه؟ هل حين عدمه أو حين وجوده؟ أمّا حين عدمه، فلا يعقل تأثيره في الرفع. وأمّا حين وجوده فقد فُرض وجود الآخر في مرتبة سابقة عليه، فكيف يعقل رفعه؟
وبكلمة اُخرى: إنّ رفع الشيء لما يترتّب عليه يساوق رفعه لنفسه، وهو مستحيل. فإذا ثبت أنّ الأمر بالمهمّ لا يقتضي رفع الأمر بالأهمّ ولا يطرده ثبت عدم التضادّ بينهما؛ إذ مع التضادّ يثبت التنافي والمطاردة من الطرفين، فإذا ثبت عدم التضادّ لم يبق مبرّر لافتراض أنّ الأمر بالأهمّ يطرد الأمر بالمهمّ.
فإن قلت: كما يقال: إنّ الشيء لا يمكن أن يرفع ما يترتّب عليه، فالأمر بالمهمّ المترتّب على الأمر بالأهمّ لا يرفع الأمر بالأهّم. كذلك يمكن أن يقال: إنّ ما يرفع شيئاً لا يمكن أن يترتّب عليه، والأمر بالمهمّ رافع للأمر بالأهمّ، فلا يمكن أن يترتّب عليه.
قلت: واقع المطلب أنّ الشيء يضيق عن أن يكون رافعاً لسببه وما هو مترتّب عليه، فالترتّب رافع لموضوع رافعيّة الشيء، فيستحيل أن تكون رافعيّة الشيء مانعة عن الترتّب.
ويرد عليه: أنّ هذا مبنيّ على القول بمانعيّة كلّ من الضدّين عن وجود الضدّ الآخر، وقد وضّحنا فيما سبق عدم مانعيّة أحد الضدّين عن الضدّ الآخر، وأنّ استحالة اجتماعهما ذاتيّة، فالتنافي المفترض بين الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ ليس على أساس أنّ أحدهما رافع للآخر ومانع عنه، حتّى يجاب بأنّ الأمر بالمهمّ حيث إنّه مترتّب على الأمر بالأهمّ لا يعقل أن يكون رافعاً له.
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ تصحيح الترتّب بالطوليّة بين الأمرين غير صحيح بجميع التقريبات.
$
', '', 87), (65, 88, 'book', 'نعم، الأمر بالأهمّ يتطلّب انهدام موضوع الأمر بالمهمّ. فقد يقال: إنّه إذن لا يعقل كون الأمر بالمهمّ منافياً للأمر بالأهمّ، لكن هذه نكتة مستقلّة للقول بإمكان الترتّب غير مسألة الطوليّة.
شبهات جانبيّة حول الترتّب والجواب عنها:
الجهة الخامسة: إنّ الشبهة الرئيسة ـ التي عُقد بحث الترتّب لأجل التحدّث عنها ـ هي: أنّ الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ حتّى مع الترتّب أمرٌ بضدّين، وهو أمر بغير المقدور. إلاّ أنّ هناك شبهات اُخرى جانبيّة لا بأس بالتعرّض لها ولإبطالها حتّى نتفرّغ بعد ذلك للبحث عن الشبهة الرئيسيّة، فنقول:
الشبهة الجانبيّة الاُولى: أنّ الأمر بالمهمّ إن لم يُقيّد بعصيان الأمر بالأهمّ لم يتحقّق الترتّب. وإن قُيّد بعصيان الأمر بالأهمّ، فهذا العصيان إمّا يفرض شرطاً متقدّماً، أو شرطاً متأخّراً، أو شرطاً مقارناً، وكلّها غير صحيح:
أمّا إذا فُرض شرطاً متقدّماً فهذا معناه انتهاء سقوط الأمر بالأهمّ بالعصيان في زمان سابق، ومعه لا إشكال في إمكان الأمر بضدّه. وهذا خارج عن محلّ الخلاف والبحث؛ فإنّهما أمران بضدّين في زمانين، وما يُدّعى استحالته إنّما هو اجتماع أمرين بضدّين في زمان واحد. على أنّ فرض الشرط المتقدّم غير معقول فيما هو المورد المعقول للترتّب، وهو مورد كون الواجبين كليهما مضيّقين؛ إذ لو كان المهمّ موسّعاً صحّ الأمر بالجامع بين الفرد المزاحم وغيره عرضيّاً، فلا مجال للترتّب. فلنحدّد محلّ البحث بالواجبين المضيّقين، وفي مثل ذلك لا مجال لفرض كون عصيان الأهمّ شرطاً متقدّماً؛ إذ بانتهاء زمان عصيان الأهمّ ينتهي زمان المهمّ أيضاً.
وأمّا إذا فُرض شرطاً متأخّراً فصاحب هذا الإشكال يقول: إنّ الشرط المتأخّر
', '', 88), (65, 89, 'book', 'مستحيل. على أنّ هذا يستلزم الوجوب التعليقيّ؛ لأنّ المفروض أنّنا نتكلّم في المضيّقين، فزمان إمكان الانبعاث نحو المهمّ هو زمان عصيان الأهمّ، فلو كان العصيان شرطاً متأخّراً كان معنى ذلك أنّ البعث نحو المهمّ متقدّم على هذا الزمان، ويقال ـ مثلا ـ: إنّ تقدّم البعث على إمكانيّة الانبعاث محال.
وأمّا إذا فُرض شرطاً مقارناً فمعنى ذلك: أنّ زمان امتثال الأمر بالمهمّ مقارن لزمان توجّه الأمر به إلى العبد؛ لأنّ الأمر بالمهمّ مقارن لعصيان الأهمّ بحسب ما هو المفروض من الشرط المقارن، وعصيان الأهمّ مقارن للإتيان بالمهمّ بحسب ما هو المفروض من التضادّ بين الأهمّ والمهمّ، والتضادّ إنّما يكون مع وحدة الزمان، وكون كلّ منهما بديلا عن الآخر وواقعاً في نفس الزمان الذي كان يُترقّب وقوع الآخر. إذن، فالأمر بالمهمّ مقارن لامتثاله، بينما الأمر بالشيء دائماً يجب أن يتقدّم ولو بزمان قصير جدّاً على امتثاله بأحد البيانات الآتية.
ويرد على ذلك:
أوّلا: أنّ ما ذكر في إبطال الشقّ الثالث ـ من لزوم تقدّم الأمر على زمان الامتثال ـ يستدعي تقدّم البعث دائماً على إمكانيّة الانبعاث، وهذا معناه الالتزام بالوجوب التعليقيّ، وبناءً على كون الوجوب التعليقيّ مستبطناً للشرط المتأخّر، فهذا معناه الالتزام بالشرط المتأخّر، وهذا ينافي ما ذكره في إبطال الشقّ الثاني من استحالة الشرط المتأخّر والوجوب التعليقيّ. إذن، فأحد الشقّين يكون إبطاله في غير محلّه، وبذلك تبطل هذه الشبهة الهادفة لإثبات استحالة الترتّب.
وثانياً: أنّه يمكن الالتزام بالشقّ الثاني، وهو كون العصيان شرطاً متأخّراً، بناءً على ما هو الحقّ من أنّه لا الشرط المتأخّر مستحيل ولا الواجب المعلّق، على ما وضّحناه في محلّه.
وثالثاً: أنّه يمكن الالتزام بالشقّ الثالث، وهو كون العصيان شرطاً مقارناً، وأمّا
', '', 89), (65, 90, 'book', 'لزوم تقدّم الأمر على امتثاله زماناً فهو غير صحيح؛ فإنّ غاية ما يمكن أن يقال في تقريب ذلك أحد اُمور:
الأوّل: ما جاء ذكره في الكفاية: من أنّ الامتثال يتوقّف على الإرادة وطيّ مقدّماتها، فما لم يتصوّر الأمر وامتثاله، ولم يتأمّل في الفائدة، ولم يحصل الجزم والعزم ـ مثلا ـ لا يحصل الامتثال، وطيّ هذه الاُمور يحتاج إلى مرور زمان.
وفيه: إنّ هذه الاُمور قد يطويها قبل وقت الوجوب؛ لعلمِه بأنّه سوف يتّجه إليه الأمر، وبنائه على العبوديّة والطاعة، فقد يقارن وقت الامتثال مع أوّل آنات وقت الوجوب.
الثاني: ما جاء ذكره في تقرير بحث المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّه لو كان وقت الأمر مقارناً لوقت الامتثال لزِم: إمّا طلب الحاصل أو طلب المحال؛ إذ لو تطلّب الأمر الامتثال في ظرف الامتثال، لكان طلباً للحاصل. ولو تطلّب الامتثال في ظرف عدم الامتثال، لكان طلباً للمحال؛ إذ تحقّق الوجود في ظرف العدم مستحيل.
ويرد عليه: أنّ الأمر يُفرض ثبوته في ظرف الامتثال الحاصل بنفس هذا الأمر، لا بسبب آخر حتّى يكون طلباً للحاصل، وإلاّ لجاء الإشكال في العلل التكوينيّة التي تكون مقارنة لمعلولاتها، فيقال: لو اقتضت هذه العلّة وجود المعلول في ظرف وجوده فهو تحصيل الحاصل، أو في ظرف عدمه فهو محال.
بل جاء الإشكال أيضاً في الأمر المتقدّم زماناً على الامتثال؛ فإنّ هذا الأمر لو لم يبق إلى زمان الامتثال لم يبق مقتض للامتثال، ولو بقى إلى زمان الامتثال فهو في هذا الزمان طلب للحاصل أو طلب للمحال. بل الأمر المتقدّم أيضاً حينما يتعلّق بشيء متأخّر موجود في وقته، يكون فيه روح طلب الحاصل.
فالصحيح في الحلّ ما عرفت: من أنّ الأمر يتطلّب امتثالا حاصلا بنفس هذا الأمر، وليس هذا تحصيلا للحاصل المحال.
$
', '', 90), (65, 91, 'book', 'الثالث: أنّ الأمر سبب للامتثال، فهو متقدّم عليه.
إلاّ أنّ التحقيق: أنّ الأمر حينما يكون هو السبب للإتيان بمتعلّقه يكون متقدّماً عليه رتبة، ولكن تقدّمه عليه زماناً غير معلوم؛ فإنّ السببيّة لا تتطلّب التقدّم الزمانيّ، وإنّما تتطلّب التقدّم الرتبيّ.
الرابع: أنّ الامتثال علّة لسقوط الأمر، فهو مقارن زماناً لسقوط الأمر؛ لأنّ العلّة والمعلول متقارنان زماناً، فكيف يكون في نفس الوقت مقارناً لثبوت الأمر؟! فإنّ هذا يؤدّي إلى اجتماع النقيضين في وقت واحد.
وسيأتي جواب ذلك في الردّ على إحدى الشبهات الجانبيّة الآتية إن شاء الله.
ثُمّ إنّ الكلام إلى الآن كان مبنيّاً على افتراض تصوير الترتّب بجعل الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأهمّ، ولكن قد يتصوّر الترتّب بجعل الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على عصيان الأهمّ، أو بتعبير سلبيّ: مشروطاً بعدم العزم على امتثال الأهمّ، وعندئذ يقال: إنّه ترتفع جملة من تلك الإشكالات التي ذُكرت على الشقوق الثلاثة، فمثلا لو افترضنا العزم على العصيان شرطاً متقدّماً لم يلزم من ذلك ما مضى: من انتهاء مدّة الأمر بالأهمّ، وخروج المورد عن محلّ النزاع؛ إذ الأمر بالأهمّ إنّما ينتهي بالعصيان لا بالعزم على العصيان. ولو افترضناه شرطاً مقارناً لم يلزم من ذلك ما مضى: من تقارن الأمر بالمهمّ لامتثاله؛ إذ بالإمكان فرض الأمر بالمهمّ قبل امتثاله مقترناً للعزم على ترك الأهمّ؛ فإنّ العزم على ترك أحد الضدّين قد يتقدّم على زمان الضدّ الآخر.
إلاّ أنّ لكلٍّ من المحقّق الإصفهانيّ والمحقّق النائينيّ(قدس سرهما) كلاماً حول جعل الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على عصيان الأهمّ:
أمّا كلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) فهو: أنّه يوجد عندنا اُمور ثلاثة: العزم على عصيان الأهمّ، والأمر بالمهمّ، وعصيان الأهمّ، وقد فُرض العزم على عصيان الأهمّ شرطاً في الأمر بالمهمّ:
$
', '', 91), (65, 92, 'book', 'فإن فُرض الأمر بالمهمّ متأخّراً عن العزم على عصيان الأهمّ ومتقدّماً على العصيان ـ بأن وقع بين الزمانين ـ ابتلينا بمحذور الشرط المتقدّم؛ لتقدّم العزم، وبمحذور الواجب المعلّق؛ لتقدّم زمان الأمر بالمهمّ على زمان عصيان الأهمّ الذي هو بعينه زمان امتثال المهمّ.
وإن فُرض مقارناً للزمان الأوّل تخلّصنا من محذور الشرط المتقدّم، لكن بقي علينا محذور الواجب المعلّق.
وإن فُرض مقارناً للزمان الثاني تخلّصنا من محذور الواجب المعلّق، لكن بقي علينا محذور الشرط المتقدّم.
أقول: إنّ تقييد الأمر بالمهمّ بمجرّد العزم السابق على زمان العصيان والامتثال لا يصحّح الترتّب؛ إذ قد يرجع عن هذا العزم في وقت العصيان ويبني على الامتثال، فيتصادم الأمران في فرض رجوعه عن هذا العزم حتماً، فإن قُيّد بالعزم الواقع في زمان العصيان والامتثال لم يبق موضوعٌ لكلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله).
وبهذا تبيّن أنّ تبديل شرط العصيان بشرط العزم على العصيان لا يؤثّر في دفع شيء ممّا عرفته من الشبهة الجانبيّة؛ إذ التقييد بالعزم ـ الواقع في الظرف الذي هو ظرف للعصيان أو للامتثال ـ كالتقييد بنفس العصيان في كلّ الشقوق الثلاثة، كما هو واضح.
وأمّا كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) فهو: أنّ شرط العصيان لو اُبدل بشرط العزم على العصيان، لتسجّل الإشكال الرئيس الذي عُقد لأجله بحث الترتّب، وهو المطاردة بين أمرين بضدّين؛ وذلك لأنّ تلك المطاردة إنّما تُدفع بفرض الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأهمّ؛ حيث إنّ الأمر بالأهمّ عندئذ يقتضي بذاته(1) هدم
', '(1) التقييد «بذاته» غير موجود في أجود التقريرات، وإنّما أضافه سيّدنا الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) من باب حمل كلام المحقّق النائينيّ(قدس سره) على الصحّة؛ لأنّ اقتضاء الأمر بالأهمّ لهدم العزم ـ ولو بالملازمة ـ ثابت بلا إشكال.
', 92), (65, 93, 'book', '
موضوع الأمر بالمهمّ، وهو عصيان الأهمّ فبذلك يرتفع التنافي. أمّا إذا فُرض الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على العصيان، فالأمر بالأهمّ لا يقتضي بذاته هدم موضوع الأمر بالمهمّ؛ لأنّ كلّ أمر يقتضي بذاته هدم نقيض متعلّقه، وذلك باقتضائه لفعل متعلّقه، فهو إنّما يقتضي هدم عصيانه، لا هدم العزم على العصيان.
ويرد على ذلك اُمور:
الأوّل: أنّ الأمر بفعل لا يقتضي بذاته تحقّق المتعلّق أو هدم نقيضه؛ فإنّ هذا إنّما يصحّ في المقتضيات التكوينيّة، فلو جُرّ زيد واُدخِل قهراً في المسجد ـ مثلا ـ فهذا مقتض تكوينيّ لدخول زيد في المسجد، يقتضي تحقّق هذا الفعل ويهدم تركه، وأمّا المقتضي التشريعيّ ـ وهو الأمر ـ فالذي يقتضيه أوّلاً وبالذات هو انقداح الداعي إلى الفعل في نفس المكلّف، أي: عزمه عليه لا نفس الفعل، فبهذا يقتضي هدم عدم العزم على الفعل أو العزم على الترك، فليكن الأمر بالمهمّ مشروطاً بعدم العزم على الفعل، أو العزم على العصيان.
فالقول بأنّ الأمر بشيء يقتضي هدم نقيض متعلّقه، خلطٌ بين المقتضيات التشريعيّة والمقتضيات التكوينيّة.
الثاني:أنّه لو غُضّ النظر عن الوجه الأوّل، ففي خصوص العبادات لا إشكال في أنّ الأمر بالشيء يقتضي بالذات العزم على الشيء؛ لأنّ العبادة لابدّ فيها من إرادة واختيار، فإذا كان الأهمّ عباديّاً فالأمر به يقتضي بالذات هدم عدم إرادة الفعل، فليكن الأمر بالمهمّ ـ فيما إذا كان الأهمّ عباديّاً ـ مشروطاً بعدم العزم على فعل الأهمّ.
بل قد يوسّع من دائرة هذا الإشكال فيورد في التوصّليّات أيضاً، بناء على مذهب المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الأمر إنّما يتعلّق بالحصّة الاختياريّة، بأن يقال: إنّه بناءً على هذا يكون الأمر مقتضياً بالذات للعزم على الفعل حتّى في التوصّليّات.
$
', '', 93), (65, 94, 'book', 'إلاّ أنّ هذا التوسيع في غير محلّه؛ لأنّ المقصود باختصاص الأمر بالحصّة الاختياريّة هو: اختصاصه بالحصّة المقدورة لا الحصّة المرادة، وإن كان صدور الفعل عن قدرة ملازماً للإرادة، فالإرادة ليست دخيلة في العمل المطلوب حتّى يكون الأمر مقتضياً لها بالذات.
الثالث: أنّ نكتة إمكان الترتّب التي هي في نظر المحقّق النائينيّ(رحمه الله): عدم لزوم طلب الجمع؛ لأنّ الأمر بالأهمّ يقتضي هدم عصيانه الذي هو موضوعٌ للمهمّ، فلا يوجد طلب الجمع؛ فإنّه لو أتى ـ محالا ـ بكلا الفعلين لم يقعا معاً بصفة المطلوبيّة، هذه النكتة لا يشترط فيها كون الأمر بالأهمّ مقتضياً لهدم موضوع الأمر بالمهمّ بذاته، بل يكفي فيها كونه مقتضياً لما يساوق هدم موضوع الأمر بالمهمّ، سواءً كان بالعينيّة أو بالملازمة؛ فإنّه على أيّ حال لو أتى محالا بكلا الفعلين لم يقعا على صفة المطلوبيّة، والعزم على العصيان أو عدم العزم على الفعل يستلزم العصيان لا محالة، فهدم العصيان مساوقٌ لهدمه: أمّا في الفعل المتقوّم بالإرادة ـ كالتحيّة ـ فواضح. وأمّا في غيره فقد يقال: إنّ تقييد الأمر بالمهمّ بالعزم على العصيان لا يكفي لرفع الغائلة؛ إذ قد يعزم على العصيان لكنّه يصدر منه الأهمّ بلا اختيار، وفي مثله لا يعقل توجيه الأمر بالمهمّ إليه؛ لأنّه يلزم من ذلك طلب غير المقدور.
والجواب: إنّنا نقيّد العزم على العصيان عندئذ بصورة القدرة على الفعل والترك ونقول: إنّ الأمر بالمهمّ مشروط بالعزم على العصيان، مع القدرة على العصيان والامتثال، وهذا يستلزم العصيان لا محالة، فهدم العصيان يساوق هدمه.
نعم، لو جُعلت نكتة إمكان الترتّب كون الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ، أمكن الفرق بين تقييد الأمر بالمهمّ بعصيان الأهمّ، وتقييده بالعزم على العصيان، فيقال: إنّ الأوّل يرفع المحذور؛ لأنّ الأمر بالمهمّ في طول العصيان الذي هو في طول الأمر بالأهمّ، فالأمران طوليّان، فلا منافاة بينهما.
$
', '', 94), (65, 95, 'book', 'أمّا إذا جُعل الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على العصيان أو عدم العزم على الامتثال، فهذا لا يقتضي كون الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ: أمّا على تقدير جعله مشروطاً بعدم العزم على الامتثال فواضح؛ إذ عدم العزم على امتثال الأمر قد يكون بنحو السالبة بانتفاء الموضوع. وأمّا على تقدير جعله مشروطاً بالعزم على العصيان فلأنّ العزم على العصيان ليس كالعصيان، فالعصيان بوجوده الخارجيّ يتوقّف على الأمر خارجاً؛ إذ لو لا الأمر لم يُعقل عصيان، ولكنّ العزم على العصيان غير متوقّف على الوجود الخارجيّ للأمر، ويكفي وجود الأمر في اُفق هذا العزم ولو خطأً، فالمتجرّي أيضاً يصدر منه العزم على العصيان مع عدم وجود الأمر حقيقة.
نعم، كلّ تقريب لإمكان الترتّب يعجز عن تصحيح الترتّب على العزم، ويختصّ بتصحيح الترتّب على العصيان، يكون نفس أدائه إلى هذا التفصيل كاشفاً إنّيّاً وجدانيّاً عن خلل فيه؛ لأنّ الوجدان الحاكم بإمكان الترتّب ـ على خلاف وجدان القائل بالاستحالة ـ لا يفرّق في نكتة الإمكان بين تقييد الأمر بالمهمّ بعصيان الأهمّ أو بما يستلزم عصيانه.
الشبهة الجانبيّة الثانية: تبتني على ما عن المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل العدم والملكة، فإذا استحال أحدهما استحال الآخر. فقد تُطبّق هذه القاعدة في المقام لإثبات استحالة الترتّب بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أن يقال: إنّ إطلاق الأمر بالمهمّ لصورة امتثال الأهمّ غير معقول؛ للزوم التكليف بضدّين في عرض واحد، فتقييده بما يقابل ذاك الإطلاق ـ وهو التقييد بعصيان الأهمّ أيضاً ـ غير معقول؛ لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، فإذا استحال أحدهما استحال الآخر، وبهذا يستحيل الترتّب.
ويرد عليه:
أوّلا: النقض بأنّه يلزم من ذلك أن نضرب بالشريعة عرض الجدار بكلّ ما فيها
', '', 95), (65, 96, 'book', 'من تكاليف؛ فإنّ إطلاق التكليف لصورة العجز غير معقول، فتقييده بما يقابل هذا الإطلاق ـ وهو التقييد بالقدرة ـ أيضاً غير معقول، فيصبح أصل التكليف غير معقول.
وثانياً: الحلّ بأنّ تلك القاعدة لو سلّمت فإنّما تعني: أنّ استحالة التقييد تستوجب استحالة الإطلاق، ولا تعني: أنّ استحالة الإطلاق تستوجب استحالة التقييد؛ فإنّه في تقابل العدم والملكة اُخذت القابليّة للأمر الوجوديّ في موضوع الأمر العدميّ، فباستحالته يستحيل العدميّ، ولم تؤخذ قابليّة للأمر العدميّ في موضوع الأمر الوجوديّ حتّى يستحيل الوجوديّ باستحالة العدميّ، فالعمى ـ مثلا ـ عبارة عن عدم البصر فيما يمكن أن يكون بصيراً، فالتقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فالجدار الذي يستحيل في حقّه البصر يستحيل في حقّه العمى، لكنّ الله تعالى الذي يستحيل في حقّه العمى لا يستحيل في حقّه البصر، بل هو البصير بعباده. وفيما نحن فيه الإطلاق هو الأمر العدميّ، والتقييد هو الأمر الوجوديّ، فاستحالة التقييد ـ مثلا ـ توجب استحالة الإطلاق لا العكس.
التقريب الثاني: أن يقال: إنّ تقييد الأمر بالمهمّ بامتثال الأهمّ غير معقول؛ للزوم الأمر بالمحال، فإطلاقه ـ بمعنى رفض قيد امتثال الأهمّ أيضاً ـ غير معقول لأنّه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، في حين أنّ القائل بالترتّب يحتاج إلى رفض قيد امتثال الأهمّ؛ إذ لو لا رفض هذا القيد لم يُعقل ثبوت الأمر بالمهمّ في حالة عصيان الأهمّ الذي هو ما يهدف إليه القائل بالترتّب.
وهذا التقريب يمتاز عن التقريب الأوّل من ناحية انطلاقه ـ في فرض الاستحالة ـ من طرف التقييد، لا من طرف الإطلاق.
إلاّ أنّه يرد عليه:
أوّلا: النقض بأنّه يلزم من ذلك أن نضرب بالشريعة عرض الجدار بكلّ ما فيها من تكاليف؛ فإنّ تقييد التكليف بصورة العجز غير معقول، فرفض هذا القيد ـ الذي
', '', 96), (65, 97, 'book', 'نحتاج إليه في مقام ثبوت التكليف للقادر أيضاً ـ غير معقول، فيصبح أصل التكليف غير معقول.
وثانياً: الحلّ بأنّ ثبوت التكليف لحصّة يتصوّر بأحد نحوين:
الأوّل: ثبوته للجامع بينها وبين حصّة اُخرى، المرفوض فيه قيد الحصّة الاُخرى، فلا محالة يسري ذلك الحكم من الجامع إلى تلك الحصّة. وهذا هو الثبوت الإطلاقيّ الذي يقال: إنّه يستحيل باستحالة التقييد؛ لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.
والثاني: ثبوته ابتداءً على تلك الحصّة، بأن يؤخذ في موضوعه قيد تلك الحصّة. وهذا هو الثبوت الاختصاصيّ، وليس هو الذي يستحيل باستحالة التقييد بالحصّة المقابلة.
وفيما نحن فيه يدّعي القائل بالترتّب بأنّ الأمر بالمهمّ يثبت لعاصي الأهمّ، ثبوتاً اختصاصيّاً لا ثبوتاً إطلاقيّاً. كما أنّه في باب القدرة والعجز أيضاً نقول: إنّ التكليف يثبت للقادر ثبوتاً اختصاصيّاً لا ثبوتاً إطلاقيّاً.
الشبهة الجانبيّة الثالثة: أن يقال: إنّ العصيان إمّا يُفرض شرطاً متأخّراً أو متقدّماً أو مقارناً:
فبلحاظ الشرط المتأخّر أو المتقدّم يورد ما مضى في الشبهة الجانبيّة الاُولى فيقال: إنّ الشرط المتأخّر مستحيل، والشرط المتقدّم خروج عن محلّ الكلام: من تعاصر الأمرين بضدّين. مع أنّه غير معقول؛ إذ بانتهاء زمان عصيان الأهمّ ينتهي زمان المهمّ أيضاً؛ لأنّهما مضيّقان.
وأمّا الشرط المقارن فيرد عليه: أنّه أيضاً خروج عن محلّ الكلام: من تعاصر الأمرين بضدّين؛ لأنّ الأمر بالمهمّ معاصر ـ بحسب الفرض ـ لعصيان الأمر بالأهمّ، والعصيان علّة للسقوط، والعلّة تعاصر المعلول، فعصيان الأمر بالأهمّ
', '', 97), (65, 98, 'book', 'معاصر لسقوط الأمر بالأهمّ. إذن، فالأمر بالمهمّ أصبح معاصراً لسقوط الأمر بالأهمّ لا لثبوته، فلم يتعاصر الأمران حتّى يتكلّم في أنّه هل يمكن الأمر بضدّين في زمان واحد على نحو الترتّب، أو لا؟
والجواب ـ بغضّ النظر عن عدم استحالة الشرط المتأخّر ـ: أنّه يمكن افتراض العصيان شرطاً مقارناً، وقولك: إنّ العصيان مسقط للأمر غير صحيح؛ إذ لا مبرّر لفرض كون العصيان مسقطاً للأمر. نعم، يسقط الأمر بحصول العجز وانتفاء القدرة، والعصيان ليس مقارناً للعجز وانتفاء القدرة؛ إذ العصيان إعمالٌ للقدرة في طرف العدم، فإنّه ضدّ للامتثال، وكلّ منهما إعمالٌ للقدرة، أحدهما في طرف الوجود، والآخر في طرف العدم، وإعمال القدرة لا يُعقل من دون وجود القدرة.
إذن، فإنّ العصيان هو آن القدرة لا آن العجز، ولا يمكن فرض اجتماع القدرة والعجز بفرضهما طوليّين؛ فإنّهما ضدّان بلحاظ عمود الزمان، وتعدّد الرتبة لا يعالج التضادّ، فالعجز وعدم القدرة وسقوط الأمر إنّما يكون في الآن المتأخّر عن آن المعصية المباشر له(1).
برهان المحقّق النائينيّ على إمكان الترتّب:
الجهة السادسة: في برهان المحقّق النائينيّ(رحمه الله) على إمكان الترتّب. وقد ذكر(رحمه الله)في المقام خمس مقدّمات، وكلامه وإن كان لا يخلو عن مؤاخذات ـ كما سيتّضح
', '(1) وكذلك نقول في دفع الشبهة الجانبيّة الاُولى: إنّ الامتثال هو إعمال للقدرة، وإعمال القدرة لتحقيق المأمور به لا يُعقل أن يكون في ظرف سقوط المأمور به، بل يكون في الآن الذي قبله. وبكلمة اُخرى: إنّ مسقطيّة الامتثال تكون بمعنى أنّ الأمر قد أثّر أثره، فلا معنى لتأثيره مرّة اُخرى، ومن الواضح أنّ زمان التأثير يكون قبل زمان سقوطه عن التأثير.
', 98), (65, 99, 'book', '
إن شاء الله ـ إلاّ أنّه مع ذلك قد تجلّى روح إمكان الترتّب على أساس بياناته(رحمه الله)بالرغم من ضياعه في خضمّ مطالب غير صحيحة وغير مفيدة:
المقدّمة الاُولى: تهدف بيان حال الأمرين ـ أعني: الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ ـ على تقدير إمكان الترتّب، وحالهما على تقدير عدم إمكانه.
المقدّمة الثانية: تهدف بيان عدم مزاحمة الأمر بالمهمّ للأمر بالأهمّ.
المقدّمة الثالثة: تهدف بيان عدم توقّف إمكان الترتّب على الواجب المعلّق والشرط المتأخّر، أي: ما أسميناه بالشبهات الجانبيّة.
المقدّمة الرابعة: تهدف بيان عدم مزاحمة الأمر بالأهمّ للأمر بالمهمّ.
المقدّمة الخامسة: تهدف استنتاج صحّة الترتّب مع دفع بعض الإشكالات.
أمّا المقدّمة الثالثة: وهي عدم توقّف إمكان الترتّب على الواجب المعلّق والشرط المتأخّر، فقد مضى تحقيق الحال فيها في الجهة الخامسة التي عقدناها لدفع الشبهات الجانبيّة.
وأمّا المقدّمة الاُولى: وهي بيان حال أحد الأمرين مع الآخر، فقد مضى منّا تحقيقه في الجهة الاُولى، حيث ذكرنا: إنّ ثمرة البحث هي أنّ الأمرين يتعارضان على القول بعدم إمكان الترتّب، ولا يتعارضان على القول بإمكانه.
وأكبر الظنّ أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) يقصد في المقام نفس هذا المعنى، وإن كانت صياغة بيانه توحي إلى الخلاف، حيث يقول(رحمه الله): إنّه بناءً على إمكان الترتّب لا نرفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهمّ إلاّ بمقدار فرض امتثال الأهمّ، في حين أنّه بناءً على عدم إمكانه نرفع اليد عن إطلاقه بمقدار تنجّز الأهمّ. وهذا ـ كما ترى ـ يوحي إلى أنّ الأمرين يتعارضان على كلّ حال؛ إذ قد فُرض أنّه لابدّ من رفع اليد عن مقدار من إطلاق الأمر بالمهمّ. إذن، فهناك تكاذب بينهما، إلاّ أنّ التكاذب بناءً على الإمكان يكون في جزء يسير من الأمر بالمهمّ، وبناءً على عدم الإمكان يكون أوسع.
$
', '', 99), (65, 100, 'book', 'ولكنّ الواقع ليس هو هذا؛ فإنّنا بناءً على إمكان الترتّب لا نرفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهمّ؛ فإنّه من أوّل الأمر لا إطلاق له لفرض عدم القدرة؛ للمخصّص اللبّيّ المتّصل الارتكازيّ أو السياقيّ، وهو على تقدير امتثال الأهمّ تنتفي عنه القدرة على امتثال المهمّ، بالمعنى الذي دلّ ذلك الدليل على اشتراطه الذي سيأتي شرحه ـ إن شاء الله ـ في بحث التزاحم.
وبناءً على عدم إمكان الترتّب يقع التعارض بلحاظ إطلاق الأمر بالمهمّ لصورة تنجّز الأهمّ؛ لأنّ رفع اليد عن هذا الإطلاق تخصيص جديد، فالصحيح ما قلناه ـ عند بيان ثمرة البحث ـ: من أنّه بناءً على إمكان الترتّب لا يتعارضان، وبناءً على عدم إمكانه يتعارضان. وهذا هو مقصود المحقّق النائينيّ(رحمه الله)لا ما يوحي إليه كلامه.
وأمّا المقدّمة الثانية: وهي بيان أنّ الأمر بالمهمّ لا يزاحم الأمر بالأهمّ، فقد عنونها بعنوان: أنّ الواجب المشروط لا يخرج بحصول شرطه عن كونه مشروطاً، وتوضيح الكلام في ذلك: أنّ الشرائط في الواجبات المشروطة ـ كالاستطاعة في الحجّ، وزوال الشمس في وجوب الصلاة ـ يمكن تفسيرها بأحد تفسيرين:
التفسير الأوّل: أن تكون شرائط حقيقيّة ومؤثّرات تكوينيّة في إيجاد الحكم. وهذا له أحد أنحاء ثلاثة:
1 ـ أن تكون هي الموجِدة تكويناً للحكم، بحيث لا يكون للمولى أيّ دور في إيجاد الحكم.
2 ـ أن تكون هي الموجدة تكويناً للحكم، ويكون دور المولى في إيجاد الحكم أنّه هو الذي شرّع سببيّة هذا السبب للحكم، بناءً على أنّ السببيّة من الأحكام الوضعيّة القابلة للجعل.
3 ـ أن تكون هي الباعثة بوجودها العلميّ للداعي في نفس المولى إلى جعل الحكم، كما هو الحال في المصلحة والمفسدة.
$
', '', 100), (65, 101, 'book', 'التفسير الثاني: أن لا تكون شرائط حقيقيّة للحكم، وإنّما تكون دخيلةً في مصبّ الحكم ومقدّرة الوجود عند الحكم، فالمولى قد أوجب الحجّ على المكلّف المفروض كونه مستطيعاً، وأوجب الصلاة على المكلّف بتقدير زوال الشمس. وهذا هو الصحيح، وهذا هو معنى: أنّ كلّ شرط يرجع إلى الموضوع، وكلّ موضوع يرجع إلى الشرط. وقد تقدّم شطر من الكلام في ذلك في مبحث الواجب المطلق والمشروط.
وهذا هو المختار للمحقّق النائينيّ(رحمه الله) ويدّعي أنّ هذا ينتج أنّ الواجب المشروط لا يخرج بتحقّق شرطه خارجاً عن كونه واجباً مشروطاً، وأنّ هذا له دخلٌ في تصحيح الترتّب. وهذه الدعوى يمكن تقريبها بعدّة تقريبات:
التقريب الأوّل: أن يقال: إنّ المقصود هو أنّ الشرط لو كان شرطاً حقيقيّاً، بمعنى كونه علّة تكوينيّة لوجود الحكم، لا راجعاً إلى الموضوع، إذن كان موضوع الأمر بالمهمّ هو المكلّف، وعصيان الأهمّ إنّما هو حيثيّة تعليليّة، كما أنّ موضوع الأمر بالأهمّ أيضاً هو المكلّف، فالأمران اجتمعا على موضوع واحد، فيتصادمان. بينما لو كان الشرط راجعاً إلى الموضوع، فموضوع الأمر بالمهمّ يصبح هو العاصي، لا مطلق المكلّف، فيكون كلّ من الأمرين على موضوع غير موضوع الآخر، فلا يتصادمان.
وهذا التقريب غير صحيح؛ فإنّ تصادم الأمرين لم يكن بلحاظ عروضهما في عالم الذهن على عنوان واحد حتّى يرفع بتعديد العنوان، وإنّما كان بلحاظ محرّكيّة كلّ منهما بحسب الخارج لشخص واحد إلى جهة غير جهة تحريك الآخر، والتحريك إنّما هو بلحاظ الشخص الخارجيّ، لا بلحاظ العناوين الذهنيّة، فيكفي في الصدام كون العنوانين منطبقين بحسب الخارج على شخص واحد، ومن المعلوم أنّ العاصي والمكلّف في المقام شخص واحد.
$
', '', 101), (65, 102, 'book', 'التقريب الثاني: أن يقال: إنّ المقصود هو أنّ الشرط كان علّة تكوينيّة، فبحصوله لا تبقى حالة منتظرة ولا يبقى توقّف، بينما لو كان موضوعاً ومعروضاً للحكم فبحصوله لا يخرج عن كونه موضوعاً ومعروضاً له، فالجسم ـ مثلا ـ لو كان معروضاً للبياض، فبتحقّقه خارجاً لا يخرج عن كونه معروضاً له، بل معروضيّته له تكون في ظرف وجوده، بينما لو كان شيء علّة للبياض، فبتحقّقه ينتهي التوقّف ولا تبقى حالة منتظرة.
وهذا معنى: أنّ المشروط بناءً على رجوع الشرط إلى الموضوع لا يخرج بتحقّق الشرط عن كونه مشروطاً، ولكنّه بناءً على خلاف ذلك يخرج بتحقّق الشرط عن كونه مشروطاً. وهذا له أثر في إمكان الترتّب وامتناعه؛ لأنّ نكتة إمكان الترتّب هي: أنّ الأمر بالمهمّ لا يقتضي هدم امتثال الأهمّ؛ لكونه مشروطاً بعدم امتثاله، فإذا بقي مشروطاً بذلك عند تحقّق الشرط فهذه النكتة محفوظة، فيصحّ الترتّب، وإلاّ لم تنحفظ النكتة، فلا يصحّ الترتّب. وهذا هو التقريب الذي يناسب بعض عبائر التقريرات.
إلاّ أنّ هذا التقريب أيضاً غير صحيح؛ فإنّه كما أنّ الموضوع لا يخرج بتحقّقه عن كونه موضوعاً، وتبقى الشرطيّة محفوظة، كذلك العلّة لا تخرج بتحقّقها عن كونها علّة، ويبقى التوقّف محفوظاً، فلو كان عصيان الأهمّ هو العلّة لوجوب المهمّ، فوجوب المهمّ يستحيل أن يقتضي هدم امتثال الأهمّ.
وبكلمة اُخرى: إنّ نكتة صحّة الترتّب هي أنّ المشروط لا يقتضي تحقّق شرطه؛ لأنّ المفروض تحقّقه في مرتبة سابقة، فلو اقتضى المشروط تحقّقه لزم الدور. إذن، فالأمر بالمهمّ لا يقتضي عصيان الأهمّ. وهذا التقريب بعينه يأتي في العلّة؛ فإنّ المعلول لا يقتضي تحقّق علّته؛ لأنّ المفروض أنّ العلّة تحقّقت في مرتبة سابقة، فتحقّق المعلول، فلو اقتضى حصول علّته للزم الدور.
$
', '', 102), (65, 103, 'book', 'التقريب الثالث: أن يقال: إنّ النظر ليس إلى فرضيّة كون الشرط شرطاً حقيقيّاً بكلّ شقوقه الثلاثة الماضية، وإنّما النظر إلى الشقّ الثالث فقط، وهو كون الشرط بوجوده العلميّ باعثاً للدّاعي في نفس المولى نحو جعل الحكم، فيقال: لو بنينا على هذا بطل الترتّب، ولو بنينا على أنّ الشرط يرجع إلى الموضوع صحّ الترتّب.
وتوضيح ذلك: أنّه لو رجع الشرط إلى الموضوع فالأمر بالمهمّ مقيّد بعصيان الأهمّ، فيستحيل أن يكون بنفسه داعياً إلى العصيان وحافظاً لشرطه حتّى يزاحم الأهمّ. بينما لو كان الشرط بوجوده العمليّ شرطاً ـ أي: داعياً للمولى نحو جعل الحكم ـ فمعنى ذلك أنّ المولى بنفسه يحرز تحقّق عصيان الأهمّ، فيحكم بالإتيان بالمهمّ، وهذا الحكم ليس مقيّداً بالعصيان، كما هو الشأن في كلّ شرط يحرزه المولى بنفسه ثمّ يحكم من دون أن يأخذ ذلك الشرط قيداً في موضوع الحكم. فمثلا لو أحرز المولى أنّ زيداً فقير فأمر عمرواً بإكرام زيد، وجب على عمرو الامتثال، ولو كان يعلم بخطأ المولى، فإذا لم يكن الأمر بالمهمّ مقيّداً بفرض عصيان الأهمّ، فهو لا محالة يقتضي عصيان الأهمّ ويتصادم مع الأمر بالأهمّ.
وهذا التقريب يناسب بعضاً آخر من عبائر التقريرات، حيث إنّ العبارة مشوّشة وغير مضبوطة. وهذا التقريب صحيح إلاّ أنّه لم يكن ينبغي هنا أن يتعرّض المحقّق النائينيّ(رحمه الله) للتكلّم في هذا المطلب الجانبيّ، وهو: أنّ الشرط هل هو راجع إلى الموضوع وقيوده، أو هو شرط حقيقيّ؟ بل كان ينبغي فرض الفراغ عن كون الشرط قيداً للموضوع، ويبحث رأساً عن النتيجة بأن يقال: إنّ الأمر بالمهمّ حيث إنّه مشروط بعصيان الأهمّ لا يقتضي عصيان الأهمّ؛ لأنّ الحكم المشروط لا يُعقل أن يحفظ شرطه وموضوعه. إذن، فالأمر بالمهمّ لا يصادم الأمر بالأهمّ.
وأمّا المقدّمة الرابعة: فبيانها يكون بذكر ثلاث نقاط:
النقطة الاُولى: أنّ انحفاظ الحكم في أيّ حال وتقدير يكون بأحد أنحاء ثلاثة:
$
', '', 103), (65, 104, 'book', '1 ـ انحفاظه بما يسمّيه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بالإطلاق اللحاظيّ أو التقييد اللحاظيّ، وهو في جميع موارد الانقسامات الأوّليّة ـ أي: الثابتة بقطع النظر عن الحكم ـ باستثناء مورد واحد يأتي ذكره إن شاء الله. فانحفاظ الحكم بوجوب إكرام العالم ـ مثلا ـ في تقدير كونه عادلا يكون بالتقييد اللحاظيّ، كأن يقول: أكرم العالم العادل، أو الإطلاق اللحاظيّ، كأن يقول: أكرم العالم سواءً كان عادلا أو لا.
2 ـ انحفاظه بما يسمّيه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بالإطلاق والتقييد الذاتيّ أو الملاكيّ، أو نتيجة الإطلاق ونتيجة التقييد، وهذا في موارد الانقسامات الثانويّة التي هي في طول الحكم، من قبيل انقسام المكلّف إلى العالم بالحكم وغيره، فهنا لا يعقل التقييد اللحاظيّ؛ لاستحالة تقييد الحكم بما في طوله، ولا الإطلاق اللحاظيّ؛ لأنّ الإطلاق يمتنع بعين امتناع التقييد؛ لكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فانحفاظ الحكم في صورة العلم به ـ مثلا ـ يكون بنتيجة الإطلاق أو نتيجة التقييد، ويتمّم الخطاب بمتمّم الجعل.
3 ـ انحفاظه بذاته، لا بالإطلاق أو التقييد اللحاظيّ ولا النتيجيّ، وهذا مثاله منحصر بثبوت الحكم على تقدير امتثاله وعصيانه، أي: على تقدير منشأ انتزاعهما وهو الفعل والترك، فإنّه وإن كان من الانقسامات الأوّليّة، إلاّ أنّه يستثنى من موارد النحو الأوّل من الانحفاظ، ويكون انحفاظ الحكم على تقدير الفعل أو الترك بذاته لا بالتقييد أو الإطلاق اللحاظيّ أو النتيجيّ، فالتقييد غير معقول؛ إذ التقييد بالفعل لغوٌ أو تحصيل للحاصل والتقييد بالترك لغوٌ أو تحصيل للمحال.
فبهذا البيان يرى المحقّق النائينيّ(رحمه الله) أنّ التقييد غير معقول بكلا شكليه، ويرى أنّ ما يقابل كلّ واحد من التقييدين من الإطلاق أيضاً يصبح غير معقول، إمّا بتقريب: أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، أو بتقريب: أنّه إذا كان التقييد بتقدير الفعل تحصيلا للحاصل، وبتقدير الترك تحصيلا
', '', 104), (65, 105, 'book', 'للمحال، فالإطلاق الذي يشمل كلا التقديرين يشتمل على كلا المحذورين: من تحصيل الحاصل وتحصيل المحال.
فانحفاظ الحكم على تقدير الفعل والترك ليس بالتقييد ولا بالإطلاق، بل بذاته، أي: أنّ الحكم بذاته يتعرّض لهذين التقديرين، فهو بذاته يبني الفعل ويتطلّبه، ويهدم الترك ويرفضه. بينما في موارد القسمين الأوّلين ليس الحكم بذاته متعرّضاً لتلك التقادير، فالحكم بوجوب إكرام العالم ـ مثلا ـ لا يتعرّض لتقدير عدالته، أو لتقدير علم المكلّف بهذا الحكم بذاته، وإنّما يتعرّض له بالإطلاق أو التقييد اللحاظيّ أو بمتمّم الجعل. بينما الحكم بذاته يتعرّض لتقدير الفعل ويطلبه، ولتقدير الترك ويهدمه.
النقطة الثانية: أنّه يترتّب على انحفاظ الحكم بالنحو الثالث ـ أي: بذاته ـ وانحفاظه بالنحوين الأوّلين ـ أي: بالإطلاق والتقييد اللحاظيّ أو النتيجيّ ـ فارقان:
الأوّل: أنّ نسبة التقدير الذي ينحفظ فيه الحكم إلى الحكم في النحوين الأوّلين نسبة العلّة إلى المعلول: أمّا على فرض التقييد بأحد النحوين فواضح؛ لأنّ الحكم مقيّد به، فهو في طوله ومتأخّر عنه تأخّر الحكم عن موضوعه؛ فإنّ مرجع كلّ تقدير ـ كان الخطاب مشروطاً به ـ إلى كونه مأخوذاً في موضوعه، والموضوع مقدّم رتبة على الحكم. وأمّا على فرض الإطلاق المقابل لكلّ واحد من التقييدين، فلأنّ الإطلاق بديل للتقييد، فهو في رتبته، فإذا كانت مرتبة التقييد سابقة على مرتبة الحكم المقيّد به، كانت مرتبة الإطلاق أيضاً كذلك.
وأمّا في النحو الثالث من الانحفاظ فنسبة التقدير الذي ينحفظ فيه الحكم إلى الحكم نسبة المعلول إلى العلّة؛ لأنّ الفعل يتحقّق في طول الحكم وبسببه، والترك بديل للفعل وفي مرتبته.
والثاني: أنّه إذا كانت نسبة التقدير الذي ينحفظ فيه الحكم إلى الحكم في
', '', 105), (65, 106, 'book', 'النحوين الأوّلين نسبة العلّة إلى المعلول، فيستحيل أن يتعرّض الحكم لحاله هدماً أو بناءً؛ لأنّ المعلول لا يرفع رأسه وينظر إلى علّته ويهدمها أو يبنيها. وهذا بخلاف النحو الثالث، فإنّ نسبة الحكم إلى تقديري الامتثال والعصيان نسبة العلّة إلى المعلول، فيكون له تعرّض لحالهما ويهدم أحدهما ويبني الآخر.
النقطة الثالثة: في بيان تأثير هذا المطلب في تصحيح الترتّب فنقول: إنّه إذا ترك المكلّف الأهمّ فقد اجتمع في حقّه الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ في آن واحد، وكان الأمران منحفظين على تقدير ترك الأهمّ، إلاّ أنّ انحفاظ أحدهما على هذا التقدير يختلف سنخاً عن انحفاظ الآخر على هذا التقدير، فالأمر بالمهمّ منحفظ على هذا التقدير بالتقييد به، ولكنّ الأمر بالأهمّ منحفظ على هذا التقدير بذاته، وعندئذ لا يبقى تصادم بينهما.
وتقريب عدم التصادم ـ على ما يظهر من عبارة المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وإن لم تكن صريحة فيه ـ هو: أنّ كلاًّ من الأمرين قد اقتضى ما لا يتصادم مع مقتضى الآخر، فإذا لم يكن تصادم بين المقتضيين فلا وجه للتصادم بين الأمرين؛ فإنّ ما يقتضيه الأمر بالمهمّ إنّما هو فعل المهمّ على تقدير ترك الأهمّ، لا ترك الأهمّ؛ لما عرفت من أنّ انحفاظ الأمر بالمهمّ على هذا التقدير إنّما هو بالتقييد، فنسبته إليه نسبة المعلول إلى العلّة، فيستحيل أن ينظر إليه ويهدمه أو يبنيه. وما يقتضيه الأمر بالأهمّ إنّما هو فعل الأهمّ وهدم تركه؛ لأنّ انحفاظه على هذا التقدير إنّما هو بالانحفاظ الذاتيّ، فهو بالقياس إلى هذا التقدير نسبته نسبة العلّة إلى المعلول، وله الهدم والبناء. وأمّا الإتيان بالمهمّ على تقدير عصيانه فلا نظر له إليه ولا يتعرّض لحاله هدماً وبناءً، فلو استفتينا الأمر بالأهمّ وقلنا له: ما رأيك في أن نصلّي على تقدير مخالفتك بترك الإزالة؟ لقال: إنّني اُريد أن تزيل النجاسة، أمّا إذا لم تزل فلا يفرّق بحالي أن تصلّي أو لا تصلّي، فإذا اتّضح أنّ المقتضيين لا مساس
', '', 106), (65, 107, 'book', 'لأحدهما بالآخر، فلا معنى للتصادم بين الأمرين المقتضيين.
أقول: إنّ كلّ واحدة من هذه النقاط الثلاث ـ التي جزّأنا إليها كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ لا تخلو من مناقشة:
أمّا النقطة الاُولى: فحاصلها أنّ انحفاظ الحكم في موارد التقسيمات الأوّليّة بالإطلاق والتقييد الأوّليّين، وفي موارد التقسيمات الثانويّة بمتمّم الجعل، وبلحاظ الفعل والترك بالذات.
أقول: أمّا كون الانحفاظ في التقسيمات الثانويّة بمتمّم الجعل لا بالإطلاق والتقييد الأوّليّين، فقد طبّقه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) أيضاً في بحث التعبّديّ والتوصّليّ على قصد الامتثال، بدعوى: أنّ الانقسام إلى قصد امتثال الأمر وعدمه انقسام ثانويّ. وقد وضّحنا هناك: أنّه في كلّ مورد لم يكن برهان على استحالة التقييد، فالتقييد والإطلاق كلاهما ممكن. وفي كلّ مورد أمكن البرهنة على بطلان التقييد تعيّن الإطلاق، على ما هو المختار من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس هو تقابل العدم والملكة، بل تقابل السلب والإيجاب.
وأمّا كون الانحفاظ بلحاظ الفعل والترك ذاتيّاً لا بالإطلاق والتقييد، فهذا الكلام ينحلّ إلى جانب سلبيّ، وهو عدم معقوليّة الإطلاق والتقييد في المقام، وجانب إيجابيّ، وهو الانحفاظ الذاتيّ للحكم:
أمّا الجانب السلبيّ فما اشتمل عليه من عدم معقوليّة التقييد واضح، فلا يعقل تقييد وجوب الإكرام ـ مثلا ـ بالإكرام أو بتركه. وأمّا عدم معقوليّة الإطلاق فقد جاء في عبارة المحقّق النائينيّ(رحمه الله) تعبيران لتوضيحه:
أحدهما: امتناع الإطلاق بامتناع التقييد، من باب أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة. وهذا ممنوع؛ لما نقّحناه في محلّه من أنّ التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب، لا العدم والملكة.
$
', '', 107), (65, 108, 'book', 'والآخر: امتناعه باعتباره واجداً لكلا محذوري التقييدين، أي: التقييد بالفعل والتقييد بالترك. وهذا أيضاً ممنوع؛ فإنّ المحذور في التقييد متى ما كان مصبّه ذات تلك الحصّة من الحكم، كما هو الحال في محذور تقييد الحكم بالعاجز، ثبت ذلك المحذور في الإطلاق أيضاً. أمّا إذا كان المحذور في التقييد كما هو الحال فيما نحن فيه، فهذا المحذور لا يسري إلى الإطلاق؛ فإنّ الإطلاق رفض للقيود وليس تجميعاً لها.
وأمّا الجانب الإيجابيّ ـ وهو الانحفاظ الذاتيّ للحكم على تقديري الفعل والترك، بدعوى: أنّه بذاته يتعرّض إلى حال هذين التقديرين، ببناء أحدهما وهدم الآخر ـ فيرد عليه: أنّ هدم الحكم لأحدهما وبناءه للآخر فرع وجوده في ذينك التقديرين، ووجود الحكم في تقدير فرع أن ينطبق عليه موضوعه الذي جُعل الحكم على تقديره بنحو القضيّة الحقيقيّة، وانطباق الموضوع على أيّ فرض وتقدير لا يكون إلاّ بتقيّده به أو بإطلاقه له، والانحفاظ الذاتيّ لا معنى له.
وأمّا النقطة الثانية: فحاصلها أنّ نسبة التقادير ـ التي يثبت الحكم عليها ـ إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول في الأوّلين، ونسبة المعلول إلى العلّة في الأخير. ففي الأوّلين لا يتعرّض الحكم لهدم ذلك التقدير أو بنائه، بخلافه في الأخير.
أقول: إنّه في صورة التقييد نقبل كون نسبة التقدير ـ الذي قيّد به الحكم ـ إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول؛ لأنّه دخل في موضوعه وصار الحكم معلّقاً عليه، فإذا قُيّد الحكم بوجوب إكرام العالم بالعدالة، كان الحكم في طول العدالة. أمّا إذا اُطلق الحكم بوجوب إكرام العالم، فلا معنى لكون الحكم في طول العدالة؛ إذ لا توقّف له على العدالة.
وما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في مقام إلحاق الإطلاق بالتقييد: من أنّ الإطلاق بديلٌ للتقييد، فهو في مرتبته، فإذا كان ثبوت الحكم في مورد بالتقييد في طول
', '', 108), (65, 109, 'book', 'التقييد، كذلك يكون ثبوته في مورد بالإطلاق في طول الإطلاق، في غير محلّه:
فإنّه إن قصد بالإطلاق والتقييد: ما هو فعل المولى، فمن الواضح أنّ ثبوت الحكم في مورد بالإطلاق في طول الإطلاق، كثبوته فيه بالتقييد الذي هو في طول التقييد، وليس هذا ثابتاً عن طريق معرفة كون الإطلاق بديلا للتقييد، بل هو ثابت في نفسه، كثبوته في التقييد بغضّ النظر عن كونه بديلا عنه. إلاّ أنّ هذا خروج عمّا نحن فيه؛ فإنّ الكلام كان في نسبة الحكم إلى التقادير التي يثبت الحكم فيها، لا نسبته إلى الإطلاق والتقييد.
وإن قصد بالإطلاق والتقييد: التقادير التي يثبت الحكم فيها عند الإطلاق أو التقييد، فمن الواضح ما قلناه: من أنّ العدالة ـ مثلا ـ إنّما تكون متقدّمة على الحكم بالإكرام لو كان مقيّداً بها، أمّا لو لم يكن مقيّداً بها فلا مبرّر لتقدّمها عليه، وليس الحكم متوقّفاً عليها، وليس تقدّمها على الحكم عند التقييد دليلا على تقدّمها عليه عند الإطلاق، وكون الإطلاق بديلا للتقييد لا يمتّ إلى هذا المطلب بصلة. هذا هو الحال في القسمين الأوّلين.
وأمّا في القسم الثالث فكون الأمر في مرتبة العلّة للفعل ـ بمعنى كونه محرّكاً نحو الفعل ـ أمر مفهوم لدينا، لكنّ كونه في مرتبة العلّة للترك شيء لا نفهمه. وكون الترك بديلا للفعل لا يفيد ذلك؛ لعدم صحّة فكرة كون بديل المتأخّر متأخّراً؛ فإنّ الرتبة الثابتة لشيء بالقياس إلى شيء لا يلزم ثبوتها لبديله بالقياس إلى ذلك الشيء، كما اتّضح ذلك في بعض الأبحاث السابقة.
وأمّا النقطة الثالثة: وهي أنّه ما هو دور هذه المطالب في إثبات إمكان الترتّب؟
فإن كان مقصوده(رحمه الله)من كلامه فيها ما هو ظاهر عبارته: من عدم المنافاة بين الأمرين؛ لأجل عدم المنافاة بين المقتضيين، فهذا ممنوع؛ فإنّ مقتضى الأمر بالمهمّ هو الإتيان بالمهمّ على تقدير ترك الأهمّ، ومقتضى الأمر بالأهمّ هو الإتيان
', '', 109), (65, 110, 'book', 'بالأهمّ، وهذان المقتضيان متنافيان لا محالة.
وقوله: إنّ الأمر بالمهمّ لا يقتضي ترك الأهمّ؛ لكونه مشروطاً بترك الأهمّ، صحيح، لكن ماذا يقصد بقوله: إنّ الأمر بالأهمّ لا يقتضي ترك المهمّ على تقدير ترك الأهمّ؟ إن قصد بذلك أنّه لا يقتضي ترك المهمّ اقتضاءً مقيّداً بتقدير ترك الأهمّ، فهذا صحيح، لكن يكفي لفرض المنافاة بين المقتضيين كون الأمر بالأهمّ مقتضياً لترك المهمّ في ظرف ترك الأهمّ، لا مقيّداً بترك الأهمّ، بل مطلقاً. وإن قصد بذلك أنّه لا يقتضي ترك المهمّ في هذا الظرف ولو مطلقاً، فهذا غير صحيح؛ إذ الأمر بالأهمّ في ظرف ترك الأهمّ موجود، إمّا بالإطلاق كما نحن نقول، أو بذاته كما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، فهو ـ لا محالة ـ يقتضي التقريب إلى فعل الأهمّ، وبالتالي يقتضي التبعيد عن ضدّه وهو المهمّ، على حدّ اقتضائه للتبعيد عن الضدّ فيما لو كان الأمران عرضيّين الموجب لمصادمة الأمرين.
وإن كان مقصوده(رحمه الله) أنّه لا تصادم بين الاقتضاءين بالرغم من ثبوت المنافاة بين المقتضيين؛ وذلك لأنّه متى ما كان أحد الاقتضاءين متوقّفاً على عدم تأثير اقتضاء الآخر، لم يتصادم الاقتضاءان، على ما سوف يأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ عند ذكر التقريب المختار لإمكان الترتّب. وما نحن فيه من هذا القبيل، فاقتضاء الأمر بالمهمّ قد رُتّب على عدم تأثير الأمر بالأهمّ، فلا منافاة بينهما.
فهذا الكلام صحيح، إلاّ أنّ هذا لا يمتّ إلى كون انحفاظ الأمر بالأهمّ في ظرف تركه، بالإطلاق الأوّليّ أو النتيجيّ أو بذاته، بصلة. فسواءً فُرض انحفاظه بالإطلاق أو بنتيجة الإطلاق أو بذاته، فمادام الأمر بالمهمّ كان مشروطاً بترك الأهمّ، فنكتة إمكان اجتماع الأمرين محفوظة؛ حيث إنّ اقتضاءه موقوف على عدم تأثير اقتضاء الآخر، فلا يتنافى الأمران. واختلاف الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ في سنخ انحفاظهما على تقدير ترك الأهمّ ليس له أيّ تأثير في ذلك؛
', '', 110), (65, 111, 'book', 'ولهذا لو لم يقيّد الأمر بالمهمّ بترك الأهمّ وبقى مطلقاً، لم يصحّ اجتماعهما بالرغم من أنّ نفس الاختلاف في سنخ الانحفاظ بينهما موجود؛ فإنّ انحفاظ الأمر بالمهمّ على هذا التقدير يكون بالإطلاق، وانحفاظ الأمر بالأهمّ على هذا التقدير يكون ـ على رأي المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ بذاته، ومع ذلك ترى أنّ هذا لا يشفع لإمكان اجتماع الأمرين. فكلّ هذه المطالب ليس لها أيّ دور في إمكان الترتّب.
وأمّا المقدّمة الخامسة: فشطرٌ منها مضى الكلام فيه في الجهة الثانية.وشطرٌ منها عبارة عن إشكالات الخصم على الترتّب، وسوف يأتي الكلام عنها ـ إن شاء الله ـ فيما بعد، وبعد إسقاط هذا وذاك لا تبقى في هذه المقدّمة إلاّنكتة واحدة.
وكان مقتضى سياق المقدّمات أن تكون هذه المقدّمة استنتاجاً ممّا مضى؛ حيث إنّه برهن في المقدّمة الثانية على أنّ الأمر بالمهمّ لا يطارد الأمر بالأهمّ. وبرهن في المقدّمة الرابعة على أنّ الأمر بالأهمّ لا يطارد الأمر بالمهمّ، ومقتضى هذا السياق هو كون هذه المقدّمة استنتاجاً ممّا مضى، إلاّ أنّه كأنّه يذكر هنا نكتة جديدة، وهي: أنّ المحذور في الأمر بالضدّين إنّما هو لزوم طلب الجمع، أمّا إذا لم يلزم إلاّ مجرّد الجمع في الطلب ـ لا طلب الجمع ـ فلا محذور في ذلك، وطلب الجمع إنّما يلزم ـ في غير فرض تعلّق الأمر بالجمع بين الضدّين بعنوانه ـ في إحدى حالات ثلاث:
1 ـ أن يكون متعلّق الأمر في كلّ واحد من الضدّين مقيّداً بالإتيان بالآخر.
2 ـ أن يكون متعلّق الأمر في أحدهما مقيّداً بالإتيان بالآخر.
3 ـ أن يكون كلّ من الأمرين مطلقاً من ناحية الإتيان بالآخر.
ففي هذه الحالات الثلاث يلزم طلب واقع الجمع.
$
', '', 111), (65, 112, 'book', 'أمّا إذا لم يكن شيء من هذه الفروض، بل كان أحد الأمرين مشروطاً بترك الآخر ـ كما هو المفروض ـ فلا يلزم طلب الجمع، بدليل أنّه لو أتى المكلّف محالا بهما لم يقعا معاً على صفة المطلوبيّة، ببرهان أنّه لو فُرض تحقّق ترك الأهمّ لزم اجتماع النقيضين، ولو فُرض عدم تحقّقه ومع ذلك كان المهمّ مطلوباً لزم وجود المعلول بلا علّة؛ لأنّ مطلوبيّة المهمّ تتفرّع على ترك الأهمّ بحسب الفرض.
أقول: إنّ هذا الكلام أيضاً يجب إرجاعه إلى ما أشرنا إليه وسوف يأتي توضيحه: من أنّ أحد المقتضيين إذا كان موقوفاً على عدم تأثير الآخر استحال التصادم بينهما، أمّا إذا لم يرجع إلى ذاك أمكن لمغالط أن يغالط ويقول: إنّه لو فُرض محالا أنّ المكلّف جمع بين الضدّين، فهل يُفرض أيضاً محالا الجمع بين النقيضين ـ أعني: فعل الأهمّ مع تركه ـ أو لا؟ فإن فُرض الجمع بين النقيضين أيضاً، فقد اتّصف كلا الضدّين بصفة المطلوبيّة؛ فإنّ مطلوبيّة المهمّ قد تحقّق شرطها، وهو ترك الأهمّ. وإن لم يُفرض ذلك فعدم اتّصاف المهمّ الذي أتى به بالمطلوبيّة، إنّما هو من باب عدم إتيانه بالمطلوب بكلّ قيوده؛ فإنّ قيد الوجوب يكون أيضاً قيداً للمادّة، بمعنى أنّه لا يبقى للمادّة إطلاق لفرض عدم ذاك القيد، فكأنّما المطلوب هو المهمّ المقيّد بعدم الأهمّ، فعدم اتّصاف ما أتى به المكلّف بالمطلوبيّة يكون من ناحية قصور في فعل المكلّف لا في الطلب. فهذا يكون من قبيل ما لو تعلّق أمران عرضيّان: أحدهما بالأهمّ، والثاني بالمهمّ المقيّد بترك الأهمّ، ومن الواضح أنّ هذا لا يجوز بالرغم من أنّه لو أتى المكلّف بالأهمّ والمهمّ معاً لم يقع كلا فعليه على صفة المطلوبيّة.
والجواب على هذه المغالطة يجرّنا إلى بيان ما ذكرناه: من أنّ أحد الاقتضاءين قد قُيّد بعدم تأثير الاقتضاء الآخر. وهذا أيضاً من إفادات المحقّق النائينيّ(رحمه الله).
$
', '', 112), (65, 113, 'book', 'إثبات إمكان الترتّب وإبطال بعض الشبهات:
الجهة السابعة: في تحقيق صفوة القول لإثبات إمكان الترتّب مع إبطال بعض الشبهات.
وتحقيق الحال في الترتّب هو: أنّه يمكن إثبات إمكانه بأحد بيانين:
البيان الأوّل: يتركّب من نقطتين:
النقطة الاُولى: أنّ الأمرين بضدّين لا نجد أيّ تصادم وتناف بينهما لو غضضنا النظر عن تصادمهما في مقام التأثير، فليس أيّ تصادم ذاتيّ بين الأمرين، أو أيّ منافاة بينهما بملاك غير مسألة عدم إمكان اجتماع تأثير أحدهما مع تأثير الآخر؛ للتضادّ بين الأثرين. وعلى هذا فمرجع التصادم بين الأمرين بضدّين إلى مانعيّة كلّ من الأمرين عن تأثير الأمر الآخر في مقتضاه.
النقطة الثانية: أنّنا نبرهن على عدم مانعيّة أيّ واحد من الأمرين ـ اللذين شُرط أحدهما بترك امتثال الآخر ـ عن تأثير الأمر بالآخر في مقتضاه، فإذا بطلت هذه المانعيّة ـ وقد قلنا في النقطة الاُولى: إنّه لا تصادم بين الأمرين من غير هذه الناحية ـ إذن فقد ثبت إمكان الترتّب.
وأمّا البرهان على عدم هذه المانعيّة، فبيانه: أنّه تارةً: نفرض مانعيّة الأمر بالمهمّ عن تأثير الأمر بالأهمّ في مقتضاه، واُخرى: يفرض العكس، وكلتا المانعيّتين مستحيلتان بالبرهان:
أمّا مانعيّة الأمر بالمهمّ عن تأثير الأمر بالأهمّ، فبرهان استحالتها هو لزوم الدور؛ فإنّ مانعيّة الأمر بالمهمّ فرع وجوده الذي هو متوقّف على وجود موضوعه، وهو ترك الأهمّ، فلو منع الأمر بالمهمّ عن تأثير الأمر بالأهمّ في مقتضاه ـ الذي هو فعل الأهمّ ـ كان معنى ذلك: استناد ترك الأهمّ إليه؛ فإنّ منع شيء عن تأثير مقتض
', '', 113), (65, 114, 'book', 'في مقتضاه يعني استناد عدم ذاك المقتضى إليه، وهذا يعني كون ترك الأهمّ متأخّراً عن الأمر بالمهمّ ومتوقّفاً عليه، وقد كان الأمر بالمهمّ متأخّراً عن ترك الأهمّ ومتوقّفاً عليه، وهذا دور.
وأمّا مانعيّة الأمر بالأهمّ عن تأثير الأمر بالمهمّ، فبرهان استحالتها: أنّ الأمر بالأهمّ متى يمنع عن تأثير الأمر بالمهمّ؟ هل عند وجود الأمر بالمهمّ، أو عند عدمه؟ أمّا عند عدمه فغير معقول؛ إذ مانعيّة شيء عن تأثير مقتض فرع وجود ذلك المقتضي. وأمّا عند وجوده فأيضاً غير معقول؛ فإنّ وجود الأمر بالمهمّ مساوقٌ لوجود موضوعه، وهو ترك الأهمّ، وهذا معناه حرمان الأمر بالأهمّ عن التأثير في نفسه، ومن الواضح أنّ أحد المقتضيين لو حرم عن التأثير في نفسه ـ وبغضّ النظر عن مزاحمه ـ كان من المستحيل مصادمته لمزاحمه، أعني: المقتضي الآخر ومنعه عن تأثيره في مقتضاه.
فإذا تبرهن عدم مانعيّة أحد الأمرين عن تأثير الأمر الآخر، وقلنا: إنّه لا تصادم بين الأمرين بغضّ النظر عن مسألة التزاحم في التأثير، لم يبق مانع عن إمكان الترتّب. وهذا المقدار من البيان كاف لإثبات إمكان الترتّب، بلا حاجة إلى ضمّ ضمائم اُخرى إليه ممّا جاءت في كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله).
البيان الثاني: هو تصعيد المطلب بإنكار أصل التضادّ بين متعلّقي الإرادة، وهو موقوف على مطلب برهنّا عليه في بحث الواجب المطلق والمشروط، وهو: أنّ الإرادة المشروطة ترجع في واقعها إلى الإرادة المطلقة للجامع بين عدم الشرط ووجود المشروط، فإرادة شرب الماء بشرط العطش مرجعها إلى الإرادة المطلقة للجامع بين عدم العطش وشرب الماء.
وعليه نقول في المقام: إنّ الأمر بالمهمّ ـ على تقدير ترك الأهمّ ـ مرجعه بحسب روحه إلى الأمر بالجامع بين فعل الأهمّ وفعل المهمّ، ومن الواضح أنّه لا
', '', 114), (65, 115, 'book', 'تضادّ بين فعل الأهمّ والجامع بين فعل الأهمّ وفعل المهمّ. إذن، فبحسب الدقّة ليس الأمران المترتّبان بروحهما أمرين بضدّين، فلا موضوع لاعتراض المستشكل بعدم معقوليّة الأمر بضدّين، فلو أمر المولى ـ مثلا ـ بزيارة الإمام الحسين(عليه السلام) في ليلة الجمعة، وأمر أيضاً بزيارة أحد الأئمّة في ليلة الجمعة القابل للانطباق على الإمام الحسين(عليه السلام)، وافترضنا عدم إمكان الجمع بين زيارة الحسين(عليه السلام) وزيارة إمام آخر في ليلة واحدة ـ لبعد المسافة ـ فمن الواضح أنّه لا تصادم بين الأمرين، ولا تضادّ بين المتعلّقين.
بقي الكلام في إبطال شبهة مرتبطة بالمشكلة الرئيسة ـ التي لأجلها عقدوا بحث الترتّب، أعني: لزوم الأمر بضدّين ـ وهي: أنّه لو اُمر بالضدّين بنحو الترتّب، فترك العبد كليهما، فهل يعاقب بعقابين أو يعاقب بعقاب واحد؟
إن فُرِض أنّه يعاقب بعقابين قلنا: إنّ العبد لم تكن له إلاّ قدرة واحدة، ولم يكن يترقّب أن يصدر منه إلاّ تحرّك واحد، فالعقاب الثاني ليس بإزائه تحرّكٌ مقدور قد تركه، وكأنّ العقابين يكونان على عدم صدور تحرّكين منه، بينما هذا عقاب على غير مقدور؛ لأنّه لا يقدر على تحرّكين.
وإن فُرض أنّه يعاقب بعقاب واحد، إذن هذا معناه أنّه لا يوجد إلاّ أمر مولويّ واحد، وهو الأمر بالأهمّ، ولا يوجد أمر مولويّ بالمهمّ، وإلاّ فكيف لم يوجب ذلك الأمر عقاباً عند المخالفة؟ فلو أمر المولى بالمهمّ فهو أمر إرشاديّ يرشد إلى وجود ملاك ضعيف في متعلّقه، وأنّ الإتيان به يفيد المولى ويخفِّف عن خسارته.
وقد ذكر المحقّق النائينيّ(رحمه الله): أنّنا نختار تعدّد العقاب، ورَدَّ على إشكال العقاب على غير المقدور:
أوّلا: بالنقض بما إذا وجب كفايةً على جماعة شيء لا يقبل التعدّد، ولا يمكن صدوره إلاّ من واحد، فترك الكلّ، فهنا لا إشكال في تعدّد العقاب، بمعنى: أنّ الكلّ
', '', 115), (65, 116, 'book', 'يعاقَبون مع أنّهم لا يقدرون على أن يأتوا جميعاً بذلك العمل.
أقول: إنّنا لو بقينا وهذا النقض فقد يدّعي الخصم: أنّه في المقام لا توجد للمكلّف إلاّ قدرة واحدة على الجامع، بينما في الواجب الكفائيّ لا يمكن دعوى وحدة القدرة؛ لأنّ المكلّفين متعدّدون، والقدرة عَرَض تحتاج إلى محلّ، وفَرض حلولها في بعض المكلّفين دون بعض غير معقول، كما لا يُعقل حلولها في الجامع بينهم بحدّه الجامعيّ؛ فإنّ الجامع بحدّه الجامعيّ لا يوجد في الخارج، ولا يقبل عروض القدرة عليه. إذن، فلابدّ من قبول تعدّد القدرة بتعدّد المكلّفين، إلاّ أنّ كلّ قدرة من تلك القدرات مشروطة بعدم الابتلاء بمزاحم يمنع عن تأثيرها، كما هو الحال في كلّ قدرة، وإذا ترك الكلّ فقد تحقّق الشرط وهو عدم المزاحم في الجميع، فتكون كلّ القدرات فعليّة. فقد يدّعى: أنّ هذا هو الفارق بين الواجب الكفائيّ، فيتعدّد فيه العقاب، وما نحن فيه، فلا يتعدّد فيه العقاب.
ولو تنزّلنا عن ذلك وافترضنا أنّه لا توجد في باب الواجب الكفائيّ إلاّ قدرة واحدة، فبإمكان الخصم أن يدّعي: أنّ في الواجب الكفائيّ لا يوجد أيضاً إلاّ الاستحقاق لعقاب واحد، وحيث إنّ هذا نسبته إلى الجميع على حدٍّ سواء فيتوزّع عليهم، وبهذا يخفّ العقاب، فإذا توزّع العقاب واستحقاقه قيل: إنّ العقاب قد تعدّد، بينما فيما نحن فيه لا موجب لتعدّد العقاب.
والأولى تبديل هذا النقض بالنقض بواجبين طوليّين من حيث الزمان، عند عدم القدرة على الجمع بينهما، فلو كان العبد ـ لضعفه مثلا ـ غير قادر على أن يقوم ساعةً من الزمان صباحاً مع القيام ساعةً من الزمان عصراً أيضاً، ولكنّه كان قادراً على القيام في أحد الوقتين، فاُمر صباحاً بالقيام فعصى، فمن الواضح ـ حتّى عند منكري الترتّب ـ أنّه من حقّ المولى أن يأمره عصراً بالقيام؛ لأنّ الأمر الأوّل قد عُصي وانتهى أمده، وهو قادر فعلا على القيام، في حين أنّه يأتي نفس الإشكال
', '', 116), (65, 117, 'book', 'في المقام، وهو: أنّه إن فُرض تعدّد العقاب فهو ليست له إلاّ قدرة واحدة، ولا يترقّب منه إلاّ قيامٌ واحدٌ، فكيف يعاقَب بعقابين، وإن فُرضت وحدة العقاب فهي آية وحدة الأمر.
وثانياً: بالحلّ، وقد عَبَّرَ(رحمه الله) عن الجواب الحلّي:
تارة: بأنّ تعدّد العقاب وتثنيته ليس على عدم الجمع بين الفعلين، حتّى يقال: إنّ هذا عقابٌ على غير مقدور، وإنّما هو على الجمع بين التركين الذي هو أمر مقدور.
واُخرى: بأنّ العقابين على ذات التركين، وكلّ واحد من التركين في ظرف ترك الآخر مقدور؛ فإنّه في ظرف ترك أحدهما يمكنه أن يأتي بالآخر وأن يتركه، فكلاهما عقابٌ على المقدور.
أقول: إنّ كلا هذين التعبيرين لا يؤدّيان حقيقة المطلب، فإنّنا لو اقتصرنا على المدلول الحرفيّ لهذين التعبيرين للزم أن يقال: إنّ المولى لو أمر عبده بأمرين عرضيّين متعلّقين بضدّين، غفلةً عن التضادّ بينهما، وترك العبد كليهما استحقّ عقابين؛ لأنّ كلا التعبيرين يأتيان هنا فيقال: إنّ تثنية العقاب تكون على الجمع بين التركين وهو مقدور له، لا على ترك الجمع بين الضدّين. أو يقال: إنّ العقابين على ذات التركين، وكلّ منهما عند ترك الآخر مقدور. ولكنّك ترى: أنّ الوجدان حاكم بعدم استحقاق أزيد من عقاب واحد في هذا الفرض.
وحلّ المطلب ـ الذي لعلّه هو واقع مقصود المحقّق النائينيّ(رحمه الله) وإن قَصُر التعبير ـ: أنّ ملاك العقاب ليس هو ترك الامتثال والقدرة عليه حتّى يُفرض أنّه عند عدم القدرة على الامتثالين جمعاً لا مبرِّر لعقابين، وإنّما ملاك العقاب هو ترك التجنّب عن الوقوع في المعصية والقدرة عليه، ولو بإفناء الموضوع، ومن الواضح أنّه فيما نحن فيه قادر على التجنّبين جمعاً، وذلك بأن يأتي بالأهمّ، فيكون قد تجنّب عن معصية الأمر بالأهمّ بالامتثال، وعن معصية الأمر بالمهمّ بإفناء
', '', 117), (65, 118, 'book', 'الموضوع. بينما في فرض الأمرين العرضيّين بضدّين ليس قادراً على التجنّب عن كلتا المعصيتين جمعاً؛ إذ لابدّ له من ترك أحد الضدّين وهو معصية.
وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه الجواب على كلّ ما كان ينبغي أن نذكره من الشبهات الثبوتيّة في تصوير الترتّب، فالشبهات الجانبيّة قد اتّضح جوابها في الجهة الخامسة، وأصل الشبهة الرئيسة ـ وهي لزوم الأمر بضدّين مع عدم القدرة على الجمع بينهما ـ عرفت جوابه في برهاننا على إمكان الترتّب، وشبهة تعدّد العقاب أيضاً قد عرفت جوابها.
شبهة إثباتيّة في المقام والكلام في إبطالها:
بقيت في المقام شبهة إثباتيّة، وهي: أنّ الترتّب وإن كان ممكناً ولكن ظاهر دليلي الأمر بالصلاة والإزالة ـ مثلا ـ إنّما هو أمران عرضيّان، فما هو ممكن لم يدلّ عليه الدليل إثباتاً، وما دلّ عليه الدليل إثباتاً غير ممكن.
وقد أجاب على ذلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بجوابين:
الجواب الأوّل: أنّه بعد الجزم بعدم إمكان الأمر بضدّين عرضيّاً، دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق دليل وجوب الصلاة ـ مثلا ـ بمقدار فرض الانشغال بالإزالة التي هي أهمّ، أو رفع اليد عنه أكثر من ذلك، أي: حتّى إذا لم ينشغل بها، فمادامت الصلاة مبتلاة بالمزاحم فهي غير واجبة. والتقييد بمقدار فرض الانشغال بالأهمّ متيقّن، والزائد على ذلك مشكوك يتمسّك فيه بالإطلاق، فلا موجب لرفع اليد عن أصل وجوب المهمّ مع إطلاق دليله، وإنّما نرفع اليد عن إطلاق وجوبه.
أقول: إنّ هذا اللحن من الجواب لا يخلو من مسامحة، فكأنّما قد فُرض فيه: أنّه لابدّ من رفع اليد عن شيء من إطلاق دليل المهمّ؛ لتعارضه وتصادمه مع الأهمّ، في حين أنّ الواقع هو أنّه بناءً على إمكان الترتّب ـ كما قلنا فيما سبق ـ ينفصل باب التزاحم عن باب التعارض نهائيّاً، ولا توجد أيّ مصادمة بين الدليلين،
', '', 118), (65, 119, 'book', 'ولا نرفع اليد عن شيء من إطلاق دليل المهمّ أصلا؛ وذلك لأنّ دليل كلّ واجب هو بنفسه مقيّد بمقيّد لبّي متّصل ـ سواءً كان مبتلى بمزاحم، وقلنا بإمكان الترتّب، أو لا ـ وهو التقييد بعدم انشغال المكلّف بالأهمّ أو المساوي، على ما سوف تأتي البرهنة عليه في بحث التزاحم، ونحن لا نحتاج في المقام إلى رفع اليد عن إطلاق الدليل وتقييده بأزيد من هذا التقييد اللبّيّ المتّصل العامّ.
فليس الأمر دائراً بين رفع اليد عن إطلاق وجوب المهمّ أو أصل وجوبه، أو بين تقييد أقلّ وتقييد أكثر، وإنّما الأمر دائر بين التقييد وعدمه، أو قل: بين رفع اليد عن وجوب المهمّ وعدمه. ومن الواضح أنّه في مثل ذلك يجب الأخذ بدليل وجوب الصلاة، ويثبت به وبدليل وجوب الإزالة: الترتّب بلا أيّ تقييد. ولعلّ هذا هو حاقّ مراد المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وكأنّه إنّما عبّر بذاك التعبير لإدخاله ذلك التقييد اللبّيّ المتّصل في الحساب.
الجواب الثاني: أنّنا بإمكاننا أن نستكشف الخطاب الترتّبيّ بالبرهان اللمّيّ عن طريق العلم بوجود الملاك؛ حيث إنّ التزاحم لا يرفع الملاك، فهذا يكفينا في إثبات المقصود بلا حاجة إلى دليل لفظيّ.
ويرد عليه: ما تقدّم فيما مضى من أنّه عند افتراض سقوط الخطاب اللفظيّ بمدلوله المطابقيّ، لا طريق إلى استكشاف مدلوله الالتزاميّ، وهو الملاك. وقد تقدّم ذكر محاولات للمحقّق النائينيّ(رحمه الله)وغيره لإثبات الملاك مع إبطالها.
على أنّه لو تمّ ثبوت الملاك في المقام ـ كما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ لم تبق أيّ ثمرة للقول بإمكان الترتّب وامتناعه؛ فإنّ القائل بامتناع الترتّب أيضاً يستكشف من ثبوت الملاك خطاباً حافظاً للملاك، غاية الأمر أنّه يستشكل في الخطاب الترتّبيّ، فيستكشف خطاباً آخر يفي بحفظ الملاك، وهو: إمّا الخطاب بالجامع بين الأهمّ والمهمّ، أو تحريم الجمع بين التركين، وهذا حاله في النتيجة حال الخطاب الترتّبيّ تماماً.
$
', '', 119), (65, 120, 'book', 'الكلام في إمكان الترتّب من الطرفين:
الجهة الثامنة: في إمكان الترتّب من الطرفين وعدمه بعد الفراغ عن إمكانه من طرف واحد، فهل هناك مزيّة خاصّة في الترتّب من الطرفين توجب استحالته، أو لا توجد فيه مزيّة خاصّة، فيكون ممكناً بنفس بيان إمكان الترتّب من طرف واحد؟
يمكن أن تفترض مزيّة خاصّة في الترتّب من الطرفين توجب استحالته بأحد بيانين:
الأوّل: ما جاء في بعض كلمات المحقّق العراقيّ(رحمه الله) من مشكلة الدور؛ حيث إنّ كلاًّ من الأمرين متوقّف على معصية الأمر الآخر، توقّف الحكم على موضوعه، ومعصية الأمر الآخر متوقّفة على الأمر الآخر؛ إذ مع عدم الأمر لا يعقل معصيته، فكلّ من الأمرين متوقّف على الأمر الآخر، وهو دور(1).
ويرد عليه:
أوّلا: أنّه بالإمكان فرض كلّ واحد من الأمرين مشروطاً بواقع ترك الفعل الآخر، لا بمعصية الأمر الآخر، وتركه غير متوقّف على الأمر به(2).
$
', '(1) هذا التقريب وكذلك التقريب الثاني لاستحالة الترتّب من الطرفين مبتن على الغفلة عن كون الأمر المشروط دالاًّ على إرادة الجامع بين عدم الشرط وفعل المشروط.
(2) لا يخفى أنّ المحقّق العراقيّ(رحمه الله) ملتفت إلى أنّ هذا الاشكال مبنيّ على فرض ترتّب كلّ من الأمرين على عصيان الآخر، وأنّه لا يرد على فرض ترتّب كلّ من الأمرين على مجرّد ترك الفعل الآخر، وفرض في نهاية الأفكار ـ دون المقالات ـ أنّه على الفرض الثاني يلزم إشكال آخر، وهو عدم ارتفاع المطاردة بين الأمرين. راجع نهاية الأفكار،ج 1 و 2، ص 367 بحسب طبعة مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم، وراجع المقالات، ج 1، ص 342 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ.
بقي في المقام شيء، وهو: أنّ المحقّق العراقيّ(رحمه الله) لديه اعتراض على الترتّب أنقله وفق ما هو موجود في المقالات (ج 1 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، ص 342 ـ 344)، فهو(رحمه الله) يذكر هناك ـ بعد اعتراضه على فرضيّة ترتّب الأمر بأحدهما على عصيان الآخر من الطرفين، في فرض تساوي المصلحة، بلزوم الدور؛ لأنّ كلّ واحد من الأمرين يصبح متأخّراً عن الآخر بمرتبتين؛ لترتّبه على عصيان الأمر الآخر المترتّب على الأمر الآخر ـ ما حاصله: أنّ هذا وإن لم يكن يلزم فيما لو فرضنا ترتّب أحدهما على واقع عدم الإتيان بالفعل الآخر، لا على عنوان العصيان، ولكن لا داعي إلى القول بالترتّب بعد إمكان اجتماع الأمرين عرضيّاً ولو بشكل ناقص. وهذا ممكن في المقام؛ فإنّ المستحيل إنّما هو وجود الأمر بأحدهما بشكل تامّ في عرض الآخر، أمّا لو كان الأمر به بشكل ناقص ـ أي: بمقدار دفع المكلّف إلى سدّ أبواب العدم، غير الباب الذي يأتي من جانب الداعي إلى ذاك الضدّ المأمور به بأمر آخر ـ فلا يوجد بين الأمرين أيّ تناف، سواءً كانا في المتساويين وكان الترتّب من الطرفين، أو كانا في الأهمّ والمهمّ وكان الترتّب من طرف واحد:
أمّا في الفرض الأوّل؛ فلأنّ كلّ واحد من الأمرين لا يقتضي سدّ باب العدم الآتي من الطرف الآخر، فلا يطرد متعلّقه ولا يبعد المكلّف عنه، فلماذا يعارضه؟!
وأمّا في الفرض الثاني؛ فلأنّ الأمر بالمهمّ لا يطرد أيضاً متعلّق الأمر بالأهمّ، ولا يبعّد المكلّف عنه؛ لأنّه لا يقتضي سدّ باب العدم الآتي من داعي فعل الأهمّ. والأمر بالأهمّ وإن كان يطرد فعل المهمّ، ويقتضي سدّ باب العدم الآتي من طرف داعي المهمّ، والأمر به أمر تامّ وليس أمراً ناقصاً، ولكن ليس هذا طرداً لما يقتضيه الأمر بالمهمّ؛ لأنّ الأمر بالمهمّ ـ الذي فرضناه أمراً ناقصاً ـ لم يكن يقتضي حفظ جهة وجود المهمّ من ناحية سدّ باب العدم الآتي من طرف الأمر بالأهمّ، حتّى يكون الأمر بالأهمّ طارداً لما اقتضاه الأمر بالمهمّ.
وإذا أمكن حفظ الأمر بأحدهما في عرض الأمر بالآخر ولو ناقصاً، لم تصل النوبة إلى إسقاط إطلاق الأمر وتقييده بفرض ترك الآخر أو عصيانه؛ فإنّ هذا التقييد يستلزم صيرورة الأمر ناقصاً، وغير دافع للمكلّف إلى طرد العدم الآتي من جهة الأمر بالآخر؛ لأنّ الأمر المشروط لا يحفظ شرطه، فأصل نقصان الأمر وعدم اقتضائه لترك متعلّق الأمر الآخر مسلّم. وهذا المقدار كاف لحلّ الإشكال كما عرفت، فما الذي يدعونا إلى شيء أكثر من ذلك، وهو إسقاط إطلاق الأمر وتقييده بفرض ترك الآخر أو عصيانه؟!
وجاء في نهاية الأفكار ـ ج 1 و 2، ص 372 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم ـ اعتراض على ذلك، وهو: أنّ هذا يعني وجوب سدّ أبواب العدم من باقي الجهات، ولو بقي باب العدم من جهة العمل بالأمر الآخر مفتوحاً، وهذا واضح البطلان؛ لأن سدّ باقي أبواب العدم مع بقاء باب واحد من أبوابه مفتوحاً، لا فائدة فيه.
وأجاب على ذلك بأنّ مرجع الأمر بحفظ الوجود من سائر الجهات ما عدا جهة واحدة ـ خرجت من حيّز الأمر ـ إلى الأمر بمتمّم الوجود وافتراض انحفاظ الوجود من ناحية الجهة الخارجة عن حيّز الأمر صدفةً، وليس طلباً للإيجاد الكامل.
أقول: إنّ الوجود أمر بسيط لا يتبعّض بتعدّد أبواب العدم، فلا معنى للأمر الناقص به إلاّ برجوع الأمر إلى الأمر بسدّ أبواب العدم، لا الأمر بالوجود. وإذا رجع واقع المطلب إلى الأمر بسدّ أبواب العدم حتّى يقبل التبعّض، قلنا: إنّ الأمر بسدّ العدم من باقي الجهات لو اُخذ مشروطاً بانسداد باب خاصّ صدفة واتّفاقاً، رجعنا مرّة اُخرى إلى تقييد الإطلاق. ولو لم يؤخذ مشروطاً بذلك رجعنا إلى وجوب سدّ الأبواب الاُخرى حتّى لدى افتراض بقاء ذاك الباب الخاصّ من العدم مفتوحاً، وهذا أمر بما لا فائدة فيه.
', 120), (65, 121, 'book', '
$
', '', 121), (65, 122, 'book', 'وثانياً: أنّه بالإمكان فرض كون كلّ واحد من الأمرين مشروطاً بمعصية
', '', 122), (65, 123, 'book', 'الآخر بنحو التعليق لا بنحو الفعليّة، أي: أن يكون كلّ واحد من الأمرينمشروطاً بصدق قضيّة شرطيّة ـ وهي: أنّه لو اُمر بالآخر لخالفه ـ لا بالمخالفة الفعليّة، وصدق القضيّة الشرطيّة غير موقوف على صدق طرفيها، فلا يتوقّف أحد الأمرين على الآخر.
الثاني: أن يقال: إنّ العبد المنقاد ـ الذي لو لا الأمر لما كان له داع إلى أيّ واحد من الفعلين، وكانت نسبته النفسيّة تجاه الفعلين على حدٍّ سواء من حيث إنّه كان له داع لولا الأمر إلى الترك، أو مجرّد أنّه لم يكن له داع إلى الفعل ـ يوجب الترتّب من الطرفين بالنسبة له داعيين، كلّ واحد منهما مشروط بعدم فعليّة الآخر. أو قل: يصبح تحقّق كلّ واحد من الفعلين خارجاً مشروطاً بعدم الآخر؛ فإنّ فعل الصلاة يتوقّف على الداعي إليه، المتوقّف على فعليّة الأمر بها، المتوقّفة على تحقّق موضوعه وهو ترك الإزالة، وكذلك العكس.
وحينئذ فيستحيل وقوع الداعيين أو الفعلين معاً؛ لأنّه يلزم من وقوع كلّ منهما انتفاء شرط تحقّق الآخر، فيلزم من وجودهما معاً عدمهما معاً. ويستحيل أيضاً عدمهما معاً؛ إذ بعدمهما معاً يتحقّق شرطهما فيوجدان. ويستحيل وجود أحدهما فقط دون الآخر؛ لأنّ هذا متوقّف على صيرورة أحد الأمرين بالخصوص فعليّاً دون الآخر، وهذا غير معقول؛ لأنّ صيرورته فعليّاً موقوفة على ترك الفعل الآخر، وقد فرضنا أنّ نسبة هذا العبد إلى الفعلين من حيث عدم الداعي إليهما لولا الأمر، أو الداعي إلى تركهما لولاه على حدٍّ سواء.
والتحقيق: أنّ هذا الإشكال لا أساس له؛ لأنّه موقوف على تخيّل تكوّن داعيين مشروطين في نفس هذا العبد المنقاد من ناحية الأمرين، بينما الواقع ليس هو هذا، وإنّما الواقع هو أنّ أيّ واحد من الأمرين يُحدِث في نفس هذا العبد الداعي إلى
', '', 123), (65, 124, 'book', 'التخلّص من مخالفته، بالجامع بين امتثاله وإفناء موضوعه بفعل الآخر. فليس هناك داعيان مشروطان، بل هناك داع مطلق إلى الجامع بين الفعلين، والعبد يطبّق هذا الجامع على أحد الفردين، إمّا بمرجّح شرعيّ ـ كأفضليّته عند الله ـ أو بمرجّح شخصيّ ـ كأسهليّته عليه ـ أو بلا مرجّح، كما يقال في طريقي الهارب ورغيفي الجائع.
وقد يقال: إنّ الالتزام بالترتّب من كلا الجانبين أسهل من الترتّب من جانب واحد، خلافاً لما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّه إذا استحال الترتّب من طرف واحد فهو من الطرفين أيضاً مستحيل، وذكر: أنّه من الغريب أنّ الشيخ الأعظم(قدس سره)مع إنكاره الترتّب من طرف واحد، ذهب في تعارض الخبرين ـ بناءً على السببيّة ـ إلى أنّ الأمر بالعمل بكلّ واحد منهما يصبح مشروطاً بترك الآخر، مع أنّ هذا ترتّب من الطرفين، أفهل ضمّ محال إلى محال يوجب رفع الاستحالة؟!
أقول: إنّنا لا ندري إلى ماذا كان ينظر الشيخ الأعظم(قدس سره)، ولكن بالإمكان أن يقال: إنّ بياننا الأوّل لإمكان الترتّب كان مؤتلفاً من برهانين، أحدهما: البرهان على عدم مانعيّة الأمر بالمهمّ عن تأثير الأمر بالأهمّ، وهو برهان الدور. والثاني: البرهان على عدم مانعيّة الأمر بالأهمّ عن تأثير الأمر بالمهمّ، فالإيمان بإمكان الترتّب من طرف واحد ـ بهذا البيان ـ يتوقّف على قبول كلا البرهانين، بينما لو لم يقبل أحدٌ البرهان الثاني وقَبِل برهان الدور ـ فأنكر إمكان الترتّب من طرف واحد، بدعوى: أنّ الأمر بالمهمّ وإن لم يكن يزاحم الأمر بالأهمّ؛ لأنّه مشروط بعصيانه، ولكنّ الأمر بالأهمّ يزاحمه ويطارده ـ كفى برهان الدور لإثبات إمكان الترتّب من كلا الطرفين؛ إذ يصبح كلّ من الأمرين مشروطاً بعصيان الآخر، فتستحيل مزاحمته إيّاه.
$
', '', 124), (65, 125, 'book', 'هل يمكن تخريج صحّة التمام بدل القصر والجهر أو الإخفات بدل الآخر على أساس الترتّب؟
الجهة التاسعة: لا إشكال فقهيّاً في أنّ من أتمّ مكان القصر أو أجهر مكان الإخفات، أو أخفت مكان الجهر جهلا صحّت صلاته، إلاّ أنّه وقع الكلام في تكييف ذلك فنّيّاً من ناحية ما يبدو للذهن من استشكال في ذلك بأنّ الصحّة تكون بمطابقة الفعل للأمر المفقودة في مفروض المسألة. وقد ذكرت في توجيه ذلك عدّة وجوه، ونحن هنا لسنا بصدد استعراض تلك الوجوه وبحثها، ما عدا وجه واحد، وهو الترتّب(1). فقد خرّج كاشف الغطاء(رحمه الله) هذه المسألة على أساس الترتّب، ولكن ذهب جملة من القائلين بالترتّب إلى عدم صحّة هذا التخريج هنا، ومنهم المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، فقد أورد المحقّق النائينيّ(رحمه الله) على ذلك بوجوه:
أحدها: أنّ الترتّب إنّما يعقل في ضدّين لهما ثالث؛ إذ لو لم يكن لهما ثالث فلا معنى للأمر بأحدهما على تقدير ترك الآخر؛ إذ على تقدير ترك الآخر لا محيص عن الإتيان بهذا الضدّ، فلا معنى للأمر به، والجهر والإخفات ضدّان لا ثالث لهما.
وقد أجاب السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ عن ذلك بأنّ مصبّ الترتّب لا نجعله هو الجهر والإخفات حتّى يرد هذا الإشكال، بل هو القراءة الجهريّة والقراءة الإخفاتيّة، ولهما ثالث وهو ترك القراءة.
أقول: إنّ مصبّ الترتّب يجب أن نجعله الصلاة المشتملة على القراءة الجهريّة
', '(1) وإن شئت الحديث عن باقي الوجوه فراجع كتابنا هذا في بحث مسألة وجوب الفحص في الاُصول المؤمّنة وعدمه.
', 125), (65, 126, 'book', '
والصلاة المشتملة على القراءة الإخفاتيّة، لا الجهر والإخفات، ولا القراءة الجهريّة والقراءة الإخفاتيّة؛ وذلك لأنّ الترتّب في الوجوبات الضمنيّة غير معقول؛ إذ هل يُفرض أخذ عدم القراءة الجهريّة ـ مثلا ـ قيداً في القراءة الإخفاتيّة بمعنى قيد الواجب، أو يُفرض أخذه في موضوع وجوب القراءة الإخفاتيّة بمعنى قيد الوجوب؟
فإن فُرض الأوّل لم يكن هذا ترتّباً، ويكون طلباً للجمع بين القراءة الجهريّة والقراءة الإخفاتيّة المقيّدة بعدم الجهريّة، وهذا غير معقول.
وإن فُرض الثاني ـ أي: أخذه في موضوع وجوب القراءة الإخفاتيّة الضمنيّ ـ فهذا أيضاً غير معقول؛ لأنّ هذا الوجوب ضمنيٌّ وجزء من وجوب واحد، فلا معنى لاختصاصه بموضوع لم يكن داخلا في موضوع وجوب باقي الأجزاء، ولم يكن موضوعاً لذلك الوجوب الواحد. إذن، فلابدّ من كون القيد مأخوذاً في موضوع الوجوب الاستقلاليّ وهو وجوب الصلاة، وطبعاً لا معنى لأخذه في موضوع وجوب الصلاة المشتملة على القراءة الجهريّة؛ إذ معنى ذلك تقيّد وجوب القراءة الجهريّة بترك القراءة الجهريّة، وهذا غير معقول، وإنّما يؤخذ قيداً في موضوع وجوب الصلاة المشتملة على القراءة الإخفاتيّة، وهذا معنى ما قلناه: من أنّ الترتّب إنّما يكون بين الأوامر الاستقلاليّة المتعلّقة بالصلاة الجهريّة والصلاة الإخفاتيّة، ومن المعلوم أنّ الصلاة الجهريّة والصلاة الإخفاتيّة لهما ثالث. هذا.
ولو غضضنا النظر عن ذلك، وافترضنا معقوليّة الترتّب بين الوجوبات الضمنيّة، أمكن الترتّب بين وجوب الجهر ووجوب الإخفات، بلا فرض الرجوع إلى القراءة الجهريّة والقراءة الإخفاتيّة ـ كما ذكره السيّد الاُستاذ دامت بركاته ـ شريطة أن يفترض أنّ وجوب الإخفات مثلا مشروط بعدم الجهر الأعمّ من السالبة بانتفاء المحمول والسالبة بانتفاء الموضوع، دون عدم الجهر بمعنى خصوص السالبة
', '', 126), (65, 127, 'book', 'بانتفاء المحمول، وحينئذ فليس ترك الجهر مساوقاً للإخفات حتّى لا يعقل حينئذ الأمر بالإخفات؛ إذ قد يكون ترك الجهر بترك الموضوع والقراءة.
وثانيها: أنّ الترتّب إنّما يعقل في ضدّين يكون تضادّهما اتّفاقيّاً لا دائميّاً، والتضادّ بين الجهر والإخفات دائميّ.
وقد أجاب السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ عن ذلك بمنع اشتراط عدم دائميّة التضادّ في الترتّب. وسيأتي ـ إن شاء الله ـ تحقيق الحال في ذلك في بحث التزاحم، إلاّ أنّ الذي نقوله هنا: إنّه حتّى مع تماميّة هذا الشرط لا يشكّل هذا مشكلة أمام الترتّب في المقام؛ لما عرفت من أنّ الترتّب إنّما هو بين الوجوبين الاستقلاليّين، أي: وجوب الصلاة الجهريّة ووجوب الصلاة الإخفاتيّة، ولا تضادّ بين الصلاتين أصلا حتّى يكون التضادّ دائميّاً.
وثالثها: أنّ الأمر بالتمام ـ مثلا ـ المشروط بعصيان القصر مع الجهل، لا يمكن أن يصل إلى المكلّف، والأمر الذي لا يمكن وصوله إلى المكلّف لا يعقل جعله؛ لعدم قابليّته للتحريك.
والوجه في عدم إمكان وصوله إلى المكلّف: أنّ موضوعه لا يصل إلى المكلّف؛ لأنّ موضوعه مركّب من الجهل بوجوب القصر، وعصيان وجوب القصر، وهذان الجزءان من الموضوع يستحيل وصولهما معاً؛ إذ لو جهل بوجوب القصر لم يعلم بالعصيان، ولو علم بالعصيان لم يكن جاهلا.
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على ذلك بأنّ هذا إنّما يكون لو قيّدنا الأمر بالتمام بعنوان عصيان الأمر بالقصر، أمّا لو قيّدناه بترك القصر بلا أخذ عنوان العصيان، فلا يرد هذا الإشكال؛ إذ يصل إلى المكلّف كلا جزئي الموضوع: ترك القصر مع الجهل بوجوبه.
أقول: إنّ موضوع وجوب القصر على المسافر ـ المركّب من ترك القصر مع
', '', 127), (65, 128, 'book', 'الجهل بوجوبه ـ وإن أمكن وصوله إلى المكلّف بكلا جزئيه، لكنّه لا يمكنوصول موضوعيّة هذا الموضوع إلى المكلّف؛ فإنّ التمام يصحّ ممّن جهل بوجوب القصر بمعنى أنّه اعتقد بحكم التمام، فالموضوع مركّب من ترك القصر والاعتقاد بوجوب التمام، فإن فُرض أنّ هذا موضوع لشخص وجوب التمام المعتقد به، لزم أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، وهو مستحيل، وهذا الحكم لا يمكن وصوله. وإن فُرض أنّه موضوع لوجوب آخر فأيضاً لا يصدّق المكلّف به؛ إذ لا مبرّر للتصديق بوجوبين للتمام، إذن فالأمر بالتمام على سبيل الترتّب بنحو توجد فيه قابليّة التحريك بالوصول غير معقول، وبدون التحريك لا يكون أمراً وحكماً، وإنّما يرجع إلى الإخبار بالمصلحة والمحبوبيّة مثلا. إذن، فهذا الإشكال الثالث بعد تطويره بالنحو الذي بيّنّاه يكون تامّاً في المقام.
وهناك إشكال رابع يمكن أن يورد في المقام على الأمر الترتّبيّ لم يورده المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وهو: أنّ الأمر بالتمام هل هو مشروط بترك القصر إلى آخر الوقت، أو مشروط بتركه ولو ساعة مثلا؟
فإن فُرض الأوّل لزم أنّه لو علم بالحكم في أثناء الوقت بعد أن صلّى تماماً، وجب عليه أن يصلّي قصراً؛ لأنّ المفروض أنّه أهمّ، وهو قادر على الإتيان به، وإذا صلّى قصراً انكشف عدم صحّة ما أتى بها، ولم تترتّب آثار صحّتها لو كانت لصحّتها آثار، وهذا كلّه خلاف المسلّم الفقهيّ الذي فُرض تخريجه فنّيّاً بالأمر الترتّبيّ.
وإن فُرض الثاني لزم أنّه إذا ترك القصر ساعة من الزمان ـ مثلا ـ وجب عليه القصر والتمام معاً في عرض واحد: أمّا القصر فلبقاء الوقت، وأمّا التمام فلتماميّة
', '', 128), (65, 129, 'book', 'موضوعه، وهو ترك القصر ساعة من الوقت، بينما هذا غير صحيح فقهيّاً أيضاً.
إلاّ أنّ هذا إشكال على صياغة المطلب، ويمكن رفعه بإدخال تعديلين في صياغة الأمرين:
الأوّل: أن يقال: إنّ الأمر بالتمام مقيّد بترك القصر إلى أقرب الأجلين: مضيّ الوقت، والإتيان بالتمام(1)، فإذا صلّى تماماً ثمّ التفت إلى الحكم صحّت صلاته.
الثاني: أن يقال: إنّ الأمر بالقصر ليس مطلقاً من ناحية إتيان التمام وعدمه، حتّى يلزم من ذلك وجوب القصر عليه حتّى بعد إتيانه بالتمام، ولا مقيّداً من أوّل الأمر بعدم الإتيان بالتمام، حتّى يلزم الترتّب من الطرفين، وكون القصر عِدلا مساوياً للتمام، بل يكون مقيّداً بعدم الإتيان بالتمام بقاءً، أي: إنّه بمجرّد زوال الشمس يجب القصر، لكنّه ينتهي وقت هذا الوجوب بالإتيان بالتمام، فكأنّ الإتيان بالتمام صار بالنسبة إلى وجوب القصر من قبيل غروب الشمس.
وبكلمة اُخرى: إنّ شرط وجوب القصر في كلّ آن عدم الإتيان بالتمام جهلا إلى ذلك الآن، لا عدم الإتيان بالتمام إلى آخر الوقت. وإن شئت فافرض عدم الإتيان بالتمام قبل القصر من قيود الواجب وشروط ترتّب المصلحة على الفعل، لا من شروط اتّصاف الفعل بالمصلحة.
$
', '(1) ولا يلزم من ذلك أنّه إذا ترك الصلاة إلى أن انتهى الوقت وجب عليه قضاء القصر والتمام معاً؛ لأنّ المستفاد من الدليل: أنّ وجوب التمام يكون من باب أنّه مشتمل على مرتبة خفيفة من مصلحة القصر، لا أنّه واجب مستقلّ، فيكفي قضاء القصر. وإنّما لم نقل بأنّ الأمر بالتمام مقيّد بترك القصر إلى خصوص زمان الإتيان بالتمام لأنّ ذلك يصبح من قبيل الأمر بالتمام على تقدير الإتيان بالتمام، وهو تحصيل للحاصل.
', 129), (65, 130, 'book', '
الكلام فيما اُورد على مقالة المحقّق الثاني في تزاحم الواجب الموسّع والمضيّق:
الجهة العاشرة: تكلّمنا إلى الآن في الترتّب بين أمرين مضيّقين، وعرفنا أنّه لابدّ فيه من الترتّب عند التزاحم بينهما لإمكانه ثبوتاً، ومساعدة دليلي الواجبين عليه إثباتاً.
وأمّا إذا كان الواجبان أحدهما موسّعاً والآخر مضيّقاً فقد مضى عن المحقّق الثاني(رحمه الله) القول بثبوت الخطاب بالموسّع في عرض الخطاب بالمضيّق؛ لأنّ متعلّقه هو الجامع، وهو مقدور. فمبنيّاً على هذا الكلام لا تصل النوبة إلى الترتّب، إلاّ أنّ هناك تعليقات على كلام المحقّق الثاني(رحمه الله) ترجع كلّها إلى التفصيل في صحّة كلامه وعدمه بين تقدير وتقدير:
الاُولى: ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان شرط القدرة بحكم العقل لقبح تكليف العاجز، ولكنّ الصحيح: أنّ الخطاب بنفسه يتطلّب قابليّة التحرّك نحو العمل، فيختصّ لا محالة بالحصّة المقدورة.
وأورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ بأنّ الحكم الشرعيّ ليس إلاّ عبارة عن الاعتبار الذي هو سهل المؤونة ويمكن تعلّقه بالمستحيل أيضاً، فلا تشترط القدرة على متعلّقه، لا بحكم العقل، ولا بتطلّب الخطاب الحصّة المقدورة.
وقد مضى منّا الإيراد على هذا الكلام: بأنّه وإن كان ذات الاعتبار والجعل يمكن تعلّقه بالمستحيل، لكنّه يكشف ـ بدلالة سياقيّة ـ عن مدلول تصديقيّ أقصى، وهو داعي البعث والمحرّكيّة، وهو الذي يوجب اشتراط القدرة على المتعلّق؛ لعدم معقوليّة البعث عند عدم إمكانيّة الانبعاث.
$
', '', 130), (65, 131, 'book', 'نعم، يرد على المحقّق النائينيّ(رحمه الله): أنّ الخطاب إنّما يتطلّب القدرة على متعلّقه حتّى يعقل البعث نحوه، وهذا غير اختصاصه بالحصّة المقدورة؛ فإنّ الجامع بين الحصّة المقدورة وغير المقدورة مقدور، فيمكن تعلّق الخطاب به.
نعم، قد يوجّه كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بأنّه عند التزاحم بين الواجب الموسّع والواجب المضيّق، لا تكون في الخطاب الموسّع قابليّة البعث والتحريك بلحاظ تلك القطعة من الزمان التي وقع فيها التزاحم، وهي أوّل الوقت مثلا؛ فإنّ المكلّف المطيع الذي يأتي بالمضيّق لا يمكنه أن ينبعث في ذلك الوقت بالخطاب الموسّع، في حين أنّ الخطاب يكون بداعي البعث والتحريك. فلابدّ من تقييده بالحصّة المقدورة، أي: اختصاصه بالفرد غير المزاحم، تحفّظاً على شرط إمكانيّة الانبعاث والقدرة، ولا يعقل إطلاقه للفرد المزاحم إلاّ بنحو الترتّب.
إلاّ أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنّ كون الخطاب بداعي البعث إنّما فهمناه من ناحية الاستظهار العرفيّ لذلك من الخطاب، والعرف لا يستظهر من الخطاب في الواجب الموسّع أزيد من كونه بداعي حصول الانبعاث في آن من آنات عمود الزمان، ولا يشترط إمكانيّة الانبعاث في كلّ آن.
الثانية: أنّ كلام المحقّق الثاني(رحمه الله) إنّما يتمّ بناءً على عدم امتناع الإطلاق بامتناع التقييد، بدعوى: أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، وإلاّ فبما أنّ التقييد بالفرد المزاحم غير ممكن، فالإطلاق أيضاً غير ممكن.
وفيه: إنّ فرض امتناع الإطلاق بامتناع التقييد لأجل كون التقابل بينهما العدم والملكة، معناه: امتناع الإطلاق بمعنى عدم ذلك التقييد الممتنع، وهنا التقييد بالفرد غير المزاحَم ممكن، فالإطلاق ـ بمعنى عدم ذلك التقييد، وشموله للفرد المزاحم ـ ممكن. وهذا هو الإطلاق المنظور إليه في محلّ البحث، فتطبيق قاعدة امتناع الإطلاق بامتناع التقييد على المقام تطبيق معكوس.
$
', '', 131), (65, 132, 'book', 'الثالثة: أنّ كلام المحقّق الثاني(رحمه الله) إنّما يتمّ بناءً على الإيمان بالواجب المعلّق، أمّا بناءً على إنكاره فلا يتمّ هذا الكلام؛ لأنّه لو فُرض تحقّق الوجوب بالنسبة للواجب الموسّع من أوّل الوقت ـ بينما هو غير قادر عليه في أوّل الوقت؛ لأجل المزاحمة بواجب مضيّق ـ كان هذا عبارة عن الوجوب التعليقيّ؛ حيث إنّ الوجوب حاليٌّ والواجب استقباليّ، وهو مستحيل بحسب الفرض.
وبصدد تحقيق هذا الكلام نذكر نموذجين للاستدلال على استحالة الواجب المعلّق:
النموذج الأوّل: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) من أنّ الخطاب يدلّ على البعث، وهو بحكم تضايفه مع الانبعاث يكون ملازماً له في الإمكان والتحقّق، وطبعاً ليس المقصود من كشف الخطاب عن البعث كشفه عن تحقّق البعث خارجاً؛ بداهة أنّ الخطاب يشمل العاصين أيضاً، وإنّما المقصود كشفه عن داعي البعث بمعنى إيجاد ما يمكن أن يكون باعثاً، وإمكانيّة البعث تلازم إمكانيّة الانبعاث، بينما في الواجب المعلّق لا توجد إمكانيّة الانبعاث قبل زمان الواجب، إذن فتقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب مستحيل.
أقول: إنّ هذا الوجه ـ لاستحالة الواجب المعلّق ـ لو تمّ ثبتت في المقام استحالة تعلّق الوجوب بالجامع بين الفرد المزاحم وغيره من أوّل الأمر في عرض وجوب المضيّق، بل لابدّ من اختصاص الوجوب بالفرد غير المزاحم، وتأخّره إلى زمان انتهاء المزاحمة أو ثبوته من أوّل الأمر بنحو الترتّب.
إلاّ أنّ هذا الوجه غير تامّ؛ فإنّه وإن كان الخطاب يكشف عن البعث، ولكن هذا لا يتطلّب أزيد من إمكانيّة الانبعاث في عمود الزمان في الجملة، أي: في وقت من أوقات عُمر الخطاب، ولا يلزم فرض إمكانيّة الانبعاث طيلة المدّة في كلّ آن.
وتوضيح ذلك: أنّ الوجه في دلالة الخطاب على البعث ـ مع أنّه بطبعه الأوّليّ
', '', 132), (65, 133, 'book', 'وبلحاظ عالم اللغة لا يدلّ على أكثر من الجعل والاعتبار الذي لا يتوقّف على إمكانيّة الانبعاث ـ هو أحد أمرين:
الأمر الأوّل: ما يوجد في الخطاب من ظهور سياقيّ ـ بحسب فهم العرف ـ في مدلول تصديقيّ، وهو داعي البعث، وهذا كما ترى يتحدّد وفقاً لمقدار ما يفهمه العرف من سياق الخطاب، والعرف لا يفهم من سياق الخطاب أزيد ممّا قلناه: من أنّه بداعي إيجاد ما فيه إمكانيّة البعث بلحاظ مجموع مدّة عُمر الخطاب، لا بلحاظ كلّ آن من آنات عمره.
الأمر الثاني: ما يظهر من كلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) من دعوى: أنّ الخطاب ـ كأيّ فعل آخر ـ يكشف لا محالة عن داع، وهذا الداعي مردّد بين اُمور، كداعي الاستهزاء وداعي التعجيز وداعي البعث ونحو ذلك. والخطاب حينما يكون بأيّ داع من هذه الدواعي يصبح بنفسه مصداقاً لهذا الداعي، فمثلا إذا قال: (ذُق)، بداعي الاستهزاء، كان هذا استهزاءً، وإذا قال: (طِر)، بداعي التعجيز كان هذا تعجيزاً، وإذا قال: (صُم)، بداعي البعث كان هذا بعثاً. ومن الواضح أنّ الاستهزاء مباين للحكم، وأنّ التعجيز مباين للحكم، وهكذا. ولا يبقى شيء يمكن أن يكون هو الحكم ـ حتّى يصبح الخطاب مصداقاً له ـ عدا البعث. فبهذا السبر والتقسيم تثبت دلالة الخطاب على البعث.
وهذا غير الوجه الأوّل، فكأنّه(رحمه الله) يريد أن يدّعي برهاناً ثبوتيّاً على المقصود، غير ذاك الاستظهار العرفيّ، ولو تمّ ذلك لم يدلّ على أكثر من كون الخطاب بداعي البعث بلحاظ إمكانيّة الانبعاث في مجموع عمود زمان عمْر الخِطاب؛ فإنّ هذا كاف في كون الخطاب حكماً، ولا يلزم أن يكون الخطاب بداعي إيجاد ما يمكن باعثيّته في تمام تلك الآنات.
النموذج الثاني: ما ذكره المحقّق النائينيّ من أنّ الوجوب التعليقيّ يستبطن
', '', 133), (65, 134, 'book', 'الشرط المتأخّر، فمثلا إذا وجب من أوّل الغروب الصوم من طلوع الفجر، فطلوع الفجر يكون شرطاً متأخّراً؛ إذ نقول: هل إنّ طلوع الفجر قيدٌ في الواجب أو لا؟ فإن قيل: إنّه ليس قيداً فيه، إذن لصحّ الصوم من الليل، بينما هو غير صحيح. وإن قيل: إنّه قيد في الواجب، قلنا: إنّه قد ثبت في محلّه: أنّ مثل طلوع الفجر إذا أصبح قيداً للواجب كان شرطاً في الوجوب أيضاً. وعندئذ فإن فُرض أنّ الوجوب مقارنٌ لطلوع الفجر لم يكن الوجوب تعليقيّاً، وإن فُرض تقدّمه عليه أصبح طلوع الفجر شرطاً متأخّراً.
وأمّا ما يتراءى في الشريعة كونه شرطاً متأخّراً فيدّعي المحقّق النائينيّ(رحمه الله)رجوعه إلى الشرط المقارن، بإرجاعه إلى شرطيّة التعقّب، ويكون هذا الإرجاع بحاجة إلى دليل خاصّ، وإلاّ فظاهر ما يجعل طلوع الفجر ـ مثلا ـ شرطاً كونه شرطاً بعنوانه، من دون إرجاعه إلى عنوان التعقّب.
هذا ما يرتئيه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في الواجب المعلّق. ولو تمّ ذلك ـ وغضضنا النظر عن بطلان أساسه؛ لعدم استحالة الشرط المتأخّر على ما حقّقناه في محلّه ـ قلنا: إنّ هذا الكلام لا يمكن إسراؤه إلى ما نحن فيه لإثبات بطلان الأمر بالجامع في الموسّع من أوّل الوقت، في عرض الأمر بالمضيّق؛ وذلك لأنّ الشرط المتأخّر المفترض في المقام عبارة عن القدرة على المتعلّق التي تحصل بعد انتهاء المزاحمة، بينما يمكن إرجاع هذا الشرط إلى شرط تعقّب القدرة. ولا يأتي هنا القول بأنّ ذلك خلاف ظاهر الدليل؛ فإنّ اشتراط القدرة لم يكن بدليل لفظيّ، وإنّما بدليل لبّيّ كقبح تكليف العاجز مثلا، وهو لا يقتضي في المقام أكثر من اشتراط تعقّب القدرة؛ إذ مع التعقّب لا يوجد ـ مثلا ـ قبح في التكليف بالجامع.
الرابعة: أنّ كلام المحقّق الثاني(رحمه الله) إنّما يتمّ إذا قلنا إنّ التخيير العقليّ ووجوب الجامع لا يرجع إلى التخيير الشرعيّ ووجوبين مشروطين، بل لعلّ التخيير
', '', 134), (65, 135, 'book', 'الشرعيّ يرجع إلى التخيير العقليّ. أمّا إذا فُرض رجوعه إلى وجوبين مشروطين، فعند فرض ترك الفرد غير المزاحم يصبح شرط وجوب الفرد المزاحم فعليّاً، فيكون هناك أمر تعيينيّ بالفرد المزاحم، وهذا غير صحيح.
وبما أنّ المختار أنّ التخيير العقليّ لا يرجع إلى التخيير الشرعيّ، بل التخيير الشرعيّ يرجع إلى التخيير العقليّ، إذن فكلام المحقّق الثاني(رحمه الله) متين لا إشكال فيه. ففي تزاحم الواجب الموسّع مع واجب مضيّق يبقى وجوب الموسّع على حاله في عرض وجوب المضيّق.
هذا تمام الكلام في الترتّب. وقد عرفت أنّ ثمرة بحث الترتّب هي: أنّه لو صحّ الترتّب ـ وقد عرفت صحّته ـ فقد يكون باب التزاحم باباً مستقلاًّ عن التعارض، وإلاّ فلا. وبهذه المناسبة لا بأس بالدخول في بحث التزاحم فنقول:
$
', '', 135), (65, 136, 'book', 'التزاحم
وأمّا الكلام في التزاحم فيقع في مرحلتين:
الاُولى: في أنّ باب التزاحم هل هو باب مستقلّ عن باب التعارض، أو أنّه داخل في باب التعارض؟ وسوف نثبت أنّه باب مستقلّ عن التعارض.
الثانية: أنّه بعد أن ثبت أنّ باب التزاحم يمتاز عن باب التعارض فما هي أحكامه؟
1 ـ امتياز باب التزاحم عن التعارض وعدمه
أمّا المرحلة الاُولى: وهي امتياز باب التزاحم عن التعارض وعدمه، فنمهّد لتوضيح الكلام فيها بشرح مصطلح التعارض والتزاحم فنقول:
أمّا التعارض: فيقصد به التنافي بين الحكمين بمعنى التنافي بينهما في مرحلة الجعل لا الفعليّة؛ إذ التنافي في مرحلة الفعليّة فقط لا يولّد تصادماً بين الدليلين؛ فإنّ الدليل الشرعيّ إنّما يتكفّل مرحلة الجعل بمعنى القضيّة الشرطيّة، دون مرحلة الفعليّة التي هي ـ مثلا ـ بمعنى تنجيز القضيّة، أي: الجزاء بتحقّق شرطها خارجاً، فقوله مثلا: ﴿لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاع﴾ يدلّ على الجعل، ويصبح هذا الجعل فعليّاً ـ بمعنى من المعاني ـ حيث توجد الاستطاعة.
فمتى ما كانت القضيّتان الشرطيّتان لا يمكن اجتماعهما وصحّتهما معاً على ما هما عليه من الشرطيّة والتعليق، فهذا هو التعارض بين الدليلين. ومتى ما أمكن اجتماعهما وصحّتهما على ما هما عليه من الشرطيّة والتعليق، فلا تعارض بينهما ولو فرض التنافي بينهما في مرحلة الفعليّة، إمّا بمعنى عدم اجتماع فعليّة إحداهما مع فعليّة الاُخرى، أو بمعنى كون امتثال إحداهما الفعليّة رافعاً لموضوع فعليّة
', '', 136), (65, 137, 'book', 'الاُخرى. فمثلا لو ورد: (إذا نزل المطر وجب القيام)، وورد أيضاً: (إذا نزل المطر حرم القيام)، فهما متعارضان؛ للتنافي بين الجعلين بما هما قضيّتان شرطيّتان. أمّا لو ورد: (إذا نزل المطر وجب القيام)، وورد أيضاً: (إذا لم ينزل المطر حرم القيام)، فهما ليسا متعارضين؛ لعدم تناف بين جعليهما وإن كانا متنافيين في الفعليّة.
وأمّا التزاحم: فيقصد به كون الحكمين الإلزاميّين بنحو يكون التنافي بينهما من ناحية أنّ امتثال أحدهما إنّما يمكن مستقلاًّ عن الآخر، وامتثاله منضمّاً إلى امتثال الآخر غير ممكن، فأساس التنافي إنّما يكون في مرحلة الامتثال.
إذا عرفت ذلك قلنا: إنّ البحث عن كون باب التزاحم متمايزاً عن باب التعارض، أو داخلا في التعارض مرجعه ـ على ضوء ما بيّنّاه ـ إلى أنّه هل التنافي في مرحلة الامتثال في باب التزاحم يستلزم التنافي بين الجعلين، فيقع التعارض بين الدليلين، أو لا يستلزم ذلك، فلا يقع التعارض بينهما؟
ومن الواضح أنّه بناءً على استحالة الترتّب لابدّ من التعارض بينهما؛ إذ حتّى لو فُرض اشتراط أحدهما بترك الآخر يكون الجعلان متنافيين لا يمكن أن يجتمعا، ومشروطيّة أحدهما بترك الآخر لا تشفع لرفع سريان المنافاة إلى الجعلين؛ فإنّ هذا هو معنى استحالة الترتّب، فعدم إمكان الجمع بينهما في الامتثال يستلزم عدم إمكان الجمع في الجعل.
أمّا بناءً على إمكان الترتّب فينفتح مجال البحث عن أنّه هل يوجد ـ مع ذلك ـ تناف بين الجعلين أو لا؟ وبكلمة اُخرى: إنّ عدم إمكان الجمع بينهما في مقام الامتثال، هل يستلزم تنافي الجعلين أو لا؟ وذلك بأن نرى أنّ دليلي: (صلّ) و(أزل) هل يستفاد منهما ـ مع ضمّ الشرائط العامّة للتكليف كالقدرة ـ ما هو أوسع ممّا فرغنا عن إمكانه من حكمين مترتّبين، حتّى يُفرض التعارض بلحاظ تلك الأوسعيّة، أو لا يستفاد منهما ما هو أوسع من ذلك، وبالتالي فلا تعارض بينهما؛
', '', 137), (65, 138, 'book', 'لفراغنا عن إمكان الترتّب، فلا يبقى تناف بين الحكمين؟
والصحيح هو: عدم وجود تناف بينهما، فلا يرجع التزاحم إلى التعارض، ونبيّن ذلك أوّلا بتقريب بدائيّ، ثمّ نورد عليه إشكالا، ثمّ نعمّق التقريب بالصعود إلى تقريب آخر، إلى أن يثبت المقصود بالبيان المعمّق. فنقول:
التقريب الأوّل: ما ذكرته مدرسة المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ كلّ إلزام شرعيّ مشروط لا محالة بالقدرة، ومن الواضح أنّ القدرة على أحد الفعلين تنتفي بالفعل الآخر؛ إذ المكلّف غير قادر على الجمع بينهما، ففي أيّ منهما يصرف قدرته يصبح عاجزاً عن الآخر، وبذلك ينتفي شرط الآخر، فيكون امتثال كلّ منهما نافياً لموضوع الآخر. فكأنّ اشتراط التكليف بالقدرة يرجع ـ بحسب التطبيق ـ إلى الاشتراط بعدم الإتيان بالآخر، فلم يصبح مفاد الدليلين أوسع من الحكمين المترتّبين، وقد فرضنا إمكان الترتّب، فلا يبقى بينهما تناف.
ولو اقتصرنا على هذا المقدار من التقريب لأمكن الإيراد على ذلك: بأنّ القدرة التي هي شرط عقليّ في الإلزام إنّما هي القدرة حدوثاً، لا القدرة حدوثاً وبقاءً في مقابل التعجيز الاختياريّ، وإلاّ لأمكن الفرار من الواجب بالانشغال بضدّه، ولو لم يكن ضدّه واجباً أصلا. والقدرة الابتدائيّة موجودة في الأمرين، فلا ينتفي موضوع أحدهما بامتثال الآخر. إذن، فالمستفاد من دليل الحكمين يكون أوسع من الحكمين المترتّبين ويقع التعارض بينهما.
التقريب الثاني: أنّنا سلّمنا أنّ التكليف غير مشروط عقلا بأزيد من القدرة حدوثاً، لكنّ القدرة حدوثاً لم تكن إلاّ على الجامع، ولا تتعيّن في أحدهما إلاّ بترك الآخر، فرجع الأمر ـ مرّة اُخرى بحسب التطبيق ـ إلى اشتراط التكليف بترك الآخر، فلم يصبح مفاد الدليلين أوسع من الخطابين المترتّبين، فلا تنافي بين الجعلين.
$
', '', 138), (65, 139, 'book', 'ولو اقتصرنا على هذا المقدار من التقريب لأمكن الإيراد عليه: بأنّ الدليل اللبّيّ الدالّ على اشتراط القدرة ـ وهو قبح تكليف العاجز مثلا ـ لم يدلّ على اشتراط أكثر من القدرة على الجامع، بمعنى القدرة على الواجب ولو بدلا عن أضداده، ولا تشترط القدرة عليه تعييناً. ولذا يكفي في صحّة إيجاب ما له أضداد غير واجبة، أن يكون المكلّف قادراً على ذلك الواجب بدلا عن باقي الأضداد، لا تعييناً، والقدرة على الجامع بهذا المعنى موجودة حدوثاً بالقياس إلى كلّ واحد منهما، فلا يرجع الأمر إلى اشتراط الحكم بترك الآخر، فيكون مفاد الدليلين أوسع من الحكمين المترتّبين، فعاد التنافي بين الجعلين.
التقريب الثالث: أنّ المخصّص اللبّيّ العامّ كما قيّد الأحكام بالقدرة التكوينيّة في مقابل العجز التكوينيّ، كذلك قيّدها بشيء آخر، ولنسمّه بالقدرة الشرعيّة. ففي التقريبين السابقين كنّا ننظر إلى القدرة التكوينيّة، فتارة قلنا: إنّ القدرة التكوينيّة على أحدهما تزول بالانشغال بالآخر. واُخرى قلنا: إنّها لم تتعلّق حدوثاً بأزيد من الجامع. وقد عرفت أنّ كلا التقريبين لا ينتج المقصود، والآن نقول:
إنّ هنا تخصيصاً لبّيّاً آخر على عموم الأحكام، وهو التخصيص بما نسمّيه بالقدرة الشرعيّة، ونقصد بها هنا: عدم انشغال المكلّف بالضدّ الأهمّ أو المساوي. وبتعبير جامع: عدم انشغاله بضدٍّ لا يقل أهمّيّة عن هذا الواجب.
والبرهان على هذا التقييد هو: أنّه لو فُرض أنّ المولى كان يهدف من إيجاب هذا الواجب على عبده ـ بالرغم من فرض انشغاله بما لا يقلّ أهمّيّة عنه ـ أن يأتي العبد بهذا الواجب منضمّاً إلى ذلك الفعل الآخر، فهذا غير مقدور للعبد. وإن كان يهدف أن ينصرف العبد من ذلك الفعل الآخر إلى هذا الواجب، فهذا خلف كون ذاك الفعل الآخر لا يقلّ أهمّيّة عن هذا الواجب.
فإذا ثبت بهذا البيان أنّ كلّ واحد من التكليفين مقيّد في نفسه بفرض عدم
', '', 139), (65, 140, 'book', 'الانشغال بما لا يقلّ أهمّيّة عنه، إذن فلا تعارض بينهما؛ لأنّهما لو كانا متساويين فمآل ذلك إلى تقييد كلّ منهما بفرض ترك الآخر؛ إذ الآخر لا يقلّ أهمّيّة عنه. وهذا هو الترتّب من الطرفين، وقد فرغنا عن إمكانه. ولو كان أحدهما أهمّ فمآل ذلك إلى تقييد المهمّ بفرض ترك الأهمّ، دون العكس؛ لأنّ المهمّ بالقياس إلى الأهمّ ليس مصداقاً لما لا يقلّ أهمّيّة عنه، بخلاف الأهمّ بالقياس إلى المهمّ. وهذا هو الترتّب من طرف واحد، وقد فرغنا عن إمكانه.
إلاّ أنّ هذا البيان قد تورد عليه شبهة، وهي: أنّ كلّ واحد من الحكمين إنّما عرفنا تقيّده بعنوان عدم الانشغال بما لا يقل أهمّيّة عن متعلّقه، ولم نعرف تقيّده بعنوان ترك الآخر. إذن، فنتمسّك بإطلاقه لصورة فعل الآخر، وبذلك نثبت أنّ فعل الآخر أقلّ أهمّيّة من متعلّقه. وهذا الإطلاق موجود في كلا الطرفين، فكلّ منهما يدلّ على أنّ الآخر أقلّ أهمّيّة منه، فهذان الإطلاقان يتعارضان.
وقد يجاب عن هذه الشبهة: بأنّ هذا تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص؛ فإنّ الآخر لو كان في الواقع مصداقاً لِما لا يقلّ أهمّيّة عن هذا، لكان فرض الانشغال به خارجاً عن إطلاق الحكم حتماً، ونحن نحتمل كونه كذلك، ولا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
وقد يورد على هذا الجواب: بمنع عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص في مثل هذا المورد، وذلك بناءً على جملة من المباني في باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص:
الأوّل: مبنى جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص إذا كان المخصّص لبّيّاً؛ حيث إنّ المخصّص في المقام لبّيّ.
الثاني: مبنى التفصيل في المخصّص اللُبّيّ: بين ما لو عرفنا خروج مصداق بالفعل بذلك المخصّص عن تحت الإطلاق، وحينئذ فقد انثلم الإطلاق، فإذا
', '', 140), (65, 141, 'book', 'شككنا في فرد آخر أنّه هل هو داخل في الثالم أو في المنثلم، لم يمكن التمسّكبالإطلاق. وما لو لم نعرف ذلك أصلا، فاحتملنا عدم انثلام الإطلاق بوجه، فحينئذ يجوز التمسّك بالعامّ، ويكون إطلاق العامّ قرينةً على أنّ المولى هو فَحَص وأحرز عدم تحقّق عنوان المخصّص في مورد من الموارد أصلا، فلو قال مثلا: (لعن الله بني اُميّة قاطبة)، وعرفنا ـ بالمخصّص اللبّيّ ـ خروج المؤمن من ذلك، فإن علمنا بإيمان فرد من بني اُميّة، وشككنا في إيمان فرد آخر ـ كمعاوية بن يزيد مثلا ـ لم يمكن التمسّك بالعامّ لإثبات لعنه، وإلاّ جاز التمسّك به. وفيما نحن فيه لم نعرف خروج مصداق من إطلاق دليل الوجوب؛ إذ لعلّ كلّ أضداد هذا الواجب يقلّ أهمّيّة عن هذا الواجب.
الثالث: ما هو المختار لنا من التفصيل: بين ما لو كانت نسبة المولى بما هو مولى ـ بغضّ النظر عن علم الغيب ـ كنسبة العبد إلى الإطّلاع على صدق عنوان المخصّص على الفرد المشكوك وعدمه، فلا يجوز التمسك بالعامّ. وما لو لم تكن كذلك، بل كان المولى بما هو مولى أخبر بحال هذا الفرد ـ من ناحية صدق عنوان المخصّص وعدمه عليه ـ من العبد، وحينئذ فيجوز التمسّك بالعامّ. وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ المولى أخبر منّا بحال متعلّقات أحكامه، وأنّ الواجب الفلاني هل يقلّ أهمّيّة عن الواجب الفلاني أو لا؟
والجواب: أنّ جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ـ بأحد الوجوه المتقدّمة ـ إنّما يكون في المخصّص المنفصل حيث تمّ ظهور المطلق في الإطلاق وانعقد، وليس شغل المخصّص إلاّ ثلم الحجّيّة، فيقال بعدم ثلمه للحجّيّة في الشبهة المصداقيّة في بعض الأحيان، بأحد التفاصيل المتقدّمة.
أمّا في المخصّص المتّصل ـ الذي لا يدع مجالا لأصل تكوّن الظهور ـ
', '', 141), (65, 142, 'book', 'فلا يجوز فيه بوجه من الوجوه التمسّك بالعامّ في الشبهة المفهوميّة، فما ظنّكبالمصداقيّة؟ والمخصّص فيما نحن فيه متّصل؛ فإنّه لا فرق بين كون المخصّص لفظيّاً متّصلا، وكونه لبّيّاً كالمتّصل، بأن يكون مرتكزاً في ذهن العرف واضحاً، فيمنع عن انعقاد الظهور.
وما ذكرناه من عدم معقوليّة الأمر بالإتيان بشيء منضمّاً إلى ضدّه، ولا صَرفاً عن ضدّه الذي لا يقلّ أهمّيّة عنه، أمرٌ واضح مرتكز في الأذهان لا يُبقي مجالا لإطلاق الأمر لفرض الانشغال بضدٍّ لا يقلّ أهمّيّة عنه(1).
$
', '(1) لا يخفى: أنّ مجرّد بداهة قيد عدم الانشغال بضدٍّ لا يقلّ أهمّيّة عن الواجب، غير كاف لمنع التمسّك بشمول الأمر بالصلاة لفرض الانشغال بالإزالة؛ لأنّه تكفي في صحّة إرادة هذا الإطلاق عدم كون الإزالة أهمّ أو مساوياً، فمقتضى الإطلاق عدم كون الإزالة كذلك. نعم، لو كان التقييد لفظيّاً بأن قال المولى مثلا: (صلّ إن لم تنشغل بما لا يقلّ أهمّيّة عن الصلاة)، كان ظاهر ذلك أنّ المولى قد أحال على نفس العبد الكشف عن تحقّق هذا القيد وعدمه، وبهذه النكتة تبطل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. وهذا الظهور غير موجود في المخصّص اللبّيّ وإن كان بديهيّاً.
وقد يقال: إنّ التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص إن كان صحيحاً، فالتمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة ليس صحيحاً قطعاً. والفرق: أنّ العموم يتوجّه إلى الأفراد ابتداءً، وتخصيص عنوان كالأعداء في مثل: (أكرم جيراني) مثلا، لا يخرج الفرد إلاّ عند كونه عدوّاً، فمادمنا شككنا في عدائه شككنا في خروجه بالتخصيص، فنتمسّك بالعموم الأفراديّ، فيصحّ إثبات وجوب إكرام الجار الفلاني ما لم نعلم كونه عدوّاً، فإنّ قوله: (أكرم جيراني) وإن لم يكن عامّاً بمعنى دخول أداة العموم فيه، ولكنّه عامّ بمعنى ثبوت الحكم فيه ابتداءً على الأفراد، بقرينة: أنّ الجيران صيغة الجمع، وصيغة الجمع تلحظ الأفراد.
وأمّا في مثل الأمر بالإزالة فشموله لحالات الانشغال بالصلاة وعدمه وغير ذلك يكون بالإطلاق، ولا يجوز التمسّك به في الشبهة المصداقيّة؛ لأنّ عنوان فرض الانشغال بالأهمّ أو المساوي قد خرج يقيناً، والحكم لم يكن مسلّطاً على المصاديق ابتداءً كي نتمسّك بإطلاقه للمصداق المشكوك.
والجواب: أنّنا نتمسّك عندئذ بإطلاقه لعنوان فرض الانشغال بالصلاة، أي نقول: إنّ مقتضى الإطلاق هو أن يكون المقصود الأمر بالإزالة، سواء انشغلت بالصلاة أو لا، وبه يثبت عدم كون الانشغال بالصلاة انشغالا بالأهمّ أو المساوي؛ وذلك لأنّ إخراج كلّ عنوان بالتقييد عن المطلق، يُخرج لا محالة كلّ عنوان أضيق من ذلك العنوان، حينما يكون بعنوانه داخلا في ذلك العنوان، كعنوان العالم وعنوان الفقيه.
فإذا خرج من المطلق عنوان، وشككنا في عنوان آخر هل هو من سنخ العنوان الأوّل ـ وإن كان أضيق ـ أو لا، كما شككنا هنا أنّ عنوان الانشغال بالصلاة هل يصدق عليه عنوان الانشغال بالأهمّ أو المساوي، أمكن إثبات دخوله في المطلق بمجرّد إطلاقه العنوانيّ برغم عدم عمومه الأفراديّ، وبالتالي ننفي عنه صدق ذاك العنوان الأوسع عليه.
فالمهمّ في حلّ الإشكال في المقام هو العلم الإجماليّ بكون أحد الواجبين لا يقلّ أهمّيّة عن الآخر؛ إذ لا يعقل أن يكون كلّ واحد منهما يقلّ أهمّيّة عن الآخر، وهذا يوجب عدم انعقاد الإطلاقين، بسبب أنّ وجود هذا العلم الإجماليّ أيضاً بديهيّ لكلّ أحد، فوضوحه زائداً وضوح أصل القيد يُفني الظهور في الشمول والإطلاق.
هذا مضافاً إلى ما يمكن أن يقال: من أنّ دليل كلّ واجب إنّما يكون عرفاً بصدد بيان وجوبه في ذاته، لا بصدد بيان نسبته من حيث الأهمّيّة وعدمها بالقياس إلى ما قد يزاحمه من واجب آخر.
', 142), (65, 143, 'book', '
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ باب التزاحم يمتاز عن باب التعارض. وعليه فيجب الانتقال إلى المرحلة الثانية فنقول:
$
', '', 143), (65, 144, 'book', '2 ـ أحكام التزاحم
وأمّا المرحلة الثانية: وهي معرفة أحكام باب التزاحم بعد اتّضاح عدم رجوعه إلى التعارض، فيجب أن نرى ما هي مرجّحات باب التزاحم، وأنّه على تقدير عدم المرجّح ما هي الوظيفة في المقام؟
مرجّحات باب التزاحم:
أمّا مرجّحات باب التزاحم: فمن الطبيعي الحاجة إلى استيناف بحث عن المرجّحات في باب التزاحم، وعدم الاستغناء بمرجّحات باب التعارض، بعد أن أصبح باباً مستقلاًّ، ومن الواضح أنّه بعد عدم رجوعه إلى التعارض، لا معنى لمثل الترجيح بأقوائيّة الظهور أو أقوائيّة السند مثلا.
والميزان العامّ للترجيح في باب التزاحم هو: ورود أحد الحكمين على الآخر بنفسه أو بامتثاله، دون العكس. ويتّضح موارد هذا الورود بالتدقيق في النكتة التي تنفي التعارض بينهما، فتلك النكتة ـ بالتعمّق فيها ـ هي التي قد توجب تقديم أحدهما على الآخر. فمثلا حينما تكون نكتة عدم التعارض ما مضى من أنّ أحدهما بامتثاله يرفع موضوع الآخر؛ لأنّه لا يقل أهمّيّة عنه، فقد تكون هذه النكتة تنطبق على أحدهما دون الآخر، فيصبح أحدهما وارداً على الآخر بالامتثال دون العكس، فيكون ذاك الوارد هو الأرجح. وتفصيل الكلام في ذلك يكون بشرح الكلام في المرجّحات واحداً بعد آخر فنقول:
1 ـ تقديم المشروط بالقدرة العقليّة على المشروط بالقدرة الشرعيّة:
المرجّح الأوّل: ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّه إذا كان أحد الواجبين مشروطاً بالقدرة الشرعيّة والآخر مشروطاً بالقدرة العقليّة، قُدّم المشروط بالقدرة
', '', 144), (65, 145, 'book', 'العقليّة على المشروط بالقدرة الشرعيّة. ويقصد(رحمه الله) بالقدرة الشرعيّة القدرة الدخيلة في الملاك، فيرجع الكلام إلى أنّه لو كان عندنا واجبان متزاحمان، وكانت القدرة في أحدهما دخيلة في الخطاب والملاك، ولكن في الآخر لم تكن دخيلة إلاّ في الخطاب دون الملاك، فالثاني مقدّم على الأوّل.
وتحقيق الكلام في ذلك يرتبط بما يقصد من معنى لكلمة القدرة الدخيلة في الملاك:
فإن قُصد بالقدرة: القدرة التكوينيّة في مقابل العجز التكوينيّ ـ وهي القدرة بالمعنى الذي تكلّمنا عنها في التقريب الأوّل والثاني من تقريبات عدم التعارض بين دليلي الحكمين المتزاحمين ـ رجع حاصل هذا الترجيح إلى القول بأنّ ما لا تكون القدرة التكوينيّة دخيلة في ملاكه يقدّم على ما تكون القدرة التكوينيّة دخيلة في ملاكه.
وهذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لما عرفت في ردّ التقريبين الأوّلين من أنّ القدرة التكوينيّة ثابتة بلحاظ كلا الحكمين، فالحكم الذي كان ملاكه مشروطاً بالقدرة قد تحقّق شرطه، فلا يبقى فرق بين الحكمين حتّى يكون أحدهما وارداً على الآخر دون العكس؛ فإنّ المولى على أيّ حال سوف يخسر أحد الملاكين، سواء اشتغل المكلّف بهذا أو بذاك.
وإن قُصد بالقدرة: ما يشمل عدم الانشغال بالواجب المزاحم، قُدّم الحكم الذي لا تكون القدرة بهذا المعنى دخيلة في ملاكه على الحكم الذي تكون القدرة بهذا المعنى دخيلة في ملاكه، وهذا كلام صحيح.
وتوضيح ذلك: أنّه بالدقّة يجب أن نُدخل تعديلا على ما ذكرناه من شرط الحكم، وهو عدم الانشغال بما لا يقلّ أهمّيّة عنه، وذلك بأن يقال: إنّ شرط الحكم هو عدم الانشغال بما لا يقلّ أهمّيّة عنه، ممّا لا يكون بنحو يرتفع ملاكه بمزاحمه
', '', 145), (65, 146, 'book', 'دون العكس. أمّا إذا كان الانشغال بأحدهما رافعاً لملاك الآخر دون العكس، فلا محالة يقدّم الأوّل على الثاني؛ إذ لو انشغل العبد بالأوّل لم يخسر المولى شيئاً من الملاكين: أمّا ملاك الأوّل فلأنّه قد حصل بالامتثال، وأمّا ملاك الثاني فلأنّه قد ارتفع موضوعه. ولكن لو انشغل بالثاني خسر المولى ملاك الأوّل، وعليه فيصبح الحكم الثاني مشروطاً بعدم امتثال الحكم الأوّل، ولا يكون الحكم الأوّل مشروطاً بعدم امتثال الثاني، بل يكون مطلقاً من هذه الناحية، فيكون الحكم الأوّل وارداً على الحكم الثاني بالامتثال.
ولا يرد هنا ما مضى من أنّ المولى لماذا يأمر العبد بالأوّل بالرغم من انشغاله بالثاني؟ هل لكي يأتي به العبد منضمّاً إلى الثاني، أو لكي يصرفه عن الثاني إلى الأوّل؟ أمّا الأوّل فهو غير مقدور للعبد، وأمّا الثاني فهو بلا موجب مع فرض المساواة في الملاك؛ فإنّه إن قيل كذلك اخترنا في مقام الجواب: الفرض الثاني، وهو أنّه يأمره بالأوّل لكي يصرفه عن الثاني إلى الأوّل؛ لما عرفت من أنّ العبد لو انشغل بالأوّل لم يخسر المولى شيئاً من الملاكين، ولو انشغل بالثاني خسر الأوّل.
وإن قُصد بالقدرة ـ زائداً على ما مضى ـ: عدم توجّه تكليف آخر إليه، بما يضادّ متعلّق هذا التكليف رجع حاصل الترجيح إلى أنّ الحكم الذي لا يكون عدم التكليف بما يضادّ متعلّقه دخيلا في ملاكه، مقدّم على الحكم الآخر الذي يكون عدم التكليف بالضدّ دخيلا في ملاكه.
وهذا الكلام صحيح؛ لأنّ التكليف الأوّل يكون وارداً على التكليف الثاني بنفسه. وهذا الأمر تامّ حتّى لو قيل باستحالة الترتّب؛ فإنّ تعليق أحد الحكمين على عدم توجّه الحكم الآخر إليه يرفع التنافي بينهما لا محالة، حتّى عند القائلين باستحالة الترتّب.
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ ترجيح الحكم المشروط بالقدرة العقليّة على
', '', 146), (65, 147, 'book', 'المشروط بالقدرة الشرعيّة صحيح بأحد معنيين:
1 ـ أن تكون القدرة بالمعنى الشامل لعدم الانشغال بما يضادّ طلب المولى نفسه دخيلة في ملاكه.
2 ـ أن تكون عدم توجّه التكليف الآخر دخيلا في ملاكه.
بقيت هنا أربعة أبحاث:
البحث الأوّل: أنّ القدر المتيقّن من مورد تطبيق هذا المرجّح ـ بناءً على صحّة الترجيح به ـ هو ما لو ثبت في أحد الواجبين أنّ قدرته عقليّة، وفي الآخر أنّ قدرته شرعيّة، فيرجّح الأوّل على الثاني. أمّا لو لم نعرف في كلّ منهما أنّ قدرته عقليّة أو شرعيّة، فمن الواضح عدم إمكان تطبيق هذا المرجّح عليهما.
تبقى صورتان اُخريان ينبغي الكلام عن أنّهما هل تُلحقان بالصورة الاُولى في تطبيق هذا المرجّح عليهما، أو بالصورة الثانية في عدم تطبيق ذلك:
إحداهما:ما لو ثبت في أحد الواجبين أنّ القدرة فيه شرعيّة، ولم نعرف أنّ القدرة في الآخر عقليّة أو شرعيّة، فقد يقال: إنّ هذا ملحق بالصورة الاُولى؛ لأنّه لو قدّم الثاني على الأوّل جزم بأنّه لم يخسّر المولى شيئاً؛ لأنّه قد حصّل الملاك الثاني وأعدم موضوع ملاك الأوّل حتماً، بينما لو عكس احتمل خسارة المولى لملاك الثاني.
إلاّ أنّ الصحيح: أنّ هذه الصورة الثالثة تُلحق بالصورة الثانية دون الاُولى؛ لأنّ الشكّ في الحقيقة في سعة دائرة ملاك الثاني وضيقه(1)؛ إذ لا ندري أنّه في صورة العجز يكون الملاك ثابتاً أو لا، وهذا ـ كالشكّ في سعة دائرة الخطاب وضيقه ـ موردٌ للاُصول المؤمّنة، فاحتمال تخسير المولى للملاك لا يضرّ في المقام؛ لأنّ هذا الملاك داخل تحت الاُصول المؤمّنة.
$
', '(1) زائداً الشكّ في سعة دائرة خطابه وضيقه.
', 147), (65, 148, 'book', '
والاُخرى: عكس الصورة الثالثة، أي: ما لو ثبت في أحد الواجبين أنّ القدرة عقليّة، ولم نعرف أنّ القدرة في الآخر عقليّة أو شرعيّة، فلو قدّم الأوّل على الثاني كانت خسارة المولى احتماليّة، بينما لو عكس كانت خسارة المولى قطعيّة.
والصحيح: أنّ هذه الصورة تُلحق بالصورة الاُولى؛ وذلك لأنّ سعة دائرة ملاك الأوّل ودخوله في العهدة معلوم، والاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ، فلو أتى بالأوّل قطع بالفراغ من ملاكه واحتمل فوت ملاك الثاني، لكنّه تحت التأمين؛ لعدم الجزم بسعة ملاك الثاني وثبوته عند الاشتغال بالأوّل.
أمّا لو أتى بالثاني لم يحصل له الجزم بخروجه عن عهدة ملاك الأوّل؛ إذ الخروج عن عهدة ملاك الأوّل يكون بأحد أمرين: إمّا بالإتيان به لكي لا يخسر المولى ذاك الملاك، وهذا ما لم يفعله. وإمّا بالإتيان بما يجبر هذه الخسارة، أي: بملاك آخر يساويه مثلا، ممّا كان يخسره المولى لو أتى بالأوّل، وهذا غير معلوم؛ إذ لعلّ ملاك الآخر مشروط بالقدرة، فلو كان يأتي بالأوّل لم يكن يخسر المولى، حتّى يكون الإتيان بالثاني جبراناً لكسر خاطر المولى بتفويت ملاك الأوّل عليه. إذن، فقاعدة الاشتغال محكّمة في المقام(1).
فتحصّل أنّ الترجيح بهذا المرجّح منطبق بلا إشكال على الصورة الاُولى، وغير منطبق بلا إشكال على الصورة الثانية، والصحيح: عدم انطباقه على الصورة الثالثة، والصحيح: انطباقه على الصورة الرابعة.
البحث الثاني: أنّه قد يكون كلا التكليفين مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، ومع ذلك
', '(1) سنخ تحكيمها في موارد الشكّ في القدرة على الامتثال؛ لعلمه بالملاك المبرز وشكّه في القدرة على عدم تخسير المولى.
', 148), (65, 149, 'book', '
يتقدّم أحدهما على الآخر حينما يكون الشرطان مختلفين. ونذكر بهذا الصدد صورتين:
الصورة الاُولى: ما لو كان أحد الحكمين مشروطاً بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثاني ـ أي: أنّ ملاكه كان مقيّداً بعدم انشغاله بالمزاحم ـ والحكم الآخر كان مشروطاً بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث ـ أي: أنّ ملاكه تقيّد بعدم توجّه الحكم المزاحم إليه ـ فالأوّل يقدّم على الثاني.
والبرهان على ذلك: أنّ الحكم الثاني لا يمكن أن يكون فعليّاً؛ إذ هل تُفرض فعليّته حتّى مع فرض فعليّة الأوّل، أو تُفرض فعليّته على تقدير عدم فعليّة الأوّل؟
فإن فرض الأوّل ـ وهو فعليّته حتّى لو فُرضت فعليّة الأوّل ـ فهذا خلف؛ لأنّ المفروض أنّ الخطاب الثاني مشروط بعدم توجّه الخطاب الآخر إليه.
وإن فُرض الثاني ـ وهو تقيّده بما لو لم يكن الخطاب الآخر فعليّاً في حقّه ـ ففرض عدم فعليّة الآخر في حقّه هو فرض انشغاله بالثاني؛ لأنّ المفروض أنّه مقيّد بعدم انشغاله به، إذن فتقيّد هذا الخطاب بعدم فعليّة ذاك الخطاب يساوق تقيّده بالإتيان بمتعلّق نفسه، والتكليف بشيء على تقدير الإتيان به غير معقول.
الصورة الثانية: ما لو كان كلّ واحد من الحكمين مقيّداً بعدم الحكم الآخر، إلاّ أنّ أحدهما كان مقيّداً بعدم الوجود اللولائيّ للآخر، أي: أنّه لو كان للآخر وجود لولا هذا فهذا غير موجود، والآخر كان مقيّداً بعدم الوجود الفعليّ للأوّل، فالثاني يقدّم على الأوّل؛ إذ هو مشروط بعدم الوجود الفعليّ للأوّل، وهذا الشرط حاصل؛ إذ الأوّل ليس له وجود فعليّ؛ لأنّ وجوده الفعليّ مشروط بعدم الوجود اللولائيّ للآخر، وهذا الشرط غير متحقّق؛ بداهة أنّه لولاه لكان الحكم الآخر فعليّاً بلا إشكال. إذن، فشرط الثاني حاصل، وشرط الأوّل غير حاصل، فيقدّم عليه لا محالة.
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ المشروط بالقدرة العقليّة مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة بأحد المعنيين الأخيرين. وأنّ المشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى
', '', 149), (65, 150, 'book', 'الثاني مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث. وأنّ المشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث ـ إذا كان مشروطاً بعدم الوجود الفعليّ ـ مقدّم على المشروط بعدم الوجود اللولائيّ.
وكلّ واحد من هذه الأساليب الثلاثة قد يطبّق على مثال تزاحم الحجّ والنذر في مقام تقديم الحجّ على النذر:
فقد يقال: إنّ الحجّ مقدّم على النذر؛ لأنّ الحجّ مشروط بالقدرة العقليّة، لكنّ النذر مشروط بالقدرة الشرعيّة استظهاراً من مثل قوله: «شرط الله قبل شرطكم»، وإن كان قد يعكس الأمر، فيقدّم النذر بدعوى: كون قدرته عقليّة، والقدرة في الحجّ شرعيّة استظهاراً من مثل قوله: ﴿لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاع ...﴾.
وقد يقال: إنّ الحجّ مقدّم على النذر وإن فُرضت قدرته شرعيّة، بقرينة قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاع﴾؛ وذلك لأنّ القدرة المشروطة في النذر هي القدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث، وذلك بأن يستظهر من قوله: «شرط الله قبل شرطكم» أنّ مجرّد وجود شرط الله يمنع عن وجود شرطنا، بينما لا يستظهر من دليل الحجّ أزيد من اشتراط القدرة بالمعنى الثاني.
وقد يقال: إنّ الحجّ مقدّم على النذر، وإن فُرض أنّنا استظهرنا من قوله:﴿مَنِ اسْتَطَاع﴾ الاستطاعة بمعنى يشمل عدم المزاحم، فكانت قدرته شرعيّة بالمعنى الثالث؛ وذلك لأنّ النذر أيضاً مشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث، ويكون مشروطاً بعدم الوجود اللولائيّ للمزاحم، استظهاراً من قوله: «شرط الله قبل شرطكم» بأن يقال: إنّ هذا يعطي معنى: أنّه متى ما ثبت شرط الله ـ ولو بغضّ النظر عن شرطكم ـ كفى ذلك في عدم تحقّق شرطكم؛ لأنّه شرط واقع قبل شرطكم. بينما في الحجّ غاية ما يمكن أن يقال هي: أنّه يكون مشروطاً بعدم الوجود الفعليّ للمزاحم. وسيأتي تفصيل الكلام في هذا الفرع إن شاء الله.
$
', '', 150), (65, 151, 'book', 'البحث الثالث: أنّه كيف يُستظهر ـ بحسب مقام الإثبات ـ كون القدرة عقليّة أو شرعيّة؟ وهل هناك ضابط لذلك أو لا؟
قد يقال: إنّه متى ما لم تؤخذ القدرة في لسان الدليل، فالأصل فيها أن تكون عقليّة وغير دخيلة في الملاك ما لم تقم قرينة خاصّة على الخلاف. ومتى ما اُخذت القدرة في لسان الدليل فالأصل فيها أن تكون شرعيّة ودخيلة في الملاك ما لم تقم قرينة خاصّة على الخلاف.
وهذا الكلام ـ كما ترى ـ ينحلّ إلى دعويين:
الدعوى الاُولى: أنّه متى ما لم تؤخذ القدرة في لسان الدليل، فالأصل فيها أن تكون عقليّة وغير دخيلة في الملاك. ويمكن الاستدلال على ذلك بأحد وجهين:
1 ـ التمسّك بالدلالة الالتزاميّة للخطاب على الملاك في حال العجز، بالرغم من سقوط الدلالة المطابقيّة على الحكم عن الحجّيّة ـ في ذلك الحال ـ بالمخصّص اللبّيّ، بدعوى: أنّ سقوط الدلالة المطابقيّة لا يضرّ بحجّيّة الدلالة الالتزاميّة.
2 ـ التمسّك بإطلاق المادّة، بدعوى: أنّه حمل عليها محمولان: محمول بارز، وهو الحكم، ومحمول مستتر، وهو الملاك، والأوّل قد قُيّد بالقدرة بدليل لبّيّ، ولكنّنا بالقياس إلى الثاني نتمسّك بالإطلاق.
وكلا هذين الوجهين قد مضى فيما تقدّم من بعض أبحاث الضدّ مع النقاش فيهما، فقد عرفت هناك عدم تماميّتهما. إذن، فعدم أخذ القدرة في لسان الدليل لا يدلّ على كون القدرة عقليّة، ويبقى احتمال كونها شرعيّة ودخيلة في الملاك قائماً. نعم، لا يثبت أيضاً كونها شرعيّة ودخيلة في الملاك، لكن يكفي الشكّ وعدم ثبوت الملاك عند العجز بلا حاجة إلى التأكّد من عدمه.
نعم، بناءً على مبنى السيّد الاُستاذ دامت بركاته من عدم دخل القدرة ـ بحكم العقل ـ في الحكم، وأنّها إنّما تكون دخيلة في التنجيز، يمكن أن يستظهر من عدم
', '', 151), (65, 152, 'book', 'أخذ القدرة في لسان الدليل كون القدرة عقليّة؛ لأنّ إطلاق الدلالة المطابقيّة لحال العجز لا موجب لسقوطه عن الحجّيّة، كي لا تثبت الدلالة الالتزاميّة، وهي الدلالة على ثبوت الملاك حال العجز. إلاّ أنّنا لا نقول بهذا المبنى كما مضى.
الدعوى الثانية: أنّه متى ما اُخذت القدرة في لسان الدليل، فالأصل فيها أن تكون شرعيّة ودخيلة في الملاك. وهذه الدعوى يمكن إثباتها ولو بحسب النتيجة بأحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن يقال: إنّه إذا اُخذت القدرة في لسان الدليل لم يتمّ شيء من الاستظهارين اللذين يستدلّ بهما على كون القدرة عقليّة حينما لا تؤخذ القدرة في لسان الدليل؛ فإنّه لا تبقى دلالة التزاميّة على ثبوت الملاك في حال العجز؛ لأنّ الدلالة المطابقيّة على الحكم تنهدم بوجودها لا بحجّيّتها مع فرض وجودها، حتّى يقال: إنّ انهدام حجّيتها لا يعني انهدام حجّيّة ما تستتبعها من دلالة التزاميّة، ولا يبقى إطلاق للمادّة حتّى يتمسّك به لإثبات الملاك حال العجز.
وهذا الوجه وإن كان لا يثبت كون القدرة شرعيّة ودخيلة في الملاك، لكنّه يعطي نفس النتيجة من ناحية أنّه يثبت عدم تماميّة الدلالة على كون القدرة عقليّة، فبالتالي لا يثبت لدينا اشتمال المتعلّق على الملاك في حال العجز.
الوجه الثاني: أن يقال: إنّه لو حُملت القدرة المأخوذة في لسان الدليل على كونها دخيلة في غرض المولى وملاك الحكم، كان التقييد مولويّاً وصادراً من المولى بما هو مولى، بينما لو حُملت على القدرة العقليّة، كان التقييد عقليّاً بملاك حكم العقل بقبح تكليف العاجز مثلا. ومن الواضح أنّ التقييد الذي يأتي على لسان المولى في مقام بيان الحكم ظاهرٌ في التقييد المولويّ.
وهذا الوجه غير صحيح؛ فإنّ التقييد بالقدرة على أيّ حال تقييد مولويّ؛ إذ ليس التقييد بالقدرة إلاّ عبارة عن تضييق المولى دائرة تشريعه ـ عمداً واختياراً ـ
', '', 152), (65, 153, 'book', 'بفرض القدرة، ولا نعني بالتقييد المولويّ ـ الذي يُحمل عليه ما يأتي على لسان المولى من تقييد عند بيان الحكم ـ إلاّ هذا المعنى، أعني: تضييق المولى دائرة تشريعه عن عمد واختيار. غاية الأمر أنّ نكتة هذا التقييد وملاكه تختلف، فقد تكون نكتته ضيق دائرة الملاك، وقد تكون نكتته القبح العقليّ لتكليف العاجز مثلا.
الوجه الثالث: أن يقال: إنّه لو فُرضت القدرة عقليّة فأخذها في لسان الدليل يكون مجرّد تأكيد صِرف، واستبعاد ذلك عند العرف يُعطي لأخذ القدرة ظهوراً سياقيّاً في معنىً آخر تأسيسيّ، وهو دخلها في الملاك.
وهذا الوجه قد ينافي الدعوى الاُولى؛ وذلك لأنّه إن فُرض التقييد اللبّيّ للخطاب بالقدرة تقييداً نظريّاً كالمنفصل، إذن فالتأكيد عليه بأخذ القدرة في لسان الدليل حسنٌ عرفاً وغير مستبعد، فإنّه تنبيهٌ على شيء غير واضح، ولا يوجب أخذ القدرة في لسان الدليل صرفها إلى القدرة الشرعيّة.
وإن فُرض تقييداً بديهيّاً كالمتّصل، إذن تبطل الدعوى الاُولى، وهي دعوى: أنّ عدم أخذ القدرة في لسان الدليل يوجب حملها على القدرة العقليّة، إذا كان الوجه في ذلك التمسّك بالدلالة الالتزاميّة؛ إذ مع فرض كون التقييد بالقدرة لبّيّاً كالمتّصل، لا تنعقد الدلالة المطابقيّة على الإطلاق لحال العجز، حتّى تستتبع دلالة التزاميّة على ثبوت الملاك حين العجز.
وأمّا إذا كان الوجه في ذلك دعوى التمسّك بإطلاق المادّة:
فإن قلنا(1): إنّ بداهة اشتراط القدرة في الحكم وارتكازيّته كانت بنحو ينصرف إطلاق المادّة إلى الحصّة المقدورة حتّى كأنّ المولى قد أتى بكلمة القدرة في عبارته، إذن بطل التمسّك بإطلاق المادّة أيضاً.
$
', '(1) القول بهذا لا مبرّر له.
', 153), (65, 154, 'book', '
وإن قلنا: إنّ غاية ما تقتضيه بداهة اشتراط القدرة وارتكازيّته، عدم تماميّة مقدّمات الحكمة لتكوين الظهور في الإطلاق، فهذا إنّما يضرّ بإطلاق المادّة بلحاظ المحمول البارز وهو الحكم، دون إطلاقها بلحاظ المحمول المستتر وهو الملاك.
وخلاصة الكلام في هذا المقام: أنّه لو لم تؤخذ القدرة في لسان الدليل، لم نقبل أنّ هذا شاهد على كون القدرة عقليّة لا شرعيّة، بل من المحتمل أن تكون شرعيّة. ولو اُخذت القدرة في لسان الدليل، فظاهر ذلك كون القدرة شرعيّة، وذلك لأجل الوجه الثالث(1).
وهذا المقدار من البيان لا يوجب تقديم أحد الحكمين المتزاحمين على الآخر بالقدرة الشرعيّة بغضّ النظر عن قرائن خاصّة؛ إذ لئن كان أخذ القدرة في لسان الدليل في أحدهما شاهداً على كون القدرة فيه شرعيّة ودخيلة في الملاك، فمن المحتمل كون القدرة في الآخر الذي لم تؤخذ في لسان دليله أيضاً كذلك.
نعم، يبقى أن يعيّن معنى القدرة التي استظهرنا دخلها في الملاك. وهذا راجع إلى الاستظهار من الكلمة الدالّة على القدرة المأخوذة في لسان الدليل، فقد
', '(1) هذا الاستظهار غير واضح؛ فإنّه لو كان دخل القدرة في لسان الدليل في ذاته مجملا مردّداً بين دخلها في الحكم ودخلها في الملاك، أو قل: بين القدرة العقليّة والقدرة الشرعيّة، أمكن القول بأنّ الظهور في التأسيس ـ أو قل: استبعاد التأكيد ـ يصرف الكلام إلى القدرة الشرعيّة. ولكنّ الواقع ليس كذلك، وإنّما أخذ القدرة يدلّ في ذاته على جامع الدخل في الحكم، الأعمّ من كونه بسبب دخله في الملاك، أو بسبب عدم صحّة إطلاق الحكم للعاجز. وهذا المقدار الجامع يحكم به العقل على كلّ حال، ولو من باب إيمانه بعدم صحّة إطلاق الحكم للعاجز، وتكون التأسيسيّة أو التأكيديّة رهينة لما يكون اللفظ في ذاته ساكتاً عنه، وهو دخل القدرة في الملاك وعدمه، وعندئذ لا يتكوّن للكلام ظهور في التأسيس.
', 154), (65, 155, 'book', '
يُستظهر منه المعنى الأوّل الذي عرفت عدم تأثيره في هذا الترجيح. وقد يُستظهر منه المعنى الثاني أو الثالث بحسب اختلاف الألفاظ، فمثلا قد يقول: (افعل هذا لو قدرت)، وقد يقول: (افعله لو لم تنشغل بمانع)، وقد يقول: (افعله لو لم يكن مانع). فقد يُستظهر من الأوّل الأوّل، ومن الثاني الثاني، ومن الثالث الثالث.
فمتى ما استظهر من دليل الحكم ـ الذي اُخذ في لسانه القدرة ـ إنّها القدرة الشرعيّة بالمعنى الثالث، فمقتضى الأصل أن يتقدّم عليه الحكم المزاحم الذي لم تؤخذ القدرة في لسان دليله، بلا حاجة في التقديم إلى قرائن خاصّة؛ وذلك لأنّنا وإن قلنا: إنّ عدم أخذ القدرة في لسان الدليل لا يدلّ على كون القدرة عقليّة وعدم كونها شرعيّة، لكنّه يدلّ بالإطلاق على نفي خصوص المعنى الثالث، وهو دخل عدم توجّه خطاب بالمزاحم في الملاك، فإنّ مقتضى إطلاق الحكم هو ثبوته حتّى مع توجّه خطاب بالمزاحم إليه لو لم يمتثله.
وحينما يكون ظاهر اللفظ الدالّ على القدرة المأخوذة في لسان الدليل هي القدرة بالمعنى الثالث، ثبت دخل القدرة في الملاك بلا حاجة إلى الوجوه الثلاثة التي ذكرناها لإثبات ذلك. والنكتة في ذلك هي: أنّ دخل القدرة بذلك المعنى في الخطاب ليس عقليّاً، فإذا اُخذت القدرة بذلك المعنى قيداً في الخطاب دلّ ذلك لا محالة على دخلها في الملاك. هذا.
وحاصل الكلام في كيفيّة استظهار كون القدرة عقليّة أو شرعيّة: أنّه إن اُخذت في أحد الدليلين القدرة بالمعنى الثالث في الموضوع، فهذا دليل على كون القدرة شرعيّة؛ لأنّ القدرة بالمعنى الثالث غير دخيلة بحكم العقل، فدخلها شرعاً لا يكون إلاّ بدخلها في الملاك، وعدم أخذها في دليل الآخر دليل على عدم اشتراطه بالقدرة الشرعيّة بهذا المعنى؛ لأنّ إطلاق الخطاب ينفي هذا القيد؛ لعدم كونه قيداً عقليّاً.
$
', '', 155), (65, 156, 'book', 'أمّا إذا لم تؤخذ القدرة بالمعنى الثالث في دليل أحد الحكمين، فإن فُرض تساوي الدليلين في عدم أخذ القدرة ـ التي هي قيد لبّيّ ـ في لسان أحدهما، أو أخذها في لسانهما معاً بنهج واحد، فمن الواضح أنّه عندئذ لا معنى لترجيح أحد الحكمين على الآخر.
وإن فُرض أخذ ذلك القيد اللبّيّ في أحدهما دون الآخر، فهذا يدخل في الصورة الاُولى من الصور الأربع التي مضى ذكرها لو اعترفنا بمجموع أمرين: أحدهما: أنّ أخذ القدرة في لسان الدليل قرينة على دخلها في الملاك. والآخر: أنّ عدم أخذ القدرة في لسان الدليل قرينة على عدم دخلها في الملاك، إمّا للدلالة الالتزاميّة، أو لإطلاق المادّة، فعندئذ يكون هذا داخلا في الصورة الاُولى، أعني: ما لو ثبت في أحدهما أنّ القدرة شرعيّة وفي الآخر أنّها عقليّة، فيقدّم الثاني على الأوّل.
أمّا لو لم يتمّ كلا الأمرين فيدخل المورد في الصورة الثانية من تلك الصور، أعني: ما لو لم نحرز في كليهما أنّ القدرة عقليّة أو شرعيّة.
وأمّا لو فُرضت تماميّة الأمر الأوّل وعدم تماميّة الأمر الثاني ـ كما هو الصحيح ـ دخل المورد في الصورة الثالثة من تلك الصور، أعني: ما لو اُحرز في أحدهما أنّ القدرة شرعيّة، ولم يُحرز في الآخر أنّها شرعيّة أو عقليّة.
ولو فرض العكس، أعني: تماميّة الأمر الثاني دون الأوّل، دخل في الصورة الرابعة، أعني: ما لو اُحرز في أحدهما أنّ القدرة عقليّة ولم يُحرز في الآخر أنّها عقليّة أو شرعيّة، وهذا كاف في الترجيح كما مضى، إلاّ أنّ هذا كلّه مجرّد فرض.
أمّا ما هو المنسجم مع التعبير العرفيّ والفقهيّ، فهو أنّه حينما يؤخذ في لسان الدليل عدم الانشغال بالمزاحم، لا يؤخذ عادة فيه ذلك القيد اللبّيّ بحدوده، أعني: عدم الانشغال بخصوص الأهمّ أو المساوي، بل يؤخذ مطلق عدم الانشغال
', '', 156), (65, 157, 'book', 'بواجب آخر، فيقول مثلا: (إن لم يكن لديك شغل واجب فاصنع كذا). وعندئذ يتقدّم كلّ واجب آخر عليه؛ وذلك لأنّنا إن ادّعينا أنّ المستظهر عرفاً من هذا التقييد أنّه لا تجعل هذا الواجب مزاحماً لأيّ واجب آخر، بل قدّم كلّ واجب آخر عليه بالأهمّيّة، فلا إشكال في التقديم. وإن لم ندّع هذا الاستظهار العرفيّ كفانا في تخريج تقديم كلّ واجب آخر عليه أحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أن يُدرج ذلك فيما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من الترجيح باحتمال الأهمّيّة بأن يقال: إنّ هذا الواجب الذي اُخذ في موضوعه عدم الانشغال بواجب آخر، لا نشكّ في أنّه على تقدير كون القدرة المأخوذة فيه ـ في مقابل مزاحمه ـ عقليّة، فهو ليس بأهمّ من مزاحمه، وإلاّ لما كان يؤخذ عدم الانشغال بمزاحمه في موضوعه، بينما نحتمل أهمّيّة مزاحمه منه.
وأمّا على تقدير كون قدرته شرعيّة فالاحتمالات متكافئة. إلاّ أنّ الترجيح بهذا البيان موقوف على قبول الترجيح بالأهمّيّة حتّى في المشروطين بالقدرة الشرعيّة الذي سيأتي بحثه في المرجّح الثالث؛ إذ من المحتمل كون كلا الواجبين في المقام مشروطين بالقدرة الشرعيّة.
التقريب الثاني: أن يقال: إنّ القدرة المأخوذة في الواجب ـ المشروط بعدم الانشغال بواجب آخر ـ شرعيّة حتماً، وليست عقليّة؛ وذلك لأنّ نكتة أخذ عدم الانشغال بواجب آخر في موضوع هذا الواجب ليست هي مجرّد أنّ المولى لاحظ ـ بنحو القضيّة الخارجيّة ـ أنّ كلّ ما يزاحم هذا الواجب فهو إمّا أهمّ منه أو مساو له مثلا، أو أنّ المولى لاحظ هذا الواجب، فرأى أنّ ملاكه هو أقلّ مقدار ممكن من الملاك الباعث للإيجاب، بل يستكشف من ظاهر دليل التقييد بعدم الانشغال بواجب آخر أنّ الانشغال بواجب آخر يرفع ملاك هذا الواجب، وذلك:
إمّا بتقريب أنّنا نعلم ـ ولو إجمالاً ـ أنّ بعض الواجبات في الشريعة قدرته
', '', 157), (65, 158, 'book', 'شرعيّة(1)، وإطلاق التقييد بعدم الانشغال بواجب آخر يشمل مثل هذا الواجب، بينما هذا لا يمكن تخريجه على أساس كون ملاك هذا المزاحم أهمّ أو مساوياً؛ إذ حتّى لو كان كذلك، وكانت القدرة في هذا الواجب عقليّة، لكان مقدّماً على ذاك المزاحم، ولم يبق مبرّر للتقييد بعدم الانشغال بواجب آخر. إذن، يستكشف من ذلك أنّ كلّ واجب آخر يكون بامتثاله رافعاً لملاك هذا الواجب. أمّا احتمال التبعيض، بأن تكون القدرة في هذا الواجب تجاه كلّ واجب مقيّد بالقدرة الشرعيّة شرعيّة وتجاه غير ذلك عقليّة، فغير عقلائيّ.
وإمّا بتقريب أنّ الظاهر من دليل التقييد بعدم الانشغال بواجب آخر هو: أنّ ذات الانشغال بواجب آخر ـ بنحو القضيّة الحقيقيّة ـ(2) هو المانع عن وجوب هذا
', '(1) لا يخفى أنّ دعوى هذا العلم الإجماليّ تنافي ما سيأتي من البرهنة على أنّ القدرة في الواجب الآخر عقليّة.
(2) الظهور في كون القيد ملحوظاً بنحو القضيّة الحقيقيّة، إنّما يكون فيما إذا كان لحاظ الخارج من قِبَل المولى ـ بما هو مولى ـ غير ممكن إلاّ على أساس إعمال الغيب، ولكن في المقام يكون المولى ـ بما هو مولى ـ مطّلعاً على باقي واجباته، وعلى حدود ملاكات الواجبات، فلحاظ ذلك ليس خلاف الظاهر.
والأولى من كلّ هذه التقريبات أن يقال: إنّ الواجب الذي اُخذ في لسان دليله، قيد عدم الانشغال بواجب مزاحم، لا يخلو حال هذا القيد فيه ـ بالقياس إلى الواجب الآخر ـ من كونه قدرة عقليّة غير دخيلة في الملاك، أو شرعيّة دخيلة في الملاك. وعلى الثاني، فالقدرة في الواجب الآخر ـ الذي لم تؤخذ في لسان دليله ـ عقليّة، بالبرهان الذي سيأتي في المتن بعد أسطر: من شمول إطلاق دليل الواجب الآخر لفرض الانشغال بواجب كانت قدرته شرعيّة. وعلى الأوّل، فالقدرة في الواجب الآخر الذي لم تؤخذ في لسان دليله أيضاً عقليّة؛ إذ لو كانت شرعيّة مع كون القدرة في الواجب الذي اُخذت في لسان دليله عقليّة، لكان هذا رافعاً بامتثاله موضوع ما كانت قدرته شرعيّة، دون العكس. فلا يبقى معنى لأخذ قيد عدم الانشغال بالواجب المزاحم في لسان دليله، وقد فُرض أخذه فيه.
وعليه فنحن نعلم إجمالاً بأنّه إمّا أنّ القدرة في كليهما عقليّة، أو فيما لم تؤخذ في لسان دليله عقليّة، وفيما اُخذت في لسان دليله شرعيّة. وعلى الثاني يتقدّم ما لم تؤخذ القدرة في لسان دليله على ما اُخذت القدرة فيه، بنكتة عقليّة القدرة في الأوّل، وشرعيّتها في الثاني. وعلى الأوّل يتقدّم أيضاً ما لم تؤخذ القدرة في لسان دليله بنكتة احتمال الأهمّيّة؛ لأنّهما بعد فرض القدرة فيهما عقليّتين، لا يمكن أن يقيّد الثاني بعدم الانشغال بالأوّل، إلاّ إذا لم يكن الثاني أهمّ، فلا يبقى إلاّ احتمال أن يكونا متساويين أو يكون الأوّل أهمّ.
', 158), (65, 159, 'book', '
الواجب، ولو فُرض ذاك الواجب الآخر قدرته شرعيّة مثلا، وهذا لا يكون إلاّ بفرض القدرة في هذا الواجب شرعيّة.
فإذا اتّضح أنّ القدرة في هذا الواجب شرعيّة، جئنا إلى الواجب الآخر المزاحم لهذا الواجب وقلنا: إنّ القدرة في ذاك الواجب الآخر ـ بالقياس إلى هذا الواجب ـ عقليّة حتماً؛ وذلك لأنّ إطلاق دليل ذاك الواجب يشمل فرض الانشغال بهذا الواجب، فحتّى مع الانشغال بهذا الواجب يكون ذاك الواجب ثابتاً بملاكه ووجوبه، في حين أنّه مع الانشغال بذاك الواجب يرتفع هذا الواجب بوجوبه وملاكه، فلا محالة يتقدّم ذاك على هذا.
أمّا النكتة في شمول إطلاق دليل ذاك الواجب لفرض الانشغال بهذا الواجب، فهي: أنّ ما مضى من القيد اللبّيّ في واجب، وهو عدم الانشغال بواجب أهمّ أو مساو (إذ معه لا معنى لإيجابه عليه ضمّاً إلى ذاك، ولا بدلا عنه؛ لأنّ الأوّل غير
', '', 159), (65, 160, 'book', 'معقول، والثاني بلا مبرّر) لابدّ من إجراء تعديل عليه، وذلك بأن يقال: إنّ القيد اللبّيّ في كلّ واجب هو عدم الانشغال بواجب متّصف بوصفين: أحدهما: كونه أهمّ أو مساوياً لمزاحمه، والثاني: كون قدرته تجاه مزاحمه عقليّة؛ إذ لو كانت شرعيّة كان من المحتمل أنّ المولى يريد الانشغال بمزاحمه بدلا عنه؛ إذ من المحتمل كون قدرته عقليّة. إذن، فالإطلاق يتمّ وتثبت به حقّانيّة هذا الاحتمال(1).
البحث الرابع: أنّ تقدّم المشروط بالقدرة العقليّة على المشروط بالقدرة الشرعيّة، هل يشمل صورة كون المشروط بالقدرة الشرعيّة أهمّ، أو لا؟
التحقيق: أنّ هذا يرجع إلى صياغة أخذ قيد القدرة في لسان الدليل في المشروط بالقدرة الشرعيّة: فإن كان ذلك بما مضى من الصياغة العرفيّة، أعني:
', '(1) لا بأس بأن نسجّل هنا خلاصة النتائج التي اعتقدها اُستاذنا(رحمه الله) في بحث الترجيح بالقدرة العقليّة والقدرة الشرعيّة في كلّ واجبين متزاحمين لم تؤخذ القدرة في لسان دليل أحدهما واُخذت في لسان دليل الآخر، وهي: أنّ القدرة المأخوذة في لسان دليل ذاك الواجب قد تكون بمعنى القدرة التكوينيّة، وقد تكون بمعنى يشمل عدم الانشغال بالأهمّ أو المساوي، وقد تكون بمعنى الانشغال بأيّ واجب آخر، وقد تكون بمعنى يشمل مجرّد وجود المزاحم، فهذا أربع صور: أمّا الصورة الاُولى فلا أثر لها في تقديم أحد الواجبين على الآخر أصلا. وأمّا الصورة الثانية فتأثيرها في تقديم ما لم تؤخذ القدرة في لسان دليله على ما اُخذت في لسان دليله موقوف على قيام قرينة خاصّة تدلّ على أنّ القدرة فيما لم تؤخذ في لسان دليله عقليّة. وأمّا الصورة الثالثة فهي تكفي في إثبات ورود ما لم تؤخذ القدرة في لسان دليله على الآخر بالامتثال، بلا حاجة إلى قرينة خاصّة. وأمّا الصورة الرابعة فهي تكفي في إثبات الورود بنفس فعليّة الخطاب بلا حاجة إلى قرينة خاصّة.
', 160), (65, 161, 'book', '
عدم الانشغال بواجب(1) إذن فالمشروط بالقدرة العقليّة يرفع ملاك هذا الأهمّ، فلا أثر لأهمّيّته، ولا يخسره المولى.
وإن كان ذلك بصياغة القيد اللبّيّ، أعني: عدم الانشغال بالأهمّ أو المساوي، إذن فالمشروط بالقدرة الشرعيّة الذي هو الأهمّ هو الذي يتقدّم؛ لأنّ المشروط بالقدرة العقليّة لم يؤخذ عدمه في موضوع هذا؛ لأنّه ليس أهمّ ولا مساوياً له، فلا يرفع موضوعه، فيكون هذا مقدّماً عليه بالأهمّيّة.
2 ـ تقديم ما لا بدل له على ما له البدل:
المرجّح الثاني: ما ذكره أيضاً المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّه لو كان أحد الواجبين ممّا له البدل، والآخر ممّا لا بدل له قُدّم ما لا بدل له على ما له البدل. واستدلّ(رحمه الله)على ذلك بأنّ الحكم الذي له بدل لا اقتضاء له لحفظ متعلّقه بالخصوص، بينما الحكم الذي لا بدل له يقتضي تحقّق متعلّقه بالخصوص، وما لا اقتضاء له لا يمكنه أن يزاحم ما له الاقتضاء، فلا محالة يقدّم ما لا بدل له على ما له البدل.
أقول: إنّ هذا الدليل ـ كما ترى ـ إنّما يناسب ما لو كان البدل بدلا عرضيّاً، فحينئذ لا يقتضي الخطاب الإتيان بالمبدل بالخصوص، وإنّما يقتضي الإتيان بالجامع بينهما. أمّا لو كان البدل طوليّاً ـ وهو مورد الكلام ـ فلا محالة يكون الخطاب مقتضياً لمتعلّقه بالخصوص؛ إذ لم يتعلّق إلاّ به، كما هو واضح، فهذا البرهان غير صحيح.
والصحيح أن ندرس هذا المرجّح على نهج درسنا للمرجّح السابق.
$
', '(1) وكذا لو كان بمعنى عدم وجود واجب آخر مضادّ له، أي: بالمعنى الثالث من معاني القدرة الشرعيّة.
', 161), (65, 162, 'book', '
وتحقيق الكلام في ذلك: أنّه تارة نتكلّم في مرجّحيّة هذا المرجّح بعنوانه مستقلاًّ عن باقي المرجّحات، فيكون المطلوب معرفة ما إذا كان يوجد برهانٌ على مرجّحيّة ما ليس له البدل على ما له البدل بهذا العنوان، وبغضّ النظر عن باقي المرجّحات. واُخرى نتكلّم في مرجّحيّة هذا المرجّح بلحاظ رجوعه إلى مرجّح آخر، فيكون المطلوب معرفة ما إذا كان يوجد برهانٌ على استلزام هذا العنوان لصدق مرجّح آخر من سائر المرجّحات، فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في ترجيح ما لا بدل له على ما له البدل بالأصالة ومستقلاًّ عن سائر المرجّحات.
وأحسن ما يمكن أن يقال في مقام البرهنة على ذلك هو: أنّه قد مضى فيما سبق برهانٌ على أنّ كلّ حكم مشروطٌ بعدم انشغال المكلّف بما لا يقلّ أهمّيّة عنه، وهو أنّه في فرض انشغال العبد بما لا يقلّ أهمّيّة عنه، لماذا يأمره المولى بالفعل الآخر؟ هل يأمره به لكي يأتي به منضمّاً إلى ذلك الفعل، أو لكي يصرفه عن ذلك الفعل إلى هذا الفعل؟ أمّا الأوّل فغير معقول؛ لعدم قدرة المكلّف على الإتيان به منضمّاً إلى الفعل الآخر. وأمّا الثاني فأيضاً غير معقول؛ إذ الفعل الذي فُرض انشغال المكلّف به ليس بأقلّ أهمّيّة من الفعل الذي يُؤمر به، فلا داعي لصرفه عنه إليه.
إلاّ أنّ هذا الشرط ينبغي إدخال تعديل عليه، وذلك بأن يقال: إنّ كلّ حكم مشروط بعدم انشغال المكلّف بما لا يقلّ أهمّيّة عنه ممّا ليس له بدل؛ إذ لو كان له بدل لا يتأتّى ذلك البرهان، فنبقى نحن وإطلاق الخطاب؛ إذ لا نرفع يدنا عن إطلاق الخطاب إلاّ بالمقدار الذي يقتضيه ذلك المقيّد اللبّيّ.
والوجه في عدم تأتّي ذلك البرهان أنّه لو قيل لماذا يأمر المولى بذلك الفعل، هل لكي يجمع العبد بينه وبين الفعل الآخر، أو لكي يصرفه عنه إليه؟ لأمكن أن يجاب على ذلك باختيار الشقّ الثاني، بأن يقال: إنّ المولى يأمره بهذا الفعل لكي
', '', 162), (65, 163, 'book', 'يصرفه عن ذاك الفعل إلى هذا الفعل.
ولا يقال: إنّ هذا الصرف بلا موجب؛ لكونه صرفاً إلى ما لا يزداد أهمّيّة من المصروف عنه.
فإنّه يقال: إنّ الموجب لذلك هو أنّه لو انشغل بما له البدل يفوت على المولى ملاك ما لا بدل له، بينما لو انشغل بما لا بدل له، فكان عاجزاً عمّا له البدل، فانتقل إلى بدله، فقد حصل المولى على كلا الملاكين: أمّا ملاك ما لا بدل له فبالإتيان بمتعلّقه. وأمّا ملاك ما له البدل فبالإتيان ببدله.
وبهذا يتّضح أنّ ما لا بدل له مقدّم على ما له البدل؛ لأنّ الثاني مشروط بعدم الانشغال بالأوّل، بينما الأوّل ليس مشروطاً بعدم الانشغال بالثاني، فالأوّل يكون بامتثاله وارداً على الثاني.
وقد يورد على هذا البيان بأنّ هذا المرجّح يتطلّب دائماً وجود مرجّح سابق، ومعه لا تأثير لهذا المرجّح، وهو معنى بطلان هذا المرجّح.
والنكتة في ذلك: أنّ ترجيح الإزالة مثلا على الصلاة، بكون الصلاة ذات بدل دون الإزالة، يتوقّف طبعاً على ثبوت بدل للصلاة، وعلى كون بدليّة ذاك البدل ثابتاً حين الإزالة، وذلك بثبوت موضوع البدليّة، وهو العجز. والعجز إمّا يكون تكوينيّاً، وهو غير موجود؛ لقدرته على ترك الإزالة وفعل الصلاة. وإمّا يكون تشريعيّاً بمعنى كون انشغاله بالصلاة ملازماً للوقوع في محذور شرعيّ، فيكون عاجزاً شرعاً عن الصلاة، وهذا إنّما يكون بوجوب تقديم الإزالة على الصلاة، فيصبح بذلك عاجزاً شرعاً عن الصلاة. إذن، فيجب إثبات وجوب تقديم الإزالة في الرتبة السابقة على هذا المرجّح بمرجّح آخر كالأهمّيّة، وهذا كما قلنا معناه بطلان هذا المرجّح.
إلاّ أنّ هذا الإيراد يمكن الجواب عليه بأنّ الأمر يختلف باختلاف ما يُستظهر
', '', 163), (65, 164, 'book', 'من دليل البدليّة بحسب اختلاف ألسنته، فقد يُستظهر منه أنّ موضوع البدليّة هو العجز عن المبدل بمعنى يشمل الوقوع في المحذور الشرعيّ، فيقصد بالعجز التشريعيّ استلزام الوقوع في المحذور الشرعيّ، وعندئذ لابدّ من التفتيش عن مرجّح آخر سابق؛ إذ لولاه لا يقع ـ من ترك ما ليس له البدل للانشغال بما له البدل ـ في محذور شرعيّ.
إلاّ أنّه قد يُستظهر منه أنّ موضوع البدليّة هو العجز عن المبدل بمعنى يشمل المعذوريّة، فيقصد بالعجز التشريعيّ المعذوريّة الشرعيّة، وعندئذ يصبح ما ليس له البدل مقدّماً على ما له البدل في المتساويين(1)، بلا حاجة إلى مرجّح سابق؛ وذلك لأنّ الانشغال بالمساوي يكفي في المعذوريّة شرعاً عمّا يساويه، فإذا انشغل بما ليس له البدل كان معذوراً عمّا له البدل، فيأتي ببدله، وبذلك يجمع بين الملاكين، بينما لو انشغل بما له البدل فاته الآخر نهائيّاً.
هذا كلّه إذا فُرض أنّ زمان الإتيان بالبدل هو زمان القدرة على المبدل، أو فُرض أنّ العجز التكوينيّ الناشئ عن العمد والاختيار لا يُحقّق موضوع البدليّة. أمّا لو فرضنا أنّ العجز التكوينيّ العمديّ كان كافياً في تحقيق موضوع البدليّة، وأنّه كان قادراً على البدل بعد عجزه عن المبدل، فحتّى لو فسّرنا العجز التشريعيّ بمعنى استلزام الوقوع في المحذور الشرعيّ، لا بمعنى العذر الشرعيّ، أمكن ترجيح ما ليس له البدل على ما له البدل في المتساويين، من دون فرض مرجّح سابق؛ إذ لو اشتغل بما له البدل فاته الآخر نهائيّاً، بينما لو اشتغل بما ليس له البدل عجز تكويناً ـ بعد مضيّ آن مثلا، أو بانتهائه من العمل ـ عمّا له البدل؛ لفرض التزاحم بينهما، فتصل النوبة إلى البدل، فيأتي بالبدل، فقد جمع بهذا بين الملاكين.
$
', '(1) وفي كلّ مورد لم نجد مرجّحاً آخر لما ليس له البدل، ولو لم نجزم بتساويهما.
', 164), (65, 165, 'book', '
وعلى أيّ حال فقد تحصّل أنّه ليس من الصحيح الإيراد على الترجيح بثبوت البدل وعدمه، باحتياجه إلى مرجّح سابق، بل نفس ثبوت البدل وعدمه يكون مرجّحاً.
نعم، التحقيق أنّ هذا ـ بالدقّة ـ يرجع إلى الترجيح بالأهمّيّة أو باحتمال الأهمّيّة. ولتوضيح الفكرة نفترض ثلاثة فروض ونشرح الحال فيها:
الفرض الأوّل:أن يوجد عندنا واجبان متزاحمان، كالصلاة والإزالة، ولأحدهما بدل وهو الصلاة مثلا، ونحن نعلم أنّ الواجبين متساويان في الملاك، وهنا يتمّ الترجيح بالبدليّة واللابدليّة، بناءً على كون دليل البدليّة شاملا لفرض العجز بمعنى العذر؛ وذلك لأنّه لو أتى بالصلاة فاته كلّ ملاك الإزالة الذي نفترضه ـ مثلا ـ عشر درجات، بينما لو أتى بالإزالة لأمكنه الإتيان ببدل الصلاة، فلا يكون قد فاتته كلّ الدرجات العشرة من ملاك الصلاة؛ لأنّ البدل يتدارك خمساً منها مثلا. فطرف المزاحمة مع الإزالة ذات الدرجات العشرة للملاك، إنّما هو مقدار التفاوت بين الصلاة وبدلها، وهو خمس درجات، فالإزالة أهمّ، وكان الترجيح بهذه الأهمّيّة(1).
الفرض الثاني: أن لا نملك فكرةً عن ملاكي الصلاة والإزالة، فنحتمل تساويهما، ونحتمل رجحان الأوّل، ونحتمل رجحان الثاني. وعندئذ فاحتمال رجحان ملاك الصلاة يوازيه احتمال رجحان ملاك الإزالة، ويبقى احتمال التساوي، وهذا الاحتمال في الحقيقة احتمالٌ لأهمّيّة الإزالة ورجحانه؛ لما عرفت
', '(1) وكذلك الحال لو فرضنا أنّ البدل يتدارك كلّ ملاك المبدل، فأيضاً يكون الترجيح بروح الأهمّيّة، وإن فُرض عدم صدق الأهمّيّة لغة مثلا؛ لاشتراط وجود أصل الوصف المتفاضل فيه في طرف المرجوح في باب أفعل التفضيل.
', 165), (65, 166, 'book', '
في الفرض الأوّل ـ وهو فرض التساوي ـ من أهمّيّة ما لا بدل له. إذن، فأصبح احتمال أهمّيّة الإزالة أقوى من احتمال أهمّيّة الصلاة، فيدخل ذلك في الترجيح بأقوائيّة احتمال الأهمّيّة، فإن قبلنا الترجيح بذلك تمّ الترجيح هنا، وإن قلنا: إنّه لابدّ في الترجيح الجزم بالأهمّيّة ولا يكفي احتمالها، لم يتمّ الترجيح هنا. وسيأتي إن شاء الله البحث عن مرجّحيّة احتمال الأهمّيّة.
الفرض الثالث: أن نعلم أنّ ملاك الصلاة عشر درجات مثلا، وملاك الإزالة خمس، وبدل الصلاة يتدارك خمس درجات من ملاك الصلاة، فإن فرضنا أنّ دليل البدليّة لم يشمل العجز عن الصلاة، بمعنى الانشغال بالإزالة ـ لكون الإزالة أقلّ ملاكاً من الصلاة ـ فلا موضوع للترجيح بالبدليّة واللابدليّة. وإن فرضنا أنّه شمل ذلك، فهنا وإن أصبحت الصلاة ممّا له بدلٌ دون الإزالة، ولا توجد هناك أهمّيّة أو احتمال الأهمّيّة للإزالة؛ إذ على أيّ حال تفوته خمس درجات من المصلحة، إلاّ أنّه لا مبرّر هنا للترجيح بوجود البدل وعدمه؛ إذ المقيّد اللبّيّ هنا يأتي ويُسقط إطلاق دليل وجوب الإزالة عند الانشغال بالصلاة، كما يسقط العكس؛ إذ لا مبرّر لوجوب الإزالة عند انشغاله بالصلاة؛ إذ لو اُريد به الجمع بينهما فهو غير مقدور. ولو اُريد به صرف العبد عن الصلاة إلى الإزالة فلا مبرّر له؛ إذ يفوته ـ بهذا الصرف ـ ما لا يقلّ أهمّيّة عن ملاك الإزالة، وهو خمس درجات.
فتحصّل: أنّه متى ما صحّ الترجيح بوجود البدل وعدمه، رجع إلى الترجيح بالأهمّيّة أو أقوائيّة احتمال الأهمّيّة. ومتى ما لم يرجع إلى ذلك لم يصحّ الترجيح بذلك.
المقام الثاني: في ترجيح ما لا بدل له على ما له البدل بلحاظ رجوع ذلك إلى مرجّح آخر، وتوجد بهذا الصدد محاولتان:
المحاولة الاُولى: ما ظهر من كلامنا في المقام الأوّل من إرجاع هذا المرجّح
', '', 166), (65, 167, 'book', 'إلى الترجيح بالأهمّيّة أو أكبريّة احتمال الأهمّيّة، ففائدة ذكر الترجيح بعدم البدل على ما له البدل بيان أنّ هذا العنوان (أعني: عنوان ثبوت البدل لأحدهما دون الآخر) متى ما ثبت أوجب في نفسه انطباق مرجّح الأهمّيّة، بمعنى أكبريّة احتمال الأهمّيّة، بغضّ النظر عن تزاحم حساب ذلك بنكتة خارجيّة اُخرى تقتضي أهمّيّة الآخر.
والبرهان على ذلك برهانٌ رياضيّ مأخوذ من حساب الاحتمالات، وهو أنّه متى ما كانت عندنا كمّيّتان يقابل أيّ احتمال في صالح أكبريّة أحدهما، احتمالا آخر مثله في صالح أكبريّة الآخر، فلا محالة يكون احتمال الأكبريّة في أحدهما مساوياً لاحتمال الأكبريّة في الآخر. وإذا وجد من بين الاحتمالات احتمالٌ واحد في صالح أكبريّة أحدهما، لا يوجد في مقابله احتمالٌ في صالح أكبريّة الآخر، فلا محالة يصبح احتمال أكبريّة ذاك أرجح من احتمال أكبريّة مقابله.
وما نحن فيه ـ حينما لا نملك أيّ فكرة عن كمّيّة الملاك في كلّ واحد من المتزاحمين وقياسه إلى الآخر ـ من هذا القبيل، فإذا تزاحمت الصلاة مع الإزالة مثلا، ولم نملك أيّ فكرة عن ملاك كلّ واحد منهما، فلا محالة يكون كلّ احتمال في صالح أكبريّة أحدهما موازياً لاحتمال في صالح أكبريّة الآخر، فمثلا احتمال كون ملاك الصلاة نصف ملاك الإزالة، يوازيه احتمال كون ملاك الإزالة نصف ملاك الصلاة، واحتمال كون ملاك الصلاة رُبع ملاك الإزالة، يوازيه احتمال كون ملاك الإزالة رُبع ملاك الصلاة... وهكذا.
إلاّ أنّ هناك احتمالا واحداً ليس في مقابله احتمال آخر يوازيه، وهو احتمال كون ملاك الصلاة مساوياً لملاك الإزالة، فإنّ هذا الاحتمال لو عكسناه لكان عكسه عينه، وهو كون ملاك الإزالة مساوياً لملاك الصلاة؛ فإذا فُرض للصلاة بدل وهو الصدقة مثلا، أصبح هذا الاحتمال الوحيد الذي لا عِدل له في صالح أرجحيّة
', '', 167), (65, 168, 'book', 'ملاك الإزالة؛ إذ لو اخترنا الإزالة لم يفُتنا تمام ملاك الصلاة؛ لتدارك بعضه على الأقلّ ببدلها وهي الصدقة، بينما لو اخترنا الصلاة فاتنا كلّ ملاك الإزالة، ولا يوجد في مقابل ذلك احتمال آخر في صالح أرجحيّة ملاك الصلاة، فأصبح لا محالة احتمال الأهمّيّة في الإزالة التي لا بدل لها، أكبر من احتمال الأهمّيّة في الصلاة التي لها بدل.
نعم، قد يزاحم هذا الحساب حسابٌ آخر لأرجحيّة تُفرَض للصلاة حينما نملك فكرةً عن الملاكين، إلاّ أنّ هذا لا ينافي ما قلناه: من أنّ كون أحدهما ليس له بدل بخلاف الآخر، يوجب بذاته ترجيحاً على الآخر، وإن كان ذلك قد يزاحم بترجيح آخر للطرف المقابل.
المحاولة الثانية: محاولة إرجاع هذا المرجّح إلى المرجّح السابق، أعني: ترجيح ما كانت القدرة فيه عقليّة على ما كانت القدرة فيه شرعيّة. بتقريب: أنّ ما ليس له بدل لم تؤخذ في موضوعه القدرة في لسان الدليل، وصاحب القول بالمرجّح الأوّل يرى أنّ عدم أخذ القدرة في لسان الدليل يوجب حمل القدرة على كونها عقليّة. وأمّا ما له البدل ـ وقد فُرض في موضوع بدله عدم القدرة على المبدل ـ فالقدرة فيه شرعيّة؛ وذلك لأنّ دليل البدل ـ المأخوذ في موضوعه عدم القدرة ـ قرينة على تقييد موضوع المبدل بالقدرة؛ لكي لا يجتمع البدل والمبدل على شخص واحد. إذن، فقد اُخذت القدرة في موضوع ما له البدل في لسان الدليل، فصارت القدرة شرعيّة، فما ليس له البدل يتقدّم على ما له البدل من باب ترجيح المشروط بالقدرة العقليّة على المشروط بالقدرة الشرعيّة.
ويرد عليه ـ بعد تسليم الاُصول الموضوعيّة لهذا الكلام وعدم النقاش فيها بمثل إنكار كون عدم ذكر القدرة في لسان الدليل دليلا على كون القدرة عقليّة ـ: أنّ دليل البدل وإن فُرض تخصيصه لدليل المبدل بفرض القدرة، لكن هذا مخصّص
', '', 168), (65, 169, 'book', 'منفصل، ولا ينبغي فرضه كالمخصّص المتّصل في كونه موجباً لحمل القدرة على القدرة الشرعيّة(1)؛ فإنّ المخصّص المتّصل بصورة القدرة يوجب حمل القدرة على القدرة الشرعيّة مثلا، من باب أنّه لا يوجد معه مجال لإطلاق المادّة من
', '(1) لو كانت نكتة دخل أخذ القدرة في لسان الدليل وعدمه، في حملها على القدرة الشرعيّة أو العقليّة، هي: أنّها لو لم تؤخذ في لسان الدليل تمسّكنا بإطلاق المادّة لإثبات الملاك عند العجز، ولو اُخذت في لسان الدليل لم يبق إطلاق للمادّة، فتثبت نتيجة كون القدرة شرعيّة، فإسراء هذا البيان إلى ما نحن فيه يرد عليه أوّلا: أنّ دليل البدل إذا كان منفصلا لم يضرّ بإطلاق المادّة. وثانياً: أنّه حتّى لو كان متّصلا فهو ليس بلسان توصيف المادّة بالقدرة مثلا حتّى يقيّد المادّة بلحاظ الملاك أيضاً، وإنّما فهمنا التقيّد بالقدرة من ناحية أنّ البدل والمبدل لا يجتمعان في الوجوب، وهذا يصلح للتقييد من ناحية الوجوب فقط.
ولو كانت نكتة دخل أخذ القدرة في لسان الدليل، في حملها على القدرة الشرعيّة وجوداً وعدماً: أنّها لو لم تؤخذ في لسان الدليل لتمسّكنا بالدلالة الالتزاميّة، رغم سقوط المطابقيّة عن الحجّيّة، ولو اُخذت في لسان الدليل بطلت الدلالة الالتزاميّة بانهدام المطابقيّة، فتثبت نتيجة كون القدرة شرعيّة، فإسراء هذا البيان إلى ما نحن فيه يرد عليه الإشكال الأوّل؛ إذ المنفصل لا يهدم الظهور. ولا يرد عليه الإشكال الثاني؛ إذ لو كان دليل شرط القدرة متّصلا فهو بأيّ لسان يُفترض يكون هادماً للظهور.
ولو كانت نكتة دلالة أخذ القدرة في لسان الدليل على كونها شرعيّة، كون الأصل هو المولويّة أو التأسيس، دون الإرشاديّة أو التأكيد، فإسراء هذا البيان إلى ما نحن فيه يرد عليه الإشكال الثاني؛ لأنّ القدرة لم يأخذها المولى بعنوانها في لسان الدليل، وإنّما ذكر المولى البدل، وهو تأسيس على أيّ حال أو بيانٌ مولويّ على أيّ حال. ولا يرد عليه الإشكال الأوّل؛ لأنّ دليل شرط القدرة حتّى لو كان منفصلا يحمل على التأسيس أو المولويّة.
', 169), (65, 170, 'book', '
ناحية الملاك؛ لعدم تكوّن الإطلاق من أساسه مع المخصّص المتّصل، ولا يوجد معه مجال لتكوّن دلالة مطابقيّة على إطلاق الحكم لصورة العجز حتّى يقال: إنّه مع سقوطها عن الحجّيّة تبقى دلالتها الالتزاميّة على ثبوت الملاك حجّة. أمّا المخصّص المنفصل فهو لا يمنع عن تكوّن الدلالة المطابقيّة وعن إطلاق المادّة بلحاظ الملاك، إذن لا أثر له في حمل القدرة على القدرة الشرعيّة. هذا تمام الكلام في المرجّح الثاني.
3 ـ التقديم بالأهمّيّة:
المرجّح الثالث: هو الأهمّيّة، والكلام في ذلك يقع في ثلاث مراحل:
الاُولى: فيما لو قطعنا بأهمّيّة أحد الحكمين.
والثانية: فيما لو احتملنا أهمّيّة أحدهما ولم نحتمل أهمّيّة الآخر.
والثالثة: فيما لو احتملنا الأهمّيّة في كلّ واحد منهما، إلاّ أنّ الاحتمال في أحدهما كان أكبر من الآخر:
القطع بأهمّيّة أحد الحكمين:
أمّا المرحلة الاُولى: فحينما نقطع بأهمّيّة الإزالة عن الصلاة ـ مثلاً ـ بمقدار يكفي ذلك المقدار ملاكاً لحكم إلزاميّ ـ لا بدرجة يسيرة استحبابيّة ـ يُقدّم الأهمّ وهو الإزالة بلا إشكال. ويمكن تقريب البرهنة على هذا التقديم بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: أنّ الأهمّ وارد بامتثاله على المهمّ؛ لما مضى من أنّ كلّ حكم مقيّد لبّاً بعدم الانشغال بما لا يقلّ أهمّيّةً عنه، فإذا انشغل بالأهمّ فقد فَقَد الحكم المهمّ هذا القيد، فينتفي، بينما لو انشغل بالمهمّ لم يفقد الحكم الأهمّ هذا القيد، وهذا يرجع بحسب الحقيقة إلى الترتّب من طرف واحد.
$
', '', 170), (65, 171, 'book', 'الوجه الثاني: أنّنا لو غضضنا النظر عن ورود أحد الإطلاقين على الآخر، كفانا حكم العقل بوجوب تقديم الأهمّ؛ وذلك لأنّ خسارة المولى لدرجة من الملاك ممّا لابدّ منه على كلّ تقدير، ولو تركنا الأهمّ وأخذنا بالمهمّ فقد خسّرنا المولى مقداراً أكثر من المقدار الذي لابدّ منه، وهذا المقدار الزائد واصلٌ إلى الدرجة الإلزاميّة بحسب الفرض، وليست درجة استحبابيّة، وملاكا الحكمين وإن كانا قد يفترضان من سنخين ومتباينين، لكنّنا على أيّ حال نحسب درجة اهتمام المولى بهما، فبلحاظ الاهتمام تكون القضيّة دائرة بين الأقلّ والأكثر، فتخسير المولى المقدار الأقلّ من اهتمامه لابدّ منه، وتخسيره الأكثر لا يجوز.
إلاّ أنّ هذا الوجه الثاني إنّما يتمّ لو عرفنا من الخارج أنّ هذا الأهمّ ملاكه فعليٌّ حتّى على تقدير الإتيان بالمهمّ. وبكلمة اُخرى: أنّ القدرة المأخوذة في الأهمّ بالقياس إلى المهمّ عقليّة، فتكون أهمّيّة الأهمّ عند امتثال المهمّ فعليّة، وعندئذ لا إشكال في أنّ العقل يحكم بوجوب تقديم الأهمّ.
أمّا إذا لم نعرف ذلك من الخارج، فلولا الرجوع إلى إطلاق الخطاب ـ الذي هو عبارة اُخرى عن الوجه الأوّل ـ لا يمكن إثبات لزوم تقديم الأهمّ؛ إذ نحتمل أنّ الإتيان بالمهمّ يرفع ملاك الأهمّ، ومع هذا الاحتمال تجري البراءة عن لزوم تقديم الأهمّ، وسعة دائرة ملاكه لصورة الإتيان بالمهمّ، وليست الأهمّيّة المحرزة في هذا الفرض إلاّ أهمّيّة تعليقيّة، أي: أنّه لو ثبت ملاك هذا فهو أهمّ، أمّا أنّه هل هو ثابت عند امتثال الآخر أو لا؟ فغير معلوم.
هذا. وقد يقال: إنّه في فرض عدم المعرفة من الخارج بكون ملاك الأهمّ فعليّاً عند الإتيان بالمهمّ، لا يتمّ الوجه الأوّل للتقديم أيضاً؛ وذلك لأنّ القيد اللبّيّ لكلّ وجوب في الحقيقة هو عدم الانشغال بواجب مزاحم له صفتان: الاُولى أنّه أهمّ أو مساو. والثانية فعليّة ملاكه حتّى مع الانشغال بذاك الواجب؛ إذ لولا ذلك لاحتملنا
', '', 171), (65, 172, 'book', 'ثبوت الأمر بذاك الواجب صَرفاً لنا عن هذا الواجب إليه، فنتمسّك بالإطلاق.
وعليه فنقول: إنّه في المقام لم يثبت تقدّم الأمر بالأهمّ على الأمر بالمهمّ بالورود عليه بالامتثال؛ إذ لعلّ ملاكه يرتفع بالإتيان بالمهمّ، ويكون الأمر بالمهمّ وارداً عليه. وبكلمة اُخرى: لعلّ القدرة الدخيلة في الأهمّ بالقياس إلى المهمّ شرعيّة لا عقليّة، ولهذا مضى منّا: أنّ إطلاق الخطاب لا يدلّ على كون القدرة عقليّة، فيتحصّل بذلك: أنّه لو لا قرينة خارجيّة على كون المهمّ غير رافع لملاك الأهمّ، فكما لا يمكننا إثبات تقديم الأهمّ على المهمّ بحكم العقل، كذلك لا يمكننا إثبات ذلك بالورود بالامتثال وإطلاق الخطاب.
إلاّ أنّ الصحيح: أنّ الوجه الأوّل تامّ بلا حاجة إلى قرينة خارجيّة تدلّ على عدم رافعيّة المهمّ لملاك الأهمّ، فنحن بإمكاننا أن نثبت ـ من نفس الخطابين ـ أنّ الأمر بالأهمّ واردٌ على الأمر بالمهمّ بالامتثال، وليس العكس. وتوضيح ذلك:
إنّ الأمر بالصلاة ـ التي هي المهمّ مثلا ـ غير وارد بالامتثال على الأمر بالإزالة المفروض الأهمّيّة حتماً؛ لأنّ وروده عليه بالامتثال بملاك الأهمّيّة أو المساواة غير محتمل؛ لفرض القطع بأهمّيّة الإزالة. ووروده عليه بكون الصلاة رافعة لملاك الإزالة منفيٌّ بإطلاق الأمر بالإزالة لحال الانشغال بالصلاة؛ لوضوح أنّه بعد الجزم بعدم كون ملاك الصلاة أهمّ أو مساوياً، لا معنى للتشكيك في إطلاق الأمر بالإزالة لحال الانشغال بالصلاة، لمجرّد احتمال عدم ثبوت ملاك لها في هذه الحال، بل الإطلاق يتمّ ويكون بنفسه هو الكاشف للملاك والكفيل بإثباته.
والأمر بالإزالة ـ التي هي الأهمّ بحسب الفرض ـ واردٌ بالامتثال على الأمر بالصلاة؛ وذلك لأنّ الأمر بالصلاة مقيّد ـ ككلّ أمر ـ بعدم الانشغال بمزاحم له صفتان: الاُولى: أنّه أهمّ أو مساو، والثانية: فعليّة ملاكه حتّى مع الانشغال بالصلاة، وكلتا الصفتين ثابتتان في الإزالة، أمّا الاُولى ـ وهي الأهمّيّة أو المساواة ـ فثبوتها
', '', 172), (65, 173, 'book', 'هو المفروض؛ للقطع بأهمّيّة الإزالة. وأمّا الثانية ـ وهي فعليّة ملاكه حتّى مع الانشغال بالصلاة ـ فلما عرفت الآن في تقريب عدم ورود الأمر بالصلاة على الأمر بالإزالة: من أنّ مقتضى إطلاق الأمر بالإزالة هو ثبوته وثبوت ملاكه عند الانشغال بالصلاة(1).
احتمال أهمّيّة أحد الحكمين:
وأمّا المرحلة الثانية: فحينما نحتمل أهمّيّة الإزالة ـ مثلا ـ عن الصلاة بمقدار
', '(1) حاصل الإشكال هو: أنّه كما يقتضي إطلاق الأمر بالإزالة ـ التي عرفنا أنّها أهمّ ـ لفرض الانشغال بالصلاة وعدمه، تقدّم الإزالة على الصلاة، كذلك يقتضي إطلاق الأمر بالصلاة ـ التي هي المهمّ بحسب الفرض ـ لفرض الانشغال بالإزالة وعدمه، تقدّم الصلاة على الإزالة؛ فإنّ تقدّم الصلاة على الإزالة لا يختصّ بفرض كون الصلاة أهمّ، حتّى يبطل هذا الإطلاق بفرض علمنا بأنّ الإزالة أهمّ أو مساو، بل يمكن تقدّم الصلاة على الإزالة رغم عدم كونها أهمّ من الإزالة، بنكتة كون الانشغال بالصلاة رافعاً لملاك الإزالة دون العكس، أي: أن تكون القدرة في الإزالة ـ التي هي أهمّ ـ شرعيّة بالقياس إلى الصلاة، فلإبطال الإطلاق الثاني احتجنا إلى أن نعرف من الخارج أنّ قدرة الأهمّ عقليّة، وإلاّ فأيّ مبرّر لتقديم إطلاق الأمر بالإزالة على إطلاق الأمر بالصلاة؟!
وحاصل الجواب هو: أنّ إطلاق الأهمّ ـ وهي الإزالة مثلا ـ يرفع موضوع إطلاق المهمّ؛ لأن المهمّ مقيّد على أيّ حال بعدم الانشغال بواجب موصوف بوصفين: أحدهما: أن يكون أهمّ أو مساوياً، والثاني: أن يكون ملاكه فعليّاً في فرض الانشغال بالمهمّ، والأوّل ثابت في الإزالة بالفرض، والثاني ثابت فيها بإطلاق دليلها لفرض الانشغال بالمهمّ، فيتقيّد إطلاق المهمّ لا محالة بفرض عدم الانشغال بالإزالة، في حين أنّ إطلاق المهمّ لا يرفع موضوع إطلاق الأهمّ، فإطلاق الأهمّ وارد على إطلاق المهمّ، دون العكس.
', 173), (65, 174, 'book', '
مُلزِم، ولا نحتمل أهمّيّة الصلاة، قُدّمت الإزالة على الصلاة. ويمكن تقريب الترجيح بذلك بأحد وجوه:
الوجه الأوّل: ما ينساق من كلمات مدرسة المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وهو: أنّ كلّ واحد من الأمرين يقتضي إطلاقه ثبوته حتّى عند الانشغال بالآخر، إلاّ أنّ الأمر بالصلاة قد قُيّد بصورة عدم الانشغال بالإزالة حتماً؛ إذ مع الانشغال بالإزالة هو مشغول بالأهمّ أو المساوي، ومعه لا أمر بالصلاة. وأمّا الأمر بالإزالة فهو أيضاً مقيّد بعدم الانشغال بالصلاة لو كانا متساويين، وغير مقيّد به لو كانت الصلاة أقلّ أهمّيّة، وحيث إنّنا لا نعرف ذلك، إذن لا نعرف تقيّد هذا الإطلاق، فنتمسّك بأصالة الإطلاق في الأمر بالإزالة.
وهذا التقريب ما لم تُضمّ إليه نكتة زائدة يرد عليه: أنّ هذا تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص؛ لخروج صورة الانشغال بالمساوي حتماً، فنقول:
أوّلا: إنّه لئن جاز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة في مثل المقام ـ لكون المخصّص لبّيّاً مثلا ـ رجع باب التزاحم(1) إلى باب التعارض، وهو خلف مفروض الكلام.
وثانياً: إنّ التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة إن جاز، فإنّما يجوز في المخصّص المنفصل، بينما المخصّص في المقام لبّيّ كالمتّصل(2).
$
', '(1) فيختصّ الترتّب والترجيح بما إذا علمنا ـ من الخارج ـ بعدم إرادة الإطلاق من أحدهما بالخصوص صدفةً، فيكون ذاك الإطلاق ساقطاً عن الحجّيّة.
(2) قد يقال: إنّ هذا الإشكال إنّما يمنع عن التمسّك بالإطلاق في الأمر بالإزالة، لعنوان فرض الانشغال بالأهمّ أو المساوي؛ لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمتّصل؛ إذ ما يُدرينا لعلّ الصلاة مساوية للإزالة. ولكن يبقى مجال واسع للتمسك بالإطلاق في الأمر بالإزالة لعنوان فرض الانشغال بالصلاة، وكان المانع عن التمسّك بهذا الإطلاق هو العلم الإجماليّ كالمتّصل بأنّ أحد الواجبين المتزاحمين أهمّ أو مساو، فسقط إطلاق كلا الدليلين، ولم يرجع باب التزاحم إلى باب التعارض، وهذا المانع في المقام مرتفع؛ لأنّ هذا العلم الإجماليّ انحلّ بالعلم التفصيليّ بأنّ الإزالة أهمّ من الصلاة أو مساو لها بحسب الفرض، فسقط إطلاق الأمر بالصلاة لفرض الانشغال بالإزالة، وبقي إطلاق الأمر بالإزالة لفرض الانشغال بالصلاة سالماً، وبذلك تمّ الترجيح باحتمال الأهمّيّة في المقام، وتثبت بهذا الإطلاق أهمّيّة الإزالة عن الصلاة.
ولكنّ الواقع أنّ وجود العلم الإجماليّ ـ كالمتّصل عادةً في كلّ متزاحمين ـ بأنّ أحدهما أهمّ أو مساو للآخر، رغم عدم إشارة المولى إلى ذلك يكون قرينة كالمتّصل على أنّ المولى ـ في مقام بيان واجباته ـ ليس بصدد بيان القيد الناتج من وجود المزاحم، وهو قيد عدم الانشغال بالفعل الفلانيّ. وانحلال هذا العلم الإجماليّ صدفةً في مورد مّا لا يثبت كون المولى في مقام البيان في ذاك المورد، ولا يوجب تماميّة الإطلاق.
', 174), (65, 175, 'book', '
الوجه الثاني: التمسّك بأصالة الاشتغال بتقريب: أنّه لو اشتغل بالإزالة حصل له القطع بسقوط الأمر بالصلاة عنه؛ لأنّ الإزالة إمّا أهمّ، فيجب تقديمها، أو مساو، فهو مخيّر تخييراً عقليّاً بينهما، بينما لو اشتغل بالصلاة لم يحصل له القطع بسقوط الأمر بالإزالة فتجري أصالة الاشتغال.
ويرد عليه: أنّ الشكّ في سقوط الأمر إنّما يكون مجرى لقاعدة الاشتغال إذا كان شكّاً في الفراغ بعد العلم بدخول الأمر في العهدة، أمّا في المقام فالشكّ ناشئ من احتمال تقيّد الأمر بالإزالة بقيد غير منطبق على من انشغل بالصلاة، فهذا شكّ في سعة الأمر وضيقه، وهو موردٌ للبراءة لا الاشتغال.
$
', '', 175), (65, 176, 'book', 'الوجه الثالث: التمسّك أيضاً بأصالة الاشتغال بتقريب: أنّ مورد البراءة إنّما هو فرض الشكّ في الحكم بمبادئه. أمّا مع العلم بالملاك المُلزِم، واحتمال أنّ المولى رخّص في الخلاف لأجل الاضطرار من باب التزاحم مع ملاك الآخر، فتجري أصالة الاشتغال لا البراءة.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ كلا الملاكين مُحرَزان، وأحدهما ـ وهو ملاك الصلاة ـ نعلم بترخيص المولى في تركه على تقدير الانشغال بالإزالة، لأجل المزاحمة، ولكنّ الآخر ـ وهو ملاك الإزالة ـ لا نعلم بترخيص المولى في تركه على تقدير الانشغال بالصلاة، فلابدّ من الاحتياط.
ويرد عليه: أنّ هذا الكلام وإن كان صحيحاً كبرويّاً، ولكن في المقام لا كاشف عن ثبوت الملاك في الإزالة ـ على تقدير الانشغال بالصلاة ـ إلاّ إطلاق الأمر المفروض عدم ثبوته؛ لكون التمسّك به تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وبهذا أبطلنا الوجه الأوّل.
والتحقيق هو: تماميّة الوجه الأوّل بعد إضافة نكتة إليه، وتوضيح ذلك: أنّ المخصّص اللبّيّ لو كان قد أخرج صورة الانشغال بضدٍّ لا يقلّ أهمّيّة عنه واقعاً، لتمّ ما قلناه: من أنّ التمسّك في المقام بإطلاق دليل الإزالة لصورة الانشغال بالصلاة، تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ولكنّ الواقع أنّ هذا المخصّص لابدّ من إجراء تعديل عليه، وهذا التعديل الآن نبيّنه بصياغة ـ وإن كنّا سوف نُجري عليها تعديلا آخر في المرحلة الثالثة ـ وهي: أنّ الخارج بالمخصّص اللبّيّ من كلّ أمر ليس هو فرض الانشغال بضدٍّ لا يقلّ أهمّيّة عنه واقعاً، بل فرض الانشغال بضدٍّ يُعلم أنّه لا يقلّ أهمّيّة عنه؛ لأنّ الدليل على هذا التخصيص اللبّيّ كان عبارة عن أنّه مع الانشغال بذلك لو أمر المولى بالمزاحم، لكي يأتي المكلّف به منضمّاً إلى ما لا يقلّ أهمّيّة عنه، فهو غير قادر
', '', 176), (65, 177, 'book', 'على ذلك. ولو أمر به لكي يصرف العبد من ذاك إليه، فلا مبرّر لذلك، وهذا لا يقتضي التقييد بأزيد ممّا ذكرناه.
وتوضيح ذلك: أنّ المولى لو كان يمارس هذا التقييد بنحو القضيّة الخارجيّة، لقيّد الحكم بفرض عدم الانشغال بواقع ما لا يقلّ أهمّيّة عنه، فيقول: يا عبادي لا تجب عليكم الصلاة مثلا حينما تمنعكم عنها الإزالة، أو الفعل الفلاني، أو الفعل الفلاني. وعليه يكون المولى ناظراً في تقييده إلى كلّ ما لا يقلّ أهمّيّة عن المأمور به واقعاً؛ إذ هو بإمكانه أن يشخّص ذلك.
ولكن حيث إنّ المولى يمارس تقييداته بنحو القضيّة الحقيقيّة، فهو يتعامل في تقييداته مع العناوين لا مع الأفراد.
وحينئذ فالقدر المتيقّن هو: أنّ المولى قد قيّد أمره بعنوان فرض عدم الانشغال بضدٍّ يُعلم بأنّه لا يقلّ أهمّيّة عنه، أمّا فرض الانشغال بضدٍّ يُحتمل عقلائيّاً كونه أقلّ أهمّيّة عنه، أي: لا ندري أنّه هل هو مساو للمأمور به، أو أقلّ أهمّيّة عنه، فمن المعقول شمول إطلاق الأمر له؛ إذ لا يأتي هنا برهان: أنّه هل أراد بهذا الأمر أن يضمّ العبد ذلك إلى ما يزاحمه، أو أراد به صرف العبد عمّا يزاحمه؟ إذ نقول في الجواب: لعلّه أراد صرف العبد عمّا يزاحمه، بداعي أنّ هذا الصرف يحتمل كونه نافعاً للمولى؛ إذ لو كان ما يزاحمه واقعاً أقلّ أهمّيّة من المأمور به، فهذا الصرف نافع له. نعم، لو كان مساوياً له لم يكن فيه نفع، ولكنّ المولى حينما يتعامل مع هذا العنوان كقضيّة حقيقيّة، لا يمكنه أن يشخّص أنّه هل هو في الواقع أقلّ أهمّيّة من المأمور به، أو لا، فمن المعقول أن يأخذ بجانب الاحتياط، فيصرف العبد عنه إلى المأمور به.
إذن، فالبرهان اللبّيّ على التقييد غير موجود. ومن الواضح أنّ علم العبد واحتماله لقلّة الأهمّيّة وعدمها، لا يخلو من أماريّة على الواقع، إذن فمن الطبيعيّ
', '', 177), (65, 178, 'book', 'افتراض شمول إطلاق الحكم لفرض الانشغال بما لا يدري العبد أنّه هل هو مساو للمأمور به، أو أقلّ أهمّيّة عنه.
وعليه فنقول في المقام: إنّه لو انشغل بالإزالة فإطلاق الأمر بالصلاة ساقط يقيناً؛ لأنّ الإزالة ممّا يعلم بأنّه لا يقلّ أهمّيّة عن الصلاة، ولكن لو انشغل بالصلاة فالمقيّد اللبّيّ ـ الذي قام عليه البرهان ـ لا يقتضي سقوط إطلاق الأمر بالإزالة؛ لأنّه لم يعلم كون الصلاة ممّا لا يقلّ أهمّيّة عن الإزالة، فنتمسّك بإطلاق الأمر بالإزالة، لا من باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص، بل من باب أنّ هذا الفرض غير داخل في المخصّص اللبّيّ رأساً؛ لما عرفت من ضيق دائرته واختصاصه بفرض العلم(1) بأنّه لا يقلّ أهمّيّة عن المأمور به.
احتمال أهمّيّة كلّ واحد من الحكمين مع كون الاحتمال في أحدهما أكبر:
وأمّا المرحلة الثالثة: فحينما نحتمل الأهمّيّة في كلّ من الصلاة والإزالة ـ مثلاً ـ المتزاحمين، مع كون احتمال الأهمّيّة في الإزالة أكبر، كان هذا ترجيحاً للإزالة على الصلاة.
وللبرهنة على ذلك نتسلسل في نفس التسلسل التفكيريّ الذي نهجناه في المرحلة الاُولى والثانية. ولنبدأ ممّا انتهينا إليه في المرحلة الثانية، فنقول: قد وصلنا في المرحلة الثانية إلى هذه الصياغة لتقييد الواجبات بالمقيّد اللبّيّ، وهي: أنّ كلّ واجب يكون وجوبه مقيّداً بعدم الانشغال بمزاحم يُعلم أنّه لا يقلّ أهمّيّة عنه، ولا يُحتمل كونه أقلّ أهمّيّة عنه.
$
', '(1) الظاهر: أنّ المقصود خصوص العلم المطابق للواقع؛ لأنّه القدر المتيقّن من التقييد.
', 178), (65, 179, 'book', '
وهنا نقوم بتحليل لاحتمال كون المزاحم أقلّ أهمّيّة من ذلك الواجب، فنقول: إنّ احتمال كونه أقلّ أهمّيّة، تارة: يكون من دون احتمال مقابل في الطرف الآخر بكونه أقلّ أهمّيّة عنه. واُخرى: يكون مع احتمال ذلك في الطرف الآخر أيضاً، إلاّ أنّ أقلّيّة الطرف الآخر في الأهمّيّة أضعف. وثالثة: يكون مع احتمال ذلك في الطرف الآخر بنحو مساو لاحتماله في هذا الطرف، أي: نحتمل في كلّ واحد من الطرفين الأهمّيّة بقدر احتمالنا في الآخر.
أمّا الفرض الأوّل: وهو ما لو كان احتمال الأقلّيّة في الأهمّيّة مخصوصاً بأحد الطرفين، فهو الذي كان مورد كلامنا في المرحلة الثانية، ونقول فيه: إنّ ما لا يُحتمل كونه أقلّ أهمّيّة، يكون امتثاله مانعاً عن فعليّة ما يحتمل كونه أقلّ؛ لأنّه لا مبرّر لإطلاق دليل الواجب لفرض الانشغال بما يعلم بأهمّيّته أو مساواته. وأمّا ما يُحتمل كونه أقلّ أهمّيّة، فمن العقلائيّ فرض بقاء الإطلاق في الآخر لصورة الانشغال به، صَرفاً للعبد ممّا يحتمل أقلّيّته في الأهمّيّة إلى ما لا يحتمل فيه ذلك، فنتمسّك بإطلاق الأمر فيه.
وأمّا الفرض الثاني: وهو ما لو كان احتمال الأقلّيّة في الأهمّيّة موجوداً في كلا الطرفين، إلاّ أنّه في أحد الطرفين أقوى، وفي الآخر أضعف، فما كان احتمال أقلّيّته في الأهمّيّة أضعف منه في الآخر، كان من العقلائيّ فرض كون الأمر به مطلقاً يشمل صورة الانشغال بالآخر، صرفاً للعبد عمّا يقوى احتمال أقلّيّة الأهمّيّة فيه إلى ما يضعف احتمال ذلك فيه. ولم يكن من العقلائيّ فرض كون الأمر بما كان احتمال أقلّيّته في الأهمّيّة أقوى منه في الآخر مطلقاً يشمل صورة الانشغال بالآخر؛ إذ لا مبرّر لصرف العبد عمّا يضعف احتمال قلّة أهمّيّته إلى ما يقوى احتمال قلّة أهمّيّته. وبهذا يثبت أنّ أقوائيّة احتمال الأهمّيّة من المرجّحات.
وأمّا الفرض الثالث: وهو ما لو كان احتمال الأقلّيّة في الأهمّيّة في كلا الطرفين
', '', 179), (65, 180, 'book', 'متساويين(1)؛ فلا مبرّر فيه لإطلاق كلّ واحد من الأمرين لصورة الانشغال بالآخر؛ إذ صرفه عنه إلى عِدله بلا موجب، ما دام المصروف عنه مساوياً للمصروف إليه في احتمال الأهمّيّة.
وقد اتّضح بما ذكرناه: أنّ المقيّد اللبّيّ بالدقّة يُخرج من إطلاق الأمر صورة ما إذا انشغل بضدٍّ له إحدى صفتين: الاُولى: أن يعلم بأنّه لا يقلّ أهمّيّة من المأمور به. والثانية: أن يحتمل كونه يقلّ أهمّيّة عنه، ولكن يوجد في مقابله احتمال مماثل أو أقوى لكون ذاك المأمور به هو الأقلّ أهمّيّة.
وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ الأهمّيّة مرجّحة بكلّ مراحلها الثلاث.
بقي التنبيه على أمرين:
الأمر الأوّل: إنّ الأهمّ من المتزاحمين تارة: يُفرض قيام قرينة على أنّ ملاكه مشروط بعدم الانشغال بضدٍّ واجب آخر. واُخرى: يُفرض عدم قرينة على ذلك.
فإن فُرض الثاني كان الأهمّ مقدّماً على غير الأهمّ؛ وذلك لأنّ الأمر بالأهمّ يشمل بإطلاقه فرض الانشغال بالمهمّ؛ لعدم دخول الانشغال بالمهمّ في المقيّد اللبّيّ، المُخرِج لفرض الانشغال بالأهمّ أو المساوي، وبهذا الإطلاق يثبت أنّ القدرة في الأهمّ بالقياس إلى المهمّ عقليّة. أي: أنّ ملاكه ثابت حتّى مع الانشغال بضدّه الواجب. والانشغال بالأهمّ يرفع الأمر بالمهمّ؛ لأنّ المقيّد اللبّيّ قد أخرج صورة الانشغال بمزاحم لا يقلّ أهمّيّة عن المأمور به، ثابت ملاكه حتّى عند الانشغال بالمأمور به، وقد ثبت أنّ المزاحم هنا من هذا القبيل.
وإن فُرض الأوّل، أي: أنّ قدرة الأهمّ ـ بالقياس إلى واجب آخر مزاحم له ـ
', '(1) إلاّ إذا كان المحتمل في أحدهما أقوى، فهو ملحق بما إذا كان الاحتمال أقوى.
', 180), (65, 181, 'book', '
شرعيّة، فإن قُصد بالقدرة التي هي دخيلة في الملاك: ما لا يزيد على القدرة المأخوذة في المقيّد اللبّيّ ـ أعني: عدم الانشغال بالأهمّ أو المساوي ـ فهنا أيضاً يتقدّم الأهمّ؛ لأنّ الانشغال بمزاحمه المهمّ غير مبطل للقدرة التي فرضت دخيلة في الملاك، فإطلاق الأهمّ يشمل فرض الانشغال بالمهمّ، ويثبت كون قدرته ـ بالقياس إلى المهمّ ـ عقليّة، وبالتالي يكون الانشغال بالأهمّ رافعاً لموضوع الأمر بالمهمّ؛ لتقيّده لبّاً بعدم الانشغال بواجب لا يقلّ أهمّيّة عنه فعليّ ملاكه.
وإن قُصد بالقدرة الدخيلة في الملاك: عدم الانشغال بواجب مزاحم ولو كان أقلّ أهمّيّة، فتارة: يُفرض اختصاص الدليل على كون القدرة شرعيّة بالواجب الأهمّ، وعدم وجوده في جانب الواجب المهمّ، وعندئذ يتقدّم المهمّ على الأهمّ، ولا يبقى أثر للأهمّيّة؛ لأنّ الأمر بالأهمّ لا يشمل بإطلاقه فرض الانشغال بالمهمّ؛ لأنّ الانشغال بالمهمّ يرفع ملاكه. ولكنّ الأمر بالمهمّ يشمل بإطلاقه فرض الانشغال بالأهمّ؛ لأنّ المقيّد اللبّيّ إنّما أخرج فرض الانشغال بأهمٍّ أو مساو يكون ملاكه فعليّاً حتّى مع الانشغال بالمأمور به، وقد فُرض أنّ ملاك الأهمّ ليس فعليّاً لدى الانشغال بالمهمّ.
واُخرى: يُفرض وجود دليل على أنّ القدرة ـ بمعنى عدم الانشغال بواجب مزاحم مطلقاً ـ دخيلة في الملاك في كلا الواجبين الأهمّ والمهمّ، وهذا يدخل في مورد بحث المحقّق النائينيّ(رحمه الله) حيث ذكر(قدس سره): أنّه لا أثر للأهمّيّة في المشروطين بالقدرة الشرعيّة. وهو يقصد بالقدرة الشرعيّة ما افترضناه هنا: من دخل عدم الانشغال بواجب آخر مطلقاً.
وقد ذكر في مقام البرهنة على ذلك ـ أعني: عدم تأثير الأهمّيّة في المقام ـ: أنّه فرقٌ بينما لو أحرزنا وجود ملاكين، واحتملنا أهمّيّة أحدهما، وبينما لو احتملنا وجود ملاك يكون على تقدير وجوده أهمّ، في مقابل احتمال ملاك آخر على تقدير وجوده ليس بأهمّ.
$
', '', 181), (65, 182, 'book', 'ففي الأوّل يكون احتمال الأهمّيّة مرجّحاً، كما هو الحال في واجبين متزاحمين مشروطين بالقدرة العقليّة مع احتمال أهمّيّة أحدهما. وأمّا في الثاني فمجرّد احتمال الملاك الأهمّ لا يعيّن شيئاً على المكلّف، ومثاله: ما لو تعارض خبران دلّ أحدهما على وجوب شيء، والآخر على حرمته، وكنّا نعلم أنّه على تقدير صدق الخبر الأوّل ليس الوجوب من الوجوبات الأعلائيّة، وعلى تقدر صدق الخبر الثاني تكون الحرمة من أقوى الحرمات، أي: أنّ ملاك الحرمة ـ على تقديرها ـ أهمّ من ملاك الوجوب على تقديره، وهذا النحو من احتمال الأهمّ ليس من المرجّحات.
وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّه ليس الملاك محرَزاً في مجموع العملين مع اضطرار المكلّف إلى الاقتصار على أحدهما ـ لأجل عدم القدرة على الجمع ـ حتّى يقدّم ما يحتمل أهمّيّته لو كان أحدهما محتمل الأهمّيّة، بل لم يُحرز إلاّ ملاكٌ واحد مردّد بين الملاك الأهمّ والملاك المهمّ؛ لأنّ المفروض دخل القدرة في الملاك، فحال المقام حال الخبرين المتعارضين، ولا مبرّر لترجيح احتمال الملاك الأهمّ.
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بأنّ ملاك الأهمّ محرَز، فيرجّح لا محالة على المهمّ؛ وذلك لأنّ الأهمّ وإن كان مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، لكنّ القدرة موجودة؛ إذ لا مانع تكويناً ولا تشريعاً عن الإتيان بالأهمّ: أمّا المانع التكوينيّ فواضح؛ إذ بإمكانه أن يختار الأهمّ. وأمّا المانع التشريعيّ، فلأنّ المهمّ لا يصلح مانعاً عنه؛ إذ ليس له إطلاق لفرض الانشغال بالأهمّ حتّى يمنع عنه، وهو إنّما يمنع تشريعاً عنه لو كان له مثل هذا الإطلاق.
أقول: إن فُرض أنّ القدرة المأخوذة ـ بنحو القدرة الشرعيّة ـ في الأهمّ كانت بمعنى القدرة المأخوذة في القيد اللبّيّ، فهذا داخلٌ في فرضنا السابق الذي أثبتنا فيه تقدّم الأهمّ ببياننا الذي مضى. وهنا نفترض أنّنا نتكلّم في المشروطين بالقدرة
', '', 182), (65, 183, 'book', 'الشرعيّة بالمعنى الذي يقصده المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وهو دخل عدم الانشغال بواجب آخر في الملاك، فنقول: إنّه على مستوى البحث الدائر بين السيّد الاُستاذ واُستاذه لا يصحّ كلام السيّد الاُستاذ دامت بركاته.
وتوضيحه: أنّنا نسأل ماذا يقصد بقوله: إنّ المانع الشرعيّ غير موجود؟ هل يقصد بذلك الجزم بعدم المانع الشرعيّ عن الأهمّ، أو يقصد بذلك عدم الجزم بثبوت المانع الشرعيّ؟
فإن قصد الأوّل ـ وهو الجزم بعدم المانع الشرعيّ ـ قلنا: إنّ الدليل على عدم منع المهمّ شرعاً عن الأهمّ يكون أحد أمرين:
الأوّل: البرهان الثبوتيّ، وهو: أنّه لا يُعقل فرض كون الأمر بالمهمّ مطلقاً لصورة الانشغال بالأهمّ؛ إذ لا يخلو الحال: إمّا أنّ الأهمّيّة لها أثر في المقام، أو لا:
فإن فُرض أنّ الأهمّيّة لها أثر، فالأهمّ هو المقدّم، ومع الانشغال بالأهمّ لا معنى لثبوت الأمر بالمهمّ بالإطلاق.
وإن فُرض أنّ الأهمّيّة لا أثر لها في المقام، فغاية الأمر افتراض حال هذين الواجبين كحال المتساويين، وفي المتساويين لا يكون أحد الحكمين مطلقاً يشمل فرض الانشغال بالآخر، فعلى أيّ حال لا يُعقل إطلاقٌ في الأمر بالمهمّ لفرض الانشغال بالأهمّ حتّى يصلح مانعاً عن الأهمّ.
ويرد عليه: أنّ المولى لو استفتى الملاكين في مقام جعل الحكم، فهما حياديّان تجاه فروض ثلاثة:
1 ـ عدم جعل الإطلاق في كلّ واحد من الحكمين لصورة الانشغال بالآخر.
2 ـ جعل الإطلاق للأمر بالأهمّ فقط.
3 ـ جعل الإطلاق للأمر بالمهمّ فقط.
فإنّه على كلّ واحد من هذه التقادير الثلاثة لا يلزم فوت ملاك: فعلى الأوّل
', '', 183), (65, 184, 'book', 'العبد يشتغل بأحدهما ويحرز ملاكه، وينتفي ملاك الآخر موضوعاً. وعلى الثاني يشتغل العبد بالأهمّ ويحرز ملاكه، وينتفي ملاك المهمّ موضوعاً. وعلى الثالث يشتغل العبد بالمهمّ ويحرز ملاكه، وينتفي ملاك الأهمّ موضوعاً. إذن، فتعيين أحد الفروض الثلاثة يجب أن يكون من زاوية اُخرى خارج حدود الملاكين، وحيث إنّنا لا نملك فكرة عن ذلك، فكما نحتمل الأوّل والثاني، كذلك نحتمل الثالث، فلا برهان ثبوتيّ على عدم الإطلاق في الأمر بالمهمّ لحال الانشغال بالأهمّ حتّى يقال: إنّه لا يعقل منعه عن الأهمّ.
الثاني: البرهان الإثباتيّ، وذلك بأن يقال: إنّه وإن كان فرض إطلاق الأمر بالمهمّ لصورة الانشغال بالأهمّ ممكناً ثبوتاً، لكن بحسب الإثبات نرى أنّ القرينة الدالّة على دخل القدرة الشرعيّة في الحكم ـ أعني: عدم الانشغال بواجب آخر ـ تُخلّ لا محالة بالإطلاق، كما هو واضح. إذن، فقد أحرزنا عدم الإطلاق وعدم المانع الشرعيّ عن الأهمّ.
إلاّ أنّه يقال في مقابل هذا الكلام: إنّ القرينة كما قامت على دخل القدرة الشرعيّة في الواجب المهمّ، كذلك قامت على دخلها في الواجب الأهمّ، فكلّ واحد منهما رافع بامتثاله لموضوع الآخر.
وإن قصد الثاني ـ أي: أنّه لا جزم لنا بالمانع الشرعيّ عن الأهمّ ـ فيدخل ذلك في الشكّ في القدرة، وهو مجرى للاحتياط، فلابدّ من تقديم الأهمّ احتياطاً.
ويرد عليه:
أوّلا: أنّ المفروض دخل القدرة في الملاك، ومعه يكون الشكّ في القدرة مجرى للبراءة لا للاحتياط؛ لأنّه يصبح شكّاً في سعة دائرة الحكم بمبادئه.
وثانياً: أنّنا جازمون بالمانع الشرعيّ من كلا الطرفين؛ لأنّنا قد عرفنا بما مضى من البرهان الإثباتيّ أنّ كلّ واحد من الواجبين لا إطلاق له لفرض الانشغال
', '', 184), (65, 185, 'book', 'بالآخر؛ لأنّه قد قامت قرينة على تقيّد كلّ واحد منهما بعدم الانشغال بواجب آخر، فالانشغال بأيّ واحد منهما يرفع موضوع الآخر.
وبهذا يتّضح أنّه في المشروطين بالقدرة الشرعيّة ـ بمعنى عدم الانشغال بواجب آخر ـ لا مجال لكلام السيّد الاُستاذ من الترجيح بالأهمّيّة، لكن لا لكلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من كون ما نحن فيه من قبيل المتعارضين، وأنّه يدخل في احتمال الملاك الأهمّ، ولا أثر له، بل لأنّ كلّ واحد منهما مشروط بعدم الانشغال بالآخر، فهو غير مرتبط بفرض احتمال الملاك، فإنّنا نقطع بكلا الملاكين المشروطين، ولسنا شاكّين في ملاك، وبما أنّ كلّ واحد من الملاكين والحكمين مشروط بعدم الانشغال بالفعل الآخر، فلا محالة يكون كلّ واحد منهما وارداً على الآخر بالامتثال، فيتمّ التوارد من كلا الطرفين ولا يبقى مجال لتأثير الأهمّيّة.
الأمر الثاني: في أنّه كيف نعرف أهمّيّة أحد الواجبين من الآخر، لكي نطبّق عليه هذا المرجّح؟
قد تجلّى ممّا مضى أنّ هذا المرجّح في الحقيقة مؤتلف من جزءين: أحدهما: أن يكون ملاك أحد الواجبين على تقدير فعليّته أهمّ. والثاني: أن يكون ملاكه فعليّاً، أي: أن لا يكون الواجب مشروطاً بالقدرة الشرعيّة بمعنى عدم كون الانشغال بمطلق الواجب مانعاً عن فعليّته. وهذا الجزء الثاني يكفي لإحرازه إطلاق دليل الوجوب؛ حيث إنّ التقييد بعدم الانشغال بواجب آخر على الإطلاق يكون تقييداً بأوسع ممّا يقتضيه القيد اللبّيّ العامّ.
يبقى الكلام في الجزء الأوّل، وهو أهمّيّة الملاك على تقدير فعليّته، فنقول: إنّ هناك عدّة طرق لإثبات الأهمّيّة:
الأوّل: الإطلاق، بدعوى: أنّ إطلاق دليل حكم لصورة الانشغال بالآخر دليلٌ على أهمّيّته منه؛ إذ لا يمكن أن يتمّ إطلاق الحكم لتلك الصورة إلاّ على فرض
', '', 185), (65, 186, 'book', 'الأهمّيّة. إذن، فلو كان دليل أحد الحكمين فيه إطلاق ـ لكونه لفظيّاً ـ ودليل الآخرلم يكن فيه إطلاق ـ لكونه لبّيّاً مثلا ـ ثبتت أهمّيّة ذاك الحكم الأوّل.
إلاّ أنّ هذا الطريق باطلٌ نقضاً؛ إذ مقتضاه وقوع التعارض بين الإطلاقين حينما يكون كلّ من الدليلين مطلقاً، وهذا خلف ما افترضناه من عدم رجوع باب التزاحم إلى باب التعارض.
وحَلاًّ، ويمكن توضيح بطلانه حَلاًّ: إمّا ببيان ما مضى من أنّ التمسّك بإطلاق أحد الحكمين لصورة الانشغال بالآخر، تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لتقيّده لبّاً بعدم الانشغال بالأهمّ أو المساوي. أو ببيان أنّ الإطلاق فرع كون المولى في مقام البيان، بينما المتعارف في الموالي العرفيّة أنّه حينما يُطلق المولى حكماً، إنّما يقصد إثبات ذلك الحكم في ذاته، بغضّ النظر عن موازنته مع أحكام اُخرى بلحاظ عالم المزاحمة.
الثاني: أن يرد التصريح بأهمّيّة أحد الحكمين، كما ورد في دوران الأمر بين الصلاة في أوّل الوقت منفرداً والصلاة في آخر الوقت جماعةً: أنّ الثاني أفضل، طبعاً هذا المثال في المستحبّين، فإذا ورد شيء من هذا القبيل في أحد واجبين، ثبتت أهمّيّته من الواجب الآخر. وهذا الطريق واضح الصحّة لا إشكال فيه.
الثالث: أن يرد في أحد الواجبين التشديد في العقاب(1) على المخالفة، والتأكيد على الامتثال، بينما لم يرد مثل ذلك في مزاحمه، فبهذا يُعلم أو يُحتمل(2)ـ على الأقلّ ـ أهمّيّة الواجب الأوّل. ومثاله الحجّ مع النذر، حيث ورد في الروايات وفي الآية ـ على ما فُسّرت به فيها ـ كون تاركه كافراً، وأنّ تاركه يخيّر عند الموت بين أن يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً، بينما لم يرد شيء من هذا القبيل في باب النذر. وهذا الطريق أيضاً صحيح.
$
', '(1) أو أيّ تأكيد من هذا القبيل، كبيان أنّه ممّا بُني عليه الإسلام.
(2) أو يوجب أقوائيّة الاحتمال.
', 186), (65, 187, 'book', '
الرابع: أن يرد خطاب ثانويّ في أحد الحكمين بلحاظ الطوارئ والأحوال، كما يقال في الصلاة مثلا: إنّ الصلاة لا تُترك بحال ـ طبعاً هذه العبارة بذاتها غير واردة، لكنّه قد ورد ما يقاربها في المعنى ـ فيُفهم من مثل هذا الخطاب أنّ الصلاة أهمّ من مزاحماتها. نعم، إنّما يُفهم من ذلك أهمّيّة جامع الصلاة، لا أهمّيّة مرتبة معيّنة منها، فجامع الصلاة ـ الشامل للصلاة الاختياريّة والصلوات الاضطراريّة بمراتبها المختلفة: من صلاة جلوسيّة واضطجاعيّة وإيمائيّة وصلوات الخوف والمطاردة على اختلاف مراتبها، حتّى تصل إلى التكبير بدلا عن كلّ ركعة، ونحو ذلك من الصلوات الاضطراريّة ـ هي التي ثبت أنّها لا تُترك بحال، وتكون أهمّ ممّا يزاحمها. وهذا الطريق أيضاً صحيح.
الخامس: أن يكون الحكمان من الأحكام الارتكازيّة العقلائيّة المفهوم نكتتها عرفاً، فتصبح لدليل الحكم دلالة التزاميّة عرفيّة على أنّه بنفس تلك النكتة. وحينئذ فبالإمكان معرفة الأهمّ حينما نعرف أهمّيّة أحد الحكمين في نكتته، حيث إنّنا مطّلعون على نكتة الحكمين. مثاله: دليل حرمة دم الإنسان ودليل حرمة ماله، فإنّهما بنكتة عرفيّة، وهي: عبارة عن التحفّظ على شؤون هذا الشخص، وعليه من الواضح أنّه إذا غرق مثلا هذا الشخص، وتوقّف إنجاؤه على سحْق زرعه، فدار الأمر بين إنجائه من الغرق والتجنّب من هلاك زرعه، كان الأوّل أهمّ. وهذا الطريق لمعرفة الأهمّ أيضاً صحيح.
4 ـ التقديم بالأسبقيّة زماناً:
المرجّح الرابع: هو الأسبقيّة زماناً، وتحقيق الكلام في ذلك: أنّه إذا كان الواجبان مشروطين بالقدرة العقليّة، بأن لم تكن القدرة دخيلة في الملاك، فلا موجب للترجيح بالأسبقيّة زماناً، فلو كانا متساويين في الأهمّيّة تمّ التوارد من كلا
', '', 187), (65, 188, 'book', 'الطرفين؛ إذ المقيّد اللبّيّ نسبته إليهما على حدٍّ سواء، وهو عدم الانشغال بضدٍّ مساو أو أهمّ. ولو كان أحدهما أهمّ فلا محالة هو الذي ـ بامتثاله ـ يرفع موضوع الآخر؛ لتقيّده عقلا بعدم الانشغال بضدّ مساو أو أهمّ، دون العكس.
وإذا كانا مشروطين بالقدرة الشرعيّة صحّ الترجيح بالأسبقيّة زماناً في صورتين:
الصورة الاُولى: أن يُفرض أنّ القدرة الدخيلة في ملاك الواجب كانت عبارة عن القدرة التكوينيّة على الواجب في ظرفه، لا القدرة التكوينيّة عليه مطلقاً ولو بلحاظ زمان سابق. وحينئذ فلو أتى بالواجب الأوّل لم يخسّر المولى شيئاً من الملاكين؛ فإنّ ملاك الواجب الأوّل قد حصل، وملاك الواجب الثاني قد ارتفع موضوعاً؛ لأنّه في زمانه أصبح عاجزاً تكويناً. بينما لو عكس الأمر فقد خسّر المولى ملاك الواجب الأوّل؛ لأنّه كان قادراً حينه(1).
الصورة الثانية: أن يُفرض أنّه من الدخيل في الملاك أيضاً القدرة بمعنى عدم
', '(1) لا يخفى: أنّ هذا الفرض يكون خارجاً عمّا نحن فيه؛ لأنّه في هذا الفرض يجوز تفويت القدرة للزمان الثاني حتّى بالانشغال بضدٍّ غير واجب في الزمان الأوّل، فوجوب الواجب الأوّل لا أثر له في المقام.
فالأولى تبديل هذا الفرض بفرض آخر، وهو: فرض أنّ القدرة الدخيلة في ملاك الواجب عبارة عن الجامع بين القدرة التكوينيّة على الواجب في ظرفه، والقدرة بلحاظ زمان سابق التي فُوّتت بغير معذّر شرعيّ، وعندئذ ففي الزمان الأوّل يصبح الواجب فعليّاً عليه؛ لأنّ الفرد الأوّل من هذا الجامع ـ وهي القدرة التكوينيّة ـ موجودة، فيكون الملاك تامّاً، فإذا صرف القدرة في الواجب الأوّل انتفى ملاك الواجب الثاني؛ لأنّه عنده لا يوجد شيء من فردي هذا الجامع، فلا هو قادرٌ قدرة تكوينيّة في وقت العمل على العمل، ولا كان قادراً بقدرة سابقة فُوّتت بغير معذّر، فإنّ صرفها كان بمعذّر.
', 188), (65, 189, 'book', '
الانشغال بواجب آخر مزاحم، لكن كان الدخيل عدم الانشغال بواجب مقارن أو سابق، دون المتأخّر، وهذا أمر معقول؛ فإنّ هذا ليس شأنه شأن القيد اللبّيّ الذي نسبته إلى الواجبَين على حدٍّ سواء، وإنّما هو تقييد شرعيّ أمره بيد الشارع، فقد يكون القيد هو عدم الانشغال بواجب مقارن أو سابق، دون اللاحق، فيصبح الواجب السابق بامتثاله رافعاً لموضوع الواجب اللاحق، دون العكس. هذا، والعكس أيضاً معقول، إلاّ أنّه غير عرفيّ.
هذا تمام الكلام في مرجّحات باب التزاحم.
الوظيفة عند فقدان المرجّح:
وأمّا بيان الوظيفة عند فقدان المرجّح لأحد المتزاحمين، فلا إشكال في أنّهما لا يتساقطان؛ لوجود الملاكين في الجملة، فلا معنى للتساقط، ويكون مخيّراً لا محالة؛ لفقد المرجّح.
وإنّما يقع الكلام في أنّ التخيير بينهما هل هو تخيير عقليّ أو شرعيّ؟ ويقصدون بالتخيير العقليّ: ثبوت خطابين كلّ منهما مشروطٌ بترك الآخر. وبالتخيير الشرعيّ: ثبوت خطاب واحد بالجامع بينهما.
وقد ذكر المحقّق النائينيّ(رحمه الله): أنّه إن كانت القدرة فيهما عقليّة فالتخيير عقليّ، وإن كانت شرعيّة فالتخيير شرعيّ.
أقول: تحقيق الكلام في المقام هو: أنّه إن كانت القدرة فيهما عقليّة فالتخيير بينهما عقليّ؛ إذ هذا هو مقتضى المقيّد اللبّيّ الذي يقيّد كلّ واحد من الخطابين بعدم الاشتغال بالأهمّ أو المساوي، فإنّ هذا معناه هو: كون كلّ واحد من الخطابين مشروطاً بترك الآخر، ولا مبرّر لسقوط هذين الخطابين المشروطين؛ إذ لا منافاة بينهما بعد إمكان الترتّب.
$
', '', 189), (65, 190, 'book', 'نعم، لو قلنا باستحالة الترتّب لوقع التعارض بين الخطابين، ودخل التزاحم في باب التعارض، وكان مقتضى القاعدة سقوطهما، وعدم ثبوت أيّ خطاب في المقام لو لم يثبت إجماعٌ أو شبهه على ثبوت خطاب في الجملة، وإلاّ جاء احتمال ثبوت الخطاب بهذا معيّناً أو بذاك معيّناً أو بأحدهما، فلتشخيص الوظيفة نرجع إلى الاُصول الحكميّة.
وإن كانت القدرة فيهما شرعيّة:
فتارة: نفترض أنّ المقصود بالقدرة الشرعيّة: دخْل عدم الانشغال بالواجب الآخر في الملاك، فالصحيح حينئذ أنّ التخيير أيضاً عقليّ، وإن ذكر المحقّق النائينيّ(رحمه الله): أنّ التخيّير شرعيّ، بتقريب: أنّ القدرة دخيلة في الملاك، وهو غير قادر على المجموع، فلا ملاك في المجموع، لكنّه قادرٌ على أحدهما، أي: الجامع بينهما، فيثبت الملاك في أحدهما، أي: الجامع بينهما، والخطاب يتبع الملاك، فيثبت خطابٌ واحد بالجامع بينهما، وهذا هو التخيير الشرعيّ.
أقول: مقتضى القاعدة كون التخيير عقليّاً؛ وذلك لأنّ معنى دخل القدرة في ملاك كلّ واحد منهما، ليس هو عدم ثبوت الملاك إلاّ في الجامع بينهما، وإنّما معناه كون كلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر، فهناك ملاكان مشروطان، لا ملاكٌ واحد في الجامع، والخطاب يتبع الملاك. إذن، يثبت في المقام خطابان مشروطان، وهو معنى التخيير العقليّ.
واُخرى: نفترض كون المقصود بالقدر الشرعيّة: اشتراط عدم المانع الشرعيّ عن الفعل، وحينئذ فإن قُصد بذلك عدم ما هو مانع شرعيّ عن الفعل ـ لولا الحكم بوجوب هذا الفعل ـ فمقتضى القاعدة عدم ثبوت شيء من الحكمين؛ لوجود المانع اللولائيّ، فإنّ كلّ واحد من الحكمين مانع عن الفعل الآخر لولا وجوبه بلا إشكال، فشرط أيّ واحد من الحكمين غير موجود، فيسقطان معاً لو لم يقم إجماع أو شبهه
', '', 190), (65, 191, 'book', 'على ثبوت الحكم في الجملة، وإلاّ ثبت الحكم في الجملة، ورجعنا أيضاً إلى الاُصول الحكميّة.
وإن قُصد بذلك: عدم ما هو مانع شرعيّ بالفعل، فجعل خطابين من هذا القبيل يستلزم الدور؛ إذ فعليّة كلّ واحد منهما موقوفة على عدم منع الآخر الموقوف على فعليّة الأوّل؛ إذ لولا فعليّة الأوّل لأصبح الثاني فعليّاً ومانعاً، وعليه فجعل حكمين من هذا القبيل مستحيل، فيقع التعارض بينهما.
هذا تمام الكلام في حكم التزاحم من حيث الترجيح والتخيير.
وينبغي التنبيه على اُمور:
استحالة الترتّب لنكتة خاصّة:
الأمر الأوّل: أنّه متى ما تقدّم أحد المتزاحمين على الآخر بأحد المرجّحات، فبشكل عامّ قد ثبت فيما سبق عدم استحالة الأمر بالآخر على نحو الترتّب ـ أي: الأمر به مشروطاً بترك الأوّل ـ إلاّ أنّه قد تتّفق استحالة هذا الترتّب لنكتة خاصّة.
والضابط الصحيح عندنا في إمكانه واستحالته لنكات خاصّة هو: أنّه يصحّ الترتّب في الواجبين المتزاحمين بشرطين:
الشرط الأوّل: أن لا يكون الواجب الآخر مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، بمعنى عدم توجّه واجب آخر مزاحم له إليه، فإن كان كذلك لم يتمّ الأمر به مترتّباً على ترك الواجب الأوّل؛ لأنّه على أيّ حال مأمور بالواجب الأوّل، فشرط الواجب الثاني غير حاصل. أمّا إذا كان مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، بمعنى عدم الاشتغال بواجب آخر، أو لم يكن مشروطاً إلاّ بالقدرة العقليّة ثبت الأمر به بنحو الترتّب، مع توفّر الشرط الثاني.
الشرط الثاني: أن لا يكون ترك امتثال الواجب الأوّل ملازماً لموافقة الثاني،
', '', 191), (65, 192, 'book', 'كما لو كان الواجبان من الضدّين اللذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون ـ لو قلنا بأنّهما من الضدّين اللذين لا ثالث لهما ـ فإن كان كذلك لم يصحّ الأمر بالثاني على تقدير ترك الأوّل؛ إذ على هذا التقدير يكون الثاني ضروريّاً، فلا يعقل البعث نحوه. هذا هو الضابط الصحيح في المقام.
والمحقّق النائينيّ(رحمه الله) ذكر لتحقيق الحال في المقام: أنّ التزاحم على خمسة أقسام، فيُنظر في كلّ قسم منها لكي يُرى أنّه هل يعقل الترتّب فيه أو لا؟
الأوّل: التزاحم الناشئ عن عجز المكلّف وضيق قدرته، كعجزه عن إنقاذ كلا الغريقين لضعف عضلاته مثلا.
الثاني: فرض التضادّ بين المتعلّقين، كما لو ورد: (إذا أمطرت السماء فقم). وورد: (إذا وقع الخسوف فاجلس)، فصادف أنّه أمطرت السماء وانخسف القمر في وقت واحد.
الثالث: توقّف الواجب على مقدّمة محرّمة، كتوقّف إنقاذ الغريق على اجتياز أرض مغصوبة، فيقع التزاحم بين الواجب وترك الحرام.
الرابع: التلازم صدفةً بين واجب وحرام، لا بمعنى التوقّف كما في الفرض السابق، بل بأن يكونا متلازمين عرَضيّين، كما لو وجب استقبال القبلة وحرم استدبار الجدي، فاتّفق التلازم بينهما بلحاظ بعض البلاد.
الخامس: مورد اجتماع الأمر والنهي مع عدم المندوحة، بناءً على جواز اجتماعهما عند تعدّد العنوان، وإلاّ وقع التعارض(1).
$
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 320 ـ 321 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 284 ـ 285 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 192), (65, 193, 'book', '
هذه هي الأقسام الخمسة للتزاحم التي ذكرها المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وقبل أن نشرع في تفصيل الكلام في الموارد التي يقول المحقّق النائينيّ(رحمه الله) فيها بعدم إمكان الترتّب نذكر ملاحظتين حول ما ذكره من أقسام التزاحم:
الملاحظة الاُولى: ملاحظة عامّة ترجع إلى كلّ هذه الأقسام الخمسة، وهي: أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله)قد قيّد كلّ واحد من هذه الأقسام الخمسة ـ تصريحاً أو تلويحاً ـ بأن يكون التزاحم اتّفاقيّاً، فمثلا يقيّد التزاحم الناشئ من عجز المكلّف عن الجمع بكون العجز اتّفاقيّاً، والناشئ من تضادّ المتعلّقين بكون التضادّ اتفاقيّاً، والناشئ من التلازم بين الواجب والحرام بكون التلازم اتّفاقيّاً... وهكذا، بنكتة: أنّه لو كان التزاحم دائميّاً رجع إلى التعارض.
وتحقيق الكلام في ذلك: أنّه إذا كان التزاحم دائميّاً:
فإن كان الواجبان ضدّين لا ثالث لهما فمن الواضح وقوع التعارض بين ذات الحكمين؛ إذ لا يُعقل ثبوتهما، لا مطلقاً ولا مشروطاً: أمّا مطلقاً، فواضح؛ إذ يؤدّي إلى طلب الجمع بين الضدّين. وأمّا مشروطاً؛ فلأنّ الأمر بأحدهما مشروطاً بترك الآخر لا مجال له؛ إذ مع ترك الآخر يكون هذا ضروريّاً، فلا معنى للأمر به.
وأمّا إذا كانا ضدّين لهما ثالث، فلا ينبغي الإشكال في أنّه لا يوجد تعارض بين ذات الحكمين بغضّ النظر عن إطلاقهما؛ إذ من المعقول الأمر بكلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر؛ إذ ترك أحدهما ليس مساوقاً للإتيان بالآخر، فيُعقل الأمر به، فيقع الكلام في أنّه هل يقع تعارضٌ بين إطلاقهما أو لا؟
فقد يقال: إنّه لا يوجد بينهما تعارض حتّى بلحاظ الإطلاق؛ وذلك لأنّ كلّ واحد منهما مقيّد لا محالة بالمقيّد اللبّيّ، وهو عدم الانشغال بالمساوي أو الأهمّ، فلا يتحقّق في كلٍّ منهما إطلاق لصورة الانشغال بالآخر حتّى يلزم التعارض. وهذا المقيّد اللبّيّ هو الذي أثبتنا على أساسه عدم دخول باب التزاحم في باب التعارض.
$
', '', 193), (65, 194, 'book', 'إلاّ أنّ الصحيح وقوع التعارض بين الحكمين بلحاظ الإطلاق، فإذا قال مثلا: (قم عند طلوع الفجر)، وقال أيضاً: (اجلس عند طلوع الفجر)، كانا متعارضين بلحاظ الإطلاق؛ حيث إنّ إطلاق كلّ واحد منهما يشمل فرض الانشغال بالآخر، ولا يمنع عن هذا الإطلاق تقيّد كلّ واحد منهما بعدم الانشغال بالأهمّ أو المساوي.
وتوضيح ذلك: أنّ عدم جواز التمسّك بإطلاق الأمر لفرض الانشغال بواجب آخر، وإثبات كونه أهمّ منه كان له ـ على ما سبق ـ تقريبان:
أحدهما: عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وأنّ المقام من هذا القبيل حينما نحتمل كون ما اشتغل به لا يقلّ أهمّيّة عن المأمور به، كما هو المفروض.
والثاني: أنّ المولى العرفيّ ـ عادة ـ ليس في أمره بشيء بصدد المقارنة بين الواجبات المتزاحمة، وبيان أهمّيّة بعضها عن بعض.
وهذا التقريب الثاني لا يأتي في المقام؛ فإنّه إنّما يتمّ ما قلناه ـ من أنّ المولى العرفيّ ليس بصدد المقارنة وإحراز الأهمّيّة ـ بلحاظ ما يزاحمه صدفةً. أمّا بلحاظ ما يزاحمه دائماً فعادة المولى يحسب حسابه ويلحظه في بيانه، فحينما أمر بالقيام ـ مثلا ـ مع علمه بكون الجلوس مضادّاً له دائماً، كان هذا دالاًّ على أنّ القيام أهمّ من الجلوس في نظر المولى، وكذلك العكس.
وبمثل هذا البيان أيضاً نُبطل التقريب الأوّل في المقام؛ فإنّ المولى حينما يكون هو بصدد إحراز قيد، لا معنى لتقييد جعله بذلك القيد. والمولى بلحاظ المزاحمات الدائميّة يكون هو بصدد إحراز أهمّيّة المأمور به عنه، فليس الأمر مقيّداً بعدم الانشغال بها.
الملاحظة الثانية: أنّه كان بالإمكان إدراج القسم الأوّل والثاني من الأقسام
', '', 194), (65, 195, 'book', 'الخمسة في قسم واحد؛ لأنّ عنوان القسم الأوّل ـ وهو عجز المكلّف وضيق قدرته عن الجمع بين الواجبين ـ ينطبق على الثاني، ولا نكتة فنّيّة يمكن أن تُذكر للفرق بينهما من حيث الحكم بإمكان الترتّب وعدمه.
ولعلّ النكتة في إفراز المحقّق النائينيّ(رحمه الله) أحدهما عن الآخر هي: أنّ القسم الأوّل هو الذي ينقسم إلى متزاحمين طوليّين زماناً ومتزاحمين عرضيّين، بينما في القسم الثاني ـ وهو التزاحم بملاك التضادّ ـ لا يتصوّر الطوليّة زماناً؛ إذ الضدّان يكونان في عرض واحد، حيث إنّ أحدهما بديل الآخر في الوجود في نفس ظرفه، وهو(رحمه الله) يرى أنّ الترتّب في الطوليّين زماناً غير معقول، فحيث إنّ هذا لا يتصوّر في القسم الثاني ويتصوّر في الأوّل أفرز أحدهما عن الآخر، وإلاّ فلا فرق واقعيّ بينهما(1).
وبعد ذلك نشرع في ذكر الموارد التي ذكرها المحقّق النائينيّ(رحمه الله) لعدم إمكان الترتّب فيها، مع مورد آخر ذكره ولكن اختار فيه إمكان الترتّب. وهي على قسمين: فبعضها يجري في كلّ الأقسام الخمسة للتزاحم، وبعضها يختصّ ببعض تلك الأقسام:
المورد الأوّل: ما إذا كان المرجوح مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، فحينئذ لا ملاك
', '(1) لا يخفى: أنّ الشيخ النائينيّ(رحمه الله) ـ بحسب ما ورد في فوائد الاُصول للشيخ الكاظميّ(رحمه الله) ـ خصّ القسم الأوّل ـ وهو فرض ضيق قدرة المكلّف عن الجمع بين الواجبين ـ بفرض الطوليّة الزمنيّة بين الواجبين. أمّا لو كانا في زمان واحد فهو داخل ـ في تقسيمه هذا ـ في القسم الثاني، وهو فرض التضادّ بين المتعلّقين.
نعم، في أجود التقريرات لم يصرّح بهذه النكتة حينما ذكر الأقسام، لكنّها مقصودة حتماً؛ بدليل أنّه حينما بدأ بالحديث عن القسم الأوّل لم يصبّ الحديث إلاّ على فرض الطوليّين زمناً. راجع الكتاب، ص 318 ـ 320.
', 195), (65, 196, 'book', '
فيه عند المزاحمة حتّى يتمّ فيه الترتّب(1).
ولا أدري ماذا فهم السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ من ذلك فأورد عليه: بأنّ هذا دور؛ لأنّ الملاك نستكشفه من الأمر، فلو كان الأمر الترتّبيّ نستكشفه في فرض إحراز الملاك ـ بغضّ النظر عن الأمر ـ للزم الدور، ولبطل الترتّب في كلّ الموارد؛ إذ لا علم لنا فيها بالملاك بغضّ النظر عن الأمر(2).
أقول: إنّ هذا الإشكال لا يمكننا مساعدته، كما أنّ إطلاق كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) غير صحيح. والتحقيق ما ذكرناه من أنّ القدرة الدخيلة في الملاك: تارة تُفسَّر بمعنى عدم وجود المانع الشرعيّ، واُخرى تُفسَّر بمعنى عدم الانشغال بالواجب الآخر:
فلو اُريد القدرة بالمعنى الأوّل، فطبعاً لا معنى للقول بالترتّب، لا لعدم إحراز الملاك في المرتبة السابقة على إحراز الأمر الترتّبيّ، حتّى يلزم الدور، بل لأنّ الترتّب بحاجة إلى دليل، ودليله هو ورود الأمر بالمهمّ، والمفروض أنّ الأمر بالمهمّ مشروط بالقدرة بعدم مانع شرعيّ، والمانع الشرعيّ موجود، فلم يثبت أمر بالمهمّ؛ لانتفاء موضوعه، فما معنى الترتّب؟ ولعلّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ينظر لبّاً إلى هذا القسم.
ولو اُريد القدرة بالمعنى الثاني، فشرط الأمر إنّما هو عدم الانشغال بالواجب
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 367 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وراجع أجود التقريرات، ج 1، ص 309 ـ 310 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
(2) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض، ج 3، ص 98 بحسب طبعة مطبعة النجف في النجف الأشرف.
', 196), (65, 197, 'book', '
الآخر، وهو حاصل عند ترك المزاحم الراجح، فيثبت الأمر ويتمّ الترتّب، وبالأمر نستكشف الملاك. ولعلّ السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ ينظر لبّاً إلى هذا القسم، هذا.
وقد يُطبّق هذا القانون المدّعى في المقام ـ أعني: عدم ثبوت الأمر الترتّبيّ في المشروط بالقدرة الشرعيّة ـ على بعض موارد سقوط وجوب الوضوء، فيقال بأنّ الوضوء إذن يبطل في المقام.
ولا بأس بالتكلّم هنا في جملة من موارد سقوط وجوب الوضوء، فنقول:
الأوّل: ما لو كان الوضوء مزاحماً بواجب أهمّ، كما لو وجب صرف الماء في حفظ نفس محترمة، فيسقط الوضوء وينتقل إلى التيمّم. وقد ذكر المحقّق النائينيّ(رحمه الله) والمشهور: أنّه لو توضّأ كان باطلا؛ لأنّ الوضوء مشروط بالقدرة الشرعيّة(1).
إلاّ أنّ التحقيق صحّة الوضوء، وتوضيح ذلك: أنّ ما يُذكر لإثبات كون القدرة في الوضوء شرعيّة عبارة عن مجموع مقدّمتين:
الاُولى: أنّ قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ يدلّ على أنّ موضوع التيمّم عدم وجدان الماء، وبما أنّ التفصيل يقطع الشركة يدلّ على أنّ موضوع الوضوء هو وجدان الماء.
الثانية: أنّ المقصود بوجدان الماء ليس هو تيسّر ذات الماء، بل هو تيسّر الوضوء بالماء، بقرينة ذكر المريض كما ذكر المسافر في قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 367 ـ 368 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 309 ـ 310 بحسب الطبعة الماضية.
', 197), (65, 198, 'book', '
عَلَى سَفَر (1)، فمن الواضح أنّ السفر وإن كان قد يسبّب عدم تيسّر الماء، لكن المرض لا يسبّب عدم تيسّر الماء، وإنّما يسبّب عدم تيسّر الوضوء.
فتحصّل ـ من مجموع المقدّمتين ـ: أنّ عدم تيسّر الوضوء اُخذ في موضوع التيمّم، وبالتالي تيسّر الوضوء اُخذ في موضوع الحكم بالوضوء، وهذا معناه أخذ القدرة في موضوع الحكم، فتكون القدرة شرعيّة إذن، فعند مزاحمة الوضوء مع ما هو أهمّ لا يبقى ملاكٌ للوضوء، فيبطل الوضوء.
ويرد على ذلك:
أوّلا: أنّ أخذ القدرة الشرعيّة في موضوع الوضوء لم يُعلم، ومجرّد أخذ عدم القدرة في موضوع التيمّم لا يدلّ على ذلك، فإنّ غاية ما يدلّ عليه هي أخذ القدرة في موضوع خطاب الوضوء؛ لأنّ التفصيل قاطعٌ للشركة. أمّا كونها دخيلة في الملاك فهذا أمرٌ زائد لا يقتضيه كون التفصيل قاطعاً للشركة.
نعم، لو ذُكرت القدرة في لسان دليل الوضوء، لأمكن القول بأنّ هذا قرينة على دخلها في الملاك، من باب كون الأصل هو التأسيس لا التأكيد، أمّا مجرّد ذكر عدم القدرة في دليل بديل الوضوء، فلا نكتة لدلالته على أكثر ممّا يدلّ عليه العقل من اشتراط القدرة في موضوع الخطاب.
$
', '(1) لا يخفى: أنّ من المحتمل ـ أو المرجَّح ـ كون قيد عدم الوجدان راجعاً إلى الفروض الثلاثة الأخيرة المذكورة في قوله: ﴿عَلَى سَفَر أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ دون الفرض الأوّل المذكور في قوله: ﴿إِن كُنتُم مَّرْضَى﴾، فالأولى: تبديل هذه المقدّمة الثانية ببيان: أنّ عدم المرض ـ الشامل بإطلاقه للمرض الذي لم يصل إلى حدّ حرمة الوضوء الضارّ بسببه ـ بما أنّه ليس قيداً عقليّاً للحكم بالوضوء، فأصبح القاسم المشترك المأخوذ في الموضوع في كلّ الفروض الأربعة قيداً أوسع من القيد العقليّ، إذن فهمنا أنّ هذا القيد هو قيدٌ شرعيٌّ ودخيل في الملاك.
', 198), (65, 199, 'book', '
وثانياً: أنّه حتّى بناءً على أخذ القدرة الشرعيّة في موضوع الحكم بالوضوء، لا نسلّم كون القدرة ـ بمعنى عدم توجّه المانع الشرعيّ ـ مأخوذة في موضوعه؛ إذ غاية ما يقتضيه قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هي اشتراط عدم تيسّر الوضوء في التيمّم، ولو بلحاظ الانشغال بالأهمّ، فيكون موضوع الحكم بالوضوء تيسّر الوضوء بمعنى يشمل عدم الانشغال بالأهمّ. أمّا مجرّد وجود حكم بالأهمّ يعصيه المكلّف، فهذا لا يوجب صدق قوله: ﴿لَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ بمعنى: لَم تتمكّنوا من الوضوء. وقد ذكرنا فيما سبق: أنّ القدرة الشرعيّة إذا كانت بمعنى عدم الاشتغال بالأهمّ أو المساوي، لا بمعنى عدم المانع الشرعيّ لم يوجب أخذها في موضوع الحكم بطلان الترتّب.
وثالثاً: لو سلّمنا أنّ وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعيّة، بمعنى عدم المانع الشرعيّ، بدعوى: أنّ هذا هو المستفاد من آية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ قلنا: إنّ الوضوء كما أنّه مأمورٌ به بأمر وجوبيّ مقدّميّ، كذلك هو مأمورٌ به بأمر استحبابيّ نفسيّ، ولا دليل على أخذ القدرة الشرعيّة بذاك المعنى في استحبابه؛ إذ دليل الأمر الاستحبابيّ يكون من قبيل قوله: «الوضوء على الوضوء نور على نور» أو قوله: ﴿يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ممّا لم يؤخذ في لسانه قيد عدم الوجدان. فليتمّ في المقام الأمر الترتّبيّ الاستحبابيّ وبه يصحّ الوضوء.
هذا كلّه إذا كان عصيان الأهمّ يتمّ بنفس الوضوء. أمّا إذا كان الوضوء في طول معصية الأهمّ زماناً، كما لو صبّ الماء على العضو، فاستحال حفظ النفس المحترمة به، فأرجع الماء بيده إلى أعلى بنيّة الوضوء، فلا إشكال في صحّته، وهو خارج عن محلّ البحث كما هو واضح.
الثاني: ما لو كان الوضوء حراماً لكونه غصباً للماء مثلا، أو مضرّاً بضرر موجب للحرمة، وفي ذلك لا يصحّ الترتّب؛ لأنّ الوضوء بذاته أصبح حراماً، فلا يعقل أن
', '', 199), (65, 200, 'book', 'يكون في نفس الوقت مأموراً به، بناءً على عدم إمكان اجتماع الأمر والنهي لمجرّد تعدّد العنوان. أمّا بناءً على إمكانه فيدخل في القسم الخامس من التزاحم.
وأمّا إذا لم تصل الحال إلى مرتبة الضرر المحرّم، وإنّما كان الوضوء حرجيّاً، فارتفع الوجوب بدليل نفي الحرج، فالوضوء صحيح؛ للأمر الاستحبابيّ، فإنّ الأمر الاستحبابيّ لا يرتفع بالحرج؛ إذ لا حرج في الاستحباب(1).
$
', '(1) لقائل أن يقول: إنّ دليل نفي الحرج وإن كان لا يحكم على الأحكام الاستحبابيّة، لكن نفس الآية الكريمة في المقام تدلّ على تعيّن التيمّم، قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ـ س 4 النساء، الآية: 43، وس 5 المائدة، الآية: 6 ـ فالآية الشريفة في كلتا السورتين أمرت المرضى بالتيمّم، وظاهر الأمر هو الوجوب التعيينيّ.
وكذلك الحال بلحاظ الروايات من قبيل: صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا(عليه السلام) «في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه البرد، فقال: لا يغتسل، يتيمّم» ـ وسائل الشيعة، ج 3، ص 348 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 5 من التيمّم، ح 7 ـ وصحيحة داود بن سرحان عن أبي عبدالله(عليه السلام) «في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد، فقال: لا يغتسل ويتيمّم». وسائل الشيعة، ج 3، ص 348 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 5 من التيمّم، ح 8.
فهذه الأوامر ـ سواء القرآنيّة أو الروائيّة ـ بالتيمّم ظاهرة ككلّ أمر آخر في التعيينيّة، فتدلّ على بطلان الوضوء، فليس السبب في الحكم ببطلان الوضوء عدم ثبوت الأمر به، حتّى تنحلّ المشكلة عن طريق التمسّك بدليل الاستحباب النفسيّ للوضوء، وإنّما السبب في ذلك ظهور آيات التيمّم والروايات في وجوبه التعيينيّ.
ويمكن حلّ هذا الإشكال بأحد وجوه:
الوجه الأوّل: أن يقال: إنّ الأمر بالتيمّم في المقام لا يدلّ على الوجوب التعيينيّ؛ لأنّ تعيينيّته وردت في مقام توهّم الحظر، فلا يدلّ على أكثر من جواز الانتقال من الطهارة المائيّة إلى التيمّم، أمّا وجوب الانتقال فلا.
إلاّ أنّه يمكن النقض على ذلك بآية الصوم، قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ...﴾ ـ س 2 البقرة، الآية: 184 ـ ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّام أُخَرَ...﴾ ـ س 2 البقرة، الآية: 185 ـ وقد ذكر الفقهاء: أنّ المرض الذي يضرّ بسببه الصوم مبطلٌ للصوم، في حين أنّه بالإمكان أن يقال هنا أيضاً: إنّ الأمر بعدّة من أيّام اُخر وإن كان بحسب طبعه ظاهراً في التعيين، لكنّه واردٌ في مورد نفي توهمّ الحظر، فلا يدلّ على أكثر من رفع الوجوب التعيينيّ، فمن لم يكن ضرر الصوم بالنسبة له بالغاً مرتبة الحرمة، يكون مخيّراً بين أن يصوم شهر رمضان، أو يصوم عدّة من أيّام اُخر.
قد تقول: إنّ الفرق بين الموردين هو أنّه في باب الوضوء وجدنا دليلا يدلّ على استحباب الوضوء في نفسه، فإذا سقط الوجوب الغيريّ للوضوء ـ الذي يضرّ بسبب المرض ضرراً غير محرّم ـ تمسّكنا بدليل الاستحباب الذي لا تحكم عليه قاعدة نفي العسر والحرج؛ لكونها امتنانيّة، ولا امتنان في نفي الاستحباب. ولكن في باب صوم شهر رمضان، بعد أن ثبت سقوط وجوبه التعيينيّ ـ بصريح الآيتين ـ لم يردنا دليلٌ على أمر آخر به تخييراً مثلا، أو استحباباً.
ولكنّا نقول:
أوّلا: إنّ هذا لازمه كون المرض غير البالغ ضرره حدّ الحرمة، يكون شرطاً في صحّة صوم شهر رمضان، ولا يكون شرطاً في صحّة الصوم المستحبّ، ولا أظنّ قائلا بذلك.
وثانياً: حتّى بالنسبة لصوم شهر رمضان نستطيع أن نقول: لو لم تدلّ الآية على أكثر من نفي الوجوب التعيينيّ، كفانا ذلك في تجويز الصوم رغم عدم دليل اجتهاديّ على الوجوب التخييريّ؛ وذلك لأنّ الاحتمال البدويّ للوجوب التخييريّ يكفينا في الرجوع إلى أصالة عدم تعيين عدّة من أيّام اُخر، بناءً على ما نقّحناه في علم الاُصول من جريان أصالة عدم التعيين لدى دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
وبالإمكان أن يقال: إنّ فرق مسألة الصوم عن مسألة الوضوء هو أنّ موثّقة سماعة دلّتنا في مسألة الصوم على أنّ ترك الصوم لدى المرض عزيمة لا رخصة، تماماً كترك الصوم لدى السفر. فقد ورد في موثّقة سماعة قال: «سألته ما حدّ المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار كما يجب عليه في السفر: ﴿وَمَن كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر﴾؟ قال: هو مؤتمن عليه، مفوّض إليه، فإن وجد ضعفاً فليفطر، وإن وجد قوّة فليصمه، كان المرض ما كان» ـ وسائل الشيعة، ج 11، ص 220 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت،ب 20 ممّن يصحّ منه الصوم، ح 4 ـ فترى أنّ السائل كان يعتقد أنّ الإفطار لدى المرض كالإفطار لدى السفر، والإمام(عليه السلام) سكت عنه، وهذا إقرار له عليه، ولم يرد شيء من هذا القبيل في باب الوضوء.
بل نستطيع أن نقول: إنّ نفس الآية الشريفة في باب الصوم ـ بوحدة السياق بين المرض والسفر، بضميمة علمنا بأنّ ترك الصوم في السفر عزيمة لا رخصة ـ تدلّ على أنّ تركه في المرض أيضاً عزيمة لا رخصة، في حين أنّه لا توجد قرينة من هذا القبيل في باب الوضوء.
إلاّ أنّه رغم كلّ هذا نقول: إنّ حمل آية الوضوء على كونها في مقام نفي توهّم الحظر بعيد جدّاً؛ فإنّ قاعدة حمل الأمر في مورد توهّم الحظر على نفي الحظر ـ دون الوجوب ـ إنّما تكون عرفيّة لدى ورود ذات الأمر بالشيء في مورد توهّم حظره من قبيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ـ س 5 المائدة، الآية: 2 ـ ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ ـ س 2 البقرة، الآية: 187 ـ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ـ س 2 البقرة، الآية: 187 ـ وما إلى ذلك، ولا تكون عرفيّة في حمل الأمر على الأمر التخييريّ في مورد توهّم تعيينيّة الأمر الأوّل، بعد إحراز أنّ الأمر الثاني أيضاً في ذاته لإنشاء الوجوب، لا للإباحة ونفي الحظر.
وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ أصل كون الأمر بالتيمّم لإيجاب التيمّم ممّا لا شكّ فيه، وإنّما الكلام في كونه واجباً تعيينيّاً أو تخييريّاً، والمرجع عندئذ إنّما هو ظهور الأمر في التعيين، فهذا الوجه الأوّل لحلّ الإشكال لا يرجع إلى محصّل، ولا زلنا نقول: إنّ ظاهر الآية كون التيمّم واجباً تعيينيّاً.
الوجه الثاني: أن يقال: إنّ شمول المرض في الآية الشريفة لما يضرّ معه الصوم ضرراً غير محرّم لم يثبت، وتوضيح ذلك: أنّ المرض في الآية غير باق على إطلاقه يقيناً؛ وذلك بمقيّد ارتكازيّ كالمتّصل؛ لوضوح أنّ المرض لو لم يكن يضرّ معه الوضوء، لم يُحتمل ـ بمناسبات الحكم والموضوع ـ إبطاله للوضوء أو إسقاطه عن الوجوب، فلابدّ من أخذ قيد في المقام، وهذا القيد كما يناسب أن يكون عبارة عن قيد مضرّيّة الوضوء، كذلك يناسب أن يكون عبارة عن قيد حرمته؛ لأنّ حرمته تسلب القدرة الشرعيّة من المكلّف على الوضوء.
ولا معيِّن في المقام للقيد الأوّل على الثاني، والإطلاق لا يثبت الأوّل في مقابل الثاني؛ لأنّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة إنّما ينفي القيد الجديد المحتمل، ولا يعيّن القيد المحذوف المردّد بين مفهوم واسع ومفهوم ضيّق في المفهوم الواسع.
وعليه فالآية الشريفة لم تدلّ على أكثر من الانتقال إلى التيمّم في مورد كون الوضوء موجباً لتحمّل ضرر محرّم، وهي مجملة في مورد الضرر الطفيف الذي يجوز ارتكابه، وإنّما الدليل على سقوط الوضوء في مورد الضرر الحرجيّ هي قاعدة نفي الحرج، وهي إنّما تسقط الوجوب المقدّميّ للوضوء، ولا تسقط استحبابه النفسيّ، فيبقى الوضوء مستحبّاً نفسيّاً تجوز الصلاة به، كما تجوز الصلاة بالتيمّم.
ولا يخفى: أنّ هذا الوجه أيضاً يمكن توجيه النقض عليه بآية الصوم، فيقال: إنّ لازم هذا الكلام أن يقال بنفس التقريب في آية الصوم، فيقال: لم يُعرف شمول المرض في آية الصوم ـ بعد وضوح عدم إرادة الإطلاق منه؛ لبداهة عدم منع المرض الذي لا يضرّ معه الصوم عن وجوبه أو صحّته ـ للمرض الذي يكون تحمّل الضرر معه حرجيّاً وغير محرّم، فيكون دليل نفي وجوب الصوم معه عبارة عن قاعدة نفي الحرج، وهي تنفي الوجوب ونبقى نثبت التخيير بين صوم شهر رمضان وعدّة من أيّام اُخر، ولو بأصالة التخيير لدى الدوران بينه وبين التعيين، وأيضاً نبقى نتمسّك في غير شهر رمضان بأدلّة استحباب الصوم.
والحلّ: أنّ المناسب للتقدير ـ سواءً في آية الوضوء أو آية الصوم ـ إنّما هو مطلق الإضرار، لا حرمة الوضوء أو الصوم؛ فإنّ حرمة الوضوء أو الصوم لدى شدّة الضرر لم تكن واضحة عند نزول الآية، حتّى يفترض كون فقدان القدرة الشرعيّة لدى شدّة الضرر، هو الموجب لمناسبة تقدير قيد الحرمة، وصرف الآية إلى بيان مجرّد البديل عن الوضوء وهو التيمّم، أو عن صوم شهر رمضان وهو صوم عدّة من أيّام اُخر، بل نفس الآيتين هما بصدد بيان سقوط الوضوء أو الصوم وبيان البديل، فالمناسب العرفيّ إنّما هو تقدير قيد الإضرار ولو على مستوى الحرج، دون الحرمة.
هذا مضافاً إلى أنّه لو فُرض إجمال الآية في كون المقصود الضرر الواصل إلى حرمة التحمّل أو مطلق الضرر الحرجيّ، فإطلاق الروايات في المقام ـ كالصحيحتين الماضيتين ـ واضح.
الوجه الثالث: أن يقال: إنّه وإن كان مقتضى إطلاق الآية كون وجوب التيمّم تعيينيّاً، لكن ورد في الروايات ما هو ظاهرٌ في كون وجوبه وجوباً تخييريّاً، من قبيل: صحيحة محمّد بن مسلم «قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الرجل تكون به القرح والجراحة يجنب؟ قال: لا بأس بأن لا يغتسل، يتيمّم» ـ وسائل الشيعة، ج 3، ص 347 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 5 من التيمّم، ح 5 ـ وفي نقل الصدوق: «لا بأس بأن يتيمّم ولا يغتسل» ـ وسائل الشيعة، ج 3، ص 348 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 5 من التيمّم، ح 11 ـ وذلك بدعوى أنّ كلمة «لا بأس» تدلّ على التخيير.
إلاّ أنّ الشأن في أنّ كلمة «لا بأس» هل تدلّ حقّاً على التخيير، أو غاية ما تؤثّر هي المنع عن ظهور العبارة في التعيين؟ فإن كان الثاني فهذا لا يقف أمام ظهور الآية في التعيين. ويؤيّد عدم إرادة الرواية التخيير: أنّ السؤال فيها ليس مخصوصاً بفرض كون المرض مؤدّياً إلى الضرر الحرجيّ، بل يشمل بإطلاقه فرض وصوله إلى درجة الحرمة، والتي لا تخيير معها حتماً.
الوجه الرابع: أن يقال: إنّه وقع التعارض بين إطلاق الآية الدالّ على كون وجوب التيمّم المقدّميّ وجوباً تعيينيّاً، وإطلاق دليل استحباب الوضوء الدالّ على استحبابه حتّى ولو كان حرجيّاً، وبعد فرض التساقط نبقى شاكّين في كون التيمّم واجباً تخييريّاً أو تعيينيّاً، فنرجع إلى أصالة التخيير.
وهذا الوجه أيضاً يصعب الاعتماد عليه: إمّا لأنّ التعارض بين إطلاقي الكتاب والخبر يوجب سقوط الخبر؛ لدخوله في المخالف للكتاب الذي يجب ضربه عرض الحائط، وإمّا لأنّ الأمر بالتيمّم الدالّ بإطلاقه على التعيين، كما ورد في الكتاب ورد في الأخبار أيضاً كما مضى، فيدخل الباب في تعارض الخبرين، ويكون الترجيح مع ما وافق الكتاب، وهو الخبر الذي دلّ على تعيين التيمّم.
هذا كلّه بعد تسليم الاستحباب الذاتيّ للوضوء بعنوان الوضوء.
إلاّ أنّه يمكن أن يقال: إنّ الاستحباب ليس للوضوء بعنوان الوضوء، وإنّما للطهارة الحدثيّة التي قد تتجسّد في الوضوء، واُخرى في الغسل، وثالثةً في التيمّم، وتجسّد الطهارة في الوضوء فيما نحن فيه أوّل الكلام، وإثبات جواز الوضوء بدليل الاستحباب الذاتيّ للطهارة لا يكون إلاّ من قبيل إثبات الصغرى بالكبرى.
وتوضيح الكلام في ذلك: أنّه قد يستدلّ على الاستحباب النفسيّ للوضوء بمرسلة الديلميّ في الإرشاد «قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): يقول الله تعالى: من أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضّأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضّأ وصلّى ركعتين ودعاني، ولم اُجبه فيما سألني من أمر دينه ودنياه فقد جفوته، ولست بربٍّ جاف» وسائل الشيعة، ج 1، ص 382 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 11 من الوضوء، ح 2.
ومرسلة الفقيه: «الوضوء على الوضوء نور على نور» المصدر نفسه، ص 377، ب 8 من تلك الأبواب، ح 8.
ورواية محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهّروا» المصدر نفسه، ح 10، ص 378، وكذلك ورد في حديث الأربعمأة في وسائل الشيعة، ج 1، ص 247 من تلك الطبعة، ب 1 من نواقص الوضوء، ح 6.
ورواية المفضّل بن عمر عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «من جدّد وضوءه لغير حدث(وفي نسخة: لغير صلاة) جدّد الله توبته من غير استغفار» وسائل الشيعة، ج 1، ص 377، ب 8 من الوضوء، ح 7 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
وهذه الروايات كلّها ضعيفة السند.
وهناك روايات اُخرى دلّت على استحباب تجديد الوضوء للصلاة ـ راجع الوسائل، ج 1 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 8 من الوضوء ـ فلا يعرف منها استحباب الوضوء مستقلاًّ عن الصلاة، إلاّ أنّ هذا أيضاً قد يكفينا؛ لأنّه لو ثبت استحباب الوضوء للصلاة زائداً على الوجوب المقدّميّ، فدليل نفي الحرج لا ينفيه؛ لعدم حكومته على الأحكام الاستحبابيّة.
وما يمكن أن يكون منها تامّاً سنداً ما عن سماعة بن مهران «قال: قال أبو الحسن موسى(عليه السلام): من توضّأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفّارةً لما مضى من ذنوبه في نهاره ما خلا الكبائر. ومن توضّأ لصلاة الصبح كان وضوؤه ذلك كفّارةً لما مضى من ذنوبه في ليلته ما خلا الكبائر» ـ المصدر الماضي، ص 316 ـ 317، ح 4 ـ وإنّما عبّرنا بإمكان تماميّة سنده ولم نجزم بذلك؛ لأنّه ورد في سنده ـ بحسب ما هو مذكور في الوسائل ـ جرّاح الحذّاء، ولكن ذكر المعلّق تحت الخطّ: «في المصدر: صباح». فإن اعتمدنا على ما في المصدر ـ بحسب ما ذكره هذا المعلّق ـ تمّ سنده. وإن لم نعتمد على ذلك ـ لأنّ نقل صاحب الوسائل قد يشهد لاختلاف نسخ المصدر، وهو ثواب الأعمال، فلعلّ النسخة التي وصلت إلى صاحب الوسائل كان فيها جرّاح الحذّاء ـ إذن لا تثبت تماميّة السند.
وعلى أيّة حال فهذه الطائفة من الروايات غير تامّة دلالةً على المقصود؛ وذلك لأنّها إنّما وردت في تجديد الوضوء، فالشرائط التي تكون دخيلة في صحّة أصل الوضوء تؤخذ فيها مفروضة الوجود.
نعم، لو شككنا في شرط جديد في الوضوء التجديديّ، ككون الماء حارّاً أو بارداً أو غير ذلك، رفعنا احتمال دخله بإطلاق هذه الروايات. أمّا لو شككنا في دخل شرط من الشروط في أصل الوضوء، كما لو احتملنا شرطيّة عدم إضراره بالإنسان، فلا يمكن نفي احتمال دخله بإطلاق هذه الروايات؛ لأنّها إنّما تكون في مقام بيان رفع مشكلة التجديد، أو قُل: دفع احتمال أنّ التجديد باطل؛ لأنّه على وضوء فلا حاجة إلى تجديده، وليست في مقام بيان شرائط أصل الوضوء.
وهناك طائفة ثالثة قد يستدلّ بها على المقصود، وهي الروايات التي يتخيّل أنّها تدلّ على أنّ الوضوء طهور، فيقال: إنّنا نضمّ ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ـ س 2 البقرة، الآية: 222 ـ ونحوها آية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ـ سورة 9 التوبة، الآية: 108 ـ فنُثبت بذلك استحباب الوضوء النفسيّ.
قد تقول: إنّ الآية تنظر إلى الطهارة الخبثيّة ـ كما هي مورد نزولها على ما ورد في الروايات. راجع وسائل الشيعة، ج 1 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 34 من أحكام الخلوة ـ دون الطهارة الحدثيّة.
وقد يقال في الجواب: إنّ إطلاق الآية يشمل الطهارة الحدثيّة، والمورد لا يخصّص الوارد. راجع التنقيح، ج 4 من الطهارة، ص 514.
وقد تقول: إنّ الطهارة الحقيقيّة هي الطهارة الخبثيّة، أمّا الطهارة الحدثيّة فهي تعبّديّة بحت، وإدخالها تحت إطلاق الآية بحاجة إلى دليل خاصّ.
ويمكن الجواب عن ذلك بوجهين:
1 ـ إنّ الطهارة عن الحدث طهارة بحسب الحقيقة الشرعيّة، وليست حقيقة متشرّعيّة فحسب. فقرآن الشريعة يحمل على هذا المصطلح، ولو فُرض أنّ الناس في زمان نزول الآية لم يكونوا بعدُ فاهمين لهذه الحقيقة الشرعيّة.
2 ـ إنّ دليل طهارة الوضوء ـ سواءً فُرض تنزيلا أو اعتباراً ـ يُفهم منه نظره إلى آثار الطهارة، ومن آثارها: أنّ الله يحبّ المتطهّر، فيثبت هذا الأثر لهذه الطهارة.
أمّا ما هي الروايات التي دلّت على كون الوضوء طهارة؟ فمن قبيل: صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام): «إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة، ولا صلاة إلاّ بطهور»ـ وسائل الشيعة، ج 1، ص 372 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 4 من الوضوء، ح 1 ـ وصحيحة زرارة أيضاً عن أبي جعفر(عليه السلام): «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود» ـ المصدر نفسه، ص 372، ب 3 من تلك الأبواب، ح 8 ـ ومرسلة الصدوق عن الصادق(عليه السلام): «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلثٌ طهور، وثلثٌ ركوع، وثلثٌ سجود» ـ المصدر نفسه، ص 366، ب 1 من تلك الأبواب، ح 8 ـ ونحوها من الروايات. راجع نفس المصدر والباب.
وكأنّ السيّد الخوئيّ(رحمه الله) لدى استشهاده في التنقيح ـ ج 4 من الطهارة، ص 513 ـ 515 ـ بهذه الروايات على كون الوضوء طهوراً، وتطبيق آية: ﴿يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ عليه، أحسّ بنقطة قد تؤخذ كضعف على هذا الاستدلال؛ إذ كيف نُثبت أنّ المقصود بالطهارة نفس الوضوء والطهارة المائيّة في مقابل التيمّم؟! فذكر عبارتين كلّ منهما يصلح أن يكون وجهاً مستقلاًّ لملء هذا الفراغ ورفع هذا الضعف، فأثبت تارةً: أنّ الطهارة اسم للعمل، فتنطبق الآية على ذات الوضوء، لا للنتيجة التي يُفترض ترتّبها تارةً على الوضوء، واُخرى على التيمّم. وذكر اُخرى: أنّ قوله تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ واردٌ في الاستنجاء بالماء، فبعد أن نتعدّى منه ـ بالإطلاق ـ إلى الطهارة الحدثيّة، نراه ناظراً إلى خصوص الطهارة المائيّة دون الترابيّة، فهو يدلّ على استحباب خصوص الوضوء ويكون أجنبيّاً عن التيمّم.
إلاّ أنّ كلّ هذا البحث من قِبَل السيّد الخوئيّ(رحمه الله) يبدو غريباً، فإنّه لم يضع يده على النقطة الحقيقيّة للضعف ولم يعالجها:
أمّا قوله: إنّ الطهور اسم للعمل لا للنتيجة، فجوابه: أنّه ليست نقطة الضعف في هذا الاستدلال مرتبطة بكون الطهارة هل هي اسم للعمل أو للنتيجة، وإنّما نقطة الضعف: أنّ الطهارة ـ سواءً كانت اسماً للعمل أو للنتيجة ـ ليست في الطهارة الحدثيّة إلاّ أمراً تعبّديّاً بحتاً، ومشروطاً بشروط لو فُقد أحدها لم تحصل الطهارة ولو توضّأ ألف مرّة. فلو احتملنا كون عدم الضرر شرطاً من شروط الوضوء، كان معنى ذلك احتمال أنّ الوضوء مع الضرر لا يكون طهارة، أو لا يحقّق الطهارة، فكيف نستطيع أن نُثبت استحبابه بقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وهل هذا إلاّ تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفس العامّ؟!
وأمّا قوله: إنّ الآية نزلت في الطهارة المائيّة، فأيضاً يكون بعيداً عن نقطة الضعف الموجودة في الاستدلال، فالآية وإن كانت ناظرةً إلى الطهارة المائيّة ولا علاقة لها بالطهارة الترابيّة، ولكن نقطة الإشكال هي أنّ كون الوضوء طهارة ليس أمراً تكوينيّاً حقيقيّاً ـ كالطهارة الخبثيّة ـ بل أمرٌ تعبّديٌّ اعتباريٌّ مشروط بشروط، لو فُقد أيّ واحد من تلك الشروط سقط الوضوء عن كونه طهارة مائيّة. فإذا احتملنا أن يكون من تلك الشروط عدم الضرر، فكيف نستطيع أن نرفع الشكّ بالآية الشريفة، وهل هذا إلاّ تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفس العامّ؟!
والمهمّ عندنا من كلّ ما مضى هو دلالة آية التيمّم على تعيّن التيمّم؛ لأنّ الأمر به ظاهر في التعيين. أمّا الإشكال بعدم ثبوت الاستحباب الذاتيّ للوضوء فليس مهمّاً؛ لأنّه لولا دلالة الآية على تعيّن التيمّم لم نكن بحاجة إلى الاستحباب الذاتيّ للوضوء؛ لما مضى من أنّه مع فرض عدم دلالة الآية على تعينّ التيمّم، نبقى مردّدين بين تعيين التيمّم والتخيير بين التيمّم والوضوء، ومعه نجري أصالة التخيير، ولا يهمّنا أن لا يثبت استحباب الوضوء الذاتيّ.
وأيضاً لو ثبت أنّ كلمة «لا بأس» فيما مضى من صحيحة محمّد بن مسلم ـ وسائل الشيعة، ج 3، ص 347 و348 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 5 من التيمّم، ح 5 و 11 ـ تدلّ على التخيير لم نحتج إلى إثبات استحباب الوضوء.
وعلى أيّ حال فقد تلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ إثبات صحّة الوضوء ـ حينما يكون مضرّاً ضرراً حرجيّاً ولم يكن محرّماً ـ في غاية الإشكال. ولا أقلّ معها من الاحتياط الوجوبيّ بالتيمّم وعدم كفاية الوضوء.
', 200), (65, 201, 'book', '
$
', '', 201), (65, 202, 'book', '$
', '', 202), (65, 203, 'book', '$
', '', 203), (65, 204, 'book', '$
', '', 204), (65, 205, 'book', '$
', '', 205), (65, 206, 'book', '$
', '', 206), (65, 207, 'book', '$
', '', 207), (65, 208, 'book', '$
', '', 208), (65, 209, 'book', '$
', '', 209), (65, 210, 'book', '$
', '', 210), (65, 211, 'book', 'الثالث: ما لو توقّف الوضوء على مقدّمة محرّمة، كما لو كان الماء في إناء مغصوب، فكان الوضوء متوقّفاً على التصرّف في الإناء بالاغتراف منه. والكلام في الوضوء بالاغتراف من الإناء، لا بالارتماس في الإناء، وإلاّ لكان نفس الوضوء تصرّفاً في مال الغير وحراماً ودخل في المورد الثاني.
كما أنّ الكلام إنّما هو فيما لو اغترف من الإناء بالتدريج لوضوئه، أمّا لو أخذ من الإناء ما يكفي لتمام الوضوء، ثمّ توضّأ به فلا إشكال في أنّ هذا الوضوء واجب وصحيح وواجدٌ للقدرة بكلّ معانيها، فالكلام إنّما هو في الاغتراف التدريجيّ بأن يغترف غرفةً ويغسل به وجهه، وغرفةً اُخرى ويغسل به يده اليمنى، وهكذا.
والمشهور فصّلوا بينما لو وُجد عنده ماء آخر، أو انحصر الماء بهذا الفرد:
فعلى الثاني يبطل الوضوء؛ لأنّه مشروط بالقدرة الشرعيّة المنتفية في المقام؛ لتوقّفه على المقدّمة المحرّمة، وهي التصرّف الغصبيّ في الإناء بالاغتراف.
وعلى الأوّل يصحّ الوضوء؛ لأنّ القدرة الشرعيّة على الجامع موجودة، غاية
', '', 211), (65, 212, 'book', 'الأمر أنّه هو يختار بسوء اختياره الفرد المتوقّف على الحرام.
وذكر السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في المقام: أنّ هذا الكلام غير صحيح قائلا: إنّ الوجدان الشرعيّ ليس في دخله بأشدّ من الوجدان التكوينيّ، وكما أنّه في القدرة التكوينيّة لا يلزم ثبوت القدرة التامّة من أوّل الأمر، بل تكفي القدرة التدريجيّة، كما لو كان عنده ثلج لا يمكنه تذويبه دفعة واحدة، فينتظر إلى أن يذوب منه مقدار، فيغسل به وجهه، ثمّ يغترف مقداراً آخر يذوب منه، فيغسل به يده اليمنى، وهكذا.
كذلك في المقام، يكفي حصول القدرة الشرعيّة بالتدريج، فإنّه حينما يغترف غرفة من الماء يصبح قادراً شرعاً على التصرّف في هذا الماء بغسل وجهه، وإن فعل حراماً بالاغتراف. ثمّ باغترافه الغرفة الثانية يصبح قادراً شرعاً على غسل يده اليمنى... وهكذا، وهذا كاف في كون الوضوء مأموراً به وصحيحاً(1).
أقول: إنّ حقيقة المطلب ما قلناه: من التفصيل بينما لو كانت القدرة الشرعيّة ـ المفروض دخلها في الحكم ـ بمعنى عدم الانشغال بالمزاحم، أو بمعنى عدم المانع شرعاً، فإذا كان بالمعنى الأوّل صحّ الوضوء، أمّا إذا كان بالمعنى الثاني لم يصحّ الوضوء، ولا يمكن قياس هذه القدرة الشرعيّة بالقدرة التكوينيّة.
وتوضيح ذلك: أنّ القدرة التكوينيّة حينما تكون دخيلة في الحكم بمجرّد حكم العقل، فالعقل لا يحكم بأكثر من اشتراط القدرة على كلّ جزء من العمل حينه؛ فإنّ مدرك ذلك هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز مثلا، ومن الواضح عدم القبح حينما تحصل القدرة التدريجيّة على الأجزاء وفق ترتيب الأجزاء.
وحينما يُفرض أخذها في لسان الدليل لم يُفهم من ذلك أيضاً اشتراط أكثر من
', '(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 3، ص 189 ـ 194.
', 212), (65, 213, 'book', '
ذلك؛ لوضوح أنّ أكثر من ذلك ـ وهو ثبوت القدرة على كلّ الأجزاء دفعة واحدة ـ أمر مستحيل؛ فإنّ(1) الوضوء فعل تدريجيٌّ يستحيل الإتيان بكلّ أجزائه دفعة واحدة، والفعل الذي يكون كذلك لا محالة تكون القدرة عليه أيضاً تدريجيّة، فوضوح ذلك وارتكازيّته يجعل ظاهر دليل التقييد بالقدرة هو التقييد بهذه القدرة التكوينيّة.
وعليه ففي مثال الثلج الذي يذوب بالتدريج لا إشكال في وجوب الوضوء وصحّته، حتّى لو فُرض عدم إمكان جمع الماء ثمّ الوضوء مع درك الصلاة في الوقت، بأن كان الوقت ضيّقاً، أو لم يكن يمكن جمع الماء، أي: لو لم يكن يستهلك بالتدريج في الوضوء كان يتلف، فيجب الوضوء بالتدريج به لو أمكن بلا إشكال.
وأمّا القدرة الشرعيّة بمعنى عدم وجود مانع شرعيّ وحكم مزاحم، فلو اُخذت في لسان الدليل فظاهر الدليل اشتراط ثبوت هذه القدرة دفعة واحدة؛ فإنّ الأصل في القيد المأخوذ في لسان الدليل هو كونه قيداً مقارناً، فلو قيّد الأمر بالوضوء ـ أو بأيّ شيء آخر ـ بعدم المانع الشرعيّ، كان معنى ذلك أنّ عدم المانع الشرعيّ شرط مقارن لذلك الأمر.
وعليه فنقول: لو اغترف غرفة من هذا الإناء، المفروض عدم إمكان التوضّئ الكامل بها، فبماذا يؤمر؟ هل بغسل الوجه أو بتمام الوضوء؟ فإن فُرض الأوّل، أي: أنّه يؤمر بغسل الوجه فهو غير صحيح؛ بداهة أنّ الأمر بغسل الوجه أمر ضمنيّ لا يكون إلاّ في ضمن الأمر بتمام الوضوء. وإن فُرض الثاني، أي: أنّه يؤمر بتمام الوضوء فهو أيضاً غير صحيح؛ لأنّه مشروط بعدم المانع الشرعيّ، بينما المانع
', '(1) ولو اُخذ مثل الوجدان التكوينيّ للماء في الموضوع فالمتبادر عرفاً أنّه إنّما اُخذ ذلك كمقدّمة لفرض تحقّق القدرة.
', 213), (65, 214, 'book', '
الشرعيّ لا زال موجوداً؛ إذ هذا المقدار من الماء الذي اغترفه لا يمكن الوضوء الكامل به بحسب الفرض، فإذا أراد أن يتوضّأ احتاج إلى اغتراف آخر من الإناء، والمفروض أنّه ممنوع شرعاً، فالشرط غير موجود، فيبطل الوضوء.
هذا تمام الكلام في المورد الأوّل، وهو نسبته إلى كلّ ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من الأقسام الخمسة للتزاحم على حدّ سواء.
المورد الثاني ـ من الموارد التي يقول المحقّق النائينيّ(رحمه الله) فيها بعدم صحّة الترتّب ـ: هو ما لو كان الواجب الأهمّ متأخّراً زماناً عن مزاحمه المهمّ، وكانا مشروطين بالقدرة العقليّة، أمّا لو كانا مشروطين بالقدرة الشرعيّة فالمقدّم زماناً هو الذي يتقدّم عند المحقّق النائينيّ(رحمه الله). ولو كان أحدهما مشروطاً بالقدرة العقليّة والآخر مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، فالمشروط بالقدرة العقليّة هو الذي يتقدّم في نظر المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، ولا يصحّ الأمر الترتّبيّ حينئذ بالمشروط بالقدرة الشرعيّة عنده؛ لدخوله في المورد الأوّل من موارد عدم صحّة الأمر الترتّبيّ. إذن، فتصوير هذا المورد ـ بنحو يكون مورداً مستقلاًّ ـ عبارة عمّا لو كان كلا الواجبين مشروطاً بالقدرة العقليّة، فيرى(رحمه الله) في هذا الفرض أنّ المهمّ المقدّم زماناً لا يكون مأموراً به بالأمر الترتّبيّ، في فرض تركه للأهمّ المتأخّر.
والوجه في ذلك: أنّ تصوير الأمر الترتّبيّ في المقام لا يخلو من إحدى صور أربع:
الصورة الاُولى: أن يُفرض أنّ الأمر بالمقدّم المهمّ مشروط بترك الأهمّ المتأخّر، وهو(رحمه الله) أورد على ذلك بأمرين: أحدهما: أنّ هذا يؤدّي إلى الالتزام بالشرط المتأخّر، وهو مستحيل. والثاني: أنّ المزاحم للأمر بالمهمّ ليس فقط الأمر بالأهمّ المتأخّر، بل هناك مزاحم آخر مقارن له، وهو وجوب حفظ القدرة للواجب الأهمّ، ومجرّد التقييد بترك الأهمّ في وقته لا يحلّ هذا التزاحم.
$
', '', 214), (65, 215, 'book', 'الصورة الثانية: أن يفرض أنّ الأمر بالمقدّم المهمّ مشروط بتعقّب ترك الأهمّ، وعنوان اشتراط التعقّب هو الذي يتشبّث المحقّق النائينيّ(رحمه الله) به أحياناً لدفع مشكلة الشرط المتأخّر.
وأورد على ذلك بأمرين:
أحدهما: الأمر الثاني الذي أورده على الصورة الاُولى، وهو أنّ هذا لا يحلّ مشكلة التزاحم مع وجوب حفظ القدرة للأهمّ.
والثاني: أنّ فرض شرط التعقّب يحتاج إلى دليل خاصّ، كما يقال مثلا في بيع الفضوليّ ـ لو ورد دليل خاصّ على الكشف ـ: بأنّ الشرط هو تعقّب الإجازة، ولا دليل خاصّ في المقام.
الصورة الثالثة: أن يُفرض أنّ الأمر بالمقدّم المهمّ مشروطٌ بترك حفظ القدرة للأهمّ.
وأورد على ذلك بأنّ ترك حفظ القدرة للأهمّ: إمّا يكون بالانشغال بهذا المزاحم له المهمّ، أو بالانشغال بضدٍّ ثالث.
أمّا الأوّل فلا يُعقل أن يكون محقّقاً لشرط الأمر بالمهمّ؛ إذ معنى ذلك هو الأمر بالمهمّ بشرط تحقّقه، والأمر بشيء بشرط تحقّقه غير صحيح؛ فإنّه طلبٌ للحاصل.
وأمّا الثاني فأيضاً غير معقول؛ لأنّ ذلك الشيء الثالث يمنعه عن هذا المهمّ أيضاً، كما يمنعه عن الأهمّ، فكيف يُعقل تعليق الأمر بالمهمّ عليه؟! وليس هذا إلاّ طلب المحال(1).
$
', '(1) وأضاف الشيخ النائينيّ(رحمه الله) على ما في التقريرين: أنّه ولو فُرض تعليق الأمر بالمهمّ على الجامع بين الضدّين، أعني: نفس المهمّ والضدّ الثالث، لزم كلا المحذورين، أي: طلب الحاصل وطلب المحال.
', 215), (65, 216, 'book', '
الصورة الرابعة: أن يُفرض أنّ الأمر بالمهمّ مشروطٌ بالعزم على الترك.
وهذا قد فرغ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من بطلانه؛ لبنائه على أنّ الأمر الترتّبيّ يجب أن يكون مشروطاً بترك الأهمّ، لا بالعزم على الترك.
فإذا بطلت كلّ الصور الأربع بطل الترتّب في المقام(1).
أقول: الصحيح أنّ كلّ هذه الصُوَر الأربعة معقولة.
أمّا الصورة الاُولى، وهي الخطاب بالمهمّ المتقدّم، مقيّداً بترك الأهمّ المتأخّر، فقد عرفت أنّه أورد عليها إشكالين:
الأوّل: استحالة الشرط المتأخّر.
والجواب هو: عدم استحالة الشرط المتأخّر على ما نقّحناه في محلّه، على الخصوص إذا كان الشرط من قبيل ما نحن فيه، ووجه الخصوصيّة أنّه لو كان الشرط من الشروط الدخيلة في الملاك فقد يقال: إنّ المتأخّر إذا كان مؤثّراً في ملاك المتقدّم، كان معنى ذلك تأثير المتأخّر في أمر تكوينيّ متقدّم، وهو مستحيل.
ولكنّ الشرط في المقام وهو ترك الواجب المتأخّر في وقته ليس دخيلا في الملاك ومؤثّراً في هذا الأمر التكوينيّ، وإنّما هو دخيل في صحّة الأمر؛ حيث إنّ العقل لا يحكم بقبح توجيه هذه الحصّة من الأمر، أي: الأمر المقيّد بترك الأهمّ في وقته.
والثاني: وجود مزاحم آخر للأمر وهو وجوب حفظ القدرة للأهمّ.
والجواب: أنّ وجوب حفظ القدرة إن قلنا بكونه وجوباً عقليّاً ـ من باب وجوب الامتثال ـ فمن الواضح جدّاً أنّه ليس فيه ملاك وراء ملاك امتثال الأمر
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 380 ـ 382، وأجود التقريرات، ج 1، ص 318 ـ 320.
', 216), (65, 217, 'book', '
بالأهمّ، والمفروض أنّه قد قُيّد الأمر بالمهمّ بترك الأهمّ، ففرض أنّ هذا الأمر بالمهمّ يوجب فوت حفظ القدرة لا يضرّ؛ إذ ضمّ فوت القدرة إلى فوت الأهمّ لا يوجب زيادة في الخسارة.
ولكنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ على ما أذكر ـ يقول: بأنّ وجوب حفظ القدرة يكون على طبقه خطابٌ شرعيّ، إلاّ أنّه مع ذلك لا إشكال في أنّ هذا الخطاب ليس لأجل ملاك مستقلّ في حفظ القدرة، بل هو خطابٌ طريقيّ، فأيضاً نقول: إنّ الأمر بالمهمّ لا يوجب ترك الأهمّ؛ لأنّ المفروض تقيّده بفرض ترك الأهمّ، ولا يوجب إلاّ انضمام تفويت القدرة إلى ترك الأهمّ، وهذا لا توجد فيه خسارة(1).
وأمّا الصورة الثانية، وهي فرض الأمر بالمهمّ مشروطاً بتعقّب ترك الأهمّ، تمشّياً مع ما يراه المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّ تبديل الاشتراط بالشيء المتأخّر إلى الاشتراط بتعقّبه، يدفع إشكال الشرط المتأخّر، فقد عرفت: أنّه أورد عليها إشكالين:
أحدهما: الإشكال الثاني على الصورة الاُولى، وقد عرفت جوابه.
والثاني: أنّ شرط التعقّب بحاجة إلى دليل خاصّ. ويرد عليه: أنّه لا حاجة في مثل المقام إلى دليل خاصّ؛ إذ يكفيه إطلاق دليل الأمر بالمهمّ، الذي لا مخصّص له عدا حكم العقل بالقبح ـ مثلا ـ المخصوص بغير فرض التعقّب بترك الأهمّ.
وأمّا الصورة الثالثة، وهي فرض الأمر بالمهمّ مشروطاً بمخالفة وجوب حفظ
', '(1) وبكلمة اُخرى: إنّ وجوب حفظ القدرة ليست له محرّكيّة، وإنّما المحرّكيّة لوجوب ذاك الواجب الذي تُحفظ القدرة له، فالترتّب على ترك ذاك الواجب يكفي لرفع المحذور.
', 217), (65, 218, 'book', '
القدرة، فقد عرفت أنّه أورد عليها: أنّ مخالفة حفظ القدرة إن كانت بالإتيان بالمهمّ، فالأمر به طلبٌ للحاصل. وإن كانت بعمل آخر يضادّه فالأمر به طلب للمحال.
ويرد عليه ـ بغضّ النظر عن أنّه قد يكون العمل الآخر مزاحماً للأهمّ وغير مضادّ للمهمّ ـ: أنّ معصية الأمر بحفظ القدرة أمرٌ سلبيّ، أعني: عدم حفظ القدرة، وهو أمرٌ ملازم للجامع بين الإتيان بالمهمّ، والإتيان بذلك الضدّ الثالث، ولا ضير في أن يأمر المولى بأحد الملزومين على تقدير الإتيان بلازم الأعمّ. وبكلمة اُخرى: لا بأس بأن يقول المولى: لو أتيت بما يلازم هذا الجامع فأت بالفرد الفلانيّ من أفراد هذا الجامع؛ فإنّ هذا ليس طلباً للحاصل ولا طلباً للمحال.
بل لو افترضنا أنّ مخالفة الأمر بحفظ القدرة، ليست أمراً ملازماً للجامع بين فعل المهمّ وفعل الضدّ الثالث، بل هي عين ذلك الجامع، قلنا أيضاً: إنّه لا يلزم من الأمر بأحد الفردين مشروطاً بالجامع طلب الحاصل ولا طلب المحال؛ لأنّ القيد إنّما هو الجامع بحدّه الجامعيّ، ولا تسري القيديّة من الجامع إلى أفراده.
نعم، لو قلنا بأنّ مخالفة الأمر بحفظ القدرة تكون عبارة عن الإتيان بهذا الجامع، وقد افترضنا وجوب حفظ القدرة شرعاً ـ إمّا غيريّاً أو نفسيّاً طريقيّاً ـ إذن، فهذا الجامع يكون حراماً، والحرمة تسري إلى كلا فرديه، فيصبح فعل المهمّ حراماً، فلا يعقل الترتّب.
إلاّ أنّ هذا مجرّد فرض غير مطابق للواقع؛ فإنّ مخالفة الأمر بحفظ القدرة(1)
', '(1) لا يخفى أنّ حفظ القدرة أمر انتزاعيّ، يُنتزع من عدم التعجيز، سنخ انتزاع التفويت من عدم الفعل. إذن، فالتعجيز يكون حراماً. فيقع الكلام في أنّه هل يكون صرف القدرة في المهمّ المتقدّم تعجيزاً عن الأهمّ المتأخّر؟
والجواب: نعم. وتوضيح ذلك: أنّ الأهمّ والمهمّ لو كانا متعاصرين لما كان صرف القدرة في أحدهما تعجيزاً عن الآخر؛ لأنّ زمن التعجيز ـ أي: زمن صرف القدرة في الضدّ الآخر ـ هو زمن القدرة، والعجز يأتي بعده مباشرة، أي: يأتي في زمان قد فات وقت كلا الضدّين، فلا يبقى معنى للتعجيز أصلا.
على أنّه لو فُرض استناد ترك أحد الضدّين إلى فعل الضدّ الآخر؛ لكونه مفوّتاً للقدرة على الضدّ المتروك، وتوقّف فعل أحد الضدّين على ترك الآخر؛ لأنّه تركٌ للمفوّت، لزم الدور.
أمّا لو لم يكونا متعاصرين، فمن الواضح أنّ القدرة حينما تضيق عن الجمع بين عملين طوليّين زماناً، يكون صرفها في الأوّل مفوّتاً للقدرة على الثاني ومعجّزاً عنه، ولا يلزم من ذلك شيء من المحذورين، لا محذور عدم تصوّر معنى للتعجيز، ولا محذور الدور:
أمّا الأوّل، فلأنّ العجز يتحقّق في الزمان الثاني، وهو زمان العمل الثاني.
وأمّا الثاني، فلأنّ إشكال الدور تارة: يُقصد تطبيقه على الضدّين الطوليّين بأن يقال: لو كان فعل الأوّل مفوّتاً للثاني، وكان في نفس الوقت متوقّفاً على الثاني لزم الدور.
وجوابه: أنّ التوقّف هنا من طرف واحد؛ فإنّ صرف القدرة في المتقدّم تعجيزٌ عن المتأخّر، ولا يعقل العكس، بأن يكون صرف القدرة في المتأخّر تعجيزاً عن المتقدّم، فلا دور.
واُخرى: يُقصد تطبيقه على الضدّ الأوّل مع حفظ القدرة للضدّ الثاني، فيقال: إنّ الضدّ الأوّل مع حفظ القدرة ضدّان عرضيّان، ولو كان كلّ واحد منهما متوقّفاً على ترك الآخر لزم الدور.
والجواب: أنّ الدور إنّما يلزم لو قلنا بأنّ نفس التضادّ نكتة لتوقّف أحدهما على الآخر، فيقال: إنّ هذه النكتة مشتركة بينهما، فيلزم التوقّف من كلا الطرفين، وهذا يوجب الدور. لكنّ التوقّف في المقام ليس بنكتة التضادّ بين الضدّ الأوّل وحفظ القدرة، وإنّما هو بنكتة ضيق القدرة عن الجمع بين الضدّ الأوّل والضدّ الثاني الطوليّ، فيكون صرف القدرة في الأوّل تعجيزاً عن الثاني لا محالة، ونفياً لحفظ القدرة. وهذه النكتة إنّما تقتضي توقّف حفظ القدرة على ترك الضدّ الأوّل، ولا تقتضي توقّف الضدّ الأوّل على ترك حفظ القدرة حتّى يلزم الدور.
فالمهمّ في حلّ المشكل في المقام إنّما هو: أنّ الواجب الأوّل يعلّق وجوبه على ترك الواجب الثاني، ولا محرّكيّة ذاتيّة لوجوب حفظ القدرة بقطع النظر عن وجوب الثاني، حتّى تمنع عن الواجب الأوّل رغم فرض ترك الثاني، وإنّما المهمّ محرّكيّة وجوب الواجب الثاني، وقد فرض حلّ إشكالها بالترتّب بينهما.
', 218), (65, 219, 'book', '
$
', '', 219), (65, 220, 'book', 'ـ كما قلنا ـ أمرٌ عدميّ ملازم لهذا الجامع، وليس عين هذا الجامع، والملازمة تكون بنكتة كونهما معلولين لشيء واحد، لا بنكتة كون فعل المهمّ ـ مثلا ـ علّة لفوات القدرة، حتّى يقال أيضاً بحرمة فعل المهمّ بناءً على حرمة علّة الحرام.
وأمّا الصورة الرابعة، وهي فرض الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على ترك الأهمّ، فقد عرفت أنّه أشكل عليه بعدم صحّة الترتّب بالتقيّد بالعزم على ترك الأهمّ، بل يجب أن يكون متقيّداً بالترك، لا بالعزم عليه.
إلاّ أنّنا قد بنينا على أنّه لا بأس بتقييد الأمر بالمهمّ بالعزم على ترك الأهمّ، فهنا بالإمكان: الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على ترك حفظ القدرة مثلا.
المورد الثالث: هو ما إذا توقّف فعل الواجب على الحرام، وتقدّم على الحرام بالأهمّيّة، كما لو توقّف إنقاذ الغريق على المشي في الأرض المغصوبة. وقد اختار
', '', 220), (65, 221, 'book', 'المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في هذا المورد إمكان الترتّب(1).
وتحقيق الكلام في ذلك: أنّنا إمّا أن نقول بعدم وجوب مقدّمة الواجب أصلا، أو نقول بوجوبها مع اختصاص وجوبها أو إمكان اختصاصه بالموصلة، أو نقول بوجوبها مع عدم إمكان اختصاص وجوبها بالموصلة:
فإن قلنا بعدم وجوب مقدّمة الواجب، إذن لا يوجد في المقام إلاّ حكمان: أحدهما وجوب ذي المقدّمة الأهمّ، والثاني حرمة المقدّمة المهمّ. وحرمة المقدّمة لا تشمل المقدّمة الموصلة حتماً؛ لأنّ هذه الحرمة تزاحم بالأهمّ، وهو وجوب ذي المقدّمة، فيكون الانشغال بالأهمّ رافعاً لحرمتها لا محالة. ولا ينبغي الإشكال في حرمة المقدّمة غير الموصلة في الجملة؛ لعدم أداء حرمتها إلى فوت مزاحم أهمّ.
يبقى الكلام في أنّه هل يؤخذ قيد عدم الإيصال قيداً في الحرمة، فيتمّ الحكم الترتّبيّ، فكأنّ المولى يقول: لو تركت ذا المقدّمة الأهمّ فالمقدّمة محرّمة عليك، أو يؤخذ قيداً في الحرام، أي: أنّ المقدّمة غير الموصلة حرام بالفعل حرمةً في عرض وجوب ذي المقدّمة، لا مترتّبةً على ترك ذي المقدّمة، فهذه ليست حرمة ترتّبيّة؟
الصحيح هو الثاني، لا لاستحالة الترتّب هنا(2) في نفسه، بل لأنّه لا داعي إلى
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 383 ـ 391 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 320 ـ 326.
(2) الترتّب في روح الحكم وواقعه غير معقول في باب المحرّمات؛ فإنّ الحرمة ـ ولو فُرضت في صياغتها الإنشائيّة مشروطة ـ هي في روحها حرمة منجّزة للحصّة.
توضيح ذلك: أنّه مضى في الأبحاث السابقة أنّ الأمر المشروط في روحه أمرٌ بالجامع بين المأمور به وعدم الشرط، فكذلك نقول هنا: إنّ النهي المشروط يكون في روحه نهياً عن الجمع بين المنهيّ عنه والشرط، وهذا عبارة اُخرى عن نهي تنجيزيٍّ عن المجموع. أو قل: عن الحصّة المقيّدة بالشرط.
وكان في باب الأمر يختلف الأمر بالجامع بين المأمور به وعدم الشرط في روحه، عن الأمر بالحصّة المقيّدة بالشرط، من ناحية أنّ الأمر بالجامع لا يتطلّب منه أن يوجِد الشرط ثمّ المأمور به، بل بإمكانه أن يترك الشرط فيترك الجزاء.
وهذا بخلاف ما لو اُمر بالحصّة المقيّدة بالشرط، فإنّ هذا يتطلّب منه أن يوجد الشرط ويوجد الجزاء.
وأمّا في جانب النهي، فحيث إنّه رجع في روحه إلى النهي عن الجمع بين المنهيّ عنه والجزاء، والحصّة المقيّدة تسبّب هذا الجمع، فلا محالة تكون الحصّة المقيّدة مبغوضة بالفعل، من دون أن يبقى أيّ فرق واقعيّ في روح الأمر بين جعل الشرط قيداً للمادّة أو للهيئة. نعم، في عالم الإنشاء يمكن فرض تقييد الهيئة وفرض إطلاقها، إلاّ أنّه لا قيمة لذلك في واقع الأمر، ولا تجري أيضاً مقدّمات الحكمة لإثبات إطلاق من هذا القبيل.
وقد ظهر بما ذكرناه: أنّه في باب المحرّمات يرجع دائماً شرط الاتّصاف بالملاك، إلى فعليّة اتّصاف الحصّة بالملاك. أو قل: فعليّة اتّصاف مجموع الحرام والشرط بالملاك، كما أنّ شرط اتّصاف الواجب بالملاك يرجع دائماً إلى فعليّة اتّصاف الجامع بين الجزاء وعدم الشرط بالملاك.
', 221), (65, 222, 'book', '
أخذ قيد الترتّب في المقام؛ فإنّ مجرّد أخذ عدم الإيصال قيداً في الحرام يرفع محذور التزاحم، ولو اُخذ ذلك قيداً في الحرمة، فبالتالي يُقيَّد الحرام به أيضاً؛ لأنّ قيد الحكم يقيّد المتعلّق أيضاً لا محالة. إذن، فالمتيقّن هو تقيّد الحرام بعدم الإيصال، أمّا احتمال تقيّد الحرمة به فينفى بإطلاق الهيئة. هذا.
وفرض حرمة المقدّمة غير الموصلة ـ بنحو إرجاع القيد إلى المتعلّق ـ يمتاز عن فرض الحكم الترتّبيّ بأنّه يمكن امتثالها في عرض امتثال ذي المقدّمة، وذلك
', '', 222), (65, 223, 'book', 'بأن يأتي بالمقدّمة وبذيها، فيكون قد امتثل ذا المقدّمة، وامتثل في نفس الوقت حرمة المقدّمة غير الموصلة؛ إذ قد ترك غير الموصل. فإشكال المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) على الأمر الترتّبيّ بأنّه يلزم منه في فرض ترك الأهمّ، الأمر بالضدّين مع عدم قدرة المكلّف على امتثالهما معاً، لو تمّ هناك لا يرد على هذا الحكم.
وإن قلنا بوجوب مقدّمة الواجب مع إمكان اختصاص الوجوب بالموصلة، فأيضاً يكون الكلام نفس الكلام؛ إذ بالإمكان حرمة المقدّمة غير الموصلة في عرض وجوب ذي المقدّمة؛ إذ لا هي مفوّتة للأهمّ، ولا هي معارضة بوجوب المقدّمة؛ لإمكان اختصاصها بالموصل، وهذه الحرمة أيضاً تمتاز بنفس الامتياز الماضي، لإمكان امتثال كلا الحكمين جمعاً.
وأمّا إن قلنا بوجوب مقدّمة الواجب، وقلنا في نفس الوقت بمقالة المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله): من عدم إمكان تخصيص الوجوب بالموصل، فلا يمكن فرض حرمة المقدّمة غير الموصلة مع فرض وجوب المقدّمة، سواءً فرضناها حرمة ترتّبيّة أو حرمة عرضيّة، بأن كان عدم الإيصال قيداً في الحرام لا في الحرمة، فإنّه على أيّ حال يلزم اجتماع الوجوب والحرمة على مصبّ واحد، وهذا مرجعه إلى باب التعارض، ولا معنى للترتّب فيه.
ولا يمكن أن يقال ـ لتصحيح الترتّب ـ بأنّ وجوب المقدّمة في عرض وجوب ذيها؛ لأنّهما مشتقّان من ملاك واحد، والحكم الترتّبيّ بحرمة المقدّمة يكون في مرتبة متأخّرة من الأمر بذي المقدّمة؛ لكونه مترتّباً على مخالفته بحسب الفرض، فهو في مرتبة متأخّرة عن وجوب المقدّمة أيضاً، فلا تنافي بينهما(1).
$
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 386 ـ 389 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 324 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 223), (65, 224, 'book', '
فإنّه يرد عليه:
أوّلا: النقاش في الصغرى؛ إذ لئن صحّ أنّ وجوب المقدّمة في عرض وجوب ذيها، وأنّ الأمر الترتّبيّ في مرتبة متأخّرة من الأمر الآخر الذي ترتّب هذا على مخالفته، فهذا لا ينتج أنّ الحكم بحرمة المقدّمة في مرتبة متأخّرة عن الحكم بوجوبها؛ إذ ليس كلّ ما كان متأخّراً رتبةً عن أحد العرضيّين فهو متأخّر عن الآخر.
وثانياً: النقاش في الكبرى؛ لما مضى من أنّ مجرّد تعدّد الرتبة لا يرفع محذور اجتماع الضدّين.
المورد الرابع: ما إذا وقع التلازم بين الواجب والحرام، وعندئذ إن كان التلازم بين معصية أحدهما وامتثال الآخر ثابتاً من الطرفين، أي: كما أنّ امتثال أحدهما يستلزم عصيان الآخر، كذلك عصيان أحدهما يستلزم امتثال الآخر، فلا محالة يبطل الترتّب؛ لأنّه عند معصية أحدهما يكون امتثال الآخر ضروريّاً، فلا معنى للأمر به(1).
وهذا راجع إلى فقدان الشرط الثاني من الشرطين اللذين ذكرناهما لإمكانيّة الترتّب.
أمّا إذا لم يكن التلازم من الطرفين فالترتّب معقول، ولكن لا داعي له؛ لما مضى في المورد الثالث من إمكان إرجاع القيد إلى الحرام وكفاية ذلك في حلّ الإشكال.
فتحقيق الكلام في كلّ موارد تزاحم الواجب مع الحرام ـ سواءً كان على
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 392 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 392 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
', 224), (65, 225, 'book', '
أساس مقدّميّة الحرام للواجب، أو على أساس التلازم بينهما ـ هو: أنّه لا توجد هنا حرمة مترتّبة على ترك الواجب، بل هناك حرمة فعليّة لتلك الحصّة من الحرام المقترنة بترك الواجب.
ولا يقال: إنّه لا مبرّر للالتزام بالحرمة الفعليّة؛ فإنّه إن قُصد بذلك أنّ ترك الواجب من شروط اتّصاف الفعل بالمفسدة، وشرط الاتّصاف يجب أن يكون قيداً للحكم لا للمتعلّق، فهو غير صحيح؛ فإنّ مفسدة الحرام ثابتة على كلّ حال، ولم تكن مشروطة بترك الواجب، وإن قدّمنا عليه الواجب بالأهمّيّة.
وإن قُصد بذلك أنّه لابدّ من تقيّد الحرمة بفرض ترك الواجب دفعاً للتزاحم، فهذا أيضاً غير صحيح؛ فإنّه يكفي في دفع التزاحم تقييد الحرام به؛ إذ بإمكانه حينئذ أن يمتثل كلا الحكمين، بأن يفعل الواجب ويترك الحرام المقترن بترك الواجب. بينما لم يكن يُعقل ذلك في الواجبين؛ فإنّه لو قيّد الواجب المهمّ بترك الأهمّ لا وجوبه، كان هذا تأكيداً للتزاحم لا علاجاً له؛ إذ يكون ذلك طلباً لترك الأهمّ، بينما هو يطلب فعل الأهمّ.
وإن قُصد بذلك أنّه كما يمكن علاج التزاحم بتقييد الحرام، كذلك يمكن علاجه بتقييد الحرمة، فلا معيّن للأوّل، قلنا: يوجد هنا معيِّن إثباتيّ له مطلقاً، ومعيِّن ثبوتيّ على تقدير القول باستحالة الترتّب:
أمّا المعيّن الإثباتيّ فهو إنّ قيد الحرمة قيدٌ للحرام لا محالة؛ إذ لا يعقل تقيّد الحرمة بفرض ترك الواجب ـ مثلا ـ مع أن يكون الحرام في نفس الوقت شاملا للحصّة المقترنة بفعل الواجب. إذن، فتقييد الحرام متيقّن، وتقييد الحرمة مشكوك يُنفى احتماله بالإطلاق.
وأمّا المعيّن الثبوتيّ بناءً على استحالة الترتّب فهو: إنّ برهان الاستحالة يبطل الحرمة الترتّبيّة في المقام، ولا يبطل فرض حرمة الحصّة المقترنة بترك الواجب؛
', '', 225), (65, 226, 'book', 'لإمكان الجمع بينهما وبين الأمر بالواجب في الامتثال، فبراهين المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)لإبطال الترتّب في الواجبين لا تأتي في المقام.
ومن هنا ذكر المحقّق العراقيّ(رحمه الله) محاولة في الواجبين، بإرجاع الأمر بالمهمّ إلى حرمة الترك، أو بتعبيره(رحمه الله) إلى سدّ باب العدم، حتّى يمكن التبعيض، فيفرض تحريم الترك المقترن بترك الأهمّ، أو وجوب سدّ هذا الباب من العدم، من دون أن يرد عليه إشكال الترتّب(1).
إلاّ أنّ هذا في الواجبين وإن كان معقولا، لكنّه بحسب الإثبات لا يساعد عليه ظاهر الدليل؛ إذ هو لم يدلّ إلاّ على الأمر بفعل المهمّ الذي ـ بحسب الفرض ـ لا يمكن أن يجتمع مع الأمر بالأهمّ.
المورد الخامس: مورد اجتماع الأمر والنهي بعنوانين مع عدم المندوحة، بناءً على إمكان اجتماعهما، أمّا بناءً على الاستحالة فهو راجع إلى التعارض.
وتحقيق الحال في ذلك: أنّ جواز اجتماع الأمر والنهي يبتني على أحد مبنيين:
$
', '(1) راجع المقالات، ج 1 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم، ص 343 ـ 344، ونهاية الأفكار، ج 1 ـ 2 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، ص 367 ـ 373 إلاّ أنّ هذا التفسير لكلام المحقّق العراقيّ(رحمه الله)لا ينسجم مع عبائره. وقد مضى منّا ـ في تعليق لنا على بحث الجهة الثامنة من جهات البحث في الترتّب ـ بيانٌ آخر لما يقوله الشيخ العراقيّ(رحمه الله)، وذاك البيان الآخر هو صريح المقالات بل ونهاية الأفكار، ما عدا جملة وردت متكررّة في نهاية الأفكار توهم التفسير الذي ذكره اُستاذنا(رحمه الله) هنا، ومفاد تلك الجملة هو: توصيف الإيجاب الناقص بالذي لا يقتضي إلاّ المنع عن بعض أنحاء تروكه، وهو الترك في حال ترك الآخر، وهذه الجملة وإن كانت توهم هذا المعنى، ولكنّها حينما تجعل ضمن باقي عبائره يعرف أنّ المقصود ما ذكرناه في الجهة الثامنة من بحث الترتّب، لا ما ذكره اُستاذنا(رحمه الله) هنا، فراجع.
', 226), (65, 227, 'book', '
الأوّل: أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد الوجود الخارجيّ.
والثاني: أنّ تعدّد العنوان يكفي في رفع غائلة اجتماع الضدّين، بالرغم من وحدة الفرد الخارجيّ؛ وذلك لأنّ الأحكام تقف على العناوين ولا تسري إلى الأفراد.
فإن بنينا على المبنى الأوّل كان هذا من تلازم الواجب والحرام الذي مضى الكلام فيه في المورد الرابع، وليست فيه نكتة جديدة يمتاز بها عن سائر موارد تلازم الواجب والحرام. وإن بنينا على المبنى الثاني انفتح هنا باب جديد لامتناع الترتّب بالأمر بالواجب على تقدير الإتيان بالحرام، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أن يقال بما نقلناه عن المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في المورد الثاني: من أنّ معصية الحكم المترتّب عليه إمّا أن تكون بامتثال الحكم المترتّب، أو بفعل آخر يضادّه، فغصبه للمكان مثلا: إمّا يكون بالصلاة، أو بفعل آخر يضادّ الصلاة، فعلى الأوّل لا معنى للأمر بالصلاة؛ لأنّها مفروضة الحصول، وعلى الثاني أيضاً لا معنى للأمر بالصلاة؛ لأنّها ممتنعة على هذا التقدير(1).
ولكن قد عرفت عدم صحّة ذلك؛ فإنّ الأمر بالصلاة إنّما يتقيّد بالجامع بين الصلاة وغيرها، والتقيّد بالجامع لا يوجب التقيّد بالخصوصيّات، فلا هو مقيّد بالصلاة حتّى يلزم طلب الحاصل، ولا بما يضادّ الصلاة حتّى يلزم طلب المحال.
التقريب الثاني: أن يقال بأنّ الجامع بين الصلاة وغير الصلاة هو جزء من الصلاة، فهي طبعاً مركّبة من الجامع وخصوصيّته الصلاتيّة، وحيث إنّه مفروض الحصول ـ لتقيّد الأمر به ـ إذن، لا يقع تحت الطلب. وعليه فالأمر بالصلاة المقيّد
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، الطبعة الماضية، ص 326 ـ 327، وفوائد الاُصول، ج 1، الطبعة الماضية، ص 392.
', 227), (65, 228, 'book', '
بالجامع ينصرف إلى الخصوصيّة فقط، بينما هذا خلاف ظاهر الأمر بالصلاة؛ فإنّ ظاهره هو الأمر بالجامع المتخصّص لا بالخصوصيّة، فالترتّب مع الحفاظ على ما هو المستفاد من دليل الأمر بالصلاة غير معقول؛ إذ لو اُبقي الجامع تحت الطلب فمع تقييد الأمر بحصول الجامع يلزم طلب الحاصل، ومع عدم تقييده يلزم طلب الجمع بين الصلاة وترك الغصب، وهو محال بحسب الفرض، ولو لم نُبق الجامع تحت الطلب كان هذا أمراً آخر غير ما دلّ عليه دليل الأمر بالصلاة.
ويرد عليه:
أوّلا: أنّ الأمر بالجامع الثابت عند الأمر بالصلاة، إنّما هو أمر ضمنيّ، والأمر الضمنيّ تحصيله ضمنيّ، وحصول الجامع الذي قُيِّد به الأمر هو حصولٌ استقلاليّ، وتعلّق التحصيل الضمنيّ بالمتحصّل الاستقلاليّ ليس مستحيلا، وإنّما المستحيل تعلّق التحصيل الاستقلاليّ بالمتحصّل الاستقلاليّ، أو تعلّق التحصيل الضمنيّ بالمتحصّل الضمنيّ.
وثانياً: أنّ ما يفهمه العرف من الأمر بالصلاة ليس هو خصوص طلب الجامع المتخصّص، بل ينسجم مع طلب الخصوصيّة أيضاً، فإنّه عند طلب الخصوصيّة يكون الخطاب بالجامع المتخصّص أمراً عرفيّاً أيضاً، فعدم معقوليّة الأمر بالجامع المتخصّص ـ سواءً فُرضت لأجل استحالة طلب الحاصل، أو لأجل لغويّته ـ لا تأتي في المقام؛ لانسجامه عرفاً مع فرض كون المطلوب الواقعيّ هو الخصوصيّة.
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّه لا يشترط في إمكان الترتّب عدا شرطين:
أحدهما: عدم كون المترتّب المهمّ مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، بمعنى عدم توجّه خطاب مزاحم إليه.
والثاني: عدم كون ترك الأهمّ مستلزماً لفعل المهمّ.
نعم، اتّضح ممّا مضى منّا ـ في المورد الثالث والرابع ـ أنّنا لا نقول في موارد تزاحم الواجب مع الحرام بالترتّب، لا للاستحالة، بل لعدم مبرّر له.
$
', '', 228), (65, 229, 'book', 'التزاحم بين الواجبين الضمنيّين:
الأمر الثاني: في أنّه هل يتصوّر التزاحم المستقلّ عن التعارض بين واجبين ضمنيّين، كما يتصوّر بين الاستقلاليّين، أو لا؟
فقد يقال: إنّ الواجبين الضمنيّين حالهما حال الاستقلاليّين، حيث إنّ كلّ واحد منهما في ذاته قد تعلّق به الخطاب، من دون أيّ منافاة بينه وبين الخطاب بالآخر في ذاته، وإنّما تنشأ المشكلة من ضيق في قدرة المكلّف وعجز ـ صدفةً ـ عن الجمع بينهما، كما أنّه في الواجبين الاستقلاليّين أيضاً كانت المشكلة مشكلة الضيق في قدرة المكلّف.
وقد ذهب إلى ذلك ـ أي: إلى تصوير التزاحم، وعدم رجوعه إلى التعارض في الواجبين الضمنيّين ـ المحقّق النائينيّ(رحمه الله). وذهب السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ إلى عدم تصوير التزاحم بين واجبين ضمنيّين، ورجوعه إلى التعارض.
ونحن نذكر هنا صيغاً أربع فنّيّة لإثبات عدم تصوير التزاحم بين واجبين ضمنيّين، ثمّ نذكر شبهة يُهدف من ورائها إبطال كلّ تلك الصيغ، وإثبات تصوير التزاحم في الواجبين الضمنيّين، ثمّ ندرأ تلك الشبهة بتعميق تلك الصيغ، وبذلك ننتهي إلى القول بعدم تصوير التزاحم بين واجبين ضمنيّين وفاقاً للسيّد الاُستاذ دامت بركاته:
الصيغة الاُولى: أن يقال: إنّه بحسب الحقيقة لا يوجد إلاّ أمر واحد بمجموع الأجزاء، وإن كان ينحلّ بالتحليل العقليّ إلى أجزاء بعدد أجزاء الواجب. وهذا الأمر الواحد لا محالة يسقط بالعجز عن متعلّقه، سواءً كان ذلك بالعجز عن جميع الأجزاء، أو بالعجز عن مجموعها، باعتبار العجز عن أحدها المعيّن، أو باعتبار العجز عن أحدها غير المعيّن، أي: العجز عن الجمع بين جزءين مثلا، فإنّه على كلّ
', '', 229), (65, 230, 'book', 'تقدير قد أصبح متعلّق الأمر غير مقدور، فقد سقط الأمر.
فإن لم نكن نعلم من الخارج بتوجّه أمر آخر إلينا بعد سقوط الأمر بتمام الأجزاء، إذن لا يثبت أيّ وجوب آخر علينا. وإن علمنا من الخارج بذلك، كما في الصلاة ـ حيث إنّ الصلاة لا تترك بحال ـ فنبقى مردّدين بين أن نكون مأمورين بالمشتمل على الجزء الأوّل من الجزءين اللذين عجزنا عن الجمع بينهما، أو بالمشتمل على الجزء الثاني، أو بالجامع بينهما، وعلى كلّ تقدير لا يوجد أمران ضمنيّان يقع التزاحم بينهما، فإن فُرض أنّ دليل جزئيّة الجزء الأوّل للصلاة كان منفصلا عن دليل جزئيّة الجزء الثاني لها، وقع التعارض بينهما بعد أن عرفنا أنّ الصلاة لا تترك بحال.
الصيغة الثانية: أن يقال: إنّ الجزءين اللذين عجزنا عن أحدهما: لا يخلو الأمر في هذا الحال عن أن يكونا معاً دخيلين في ملاك الصلاة مثلا، أو أن يكون الجامع بينهما دخيلا في ملاكها، أو أن يكون أحدهما المعيّن دخيلا فيه، أو أن لا يكون شيء منهما دخيلا فيه:
فعلى الأوّل يتعيّن عدم وجوب الصلاة؛ لعدم إمكان تحصيل ملاكها. وعلى الثاني يتعيّن ثبوت الأمر بالجامع، وعلى نحو التخيير بين الفردين. وعلى الثالث يتعيّن الأمر بذاك الجزء الدخيل معيّناً. وعلى الرابع يتعيّن الأمر بما عدا الجزءين. وعلى أيّ تقدير لا يوجد هنا أمران ضمنيّان متزاحمان وفعليّتان متطاردتان.
الصيغة الثالثة: أن يقال: إنّ الأمر الضمنيّ بأحد الجزءين إن كان مشروطاً بترك الجزء الآخر ـ على ما هو المفروض الذي على أساسه تصوّرنا التزاحم مستقلاًّ عن التعارض: من أنّ الواجب يكون مشروطاً بالقدرة التي تحصل بترك الآخر ـ كان هذا الشرط شرطاً للأمر الاستقلاليّ بالأجزاء العشرة مثلا؛ لأنّ الأمر الضمنيّ بحكم ضمنيّته لا تكون مشروطيّته إلاّ في ضمن مشروطيّة الأمر الاستقلاليّ،
', '', 230), (65, 231, 'book', 'وليس له موضوع مستقلّ عن موضوع الأمر الاستقلاليّ، وإلاّ لأصبح أمراً استقلاليّاً. فإذا كان الأمر الضمنيّ الآخر أيضاً مشروطاً بترك هذا الجزء، كان معنى ذلك أيضاً أنّ الأمر الاستقلاليّ مشروط بذلك، و هذا ينتج الأمر بالأجزاء العشرة مشروطاً بترك الجزءين منها، وهذا كماترى غير معقول.
الصيغة الرابعة: أن يقال: إنّ الواجبين المتزاحمين اللذين يشرط أحدهما بترك الآخر، لو أنّ المكلّف تركهما معاً أصبح كلاهما فعليّاً؛ ولهذا قال منكر الترتّب: بأنّ ذلك غير معقول؛ لعدم القدرة على الإتيان بهما معاً. وأجاب القائل بصحّة الترتّب: بأنّ كلّ واحد من الأمرين وحده ليس طلباً للجمع الذي هو غير مقدور؛ إذ لم يتعلّق إلاّ بأحدهما، والجمع بين الأمرين لا ينتج طلب الجمع؛ لأنّ أحدهما مشروط بترك الآخر.
فإذا أردنا أن نطبّق هذه الفكرة ـ أعني: فعليّة الأمرين عند الترك ـ في المقام، كان معنى ذلك أنّه لو ترك كلا الجزءين فقد أصبح كلا الأمرين فعليّاً، وبما أنّ الأمرين ضمنيّان كان معنى ذلك تعلّق أمر واحد بمجموع الجزءين، وهذا طلب للجمع بعنوانه. بينما في الأمرين الاستقلاليّين لم يكن يلزم ذلك؛ لأنّ مرجع الأمرين لم يكن إلى أمر واحد بالمجموع؛ لأنّ المفروض استقلال كلٍّ من الأمرين عن الآخر.
هذه هي الصيغ الفنّيّة الأربع لإثبات عدم إمكان التزاحم بين واجبين ضمنيّين.
إلاّ أنّ هناك شبهة تقول: بالإمكان أن نفترض فرضيّة، وهي أن يكون الأمر المتعلّق بالصلاة غير متعلّق من أوّل الأمر بالأجزاء العشرة ـ مثلا ـ بهذا العنوان، بل يكون متعلّقاً بعنوان ما هو مقدور من تلك الأجزاء العشرة، وهذا عنوان مطّاط، فحينما تكون كلّ الأجزاء مقدورة ينطبق على كلّ الأجزاء، وحينما يكون جزء معيّن منها غير مقدور ينطبق على مجموع الأجزاء الباقية، وحينما يكون أحد
', '', 231), (65, 232, 'book', 'الجزءين غير مقدور، فترك المكلّف لأحدهما يحقّق القدرة على الجزء الآخر. وبهذه الفرضيّة يمكن الإجابة على كلّ الصيغ الأربع:
أمّا الصيغة الاُولى، وهي: أنّ هناك أمراً واحد متعلّقاً بمجموع الأجزاء العشرة، وقد سقط بالعجز عن مجموعها، فلا يبقى إلاّ احتمال أمر جديد، وهو شكٌّ في أصل الجعل، وأين هذا من التزاحم الذي يعني العلم بأصل الجعل، والدوران في مرحلة الفعليّة؟
فجوابها: أنّه بناءً على تلك الفرضيّة لم يكن الأمر متعلّقاً بمجموع الأجزاء العشرة بعنوانها، حتّى يكون ساقطاً بالعجز عنها، وإنّما كان الأمر متعلّقاً بما هو المقدور منها، وهذا الأمر لا يزال باقياً، وقد وقع التزاحم في داخله بين أمرين ضمنيّين؛ حيث إنّ ترك أيّ واحد من الجزءين يحقّق القدرة على الجزء الآخر، التي بها يتّجه الأمر الضمنيّ إلى ذلك الجزء الآخر. وهذا تماماً كالواجبين المستقلّين اللذين يكون ترك كلّ واحد منهما محقّقاً للقدرة على الآخر وفعليّة الأمر به، فأصل الجعل معلوم والدوران يكون في مرحلة الفعليّة.
وأمّا الصيغة الثانية، وهي: أنّه لو كان كلّ واحد من الجزءين دخيلا في الملاك، إذن لا يمكن تحصيل الملاك. ولو كان الجامع دخيلا أو أحدهما دخيلا، فالواجب هو الجامع أو أحدهما. ولو لم يكن شيء منهما دخيلا فالواجب هو الباقي.
فالجواب على ذلك: أنّنا نختار الشقّ الأوّل، وهو أنّ كلّ واحد منهما دخيل في الملاك لكنّه مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، فدخل كلّ واحد منهما في الملاك مقيّد بعدم الانشغال بالآخر، فلا يلزم من ذلك عدم إمكان تحصيل الملاك.
وأمّا الصيغة الثالثة، وهي: أنّ شرط الوجوب الضمنيّ شرطٌ للوجوب الاستقلاليّ، فيلزم الأمر بالأجزاء العشرة مشروطاً بترك جزءين منها.
فجوابها: أنّ هذا إنّما يلزم لو فُرض ترك أحد الجزءين قيداً لوجوب الجزء
', '', 232), (65, 233, 'book', 'الآخر، لكنّ المفروض كونه قيداً للواجب؛ حيث إنّ الوجوب تعلّق بالأجزاء المقدورة، فترك أيّ واحد من الجزءين يؤدّي إلى انطباق هذا العنوان على الجزء الآخر، فيكون هو الواجب، من دون أن يكون ترك ذاك الجزء شرطاً للوجوب، كي يرجع إلى اشتراط وجوب الأجزاء العشرة به.
وأمّا الصيغة الرابعة، وهي: أنّه مع ترك كليهما يتعلّق الأمر بهما، لفعليّة كلا الشرطين، وبما أنّ كلاًّ منهما واجب ضمنيّ، فهناك أمر واحد متعلّق بهما معاً، وهذا معناه طلب الجمع بعنوانه.
فالجواب: أنّ القدرة ـ التي هي شرط في المقام ـ ليست فقط بمعنى ترك المزاحم، بل بمعنى القدرة التكوينيّة أيضاً، وهو تكويناً غير قادر على الجمع، فلم يتعلّق الأمر بهما جمعاً، وإنّما تعلّق بالمقدار المقدور الذي لا ينطبق ـ في دائرة هذين الجزءين ـ على أزيد من أحدهما.
فتحصّل بهذا أنّ التزاحم بين الواجبين الضمنيّين معقول.
إلاّ أنّ هذا نوع تزاحم لا يجري فيه شيء من مرجّحات باب التزاحم.
أمّا الترجيح بالقدرة العقليّة فلا مجال له في المقام؛ إذ لابدّ في المقام من أن تكون القدرة في كلا الجزءين شرعيّة؛ إذ لو كانت عقليّة في كليهما، بأن كان كلّ منهما غير دخيل في الملاك ـ وحتّى القدرة بمعنى عدم الانشغال بالآخر ـ لزم العجز عن تحصيل الملاك، وسقط الواجب رأساً. ولو كانت عقليّة في أحدهما دون الآخر لم يعقل الأمر بالآخر مطلقاً، أي: حتّى على تقدير ترك الجزء الأوّل؛ إذ على هذا التقدير لا يعقل حصول الملاك لفواته بترك الجزء الأوّل.
وأمّا الترجيح بالأهمّيّة فقد أثبتنا فيما مضى أنّه لا مجال له في المشروطين بالقدرة الشرعيّة، وقد عرفت أنّهما مشروطان بالقدرة الشرعيّة دفعاً للصيغة الثانية من صِيغ الإشكال على التزاحم بين الواجبين الضمنيّين.
$
', '', 233), (65, 234, 'book', 'وأمّا الترجيح بعدم البدل على ما له البدل، فقد عرفت أنّه يرجع بروحه إلى الترجيح بالأهمّيّة الذي لا مجال له في المقام.
وأمّا الترجيح بالتقدّم الزمانيّ: فإن قُصد بذلك تقدّم الوجوب، فمن الواضح عدم تأتّيه هنا؛ إذ الوجوبات الضمنيّة متعاصرة حتماً؛ لكونها أجزاء لوجوب واحد. وإن قُصد بذلك تقدّم الواجب، فأيضاً لا معنى للترجيح بالتقدّم مع افتراض أمرين متزاحمين؛ إذ على فرض تعيّن الإتيان بالمتقدّم لا يُعقل الأمر بالمتأخّر مطلقاً، أي: حتّى على تقدير ترك الأوّل؛ إذ على تقدير ترك الأوّل فقد فات الملاك حتماً. هذا.
والتحقيق: عدم معقوليّة التزاحم بين واجبين ضمنيّين؛ وذلك لأنّ القدرة إمّا أن يُفرض دخلها في كلّ واحد من الجزءين بنحو شرط الوجوب، أو يُفرض دخلها فيهما بنحو قيد الواجب؛ لأنّ الواجب هو المقدار المقدور، كما فُرض لدفع الإشكالات الأربعة. فإن فُرض الأوّل رجع الإشكال بكلّ الصيغ الأربع التي بيّنّاها. وإن فُرض الثاني قلنا: إنّه لا يتأتّى في المقام البيان الذي به استطعنا أن نتصوّر باب التزاحم بنحو يكون مستقلاًّ عن باب التعارض، وهو أنّ كلّ تكليف يكون مقيّداً ـ بقيد لبّيّ كالمتّصل ـ بعدم الانشغال بضدّ أهمّ أو مساو، فلا تعارض بين دليلي الحكمين؛ إذ لا إطلاق في كلّ واحد منهما لصورة الانشغال بالآخر لو كان مساوياً أو أهمّ.
أمّا في المقام فقد فُرض أنّ القيد قيد في الواجب لا في الوجوب، وهذا تصرّف في ظهور الدليلين؛ فإنّه إذا افترضنا دليلا دلّ على وجوب القيام مثلا، ودليلا آخر دلّ على وجوب القراءة، والمفروض العجز عن الجمع بينهما، وفُرض عدم تقيّد وجوب أحدهما بترك الآخر، ولكن فُرض تقيّد الواجب بذلك، فلا إشكال في أنّ هذا غير ذاك الذي اقتضاه المقيّد اللبّيّ، وإنّما هو تصرّف جديد في الدليلين، فلا محالة يقع التعارض بينهما بعد فرض العلم بعدم سقوط الصلاة ووجوب المقدار المقدور من أجزائها.
ولو سُلّم إمكان التزاحم بين الوجوبين الضمنيّين، فهو خارج عن مصبّ حاجة
', '', 234), (65, 235, 'book', 'الفقيه في مقام الاستنباط؛ وذلك لأنّ الفقيه حينما يتعامل مع دليلي الجزءين ـ لو كان لكلّ منهما دليل مستقلّ ـ فهو لا يتعامل مع ما يكون مفاده الوجوب الضمنيّ الذي هو جزء تحليليّ من الأمر بالكلّ، وإنّما الدليلان كلّ منهما يرشد إلى الجزئيّة، وحتّى لو كان بلسان الأمر فالأمر في الأجزاء والشرائط للمركّب الارتباطيّ إنّما هو إرشاد إلى الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة والقاطعيّة. ولا توجد أيّ منافاة بين كون هذا جزء وذاك أيضاً جزء في عرض واحد، بالرغم من عدم القدرة على الجمع بينهما؛ إذ غاية ما يقتضيه ذلك سقوط الواجب، لا أنّ اجتماع جزئيّة هذا مع جزئيّة ذاك من المستحيلات، إذن لا مبرّر لوقوع التزاحم بينهما، فليكن هذا جزءاً وذاك جزءاً والواجب ساقطاً، فلو علمنا من الخارج بعدم سقوط الواجب وعدم جزئيّة أحدهما إجمالاً فلا محالة يقع التعارض بين الدليلين(1).
تطبيق قوانين التزاحم على مثال الحجّ والنذر:
الأمر الثالث: نتكلّم فيه في تطبيق قوانين باب التزاحم على مثال الحجّ والنذر، فلو نذر أو حلف قبل الاستطاعة أن يزور الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة، أو ما شابه ذلك ممّا يزاحم الحجّ فأيّهما يتقدّم؟
$
', '(1) هذا إذا كان دليل جزئيّة كلّ منهما مستقلاًّ عن الآخر. أمّا مع فرض الاتّصال وذكرهما في دليل واحد، فلا محالة يكون هذا الدليل مجملا. وأمّا لو استفيدت جزئيّة الجامع بينهما من مثل (الصلاة لا تترك بحال)، فهذا دليل آخر يؤخذ به بلا أيّ تزاحم أو تعارض. وخلاصة الكلام: أنّه لو سلّمنا وقوع التزاحم بين وجوبين ضمنيّين، فلا شغل للفقيه أصلا بالوجوبين الضمنيّين؛ لعدم تطلّب الوجوب الضمنيّ بوحده امتثالا، وإنّما له شغل بالجزئيّتين أو الشرطيّتين مثلا، ولا تزاحم بين الجزئيّتين أو الشرطيّتين، وإنّما الذي يتعقّل بين الجزئيّتين أو الشرطيّتين هو التعارض بين دليليهما.
', 235), (65, 236, 'book', '
الصحيح هو: تقدّم الحجّ. ونوضّح ذلك من ناحية المباني الاُصوليّة تاركين تفصيل الكلام عن الجوانب الفقهيّة للمطلب، فنقول: إنّه بالإمكان تقريب ما ذكرناه من تقدّم الحجّ بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أن نفترض أنّ القدرة في النذر عقليّة، وأن نفترض أنّ القدرة في الحجّ أيضاً عقليّة، وأن نفترض أنّ الحجّ أهمّ من النذر، أو محتمل الأهمّيّة، أو أنّ احتمال أهمّيّته أقوى. فإن تمّت هذه الفروض الثلاثة فلا إشكال في تقدّم الحجّ؛ لما مضى فيما سبق من كون الأهمّيّة واحتمال الأهمّيّة في أحد المتزاحمين المشروطين بالقدرة العقليّة من المرجّحات.
يبقى الكلام في إثبات هذه الفروض فنقول:
أمّا الفرض الأوّل: وهو افتراض أنّ القدرة في النذر عقليّة لا شرعيّة فلا يحتاج إلى برهان؛ إذ هو أسوء التقديرين بالنسبة لتقديم الحجّ، فإنّه لو فُرضت القدرة في النذر شرعيّة لكان تقديم الحجّ عليه أوضح.
وأمّا الفرض الثاني: وهو كون القدرة في الحجّ عقليّة، بمعنى عدم ثبوت دخل ترك الواجب الآخر في ملاكه، فلأنّه لا مبرّر لدعوى دخله في ملاكه إلاّ أخذ الاستطاعة في لسان الدليل، حيث قال الله تعالى: ﴿لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ بدعوى أنّ أخذ القدرة في لسان الدليل دليل على أنّها شرعيّة، إلاّ أنّ الاستطاعة لا تدلّ على أكثر من القدرة التكوينيّة، مع توسعتها لِما يُخرج العسر الشديد؛ لصدق عدم القدرة عرفاً عنده. فلو كانت القدرة دخيلة في الملاك فإنّما هي القدرة التكوينيّة بالمعنى العرفيّ الشامل لعدم العسر الشديد، لا عدم الانشغال بواجب آخر.
وقياسه بالوجدان في آية الوضوء، المحمول على ما يشمل مطلق المانع، بقرينة عطف المريض ـ على ما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ في غير محله؛ لأنّ القرينة التي
', '', 236), (65, 237, 'book', 'ذكرها المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في آية الوضوء لو تمّت فهي غير موجودة في المقام؛ إذ لا يوجد هنا ذكر المريض في الآية.
على أنّ ذكر المريض أيضاً لا يدلّ على أكثر من إرادة معنى من عدم الوجدان ينسجم مع السفر والمرض معاً، ويكفي في ذلك فرض القدرة بمعنى يشمل عدم الحرج والضيق الشديدين اللذين قد يقترنان مع المرض، ولا وجه لحمل الوجدان في الآية على ما هو أوسع من ذلك ممّا يشمل عدم الانشغال بواجب آخر مضادّ له، أو عدم الخطاب بذلك.
هذا كلّه بغضّ النظر عن النصّ الخاصّ المفسِّر للاستطاعة في الآية بالزاد والراحلة. أمّا بالنظر إلى ذلك فمن الواضح عدم شمول الاستطاعة الدخيلة في الملاك ـ بمقتضى الآية ـ لعدم الانشغال بواجب آخر.
وأمّا الفرض الثالث: فهو المستظهر من الروايات الواردة في باب الحجّ في التشديد فيه، وكونه أحد أركان الإسلام، وكون تركه موجباً للكفر، ونحو ذلك ممّا لم يرد مثله في النذر، وهذا يوجب الجزم بأهمّيّة الحجّ أو احتمالها على الأقلّ(1).
الوجه الثاني: أنّ القدرة في النذر شرعيّة؛ لما ورد في الوجوبات التي يكون موضوعها جعل الإنسان، كالشرط والنذر واليمين والتجارة ونحو ذلك: من أنّ «شرط الله قبل شرطكم»، إذن فقد اُخذ في موضوعه أن لا ينافي شرطاً من شروط الله، بينما القدرة في الحجّ عقليّة؛ لما عرفت. والمشروط بالقدرة العقليّة مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة، على ما مضى توضيح ذلك في مرجّحات التزاحم.
$
', '(1) جاء في كتاب السيّد الهاشميّ حفظه الله: إنّ هذا الوجه للترجيح يتمّ حينما يكون طرف المزاحمة للنذر أصل الحجّ، أمّا إذا كانت طرف المزاحمة له فوريّة الحجّ فقد لا يتمّ هذا الوجه.
', 237), (65, 238, 'book', '
الوجه الثالث: أنّه لو تنزّلنا وفرضنا أنّ القدرة في الحجّ أيضاً شرعيّة، قلنا: إنّه قد مضى أنّ القدرة الشرعيّة لها معنيان: أحدهما عدم الانشغال بواجب آخر. والثاني عدم المانع بالمعنى الذي ينتفي بمجرّد وجود الخطاب الآخر بالضدّ حتّى لو لم ينشغل به.
والقدرة المأخوذة في الحجّ ـ بعد التسليم ـ إنّما هي القدرة بالمعنى الأوّل، فإنّه مع عدم الانشغال بواجب آخر لا ريب في صدق عنوان الاستطاعة، بينما القدرة المأخوذة في النذر هي القدرة بالمعنى الثاني، حيث قال: «شرط الله قبل شرطكم»، فمجرّد وجود شرط الله المنافي لشرط العبد يمنع عن تحقّق شرط العبد(1). وقد مضى أنّ المشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الأوّل مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة بالمعنى الثاني.
الوجه الرابع: أنّنا لو تنزّلنا أيضاً وفرضنا القدرة الشرعيّة في الحجّ بالمعنى الثاني كما في النذر، قلنا: إنّ القدرة المأخوذة في الحجّ إنّما هي بمعنى عدم وجود خطاب بالمزاحم بالفعل؛ فإنّ كلّ عنوان مأخوذ في الدليل يكون الأصل فيه حمله على الفعليّة. وأمّا القدرة المأخوذة في النذر فهي بمعنى عدم المانع اللولائيّ، لا المانع الفعليّ ـ أي: عدم وجود الخطاب بالمزاحم بغضّ النظر عن هذا
', '(1) ومن هنا يفتى بأنّه لو نذر زيارة عرفة ـ مثلا ـ للحسين(عليه السلام)، ثمّ استطاع للحجّ بطل نذره، فحتّى ولو ترك الحجّ عصياناً لم يجب عليه الوفاء بنذره.
إلاّ أنّ هذا عندي مشكل؛ فإنّ المتيقّن من مثل: «شرط الله قبل شرطكم»، ليس أكثر من أنّ قبليّة شرط الله أوجبت على الإنسان تقديمه على شرط نفسه المزاحم لشرط الله. أمّا لو عصى ولم يعمل بشرط الله فإنّ عدم وجود المزاحم الذي أوجبه على نفسه ـ بشرط أو نذر أو نحو ذلك ـ غير واضح من هذا النصّ.
', 238), (65, 239, 'book', '
الخطاب ـ وذلك استظهاراً من قوله: «شرط الله قبل شرطكم»، أي: إنّه بغضّ النظر عن شرطكم، وفي المرتبة السابقة على شرطكم، يكون شرط الله ثابتاً، فهو يمنع عن شرطكم. وقد أثبتنا فيما مضى: أنّ المشروط بعدم المانع الفعليّ مقدّم على المشروط بعدم المانع اللولائيّ.
وقد يذكر وجهان لتقديم الحجّ على النذر غير الوجوه التي نحن ذكرناها:
الوجه الأوّل: أنّ القدرة في الحجّ عقليّة، وفي النذر شرعيّة، فيقدّم الحجّ على النذر. أمّا كون القدرة في الحجّ عقليّة؛ فلبعض ما مضى منّا. وأمّا كون القدرة في النذر شرعيّة؛ فلأنّ الناذر طبعاً لا يُتعقّل نذره بأمر غير مقدور؛ فإنّ العاقل لا ينذر الإتيان بشيء غير مقدور له، إذن فالقدرة داخلة في متعلّق النذر. وإذا كان الأمر كذلك فلا محالة تكون القدرة دخيلة في الملاك؛ فإنّ وجوب العمل بالنذر إنّما هو بملاك الوفاء وكون الإنسان باقياً على عهده، وهذا يتحدّد لا محالة بحدود متعلّق النذر، فمع انتفاء القدرة لا ملاك؛ لأنّه لا نذر، فقد اتّضح بذلك كون القدرة شرعيّة.
ويرد عليه: أنّ القدرة التي نجزم بدخلها في متعلّق النذر إنّما هي القدرة التكوينيّة، وأمّا القدرة بمعنى عدم الانشغال بواجب آخر، فلا، بل قد يتعمّد الناذر إطلاق النذر لهذا الفرض برجاء إمضاء الشارع لذلك، وصيرورته عذراً له في مقام الانصراف عن ذلك الواجب الآخر. وقد مضى فيما سبق أنّ كون القدرة شرعيّة ـ بمعنى دخل مجرّد القدرة التكوينيّة في الملاك ـ لا يوجب تقدّم الواجب الآخر الذي لا يفرض دخل القدرة في ملاكه عليه.
الوجه الثاني: كأنّه يُذكر بعد التنزّل عن الوجه الأوّل، وافتراض كون القدرة في كليهما شرعيّة بنحو واحد، فيقال: إنّ وجوب الوفاء بالنذر إنّما يصبح فعليّاً حين حلول وقت العمل، بناءً على استحالة الواجب المعلّق مثلا، في حين أنّ الخروج مع الرفقة إلى الحجّ ـ مثلا ـ يجب قبل يوم عرفة، فيتقدّم على زيارة الحسين(عليه السلام) في
', '', 239), (65, 240, 'book', 'يوم عرفة بالترجيح بالتقدّم الزمنيّ(1).
ويرد عليه: أنّه إن فُرض وجوب الخروج مع الرفقة وجوباً غيريّاً شرعيّاً على حدّ وجوب مقدّمة الواجب عند وجوب ذيها، كان معنى ذلك الالتزام بالوجوب التعليقيّ في الحجّ، فإذا أمكن الوجوب التعليقيّ في الحجّ فلماذا لا يمكن في النذر؟! فلنقل في النذر أيضاً بتقدّم زمان وجوبه. وإن فرض وجوبه من باب وجوب المقدّمات المفوّتة عقلا، فهذا خلف كون الحجّ مشروطاً بالقدرة الشرعيّة؛ فإنّه إذا كانت القدرة دخيلة في الملاك، فتفويت المقدّمات المفوّتة ليس تفويتاً للملاك، بل هو إعدام لموضوعه(2)، ولا بأس بذلك، ومورد التقديم بالأسبقيّة زماناً
', '(1) لا يخفى أنّه قد ينعكس الأمر، فيكون العمل بالنذر متوقّفاً على مقدّمة سابقة على مقدّمات الحجّ. وقد يكونان متوقّفين على مقدّمات متقارنة، فليست نتيجة هذا الوجه تقديم الحجّ دائماً.
ثمّ الذي يبدو أنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) صاغ الوجه وصاغ جوابه أيضاً على صياغة كون المراد بالترجيح بالتقدّم الزمنيّ هو الترجيح بتقدّم الوجوب زماناً.
(2) هذا الجواب كما قلنا مصوغ بصياغة فرض البحث على مبنى كون الترجيح لأسبقيّة زمان الوجوب.
ولعلّ الأولى التشقيق بالكلام على كلا الفرضين، وذلك بأن يقال: تارةً يتكلّم بناءً على الترجيح بسبق الوجوب، واُخرى يتكلّم بناءً على الترجيح بسبق زمان الواجب:
فإن بُني على الأوّل وقيل: إنّ مقدّمة الحجّ سبق وجوبها وجوبَ الوفاء بالنذر، فترجّح عليه، قلنا: خير ما يمكن أن يقال في تقريب الترجيح بأسبقيّة الوجوب، دعوى استظهار دخل القدرة في الملاك، بمعنى يشمل عدم الانشغال بإفراغ الذمّة عن وجوب سابق أو مقارن.
وهذا جوابه ـ بعد فرض تسليم هذا الاستظهار ـ أحد أمرين:
الأوّل: إنّ هذا الاستظهار لو تمّ، فإنّما يتمّ بلحاظ وجوب يقبل التنجّز ويُشغل الذمّة، فيقال: إنّ شغل الذمّة رافع للقدرة مثلا، أمّا وجوب المقدّمة ـ كالخروج مع الرفقة ـ الذي ليس له تنجيز ولا تعذير، فلا يرفع القدرة إلاّ بلحاظ وجوب ذيها، والمفروض أنّ وجوب ذيها مع وجوب المزاحم الآخر مقترنان.
والثاني:ما ورد في المتن من أنّه إن قُصد بوجوب مثل السير مع الرفقة الوجوب الغيريّ الشرعيّ على حدّ وجوب مقدّمة الواجب عند وجوب ذيها، كان هذا رجوعاً إلى استظهار الوجوب التعليقيّ والذي يمكن أن يقال به في النذر أيضاً، كما يقال به في الحجّ. وإن قُصد به الوجوب العقليّ للمقدّمات المفوّتة من قِبَل وجوب ذيها، فهذا خلف فرض دخل القدرة في الملاك؛ لأنّه على تقدير دخل القدرة في الملاك يجوز تفويتها بترك المقدّمات المفوّتة.
وإن بُني على الثاني وقيل: إنّ مقدّمات الحجّ واجبة ومقدّمة زماناً على زيارة عرفة مثلا، فتترجّح عليها بالتقدّم الزمنيّ، قلنا: إنّ للترجيح بسبق زمان الواجب أحد تقريبين:
التقريب الأوّل: استظهار دخل القدرة في الملاك بمعنى يشمل عدم الانشغال بواجب مقارن أو سابق، والواجب الأوّل هو الذي يكون الانشغال به انشغالا بواجب سابق على الواجب الثاني، وليس الثاني سابقاً على الأوّل ولا مقارناً له.
وإسراء ذلك إلى ما نحن فيه يكون ببيان: أنّ العبرة في الترجيح ليست بنفس عنوان تقدّم الواجب، حتّى يقال مثلا: إنّ المهمّ هو نفس الواجب النفسيّ الذي له تنجّز وتعذّر، لا المقدّمة، والواجبان النفسيّان في المقام متقارنان. وإنّما العبرة في الترجيح بأن يكون ظرف ضرورة انشغال العبد بأحد الواجبين ـ من مبدأ التنجيز والتعذير ـ قبل ظرف انشغاله بالآخر، وهذا ثابت في المقام؛ فإنّ انشغاله بمقدّمة الحجّ السابق زمناً على الزيارة، انشغالٌ بامتثال واجب نفسيّ له تنجيز وتعذير سابق على زمان امتثال الآخر؛ فإنّ المقدّمة وإن لم يستمدّ تنجّزها من الأمر بها، ولكن الانشغال بها انشغالٌ بامتثال وجوب ذي المقدّمة، وشروعٌ في التحرّك من مبدأ منجّزيّة وجوب ذي المقدّمة، ويكفي هذا للترجيح، أو قل: إنّ هذا بحكم تقدّم نفس الواجب النفسيّ.
التقريب الثاني: استظهار دخل القدرة التكوينيّة في الملاك بمعنى القدرة على الواجب في زمانه، لا القدرة التكوينيّة عليه مطلقاً ولو بلحاظ القدرة على المقدّمات المفوّتة قبل زمان الواجب. فالواجب السابق يتقدّم؛ لأنّه لو أتى به فقَدَ القدرة على الواجب الثاني في زمانه، وبذلك ارتفع موضوعه.
وهذا التقريب الثاني ـ لو تمّ في نفسه ـ قد لا يصحّ تطبيقه على المقام؛ وذلك لأنّنا لو استظهرنا دخل القدرة في الملاك في الواجبين ـ بمعنى القدرة في وقت العمل ـ لم يجب خروج الرفقة، ولا سائر المقدّمات المفوّتة للحجّ، وهذا خلف.
إلاّ أن يفترض أنّ هذا الاستظهار نقبله في باب النذر، وأمّا في باب الحجّ فقد قامت الضرورة الدينيّة على وجوبه حتّى على النائين المحتاجين إلى مقدّمات مفوّتة، وهذا دليل على عدم دخل القدرة التكوينيّة في خصوص ظرف الواجب في ملاك الحجّ.
وعلى أيّ حال، فلو تمّ أحد التقريبين في ذاته، ورد على تطبيقه على المقام: أنّنا ننكر سبق مقدّمة الحجّ بنحو موجب للترجيح بسبق أحد الواجبين. وتوضيح ذلك: أنّ الانشغال بمقدّمة الحجّ إلى حين لا يورث العجز من الزيارة ـ كالخروج مع الرفقة قبل شهر مثلا، والسير إلى مدّة يمكن الرجوع إلى كربلاء ودرك زيارة عرفة ـ لا يحلّ المشكل؛ لأنّه مادامت القدرة على كلا الواجبين موجودة، فالمزاحمة باقية على حالها، ولا مبرّر لفرض ترجيح أحدهما بسبق الواجب؛ لأنّ الاشتغال بالسابق لم يسلب القدرة عن اللاحق؛ إذ بالإمكان العدول ـ بحسب الفرض ـ إلى الواجب الآخر، وفي الوقت الذي تصل النوبة إلى صرف القدرة في أحدهما بالخصوص ـ الموجب لانسلاب القدرة على الآخر ـ يكون الواجبان بما لهما من مقدّمات مفوّتة متقارنين.
ولعلّ هذا هو السرّ فيما يبدو من عدول سيّدنا الاُستاذ(رحمه الله) في صياغة أصل الترجيح وإبطاله من الترجيح بتقدّم زمان الواجب إلى الترجيح بتقدّم الوجوب.
', 240), (65, 241, 'book', '
$
', '', 241), (65, 242, 'book', '$
', '', 242), (65, 243, 'book', 'إنّما هو المشروطان بالقدرة الشرعيّة(1).
وقد يذكر وجهان لتقديم الوفاء بالنذر على الحجّ:
الوجه الأوّل: أن يقال: إنّ القدرة في الحجّ شرعيّة؛ لأنّها اُخذت في لسان الدليل في قوله: ﴿لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، ولكنّها في النذر عقليّة؛ لأنّها لم تؤخذ في لسان الدليل.والمشروط بالقدرة العقليّة يقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة.
وقد بينّا سابقاً: أنّ مجرّد عدم ذكر القدرة في لسان الدليل ليس دليلا على كونها عقليّة، وعدم دخلها في الملاك، فليكن المقصود هنا ما وضّحناه فيما سبق من أنّه حينما يقاس ما لم تؤخذ القدرة في لسان دليله بما ثبت كون القدرة فيه شرعيّة، يثبت بإطلاق دليل الأوّل لفرض الانشغال بالثاني كون قدرته عقليّة، أي: أنّ ملاكه لا ينتفي موضوعاً بالانشغال بالثاني، على بيان وتوضيح مضى.
إلاّ أنّك قد عرفت: أنّ الأمر تماماً على العكس، أي: أنّ القدرة في النذر
', '(1) أمّا المشروطان بالقدرة العقليّة فليس السابق منهما رافعاً لموضوع الآخر. وأمّا لو كان أحدهما مشروطاً بالقدرة العقليّة والآخر مشروطاً بالقدرة الشرعيّة، فالمشروط بالقدرة العقليّة هو الذي يرفع موضوع الآخر، سواء تقدّم زماناً أو تأخّر، فلا أثر للترجيح بالسبق الزمنيّ.
', 243), (65, 244, 'book', '
شرعيّة، وأنّه لم يؤخذ في لسان دليل الحجّ عدم الواجب الآخر، أو عدم الانشغال به.
الوجه الثاني: أنّ النذر كان مقدّماً على الاستطاعة، فيقدّم عليه بالترجيح بالأسبقيّة زماناً، بناءً على أنّ القدرة في كليهما شرعيّة وبنحو احد.
ويرد عليه: أنّه على القول بالترجيح بالأسبقيّة، إنّما يرجّح ما كان وجوبه أو زمان الواجب فيه أسبق، بدعوى انصراف القدرة الشرعيّة إلى القدرة حين الوجوب أو في وقت الواجب، أمّا تقدّم السبب فلا عبرة به على كلّ حال(1).
$
', '(1) قد يُفرض أنّ وجوب الوفاء بالنذر غير المعلّق على شيء يكون ثابتاً من حين النذر بنحو الوجوب التعليقيّ، فلو صحّ هذا الفرض لم يتأتّ هذا الجواب. نعم، المهمّ أنّ أصل فرض مرجّحيّة مجرّد تقدّم الوجوب ضعيف.
', 244), (65, 245, 'book', '
الأوامر
الفصل السادس
$
', '', 245), (65, 246, 'book', '$
', '', 246), (65, 247, 'book', 'هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط أو لا؟
وهذا العنوان يُؤمي إلى جواز أمره لو لم يعلم بانتفاء الشرط، وهذا شاهدٌ على أنّ المقصود من الأمر الذي يتكلّم في جوازه وعدم جوازه مرتبةٌ من الأمر غير المرتبة التي فُقد شرطها، وإلاّ لكفى فقدان شرطها في استحالتها، سواء علم به الآمر أو لا، إذن فمرجع البحث يكون ـ مثلا ـ إلى البحث عن أنّه: هل يجوز أمر الآمر على تقدير يعلم بانتفاء ذلك التقدير؟ فهذا التقدير ـ كما ترى ـ شرط للمجعول والفعليّة، بينما المقصود من الأمر الذي يبحث عن جوازه وعدم جوازه هو الجعل.
وتحقيق الكلام في ذلك هو: أنّه تارةً يُفرض انتفاء الشرط بنحو خارج عن قدرة المكلّف. واُخرى يُفرض انتفاؤه باختيار المكلّف:
فإن فُرض الأوّل كان توجيه الأمر إلى العبد مستهجناً عرفاً، سواءً كان انتفاء الشرط بغضّ النظر عن هذا الأمر، أو كان بسبب نفس هذا الأمر.
مثال الأوّل: أن يقول: (لو اجتمع المتضادّان فصلّ).
ومثال الثاني: أن يقول: (لو لم يُجعل الأمر بالصلاة فصلّ).
وإن فُرض الثاني فتارةً يُفرض أنّ المكلّف يُفني الشرط اختياراً بتأثير من قِبَل نفس هذا الأمر. واُخرى يُفرض أنّه يُفني الشرط اختياراً بغضّ النظر عن هذا الأمر:
مثال الأوّل: ما لو قال له: (إن أفطرت فأعتق)، فأصبح لزوم العتق عليه على
', '', 247), (65, 248, 'book', 'تقدير الإفطار رادعاً له عن الإفطار. ولا إشكال في جواز ذلك، وليس انتفاء الشرط هنا إلاّ مؤكِّداً لتأثير الأمر، لا مانعاً عنه.
ومثال الثاني: ما لو قال له: (لو أكلت العذرة فأعتق)، وهو يعلم أنّ هذا العبد سوف لن يأكل العذرة بغضّ النظر عن استتباع ذلك للعتق، وهذا النحو من الأمر لا يمكن أن يكون بداعويّة متعلّق الأمر للمولى إلى الأمر؛ إذ هو يعلم بحصول المقصود بانتفاء الشرط المُفني لملاك المتعلّق موضوعاً.
نعم، قد يكون للمولى داع آخر إلى إيجاد باعث تقديريّ، كتمكين المكلّف من قصد القربة أو غير ذلك، ومعه يجوز الأمر بذلك، وهذا ليس فيه استهجان عرفيّ، بخلاف ما لو كان انتفاء الشرط بنحو خارج عن اختياره، فإنّ الأمر عندئذ يكون مستهجناً عرفاً(1).
$
', '(1) وليس مستحيلا عقلا؛ لأنّ البعث نحو الجزاء على تقدير تحقّق الشرط معقول وإن لم يكن تحقّق الشرط معقولا. وهذا لا ينافي ما مضى من أنّ الأمر المشروط يرجع بروحه ـ في شروط الاتّصاف ـ إلى الأمر بالجامع بين الجزاء وعدم الشرط؛ فإنّ المقصود من ذلك كان هو رجوع الأمر بمبادئه إلى ذلك، أمّا نفس الأمر والبعث فهو متعلّق بالجزاء، وليس متعلّقاً بالجامع حتّى يقال: إنّ الجامع ضروريّ الحصول في المقام، فلا يعقل البعث نحوه. ولهذا لا يصحّ الأمر بشيء محال على تقدير شرط مقدور، رغم قدرة المكلّف على الجامع بين فعل الجزاء وترك الشرط.
نعم، الأثر الفعليّ للأمر في مطلق الشروط المقدورة هو لزوم التحرّك نحو الجامع بين الجزاء وإفناء الشرط.
', 248), (65, 249, 'book', '
الأوامر
الفصل السابع
$
', '', 249), (65, 250, 'book', '$
', '', 250), (65, 251, 'book', 'تمهيد: في أقسام العوارض:
اعلم أنّ العوارض على ستّة أقسام:
القسم الأوّل: ما يكون ظرف عروضه هو الذهن، وظرف اتّصاف الشيء به هو الذهن أيضاً. ويمثّلون لذلك بمثل النوعيّة والجنسيّة والفصليّة والكلّيّة والجزئيّة، فهي ليس لها وجودٌ خارجيّ، وإنّما وجودها وجود ذهنيّ. فظرف عروضها هو الذهن، كما أنّ ما يتّصف بها ليس هو الفرد الخارجيّ من الإنسان أو الحيوان أو الناطق مثلا، بل المفهوم الذهنيّ. إذن، فظرف الاتّصاف بها هو الذهن. فلنطلق عليها فعلا اسم العوارض الذهنيّة.
القسم الثاني: العوارض الخارجيّة، وهي ما يكون ظرف وجودها وظرف الاتّصاف بها هو الخارج، كالحرارة والبياض ممّا يكون له وجودٌ خارجيّ ويتّصف به الفرد الخارجيّ.
القسم الثالث: ما يكون ظرف عروضه هو الذهن، وظرف الاتّصاف به هو الخارج، كالإمكان والاستلزام، فظرف عروضه هو الذهن، ببرهان عدم وجود خارجيّ له كالبياض والحرارة، وإلاّ لزم التسلسل بحسب الخارج؛ إذ يقال مثلا: إنّ النار ممكن، وإمكانها واجب، ووجوب إمكانها واجب... وهكذا: إنّ النار ملازمة للحرارة، وملازمة لهذه الملازمة... وهكذا، فإذا لم يكن وجوده خارجيّاً فهو ذهنيّ.
$
', '', 251), (65, 252, 'book', 'وظرف الاتّصاف به هو الخارج، ببرهان اتّصاف الفرد الخارجيّ من الشيء به، فالفرد الخارجيّ من النار ـ مثلا ـ ممكن وملازم للحرارة. وهذا بخلاف ما مضى من مثل النوعيّة والفصليّة ممّا لم يكن الفرد الخارجيّ متّصفاً به. هذا ما قاله مشهور الحكماء.
والقسم الأوّل ـ وهو ما يكون ظرف عروضه وظرف الاتّصاف به ذهنيّاً ـ يسمّى بالمعقولات الثانويّة بحسب مصطلح المنطقيين. وأمّا بحسب مصطلح الحكماء فمطلق ما يكون ظرف عروضه هو الذهن يسمّى بالمعقولات الثانويّة، ولو كان ظرف اتّصافه به هو الخارج.
ونحن قد أشرنا في بعض الأبحاث السابقة إلى أنّ هذا غير معقول؛ فإنّ اتّصاف الشيء بعرض إنّما هو بلحاظ عروضه عليه، فلا يُعقل أن يكون عالم الاتّصاف به غير عالم عروضه.
كما بيّنّا أيضاً أنّ الاستلزام والإمكان إذا لم يكن موجوداً في الخارج بالبرهان، فلا يمكن أيضاً أن يقال: إنّ قوامه بفرض العقل واعتباره؛ لوضوح صدق قولنا: (العلّة تستلزم المعلول) حتّى لو لم يوجَد عقلٌ على وجه الأرض.
ومن هنا ذكرنا: أنّ الإمكان والاستلزام ونحوهما من الاُمور الخارجيّة، وظرف الاتّصاف بها وكذلك ظرف عروضها هو الخارج، لكنّها خارجيّة بنفسها لا بوجودها.
وتوضيح ذلك: أنّ كلّ أمر لا يكون للاعتبار دخلٌ في حقّانيّته نسمّيه خارجيّاً، وهو على قسمين:
فتارةً تكون حقّانيّته وخارجيّته بالوجود كالإنسان، فإنّه بما هو إنسان ليس خارجيّاً وحقّانيّاً، وإنّما هو ماهيّة نسبتها إلى الوجود والعدم على حدٍّ سواء.
واُخرى تكون حقّانيّته بذاته، من قبيل: أنّ من الحقّ استحالة اجتماع النقيضين،
', '', 252), (65, 253, 'book', 'واستلزام العلّة للمعلول، فهذه الاستحالة وكذلك هذا الاستلزام ليس للاعتبار دخلٌ في حقّانيّتها، وهي حقّ بذاتها لا بلبسها ثوب الوجود، كما في الإنسان والحيوان ونحوهما، فوعاء الخارج أوسع من وعاء الوجود، وظرف الاتّصاف والعروض معاً للإمكان والاستلزام ونحوهما إنّما هو وعاء الخارج.
وبكلمة اُخرى: ماذا يقصد بقولهم: إنّ مثل الملازمة والإمكان والاستحالة اُمور ذهنيّة؟
إن قُصد بذلك: أنّها من قبيل الاعتبارات الذهنيّة الجزافيّة، كاعتبار الإنسان طويلا يصل إلى الشمس والتي لا واقع لها إلاّ نفس واقع الاعتبار، فهذا بديهيّ البطلان؛ لبداهة الفرق بين قولنا: (الإنسان ممكن)، وقولنا: (الإنسان طويل يصل إلى الشمس)، فالأوّل يعتبر صادقاً، والثاني يعتبر كاذباً. وهذا لا يكون إلاّ باعتبار لحاظهما خارج وعاء الاعتبار، فلو كانا من سنخ واحد ومن عالم الاعتبار لم يكن فرق بينهما في الصدق والكذب، وكان كلاهما صادقاً بلحاظ وعاء الاعتبار، وكاذباً بلحاظ الخارج.
وإن قُصد بذلك: أنّنا حينما نتصوّر الإنسان ينساق ذهننا إلى أن نولّد منه الإمكان، ولا ينساق ذهننا إلى أن نولّد منه الطول، فكون الإمكان أمراً ذهنيّاً يعني: أنّه حالة عقليّة ينساق إليها الذهن البشريّ عند تصوّر الإنسان. وهذا يفسّر لنا الفرق بين إمكان الإنسان وطوله، قلنا: إنّ هذا الانسياق إمّا أن يرتبط بنكتة فسلجيّة في نطاق ذات المفكّر، أو بنكتة ترجع إلى نفس الأمر المفكَّر فيه:
والأوّل خلاف الضرورة والوجدان، وإن ادّعاه بعض الفلاسفة الاُوربّيّين بالنسبة للمقولات؛ فإنّ الضرورة والوجدان حاكم بالفرق بين هاتين القضيّتين بقطع النظر عن وجودنا في العالم. فمثلا قولنا: (مساوي المساوي مساو) كلام صحيح، وُجد في العالم مُدرك أو لا. وقولنا: (مساوي المساوي مخالف) كلامٌ باطل، وُجد في العالم مُدرك أو لا.
$
', '', 253), (65, 254, 'book', 'وعليه فيتعيّن الثاني، وهو كون الفرق راجعاً إلى نفس المفكر فيه، فمثلا الفرق بين الإنسان واجتماع النقيضين؛ حيث يتولّد عندنا في تصوّر الأوّل حالة الإمكان وفي الثاني حالة الامتناع، يكون بنكتة راجعة إلى نفس الإنسان واجتماع النقيضين.
وهذا معنى قولنا: إنّ هذه الاُمور ليست ذهنيّة بل خارجيّة وحالها حال الأعدام، فما هو معدومٌ معدومٌ حقيقة، وعدمه واقعيٌّ لا اعتباريّ، كأن نعتبر الشمس معدومة، وليس معنى ذلك وجود العدم؛ فإنّ أحد النقيضين لا يتقبّل الآخر، بل العدم واقعيّ بنفسه وفي لوح الخارج والواقع.
وهذا أحد المسالك لإبطال قول من يحصر الواقع والخارج بالمادّة وظواهرها؛ فإنّه لا يمكنه أن يفسّر هذه الاُمور؛ فإنّها ليست مادّيّة ولا ظاهرة قائمة بالمادّة؛ إذ من الضروريّ رياضيّاً أنّه حتّى لو لم توجد مادّة في العالم فمساوي المساوي مساو، فالواقعيّة والخارجيّة أوسع من المادّيّة حتماً.
كما أنّه بما ذكرناه ظهر بطلان ما نقله صاحب الأسفار عن الخواجه نصير من افتراض أنّ مثل هذه القضايا من الموجودات الذهنيّة لما أسماه بالعقل الأوّل، لكي لا يرد إشكال أنّ هذه الاُمور كيف تكون ذهنيّة مع أنّها أقدم وأكبر من ذهننا؟
بيان البطلان: أنّنا نحسّ أنّ اجتماع النقيضين ممتنع سواء وُجد العقل الأوّل أو لا، فلا محيص عن الالتزام بلوح الواقع والخارج، وكونه أوسع من لوح الوجود فضلا عن لوح المادّة التي هي قطّاع من قطّاعات لوح الوجود.
القسم الرابع: العوارض الذهنيّة التي تكون كالمعقولات الثانويّة المنطقيّة، إلاّ أنّه يختلف عنها في أنّ المعروض هنا يلحظ مرآةً للخارج، ولذا يكون للعَرَض معروض آخر بالعرض، كما في الحبّ والبغض والعلم ونحوها من الصفات النفسيّة ذات الإضافة، فهي من الكيف النفسانيّ ومعروضها بالذات قائم في عالم النفس،
', '', 254), (65, 255, 'book', 'وهي الصورة الذهنيّة القائمة في نفس ذلك الاُفق لا الخارج، برهاناً ووجداناً:
أمّا الوجدان فلأنّه قد يعلم بشيء أو يحبّه وهو غير موجود، فيعلم بإمامة زيد ـ مثلا ـ أو يحبّها بينما هو في الواقع ليس بإمام.
وأمّا البرهان فلأنّ العلم ونحوه صفة نفسيّة ذات إضافة، فلا يتصوّر ـ بتمام مراتبه بما فيها مرتبة ذاته ـ أن ينفكّ عن طرفه، وهذا معناه لزوم ثبوت المضاف إليه حتّى في مرتبة ذاته، في حين أنّ القسم الأوّل ـ أعني: المعقولات الثانويّة المنطقيّة كالكلّيّة ونحوها ـ تعرض في ذهن الإنسان بما هي هي لا بما هي مرآة للخارج، فالحبّ ـ مثلا ـ يعرض للصورة الذهنيّة لا بما هي صورة ذهنيّة، بل بما هي تُرى بالنظر التصوّريّ عين الخارج وفانياً في الخارج وإن كانت بالنظر التصديقيّ غيره، ولذا وُجد في هذا القسم معروض بالعَرَض، وهو ما في الخارج الذي تحاكيه تلك الصورة، بينما في القسم الأوّل لا يوجد معروض بالعَرَض.
القسم الخامس: العوارض الذهنيّة التي تختلف عن القسم الأوّل والقسم الرابع، كالطلب الذي معروضه بالذات هو الصورة الذهنيّة بنفس البرهان والوجدان الماضيين، لكنّها ليست صورة ذهنيّة ملحوظة بما هي هي كالقسم الأوّل، فإنّنا لو لاحظنا الصورة الذهنيّة بما هي صورة ذهنيّة لم نطلبها؛ لأنّنا مثلا عطاشا، والصورة الذهنيّة لا ترفع العطش. مضافاً إلى أنّ طلبها تحصيل للحاصل؛ لحصول الصورة الذهنيّة، فإنّما هي صورة ذهنيّة ملحوظة فانية في الخارج، أي: إنّه تعلّق الطلب بها بما هي منظور إليها بالنظر التصوّريّ الذي يُرى به عين الخارج.
فهذا القسم يشترك مع القسم الرابع في المرآتيّة والفناء، لكن فرقه عن القسم الرابع: أنّه في القسم الرابع كان يوجد في الخارج معروضٌ بالعرض، فحينما نحبّ الإمام(عليه السلام) يكون حبّنا عارضاً بالذات وحقيقةً على الصورة الذهنيّة وبالعرض على شخص الإمام، باعتبار أنّ تلك الصورة إنّما يعرض عليها الحبّ بما هي ملحوظة
', '', 255), (65, 256, 'book', 'بالنظر التصوّريّ الذي يُرى به عين الخارج، فهذا المحبّ يرى بالنظر التصوّريّ أنّه يحبّ الشخص الخارجيّ.
أمّا في المقام فبالرغم من كون الطلب قد تعلّق بالصورة الذهنيّة بما هي حاكية عن الخارج، لكنّه مع ذلك ليس هناك مطابق لهذه الصورة الذهنيّة في الخارج، فإنّ المولى حينما يعطش يطلب صرف وجود الماء؛ إذ لا يفرق في حقّه أيّ فرد من الأفراد، وصرف الوجود ليس له مطابق في الخارج، وكلّ ما هو موجود في الخارج إنّما هو مصداقٌ لمحكيّ الصورة، لا نفس محكيّها.
وبهذا تنحلّ عويصة في المقام وهي: أنّ الطلب إن كان موضوعه أمراً خارجيّاً ففعليّته في طول تحقّق الموضوع، وهذا تحصيل للحاصل. وإن كان أمراً غير خارجيّ فمن الواضح أنّ الطالب لا يطلب أمراً غير خارجيّ، فإنّ غرضه إنّما يحصل بالعمل في الخارج.
وقد أجاب عن ذلك المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) بأنّ الطلب يتعلّق بإيجاد الشيء لا وجوده(1).
وهذا الجواب ليس فنّيّاً، فإنّ الإيجاد والوجود شيء واحد وإنّما الفرق بينهما بالاعتبار، فطلب الإيجاد يعني طلب الوجود. فيقال: هذا الإيجاد أو الوجود إن اُريد به الخارج ففعليّة الطلب تساوق فعليّة ذاك الإيجاد أو الوجود ويلزم تحصيل الحاصل. وإن اُريد به غير الخارج فلا يريده الطالب.
والحلّ هو: أنّ الطلب لم يتعلّق بالصورة الذهنيّة بما هي صورة ذهنيّة بالنظر التصديقيّ، حتّى يرد إشكال أنّ الطالب لا يريد غير الأمر الخارجيّ؛ لعدم حصول
', '(1) الكفاية، ج 1 بحسب طبعة المشكينيّ، ص 223، وبحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ص 139.
', 256), (65, 257, 'book', '
غرضه إلاّ بالأمر الخارجيّ، وإنّما تعلّق طلبه بالصورة الذهنيّة بما هي ملحوظة بالنظر التصوّريّ الذي تُرى به عين الخارج وفانيةً في الخارج، ولكن في نفس الوقت لا يلزم طلب الحاصل، لا بلحاظ المعروض بالذات، ولا بلحاظ المعروض بالعرض:
أمّا بلحاظ المعروض بالذات فلأنّ المعروض بالذات لهذا الطلب إنّما هو في الحقيقة وبالنظر التصديقيّ الصورة الذهنيّة التي هي مباينة لما في الخارج، فهو لم يعرض على ما في الخارج حتّى يلزم طلب الحاصل.
وأمّا بلحاظ المعروض بالعرض فلأنّه ليس له معروضٌ بالعرض في الخارج كما هو الحال في حبّ الأعيان، بل ما في الخارج مصداقٌ للمعروض بالعرض، أي: للمحكيّ بالصورة، والمعروض بالعرض هو صرف الوجود، وليس ما في الخارج هو المعروض بالعرض حتّى يلزم كون الطلب له سنخ وجود متأخّر عن وجوده فيلزم طلب الحاصل.
كما أنّه بما ذكرناه يمكن الاستغناء عمّا ذكره المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من دسّ معنى الوجود في مفهوم الهيئة، وأنّ الطلب لا يتعلّق ابتداءً بالطبيعة، بل هناك همزة وصل بين الطلب والطبيعة وهي الوجود، ويدسّ مفهوم الوجود في مفاد الهيئة، فالمادّة تدلّ على الطبيعة، والهيئة تدلّ على طلب الوجود.
وتبرير الاحتياج إلى هذا الدسّ يتصوّر بعدّة تقريبات:
الأوّل: أنّ الطبيعة بما هي هي ليست مورداً لغرض الطالب؛ فإنّ الطبيعة والماهيّات ليست إلاّ اُموراً اعتباريّة وانتزاعيّة، وإنّما الغرض يترتّب على الوجود خارجاً؛ إذ لو كان مترتّباً على الماهيّة لانحفظ بانحفاظ الماهيّة في الذهن.
وهذا باطل؛ لأنّ الماهيّة بما هي أمر اعتباريّ انتزاعيّ وإن لم تكن مورداً لغرض الآمر لكن يمكن أن تُلحظ بما هي فانية في الخارج، وبما هي عين منشأ
', '', 257), (65, 258, 'book', 'انتزاعها في الخارج بالنظر التصوّريّ، وبهذا النظر يمكن تعلّق الطلب بها بلا حاجة إلى توسيط الوجود، وإلاّ لسرى الإشكال إلى طلب الوجود أيضاً؛ إذ لو اُريد به مفهوم الوجود من دون أن يُلحظ فانياً في الخارج فمفهوم الوجود حاله حال الماهيّة أمرٌ اعتباريّ انتزاعيّ. وإن لوحظ فانياً في الخارج فلتلحظ الطبيعة كذلك بلا حاجة إلى توسيط مفهوم الوجود. وأمّا حقيقة الوجود فليست داخلة في مداليل الألفاظ؛ لعدم إمكان تصوّرها لنا.
الثاني: ما ذكره في الكفاية من أنّ الماهيّة بما هي هي ليست إلاّ هي لا موجودة ولا معدومة، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة، فلابدّ من توسيط الوجود بينها وبين الطلب.
ويرد عليه: أنّ معنى كون الماهيّة بما هي هي ليست إلاّ هي ـ الذي جاء في كلام الفلاسفة ـ هو أنّ الماهيّة في مرتبة ذاتها ليست إلاّ هي وجنسها وفصلها ونوعها. وفي هذه المرتبة كلا النقيضين مرتفع، فلا هو وجود ولا عدم، ولا هو طلب ولا عدمه، وهذا غير مرتبط بما ندّعيه من تعلّق الطلب بالماهيّة بما هي هي؛ فإنّنا لا نقصد بكلمة (بما هي هي) ما قصده الفلاسفة، وهو معنى مرتبة الذات، بل نقصد بذلك معنى تحديدها بحدودها، فيقال: إنّ هذه الماهيّة بهذه الحدود أصبحت مطلوبة لا بتوسّط الوجود مثلا. وهذا لا يرجع إلى فرض الطلب داخلا في ذاتها حتّى يجاب على ذلك بأنّ الماهيّة بما هي ليست إلاّ هي. وما أكثر ماوقع الخلط والاشتباه على أساس مصطلح فلسفيّ.
الثالث: أنّه لو لم نُدخل الوجود في الحساب لم يبق فرق بين الأمر والنهي، فكلٌّ من: (صلّ) و(لا تصلّ) مشتمل على المادّة والهيئة، فإذا افترضنا أنّ المادّة فيهما إنّما تدلّ على الماهيّة وأنّ الهيئة فيهما إنّما تدلّ على الطلب، فأيّ فرق يبقى بينهما؟! فالفرق يكون بافتراض أنّ الأمر طلبٌ لوجود الماهيّة، والنهي طلب لتركها.
$
', '', 258), (65, 259, 'book', 'ويرد عليه: أنّ هذا مبنيّ على أنّ النهي مفاده الطلب، بينما الصحيح ـ على ما سوف يأتي توضيحه إن شاء الله ومضت الإشارة إليه في بعض الأبحاث السابقة ـ: أنّ النهي ليس مفاده الطلب، بل مفاده الزجر والمنع، فهو أيضاً يتعلّق بالماهيّة، ولا يتوقّف التفريق بين الأمر والنهي على إدخال الوجود أو العدم في الحساب(1).
القسم السادس: العناوين التي يصوغها العقل ويصنعها لكي يشير بها إلى ما في الخارج، من قبيل عنوان: أحدهما أو مجموعهما أو كلّ منهما، فهذه العناوين من ناحية ليست من العوارض الذهنيّة؛ لأنّ ما يوصف بها هو الشيء الخارجيّ، فيقال ـ مثلا ـ في حقّ زيد الخارجيّ: إنّه أحد الأخوين، ويشار إليهما بعنوان مجموعهما أو كلّ واحد منهما. ومن ناحية اُخرى ليست خارجيّة؛ لأنّه لو غُضّ النظر عن كلّ مفكِّر ومتصوِّر ففي الخارج لا يوجد وراء زيد وعمرو ـ مثلا ـ شيء آخر اسمه: أحدهما أو مجموعهما أو كلّ واحد منهما.
وبحسب الحقيقة هذه عناوين يخيطها الذهن ليشير بها إلى ما في الخارج من دون أن يضاف إلى ما في الخارج شيء. فعناوين البدليّة أو المجموعيّة أو الاستغراقيّة في الحقيقة كيفيّةٌ لملاحظة ما في الخارج، لا محمولٌ جديد يضاف إلى ما في الخارج من الموضوع كما هو الحال في الأقسام السابقة، وهي شبيهة بالوضوح والخفاء في الصورة التي تنطبع في عدسة آلة التصوير اللذين ليسا من
', '(1) الرابع: أنّه لو فُرض الطلب منصبّاً على الطبيعة من دون أيّ مفهوم من مشتقّات الوجود، فهو إمّا أن يكون منصبّاً على الطبيعة الخارجيّة، وهو تحصيلٌ للحاصل، أو على الطبيعة في الذهن، ولا قيمة لها، على أنّها هي حاصلة في ذهن المولى، فلماذا يطلبها؟! فهذا أيضاً تحصيل للحاصل.
وهذا التقريب قد اتّضح جوابه ممّا سبق.
', 259), (65, 260, 'book', '
صفات الخارج وكيفيّاته، بل من كيفيّات تصوير العدسة لما في الخارج.
هذا كلّه كان مقدّمةً لبحث تعلّق الأمر بالطبيعة أو بالأفراد.
وبعد هذا نقول: إنّ هذا العنوان قد جاء على لسان قدماء الأصحاب أيضاً، وهو أنّ الأمر هل يتعلّق بالطبيعة أو بالأفراد، والمتأخّرون وقع عندهم الاشتباه والغموض فيما هو المقصود من هذا العنوان. ويمكن أن يذكر بهذا الصدد عدّة وجوه لتصوير المطلب:
$
', '', 260), (65, 261, 'book', 'الوجوه في تصوير المقصود من عنوان المسألة:
الوجه الأوّل: ما ذكره بعض من أنّ المقصود هو إنكار التخيير العقليّ وعدمه. ويُقصد بالتخيير العقليّ في المقام: كون الشارع قد أوجب الجامع والعقل هو الذي يخيّر بين الأفراد. أمّا التخيير الشرعيّ فيقصد به هنا: كون الشارع هو الذي نظر إلى الترديد بين العِدلين الراجع إلى أمرين مشروطين.
فمعنى تعلّق الأمر بالطبائع أنّه كثيراً مّا يكون الأمر متعلّقاً بالجامع بين الأفراد من دون نظر للشارع مباشرةً إلى الأفراد، والعقل هو الذي يخيّر بينها. ومعنى تعلّق الأمر بالأفراد هو تخيير الشارع مباشرةً بين الأفراد.
وقد استبعد المحقّق النائينيّ(رحمه الله) هذا التفسير بدعوى: أنّه لم يُعهد من أحد النقاش في التخيير العقليّ وإنكاره، وإنّما القسم المتنازع فيه هو التخيير الشرعيّ.
أقول مضافاً إلى هذا: إنّ تعلّق الأمر بالفرد بمعنى الجزئيّ الحقيقيّ غير معقول؛ إذ المفهوم لا يصبح جزئيّاً حقيقيّاً إلاّ بالإشارة به إلى ما فرغ عن وجوده خارجاً، وتعلّق الأمر بذلك يكون طلباً للحاصل. أمّا مجرّد تقييد المفهوم بمفهوم آخر فلا يُخرجه عن الكلّيّة إلى الجزئيّة مهما زاد التقييد، وليست نتيجته إلاّ تضييق دائرة الجامع.
إذن فالتخيير العقليّ ممّا لابدّ منه ولا يتصوّر التخيير الشرعيّ بين الأفراد الجزئيّة. نعم، دائرة التخيير العقليّ قد تكون وسيعة واُخرى تكون ضيّقة.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من ربط المسألة ببحث فلسفيّ، وهو: أنّه هل الوجود يعرض على الماهيّة في طول التشخّص، أو أنّ الوجود يعرض رأساً على الماهيّة، ومن شؤون الوجود وملازماته تشخّص الماهيّة؟ والثاني هو معنى وجود الكلّيّ الطبيعيّ في الخارج.
$
', '', 261), (65, 262, 'book', 'فإن فرض الثاني كان هذا أثره على الإرادة التكوينيّة أنّها تتعلّق بإيجاد الماهيّة.
وإن فرض الأوّل كان أثره على الإرادة التكوينيّة أنّها تتعلّق بإيجاد الأفراد؛ وذلك لأنّ الإرادة التكوينيّة تتعلّق لا محالة بإيجاد ما يوجَد خارجاً، فإن كان هو ذات الماهيّة فالإرادة تتعلّق بإيجادها، وإن كان هو الماهيّة المشخّصة فالإرادة تتعلّق بإيجاد الماهيّة المشخّصة.
وتعيين متعلّق الإرادة التكوينيّة يؤثّر في تعيين متعلّق الإرادة التشريعيّة؛ حيث إنّ الإرادة التشريعيّة علّة للإرادة التكوينيّة ولتحريك العبد، فلو كان العبد تحرُّكه وإرادته التكوينيّة نحو الماهيّة فالإرادة التشريعيّة أيضاً تتعلّق بالماهيّة والطبيعة. ولو كان نحو الماهيّة المتشخّصة فالإرادة التشريعيّة أيضاً تتعلّق بالماهيّة المشخّصة. والأوّل هو معنى تعلّق الأمر بالطبائع، والثاني هو معنى تعلّق الأمر بالأفراد.
وذكر(رحمه الله): أنّ ثمرة البحث تظهر في باب اجتماع الأمر والنهي بعنوانين، فبناءً على تعلّق الإرادة بالماهيّة المشخّصة لا يمكن اجتماع الأمر والنهي؛ فإنّ العنوانين ـ حتّى إذا فُرض تغايرهما ـ لا إشكال في أنّ كلّ واحد منهما من مشخّصات الآخر، فيتّحد متعلّق الأمر والنهي، وهذا بخلاف ما لو قلنا بتعلّق الإرادة بمطلق الطبيعة، فيجوز حينئذ اجتماع الأمر والنهي.
أقول: إنّ في هذا الكلام مواقع للنظر أذكر أحدها، وهو: أنّ الإرادة التشريعيّة وإن كانت هي العلّة للإرادة التكوينيّة، إلاّ أنّه لو فُرض تعلّق الإرادة التكوينيّة بالماهيّة المشخّصة، فهذا لا يعيّن كون الإرادة التشريعيّة متعلّقة بها؛ فإنّ غاية الأمر أنّ الإرادة التشريعيّة ـ التي يكون المفروض فيها أن تكون محرّكة للإرادة التكوينيّة للعبد ـ لابدّ أن تتعلّق بما يكون داخلا في متعلّق الإرادة التكوينيّة ولو ضمناً، لكي لا يلزم التكليف بما لا يمكن التحرّك نحوه.
$
', '', 262), (65, 263, 'book', 'الوجه الثالث: ربط المطلب بوجود الكلّيّ الطبيعيّ في الخارج وعدمه، فعلى الأوّل يتعلّق الأمر بالطبيعة، أمّا على الثاني فلا يُعقل تعلّقه بالطبيعة، فيصرف إلى الفرد؛ إذ لو تعلّق بالطبيعة لكان تكليفاً بما لا يمكن إيجاده في الخارج.
إلاّ أنّه يرد على هذا الكلام: أنّ النزاع في وجود الكلّيّ الطبيعيّ في الخارج وعدمه إنّما هو نزاع فيما هو الموجود بالذات، لا في مطلق الوجود ولو بالعرض والانتزاع، ولا إشكال في أنّ الكلّيّ الطبيعيّ له حظّ من الوجود في الخارج ولو بمعنى كونه منتزعاً من الخارج، وهذا المقدار يكفي لإمكان تعلّق التكليف به؛ فإنّ العبد يقدر على إيجاد العنوان الانتزاعيّ بإيجاد منشأ انتزاعه.
بل لا يُعقل تعلّق الأمر بالفرد الشخصيّ؛ لما مضى من أنّ المفهوم لا يصبح جزئيّاً شخصيّاً إلاّ بالإشارة إلى ما فرغ عن وجوده خارجاً، ومعه يصبح الأمر طلباً للحاصل.
الوجه الرابع: ما يتّضح بعد ذكر مقدّمة وهي: أنّ المشخّص الحقيقيّ للماهيّة هو الوجود، وهو يسبق المشخّصات العرضيّة والضمائم الخارجيّة، من قبيل الطول والعرض واللون والحجم والتكوّن في مكان معيّن أو زمان معيّن ونحو ذلك، إلاّ أنّ المشخّص عرفاً ومسامحة هو هذه الضمائم العرضيّة التي هي في الحقيقة ليست إلاّ مصاديق لماهيّات اُخرى. فحينما يُسئل أحدٌ: مَن هو زيد؟ يستعين بهذه المشخّصات لتعيينها ويضمّها إلى الوجود المحور لهذه المشخّصات، فيتكوّن بذلك ما نُطلق عليه اسم الفرد، ونُطلق على ذات ذاك الوجود اسم الحصّة. فالفرد عبارة عن ذاك الوجود المنضمّ إليه تلك المشخّصات العرفيّة، والحصّة عبارة عن ذات ذاك الوجود المتشخّص بالذات بغضّ النظر عن كلّ هذه الضمائم.
إذا عرفت ذلك فنقول:
يمكن أن يكون المقصود من مبحث تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد: أنّ الأمر
', '', 263), (65, 264, 'book', 'هل يسري بحسب جعله أو بحسب التطبيق إلى الأفراد، أي: إلى هذه الوجودات بما معها من ضمائم، أو لا؟
فمعنى تعلّق الأمر بالأفراد هو السريان والتوسّع في دائرة التطبيق بلحاظ هذه الضمائم، أو السريان والتوسّع بلحاظها بحسب عالم الجعل، أو ـ على الأقلّ ـ بحسب عالم الحبّ، فلن يقف الحبّ على ذات الصلاة، بل يسري إلى تلك الضمائم بجوامعها، أي: أن تكون الصلاة في مكان مّا أو زمان مّا ونحو ذلك؛ لاحتياج الصلاة إليها. ولئن كان لا يُعقل السريان بحسب التكليف ـ باعتبار قهريّة هذه المشخّصات وحتميّة وقوعها ـ فلا أقلّ من السريان بحسب روح التكليف وهو الحبّ.
وفي مقابل ذلك: القول بتعلّق الأمر بالطبيعة، أي: أنّه لا يسري إلى تلك الضمائم لا بحسب الجعل ولو بروحه، ولا بحسب التطبيق. أمّا الأوّل فلأنّ الجعل تابع لملاكه، والملاك إنّما هو في ذات الطبيعة ولو فُرضت لا في زمان أو مكان، ومجرّد الملازمة لا يوجب سريان الحبّ إلاّ بناءً على وحدة المتلازمين في الحكم. وأمّا الثاني فلأنّ مطبق الماهيّة إنّما هو الحصّة، وأمّا العوارض فكلّ واحد منها مطبق لماهيّة اُخرى لا لهذه الماهيّة، فلا معنى لسريان الأمر إليها بالتطبيق.
والأثر العمليّ لذلك هو: أنّه لو قلنا: إنّ الحرام هو الكون في المكان المغصوب، وقلنا: إنّ هذا الكون من العوارض لماهيّة الصلاة، فبناءً على تعلّق الأمر بالطبيعة لا بأس باجتماع الأمر والنهي، ولا يلزم من ذلك اجتماع الضدّين على مصبّ واحد. أمّا بناءً على تعلّقه بالفرد فالكون في المكان صار مصداقاً للواجب أو للمحبوب على الأقلّ، فيلزم الاجتماع الباطل.
وقد اتّضح من خلال البيان أنّ الحقّ هو تعلّق الأمر بالطبائع.
$
', '', 264), (65, 265, 'book', '
الأوامر
الفصل الثامن
$
', '', 265), (65, 266, 'book', '$
', '', 266), (65, 267, 'book', 'إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟
والكلام يقع في ذلك في مقامين: أحدهما فيما يقتضيه دليل الناسخ والمنسوخ. والثاني فيما هو مقتضى الأصل العمليّ لو لم يدلّ الدليلان على شيء:
مقتضى دليلي الناسخ والمنسوخ:
أمّا المقام الأوّل: فلا دلالة لدليل الناسخ بشكل عامّ على الجواز. نعم، قد يدلّ على ذلك صدفةً حينما يكون بلسان خاصّ كما لو كان بلسان التخفيف، وليس بنحو الضابط الكلّيّ.
وأمّا دليل المنسوخ فكأنّهم لم يستشكلوا في أنّه أيضاً لا يمكن أن يستفاد منه بقاء الجواز، وقالوا في تقريب ذلك: إنّ ما هو مفاد الدليل هو الوجوب وقد بطل، وما هو محتمل الثبوت فعلا وهو الجواز بالمعنى الأخصّ ـ مثلا ـ لم يكن مفاداً له.
ولكن التحقيق هو: التفصيل بحسب المباني والتقادير، فعلى بعضها يمكن استفادة ذلك. وتوضيح ذلك ببيان تقريبات استفادة بقاء الجواز مع الإشارة إلى مباني ذلك:
التقريب الأوّل: مبنيّ على عدم تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة، فيقال: إنّ الدليل كان يدلّ بالمطابقة على وجوب الصدقة ـ مثلا ـ في كلّ زمان، وبالالتزام على نفي حرمتها في كلّ زمان. والدلالة المطابقيّة سقطت عن الحجّيّة
', '', 267), (65, 268, 'book', 'بالنسخ، لكنّ الالتزاميّة تبقى حجّة بناءً على ما ذهب إليه المشهور ومدرسة صاحب الكفاية من عدم التبعيّة.
وقد يخطر على البال إشكالٌ على ذلك، وهو: أنّ دليل وجوب الصدقة كما كان يدلّ بالالتزام على عدم الحرمة، كذلك كان يدلّ بالالتزام على عدم الاستحباب، وعلى عدم الكراهة، وعلى عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ، وبعد نسخ الوجوب نعلم بانتقاض أحد الأعدام، فيقع التعارض بين الدلالات الالتزاميّة الأربع.
ويمكن الجواب على ذلك: بأنّ الإباحة بالمعنى الأخصّ ليست في الحقيقة إلاّ مجموع سلوب الأحكام الاقتضائيّة الأربعة، وليست أمراً وجوديّاً في مقابل تلك السلوب، فنفي الإباحة معناه نقيض مجموع هذه السلوب وهو إثبات واحد منها. ودليل الوجوب بالمطابقة يدلّ على ذلك؛ فإنّه يدلّ على الوجوب الذي هو واحد منها. وبتعبير آخر: أنّ الإباحة بالمعنى الأخصّ معنى مركّب من أربعة أعدام، ثلاثة منها لا ينفيها دليل الوجوب بل يثبتها، فلا يبقى إلاّ عدمٌ واحد وهو عدم الوجوب، وقد نفاه بالمطابقة لا بالالتزام، وقد سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة.
والمقصود: أنّه لا علم إجماليّ لنا ـ عند نسخ الوجوب ـ بجعل المولى لحكم وجوديٍّ مردّد بين الأحكام الأربعة؛ إذ من المحتمل أنّه اكتفى بعدم جعل حكم اقتضائيّ الذي نتيجته نتيجة جعل حكم وجوديّ باسم الإباحة، فإنّ المهمّ إنّما هو عدم جعل حكم اقتضائيّ من دون فرق بين جعل حكم وجوديّ وعدمه. فإذا رجعت الإباحة بالمعنى الأخصّ إلى مجموع أعدام الأحكام الاقتضائيّة الأربعة أمكن إثبات ذلك بمجموع دليل الناسخ ودليل المنسوخ؛ لأنّ ثلاثةً من هذه الأعدام قد ثبتت بالدلالة الالتزاميّة للمنسوخ، وهي عدم الحرمة وعدم الاستحباب وعدم الإباحة، وواحداً منها قد ثبت بدليل الناسخ، وهو عدم الوجوب.
$
', '', 268), (65, 269, 'book', 'التقريب الثاني:مبنيّ على عدم تبعيّة الدلالة التضمّنيّة للمطابقيّة في الحجّيّة، فيقال بناءً على أنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل مع المنع من الترك: إنّ نسخ الوجوب إنّما هو نسخ لمجموع هذين الأمرين المنتج لتيقّن نسخ الأخصّ منهما وهو المنع عن الترك. أمّا نسخ طلب الفعل فغير معلوم، فنتمسّك بالدلالة التضمّنيّة لدليل المنسوخ لإثبات طلب الفعل. فهذا التقريب يثبت الجواز بالمعنى الأعمّ في ضمن الاستحباب، كما أنّ التقريب السابق كان يثبت الجواز بالمعنى الأعمّ في ضمن الإباحة.
ويمكن أن يُذكر أيضاً نفس التقريب بناءً على كون الفرق بين الوجوب والاستحباب هو الفارق في درجة الطلب، وذلك بناءً على تأتّي ما ذكرناه من عدم تبعيّة الدلالة التضمّنيّة للمطابقيّة في الحجّيّة في الدلالات التضمّنيّة التحليليّة أيضاً، فيقال: إنّ القدر المتيقّن من نسخ الوجوب هو نسخ المرتبة الشديدة من الطلب، فتبقى المرتبة الضعيفة من الطلب ثابتةً بالدلالة التضمّنيّة التحليليّة لدليل المنسوخ.
التقريب الثالث:مبنيّ على ما اشتهر في مدرسة المحقّق النائينيّ؛ من أنّ الوجوب والاستحباب إنّما هما من حكم العقل، وأمّا مفاد الأمر الوجوبيّ والأمر الاستحبابيّ فهو شيء واحد وهو طلب الفعل، فإن ضُمّ الطلب إلى عدم الترخيص في الخلاف حكم العقل بالوجوب، وإن ضُمّ إلى الترخيص بالخلاف حكم العقل بالاستحباب.
وبالرغم من أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) والسيّد الاُستاذ ـ دام ظلّه ـ وغيرهما من بعض الأصحاب ذهبوا إلى هذا المبنى، لا أدري لماذا لم يلتفتوا إلى أنّه مبنيّاً عليه يمكن أن يقال بدلالة دليل المنسوخ على ثبوت الجواز بالمعنى الأعمّ في ضمن الاستحباب، ولا حاجة في ذلك إلى القول بعدم تبعيّة الدلالة الالتزاميّة أو التضمّنيّة للمطابقيّة، فإنّه يمكن التمسّك على هذا المبنى بنفس الدلالة المطابقيّة للأمر؛ إذ الأمر لم يدلّ على أزيد من الطلب، والنسخ إنّما تعلّق بالوجوب، ومعنى ذلك نسخ المجموع المركّب من الطلب وعدم الترخيص، والمتيقّن منه هو نسخ عدم
', '', 269), (65, 270, 'book', 'الترخيص، أي: إثبات الترخيص في الخلاف، فالعقل إلى الآن كان يحكم بالوجوب لضمّ الطلب إلى عدم الترخيص، أمّا الآن فيحكم بالاستحباب لضمّ الطلب الذي لا دليل على نسخه إلى الترخيص.
نعم، لو فرضنا أنّ دليل الناسخ كان ناظراً إلى شخص ذلك الأمر ونسخه لم يتمّ هذا التقريب، وكان هذا في الحقيقة نسخاً للطلب لا لخصوص الوجوب، وكان هذا عناية زائدة على ما يُفرض في عنوان المسألة.
إلاّ أنّ هذه التقريبات كلّها غير تامّة عندنا:
أمّا التقريب الأوّل فلعدم صحّة مبناه، وهو عدم تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة.
وأمّا التقريب الثاني فلأنّنا وإن كنّا نقول بعدم تبعيّة التضمّنيّة للمطابقيّة في الحجّيّة في الجملة، ولكنّنا لا نؤمن بتركّب الوجوب من طلب الفعل مع المنع من الترك. وأمّا على مبنى كون الفارق بين الوجوب والاستحباب هو الفارق في درجة الطلب فلا نؤمن بعدم تبعيّة الدلالة التضمّنيّة للمطابقيّة في الحجّيّة في الدلالات التحليليّة.
وأمّا التقريب الثالث فلأنّنا لا نؤمن بكون الوجوب والاستحباب حكماً للعقل منتزعاً من انضمام الطلب إلى الترخيص في الخلاف أو عدمه، بل نقول: إنّ الوجوب والاستحباب من مفاد نفس الأمر.
فقد تحصّل: أنّه بلحاظ دليل الناسخ ودليل المنسوخ لا دلالة على بقاء الجواز ما لم تفرض عناية زائدة على عنوان البحث، ككون لسان دليل الناسخ لسان التخفيف ونحو ذلك ممّا ليس لها ضابط عامّ وإنّما ترجع إلى ذوق الفقيه.
ثُمّ إنّه قد اتّضح ممّا ذكرناه حال الكلام المعروف في المقام، وهو بناء المسألة على أنّ الجنس أو ما بمثابة الجنس هل يبقى بعد زوال الفصل أو لا؟ فالجواز ـ مثلا ـ في المقام جنس والإلزام بالفعل فصل، فإذا قلنا: إنّه بانتفاء الفصل ينتفي
', '', 270), (65, 271, 'book', 'الجنس لم يبق لدليل المنسوخ دلالة على بقاء الجواز. وإذا قلنا: إنّ الجنس لا ينتفي بانتفاء الفصل دلّ دليل المنسوخ على بقاء الجواز.
وقد أورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ دام ظلّه ـ ثلاثة اعتراضات:
الاعتراض الأوّل: أنّ الوجوب ليس أمراً مجعولا شرعيّاً حتّى يُفرض أنّه نسخ بعضه وبقي بعضه، وإنّما هو حكم عقليّ منتزع من طلب الشيء مع عدم ورود الترخيص في الخلاف.
ويرد عليه ـ بغضّ النظر عن بطلان المبنى وكون الوجوب مجعولا شرعيّاً ابتداءً ـ: أنّنا لئن سلّمنا كون الوجوب من حكم العقل وعدم كونه مجعولا ابتداءً فلا إشكال في كونه منتزعاً من مجموع أمرين راجعين إلى المولى وثابتين تحت يد المولى، أحدهما أمر وجوديّ وهو طلب الفعل، والثاني أمر عدميّ وهو عدم الترخيص في الخلاف.
ونسخ العنوان الانتزاعيّ يكون بنسخ منشأ انتزاعه، وكما يمكن نسخه بنسخ الطلب الذي هو أمر مجعول وجوديّ، كذلك يمكن نسخه بنسخ الأمر العدميّ وذلك بإيجاد الترخيص في الخلاف، والتعبير عن ذلك بنسخ الوجوب تعبير صحيح عقلا وعرفاً، ولذا لو قال المولى مثلا: قد نسخت وجوب صلاة الليل ولم أرفع يدي عن أصل مطلوبيّتها لم يكن كلاماً مستنكراً. إذن فقد يُدّعى أنّ دليل النسخ بما أنّه لم يدلّ على أكثر من نسخ عدم الترخيص في الخلاف فبالإمكان التمسّك بدليل المنسوخ لإثبات الجواز.
الاعتراض الثاني: أنّ الوجوب لو سلّمنا كونه أمراً مجعولا شرعاً فهو أمر اعتباريّ وليس أمراً حقيقيّاً، والأمر الاعتباريّ ـ أعني: المعتبر لا نفس الاعتبار الذي هو كيفٌ نفسانيّ مركّب لا محالة من جنس وفصل ـ من أبسط الأشياء، وليس مركّباً من جنس وفصل أو مادّة وصورة، فإنّه لا ماهيّة له لكي تتركّب عن ذلك بل هو أمرٌ وهميّ صرف.
$
', '', 271), (65, 272, 'book', 'والجواب: أنّ من يدّعي ابتناء المسألة على زوال الجنس بزوال فصله وعدمه يدّعي تركّب الوجوب من اعتبارين: اعتبار الطلب، واعتبار عدم الترخيص بالخلاف، لا كون الاعتبار الواحد مركّباً من طلب الفعل وعدم الترخيص في الخلاف حتّى يقال: إنّ الاعتباريّات من أبسط الاُمور. فالمدّعى في المقام أنّ أحد الاعتبارين قد زال حتماً وهو اعتبار عدم الترخيص في الخلاف، فيبقى مجالٌ للبحث عن أنّ الاعتبار الآخر باق أو لا؟
الاعتراض الثالث: أنّ مسألة انعدام الجنس بانعدام فصله وعدمه مسألة ثبوتيّة، ومسألتنا مسألة إثباتيّة، ولا ترتبط إحداهما بالاُخرى، أي: إنّه لو فُرض أنّ الجنس يمكن بقاؤه بعد زوال الفصل فهذا معناه إمكان بقاء الجواز في المقام، أمّا ثبوت بقائه ـ وهو المقصود من البحث هنا ـ فلم يُعلم، وليس إمكان البقاء دليلا على البقاء.
ويرد عليه: أنّ مَن يبني المسألة في المقام على زوال الجنس بزوال فصله وعدمه، مقصوده هو بناء المسألة على ذلك بعد الفراغ عن عدم تبعيّة الدلالة التضمّنيّة للمطابقيّة في الحجّيّة، فيقول: إنّ دليل الوجوب دلّ ضمناً على الجنس وهو الجواز، فإن كان الجنس ينتفي بانتفاء فصله فقد علمنا بانتفاء شخص ذلك الجواز، فلا معنى للتمسّك بالدلالة التضمّنيّة؛ للقطع بخلافها أيضاً. وإن كان الجنس لا ينتفي بذلك إذن نتمسّك بالدلالة التضمّنيّة لإثبات الجواز؛ لعدم تبعيّتها للمطابقيّة.
فتحصّل: أنّ كلّ هذه الاعتراضات الثلاثة غير وارد.
والصحيح: أنّ هذا الكلام المعروف يرجع بالتحليل إلى ما ذكرناه من التقريب الثاني الذي ذكرناه نحن خالياً عن إدراج مصطلحات الجنس والفصل التي أوجبت تشويش الموقف، وينبغي تكميله بذكر التقريب الأوّل والثالث ليُعرف أنّ التمسّك بدليل المنسوخ لإثبات الجواز: تارةً يكون بدلالته الالتزاميّة، واُخرى التضمّنيّة، وثالثةً المطابقيّة بالشرح الذي عرفت.
هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.
$
', '', 272), (65, 273, 'book', 'مقتضى الأصل العمليّ في المسألة:
وأمّا المقام الثاني ـ وهو مقتضى الأصل العمليّ في المسألة ـ: فمقتضى الأصل هو استصحاب الجواز بالمعنى الأعمّ.
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على ذلك بإيرادين(1):
الإيراد الأوّل: أنّ هذا من استصحاب الكلّيّ من القسم الثالث؛ لأنّ الجواز في ضمن الوجوب قد ارتفع، والجواز في ضمن الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة بالمعنى الأخصّ غير معلوم الحدوث.
ويرد عليه: أنّه لو أردنا استصحاب الجواز بمعنى وجوديّ جامع بين الوجوب والاستحباب والكراهة والإباحة بالمعنى الأخصّ، أمكن الإيراد عليه بأنّه من الاستصحاب الكلّيّ من القسم الثالث، إلاّ أنّه ـ بغضّ النظر عن عدم جامع وجوديّ من هذا القبيل بين الوجوب والاستحباب والكراهة والإباحة ـ نقول: إنّ الفائدة المستهدفة من استصحاب الجواز بالمعنى الأعمّ ـ وهي التأمين ـ لا تتوقّف على استصحاب هذا الأمر الوجوديّ المفترض، بل يكفي فيها استصحاب عدم الحرمة، وعدم الحرمة أمرٌ عدميّ يقترن بأحد أضداد الحرمة، وهو واحد شخصيّ وليس
', '(1) بل ثلاثة إيرادات على ما يظهر من تقرير الفيّاض، والثالث هو: أنّ الجواز ليس حكماً موجوداً في ضمن الوجوب ـ على حدّ وجود الكلّيّ في ضمن فرده ـ كي يستصحب، وإنّما كلٌّ من الوجوب والجواز أمرٌ انتزاعيّ عقليّ ينتزع من اعتبار مباين لاعتبار آخر، وقد ارتفع اعتبار الوجوب، ولو سلّم كون الوجوب شرعيّاً فهو بسيط وليس مركّباً من الجواز والمنع من الترك، وتفسيره بذلك تفسيرٌ بما هو لازم له.
أقول: يكفي في الجواب على كلّ ذلك أنّ كلّ هذا لا يمنع عن استصحاب عدم الحرمة.
', 273), (65, 274, 'book', '
كلّيّاً ذا أفراد بعدد أضداده؛ فإنّ عدم أحد الأضداد لا يتعدّد شخصه باقترانه بهذا الضدّ أو ذاك. إذن فالمستصحب هو شخص عدم الحرمة الذي كان مقترناً بالوجوب، وقد زال قرينه ولم نعلم بزواله هو، وليس ذلك من الاستصحاب الكلّيّ.
نعم، قد يتوهّم ورود إشكال على استصحاب عدم الحرمة، وهو تعارضه باستصحاب عدم الوجوب وعدم الاستحباب وعدم الإباحة بالمعنى الأخصّ؛ للعلم الإجماليّ بانتقاض أحد الأعدام الأربعة.
وأوضح ما يرد على ذلك: أنّ استصحاب عدم الإباحة بالمعنى الأخصّ ـ لو فرض كونها أمراً وجوديّاًـ غير جار؛ لعدم ترتّب تنجيز أو تعذير عليه: أمّا عدم ترتّب التعذير عليه فواضح؛ فإنّ عدم الإباحة ينسجم مع الحرمة. وأمّا عدم ترتّب التنجيز عليه فلأنّ التنجيز فرع الإلزام من قِبَل المولى لا عدم جعل الترخيص، ولذا لو علمنا في مورد أنّ المولى لم يُلزم بالترك ولا جعل ترخيصاً في الفعل استقلّ العقل ببراءة الذمّة(1).
الإيراد الثاني: أنّ هذا استصحاب في الأحكام الكلّيّة والشبهات الحكميّة، بينما ثبت في محلّه ـ بناءً على مذاقه دامت بركاته ـ عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة.
$
', '(1) وأيضاً يرد على ذلك منع العلم الإجماليّ بحصول الاستحباب أو الكراهة أو الوجوب أو الجواز بالمعنى الوجوديّ، بل يحتمل عدم الكلّ وثبوت الجواز بالمعنى العدميّ، أي: عدم المنع، وهذا ما أشار إليه(رحمه الله) بقوله: «لو فرض كونها أمراً وجوديّاً».
كما يرد عليه أيضاً: أنّه لو فُرض هذا العلم الإجماليّ وفُرض عدم اشتراط جريان الاستصحاب بترتّب التنجيز أو التعذير، لم يلزم تعارض الاستصحابات الأربعة؛ لأنّ هذه الاستصحابات ليست في مقابل العلم الإجماليّ بالإلزام، ولا يكون استصحاب عدم الجواز موجباً للتنجّز مع إيجاب استصحاب عدم الحرمة العذر حتّى يتعارض الاستصحابان ويتساقطا.
', 274), (65, 275, 'book', '
وهذا الكلام غير صحيح لا مبنىً ولا بناءً: أمّا مبنىً فلما يأتي ـ إن شاء الله ـفي محلّه من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة. وأمّا بناءً فلأنّ ما أثبته هو ـ دامت بركاته ـ في بحث الاستصحاب إنّما هو عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة حينما يكون المستصحب حكماً إلزاميّاً؛ لتعارض استصحاب بقاء المجعول مع استصحاب عدم الجعل. أمّا إذا كان حكماً ترخيصيّاً كاستصحاب عدم الحرمة فهو يقول بجريانه؛ لعدم ابتلائه بالمعارض، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ استصحاب الجواز وعدم الحرمة استصحاب للحكم الترخيصيّ لا الإلزاميّ.
وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّه لا بأس باستصحاب الجواز بالمعنى الأعمّ.
أمّا إجراء الاستصحاب بنحو يُثبت شيئاً من الطلب كَأن يقال: إنّ الوجوب وإن كان منسوخاً لكن الطلب يحتمل بقاؤه ولو على مستوى الاستحباب فيجري استصحابه، فهو غير صحيح بناءً على ما هو المشهور المنصور من كون الوجوب والاستحباب حصّتين متباينتين من مفاد الأمر؛ إذ يرد عليه كون هذا من استصحاب الكلّيّ من القسم الثالث؛ فإنّ الطلب في ضمن الوجوب قد ارتفع، والطلب في ضمن الاستحباب غير معلوم الحدوث(1).
أمّا بناءً على مسلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ مفاد الأمر دائماً هو الطلب من دون انقسامه إلى قسمين، وأنّ الوجوب أو الاستحباب ينتزعه العقل من الطلب عند عدم اقترانه بالترخيص بالخلاف أو عند اقترانه بذلك، فلا بأس باستصحاب
', '(1) لا بأس بأن نجري استصحاب روح الحكم وهو الحبّ، سواءً قلنا بأنّ الفرق بين روح الحكم في الوجوب وروحه في الاستحباب بالشدّة والضعف، فالمتيقّن زوال الشدّة ونستصحب أصل الحبّ، أو قلنا بأنّ الفرق بينهما بحبّ الترخيص في الخلاف وعدمه، فالمتيقّن زوال عدم الترخيص ونستصحب أصل الحبّ.
', 275), (65, 276, 'book', '
الطلب؛ لأنّ القدر المتيقّن إنّما هو زوال عدم الترخيص في الخلاف، أمّا زوال أصل الطلب فغير معلوم. ولا بأس على هذا المسلك بافتراض شخص طلب واحد يكون وجوبيّاً حدوثاً واستحبابيّاً بقاءً؛ لعدم ورود الترخيص في الخلاف حدوثاً ووروده بقاءً، إذن يجري استصحاب شخص الطلب.
إلاّ أنّ هذا المسلك كما أشرنا إليه غير صحيح.
$
', '', 276), (65, 277, 'book', 'الأوامر
الفصل التاسع
$
', '', 277), (65, 278, 'book', '$
', '', 278), (65, 279, 'book', 'الواجب ينقسم إلى قسمين: تعيينيّ وتخييريّ، فالواجب التعيينيّ هو الواجب الذي ليس له بدل. والواجب التخييريّ هو الواجب الذي يجوز تركه إلى بدل.
ومن هنا يبدأ الإشكال، حيث إنّ افتراض واجب يجوز تركه إلى بدل قد يتراءى كونه مستبطناً للتهافت؛ إذ الوجوب المفترض فيه يمثّل عنصر الإلزام، وجواز الترك إلى بدل المفترض فيه يمثّل عنصر عدم الإلزام، وهما متهافتان.
ومن هنا جاءت عدّة محاولات ونظريّات للتكييف الفنّيّ للوجوب التخييريّ وتفسيره بنحو يتخلّص فيه من هذا التهافت:
النظريّات في تفسير الوجوب التخييريّ:
النظريّة الاُولى: أنّ الوجوب قد تعلّق بواحد معيّن وهو ما سوف يختاره المكلّف. وكأنّ هذه محاولة لإخفاء عنصر التخيير وإرجاعه إلى الوجوب التعيينيّ.
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على ذلك بعدّة إيرادات:
الإيراد الأوّل: أنّ هذا خلاف قانون اشتراك المكلّفين المتّحدين في الظروف والشرائط في الحكم؛ إذ معنى ذلك اختلافهم في الحكم، فأحدهم مثلا يجب عليه الصوم، والآخر العتق، والثالث الإطعام بالرغم من اتّحادهم في الظروف والشرائط.
الإيراد الثاني: أنّ إيجاب شيء على المكلّف على تقدير اختياره يكون بمثابة تحصيل الحاصل.
$
', '', 279), (65, 280, 'book', 'أقول: إنّ هذين الإيرادين متهافتان في طريقة فهم هذه النظريّة؛ وذلك لأنّ عنوان ما يختاره المكلّف إن اُخذ بنحو الموضوعيّة لم يكن مجال للإيراد الأوّل؛ إذ الكلّ يشتركون في الحكم، وهو وجوب ما يختارونه وإن اختلفوا في مصداق ذلك، نظير اشتراك الكلّ في وجوب الوفاء بالنذر أو وجوب العمل بأمر الوالد ـ مثلا ـ وإن اختلف المنذور أو المأمور به باختلاف الأشخاص.
وإن اُخذ بنحو المعرّفيّة إلى واقع ما يختارونه لم يكن مجالٌ للإيراد الثاني؛ إذ لم يؤخذ في موضوع الحكم عنوان الاختيار والفعل حتّى يكون بمثابة تحصيل الحاصل، بل قد اُمر بعضٌ بالعتق بعنوانه، وبعضٌ بالصوم بعنوانه، وبعضٌ بالإطعام بعنوانه مثلا.
الإيراد الثالث: أنّه لو عصى فلم يأت بشيء من الاُمور المخيّر بينها فهل الحكم قد توجّه إليه أو لا؟ فإن قيل: لا، لزم أن يكون هذا الحكم غير قابل للعصيان، والحكم الذي لا يقبل العصيان غير معقول. وإن قيل: نعم، لزم توجّه الحكم إليه بلا موضوع؛ فإنّ موضوعه ما يختاره وهو لم يختر شيئاً.
أقول: إنّ هذا الإيراد إنّما يرد لو قُصد باختيار المكلّف لأحد الأطراف اختياره بالفعل، فالعاصي بما أنّه لم يختر بالفعل أحد الأطراف يلزم أن لا يجب عليه شيء. أمّا لو اُريد من ذلك اختياره بنحو القضيّة الشرطيّة، بمعنى أنّه لو اضطرّ إلى عدم الخروج من دائرة هذه الأفعال العديدة أو أراد ذلك، فأيّ واحد منها كان يختاره فذاك هو الواجب عليه الآن، فهذه القضيّة الشرطيّة ثابتة حتّى في فرض العصيان، فلا مجال لهذا الإشكال؛ فإنّ العاصي أيضاً لو كان يريد الإتيان ببعض هذه الأفعال ـ ولو لاضطرار خارجيّ ـ لكان يختار أحدها، فذاك هو الواجب عليه.
وبهذا يظهر جوابٌ على الإيراد الثاني أيضاً، فإنّه لو قصد الاختيار على نحو القضيّة الشرطيّة بالنحو الذي ذكرناه لم يلزم طلب الحاصل؛ إذ لم يفرض الحصول الفعليّ.
$
', '', 280), (65, 281, 'book', 'فكلا هذين الإيرادين يمكن دفعهما بإرادة الاختيار بنحو القضيّة الشرطيّة، أي: اختيار أحد الأفعال على تقدير إرادته لعدم ترك الجميع. أو بتعبير آخر: يقصد بالاختيار كون أحد هذه الأفعال أقرب إلى ميله وظروفه من باقي الأفعال، ولو فرض أنّه بالفعل قد ترك الجميع.
نعم، لو فُرض كون الترجيح بلا مرجّح في الاختياريّات ـ كطريقي الهارب ورغيفي الجائع ـ ممكناً وواقعاً، إذن ففي فرض كون هذا العاصي نسبته ونسبة ظروفه إلى كلّ الأفعال على حدٍّ سواء، لم يُعقل تعيين متعلّق الوجوب فيما يختاره على تقدير إرادته لأحدها، أو فيما هو أقرب إلى ميله وظروفه؛ إذ ليس في الواقع تعيّنٌ من هذا القبيل، فيبطل هذا الجواب.
إلاّ أنّ الصحيح أنّ هذا الفرض إن كان ممكناً فهو ليس فرضاً عمليّاً يقع في الخارج، وهذا كاف في رفع الإشكال.
الإيراد الرابع: أنّ هذا خلاف ظاهر الدليل؛ فإنّ ظاهر دليل الوجوب التخييريّ كون نسبة الوجوب إلى جميع الأفعال على حدٍّ سواء(1)، وعدم كونه ألصق ببعضها دون بعض. بينما هذا الوجه يفترض تعلّق الوجوب بما سوف يختاره المكلّف، فهو أقرب إلى ذاك الفعل الذي سوف يختاره وليست نسبته إلى كلّ الأفعال على حدٍّ سواء.
$
', '(1) لو كان الاختيار مأخوذاً على نحو الموضوعيّة كانت نسبة الوجوب إلى جميع الأفعال على حدٍّ سواء، فلا يرد هذا الإشكال. ولعلّ المقصود هو أنّ ظاهر الدليل هو كون نسبة الوجوب إلى الكلّ حتّى بعد اختيار المكلّف على حدٍّ سواء، أو قل: إنّ ظاهر الدليل هو أنّ ما يختاره المكلّف هو مصداقٌ لما كان واجباً، أيّ: إنّ الاختيار وقع على مصداق الواجب، فلابدّ من تعيين الواجب في المرتبة السابقة على الاختيار. أو قل: إنّ ظاهر الدليل هو أنّ ما يختاره هو مصداق الواجب لا الواجب بعينه، وهذا التعبير الأخير هو المطابق لما في تقرير الفيّاض، ولكن ما قبل الأخير أدقّ وأعمق.
', 281), (65, 282, 'book', '
وهذا الإيراد يوجد ضعفٌ في منهجته وصياغته(1). وتوضيح ذلك: أنّ من يفسّر الوجوب التخييريّ بالتفسير الذي عرفت فهو في الحقيقة يفسّر ويحلّل المعنى الارتكازيّ العقلائيّ لذلك، حيث لا إشكال في عقلائيّة الوجوب التخييريّ ووجوده عند العرف والعقلاء وارتكازيّة معنى له، فلو كان هذا التفسير مطابقاً لذاك الارتكاز وجب إخضاع ظاهر الدليل له بقرينيّة هذا الارتكاز، ولو لم يكن مطابقاً له، إذن كان هذا هو الردّ على هذا التفسير وهو الردّ الصحيح.
وتوضيحه: أنّه إن فُرض كون عنوان اختيار المكلّف مأخوذاً بنحو المعرّفيّة، أي: إنّ الواجب هو واقع ما يختاره المكلّف، كان هذا معناه أنّ غرض المولى يكمن في ذلك الفعل المعيّن، وليست نسبته إلى كلّ هذه الأفعال والمكلّفين على حدٍّ سواء، بينما هذا خلاف الارتكاز الحاكم بكون غرض المولى نسبته إلى كلّ هذه الأفعال والمكلّفين على حدٍّ سواء.
وإن فُرض كونه مأخوذاً بنحو الموضوعيّة ففي الحقيقة هذا العنوان عنوان انتزاعيّ يختلف انطباقه في الخارج باختلاف المكلّفين، واختيار كلّ واحد منهم غير ما اختاره الآخر. وإذا صار القرار على تصوير العنوان الانتزاعيّ وافتراضه هو متعلّق الحكم، إذن فهناك عنوانٌ انتزاعيّ أقرب، وهو ما سوف يأتي بيانه من عنوان أحدها بلا حاجة إلى توسيط اختيار المكلّف في البين(2).
$
', '(1) ولو أبقيناه على صياغته فقد يقول من يوجّه الواجب التخييريّ بهذا التوجيه: إنّه حتّى لو كان خلاف ظاهر الدليل ابتداءً لابدّ من المصير إليه، لو لم يمكن توجيه الواجب التخييريّ بشكل آخر. أو يقول: بأنّ هذا الظهور بما أنّه لا ينتهي إلى تنجيز وتعذير لا حجّيّة فيه.
(2) على أنّنا نحسّ بالوجدان في الواجبات التخييريّة العقلائيّة أنّه كثيراً مّا يتّفق أنّ هذا المولى العرفيّ أو أيّ إنسان طلب أحد الاُمور على سبيل التخيير، لا يكون اختيار المكلّف ـ بأيّ معنى من المعاني ـ دخيلا في مقصوده وموضوعاً مؤثّراً في طلبه.
', 282), (65, 283, 'book', '
النظريّة الثانية: ما ذكره صاحب الكفاية بالنسبة لبعض موارد الواجب التخييريّ: من أنّه إذا كان في كلّ واحد من العِدلين ملاك إلزاميّ مستقلّ إلاّ أنّه لم يمكن الجمع بين الملاكين ـ لتنافر بينهما ـ وإن أمكن الجمع بين الفعلين، فحينئذ يصبح وجوب كلّ منهما مشروطاً بترك الآخر، فيرجع الوجوب التخييريّ في هذا المورد إلى وجوبين تعيينيّين مشروطين(1).
وقد أورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ وغيره بعدّة إيرادات:
الإيراد الأوّل: أنّ هذا خلاف ظاهر الدليل، فإنّ مثل قوله: (صُمّ أو أطعم) ظاهرٌ في وجوب واحد لا وجوبين تعيينيّين. فكأنّ هذا إيراد إثباتيّ على هذه النظريّة.
ويرد عليه: أنّه ليس دائماً الوجوب التخييريّ مستفاداً من دليل واحد يكون من قبيل قوله: (صُم أو أطعم) حتّى يدّعى ظهوره في وجوب واحد، بل قد يصل الفقيه إلى الوجوب التخييريّ من الجمع بين دليلين، كأن يدلّ كلّ واحد منهما على الوجوب التعيينيّ لأحد الأمرين، مع افتراض عدم تماميّة الإطلاق في كلّ واحد منهما لصورة الإتيان بالآخر، كما لو كانا دليلين لبّيّين لا إطلاق لهما، أو كانادليلين لفظيّين مع عدم تماميّة مقدّمات الحكمة فيهما لوجود خلل في ذلك، أو مع افتراض تماميّة الإطلاق فيهما ولكن يُفرض أنّنا علمنا من الخارج بعدم وجوب الجمع بينهما، فيتعارضان بلحاظ الإطلاق، وقلنا في مثل ذلك بما قاله السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في بحث التعادل والتراجيح: من تقييد كلّ من الإطلاقين بالدليل
', '(1) كأنّ هذا توجيه لكلام صاحب الكفاية، وإلاّ فهو لم يصرّح برجوع الوجوب التخييريّ في هذا القسم إلى وجوبين مشروطين، وإنّما قال ما نصّه: «كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب يستكشف عنه تبعاته: من عدم جواز تركه إلاّ إلى الآخر، وترتّب الثواب على فعل الواحد منهما والعقاب على تركهما».
', 283), (65, 284, 'book', '
الآخر، أو قلنا بتساقط الإطلاقين، فما يثبت من الدليلين ليس إلاّ بمقدار وجوبين مشروط كلّ منهما بترك الآخر. ففي موارد من هذا القبيل ليس إرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوبين تعيينيّين كلّ واحد منهما مشروط بعدم الآخر خلاف ظاهر الدليل.
الإيراد الثاني: أنّه هل يُفرض عدم إمكان اجتماع الملاكين حينما يؤتى بالفعلين مترتّباً؟ فالسابق لا يُبقي مجالا للاّحق، ولكن لا بأس باجتماعهما بشكل التقارن، أو يُفرض عدم إمكان اجتماعهما حتّى لو اُتي بالفعلين بنحو التقارن؟
فإن فُرض الأوّل لزم إيجاب الجمع بينهما بنحو التقارن تحفّظاً على الملاكين الإلزاميّين، وهو خلف الواجب التخييريّ، وإن فُرض الثاني لزم أنّه لو أتى بهما بنحو التقارن لم يمتثل ولم يحصل شيء من الملاكين، وهذا خلاف الضرورة الفقهيّة.
والجواب: أنّه لا أقلّ من وجود فرضيّتين لا يرد عليهما هذا الإشكال:
الفرضيّة الاُولى: هي التلفيق بين الفرضيّتين اللتين ذكرهما صاحب الإيراد، بأن يُفرض أنّ أحد الفعلين ـ وهو الصوم مثلا ـ يكون تحقيقه للملاك مشروطاً بعدم الفعل الآخر لا سابقاً ولا مقارناً، والفعل الآخرـ وهو الإطعام مثلا ـ يكون تحقيقه للملاك مشروطاً بعدم الفعل الآخر سابقاً، فلا يلزم إيجاب الجمع بنحو التقارن؛ إذ به لا يحصل المولى إلاّ على ملاك الفعل الثاني، ولا يلزم فوت كلا الملاكين عند الجمع بنحو التقارن؛ لأنّ ملاك الثاني لا يفوت إلاّ بتقديم الفعل الأوّل.
الفرضيّة الثانية: أن يُفرض أنّ كلّ واحد من الفعلين لو قُدِّم على الآخر لم يبق مجالا لملاك الآخر، ولو قُرن أحدهما بالآخر ضعف كلّ واحد من الملاكين إلى مرتبة النصف، فلا يلزم إيجاب الجمع بينهما بنحو التقارن؛ إذ لا يحصل المولى بذلك على أكثر من نصفي الملاكين، وهو يعادل ملاكاً واحداً. ولا يلزم الخسارة في الجمع؛ لأنّه في الجمع يحصل بحسب الفرض نصف من كلّ من الملاكين، وهو
', '', 284), (65, 285, 'book', 'في قوّة ملاك واحد. وفي الحقيقة يصبح الوجوب التخييريّ هنا ذا أطراف ثلاثة: الإتيان بهذا وحده، والإتيان بذاك وحده، والإتيان بهما مقترنين.
الإيراد الثالث: أنّ لازم إرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوبين كلّ واحد منهما مشروط بترك الآخر: أنّه لو تركهما معاً كان عليه عقابان؛ لحصول شرط الوجوب لكلّ واحد منهما.
ولا يقال: كيف يعاقَب عقابين مع أنّه غير قادر على تحصيل كلا الفرضين؟
فإنّه يقال: إنّ هذا من قبيل التزامكم بتعدّد العقاب في باب الترتّب، مع أنّه غيرُ قادر على الجمع بين الفعلين. والحاصل: أنّ لازم إرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوبين مشروطين من هذا القبيل هو تعدّد العقاب بتركهما معاً، بينما لا يُلتزم بذلك في الواجبات التخييريّة.
أقول: إنّ الواجبين المشروط كلّ واحد منهما بترك الآخر لو كان ترك كلّ واحد منهما شرطاً لاتّصاف الآخر بالملاك لزم تعدّد العقاب؛ إذ بتركهما يخسر المولى كلا الملاكين، بينما كان بإمكان العبد أن يعمل عملا يوجب انتفاء كلتا الخسارتين، وذلك بأن يأتي بأحد الواجبين، فقد حصّل أحد الملاكين ورفع موضوع الآخر.
أمّا إذا كان كلّ منهما ذا ملاك فعليّ إلاّ أنّ تحصيل الملاكين معاً غير ممكن ـ وهو الذي فرضه صاحب هذه النظريّة ـ فهنا لو غضضنا النظر عن عالم الإنشاء والجعل فمن الواضح أنّه لا يتعدّد العقاب بتركهما معاً؛ لأنّ الملاك وإن كان متعدّداً لكن فوات أحدهما على المولى ممّا لابدّ منه، فالعبد لم يورد على المولى إلاّ خسارة واحدة. أمّا إذا لاحظنا عالم الإنشاء فنقول: إنّ الإنشاء والجعل وإن كان متعدّداً ولكن الإنشاء والجعل لا يضيف عقاباً على عقاب أو ملاكاً على ملاك، وإنّما يوجب العقاب لأجل كشفه عن الملاك، ولذا لا فرق في مقدار استحقاق العقاب بين إبراز الملاك والرغبة اللزوميّة بالإنشاء، وإبرازه بالإخبار. إذن فشبهة تعدّد العقاب غير واردة في المقام.
$
', '', 285), (65, 286, 'book', 'فقد تحصّل: أنّ هذه النظريّة لا بأس بها. نعم، هي لا تصدق في جميع موارد الوجوب التخييريّ، خصوصاً إذا افترضنا التخيير في الواجبين الضمنيّين كالحمد والتسبيحات، فإنّه حينئذ لا معنى لإرجاع ذلك إلى وجوبين مشروطٌ كلّ منها بترك الآخر؛ لأنّ الوجوبات الضمنيّة جميعاً مجعولة بجعل واحد لا بجعول متعدّدة، وصاحب هذه النظريّة ـ أعني: صاحب الكفاية(رحمه الله) ـ لم يدّع كون هذا تفسيراً للوجوب التخييريّ في جميع الموارد.
النظريّة الثالثة: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) حيث افترض أنّ كلاًّ من الواجبين مشتمل على ملاك، ولم يفترض أنّ الملاكين لا يمكن تحصيلهما معاً كما افترضه صاحب الكفاية، بل افترض أنّهما بمجموعهما يزاحمان مصلحة التسهيل، فذكر: أنّ الوجوب التخييريّ مرجعه إلى وجوبين تعيينيّين، مضافاً إلى حكم ثالث وهو الترخيص في ترك المجموع؛ حيث إنّ مصلحة التسهيل تارةً تكون بنحو تزيل الوجوب رأساً وتوجب الترخيص في ترك الجميع. واُخرى لا تكون بهذه المثابة، بل تكون بمثابة توجب الترخيص في ترك المجموع، حيث إنّ الالتزام بأحدهما ليست صعوبته إلى درجة توجب الترخيص في الخلاف رأساً، لكن الالتزام بهما معاً صعب إلى درجة توجب الترخيص في ترك أحدهما، فلو فعل كليهما فقد أتى بواجبين ويثاب بثوابين. ولو فعل أحدهما وترك الآخر لم يُعاقَب؛ لأنّ تركه كان مرخوصاً فيه. ولو تركهما معاً لم يعاقب إلاّ بعقاب واحد؛ لأنّ أحد التركين مرخوص فيه، فهو يعاقب بمقدار ترك واحد.
وقد أورد السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ على ذلك بعدّة إيرادات:
الإيراد الأوّل: أنّ هذا خلاف ظاهر الدليل؛ فإنّ ظاهر الدليل هو جعل وجوب واحد لا وجوبين.
إلاّ أنّه ـ كما قلنا في النظريّة الثانية ـ إنّما يكون ذلك خلاف ظاهر الدليل حينما
', '', 286), (65, 287, 'book', 'يكون الوجوب التخييريّ مستفاداً من دليل واحد، لا من مجموع دليلين كلّ منهمادلّ على وجوب أحدهما.
على أنّه ينبغي أن نعرف أنّ المقصود من ذكر نظريّة من هذا القبيل إنّما هو تصوير تفسير معقول للوجوب التخييريّ، بحيث لو لم يُتعقّل صورة اُخرى صحّ تنزيل الدليل على هذه الصورة، إذن فلا معنى للإيراد على تلك النظريّة بكونها خلاف ظاهر الدليل؛ فإنّه لو انحصر الأمر بها تعيّن تنزيل الدليل عليها ولو كانت خلاف ظاهر الدليل. وليس المقصود من ذكر هذه النظريّة استفادتها من دليل الحكم إثباتاً حتّى يقال: إنّ دليل الحكم لا يدلّ على ذلك وأنّها خلاف ظاهر الدليل، وإنّما المقصود مجرّد تصوير صورة معقولة ثبوتاً.
الإيراد الثاني: أنّه من قال لنا بوجود ملاكين إلزاميّين في المقام؟ فإنّ الكاشف عن الملاك إنّما هو الحكم، وظاهر الدليل هو الحكم بوجوب واحد لا وجوبين.
وهذا ـ كما ترى ـ راجع إلى الإيراد الأوّل وهو كون ظاهر الدليل جعل وجوب واحد، فإنّنا نسلّم أنّه لم يخبرنا أحد بوجود ملاكين، لكنّنا نفترض فرضيّة معقولة لتصوير الوجوب التخييريّ وهي تعدّد الملاك والحكم بهذا النحو. ولو انحصر تصوير الوجوب التخييريّ به لنُزّل الدليل عليه وثبت تعدّد الحكم بهذا الترتيب وتعدّد الملاك، فإن قيل: إنّ ظاهر الدليل هو وحدة الحكم، قلنا: إنّ هذا رجوع إلى الإيراد الأوّل.
الإيراد الثالث: أنّه من قال لنا: إنّ مسألة التسهيل مهمّة في مقابل مجموع الملاكين بحيث توجب الترخيص في ترك أحدهما؟(1).
$
', '(1) وأضاف إلى ذلك في تقرير الفيّاض: أنّ مصلحة التسهيل لو كانت بمقدار مؤثّر في المقام لمنعت عن أصل جعل الوجوب للجميع، لا أنّ الوجوبين يبقيان ولكن مصلحة التسهيل توجب جواز ترك الواجب.
أقول: بناءً على إرجاع هذا الوجه إلى واجبين مشروطين لا يرد هذا الإشكال، فإنّ المقصود عندئذ أنّ مصلحة التسهيل رفعت إطلاق الوجوب، باعتبار أنّ إطلاقهما كان يقتضي إرغام المكلّف على الجمع بينهما وكان ذلك خلاف التسهيل.
أمّا لو قلنا بأنّ المجعول إنّما هو الطلب وليس الوجوب إلاّ أمراً ينتزعه العقل عند عدم الترخيص، فمعقوليّة طلبين للفعل مع الترخيص في ترك المجموع ـ كما سيأتي بيانه في المتن ـ أوضح.
', 287), (65, 288, 'book', '
وهذا أيضاً يرجع بروحه إلى الإيراد الأوّل، فإنّنا لو فرضنا وجوبين فحتماً هناك ترخيص في ترك أحدهما بوجه من الوجوه، فيبقى الكلام في دعوى: أنّ فرض وجوبين خلاف الظاهر، وهذا هو الإيراد الأوّل.
الإيراد الرابع: أنّه كيف يعقل سقوط أحد الواجبين بفعل الآخر؟ بينما المسقط منحصر في الامتثال والعجز ـ ولو الناشئ من العصيان ـ وعدم الشرط في الواجب المشروط. أمّا الامتثال فهنا غير موجود؛ لأنّ المفروض أنّه لم يمتثل إلاّ أحدهما ومع ذلك سقط الآخر. وأمّا العجز فأيضاً غير موجود؛ إذ يمكنه أن يأتي بكلا الفعلين، فينحصر الأمر في الثالث وهو كون الوجوبين كلّ منهما مشروطاً بترك الآخر، بينما ظاهر الدليل هو وجوبٌ واحد مطلق.
وهذا أيضاً راجع إلى الإيراد الأوّل؛ إذ بعد تسليم انحصار تفسير كلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله)بالواجبين المشروطين ـ لعدم تصوّر سقوط أحدهما بفعل الآخر بغير هذا الشكل ـ نقول: لو فُرض في المقام وجوبان فهما مشروطان حتماً، بداهة عدم وجوب الجمع بين الفعليّة وكفاية أحدهما بحسب الفرض، فيبقى الكلام في أنّ فرض الوجوبين خلاف الظاهر، وهذا هو الإيراد الأوّل.
وقد تحصّل: أنّ هذه الإيرادات الأربعة يمكن تلخيصها في إيراد واحد، وهو
', '', 288), (65, 289, 'book', 'أنّ ظاهر الدليل هو وحدة الجعل والوجوب والملاك، وقد عرفت جوابه.
الإيراد الخامس: أنّ فرض وجوبين من هذا القبيل يستتبع تعدّد العقاب عند تركهما معاً؛ لأنّ الترخيص إنّما كان في الترك البدليّ لا في الترك الجمعيّ.
وهذا الإشكال إشكال فنّيّ قابل للبحث والنقاش، فنقول: إنّ الترخيص في الترك المفروض في المقام يمكن تصويره بإحدى صور أربع:
1 ـ الترخيص المطلق في حصّة خاصّة من ترك كلّ واحد منهما وهي الترك المقترن بفعل الآخر. وهذا قد يقال: إنّه يرد عليه لزوم تعدّد العقاب عند تركهما معاً؛ لأنّه عندئذ يكون كلّ من التركين غير الحصّة المرخوص فيها.
2 ـ الترخيص المشروط في ترك كلّ واحد منهما، أي: إنّه مرخّص في ترك كلّ واحد منهما بشرط الإتيان بالآخر، وهذا أيضاً قد يقال: إنّه يرد عليه لزوم تعدّد العقاب عند تركهما معاً؛ لأنّه عندئذ قد ترك كلّ واحد منهما من دون تحقّق شرط الترخيص.
3 ـ الترخيص في ترك أحدهما، وهذا لا مجال لأن يورد عليه ما قد يقال بوروده على الوجهين الأوّلين، فإنّه لو تركهما معاً فترك أحدهما مرخوص فيه فلا يعاقب إلاّ على ترك الثاني، وإن كان لا يمكن تمييز ما هو المرخوص فيه عمّا ليس مرخوصاً فيه، إلاّ أنّ الانتباه إلى هذا الوجه يعني الانتباه إلى إمكان جعل الحكم على عنوان انتزاعيّ هو عنوان أحدهما، ومعه قد يختصر الطريق ويُفرض رأساً أنّ الوجوب ثابت على عنوان أحدهما بلا حاجة إلى فرض وجوبين مع ترخيص ثابت على عنوان أحدهما. وهذا رجوع إلى النظريّة الخامسة.
4 ـ الترخيص في ترك المجموع، وهذا لا يلزم منه الانتباه إلى إمكان ثبوت الحكم على عنوان أحدهما، وفي نفس الوقت لا يوجب تعدّد العقاب؛ فإنّ ترك الجميع يزيد على ترك المجموع المرخّص فيه بترك واحد فيوجب عقاباً واحداً.
$
', '', 289), (65, 290, 'book', 'فبفرض هذه الصورة نجيب على الإيراد الخامس. إذن فكلّ هذه الإيراداتغير واردة على هذه النظريّة.
وتحقيق الحال في هذه النظريّة هو: أنّه لو بُني على ما تقوله مدرسة المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّ الوجوب ليس مفاداً للدليل الشرعيّ وإنّما هو بحكم العقل، وأمّا الدليل الشرعيّ فلا يدلّ على أكثر من الطلب، كانت هذه النظريّة صحيحة لا إشكال فيها، وذلك بأن تقرَّب ببيان: أنّ المولى قد طلب كلاًّ من الفعلين طلباً تعيينيّاً، فلو لم يقرن المولى هذا الطلب بترخيص من قِبَله ـ لأجل مصلحة التسهيل ـ انتزع العقل الوجوب التعيينيّ لكلّ واحد منهما. ولو قرن المولى ذلك بترخيص في ترك الجميعـ لمصلحة التسهيل ـ انتزع العقل استحبابهما. ولو قرن المولى ذلك بترخيص في ترك المجموع ـ لعدم اقتضاء مصلحة التسهيل أكثر من ذلك ـ انتزع العقل وجوبهما تخييراً. وهذا البيان في غاية المتانة بناءً على مسلك مدرسة المحقّق النائينيّ(رحمه الله).
أمّا لو بنينا على ما هو الصحيح: من أنّ الوجوب هو مفاد الدليل ابتداءً وكذلك الاستحباب، أو كان ـ صدفةً ـ الدليل دالاّ على الوجوب، فهنا لو فُرض إطلاق في ذلك في كلّ واحد منهما لصورة الإتيان بالآخر، لزم كونهما واجبين تعيينيّين لابدّ من الجمع بينهما وهو خلف، فينحصر تفسير هذه النظريّة بفرض جعل كلّ من الوجوبين، ومفاد كلّ من الدليلين مشروطاً بترك الآخر، وبهذا تقترب جدّاً إلى النظريّة التي نقلناها عن صاحب الكفاية(رحمه الله)(1).
$
', '(1) وإشكال تعدّد العقاب يكون جوابه: أنّه لدى ترك العبد لكلا الملاكين، وإن كان العبد قد خسّر المولى ملاكين، ولكنّنا نعلم ـ بحسب الفرض ـ أنّ المولى يطيب نفساً بخسارته لملاك واحد لأجل مصلحة التسهيل، فالعبد لم يخسّر المولى فوق المقدار الذي يطيب نفساً به إلاّ ملاكاً واحداً. ولكي ينحلّ إشكال تعدّد العقاب يجب أن نفترض أنّ مصلحة التسهيل شملت العاصي أيضاً، بمعنى التسهيل في تخفيف استحقاق عقابه.
', 290), (65, 291, 'book', '
النظريّة الرابعة: أنّ الوجوب ليس متعدّداً ولا متعلّقاً بالجامع، بل هو وجوب واحد متعلّق بالفرد المردّد. وهذا الوجه مبنيّ على تصوير الفرد المردّد على تردّده.
وقد أورد على ذلك المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) بأنّه إن قُصد بذلك مفهوم الفرد المردّد بالحمل الأوّلي فهو جامع، فرجع الأمر إلى تعلّق الوجوب بالجامع. وإن قُصد بذلك ما هو الفرد المردّد بالحمل الشائع، أي: واقع الفرد المردّد، فالفرد المردّد مستحيل في أيّ عالَم من العوالم، سواء في عالم الذهن أو الخارج أو الاعتبار، فإنّ الفرد المردّد بين (ألف) و(باء) مثلا معناه أن يُحمل عليه (ألف) و(باء) بدلا لا جمعاً، وهذا معناه أنّه (ألف) وليس بـ (ألف)، وأنّه (باء) وليس بـ (باء). أمّا لو حُمل عليه أحدهما فقط لا كلاهما على سبيل البدل فقد أصبح فرداً معيّناً لا مردّداً.
وهذا البيان ـ في مقام إبطال الفرد المردّد ـ أحسن وأوضح ممّا يُذكر من التمسّك بهذا الصدد بمسألة فلسفيّة، وهي: أنّ الوجود يساوق التشخّص والتعيّن، فإنّ هذا تطويل للمسافة، فنحن نُنهي المسألة منطقيّاً بلا حاجة إلى بحث فلسفة الوجود، فنقول: إذا كانت حقيقة مردّدةً بين (ألف) و(باء) كان معنى ذلك أنّها (ألف) و ليست بـ (ألف) وأنّها (باء) وليست بـ (باء)، وهذا تناقض.
النظريّة الخامسة: هي فرض تعلّق وجوب تعيينيّ بالجامع بينهما، فيرجع التخيير الشرعيّ إلى التخيير العقليّ. وهذا له إحدى فرضيّتين:
الاُولى: فرض جامع حقيقيّ من المعقولات الأوّليّة يثبت ـ كما في كلمات المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) ـ ببرهان (أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من واحد)، وذلك حينما يكون الملاك في كليهما واحداً. وقد تقدّم في بحث الصحيح والأعمّ كلام في (أنّ قانون أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من واحد) هل هو في الواحد الشخصيّ أو يشمل
', '', 291), (65, 292, 'book', 'الواحد النوعيّ؟ فعلى الأوّل لا يمكن تطبيقه في المقام، لأنّ الواحد هنا نوعيّ لا شخصيّ، وعلى الثاني يمكن تطبيقه في المقام.
وعلى أيّ حال فالصحيح هنا أنّه يمكن وجود جامع حقيقيّ أحياناً إلاّ أنّه أحياناً لا يمكن افتراضه، خصوصاً إذا رجع العِدلان إلى الوجود والعدم كما في القصر والإتمام، حيث إنّه يتخيّر بين وجود الركعتين الأخيرتين فيما بين الاُوليين والتسليم وعدمهما؛ إذ لا جامع بين الوجود والعدم.
الثانية: فرض جامع انتزاعيّ ولو كان هو عنوان أحدهما، فإنّ هذا العنوان وإن كان عنواناً مختلقاً من قِبَل النفس لكن حينما يُلحظ بالحمل الأوّليّ يكون فانياً في الخارج وحاكياً عنه بمقدار ما له من قابليّة الحكاية، فيصح تعلّق التكليف به.
$
', '', 292), (65, 293, 'book', 'خلاصة الكلام في تصوير الوجوب التخييريّ:
وخلاصة الكلام(1) في تصوير الوجوب التخييريّ: أنّ مناسبة شكل الوجوب التخييريّ مع المورد تختلف باختلاف الموارد، ففي مورد تعدّد الملاك ـ بأن يكون في كلّ واحد من العِدلين ملاك مستقلّ ـ يناسب جعل وجوبين كلّ واحد منهما مشروط بترك الآخر. وفي مورد وحدة الملاك يناسب جعل وجوب واحد على الجامع، فالحقّ مع صاحب الكفاية(رحمه الله) إلاّ أنّه فرض الجامع في صورة وحدة الملاك جامعاً حقيقيّاً دائماً.
وتظهر الثمرة بين هذين التحليلين للوجوب التخييريّ في درجة وضوح جريان البراءة وخفائه عند الشكّ في كونهما تعيينيّين أو تخييريّين؛ إذ بناءً على إرجاعه إلى وجوبين مشروطين يكون الشكّ في التكليف الزائد، وهو وجوب
', '(1) تارةً نتكلّم عن حقيقة الواجب التخييريّ في مرحلة روح الحكم، أعني: الحبّ والبغض. واُخرى نتكلّم عن حقيقته في مرحلة الجعل والاعتبار.
أمّا في مرحلة المبادئ أو روح الحكم فإن كان الملاك في الجامع رجع إلى حبّ الجامع أو حبّ كلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر. وإن كان الملاك في كلّ واحد منهما مستقلاّ عن الآخر:
فإن كان المانع عن إيجابهما معاً عدم إمكان تحصيل كلا الملاكين رجع أيضاً إلى حبّ كلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر، أو حبّ الجامع. وقد عرفت في الأبحاث الماضية أنّ حبّ شيء مشروطاً بشيء يرجع إلى حبّ الجامع بينه وبين عدم الشرط.
وإن كان المانع مصلحة التسهيل رجع إلى حبّ كليهما مع حبّ التسهيل.
وأمّا في مرحلة الجعل والاعتبار فعلى أيّ شكل يُفرض الملاك يُعقل جعل الوجوب على الجامع، ويُعقل جعل الوجوب على كلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر.
', 293), (65, 294, 'book', '
الصوم في فرض العمل بالعتق مثلا وبالعكس، فتجري البراءة بلا إشكال. وبناءً على إرجاعه إلى وجوب الجامع فقد يشكل جريان البراءة؛ للعلم الإجماليّ بوجوب الصوم بعنوانه أو عنوان أحد الفعلين، وإن كان الصحيح انحلال هذا العلم الإجماليّ حكماً؛ لجريان البراءة عن أشدّهما مؤونة وهو الوجوب التعيينيّ، وعدم جريانها عن أخفّهما مؤونة على ما نقّحناه في محلّه، فليست البراءة عن الوجوب التعيينيّ مبتلاة بالمعارض.
$
', '', 294), (65, 295, 'book', 'التخيير بين الأقلّ والأكثر:
بقي الكلام في التخيير بين الأقلّ والأكثر، فهل هو معقول بعد الفراغ عن معقوليّة أصل الوجوب التخييريّ أو لا؟ وقد عرفت أنّ الوجوب التخييريّ يتصوّر بأحد شكلين، إمّا بإيجابين كلّ واحد منهما مشروط بترك الآخر، أو بإيجاب الجامع بين الفعلين، فهل كلا التصويرين أو أحدهما يأتي في تصوير التخيير بين الأقلّ والأكثر أو لا؟
ووجه الاستشكال في خصوص التخيير بين الأقلّ والأكثر: أنّه إن كان الواجب تدريجيّاً فبعد الإتيان بالأقلّ قد حصل الغرض وتمّ الامتثال، فأيّ مجال يبقى لوجوب الزائد؟! وإن كان دفعيّاً ـ كدوران الأمر بين وجوب التصدّق بدرهم والتصدق بدرهمين دفعة واحدة ـ قلنا: إنّ الوجوب الضمنيّ للزائد ولو بنحو التخيير غير معقول؛ إذ الزائد يجوز تركه لا إلى بدل، وذلك بأن يقتصر على الأقلّ، فما معنى وجوبه؟ فإنّ وجوب الشيء لابدّ أن يكون إمّا بنحو لا يجوز تركه أصلا كما في الوجوب التعيينيّ، أو لا يجوز تركه إلاّ إلى بدل كما في الوجوب التخييريّ.
وقد ذكر المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) تصويراً للتخيير بين الأقلّ والأكثر راجعاً إلى افتراض إرجاعه إلى الجامع وهو: أنّ الطبيعيّ الذي له فردان فرد طويل وفرد قصير، قد يكون الملاك قائماً بهذا الطبيعيّ بلا فرق بين أن يوجد في ضمن هذا الفرد أو ذاك، فهنا لا محالة يتعلّق الأمر بالجامع بين كلا الفردين المنطبق على تمام هذا الفرد تارةً وتمام الفرد الآخر اُخرى.
وقد ذكر تلميذه المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) في شرح كلام اُستاذه: أنّ هذا مبنيٌّ على التشكيك الخاصّيّ في الوجود ببيان: أنّ كلّ فردين من الطبيعيّ إذا كان يتراءى إلى الذهن أنّ الفارق بينهما من سنخ جهة الاشتراك، كما في العدد القليل والكثير؛
', '', 295), (65, 296, 'book', 'حيث يُرى أنّ الكثير يختلف عن القليل بالعدد الذي هو جهة الاشتراك، يوجد في تحقيق حال ذلك عدّة مسالك:
الأوّل: إرجاع الفارق إلى فارق عَرَضيّ، من قبيل الفرق بالعلم والجهل أو السواد والبياض ونحو ذلك، بأن يقال: إنّ كون هذا العدد ثلاثة أو أربعة ـ مثلا ـ من عوارض العدد، وهذان الفردان يختلفان في هذا العارض.
الثاني: التسليم بكون الفارق جوهريّاً إلاّ أنّه مع ذلك يلتزم بالتشكيك العامّي، وهو كون ما به الامتياز غير ما به الاشتراك، فيُفرض أنّ ثلاثة وأربعة ـ مثلا ـ مشتركان في الجنس ومختلفان في الفصل، فالفرق بينهما إنّما هو بلحاظ الفصل.
الثالث: الالتزام بالتشكيك الخاصّيّ، بمعنى أنّ ما به الامتياز عين ما به الاشتراك. ويوجد في داخل هذا المسلك مشربان:
الأوّل: إرجاع هذا التشكيك الخاصّيّ إلى أصل الماهيّة والمفهوم، فالخطّ الطويل ـ مثلا ـ أجدر وأولى بكونه خطّاً من الخطّ القصير، ويكون دخوله تحت مفهوم الخطّ أشدّ وأولى منه. وهذا ما قال به الشواذّ من أصحاب مسلك التشكيك الخاصّيّ.
والثاني: إرجاع هذا التشكيك إلى الوجود لا الماهيّة، بأن يقال: إنّ الخطّ الطويل لا يختلف في خطّيّته ومفهوم الخطّ عن الخطّ القصير، لكنّ الخطّ الطويل أشدّ وجوداً وأولى بالوجود منه في القصير.
فإن بنينا على المسلك الأوّل ـ وهو كون الفارق عرضيّاً ـ فلا مجال لما ذكره المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)في المقام؛ إذ لو فُرض الملاك كامناً في طبيعة الماهيّة الجامعة بين الأقلّ والأكثر، دون الفارقين العَرَضيّين اللذين بهما الامتياز، إذن لم ينطبق الواجب على كلّ من الأقلّ والأكثر بتمامه؛ لأنّ أقلّيّته وأكثريّته إنّما هي بأمر عَرَضيّ لا نصيب له من الملاك والوجوب، فلم يكن هذا تخييراً بين الأقلّ والأكثر.
', '', 296), (65, 297, 'book', 'وإن فُرض الملاك كامناً في المايزين ـ وهما العَرَضان ـ لزم صدور الواحد من الكثير، وهذا ما لا يقبله المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله).
وإن بنينا على المسلك الثاني ـ وهو كون الفارق جوهريّاً وكونه فصلاً ـ قلنا أيضاً: إنّ الملاك لو كان قائماً بالجنس لم ينطبق الوجوب على كلّ واحد من الفردين بما هما أقلّ وأكثر، وإن كان قائماً بالفصلين لزم صدور الواحد من الكثير.
وإن بنينا على المسلك الثالث ـ وهو التشكيك الخاصّيّ ـ فإن اُرجع ذلك إلى التشكيك في الماهيّة قلنا: إنّ فرض تأثير الماهيّة بكلتا حصّتيها المشكّكتين في ملاك واحد لا ينسجم مع مشرب: (أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من واحد). وإن اُرجع ذلك إلى التشكيك في الوجود صحّ ما ذكره المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من افتراض أنّ الملاك قائم بالطبيعة الموجودة في ضمن أيّ واحد من الفردين، المنطبقة على تمام هذا الفرد وتمام ذاك الفرد، ولا ينافي ذلك كون الواحد لا يصدر إلاّ من واحد؛ فإنّ المقصود من ذلك: الوحدة الماهويّة، والمفروض أنّ التشكيك في الوجود لا في الماهيّة. هذا ما يُستفاد من كلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) في مقام شرح مرام اُستاذه.
ولا يرد على هذا التصوير الذي ذكره المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) ـ وهو تعلّق الوجوب بالطبيعة المنطبقة على كلّ واحد من الفردين ـ: أنّ الأقلّ موجود في ضمن الأكثر فيلغو الزائد؛ فإنّ مقصوده(رحمه الله) هو أنّ هذه الطبيعة تؤثّر في ضمن أيّ فرد مستقلّ لها، والأقلّ الذي هو في ضمن الأكثر ليس فرداً مستقلاًّ بل الفرد حينئذ هو الأكثر.
وبهذا يتّضح أنّه لا حاجة في مقام تكميل هذا التصوير ـ فيما إذا كان كلّ من الأقلّ والأكثر فرداً مستقلاًّ للطبيعة ـ إلى افتراض إضافة شرط على الأقلّ، بأن يجعل بشرط لا عن الزائد لكي يرجع إلى التصوير الثاني الذي سوف ننقله عن
', '', 297), (65, 298, 'book', 'صاحب الكفاية(رحمه الله). وبذلك يصبح هذا وجهاً مستقلاًّ عن التصوير الثاني الآتي عنه.
نعم، يوجد لنا حول هذا التصوير كلامان:
الكلام الأوّل: أنّ الوجوب التخييريّ بناءً على هذا التصوير ينحلّ إلى وجوب ضمنيّ لذات الأقلّ ووجوب ضمنيّ للجامع بين حدّ الأقلّ والزائد، بينما هذا الوجوب الضمنيّ لا يقبل التحريك إلى شيء جديد؛ إذ هل يحرّك نحو ذات الطبيعة بغضّ النظر عن استقلالها في الوجود الذي قالوا لا يكون في المتحرّك إلاّ بعد تماميّة الحركة، أي: إنّه قبل تماميّة الحركة لم يتمّ وجودها الكامل، أو يحرّك إلى استقلالها؟
أمّا الأوّل فهو حاصل بالأمر الضمنيّ الأوّل. وأمّا الثاني ـ وهو الاستقلال ـ فهو شيء قهريّ يتحقّق لا محالة بعد فرض الإتيان بأصل الطبيعة؛ إذ هذا الذي يخطّ بجرّ القلم على الورق ـ مثلا ـ لا يبقى يجرّ القلم إلى الأبد، بل سوف يقف إلى حدٍّ لا محالة.
إلاّ أنّ هذا الإشكال إن كان وارداً(1) فإنّما يرد فيما لو لم يعيّن مقدار محدّد من الوقت للواجب، أمّا لو عيّن ذلك بأن قال مثلا: يجب عليك الإتيان بفرد مستقلّ من أفراد الخطّ في دقيقة واحدة، فالأمر الضمنيّ الثاني يكون أثره التحريك نحو إيجاد الاستقلال في ذاك الوقت المحدّد؛ إذ لو لا هذا الأمر كان من المحتمل أنّ العبد يبقى مستمرّاً في جرّ القلم إلى ما بعد انتهاء هذا الوقت المحدّد. إذن فيبقى لنا مورد يمكن تخريج التخيير بين الأقلّ والأكثر فيه بهذا النحو.
$
', '(1) لعلّه إشارة إلى أنّ هذا الإشكال يمكن دفعه أيضاً بما يستدفع به الكلمة الاُولى، على ما سيأتي قريباً من التصوير الثاني من تصويري الآخوند(رحمه الله) للتخيير بين الأقلّ والأكثر.
', 298), (65, 299, 'book', '
الكلام الثاني: أنّ هذا التصوير إنّما يتصوّر إذا كان الأكثر بتمامه فرداً واحداً مستقلاًّ من أفراد الطبيعة كالأقلّ، أمّا إذا لم يكن كذلك بل كان الأكثر عبارة عن أفراد متعدّدة من تلك الطبيعة، كما في مثال التخيير بين تسبيحة واحدة وثلاث تسبيحات، فلا يأتي فيه هذا البيان؛ فإنّ الواجب وهو الإتيان بفرد مستقلّ يحصل بتسبيحة واحدة، والباقي لا مبرّر لوجوبه ولو تخييراً.
وقد التفت المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)إلى هذا النقص في هذا التخريج، فتداركه بذكر تصوير آخر لتخريج التخيير بين الأقلّ والأكثر يسري إلى مثل موارد التسبيحة الواحدة وثلاث تسبيحات ممّا يكون الزائد فيه عبارة عن فرد إضافيّ، وهو إضافة شرط إلى جانب الأقلّ، أعني: شرط عدم الزائد، فالواجب هو الجامع بين الأقلّ بشرط لا والأكثر.
ولا ينبغي الإيراد على صاحب الكفاية(رحمه الله) بأنّ هذا ليس تخييراً بين الأقلّ والأكثر بل بين المتباينين؛ لأنّ بشرط لا مباين لبشرط شيء؛ فإنّ المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) أجلّ شأناً من أن يخفى عليه هذا الشيء، وهو لم يقصد تصوير التخيير بين الأقلّ والأكثر بمعناه الدقيق، وإنّما قصد الإتيان بفرضيّة معقولة لتفسير ما يتعارف خارجاً وقوعه في الفقه ممّا يسمّى بالتخيير بين الأقلّ والأكثر.
ولنا حول هذا التصوير الذي ذكره المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) ثلاث كلمات:
الكلمة الاُولى: أنّ الوجوب التخييريّ بهذا المعنى ينحلّ إلى وجوب ضمنيّ لذات الأقلّ، ووجوب ضمنيّ للجامع بين بشرط لا والزائد، بينما وقوع هذا الجامع بعد فرض أصل الإتيان بذات الأقلّ ممّا لابدّ منه، فإنّه إمّا أن يأتي بالزائد أو لا، فلا مجال للأمر بذلك ولو ضمنيّاً.
إلاّ أنّ هذا الكلام إن تمّ فإنّما يتمّ فيما لو لم يوجَد شقّ ثالث يخالف شرط العدم والزيادة معاً، أمّا لو وُجد مثل ذلك كما لو وجب إمّا الإتيان بتسبيحة واحدة
', '', 299), (65, 300, 'book', 'بشرط لا عن الزيادة، أي: بشرط أن لا يضاف إليها تسبيح آخر ولو كانت تسبيحة واحدة، وإمّا الإتيان بثلاث تسبيحات، ففي هذا الفرض لا يرد هذا الإشكال؛ إذ لو لا الأمر الضمنيّ بالجامع بين بشرط لا والزيادة كان بالإمكان أن يختار العبد ذلك الشقّ الثالث، وهو الإتيان بتسبيحتين.
الكلمة الثانية: أنّه بناءً على مسلك المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من (أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من واحد) يقال في المقام: إنّ الملاك هل هو كامن في الجامع بين الأقلّ والأكثر الذي يكفي في تحقّقه ذات الأقلّ، أو أنّه تتدخّل في تحقيق الملاك، ـ ولو ضمناً ـ خصوصيّة عدم الزيادة مع خصوصيّة الزيادة، فعلى الأوّل رجع الإشكال جذعاً، وعلى الثاني لزم صدور الواحد من اثنين.
الكلمة الثالثة: أنّه لو كانت خصوصيّة عدم الزيادة مع خصوصيّة الزيادة دخيلتين في الملاك، فلئن لم نؤمن بقاعدة (أنّ الواحد لا يصدر من اثنين) فلا أقلّ من الايمان بـ (أنّ الواحد لا يصدر من نقيضين، أعني: من وجود الشيء وعدمه)، بينما هذا معناه كون الزيادة بوجودها دخيلة في الملاك وبعدمها دخيلة في الملاك أيضاً.
إلاّ أنّه يمكن دفع الإشكال الثاني والثالث بافتراض فرضيّة لا يرد عليها هذان الإشكالان، وهو أن يفرض أنّ الملاك يكمن في الجامع، أي: إنّ الجامع هو المولّد للملاك، ولكن ذاك الشقّ الثالث الذي فرضناه في الكلمة الاُولى، أعني: كون عدد التسبيحة اثنين يفرض مانعاً عن تأثير الجامع، فلا محالة يخيّره المولى بين تسبيحة واحدة وثلاث تسبيحات.
نعم، يبقى في المقام استبعاد هذه الفرضيّة خارجاً إلى حدّ الاطمئنان بالعدم، فنحن لا نتصوّر افتراض كون عدد التسبيحة اثنتين مانعاً عن تحقّق الملاك.
وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّ التخيير بين الأقلّ والأكثر في مثل تسبيحة
', '', 300), (65, 301, 'book', 'واحدة وثلاث تسبيحات بناءً على وحدة الملاك وإرجاع الحكم إلى إيجاب الجامع إنّما يُعقل بشرطين:
1 ـ أن يكون هناك شقّ ثالث مشتمل على ذات الأقلّ مع فقدانه لكلٍّ من شرط الزيادة وشرط العدم، لكي لا يرد عليه ما ذكرناه في الكلمة الاُولى.
2 ـ أن يُفرض أنّ الملاك يكمن في الجامع، وأنّ ذاك الشقّ الثالث يشكّل مانعاً عن تأثير ذاك الجامع.
هذا كلّه بناءً على افتراض ملاك واحد وإرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوب الجامع.
أمّا بناءً على افتراض ملاكين وإرجاع الوجوب التخييريّ إلى وجوبين مشروطين، فالتخيير بين الأقلّ والأكثر بكلا التصويرين اللذين ذكرهما المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) ـ من كون المطلوب الفرد المستقلّ أو جعل الأقلّ بشرط لا ـ معقول وخال عن كلّ الإشكالات الثلاثة:
أمّا الإشكال الأوّل ـ وهو تعلّق الوجوب بما لابدّ منه خارجاً ـ فمن الواضح عدم وروده هنا؛ إذ عندنا وجوبان: أحدهما متعلّق بالأقلّ على شرط أن لا يأتي بالأكثر، ومن الواضح أنّ من لا يأتي بالأكثر قد لا يأتي بالأقلّ أيضاً، فهذا الوجوب يحثّه نحو الإتيان بالأقلّ. وثانيهما متعلّق بالأكثر على شرط أن لا يأتي بالأقلّ بحدّه الأقلّيّ. ومن الواضح أنّ من لا يأتي بالأقلّ بحدّه الأقلّيّ قد لا يأتي بالأكثر أيضاً، فهذا الوجوب يحثّه نحو الإتيان بالأكثر.
وأمّا الإشكال الثاني والثالث ـ وهما لزوم صدور الواحد من اثنين أو من نقيضين ـ فمن الواضح أيضاً عدم ورودهما في المقام؛ لأنّنا قد افترضنا ملاكين مختلفين لا ملاكاً واحداً.
هذا تمام الكلام في الوجوب التخييريّ.
$
', '', 301), (65, 302, 'book', '$
', '', 302), (65, 303, 'book', 'الفصل العاشرالأوامر
الوجوب الكفائيّ
$
', '', 303), (65, 304, 'book', '$
', '', 304), (65, 305, 'book', 'قد وقع الإشكال أيضاً في تصوير الوجوب الكفائيّ من قبيل الإشكال الذي وقع في تصوير الوجوب التخييريّ، حيث يقال: إنّه كيف يجتمع الوجوب مع جواز الترك؛ إذ الواجب الكفائيّ يجوز تركه على كلّ واحد من المكلّفين عند إتيان الآخرين به.
ولتحقيق حال الوجوب الكفائيّ ندرس أربع فرضيّات:
1 ـ فرض تعلّق الوجوب بجميع المكلّفين بأن يكون على كلّ واحد منهم وجوب مستقلّ.
2 ـ فرض تعلّق الوجوب بمجموع المكلّفين بأن يكون هناك وجوب واحد متعلّق بالمجموع.
3 ـ فرض تعلّق الوجوب بالجامع بين المكلّفين، أو بكلمة اُخرى: يكون الوجوب متوجّهاً إلى صرف الوجود.
4 ـ فرض عدم الموضوع لهذا الوجوب بأن يجب ـ مثلا ـ تحقّق غسل الميّت من دون أن يكون هذا الحكم متوجّهاً إلى أحد من المكلّفين.
والوجوب الكفائيّ يتمتّع بثلاث خصائص مفروغ عنها فقهيّاً وعقلائيّاً:
الأوّل: أنّه لو أتى به واحد سقط عن الباقين.
الثاني: أنّه لو تركه الجميع عمداً عوقب الجميع.
الثالث: أنّه لو كان الفعل قابلا للتكرار من قِبَل أشخاص متعدّدين مع التقارن،
', '', 305), (65, 306, 'book', 'فأتى به عديدون متقارنين كانوا ممتثلين، فلا يقال: إنّه مادام الفعل قد قام به عديدون، إذن لم يتحقّق الامتثال. ولو لم يكن قابلا للتكرار ـ كقتل حيوان مفترس مثلا ـ ولكن تعاون على فعله عديدون إلى أن حقّقوه بمجموعهم كانوا أيضاً ممتثلين، فلا يقال: مادام الفعل قد تعاون عليه عديدون ولم يستقلّ به واحد لم يحصل الامتثال.
فكلّ فرضيّة من الفرضيّات الأربع يجب أن ندرسها على هُدى هذه الخصائص الثلاث، أي: يجب أن نرى في كلّ فرضيّة من هذه الفرضيّات ـ بعد فرض معقوليّتها في نفسها ـ أنّها هل تفي بهذه الخصائص الثلاث أو لا، فنقول:
أمّا الفرضيّة الاُولى ـ وهي: تعلّق الوجوب بالجميع ـ: فتصويرها يكون بإحدى صيغ أربع:
الصيغة الاُولى: أن يكون على عهدة كلّ واحد من المكلّفين بنحو الوجوب المطلق أن يُؤتى بالفعل بنحو المبنيّ للمفعول، أي: أن يجب على كلّ واحد منهم أن يغسَّل الميّت ـ مثلا ـ لا أن يغسِّله. وبتعبير آخر: يجب على كلّ واحد منهم تحقّق الجامع بين فعله وفعل الآخرين.
وقد ذكرنا في بحث التعبّديّ والتوصّليّ: أنّ وجوب الجامع بين فعل الشخص وفعل غيره عليه أمر معقول؛ لأنّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور. وهذا الشكل الثاني يفي بكلّ الخصائص الثلاث بكلّ وضوح:
أمّا الخصيصة الاُولى ـ وهي: أنّه لو فعله شخص سقط عن الآخرين ـ فلأنّه قد وقع على العهدة تحقّق الفعل، وقد حصل.
وأمّا الخصيصة الثانية ـ وهي: أنّه لو ترك الجميع عوقب الجميع ـ فلأنّ الوجوب ثابت على الجميع، وقد خالفوا.
وأمّا الخصيصة الثالثة ـ وهي: حصول الامتثال عند إتيان أشخاص عديدين
', '', 306), (65, 307, 'book', 'بالفعل بنحو التقارن أو تعاونهم على فعل واحد ـ فلأنّ الواجب كان هو حصول الفعل وتحقّقه خارجاً بأيّ نحو اتّفق، وقد حصل ذلك.
الصيغة الثانية: أن يجب على كلّ مكلّف فعل هذا الواجب مشروطاً بترك الآخرين.
وقد اُورد على ذلك بإيرادين:
الإيراد الأوّل: أنّه لو فُرض هنا ملاك واحد في كلا الفعلين فالملاك الواحد يستدعي وجوباً واحداً مطلقاً لا وجوبين مشروطين. وإن فُرض ملاكان لا يجتمعان فتعدّد الملاك إنّما يعقل حينما يعقل تعدّد الفعل كالصلاة على الميّت، أمّا فيما لا يتعدّد كتغسيل الميّت فلا معنى لتعدّد الملاك.
والجواب على هذا الإيراد سهل، فمن أجوبته: أنّنا نفترض تعدّد الملاك بعدد الفعل، حيث إنّ النتيجة ومعنى الاسم المصدريّ وإن كان طبيعة واحدة لكنّه حينما يلحظ جانب الصدور يكون الفعل متعدّداً بتعدّد الأشخاص، فالغسل الصادر من زيد غير الغسل الصادر من عمرو، فيمكن افتراض وجود ملاكات عديدة بعدد الأفعال لا يمكن اجتماعها، فتولّدت وجوبات مشروطة(1).
$
', '(1) كما يمكن الجواب أيضاً بفرض ملاك واحد موجود في أصل صدور الفعل من أحد المكلّفين بنحو صرف الوجود، ولكن كان الملاك مهمّاً بنحو أراد المولى أن يجعله على عهدة كلّ واحد منهم لكي يضمن بشكل أقوى تحقّقه، أو لم يرد المولى تخصيص ثقل تحصيله ببعض المكلّفين دون بعض؛ لما في جعله بنحو الوجوب الكفائيّ من الإرفاق بالمكلّفين، أو أنّه لم تكن نكتة لتخصيص ثقل تحصيله ببعض المكلّفين بعد أن كانت نسبته إليهم على حدّ سواء، فلا بأس بتعدّد الخطاب بعدد المكلّفين بنحو الخطاب المشروط مثلا.
ويمكن الجواب أيضاً بافتراض أنّ الملاك وإن كان واحداً بالنوع لكنّه كان موجوداً في فعل كلّ المكلّفين بنحو الاستغراق لا بنحو صرف الوجود، وعندئذ كان يُترقّب إيجاب الفعل على كلّ المكلّفين بنحو الوجوب المطلق والعينيّ، ولكنّ المولى عدل إلى الوجوب المشروط إرفاقاً بالمكلّفين لأجل مصلحة التسهيل.
', 307), (65, 308, 'book', '
الإيراد الثاني: أنّه لو وجب على كلّ واحد منهما الفعل مشروطاً بترك الآخر فلو فعلا معاً لم يحصل الامتثال؛ لعدم حصول شرط الوجوب أصلا، بينما ليس الأمر كذلك كما بيّنّا في الخصيصة الثالثة.
وهذا الإيراد مسجّل في المقام. ولا يمكن قياس المقام بالوجوب التخييريّ، فإنّه في الوجوب التخييريّ أمكن فرض مجموع الفعلين عدلا ثالثاً، فهو مخيّر بين هذا الفعل وحده وذاك وحده ومجموعهما، بينما في المقام لا يمكن فرض مجموع المكلّفين مكلّفاً ثالثاً يوجّه إليه الخطاب المشروط(1).
الصيغة الثالثة: أن يقال ما هو من قبيل ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) في الوجوب التخييريّ، وذلك بأن يفرض تعدّد الملاك، وأنّ مجموع الملاكين تزاحم مع مصلحة التسهيل، فأوجبت مصلحة التسهيل ترخيص كلّ واحد منهما في الترك بشرط فعل الآخر، بل لا حاجة إلى فرض مصلحة التسهيل، فبالإمكان أن يُفرض أنّ كلّ واحد من الملاكين ليس بدرجة الإلزام وبنحو يكون فوته مؤذياً للمولى إلى حدّ يوجب حفظه، لكن فوتهما معاً تتحقّق فيه تلك الدرجة من الخسارة والأذيّة التي لا يريدها المولى. وهذا أمر عرفيّ يتّفق في حياتنا الاعتياديّة، فطلب المولى
', '(1) ولا يمكن أن يقال: إنّ الحكم في حقّ كلّ واحد منهم مشروط بعدم سبق الآخر عليه؛ إذ من الواضح أنّه إذا علم أحدهما أنّ الآخر سوف يأتي بالعمل في آخر الوقت جاز له أن لا يفعل.
', 308), (65, 309, 'book', '
الفعل من كلّ واحد منهما ورخّص في نفس الوقت كلّ واحد منهما في الترك بشرط فعل الآخر.
وهذه صياغة معقولة على مسلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من كون مفاد الأمر هو الطلب، وأنّ الوجوب والاستحباب منتزع بحكم العقل من الطلب عند عدم اقتران الترخيص في الخلاف به أو اقترانه، فيقال في المقام: إنّه لو رخّص في الخلاف لكلا المكلّفين مطلقاً انتزع منه الاستحباب، ولو لم يرخّص في الخلاف أصلا انتزع منه الوجوب العينيّ، ولو رخّص كلّ واحد منهما في الخلاف بشرط فعل الآخر انتزع منه الوجوب الكفائيّ.
وحينئذ إذا فعله أحدهما سقط عن الآخر؛ لأنّه مرخّص في تركه على تقدير أن يفعله صاحبه وقد فعل. وإذا فعلاه معاً فقد امتثل كلاهما الطلب. وإذا تركاه معاً عوقبا؛ لأنّ ترخيص كلّ واحد منهما في الترك كان مشروطاً بفعل الآخر ولم يتحقّق.
نعم، بناءً على أنّ الوجوب والاستحباب من مفاد نفس الأمر لا يتمّ هذا الوجه، فإنّه لو فُرض توجّه الأمر الوجوبيّ إلى كلّ واحد من المكلّفين متعلّقاً بالإتيان بهذا الفعل، فإن كان الأمران مطلقين فلا معنى للترخيص في مخالفة الأمر الوجوبيّ المطلق، وإن كانا مشروطين رجع إلى الصياغة السابقة.
الصيغة الرابعة: ما يكون بديلا عن الصيغة الثالثة، حيث لم تتمّ على رأي المشهور: من كون الوجوب والاستحباب داخلين في مفاد الأمر، فيقال: بما أنّ مجموع الملاكين زاحم مصلحة التسهيل، أو أنّ كلّ واحد منهما كان بمقدار يتحمّل المولى ضرر فوته، لكنّه لا يتحمّل ضرر فوتهما معاً، فالمولى حرّم على كلّ واحد من المكلّفين بعض حصص الترك وهو الترك المقترن بترك الآخرين، فلو تركوا جميعاً عوقبوا؛ لأنّهم أتوا بتلك الحصّة من الترك المنهيّ عنها. ولو فعله أحدهم لم
', '', 309), (65, 310, 'book', 'يعاقب الآخرون؛ لأنّهم لم يتركوا تركاً مقترناً بترك غيرهم. ولو فعلوا جميعاً معاً فقد امتثلوا؛ لأنّهم لم يأتوا بتلك الحصّة من الترك. ولعلّ لسان الإيجاب الكفائيّ صياغة عرفيّة لإيصال هذه التحريمات، أعني: تحريم الترك الجمعيّ على كلّ واحد منهم، أو إيجاب سدّ بعض أبواب العدم وهو العدم المقترن بترك الآخرين.
وأمّا الفرضيّة الثانيةـ وهي: تعلّق الوجوب بمجموع المكلّفين ـ: فلذلك تصويران:
التصوير الأوّل: أن يُفرض تعلّق الأمر بالمجموع، بمعنى كون المطلوب اشتراك تمام الأفراد في تلك العمليّة الواحدة، من قبيل الأمر المتوجّه إلى مجموع عشرة أشخاص بدحرجة حجر ثقيل لا يمكن لأحدهم وحده دحرجته مثلا. وهذا مرجعه بحسب الحقيقة إلى توجّه أمر إلى الجميع على نحو الاستغراق لا المجموعيّة، إلاّ أنّ المأمور به ليس هو ذلك الفعل ـ وهو دحرجة الحجر مثلا ـ بل المساهمة في ذلك الفعل، فالمأمور به في مثال دحرجة الحجر هو دفع كلّ واحد منهم هذا الحجر بحسب قدرته، لكي تتجمّع قوى الدفع على هذا الحجر فيتدحرج من مكانه.
والوجوب الكفائيّ لا يمكن تفسيره بهذا التفسير، فإنّه:
أوّلا: قد يكون الفعل الواجب ممّا لا يمكن اشتراك المكلّفين جميعاً فيه، فلئن كان الدفن ـ مثلا ـ بالإمكان اشتراك عديدين فيه، فالصلاة على الميّت ـ مثلا ـ لا يمكن ذلك فيها بأن يأتي كلّ واحد منهم بجزء من الصلاة مثلا.
وثانياً: أنّه حتّى فيما يُفرض إمكان اشتراك الكلّ فيه، لو أتى به بعض سقط عن الكلّ لا محالة ولم يكن عليهم عقاب، بينما مقتضى هذا الوجه خلاف ذلك؛ إذ المطلوب كان اشتراك كلّ واحد منهم في العمليّة ولم يتحقّق ذلك.
التصوير الثاني: أن يُفرض تعلّق الأمر بمركّب ارتباطيّ يكون كلّ واحد من المكلّفين جزءاً من هذا المركّب الارتباطيّ قياساً على متعلّقات الحكم الارتباطيّة، من قبيل تعلّق الوجوب بالصلاة التي هي بالرغم من تعدّد ما فيها من
', '', 310), (65, 311, 'book', 'أعمال وتشتّتها توجد لها وحدة اعتباريّة تجتمع وتتركّب فيها كلّ الأجزاء.
وهذا التصوير أيضاً غير صحيح؛ فإنّ العمل الواحد المركّب الاعتباريّ يمكن تحريك العبد نحوه، ولكن تحريك الواحد الاعتباريّ ـ وهو المجموع المركّب ـ غير معقول، وإنّما التحريك يكون دائماً لواقع الآحاد، أمّا المجموع بما هو مجموع فلا يحرّك ولا يبعث ولا يزجر ولا يعاقب ولا يثاب.
وأمّا الفرضيّة الثالثة ـ وهي: فرض تعلّق التكليف بصرف الوجود من المكلّفين، قياساً للمكلّف بالمتعلّق الذي قد يكون صرف الوجود، كما في (أكرم عالماً) ـ: فهي أيضاً غير معقولة؛ فإنّ صِرف الوجود في المتعلّق إمّا يكون بمعنى أوّل الوجود، أو يكون بمعنى أحد الأفراد، وكذلك في المكلّف لو أردنا فرضه بنحو صِرف الوجود يجب تقييده بأوّل الوجود أو بعنوان أحدها، وإلاّ انتشر الحكم على كلّ المكلّفين على نحو الاستغراق ومطلق الوجود. وكلّ واحد من التقييدين غير محتمل في المقام: أمّا التقييد الأوّل وهو التقييد بأوّل الوجود، فسواءٌ اُريد به أوّل من تولّد من المكلّفين، أو اُريد به أوّل من اطّلع من المكلّفين على الموضوع، أو أيّ معنى آخر، من الواضح أنّه غير مقصود؛ فإنّ نسبة الوجوب الكفائيّ إلى آخر الأفراد كنسبته إلى أوّل الأفراد(1).
وأمّا التقييد الثاني وهو التقييد بأحد الأفراد فغير معقول؛ إذ فرقٌ بين التحريك نحو عنوان أحد الاُمور وبين تحريك عنوان أحد الأفراد، فالتحريك نحو عنوان
', '(1) ولا يمكن أن يقال في المقام: إنّه يجب على أوّل من يوجده، كما يمكن أن يقال في المتعلّق: إنّه يجب أوّل ما يوجده؛ إذ يلزم من ذلك أنّه لو لم يوجده أحد لم يكن أحد مكلّفاً به ولم يعاقب أحد، في حين أنّه لا يلزم نظير ذلك في المتعلّق بأن يقال: إنّه لو لم يوجد شيئاً لزم عدم وجوب شيء عليه؛ وذلك لأنّ قيد أوّل ما يوجده كان مأخوذاً في متعلّق الحكم لا في موضوع الحكم، وكلّ قيد يؤخذ في متعلّق الحكم يكون بذاته تحت الطلب.
', 311), (65, 312, 'book', '
أحد الاُمور معقول بلا حاجة إلى فرض سريان الحكم إلى أفراد تلك الاُمور؛ فإنّ المكلّف المطيع حينما رأى نفسه مكلّفاً بعنوان أحد الاُمور فهو لا محالة يختار فرداً من تلك الأفراد لكي يكون محقِّقاً لعنوان أحد الاُمور.
أمّا الإيجاب على عنوان أحد المكلّفين وإشغال ذمّته فلا أثر له؛ إذ هل يُفرض هذا الإيجاب وإشغال الذمّة واقفاً على عنوان أحد المكلّفين من دون أن يسري إلى واقع أفراد المكلّفين، أو يُفرض سريان ذلك إلى أفراد المكلّفين بفناء هذا العنوان في الأفراد مثلا؟ فإن فُرض الأوّل فهذا لا يحرّك واقع أفراد المكلّفين. وإن فُرض الثاني فهل يسري الحكم وإشغال الذمّة إلى كلّ الأفراد أو إلى فرد معيّن أو إلى فرد مردّد؟ والكلّ غير معقول؛ إذ لو سرى إلى كلّ الأفراد لانقلب إلى الوجوب العينيّ، ولو سرى إلى فرد معيّن كان ترجيحاً بلا مرجّح، والفرد المردّد لا وجود له.
نعم، يبقى أن يُدّعى أنّ الحكم وإشغال الذمّة الشرعيّ يقف على عنوان أحدهم، ولكنّ العقل يحكم على أفراد المكلّفين بوجوب إفراغ ذمّة ذاك العنوان، ولزوم الإتيان بما أوجب المولى على ذاك العنوان إيصالا للمولى إلى ما أراد.
وهذه دعوى إن صحّت لأحوجتنا إلى تصوير آخر للوجوب الكفائيّ غير هذا التصوير؛ لأنّ هذا الوجوب العقليّ كفائيّ لا محالة، بينما هذا التصوير لم يفسّر لنا كفائيّة هذا الوجوب الذي جاء من قِبَل العقل، فلابدّ من تصويره بإحدى الصور الاُخرى لكي يختلف عن اللزوم العينيّ في كنهه أو في متعلّقه أو في إطلاقه، وإلاّ لكان لزاماً على الجميع أن يأتوا جميعاً بما اُوجِبَ على عنوان أحدهم وهو خلف. فعلى الأقلّ يتبرهن بذلك أنّ تصوير الوجوب الكفائيّ غير منحصر بهذا النحو من التصوير(1).
$
', '(1) ومن الغريب ما اختاره السيّد الخوئيّ(رحمه الله) في تقرير الفيّاض: من إرجاع الوجوب الكفائيّ إلى الوجوب على صرف الوجود، ودعوى انحصار تصوير الوجوب الكفائيّ بذلك بإبطال باقي الوجوه الاُخرى المتصوّرة في نظره.
', 312), (65, 313, 'book', '
وأمّا الفرضيّة الرابعة ـ وهي: فرض تعلّق الحكم بذات الفعل من دون توجّه إلى مكلّف أصلا ـ: فذلك بأن يقال: إنّ الحكم بالرغم من عدم تعلّقه بأحد المكلّفين يرى العقل لزاماً على المكلّفين وفقاً لقانون العبوديّة تحصيل ما هو متعلّقه إيصالا للمولى إلى ما أراد.
إلاّ أنّ فرضيّة تعلّق الحكم بذات الفعل من دون توجّه إلى المكلّف إنّما هو أمر معقول بلحاظ مبادئ الحكم من الحبّ والبغض، فإنّ الحبّ والبغض وإن كانا من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة إلاّ أنّه يكفي في تحقيق هذه الإضافة ارتباطه بمتعلّق، وهو الفعل المحبوب بلا حاجة إلى توجّهه إلى من يصدر منه هذا الفعل. أمّا بلحاظ نفس الحكم أي: البعث والزجر وإشغال الذمّة فغير معقول؛ إذ الباعث له علاقة تضايف مع المبعوث، وإشغال الذمّة بحاجة إلى من تنشغل ذمّته. على أنّه لو تعقّلنا هذا الوجه احتجنا أيضاً إلى تصوير آخر للوجوب الكفائيّ لكي نفسّر به كفائيّة حكم العقل على المكلّفين بلزوم الإتيان بمتعلّق هذا الحكم.
$
', '', 313), (65, 314, 'book', '$
', '', 314), (65, 315, 'book', 'الأوامر
الفصل الحادي عشر
$
', '', 315), (65, 316, 'book', '$
', '', 316), (65, 317, 'book', 'قد قسّموا الواجب إلى الموقّت وغير الموقّت، والموقّت إلى المضيّق وهو ما كان وقته بقدر فعله، والموسّع وهو ما كان وقته أوسع من فعله، فكان للمتعلّق أفراد طوليّة قد وجب الجامع بينها. وقد وقع الإشكال تارةً في تصوير الواجب الموسّع، واُخرى في تصوير الواجب المضيّق إلاّ أنّه ممّا لا يستحقّ الذكر.
وإنّما الجدير بالذكر هنا أنّه لو انتهى الوقت في الموقّت ولم يأت بالعمل فهل يحتاج وجوب الإتيان به بعد الوقت إلى أمر جديد ودليل جديد أو لا؟ وهذه هي المسألة المعروفة بتبعيّة القضاء للأداء وعدمها.
تبعيّة القضاء للأداء:
وتحقيق الحال في ذلك يكون بأن نذكر أوّلاً الفروض المتصوّرة في دليل الموقّت وبيان نتيجة كلّ واحد من هذه الفروض فيما نحن بصدده. ثُمّ نتكلّم عن أنّ أيّ فرض من هذه الفروض يتّفق مع الأدلّة الإثباتيّة.
الفروض المتصوّرة في دليل الموقّت ثبوتاً:
فنقول: إنّ الفروض المتصوّرة في المقام أربعة:
الفرض الأوّل: أن يكون الدليل دالاًّ على أصل وجوب الفعل، ويكون دليل التوقيت منفصلا غير ناظر إلى تقييد ذلك الدليل، بل ناظراً إلى وجوب جديد
', '', 317), (65, 318, 'book', 'منصبّ على التقيّد بالوقت أو على المقيّد به، فعندنا واجبان: أحدهما أصل الصلاة مثلا، والآخر التقيّد بالوقت أو الحصّة المقيّدة بالوقت على كلام في معقوليّة الثاني مضى في مبحث الإجزاء.
ونتيجة ذلك أنّ وجوب العمل بعد الوقت ليس بحاجة إلى أمر جديد ولا إلى دليل جديد بل يكفي فيه الدليل الأوّل؛ فإنّ ما سقط بالعصيان إنّما هو الأمر الثاني ـ وهو الأمر بالتقيّد أو المقيّد ـ ولا موجب لسقوط الأمر الأوّل ورفع اليد عن إطلاق دليله.
الفرض الثاني: أن يكون دليل التوقيت ناظراً إلى تقييد دليل الواجب إلاّ أنّه يقيّد بعض مراتب الوجوب لا جميعها، وعليه فعند فوات الوقت ينتهي أمر المرتبة الشديدة من الوجوب المتعلّقة بالحصّة الخاصّة، أي: الصلاة في الوقت، أمّا المرتبة الخفيفة من الوجوب فلا مقيِّد لها فهي متعلّقة بجامع الصلاة، فلا مبرّر لسقوط إطلاق الدليل أو الأمر بانتهاء الوقت، فنتمسّك أيضاً بنفس الدليل السابق والأمر السابق.
فالنتيجة على هذا الفرض ـ لو تعقّلناه ـ كالنتيجة على الفرض السابق، وإنّما الفرق بين الفرضين أنّ الأمر بالحصّة الخاصّة في الفرض الأوّل كان مستفاداً من الدليل الثاني، أعني: دليل التوقيت، بينما في هذا الفرض يكون كلا الأمرين مستفاداً من الدليل الأوّل، وإنّما دليل التقييد وظيفته تضييق دائرة الواجب الذي يتمتّع بالدرجة الشديدة من الوجوب وتقييده بالوقت.
الفرض الثالث: أن يكون دليل التوقيت ناظراً إلى تقييد دليل الواجب بكلّ مراتب الوجوب، ولو من باب أنّ الوجوب لم يكن له مراتب عديدة، ولكنّه كان تقييداً غير مطلق لكلّ الحالات بل مادام متمكّناً.
ونتيجة ذلك أنّه إذا انتهى الوقت فقد انتهى التمكّن، فنبقى نتمسّك بإطلاق
', '', 318), (65, 319, 'book', 'الدليل الأوّل لإثبات وجوب القضاء. إلاّ أنّ هذا معناه إثبات أمر جديد بنفس ذلك الدليل، لا بقاء الأمر الأوّل؛ فإنّ الأمر الأوّل كان متعلّقاً بالحصّة المقيّدة بالوقت وقد انتهى بالعصيان.
الفرض الرابع: أن يكون دليل التوقيت مقيّداً للواجب بلحاظ تمام مراتب الوجوب وتمام الحالات.
ونتيجة ذلك أنّ وجوب القضاء يحتاج إلى ثبوت أمر جديد بدليل جديد.
مناقشة الفروض إثباتاً:
بقي الكلام فيما يتّفق من هذه الفروض مع الأدلّة الإثباتيّة فنقول:
أمّا الفرض الأوّل ـ وهو حمل دليل التوقيت على بيان وجوب مستقلّ ـ: فهو خلاف ظاهر الأدلّة بعد ما كان المفروض في أدلّة القيود الاُخرى غير الوقت ـ كالجهر ونحوه ـ هو حمل المطلق على المقيّد بحسب ما قُرِّر في بحث المطلق والمقيّد؛ إذ لا فرق بين الزمان والزمانيّات من هذه الناحية.
وأمّا الفرض الثاني ـ وهو حمل دليل التوقيت على تقييد بعض مراتب الوجوب ـ: فقد يقال في مقام تقريبه: إنّ دليل التوقيت إذا كان متّصلاً لم يُبق مجالا لتكوّن الإطلاق في دليل الواجب. أمّا إذا كان منفصلا فبالإمكان التمسّك بإطلاق دليل الواجب لإثبات مرتبة نازلة للوجوب لذات الصلاة بلا تقيّد بالوقت، وذلك بشرطين:
الأوّل: أن يكون دليل الواجب ذا إطلاق، بأن لا يكون من قبيل الدليل اللبّيّ الذي لا إطلاق له أو نحو ذلك.
والثاني: أن لا يكون لدليل التقييد إطلاق، كما لو كان لبّيّاً، أو لم يكن في مقام بيان أصل المطلب، فعندئذ نقول: إنّ القدر المتيقّن من التقييد هو تقييد المرتبة
', '', 319), (65, 320, 'book', 'العالية من الوجوب. أمّا المرتبة النازلة منه فلم يُعلم تقييدها، فنتمسّك بإطلاق الدليل الأوّل.
ويرد عليه: أنّه إن فُرض أنّ دليل التوقيت لم يُعلم نظره إلى تقييد الدليل الأوّل وكان من المحتمل كونه بياناً لوجوب مستقلّ، فهذا معناه أشدّ في أصل التقييد وهو أجنبيّ عن المقصود.
وإن فُرض أنّنا علمنا بكونه مقيّداً لدليل الواجب في الجملة، قلنا: إنّ دليل الواجب ليس له إطلاق يدلّ على تعدّد الوجوب ذاتاً أو مرتبة، وإنّما غاية ما يوجد فيه إطلاقان: إطلاق للهيئة يدلّ على ثبوت الوجوب في تمام الحالات، وإطلاق للمادّة يدلّ على أنّ الواجب هو الجامع بين الحصص، ولا يوجد إطلاق آخر يدلّ على تعدّد الوجوب ذاتاً أو مرتبة حتّى يقال: إنّ القدر المتيقّن تقيّد بعضها فنأخذ بالبعض الآخر، ولذا لو ورد أمر بشيء لم نستظهر من ذلك الأمر بالإطلاق أنّ ذلك الشيء في أعلى درجات الوجوب.
على أنّه لو دلّ دليل الوجوب ـ بوجه من الوجوه ـ على كون الواجب في درجة عالية من الوجوب، والمفروض تقيّد تلك الدرجة بالصلاة في الوقت، لم تبق في دليل الواجب دلالة على وجوب من الدرجة النازلة لمطلق الصلاة؛ فإنّ ذات الوجوب الذي دلّ عليه الدليل واحد، وقد قُيّد بالحصّة التي في الوقت. نعم، لو كان ـ صدفة ـ في دليل الواجب خصوصيّة تدلّ على وجوبين، أو في دليل التوقيت خصوصيّة تدلّ على المقصود فهذا مطلب آخر خارج عن البحث.
وأمّا الفرض الثالث ـ وهو كون دليل التقييد مقيّداً لفرض حالة التمكّن ـ: فقد يقال في تقريبه سنخ ما مضى في تقريب الفرض الثاني، أي: أنّه بعد فرض دليل التقييد منفصلا، وفرض دليل الواجب سنخ دليل له إطلاق ـ كَأن لا يكون دليلا لبّيّاً مثلا ـ وفرض دليل التقييد غير مطلق ـ لكونه لبّيّاً أو لغير ذلك ـ يقال: إنّ القدر
', '', 320), (65, 321, 'book', 'المتيقّن هو تقيّد الواجب بالوقت مادام متمكّناً، فبعد زوال الوقت يتمسّك بإطلاق دليل الواجب لإثبات الوجوب.
ويرد عليه: أنّ هذا التبعيض في التقييد إنّما يُعقل بالنسبة إلى فرض تعدّد المكلّفين، بأن وجب الصلاة على الكلّ ودلّ دليل مقيِّد على تقيّد الصلاة بالجهر، وكان القدر المتيقّن من هذا التقييد هو صلاة الرجال مثلا، فهنا يتمسّك في صلاة النساء بإطلاق دليل الواجب، حيث إنّ الحكم الواحد هنا انحلاليّ، فقد قيّد بلحاظ الرجال دون النساء.
وواقع المطلب: أنّ الواجب يصبح هو الجامع بين صلاة جهريّة رجاليّة وصلاة إخفاتيّة نسائيّة. أمّا إذا لوحظ مكلّف واحد اُريد إثبات وجوب المقيّد عليه حدوثاً ووجوب المطلق عليه بقاءً ـ كما في المقام ـ فهذا يعني تعدّد الجعل والوجوب، بينما لا يدلّ دليل الواجب إلاّ على جعل واحد ووجوب واحد، والمركّب الارتباطيّ إذا سقط بعض أجزائه أو شرائطه ـ بعجز أو غيره ـ وبقى الباقي واجباً فهذا وجوب جديد لا محالة؛ إذ يستحيل بقاء وجوب الباقي مع سقوط ما سقط؛ لأنّ المفروض أنّه ارتباطيّ.
إذن فانحصر الأمر بالفرض الرابع. نعم، يبقى كلام في أنّه بعد انتهاء الوقت هل يمكن إثبات وجوب ذات العمل بالاستصحاب أو لا؟ وهذا بحث تعرّضنا له في بعض تنبيهات الاستصحاب، فلا حاجة إلى التعرّض له هنا.
$
', '', 321), (65, 322, 'book', '$
', '', 322), (65, 323, 'book', 'الأوامر
الفصل الثاني عشر
$
', '', 323), (65, 324, 'book', '$
', '', 324), (65, 325, 'book', 'الاحتمالات في المقصود من الأمر بالأمر:
الأمر بالأمر يوجد فيه عدّة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن يكون مقصود المولى من ذلك أمر العبد الثاني بالفعل مع أمر العبد الأوّل بإيصال هذا الأمر إليه. وهذا وإن كان في الحقيقة خارجاً عن حقيقة الأمر بالأمر، لكنّه احتمال عرفيّ معقول في كلام المولى حينما يقول لعبده الأوّل: اُؤمر فلاناً يفعل كذا.
وبناءً على هذا الاحتمال يجب على العبد الثاني أن يفعل ذلك الفعل ولو لم يصله أمر المولى عن طريق العبد الأوّل؛ فإنّ كلام المولى في الحقيقة ينحلّ إلى أمرين عرضيّين: أحدهما متوجّه إلى العبد الثاني وهو الأمر بالفعل. والآخر متوجّه إلى العبد الأوّل وهو إيصال هذا الأمر بالفعل إلى العبد الثاني.
الاحتمال الثاني: أن يكون مقصود المولى حقيقةً هو الأمر بالأمر، إلاّ أنّ أمره للعبد الأوّل بأمر العبد الثاني لم يكن على وجه الموضوعيّة بل كان طريقاً لحصول الفعل من العبد الثاني، وهذا يستفاد منه عرفاً بالدلالة الالتزاميّة ـ لا بانحلال الدلالة المطابقيّة كما في الاحتمال الأوّل ـ أمر العبد الثاني بالفعل، فيجب عليه الفعل ولو لم يصله هذا الأمر عن طريق العبد الأوّل.
الاحتمال الثالث: أن يكون مقصوده هو الأمر بالأمر بنحو الموضوعيّة، بأن كان الملاك كامناً في أمر العبد الأوّل لا في فعل العبد الثاني، وهنا وجوب العمل على
', '', 325), (65, 326, 'book', 'العبد الثاني يبتني على استظهار نكتة عرفاً من أمر المولى عبده الأوّل بأن يأمر العبد الثاني، وهي أن يقال: إنّ هذا ظاهرٌ عرفاً في منح مقام الآمريّة والولاية للعبد الأوّل على العبد الثاني، فإن تمّت هذه النكتة عرفاً وجب على العبد الثاني أن يأتي بذلك الفعل، مع فرقين بين هذا الاحتمال والاحتمالين السابقين: أحدهما: أنّه إنّما يجب عليه الفعل لو أمره العبد الأوّل، بينما في الاحتمالين السابقين يجب عليه الفعل مطلقاً. والثاني: أنّه إنّما يجب عليه الفعل في هذا الفرض من باب كونه إطاعةً للعبد الأوّل، بينما في الاحتمالين السابقين كان يجب عليه الفعل لا بهذا العنوان.
الاحتمال الرابع: أن يكون غرض المولى كامناً في مجموع أمر العبد الأوّل وفعل العبد الثاني، وذلك بأحد شكلين:
الأوّل: أن يكون المجموع المركّب من أمر العبد الأوّل وفعل العبد الثاني دخيلا في حصول الغرض، بأن يكون كلّ واحد منهما ركنين عرضيّين لما هو متّصف بالملاك. وعليه فيجب على العبد الثاني الفعل لو صدر الأمر من العبد الأوّل؛ إذ لو لم يصدر منه الأمر لما أفاد هذا الفعل؛ لعدم كفايته وحده في حصول الغرض، ولو صدر منه الأمر كان هذا الفعل مفيداً في حصول الغرض والملاك. وبما أنّ هذا الملاك كان إلزاميّاً موجباً لإيجاب المولى الركن ـ وهو أمر العبد الأوّل ـ فالمستظهر عرفاً بالملازمة هو وجوب الركن الثاني أيضاً.
الثاني: أن يكون أمر العبد الأوّل ذا ملاك ويكون من شرط اتّصاف فعل العبد الثاني بالملاك، فأيضاً يجب على العبد الثاني الفعل لو أمره العبد الأوّل(1).
$
', '(1) فإنّه بناءً على أن يُستظهر من الأمر بالأمر ثبوت الملاك في الفعل ـ ولو بأن يكون نفس الأمر موجباً لاتّصاف الفعل به ـ تكون لهذا الأمر دلالة التزاميّة عرفيّة على كونه بمرتبة إلزام العبد الثاني بالفعل.
', 326), (65, 327, 'book', '
المستظهر عرفاً من بين الاحتمالات:
والمستظهر عرفاً من بين هذه الاحتمالات إنّما هو أحد الاحتمالين الأوّلين، فإنّه إن لم نقل: إنّ الظاهر عرفاً من الأمر بالأمر كونه أمراً موجّهاً إلى العبد الثاني رأساً مع أمر العبد الأوّل بإيصاله إليه، فلا أقلّ من استظهار كونه أمراً بالأمر طريقاً إلى حصول الفعل من العبد الثاني، فيجب على العبد الثاني الفعل ولو لم يصله الحكم من طريق العبد الأوّل(1).
$
', '(1) ذكر السيّد الخوئيّ(رحمه الله) ـ على ما في تقرير الشيخ الفيّاض ـ ثمرةً للبحث في المقام، وهي ثبوت شرعيّة عبادات الصبيّ بمثل ما ورد من قولهم(عليهم السلام): «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين».
أقول: لو قَصد بمشروعيّة عبادة الصبيّ مجرّد كونها محبوبة لله ولو بملاك التمرين فهذا ممّا لا كلام فيه. وإنّما الكلام الفقهيّ يدور حول كون صلاة الصبيّ كصلاة البالغ في الملاك والآثار ما عدا الوجوب.
ولو قَصد بمشروعيّته كونها كصلاة البالغ حتّى يترتّب على ذلك مثلا جواز الاقتداء به ـ بغضّ النظر عن روايات الاقتداء بالصبيّ المتعارضة ـ وجواز نيابته وتبرّعه عن الغير ـ بناءً على القول بانصراف إطلاق دليل النيابة والتبرّع إلى من تكون عباداته مشروعة. أمّا بناءً على الإطلاق وعدم الانصراف فلا حاجة في تصحيح النيابة والتبرّع إلى إثبات مشروعيّة عباداته ـ وعدم وجوب الإعادة والاستيناف على الصبيّ إذا بلغ في أثناء الوقت بعد انتهائه من الصلاة أو في أثناء الصلاة، أقول: لو قصد بمشروعيّة عباداته شيئاً من هذا القبيل فبحث دلالة الأمر بالأمر على مأموريّة العبد الثاني بالعمل لا يدلّ على ذلك؛ إذ غاية ما يدلّ عليه كون فعل العبد الثاني مأموراً به أو محبوباً، وهذا ينسجم في المقام مع فرض كونه مأموراً به أو محبوباً بملاك التمرين لا بنفس ملاكات صلاة البالغ.
ولا بأس بهذه المناسبة أن أتكلّم عمّا إذا بلغ الصبيّ في أثناء الوقت بعد الصلاة أو في أثنائها. فقد يقال بعدم وجوب الإعادة والاستيناف؛ وذلك بدعوى: أنّ تقييد الهيئة بالبلوغ لا يستلزم تقييد المادّة به، بناءً على أنّ فعليّة الوجوب لا تسقط بالامتثال وإنّما تسقط فاعليّته. فمقتضى إطلاق المادّة أنّه إذا بلغ في أثناء الوقت فقد وجب عليه مطلق الصلاة فيما بين الحدّين وقد أتى بها، فلا فاعليّة لهذا الوجوب من حين تكوّنه، ونحن نؤمن بأنّ تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادّة فيما إذا لم يتصوّر معنى معقول لانسحاب الوجوب على تلك الحصّة من المادّة المقترنة بفقدان القيد، وذلك كما في فرض عدم البلوغ إلى انتهاء الوقت.
وتوضيح المقصود: أنّه تارةً نفترض أنّ الوجوب أو مفاد الأمر يدخل في حقيقته قابليّة التحريك، بمعنى أن يكون محرّكاً لكلّ من هو مستعدّ للامتثال. وعليه فتقييد الهيئة يسري إلى المادّة دائماً ولا يمكن عدم السراية؛ إذ لو لم يسر إليها وأتى العبد بالمادّة قبل حصول القيد، كان إطلاق المادّة مساوقاً لفقدان الأمر لفاعليّته من حين وجوده، وهذا خلف كون التحريك أو قابليّة التحريك داخلا في حقيقة مفاد الأمر وهويّته. وبناءً على هذا فمقتضى القاعدة عدم اجتزاء الصبيّ إذا بلغ في أثناء الوقت بصلاته قبل بلوغه.
واُخرى نفترض أنّ الداخل في حقيقة الأمر هو عبارة عن قابليّته للتحريك على تقدير عدم كون العبد قد أتى بالفعل قبل الأمر. وعلى هذا فمتى ما كان عدم سراية قيد الهيئة إلى المادّة موجباً لسقوط الأمر عن قابليّة التحريك، حتّى على تقدير عدم كون العبد قد أتى بالفعل قبل الأمر، فلا محالة يسري القيد إلى المادّة، وذلك كما في فرض عدم البلوغ إلى انتهاء الوقت، فإنّه لو بلغ بعد ذلك في خارج الوقت لم يكن الأمر بالصلاة السابقة قابلا لتحريكه حتّى على تقدير عدم إتيانه بالفعل قبل الأمر.
وهذا بخلاف ما لو بلغ في أثناء الوقت، فإنّ أمره بالصلاة مع عدم سريان قيد الهيئة ـ وهو البلوغ ـ إلى المادّة قابلٌ لتحريكه على تقدير عدم إتيانه بالفعل قبل الأمر، فإذا اكتفينا بهذا المقدار من قابليّة التحريك في حقيقة الأمر تأتّى القول بسقوط الصلاة عمّن صلّى ثُمّ بلغ في أثناء الوقت، وعدم وجوب الاستيناف عليه لو بلغ في أثناء الصلاة.
إلاّ أنّ هذا الكلام لو صحّ ثبوتاً ـ أي: صحّ القول بكفاية هذا المقدار من قابليّة التحريك في حقيقة الأمر ـ فلا ينبغي الإشكال في ظهور الأمر عرفاً في كون المطلوب صلاة جديدة غير ما صلاّها سابقاً في فرضين:
الأوّل: لو كان الأمر بالصلاة متوجّهاً بنحو القضيّة الخارجيّة إلى من يعلم المولى أنّه قد صلّى قبل هذا الأمر.
الثاني: لو لم يحدّد المولى للفعل المأمور به وقتاً خاصّاً كما لو قال: (إذا بلغت فصلّ)أو (إذا استطعت فحجّ)، فلا إشكال في ظهور ذلك في وجوب صلاة وحجٍّ بعد البلوغ والاستطاعة ولو صلّى أو حجّ قبل ذلك، وهذا يعني أنّ سريان القيد من الهيئة إلى المادّة في هذا الفرض عرفيّ على أقلّ تقدير.
نعم، لو حدّد المولى وقت العمل بفترة كان بعضها واقعاً قبل تحقّق القيد، فقد يدّعى عدم ظهور الأمر في إرادة خصوص الفرد الذي يتحقّق بعد القيد، وذلك كما هو الواقع بالنسبة للصلاة التي حدّد وقتها بما بين الحدّين، فإذا بلغ في الأثناء فقد وقع بعض الوقت قبل البلوغ، فلو استظهرنا في هذا الفرض إطلاق المادّة لم يجب على الصبيّ الإعادة. ولو قلنا بالإجمال أيضاً لم يجب عليه الإعادة؛ وذلك لجريان البراءة مع فرض الإجمال.
ثُمّ إنّ السيّد الخوئيّ(رحمه الله) ذكر ـ على ما في تقرير الشيخ الفيّاض ـ: أنّه لا يمكن إثبات شرعيّة عبادة الصبيّ بعموم أدلّة التشريع، بدعوى: أنّ حديث رفع القلم ـ باعتباره امتنانيّاً ـ إنّما رفع الإلزام والوجوب، فأصل المحبوبيّة باقية على حالها؛ وذلك لأنّ الاعتبار المستفاد من الأمر بعد أن ارتفع بحديث الرفع لم يبق ما نستكشف به المشروعيّة والمحبوبيّة، فهذا يحتاج إلى دليل جديد.
أقول: إنّ هذا الكلام في غاية المتانة بناءً على مبنانا من كون الوجوب مفاداً للأمر. أمّا على مبناه من أنّ الأمر إنّما يدلّ على مطلق اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، وأنّ الوجوب ينتزعه العقل لو لم يقترن الأمر بالترخيص في الخلاف، فمن المحتمل كون هذا الرفع الامتنانيّ ناظراً إلى رفع الوجوب دون رفع أصل الاعتبار.
ولا يقال: إنّ الوجوب غير قابل للرفع باعتباره غير شرعيّ بحسب الفرض.
فإنّه يقال: إنّ الوجوب قابل للرفع بإفناء منشأ انتزاعه، ومنشأ انتزاعه عبارة عن مجموع أمرين: أحدهما الأمر بالفعل، والثاني عدم الترخيص في الخلاف. والقدر المتيقّن هو إفناء الثاني، فنتمسّك بإطلاق دليل الأمر في إثبات أصل المشروعيّة والمحبوبيّة مع الجزم بعدم الوجوب.
فإن قلت: إنّ التعبير برفع القلم ينصرف إلى رفع قلم التشريع، والمشرَّع إنّما هو الأمر لا الوجوب على ما هو المفروض من أنّ الوجوب أمر ينتزعه العقل.
قلت: كون المشرَّع إنّما هو الأمر وعدم كون الوجوب مشرَّعاً وإن كان صحيحاً فلسفيّاً وعقليّاً بحسب مبنى السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، ولكن يُفترض عرفاً الوجوب كأنّه شيء جاء من قِبَل الشريعة، وكأنّ القلم كتب الوجوب علينا عن طريق مجموع أمرين: أحدهما الأمر، والثاني عدم الترخيص، ويكون التعبير عن رفع الوجوب برفع القلم عرفيّاً ومعقولا.
', 327), (65, 328, 'book', '
$
', '', 328), (65, 329, 'book', '$
', '', 329), (65, 330, 'book', '$
', '', 330), (65, 331, 'book', 'الأوامر
الفصل الثالث عشر
$
', '', 331), (65, 332, 'book', '$
', '', 332), (65, 333, 'book', 'إذا كرّر الأمر بشيء مع وحدة الشروط فهل يحمل على التأكيد، فلا يأتي العبد بالفعل إلاّ مرّة واحدة، أو على التأسيس، فيأتي العبد بالفعل مرّتين؟
ذكر صاحب الكفاية(رحمه الله): أنّه يقع التعارض بين ظهور الهيئة وظهور المادّة؛ فإنّ الهيئة ظاهرة في وجوب جديد، بينما المادّة بإطلاقها تقتضي كون الواجب هو ذات الطبيعة لا بقيد مرّة اُخرى، ويستحيل اجتماع أمرين على ذات الطبيعة، فهذا يوجب التأكيد. والنتيجة في المقام هي الحمل على التأكيد تطبيقاً لظهور المادّة؛ لأنّ الهيئة حينما تكرّرت بشكل متماثل ـ والتكرار المتماثل يناسب التأكيد ـ أصبحت(1) مجملة من حيث التأسيس والتأكيد، فيرجع إلى ظهور المادّة في كون المأمور به ذات الطبيعة، فيثبت التأكيد.
أقول: إنّ تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنّ هيئة الأمر إنّما تدلّ على الوجوب، ولا تدلّ على أنّ هذا الوجوب تأسيس لا تأكيد؛ فإنّها لم توضع لخصوص وجوب لم يُكشَف قبل ذلك، ولهذا لو أمر شخص عبده بشيء كان قد أمره به قبل ذلك لأجل التأكيد لم يكن ذلك استعمالا مجازيّاً. نعم، قد يقال بدلالة سياقيّة وحاليّة للمتكلّم ـ بلحاظ حال المتكلّم ـ على كونه في مقام التأسيس
', '(1) يقول صاحب الكفاية(رحمه الله): أصبحت ظاهرة في التأكيد، ولعلّ مقصوده أنّها تفسَّر بظهور المادّة.
', 333), (65, 334, 'book', '
لا التأكيد، وذلك حينما يصدر من المتكلّم كلام مشتمل على جملتين، والجملة الثانية تنسجم مع معنى تأسيسيّ ومع تأكيد نفس الجملة الاُولى، وكانت نسبتها إليهما على حدّ سواء، فحينئذ يقال: إنّ الكلام ظاهر في التأسيس بدلالة سياقيّة؛ لأنّ التأكيد حالة استثنائيّة.
وهذا الكلام لا يمكن تطبيقه على المقام، فإنّ الأمر الثاني إمّا أن يُذكر متّصلاً بالأمر الأوّل بحيث يمكن عطفه عليه بالواو، أو يذكر منفصلا عنه، فإن ذُكر منفصلا عنه لم يكن له ظهور في التأسيس في مقابل الأمر الأوّل باعتبار ذلك الظهور الحاليّ؛ وذلك لأنّ ظهور حال المتكلّم إنّما هو التأسيس بلحاظ كلام واحد لا بلحاظ كلامين. وهذا ثابت في المقام، فإنّ هذا الأمر بلحاظ هذا الكلام تأسيس وليس تأكيداً.
وإن ذُكر متّصلاً به فإن عطفه عليه بالواو كان نفس العطف بالواو قرينة على التأسيس. وإن لم يعطفه عليه بالواو كان نفس عدم العطف بالواو قرينة عرفاً على التأكيد، حيث إنّ هذا اُسلوب متّبع عند العرف للتأكيد، وهو ذكر ما يناسب كونه تأكيداً لما سبق وترك العطف، ومتى ما كان كذلك يحمل عرفاً على التأكيد.
فقد تحصّل في المقام: أنّ الصحيح هو الحمل على التأكيد.
$
', '', 334), (65, 335, 'book', 'مباحث الألفاظ
3
وفيه فصول:
$
', '', 335), (65, 336, 'book', '$
', '', 336), (65, 337, 'book', 'النواهي
الفصل الأوّل
ويقع البحث فيها من جهات:
$
', '', 337), (65, 338, 'book', '$
', '', 338), (65, 339, 'book', 'مفاد صيغة النهي:
الجهة الاُولى: في مفاد صيغة النهي.
قد اشتهر في لسان جملة من الاُصوليّين: أنّ النهي والأمر مفادهما الطلب، إلاّ أنّ الأمر هو طلبٌ للفعل والنهي طلبٌ للترك.
وقد اشتهر في لسان جملة من المتأخّرين رفض كون الفرق بين الأمر والنهي في المتعلّق مع اتّحادهما في أصل معنى الطلب، وقالوا: إنّ هناك تبايناً بين مفادي الأمر والنهي غير راجع إلى اختلاف المتعلّقين.
وبإمكاننا تصنيف كلمات الرافضين لكون النهي كالأمر إلى ثلاث كلمات: الاُولى ما نسبه السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ إلى مشهور المعترضين على الرأي السابق. والثانية رأي السيّد الاُستاذ نفسه. والثالثة كلمتنا في المقام:
أمّا الكلمة الاُولى: فهي عبارة عن أنّ الأمر يدلّ على طلب الطبيعة والتحريك نحوها، والنهي يدلّ على الزجر عن الطبيعة والتبعيد عنها.
وهذا الكلام إن كان المقصود به مجرّد الإتيان بفرضيّة معقولة اُخرى في قبال ما قالوه: من أنّ مفاد النهي كالأمر هو الطلب وأنّ الفرق في المتعلّق، فهو أمر معقول كما سيتّضح، ولكنّه غير مشتمل على البرهان على المقصود. وإن كان المقصود به الاستدلال على رفض كون مفاد النهي هو الطلب، فلا يوجد في هذا المقدار من البيان دليل على ذلك، إلاّ إذا قصد الاستدلال بالوجدان العرفيّ واللغويّ، وهو صحيح إضافةً إلى ما سيأتي إن شاء الله من المنبّهات لهذا الوجدان.
$
', '', 339), (65, 340, 'book', 'والسيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ علّق على هذا الرأي بأنّ هذا غير معقول؛ لأنّه إن قُصد بالتحريك والزجر التحريك والزجر التكوينيّان الحاصلان بمثل اليد، فمن الواضح عدم دلالة الأمر والنهي عليهما. وإن قُصد بهما التحريك والزجر التشريعيّان، فالأمر بنفسه تحريك تشريعيّ، والنهي بنفسه زجر تشريعيّ، فإنّ المولى بما هو مولى يحرّك بالأمر، ويزجر بالنهي، فلا معنى لافتراض أنّ الأمر يدلّ على التحريك، والنهي يدلّ على الزجر، بل هما مصداقان للتحريك والزجر، فيجب أن يكون مدلولهما شيئاً آخر به يتحقّق التحريك والزجر.
أقول: كأنّ هذا الكلام انسياق مع مبانيه ـ دامت بركاته ـ في الوضع، حيث ذهب إلى أنّ الوضع عبارة عن التعهّد، وتفرّع على ذلك القول بأنّ الوضع هو منشأ الدلالة التصديقيّة الموجودة في الجملة التامّة، وعليه يقال في المقام: إنّ الأمر والنهي لو كان مدلولهما اللغويّ التحريك والزجر كان معنى ذلك أنّ الأمر والنهي يدلاّن دلالة تصديقيّة على التحريك والزجر، أي: إنّها يكشفان عن التحريك والزجر، في حين أنّهما لا يكشفان عن التحريك والزجر التكوينيّين كما هو واضح، ولا التشريعيّين؛ لأنّهما بنفسهما مصداق للتحريك والزجر التشريعيّين لا كاشف عنهما.
أمّا على ما هو المشهور المختار من كون الوضع موجباً للدلالة التصوريّة فحسب، وأمّا الدلالة التصديقيّة فهي وليدة السياق وحال المتكلّم ومناسبات الحكم والموضوع، فمادّة الأمر والنهي تدلّ دلالة تصوريّة على معنى اسميّ، وهيئتهما تدلّ على النسبة التي هي معنى حرفيّ، أي: تدلّ على النسبة التحريكيّة التكوينيّة والنسبة الزجريّة التكوينيّة، بمعنى إخطار ذلك في الذهن لا الكشف(1)،
', '(1) مضى منّا في بحث مفاد هيئة الجمل: أنّ مفاد هيئة الأمر والنهي عبارة عن نسبة بعثيّة أو زجريّة تامّة ذات ثلاثة أطراف: الباعث أو الزاجر من ناحية، والمبعوث أو المزجور من ناحية اُخرى، والمبعوث إليه أو المزجور عنه من ناحية ثالثة، فراجع.
', 340), (65, 341, 'book', '
ثُمّ نحن نعرف بمناسبة الحكم والموضوع وبلحاظ حال المتكلّم أنّ الأمر كان بداعي التحريك التشريعيّ، والنهي كان بداعي الزجر التشريعيّ. وهذه فرضيّة معقولة لصالح اختلاف النهي عن الأمر في المفاد من دون فرض فرق في المتعلّق.
وأمّا الكلمة الثانية ـ وهي ما ذكره السيّد الاُستاذ دامت بركاته ـ: فهي أنّ الأمر يدلّ على اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، والنهي يدلّ على اعتبار حرمان المكلّف عن الفعل وابتعاده عنه، لا على اعتبار تركه في ذمّته، والشاهد على ذلك ـ بناءً على مسلك العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ـ أنّ الأمر يتبع مصلحة في الفعل، فالمناسب هو اعتبار الفعل في الذمّة؛ لأنّ مركز الغرض هو الفعل. والنهي يتبع مفسدة في الفعل، فالفعل هو مركز الملاك والمبغوضيّة وليس الترك هو مركز الغرض، فالمناسب هو اعتبار حرمان المكلّف عن الفعل دون اعتبار الترك في ذمّته.
أقول: أمّا أصل كون مدلول الأمر والنهي هو الاعتبار بغضّ النظر عن أنّ متعلّق الاعتبار هل هو الترك أو الحرمان من الفعل، فهذا منسجم أيضاً مع مسلك كون الدلالة التصديقيّة مدلولا وضعيّاً للكلام. وقد مضى في محلّه توضيح أنّ المدلول الوضعيّ للأمر والنهي ليس هو الاعتبار وإن كان قد يُستظهر الاعتبار بدلالة سياقيّة وحاليّة. وهناك بعض الشواهد على ذلك، من قبيل: أنّ فكرة الاعتبار فكرة معقّدة لا تنسجم مع الدلالة الوضعيّة للأمر والنهي التي هي أبسط وأوضح تصوّراً بكثير من ذلك، وأنّ صيغة الأمر كما تصدر من العالي إلى الداني كذلك تصدر من الداني إلى العالي، فنحن نقول: (يا ربّنا اغفر لنا)، في حين أنّه لا يخطر ببالنا افتراض جعل شيء في ذمّة الله تعالى أو اعتباره فيها، فغاية الأمر أنّ الاعتبار وجعل الشيء في ذمّة المأمور به قد يستكشف من سياق وظهور حال ومناسبات، لا أنّ ذلك داخل في المدلول اللغويّ للأمر والنهي.
$
', '', 341), (65, 342, 'book', 'وأمّا الاستدلال على كون مفاد النهي هو اعتبار الحرمان من الفعل لا اعتبار الترك بمذهب العدليّة، فيرد عليه:
أوّلا: أنّنا نتكلّم في الوضع اللغويّ الثابت قبل تكوّن الإسلام ووجود أشاعرة وعدليّة، فما معنى الاستدلال على المدلول الوضعيّ بمذهب العدليّة؟!
وثانياً: فلتكن النواهي تابعة لمفسدة في الفعل، فالمولى يهدف للتوصّل إلى نقيض تلك المفسدة، وهذا كما يمكن باعتبار الحرمان كذلك يمكن باعتبار الترك في ذمّة المكلّف، فليس هذا دليلا على أنّ مفاد النهي هو اعتبار الحرمان من الفعل دون اعتبار الترك.
وغاية ما يمكن أن يقال هي: دعوى كون اعتبار الحرمان أنسب في المقام، ولكن متى صارت الأنسبيّة في الوضع دليلا على تعيين الوضع؟! فلعلّ الواضع ـ مثلا ـ لم يكن ملتفتاً إلى هذه الأنسبيّة التي التُفت إليها في المقام.
وأمّا الكلمة الثالثة: فهي أنّ ما ذُكر في الكلمة الاُولى من أنّ النهي يختلف عن الأمر في أنّ الأمر يدلّ على طلب الفعل والنهي يدلّ على الزجر عن الفعل، مطلب صحيح، وتوضيحه: أنّ النهي له مادّة وله هيئة، ومادّته تدلّ على الطبيعة، وهيئته تدلّ على النسبة الزجريّة. كما أنّ الأمر تدلّ مادّته على الطبيعة وهيئته على النسبة التحريكيّة، هذا بلحاظ الدلالة التصوّريّة. وأمّا بلحاظ الدلالة التصديقيّة الناشئة من ظهور الحال ومناسبات الحكم والموضوع، فالأمر يكشف عن داعي التحريك، والنهي يكشف عن داعي الزجر والمنع.
فعلى كلا المستويين ـ أعني: مستوى الدلالة التصوّريّة والتصديقيّة ـ يكون الفرق بين الأمر والنهي هو الفرق بين الطلب والزجر. ويدلّ على ذلك الوجدان العرفيّ واللغويّ، وهناك بعض المنبّهات لهذا الوجدان:
منها: أنّنا لو قلنا: إنّ النهي يدلّ على الزجر عن الطبيعة كان مدلول النهي مؤتلفاً
', '', 342), (65, 343, 'book', 'من عنصرين: عنصر اسميّ وهو الطبيعة، وعنصر حرفيّ وهو النسبة الزجريّة الثابتة بين الزاجر والمنزجر والطبيعة. وكذلك في نفس صيغة النهي يوجد عنصران يقابل كلّ منها واحداً من عنصري المدلول، وهما المادّة والهيئة، فالمادّة تدلّ على المعنى الاسميّ وهي الطبيعة، والهيئة تدلّ على المعنى الحرفيّ وهي النسبة الزجريّة.
أمّا لو فرضنا أنّ النهي يدلّ على طلب ترك الطبيعة، فإضافةً إلى عنصر الطبيعة التي تدلّ عليها المادّة، وعنصر النسبة الطلبيّة التي تدلّ عليها الهيئة يوجد عنصرٌ ثالث وهو الترك، وهو بحاجة إلى دالّ:
فإن فُرض الدالّ عليه أمراً ثالثاً غير المادّة والهيئة، فلا يوجد لدينا أمر ثالث غيرهما. وإن فُرض الدالّ عليه المادّة، فإن كان المفروض دلالة المادّة على الترك من باب الاستعمال، فمن أوضح الواضحات أنّ مادّة الصلاة في (لا تصلّ) مثلا لا تستعمل في ترك الصلاة. وإن كان المفروض دلالتها على الترك من باب الفناء والمرآتيّة، فأيضاً من الواضح أنّ الطبيعة إنّما تفنى في أفرادها الوجوديّة لا في عدمها.
وإن فُرض الدالّ عليه الهيئة كان معنى ذلك أنّ الهيئة تدلّ على معنى حرفيّ، وهي النسبة الطلبيّة مع طرفها الاسميّ وهو الترك، وهذا ممّا لا يُعهد في الحروف والهيئات.
أضف إلى ذلك: أنّ الترك منسوب ـ بنسبة ناقصة ـ إلى الطبيعة، وهذه النسبة الناقصة أيضاً بحاجة إلى دالّ عليها، إلاّ أن يقال: إنّ نفس تلك الهيئة دالّة عليها، وهذا يعني أنّ تلك الهيئة قد دلّت على نسبتين مع معنى اسميّ كان طرفاً لإحداهما، وهذا غريب في أوضاع الحروف والهيئات.
ومنها: أنّه قد ينهى عن الترك فيقال: (لا تترك)، فلو كان مفاد النهي عبارة عن طلب ترك الطبيعة لكان معنى (لا تترك): اترك الترك، في حين أنّنا لا نحسّ عرفاً
', '', 343), (65, 344, 'book', 'في (لا تترك) بحزازة تعليق الترك بالترك المحسوسة عرفاً في: (اترك الترك).
ومنها: أنّ (لا تفعل) صيغة للنهي وكلمة النهي مادّة له، أي: إنّنا لا نشكّ بحسب فهمنا العرفيّ أنّ هيئة النهي تدلّ على نفس معنى مادّة النهي بفرق: أنّ الاُولى في صياغة حرفيّة والثانية في صياغة اسميّة، فمادّة النهي ـ كما في: (نهيتك) ـ إن كانت دالّة على طلب الترك صحّ أن تكون هيئة النهي أيضاً دالّة على النسبة الطلبيّة، في حين أنّه لا ينبغي توهّم كون مادّة النهي معناها طلب الترك.
وينبّه على ذلك: أنّ مادّة النهي تتعدّى بـ (عن) فيقال: (النهي عن شرب الخمر) مثلا، بخلاف الطلب أو طلب الترك، فلا يقال مثلا: (طلب الترك عن شرب الخمر).
$
', '', 344), (65, 345, 'book', 'الشموليّة في إطلاق النهي والبدليّة في إطلاق الأمر:
الجهة الثانية: في كون الإطلاق في النهي شموليّاً انحلاليّاً وفي الأمر بدليّاً.
قد ذكر المشهور: أنّ الأمر يدلّ على طلب الطبيعة بنحو الإطلاق البدليّ، ولكن إطلاق النهي يكون شموليّاً انحلاليّاً.
ومن هنا يقع الكلام في أنّه كيف اختلف الإطلاق في النهي منه في الأمر، فصار في النهي شموليّاً وفي الأمر بدليّاً، في حين أنّ الدالّ على الإطلاق في كليهما واحد وهو مقدّمات الحكمة؟
وقد ذكر السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ(1) في تفسير ذلك: أنّ الفرق ينشأ من مقدّمة عقليّة خاصّة، وأمّا ذات مقدّمات الحكمة فنتيجتها في كلّ الموارد واحدة، وهي جامع الإطلاق من دون تعيين كونه شموليّاً أو بدليّاً، فالشموليّة والبدليّة إنّما تفهم دائماً من مقدّمة خاصّة اُخرى.
فمثلا في متعلّق الأمر من قبيل قوله: (صلّ) توجد ثلاثة احتمالات: كون الواجب هو صِرف وجود الصلاة على شكل الإطلاق البدليّ، وكونه كلّ الصلوات على شكل الإطلاق الشموليّ، وكونه مجموعة معيّنة من الصلوات كعشرين صلاةً في عشرين بيتاً مثلا. والاحتمال الثالث منفيّ بمقدّمات الحكمة المشتركة في الإطلاقين الشموليّ والبدليّ؛ لأنّ خصوصيّة تلك المجموعة بحاجة إلى البيان ولم يبيّن، والمفروض أنّه بصدد البيان، فيبقى الأمر دائراً بين الاحتمالين الأوّلين.
وهنا يأتي دور المقدّمة الفعليّة المعيّنة للاحتمال الأوّل، وهي: أنّ إيجاب كلّ الصلوات على المكلّف غير معقول؛ لأنّه غير قادر على الإتيان بكلّ الصلوات
', '(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 4، ص 97 - 114.
', 345), (65, 346, 'book', '
خاصّة وأنّ فيما بينها أفراد متضادّة، كالصلاة في المسجد مع الصلاة في البيت في وقت واحد، فينحصر الأمر في الاحتمال الأوّل وهو وجوب صِرف الوجود على شكل الإطلاق البدليّ.
وهذا بخلاف باب النهي كـ (لا تكذب) فقوله مثلا: (لا تكذب)، أيضاً فيه احتمالات ثلاثة: كون الحرام كلّ كذب بنحو الإطلاق الشموليّ، وكون الحرام كذباً واحداً على سبيل البدل، أي: إنّه لو ترك كذباً واحداً لكفى وجاز له الإتيان بكلّ كذب آخر، وكون الحرام مجموعة معيّنة من الأكاذيب كالكذب على الله ورسوله، أو الكذب في حال الصوم. والاحتمال الثالث منفيٌّ بالإطلاق ومقدّمات الحكمة المشتركة؛ لأنّ دخل خصوصيّة تلك المجموعة من الأكاذيب بحاجة إلى البيان ولم يبيّن، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين.
وهنا يأتي دور المقدّمة العقليّة المعيّنة للاحتمال الأوّل والنافية للاحتمال الثاني، وهي أنّ تحريم كذب واحد غير معقول؛ إذ لا يوجد أحدٌ يستطيع أن يكذب كلّ كذبة، فترك بعض أفراد الكذب حاصل قهراً، فتعيّن بذلك احتمال الإطلاق الشموليّ.
وفيما أسماه السيّد الاُستاذ بموضوع الأحكام الوضعيّة من قبيل: ﴿أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْع﴾قال دامت بركاته: هنا أيضاً توجد فيه ثلاثة احتمالات: كون المقصود تنفيذ أحد البيوع على سبيل الإطلاق البدليّ، وكونه تنفيذ كلّ البيوع على سبيل الإطلاق الشموليّ، وكونه تنفيذ مجموعة معيّنة من البيوع كالبيع العقديّ. والثالث منفيٌّ بمقدّمات الحكمة، والأوّل غير محتمل؛ إذ لا معنى لتنفيذ أحد البيوع، فيتعيّن الإطلاق الشموليّ.
أقول: إنّ هذا الكلام ترد عليه عدّة إشكالات نذكر منها هنا إشكالين:
الأوّل: أنّ في مثل (صلّ) لا مانع من الإطلاق الشموليّ، وكونه غير قادر على جميع أفراد الصلاة لا يعيّن الإطلاق البدليّ:
أمّا على مسلكه(رحمه الله) من أنّ القدرة دخيلة في التنجيز لا في التكليف ـ وإن كان
', '', 346), (65, 347, 'book', 'فيما أعلم لم يفرّع في علم الاُصول عليه شيئاً ـ فغاية الأمر أنّه لا يتنجّز عليه إلاّ المقدار المقدور.
وأمّا على القول بأنّ القدرة شرط في التكليف فليكن مفاد (صلّ) وجوب كلّ الصلوات بنحو الإطلاق الشموليّ لكن في دائرة ما هو المقدور. ولتكن القرينة على خصوصيّة القدرة التقييد اللبّيّ الذي هو كالمتّصل، وهو عدم إمكان تعلّق التكليف بغير المقدور، فلم يتعيّن الإطلاق البدليّ.
الثاني: أنّ هناك بعض الإطلاقات التي لا توجد معها مقدّمة عقليّة خاصّة تدلّ على نفي الإطلاق البدليّ أو الشموليّ ليتعيّن الآخر، ومع ذلك يكون أحدهما متعيّناً بلا إشكال ممّا يكشف عن وجود نكتة اُخرى لتعيين البدليّة أو الشموليّة وراء ما ذكره السيّد الاُستاذ دامت بركاته، فالإطلاق في موضوع الحكم التكليفيّ في مثل: (أكرم العالم) أو: (أكرم العلماء) لا إشكال في شموليّته، مع أنّ الجمع المحلّى باللام ـ فضلا عن المفرد المحلّى باللام ـ لا يدلّ على العموم لغة، في حين أنّ الإطلاق البدليّ معقول في المقام، ولذا يصحّ أن يقول: (أكرم عالماً)، مع أنّ الإطلاق فيه بدليّ(1).
$
', '(1) وأيضاً: إنّ كلام السيد الخوئيّ(رحمه الله) في المقام لا يخلو من تشويش، فهل المقصود بالشموليّة التي أثبتها في باب النواهي في مقابل البدليّة التي أثبتها في باب الأوامر ما ينسجم مع المجموعيّة، أو المقصود بها خصوص الانحلاليّة، وأنّ النهي لا يسقط بالمعصية كما أنّ الأمر يسقط بها، فلو عصاه مرّة واحدة ـ مثلا ـ لم تجز له المخالفة مرّة اُخرى؟ فإن كان المقصود هو الأوّل فهذا أجنبيّ عن الهدف الأصليّ من هذا البحث، وهو إثبات الانحلال وتعدّد المحرّمات في النهي. وإن كان المقصود هو الثاني فما أفاده لا يثبته؛ فإنّ غاية ما تثبته القرينة العقليّة التي ذكرها ـ وهي أنّ ترك فرد مّا ضروريّ من كلّ أحد ـ هي الشموليّة بالمعنى الجامع بين فرض الانحلال وفرض المجموعيّة.
', 347), (65, 348, 'book', '
وأمّا تحقيق حقيقة الحال في المقام فقد مضى منّا مفصّلا في مبحث الأوامر في بحث المرّة والتكرار، ونذكره هنا مختصراً فنقول: إنّ الشموليّة والبدليّة على قسمين:
أحدهما: الشموليّة والبدليّة المدلول عليها باللفظ والتي تكون داخلة في مدلول الكلام، وهذا هو الشموليّة والبدليّة العموميّة التي تكون مدلولا عليها بأداة العموم، من قبيل: أكرم كلّ عالم، وأيّ عالم شئت، وهذا خارج عن محلّ الكلام، فإنّ هذه البدليّة والشموليّة لا تكونان من شؤون مقدّمات الحكمة حتّى يأتي الإشكال المتقدّم.
والثاني: الشموليّة والبدليّة في موارد الإطلاق ومقدّمات الحكمة من دون أداة عموم، وهذا هو الداخل في محلّ الكلام، وقد نشأ الإشكال هنا من تخيّل أنّ الشموليّة والبدليّة هنا كالشموليّة والبدليّة في القسم الأوّل في أنّهما من مداليل الكلام، فيقال: كيف أوجبت المقدّمات ظهوراً في البدليّة تارة وفي الشموليّة اُخرى، إلاّ أنّ الصحيح أنّ الشموليّة والبدليّة خارجة عن مدلول الكلام؛ فإنّ مدلول الكلام بمقدّمات الحكمة لا يتجاوز عن أنّ موضوع الحكم أو متعلّقة هو ذات الطبيعة بلا قيد زائد، وذلك بأن يقال: إنّ موضوع الحكم أو متعلّقه لو كان هو الطبيعة مع قيد زائد لكان على المولى أن ينصب قرينة على القيد الزائد، ولم ينصب قرينة وهو في مقام البيان، فلابدّ أن يكون تمام مراده هو ما ذكره وهو الطبيعة، غاية الأمر أنّ هذا الحكم المتعلّق بالطبيعة يختلف في مقام الانحلال والتطبيق: فتارة يُفرض أنّه قابل للتكثّر في مقام التطبيق، واُخرى يُفرض أنّه غير قابل للتكثّر، فالأوّل هو الشموليّة، والثاني هو البدليّة.
وتوضيح ذلك: أنّ الحبّ له موضوع وله متعلّق، وهناك فارق بين الموضوع والمتعلّق، وهو: أنّ الموضوع دائماً يُرى مفروغاً عنه قبل الحكم، بينما المتعلّق
', '', 348), (65, 349, 'book', 'يُرى من تبعات الحكم، فمثلا في (أكرم العالم) الموضوع ـ وهو العالم ـ يُرى مفروغاً عنه قبل الوجوب، بينما الإكرام لا يُرى مفروغاً عنه قبل الوجوب(1)، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل.
والطرف الذي يُرى مفروغاً عنه وموجوداً قبل الحكم ـ وهو الموضوع ـ يتكثّر وينحلّ لا محالة بعدد فعليّة أفراده في الخارج، وبقدر ما يكون الموضوع فعليّاً يكون الحكم فعليّاً؛ لتبعيّة فعليّة الحكم لفعليّة الموضوع.
وأمّا في طرف المتعلّقات فالقاعدة تقتضي العكس؛ فإنّه لم يفرض وجوده خارجاً، بل الإكرام يوجد بنفس وجوب الإكرام، وعليه لا معنى لأن يصبح فعليّاً بعدد فعليّات المتعلّق. ومن هنا يكون الأصل في المتعلّقات البدليّة، والأصل في الموضوعات الشموليّة.
ويستثنى ممّا ذكرنا في طرف الموضوع ما إذا نُوّن الموضوع فقيل: (أكرم عالماً)، فإنّ التنوين يدلّ على قيد الوحدة ومعه لا يمكن الانحلال. ويستثنى ممّا ذكرناه في طرف المتعلّق النهي؛ لأنّ غلبة نشوئه من المفسدة وغلبة انحلاليّة المفسدة قرينةٌ توجب للكلام ظهوراً في إرادة النهي بعدد أفراد المتعلّق بنحو الانحلال.
وقد ذكر السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ هذه القرينة وأورد عليها بإيرادين:
$
', '(1) مضى منّا في بحث الأوامر ـ بحث المرّة والتكرار ـ فرقٌ بين الموضوع الواقع في سياق الأمر والموضوع الواقع في سياق النهي، وهو أنّ الموضوع في باب النواهي يكون عادةً قيداً للمتعلّق لا موضوعاً مقدّر الوجود، كما هو الحال في الأوامر، وتكون نكتة انحلال النهي بلحاظ أفراد الموضوع هي نفس نكتة انحلاله بلحاظ المتعلّق، لا نكتة كون الموضوع مفروض الوجود، فراجع.
', 349), (65, 350, 'book', '
الأوّل: أنّ نشوء النهي من المفسدة إنّما هو على مذهب العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، أمّا على مسلك الأشاعرة فما معنى غلبة نشوء النهي من المفسدة؟!
الثاني: أنّنا لا نستطيع أن نعرف أنّ الملاك انحلاليّ إلاّ إذا كان الحكم انحلاليّاً، وحينئذ كيف يمكن أن نثبت انحلاليّة الحكم بانحلاليّة الملاك؟(1).
وكلا الإيرادين لا يمكن المساعدة عليهما؛ لأنّ الكلام إنّما هو في الظهور العرفيّ اللغويّ للكلمة، والنزاع بين الأشاعرة والعدليّة إنّما هو في الأحكام الشرعيّة بلحاظ ملاكاتها، أمّا تبعيّة نواهي الناس وأوامرهم للمصالح والمفاسد فهي واضحة حتّى عند الأشاعرة، والظهور العرفيّ ينشأ من غلبة كون النهي ناشئاً من المفسدة ولو عند العرف. هذا هو الجواب عن الإيراد الأوّل.
وبه يندفع الإيراد الثاني أيضاً؛ فإنّنا لا نريد أن ندّعي ـ بغضّ النظر عن انحلال النهي ـ انحلال ملاكات الشارع، بل ندّعي أنّ ملاكاتنا نحن الناس تكون انحلاليّة غالباً، وهذه الغلبة بنفسها تكون قرينة عرفيّة لظهور الكلام في الانحلاليّة والشموليّة، وكلّ ظهور في كلام الإنسان العرفيّ يثبت في كلام الشارع أيضاً(2).
وبما ذكرنا ظهر السرّ في بقاء النهي بعد صدور العصيان والامتثال وسقوط
', '(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 4، ص 95 ـ 97.
(2) غفل السيّد الخوئيّ(رحمه الله) عن أنّ منشأ الظهور في المقام كون المفسدة في نواهي الناس في كلّ فرد فرد من أفراد المتعلّق، وفرض في أصل تقريب الفرق بين الأمر والنهي مجرّد أنّ الأمر دلّ على أنّ المصلحة قائمة بصرف وجود الطبيعة وفي النهي بمطلق وجودها؛ لعدم قرينة على اختصاص المبغوضيّة بالوجود الأوّل، ولذا أورد على ذلك بالإشكالين.
', 350), (65, 351, 'book', '
الأمر بالعصيان والامتثال، وهو انحلال النهي إلى أحكام عديدة، فلها امتثالات عديدة وعصيانات عديدة بخلاف الأمر.
كما ظهر بما ذكرناه أنّ ما أفاده المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من إمكان إثبات بقاء النهي بعد العصيان بالتمسّك بإطلاق المادّة، فقوله: (لا تشرب الخمر) يدلّ على حرمة شرب الخمر حتّى الشرب الذي يكون قبله شرب(1)، غير صحيح؛ لأنّ إطلاق المتعلّق الثابت بمقدّمات الحكمة لايقتضي أكثر من متعلّقيّة ذات الطبيعة، وأمّا كون هذا النهي استغراقيّاً أو انحلاليّاً فيحتاج إلى قرينة اُخرى، وبقاء النهي إنّما هو من تبعات هذا الانحلال ولايفي به مجرّد إطلاق المتعلّق.
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 233 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات المشكينيّ في حواشي الكتاب.
', 351), (65, 352, 'book', '
الفرق العقليّ بين الأمر والنهي من جهة الامتثال والعصيان:
الجهة الثالثة: أنّه لو فرضنا أنّ النهي كان نهياً واحداً وغضضنا النظر عن قرينة الانحلال، أو فرضنا سقوطها بقرينة اُخرى فأصبح النهي كالأمر في كونه حكماً واحداً، بقي هنا فرق عقليّ بين النهي والأمر من ناحية الامتثال والعصيان، وهو أنّ الأمر يُمتثل بإتيان فرد واحد ولايُعصى إلاّ بترك كلّ الأفراد، والنهي لا يُمتثل إلاّ بترك كلّ الأفراد ويُعصى بالإتيان بفرد واحد، وبه يسقط النهي فيجوز ارتكاب باقي الأفراد، وذلك لما اشتهر بينهم من أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الافراد.
وهذا فارق عقليّ في مقام الامتثال والعصيان غير الفارق الذي مضى في الجهة الثانية الراجع إلى مسألة الانحلال وعدمه. وبهذا التمييز بين الجهتين اتّضح بعض الأخطاء، من قبيل ما جاء في تقرير المحقّق العراقيّ(رحمه الله) من تعليل سقوط الأمر بالعصيان وعدم سقوط النهي به، بأنّ الطبيعة لا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ أفرادها وتوجد بوجود فرد واحد(1).
فقد عرفت أنّ كون الطبيعة لا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد أجنبيّ عن عدم سقوط النهي بالعصيان، ومرتبط بالجهة الثالثة. ولولا الانحلال لسقط النهي بالعصيان بالفرد الأوّل، ومع الانحلال لا يسقط النهي نهائيّاً بعصيان بعض أفراده؛ لأنّه في الحقيقة نواه عديدة وله امتثالات وعصيانات عديدة وكلّ نهي يسقط بعصيانه هو.
واستشكل المحقّقون المتأخّرون عن صاحب الكفاية فيما كان يقوله المشهور:
', '(1) راجع نهاية الأفكار مباحث الألفاظ طبعة جماعة المدرّسين بقم، ص 406.
', 352), (65, 353, 'book', '
من أنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد، وأنّ الأمر يمتثل بفرد واحد والنهي لايمتثل إلاّ بترك كلّ الأفراد وكأنّهم ربطوا ـ ولو ارتكازاً ـ هذا البحث الاُصوليّ ببحث فلسفيّ وهو أنّ الكلّيّ الطبيعيّ هل هو موجود في الخارج بعدد الأفراد وتكون نسبته إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء، أو أنّ نسبته إليها نسبة الأب إلى الأبناء؟
والمشهور الصحيح هو الأوّل، فيقال: إنّه على الثاني يصحّ القول بأنّ الطبيعة توجد بوجود فرد واحد ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد. أمّا على الأوّل فلا يصحّ ذلك؛ إذ ليس للطبيعة وجودٌ واحد يوجد بفرد واحد وينعدم بانعدام كلّ الأفراد، وإنّما لها وجودات كثيرة بعدد الأفراد. فإذا كان التكليف متعلّقاً بوجود واحد أمراً أو نهياً كان امتثاله بذاك الفرد فعلا أو تركاً، وإذا كان متعلّقاً بكلّ الوجودات فامتثاله يكون بفعل جميع الأفراد أو تركها بلا فرق في ذلك بين الأمر والنهي.
إلاّ أنّ هذا الربط بين البحثين في غير محلّه؛ فإنّ ما يقال في الفلسفة: من كون نسبة الكلّيّ الطبيعي إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء إنّما هو بلحاظ الوجود الخارجيّ، أمّا بلحاظ الوجود الذهنيّ الذي هو مصبّ التكاليف ـ ولو بما هو مرآة للخارج ـ فالأمر تماماً على العكس، فالوجود الكلّيّ في الذهن الملحوظ مرآةً للخارج لا ينتفي إلاّ بانتفاء تمام الأفراد ويوجد بوجود فرد واحد، ونسبته إلى الأفراد نسبة الأب إلى الأبناء.
$
', '', 353), (65, 354, 'book', 'تنبيهان متعلّقان بالجهتين السابقتين:
الجهة الرابعة: تشتمل على تنبيهين مربوطين بالجهتين السابقتين:
التنبيه الأوّل: أنّ هاتين الخصيصتين اللتين يمتاز النهي بهما عن الأمر في الجهة الثانية والثالثة ثابتتان من دون فرق بين تفسير النهي بالزجر عن الفعل أو بطلب الترك، ولذا لو صرّح بطلب الترك وجدنا كلتا الخصوصيّتين ثابتتين، فسواء زجر المولى عن الفعل أو طلب تركه يكون الغالب صدور ذلك من المفسدة في الفعل وكون المفسدة انحلاليّة، وهذه هي نكتة الجهة الثانية. والطبيعة سواءً زجر عنها أو طلب تركها اقتضى ذلك إعدامها ولا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ أفرادها، وهذه هي نكتة الجهة الثالثة.
التنبيه الثاني: أنّ ما قلناه من أنّ النهي إذا تعلّق بالجامع اقتضى ترك جميع الأفراد إنّما هو في الجامع الحقيقيّ دون الجامع الانتزاعيّ كعنوان (أحدهما)، فلو قيل: (اترك أحدهما) أو: (لا تأتي بأحدهما)، رأينا أنّه يُكتفى بترك واحد منهما كما يُكتفى في: (افعل أحدهما) بفعل واحد.
وحلّ اللغز: إنّ هذا ليس جامعاً حقيقيّاً وإنّما هو مجرّد رمز ذهنيّ يراد منه أحياناً: التعويض عن ذكر واحد معيّن، كما لو قال: (جاء أحدهما) وكان يُرمز به إلى زيد. واُخرى: الرمز إلى فرد غير معيّن، أي: على سبيل البدل، كما لو قال: (ائت بأحدهما)، وآية ذلك: أنّ الجامع لا يُعقل أن ينطبق على الفرد بخصوصيّاته، فإنّ الجامع لا يتحصّل إلاّ بإلغاء الخصوصيّات.
فعنوان (الإنسان) الذي هو جامع بين الأفراد لا ينطبق على خصوصيّة طول الأفراد وقِصَرها ونحو ذلك، بينما عنوان (أحدهما) يمكن تطبيقه على الخصوصيّتين، كأن يقال: (إحدى الخصوصيّتين)، إذن فحينما يقول مثلا: (اترك
', '', 354), (65, 355, 'book', 'أحدهما)، لم يطلب ترك الجامع، وإنّما رمز إلى فرد واحد على تردّده وطلب ترك فرد واحد، فكان يكفي في الامتثال أن يترك فرداً واحداً منهما(1). هذا تمام الكلام في صيغة النهي، ويمكن أن تقاس مادّة النهي على صيغته في جُلّ ما ذكرناه فلا نستأنف بحثاً عنها.
$
', '(1) الصحيح هو الفرق بين جملة (اترك أحدهما) وجملة (لا تفعل أحدهما)، فيُفهم من الأوّل كفاية ترك فرد واحد على سبيل التخيير، ويُفهم من الثاني لزوم ترك كلا الفردين. والسرّ في ذلك: أنّ عنوان (أحدهما) بالآخرة جامع ـ نعم، هو جامع انتزاعيّ، ولهذا أمكن انتزاعه عن الخصوصيّات، بخلاف الجامع الحقيقيّ الذي لا يكون إلاّ بإلغاء الخصوصيّات ـ وهذا الجامع كالجامع الحقيقيّ لا ينتفي إلاّ بانتفاء كلّ أفراده، ولكن قد اُخذ فيه لغةً الإشارة إلى فرد واحد على سبيل البدل، أي: إنّه اُشرب معنى التنوين، فكما يوجد فرق بين قولنا: (اترك خمراً) وقولنا: (لا تقرب خمراً)، حيث يُفهم من الأوّل كفاية ترك خمر واحد، ويُفهم من الثاني لزوم ترك كلّ خمر، أو بين قولنا: (اترك كذباً) وقولنا: (لا تتكلّم بكذب)، فيُفهم من الأوّل كفاية ترك كذب واحد، بينما يُفهم من الثاني لزوم ترك كلّ كذب، كذلك الحال في مثال: (اترك أحدهما) و(لا تفعل أحدهما).
ونكتة ذلك هي الفرق بين النكرة في سياق النفي والنكرة في سياق الإثبات فـ (اترك) إثباتٌ، وإذا انصبّ على المنوّن بتنوين الوحدة وما شابه ذلك أعطى معنى الأمر بإلباس الترك على فرد واحد على سبيل التخيير. و(لا تفعل) نفيٌ ينهى عن تحقّق فرد واحد في الخارج، أي: لابدّ من تطهير لوح الخارج عن الفرد الواحد، وهذا لا يكون إلاّ بترك كلّ الأفراد؛ إذ أيّ فرد لو جيء به فقد جيء بالفرد الواحد.
', 355), (65, 356, 'book', '
$
', '', 356), (65, 357, 'book', 'النواهي
الفصل الثاني
اجتماع الأمر والنهي
$
', '', 357), (65, 358, 'book', '$
', '', 358), (65, 359, 'book', 'تحرير محلّ النزاع
الأمر والنهي لهما معروض بالذات ومعروض بالعرض: فتارة: يختلفان في معروضهما الذاتيّ وفي معروضهما العرضيّ، كما في: (صلّ) و(لا تكذب)، وهذا لا كلام فيه. واُخرى: يتّحدان في كلا المعروضين كما في: (صلّ) و(لا تصلّ)، وهذا يجب أن تُفرض استحالة اجتماع الأمر والنهي فيه أصلا موضوعيّاً وأمراً مفروغاً عنه في بحثنا هذا، أمّا مع إنكارها فلا يبقى موضوع للبحث في المقام. وثالثة: يتراءى اتّحادهما في المعروض بالعرض بينما يختلفان في المعروض بالذات، فهذا هو الذي نريد أن نبحث عنه في هذا الفصل كي نرى أنّ نكتة الاستحالة التي فُرضت مفروغاً عنها في مثل (صلّ) و(لا تصلّ) هل تأتي هنا فنقول باستحالة اجتماع الأمر والنهي، أو أنّ تلك النكتة هنا محلولة: إمّا بدعوى أنّ الاختلاف في المعروض بالذات يكشف بالدقّة عن الاختلاف في المعروض بالعرض أيضاً. أو بدعوى أنّ الاختلاف في المعروض بالذات بنفسه كان كافياً لرفع التضادّ.
والاختلاف في المعروض بالذات رغم ما يتراءى من الاتّحاد في المعروض بالعرض يتصوّر بنحوين:
الأوّل: أن يكون الاختلاف بالإطلاق والتقييد رغم اتّحاد العنوان، كما في (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) فالمعروضان بالعرض وإن اتّحدا في الصلاة في الحمّام، ولكن جامع الصلاة بحدّه الجامعيّ ـ الذي يعرض عليه الأمر في الذهن ـ
', '', 359), (65, 360, 'book', 'يختلف لا محالة عن المعروض بالذات في: (لا تصلّ في الحمام).
الثاني: أن يكون الاختلاف في العنوان، كما في: (صلّ) و(لا تغصب)، فهما رغم اتّحادهما ـ على ما يتراءى ـ في المعروض بالعرض في الصلاة في المكان المغصوب يختلفان عنواناً في المعروض بالذات، فهو في أحدهما عنوان (الصلاة) وفي الآخر عنوان (الغصب).
وهذان النحوان يختلفان في نكتة وهي: أنّه في النحو الأوّل لا يحتمل عدم الاتّحاد في المعروض بالعرض في الحصّة الخاصّة وهي الصلاة في الحمّام، بأن يفترض أنّ في الخارج شيئين: أحدهما الصلاة، والآخر الصلاة في الحمّام، فيقع البحث في أنّ ما فيه من الاختلاف في المعروض بالذات هل يكفي لحلّ التضادّ أو لا؟ بينما في النحو الثاني: يبحث تارةً عن حلّ التعارض بمجرّد الاختلاف في المعروض بالذات واُخرى: عن حلّه بدعوى أنّ ذلك يكشف عن الاختلاف في المعروض بالعرض أيضاً.
$
', '', 360), (65, 361, 'book', 'نكتة استحالة الاجتماع في مثل (صلّ) و(لا تصلّ)
ولنتوجّه أوّلا إلى نكتة استحالة اجتماع الأمر والنهي في مثل (صلّ) و(لا تصلّ) التي هي كأصل موضوعيّ لبحثنا، كي نرى أنّ تلك النكتة هل هي محلولة في مثل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) أو في مثل (صلّ) و(لا تغصب) أو لا؟
فنقول: يمكن أن تقرّب الاستحالة في مثل (صلّ) و(لا تصلّ) بثلاثة بيانات وإن كان بعضها يرجع إلى الآخر بحسب الروح والجوهر:
البيان الأوّل: أنّ التكليف مشروط بالقدرة والمكلّف غير قادر على الفعل والترك، فلا يعقل توجّه تكليفين إليه من هذا القبيل.
ونفس هذا الإشكال كان يُذكر في باب التزاحم من قبيل (صلّ) و(أزل) وكان يجاب عن ذلك بوجود قدرتين مشروطتين بترك الآخر، وهذا لا يُعقل هنا؛ فإنّه لا معنى لأن يقال بالقدرة على الصلاة على شرط ترك الصلاة وبالعكس.
وهذا البيان للاستحالة لا يتمّ على رأي السيّد الاُستاذ القائل بأنّ القدرة ليست شرطاً في التكليف وإنّما هي شرط في التنجّز.
البيان الثاني: أن يقال بأنّ الحكم متقوّم بداعي الباعثيّة والمحرّكيّة والزاجريّة، ولا يمكن أن ينقدح في نفس المولى داعي البعث والزجر معاً؛ لعدم إمكان أن ينبعث المكلّف وينزجر في نفس الوقت.
وهذا البيان أيضاً لا يتمّ على مبنى السيّد الاُستاذ من كون الحكم عبارة عن صِرف الاعتبار دون البعث والزجر، ولذا لم يشترط فيه القدرة.
البيان الثالث: أن يقال بالتنافي بينهما من حيث المبادئ بأن يقال: إنّ (صلّ)
', '', 361), (65, 362, 'book', 'يكشف عن قيام مصلحة فعليّة كاملة(1) مولّدة للحبّ في الفعل و(لا تصلّ) يكشف عن قيام مفسدة فعليّة كاملة(2) مولّدة للبغض فيه وهما لا يجتمعان.
ويمكن الجواب على هذا أيضاً بناءً على مبنى من يرى أنّ الملاك قد يكون في نفس الجعل.
والصحيح: أنّ المباني التي تنافي هذه البيانات غير صحيحة، فالبراهين التي بيّنّاها في محلّها.
وبعد هذا يقع البحث في مقامين:
$
', '(1) (2) أي: غير مزاحمة في التأثير بملاك النقيض.
', 362), (65, 363, 'book', '
الاختلاف بين الأمر والنهي بالإطلاق والتقييد
المقام الأوّل: ما إذا كان الاختلاف بين الأمر والنهي بالإطلاق والتقييد من قبيل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام)، فهل تأتي هنا نكات الاستحالة الماضية أو لا؟
من الواضح عدم تأتّي النكتتين الاُوليين؛ لأنّ المكلّف قادر على الجمع بين الامتثالين، بأن يصلّي في غير الحمّام ولا يصلّي في الحمّام، وبالتالي يمكن تحريكه نحو كلا الأمرين.
وأمّا النكتة الثالثة ـ وهي التضادّ في المبادئ ـ فتارة ندرسها هنا بلحاظ عالم المعروض بالذات واُخرى بلحاظ عالم المعروض بالعرض:
أمّا بلحاظ عالم المعروض بالذات فقد يقال بثبوت التضادّ في المبادئ في المقام؛ لأنّ الصلاة التي هي في ضمن الصلاة في الحمّام مبغوضة بالبغض الضمنيّ ومحبوبة بالحبّ الاستقلاليّ، والحبّ والبغض متضادّان ولو فُرض أحدهما ضمنيّاً والآخر استقلاليّاً، ولذا لا يمكن أن تُفرض التكبيرة ـ مثلا ـ محبوبة في ضمن الصلاة ومبغوضة في نفس الوقت على الإطلاق بالاستقلال.
إلاّ أنّ الصحيح أنّ هناك فرقاً بين الحبّ والبغض، فالمحبوب بالاستقلال يمكن افتراض طروّ البغض على مركّب مشتمل على ذاك المحبوب، من دون وقوع تناف ذاتيّ بينهما، بخلاف العكس.
وهذا إضافةً إلى وجدانيّته يمكن أن يوضّح بأحد بيانين:
البيان الأوّل: أنّ الحبّ إذا عرض على مركّب انحلّ على أجزائه لا بمعنى تحقّق عدّة أفراد من الحبّ حقيقة، بل بمعنى التعمّل العقليّ والتجزئة أي: إنّ هذا الحبّ الواحد منبسط على الأجزاء، فكلّ جزء هو محبوب ضمناً.
أمّا البغض إذا عرض على مركّب فهو لا ينحلّ على الأجزاء، بأن يصبح كلّ
', '', 363), (65, 364, 'book', 'جزء مبغوضاً بالبغض الضمنيّ، وآية ذلك: أنّ مقتضى الحبّ ـ وهو التحرّك نحو الفعل ـ منحلّ إلى تحرّكات ضمنيّة نحو الأجزاء، بينما مقتضى البغض ـ وهو الانزجار والترك ـ لا ينحلّ إلى انزجارات وابتعادات ضمنيّة عن الأجزاء؛ إذ يكفي الابتعاد عن جزء واحد على سبيل البدل، فالمبغوض هو المجموع من دون أن تصيب كلَّ جزء حصّة من البغض الضمنيّ(1).
البيان الثاني: أنّ الحبّ والبغض إنّما يتنافيان إذا تنافيا في مقام حفظ ما يترقّبه كلّ واحد منهما، ولولا تنافي الفعل والترك لما تنافى الحبّ والبغض، إذن فالحبّ الاستقلاليّ والبغض الضمنيّ لا يتنافيان في المقام؛ لأنّ الحبّ الاستقلاليّ يقتضي إيجاد الصلاة، ولكنّ البغض الضمنيّ يستحيل أن يقتضي إعدامها؛ فإنّ البغض الاستقلاليّ الذي كان هذا من ضمنه لم يكن يقتضي ذلك.
وأمّا بلحاظ عالم المعروض بالعرض حيث يقال: إنّ الأحكام إنّما تعرض على العناوين بما لها من مرآتيّة للخارج، فقد يقال بوجود التضادّ في المقام؛ لأنّ الصلاة في الحمّام وجودٌ واحد خارجاً، وهذا الوجود بما هو وجود للمطلق محبوب، وبما هو وجود للمقيّد مبغوض، وهذا يعني اجتماع الضدّين.
والجواب: إنّ المفروض في المقام أنّ الأمر متعلّق بالطبيعة بنحو صرف الوجود والإطلاق البدليّ، فما هو مفنيّ فيه بالعرض ليس هو هذا الفرد بالذات ولا ذاك
', '(1) فإن قلت: إنّ بغض المجموع يستلزم بغض كلّ جزء على تقدير تحقّق الجزء الآخر، فهذا البغض يزاحم ذاك الحبّ.
قلت: هذا إنّما يكون في الجزءين العرضيّين لا في الحصّة والمطلق الذي هو جزء تحليليّ للحصّة؛ فإنّ استلزام بغض الحصّة لبغض تحقّق المطلق على تقدير الحصّة لا معنى له، فإنّ تقدير تحقّق الحصّة مساوق لتقدير تحقّق المطلق.
', 364), (65, 365, 'book', '
الفرد بالذات، وإنّما المفنيّ فيه هو صِرف الوجود لا تمام الأفراد، وصرف الوجود قابل للانطباق على الفرد، فالفرد مصداق للمفنيّ فيه لا عين المفنيّ فيه، ولا يسري منها الحبّ ولو بالعرض إلى هذا الفرد ولا إلى ذاك الفرد، ولذا لو أتى بالفرد بقصد وجوبه بما هو فرد لكان تشريعاً. إذن فلم يلزم اجتماع المحبوبيّة والمبغوضيّة على مركز واحد.
وفي مقابل هذا الكلام يوجد بيانان لو تمّ أيّ واحد منهما لكان برهاناً على الامتناع:
البيان الأوّل: ما ذكرته مدرسة المحقّق النائينيّ(رحمه الله) معترفين بعدم التضادّ بالذات في المقام؛ لأنّ مركز الحبّ هو صِرف الوجود ومركز البغض هو الحصّة، ولكنّهم يدّعون التنافي بالعرض؛ لأنّ الأمر بصِرف الوجود لازمه هو ترخيص المولى في تطبيق الامتثال على أيّ حصّة من الحصص، فكأنّه قال: (ائت بأيّ صلاة شئت) وهذا اللازم ينافي مبغوضيّة حصّة معيّنة.
والفارق العمليّ بين القول بالتنافي الذاتيّ والتنافي بالعرض هو: أنّه على الأوّل لا يجتمع الأمر بالجامع مع النهي عن بعض الحصص ولو نهياً كراهتيّاً، وعلى الثاني يختصّ الامتناع بالنهي التحريميّ؛ لأنّ الترخيص في التطبيق يجتمع مع الكراهة، ومن هنا أجاب الميرزا والميرزائيّون عن إشكال الكراهة في العبادات بهذا الجواب.
والجواب: إنّ الأمر بصِرف الوجود لا يعني الترخيص في كلّ حصّة؛ فإنّ إطلاق المتعلّق ليس معناه إلاّ أنّ الطبيعة بلا قيد هي تمام معروض الأمر، ولازم هذا أنّه من قِبَل شخص هذا الوجوب لا مانع من تطبيق الجامع على أيّ حصّة من الحصص، لا أنّه لا مانع من قِبَل المولى في ذلك ولو من سائر الجهات. وإن شئت فقل: إنّ الترخيص في التطبيق هنا وضعيّ لا تكليفيّ، فهذا البيان فيه خلط بين الترخيص الوضعيّ والتكليفيّ.
$
', '', 365), (65, 366, 'book', 'وحينما بيّنّا هذا لهؤلاء حوّلوا دعواهم الثبوتيّة إلى دعوى إثباتيّة وأنّ الإطلاق البدليّ وإن كان لا يلزم منه الترخيص بالملازمة العقليّة إلاّ أنّ الظاهر العرفيّ هو الترخيص(1).
البيان الثاني: أن يقال: إنّ الحبّ المتعلّق بالجامع بنحو صِرف الوجود يلازم تكويناً حبّ حصّة على تقدير عدم الحصص الاُخرى(2)، أي: إنّ التخيير العقليّ دائماً يستلزم التخيير الشرعيّ لكن لا بحسب عالم الجعل والإلزام ـ الذي هو عمل اختياريّ للمولى ـ وإنّما بحسب عالم الحبّ، وعليه فسوف تكون الصلاة في الحمّام محبوبة ولو على تقدير، وفي نفس الوقت مبغوضة على كلّ تقدير.
أمّا التلازم بين حبّ الجامع بنحو صِرف الوجود وحبّ كلّ حصّة على تقدير عدم باقي الحصص فلا برهان عليه ولكنّه وجدانيّ للإنسان، فالإنسان الذي يحبّ الماء لكونه عطشاناً يستأنس روحيّاً بنفس الماء الذي يشربه، ولا يمكن أن يقال له: إنّ هذا الماء لا تحبّه وإنّما هو مصداق لما تحبّه(3).
$
', '(1) وهذه الدعوى أيضاً في غير محلّها.
(2) فإن قلت: هذا يعني أنّه لو لم تحصل أ يّة حصّة أحبّ كلّ الحصص.
قلت: ليس المقصود كون الحبّ متوقّفاً على عدم باقي الحصص، بحيث لو لم توجد باقي الحصص لأحبّ هذه الحصّة حبّاً تنجيزيّاً، بل المقصود وجود حبّ كلّ حصّة من الحصص من أوّل الأمر في النفس بالفعل حبّاً تعليقيّاً وعلى تقدير، وإن شئت فسمّه بحبّ القضايا الشرطيّة.
(3) إن كان المقصود بوجدانيّة سراية الحبّ بالملازمة من صِرف الوجود إلى الحصص بهذا الشكل: ما يعمّ تقليل البغض أو إفناؤه في الحصّة؛ لوقوع التزاحم بين سراية الحبّ إلى الحصّة والبغض الموجود في الحصّة، فلو كان البغض هو الغالب ـ مثلا ـ منع عن سراية الحبّ إلى تلك الحصّة، أعني: الحبّ المعلّق على تقدير عدم الإتيان بحصّة اُخرى، وخفّ البغض من دون دعوى انحسار الحبّ عن الجامع إلى الحبّ التنجيزيّ للجامع بين الحصص الاُخرى، فهذا لا يضرّ بعدم وقوع التصادم بين (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام)، فيبقى الجامع بحدّه الجامعيّ محبوباً وتبقى الحصّة مبغوضة. وبالتالي لو أتى بتلك الحصّة فقد أتى بالمبغوض وفي نفس الوقت أتى بمصداق المحبوب.
وإن كان المقصود بوجدانيّة سراية الحبّ بالملازمة إلى الحصّة: أنّه لو لم يمكن هذه السراية ـ لغلبة مفسدة الحصّة مثلا ـ لم يمكن بقاء الحبّ على الجامع، بل ينتقل الحبّ تنجيزاً على الجامع بين الحصص الاُخرى، فهذا باطل.
وتوضيح ذلك: أنّنا تارة نفترض أنّ الحصّة المبغوضة غير مشتملة أصلا على ملاك الواجب، وهذا يعني أنّه من أوّل الأمر لم يكن مقتض لتعلّق الوجوب بالجامع، وإنّما الوجوب يتعلّق بالحصّة الاُخرى سواء كانت هناك مفسدة في الحصّة الاُولى أو لا، وهذا خروج عن موضع البحث؛ إذ ليس هذا من موارد اجتماع الأمر والنهي أصلا.
واُخرى نفترض أنّ الحصّة المبغوضة تحقّق مصلحة الواجب ولكن لم يمكن سراية الحبّ إليها ولو على تقدير ترك الحصّة الاُخرى؛ لما فيها من مفسدة وبغض، وفي هذا الفرض لا يُعقل انسحاب الحبّ من الجامع بحدّه الجامعيّ نهائيّاً واستقراره على الحصّة الاُخرى تنجيزاً؛ لأنّ هذا يعني حبّ الحصّة الاُخرى على كلّ تقدير، أي: حتّى على تقدير الإتيان بالحصّة المبغوضة، مع أنّه على هذا التقدير قد تحقّقت المصلحة بالحصّة المبغوضة، فلا معنى لحبّ الحصّة الاُخرى على هذا التقدير.
وقد ظهر بهذا كلّه: أنّه لا موجب للتعارض بين مثل: (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) وتقييد المطلق ما لم يكن المقيّد إرشاداً إلى المانعيّة بل كان نهياً نفسيّاً مستقلاًّ، ولم يكن وجهٌ لبطلان الجامع ضمن تلك الحصّة ما لم يكن قربيّاً وكان النهي منافياً للقربة.
وأمّا ما قد يقال: من دعوى أنّ المبغوض يستحيل أن يقع مصداقاً للجامع المحبوب فلا ينبغي أن يصغى إليه، إلاّ إذا رجع إلى دعوى سراية الحبّ من الجامع إلى حصصه، أو دعوى الملازمة بين حبّ الجامع وحبّ كلّ حصّة حبّاً على تقدير، وقد عرفت جوابهما.
ثمّ إنّني بعد أن كتبت هنا الإشكال على سيّدنا الاُستاذ(رحمه الله) في إنكاره لجواز اجتماع الأمر والنهي على شكل الأمر بصرف الوجود والنهي عن الحصّة، بدعوى الملازمة بين حبّ الجامع وحبّ الحصص على البدل اطّلعت على أنّه(رحمه الله) بيّن بعد فترة من الزمن: أنّ الإشكال على اجتماع الأمر والنهي بهذا الشكل إنّما هو إشكال إثباتيّ حينما يكون الدليل على الأمر والنهي لفظيّين، وأمّا إذا كان الدليلان لبّيّين أو أحدهما لبّيّاً فلا بأس باجتماع الأمر والنهي بهذا الشكل.
وتوضيح ذلك: أنّ حبّ الجامع وإن كان يستلزم حبّ الحصص على سبيل البدل ولكن إذا كانت في حصّة مّا مفسدة موجبة للبغض: فتارة نفترض أنّ المفسدة بالقياس إلى المصلحة مغلوبة، فلم تؤثّر في رفع الحبّ وإنّما أثّرت ـ بعد الكسر والانكسار ـ في تقليل الحبّ، ولكن مع هذا قد ينهى المولى عن هذه الحصّة رغم عدم فعليّة البغض، وذلك طلباً للتفصّي عن تلك المفسدة؛ فإنّ هذه المفسدة رغم مغلوبيّتها يمكن أن توجب صدور النهي على أساس أنّ صدور النهي لا يعني فوات المصلحة الغالبة، فأثر هذا النهي أن يوجِد في نفس المكلّف الداعي إلى العدول عن هذه الحصّة إلى حصّة اُخرى، كي يجتمع إحراز المصلحة مع التحرّز عن المفسدة. أمّا لو ارتكب المكلّف هذه الحصّة فقد أتى بالجامع الواجب المحبوب.
واُخرى نفترض أنّ المفسدة كانت هي الغالبة فأوجبت زوال الحبّ عن الجامع بين تمام الأفراد بما فيها هذا الفرد، ولكن مع هذا لا بأس بأن يُبقي المولى أمره على الجامع رغم حرمة هذه الحصّة ولا يخصّ أمره بالجامع بين باقي الحصص؛ وذلك بنكتة أنّ المكلّف لو أتى بهذه الحصّة المحرّمة فقد حصل الملاك المطلوب، ولا معنى لكونه مأموراً بعد ذلك بحصّة اُخرى.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّه لو كان دليل الأمر بصِرف الوجود ودليل النهي عن الحصّة لفظيّين، بحيث استظهر منهما نشوؤهما عن الحبّ والبغض الفعليّين لم يمكن الجمع بينهما؛ إذ لا يمكن اجتماع حبّ الجامع مع بغض الحصّة. أمّا لو كان أحد الدليلين لبّيّاً فلا بأس باجتماع الأمر والنهي بملاك كون الأمر بالجامع والنهي عن الحصّة.
فان قلت: إنّه إذا كان الدليلان لفظيّين فليتعارضا فقط في دلالتهما الالتزاميّة على فعليّة الحبّ وفعليّة البغض، من دون أن يتساقطا بالنسبة لأصل إثبات الأمر والنهي.
قلنا: إنّ العرف لا يمكنه أن يفكّك بين وجوب الشيء ومحبوبيّته أو حرمة الشيء ومبغوضيّته، فتسري المعارضة من الدلالة الالتزاميّة إلى المطابقيّة. هذا كلّ ما نقل عنه(رحمه الله)في المقام.
أقول: سوف يأتي منّا ـ إن شاء الله ـ إنّ دلالة النهي في المقام على فعليّة البغض إنّما هي بلحاظ إطلاقه لحالة ما إذا لم يكن المكلّف يأتي بحصّة اُخرى غير الحصّة المنهيّة على كلّ حال.
وعلى أيّ حال فمن الغريب أنّه(رحمه الله) لم يمش في هذا البحث إلى نهاية الشوط، فآمن بإمكان بقاء الأمر على الجامع رغم بغض الحصّة؛ لأنّ الحصّة المبغوضة أيضاً تحقّق الملاك المطلوب، ولكن لم يلتفت إلى أنّه في الواقع يبقى الجامع محبوباً؛ إذ لو انسحب الحبّ من الجامع بين كلّ الحصص بحدّه إلى الجامع بين باقي الحصص بحدّه كان معنى ذلك انقلاب حبّ باقي الحصص ـ على تقدير عدم الإتيان بالحصّة المبغوضة ـ إلى حبّها مطلقاً، أي: حتّى على تقدير الإتيان بالحصّة المبغوضة، بينما من الواضح أنّه على هذا التقدير لا يحبّ باقي الحصص؛ لأنّ هذا التقدير يساوق تقدير حصول الملاك.
أمّا لو ادّعى أنّ بغض الحصّة أوجب زوال الحبّ عن الجامع من دون انسحابه إلى باقي الحصص فهذا أيضاً غريب؛ فإنّ الحبّ التقديريّ لباقي الحصص إنّما كان بتبع حبّ الجامع، فلو زال من دون انتقال فكيف بقي الحبّ التقديريّ لباقي الحصص؟
ولو ادّعى أنّ حبّ الجامع انتقل إلى باقي الحصص ولكنّه على شكل الحبّ التقديريّ فهذا أيضاً غريب؛ فإنّ تقديريّة الحبّ عبارة اُخرى عن بدليّة المحبوب، والمفروض سقوط الحصّة المبغوضة عن المحبوبيّة، فلا بدل لباقي الحصص. وإن شئت فقل: إنّ الحبّ المشروط يساوق حبّ الجامع بين الجزاء وعدم الشرط، فحبّ باقي الحصص على تقدير عدم الحصّة المبغوضة يساوق حبّ الجامع بينها.
ومقصودنا من كلّ ما ذكرناه تنبيه الوجدان إلى بقاء حبّ الجامع على حاله لا البرهنة عليه. ولو لا ما ذكرناه لما كنّا نؤمن بظهور الأمر بالجامع في محبوبيّة الجامع بحدّه الجامعيّ، مادام من الممكن نشوؤه من المصلحة في الجامع رغم مغلوبيّتها في بعض الحصص للمفسدة، وإنّما يستكشف حبّ الجامع بحدّه من مجموع الأمر بالجامع وعدم النهي عن الحصّة؛ إذ لا منشأ لهذا الظهور إلاّ هذه الملازمة، فإنّ هذه الملازمة لو كانت مفقودة واقعاً فهي مفقودة عند العرف أيضاً؛ لأنّ الحبّ أمر وجدانيّ ومن المعلومات الحضوريّة للنفس يدركه العرف بالوجدان في نفسه مع ما يلازمه من حبّ الحصص، إذن فنصل أيضاً إلى جواز اجتماع الأمر والنهي ولو كانا بدليلين لفظيّين مادام الأمر أمراً بصِرف الوجود والنهي نهياً عن الحصّة.
', 366), (65, 367, 'book', '
$
', '', 367), (65, 368, 'book', '$
', '', 368), (65, 369, 'book', '$
', '', 369), (65, 370, 'book', '$
', '', 370), (65, 371, 'book', 'الاختلاف بين الأمر والنهي في العنوان
المقام الثاني: ما إذا كان الاختلاف عبارة عن التغاير في العنوان من قبيل (الصلاة) و(الغصب)(1).
فقد يقال بأنّ مجرّد الاختلاف في العناوين يوجب في المقام رفع التضادّ حتّى ولو فُرض الاتّحاد في الوجود الخارجيّ؛ وذلك لأنّ الأحكام في الحقيقة إنّما تعرض على الصور الذهنيّة للعناوين لا الوجودات الخارجيّة.
ويمكن إثبات عروضها على الصور الذهنيّة بأحد تقريبات ثلاثة:
الأوّل: أنّ الحكم يتوجّه إلى الممتثل والعاصي معاً، بينما في فرض العصيان لا يتحقّق الوجود الخارجيّ للمأمور به، إذن لابدّ من التفتيش عن معروض آخر للحكم غير الوجود الخارجيّ مشتركاً بين فرض الامتثال والعصيان، وليس إلاّ الوجود الذهنيّ.
الثاني: أنّ الحكم يحرّك نحو العمل، فهو من مبادئ وجوده ومتقدّم عليه، فكيف يمكن أن يكون متأخّراً عنه تأخّر العارض عن المعروض؟ وهذا معنى ما يقال من أنّ العلّية تنافي العروض.
وأجاب على ذلك المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) بأنّ العلّة لوجود الصلاة هو الأمر بوجوده العلميّ، وما يعرض على الصلاة هو الأمر بوجوده الواقعيّ، فلم يلزم التهافت(2).
$
', '(1) وهنا أيضاً لا إشكال من ناحية القدرة والتحريك، فيجب أن يقع البحث من ناحية مشكلة المبادئ.
(2) نهاية الدراية، ج 2: 312 ـ 313 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
', 371), (65, 372, 'book', '
والجواب: إنّ الأمر إذا كان بوجوده الواقعيّ متأخّراً عن وجود الصلاة فيستحيل أن يكون العلم به محرّكاً؛ لأنّ العلم إنّما يكون محرّكاً باعتبار كاشفيّته وتنجيزه لمعلومه، والمعلوم الذي يكون في طول وجود الفعل لا يقبل التنجيز. وبتعبير آخر: العلم بالأمر الفعليّ يكون منجّزاً لا العلم بالأمر التعليقيّ، والأمر لا يكون فعليّاً إلاّ بعد تحقّق معروضه؛ فإنّ فعليّة العارض فرع فعليّة معروضه(1).
الثالث: أنّ الأحكام الشرعيّة من الصفات ذات الإضافة، والصفات التي من هذا القبيل متقوّمة في مرتبة ذاتها بالمضاف إليه، فلا يعقل ـ مثلا ـ حبّ بلا محبوب ولو في مرتبته، اذن فالمضاف إليه يجب أن يكون موجوداً بنفس وجود الصفة وفي صُقعها؛ إذ لو كان موجوداً بوجود مستقلّ لكانت الإضافة عرضيّة قابلة للانفكاك بحسب الذات(2).
إلاّ أنّه يقال في مقابل هذا البيان لجواز اجتماع الأمر والنهي: إنّ مجرّد التغاير في العناوين لا يكفي لرفع الغائلة؛ وذلك لأنّ الأحكام الشرعيّة وإن كانت متعلّقة في واقعها بالعناوين الذهنيّة ولكن لا بما هي هي، بل باعتبارها فانية في الخارج، ولولا فناؤها لما أحبّ المولى شيئاً من هذه العناوين، إذن فمستقرّ الأحكام في
', '(1) وبكلمة اُخرى: الأمر بوجوده الواقعيّ جُعل بهدف أن يصبح علّة للعلم به الذي هو علّة للعمل، فكيف يتأخّر علّة علّة العمل عن العمل تأخّر العارض عن معروضه؟!
(2) قد يدّعى أنّ معروض الأحكام هي ماهيّة العمل في صُقع التقرّر لا الوجود الخارجيّ ولا الوجود الذهنيّ، وهذا وإن كان لا يبطله الدليل الأوّل والثاني ولكن يبطله الدليل الثالث، وهو أنّ الأحكام من الاُمور الذهنيّة ذات الإضافة، فهي متقوّمة بالمضاف إليه في مرتبة ذاتها.
على أنّه لو لم يمكن إبطال ذلك لا يضرّنا؛ لأنّ الماهيّتين في ذاتهما مختلفتان، فلا يلزم اجتماع الأمر والنهي أو الحبّ والبغض على مركز واحد.
', 372), (65, 373, 'book', '
الحقيقة هو المعنونات، فميزان رفع الغائلة هو تعدّد الخارج، ومن هنا قالوا: إنّ المقياس هو أن نرى هل التركيب اتّحاديّ أو انضماميّ؟ وكأنّ هذا المقدار من البيان يشترك فيه المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) والمحقّق النائينيّ(رحمه الله) والسيّد الاُستاذ وإن اختلفوا في كون التركيب الخارجيّ اتّحاديّاً أو انضماميّاً، وفي حدود الاتّحاديّة والانضماميّة على ما سيأتي إن شاء الله.
إلاّ أنّ الصحيح أنّنا وإن كنّا نؤمن بصحّة عبارة: «أنّ الأحكام الشرعيّة تتعلّق بالعناوين الذهنيّة بما هي فانية في الخارج» على إجمالها، ولكن ليس معنى لحاظها بما هي فانية في الخارج سريان الحكم حقيقة إلى الخارج، بحيث يكون العنوان قنطرة حقيقة لوصول الحكم إلى المعنون، فإنّ هذا مستحيل، سواء اُريد به أنّ الحكم يسري إلى خارج عالم الذهن والإدراك ويعرض على ما في الخارج، أو اُريد به أنّ ما في الخارج يدخل في عالم الذهن والإدراك بوسيلة الصور المُدركة فيعرض عليه الحكم: أمّا الأوّل فهو مستحيل؛ لما تقدّم من الأدلّة على استحالة تقوّم الحكم بالوجود الخارجيّ. وأمّا الثاني فلاستحالة دخول الخارج إلى عالم الذهن والإدراك، وإنّما المدرَك هو الصورة الذهنيّة.
وليس معنى الفناء إنّ الصورة الذهنيّة حيثيّة تعليليّة لإدراك الخارج، وإنّما معنى الفناء أنّ الصورة الذهنيّة إنّما عرض عليها الحكم بما هي ملحوظة بالنظر التصوّريّ، أو قل: بالحمل الأوّليّ، لا بما هي ملحوظة بالنظر التصديقيّ، أو قل: بالحمل الشايع، كما تقدّم شرح ذلك في الأبحاث السابقة. إذن، فالحكم غير سار إلى الخارج وإنّما هو متعلّق بالصور بما هي مرئيّة عين الخارج. وحينئذ نقول: إنّ هذه العناوين لا إشكال في تعدّدها ومجرّد أنّها تُرى خارجيّة لا يخرجها عن تعدّدها، فلا بأس بتعلّق الأمر بأحدهما والنهي بالآخر، وهذا بخلاف ما لو قلنا بالفناء الحقيقيّ فيمتنع حينئذ اجتماع الأمر والنهي؛ إذ لا يوجد في الخارج إلاّ
', '', 373), (65, 374, 'book', 'وجودٌ واحد لو كان التركيب اتّحاديّاً، فكيف يكون مبغوضاً ومحبوباً معاً؟(1).
فتحصّل إلى هنا أنّ مجرّد الاختلاف في العناوين الذهنيّة يكفي في حلّ غائلة اجتماع الضدّين.
إلاّ أنّه يجب أن نلحظ: أنّ البيانين اللذين ذكرناهما أخيراً في مثل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) كتقريب للتعارض وعدم انحلال الغائلة على تقدير تماميّتهما هناك، هل يمكن إسراؤهما إلى ما نحن فيه، أو لا؟
$
', '(1) في الواقع يوجد وجهان لدعوى استحالة اجتماع الأمر والنهي:
أحدهما: دعوى سريان الحكم إلى ما في الخارج.
وهذا جوابه:
أوّلا: ما بيّن في المتن من عدم إمكان السريان الحقيقيّ.
وثانياً: أنّه لو فُرض السريان إلى ما في الخارج فالذي يسري إليه إنّما هو النهي لكونه شموليّاً، وأمّا الأمر فلا يمكن أن يسري إلى الخارج بمعنى الفرد الخارجيّ، وغاية الأمر افتراض سريانه إلى واقع الطبيعة ويبقى عندئذ واقفاً على الطبيعة؛ لأنّها اُخذت بدليّة.
وثانيهما: دعوى أنّ الفناء بمعناه الصحيح كاف في وقوع التضادّ بين الأمر والنهي أو الحبّ والبغض؛ لأنّ الآمر والناهي أو المحبّ والمبغض حينما ينظر إلى العنوانين بالنظر التصوّريّ أو الحمل الأوّليّ أو النظر الفنائيّ يرى المعنون الذي هو واحد، فلا يستطيع أن يحبّه ويبغضه في آن واحد أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ولذا لو قال: (صلّ بكلّ صلاة) وقال: (لا تغصب)، لوقع التضادّ بينهما.
والجواب: أنّ الفناء في الفرد أو في الحصّة إنّما هو ثابت في طرف النهي فقط ـ وهو: (لا تغصب) ـ لشموليّته، وأمّا في طرف الأمر ـ وهو: (صلّ) ـ فلا فناء بلحاظ الأفراد أو الحصص؛ لأنّه اُخذ بدليّاً فلا يفنى مفهومه الذهنيّ إلاّ في ذات الطبيعة والماهيّة، لا في أفرادها وحصصها.
', 374), (65, 375, 'book', '
فنقول: أمّا البيان الأوّل وهو دعوى أنّ الإطلاق يدلّ بالملازمة على الترخيص في التطبيق على أيّ حصّة أرادها المكلّف فيتصادم مع النهي، فلو تمّ هناك لا يتمّ هنا؛ لأنّ غاية ما يمكن أن يُفرض هي دلالة الإطلاق بالملازمة على التطبيق على الحصّة، أي: على التحصيص، فلو كان النهي نهياً عن التحصيص كما في (لا تصلّ في الحمّام) وقع الانصدام. أمّا لو كان النهي عن القيد كما في (لا تغصب) فلا انصدام بين الترخيص في تحصيص الصلاة بالغصب ـ مثلا ـ وعدم الترخيص في نفس الغصب، فإنّه عنوان مستقلّ والترخيص في التقيّد غير الترخيص في القيد. نعم، لو كان الترخيص في التقيّد والتحصيص وارداً في دليل مستقلّ أصبحت له دلالة التزاميّة عرفيّة على الترخيص في القيد، ولكنّ الترخيص بدلالة التزاميّة للإطلاق ليس له دلالة التزاميّة من هذا القبيل، فتحصّل: أنّه لا يوجد أيّ تناف بين الترخيص في الإضافة وعدم الترخيص في نفس المضاف إليه.
وأمّا البيان الثاني وهو أنّ حبّ الجامع بنحو صِرف الوجود يستلزم حبّ كلّ حصّة حبّاً تقديريّاً، أي: على تقدير عدم الإتيان بسائر الحصص، فهذا أيضاً إنّما يوجب التصادم في مثل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) لا في مثل المقام؛ وذلك لأنّ حبّ الحصّة على تقدير إنّما ينافي بُغض الحصّة على كلّ تقدير المستفاد من (لا تصلّ في الحمّام) ولا ينافي بُغض القيد المستفاد من (لا تغصب).
وقد تحصّل: أنّ المختار كفاية تعدّد العنوان في جواز اجتماع الأمر والنهي، إلاّ أنّه توجد لدينا حول هذا المختار تحفّظات:
الأوّل: أنّنا لا نقول بصحّة العمل في العبادات كما في الصلاة؛ وذلك لا بنكتة استحالة أن يكون الفرد الواحد مصداقاً للحرام والواجب معاً، بل بنكتة أنّ الواجب إذا كان عباديّاً لم يصحّ إلاّ إذا اُتي به على وجه قربيّ، وبعد فرض وحدة الفعل خارجاً ووجود المندوحة يستقلّ العقل بعدم جواز هذه الحركة وقبحها، ومعه
', '', 375), (65, 376, 'book', 'يستحيل أن يكون هذا الفعل مقرّباً من قِبَل العقل إلى المولى فلا يقع عبادة، وهذا بخلاف الحال في التوصّليّات.
ويترتّب على هذا التحفّظ بعض آثار عمليّة سوف يأتي في التنبيهات إن شاء الله، وذلك كما في فرض عدم تنجّز الحرمة، فإنّ العقل حينئذ لا يحكم بقبحه فيمكن التقرّب به، بينما بناءً على عدم جواز الاجتماع ـ بنكتة أنّ الحبّ والبغض متضادّان فلا يجتمعان على المجمع ـ لا أثر لموضوع التنجّز وعدمه، فكما لا يجوز اجتماع الضدّين مع علم المكلّف، كذلك لا يجوز مع جهله على تحقيق وتفصيل يأتي في تنبيهات المسألة إن شاء الله.
الثاني: أنّه لو كان العنوان الجامع عنواناً رمزيّاً كعنوان (أحدها) لا حقيقيّاً فلا يجوز الاجتماع، فإنّ الأمر متعلّق في الواقع بذي الرمز، فإذا أمر بإحدى الخصال الثلاث فلا يمكن أن ينهى عن إطعام ستّين مسكيناً(1).
الثالث: أنّه قد يفترض عنوانان متغايران لكنّهما يشتركان في ركن أساس كعنوان (القيام لتعظيم العادل) و(القيام لتعظيم الفاسق)، فهما يشتركان في أصل القيام إلاّ أنّ أحدهما مقيّد بخصوصيّة والآخر مقيّد بخصوصيّة اُخرى، فلو اجتمع العنوانان في معنون واحد فالصحيح أنّه لا يمكن اجتماع الأمر والنهي، فإنّ القيام بعنوانه يكون تحت الحبّ ولو حبّاً ضمنيّاً، والقيام تعظيماً للفاسق مبغوض فيدخل تحت المطلق والمقيّد لاتحت تغاير العنوانين.
$
', '(1) وبكلمة اُخرى: إنّ الجامع لو كان حقيقيّاً فالحبّ منصبّ على صِرف الوجود ويقع الكلام في أنّه هل يستلزم ذلك حبّ كلّ حصّة حبّاً تقديريّاً أو لا، في حين أنّه لو كان الجامع رمزيّاً فالحبّ أوّلا وبالذات منصبّ على كلّ حصّة حبّاً تقديريّاً، ويقع الكلام في أنّه هل يستلزم ذلك حبّاً مطلقاً للجامع الرمزيّ المنتزع أو لا.
', 376), (65, 377, 'book', '
إلى هنا قد أثبتنا ـ مع التحفّظات التي مضت ـ جواز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين بعدم الفناء الحقيقيّ للعنوان في المعنون. والآن نتنزّل عن هذا ونفترض الفناء لكن غاية ما يمكن أن يتنزّل إليه هي افتراض أنّ الذهن يدرك الخارج بواسطة الصورة الذهنيّة، فكأنّه انتقل من رؤية العنوان إلى رؤية المعنون وعندئذ نقول: إنّه رغم هذا التنازل يكون تعدّد العنوان كافياً في رفع الغائلة بلا حاجة إلى إثبات تعدّد المعنون بالدقّةِ، وهذا خلافاً للآخَرين، فإنّه إذا فسّرنا الفناء بهذا التفسير، أي: إنّه يُرى العنوان أوّلاً وبواسطته يُرى المعنون، فمن الواضح أنّه إنّما يُرى المعنون بمقدار ما يحكي عنه العنوان لا بالمقدار الموجود في الخارج، وعندئذ نقول: إنّ هذه العناوين تنقسم إلى قسمين: عناوين ذاتيّة، وعناوين انتزاعيّة. والأوّل له قسمان:
الأوّل: عناوين ذاتيّة نوعيّة، أي: ما هو تمام الماهيّة، كعنوان الإنسان بالنسبة لأفراده، فهو يحكي تمام ماهيّة الوجود الخارجيّ.
والثاني: عناوين ذاتيّة جنسيّة وفصليّة، كالحيوان أو الناطق بالنسبة لأفراد الإنسان، فعنوان من هذا القبيل يفنى في الوجود الخارجيّ لا بمعنى إراءته لتمام الوجود الخارجيّ لزيد مثلا، بل بمعنى إراءته حيثيّة ضمنيّة لهذا الوجود، فالوجود الخارجيّ وإن كان لا يتبعّض في الخارج ولكنّه يتبعّض في الذهن وفيما دخل إليه من عالم الإدراك، فأحياناً لا يُرى الوجود الخارجيّ بتمام حجمه؛ إذ من الضروريّ أنّ ما يراه الذهن بالإنسانيّة يختلف عمّا يراه الذهن بالحيوانيّة، إذن فلا محذور في أن يتعلق الأمر بأحد العنوانين والنهي بالعنوان الآخر.
وأمّا العناوين العرضيّة الانتزاعيّة ـ مثل التقدّم والتأخّر ـ فأيضاً يجوز فيها اجتماع الأمر والنهي على عنوانين، كأن يتعلّق الأمر بتقدّم الصلاة على التسبيح وينهى عن تقدّم الصلاة على الأكل، فقدّم المكلّف الصلاة على التسبيح و الأكل
', '', 377), (65, 378, 'book', 'معاً، والصلاة فعل واحد، فهنا أيضاً نقول: إنّ السراية والفناء لا يقتضيان إلاّ رؤية معنون هذا العنوان، ومعنون ذاك العنوان، ومعنون كلّ منهما حيثيّة واقعيّة تكون خارجيّة بنفسها لا بوجودها، وليس مجرّد أمر اعتباريّ ينشئه العقل، وعندئذ فمعنون كلّ من العنوانين حيثيّة مغايرة لمعنون الآخر وإن كانت كلتا الحيثيّتين قائمة بذات الصلاة، فلو فُرض أنّ العنوان صار سبباً لرؤية المعنون فالمعنون ليس هو وجود الصلاة، وإنّما هو تلك الحيثيّة الواقعيّة، وهي متعدّدة في لوح الواقع.
ثُمّ إنّنا وإن أثبتنا جواز اجتماع الأمر والنهي بمجرّد تغاير الصور الذهنيّة بلا حاجة إلى إثبات التغاير في الوجود الخارجيّ، ولكن بما أنّنا استثنينا من ذلك باب العبادات على أساس ما فيها من قصد القربة فنحن أيضاً بحاجة عن البحث عن التغاير وعدمه في الوجود الخارجيّ وأنّ التركيب هل هو اتّحاديّ أو انضماميّ؟
وقد ذهب المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) إلى اتّحاديّة التركيب ووحدة الوجود الخارجيّ.
ولكنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ذكر مقياساً لاتّحاديّة التركيب وانضماميّته، وهو: أنّه متى ما كانت حيثيّة صدق العنوان على المعنون وحمله عليه حيثيّة تعليليّة فالتركيب اتّحاديّ؛ لأنّ تعدّد الحيثيّات التعليليّة لا يُعدّد الشيء، وهذا هو الحال في العناوين الاشتقاقيّة، فحيثيّة صدق (العالم) أو (الفاسق) على الشخص عبارة عن قيام المبدء به، والمبدء حيثيّة تعليليّة، فليس المبدء هو الذي يُحمل عليه العنوان الاشتقاقيّ كي يكون حيثيّة تقييديّة، وإنّما يُحمل العنوان الاشتقاقيّ على الذات التي قام بها المبدء، فقيام المبدء بها إنّما هو علّة لصدق العنوان الاشتقاقيّ على الذات، وتعدّد علل الصدق طبعاً لا يوجب تعدّد الذات.
أمّا في نفس مبادئ الاشتقاق كـ (العلم) و(الفسق) و(الصلاة) و(الغصب) فصدق
', '', 378), (65, 379, 'book', 'العنوان على الحالة المخصوصة تكون حيثيّته عبارة عن نفس تلك الحالة المخصوصة، وهذا يعني أنّ حيثيّة الصدق تقييديّة وتعدّد الحيثيّة التقييديّة يُعدِّد لا محالة المصداق.
يبقى أن نعرف أنّ حيثيّة صدق أحد العنوانين متى تغاير حيثيّة صدق الآخر، أي: متى تكون حيثيّة الصدق فيهما متعدّدة كي يوجب ذلك ـ بتقييديّته ـ تعدّد المصداق؟ فهذا ضابطه أن تكون النسبة بين العنوانين عموماً من وجه كما هو الحال في الصلاة والغصب، فإنّ هذا يكشف عن أنّه توجد في مادّة الاجتماع حيثيّتان متغايرتان؛ إذ لو كانت هناك حيثيّة واحدة توجب صدق كلا العنوانين فلماذا لم توجب ذلك في مادّتي الافتراق؟(1)، وإذا تعدّدت حيثيّة الصدق بهذا البرهان فمتى ما كانت تقييديّة تعدّد المصداق لا محالة.
واعترض على ذلك السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ بأنّ عناوين المبادئ تكون على قسمين: فتارةً تكون ماهويّة ومتأصّلة، وعندئذ يكون تعدّد العنوان موجباً
', '(1) كأنّ المقصود أنّه إذا كانت الجهتان التقييديّتان إحداهما غير الاُخرى فهما وإن كانتا قد تجتمعان صدفةً في مورد واحد، ولكن قد توجد كلّ واحدة منها بدون الاُخرى لما بينهما من المغايرة، فتكون النسبة عموماً من وجه. أمّا إذا تساوت فهذا شاهد على وحدة الجهتين، وأنّه لا يوجد في الخارج وجودان. وإذا كانت النسبة بين مصاديقهما العموم المطلق، إذن فالأخصّ هو مصداق للأعمّ والعامّ يوجد في ضمن الخاصّ بوجود واحد، ويتّحد معه في الوجود سنخ اتّحاد الهيولى بالصورة، فليس وجود العامّ ضمن الخاصّ إلاّ بمعنى خروج ما بالقوّة إلى الفعل، إذن فلكي يكون التركيب انضماميّاً يجب أن تكون النسبة بين الحيثيّتين التقييديّتين عموماً من وجه.
أقول: من الممكن أن يُفترض أحياناً التلازم من أحد الطرفين أو كلا الطرفين رغم تعدّدهما هويّة، فتصبح النسبة بينهما العموم المطلق أو التساوي لا بنكتة كون إحداهما مصداقاً للاُخرى أو عين الاُخرى.
', 379), (65, 380, 'book', '
لتعدّد المصداق؛ لاستحالة أن تكون لمصداق واحد ماهيّتان. واُخرى تكون انتزاعيّة(1)، فلا يلزم من تعدّد العنوان تعدّد المصداق، فإنّ العنوان الانتزاعيّ لا يلزم أن يكون منشؤه حيثيّة واحدة ثابتة دائماً، بل يمكن أن تكون في مورد الاجتماع لعنوانين انتزاعيّين ماهيّة واحدة تصلح أن تكون منشأً لانتزاع كلا العنوانين العرضيّين(2)، وتكون في مورد الافتراق ماهيّة اُخرى تصلح أن تكون منشأً لانتزاع أحد العنوانين دون الآخر(3).
وتحقيق الكلام في هذا المقام بنحو يتّضح به أنّ هذا النزاع بين العَلَمين ليس في الكبرى كما يتراءى، بل في جهة اُخرى لم يتكلّما فيها: أنّ الحمل على قسمين: حمل مواطاة، أي: حمل الهوهويّة كأن نشير إلى لون ونقول: (إنّه بياض). وحمل اشتقاق، أي: حمل ذو هو كقولنا: (هذا الجسم ذو بياض) أو (هذا الجسم أبيض) ـ فإنّ الهيئة الاشتقاقيّة تغني عن كلمة (ذو) ـ ولا يقال: هذا الجسم بياض.
وعناوين المبادئ ـ كما ذكر السيّد الاُستاذ ـ على قسمين:
الأوّل: العناوين الماهويّة كالقدرة والعلم والبياض، وهذا القسم لا إشكال في أنّ له كلا الحملين، فإنّه يُحمل على مصداقه الحقيقيّ بحمل هو هو، ويُحمل على معروض المصداق بحمل ذو هو.
$
', '(1) كعنوان (الغصب) الذي هو منتزع عند السيّد الخوئيّ(رحمه الله) من التصرّف في مال الغير.
(2) أو يكون لها عنوان ذاتيّ وتكون منشأً لعنوان آخر انتزاعيّ.
(3) ومقصود السيّد الخوئيّ(رحمه الله): أنّه إنّما يتمّ ما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) كضابط في المقام بالنسبة للعناوين المتأصّلة دون الانتزاعيّة، لا بمعنى أنّه لا يجوز الاجتماع في موارد العناوين الانتزاعيّة مطلقاً، بل بمعنى أنّه في موارد العناوين الانتزاعيّة قد تتّفق وحدة منشأ انتزاع هذا مع منشأ انتزاع ذاك أو مع ذاتيّة ذاك، فلا يجوز الاجتماع، وقد يتّفق التعدّد فيجوز.
', 380), (65, 381, 'book', '
والثاني: العناوين الانتزاعيّة، وهذا القسم لا إشكال في تحقّق حمل ذو هو بالنسبة إليه، فنشير إلى السقف ـ مثلا ـ ونقول: (هذا ذوفوقيّة)، أو (هذا فوق)، لكن يبقى سؤال واحد، وهو أنّ هذه العناوين هل لها حمل الهوهويّة أو لا؟ أي: هل في الخارج شيء نقول عنه: (هذا فوقيّة) أو لا؟ فإن قلنا بما هو المشهور بين الحكماء: من أنّ هذه الاُمور الانتزاعيّة ظرف عروضها هو الذهن وظرف الاتّصاف بها هو الخارج (قالوا: وهذا بخلاف الاُمور الاعتباريّة الصِرف كالبحر من زئبق، فإنّ ظرف الاتّصاف فيها أيضاً هو الذهن) أصبح حمل هو هو متعذّراً؛ فإنّ ظرف العروض هو الذهن، فليس ما وراء الذهن شيء يكون هو الفوقيّة. نعم، يوجد في الخارج الفوق، وهذا معنى: أنّ ظرف الاتّصاف هو الخارج.
وإن قلنا بما اخترناه ـ من أنّ هذه العناوين الانتزاعيّة سواءً كانت من مقولة الإضافة كالفوقيّة والتحتيّة أو لا ثابتة بقطع النظر عن عالم الذهن، ولا يُعقل أن يكون ظرف العروض عالماً وظرف الاتّصاف عالماً آخر، بل ظرفهما هو الخارج، غاية الأمر أنّ هذه الاُمور الانتزاعيّة بذاتها خارجيّة لا بوجودها ـ أصبح حمل هو هو ممكناً، فيمكن الإشارة إلى هذا الأمر الخارجيّ ويقال عنه أنّه فوقيّة.
وواقع النزاع بين المحقّق النائينيّ(رحمه الله)والسيّد الاُستاذ لعلّه مربوط بتحديد الموقف تجاه هذه النكتة، أعني: أنّ العناوين الانتزاعيّة هل لها حمل مواطاة أو لا؟ فإن بُني على أنّها تُحمل في الخارج بالحمل المواطاتيّ فالاتّجاه العامّ لكلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) هو الصحيح مع ما ستأتي من ملاحظات. وإن بُني على أنّه ليس لها حمل مواطاة فالاتّجاه العامّ لكلام السيّد الاُستاذ هو الصحيح. ومع أنّ حقيقة النزاع كانت من نتائج تحقيق هذه النكتة لم يلتفتا في بحثهما إلى ذلك ولم يبحثا في ذلك، ومن هنا جاءت كلمات العلمين غير متقابلة.
وتوضيح الحال في ذلك: أنّنا لو بنينا على أنّ هذه العناوين الانتزاعيّة لها حمل
', '', 381), (65, 382, 'book', 'مواطاة فتحمل على تلك الحيثيّات الخارجيّة، إذن فالاتّجاه العامّ لكلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) هو الصحيح؛ لوضوح أنّ هذه العناوين بالنسبة لتلك الحيثيّات تكون نسبة العنوان الذاتيّ لمعنونه، فيكون المعنون مصداقاً لذاك العنوان بالذات، فكما لا يمكن أن تكون لموجود في الخارج ماهيّتان، كذلك لا يمكن هنا أن يكون لمعنون واحد عنوانان عرضيّان يكون كلّ واحد منهما تمام ماهيّته، من دون فرق بين أن تكون النسبة بينهما بحسب المورد عموماً من وجه أو مطلقاً أو التساوي، فإنّ المحمول عليه بالذات في هذا العنوان غيره في ذاك العنوان. وتمام النكتة أنّ هذا العنوان نسبته إلى هذا الخارج نسبة الماهيّة إلى الوجود في الماهيّات الحقيقيّة.
وفي مقابل هذا لا يرد كلام السيّد الاُستاذ من أنّه في العناوين الانتزاعيّة قد ينتزع عنوانان متباينان من منشأ انتزاع واحد، كالسقف فيكون فوقاً وتحتاً، وقد ينتزع عنوانٌ واحد من منشأين، كالفوق ينتزع من أمرين متباينين ماهيّةً يكونان بالنسبة إلى شيء آخر تحتهما فوقاً؛ وذلك لأنّ هذا الحمل حمل اشتقاق(1)، وفي الحمل الاشتقاقيّ يمكن أن يُفترض وحدة المحمول عليه مع تعدّد الحيثيّة حتّى في المبادئ الحقيقيّة، فيقال: (زيد عالم وعادل)، فإنّ المبدء يكون حيثيّة تعليليّة لا تقييديّة. ولابدّ من الالتفات إلى أنّ هاتين الحيثيّتين حيث إنّهما خارجيّتان بأنفسهما فلا محالة تكون خارجيّة إحداهما غير خارجيّة الاُخرى، فإنّ كلّ واحدة منهما بنفسها خارجيّة فهنا خارجيّتان.
$
', '(1) فتبيّن أنّ النزاع لم يكن بالدقّة كبرويّاً، فإنّ العناوين الانتزاعيّة ـ التي قال عنها السيّد الخوئيّ(رحمه الله): إنّ كون النسبة بينها عموماً من وجه لا يدلّ على تعدّد المعنون ـ ترجع إلى العناوين الاشتقاقيّة لا إلى مبادئ الاشتقاق، وقد اعترف المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في العناوين الاشتقاقيّة بعدم دلالة العموم من وجه على تعدّد المعنون.
', 382), (65, 383, 'book', '
أمّا لو بنينا على أنّ العناوين الانتزاعيّة ليس لها حمل مواطاة كان الاتّجاه العامّ لكلام السيّد الاُستاذ هو الصحيح، فإنّ مجرّد تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون في الخارج، فإنّه ليس مصداقاً للمبدء بل مصداق لذي المبدء، وعندئذ يمكن أن ينتزع من شيء واحد عنوانان، لا بمعنى أن يكون نفس المبدء بل بمعنى أن يكون ذا مبدئين، فالسقف ليس فوقيّةً وتحتيّةً معاً ولكنّه فوق وتحت معاً، وبما أنّنا عرفنا أنّ الصحيح أنّ هذه المبادئ لها حمل مواطاة فيصحّ ما أفاده المحقّق النائينيّ(رحمه الله) مع ملاحظتين عليه:
1 ـ ما أشرنا إليه من أنّ نكتة كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون تجري حتّى في المتساويين والعموم المطلق ولا تختصّ بالعموم من وجه. نعم، يشترط أن يكون العنوانان عرضيّين لا من قبيل الجنس والفصل الذي يكون أحدهما متمّماً للآخر.
2 ـ إنّ هذه الطريقة لإثبات جواز اجتماع الأمر والنهي لا تنطبق على مثال الصلاة والغصب ونحوه، فإنّها ـ كما اعترف به المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ إنّما تتمّ في نفس المبادئ لا في المشتقّات، وفي مثال العبادة والغصب عندنا عرضان وهما عباديّة العمل وغصبيّته، والمعروض واحد وهو هذه الصلاة، وحينئذ إذا كان الأمر متعلّقاً بالعباديّة ونفس الإضافة، والنهي متعلّقاً بإضافة الغصبيّة كان متعلّق أحدهما غير الآخر. وأمّا إذا كان متعلّق الأمر والنهي هو الفعل العباديّ والفعل الغصبيّ ـ كما هو الواقع، فإنّ العبادة والغصب وإن كانا مصدرين إلاّ أنّ المقصود منهما هو العمل العباديّ والعمل الغصبيّ ـ فالحمل يصير حمل ذوهو ولا تعدّد في الوجود الخارجيّ حينئذ.
ثُمّ إنّه ظهر من مجموع ما ذكرناه ثلاثة ملاكات لجواز اجتماع الأمر والنهي:
الأوّل: ما قد يقال حتّى فيما إذا كان الاختلاف بين المتعلّقين بالإطلاق
', '', 383), (65, 384, 'book', 'والتقييد، كما في: (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام)، لا بتعدّد العنوان، وهو: أنّ الأمر لا يسري من صِرف الوجود إلى الحصص. ونحن لم نقبل هذا الملاك بنكتة وجدانيّة أنّ حبّ الجامع بنحو صِرف الوجود يلازم الحبّ على تقدير بالنسبة لكلّ حصّة.
والثاني: كفاية تعدّد العنوان لرفع الغائلة.
والثالث: كشف تعدّد العنوان عن تعدّد المعنون.
والآن نريد أن نلحظ النسبة بين نتائج هذه الملاكات:
أمّا المقارنة بين الملاك الثاني والثالث: فهما يتصادقان غالباً باستثناء مورد واحد، وتوضيحه:
إنّه في المبادئ الحقيقيّة ـ التي تعتبر من المقولات الأوّليّة ـ يصدق كلا الملاكين، فتعدّد العنوان محفوظ، وبما أنّ الحمل حمل مواطاة يستلزم ذلك تعدّد المعنون. وأمّا في المبادئ الانتزاعيّة المحمولة بحمل مواطاة فالأمر أيضاً كذلك، فالعنوان متعدّد وكلّ من المعنونين له خارجيّة مستقلّة عن خارجيّة الاُخرى.
وأمّا إذا فرضنا أنّ العنوانين قد تعلّق بهما الأمر والنهي بما هما محمولان في الخارج بحمل ذو هو لا بحمل هو هو ـ إمّا بأن ننكر الحمل المواطاتيّ في العناوين الانتزاعيّة، أو بأن نعترف بذلك، أو كانت المبادئ من المقولات الأوّليّة ولكن مع هذا كان الحكم متعلّقاً بالعنوان بما هو محمول اشتقاقيّ على الخارج ـ فهنا كلا الملاكين لا يتمّ:
أمّا الملاك الثالث فلوضوح أنّ تعدّد العناوين الاشتقاقيّة لا يستلزم تعدّد المعنون؛ فإنّ الحيثيّة تعليليّة لا تقييديّة، فالمحمول عليه قد يكون واحداً رغم تعدّد العناوين.
وأمّا الملاك الثاني فلأنّ الأمر والنهي لم يتعلّقا بالحيثيّة محضاً بل تعلّقا بذي
', '', 384), (65, 385, 'book', 'الحيثيّة، إذن فهناك محور مشترك بين متعلّق الأمر والنهي وهو نفس الفعل، فالفعل الواحد قد يكون غصبيّاً وعباديّاً في نفس الوقت وقد قلنا في التحفّظ الثالث بأنّ الملاك الثاني لا يجري فيما إذا كان بين العنوانين محور مشترك.
نعم، يمكن تصوير الانفكاك بين هذين الملاكين بنحو يتمّ الثاني دون الثالث فيما لو تعلّق الأمر بعنوان حيثيّة الجنس والنهي بعنوان حيثيّة الفصل، فالجنس والفصل رغم اتّحادهما خارجاً قابل في عالم الذهن للتحليل إلى عنوانين.
فلو تعلّق الأمر بالجنس وتعلّق النهي بعنوان حيثيّة الفصل، كما لو تعلّق الأمر بإيجاد الخطّ والنهي بإيجاد خصوصيّة الانحناء الذي هو الفصل لا بالخطّ المنحني الذي هو الحصّة، فهذا الاجتماع يجوز بناءً على الملاك الثاني، بينما لا يتأتّى فيه الملاك الثالث؛ فإنّ العنوان متعدّد ولكنّ المعنون واحد خارجاً، فإنّ الجنس والفصل خارجيّتهما ليست بأنفسهما بل بوجودهما، فإنّهما جزءا ماهيّة أوّليّة لها وجودٌ واحد في الخارج، وهذا بخلاف الحيثيّات الانتزاعيّة، فإنّه هناك لا يُعقل وحدة خارجيّة لعنوانين منها(1)، فإنّها تكون خارجيّة بأنفسها، فمع تعدّدها لا يُعقل اتّحاد خارجيّتها. ولكن في الجنس والفصل يمكن أن يوجد لكليهما
', '(1) لا يخفى أنّ الجنس والفصل لعنوان انتزاعيّ واحد في لوح الواقع، حالهما حال الجنس والفصل لشيء متأصّل خارجاً في لوح الوجود، فهما خارجيّان بخارجيّة واحدة؛ لأنّ أحدهما مقوّم للآخر، وخارجيّة جنسه تكون بخارجيّة فصله، كما أنّ الجنس والفصل في الأشياء المتأصّلة خارجاً وجودهما بوجود واحد. فالمقياس ليس هو كون العنوانين متأصّلين أو انتزاعيّين، وإنّما المقياس كون أحدهما مقوّماً للآخر وعدمه، فمع فرض المقوّميّة هما متّحدان خارجاً، ومع فرض عدم المقوّميّة ليسا متّحدين.
', 385), (65, 386, 'book', '
مصداق واحد في الخارج؛ فإنّ العنوانين طوليّان وليسا عرضيّين، وقد قلنا سابقاً: إنّه مع العرضيّة لا يمكن اتّحاد المصداق، ومع الطوليّة يتّحد المصداق، وحيث إنّ الوجدان قاض بجواز اجتماع الأمر والنهي في مثل: (ارسم خطّاً ولا تجعله منحنياً)، فهذا دليل إنّيٌّ على صحّة الملاك الثاني.
وأمّا الملاك الأوّل فنسبته إلى الملاكين الآخرين بحسب المورد عموم من وجه، فقد يصدق الملاك الأوّل دون الآخرين، كما هو الحال في فرض وجود محور مشترك بين العنوانين، سواءً كان ذاك المحور هو تمام المأمور به وكان العنوانان من قبيل المطلق والمقيّد كما في: (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام)، أو كان ذاك المحور جزء المأمور وكان بين العنوانين عموماً من وجه، فعلى أيّ حال لا يصدق الملاكان الأخيران؛ لاتّحاد العنوان وكذا المعنون ولو في بعض الأجزاء، ولكن يصدق الملاك الأوّل لو تمّ في نفسه.
وقد يصدق الأخيران دون الأوّل، كما لو لم يوجد محور مشترك بين عنوانين عرضيّين ولكن كان الأمر كالنهي متعلّقاً بمطلق الوجود، ومطلق الوجود يقتضي السريان إلى الحصص، فلا يتمّ الملاك الأوّل(1) بينما يتمّ الملاك الثاني والثالث. ولو كان الأمر في ذلك بنحو صِرف الوجود تمّت كلّ الملاكات الثلاثة.
$
', '(1) مثاله: أن نفترض أنّنا اُمرنا بصلاتيّة الكون لا بالكون الصلاتيّ، أي: إنّ الأمر تعلّق بالمبدء لا بالعنوان الاشتقاقيّ، وكان المأمور به صلاتيّة كلّ كون نحقّقه، فالأمر تعلّق بمطلق الوجود ولكن لا بمعنى أن نضطرّ إلى الكون الغصبيّ، فإنّ المأمور به إنّما هو صلاتيّة كلّ كون نحقّقه، وبإمكاننا أن لا نحقّق الكون الغصبيّ إمّا بالتجنّب عن ذاك المكان أو بإرضاء صاحبه.
', 386), (65, 387, 'book', '
تطبيق البحث على الصلاة في اللباس أو المكان المغصوبين:
بقي الكلام في تطبيق الأفكار على خصوص مثال (الصلاة في المغصوب) وهذا المثال ينحلّ إلى فرعين: (الصلاة في لباس مغصوب) و(الصلاة في مكان مغصوب):
أمّا الصلاة في لباس مغصوب: فيوجد تقريبان لدعوى تحقّق محذور الاجتماع فيها:
الأوّل: مخصوص بالساتر، وهو ما بنى عليه الأصحاب، وحاصله: أنّ التستّر فعل واحد لا يُعقل أن يقع مصداقاً للواجب والحرام.
ونحن قبل أن نحتاج إلى التحقيق عن أنّ هذا فعل واحد أو لا، أو أنّ العنوان متعدّد أو لا نرى أنّ المورد ليس من موارد الاجتماع؛ وذلك لأنّ التستّر قيد في الصلاة كالاستقبال، وليس جزءاً؛ إذ لا دليل على جزئيّته. على أنّه لو كان جزءاً للصلاة لوجبت فيه القربة كسائر أجزاء الصلاة، بينما من المسلّم فقهيّاً كفاية التستّر بلا قربة بل مع الغفلة الكاملة، والأمر بالمقيّد لا ينبسط على القيد، خلافاً لما ذكره المحقّق النائينيّ(رحمه الله) في بحث الطهارات الثلاث من انبساط الأمر بالمقيّد على القيد. ومن هنا نقول في الفقه بأنّ مقتضى الصناعة ـ إذا لم يقم إجماع تعبّديّ على اشتراط إباحة الساتر ـ هو صحّة الصلاة في الساتر المغصوب.
الثاني: يأتي في مطلق اللباس، وهو أنّ ما هو الفعل الصلاتيّ يكون مصبّاً للأمر والنهي، فإنّ الركوع والسجود يكون علّة لتحريك الثوب، والتحريك تصرّف في المغصوب فهو حرام، وعلّة الحرام حرام، فلزم اجتماع الأمر والنهي؛ وذلك إمّا بأن يُبنى على أنّ الهُويّ جزء للصلاة، وهو علّة لتحريك الثوب فيحرم. أو يقال: إنّ الهُويّ وإن لم يكن جزءاً وإنّما الجزء هو نتيجة الهُويّ، وهو الركوع، لكن الركوع
', '', 387), (65, 388, 'book', 'علّة لطيّ الثوب بنحو مخصوص، وهو أيضاً تصرّف في الغصب.
وهذا التقريب أيضاً غير تامّ؛ فإنّ هذا الجزء لو سلّم فيه ما قيل فلا نسلّم كونه علّة للحرام، فإنّ حصول الطيّ في الثوب يحتاج إلى اُمور اُخرى ككون الثوب على بدنه، فلو كان ينزع الثوب لما أوجب هويّه طيّ الثوب، إذن فاحتفاظ الثوب بموقعه المخصوص جزء العلّة(1).
وأمّا الصلاة في مكان مغصوب: فنتكلّم في ذلك من زاوية مسألة اجتماع الأمر والنهي، لا من زاوية الأدلّة الخاصّة التي قد يستدلّ بها على عدم الجواز، كما استدلّ به الحرّ العامليّ حيث ادّعى وجود روايات على ذلك.
وتفصيل الكلام في ذلك هو: أنّه يوجد عندنا عنوانان: عنوان (الصلاة)، وعنوان (الغصب)، فلابدّ وأن يُرى أنّ تعدّد العنوان هل يكفي لرفع غائلة الاجتماع بأحد الملاكات الثلاثة المتقدّمة أو لا؟ وطرح هذه المسألة بهذا الشكل يكون انطلاقاً من دعوى أنّ (الصلاة) هي المأمور بها و(الغصب) هو المنهيّ عنه، ولكنّ الواقع أنّ الحرام ليس هو عنوان (الغصب) بل هو من مصاديق الغصب، فأكل مال الغير ليس مصداقاً للحرام بل هو بما هو أكل مال الغير حرام وهكذا؛ وذلك بدليل أنّه ورد في الكتاب والسنّة النهي عن جملة من هذه العناوين التفصيليّة كقوله تعالى:
', '(1) قد يقال: كون الركوع جزء العلّة كاف في بطلان الصلاة بعد فرضها عبادة. بيانه: إنّه إذا كان مجموع أجزاء العلّة حراماً ومبغوضاً فهو يستلزم بطبعه مبغوضيّة كلّ جزء على تقدير تحقّق باقي الأجزاء. على أنّه لو سُلّم أنّ طيّ الثوب تصرّف في المغصوب فيصبح نفس الركوع أيضاً الذي هو جزء العلّة لهذا التصرّف ـ بعد الفراغ عن حصول باقي الأجزاء ـ تصرّفاً عرفاً، فيدخل في الرواية المرويّة عن الإمام صاحب الزمان(عليه السلام) الدالّة على حرمة التصرّف في مال الغير.
', 388), (65, 389, 'book', '
﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾(1)، فنفس عنوان الدخول بلا إذن حرام، ولا فرق بينه وبين تمزيق ثوب الغير، فلابدّ أن يكون هو أيضاً حراماً بما هو كذلك، إذن فيجب أن نرجع إلى العناوين التفصيليّة لمصاديق (الغصب) لنرى أنّ أحد العناوين التفصيليّة هل يكون مصبّاً للأمر أو لا.
والتصرّف في مال الغير يكون بأحد اُمور: إمّا بالكون في ملك الغير، وإمّا بتغيير في ملك الغير بنقله مكاناً أو صبغه أو نحو ذلك، وإمّا بإلقاء الثقل على مال الغير، فمجرّد المماسّة لا يصدق عليها أنّها تصرّف في مال الغير ولكن الثقل عليه يعتبر تصرّفاً.
فلنرَ أنّه هل أنّ واحداً من أجزاء الصلاة أصبح واحداً من هذه المصاديق حتّى يجتمع الأمر والنهي أو لا؟ فنقول: أمّا النيّة فليست شيئاً منها، وأمّا القراءة فأيضاً ليست شيئاً منها، إلاّ أنّ هناك شبهة تقول بأنّ القراءة مرجعها إلى الصوت، والصوت يموّج الهواء، وهذا تغيير في ملك الغير.
وهذه الشبهة غير صحيحة؛ إذ:
أوّلا: الصوت يحصل بتمويج الهواء، لا أنّه عينه.
وثانياً: لا دليل على كون هذا الهواء المتموّج مملوكاً لصاحب البيت، فصاحب البيت إنّما يملك الفضاء، أمّا الهواء فلا دليل على مالكيّته له.
وثالثاً: لو سلّمنا أنّه مالك للهواء فلا نسلّم أنّ الصوت تصرّف عرفيّ، فالعرف لا يفهم كون الصوت موجاً في الهواء وكون التمويج تصرّفاً.
ورابعاً: لو سُلّم أنّه تصرّف فلا إطلاق لدليل حرمة التصرّف في ملك الغير.
$
', '(1) وكقوله: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ وكرواية: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه».
', 389), (65, 390, 'book', '
وأمّا بالنسبة للأفعال كالركوع والسجود والقيام فقد يقال بأنّ أحد الواجبات هو الاستقرار، والاستقرار هو الكون في المكان فاجتمع الأمر والنهي. إلاّ أنّ الاستقرار المعتبر في الصلاة بمعنى عدم الاضطراب يمنةً ويسرةً من دون أن يستبطن معنى المكان، فهذا الاستقرار غير الكون في المكان.
وقد يقال بأنّ الاجتماع يكون بلحاظ نفس الركوع والسجود، فإنّه ركوع في مكان الغير.
والجواب: إنّ الركوع تصرّف في الراكع لا في المكان، فإنّه بعد أصل الكون في المكان المغصوب لا أثر لهذه الهيئات في المقام.
وقد يقال بأنّه يحصل الاجتماع بلحاظ الهُويّ، فإنّ الهُويّ إلى الركوع حركة في الكون في المكان، والحركة في الكون في المكان مصداقٌ للكون فهو كون. إلاّ أنّ الهُويّ من مقدّمات الأجزاء لا أنّه جزءٌ للصلاة.
نعم، يبقى شيء واحد في المقام مربوط بتحقيق في معنى السجود، وهو أنّ السجود هل هو مماسّة الأرض أو إلقاء الثقل على الأرض؟ فبناءً على الأوّل لا يكون تصرّفاً في ملك الغير، وعلى الثاني يكون تصرّفاً في ملك الغير. وحينئذ فمن يقول بجواز الاجتماع بملاك تعدّد العنوان أو المعنون لابدّ وأن يقول بالامتناع؛ فإنّ إلقاء الثقل بنفسه متعلّق للنهي وهو بنفسه معنى السجود. نعم، لو قيل بالجواز بالملاك الأوّل لأمكن الاجتماع(1).
$
', '(1) ولكن في مثل الصلاة يبطل العمل؛ لاستحالة التقرّر بالحرام.
', 390), (65, 391, 'book', '
تنبيهات
هل المسألة فقهيّة أو اُصوليّة أو كلاميّة أو غيرها؟
التنبيه الأوّل: هل المسألة فقهيّة أو اُصوليّة أو كلاميّة أو غيرها؟ وجوه مذكورة في الكتب. وقد اختار المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) أنّها اُصوليّة، فإنّ ضابط الاُصوليّة عنده أن تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعيّ، ومسألة اجتماع الأمر والنهي يترتّب عليها استنباط الحكم بصحّة العبادة وعدم صحّتها.
واعترض على ذلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بأنّها ليست اُصوليّة؛ لأنّ ضابطها ليس هو مجرّد وقوع النتيجة في طريق الاستنباط، وإلاّ دخلت مسائل اُصول الدين ـ مثلا ـ في علم الاُصول، وإنّما الضابط أن تقع نتيجتها في طريق الاستنباط بحيث لا تحتاج مع ضمّ صغرياتها إلى كبرى اُخرى. فمثلا حجّيّة خبر الواحد مع ضمّ الخبر ـ الذي هو صغرى ـ يستنبط منها وجوب السورة، وكذلك كبرى الاستصحاب مع ضمّ اليقين السابق والشكّ اللاحق يستنبط منها حكم، بينما مسألة الاجتماع وإن كانت في طريق الاستنباط إلاّ أنّها تحتاج إلى كبرى اُخرى اُصوليّة، فإنّ القول بالامتناع يحقّق التعارض بين (صلّ) و(لا تغصب)، فلابدّ من أن نطبّق قوانين باب التعارض، فمثلا يقال بأنّ إطلاق النهي مقدّم على الأمر، وهذا أيضاً لا يكفي بل نحتاج إلى قاعدة اُخرى، وهي أنّ النهي عن العبادة موجبٌ لفسادها.
واعترض على ذلك السيّد الاُستاذ ـ بعد تسليم ما ذكره ضابطاً للمسألة الاُصوليّة ـ بأنّه منطبق على المقام، فإنّه يكفي أن تقع النتيجة على أحد الأقوال في طريق الاستنباط بلا ضمّ إلى كبرى اُخرى، وفي المقام الأمر كذلك، فإنّه على تقدير جواز الاجتماع يحكم بصحّة العبادة بلا حاجة إلى ضمّ كبرى اُخرى.
$
', '', 391), (65, 392, 'book', 'وهذا الكلام يمكن للمحقّق النائينيّ(رحمه الله) أن يدفعه بأن يقول: إنّ الجواز أيضاً لا يستفاد منه الصحّة إلاّ بضمّ كبرى اُخرى؛ وذلك لأنّ الجواز: تارةً يكون بملاك أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، واُخرى يكون بملاك آخر مع التسليم بوحدة المعنون:
فعلى الثاني لا يكفي الجواز وحده لتصحيح العبادة؛ فإنّ هذه العبادة منهيّ عنها، فنحتاج إلى استيناف بحث عن أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد أو لا.
وأمّا على الأوّل ـ أعني: فرض تعدّد المعنون ـ فمع عدم المندوحة، بأن دار أمره بين أن يكون في مكان مباح من دون أن يصلّي وبين أن يصلّي في المكان المغصوب، يقع التزاحم بين الواجب والحرام، فلابدّ من تطبيق قواعد باب التزاحم.
وحينئذ فتصحيح العبادة يتوقّف على أحد اُمور ثلاثة: إمّا القول بترجيح الواجب على الحرام، أو القول بإمكان الترتّب، أو القول بتصحيح العبادة بالتقرّب بالملاك. ومع المندوحة يكون هناك فردان من الصلاة، أحدهما غير مقدور شرعاً وهو الصلاة في المكان المغصوب، فإن قلنا بما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّ الأمر لا يمكن أن يتعلّق بالجامع بين المقدور وغير المقدور، دخل مورد الاجتماع في باب التزاحم، فقد يثبت الأمر في طول عصيان النهي وتصحّ الصلاة بالأمر الترتّبي. وإن قلنا بإمكان تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور، ثبتت صحّة الصلاة، ولكن احتاج ذلك إلى مسألة اُصوليّة اُخرى(1) وهي نفس إمكان
', '(1) قد يقال: إنّ جواز اجتماع الأمر والنهي يستبطن إمّا إمكان الترتّب، أو إمكان تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور؛ إذ لو لم يكن شيء منهما يجب: إمّا أن يختصّ الأمر بسائر الحصص، أو ينسحب النهي عن المجمع، وهذا يعني عدم جواز اجتماع الأمر والنهي.
إلاّ أن يكون المقصود هنا المشي على تصوّرات المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، فإنّ المحقّق النائينيّ يبدو أنّه يقصد بجواز الاجتماع معنى يجتمع حتّى مع القول بعدم إمكان تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور، والقول بعدم إمكان الترتّب في المجمع، ولهذا ذهب هو(رحمه الله) إلى إمكان اجتماع الأمر والنهي رغم أنّه قال بعدم إمكان تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور، وبعدم إمكان الترتّب في المجمع، وكأنّ مقصوده من جواز اجتماع الأمر والنهي مجرّد أنّ التركيب انضماميّ مثلا لا اتّحاديّ، أو خروج ذلك عن باب التعارض، بأن يُفرض غفلته عن أنّ التزاحم مع عدم إمكان الترتّب يرجع إلى التعارض.
وكأنّ الأثر العمليّ للجواز بهذا المعنى عنده عبارة عن أنّه يصحّ العمل في المجمع في التوصّليّات حتّى مع تقديم النهي؛ لأنّ انسحاب الأمر من الجامع إلى الحصص الاُخرى لم يكن بنكتة لزوم اجتماع الضدّين بل كانت بنكتة التزاحم وعدم القدرة، والقدرة ليست عنده دخيلة في الملاك فيصحّ العمل بالملاك، بل وكذا الحال في العباديّات لولا القبح الفاعليّ عنده.
', 392), (65, 393, 'book', '
تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور.
ولو بدّل المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)(1) الحكم المستنبط إلى نفس الوجوب والحرمة، فكان يقول بأنّه على الجواز يثبت الوجوب والحرمة بخلاف فرض الامتناع، لكان أبعد من الإشكال.
وعلى أيّ حال فالصحيح أنّ المسألة اُصوليّة، وضابط الاُصوليّة عندنا عبارة
', '(1) لا يخفى أنّ المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) في الكفاية لم يصرّح بما هو مقصوده من الحكم المستنبط هل هو الصحّة والفساد أو الوجوب والحرمة، وأنّ المظنون كون نظره إلى الصحّة والفساد؛ إذ هما الأثران العمليّان.
', 393), (65, 394, 'book', '
عن اشتمال المسألة على ثلاث خصائص كلّها متوفّرة في المقام:
1 ـ أن يكون استخراج الحكم منها بنحو الاستنباط، من قبيل استخراج وجوب المقدّمة من قانون الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، لا بنحو تطبيق الكلّيّ على مصاديقه من قبيل القواعد الفقهيّة كـ «لا ضرر ولا ضرار»، وفي المقام الحكم ـ سواء كان هو الوجوب والحرمة أو الصحّة والفساد ـ يكون استخراجه من الإمكان والامتناع بنحو الاستنباط لا التطبيق.
2 ـ أن تكون المسألة بحسب مادّتها مشتركة وأوسع من باب واحد من أبواب الفقه لا كقاعدة الطهارة، وفي المقام الأمر كذلك.
3 ـ أن يكون ما يبحث عنه أمراً راجعاً إلى الشارع لا أمراً أجنبيّاً عنه، فمثلا البحث عن حجّيّة الاستصحاب يكون مرتبطاً بالشارع، وكذا البحث عن دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، فإنّ الصيغة ترد في كلام الشارع، وهذا بخلاف البحث عن وثاقة الراوي، فليست الوثاقة صفة قائمة بفعل من أفعال الشارع وإنّما هي حالة شخصيّة للراوي. وهذه الخصيصة أيضاً متوفّرة في المقام، فتكون المسألة اُصوليّة.
هل الإمكان والامتناع في المقام يراد بهما خصوص العقليّين أو ما يشمل العرفيّ؟
التنبيه الثاني: في أنّ الإمكان والامتناع المبحوث عنهما في المقام هل يراد بهما خصوص العقليّين أو ما يشمل العرفيّ، حيث قد يقال بأنّ اجتماع الأمر والنهي غير ممتنع عقلا ولكنّه ممتنع عرفاً؟
وقد استشكل في التعميم للنظر العرفيّ بأنّ العرف ليس له شأن في إدراك الاُمور الواقعيّة.
$
', '', 394), (65, 395, 'book', 'وقد قيل في توجيه دخل العرف بأنّ العقل هو الذي يحكم بأنّه لا يجوز اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد، وأمّا أنّ هذا هل هو شيء واحد أو لا، فالنظر العرفيّ فيه قد يختلف عن النظر الدقّيّ.
وأشكل عليه الأصحاب ـ كالسيّد الاُستاذ وغيره ـ بأنّ هذا مرجعه إلى تشخيص المصداق، وفي باب تشخيص المصداق النظر العرفيّ ليس حجّةً، وإنّما النظر العرفيّ حجّة في تشخيص مدلول اللفظ، فمثلا لو عرفنا بحكم العرف أنّ الصعيد اسم لخصوص التراب أخذنا به، ولا نأخذ بتشخيصه أنّ هذا ترابٌ أو لا.
وهذا الذي قالوه صحيح في نفسه، فإنّ العرف غير حجّة في المصاديق ولكنّ العرف بمعنى العقل المسامحيّ والممزوج بالاستحسانات والأذواق الاجتماعيّة قد يدرك الملازمات والاُمور الواقعيّة بنحو يخالف المُدرَك بالدقّة العقليّة، فقد يدرك تلازماً بين شيئين لا يرى العقل الدقّيّ تلازماً بينهما، وهذا الدرك العرفيّ قد يكوِّن دلالةً التزاميّةً عرفيّة للألفاظ وتكون حجّة.
فمثلا العرف يرى أنّ مطهّريّة الشيء تستلزم طهارته، بينما لا يرى العقل تلازماً من هذا القبيل، وهذا يثبت دلالةً التزاميّة عرفيّة لدليل مطهّريّة الماء على طهارته وتكون حجّة. والعرف يرى تنافراً بين أن يكون الماء الواحد نصفه نجساً وأن يكون نصفه طاهراً، بينما العقل المحض لا يرى تنافراً بين الأمرين، وهذا يجعلنا نستدلّ بدليل نجاسة بعض الماء على نجاسة البعض الآخر بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة.
ففي المقام أيضاً من المعقول أن يقال بوجود التنافر بين الأمر والنهي على شيء واحد عرفاً ولو لم يثبت التنافر عقلا، وهذا يوجب دلالةً التزاميّة عرفيّة لدليل كلّ من الأمر والنهي على نفي الآخر فيتعارضان، إذن فهناك معنى معقول للبحث عن الإمكان والامتناع العرفيّ. نعم، أثر ذلك إنّما يظهر فيما لو كان الدليل على
', '', 395), (65, 396, 'book', 'الوجوب والحرمة لفظيّاً، بينما الامتناع العقليّ يؤثّر حتّى فيما لو كان الدليل غير لفظيّ. هذا.
والصحيح: أنّه في كلّ مورد يحكم العقل بجواز اجتماع الأمر والنهي يحكم العرف أيضاً بذلك، وهذا مطلب مطابق للوجدان، وتوجد نكتة منبّهة للوجدان ومساعدة للتصديق بذلك وحاصلها: أنّ فرض عدم الامتناع عقلا وجواز الاجتماع ثبوتاً هو فرض إمكان اجتماع مبادئ الأمر والنهي من المحبوبيّة والمبغوضيّة، وكلّ إنسان عرفيّ سوف يصادفه في عالم حبّه وبغضه مورد من موارد الاجتماع يوجد فيه ملاك للحبّ وملاك للبغض، وبما أنّه لا تنافي بينهما واقعاً فسوف يؤثّر كلّ من الملاكين أثره قهراً وتكويناً في نفس هذا الإنسان العرفيّ، أي: سوف يجتمع في نفسه حقيقة الحبّ والبغض، وبعد ثبوت الحبّ والبغض وإحساس العرف بهما لا يبقى مسوّغ لأن يرفض العرف إمكان اجتماع الأمر والنهي.
الفرق بين مسألة الاجتماع ومسألة اقتضاء النهي في العبادة للبطلان:
التنبيه الثالث: وقع بحث في الفرق بين مبحث اجتماع الأمر والنهي ومسألة أنّ النهي في العبادة يقتضي البطلان حيث يتخيّل أنّهما مسألة واحدة، فإنّ مسألة استحالة الاجتماع ترجع إلى أنّ النهي عن شيء يتطلّب انسحاب الأمر عنه ـ مثلا ـ واختصاصه بباقي الحصص، ومسألة النهي عن العبادة ترجع أيضاً إلى أنّ النهي عن العبادة هل يقتضي عدم مطابقة العبادة للأمر، أي: انسحاب الأمر عنها، أي: إنّ الأمر والنهي لا يجتمعان؟
نقل عن صاحب القوانين(رحمه الله) أنّه فرّق بين المسألتين بالتغاير في موضوعيهما، فإنّ موضوع بحث النهي عن العبادة هو أن تكون طبيعة واحدة مطلقها متعلّقاً للأمر
', '', 396), (65, 397, 'book', 'ومقيّدها متعلّقاً للنهي، وموضوع بحث الاجتماع هو أن يكون لدينا عموم من وجه يتعلّق الأمر بأحدهما والنهي بالآخر.
وأشكل صاحب الفصول على ذلك بأنّ مسألة الاجتماع لا تختصّ بالعامّين من وجه بل تجري في العموم والخصوص المطلق أيضاً، فإنّ الضابط لها إنّما هو ثبوت عنوانين أحدهما مأمور به والآخر منهيّ عنه، ومن هنا فرّق(رحمه الله) بين المسألتين بلحاظ الموضوعين بأنّ مسألة النهي عن العبادة تكون فيما إذا وجد عنوان واحد تعلّق الأمر بمطلقه والنهي بمقيّده، ومسألة الاجتماع تكون فيما إذا اختلف العنوانان سواء كانت النسبة بينهما عموماً من وجه أو مطلقاً.
أقول ـ مضافاً إلى ما سيظهر من أنّ كون تغاير الموضوع موجباً لتغاير المسألتين يحتاج إلى تنقيح، وأنّه يمكن في مسألة الاجتماع فرض عنوان واحد مطلق ومقيّد وذلك بملاك عدم سريان الأمر إلى الحصّة ـ: إنّ أوضح ما يرد عليه: أنّه في بحث النهي عن العبادة يمكن افتراض عنوانين، وذلك كما إذا قلنا بعدم إمكان اجتماع الأمر والنهي لسرايتهما إلى وجود واحد، فيقع البحث في أنّ هذا النهي هل يقتضي الفساد أو لا؟
ومن هنا قد يؤخذ هذا المطلب بنفسه ليكون هو الفارق فيقال بأنّ الفارق ليس في الموضوع وإنّما الفارق من حيث الرتبة، فإنّ مسألة اجتماع الأمر والنهي هي التي تنقّح أنّ النهي عن الغصب هل يسري إلى الصلاة أو لا، فإذا سرى إلى الصلاة دخل في بحث النهي عن العبادة.
وهذا الكلام على بساطته وظاهره لا يمكن أن يقبل، فإنّ أسهل ما يمكن أن يُشكل عليه هو: أنّ البحث في مسألة الاجتماع ليس مباشرةً في السريان وعدمه، وإنّما البحث عن إمكان الاجتماع وعدمه، بل قد عرفت أنّه على بعض المباني يمكن افتراض السراية ومع هذا يجوز اجتماع الأمر والنهي باعتبار أنّ النهي نهي
', '', 397), (65, 398, 'book', 'عن الحصّة والأمر أمر بالطبيعة، ففي هذا الفرض سواءً قلنا بالجواز أو بعدم الجواز ندخل في بحث أنّ النهي عن العبادة هل يوجب الفساد أو لا.
وذهب المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) في الكفاية إلى أنّ الميزان في اختلاف بحثين ليس هو اختلاف الموضوع وإنّما الميزان هو اختلاف جهة البحث وإن اتّحد الموضوع، فمثلا لا يمكن القول بأنّ البحث عن أنّ وجوب الصوم هل يقتضي وجوب مقدّمته أو لا مسألة، والبحث عن أنّ وجوب الصلاة هل يقتضي وجوب مقدّمتها أو لا مسألة اُخرى وجهة البحث في المقام مختلفة، فإنّ جهة البحث في مسألة الاجتماع هي السراية وعدمها أو أنّ التركيب تركيب اتّحاديّ أو انضماميّ، وجهة البحث في مسألة النهي عن العبادة هي فساد العبادة وعدمه.
وهذا الكلام من صاحب الكفاية أيضاً لا يخلو من تشويش، فانّه ان أراد بجهة البحث المحمول في القضيّة فهذا لا ينطبق على ما ذكره في مسألة الاجتماع، فإنّه ذكر أنّ الجهة هي السراية وعدمها أو أنّ التركيب اتّحاديّ أو انضماميّ، بينما المحمول ليس هو هذا وإنّما المحمول هو إمكان الاجتماع أو استحالته، وبرهانه هو السراية أو التركيب الانضماميّ.
وإن أراد بجهة البحث الحيثيّة التي تبرهن على ثبوت المحمول للموضوع فمن الواضح أنّ هذا لا ينطبق على ما ذكره في مسألة النهي عن العبادة، حيث ذكر فيها نفس المحمول وهو اقتضاء الفساد لا برهانه، هذا.
مضافاً إلى أنّه من الواضح أنّ تعدّد الحيثيّة التي تكون واسطة لإثبات المحمول للموضوع لا يعدّد المسألة؛ إذ ما أكثر وجود مسألة واحدة لها براهين عديدة. وإن أراد بجهة البحث الغرض المتوخّى فقهيّاً من المسألة فمن الواضح أنّ الغرض الفقهيّ ليس هو السراية، بل يقال: إنّ الغرض هو صحّة العبادة وبطلانها، والغرض من مسألة النهي في العبادات أيضاً هو صحّة العبادة وبطلانها.
$
', '', 398), (65, 399, 'book', 'والصحيح في المقام أن يقال: إنّ تعدّد البحث يتوقّف على مجموع أمرين:
الأوّل: أن تتعدّد القضيّة، وتعدّدها يكون بمغايرة الموضوع أو المحمول.
والثاني: أن تكون حيثيّة ثبوت المحمول للموضوع في إحداهما غير متضمّنة لنكتة مفروغ عن وجودها في القضيّة الثانية، ولهذا لا تتعدّد المسألة بتعدّد قضايا من قبيل: هل وجوب الصوم يقتضي وجوب مقدّمته، وهل وجوب الصلاة يقتضي وجوب مقدّمتها.
وهذان الأمران موجودان في المقام، فأوّلا مسألة أنّ الأمر هل يجتمع مع النهي قضيّة، ومسألة أنّ الصحّة هل تجتمع مع النهي قضيّة اُخرى. وثانياً ليست القضيّتان بنكتة مشتركة تقتضي تسوية الحكم فيهما، بل يمكن القول بأنّ النهي ينافي الأمر ومع هذا يلتزم بأنّ الصحّة لا تنافي النهي، وذلك بدعوى التقرّب بالملاك، كما أنّه يمكن القول بأنّ النهي لا ينافي الأمر؛ لأنّ الأمر على صرف الوجود والنهي نهي عن الحصّة، ولكن مع هذا يقال بأنّ النهي يمنع عن التقرّب وتبطل العبادة، إلى غير ذلك من تشقيقات(1) لا حاجة إلى بيانها. إذن فالبحث عن إحدى المسألتين لا يُغني عن الاُخرى.
هل يرتبط البحث ببحث تعلّق الأوامر بالطبائع؟
التنبيه الرابع:قد يقال: إنّ مسألة الاجتماع مبنيّة على مسألة تعلّق الأوامر بالطبائع؛ إذ لو كانت متعلّقة بالأفراد فقطعاً لا يمكن الاجتماع؛ لوحدة المتعلّق. أمّا لو كانت متعلّقة بالطبائع فقد يقال بأنّه لا إشكال في جواز الاجتماع؛ إذ هناك طبيعتان.
$
', '(1) من قبيل القول بجواز الاجتماع بنكتة تعدّد العنوان، والقول بالبطلان بنكتة منافاة النهي مع التقرّب.
', 399), (65, 400, 'book', '
وقد يقال بأنّه بناءً على تعلّق الأمر بالطبيعة يقع النزاع، حيث إنّه لو كان الأمر متعلّقاً بالطبيعة بما هي هي فيجوز الاجتماع، ولو كان متعلّقاً بها بما هي فانية فلا يجوز.
وقد علّق المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) في المقام بأنّ نكتة الجواز والامتناع في هذه المسألة هي أنّ تعدّد العنوان مع وحدة الوجود والمعنون هل يكفي لرفع الغائلة أو لا؟ فإن قيل بأنّه يكفي فهو يكفي حتّى لو قيل بتعلّق الأوامر بالأفراد، فإنّه يوجد هنا فردان من العنوان بوجود واحد، أي: إنّ هذا الوجود الواحد فرد لهذا العنوان وفرد لذاك العنوان. وإن قيل بأنّه لا يكفي فلابدّ من القول بالامتناع حتّى لو قيل بتعلّق الأمر بالطبيعة، فإنّه على كلّ حال الوجود واحد وإن تعدّد العنوان(1).
كما قد يقال: إنّ نكتة الجواز والامتناع عبارة عن كون التركيب انضماميّاً أو اتّحاديّاً، فإن كان التركيب انضماميّاً جاز الاجتماع على كلا الفرضين، وإن كان اتّحاديّاً لم يجز على كلا الفرضين.
وتحقيق المطلب: أنّ ارتباط بحث جواز الاجتماع وامتناعه ببحث تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد وعدمه يختلف باختلاف المسالك في تفسير البحث الثاني، وباختلاف ملاكات الجواز في البحث الأوّل.
وتوضيحه: أنّه كان يوجد في المقام ثلاثة ملاكات للجواز:
1 ـ إنّ الأمر تعلّق بالطبيعة والنهي تعلّق بالحصّة فلا تنافي بينهما.
2 ـ إنّ تعدّد العنوان بنفسه كاف في جواز الاجتماع.
3 ـ إنّ تعدّد العنوان يستلزم تعدّد المعنون.
كما يمكن تفسير تعلّق الأمر بالطبيعة أو الأفراد بعدّة مسالك:
المسلك الأوّل: أن يقصد بتعلّق الأمر بالطبيعة عدم السراية إلى الأفراد
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 240 ـ 241.
', 400), (65, 401, 'book', '
لا عرضاً ولا بدلا، فالتخيير عقليّ محض. ويقصد بتعلّقه بالأفراد السراية بدلا وتخييراً، فيكون التخيير شرعيّاً، وعليه فتعلّق الأمر بالأفراد يبطل الملاك الأوّل للجواز؛ لأنّ الأمر سرى تخييراً إلى الحصّة، ولا يبطل الملاك الثاني والثالث.
المسلك الثاني: أن يُقصد بتعلّق الأمر بالطبيعة عدم سريانه إلى طبائع الضمائم التي هي مشخّصات ـ ولو بالمسامحة ـ للطبيعة المأمور بها، ويُقصد بتعلّقه بالأفراد سرايته إلى طبائع تلك الضمائم والمشخّصات، وهذا يُبطل الملاك الثالث دون الأوّل والثاني، أمّا الأوّل فلأنّه إنّما سرى إلى طبيعيّ المشخّص لا إلى الحصّة المنهيّ عنها. وأمّا الثاني فلأنّه حتّى مع سراية الأمر إلى المشخّصات يكون العنوان متعدّداً، فإنّ السراية إلى المشخّصات لا يعني سراية الأمر إلى عنوان الغصب، فإنّ عنوان الغصب عنوان انتزاعيّ ينتزع من عدم رضا المالك، وليس هو طبيعة المشخّص الذي هو الأين مثلا ونحوه(1).
المسلك الثالث: أن يقصد بتعلّق الأمر بالطبيعة تعلّقه بها بما هي هي، وبتعلّقه بالفرد تعلّقه بالطبيعة بما هي فانية في الأفراد، فإن قلنا بالثاني كان هناك مجال للبحث عن كلّ الملاكات الثلاثة، وإن قلنا بالأوّل كان الملاك الثاني في غاية الوضوح، فإنّ الذي كان يقف شبهةً في قبال الملاك الثاني كان عبارة عن الفناء في الأفراد والمفروض عدمه.
$
', '(1) وبهذا يتّضح أنّه لو كان العنوان المنهيّ عنه عنواناً حقيقيّاً للضميمة المشخّصة لا انتزاعيّاً ـ كما لو وجبت الصلاة وحرُم الكون في مجلس الشرب فصلّى في مجلس الشرب ـ فهذا المسلك يبطل الملاك الثاني والثالث أيضاً؛ لأنّ الأمر سرى إلى العنوان المحرّم، فاجتمع مع النهي من دون تغاير بين المأمور به والمنهيّ عنه، لا بلحاظ العنوان ولا بلحاظ المعنون.
', 401), (65, 402, 'book', '
المسلك الرابع: أن يقال: إنّ تعلّق الأمر بالطبيعة أو الأفراد مرجعه إلى أصالة الماهيّة أو الوجود، فعلى أصالة الماهيّة يتعلّق الأمر بالماهيّة، وعلى أصالة الوجود يتعلّق الأمر بالوجود، وبناءً على هذا قد يتوهّم ابتناء مسألتنا على تلك المسألة، فيقال: لو كان متعلّقاً بالفرد ـ أي: الوجود ـ لم يجز الاجتماع؛ لوحدة الوجود، ولو كان متعلّقاً بالطبيعة ـ أي: الماهيّة ـ جاز الاجتماع؛ لتعدّد الماهيّة.
وهذا غير صحيح، فإنّه إذا تكثّرت الماهيّة تكثّر الوجود لا محالة فيستحيل وجود واحد له ماهيّتان، فليس الخلاف في أصالة الماهيّة أو الوجود خلافاً في تعدّد هذا الكائن أو وحدته، وإنّما الخلاف في أنّه ما هو الأصل بعد الفراغ عن أنّه لا يمكن أن تتعدّد الماهيّة ويتّحد الوجود.
هل يشترط في موضوع المسألة فرض ثبوت الملاكين في المجمع؟
التنبيه الخامس: هل يشترط في موضوع هذه المسألة فرض ثبوت الملاكين في المجمع أو لا؟
يقع الكلام في هذا التنبيه في عدّة مقامات:
الكلام في أصل الاشتراط:
المقام الأوّل: في أصل هذا الاشتراط. ذكر المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) في الكفاية: أنّ هذه المسألة مشروطة بذاك، ففي فرض وجدان المجمع لكلا الملاكين ينفتح الكلام في أنّه هل يمكن أن يؤثّرا معاً أو لا، فعلى القول بالجواز يلتزم بكلا الحكمين، وعلى الامتناع يدخل في باب التزاحم؛ لوجود كلا المقتضيين دون التعارض. أمّا مع عدم اجتماع الملاكين فلا موضوع للبحث عن اجتماع الأمر والنهي، وسواء قلنا بالجواز أو الامتناع يقع التعارض بين دليل (صلّ)
', '', 402), (65, 403, 'book', 'و(لا تغصب)، فإنّ أحد الحكمين بلا ملاك، فلا يعقل ثبوتهما معاً، ولا يعقل التزاحم، فإنّه فرع تماميّة المقتضيين(1).
وقد اعترض على ذلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله)(2) والسيّد الاُستاذ دام ظلّه(3) بأنّ المسألة لا تكون مرتبطة بمسألة تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، فكيف يكون شرط هذه المسألة ثبوت الملاكين في المجمع، فبناءً على ما ذهب إليه الأشعريّ من إنكار الحسن والقبح الذاتيّين يجوز الحكم بلا مصلحة ـ لعدم قبح في ذلك ـ ومع هذا يأتي النزاع في أنّ الأمر والنهي هل يجتمعان أو لا؛ فإنّ مسألة جواز الاجتماع ترجع إلى أنّ اجتماع الأمر والنهي هل يلزم منه اجتماع ضدّين في مورد واحد أو لا؟ وهذا يتأتّى حتّى مع فرض عدم المصلحة، والأشعريّ لا ينكر العقل النظريّ ولو أنكر العقل العمليّ.
وفي الحقيقة: إنّ مراد صاحب الكفاية لو كان هو ما فهمه المحقّق النائينيّ والسيّد الاُستاذ فهو من غرائب الكفاية، فإنّ عدم ارتباط المسألة بالقول بتبعيّة الأحكام للمصالح في غاية الوضوح، ولكن مراد صاحب الكفاية في المقام من الملاك إنّما هو الغرض من الحكم، سواء كان الغرض هو المصالح أو هو التشهّي والجزاف، فهو يقول: إنّ شرط مسألة الاجتماع وجود غرضين أمّا أنّهما هل هما عبارة عن المصالح والمفاسد أو عبارة عن التشهّي والتحكّم فهذا مطلبٌ آخر لا يرتبط بالمقام.
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 245 ـ 246 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعاليق المشكينيّ(رحمه الله).
(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 346 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
(3) راجع المحاضرات، ج 4، ص 203 ـ 205 بحسب طبعة دار الهادي للمطبوعات بقم.
', 403), (65, 404, 'book', '
ولعلّ الدافع النفسيّ لصاحب الكفاية إلى الجنوح إلى شرط من هذا القبيل هو دفع أحد الإشكالين على المشهور:
الأوّل: أنّه قد يقال: عجباً، وقع النزاع في هذه المسألة في عنوانين بينهما عموم من وجه، فمنهم من قال بجواز اجتماع الأمر والنهي، ومنهم من قال بالامتناع، بينما اتّفقوا في مسألة التعارض على وقوع التعارض بين دليلين يكون بين موضوعهما عموم من وجه؟! فكأنّما أراد صاحب الكفاية أن يجمع بين الكلامين، فذكر أنّه مع اجتماع الملاكين يدخل الأمر في مسألة الاجتماع، ومع عدمه يدخل في موضوع التعارض.
مع أنّ هذا الإشكال لا يتوقّف دفعه على مثل هذا التجشّم، بل يمكن دفعه بوجوه اُخرى، فمثلا يمكن أن يقال بأنّ العموم من وجه قد يكون من ناحية المتعلّق مثل (صلّ) و(لا تغصب)، فيدخل في بحث الاجتماع، وقد يكون من ناحية الموضوع مثل (أكرم العالم) و(لا تكرم الفاسق)، فيكون خارجاً عن بحث الاجتماع؛ لأنّ الحمل حمل ذو هو لا حمل هو هو.
الثاني: أنّ الأصحاب ـ حتّى القائلين بالامتناع ـ أفتوا بصحّة الصلاة عند الجهل بالغصب، مع أنّه على الجواز ينبغي القول بالصحّة مطلقاً، وعلى الامتناع ووقوع التعارض وتقديم جانب النهي ينبغي القول بالبطلان مطلقاً، فكأنّ صاحب الكفاية يقول: إنّه مع ثبوت الملاكين لا يقع التعارض وإنّما يقع التزاحم، وبعد تقدّم ملاك النهي لو صلّى مع العلم بالغصب كان معصية ولا يمكن التقرّب بالمعصية، ولو صلّى مع الجهل أمكن التقرّب والمقتضي وهو الملاك موجود فتصحّ الصلاة. نعم، لو كان الباب باب التعارض فلا نحرز الملاك ولا يمكن القول بالصحّة.
إلاّ أنّ هذا المقدار لا يكفي في مقام دفع الإشكال بناءً على مبنى نفس المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من أنّه إنّما نحرز الملاكين بنفس دليل الأمر والنهي، وحينئذ إذا قيل
', '', 404), (65, 405, 'book', 'بالامتناع فلا يبقى أمر حتّى نحرز به الملاك فكيف نحكم بالصحّة؟!
وعلى أيّ حال فيمكن أن يستدلّ على شرطيّة ثبوت الملاكين في المجموع في موضوع بحث الاجتماع بأحد تقريبين وكلاهما واضح البطلان:
التقريب الأوّل: أن يقال بأنّ البحث في هذه المسألة بحث عن امتناع اجتماع الأمر والنهي وإمكانه، ومن الواضح أنّه مع عدم الملاكين لا غبار على الامتناع ولا معنى للبحث عن الاجتماع والإمكان؛ إذ كيف يحتمل ثبوت الحكم بلا ملاك؟!
والجواب: أنّ هذا خلط بين الامتناع بالذات والامتناع بالغير، فإنّ ما هو محلّ البحث في هذه المسألة إنّما هو الامتناع بالذات وأنّه هل يكون اجتماع الأمر والنهي من اجتماع الضدّين أولا، وأمّا الامتناع الواضح عند عدم الملاكين فهو امتناع بالغير، والمنبّه لهذا أنّه قد يكون ما هو المختار في هذه المسألة وهو الجواز من مبادئ إثبات كلا الملاكين على ما يعترف به نفس صاحب الكفاية، وهذا يعني أنّه في المرتبة السابقة على إحراز الملاكين يوجد معنى للقول بالجواز لكي نستفيد منه برهاناً على إثبات الملاكين.
التقريب الثاني: أن يقال بأنّ البحث في المقام وإن كان من حيثيّة الامتناع بالذات، إلاّ أنّ الثمرة المرجوّة لهذا البحث ـ وهي ثبوت كلا الحكمين على فرض الجواز ـ لا يترقّب وجودها إلاّ مع ثبوت الملاكين، إذن فالمسألة بلحاظ ترتّب الأثر مشروطة بهذا الشرط.
والجواب: أنّ الثمرة غير مربوطة بهذا الشرط، بل مجرّد احتمال وجود كلا الملاكين يكفي لترتّب الثمرة، وذلك بالتمسّك بدليل الأمر والنهي(1)، هذا.
$
', '(1) كأنّ المقصود أنّ من ثمار جواز الاجتماع نفس اكتشاف وجود الملاكين، فلا معنى لاشتراط ثبوت الملاكين في صيرورة البحث ذا ثمرة.
', 405), (65, 406, 'book', '
مع أنّه ليس كلّ ما يكون دخيلا في ترتّب الثمرة يجب أن يؤخذ قيداً في موضوع المسألة؛ إذ يكفي أن تكون المسألة في نفسها دخيلة في الثمرة، فمثلا مسألة ظهور صيغة (افعل) في الوجوب ثمرتها إثبات الوجوب، مع أنّ من شرائط ترتّب الثمرة عدم المعارض، فهل يكون عدم المعارض قيداً في موضوع المسألة؟!
فالصحيح: أنّ هذه المسألة غير منوطة بافتراض الملاكين في المجمع بل نفس القول بالجواز من مبادئ إثبات كلا الملاكين.
طُرق إحراز الملاكين في المجمع:
المقام الثاني: في أنّه هل يمكن إحراز الملاكين في المجمع أو لا؟
لا إشكال في إحرازهما لو دلّ على ذلك دليل خاصّ، أو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي فدلّ نفس الأمر والنهي بالالتزام على الملاكين، أو كان الدليلان دالّين على الحكم الاقتضائيّ لا الفعليّ. أمّا في غير هذه الحالات الثلاث فقد ذكر صاحب الكفاية أنّه لا يمكن إحراز الملاكين؛ إذ بعد القول بالامتناع يقع التكاذب بين (صلّ) و(لا تغصب)، ولا يبقى دليل على ثبوت المناطين، وهذا بخلاف الحالات الثلاث التي يثبت فيها الملاكان ويتزاحمان على الامتناع ولا يتزاحمان على الجواز.
إلاّ أنّ المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) ذكر في غير هذه الحالات الثلاث لإثبات كلا الملاكين في المجمع طريقين:
الطريق الأوّل: هو التمسّك بالدلالة الالتزاميّة لدليلي الأمر والنهي عند سقوط المطابقيّة(1).
$
', '(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 302 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
', 406), (65, 407, 'book', '
وهذا مبنيّ على مبنى لا نقبله، ولو قبلناه إذن فلماذا يختصّ بالمقام، ولماذا لا يجري في مثل (صلّ) و(لا تصلّ)؟ فهنا أيضاً يجب أن يقال بإحراز المناطين وثبوت المحبوبيّة والمبغوضيّة الشأنيّتين، مع أنّه لا يلتزم به أحد.
وكأنّ المحقّق العراقيّ الذي حاول سلوك نفس هذا الطريق(1) أراد أن يدفع النقض بمثل (صلّ) و(لا تصلّ)، فذكر أنّه في مثل (صلّ) و(لا تصلّ) يكون كلّ من الطلبين ـ أي: طلب الفعل وطلب الترك ـ دالاًّ على النهي عن الضدّ العامّ لمتعلّقه، وهذا النهي دالٌّ على نفي الملاك في ذلك الضدّ العامّ، فيقع التعارض حتّى بلحاظ الدلالة على الملاك، فهذا بابه باب التعارض البحت.
هذا في عنوان واحد، وأمّا في عنوانين بينهما عموم من وجه كـ (صلّ) و(لا تغصب) فإمّا أن يفرض أنّهما متغايران بتمامها، أو أنّهما مشتركان في جزء ومتغايران في جزء آخر، كأن تكون الصلاة عبارة عن الحركة العباديّة والغصب عبارة عن الحركة الغصبيّة، فاشتركتا في الحركة، أمّا مع التغاير فمن الواضح أنّ أحد الطلبين لا ينفي الملاك في العنوان الآخر، وأمّا مع الاشتراك فالأمر بالصلاة ـ مثلا ـ يدلّ على نفي مبادئ الطلب في نقيض المجموع من الحركة والعباديّة، وهذا لا ينافي أن يكون في ترك المجموع من الحركة والغصبيّة مبادئ الطلب، فالأصل في موارد العموم من وجه هو التزاحم الملاكيّ، ولهذا ميّز الفقهاء بين مورد الاجتماع ومورد التعارض وذكروا أنّ الأوّل من باب التزاحم دون الثاني(2).
$
', '(1) راجع المقالات، ج 1، ص 370 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، ونهاية الأفكار، ج 1 و 2، ص 439 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
(2) راجع المقالات، ج 1، ص 372 ـ 373 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، ونهاية الأفكار، ج 1 و 2، ص 440 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
', 407), (65, 408, 'book', '
ويرد عليه:
أوّلا: الإشكال المبنائيّ بمنع حجّيّة الدلالة الالتزاميّة بعد سقوط المطابقيّة.
وثانياً: أنّ النهي عن الضدّ العامّ المستفاد من الطلب لا يدلّ على نفي الملاك في الضدّ كي يعارض الدلالة الالتزاميّة للأمر بالضدّ على الملاك؛ إذ يكفي لهذا النهي مغلوبيّة ملاك الضدّ العامّ ـ أي: النقيض ـ في مقابل ملاك نقيضه(1).
وثالثاً: لو سلّمنا عدم تبعيّة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة وسلّمنا أنّ النهي عن النقيض يدلّ على نفي الملاك في النقيض، قلنا: إنّ اللازم لكلامه(رحمه الله) إدخال المطلق والمقيّد حينما يكون المطلق أمراً والمقيّد نهياً، من قبيل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام) في باب التزاحم؛ لأنّ (صلّ) إنّما دلّ على نفي الملاك في ترك الصلاة،
', '(1) وقع في نهاية الأفكار الالتفات إلى هذا الإشكال، فرفض أصل هذا الوجه للتفريق بين مثل (صلّ) و(لا تغصب) وبين مثل (صلّ) و(لا تصلّ) وأبدله بوجه أغرب من هذا الوجه لا يناسب الشيخ العراقيّ(رحمه الله)، ولعلّه من خطأ المقرّر، وهو: أنّه مع تعدّد العنوان كـ(الصلاة) و(الغصب) ليس منع العقل من الجمع بين الأمر والنهي واضحاً بدواً كي يكسر ذلك ظهور (صلّ) في الإطلاق، وإنّما هذا أمر يتّضح بعد التدقيق في مادّة الاجتماع، فإذا بقي ظهور الإطلاق في (صلّ) محفوظاً رغم سقوط حجّيّته نتمسّك بدلالته الالتزاميّة لإثبات الملاك؛ لأنّها لا تتّبع المطابقيّة في الحجّيّة وإنّما تتّبعها في الوجود فحسب، وهذا بخلاف ما لو اتّحد العنوان كما في مثل (أكرم العالم) و(لا تكرم الهاشميّ)، فإنّ العنوان في كليهما هو الإكرام، والمنع من الجمع بين الأمر والنهي مع وحدة العنوان واضح بدواً لدى العقل، وهذا يكسر أصل الظهور في الفعليّة فتنتفي أصل الدلالة المطابقيّة، وبانتفائها تنتفي الالتزاميّة.
وهذا كما ترى غريب؛ فإنّ الكلام ليس فيما إذا اتّصل النهي بالأمر، وإنّما الكلام في الأمر والنهي المنفصل أحدهما عن الآخر، ومعه يتمّ الظهور في ذاته.
', 408), (65, 409, 'book', '
وهذا لا ينافي ما يدلّ عليه (لا تصلّ في الحمّام) من أنّ ترك الصلاة في الحمّام مورد للمبادئ؛ فإنّ كون ترك المجموع فيه الملاك لا ينافي كون ترك هذا الجزء ليس فيه الملاك، فإنّ ترك هذا الجزء ليس جزءاً لترك المجموع حتّى يكون فيه الملاك ضمناً وإنّما هو فرد له، ولا يوجد تناف بين ثبوت الملاك في الكلّيّ بنحو صرف الوجود وبين عدم الملاك في فرده(1). نعم، لو كان النهي هو المطلق كما لو قال: (لا تصلّ)، وقال: (صلّ في المسجد) وقع التعارض؛ لأنّ (لا تصلّ) دلّ على نفي المبادئ في الصلاة، بينما دلّ (صلّ في المسجد) على ثبوت المبادئ في الصلاة ولو ضمناً.
الطريق الثاني: التمسّك بإطلاق المادّة لا بالمعنى الميرزائيّ من أنّ المادّة لها محمولان: الحكم والملاك، وقد قيّدت بلحاظ المحمول الأوّل فنتمسّك بإطلاقها بلحاظ المحمول الثاني، بل بمعنى أنّه إذا لم يمكن إطلاق الهيئة لحالة من الحالات عقلا كحالة العجز أو النسيان أو وجود حكم متضادّ قلنا: إنّ الوجوب الذي هو مفاد الهيئة خاصّ بغير هذه الحالة، ولكن هل هذا الوجوب الخاصّ بغير هذه الحالة تعلّق بذات الصلاة أو تعلّق بالصلاة مع عدم هذه الحالة؟ طبعاً مقتضى الإطلاق هو
', '(1) لعلّ نظره(رحمه الله) إلى الفرد الذي يكون وجوده مستبطناً لفرض وجود فرد آخر كما هو الحال في المقام، فإنّ ترك الصلاة يستبطن فرض ترك قيد كونها في الحمّام، أمّا في غير هذه الصورة فمن الواضح أنّه لو كان صِرف الوجود ذا مصلحة فالفرد مشتمل على تلك المصلحة؛ لأنّه ينطبق عليه صرف الوجود، هذا إن قصد بالملاك المصلحة، وإن قصد به المحبوبيّة فقد تقدّم منه أنّ محبوبيّة صرف الوجود تلازم محبوبيّة كلّ حصّة على تقدير عدم الحصص الاُخرى، فتوجيه كلامه(رحمه الله) هنا هو ما قلناه: من أنّ النظر إنّما هو إلى فرد يكون تحقّقه مستبطناً لفرض تحقّق فرد آخر، فلا يلزم ثبوت الملاك فيه، لا بمعنى المصلحة ولا بمعنى الحبّ.
', 409), (65, 410, 'book', '
تعلّقه بذات الصلاة، لا بمعنى أنّ الصلاة واجبة حتّى عند تحقّق هذه الحالة، بل بمعنى أنّه عند عدم هذه الحالة يكون الواجب ذات الصلاة بلا أيّ قيد آخر، وهذا يعني أنّ ذات الصلاة هي ذات ملاك بلا قيد تلك الحالة، إذن فهي ذات ملاك حتّى في غير تلك الحالة وإن لم تكن واجبة في تلك الحالة(1).
ويرد عليه:
أوّلا: أنّ هذا لو تمّ فإنّما يتمّ في الموانع العقليّة التي توجب تقييد الوجوب مثل مانع العجز، ولا يتمّ في محلّ الكلام، فإنّه إذا افترضنا وجود المندوحة فلا موجب لتقييد الوجوب حتّى على الامتناع وإنّما يتقيّد الواجب بالحصّة المباحة.
وثانياً: لو سلّمنا أنّ المقام كالموانع العقليّة الموجبة لتقييد الوجوب قلنا: قد مضى منّا أنّ القيود الدخيلة في المصلحة على قسمين: أحدهما ما هو دخيل في اتّصاف الفعل بالملاك، وهذا ينفيه إطلاق الهيئة. والثاني ما هو دخيل في ترتّب الملاك خارجاً على الفعل، وهذا ينفيه إطلاق المادّة. ففي المقام لو كان المقصود من نفي دخل عدم تلك الحالة في الملاك نفي دخله في ترتّب المصلحة فهذا لا كلام فيه، فإنّه ليس المدّعى في الموانع العقليّة أنّ عدم العجز ـ مثلا ـ دخيل في ترتّب المصلحة على الفعل، وإنّما المدّعى أنّه دخيل في الاتّصاف، ولو كان المقصود نفي دخله في الاتّصاف فهذا إنّما ينفى بإطلاق الهيئة المفروض عدمه دون إطلاق المادّة.
وعلى أيّ حال فالصحيح أنّه لا يمكن إثبات وجدان المجمع لكلا الملاكين بناءً على الامتناع، فالتزاحم الملاكيّ ليس هو مقتضى القاعدة لا في باب التعارض ولا في باب الاجتماع.
$
', '(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 302 ـ 303.
', 410), (65, 411, 'book', '
هل تجري أحكام التزاحم في التزاحم الملاكيّ أو تطبّق عليه قوانين التعارض؟
المقام الثالث: لو افترضنا أنّنا استطعنا في موارد اجتماع الأمر والنهي أن نثبت وجود الملاكين في المجمع فقد صار هناك تزاحم بين الملاكين، فيقع الكلام في المقام الثالث، وهو: أنّ التزاحم الملاكيّ هل تجري فيه أحكام باب التزاحم الحقيقيّ الذي تقدّم وكان قسيماً لباب التعارض، أو أنّه تطبّق عليه قوانين باب التعارض؟
وهناك فروق حقيقيّة بين هذا التزاحم الملاكيّ وبين التزاحم الحقيقيّ، وهذه الفروق سبّبت أن نتساءل أنّ هذه الفروق مفرّقة بحسب الأحكام أو لا؟ وهذه الفروق يمكن تلخيصها فيما يلي:
أوّلا: أنّ المنافات في التزاحم الحقيقيّ ـ الذي فرغنا عنه في باب الضدّ ـ لم يكن بين الجعلين وكان بين الفعليّتين، بينما في التزاحم الملاكيّ يكون التنافي بحسب عالم الجعل لا الفعليّة فحسب، فلا يمكن ثبوت كلا الجعلين على موضوع واحد.
ثانياً: مادام التنافي في التزاحم الحقيقيّ بين الجعلين غير موجود فلا تكاذب بين الدليلين؛ لأنّ مفاد الدليل هو الجعل لا الفعليّة، بينما هنا يحصل التكاذب بين الدليلين للتنافي بين الجعلين.
ثالثاً: أنّه مادام الجعلان ثابتين في التزاحم الحقيقيّ بدليلهما فلا حاجة إلى أن يُعمل المولى عنايته لحلّ التنافي، وإنّما على العقل أن يشخّص ما هي الوظيفة العمليّة في المقام. وهذا بخلاف التزاحم الملاكيّ؛ إذ ليست المشكلة مشكلة أنّ المكلّف ماذا يصنع، بل هي مشكلة أنّ المولى على طبق أيّ الملاكين يجعل، فالمولى هو الذي يجب أن يعالج الموقف.
$
', '', 411), (65, 412, 'book', 'فعلى ضوء هذه الفوارق لابدّ أن نرى أنّ أيّاً من أحكام باب التعارض أو التزاحم يمكن تطبيقه هنا؟
قد ذهبت مدرسة المحقّق النائينيّ(رحمه الله) نظراً إلى الفرق الثاني إلى أنّه تطبّق قواعد باب التعارض دون التزاحم.
أقول: ونحن نتكلّم هنا بلحاظ كلّ واحد واحد من مرجّحات باب التزاحم لكي نرى هل تأتي في التزاحم الملاكيّ أو لا، فنقول: إنّ مرجّحات باب التزاحم كانت عبارة عمّا يلي:
1 ـ الترجيح بالأهمّيّة القطعيّة.
2 ـ الترجيح باحتمال الأهمّيّة.
3 ـ الترجيح بأقوائيّة احتمال الأهمّيّة.
4 ـ ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل.
5 - ترجيح المقيّد بالقدرة العقليّة على المقيّد بالقدرة الشرعيّة(1).
فلنلحظ كلّ واحد من هذه المرجّحات تباعاً كي نرى مدى جريانها في التزاحم الملاكيّ فنقول:
أوّلا: الترجيح بالأهمّيّة القطعيّة:
لو علمنا بأهمّيّة ملاك الصلاة ـ مثلا ـ من ملاك مزاحمها ففي التزاحم الحقيقيّ لا إشكال في تقديم الأهمّ.
وفي التعارض البحت ـ أي: الذي لم نكشف فيه عن وجود الملاكين ـ
', '(1) أمّا الترجيح بالتقدّم الزمنيّ فلا موضوع له هنا؛ إذ لا يوجد تكليفان في زمانين مختلفين.
', 412), (65, 413, 'book', '
لا إشكال في أنّه لا أثر للعلم بأهمّيّة ملاك الصلاة على تقدير وجوده من ملاك متعلّق الدليل المعارض على تقدير وجوده؛ لأنّ هذا التقدير لم يحرز، فإنّنا وإن كنّا نعلم بالقضيّة الشرطيّة ـ أي: الأهمّيّة على تقدير الوجود ـ ولكنّ الشرط لا نعلم به.
وأمّا في التزاحم الملاكيّ فتوجد صورتان:
الصورة الاُولى: أن نعلم من الخارج بثبوت ملاك الصلاة ـ مثلا ـ بدليل لا يقاومه دليل المزاحم، وقد فرضنا علمنا بأهمّيّته على تقدير وجوده، وهنا لا إشكال في لزوم العمل على طبق الأهمّ؛ لأنّ المقتضي موجود بحسب الفرض، والمانع مفقود لمغلوبيّة ملاك المزاحم.
الصورة الثانية: أن يكون دليلنا على وجود ملاك الصلاة مثل إطلاق المادّة أو الدلالة الالتزاميّة لا العلم الخارجيّ، فدليل (صلّ) هو الذي دلّ على ثبوت ملاك الصلاة، ودلّ بدلالة التزاميّة على أنّ ملاكها أهمّ من ملاك حرمة الغصب؛ لعلمنا بأنّه على تقدير ثبوته أهمّ. وأمّا دليل (لا تغصب) فقد دلّ على حرمة الغصب، ومن الواضح أنّ هذه الحرمة لا تجامع أهمّيّة ملاك الصلاة، فيدلّ بالالتزام على عدم أهمّيّة ملاك الصلاة، فيصبح دالاًّ ـ بعلمنا بالملازمة بين ثبوت ملاك الصلاة وأهمّيّته ـ على نفي ملاك الصلاة، فأصبح طرفاً للمعارضة مع دليل الصلاة حتّى بلحاظ الملاك ويطبَّق على ذلك قانون التعارض البحت.
ثانياً: الترجيح باحتمال الأهمّيّة:
لو احتملنا الأهمّيّة في أحد الملاكين دون الآخر بأن علمنا أنّ ملاك الصلاة ـ مثلا ـ لو كان فهو أهمّ أو مساو فالدليل على ثبوت ملاك الصلاة لو كان من الداخل ـ أي: أنّ نفس الأمر بالصلاة كان دليلنا على ثبوت ملاك الصلاة ـ فدليل (لا تغصب) يعارضه؛ لأنّه يدلّ على حرمة الغصب وبالتالي على أنّه ليس ملاك
', '', 413), (65, 414, 'book', 'الصلاة أهمّ أو مساوياً؛ إذ مع أهمّيّة أو تساوي ملاك الصلاة لا معنى لحرمة الغصب، ولعلمنا بأنّه لو ثبت ملاك الصلاة لكان أهمّ أو مساوياً يدلّ على نفي ملاك الصلاة، فلابدّ من تطبيق قوانين باب التعارض، ولا معنى هنا للترجيح باحتمال الأهمّيّة بعد أن كان أصل الملاك غير معلوم.
أمّا لو كان دليلنا على ثبوت ملاك الصلاة دليلا خارجيّاً لا يقاومه دليل (لا تغصب) فقد يقال: إنّه أيضاً لا مجال للترجيح باحتمال الأهمّيّة؛ وذلك لأنّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في أصل التكليف؛ إذ لو كانت مصلحة الفعل أكثر من مفسدته فيكون الفعل محبوباً واجباً، ولو كانت متساوية للمفسدة فلا محبوبيّة فعليّة ولا مبغوضيّة كذلك، فلا وجوب ولا حرمة، فيكون الشكّ في الوجوب بنحو الشبهة الحكميّة خطاباً وملاكاً، بمعنى أنّه حتّى الملاك الفعليّ غير محرز. نعم، المحرز إنّما هو الملاك الشأنيّ، وأين هذا ممّا نقوله في التزاحم الحقيقيّ من الترجيح باحتمال الأهمّيّة من باب أنّ الانشغال به يرفع موضوع الحكم الآخر؛ لأنّ موضوعه هو عدم الانشغال بالأهمّ أو محتمل الأهمّيّة، بينما لا يرفع الانشغال بالآخر موضوع هذا، فيلزم العصيان بالتفصيل المتقدّم. هذا.
ولكنّ التحقيق أنّه إذا كان ملاك الصلاة ثابتاً بدليل خارجيّ لا يقاومه دليل حرمة الغصب، فنحن نعلم بكذب دليل حرمة الغصب؛ لأنّ ملاك الصلاة ثابت بحسب الفرض، وهو إمّا أهمّ أو مساو، وعلى كلا التقديرين لا مجال لتحريم الغصب. وأمّا دليل الأمر بالصلاة فلا نعلم بكذبه فنأخذ به.
ثالثاً: الترجيح بأقوائيّة احتمال الأهمّيّة:
لو كان احتمال الأهمّيّة في كلا الطرفين موجوداً إلاّ أنّه في أحد الطرفين أكبر فهنا لا مجال للترجيح بأكبريّة احتمال الأهمّيّة، سواءً كان الدليل على ملاك الصلاة
', '', 414), (65, 415, 'book', 'من الداخل أو من الخارج، فإنّه على كلا التقديرين يكون دليل (لا تغصب) نافياً لا لأصل ملاك الصلاة بل لمساواته وأهمّيّته، ولا علم بكذب (لا تغصب) ولا إحراز للحكم خطاباً ولا ملاكاً.
رابعاً: ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل:
لو كان للواجب بدل عرضيّ كما في باب الصلاة والغصب مع وجود المندوحة، فأحد المرجّحات في باب التزاحم هو تقديم ما ليس له بدل على ما له البدل، وهذا يطبّق في المقام لو علم بوجود ملاك ما ليس له بدل من الخارج وذلك بالقطع الوجدانيّ؛ لأنّ المقتضي موجود وهو ملاك حرمة الغصب والمانع مفقود؛ فإنّ ما يتصوّر كونه مانعاً هو مصلحة الصلاة وهذه لا تمنع؛ لأنّها لا اقتضاء لها تجاه هذا الفرد بالخصوص؛ إذ بالإمكان الصلاة في مكان آخر.
أمّا لو كان الملاك محرزاً بنفس إطلاق الدليل فسوف يقع التكاذب بنحو لا يثبت أصل الملاك؛ لأنّ الإطلاق البدليّ لدليل (صلّ) يشمل الصلاة في المكان المغصوب، وهو لا يلائم مع أصل ثبوت الملاك لحرمة الغصب؛ إذ لو كانت مفسدة في الغصب لما كان يقتضي ملاك الصلاة جعل وجوبها مطلقاً يشمل الصلاة في المكان المغصوب؛ إذ كان بالإمكان تحصيل ملاك الصلاة بالصلاة في مكان آخر، إذن فالإطلاق البدليّ لدليل وجوب الصلاة ينفي بالالتزام أصل مفسدة الغصب في المجمع، فيكون التعارض تعارضاً بحتاً.
خامساً: ترجيح المشروط بالقدرة العقليّة على المشروط بالقدرة الشرعيّة:
وهذا حاله حال الترجيح بالأهمّيّة، أي: إنّه لو كانت الصلاة هي المشروطة بالقدرة العقليّة على تقدير ثبوت ملاكها فلو كان دليل ثبوت ملاكها عبارة عن إطلاق (صلّ) وقع طرفاً للمعارضة لإطلاق (لا تغصب). ولو كان ملاكها قد ثبت
', '', 415), (65, 416, 'book', 'بدليل خارجيّ لا يقاومه دليل المزاحم تقدّم على دليل حرمة الغصب.
وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّه لو علم بالملاك من الخارج وأنّه أهمّ أو بحكم الأهمّ ـ كأن يكون مشروطاً بالقدرة العقليّة في مقابل المشروط بالقدرة الشرعيّة، أو يكون تعيينيّاً في مقابل البدليّة ـ تقدّم على الآخر باعتبار العلم ببطلان ملاك الآخر. وأمّا لو لم يُعلم بثبوت الملاك من الخارج وكان إحرازه من الداخل ـ أي: من إطلاق المادّة أو الدلالة الالتزاميّة ـ أو احتملنا الأهمّيّة في كلّ واحد من الطرفين وقع التعارض لا محالة.
الآن نريد أن نتكلّم بعد فرض وقوع التعارض بين الدليلين ـ ولو بأن نختار مبنى المشهور القائل بأنّ التزاحم الملاكيّ لا يلحق بالتزاحم الحقيقيّ ـ في أنّ إحراز الملاكين هل له أثر بالنسبة للخطوات الثلاث التي تتّخذ بشأن المتعارضين أو لا؟
والخطوات الثلاث عبارة عن أنّه: أوّلا يحاول الجمع بينهما جمعاً عرفيّاً، وثانياً بعد العجز عن ذلك يفتّش عن الترجيح السنديّ لو كان التعارض بنحو التباين لا العموم من وجه، وثالثاً يقال بالتساقط، فنقول:
أمّا الجمع العرفيّ فيظهر من صاحب الكفاية أنّ كون الملاك محرزاً في مادّة التعارض هو بنفسه يمهّد لجمع عرفيّ، فإنّه إذا أحرزنا الملاكين وكان أحدهما أقوى حملنا دليل الحكم الآخر على الحكم الاقتضائيّ الشأنيّ ودليل ذي الملاك الأقوى على الحكم الفعليّ(1)، وهذا جمع عرفيّ في فرض إحراز الأهمّيّة، وإذا سلّمنا بعرفيّة هذا الجمع لا تصل النوبة إلى الخطوتين الأخيرتين.
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 242 و 273 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.
', 416), (65, 417, 'book', '
وتعليقنا على ذلك: أنّنا نتساءل هل يُعمل هذا الجمع العرفيّ إذا كان الملاك محرزاً من الخارج، أو يعمله إذا كان محرزاً من الداخل؟
ففي الفرض الأوّل لا معنى للجمع العرفيّ، فإنّ الجمع العرفيّ فرع التعارض وهنا لا تعارض؛ للعلم التفصيليّ بكذب ما هو غير أهمّ.
وفي الفرض الثاني نقول هنا صورتان: فتارة يفرض التعارض بنحو العموم من وجه مثل (أكرم الهاشميّ) و(لا تكرم الفاسق) وكنّا نعلم من الخارج أنّ الملاك في الوجوب متى ما ثبت فهو أقوى من ملاك الحرمة. واُخرى يفرض التعارض بنحو التباين مثل (صلّ) و(لا تصلّ).
أمّا في الصورة الاُولى فهنا كما يمكن الجمع بين الدليلين بالتحفّظ على إطلاق كلّ منهما لمادّة الاجتماع مع حمل (لا تكرم الفاسق) على الشأنيّة، كذلك يمكن تقييد هذا أو ذاك بإخراج مادّة الاجتماع عن إطلاقه، ولا موجب عرفاً لأولويّة أحد هذين التصرّفين على الآخر ونسبة العرف إلى كلّ من التصرّفين على حدّ سواء، والتعارض محذور يرفع بكلّ من التصرّفين والتأويلين.
وأمّا في الصورة الثانية فهنا حلّ التعارض لا يمكن أن يكون بالتقييد، فإنّهما واردان في موضوع واحد، لكن مع هذا لا نقبل الجمع العرفيّ بالحمل على الاقتضاء، فإنّ الحمل على الاقتضاء معناه أنّه حكم اقتضائيّ لولائيّ وأنّه لولا مصلحة غالبة لكانت الحرمة ثابتة، وهذا بحسب النظر العرفيّ ليس جمعاً وإنّما هو إلغاء.
وأمّا الترجيح السنديّ بعد فرض العجز عن الجمع العرفيّ فهل يجري ذلك في المقام بلا تأثّر بمعرفة اجتماع الملاكين أو لا؟
توضيح الكلام في ذلك: أنّ التعارض لو كان بنحو العموم من وجه فلا تجري المرجّحات السنديّة حتّى لو لم يحرز الملاك؛ لأنّ التعارض لا يسري إلى السند، ولو كان بنحو التساوي من حيث الموضوع والتباين في المفاد، فلا بأس بالرجوع
', '', 417), (65, 418, 'book', 'إلى المرجّحات السنديّة حتّى لو أحرز الملاكان، فإنّ التعارض على كلّ حال مستحكم بين الدلالتين المطابقيّتين على الحكم الفعليّ وتسري المعارضة إلى السند ويقدّم ما هو الأرجح سنداً لو كان ويسقط سند الآخر، وحينئذ لو كان الملاك محرزاً بنفس الدليل سقط إحرازه، ولو كان محرزاً من الخارج بقي إحرازه ثابتاً على حاله.
وللمحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) هنا عبارة، وهي: أنّه «يقدّم الأقوى منهما دلالةً أو سنداً، وبطريق الإنّ يحرز به أنّ مدلوله أقوى مقتضياً»(1). ولقوله: «بطريق الإنّ يحرز به...» تفسيرات ثلاثة:
الأوّل: أن يقال(2): إنّ الدليل معلول للملاك الذي دلّ عليه، فيحرز بأقوائيّة المعلول أقوائيّة العلّة.
وهذا واضح البطلان؛ إذ من المعلوم أنّ الدليل ليس معلولا للمدلول حتّى نرى أنّهما هل يكونان من سنخ معلول وعلّة تكون أقوائيّة المعلول دليلا على أقوائيّة العلّة أو لا، وإنّما الدليل يكون متأخّراً ـ بالتأخّر الطبعيّ ـ عن وجود المدلول بما هو في صقع الدليل نظير تأخّر العلم عن المعلوم.
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 273 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.
(2) كتبت هذه التفسيرات من دفتري الحاكي عن دورة سابقة. أمّا ما هو الموجود في دفتر بعض تلامذة اُستاذنا(رحمه الله)في التفسير الأوّل والذي ضرب عليه القلم وادّعى أنّه لم يفهم مقصود السيّد الاُستاذ فهو كما يلي: نسبة الحكم إلى الدليل نسبة المعلول إلى العلّة، وقوّة العلّة تستلزم قوّة المعلول، فكلّما يكون الدليل أقوى فالحكم المستكشف منه يكون أقوى، إلاّ أنّ هذا واضح البطلان؛ فإنّ المنكشف ليس معلولاً للكاشف وإنّما انكشف المنكشف بالكاشف، فالانكشاف هو المعلول دون المنكشف، انتهى.
', 418), (65, 419, 'book', '
الثاني: ما قاله بعض: من أنّ دليل ترجيح أحد الدليلين على الآخر كاشف عن أهمّيّة ملاك ذاك الحكم بناءً على أنّ الترجيح يكون من باب الطريقيّة لا الموضوعيّة، فإنّما نصبه المولى حفظاً لملاكات الواقع.
وفيه: أنّ أدلّة الوظيفة الظاهريّة ليس نصبها ناشئاً عن وجود الملاك في كلّ فرد فرد من الموارد، بل نصبها ناشئ عن وجود الملاك في المجموع من حيث المجموع، بمعنى أنّ المولى لمّا رأى ـ مثلا ـ أنّه لو أمر باتّباع خبر الأعدل استفاد العبد في الخارج عشرين ملاكاً من مجموع ملاكات الأحكام التي ورد فيها خبر العادل معارضاً بخبر الأعدل، ولو لم يأمر بذلك لم يستفد العبد هذا المقدار، فلذلك أمر باتّباع خبر الأعدل عند المعارضة بخبر العادل، فليس ذلك كاشفاً عن الملاك الشخصيّ حتّى يجعل دليلا على الأهمّيّة.
الثالث: أنّه بعد أن فُرضت حجّيّة أحد الدليلين لأجل الترجيح دون الآخر فقد دلّ ذلك الدليل بالمطابقة على فعليّة ذلك الحكم وبالالتزام على أقوائيّة ملاكه، فبطريق الإنّ اُحرز تعبّداً أقوائيّة ملاكه.
ثُمّ إنّنا وإن قلنا بالرجوع إلى المرجّح السنديّ عند إحراز الملاكين ـ لسريان التعارض إلى السند ـ ولكن قد يقال بأنّ هذا إنّما يتمّ إذا كان إحراز الملاكين من الخارج ولم نقبل الإحراز الداخليّ بلحاظ الدلالة الالتزاميّة مثلا، بدعوى أنّ الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة، أمّا لو لم نرَ الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة وقلنا في المقام: إنّه حتّى مع سقوط المطابقيّة نأخذ بالالتزاميّتين، وإنّ الالتزاميّة تكون حجّة بصورة مستقلّة عن المطابقيّة فحينئذ يقال بأنّ التعارض لا يسري إلى السند؛ إذ الدلالة الالتزاميّة لا زالت باقية على الحجّيّة وما معنى بقاؤها بلا سند؟! إذن، فلا معنى للرجوع إلى المرجّحات السنديّة.
إلاّ أنّ التحقيق عدم صحّة هذا التفصيل والصحيح هو الرجوع إلى المرجّحات
', '', 419), (65, 420, 'book', 'السنديّة مطلقاً، وذلك بتقريبين:
التقريب الأوّل: هو أنّ هذه المرجّحات العلاجيّة أهمّ أدلّتها هو الروايات، ومن الواضح أنّ العنوان المأخوذ في موضوع الأخبار العلاجيّة هو أنّه جاء خبران مختلفان، ومن الواضح أنّ هذا العنوان صادق في المقام(1) سواء اقتضت صناعة الاُصول سريان التعارض إلى السند أو لا، فإنّه لم يؤخذ في موضوع تلك الروايات عنوان سراية التعارض إلى السند وإنّما المأخوذ عنوان الاختلاف، إذن فنفس الأخبار العلاجيّة دليل على أنّ الإمام جعل الاختلاف ضابطاً كاملا لسريان التعارض إلى السند وطرح سند الآخر بالترجيح.
بل لو استشكلنا في صدق التعارض السنديّ في المقام فقلّ ما يتّفق عدم ثبوت دلالة التزاميّة غير مبتلاة بالمعارض في باب التعارض، فيلزم إلغاء الأخبار العلاجيّة عرفاً.
التقريب الثاني: أن يقال: إنّ الدلالة الالتزاميّة لو كانت التزاميّة لإطلاق الكلام، كَأن يدلّ ﴿أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْع﴾ بالإطلاق على صحّة البيع المعاطاتيّ، ويدلّ هذا الإطلاق بالالتزام على صحّة الإجارة المعاطاتيّة، فهنا من الواضح أنّ المدلول المطابقيّ ـ وهو الإطلاق ـ لو سقط بالتعارض عن الحجّيّة لم يسقط السند، ولو سقط الإطلاق أخذنا بدلالته الالتزاميّة بنفس ذلك السند بناءً على أنّ الالتزاميّة لا تسقط بسقوط المطابقيّة.
$
', '(1) وبكلمة اُخرى: قد يقال: إنّ عنوان (خبران مختلفان أحدهما يأمر والآخر ينهى) ونحو ذلك لا يشمل فرض التعارض بالعموم من وجه؛ لأنّ الاختلاف فيه ليس صارخاً بذاك الشكل، ولكن لا شكّ في شموله للتعارض الكامل بين المدلولين المطابقيّين ولو لم يكن تعارض بين الالتزاميّين.
', 420), (65, 421, 'book', '
أمّا في المقام فالدلالة الالتزاميّة مستفادة من أصل الخطاب لا من إطلاقه، فلو قُصد بكون الدلالة الالتزاميّة مستقلّة عن المطابقيّة في الحجّيّة أنّ الراوي شهد بشهادتين: شهد بالمدلول المطابقيّ وشهد بالمدلول الالتزاميّ، فإن سقطت الاُولى فلتبق الثانية فهنا من الواضح أنّه إذا سقطت الاُولى كان معنى ذلك سقوط سند الشهادة الاُولى، غاية الأمر أنّ التعارض السنديّ يكون بين سندي المدلولين المطابقيّين، فيدخل في الأخبار العلاجيّة.
نعم، لو كان مدّعى القائل باستقلال الدلالة الالتزاميّة في الحجّيّة في المقام: أنّه يتحصّل من كلام الراوي كلام واحد، وهو (صلّ) مثلا، وهذا يدلّ على شيئين: الوجوب والملاك، والملاك يثبت وإن لم يثبت الوجوب، فهنا لا يسري التعارض إلى السند(1).
وأمّا التساقط بعد عدم إمكان الجمع العرفيّ وعدم إمكان الترجيح فإذا افترضنا
', '(1) كأنّ المقصود أنّه لو كانت المطابقيّة والالتزاميّة جزءين عرضيّين لمدلول واحد، بحيث أمكن افتراض صدق السندين ولو بصرفهما إلى الجزءين غير المتعارضين وافتراض خروج الجزءين المتعارضين أو أحدهما عن المقصود كما هو الحال في المتعارضين بالعموم من وجه، أمكن القول بأنّ التعارض لم يسر إلى السند، كما نقول بذلك في العموم من وجه، فإنّنا نصدّق السندين ولو بلحاظ مادّتي الافتراق ونفترض خروج مادّة الاجتماع عن المقصود في أحد النقلين أو كليهما، فالخلل إنّما هو في الدلالة دون السند.
ولكن في المقام تكون الدلالة الأصليّة الأوّلية عبارة عن المطابقيّتين وتفرّعت عنهما الالتزاميّتان، ولا يصحّ عرفاً افتراض صدق كلا السندين بصرفهما إلى الالتزاميّتين وافتراض خروج إحدى المطابقيتين عن مقصود الناقل، فالتعارض سار إلى سندي المطابقيّتين حتماً، سواءً آمنّا بأنّ الالتزاميّة تابعة للمطابقيّة في الحجّيّة فقد سقط السند حتّى بلحاظ الالتزاميّة، أو آمنّا بأنّ المطابقيّة والالتزاميّة بمنزلة شهادتين لو سقطت الاُولى سنداً لا يؤدّي ذلك إلى سقوط الثانية سنداً.
', 421), (65, 422, 'book', '
أنّنا نقول بالتساقط الجزئيّ في موارد التعارض، أي: إنّنا نلتزم بنفي الثالث، فلا فرق بين فرض إحراز الملاكين وعدمه.
أمّا لو التزمنا بالتساقط الكلّيّ في باب التعارض ـ كما هو الصحيح ـ فالفرق بين الفرضين أنّه في غير موارد إحراز الملاكين قد نرجع بعد التساقط إلى أصل ينفي كلا الحكمين. أمّا في المقام فالرجوع إلى أصل ينفي كلا الحكمين إنّما يجوز لو لم يفوّت الملاكين، كما لو ورد (صلّ) و(لا تصلّ) وأحرزنا الملاكين فنرجع بعد التساقط إلى الأصل العمليّ ولا بأس به، سواءً كان مفاده الوجوب أو الحرمة أو الإباحة، فإنّ الأوّل يطابق (صلّ) والثاني يطابق (لا تصلّ) والثالث وإن كان ينفي كلا الحكمين لكنّه يطابق فرض تكافؤ الملاكين.
ونذكر مثالين لعدم جواز الرجوع إلى الأصل المفوّت لكلا الملاكين:
المثال الأوّل: أن يقع التزاحم بين أمرين بضدّين بينهما تضادّ دائميّ ولهما ثالث، كالالتفات إلى الجنوب والالتفات إلى الشمال (أمّا لو كان التضادّ اتفاقيّاً دخل في التزاحم الحقيقيّ)، فالتعارض هنا يكون عندنا تعارضاً بين إطلاق الدليلين المقتضي للتعيينيّة. ولكن لو بنينا على ما يقوله المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من أنّ التعارض بين أصل الخطابين فهنا لو افترضنا إحراز الملاكين لم يمكن الرجوع إلى أصالة البراءة عن الوجوبين؛ لأنّها تفوّت الملاكين، ونحن نعلم بأنّ الملاكين لو كانا متساويين ثبت التخيير وإلاّ تعيّن أحدهما. نعم، يمكن الرجوع إلى البراءة عن تعيين أحدهما.
المثال الثاني: أن يرد دليل مطلق ودليل أخصّ، لكنّ الأخصّ يكون شبيهاً للمتساوي بنحو لا يصلح أن يكون مقيّداً، مثل (لا تصلّ) و(صلّ في مكان نظيف) لو فُرض أنّ الصلاة في مكان غير نظيف فرد نادر، فلا يمكن تقييد المطلق به، فلو فُرض عدم إحراز الملاكين أمكن إجراء البراءة عنهما بحيث يجوز الإتيان بمادّة
', '', 422), (65, 423, 'book', 'الافتراق من طرف النهي. أمّا مع فرض إحراز الملاكين فلا يجوز الإتيان بمادّة الافتراق من طرف النهي؛ لأنّها مفوّتة لكلا الملاكين.
حكم العمل في المجمع بناءً على الأقوال:
التنبيه السادس: في البحث عن صحّة العمل في المجمع على الأقوال:
فلو قيل بامتناع الاجتماع مع تقديم جانب الوجوب فلا إشكال في صحّة العمل حتّى ولو كان عباديّاً، وسواءً علم المكلّف بملاك الحرمة المغلوب أو كان جاهلا.
ولو قيل بجواز الاجتماع فلو لم توجَد المندوحة وقع التزاحم بين الأمر والنهي، فلو قلنا بالترتّب أو أحرزنا الملاك صحّ العمل(1)، وإلاّ لم يصحّ العمل سواءً كان تعبّديّاً أو توصّليّاً. ولو وُجدت المندوحة فهنا لا تعارض ـ لجواز الاجتماع ـ ولا تزاحم ـ لوجود المندوحة ـ إلاّ على مبنى الميرزا القائل باختصاص متعلّق الخطاب بالمقدور عقلا وشرعاً، والحرمة تجعله غير مقدور؛ لأنّه على الأقلّ ملازم للحرام(2) فلابدّ من تصحيحه بالترتّب أو بالملاك.
وأمّا إذا بنينا على امتناع الاجتماع وقدّمنا النهي: فتارة يُفترض العلم بالنهي،
', '(1) نعم، بناءً على كون ملاك جواز الاجتماع هو تعدّد العنوان لا المعنون مع كون العمل قربيّاً يبطل العمل، لكن هذا داخل في التحفّظ الثالث له(رحمه الله) الذي تحفّظ به عن مسألة جواز الاجتماع بمجرّد تعدّد العنوان، ولعلّه لهذا لم يرَ هنا حاجة إلى الإشارة إلى ذلك؛ إذ كان فرض جواز الاجتماع في العباديّات بناءً على هذا التحفّظ يساوق فرض تعددّ المعنون.
(2) راجع فوائد الاُصول، ج 1 و 2، ص 442.
', 423), (65, 424, 'book', '
واُخرى يُفترض الجهل به، فإن كان معلوماً فيقال بالتفصيل بين ما إذا كان عباديّاً فيبطل؛ لاستحالة التقرّب به. وأمّا إذا كان توصّليّاً فيصحّ لو اُحرز الملاك وإلاّ لم يصحّ؛ لعدم العلم باستيفاء الملاك به. وأمّا مع الجهل فقد يقال بأنّ المجمع يكون صحيحاً ولو كان عباديّاً، وسيتّضح الحال في ذلك.
الصلاة في المكان المغصوب مع الجهل:
ثُمّ إنّ المشهور قد أفتوا بصحّة الصلاة في المكان المغصوب مع الجهل به بينما أفتوا بالبطلان في صورة العلم، وهذه الفتوى هي التي أثارت الإشكال المعروف والذي أجاب عليه في الكفاية بعدّة أجوبة(1)، وهذا الإشكال هو: أنّه لو قلنا بجواز الاجتماع فلتصحّ الصلاة مطلقاً، وكذا لو قلنا بالامتناع مع تقديم الأمر، أمّا مع تقديم النهي فتتقيّد الصلاة بالمكان غير المغصوب، فتبطل في المكان المغصوب مطلقاً، فما معنى التفصيل؟!
وما قيل أو يمكن أن يقال في مقام تخريج هذه الفتوى عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما اُشير إليه في الكفاية(2)، وحاصله مركّب من مقدّمتين:
الاُولى: أنّ الأحكام إنّما تكون متضادّة ومتنافية بمرحلة فعليّتها لا بمرحلة وجودها الإنشائيّ.
الثانية: أنّ الحكم ما لم يصل لا يصبح فعليّاً.
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 246 ـ 248 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ.
(2) أشار إليه في الكفاية بقوله في ص 248 بحسب الطبعة الماضية: وأمّا لو قيل بعدم التزاحم إلاّ في مقام فعليّة الأحكام لكان ممّا يسعه وامتثالا لأمرها بلا كلام.
', 424), (65, 425, 'book', '
وهذا ينتج أنّه بناءً على الامتناع وتقديم جانب النهي إنّما يكون الامتناع والتقديم فيما إذا كان الأمر والنهي فعليّين، وذلك بالوصول وإلاّ لما كان بينهما تضادّ، إذن فلا مانع عن التمسّك بإطلاق الوجوب بلحاظ حال الجهل بالحرمة.
ويرد عليه:
أوّلا: النقض بأنّه لو تمّ هذا للزم جريانه في سائر موارد التعارض، فلو ورد (أكرم كلّ هاشميّ) وورد (لا تكرم أيّ فاسق) وقدّم الدليل الثاني على الأوّل لمرجّح مّا فلا إشكال في سقوط الوجوب عن إكرام الهاشميّ الفاسق وإن لم يُعلم بفسقه، مع أنّ نفس البيان يأتي هنا.
بل لو تمّ هذا الكلام للزم إسراؤه إلى مثل موارد التخصيص أيضاً، فلو قال في الدليل الثاني: (لا تكرم الهاشميّ الفاسق) فهنا أيضاً يمكن أن يقال: إنّ الخاصّ إنّما يقيّد العامّ بالمقدار الذي يكون مضادّاً له، والتضادّ إنّما يكون بلحاظ الفعليّة التي هي عند الوصول، ومع عدم العلم بالفسق لم يتمّ الوصول.
وثانياً: الحلّ بأنّه لو اُريد بالفعليّة التنجّز بحكم العقل وترتّب العقاب على الترك منعنا المقدّمة الاُولى؛ إذ يكفي في التعارض أن يكون على طبق الحكم الحبّ والبغض، فيتمانعان وإن لم يصل إلى مرحلة التنجّز. ولو اُريد بالفعليّة الإرادة والحبّ الفعليّ في مقابل مجرّد إنشاء المعنى باللفظ منعنا المقدّمة الثانية؛ فإنّ كلّ دليل ظاهر في أنّ المولى في مقام التحريك فعلا، فيكشف عن فعليّة الحكم وإن لم يصل الدليل(1).
$
', '(1) ولو اُريد بالفعليّة كون المولى في مقام التحريك فعلا بالنحو الذي لا يعقل اجتماعه مع البراءة الشرعيّة منعنا المقدّمة الاُولى؛ فإنّ التعارض والتمانع يحصل بما هو أقلّ من ذلك، أي: بمجرّد الحبّ والبغض بالنحو الذي يجتمع مع البراءة الشرعيّة.
', 425), (65, 426, 'book', '
الوجه الثاني: أيضاً مستفاد من كلمات المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)(1)، لكن لا بنحو التبنّي بل بنحو الإشارة، وحاصله: أنّ الأحكام الشرعيّة لا إشكال في أنّها تتبع المصالح والمفاسد. وفي هذا الوجه يُدّعى أنّها تتبع المصالح والمفاسد لا بما هي هي بل بما هي موجبة للحسن والقبح، والمصلحة والمفسدة ما لم تصلا لا توجبان الحسن والقبح.
وهذا الوجه أيضاً غير صحيح ويرد عليه:
أوّلا: النقض السابق.
وثانياً: أنّ هذا البيان لو تمّ لاختصّ بالجهل بالموضوع دون الجهل بالحكم؛ لأنّ العلم بالمفسدة كاف في تأثيرها في القبح، مع أنّ الذين أفتوا بصحّة الصلاة مع الجهل لم يفرّقوا بين الجهل بنحو الشبهة المصداقيّة والجهل بنحو الشبهة الحكميّة.
وثالثاً: أنّ ما قام عليه الدليل باعتبار حكمة المشرّع إنّما هو تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد لا لهما عند تأثيرهما في الحسن والقبح، ومن الواضح أنّه ليست كلّ مصلحة مستتبعة للحسن، ولا كلّ مفسدة مستتبعة للقبح، فما هي النتيجة المقصودة من القول بتبعيّة الأحكام للمصلحة والمفسدة بما هي مؤثّرة للحسن والقبح؟ إن كان المقصود تخصيص الحكم بفرض وصول العنوان الذي فيه مصلحة
', '(1) مستفاد من قوله ـ في الكفاية، ج 1 ص 247 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعليقات المشكينيّ ـ: «بناءً على تبعيّة الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعاً، لا لما هو المؤثّر منها فعلا للحسن أو القبح؛ لكونهما تابعين لما عُلم منهما كما حقّق في محلّه»، فإنّ هذا الكلام ـ كماترى ـ يشير إلى إمكانيّة البناء على خلاف هذه التبعيّة، أي: البناء على تبعيّة الأحكام لما هو المؤثّر فعلا للحسن والقبح لا الأقوى منهما ولو غير المؤثّر في الحسن والقبح، والتأثير في الحسن والقبح تابع للوصول.
', 426), (65, 427, 'book', '
أو مفسدة فهذا لا يكفي في ترتّب الحسن والقبح، وإن كان المقصود تخصيص الحكم بفرض العلم بنفس المصلحة والمفسدة فهذا واضح البطلان، فإنّ العلم بالمصلحة والمفسدة إنّما يأتي غالباً من قِبَل نفس دليل الوجوب والحرمة.
الوجه الثالث: أيضاً لصاحب الكفاية، وهو مبنيّ على أصل موضوعيّ فرغ منه فيما تقدّم، وهو ثبوت كلا الملاكين في المجمع، فيقال: إنّه مع العلم بالحرمة تبطل الصلاة وإن كان الملاك ثابتاً؛ وذلك لأنّ الحرمة أصبحت منجّزة فيقبح العمل، ولا يمكن التقرّب بالقبيح. وأمّا في فرض عدم تنجّز الحرمة فتصحّ العبادة؛ لأنّ صحّة العبادة تتوقّف على أمرين: أحدهما كون الفعل واجداً للملاك وهو ثابت، والثاني أن يأتي به بداع قربيّ وهذا ممكن في المقام، بأن يأتي بداعي الملاك ـ بل وحتّى بداعي الأمر، فإنّه يتخيّل أنّه مأمور به(1) ـ ولا قبح يمنع عن التقرّب؛ لأنّ القبح من شؤون تنجّز الحرمة لا واقع الحرمة.
وقد اعترض السيّد الاُستاذ(2) على ذلك بما يرجع حاصله إلى أنّ صحّة العبادة والتقرّب بلحاظ الملاك إنّما يكون فيما إذا لم يكن الملاك مغلوباً ومندكّاً كما هو المفروض في المقام؛ إذ المفروض هو الامتناع وتقديم جانب النهي، وهذا يعني أنّ المصلحة مندكّة والمحبوبيّة مضمحلّة، فلا يمكن التقرّب بهذا الفعل إلى المولى.
وكأنّه ـ دامت بركاته ـ يفترض ثلاثة شروط في صحّة العبادة: الملاك،
', '(1) علّل في الكفاية إمكانيّة حصول قصد الأمر بأنّ المجمع واجدٌ لنفس الغرض الذي وجب لأجله العمل في غير المجمع، وعدم شمول الإطلاق لهذا الفرد إنّما هو لأجل المانع لا لعدم المقتضي، فنفس الأمر بالطبيعيّ في غير مورد المجمع كاف في الدفع نحو الإتيان بالمجمع؛ لأنّنا نعلم أنّ المجمع يحصّل غرض المأمور به.
(2) راجع المحاضرات، ج 4، ص 236 بحسب طبعة مطبعة صدر بقم.
', 427), (65, 428, 'book', '
وصلاحيّة التقرّب، وقصد التقرّب، ويقول: إنّ الشرط الثاني غير موجود.
وهذا الاعتراض لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ صلاحيّة الفعل لأن يتقرّب به مربوطة بمقدار إحراز المكلّف للجهات لا بالجهات الواقعيّة، ولهذا قد يكون الشيء مبغوضاً محضاً في الواقع ولكن في وجهة نظر العبد يكون مقرّباً فيصحّ التقرّب به، مثل إكرام عدوّ المولى بتخيّل أنّه ابنه، فكلام صاحب الكفاية صحيح إلاّ في أصله الموضوعيّ وهو افتراض ثبوت الملاكين في المجمع.
وهذه الوجوه الثلاثة كلّها مبنيّة على القول بالامتناع، وأمّا على الجواز فكأنّه لم يستشكل صاحب الكفاية في الصحّة حتّى على فرض العلم بالحرمة.
الوجه الرابع: ما عن المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وهو مبنيّ على جواز الاجتماع، وكأنّه يرى أنّه على الامتناع لابدّ من الالتزام بالفساد مطلقاً، فإنّه مع الامتناع يقيّد الأمر بغير المجمع. وحاصل هذا الوجه: أنّه مع العلم بالحرمة لا يصحّ العمل لا بالأمر العرضيّ ولا بالأمر الطوليّ الترتّبيّ ولا بالملاك:
أمّا الأمر العرضيّ، أي: في عرض النهي عن الغصب، فلا وجود له أصلا، وذلك بناءً على مبناه من أنّ الوجوب المتعلّق بالطبيعيّ لا يُعقل شموله للفرد غير المقدور، سواءً كان غير مقدور عقلا أو غير مقدور شرعاً، بل يختصّ بخصوص الحصّة المقدورة فيقول: إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي فهذا معناه أنّ اجتماع الوجوب والحرمة لا يلزم منه اجتماع الضدّين، لكن يلزم ثبوت التزاحم بين حرمة الغصب وإطلاق دليل الواجب، والقول بجواز الاجتماع وإن كان يعني أنّ التركيب انضماميّ، فهنا وجودان: أحدهما واجب والآخر حرام، إلاّ أنّه حيث إنّ أحدهما ملازم للآخر فيكون غير مقدور، وحينئذ إذا علم بالحرمة ثبت التزاحم، وإذا قُدّمت الحرمة على الوجوب بالأقوائيّة استحال بقاء إطلاق الواجب لهذا الفرد على حاله.
$
', '', 428), (65, 429, 'book', 'وأمّا الأمر الترتّبيّ فأيضاً لا يوجد في المقام بأن يثبت الإطلاق في طول الغصب؛ وذلك لما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الترتّب في موارد اجتماع الأمر والنهي غير معقول وإنّما يعقل في ضدّين وجوديّين، إذن فلا أمر بالنسبة إلى هذا الفرد لا الأمر الأوّليّ ولا الأمر الترتّبيّ.
فلم يبق إلاّ الملاك، وهو يقول: إنّ الملاك أيضاً لا يمكن التقرّب به؛ فإنّ الملاك مزاحم بقبح فاعليّ(1)، فإنّنا وإن قلنا بجواز الاجتماع وهذا يعني أنّ التركيب انضماميّ ولكن هذان الموجودان وُجدا بإيجاد وبحركة واحدة، وحيث إنّ أحدهما معصية وإيجاد القبيح قبيح، إذن فهذا الإيجاد الموحّد لهما يصبح قبيحاً. وهذا ما نسمّيه بالقبح الفاعليّ، يعني: أنّ الإيجاد قبيح في قبال القبح الفعليّ الذي يعني: أنّ الوجود قبيح، وحينئذ لا يمكن التقرّب بهذا الإيجاد.
وأمّا إذا لم تكن الحرمة منجّزة فلا تزاحم(2) أصلا، فإنّ التزاحم بين الخطابين فرع وصولهما، وبرهان هذا تقدّم في بحث التزاحم، وإذا لم يقع تزاحم بقي إطلاق الوجوب على حاله ويكون مقرّباً بلا قبح فعليّ وبلا قبح فاعليّ(3).
$
', '(1) لا يخفى أنّ هذا البيان لإبطال الصلاة بقصد الملاك لو تمّ ثبت أيضاً عدم صحّة الصلاة بالأمر العرضيّ أو الترتّبيّ حتّى لو لم نقل باستحالة الأمر العرضيّ أو الترتّبيّ في حدّ ذاتهما.
(2) بل حتّى لو قيل بالتزاحم وتقديم النهي صحّ العمل بالملاك على مبنيي المحقّق النائينيّ(رحمه الله)؛ لأنّ القدرة غير دخيلة في الملاك، فالملاك موجود في حال التزاحم، والقبح الفاعليّ غير موجود؛ لعدم تنجّز الحرمة.
(3) راجع فوائد الاُصول، ج 1 و 2، ص 442 ـ 443 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وأجود التقريرات، ج 1، ص 369 ـ 370 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 429), (65, 430, 'book', '
ولنا حول هذا الكلام ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الاُولى: المنع عن وقوع التزاحم في مثل المقام؛ لمعقوليّة تعلّق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور عندنا.
الملاحظة الثانية: أنّه لو سُلّم التزاحم أو افترضنا عدم المندوحة بحيث ثبت التزاحم فالترتّب معقول على ما حقّقناه في أبحاثنا الماضية.
الملاحظة الثالثة: في مناقشة ما ذكره من القبح الفاعليّ، فنقول: إنّ الإيجاد والوجود إن بنينا على أنّهما متّحدان حقيقة ومختلفان اعتباراً كما هو الصحيح، إذن فبناءً على الجواز وكون التركيب انضماميّاً يكون الإيجاد متعدّداً، فإنّه عين الوجود، فلا قبح فاعليّ في الصلاة.
وإن بنينا على أنّ الإيجاد مغاير للوجود فإمّا أن نلتزم بأنّ كلّ وجود له إيجاد يخصّه، أو نتعقّل أن يكون لوجودين إيجاد واحد: فعلى الأوّل أيضاً لا يثبت القبح الفاعليّ، وعلى الثاني فغايته أنّ الإيجاد يكون مقدّمة للحرام وهو الوجود كما أنّه مقدّمة للواجب، وحينئذ لا نسلّم بوجود قبح فاعليّ فيه، فإنّ الإيجاد ليس هو المحرّم وإنّما هو مقدّمة للحرام، ولا نسلّم بأنّ مقدّمة الحرام تكون مبعّدة؛ لما تقدّم في محلّه من أنّ استحقاق الثواب والعقاب إنّما يترتّب على ذي المقدّمة دون المقدّمة(1). ثُمّ لو سلّمنا أنّ المقدّمة أصبحت قبيحة فلماذا لا يمكن التقرّب بذي المقدّمة؟!
الوجه الخامس: ما نأخذه روحاً من المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ولكن نغيّر جزءاً من
', '(1) لا يخفى أنّ علّة الحرام تكون مبعّدة ولو بسبب مساوقتها لنفس الحرام، بأن يكون العقاب عقاباً على الحرام لا على علّته. وإن شئت فقل: إنّ علّة الحرام مبغوضة بالأخرة ولو غيريّاً، ولا يمكن التقرّب بالمبغوض.
', 430), (65, 431, 'book', '
كلامه، وذلك بأن نقول: إنّه بناءً على الجواز يثبت التزاحم بين الحرمة وإطلاق الوجوب، ونقول أيضاً بعدم إمكان الأمر الترتّبيّ في المقام، ولكن لا نقول بعدم تصحيح العمل بلحاظ القبح الفاعليّ، بل نقول: إنّه لا كاشف عن الملاك؛ لأنّ الكاشف هو الأمر وهو غير موجود.
وبهذا التغيير يندفع الإشكال الثالث ممّا أوردناه على المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ولكن يبقى الأوّل والثاني.
الوجه السادس: أنّنا إذا بنينا على جواز الاجتماع بملاك أنّ الأمر متعلّق بالجامع والنهي متعلّق بالحصّة ولا يسري أحدهما إلى متعلّق الآخر، فتصحّ الصلاة عند الجهل بالحرمة؛ لإمكان التقرّب مادامت الحرمة غير منجّزة، وتبطل عند العلم بها؛ لأنّ الحرمة منجّزة فيصبح العمل مبعّداً عن المولى. وهذا خير تخريج يمكن أن يوجّه به هذا التفصيل.
الوجه السابع: أن يبنى على جواز الاجتماع بملاك تعدّد العنوان دون المعنون، فأيضاً يقال بأنّه مع الجهل تصحّ الصلاة؛ لإمكانيّة التقرّب مادام النهي غير منجّز، ومع العلم تبطل؛ لما يأتي من أنّ التقرّب من شؤون الوجود الخارجيّ لا من شؤون العنوان، فتعدّد العنوان لا يكفي في إمكان التقرّب بهذا الوجود وإنّما يفيد تعدّد العنوان بلحاظ عالم الأمر والنهي دون عالم المقرّبيّة والمبعّديّة.
وأمّا الملاك الثالث للجواز ـ أعني: إنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون ـ فلا يمكن على أساسه تخريج صحيح لبطلان العبادة في فرض العلم بل لابدّ من الحكم بصحّة العبادة مطلقاً.
الوجه الثامن: أن يبنى على القول بالامتناع بنكتة استبطان الأمر بالجامع للترخيص في الحصّة، فيقال: إنّه مع العلم بالحرمة تبطل الصلاة؛ لانسحاب الأمر عن الجامع كي لا يلزم الترخيص في الحرام. أمّا مع الجهل بالحرمة فتصحّ الصلاة؛
', '', 431), (65, 432, 'book', 'لأنّه لا موجب لانسحاب الأمر عن الجامع كي لا يلزم الترخيص في الحرام؛ فإنّ الترخيص في الحرام المجهول لا بأس به بل هو ثابت ولو بالبراءة الشرعيّة.
وتحقيق الحال في ذلك: أنّه إن كان المقصود من استبطان الأمر بالجامع للترخيص في التطبيق كون إطلاق الواجب بعينه عبارة عن الترخيصات في التطبيق فهذا الترخيص ترخيص واقعيّ، ولا يمكن الترخيص الواقعيّ في الحرام، وأمّا الترخيص الثابت بالبراءة الشرعيّة فهو ترخيص ظاهريّ.
وإن كان القائل باستبطان الأمر بالجامع للترخيص ملتفتاً إلى أنّ الإطلاق ليس عدا رفض القيود، غاية الأمر أنّه يدّعي استلزام الأمر بالجامع للترخيص في التطبيق، فحينئذ لو كان يقول بأنّ الأمر بالجامع يستلزم الترخيص العمليّ بحيث لو أقدم على الفعل لا يكون عليه عتاب، فمثل هذا الترخيص موجود في المقام ولا بأس بفرض إطلاق الأمر.
ولو كان المقصود أنّ الإطلاق الواقعيّ يستلزم الترخيص الواقعيّ فأيضاً لا يتمّ هذا الوجه.
الوجه التاسع: أن يبنى على الامتناع لا بنكتة استبطان الأمر بالجامع للترخيص في التطبيق، بل بدعوى التنافي بين نفس وجوب صِرف الوجود وحرمة الحصّة ويقال: إنّه لا ينحصر رفع المنافاة بتقييد الأمر بالصلاة بعدم النهي مطلقاً، بل يكفي في رفعها تقييد الأمر بعدم النهي المعلوم، فيصبح الأمر مترتّباً على عدم وصول النهي، فيكون الأمر في طول النهي، فيكون الأمر والنهي في رتبتين لا في رتبة واحدة، فيرتفع التضادّ.
وأوضح ما يمكن أن يشكل به على هذا ما قلناه في بحث الترتّب: من أنّ تعدّد الرتبة لا يرفع محذور التضادّ؛ فإنّ الميزان في التضادّ هو وحدة الزمان لا وحدة الرتبة، فمثلا السواد والبياض يستحيل اجتماعهما في لحظة واحدة ولو في رتبتين
', '', 432), (65, 433, 'book', 'كَأن يكون أحدهما علّة للآخر(1).
الوجه العاشر: أنّه بناءً على الامتناع وإن لم يكن الملاك في المجمع محرزاً بإطلاق المادّة أو بالدلالة الالتزاميّة، كي يتأتّى ما مضى من الوجه الثالث من أنّه تصحّ الصلاة الواجدة للملاك لو تمشّت القربة، والقربة تتمشّى مع الجهل بالحرمة، ولكن عدم الملاك أيضاً غير محرز؛ فإنّ ما يمكن أن يُحرز به عدم الملاك هو افتراض أنّ مادّة الصلاة في (صلّ) مقيّدة بغير الصلاة في المجمع، وأنّ هيئة (صلّ) مطلقة تشمل حتّى فرض الإتيان بالصلاة في المجمع، فيصبح هذا دليل على أنّ الأمر بالصلاة في غير المجمع يشمل حتّى من صلّى في المجمع.
ولكن لا دليل على صحّة هذا الافتراض، فإنّ (لا تغصب) وإن دلّ على لزوم إدخال قيد في (صلّ) كي لا يلزم اجتماع الأمر والنهي، ولكن كون هذا القيد راجعاً إلى المادّة لا الهيئة غير معلوم، ومعه لا نجزم بعدم الملاك في المجمع.
وحينئذ نقول: إنّه مع العلم بالحرمة لا إشكال في بطلان الصلاة بعد فرض تقديم الحرمة؛ لعدم تمشّي القربة. أمّا مع الجهل بالحرمة وتمشّي القربة فبالإمكان الحكم بتصحيح الصلاة وذلك بالتمسّك بالبراءة، فإنّنا إن تكلّمنا بلحاظ عالم الملاك أمكن أن يقال: إنّنا شككنا أنّ خصوصيّة إباحة المكان ـ مثلا ـ هل هي دخيلة في الملاك
', '(1) ويمكن أن يشكل أيضاً على هذا الوجه بمنع كون ما في طول أحد النقيضين في طول النقيض الآخر، فلنفرض أنّ الأمر في طول عدم وصول النهي ولكن هذا لا يعني أنّه في طول وصول النهي الذي هو في طول النهي.
على أنّه لو كان تعدّد الرتبة رافعاً للتضادّ فليقيّد الأمر بفرض العلم بالنهي، فما الذي يرجّح تقييده بفرض الجهل بالنهي على تقييده بفرض العلم به؟! ومقصودي من تقييد الأمر بفرض العلم بالنهي هو تقييده بالجامع بين أن لا يكون نهي وأن يكون عالماً بالنهي، فلا يقال: إنّ الأمر يصبح لغواً؛ إذ مع العلم بالنهي لا يمكن التقرّب.
', 433), (65, 434, 'book', '
أو لا، فنجري البراءة عن دخلها في الملاك. وإن تكلّمنا بلحاظ عالم الخطاب والجعل قلنا: إنّ فرض عدم دخل تلك الخصوصيّة في الملاك يعني أنّ الأمر يسقط بالإتيان بالصلاة في المجمع، رغم أنّ الصلاة في المجمع ليست داخلة تحت الأمر، وهذا يعني أنّ الأمر بالصلاة مشروط بعدم الإتيان بالفرد الذي أصبح مجمعاً، وفرض دخلها في الملاك يعني عدم سقوط الأمر بالإتيان بالمجمع، وهذا يعني إطلاق الأمر، إذن فالشكّ في دخلها في الملاك وعدمه يرجع إلى الشكّ في كون الوجوب مشروطاً أو مطلقاً، فنجري البراءة عن إطلاق الوجوب.
وهذا الوجه أيضاً غير صحيح؛ لما حقّقنا في محلّه من أنّه عند دوران الأمر بين تقييد المادّة وتقييد الهيئة يتقدّم تقييد المادّة؛ لأنّها تقييد على كلّ حال فيدفع احتمال تقييد الهيئة بالإطلاق، فيثبت أنّ المادّة مقيّدة والهيئة مطلقة، فما مضى من عبارة «لا دليل على صحّة هذا الافتراض» غير صحيح(1).
$
', '(1) ولا يخفى أنّ هذا الوجه لو كان تامّاً أمكن تصحيح الصلاة به حتّى في الجهل التقصيريّ.
وهناك وجهٌ آخر للتصحيح عند الجهل والنسيان في خصوص الصلاة، وهو التمسّك بقاعدة (لاتعاد)، ولو صحّ ذلك صحّ حتّى في الجهل عن تقصير بناءً على ما هو التحقيق من شمول قاعدة (لا تعاد) للجاهل المقصّر.
ويمكن المناقشة في هذا الوجه بأن يقال: إنّ (لا تعاد) إنّما تنظر إلى نفي الإعادة من ناحية غير الاُمور الخمسة من الأجزاء والشرائط ممّا ليس دخيلا في صحّة أحد الاُمور الخمسة بالذات، وإنّما يكون دخله فيها من باب الدخل في المجموع المركّب المسمّى بالصلاة، فمثلا لو نسي التشهّد فليس دخل التشهّد في الركوع أو السجود اللذين هما من الاُمور الخمسة إلاّ من باب دخله في أصل الصلاة.
أمّا لو نسي وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه فسجد على ما لا يصحّ السجود عليه، فهذا في الحقيقة داخل في المستثنى لا في المستثنى منه، أي: أنّ صلاته بطلت؛ لأنّ سجوده بطل وهو من الاُمور الخمسة، فلا يقال بصحّة صلاته من باب احتفاظه بأصل السجود وبباقي الاُمور الخمسة، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّ السجود أيضاً أصبح غصباً أو الركوع أصبح غصباً فبطل، فكأنّه لم يسجد أو لم يركع، فبطلت صلاته ببطلان بعض الاُمور الخمسة.
ويمكن أيضاً المناقشة في هذا الوجه بمناقشتين اُخريتين ولكنّهما جميعاً قابلتان للنظر:
الاُولى: أنّ (لا تعاد) تنظر إلى الشرائط الأوّليّة التي اُخذت في الصلاة مباشرة، لا إلى شرط اتّخذ في طول مصادمة دليل (صلّ) لدليل حكم آخر لا علاقة له مباشرة بعنوان الصلاة كـ (لا تغصب).
وفيه: أنّ هذا التصادم لم يفترض إلاّ كاشفاً عن شرط من شروط الصلاة وهو إباحة المكان، وبعد هذا الكشف ليس حال هذا الشرط إلاّ حال باقي الشروط المشمولة لحديث (لا تعاد).
والثانية: أنّ المتبادر إلى الذهن من (لا تعاد) هو أنّ المتبقّى من أجزاء الصلاة وشرائطها بعد ما ترك بالنسيان أو الجهل مشتمل على شيء من المحبوبيّة في حال النسيان أو الجهل، ولا يشمل شرطاً فُهم من النهي فقدان المحبوبيّة عن باقي الأجزاء والشرائط بعد فقده؛ لأنّ النهي دلّ على البغض. وإن شئت فاجعل هذا تطويراً للمناقشة السابقة.
إلاّ أنّ هذا التبادر أو الانصراف دعوى لا شاهد لها، فلعلّ المقصود بصحّة الباقي بعد فقدان شرط مّا بالجهل أو النسيان: صحّته بلحاظ اشتماله على مقدار من الملاك، أو بلحاظ منعه عن إمكانيّة التدارك، أو بلحاظ التسهيل، أو نحو ذلك.
', 434), (65, 435, 'book', '
$
', '', 435), (65, 436, 'book', 'تقديم دليل النهي على الأمر وعدمه في العامّين من وجه بناءً على الامتناع:
التنبيه السابع: بناءً على القول بالامتناع ووقوع التعارض بين دليلي (صلّ) و(لا تغصب) بالعموم من وجه هل يقدّم دليل الحرمة على دليل الوجوب أو أنّهما إطلاقان متكافئان فيتساقطان؟
قد يقال بتقديم دليل الحرمة على الواجب بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: هو البناء على كبرى آمن بها المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ونسبت إلى تقريرات الشيخ الأنصاريّ(رحمه الله) من أنّه متى ما وقع التعارض بين الإطلاق البدليّ والإطلاق الشموليّ كان الثاني مقدّماً على الأوّل.
وخالف في ذلك المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) والسيّد الاُستاذ، وسنبحث ذلك إن شاء الله في بحث التعادل والتراجيح، وسنبني على أنّه لا وجه فنّيّ لتقديم الإطلاق الشموليّ بما هو شموليّ على الإطلاق البدليّ بما هو بدليّ، وهنا لا نريد الدخول في البحث عن هذه الكبرى وإنّما نريد أن نبيّن أمرين:
الأمر الأوّل: أنّه قد يناقش في انطباق هذه الكبرى ـ لو تمّت ـ على المقام في فرض عدم المندوحة حيث يقال: إنّ الطرف المعارض للإطلاق الشموليّ لـ (لاتغصب) وإن كان هو الإطلاق البدليّ في المادّة لـ (صلّ) عند وجود المندوحة، ولكن عند عدمها ليس (لا تغصب) معارضاً لإطلاق المادّة فقط بل يقتضي نفي الوجوب رأساً؛ لأنّ المفروض أنّ الصلاة في غير المغصوب غير ممكنة والصلاة في المغصوب حرام، ومن الواضح أنّ نفي الوجوب رأساً يرجع إلى تضييق في الهيئة، وهيئة الأمر مفادها الوجوب المطلق بنحو شموليّ.
إلاّ أنّ هذا الاعتراض غير وارد؛ لأنّ نفي أصل الوجوب عند عدم المندوحة
', '', 436), (65, 437, 'book', 'ليس بطروّ تقييد زائد على الهيئة، فدليل (لا تغصب) إنّما أثبت ـ بعد فرض تقدّم النهي على الإطلاق البدليّ للمادّة ـ أنّ المادّة مقيّدة بإباحة المكان، وحينئذ يقال: إنّ هذا الواجب المقيّد بإباحة المكان أصبح عند عدم المندوحة غير مقدور، فسقط الوجوب بعدم القدرة، ومن الواضح أنّ دليل الوجوب مقيّد من أوّل الأمر بالقدرة، فليس (لا تغصب) هو الذي أضاف قيداً إلى الهيئة(1). إذن فطرف المعارضه لـ (لا تغصب) مطلقاً هو الإطلاق البدليّ لمادّة (صلّ).
الأمر الثاني: أنّنا وإن قلنا بأ نّا سوف لا نقبل كبرى تقدّم الإطلاق الشموليّ على البدليّ بما هما كذلك بشكل عامّ، ولكن قد يدّعى هذا التقديم في خصوص المقام ببيان لا يسري إلى بقيّة الموارد، وذلك بالبناء على مبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الأمر يختصّ دائماً بحسب طبعه بخصوص الحصّة المقدورة، فالمقدوريّة قيد محصّص للمادّة في باب الأوامر بقرينة متّصلة وهي كون الأمر بداعي المحرّكيّة، وغير المقدور شرعاً كغير المقدور عقلا، فمادّة الأمر هي مقيّدة من أوّل الأمر بالقدرة العقليّة والشرعيّة.
$
', '(1) لا يخفى أنّ المقصود ليس هو تقديم (لا تغصب) على (صلّ) بمجرّد حجّة أنّ الأمر مشروط بالقدرة على الفعل، فالنهي يرفع موضوعه بسلب القدرة على الفعل، حتّى يقال: لِمَ لا نعكس ونقول: إنّ النهي مشروط بالقدرة على الترك؟ فالأمر يرفع موضوعه بسلب القدرة على الترك. بل المقصود تقديم (لا تغصب) على (صلّ) بحجّة شموليّة إطلاق (لا تغصب) وبدليّة إطلاق (صلّ).
فإن قيل: إنّ (لا تغصب) لو قدّم على (صلّ) لقيّد إطلاق الهيئة في (صلّ) أيضاً الذي هو أيضاً شموليّ، كان الجواب: أنّ تقديم (لا تغصب) لم يضف قيداً على هيئة (صلّ)؛ لأنّها من أوّل الأمر مقيّدة بالقدرة و(لاتغصب) سلب القدرة بتقدّمه على مادّة (صلّ) باعتبار تقدّم الشموليّ على البدليّ.
', 437), (65, 438, 'book', '
فلو سلّمنا هذا من المحقّق النائينيّ(رحمه الله) كان الإطلاق الشموليّ في دليل (لا تغصب) مقدّماً على الإطلاق البدليّ في (صلّ) لا من باب تقديم أقوى الدليلين على الآخر بل بالورود، من باب أنّ الإطلاق الشموليّ رفع موضوع الإطلاق البدليّ الذي هو القدرة، فإنّ دليل (لا تغصب) يقول: إنّ هذه الحصّة غير مقدورة، فلا يشملها دليل (صلّ). نعم، لو بدّل النهي التحريميّ بالنهي الكراهتيّ فنكتة التقدّم لا تأتي، فإنّ دليل (صلّ) موضوعه المقدور عقلا وشرعاً، والمكروه مقدور عقلا وشرعاً.
الوجه الثاني: أن يقال: إنّه كلّما وقع التعارض بالعموم من وجه بين دليل إلزاميّ ودليل ترخيصيّ ُقدّم الأوّل على الثاني، فمثلا لو ورد الدليل على جواز شرب الحليب، ودليلٌ آخر على حرمة الغصب، فلا إشكال في أنّه يحرم شرب الحليب المغصوب، فنطّبق هذه الكبرى على المقام بأن يقال: إنّ النهي عن الغصب حكم إلزاميّ، والأمر بالصلاة أوجب الترخيص في التطبيق على كلّ الحصص، وهذا الترخيص هو الذي أوجب التعارض، وهو حكم ترخيصيّ، فيقدّم (لا تغصب) عليه، وذلك بناءً على مبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الامتناع حينما يكون فهو بملاك اقتضاء الأمر للترخيص في التطبيق، لا بناءً على أنّ نفس الأمر بالجامع والنهي عن الحصّة متضادّان بغضّ النظر عن مسألة اقتضاء الأمر للترخيص في التطبيق.
ولكنّ الصحيح أنّ كبرى تقديم الدليل الإلزاميّ على الترخيصيّ لاتنطبق على المقام حتّى بناءً على كون نكتة التعارض هي اقتضاء الأمر للترخيص في التطبيق لا التضادّ بين نفس الأمر والنهي. ويتّضح ذلك بالالتفات إلى نكتة هذه الكبرى، وبيان ذلك: أنّه حينما يوجد الترخيص على عنوان والإلزام بلحاظ عنوان آخر وبينهما عموم من وجه ففي الحقيقة لا يوجد تعارض بينهما، لا أنّهما تعارضا وقدّمنا الدليل الإلزاميّ؛ وذلك لأنّ دليل الترخيص إنّما دلّ على الترخيص في
', '', 438), (65, 439, 'book', 'عنوانه، وهذا لا ينافي انطباق عنوان آخر محرّم على نفس مصداق ذاك العنوان فيحرم بالعنوان الآخر.
وإن شئت فقل: إنّ دليل الترخيص إنّما دلّ على أنّه لم يجعل التحريم على هذه الحصّة بواسطة انطباق العنوان الفلانيّ عليه وهذا لا ينافي تحريمها بعنوان آخر.
وبكلمة اُخرى: إنّ المفهوم من دليل الترخيص ليس إلاّ الحكم الحيثيّ، أي: إنّ شرب الحليب ـ مثلا ـ من حيث أنّه شرب الحليب لم يجعل عليه الحرمة، وقد يكون حكمه الفعليّ الحرمة بعنوان الغصب مثلا.
وعندئذ نأتي إلى المقام ونقول: هل المفروض أنّ الأمر بالجامع يقتضي الترخيص في الحصّة بمعنى الترخيص الحيثيّ، أو يقتضي الترخيص الفعليّ فيها؟ فإن فُرض الثاني وقع التعارض بينه وبين النهي عن الغصب، فلم تنطبق عليه نكتة كبرى الأخذ بالدليل الإلزاميّ، وهي عدم التعارض رأساً بالبيان الذي عرفت. وإن فُرض الأوّل إذن لا يمتنع اجتماع الأمر والنهي؛ لأنّ الترخيص الحيثيّ لا يولّد التعارض بينهما، وهذا خلف الفرض فإنّنا نتكلّم مبنيّاً على الامتناع.
إذن، فاتّضح أنّه لا نكتة فنّيّة لتقديم النهي على الأمر. وأمّا بقيّة الكلمات من قبيل: أنّ النهي مقدّم بالاستقراء أو باعتبار أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المفسدة، فلا تستحقّ التعرّض.
تحقيق حال العبادات المكروهة:
التنبيه الثامن: في تحقيق حال العبادات المكروهة.
وقد جعلت العبادات المكروهة دليلا إنّيّاً على جواز اجتماع الأمر والنهي حيث يقال: إنّ التضادّ لا يختصّ بالوجوب والحرمة، فكلّ الأحكام الخمسة متضادّة فيما بينها، والعبادات المكروهة قد ثبتت فقهيّاً صحّتها، وهذا يعني أنّها
', '', 439), (65, 440, 'book', 'مصداق للمأمور به وفي نفس الوقت ثبتت كراهتها، وهذا يعني اجتماع الأمر والنهي.
وذكر صاحب الكفاية(رحمه الله): أنّ هذه المشكلة يواجهها القائلون بالجواز أيضاً، فإنّ القائل بالجواز الذي يرى أنّ تعدّد العنوان يوجب الجواز(1) لابدّ له أيضاً من حلّ المشكل في الموارد التي ليس هناك عنوانان، بل تعلّق الأمر بالمطلق والنهي الكراهتيّ بالمقيّد من قبيل (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام).
بل من يرى جواز الاجتماع بملاك أنّ الأمر متعلّق بصِرف الوجود والنهي متعلّق بالحصّة أيضاً يواجه المشكل في المقام، باعتبار أنّه في بعض موارد كراهة العبادة يكون متعلّق الأمر ومتعلّق النهي حصّة واحدة، من قبيل الصوم في يوم عاشوراء.
وقد قسّم البحث في الكفاية إلى قسمين:
القسم الأوّل: العبادات المكروهة التي تعلّق الأمر فيها بالجامع، فلها بدل كالصلاة.
والقسم الثاني: العبادات المكروهة التي ليس لها بدل، كصوم يوم عاشوراء(2).
$
', '(1) سواءً كان لنفسه أو لكشفه عن تعدّد المعنون.
(2) فإنّ صاحب الكفاية وإن قسّم في كتابه البحث إلى ثلاثة أقسام ثالثها: ما إذا تعدّد العنوان، لكنّه أرجع الثالث بناءً على الامتناع إلى الأوّل، أعني: الأمر بالجامع مع النهي عن الحصّة، فانقسم البحث في الحقيقة إلى قسمين. راجع الكفاية، ج 1، ص 253 ـ 260 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق المشكينيّ في حواشيها.
وعلى أيّ حال فالصحيح في فرض تعدّد العنوان أنّه لو قلنا في فرض النواهي التحريميّة بكفاية تعدّد العنوان في جواز الاجتماع، أو كشفه عن تعدّد المعنون الموجب لجواز الاجتماع، فلا حاجة إلى مزيد بحث في المقام. أمّا لو قلنا في فرض النهي التحريميّ بامتناع الاجتماع رغم تعدّد العنوان وذلك بدعوى وحدة المعنون، فإن كان السبب في ذلك دعوى أنّه مع وحدة المعنون يكون الأمر بالعنوان الواجب مستلزماً للترخيص في التطبيق على ما اتّحد في وجوده مع العنوان الآخر وهو ينافي التحريم، فمن الواضح أنّ هذه النكتة لا تأتي في النهي التنزيهيّ؛ لعدم منافاة الترخيص له.
وإن كان السبب في ذلك دعوى التضادّ المباشر ـ دون وساطة لزوم الترخيص في التطبيق ـ بين الأمر والنهي، فبما أنّ المفروض فيما نحن فيه مسلّميّة صحّة العبادة فقهيّاً تأتي في المقام كلّ النكات التي ستذكر في القسم الأوّل، وهو فرض النهي التنزيهيّ عن الحصّة، زائداً أنّ نكتة صرف النهي عن الحصّة إلى القيد والتحصّص هنا أوضح منه في القسم الأوّل؛ إذ قد يقال: إنّ صرف النهي عن الحصّة إلى التحصّص والقيد خلاف ظاهر دليل النهي الذي ذكرت فيه الحصّة، في حين أنّ النهي في هذا القسم لم يتعلّق في ظاهر العبارة بالحصّة بل تعلّق بعنوان آخر.
', 440), (65, 441, 'book', '
ويقع الكلام أوّلا: في القسم الأوّل، وفي هذا القسم من يقول بجواز اجتماع الأمر والنهي بملاك أنّ الأمر متعلّق بالجامع والنهي متعلّق بالحصّة فهنا في فسحة من الإشكال. كما أنّ القائل بالامتناع بالملاك الميرزائيّ ـ أعني: بملاك أنّ الأمر بالجامع يقتضي الترخيص في التطبيق، والترخيص في التطبيق لا يجتمع مع النهي ـ أيضاً في فسحة هنا من الإشكال؛ فإنّ النهي الكراهتيّ لا يضادّ الترخيص في التطبيق.
وإنّما يواجه هذه المشكلة من يقول بالامتناع بملاك التضادّ بين نفس الأمر بالجامع والنهي عن الحصّة، ومن يقول بجواز الاجتماع بملاك تعدّد العنوان أو بملاك أنّ تعدّد العنوان يكشف عن تعدّد المعنون.
$
', '', 441), (65, 442, 'book', 'والمحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) أجاب على هذا الإشكال بتأويل الكراهة(1) وحملها على أنّها ليست كراهة مولويّة بل نهي إرشاديّ، إرشادٌ إلى نقص هذا القسم في مصالحها عن المقدار الثابت طبيعيّاً لهذه العبادة من دون افتراض أيّ حزازة في هذه الحصّة، فمثلا الصلاة إذا لوحظت بطبيعتها بما هي هي يكون لها رجحان بمقدار خمس مراتب، وإذا وقعت في المسجد فهذه مزيّة تصعّد درجة الرجحان إلى ستّ مراتب، وإذا وقعت في الحمّام نقصت درجة المزيّة ووصلت إلى أربع مراتب، وأقلّ ما يكتفي به الشارع هو أربع مراتب، ولكن حرص المولى على إرشاد العبد إلى تحصيل المراتب الأكبر فأمر استحبابيّاً بالصلاة في المسجد، ونهى كراهتيّاً عن الصلاة في الحمّام، فهذه الأوامر الاستحبابيّة والنواهي الإرشاديّة ترشد إلى وجود مصلحة زائدة أو إلى فوات بعض المصلحة.
إلاّ أنّ حمل النهي على مجرّد الإرشاد بمعنى تجريده عن أيّ دلالة على الحزازة والمبغوضيّة المولويّة لا يصحّ على مبنى صاحب الكفاية من أنّ الواجب النفسيّ ملاكه ومحبوبيّته ذاتيّان، أي: ليست محبوبيّته لملاك يترتّب عليه، بل هو بنفسه عبارة عن الملاك المحبوب على أساس تعنونه بعنوان حسن(2)، فإنّنا نقول على هذا المبنى: إنّ تأثير خصوصيّة الإيقاع في الحمّام في نقص الدرجات لو كان بمعنى أنّ عدم هذه الخصوصيّة كان مؤثّراً في الدرجة الخامسة من المحبوبيّة ـ مثلا ـ فزالت الدرجة الخامسة بانتقاض هذا العدم، فهذا مستحيل؛ لأنّ العدم بما
', '(1) هذا هو الجواب الذي خصّ صاحب الكفاية به هذا القسم بعد افتراضه أنّ هذا القسم بإمكانه أن يشترك مع القسم الثاني في الجواب.
(2) راجع الكفاية، ج 1، ص 172 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعاليق المشكينيّ.
', 442), (65, 443, 'book', '
هو عدم لا يكون مؤثّراً في إيجاد شيء أصلا. ومتى ما كان عدم شيء دخيلا في صدور المقتضى من المقتضي فهو من باب أنّ نقيض العدم يكون مانعاً عن تأثير المقتضي في مقتضاه باعتباره مقتضياً لضدّ ما يقتضيه ذلك المقتضي.
ولو كان بمعنى أنّ خصوصيّة الإيقاع في الحمّام تقتضي ما يكون ضدّاً للدرجة الخامسة فهذا يعني أنّها تقتضي الحزازة والمنقصة حتّى تكون مضادّة للدرجة الخامسة، إذن فدخل في الحساب عنصر المبغوضيّة والمنقصة، فلابدّ أن يبحث عن أنّها كيف اجتمعت مع الأمر.
نعم، لو افترضنا أنّ الواجب النفسيّ قد تكون محبوبيّته على أساس أنّ ملاك غير ذاك الواجب يترتّب على ذاك الواجب ارتفع هذا الإشكال؛ فإنّ غاية ما يلزم هي أنّ الصلاة تحدث آثاراً خمسة وأنّ خصوصيّة الحمّاميّة تقتضي ضدّ الأثر الخامس، وهذا الضدّ لا يلزم أن يكون مفسدة وحزازة، فإنّ ضدّ المحبوب لا يلزم أن يكون مبغوضاً، فقد يكون أمران كلاهما في نفسه محبوب؛ لما تترتّب عليه من مصلحة لكنّهما ضدّان، فالأكل ضدّ للصلاة وقد يكونان محبوبين، والتوجّه إلى الله محبوب وهو أحياناً ضدّ للتوجّه إلى الأهل والعيال، وهذا لا يعني كون التوجّه إلى الأهل والعيال غير محبوب(1).
$
', '(1) لا يخفى أنّ صاحب الكفاية قد ذكر في بحث الواجب النفسيّ والغيريّ: أنّ أكثر الواجبات من العبادات والتوصّليّات يترتّب عليها فوائد ومصالح ولكن صارت واجباً نفسيّاً لكونها معنونة بعنوان حسن يستقلّ العقل بمدح فاعله بل وذمّ تاركه، ولا ينافيه كونه في نفس الوقت مقدّمة لأمر مطلوب واقعاً، وهذا بخلاف الواجب الغيريّ لتمحّض وجوبه في أنّه لكونه مقدّمة لواجب نفسيّ، وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه إلاّ أنّه لا دخل له في إيجابه الغيريّ، راجع الكفاية، ج 1، ص 172 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعاليق المشكينيّ.
وعليه فبإمكان صاحب الكفاية أن يجيب على هذا الإشكال بأنّنا نفترض أنّ خصوصيّة الحمّاميّة مضادّة لذاك الملاك المترتّب على الصلاة بطبيعتها الأوّليّة لا للمحبوبيّة النفسيّة للصلاة.
', 443), (65, 444, 'book', '
ثمّ لو قطعنا النظر عن هذا الإشكال وافترضنا أنّ المانعيّة كانت بالنحو المعقول وأنّ الصلاة كانت محبوبة غيريّة فعندئذ نقول: إنّ المرتبة الخامسة من المصلحة محبوبة بحسب الفرض، وقد افترضنا في بحث الضّد أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، أي: إنّ حبّ الشيء يقتضي بغض الضدّ العامّ، إذن فعدم هذه المرتبة الخامسة يكون مبغوضاً، وقد قرأنا أيضاً أنّ علّة المبغوض مبغوضة، وعلّة هذا المبغوض هي خصوصيّة الكون في الحمّام، إذن فانتهينا أيضاً إلى مبغوضيّة مولويّة(1)، وقد صرّح صاحب الكفاية بأنّه كما لا يجوز اجتماع الأمر والنهي
', '(1) لا أدري لماذا افترض اُستاذنا(رحمه الله) في المقام كون الخصوصيّة، أي: خصوصيّة إيقاع الصلاة في الحمّام، علّة للمبغوض، فبالإمكان أن يقول هنا بنفس ما قاله قبل أسطر في بيان عدم ورود الإشكال الأوّل على المبنى المشهور من كون الواجب النفسيّ واجباً لما فيه من الملاك والمصلحة ولا يلزم أن يكون وجوبه للمحبوبيّة الذاتيّة، حيث قال(رحمه الله): إنّ وجدان أحد الضدّين للملاك ومحبوبيّته لا يعني إفناء الضدّ الآخر للملاك ومبغوضيّته، فإنّ محبوبيّة الضدّ لا توجب مبغوضيّة الضدّ الآخر الخاصّ، فهذا في الحقيقة جواب على هذا التطوير للإشكال، فيقال: إنّ خصوصيّة كون الصلاة في الحمّام لا ينحصر أمرها في كونها هي العلّة المفنية لتلك المرتبة من الملاك، بل قد تكون مضادّة لما يحقّق تلك المرتبة من الملاك.
نعم، بالإمكان أن يقال: إنّ هذا خلاف ظاهر تعلّق النهي بتلك الخصوصيّة، فظاهر ذلك أنّ تلك الخصوصيّة بما هي تكون هي المفنية للملاك.
إلاّ أنّ هذا لا يبطل التوجيه الذي توجّه به العبادات المكروهة بعد فرض مسلّميّتها في الفقه. إذن لا تحاشي عندئذ عن ارتكاب مخالفة الظاهر.
', 444), (65, 445, 'book', '
النفسيّين كذلك الحال في التكليف الغيريّ(1)، إذن فلا بدّ من التفتيش عن جواب عن الإشكال مع افتراض ثبوت المبغوضيّة.
وتحقيق الحال في هذا القسم من العبادات المكروهة ـ أعني: ما له بدل ـ: أنّ هناك عدّة ظهورات يمكن ادّعاؤها للنهي، ورفع الغائلة يكون برفع اليد عن واحد منها:
الظهور الأوّل: هو ظهور النهي في كونه مولويّاً في مقابل الحمل على الإرشاد، ومعنى المولويّة أن يكون بداعي الزجر حقيقة سواءً كان زجراً إلزاميّاً أو كراهتيّاً. والمقصود من الإرشاديّ أن يكون كجملة خبريّة.
ولا إشكال في أنّ ظاهر النهي هو المولويّة، فهنا يمكن تأويل هذا الظهور وحمله على الإرشاد، فيكون إرشاداً لمن يريد أن يصلّي ـ أي: بعد فرض أصل الصلاة ـ إلى أن لا يوقع صلاته في الحمّام. وهذا الإرشاد قد يكون إرشاداً إلى نقصان الملاك والمصلحة، وقد يكون إرشاداً إلى نقصان ناش من مبغوضيّة مندكّة في مقابل محبوبيّة صِرف الوجود، والإشكال على صاحب الكفاية كان باعتبار أنّه يرى ظاهراً أن لا مبغوضيّة أصلا حتّى بنحو الاندكاك(2).
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 238 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعاليق الشيخ المشكينيّ(رحمه الله).
(2) لم نعرف نكتةً لهذا الاستظهار من كلام صاحب الكفاية.
', 445), (65, 446, 'book', '
الظهور الثاني: ظهور النهي في أنّه متعلّق بالحصّة الخاصّة وهي الصلاة في الحمّام، أي: بالمقيّد لا بخصوصيّة الحمّاميّة وهي التقيّد، فنأوّل قوله: (لا تصلّ في الحمّام) ـ بعد تسليم كونه مولويّاً ـ الظاهر في النهي عن المقيّد إلى النهي عن القيد وهو التواجد في الحمّام عند الصلاة، وبذلك تنحلّ المشكلة.
وليس الكون في الحمّام كالكون في المغصوب؛ فإنّ السجود الذي هو إلقاء الثقل على الأرض يعتبر تصرّفاً في المغصوب، فيكون حراماً ولكن ليس نفس إلقاء الثقل هو الكون في المكان كي يكون مكروهاً(1).
الظهور الثالث: ظهور النهي وظهور أيّ خطاب مولويّ في أنّه ناشئ من مبادئ فعليّة من الحبّ والبغض والمصلحة والمفسدة لا من مبادئ مغلوبة ومندكّة، فيقال:
', '(1) لا يخفى أنّ حلّ الإشكال عن طريق أنّ الكون في الحمّام لم يتّحد مع الصلاة ليس حلاّ مطّرداً، فماذا نصنع ـ مثلا ـ فيما لو أوجب المولى عملا يكون من جزئه الكون في المكان، كما لو افترضنا الكون في المكان أحد أعمال الصلاة، ونهى نهياً كراهتيّاً عن إيقاعه في الحمّام؟
وبالإمكان أن يتمسّك للحلّ بأنّه بعد صرف النهي عن كونه نهياً عن الحصّة إلى كونه نهياً عن القيد أصبح الواجب والمكروه متعدّداً عنواناً؛ لأنّ الواجب هو العنوان المنتزع عن الجنس، والمكروه هو العنوان المنتزع عن الفصل، وقد مضى فيما سبق أنّ الأمر بعنوان الجنس مع النهي عن الخصوصيّة الفصليّة وإن كان لا يتمتّع بنكتة تعدّد المعنون؛ لأنّ الجنس والفصل يوجدان خارجاً بوجود واحد، ولكنّه يتمتّع بنكتة تعدّد العنوان، وقد قلنا: إنّ هذا كاف في حلّ الإشكال. نعم، قلنا في التحفّظ الأوّل: إنّنا لا نقبل في العبادات بصحّة العمل مع تنجّز الحرمة، وذلك على أساس الخلل الذي يتّجه إلى التقرّب، لكن هذا الخلل إنّما يكون في فرض الحرمة دون الكراهة، فكراهة الفصل لا تمنع عن التقرّب بالجنس الواجب.
', 446), (65, 447, 'book', '
إنّ مقتضى الظهور السياقيّ للنهي ـ بعد تسليم كونه نهياً عن الحصّة لا عن الخصوصيّة والقيد ـ كان هو فعليّة المبادئ في الحصّة، بينما المفروض أنّ المبادئ بمقدار تعلّقها بذات الصلاة تكون مغلوبة ومندكّة في مقابل مبادئ وجوب الصلاة وإن كانت بمقدار ارتباطها بالخصوصيّة فعليّة، لكنّنا نرفع اليد عن هذا الظهور السياقيّ ونحمله على نهي ناش عن مبادئ مندكّة، فليس هناك بغض فعليّ، ولكنّه مع هذا يؤثّر هذا البغض الشأنيّ ـ أو قل: المفسدة المندكّة ـ في جعل النهي.
لا يقال: مغلوبيّة المبادئ تنافي عقلا جعل الحكم على طبقها.
فإنّه يقال: إنّ مغلوبيّة المبادئ إنّما تنافي عقلا جعل الحكم على طبقها حينما يكون جعل الحكم على طبقها منافياً لاهتمام المولى بالملاك الغالب، فمثلا (الميسر) فيه مصالح للناس مغلوبة للمفسدة التي فيها، وهذه المصلحة لا يُعقل أن تستتبع حكماً بالاستحباب أو الوجوب، فإنّ هذا يكون تضييعاً للملاك الأهمّ، وهو خلف اهتمام المولى بالملاك الأهمّ. وأمّا فيما نحن فيه فالنهي عن الحصّة الناشئ من مفسدة تكون مغلوبة في مقابل مصلحة أصل الصلاة لا يكون تضييعاً للملاك الأهمّ، فإنّ الملاك الأهمّ إنّما هو في جامع الصلاة، ويمكن حفظه إلى صفّ ذاك النهي التنزيهيّ، وذلك بالأمر الوجوبيّ بأصل الصلاة(1).
$
', '(1) لا يخفى أنّه بناءً على هذا الكلام لا يكون في المقام ظهور أصلا للنهي في كونه ناشئاً عن مبادئ فعليّة وغير مغلوبة؛ لأنّ منشأ هذا الظهور واضح عند العرف نفسه، وهو عدم إمكان صدور النهي من المبادئ المغلوبة، وهنا من الواضح عند العرف نفسه إمكان الجمع بين المبدأين الغالب والمغلوب بالأمر بالجامع والنهي عن الحصّة.
نعم، لو كان العرف لا يعرف ثبوت أو عدم ثبوت نكتة الظهور في مورد مّا لأمكن أن يقال: إنّ غلبة ثبوت تلك النكتة في نفسها هي المولّدة للظهور فيثبت الظهور، وذلك من قبيل ظهور النهي في الانحلال الناشئ من غلبة انحلاليّة المفاسد، ففي مورد مّا لو لم يعرف العرف أنّ المفسدة انحلاليّة أو لا، بقي النهي على ظهوره في الانحلال.
أمّا في المقام فمن الواضح عند العرف إمكانيّة الجمع بين المبدأين وصدور النهي عن المبدأ المغلوب، وفي هذا الفرض نمنع بقاء ظهور للنهي في فعليّة المبادئ. نعم، مع حمل النهي على الحرمة وفرض عباديّة المتعلّق يكون المبدأ فعليّاً عند العلم بالحرمة من ناحية عدم إمكانيّة تحصيل ملاك الأمر؛ لأجل عدم تمشّي القربة، وهذا مطلب آخر.
', 447), (65, 448, 'book', '
هذا تمام الكلام في القسم الأوّل من العبادات المكروهة.
وأمّا القسم الثاني ـ وهو العبادة التي تعلّق بها النهي التنزيهيّ وليس لها بدل، من قبيل صوم يوم عاشوراء لو قلنا بكراهته، ومن قبيل صوم يومين بعد عيد الفطر، فإنّه مكروه ـ فهنا يتبادر إلى الذهن عدم تماميّة الأجوبة السابقة:
أمّا الجواب بالحمل على الإرشاد إلى أقلّيّة الفضل أو أفضليّة البديل ـ أو قل: إلى الانتقال إلى البديل ـ فلأنّه لا بديل في المقام كي يرشد إلى الانتقال إليه.
وأمّا الجواب بصرف النهي إلى النهي عن الخصوصيّة دون الحصّة فلا أثر لذلك في المقام؛ لأنّ هذا الفرد من الصوم ملازم لتلك الخصوصيّة المنهيّ عنها، فيكون الامتثالان متضادّين دائماً وهو غير معقول.
وأمّا الجواب الثالث فأيضاً لا يأتي في المقام، فإنّ ملاك النهي إن فُرض كونه غالباً كان الصوم مبغوضاً بالفعل فكيف يكون عبادة؟ وإن فُرض مغلوباً فلا يعقل أن يستتبع النهي، فإنّ النهي هنا يفوّت الملاك الأهمّ على المولى؛ إذ لا بديل له هنا.
والمحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) أجاب بتسليم أنّ النهي متعلّق بالصوم إلاّ أنّه ليس نهياً ناشئاً عن مفسدة ومبغوضيّة قائمة بالصوم، كي يلزم كون الصوم مبغوضاً بالفعل ويستحيل صحّته، وإنّما هو ناشئ من مصلحة قويّة في الترك، فروح النهي يكون
', '', 448), (65, 449, 'book', 'طلباً للترك باعتبار محبوبيّته، وغاية ما يلزم من ذلك التزاحم بين ملاك محبوبيّة الفعل وملاك محبوبيّة الترك من دون أن تفترض مبغوضيّة أصلا، وحيث إنّ محبوبيّة الترك أقوى من محبوبيّة الفعل قدّمت عليها وكان الأمر على طبق الأقوى، فالحكم الفعليّ هو الأمر بالترك المعبّر عنه بالنهي، فيسقط طلب الفعل خطاباً ولكنّه باق ملاكاً كما هو الحال في سائر موارد التزاحم، فيمكن تصحيح العبادة بالملاك بلا حاجة إلى الأمر(1). هذا خلاصة مرام صاحب الكفاية مع عزل نكتة لعلّه سوف تأتي الإشارة إليها.
وكأنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) فهم من هذا التزاحم التزاحم الحقيقيّ الذي هو يقوله، أي: التزاحم في عالم الامتثال لا التزاحم الملاكيّ، فالتكليفان ثابتان على القادر إلاّ أنّهما لا يصبحان فعليّين معاً على المكلّف. ومن هنا أشكلعلى صاحب الكفاية بأنّه لا يُعقل التزاحم في المقام؛ إذ لا يُعقل جعل الاستحباب لكلّ من النقيضين في نفسه، وإذا وُجد ملاكان للمحبوبيّة في كلّ من النقيضين فإن كان أحدهما أقوى تعيّن الحكم على طبقه بالخصوص، وإن تساويا فلا يُعقل جعل الاستحباب لا تعييناً؛ إذ لا يُعقل الجمع بينهما، ولا تخييراً(2)؛
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 256 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعاليق المشكينيّ.
(2) كأنّ هذا التعبير نتج من التبعيّة للتعبير الوارد في أجود التقريرات من قوله: «لاستحالة تعلّق الطلب التخييريّ بالنقيضين» في حين أنّ التعبير الأفضل ليس هو أن نقول: (لا يمكن تعلّق الاستحباب لا بهما تعييناً؛ إذ لا يُعقل الجمع، ولا تخييراً؛ إذ أحدهما ضروريّ الوقوع) بل التعبير الأفضل هو أن يقال: (لا يمكن تعلّق الاستحباب بهما لا عرضاً؛ إذ لا يُعقل الجمع، ولا ترتّباً؛ لضروريّة أحدهما عند عدم الآخر).
', 449), (65, 450, 'book', '
فإنّ أحدهما ضروريّ الوقوع(1).
بينما صاحب الكفاية إنّما يقصد بالتزاحم التزاحم الملاكيّ ولا يقول بوجود جعلين في المقام، كي يقال: إنّ هذا غير معقول، بل يقول: توجد محبوبيّتان إحداهما أقوى من الاُخرى، ولكنّ الأضعف أيضاً محفوظ في المقام على أيّ حال، فيمكن التقرّب بالملاك.
غير أنّ السيّد الاُستاذ ـ دام ظلّه ـ كأنّه مشى وفق فهم المحقّق النائينيّ(رحمه الله) وأراد أن يصوّر التزاحم الحقيقيّ في محلّ الكلام تبريراً لكلام صاحب الكفاية، فقال: إنّ التزاحم بين النقيضين وإن كان غير معقول إلاّ أنّه في المقام نُرجع التزاحم إلى التزاحم بين الضدّين، فإنّ مقصودنا بالضدّين ليس هو الضدّين الفلسفيّين، وإنّما المقصود كلّ حالتين متنافيتين ولهما ثالث، فما لم يكن لهما ثالث لا يعقل التزاحم، وإذا كان لهما ثالث كان التزاحم معقولا، وفي المقام يوجد الثالث؛ لأنّ ملاك الأمر ليس قائماً بمطلق الفعل كي لا يوجد لهما ثالث، وإنّما هو قائم بحصّة خاصّة للفعل وهي الفعل مع قصد القربة، فهناك حالة ثالثة وهي أن يصوم بلا قصد القربة(2).
وهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه كما يظهر ذلك ببيان مقدّمة حاصلها: أنّه كما قلنا في الأوامر الوجوبيّة بأنّ كلّ أمر مقيّد لبّاً بعدم الانشغال بضدّ أهمّ أو مساو، كذلك الأمر الاستحبابيّ مقيّد بذلك بنفس البرهان، وهو: أنّ المولى لو كان هدفه
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1 و 2، ص 439 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج 1، ص 364 ـ 365 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
(2) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 364، والمحاضرات، ج 4، ص 318 بحسب طبعة مطبعة صدر بقم.
', 450), (65, 451, 'book', '
من هذا الأمر صرف المكلّف عن الأهمّ أو المساوي فهذا لا وجه له، ولو كان هدفه أن يجمع المكلّف بين العملين فهذا غير معقول؛ لفرض التضادّ.
وعلى هذا نقول في المقام: إنّ الأمر بصوم يوم عاشوراء ـ مثلا ـ لابدّ أن يؤخذ في موضوعه عدم الانشغال بضدّ مساو أو أهمّ، والضدّ هو ترك الصوم، فلابدّ أن يؤخذ عدم الترك ـ وهو الفعل ـ في موضوع الاستحباب، بينما لا معنى للأمر بالفعل في طول وقوعه(1).
وبعد هذا نرجع إلى نفس كلام صاحب الكفاية وهو وقوع التزاحم الملاكيّ بين الفعل والترك، وبما أنّ الترك كان أرجح أصبح الفعل مكروهاً ولكن يمكن الإتيان بالفعل بقصد الملاك.
وقد يورد على ذلك بأنّه إذا كان الأمر الفعليّ متعلّقاً بالترك إذن فبقانون (أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ) يكون الفعل منهيّاً عنه ومبغوضاً، ومعه يستحيل التقرّب به، وبهذا يظهر الفرق بين التزاحم الملاكيّ في النقيضين والتزاحم الملاكيّ في الضدّين، فإنّه في الضدّين لا يصبح الضدّ الآخر مبغوضاً.
وهذا الإشكال قد يجاب عليه بعدّة أجوبة:
منها: مثلا أنّ النهي عن النقيض نهي غيريٌّ لا يوجب بطلان العبادة؛ لأنّه لا بُعد
', '(1) ولك أن تقول: بما أنّ الأمر بقصد الأمر غير مأخوذ في متعلّق الأمر العباديّ، بل الأمر العباديّ متعلّق بذات الفعل، فقد رجع الأمر بالفعل مع الأمر بالترك إلى الأمر بالنقيضين. ولعلّ عدم ذكر اُستاذنا(رحمه الله) هذا البيان وانتقاله إلى البيان المذكور في المتن ناتج من أنّ هذا البيان متوقّف على تسليم إطلاق الأمر بلحاظ متعلّقه لفرض عدم قصد الأمر، وإن كان الأمر يتجدّد دائماً بعد العمل به ما لم يقصد المكلّف امتثال الأمر، وهذا مبنى خاصّ لاُستاذنا الشهيد(رحمه الله) فلم يرد مجادلة الآخرين بمبنى خاصّ له.
', 451), (65, 452, 'book', '
ولا قُرب بلحاظ الأحكام الغيريّة(1).
ومنها: ما قد يقال: من أنّ المصلحة الغالبة لم تكن في الترك بعنوانه بل في عنوان منطبق عليه كما قال المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)، حيث كان يعبّر بعنوان منطبق على الترك(2)، ونقيض ذاك العنوان عدمه لا الفعل، فمثلا لو كان ذاك العنوان (مخالفة بني اُميّة) فنقيضه عدم المخالفة لا الصوم.
إلاّ أنّ المهمّ في الجواب على كلام صاحب الكفاية: أنّ الإتيان بالفعل بداع إلهيّ غير معقول، فإنّ هذا يعني العدول عن الترك ـ الذي لم يكن بنفسه محتاجاً إلى داع ـ إلى الفعل بداع مولويّ، بينما نعلم أنّ المولى يكون عند الترك أشدّ فرحاً(3).
$
', '(1) ومنها: أن يقال: إنّنا نقصد التقرّب بالملاك، والملاك محبوب وإن لم يكن الفعل محبوباً.
(2) أو ملازم معه، وهذه هي النكتة الإضافيّة التي عُزلت حين نقل كلام صاحب الكفاية واُجّلت إلى هنا.
(3) وأمّا حلّ الإشكال، أعني: إشكال هذا القسم من العبادات المكروهة في نظر المحقّق النائينيّ(رحمه الله) على ما نقل عنه ـ راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 365 ـ 367 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وفوائد الاُصول، ج 1 و 2، ص 439 ـ 441 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم ـ فهو: أنّ متعلّق الأمر هو ذات العمل، بينما متعلّق النهي الكراهتيّ هو التعبّد بهذه العبادة لا ذات العمل، فإنّ ذات العمل لا مفسدة فيه ولا مصلحة في تركه، وإنّما نكتة النهي هي المشابهة والموافقة لبني اُميّة، وهذه عبارة عن التعبّد بهذه العبادة فلم يتّحد المتعلّقان.
نعم، لو كان النهي تحريميّاً لكان مانعاً عن الإتيان بمتعلّقه والتعبّد به وموجباً لتقييد إطلاق المأمور به بغير هذا الفرد؛ لأنّ الحرام يستحيل أن يكون مصداقاً للواجب، ولكنّ المفروض أنّه تنزيهيّ، والنهي التنزيهيّ عن الإتيان بالفعل بداعي امتثال الأمر المتعلّق به متضمّن للترخيص في الإتيان بالفعل بداعي امتثال الأمر المتعلّق به.
ويرد عليه ـ لو سُلّم أنّ متعلّق الكراهة هو الفعل المتعبّد به لا ذات الفعل ـ:
أوّلا: أنّ المحبوبيّة في العبادات متعلّقة بالفعل الذي يؤتى به بداعي التعبّد، والمفروض أنّ هذا هو متعلّق الكراهة.
وثانياً: أنّه لو غُضّ النظر عن ذلك أمكن أن يقال أيضاً: إنّ هذا الأمر وذاك النهي يستحيل أن يجتمعا؛ لأنّ الأمر لو حرّك لكان معنى تحريكه أنّ العبد يأتي بالعمل بقصد الأمر والتعبّد، وهذا مكروه عند المولى بحسب ما دلّ عليه النهي، فلو أنّ المولى يكره محرّكيّة الأمر فلماذا يأمر؟!
', 452), (65, 453, 'book', '
ولا يبعد أن تكون هذه النواهي في هذا القسم إرشاديّة أيضاً بلحاظ أنّ المكلّف عادة لا يصوم الدهر كلّه وإنّما يصوم بعض الأيّام دون بعض، فيرشد من يريد أن يصوم بعض الأيّام إلى اختيار غير هذا اليوم، فيصبح حال ذلك من هذه الناحية حال (صلّ) و(لا تصلّ في الحمّام)(1).
$
', '(1) بعد فرض قيام إجماع أو ضرورة على صحّة العمل لابدّ من الحمل على هذا المعنى الذي ذكره سيّدنا الاُستاذ(رحمه الله) أو الحمل على كون الترك المتعنون بعنوان داع معيّن أفضل من الفعل، لا كون مطلق الترك أفضل من الفعل، وذلك بأن يقال مثلا: إنّ ترك الصوم بداعي المخالفة العمليّة لسيرة بني اُميّة أفضل من الصوم، أمّا من لا يوجد في نفسه داع من هذا القبيل ودار أمره بين أن يصوم وبين أن يترك الصوم لا بهذا الداعي، فالصوم بالنسبة إليه أفضل من الترك، وهذان الوجهان يتعيّن المصير إلى أحدهما في هذا القسم متى ما كان إجماع أو ضرورة أو دليل آخر على صحّة العمل، إلاّ أنّ الوجه الثاني لا يطّرد في كلّ الموارد كما هو الحال في كراهة صوم يومين بعد عيد الفطر، فإنّه يتعيّن فيها الأوّل. وقد يكون الوجه الثاني أظهر من الوجه الأوّل كما قد يقال واستظهرناه في كراهة أعمال البرّ الماليّة للزوجة بلا إذن الزوج: إنّ تركها بداعي الانصياع لإذن الزوج أفضل من الفعل. وقد يُفرض الوجهان متساويين، ولعلّ صوم يوم عاشوراء من هذا القبيل.
', 453), (65, 454, 'book', '
هل يبقى الأمر بعد سقوط الحرمة بالاضطرار؟
التنبيه التاسع: فيما لو سقطت الحرمة بالاضطرار لا بسوء الاختيار أو كانت مترقّبة السقوط لأجل الاضطرار بسوء الاختيار فما هو مصير الأمر حينئذ بحسب القواعد الأوّليّة؟ بعد فرض أنّ الفعل المأمور به لا يوجب ارتكاب حرمة إضافيّة غير ما اضطرّ إليه. والكلام في ذلك يقع في مقامين:
الاضطرار لا بسوء الاختيار:
المقام الأوّل: في الاضطرار لا بسوء الاختيار، كما لو اضطرّ إلى التصرّف في الماء المغصوب أو الدخول في البيت المغصوب وافترضنا أنّ الوضوء أو الصلاة ليسا تصرّفاً إضافيّاً، فهل يمكن انبساط الأمر على مادّة الاجتماع بعد فرض عدم إمكان انبساطه عليها لو كانت الحرمة فعليّة، أو لا؟
والكلام في ذلك تارة يقع كبرويّاً، واُخرى يقع صغرويّاً حيث إنّه قد يناقش في الصغرى ويقال مثلا: إنّ الصلاة الكاملة توجب تصرّفات إضافيّة.
أمّا الكلام في الكبرى: فلا إشكال من ناحية الحكم التكليفيّ في سقوط الحرمة بالاضطرار عقلا وكذلك شرعاً؛ لما دلّ على رفع ما يضطرّ إليه من المحظورات، وإنّما الكلام يقع في جانب الحكم الوضعيّ من زاوية الأمر فهل
', '', 454), (65, 455, 'book', 'يمكن أن يقال: إنّه لم يبق محذور في شمول الأمر لمادّة الاجتماع، فيقع الفعلصحيحاً ومجزياً، أو أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة هو البطلان؟
ذهب المشهور إلى أنّ إطلاق دليل الأمر شامل لمادّة الاجتماع لوجود المقتضي وعدم المانع، فإنّ دليل الأمر بنفسه لم يكن مقيّداً بعدم غصب الماء أو المكان مثلا، وإنّما كان المانع عن التمسّك بالإطلاق هو الحرمة وقد سقطت. وبهذا فرّق المشهور بين المانعيّة المتحصّلة من الحكم التكليفيّ كما في محلّ الفرض، بنكتة عدم إمكان اجتماع الأمر والنهي، والمانعيّة المستفادة من النهي الإرشاديّ كخطاب (لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه): ففي الأوّل مقتضى القاعدة عند ثبوت الاضطرار وسقوط الحرمة الصحّة، بينما في الثاني مقتضى إطلاق دليل المانعيّة ثبوتها حتّى مع الاضطرار. ولو دلّ دليل خاصّ على وجوب الباقي بقاعدة (الميسور)، أو (أنّ الصلاة لا تسقط بحال)، أو غير ذلك التزم به على خلاف القاعدة.
والمحقّق النائينيّ(رحمه الله) خالف في ذلك فذكر أنّ البطلان المستفاد من النهي التكليفيّ أيضاً يشمل في حدّ ذاته فرض الاضطرار ما لم يدلّ دليل خاصّ على الصحّة، ويمكن أن يُقرَّب ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: ما نقله السيّد الاُستاذ عنه في أجود التقريرات من أنّ النهي علّة لأمرين: أحدهما حرمة مادّة الاجتماع، والآخر عدم وجوبها؛ لأنّ الوجوب والحرمة متضادّان وكلّ ما يكون علّة لأحد الضدّين يكون علّة لعدم الآخر. والاضطرار إنّما ينافي المعلول الأوّل و هو الحرمة، و أمّا المعلول الثاني فلا يأباه الاضطرر، فالمقتضي للمعلول الثاني ـ وهو النهي ـ موجود والمانع مفقود، بناءً على أنّ هذين المعلولين في رتبة واحدة؛ لأنّ وجود أحد الضدّين مع عدم الآخر معلولان لشيء واحد، فيكونان في رتبة واحدة، وليست المانعيّة معلولة للحرمة
', '', 455), (65, 456, 'book', 'كي تزول بزوالها(1).
واعترض السيّد الاُستاذ على ذلك بما يكون ظاهره وجود اعتراضين عليه:
الاعتراض الأوّل(2): أنّ كشف النهي عن الحرمة يكون بالمدلول المطابقيّ وكشفه عن عدم الوجوب يكون بالالتزام، فالكشفان يكونان طوليّين لا عرضيّين، وما ذكر في بحث الضدّ من عرضيّة أحد الضدّين مع عدم الآخر إنّما هو العرضيّة بحسب عالم الثبوت لا بحسب عالم الإثبات.
والسيّد الاُستاذ فهم من كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) أنّ النهي يكون علّة للحرمة وعدم الوجوب بحسب مقام الإثبات والكشف. والذي أوقع السيّد الاُستاذ في هذا الفهم هو التعبير بعلّيّة النهي للحرمة، فإنّه من الواضح أنّ النهي ليس علّة ثبوتيّة للحرمة وإنّما هو علّة إثباتيّة، أي: كاشف عن الحرمة، ومبنيّاً على هذا الفهم اعترض على المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بما عرفت.
الاعتراض الثاني(3): هو أنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للدلالة المطابقيّة في الحجّيّة أيضاً لا في الوجود فحسب، وحيث إنّ الدلالة المطابقيّة سقطت عن الحجّيّة في المقام فالدلالة الالتزاميّة أيضاً تسقط.
وهنا يوجد تعليقان على كلام السيّد الاُستاذ:
التعليق الأوّل: مربوط بالاعتراض الأوّل وحاصله: أنّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) لو
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 372 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
(2) راجع نفس المصدر، ص 371، تحت الخطّ، وراجع المحاضرات، ج 4، ص 349 ـ 351.
(3) راجع نفس المصدرين.
', 456), (65, 457, 'book', '
أراد بالعرضيّة: العرضيّة بحسب مقام الإثبات والكشف، لكان الاعتراض الأوّل وارداً، إلاّ أنّ أكبر الظنّ أنّ مراد المحقّق النائينيّ(رحمه الله) هو العرضيّة بحسب مقام الثبوت، والتعبير بعلّيّة النهي للحرمة لعلّه جاء مسامحة، بقرينة ما جاء في فوائد الاُصول الذي يكون أيضاً تقريراً لبحث المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، فإنّه لم يعبّر بعلّيّة النهي للحرمة وعدم الوجوب، بل عبّر بعلّيّة الملاك للحرمة وعدم الوجوب(1).
فيكون المقام صغرى من صغريات ما ذكر في بحث الضدّ من أنّ وجود أحد الضدّين مع عدم الضدّ الآخر معلولان لعلّة واحدة، فيصبح الكلام منسجماً ولا يرد عليه من اعتراضي السيّد الاُستاذ إلاّ اعتراضه الثاني، فلو أحرزنا ملاك الحرمة تمّ كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، إلاّ أنّنا إنّما أحرزنا ملاك الحرمة بالدلالة الالتزاميّة للنهي، فإذا سقط المدلول المطابقيّ عن الحجّيّة سقط الالتزاميّ أيضاً عن الحجّيّة كما قاله السيّد الاُستاذ في الاعتراض الثاني.
التعليق الثاني: تعليق على منهجة هذين الاعتراضين؛ إذ لو فهمنا من كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله)العرضيّة في عالم الكشف فلو غُضّ النظر عن الاعتراض الأوّل وسُلّم بالعرضيّة في عالم الكشف لم تكن الدلالة الثانية التزاميّة كي يرد الاعتراض الثاني. ولو فهمنا من كلامه العرضيّة ثبوتاً لم يرد الاعتراض الأوّل(2). ثُمّ لو بنينا
', '(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1 و 2، ص 445 و 468 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
(2) الظاهر أنّ شيئاً من التعليقين على كلام السيّد الخوئيّ(رحمه الله) ليس في محلّه؛ وذلك لأنّ الظاهر من عبارة السيّد الخوئيّ(رحمه الله) في تعليقه على أجود التقريرات وكذلك في المحاضرات أنّه لا يهدف إلاّ إيراد إشكال واحد، وهو: أنّ دلالة النهي على الحرمة وعلى عدم الوجوب ليستا عرضيّتين بل الاُولى مطابقيّة والثانية التزاميّة، وإذا سقطت المطابقيّة عن الحجّيّة سقطت الالتزاميّة أيضاً عن الحجّيّة. لا أنّ عدم العرضيّة إشكال، وتبعيّة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة إشكال آخر، ولم يثبت من عبارته في التعليق على كلام اُستاذه أنّه فهم من كلام اُستاذه العرضيّة الإثباتيّة، وإشكاله هذا يرد حتّى لو جعلت العرضيّة ثبوتيّة فيقال مثلا: إنّ العرضيّة الثبوتيّة وإن كانت مسلّمة لكن هذا لا يكفي لإثبات هدف المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من ثبوت المانعيّة؛ إذ بعد عدم العرضيّة إثباتاً وتبعيّة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة لا يبقى كاشف عن المانعيّة.
', 457), (65, 458, 'book', '
على مبنى المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من أنّ الدلالة الالتزاميّة غير تابعة للدلالة المطابقيّة لم يتمّ شيء من الاعتراضين عليه بناءً على أن يكون مراده العرضيّة ثبوتاً، هذا.
ولنتّجه الآن إلى كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) بصياغته التي اتّضحت لك بعد فرض تبديل التعبير بعلّيّة النهي إلى التعبير بعلّيّة الملاك وفرض إرادة العرضيّة الثبوتيّة، فيمكن أن نلخّص كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله)في دعويين:
الاُولى: أنّ ملاك الحرمة متى ما وُجد كان علّة للحرمة وعدم الوجوب في عرض واحد، فإذا تعذّرت الحرمة فلماذا لا يؤثّر في المعلول الآخر.
الثانية: أنّ هذا الملاك نحرزه بالدلالة الالتزاميّة للنهي، وسقوط الدلالة المطابقيّة لا يوجب سقوط الالتزاميّة.
ويمكن توجيه عدّة اعتراضات على كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ضمن هذه الصياغة:
الأوّل: منع الدعوى الثانية؛ لأنّ الصحيح تبعيّة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة(1).
$
', '(1) لا يخفى أنّه في مثل الاضطرار العقليّ الدلالة المطابقيّة منتفية بالمقيّد الارتكازيّ الذي هو كالمتّصل فتنتفي الالتزاميّة؛ إذ لا أقلّ من تبعيّتها للمطابقيّة في الوجود. نعم، بإمكان المحقّق النائينيّ(رحمه الله) أن يتمسّك بإطلاق المادّة المثبت للملاك بحسب مبناه هو.
', 458), (65, 459, 'book', '
الثاني: يرجع إلى الدعوى الاُولى، وهو: أنّه صحيح أنّ الضدّ مع ضدّه الآخر معلولان لشيء واحد ولكن هذا ليس بمعنى أنّ الشيء الواحد أثّر في الأمرين أي: أنشأهما، سنخ تأثير شيء في أمرين وجوديّين حتّى يقال: لو حجب عن تأثيره في الأمر الأوّل فلماذا لا يؤثّر في الأمر الثاني، فإنّه قد تقدّم في بحث الضدّ أنّ هذا المعنى غير معقول، فإنّ علّيّة الأمر الوجوديّ للأمر العدميّ ـ كعلّيّة الأمر العدميّ للأمر الوجوديّ ـ مستحيلة، وإنّما المعنى المعقول لعلّيّة علّة أحد الضدّين لعدم الضدّ الآخر هو مانعيّتها عن تأثير مقتضي الضدّ الآخر، ففي الحقيقة علّة الضدّ لها تأثير واحد وهو إيجاد هذا الضدّ، وحيث إنّه يستحيل أن يجتمع هذا الضدّ مع ذاك الضدّ فبقدر ما يقرّب إلى وجود هذا الضدّ يبعّد عن الضدّ الآخر، فيمنع عن تأثير مقتضي الضدّ الآخر، وحينئذ إذا تعطّلت هذه المقرّبيّة فلا موجب لتبعيده عن الضدّ الآخر؛ لأنّها بتأثير وحدانيّ لا بتأثيرين.
الثالث: راجع إلى منهجة كلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، وهو: أنّه لو كانت الدعوى الثانية صحيحة فلا نحتاج إلى إثبات الدعوى الاُولى، فإنّه يقال بأنّ دليل النهي يدلّ على الحرمة مطابقة ويدلّ على المانعيّة التزاميّاً، وإذا سقطت الدلالة الاُولى عن الحجّيّة بقيت الثانية على الحجّيّة بلا حاجة في ذلك إلى المقدّمة الاُولى(1) ولو
', '(1) لعلّ المحقّق النائينيّ(رحمه الله) يقول: إنّه لو كانت المانعيّة معلولة للحرمة فنحن نقطع بزوال هذه الحصّة من المانعيّة المدلول عليها التزاماً؛ وذلك للقطع بزوال الحرمة، وإنّما يتمّ القول ببقاء الدلالة الالتزاميّة على الحجّيّة رغم سقوط المطابقيّة في إحدى حالتين:
الاُولى: فيما إذا لم نقطع بانتفاء ما دلّت عليه المطابقيّة في الواقع، غاية الأمر أنّ الدلالة سقطت عن الحجّيّة فنبقى نحتمل صدق الدلالة الالتزاميّة حتّى ولو كان المدلول الالتزاميّ معلولا للمدلول المطابقيّ وفي طوله.
والثانية: فيما إذا كان المدلول الالتزاميّ في الواقع في عرض المدلول المطابقيّ وبنحو نحتمل ثبوته واقعاً حتّى على فرض انتفاء المدلول المطابقيّ واقعاً.
وبعد فلكي ينتهي التشويش الموجود في هذا البحث نلخّص ما ينبغي أن يقال حول كلام الشيخ النائينيّ(رحمه الله)في المقام، وخلاصة الكلام ما يلي:
ورد في التقريرين عن الشيخ النائينيّ(رحمه الله) اعتراض على مقالة المشهور التي ترى صحّة الصلاة في المقام؛ لوجود المقتضي ـ وهو إطلاق دليل الأمر بالصلاة ـ وانتفاء المانع ـ وهي الحرمة ـ: بأنّ الحرمة مع البطلان أو مع عدم الأمر لم تكن النسبة بينهما نسبة العلّة إلى المعلول، بأن تكون الحرمة هي العلّة لعدم الأمر وبالتالي البطلان كي يقال: إذا انتفت الحرمة انتفى ما ينجم عنها من عدم الضدّ الآخر ـ وهو الوجوب ـ وبالتالي انتفى البطلان، وإنّما هما معلولان لشيء واحد، وهو النهي على التعبير الوارد في أجود التقريرات، أو الملاك على التعبير الوارد في فوائد الاُصول، ولا مقدّميّة بين أحد الضدّين وعدم الضدّ الآخر، وأحدهما انتفى بالاضطرار وهي الحرمة، ولا نكتة في انتفاء الثاني وهو عدم الأمر أو البطلان؛ فإنّ الاضطرار يمنع عن الأوّل دون الثاني.
وهذا المقدار من الكلام لولا نكتة مستترة في المقام لا يرجع إلى محصّل، فهب أنّ الاضطرار إنّما دلّ على ارتفاع الحرمة ولم يدلّ على الصحّة أو على ارتفاع عدم الوجوب، لكن يأتي السؤال عمّا هو الدليل على البطلان أو عدم الوجوب؟ ونحن نحتمل بشأن مراد المحقّق النائينيّ أو إبراز تلك النكتة المستترة أحد أمرين:
الأوّل: أنّه إذا لم يكن ارتفاع الحرمة دليلا على انبساط الوجوب أثبتنا عدم الوجوب بالدلالة الالتزاميّة للنهي ـ رغم سقوط دلالته المطابقيّة ـ على الحرمة؛ لأنّ الالتزاميّة لا تتبع المطابقيّة في الحجّيّة. ولعلّ هذا هو المفهوم من أجود التقريرات بنكتة تعبيره بكون الحرمة معلولة للنهي، ونحن نعلم أنّ الحرمة ليست معلولة للنهي وإنّما هي مدلول عليها بالنهي.
وهذا يرد عليه:
أوّلا: الإشكال المبنائيّ، حيث نؤمن نحن بتبعيّة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة كما تتبعها في الوجود، وإذا سقطت رجعنا إلى إطلاق دليل الأمر بالصلاة وصحّت صلاته كما قاله المشهور.
وثانياً: الإشكال البنائىّ، وهو في موارد الاضطرار العقليّ دون مجرّد الحرج، وهو: أنّه مع الاضطرار العقليّ تكون الدلالة المطابقيّة على الحرمة ساقطة في أصلها لا في خصوص حجّيّتها؛ لأنّ الارتكاز العقليّ القائل بعدم معقوليّة التكليف بغير المقدور يعتبر قرينة كالمتّصل ويُنهي أصل الظهور لا حجّيّة الظهور، وبذلك تنتفي الدلالة الالتزاميّة بلا شكّ.
الثاني: أنّنا نثبت عدم الوجوب بالملاك؛ لأنّ الملاك ثابت رغم سقوط الحرمة، وذلك بإطلاق المادّة؛ فإنّ إطلاق المادّة كان يقتضي إطلاق الحرمة وإطلاق الملاك، وقد عرفنا سقوط إطلاق الحرمة بالاضطرار ولم نعرف سقوط إطلاق الملاك، فإنّ الاضطرار إنّما رفع الحرمة، أي: أنّه قيّد الهيئة ولكن يبقى متعلّق الهيئة ذات المادّة بلا قيد وإن اختصّت الحرمة بفرض القدرة. ففرقٌ بين أن نقول: الغصب المقدور حرام، أو نقول: الغصب حرام حرمة مختصّة بفرض القدرة، فبما أنّ الحرمة انصبّت في الكلام الثاني على ذات الغصب دلّ ذلك على أنّ الملاك يكون في ذات الغصب لا في الغصب المقدور، فإذا ثبت إطلاق الملاك ثبت البطلان وعدم الوجوب.
وهذا الكلام أيضاً باطل مبنىً وبناءً:
أمّا بطلانه مبنىً فلأ نّا نرى أنّ تقييد الهيئة يسري إلى المادّة ولا معنى لافتراض بقاء المادّة مطلقة بلحاظ الملاك.
وأمّا بطلانه بناءً فلأنّه هب أنّ الملاك باق ولكنّ الملاك لم يكن يخلق عدم الوجوب على شاكلة خلقه للحرمة حتّى يقال: إنّه إذا عجز عن خلق الحرمة لعدم قدرة المكلّف، يبقى يخلق عدم الوجوب إذ لا مانع من ذلك، فإنّنا وإن كنّا نقبل أنّ الضدّ وعدم الضدّ الآخر متلازمان وعرضيّان ومعلولان لشيء واحد، وليس أحدهما علّة للآخر كما نقّح ذلك في بحث الضدّ، لكن لا يعني هذا أنّه يصدر عن تلك العلّة أحد الضدّين وعدم الضدّ الآخر على شكل خلق الأثر، فإنّ هذا مستحيل؛ لأنّه كما يستحيل صدور الوجود من العدم لعدم التسانخ بين الوجود والعدم، كذلك يستحيل صدور العدم من الوجود بنفس دليل لزوم التسانخ بين العلّة والمعلول، وإنّما نقول بأنّ علّة الضدّ علّة لعدم الضدّ الآخر بمعنى مانعيّته عن تأثير علّة الضدّ الآخر؛ لأنّ المقرّب إلى أحد الضدّين مبعّد عن الضدّ الآخر بحسب التباعد الموجود بين الضدّين، فكلّ تقريب إلى أحد الضدّين تبعيد عن الضدّ الآخر بفعّاليّة واحدة، وليس هذا التقريب وذاك التبعيد بفعّاليّتين، فإن عجزت العلّة لمانع عن التقريب إلى أحد الضدّين ـ وهو الحرمة في المقام ـ عجزت لا محالة عن التبعيد عن الضدّ الآخر وهو الوجوب، فيثبت انبساط الوجوب على مادّة الاجتماع وتصحّ الصلاة كما قاله المشهور.
', 459), (65, 460, 'book', '
$
', '', 460), (65, 461, 'book', '$
', '', 461), (65, 462, 'book', 'لم تتمّ الدعوى الثانية فالدعوى الاُولى غير كافية؛ إذ من أين نحرز ملاك الحرمة إذا لم نقل بعدم تبعيّة الالتزاميّة للمطابقيّة.
التقريب الثاني: مركّب من أمرين:
الأوّل: دعوى إمكان إثبات الملاك في المقام بالرغم من سقوط الحرمة لا بالدلالة الالتزاميّة ـ كما هو الحال في التقريب الأوّل كي يقال: إنّها سقطت بسقوط المطابقيّة ـ بل بحديث الرفع المسوق للامتنان حيث يقال: إنّه لو
', '', 462), (65, 463, 'book', 'لا المقتضي للحرمة فلا امتنان في الرفع، فهذا بنفسه دليل على أنّ المقتضي للحرمة ـ وهو الملاك ـ موجود ولكنّ المولى مع ذلك رفع الحكم شفقةً على المكلّفين.
الثاني: أنّه إذا ثبت ملاك الحرمة أوجب ذلك بطلان العمل، ويمكن بيان ذلك بإحدى صيغتين:
الاُولى: أن يقال: ما دمنا أثبتنا ملاك الحرمة في مادّة الاجتماع فلا يمكن التقرّب به إلى المولى. وهذه الصيغة تختصّ بالعبادات.
الثانية: أن يقال: إنّه بعد أن ثبت بحديث الرفع وجود مبادئ الحرمة لا يُعقل ثبوت الأمر؛ وذلك لأنّ نكتة امتناع اجتماع الأمر والنهي لو كانت مبنيّة على مسلك المحقّق النائينيّ(رحمه الله) القائل بأنّ الامتناع إنّما هو باعتبار أنّ إطلاق الأمر يستلزم الترخيص في التطبيق على كلّ فرد وهو ينافي الحرمة، فهذه النكتة تزول بزوال الحرمة وإن كان الملاك موجوداً.
وأمّا إذا افترضنا أنّ نكتة الامتناع إنّما هي التنافي بين الأمر المتعلّق بصِرف وجود الصلاة والنهي المتعلّق بالغصب بلحاظ مبادئهما ـ لأنّ الشيء الواحد لا يُعقل أن يكون مصبّاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة معاً ـ فهنا لا ترتفع المانعيّة بارتفاع الحرمة؛ لأنّ مبادئ الحرمة موجودة بحسب الفرض. وهذه الصيغة لو تمّت فلا تختصّ بالعبادات.
وكلا الأمرين قابلان للمناقشة:
أمّا الأمر الأوّل: فلأنّ هذا الذي قالوه قياسٌ للشارع بالنماذج العرفيّة للمولى، فإنّ المولى العرفيّ إنّما يحكم لأجل مصلحة نفسه فيقال: إنّه لو رفع يده عن مصلحة نفسه شفقةً على العبد كان امتناناً، أمّا لو ترك الحكم لعدم مصلحة له فيه فلا امتنان في ذلك. إلاّ أنّ المولى الحقيقيّ ليس كذلك، فإنّ الشارع إنّما يأمر وينهى رعاية لشؤون نفس العبد، ففي مثل ذلك لابدّ وأن يحسب المولى حساب المكلّف
', '', 463), (65, 464, 'book', 'ويرى أنّ مصلحة الوضوء التي توجب المشقّة أهمّ للعبد من مصلحة عدم المشقّة أو بالعكس:
فإن فُرض أنّ المصلحة كانت هي الغالبة فلا امتنان في رفع اليد عن الوضوء بل الامتنان في الأمر بالوضوء.
وإن فُرض أنّ مفسدة المشقّة هي الغالبة ـ مثلا ـ فبعد الكسر والانكسار لا تبقى مصلحة أصلا كي تكون مقتضية للأمر.
وإن فُرض بتساوي المصلحة والمفسدة فلا مقتضي أيضاً للأمر ولا للنهي.
فليس إعمال المولى الحقيقيّ للرفع من باب أنّ المقتضي للطلب موجود ومع هذا لا يطلب، بل نكتة الامتنان هي أنّ الشريعة تكون لمصالح العبيد، وتكون ناظرة إلى جميع الجهات المؤثّرة في حال العبد، إذن فحديث الرفع لا يدلّ على أنّ المقتضي للحرمة موجود(1)، بل يجب أن يكون المقتضي غير موجود، والامتنان إنّما يكون باعتبار أنّ المولى لاحظ في هذا الرفع جميع الجهات المؤثّرة في حال العبد(2).
$
', '(1) قد يقول قائل: مادام أنّ صيغة «رفع عن اُمّتي» ظاهرة في الامتنان وإبراز الشفقة، ومادام أنّ ثبوت الامتنان في جميع أحكام الشرع ـ سواءً كانت إلزاميّة أو ترخيصيّة ـ واضحة، فالمفهوم عرفاً من هذه الجملة إبراز الشفقة والمنّة بخصوص مصلحة التسهيل المحبّبة إلى قلوب السواد العامّ للناس، والمخصوصة برفع الإلزام دون وضعه، وتأثير مصلحة التسهيل إنّما يثبت لو ثبت ملاك الإلزام، وإلاّ لما كان الرفع للتسهيل؛ إذ لا ملاك للإلزام حتّى يسهّل على العبد بنكتة مصلحة التسهيل.
(2) يمكن أن تغيّر صيغة الأمر الأوّل بنحو لا يرد عليه هذا الإشكال، وذلك بأن يقال: إنّ الرفع الحقيقيّ في المقام غير معقول؛ فإنّ التكليف لم يوضع على المضطرّ من أوّل الأمر حتّى يرفع والرفع فرع الوضع، فيجب أن يفسّر الرفع بمعنى أنّ مقتضي الحكم كان موجوداً ومع ذلك لم يجعل الحكم، فسمّي ذلك رفعاً بمناسبة وجود المقتضي، وهذا يعني ثبوت الملاك.
وقد حُكي عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): أنّه ذكر هذه الصيغة من البيان بعد الدرس وأجاب عليها بأنّه يكفي في تصحيح التعبير بالرفع لحاظ ثبوت الحكم ما لم يطرأ الاضطرار.
', 464), (65, 465, 'book', '
وأمّا الأمر الثاني: فيرد عليه: أنّه لو سُلّم أنّ الملاك ثابت بحديث الرفع كي يصحّ الامتنان، فلا نسلّم أنّ الملاك يكون مؤثّراً في المبغوضيّة، بل غايته ثبوت أصل المفسدة(1)، فالتقرّب ممكن(2) وشمول الأمر معقول(3)، هذا على أنّه لو سلّم أنّ الملاك مؤثّر في المبغوضيّة الفعليّة فهذا لا يمنع عن التقرّب بعد فرض الاضطرار إلى جامع المبغوض، فيتقرّب العبد إلى المولى باختيار تلك الحصّة من المبغوض المشتملة على المصلحة، فإنّ ميزان التقرّب إلى المولى أن يكون حال المولى مع هذا المتقرَّب به أحسن من حاله بدونه، وفي المقام كذلك؛ لأنّه على أيّ حال يكون العبد مضطرّاً إلى إحدى حصّتي المبغوض فإتيانه بالحصّة التي فيها المصلحة يكون أفضل حالا للمولى(4). فالصحيح ما عليه المشهور من أنّ المانعيّة تسقط بسقوط الحرمة.
هذا هو البحث الكبرويّ.
$
', '(1) وكذلك لو قلنا: إنّ صدق الرفع يحتاج إلى ثبوت المقتضي لم يثبت بذلك أكثر من المفسدة، ولا يدلّ ذلك على فرض ثبوت المبغوضيّة.
(2) إشارة إلى ردّ الصياغة الاُولى من صياغتي الأمر الثاني.
(3) إشارة إلى ردّ الصياغة الثانية من صياغتي الأمر الثاني.
(4) وهذا الجواب الثاني مخصوص بالصياغة الاُولى من صياغتي الأمر الثاني ولا يصلح جواباً للصياغة الثانية.
', 465), (65, 466, 'book', '
وأمّا الكلام في الصغرى: ففي مجال التطبيق نأخذ الصلاة ونتكلّم فيها في ثلاث حالات:
الحالة الاُولى: أن نفترض أنّ المكلّف مبتلى بالمكان المغصوب في تمام الوقت. والمعروف بين المحقّقين في مثل ذلك أنّ هذه الصلاة تكون صغرى للكبرى المتقدّمة، فإنّه لابدّ من التصرّف الغصبيّ على أيّ حال.
وذهب بعض إلى أنّ التصرفات الصلاتيّة تزيد في التصرّفات الغصبيّة، فإنّه بالإمكان أن يبقى ساكناً من دون أن يركع ويسجد، فالصلاة الاختياريّة فيها غصب أكثر من المقدار المضطرّ إليه فتحرم وتبطل.
وعلّق صاحب الجواهر على ذلك بأنّ مثل هذا الاستدلال ينشأ في بادئ الأمر من قلّة التدبّر ثُمّ من صعوبة التراجع.
وتوضيح ذلك: أنّه بحسب الحقيقة لا يتصوّر بالنسبة لهذا الشخص أن يكون فعله الصلاتيّ مستوجباً لغصب زائد، فإنّ الغصب إمّا يتمثّل في إشغال الحيّز من الفضاء، أو يتمثّل في إلقاء الثقل على الأرض المغصوبة، وكلّ منهما لا يعقل أن يزيد مهما كان وضعه، فمقدار شغل الحيّز لا يختلف باختلاف الأشكال الهندسيّة، والثقل أيضاً لا يختلف بالقيام والقعود أو السجود. وتخيّل أقلّيّة الغصب عند السكون مبنيّ على أحد تصوّرين:
التصوّر الأوّل: أن يقال بأنّ هذا الإنسان إذا بقي ساكناً فقد ارتكب حراماً واحداً، وهو الجلوس ـ مثلا ـ في المكان المغصوب، وإذا جلس مرّة وركع اُخرى وقام ثالثة فقد ارتكب محرّمات عديدة.
والجواب عن ذلك واضح، وهو: أنّ الجلوس المستمرّ هو بحسب الحقيقة إشغالات متعدّدة للأرض وليس حراماً واحداً، وإلاّ لما اختلف الجلوس ساعةً والجلوس سنة في المغصوب.
$
', '', 466), (65, 467, 'book', 'التصوّر الثاني: أن يقال: إنّه اشتغل بالصلاة، والصلاة مشتملة على أكوان في المغصوب، ومشتملة على الحركة من كون إلى كون، وكلاهما حرام، بخلاف ما إذا بقي ساكناً. وهذا ما ذكر صاحب الجواهر في التعليق عليه بأنّ هذا سجن أشدّ من سجن الظالم، حيث إنّه مكلّف بأن يتحرّك.
والجواب على هذا هو: أنّ هذا التصوّر مبنيّ على أنّ الحركة غير الكون، إلاّ أنّ الصحيح أنّ الحركة في الكون عين الكون، فالأمر دائر بين الكون الثابت والكون المتحرّك، وليس أحدهما أشدّ من الآخر.
الحالة الثانية: أن يُفرض أنّه سوف يرتفع الاضطرار ويخرج قبل انتهاء الوقت. فهنا بناءً على ما ذكرناه في الحالة الاُولى يجوز أن يصلّي في المكان حتّى مع علمه بالخروج بعد ساعة.
نعم، لو سلكنا المسلك الآخر وقلنا بأنّ الصلاة الاختياريّة تصرّف زائد، وحكمنا عليه في الحالة الاُولى بالصلاة الاضطراريّة وبالإيماء من دون ركوع وسجود، كان عليه في هذه الحالة أن يؤخّر الصلاة.
الحالة الثالثة:أن يُفرض أنّه اُلقي في المكان المغصوب بلا اختيار لكنّه الآن متمكّن من الخروج فوراً وبلا مضيّ زمان. وحينئذ يجب عليه الخروج فوراً تخلّصاً عن الغصب، فلو كان بإمكانه أن يصلّي حين الخروج صلاة اختياريّة ـ كما إذا كان في سيّارة وبإمكانه أن يصلّي فيها حين مشيها صلاة اختياريّة ـ فله أن يصلّي من دون فرق بين سعة الوقت وضيقه، فإنّه على أيّ حال مضطرّ إلى هذا المقدار من الغصب.
وأمّا إذا كانت الصلاة الاختياريّة تعيقه عن الخروج كما إذا كان ماشياً فلو كان الوقت واسعاً لم تجز له الصلاة الاختياريّة؛ لعدم جواز التأخير، ولا الاضطرارية؛ لتمكّنه من الاختياريّة بعد ذلك. ولو كان الوقت ضيّقاً تعيّن عليه أن يصلّي صلاة اضطراريّة.
$
', '', 467), (65, 468, 'book', 'الاضطرار بسوء الاختيار:
المقام الثاني: فيما إذا دخل بسوء اختياره في المكان المغصوب. وهنا يقع الكلام في مرحلتين:
المرحلة الاُولى: في حكم نفس الخروج من الأرض.
والمرحلة الثانية: في حكم الصلاة حال الخروج.
حكم الخروج من الأرض المغصوبة:
أمّا المرحلة الاُولى: فلا إشكال في أنّه لابدّ وأن يخرج فوراً لئلاّ يرتكب حراماً زائداً، إلاّ أنّه يبحث في حكم هذا الخروج في ثلاث جهات:
الجهة الاُولى: في أنّه هل هناك مقتض لحرمة هذا الخروج، أو لا؟ وعلى الأوّل فما هو مقدار تأثير هذا المقتضي؟
الجهة الثانية: في أنّه هل هناك مقتض للوجوب، وبأيّ مقدار يؤثّر، أو ليس هناك مقتض؟
الجهة الثالثة: في أنّه لو كان كلا المقتضيين موجودين فهل يمكن إعمالهما معاً، أو لا؟
أمّا الجهة الاُولى: فالمقتضي بحسب مقام الإثبات والدليل للحرمة موجود، فإنّه تصرّف في مال الغير بدون إذنه؛ إذ لا فرق في التصرّف الغصبيّ بين أن يكون حركة نحو الدخول أو حركة نحو الخروج. وهذا المقتضي لا مانع من تأثيره أيضاً قبل الدخول، فللمولى أن يزجره قبل دخوله عن جميع أنحاء التصرّف في هذا المكان دخولا وخروجاً، فإنّ تمام هذه التصرّفات كانت تحت قدرته وكان بإمكانه تركها جميعاً بترك الدخول، فجعل الزاجر بالنسبة إليه معقول، إلاّ أنّه بعد
', '', 468), (65, 469, 'book', 'أن عصى أحد النهيين ودخل فالمقتضي لحرمة الخروج أيضاً موجود؛ لأنّه غصب وتصرّف في ملك الغير، لكن بقاء هذا النهي غير معقول باعتبار أنّ النهي استنفد غرضه، فإنّ الغرض من هذا النهي توجيه اختيار المكلّف، وبعد الدخول لا يمكن للمولى أن يوجّه اختياره، فإنّه مضطرّ إلى الخروج. وإن شئت فقل: إنّ النهي إذا بقي بداعي الباعثيّة والمحرّكيّة وكان يهدف إلى أن يضطرّه إلى عدم الخروج فهذا معناه التصرّف الأكثر، وإن لم يبق بداعي الباعثيّة والمحرّكيّة فهذا خلف كون النهي بداعي المحرّكيّة.
وعلى ضوء هذا يُعرف أنّه لا يمكن دعوى بقاء النهي تمسّكاً بقاعدة عقليّة وهي: (أنّ الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار). توضيح ذلك: أنّه قد يتصوّر أنّه لا مانع من بقاء النهي؛ فإنّ المانع المتصوّر هو أنّ الخروج ليس اختياريّاً بالنسبة إليه، وهذا المانع مدفوع بأنّ الخروج اختياريّ؛ لأنّ الإيجاب الناشئ من الاختيار لا ينافي الاختيار، ولابدّيّة الخروج نشأت من دخوله باختياره، فإذا ثبت أنّ الخروج اختياريّ فلا بأس بتعلّق النهي به.
وهذا الكلام غير صحيح، فإنّ المقصود بقاعدة (أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار) مطلب فلسفيّ أجنبيّ عن المقام، وهو: أنّ الاختيار إذا تولّد منه إيجاب أو امتناع وتولّد من الإيجاب أو الامتناع فعل، فمجرّد توسّط الإيجاب أو الامتناع لا ينافي كون الفعل من نتائج ذاك الاختيار، فالمؤثّريّة التكوينيّة للاختيار غير مشروطة بعدم حلقة في الوسط تسمّى بالإيجاب أو الامتناع. وهذا أمر واقعيّ تكوينيّ لا مجال للبحث فيه ولا فائدة في مناقشته، فإنّه لم يدلّ دليل على أنّ النهي يمكن تعلّقه بأيّ فعل يكون مستنداً إلى الاختيار حتّى يقال بأنّ الفعل في المقام يكون مستنداً إلى الاختيار، وإنّما النهي يمكن أن يتعلّق بأيّ فعل يمكن للمولى أن يوجّه اختيار المكلّف بلحاظه.
$
', '', 469), (65, 470, 'book', 'إذن فالنهي ساقط، لكن هذا السقوط يكون بمثابة السقوط العصيانيّ، فإنّه سقط بفوات الغرض بسبب اختيار المكلّف، فالسقوط وإن كان قبل الخروج من الأرض لكن سبب استحقاق العقاب عقلا ثابت.
وأمّا الجهة الثانية: فالكلام في ذلك تارة يقع بدعوى وجود المقتضي للوجوب النفسيّ للخروج، واُخرى بدعوى وجود المقتضي للوجوب الغيريّ له:
أمّا الكلام بلحاظ الوجوب النفسيّ: فقد يقال بأنّ الإنسان يجب عليه نفسيّاً التخلّص من مال الغير وأن يسلّم مال الغير إليه. والخروج وإن كان بمنظار تصرّفاً في ملك الغير لكنّه بمنظار آخر يكون نفس الخروج تخلّصاً وتسليماً للمال فيكون واجباً نفسيّاً.
وقد وقع النزاع بين السيّد الاُستاذ والمحقّق النائينيّ في صدق عنوان من هذا القبيل وعدمه على الخروج(1)، إلاّ أنّ هذا النزاع بلا موضوع، فإنّ عنوان التخلّص أو ردّ مال الغير أو الانسحاب من مال الغير لم يدلّ دليل على وجوبه نفسيّاً، وإنّما الدليل دلّ على حرمة الغصب والتصرّف في مال الغير، وليس وراء هذا الحكم حكم إلزاميّ آخر على نحو يعاقَب الغاصب بعقابين: عقابٌ على فعل الحرام، وعقابٌ على ترك الواجب. والتخلّص وردّ المال إلى صاحبه ونحو ذلك من العناوين إنّما هي معرّفات للاجتناب عن الحرام وعدم الوقوع فيه، فالظاهر هو عدم المقتضي للوجوب النفسيّ.
$
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 379، فوق الخطّ وتحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وراجع فوائد الاُصول، ج 1 و 2، ص 450 و 451 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، والمحاضرات، ج 4، ص 388 ـ 391 بحسب طبعة صدر بقم. فكأنّ الشيخ النائينيّ(رحمه الله) يرى انتزاع عنوان التخلّص والتسليم إلى صاحب المال ـ مثلا ـ من الخروج، والسيّد الخوئيّ(رحمه الله) يرى خلافه.
', 470), (65, 471, 'book', '
وأمّا الكلام بلحاظ الوجوب الغيريّ: فيقع من ناحيتين:
الناحية الاُولى: في الصغرى، أي: إنّ الخروج هل هو مقدّمة للواجب ـ ونقصد بالواجب هنا ترك الحرام ـ أو ليس إلاّ ملازماً له. وهنا يظهر وجود محاولات للبرهنة على عدم المقدّميّة تارة، وعلى المقدّميّة اُخرى:
أمّا البرهان على عدم المقدّميّة: فيتمثّل في بيانين:
البيان الأوّل: ما هو ظاهر تقريرات بحث السيّد الاُستاذ حيث قال بأنّ الخروج مقدّمة للكون في خارج الدار، وهذا الكون ملازم لترك الحرام الذي هو الكون في الدار لا أنّه عينه، فإنّ الكون في الخارج أمر وجوديّ، وعدم الكون في الداخل أمر عدميّ، فيستحيل الاتّحاد، إذن فالخروج مقدّمة لملازم ترك الحرام لا لنفسه(1).
إلاّ أنّ هذا البيان لا يثبت عدا أنّه حيث إنّ عدم الكون في الدار ليس عين الكون في خارج الدار فالمقدّميّة لأحدهما لا ترجع إلى المقدّميّة للآخر، ولكن لو ادّعى أحد أنّ هذا الخروج مقدّمة لأمرين: للكون في خارج الدار ولعدم الكون في الدار، لم يكن هذا البيان دليلا على خلافه.
البيان الثاني: ما يظهر من كلمات جملة ـ منهم المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) ـ من أنّ الخروج ضدّ البقاء، والضدّان ليست بين أحدهما وعدم الآخر مقدّميّة، فلا ترك أحدهما مقدّمة للآخر، ولا فعل أحدهما مقدّمة لترك الآخر، ولو سلّم فإنّما يسلّم أنّ ترك أحدهما مقدّمة لفعل الآخر، وأمّا أن يكون فعل أحدهما مقدّمة لترك الآخر ـ وهو المفروض أن يدّعى في المقام ـ فهو بديهيّ البطلان(2).
$
', '(1) راجع المحاضرات، ج 4، ص 391 ـ 392 بحسب الطبعة المشار إليها سابقاً.
(2) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 343 بحسب طبعة موسّسة آل البيت.
', 471), (65, 472, 'book', '
وهذا البيان له صورة فنّيّة إلاّ أنّ فيه مغالطة، فإنّ ما برهن عليه في بحث الضدّ من عدم المقدّميّة بين أحد الضدّين وعدم الضدّ الآخر إنّما هو في ضدّين متبادلين في الوجود وفي زمان واحد كسواد الشيء وبياضه في نفس الزمان، أمّا أن يكون أحد الضدّين في زمان مقدّمة في مورد مّا لعدم الضدّ الآخر في زمان متأخّر عنه فلم يبرهن على خلافه.
وفي المقام ليس المدّعى أنّ الخروج مقدّمة لعدم البقاء في آن الخروج، بل المدّعى كونه مقدّمة لترك الغصب في الآن الثاني، سنخ أن يقال في مريض لو صلّى ضعف عن الإزالة: إنّ صلاته سبب لعدم تمكّنه من الإزالة بعد الصلاة، لا في حين الصلاة، ومثل هذه المقدّميّة لم يتوهّم أحد عدم معقوليّتها.
وأمّا البرهان على المقدّميّة: فهو مركّب من مقدّمتين:
الاُولى: أنّ الخروج مقدّمة للكون خارج الدار، وهذا أمر افتُرض من البداية وسُلّم ذلك، وإنّما النزاع في أنّه يكون مقدّمة لعدم الكون في داخل الدار أيضاً أو لا، كما أنّه من المتّفق عليه أنّ الكون في خارج الدار ملازم لترك الكون في داخله.
الثانية: أنّ كلّ أمرين متلازمين لابدّ أن ينشأ التلازم بينهما إمّا من كون أحدهما علّة للآخر، أو من كون علّة أحدهما علّة للآخر، وإلاّ فلا تلازم بينهما؛ إذ قد تثبت علّة أحدهما دون علّة الآخر، فينفكّ أحدهما عن الآخر وهذا خلف.
ونقول في المقام: إنّه لا يمكن أن يكون أحدهما علّة للآخر، فإنّ أحدهما ضدّ والآخر عدم ضدّه، وقد ثبت في بحث الضدّ عدم العلّيّة والمعلوليّة بين الضدّ وعدم ضدّه، إذن فلابدّ أن تكون علّة أحدهما عين علّة الآخر، وهذا يعني أنّ الخروج مقدّمة لترك الغصب الزائد.
وهذا البرهان اعترض عليه المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) باعتراضين:
أحدهما: أنّ التلازم بين الكون خارج الدار في الزمان الثاني وعدم الكون في
', '', 472), (65, 473, 'book', 'الدار في ذاك الزمان لم ينشأ لا من علّيّة أحدهما للآخر ولا من كون علّة أحدهما علّة للآخر، وإنّما نشأ من أنّ الكون في خارج الدار والكون في داخله ضدّان لا ثالث لهما، فأحدهما يلازم عدم الآخر قهراً؛ لضيق عالم الوجود عن ضدّ ثالث(1).
وهذا الكلام إن كان مفهوماً فينبغي أن نفهمه بوصفه استثناءً من تلك القاعدة، فيقال: إنّه قد ينشأ التلازم من أمر ثالث غير الأمرين الماضيين، وهو ضيق عالم الوجود عن ضدّ ثالث أو عن ارتفاع هذين الضدّين.
وعندئذ يكون الجواب(2): أنّ هذا الاستثناء في تلك الكبرى غير معقول، فإنّه لو فرضنا أنّ علّة هذا الضدّ ليس تمام أجزائها علّة لعدم ذاك الضدّ، بل هناك جزء لعلّة هذا الضدّ لا يتوقّف عليه عدم ذاك الضدّ؛ لإمكان اكتفاء هذا العدم بعلّة اُخرى، وهذا الجزء هو الخروج مثلا، قلنا: لو فُرض أنّ هذا الجزء لم يوجد وأنّه وُجدت علّة عدم ذاك الضدّ الآخر فهل يوجد عندئذ الضدّ الأوّل أو لا؟ إن فُرض أنّه لا يوجد الضدّ الأوّل فهذا يعني ارتفاع ضدّين لا ثالث لهما. وإن فُرض وجوده
', '(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 344 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
(2) ذكر الجواب في كتاب السيّد الهاشميّ حفظه الله ـ أعني: مباحث الدليل اللفظيّ، ج 3، ص 93 ـ بصياغة اُخرى وهي: أنّه تقدّم في بحث الضدّ أنّ مقتضى أحد الضدّين بنفسه مانع عن الضدّ الآخر وعلّة لإعدامه.
أقول: هذا الجواب غير تامّ، فإنّ هذا إنّما يثبت أنّ مقتضي الكون في خارج الدار ـ وهو الخروج ـ علّة لعدم الكون في داخل الدار، ولا يثبت أنّ كلّ ما كان علّة لعدم أحد الضدّين فهو علّة للضدّ الآخر، فبهذا لا يتبرهن توقّف عدم الضدّ الثاني على علّة الضدّ الأوّل كي تثبت مقدّميّة الخروج لعدم الكون في الدار؛ إذ لعلّه تكفي لعدم الضدّ الآخر مُعدِم آخر أو قل: علّة اُخرى، فلا يتوقّف عدم الضدّ الآخر على علّة الضدّ الأوّل.
', 473), (65, 474, 'book', '
فهذا يعني ثبوت المعلول بدون تماميّة علّته.
اللّهمّ إلاّ أن يُفرض أنّ علّة هذا الضدّ مع علّة ذاك الضدّ أيضاً لا ثالث لهما، وحينئذ نسحب البرهان إلى هاتين العلّتين ونقول بأنّ عدم هذه العلّة مع وجود تلك العلّة متلازمان...إلى آخر البرهان.
والاعتراض الآخر: أن يقال: إنّ الكبرى مسلّمة، وهي أنّ كلّ متلازمين لابدّ وأن يكون أحدهما معلولا للآخر أو يكونا معلولين معاً لعلّة واحدة، ولكن هذا لا يعني لزوم أن يكون تمام أجزاء علّة أحدهما تمام أجزاء علّة الآخر.
فبالإمكان أن يفترض في المقام أنّ علّة عدم الكون في الدار هي عدم إرادة الكون في الدار، وهو ملازم لإرادة الكون في خارج الدار؛ لأنّهما معلولان لشيء واحد، وهو غلبة داعي الكون في خارج الدار على داعي الكون في الدار، وبالتالي يصبح نفس عدم الكون في الدار مع الكون في خارج الدار متلازمين؛ لأنّ الأوّل معلول لعدم إرادة الكون في الدار، والثاني معلول لإرادة الكون في خارج الدار، وعدم الإرادة ذاك مع الإرادة هذه معلولان لشيء واحد، وهو غلبة داعي الكون في خارج الدار على داعي الكون في الدار.
أمّا الخروج فنفترضه من المقدّمات الإعداديّة للكون في خارج الدار، ونفترض أنّ إرادة الكون في خارج الدار وإن كانت علّة للكون في خارج الدار لكن لا بمعنى أنّها وحدها تمام العلّة لتحقّق الكون في خارج الدار مباشرة، بل هي تحرّك نحو الخروج فتكون علّة للخروج، وبعد أن حصل الخروج يصبح الإنسان كائناً في خارج الدار ببركة إرادته للكون في خارج الدار وتحقّق مقدّمته الإعداديّة وهي الخروج.
وبهذا أصبح الخروج في سُلّم علل الكون في خارج الدار بمقدار أنّه مقدّمة إعداديّة له، ولكنّه لم يصبح في سُلّم علل عدم الكون في الدار؛ وذلك باعتبار أنّ
', '', 474), (65, 475, 'book', 'الخروج فرضناه معلولا للعلّة الملازمة لعلّة عدم الكون في الدار.
والخلاصة: أنّ التلازم بين عدم الكون في الدار والكون في خارج الدار نشأ من اتّحاد العلّة، لكن لا بمعنى اتّحادها في نفس مرتبة الخروج، بأن يكون الخروج جزء علّة لكلا الأمرين، بل بمعنى اتّحادها فيما هو سابق على مرتبة الخروج، فلم يصبح الخروج داخلا في العلّة المشتركة، والعلّة المشتركة هي غلبة داعي الكون في خارج الدار على داعي الكون في الدار(1).
أقول: توجد لدينا عدّة كلمات تعقيباً على هذا البيان:
الكلمة الاُولى: أنّ هذا نتيجته أنّ الخروج ليس بينه وبين عدم الكون في داخل الدار أيّ علاقة علّيّة وتلازم مباشر، وإنّما هو ملازم لعلّة عدم الكون في الداخل وهي عدم إرادة البقاء؛ لكونه معلولا لما يلازم تلك العلّة وهو إرادة الكون في خارج الدار، فعدم انفكاك الخروج عن عدم الكون في داخل الدار إنّما هو لأجل التلازم غير المباشر بينهما بواسطة تلازم الخروج مع علّة عدم الكون في الداخل، من دون أيّ دخل للخروج في سلسلة علل عدم الكون في الداخل. وعليه نسأل: أنّه لو تحقّقت علّة عدم الكون في الدار وبفرض المحال لم يتحقّق الخروج ـ لأنّنا افترضنا محالا عدم التلازم بين علّة الخروج وعلّة عدم الكون في الدار ـ فهل يثبت عدم الكون أو لا؟ من الواضح أنّ الجواب بالنفي، وهذا يعني أنّ هناك تلازماً مباشراً بين الخروج وعدم الكون في الدار لا يمكن أن يخفى هذا التلازم بهذا اللفّ والدوران.
الكلمة الثانية: أنّنا تكلّمنا في الكلمة الاُولى وفق الاُصول الموضوعيّة لكلام المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله)، فافترضنا أنّ انفكاك عدم إرادة البقاء في الدار عن الخروج
', '(1) راجع نهاية الدراية، ج 2، ص 344 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.
', 475), (65, 476, 'book', '
مستحيل، أمّا الآن فنقول: إنّ هذا الفرض ليس بمحال؛ لأنّ استحالته مبنيّة على ما تراه الفلاسفة من أنّ الفعل الاختياريّ علّته الوحيدة هي الإرادة، فالمحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) فرض أنّ هذا الإنسان إمّا يريد الكون في الداخل، أو يريد الكون في الخارج، ولا ثالث لهما، فإنّ الفعل الاختياريّ يكون مقتضيه هو الإرادة، فحيث لا إرادة فلا فعل اختياريّ، وحيث إنّ الكون في الدار والكون في خارج الدار فعلان اختياريّان، وهما ضدّان لا ثالث لهما، فلابدّ من إحدى الإرادتين بدون الاُخرى. وهذا يعني أنّ عدم إرادة الكون في الداخل مع إرادة الكون في الخارج متلازمان، وحيث إنّ إرادة الكون في الخارج ملازم للخروج فثبت التلازم غير المباشر بين عدم إرادة الكون في الداخل وبين الخروج.
لكنّنا بحسب مبنانا الذي بيّنّاه في بحث الطلب والإرادة نقول: إنّ الفعل قد يقع بسلطنة المكلّف واختياره من دون إرادة، كما إذا فُرض أنّ الكون في الدار كان مساوياً عنده مع الكون في خارج الدار، فليس له شوق مؤكّد تجاه أيّ واحد منهما في قبال الآخر، وحينئذ سوف يفعل أحدهما حتماً بسلطنته واختياره، فهنا لا إرادة الكون في الداخل تثبت ولا إرادة الكون في الخارج. فعندئذ نقول: إنّه في مثل هذه الحالة هل هناك ارتباط بين عدم الكون في الدار وبين الخروج أو لا؟ من الواضح أنّ الارتباط موجود، وهذا الارتباط ليس على أساس التلازم غير المباشر؛ إذ ليس هناك شيء اسمه إرادة الكون في خارج المكان تكون من ناحية ملازمة لعدم إرادة الكون في الداخل، ومن ناحية اُخرى علّة للخروج، كي تثبت بذلك الملازمة غير المباشرة بين عدم الكون في الداخل والخروج، فهذا الارتباط لابدّ وأن يكون ارتباطاً مباشراً، وبهذا ثبت المطلوب.
الكلمة الثالثة: هي أنّه في المقام اُغفل المقتضي الطبيعيّ للكون في داخل المكان، فحتّى لو فُرض أنّ هذا الإنسان كان حجراً كان هناك مقتض لبقائه في هذا
', '', 476), (65, 477, 'book', 'المكان غير الإرادة، وهو مثلا: ميله إلى المركز بناءً على ما كان يقوله الفلاسفة سابقاً، أو جاذبيّة الأرض له بناءً على الجاذبيّة، أو القصور الذاتيّ بناءً على نظريّة اُخرى، ومن هنا لو أنّ الإنسان لم تكن عنده إرادة الخروج ولا البقاء لكان يبقى لا محالة؛ إذ يصير حاله حال الحجر.
إذن فهذا المقتضي الطبيعيّ للبقاء يحتاج إلى شيء يزاحمه ويمانعه وهو حركة هذا الجسم وخروجه، إذن فالخروج بحسب الحقيقة مزاحم لتأثير المقتضي الطبيعيّ للبقاء، ويكون ـ لا محالة ـ وجوده علّة لعدم ترتّب المقتضى على هذا المقتضي، فالخروج سبب للابتعاد الذي هو مانع عن تأثير الجاذبيّة ـ مثلا ـ التي هي سبب طبيعيّ للبقاء.
فالإنصاف: أنّ مقدّميّة الخروج لعدم الكون في الدار ممّا لا يمكن الإشكال فيه.
الناحية الثانية: في الكبرى، وهي ما تعرّض له صاحب الكفاية(رحمه الله)، فهو بفطرته كأنّه سلّم الصغرى ولم يبحث فيها، وإنّما صبّ البحث في الكبرى وناقش فيما يبدو للذهن في البداية من أنّه بناءً على وجوب مقدّمة الواجب يثبت وجوب الخروج في المقام بعد أن سلّمنا مقدّميّته لترك الغصب المحرّم.
وحاصل توضيح ما أفاده(1) في مناقشة ذلك: أنّ المقدّمة التي قد تقع على وجه حرام تكون على ثلاثة أقسام:
1 ـ أن لا تكون مقدّمة منحصرة، فالمقدّميّة تكون للجامع بين فردين أحدهما حرام، وهنا يقول القائلون بالملازمة بين وجوب ذي المقدّمة ووجوب المقدّمة: إنّ الوجوب هنا ينبسط على الحصّة المحلّلة فحسب.
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 264 ـ 265.
', 477), (65, 478, 'book', '
2 ـ أن تنحصر المقدّمة في الحرام لا بسوء الاختيار، فهنا يقع التزاحم بين حرمة المقدّمة ووجوب ذيها سواءً آمنّا بوجوب مقدّمة الواجب أو لا، وعندئذ فإن اقتضت قواعد التزاحم تقديم جانب ذي المقدّمة سقطت حرمة المقدّمة لا محالة، ويسري إليها الوجوب بناءً على وجوب مقدّمة الواجب. أمّا لو كانت حرمة المقدّمة أهمّ فلا يثبت الوجوب لذي المقدّمة فضلا عن المقدّمة.
3 ـ أن تنحصر المقدّمة في الحرام بسوء الاختيار، فإذا كان ذو المقدّمة أهمّ فهل تجب المقدّمة هنا إلحاقاً لها بالقسم الثاني، أو تلحق بالقسم الأوّل؟ الصحيح أنّها تلحق بالقسم الأوّل، فإنّنا وإن قلنا: إنّ المقدّمة تتّصف بالوجوب الغيريّ إذا كان ذو المقدّمة أهمّ إلاّ أنّه إنّما قلنا بذلك باعتبار سقوط حرمة المقدّمة بالتزاحم وخروجها عن كونها معصية، وهنا المقدّمة معصية؛ لأنّ النهي عنها وإن سقط لكنّه إنّما سقط بالمعصية. فقبل سوء الاختيار لا تزاحم بين حرمة المقدّمة ووجوب ذيها؛ لأنّها ليست مقدّمة منحصرة فلا ينسحب الوجوب على الحصّة المحرّمة، وبعد سوء الاختيار سقطت الحرمة ولكن بالعصيان، فالمقدّمة تكون معصية ولا تجب.
وكأنّ روح كلامه(رحمه الله) ـ وإن لم يف تعبيره بذلك ـ هو: أنّ العقل إنّما يدرك الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته بالوجدان، والوجدان إنّما يدرك ذلك فيما إذا كان المحلّ قابلا لانسحاب الوجوب عليه، أمّا إذا كانت المقدّمة حراماً ولم تسقط الحرمة ـ لعدم الانحصار ـ فالمحلّ غير قابل لتقبّل الوجوب. والوجدان من أوّل الأمر قاصر عن إثبات الوجوب لهذه المقدّمة، فليس هذا تخصيصاً في الحكم العقليّ، فإنّ وجوب المقدّمة لم يكن لثبوت برهان وقياس منطقيّ عليه، بل كان بالوجدان والتجربة النفسيّة الخاصّة بغير هذا القسم، وحينئذ يقول صاحب الكفاية: إنّ حرمة المقدّمة لو سقطت بالعصيان وبسوء الاختيار فلا
', '', 478), (65, 479, 'book', 'زال المحلّ غير قابل لتقبّل الوجوب، والتجربة النفسيّة لا تقتضي انسحاب الحبّ عليها(1).
وأمّا الجهة الثالثة: ففي أنّه بعد فرض تماميّة المقتضي لكلّ من الحرمة والوجوب كيف الجمع في التأثير؟
وهنا تارة يتكلّم في الجمع بين مقتضي حرمة المقدّمة ومقتضي وجوبها في التأثير. واُخرى يتكلّم في التوفيق بين حرمة المقدّمة ووجوب ذيها:
أمّا الجمع بين مقتضيي حرمة المقدّمة ووجوبها: فيخطر بالبال أنّ مقتضي الحرمة إنّما اقتضى حرمة الخروج حرمة ثابتة قبل الدخول، وأمّا بعد الدخول فقد سقطت الحرمة وثبت الوجوب، فالمقتضيان مختلفان في زمان التأثير.
وقد يقال في قبال ذلك: إنّ الخطاب والنهي وإن كان قد سقط بالدخول لكن روح الحرمة ـ وهي المبغوضيّة ـ لم تسقط؛ لأنّ الخطاب لم يسقط لأجل النسخ وعدول المولى عن رأيه وإنّما سقط بالاضطرار، فالتنافي باق على حاله.
وهذا المقدار من البيان يمكن الإجابة عليه بأنّه قبل الدخول لم يكن الخروج مقدّمة منحصرة للتجنّب عن الغصب، فلم يكن التجنّب عن الغصب الزائد متوقّفاً عليه، ولذا لم يكن مشتملا على المصلحة، فكان مبغوضاً. وأمّا بعد الدخول فقد أصبح الخروج ـ ولو بسوء الاختيار ـ مقدّمة منحصرة، فأصبح ذا مصلحة غالبة،
', '(1) بل التجربة النفسيّة تقتضي انسحاب الحبّ على اختيار أقلّ المحذورين لأجل التخلّص من المحذور الأشدّ حينما يدور الأمر بينهما وإن كان العبد مستحقّاً للعقاب إن كان هو قد سبّب بسوء الاختيار دوران الأمر بينهما، فهو مستحقّ للعقاب بما حصلت له من المعصية بمجرّد تسبّبه لذلك، وإن كان النهي فعلا ساقطاً والمتعلّق محبوباً من باب كونه موجباً للتخلّص من المحذور الأشدّ.
', 479), (65, 480, 'book', '
ومع غلبة المصلحة تندكّ المفسدة وبالتالي ترتفع المبغوضيّة.
إلاّ أنّه مع هذا قد يبيَّن الإشكال بصياغة اُخرى، وهي: أنّ الحرمة والوجوب حتّى إذا افترضا في زمانين يستحيل اجتماعهما على فعل واحد؛ فإنّ هذا وإن لم يكن من باب اجتماع الضدّين ـ لأنّنا افترضنا زوال الحرمة حتّى بروحها في زمان الوجوب ـ إلاّ أنّه يلزم من ذلك جهل المولى، فإنّ المولى من أوّل الأمر يلحظ الفعل حين صدوره، والفعل الواحد حين صدوره إمّا أنّه مشتمل على المفسدة الغالبة، أو مشتمل على المصلحة الغالبة، فعلى الأوّل لا يكون إلاّ الحرمة، وعلى الثاني لا يكون إلاّ الوجوب.
والجواب: أنّ المصلحة والمفسدة المتزاحمتين في المقام غير متطابقتين في المركز، فهناك بابان لعدم الخروج: أحدهما عدم الخروج بعدم الدخول، والآخر العدم الذي يكون بعد الدخول، والتزاحم يكون بلحاظ الباب الثاني بعد أن سدّ الباب الأوّل، والمصلحة حينئذ تكون أقوى. فالمولى يحتاج إلى حكمين: أحدهما يضمن فتح الجامع بين البابين، والآخر يضمن سدّ الباب الثاني من العدم، ولا استحالة في اجتماعهما فيحرّم الخروج قبل أن يدخل، وهذا يضمن فتح الجامع بين البابين ويوجبه بعد أن يدخل، وهذا يضمن سدّ الباب الثاني(1).
$
', '(1) هذا البيان واضح الصحّة بناءً على أنّ النهي طلب لعدم المنهيّ عنه، وقد يتخيّل عدم صحّته بناءً على كونه زجراً عن الفعل.
ولكنّ التحقيق: أنّه يتمّ حتّى على مبنى كونه زجراً عن الفعل؛ وذلك لإمكان افتراض أنّ الهدف من الزجر عن الفعل ـ وهو الخروج ـ كان بهدف فتح باب العدم عليه بعدم الدخول، فيسقط النهي بالدخول من باب أنّ النهي استوفى غرضه ولم يبق ملاك لبقائه وكأنّه تمّت معصيته.
والهدف من الأمر بالخروج على تقدير الدخول سدّ باب العدم عليه على تقدير سدّ الباب الأوّل. وإن شئت فقل: إنّ النهي عن الخروج ليس بشكل قضيّة خارجيّة وناظراً إلى فرضيّة جزئيّة واقعيّة حتّى يقال: إنّ المولى العالم بالغيب كان يعلم بأنّ عبده سيدخل الدار ولو عصياناً، فلماذا نهاه عن الخروج ثُمّ أمره به؟ بل النهي عنه كان بنحو القضيّة الحقيقيّة، ولم يكن نهياً مطلقاً بل كان نهياً عنه مقيّداً بما قبل الدخول، لا بمعنى تقييد المنهيّ عنه بما قبل الدخول بل بمعنى تقييد النهي بما قبل الدخول. والسبب في هذا القيد أنّه قبل الدخول لا مصلحة في الخروج غالبة على مفسدته؛ لأنّه كان يمكن ترك الخروج بلا تورّط في غصب زائد وذلك بترك الدخول. هذا حال النهي عن الخروج.
وأمّا الأمر بالخروج فأيضاً كان ثابتاً بنحو القضيّة الحقيقيّة من أوّل الأمر مشروطاً بالدخول، أي: إنّ الدخول كان شرطاً للوجوب لا للواجب، ولا تنافي بين ذاك النهي وهذا الأمر.
ولا ينبغي قياس المقام بأمر نُسخ قبل وقت الحاجة حيث يقال: إنّ هكذا أمرٌ لغو؛ لأنّه لا يقبل التحريك لا قبل وقت الحاجة كما هو واضح، ولا بعده؛ لأنّه قد فُرض نسخه، فإنّ الفرق واضح؛ لأنّ النهي عن الخروج قبل الدخول كان قابلا لتحريك العبد بترك الخروج بعد الدخول، فالنهي قد استنفد غرضه وتمّ عصيانه بنفس الدخول.
ولاُستاذنا الشهيد(رحمه الله) بيانٌ في دورة سابقة من بحثه الشريف فكّك فيه بين فرض القول بأنّ النهي عبارة عن طلب الترك، والقول بأنّه عبارة عن الزجر عن الفعل، وقد كنّا كتبناه سابقاً كتقرير لبحث تلك الدورة وإليك نصّ ذاك التقرير مع فوارق جزئيّة تعبيريّة:
تحقيق الكلام في هذا المقام هو: أنّنا تارةً نبني على أنّ النهي مرجعه إلى طلب الترك، كما بنى عليه المحقّق النائينيّ والشيخ الخراسانيّ(قدس سرهما)، وعندئذ فلا موضوع لتخيّل توارد الحكمين على متعلّق واحد، فإنّ متعلّقهما بحسب الدقّة اثنان. واُخرى نبني على كون النهي زجراً عن الفعل كما هو الصحيح وعندئذ نقول: رغم أنّ الحكمين متوجّهان إلى متعلّق واحد لا تنافي بينهما:
أمّا على الأوّل: فتوضيح الحال متوقّف على التنبيه على نكات أربع لاستيناس الذهن:
الاُولى: أنّه وقع الخلاف في أنّ مرجع النهي هل يكون إلى طلب الترك أو إلى الزجر عن الفعل؟ فاختار الأوّل المحقّق الخراساني والنائينيّ(قدس سرهما)، واختار الثاني المحقّق الإصفهانيّ(قدس سره).
الثانية: أنّ الوجوب المقدّميّ للخروج على القول به يتصوّر بوجهين: أحدهما: أنّ الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب فهو واجب. الثاني: أنّ ترك الخروج علّة تامّة للبقاء الحرام فهو حرام.
الثالثة: أنّ وجوب الخروج على جميع الصور ـ وهي وجوبه النفسيّ ووجوبه المقدّميّ بالوجهين ـ مشروط بالدخول، ويكون الدخول مقدّمة وجوبيّة له لا مقدّمة وجوديّة: أمّا بناءً على وجوبه النفسيّ من باب صدق عنوان التخلية عليه فمعلوم أنّ أمر الشارع بالتخلية يكون بعد فرض الإشغال، وليس الإشغال مقدّمة وجوديّة بأن يقول الشارع: (ادخل في المكان المغصوب لكي تتمكّن من إتيان الواجب وهو الخروج).
وأمّا بناءً على وجوب الخروج لكونه مقدّمة لترك البقاء فمن الواضح أنّه قبل الدخول ليس الخروج مقدّمة منحصرة؛ لإمكان ترك البقاء بعدم الدخول، وقد ثبت في بحث المقدّمة أنّ مقدّمة الواجب إذا لم تكن منحصرة وكان بعض أفرادها حراماً لايتّصف ذلك الفرد بالوجوب، والمفروض فيما نحن فيه تماميّة المقتضي لحرمة الخروج، فالوجوب يتعلّق بالفرد الآخر من المقدّمة وهو عدم الدخول. فوجوب ذات الخروج مشروط بتحقّق الدخول؛ لتوقّفه على انحصار المقدّمة فيه المتوقّف على الدخول.
وأمّا بناءً على أنّ ترك الخروج حرام لكونه علّة تامّة للبقاء فمعلوم أنّه قبل الدخول ليس ترك الخروج علّة تامّة للبقاء، فثبت أنّه على جميع التقادير يكون وجوب الخروج مشروطاً بالدخول، وكيف لا يكون كذلك مع وضوح أنّه لو كان الدخول مقدّمة وجوديّة لزم أن يكون الواجب على الناس دائماً أن يدخلوا في ملك الغير ليخرجوا منه، وهذا ـ كما ترى ـ ضروريّ البطلان.
الرابعة: أنّه قد أثبتنا في بحث الواجب المشروط أنّ وجوبه لا يحفظ شرطه بأن يكون محرّكاً نحو تحصيل الشرط أو مانعاً عن إفناء الشرط، مثلا وجوب الحجّ المشروط بالاستطاعة لا يحفظ شرطه وهو الاستطاعة، ولا يدلّ على وجوب تحصيلها أو حرمة تفويتها، وبعبارة اُخرى: إنّ الوجوب يحرّك العبد نحو سدّ جميع أبواب العدم المتوجّه إلى المتعلّق إلاّ باب العدم المتوجّه إليه من ناحية شرط الوجوب.
إذا عرفت هذه فنقول: إنّ النهي ـ على ما هو المفروض ـ مرجعه إلى طلب الترك وفتح باب العدم، فلو فُرض غلبة مبادئ الوجوب ـ من المصلحة والمحبوبيّة ـ على مبادئ الحرمة لا محالة ينتفي النهي لو كان الوجوب مقتضياً لسدّ جميع أبواب العدم التي يطلب النهي فتح واحد منها.
وأمّا فيما نحن فيه فالأمر بالخروج إنّما يقتضي سدّ أبواب العدم غير باب العدم الناشئ من ناحية ترك الدخول؛ لما عرفت من أنّ الدخول شرط لوجوبه، والوجوب المشروط لا يحفظ شرطه، فمبادئ النهي تكون مغلوبة بهذا المقدار. وأمّا طلب فتح باب العدم الناشئ من ناحية ترك الدخول فلا مانع منه، وأيّ محذور في أن يقول المولى: (أعدِم الخروج بترك الدخول) ويقول: (يجب الخروج مشروطاً بالدخول)؟ هذا مضافاً إلى أنّه في الحقيقة يكون ترك الخروج بعد الدخول حراماً، فهنا خطابان: أحدهما: الأمر بفتح باب خاصّ من بابي العدم. والثاني: النهي عن فتح الباب الآخر من بابيه.
هذا كلّه إذا بنينا على مبنى المحقّق الخراسانيّ والمحقّق النائينيّ(قدس سرهما)من أنّ حقيقة النهي هي طلب الترك.
وأمّا على الثاني: أي: إذا بنينا على مبنى المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله) من أنّ حقيقته هي الزجر عن الفعل ـ وهو الحقّ ـ فمتعلّق الأمر والنهي حينئذ شيء واحد، لكنّ التحقيق عدم المنافاة بينهما؛ لتعدّد الزمان، وقد ذكر وجهان لبيان المنافاة بينهما كلاهما باطل:
الأوّل: ما أشار إليه في متن التقريرات وصرّح به السيّد الاُستاذ في تعليقته عليها، وهو: أنّه لا يعقل تعلّق الأمر والنهي بمتعلّق واحد ولو في زمانين من المولى العالم بجميع المصالح والمفاسد. نعم، لو كان تعدّد الزمان في الحقيقة موجباً لتعدّد المتعلّق ـ كما إذا وجب الصوم في النهار وحرم في الليل ـ كان ذلك معقولا، وأمّا إذا كان زمان المتعلّق ـ واجباً كان أو حراماً ـ واحداً كما فيما نحن فيه، فلا يكون تعدّد الزمان موجباً لتعدّد المتعلّق ولا يعقل أن يكون هذا المتعلّق حراماً في وقت وواجباً في وقت آخر؛ لأنّ هذا المتعلّق في زمانه إمّا فيه المفسدة والمبغوضيّة فيجعل الحرمة دون الوجوب، أو فيه مبادئ الوجوب ـ وهي المصلحة والمحبوبيّة ـ فيجعل الوجوب دون الحرمة، أو فيه مبادئ الوجوب والحرمة بالتساوي فلا يجعل الوجوب ولا الحرمة، أو أنّ إحداهما أقوى فيجعل الحكم على طبق الأقوى، فعلى كلّ حال لا يعقل تعلّق الأمر والنهي معاً به ولو في زمانين إلاّ في مولى غير علاّم الغيوب وغير العالم بجميع المصالح والمفاسد.
الثاني: ما صرّح به في متن التقريرات، وهو: أنّ الحكم المولويّ من الوجوب والحرمة لابدّ أن يكون بداعي البعث والزجر، فلا يعقل جعل الحرمة مع رفعه قبل مجيء زمان المتعلّق، فإنّ هذا النحو من الحرمة ليست زاجرة قطعاً وتكون نظير الأمر بصلاة المغرب قبل المغرب ـ مثلا ـ ورفعه حين الغروب.
وكلا هذين الوجهين غير تامّ في المقام:
أمّا الوجه الأوّل ـ وهو الترديد بين وجوب المصلحة أو المفسدة أو كليهما مع التساوي أو مع أقوائيّة إحداهما، وأنّه على جميع التقادير لا معنى لإصدار الأمر والنهي من قِبَل العالم بكلّ الاُمور ـ فالجواب: أنّنا نختار الشقّ الرابع ونفترض أنّ المصلحة هي الغالبة، ولذا يكون التصرّف الخروجيّ بعد الدخول واجباً ولكن قبل الدخول ليس الموجود سوى مبادئ الحرمة دون مبادئ الوجوب، فإنّ ثبوت المصلحة فيه يكون موقوفاً على مقدّميّته لترك التصرّف في مال الغير، ومقدّميّته موقوفة على الدخول، فقبل الدخول لا مصلحة.
وأمّا الوجه الثاني ـ وهو أنّ النهي لابدّ أن يكون زاجراً، والنهي الساقط قبل زمان المتعلّق ليس زاجراً ـ ففيه:
أوّلا: أنّه لو تمّ هذا لم يكن دليلا على عدم إمكان اجتماع النهي قبل الدخول بالخروج مع الأمر به بعده، بل هو دليل على عدم إمكان أصل هذا النهي.
وثانياً: أنّه غير تامّ؛ فإنّ المحتملات فيه ثلاثة وإن شئت جعلتها وجوهاً ثلاثة، وجميعها باطل:
الوجه الأوّل: أنّه يشترط في متعلّق التكليف القدرة وهي مفقودة هنا؛ لأنّ هذا النهي ليس حكماً شخصيّاً بل هو حكم على نحو القضايا الحقيقيّة، وموضوعه الكلّيّ: إمّا هو الإنسان أعمّ من كونه داخلا في الأرض المغصوبة أو لا، أو خصوص غير الداخل، أمّا الأوّل فيلزم منه ثبوت النهي بعد الدخول المفروض خلافه، وأمّا الثاني فيلزم منه ما ذكرنا من عدم تعلّق قدرة بمتعلّق التكليف؛ لأنّ المتعلّق ـ وهو الخروج ـ غير مقدور في زمن الحكم وهو ما قبل الدخول.
وفيه: أوّلا: النقض بالمقدّمات السببيّة المحتاجة إلى فاصل من الزمان، كما لو كان الرمي مقدّمة سببيّة لقتل المؤمن، فإنّ النهي قد تعلّق قبل الرمي بنفس قتل المؤمن ـ والمحقّق النائينيّ(رحمه الله) معترف بذلك ـ مع أنّه يسقط بمجرّد الرمي قبل تحقّق القتل؛ لأنّه حينئذ يحصل القتل قهراً.
وعين هذا الإشكال ثابت هنا، فإنّه لو كان موضوع النهي عن القتل الأعمّ ممّن صدر منه الرمي وغيره لزم بقاء النهي بعد الرمي، وإن كان موضوعه خصوص من لم يرم فمن المعلوم أنّه لا يمكن تحقّق القتل في زمن الحكم وهو ما قبل الرمي.
وثانياً: الحلّ بأنّه لا دليل على اشتراط القدرة الفعليّة على المتعلّق في زمن الحكم نهياً كان أو أمراً، ويكفي القدرة على قدح الصارف في النفس من ناحية النهي والداعي فيها من ناحية الأمر؛ وذلك لأنّ النكتة في اشتراط القدرة ليست إلاّ أنّه لولاها لم يصحّ الحكم لوجهين:
أحدهما: أنّ قوام الحكم بكونه بداعي قدح الداعي أو قدح الصارف في نفس العبد، ولا يُعقل ذلك مع عدم القدرة.
الثاني: أنّ الحكم مع عدم صلاحيّته لقدح الداعي أو الصارف يكون لغواً. وهذان المحذوران ينتفيان بمجرّد القدرة على قدح الداعي أو الصارف من ناحية الحكم، فهما إنّما يدلاّن على اشتراط القدرة على ذلك لا القدرة على المتعلّق بالفعل، ومن المعلوم فيما نحن فيه أنّ النهي قبل الدخول عن الخروج صالح لقدح الصارف في نفس العبد عن الخروج بواسطة قدرته على الدخول وتركه، والعبد قادر على تحصيل هذا الانقداح، ونحوه الكلام في مسألة الرمي.
الوجه الثاني: أنّه يشترط في صحّة الحكم بقاؤه وامتداده إلى زمان المتعلّق، أما ترى أنّه لا يعقل أن يأمر المولى بصلاة المغرب ثُمّ يرفع اليد عنه قبل المغرب، وهذا غير مسألة اشتراط القدرة التي هي الوجه الأوّل، بل لو فرضنا أنّ الأمر لم يكن على طبيعيّ من هو في زمان قبل المغرب حتّى يتأ تّى الوجه الأوّل، بل كان هنا أمر شخصيّ متوجّه إلى هذا الشخص الخاصّ بأن يصلّي عند المغرب، ثُمّ نسخ المولى هذا الوجوب قبل المغرب، فلا إشكال في أنّ هذا الأمر من المولى ـ مع فرض علمه بالعواقب واستحالة البداء في حقّه ـ غير صحيح. والحاصل أنّه يشترط في صحّة الحكم بقاؤه إلى زمان المتعلّق، والمفروض فيما نحن فيه سقوطه بالدخول، فهذا النهي غير معقول.
وفيه: أوّلا: النقض بما عرفت من مثال الرمي.
وثانياً: الحلّ بأنّ ما ذكرت مسلّم صغرى لكنّه ممنوع كبرى؛ لأنّه لا وجه لاشتراط بقاء الحكم إلى زمان المتعلّق في صحّته. وأمّا عدم صحّة الأمر بصلاة المغرب مع رفع اليد عنه قبل المغرب فليس نكتته هذا، وإلاّ فهي ثابتة في مثال الرمي أيضاً، بل نكتته شيء آخر، وهو أنّه يشترط في صحّة الحكم أمران: أحدهما صيرورته موضوعاً لحكم العقل، والثاني باعثيّته وزاجريّته، وهذان الأمران يثبتان عدم صحّة الحكم مع رفع اليد عنه قبل زمان المتعلّق إذا كان رفع اليد عنه من جانب المولى محضاً، وأمّا إذا كان رفع اليد عنه في طول تمرّد العبد وخروجه عن مقتضى العبوديّة فلا ضير فيه، وما نحن فيه من هذا القبيل بخلاف مثال الأمر بصلاة المغرب.
توضيح ذلك: أنّ العقل كما يحكم بقبح مخالفة المولى بترك ما أمر به أو إتيان ما نهى عنه، ويترتّب عليه اللوم والعقاب، ويحكم بحسن موافقته بإتيان ما أمر به وترك ما نهى عنه، ويترتّب عليه المدح والثواب، كذلك يحكم بقبح إلجاء المولى إلى رفع اليد عن حكمه كُرهاً، ويترتّب عليه اللوم والعقاب، ويحكم بحسن ترك معصيته ولو على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، بأن لا يدخل ـ مثلا ـ في الأرض المغصوبة حتّى يبتلى بالخروج، ويترتّب عليه المدح والثواب.
إذن فالنهي قبل الدخول عن الخروج وقبل الرمي عن القتل موضوع لحكمين من أحكام العقل وزاجر للعبد ومبعّد له عن جانب المتعلّق ولو بترك الدخول والرمي، وهذا بخلاف مثال الأمر بصلاة المغرب مع رفع اليد عنه قبل المغرب، وفي هذا المثال يكون رفع اليد عن الحكم من جانب المولى محضاً، وفيما نحن فيه يكون في طول تمرّد العبد وخروجه عن مقتضى العبوديّة، وكم فرق بينهما.
الوجه الثالث: هو أنّ الحكم الذي يرفع اليد عنه قبل زمان المتعلّق لغوٌ صِرف؛ لعدم ترتّب العقاب على مخالفة مثل هذا الحكم، فإنّه لا يتصوّر مخالفة هذا الحكم إلاّ بعد رفع المولى اليد عنه، ففي الحقيقة إنّما خالف حكم المولى بترخيص من المولى في مخالفته، ومثل هذه المخالفة لا يعقل ترتّب العقاب عليها.
وفيه: أوّلا: النقض بما عرفت من مثال الرمي.
وثانياً: الحلّ بأنّ لغويّة الحكم الذي لا يوجب ترتّب استحقاق العقاب لدى المخالفة مسلّمة كبرىً لكنّها ممنوعة صغرىً؛ لما عرفت من أنّ العقاب كما يترتّب فيما إذا خالف حكم المولى مع فرض بقائه إلى زمان المتعلّق، كذلك يترتّب فيما إذا كان هو الذي ألجأ المولى إلى رفع اليد عن حكمه كُرهاً، فمثلا لو كان ابن صغير للمولى عطشاناً والمولى أمر العبد برفع عطشه بسقيه الماء، لكنّ العبد فعل ما أوجب صيرورة ابنه الكبير ـ الذي هو أعزّ لدى المولى من الصغير ـ عطشاناً، وفرضنا عدم إمكان الجمع بين رفع عطش كليهما، فصار المولى ملجأً إلى رفع اليد عن الأمر برفع عطش الصغير ليأمر برفع عطش الكبير، فصار ترك رفع عطش الصغير من هذه الناحية، فلا إشكال في استحقاق هذا العبد للّوم والعقاب.
', 480), (65, 481, 'book', '
$
', '', 481), (65, 482, 'book', '$
', '', 482), (65, 483, 'book', '$
', '', 483), (65, 484, 'book', '$
', '', 484), (65, 485, 'book', '$
', '', 485), (65, 486, 'book', '$
', '', 486), (65, 487, 'book', '$
', '', 487), (65, 488, 'book', '$
', '', 488), (65, 489, 'book', 'إلاّ أنّه على ضوء ما بيّنّاه في الجهة الثانية تبيّن أنّه لا مقتضي للوجوب(1)، وعليه فنحن لا نلتزم بالحكمين؛ لعدم المقتضي لأحدهما لا لأجل عدم معقوليّة اجتماعهما. أمّا لو آمنّا بكلا المقتضيين فالنتيجة هي حرمة الخروج قبل الدخول ووجوبه بعده بالمقدّميّة، ولا بأس بذلك. هذا ولو أنكرنا مقدّميّة الخروج لترك الغصب الزائد يأتي ما عرفته من البحث فيما إذا أصبح الخروج صدفةً مقدّمة لواجب آخر مثل إنقاذ الغريق.
وأمّا إشكال التوفيق بين حرمة المقدّمة ووجوب ذيها: فتوضيح الاستشكال في الجمع بينهما يمكن أن يتصوّر بعدّة أنحاء:
النحو الأوّل: أن يقال بأنّ حرمة الخروج تنافي أوّلا وبالذات وجوب الخروج، وحيث إنّ وجوب الخروج وجوب غيريّ معلول لوجوب ذي المقدّمة، والتفكيك بين العلّة والمعلول مستحيل، إذن فالمنافي للمعلول مناف للعلّة.
وهذا علاجه يكون بأحد وجوه:
منها: ما مضى منّا من إنكار وجوب المقدّمة في المقام.
ومنها: أنّه لو فُرض الإيمان بالوجوب الغيريّ في المقام صغرى وكبرى، وفُرض عدم إمكان رفع المشكلة الاُولى، أي: التنافي بين حرمة الخروج بالنهي
', '(1) وتبيّن منّا وجود المقتضي.
', 489), (65, 490, 'book', '
الأوّل ووجوبه بالأمر المقدّميّ، فالحرمة تسقط لا محالة؛ لأقوائيّة الوجوب منها، ومع سقوطها لا يبقى مناف لوجوب ذي المقدّمة(1).
النحو الثاني: أن يقال بأنّ وجوب ذي المقدّمة غير معقول؛ إذ يشترط في الوجوب أن يكون متعلّقه مقدوراً عقلا وشرعاً، والمقصود من المقدور شرعاً هو: أن لا يكون ممنوعاً عنه ولا عن مقدّمته المنحصرة، فإذا فُرض في المقام أنّ الخروج يقع معصية للنهي الثابت ولو قبل الدخول ـ وهي مقدّمة منحصرة ـ فالقدرة الشرعيّة على ذي المقدّمة مفقودة. وهذا النحو من البيان إن تمّ يتمّ حتّى على تقدير إنكار مقدّميّة الخروج؛ فإنّ الخروج على أيّ حال ملازم لذي المقدّمة، ولا يعقل الأمر بشيء مع تحريم ما يلازمه.
والجواب: أنّ اشتراط القدرة الشرعيّة بمعنى عدم كون الفعل معصية وعدم توقّفه على المعصية لم يرد عليه دليل لفظيّ بعنوانه، وإنّما هو بحكم العقل بقبح إلجاء المولى عبده على ما لا يقدر عليه مع فرض حالة الانقياد، إذن فالشرط هو القدرة تكويناً على تقدير الانقياد. وفي المقام لو كانت المقدّمة قد انحصرت بسوء الاختيار في الحرام تكون القدرة على تقدير الانقياد على ذي المقدّمة منتفية
', '(1) والكلام الكلّيّ في المقام هو: أنّ المشكلة الثانية وهي التنافي بين حرمة الخروج ووجوب ذي المقدّمة نتجت في هذا النحو من البيان من المشكلة الاُولى، وهي التنافي بين حرمة الخروج ووجوبه، فلا نحتاج إلى بحث جديد غير ما بحثناه في حلّ المشكلة الاُولى، فإن حلّت المشكلة الاُولى ـ بإنكار وجوب المقدّمة في المقام أو إنكار المقدّميّة أو إثبات إمكان الجمع بين حرمة الخروج ووجوبه؛ لأنّهما في زمانين أو أيّ شكل آخر ـ لم تصل النوبة إلى هذا النحو من البيان للمشكلة الثانية. وإن لم تحلّ المشكلة الاُولى بعد فرض وجود مقتضيي حرمة الخروج ووجوبه معاً فلا محالة قد انتهينا إلى سقوط الحرمة، فأيضاً لا تصل النوبة إلى المشكلة الثانية.
', 490), (65, 491, 'book', '
تكويناً، أمّا في المقام فلا يكون خروجه مخالفاً للانقياد، بل الخروج بعد الدخول يكون من لوازم الانقياد باختيار ما هو أقلّ محذوراً.
وهذا الجواب الذي ذكرناه مطابق لروح الجواب الأوّل الذي ذكره صاحب الكفاية في المقام(1). وله جواب ثان وحاصله: أنّه لو سُلّم أنّ ذا المقدّمة أصبح غير مقدور فغايته أن نلتزم بسقوط خطابه، لكن حيث إنّ عدم القدرة طرأ بسوء الاختيار فالعقاب على ترك ذي المقدّمة غير ساقط، كما أنّه كان يعاقَب على فعل المقدّمة التي سقطت عنها الحرمة بسوء الاختيار، إذن فالنتيجة ثابتة على كلّ حال(2). وهذا الجواب أيضاً صحيح.
النحو الثالث: أن يقال بأنّ المولى بعد دخول المكلّف إلى الأرض المغصوبة وإن كان يرفع يده عن خطاب (لا تخرج) لكن رفع هذا الخطاب ليس رفعاً عدوليّاً بل هو من قبيل الرفع العصيانيّ، والرفع العصيانيّ ليس معناه انتفاء الغرض، بل معناه أنّ الغرض موجود لكنّه لا يمكن بقاء الخطاب، وحينئذ يكون الأمر الفعليّ بذي المقدّمة نقضاً لهذا الغرض الفعليّ وإن قلتم بأنّ الغرض ارتفع فلا يقع الخروج معصية.
والجواب عن هذا واضح، وذلك بأن يقال: بأنّنا نختار مثلا(3) أنّ الغرض
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 268 ـ 269 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعاليق المشكينيّ.
(2) المصدرالسابق، ص 269.
(3) لعلّ كلمة «مثلا» إشارة إلى أنّه بالإمكان ذكر جواب آخر، وهو: أنّنا نختار ارتفاع الغرض بمعنى المبغوضيّة، وارتفاعها إنّما كان بسبب مغلوبيّة المفسدة، ومغلوبيّة المفسدة كانت بسبب حصر المقدّمة بسوء الاختيار، وهذا النحو من ارتفاع الغرض لا يسقط الفعل عن كونه معصية للنهي السابق؛ لأنّ رفع المولى يده عن النهي ليس عدوليّاً بل لانحراج المولى بفعل العبد بسوء اختياره.
', 491), (65, 492, 'book', '
لا يزال على غرضيّته، ولكن مع هذا لا يكون الأمر بذي المقدّمة ناقضاً لهذا الغرض وإنّما هو معيّن لاُسلوب النقض، فيعيّن أن يكون مكثه في الأرض المغصوبة خروجيّاً لا سكونيّاً، بعد أن كان الجامع بينهما ثابتاً على كلّ حال وناقضاً لغرض المولى، وتعيين الجامع في المكث الخروجيّ لا يكون نقضاً لغرض زائد.
حكم الصلاة حال الخروج:
وأمّا المرحلة الثانية: ففي حكم الصلاة حال الخروج، وفي هذه المسألة شقّان:
الشقّ الأوّل: أن يُفرض أنّ هذا الإنسان لا يتمكّن من الصلاة بوجه ولو الاضطراريّة والإيمائيّة بعد الخروج؛ لضيق الوقت. وحينئذ إن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي: فإمّا أن يفرض أنّ الصلاة الاختياريّة المشتملة على الركوع والسجود توجب زيادة مكث، فينتقل إلى الصلاة الإيمائيّة؛ لأنّ الاختياريّة تستلزم الغصب الزائد فيرفع اليد عنها بروح التزاحم. نعم، لو عصى وصلّى صلاة اختياريّة صحّت. وإمّا أن يُفرض أنّها لا توجب زيادة مكث، كما لو خرج في داخل العربة، فتتعيّن الصلاة الاختياريّة.
وإن قلنا بعدم جواز الاجتماع فبناءً على أنّ اجتماع الصلاة والغصب إنّما هو في السجود لا في مطلق الأكوان، تعيّنت الصلاة الإيمائيّة، ولا يجوز السجود حتّى ولو لم يوجب مكثاً زائداً؛ لأنّ مركز الاتّحاد حرام بالحرمة الساقطة بالاضطرار، وهذا الحرام يقع مبغوضاً(1) للمولى، ومعه لا يمكن أن يكون واجباً؛ لأنّ
', '(1) مضى سقوط البغض بالدخول وتحوّله إلى المحبوب على أثر أنّ مفسدة البقاء أقوى من مفسدة الخروج.
', 492), (65, 493, 'book', '
المفروض امتناع اجتماع الأمر والنهي(1)، هذا. ولو عصى وصلّى صلاة اختياريّة لم تصحّ.
وأمّا بناءً على اتّحاد الصلاة والغصب في جميع الأكوان فمقتضى القاعدة الأوّليّة هو سقوط وجوب الصلاة رأساً؛ لأنّه قبل أن يدخل الأرض المغصوبة كان أمامه دليلان: أحدهما دليل (لا تغصب) المنحلّ إلى (لا تدخل) و(لا تقف) و(لا تخرج)، والثاني دليل (صلّ)، وقد وقع التعارض بينهما بلحاظ مادّة الاجتماع، والمفروض تقديم جانب النهي، فينتج أنّه يجب الصلاة في المكان المباح(2)، فهو مخاطَب بخطابين: أحدهما النهي عن الخروج، والثاني الأمر بالصلاة في المكان المباح، وبدخوله بسوء اختياره في الأرض المغصوبة عجّز نفسه عن امتثال كلا الخطابين، فسقطا سقوطاً عصيانيّاً ويعاقب بعقابين. هذا بحسب مقتضى القاعدة.
لكنّه قام دليل خاصّ في الفقه ـ كالإجماع وشبهه من الأدلّة اللبّيّة ـ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال، فهذا دليل على صحّة الصلاة بل وجوبها.
وهنا التزم الأصحاب كالسيّد الاُستاذ وغيره بأنّه حينئذ لا يُعقل الالتزام بمبغوضيّتها.
وهذا الكلام منه ومن غيره لا يمكن المساعدة عليه؛ فإنّ الالتزام بانتفاء
', '(1) مع فرض تقدّم مبغوضيّة الغصب على محبوبيّة الصلاة.
(2) هذا التقييد محدود بما قبل الدخول، أي: إنّه قبل الدخول مكلّف بأن يوجد الصلاة في المكان المباح وأن ينزجر عن الخروج حتّى بلحاظ ما بعد الدخول، وذلك بأن لا يدخل. أمّا بعد أن دخل وسقط النهي وأصبحت المفسدة مغلوبة لمصحلة ذي المقدّمة فلا مانع من وجوب الصلاة.
', 493), (65, 494, 'book', '
المبغوضيّة عن هذه الحصّة الخاصّة من الكون الصلاتيّ الغصبيّ إن كان باعتبار أنّ المبغوض لا يُعقل التقرّب به ـ كما هو صريح كلام السيّد الاُستاذ ـ فجوابه: أنّ المبغوض لو كان بديله غير مبغوض لم يمكن التقرّب به. أمّا لو كان البديل الممكن أشدّ مبغوضيّة فيمكن التقرّب به؛ فإنّ التقرّب بشيء معناه ترجيحه على بدله لأجل خاطر المولى، وهذا ما يحصل في هذا الفرض.
وإن كان الالتزام بانتفاء المبغوضيّة لأجل عدم الوقوع في محذور اجتماع المبغوضيّة والوجوب فالجواب: أنّنا نلتزم بعدم ثبوت المحبوبيّة وراء الأمر لا ثبوتاً ولا إثباتاً: أمّا ثبوتاً فلأنّ الأمر كما قد ينشأ من المحبوبيّة كذلك قد ينشأ بداعي تخفيف المبغوضيّة(1)، فلعلّ مقامنا من هذا القبيل.
وأمّا إثباتاً فلأنّ الأمر لو كان ثابتاً بالأدلّة اللفظيّة لجاء فيه الاستظهار العامّ بأن يقال: إنّ الأمر ظاهره عرفاً هو النشوء من المحبوبيّة، إلاّ أنّ الأمر في المقام إنّما ثبت بدليل لبّيّ، وغاية ما يدلّ عليه هو ثبوت الوجوب لا المحبوبيّة.
فإن قلت: ليكن الدليل على ثبوت الوجوب دليلا لفظيّاً، وهو ما ورد من أنّه «لا تدع الصلاة على حال فإنّه عماد دينكم»(2).
قلنا: إنّ هذا الدليل لا ينفع لإثبات الأمر في المقام، وإنّما ينفع في موارد الاضطرار غير الاختياريّ؛ فإنّ غاية ما يدلّ عليه هي: أنّ كلّ مكلّف قد شُرّعت
', '(1) لا يخفى أنّ ما يخفّف المبغوضيّة ـ بعد عدم إمكان الفرار من أصل المفسدة ـ محبوب، ومن هنا قلنا بسراية وجوب ذي المقدّمة بعد فرض أقوائيّته على المقدّمة المنحصرة في الحرام ولو بسوء الاختيار.
(2) وسائل الشيعة، ج 2، ب 1 من الاستحاضة، ص 373 بحسب طبعة مؤسّسةآل البيت، ح 5.
', 494), (65, 495, 'book', '
عليه الصلاة بنحو إمّا يكون ممتثلا أو عاصياً، فلو سقط الأمر الاختياريّ لا بالعصيان بل بعجز غير عصيانيّ ـ كما لو لم يتمكّن من القيام مثلا ـ دلّ هذا الدليل على ثبوت أمر جديد اضطراريّ. أمّا لو كان سقوط الأمر سقوطاً عصيانيّاً فلا يدلّ الدليل على تولّد أمر جديد بالصلاة، فمثلا لو أخّر الصلاة عمداً إلى زمان لم يبق إلاّ مقدار ركعة فلا يستفاد من هذا الدليل أنّه تجب عليه الصلاة بركعة، ولهذا قلنا: إنّ الدليل منحصر بالإجماع وشبهه.
ثُمّ إنّه هل تكون صلاته في المقام إيمائيّة أو اختياريّة؟ الجواب: أنّه إن كانت الصلاة الاختياريّة موجبة للمكث الزائد تعيّنت عليه الصلاة الاضطراريّة بلا إشكال؛ إذ لا موجب لرفع اليد عن دليل حرمة المكث الزائد. أمّا إذا لم تكن موجبة للمكث الزائد فالظاهر أنّ وظيفته هي الصلاة الاختياريّة، وإن كان أصل دليلنا على وجوب الصلاة في المقام لبّيّاً، وذلك تمسّكاً بإطلاق دليل جزئيّة الركوع والسجود، فإنّه يدلّ على أنّه جزء لكلّ صلاة تكون وظيفة للمكلّف، وقد دلّ الدليل اللبّيّ هنا على أنّ وظيفته الصلاة، إذن فالركوع جزء لها والسجود أيضاً جزء لها.
هذا كلّه بناءً على أنّ الخروج يقع محرّماً ومعصية للنهي السابق الذي سقط ولا يكون واجباً، أمّا لو بنينا على الوجوب النفسيّ أو الغيريّ فننبّه هنا على نكتتين:
الاُولى: أنّه في كلّ مورد لم نكن نقول ـ بناءً على حرمة الخروج وعدم وجوبه ـ بوظيفيّة الصلاة الاختياريّة لا نقول بذلك هنا أيضاً، أمّا فيما إذا اقتضت الصلاة الاختياريّة تصرّفاً زائداً فالأمر واضح، وأمّا فيما لم تقتض ذلك فلوضوح أنّ اختياريّة الصلاة لا تكون دخيلة في الخروج حتّى ترتفع عنها الحرمة، فالحرمة إنّما ترتفع عن الحركة نحو الخروج ولا ترتفع عن تصرّفات اُخرى غير دخيلة في
', '', 495), (65, 496, 'book', 'الخروج، إذن فلا ترتفع الحرمة عن مثل وضع الجبهة أو مثل إلقاء الثقل؛ فإنّ إلقاء الثقل لا يكون دخيلا في الخروج وإنّما هو ملازم فقط(1).
الثانية: أنّ الصلاة الإيمائيّة التي ثبت وجوبها في المورد السابق بدليل ثانويّ يثبت هنا بالخطاب الأوّليّ؛ فإنّ المانع عن بقائه كان هو حرمة الخروج وقد فُرض عدم حرمته.
الشقّ الثاني: أن يكون متمكّناً من الصلاة في خارج الأرض، فلو كان متمكّناً منها بدرجة أكمل فوظيفته الانتظار إلى أن يخرج، وإلاّ أمكنه أن يستعجل بالصلاة، بل يجب الاستعجال إذا كانت الصلاة في الداخل أكمل إلاّ في مورد أثبتنا وجوب الصلاة بالإجماع، فمن الواضح عدم ثبوت الإجماع على صحّة الصلاة في الداخل حتّى ولو فُرض أنّ الصلاة في الداخل أكمل.
هذا تمام الكلام في بحث اجتماع الأمر والنهي
$
', '(1) مادمنا فرضنا عدم كون الصلاة الاختياريّة مشتملة على تصرّف زائد على الخروج وفرضنا جواز الخروج لا يبقى دليل على حرمة اختيار كيفيّة خاصّة من التصرّف، كوضع الجبهة أو وضع الثقل على الأرض على شكل السجود، فإنّ اختيار أيّ شكل من التصرّف يسمّى غير خروجيّ يقلّل بقدره ممّا يسمّى بالتصرّف الخروجيّ، وإلاّ لرجعنا إلى كون الصلاة الاختياريّة مشتملة على تصرّف زائد. وإن شئت فعّبر بأنّ الصلاة الاختياريّة إن لم تشتمل على تصرّف زائد على الخروج فكلّ تصرّفه تصرّف خروجيّ، إلاّ أنّ التصرّف الخروجيّ له أشكال عديدة مختلفة بعضها بدل عن بعض.
', 496), (65, 497, 'book', '
النواهي
الفصل الثالث
$
', '', 497), (65, 498, 'book', '$
', '', 498), (65, 499, 'book', 'المشهور هو اقتضاء النهي في العبادة للفساد، وقد ذكر الوجه لذلك في كلمات الأكابر بشكل مشوّش.
فلابدّ أن نبيّن أوّلا الوجوه التي يمكن أن يقال باقتضائه من أجلها لفساد العبادة، والفرق بينها من حيث النتائج، فإنّها تختلف فيما بينها في النتائج من ناحية:
أنّ بعضها ينتج المفسديّة بوجوده الواقعيّ، وبعضها ينتج المفسديّة بوجوده الواصل.
وأنّ بعضها يقتضي أنّنا لو شككنا في النهي وصحّحنا العبادة بالبراءة عن الحرمة كانت الصحّة واقعيّة، وبعضها يقتضي كون تلك الصحّة ظاهريّة.
وأيضاً بعضها يؤدّي إلى أنّ دليل النهي يكون دليلا اجتهاديّاً على البطلان، وبعضها لا يؤدّي إلى ذلك، فلكي نصل إلى نتيجة البطلان نحتاج إلى ضمّ قاعدة الاشتغال، فلو كانت قاعدة الاشتغال تقتضي ـ حتّى بقطع النظر عن النهي ـ البناء على نتيجة الفساد كان ضمّ دليل النهي إليها بلا فائدة.
والفارق الثاني في الحقيقة يكون من توابع الفارق الأوّل، فإنّه لو كان النهي يقتضي بوجوده الواقعيّ البطلان فنفي النهي بالبراءة يثبت الصحّة الظاهريّة. ولو كان النهي يقتضي بوجوده الواصل البطلان فنفيه بالبراءة ينتج الصحّة الواقعيّة.
$
', '', 499), (65, 500, 'book', 'الوجوه والملاكات في اقتضاء النهي لفساد العبادة:
أمّا ما هي الوجوه أو الملاكات التي يمكن أن يقال بها لاقتضاء النهي فساد العبادة؟ فهي خمسة:
الأوّل: أنّ العبادة يشترط فيها التقرّب، والنهي يجعل الفعل مبعّداً عن المولى فيستحيل أن يكون مقرّباً.
وهذا الوجه يقتضي:
أوّلا: مفسديّة النهي بوجوده الواصل بل بنفس التنجّز ولو لم يكن في الواقع نهي؛ لأنّ التجرّي يكون على حدّ المعصية الواقعيّة في التبعيد عن المولى.
وثانياً: أنّه لدى الشكّ في الحرمة تُصحِّح البراءة عنها الصلاة تصحيحاً واقعيّاً لا ظاهريّاً.
وثالثاً: أنّ دليل النهي يثبت بطلان الصلاة بالدليل الاجتهاديّ بلا حاجة إلى ضمّ قاعدة الاشتغال.
الثاني: أنّ النهي يقتضي عدم الأمر بالفرد المنهيّ عنه بناءً على امتناع اجتماع الأمر والنهي، فتبطل العبادة حتّى بنيّة الملاك بناءً على أنّ المصحِّح للعبادة إنّما هو الأمر ولا ينفعها مجرّد الملاك.
وهذا الوجه يقتضي:
أوّلا: مفسديّة النهي بوجوده الواقعيّ.
وثانياً: أنّه لدى الشكّ في الحرمة وعدم تنجّزها تصحّ الصلاة ظاهراً لو كان لدليل الأمر إطلاق، لا واقعاً؛ لأنّه بإطلاق الأمر يثبت انتفاء الحرمة تعبّداً لا واقعاً.
وثالثاً: أنّ دليل النهي دليل اجتهاديّ على البطلان بلا حاجة إلى ضمّ قاعدة الاشتغال.
$
', '', 500), (65, 501, 'book', 'الثالث: عين الثاني، أي: أنّ النهي يقتضي عدم الأمر بالفرد المنهيّ عنه، بفرق: أنّنا وإن كنّا نؤمن بمصحّحيّة الملاك للعبادة ولكنّنا نقول: إنّ الكاشف عن الملاك هو الأمر، فمع انتفائه لا كاشف عن الملاك.
وهذا الوجه في الثمرة الاُولى والثانية كسابقه، ويقتضي ثالثاً: أنّه لو ثبتت الحرمة احتجنا في إثبات نتيجة البطلان إلى قاعدة الاشتغال؛ لأنّه لم يثبت بالدليل البطلان؛ وذلك لاحتمال ثبوت الملاك، فيبقى أن نلتجئ إلى قاعدة الاشتغال بلحاظ الشكّ في حصول الملاك والذي هو المُسقط للأمر.
الرابع: أنّ النهي كاشف عن المفسدة، والمفسدة مضادّة للمصلحة، فيدلّ على عدم الملاك فتبطل العبادة.
والخامس: كالرابع إلاّ أنّه لا يقال: إنّ المفسدة تضادّ المصلحة، بل يقال: إنّ المفروض غلبتها على المصلحة لو كانت، ولذا أوجدت النهي، والمصلحة المغلوبة كالعدم؛ لأنّها لا تؤثّر في خلق المحبوبيّة، فلا يصحّ التقرّب بالملاك؛ لأنّ المصلحة المغلوبة كالعدم لا كالمصلحة الغالبة.
وهذان الوجهان يكونان في جميع الثمرات الثلاث كالوجه الثالث.
$
', '', 501), (65, 502, 'book', 'تقسيم النهي بما يمكن افتراض تأثيره في بحث مفسديّته للعبادة:
ثُمّ إنّ النهي لو أردنا تقسيمه بما يمكن افتراض تأثير ذلك في بحث مفسديّته للعبادة بما عرفته من ثمرات الملاكات المختلفة أمكن تقسيمه إلى خمسة أقسام:
الأوّل: النهي الغيريّ خطاباً وملاكاً كحرمة الصلاة المضادّة للإزالة، بناءً على أنّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الآخر، فالنهي عنها متفرّع على وجوب الإزالة ومترشّح منه فهو خطاب غيريّ، كما أنّ ملاك ذلك أيضاً غيريّ؛ إذ تترتّبعلى هذا الترك ثمرة خارجيّة تكون ملاكاً لهذا النهي وليس نفس المتعلّق هو الملاك.
الثاني: النهي النفسيّ خطاباً وملاكاً؛ فإنّ بعض الأحكام يكون كذلك، كوجوب معرفة الباري، بناءً على كونه من الواجبات الشرعيّة، فخطابه خطاب نفسيّ، أي: أنّه واجب لنفسه وليس وجوبه كوجوب المقدّمة المتفرّع على وجوب غيره، أو المترشّح من وجوب غيره، وملاكه أيضاً نفسيّ، أي: أنّ معرفة الباري بنفسها مصلحة بدون النظر إلى ترتّب ثمرة عليها. ومثال ذلك في جانب النهي: حرمة الشرك، بناءً على كونه حراماً شرعيّاً.
الثالث: النهي النفسيّ خطاباً والغيريّ ملاكاً، كغالب التكاليف الشرعيّة على ما يبدو، كحرمة الخمر؛ فإنّها حرمة نفسيّة وليست مترشّحة من حكم آخر، وملاكها عبارة عن المفسدة المترتّبة على الشرب لا نفس الشرب، وكوجوب الصلاة فهو نفسيّ وملاكه غيريّ، أعني: ترتّب ثمرة عليها.
الرابع: النهي الذي يكون الملاك في نفسه لا في متعلّقه، بناءً على أنّ المصلحة قد تكون في نفس الجعل.
الخامس: النهي الذي تكون المصلحة في ترك متعلّقه مصلحة مترتّبة على
', '', 502), (65, 503, 'book', 'العنوان الثانويّ المنتزع في طول نفس النهي، من قبيل عنوان الطاعة والامتثال، فربّما يُلزم المولى العبد بشيء من الفعل أو الترك لكي يطيعه العبد ويمتثله، أي: أنّ المطلوب نفس الإطاعة والامتثال وليس ملاكاً في المتعلّق.
وإنّما قيّدنا النهي بنشوئه من المصلحة في الترك ولم نعبّر بمطلق الملاك ـ سواءً أكان مصلحة في الترك أو مفسدة في الفعل ـ لعدم إمكان نشوء النهي عن المفسدة في الفعل بعنوانه الثانويّ، أعني: المخالفة؛ فإنّ البُعد عن هذه المفسدة حاصل مع عدم النهي ولا داعي إلى النهي، بل النهي هنا تقريبٌ للعبد إلى المفسدة لا تبعيدٌ له عنها.
$
', '', 503), (65, 504, 'book', 'مناقشة ملاكات القول بالاقتضاء:
والآن قد اقترب الحديث عن الملاكات الخمسة لاقتضاء النهي للفساد لكي نعرف ما هو الصحيح منها، وما هو غير الصحيح؟ ونعرف أنّ الصحيح منها هل هو صحيح في جميع أقسام النهي أو بعضها؟
ونحن نتكلّم في كلّ واحد من تلك الملاكات بقطع النظر عن حكومة ملاك آخر عليه.
وتوضيح المقصود: أنّ الملاكات الخمسة المشار إليها يكون بعضها ـ لو تمّ ـ حاكماً على البعض الآخر لو تمّ أيضاً، فمثلا كان الملاكان الأوّلان والملاكان الأخيران كلّها حاكمة على الملاك الثالث؛ لأنّ مقتضى الملاك الثالث هو التشبّث بأصالة الاشتغال، ومقتضى باقي الملاكات ثبوت البطلان بالدليل الاجتهاديّ، ومعه لا تصل النوبة لإثبات قاعدة الاشتغال بالملاك الثالث، بناءً على حكومة الدليل الاجتهاديّ المثبت للتكليف على قاعدة الاشتغال.
و الملاك الرابع حاكم على جميع الملاكات، بمعنى أنّه مثبت لعدم المصلحة رأساً، فلا تصل النوبة إلى البحث عن أنّه هل يمكن التقرّب بها، أو لا يمكن التقرّب بها: إمّا لمانع، وهو مبعّديّة الإتيان بالمنهيّ عنه كما يقال بذلك في الملاك الأوّل، أو مغلوبيّة المصلحة في قبال المفسدة كما يقال بذلك في الملاك الخامس، وإمّا لعدم صحّة التقرّب بالمصلحة رأساً كما يقال بذلك في الملاك الثاني.
والملاك الثاني حاكم على الملاك الأوّل والخامس؛ فإنّ المفروض فيه عدم إمكان التقرّب بالمصلحة رأساً، فلا تصل النوبة إلى البحث عن وجود المانع عن التقرّب بها، وهو المبعّديّة على الملاك الأوّل، ومبغوضيّة المصلحة على الملاك الخامس.
$
', '', 504), (65, 505, 'book', 'والملاك الأوّل في عرض الملاك الخامس.
والحاصل: أنّنا نحن نقطع النظر عن مسألة الحكومة لنتكلّم في كلّ واحد من تلك الملاكات في حدّ ذاته، فنقول ومن الله التوفيق:
أمّا الملاك الأوّل: فتارة يقع الكلام في صحّته في نفسه، واُخرى في أنّه بعد فرض صحّته يجري في أيّ قسم من أقسام النواهي، فهنا مقامان:
المقام الأوّل: في صحّة الملاك الأوّل وعدمها.
التحقيق: هو الصحّة، وأنّه يثبت بذلك بطلان العبادة إذا كان النهي واصلا، فإنّ المبعّديّة والمقرّبيّة متضادّتان ولا يمكن أن يكون شيء واحد مقرّباً ومبعّداً.
ولا يخفى: أنّ المراد بالقُرب والبُعد هو القُرب والبُعد اللذان ينتزعهما العقل في مقام العبوديّة عن جري العبد على وفق مقتضى العبوديّة أو على خلافه، لا القُرب والبُعد الحاصلان بالنظر إلى الأغراض النفسيّة اللذان هما نتيجة الإتيان بما يحبّه الشخص أو بما يبغضه.
ومن هنا ظهر ما في كلام السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ حيث قال: الصحيح في المقام هو: عدم صحّة العبادة المنهيّ عنها؛ لاستحالة التقرّب بالمبغوض وما يصدر قبيحاً في الخارج، فالعبادة المنهيّ عنها بما أنّها بنفسها قبيحة ومبغوضة للمولى غير قابلة لأن يتقرّب بها من المولى بالضرورة، فتقع فاسدة لا محالة(1). انتهى.
والإشكال فيه هو: أنّ المبغوضيّة إنّما تنتج المبعّديّة بمعنى البُعد الحاصل بالنظر إلى الأغراض النفسيّة، والمقصود فيما نحن فيه إنّما هو البُعد المنتزع عقلا عن
', '(1) أجود التقريرات، ج 1، ص 396، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله).
', 505), (65, 506, 'book', '
الجري على خلاف مقتضى العبوديّة، وليس ذلك نتيجةً للمبغوضيّة، بل القبح والمبغوضيّة كلّ منهما ملاك على حدة لبطلان العبادة غير مربوط أحدهما بالآخر، فالجمع بينهما في هذا الكلام خلط بين ملاكين مختلفين من حيث الموضوع والأثر والخصوصيّة.
وعلى أ يّة حال فلا ينبغي الإشكال في صحّة الملاك الأوّل في نفسه، ولكن المحقّق الإصفهانيّ (رضوان الله عليه) أورد على ذلك في حاشيته على الكفاية: بأنّه إن كان المراد بكون المبعّديّة والمقرّبيّة ضدّين هو الضدّيّة بلحاظ ذات القريب أو البعيد، بمعنى أنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون قريباً وبعيداً إلى شيء خاصّ ولو بأمرين، بأن يكون المقرّب له غير المُبعّد، نظير ما نرى في القُرب والبُعد المكانيّين من استحالة ذلك، كان اللازم القول ببطلان العبادة بمجرّد كون العابد مشغولا حين عبادته بعمل آخر يكون معصية للمولى، وهذا واضح البطلان.
وإن كان المراد بذلك ضدّيّتها بلحاظ وحدة المقرّب والمبعّد، أي: إنّه لا يمكن أن يكون شيء واحد مقرّباً ومبعّداً، فالمضادّة مسلّمة لكنّا نمنع فيما نحن فيه وحدة المقرّب والمبعّد، فإنّ الأمر تعلّق بالطبيعة والنهي تعلّق بالفرد بخصوصيّته، فالمقرّب هو الطبيعة والمبعّد هو الفرد بخصوصيّته. هذا ما أفاده المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله)(1).
ولا يخفى أنّ ذلك متابعةٌ لما يقال في وجه عدم استحالة اجتماع الأمر والنهي: من أنّ الأمر تعلّق بالطبيعة والنهي بالفرد، ولا يسري أحدهما إلى موضوع الآخر، في حين أنّه لو تمّ هذا الكلام هناك لا يتمّ هنا؛ وذلك لإمكان أن يقال هناك بجواز الاجتماع من ناحية أنّ الأمر تعلّق بصورة الطبيعة القائمة في نفس المولى، والنهي
', '(1) لم أرَ ذلك في تعليقته على الكفاية.
', 506), (65, 507, 'book', '
تعلّق بصورة الفرد القائمة في نفسه، وكذلك مبادؤه، فمركز الأمر ومبادئه غير مركز النهي ومبادئه.
وهذا بخلاف مسألة القُرب والبُعد، فإنّه لا يُعقل أن يكون المقرّب لهذا العبد الطبيعيّ القائم في نفس المولى أو الطبيعيّ بنفسه؛ فإنّ نسبتهما إلى جميع المكلّفين على حدّ سواء، ولا وجه لأن يكون مقرّباً لبعضهم دون بعض، بل المقرّب لهذا العبد هو الذي يكون مستنداً إليه، وهو الفرد الذي صدر منه الذي هو المبعّد أيضاً، فلزم أن يكون شيء واحد مبعّداً ومقرّباً، وهو محال.
المقام الثاني: في أنّ الملاك الأوّل يجري في أيّ قسم من أقسام النهي؟
التحقيق: أنّه جار في جميع الأقسام: إمّا عنواناً وإمّا مورداً:
أمّا القسم الأوّل ـ وهو النهي الغيريّ خطاباً وملاكاً ـ: فهذا الملاك غير جار فيه بعنوان النهي؛ لما هو التحقيق ـ وفاقاً للمشهور ـ من أنّ مخالفة الخطاب الغيريّ بما هي مخالفة لذلك الخطاب لا توجب البُعد عن المولى واستحقاق العقاب. نعم، نحن اخترنا في محلّه أنّ مخالفته توجب البُعد، لا بما أنّها مخالفة له، بل بما أنّها عمل ناش من نيّة المعصية؛ حيث إنّ التحقيق أنّ العمل الناشئ من نيّة المعصية يوجب البُعد واستحقاق العقاب، وإن لم يكن ذلك نفس المعصية بل كان من مقدّماته مثلا، ولو لم يكن هناك خطاب غيريّ، بأن أنكرنا الخطاب الغيريّ رأساً، أو كانت مقدّمة إعداديّة للحرام التي لا إشكال في عدم تعلّق النهي بها غيريّاً، لكنّه فُرِض أنّه أتى بها بقصد التوصّل إلى الحرام، فإنّه حينئذ مستحقّ للعقاب وإن فُرض أنّه مات قبل الوصول إلى الحرام بدون أن يتوب.
ومن هنا ظهر تأتّي الملاك الأوّل في مورد القسم الأوّل من أقسام النهي وثبوت بطلان العبادة بذلك، وإن كان الصحيح عدم تأتّيه فيه بالنظر إلى عنوان النهي.
وأمّا القسم الثاني ـ وهو النهي النفسي خطاباً وملاكاً ـ: فمن الواضح تأتّي
', '', 507), (65, 508, 'book', 'الملاك الأوّل فيه عنواناً، فإنّ مخالفته توجب البُعد عن ساحة المولى بما أنّها مخالفة لنهيه.
وأمّا القسم الثالث ـ وهو النهي النفسيّ خطاباً الغيريّ ملاكاً ـ: فإن قلنا: إنّ مخالفته توجب البُعد بعنوان كونها مخالفة للنهي، فالملاك الأوّل جار هنا بنفس عنوان النهي، أي: إنّه تثبت به مبطليّة هذا النهي للعبادة.
وإن قلنا: إنّ مخالفته توجب البُعد لا بعنوان كونها مخالفة للنهي بل بعنوان تفويت غرض المولى الذي هو عبارة عن التوصّل إلى ذاك الملاك، فالملاك الأوّل جار هنا مورداً لا عنواناً، وبالنتيجة يثبت بطلان العبادة لا محالة.
والخلاصة: أنّه من الواضح أنّ النهي الذي يكون نفسيّاً خطاباً وغيريّاً ملاكاً لا يكون أسوء حالا من النهي الغيريّ خطاباً وملاكاً الذي عرفت جريان الملاك الأوّل فيه مورداً، فالملاك الأوّل جار في ذلك أيضاً ولو مورداً.
وأمّا القسم الرابع ـ وهو النهي الناشئ عن الملاك في نفس النهي ـ: فهو أيضاً بناءً على تصويره تكون مخالفته مبعّدة للعبد بما هي مخالفته، والإشكال في مبعّديّة مخالفته راجع إلى أصل إمكان كون النهي ناشئاً عن الملاك في نفسه. ولو سلّمنا هذا القسم من النهي فلا ينفكّ ذلك عن كون مخالفته مبعّدة، فالملاك الأوّل ثابت هنا عنواناً.
وأمّا القسم الخامس فحاله حال القسم الثالث، فإنّ الخطاب فيه نفسيّ والملاك غيريّ، فإنّا نعلم بأنّ العنوان الثانويّ ـ وهو الإطاعة ـ ليست بنفسها مصلحة، وإنّما تترتّب عليها مصلحة(1). فلا فرق بين هذا القسم والقسم الثالث إلاّ في أنّ الملاك
', '(1) لا يخفى أنّ الطاعة بنفسها مصلحة. نعم، لو كان العنوان الانتزاعيّ المطلوب عبارة عن عنوان الامتحان ـ فإنّه كعنوان الطاعة في انتزاعه في طول النهي ـ فهذا العنوان ليس مطلوباً بنفسه، بل ببعض النتائج المترتّبة عليه.
ومع ذلك يمكن أن يسمّى ملاك الطاعة غيريّاً؛ لأنّه لم يكن عبارة عن نفس متعلّق النهي بل كان غيره.
', 508), (65, 509, 'book', '
في القسم الأوّل يكون بلحاظ العنوان الأوّليّ، وفي القسم الثاني يكون بلحاظ العنوان الثانويّ، وهذا لا يشكّل فارقاً، كما لا يخفى.
وأمّا الملاك الثاني: فيتكلّم فيه أيضاً في مقامين:
المقام الأوّل: في صحّته في نفسه وعدمها، وقد عرفت أنّه مركّب من أمرين:
أحدهما: دعوى أنّ النهي والأمر متضادّان ولا يجتمعان. والمختار في ذلك: أنّه إذا تعلّق الأمر بعنوان، والنهي بما هو أخصّ منه، كما لو قال: (أكرم العالم)، وقال: (لا تكرم العالم الفاسق)، لم يمكن اجتماع الأمر والنهي(1). وأمّا إذا تعلّق الأمر والنهي بعنوانين بينهما عموم من وجه، فإن كان هناك جزء مشترك في عالم العناوين امتنع أيضاً اجتماعهما، وإلاّ فلا امتناع في ذلك. وقد تقدّم توضيح ذلك والبرهان عليه في محلّه مفصّلا.
ثانيهما: دعوى عدم إمكان تصحيح العبادة بالملاك، وذلك لأحد أمرين:
الأوّل: أن يقال: إنّه لا يكفي في العبادة مطلق التقرّب ولو بواسطة الملاك، بل يُشترط فيها أمرٌ زائد على ذلك، وهو أن يُؤتى بها بداعي الأمر.
وهذه مسألة فقهيّة مختارنا فيها عدم اشتراط هذا الأمر الزائد؛ لعدم الدليل عليه، فإنّ الدليل على عباديّة العبادة: إمّا هو الإجماع والارتكاز، ولا يساعد ذلك
', '(1) مضى منّا خلاف ذلك فراجع.
', 509), (65, 510, 'book', '
على اشتراط أزيد من قصد القربة. أو النصّ الخاصّ كما ورد بالنسبة إلى بعض العبادات، وهو أيضاً لا يدلّ على اشتراط أزيد من ذلك، فإنّ المذكور فيه هو عنوان «النيّة الحسنة» مثلا ونحو ذلك.
الثاني: أن يقال: إنّه وإن كان مطلق التقرّب كافياً لكن حصول التقرّب من ناحية الملاك غير معقول؛ فإنّ هذا الملاك ليس نفعاً راجعاً إلى المولى كما في الموالي العرفيّة حتّى يعقل التقرّب إليه به، وإنّما هو راجع إلى نفس العبد، ونسبته إلى المولى كنسبته إلى سائر العبيد غير هذا العبد، ولا يُعقل التقرّب إلى المولى بنفع راجع إلى نفس المتقرّب. والخلاصة: أنّ الملاك ليست له جهة إضافة إلى المولى ـ كالأمر ـ حتّى يتقرّب به إليه.
وفيه: أنّه يكفي في التقرّب إلى المولى العمل بداعي الملاك لا بما أنّه ملاك ومصلحة راجعة إلى نفسه، بل بما أنّه متعلّق لغرض المولى ولو اقتضاءً، فإنّ الآتي بهذا العمل بهذا الداعي لو اطّلع المولى على فعله تشكّر منه ومدحه، ولا نعني من القرب سوى ذلك، وقولنا: «ولو اقتضاءً» إنّما ذكرناه لإدخال ما لو لم يتعلّق غرض المولى بتحصيل العبد لهذا الملاك لمانع من جهل أو نسيان أو مزاحمة لملاك آخر.
و قد تحصّل ممّا ذكرنا: عدم تماميّة الملاك الثاني لمفسديّة النهي للعبادة، وأنّه يكفي في تصحيح العبادة التقرّب بالملاك ولا يشترط كونها بداعي الأمر.
المقام الثاني: أنّه لو تمّ هذا الملاك فإنّما يتمّ في النهي الذي يكون مضادّاً للأمر، والمختار أنّ النهي ليس بما هو مضادّاً للأمر، وإنّما مضادّته له من ناحية المبادئ، وعلى هذا فإنّما يتمّ هذا الملاك في غير القسمين الأخيرين من الأقسام الماضية للنهي.
وأمّا القسم الرابع: فليس مضادّاً للأمر؛ لأنّ ملاكه يكون في نفس الخطاب لا في المتعلّق حتّى يضادّ الأمر المفروض كون ملاكه في متعلّقه. ولو فُرض كون
', '', 510), (65, 511, 'book', 'ملاك الأمر أيضاً في نفس الخطاب فأيضاً لم يجتمع الملاكان في شيء واحد، لكن هذا خلاف الفرض، فإنّ المفروض كون ملاك الأمر في متعلّقه، ولذا فُرض المانع عن الصحّة عدم صحّة التقرّب بالملاك.
وأمّا القسم الخامس: فأيضاً ليس مضادّاً للأمر؛ فإنّ مصلحة الأمر إنّما هي في الفعل ومصلحة النهي إنّما هي في الترك بعنوان الامتثال بعنوانه الثانويّ، فملاك النهي إنّما هو في حصّة من نقيض ما هو مركز لملاك الأمر، فلا يقع تضادّ بين الأمر والنهي.
نعم، هنا صورة خارجة عن الفرض، وهي: أنّه كما فُرض ثبوت المصلحة في موافقة النهي كذلك نفرض ثبوت المفسدة في مخالفته، وحينئذ فإن فرضنا أنّ مركز المفسدة هو الإتيان بالمتعلّق بما أنّه مخالفة، بأن يكون نفس الفعل جزء الموضوع، امتنع اجتماعه مع الأمر المفروض ثبوت ملاكه في متعلّقه وهو الفعل، وإن فرضنا أنّ مركز المفسدة هو عنوان المخالفة، بأن يكون نفس الفعل خارجاً عن الموضوع فلا استحالة في اجتماعهما.
ونظير هذا التفصيل يأتي أيضاً في فرض آخر، وهو أن يُفرض ثبوت المفسدة في مخالفة الأمر بترك المتعلّق، والمفروض ثبوت المصلحة في موافقة النهي بترك المتعلّق أيضاً، وحينئذ فإن فُرض أنّ مركز المفسدة هو عنوان المخالفة ومركز المصلحة هو عنوان الموافقة، بدون أن يكون ذات الترك جزءاً لأحد الموضوعين أو يكون جزءاً لأحدهما دون الآخر فلا مضادّة. وإن فُرض جزئيّته لكليهما وقع التضادّ.
وأمّا الملاك الثالث: ففيه أيضاً مقامان:
المقام الأوّل: في صحّته في نفسه وعدمها، وقد عرفت أنّه مركّب من أمرين:
أحدهما: دعوى امتناع اجتماع الأمر والنهي. والكلام هنا عين الكلام في الملاك الثاني.
$
', '', 511), (65, 512, 'book', 'ثانيهما: عدم ثبوت محرز للمصلحة بعد فرض عدم الأمر. وهذا متين لا إشكال فيه كما بيّنّاه في محلّه، وأثبتنا هناك إنّ التمسّك لإثبات المصلحة بإطلاق المادّة ـ كما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(قدس سره) ـ أو بالدلالة الالتزاميّة ـ كما ذهب إليه المحقّق الإصفهانيّ(قدس سره) ـ غير صحيح. نعم، لو قام في مورد دليل خاصّ على ثبوت المصلحة فقد اُحرزت المصلحة فيه ولا يتمّ في ذلك المورد هذا الملاك الثالث.
المقام الثاني: أنّ هذا الملاك بناءً على تماميّته يجري في أيّ قسم من أقسام النهي؟ والكلام هنا عين الكلام في الملاك الثاني.
وأمّا الملاك الرابع: فيتمّ الكلام في أصل صحّته وفساده وفي أنّه يجري في أيّ قسم من أقسام النهي ببيان واحد، وهو: أنّ الصلاح والفساد إنّما يكونان متضادّين في الحمل بعنوان (هو هو) بأن يقال: هذا صلاح وهذا فساد. ولا مضادّة في الحمل بعنوان (ذو هو) بأن يقال: هذا ذو صلاح وهذا ذو فساد. وكثيراً مّا يكون شيء واحد فيه مصلحة ومفسدة معاً، فإنّما يتّجه هذا الملاك في خصوص ما لو فُرض ملاك الأمر وملاك النهي كلاهما نفسيّاً.
فظهر أنّ هذا الملاك في القسم الثاني من أقسام النهي تامّ إذا كان ملاك الأمر أيضاً نفسيّاً وفي غير ذلك غير تامّ، هذا. ولم نجد في الفقه مورداً يكون كذلك حتّى نتمسّك فيه بهذا الملاك.
وأمّا الملاك الخامس ـ وهو أنّ المصلحة المغلوبة كالعدم في أنّها لا تخلق المحبوبيّة فلا يمكن التقرّب بها ـ: فيقع الكلام فيه أيضاً في مقامين:
المقام الأوّل: في صحّته في نفسه وعدمها.
والتحقيق: عدم صحّته؛ فإنّه إنّما يسوغ دعوى صحّته بناءً على أحد أمرين:
الأوّل: أن يكون المقصود بالقُرب والبُعد هو القُرب والبُعد بالنظر إلى الأغراض النفسانيّة، فإنّ المقرّبيّة أو المبعّديّة بهذا المعنى تابعة للملاك الغالب، مثلا: لو فُرض
', '', 512), (65, 513, 'book', 'أنّه كان لرجل ابن وكان في قتل هذا الابن مصلحة لكونه عدوّاً له مثلا، لكنّ المصلحة كانت مغلوبة في قبال مفسدة قتل الابن، فقتله شخص، فمن المعلوم أنّ ذلك الرجل بحسب إحساساته النفسانيّة يبغض هذا القاتل ويتنفّر منه، وإن كان القاتل إنّما قتله بداعي إفناء عدوّ ذلك الرجل ولم يكن يدري أنّه ابنه، وكان قتله متمحّضاً في داعي لحاظ مصلحة ذلك الرجل، فلا يصحّ التقرّب بالملاك المغلوب.
لكنّك ترى أنّ المولى الحقيقيّ منزّه عن الأغراض والإحساسات النفسانيّة، وإنّما نريد من القُرب والبُعد ما يحكم به العقل من درجة الإخلاص أو العقوق في عالم العبوديّة.
الثاني: أن يقال: إنّ عنوان الانقياد والتجرّي ليسا مؤثّرين في القُرب والبُعد، بل لابدّ من مصادفتهما للواقع، أعني: الوجوب الواقعيّ والحرمة الواقعيّة المنجّزة، وبما أنّ المفروض أنّ ملاك الأمر مغلوب فالحكم الواقعيّ هو الحرمة، فلم يكن انقياده مصادفاً للواقع، أعني: الوجوب.
لكن يأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في محلّه تحقيق أنّ المقرّب والمبعّد بالقُرب والبُعد الثابتين بحكم العقل ـ بدرجة الإخلاص والعقوق في عالم العبوديّة ـ إنّما هو نفس الانقياد والتجرّي، سواءً طابق الواقع أو لا. وعلى هذا فلو أتى بالعمل بداعي المصلحة كفى ذلك في التقرّب، و إن كانت المصلحة مغلوبة في جانب المفسدة التي جهل بها العبد أو غفل عنها ونسيها، بل يتحقّق التقرّب حتّى مع فرض عدم وجود المصلحة واقعاً، فلو أتى العبد بعمل بداعي المصلحة ثُمّ تبيّن عدمها فقد حصل القُرب، إلاّ أنّ العمل غير صحيح من جهة أنّ المراد بالصحيح هو المُسقط للقضاء والإعادة. فإن كانت المصلحة ثابتة في الواقع في هذا الفرد فقد سقط القضاء والإعادة؛ لحصول الغرض، بخلاف ما لو تبيّن عدمها؛ لعدم حصول الغرض عندئذ.
$
', '', 513), (65, 514, 'book', 'إذن، فالتحقيق: صحّة التقرّب بالإتيان بداعي المصلحة المغلوبة مع الغفلة عن المفسدة الغالبة أو الجهل بها. نعم، مع فرض علم العبد بها وعدم غفلته عنها لا يعقل المقرّبيّة وليس هنا إلاّ المبعّديّة. لكن هذا راجع إلى الملاك الأوّل الذي هو عبارة عن عدم إمكان التقرّب بالمبعّد دون الملاك الخامس؛ فإنّه عبارة عن أنّ نفس الملاك المغلوب لا يصلح للتقرّب به، ولذا عرفت أنّ مقتضاه في ظرف الشكّ في الحرمة وعدم تنجّزها هو الرجوع إلى أصالة الاشتغال إن لم يكن لدليل الأمر إطلاق.
المقام الثاني: أنّ هذا الملاك على فرض صحّته لا يتأتّى في القسم الرابع من أقسام النهي؛ لأنّ ملاكه في نفس الخطاب وليس في المتعلّق حتّى تصير مصلحة الأمر مغلوبة بالنسبة إليه. ولا يتأتّى أيضاً في القسم الخامس؛ لأنّ ملاكه ثابت في حصّة خاصّة من نقيض متعلّق الأمر الثابت فيه المصلحة، فلا تصير المصلحة بذلك مغلوبة. ويتأتّى في باقي الأقسام.
$
', '', 514), (65, 515, 'book', 'تنبيهات:
الأوّل: ما ذكرناها من الملاكات الخمسة لا تختصّ بما إذا كان النهي متعلّقاً بالعبادة بعنوان العباديّة، بل تجري فيما لو كان النهي متعلّقاً بذات العمل لا بعنوان العباديّة.
الثاني: ما ذكرناها من الملاكات الخمسة كما تقتضي بعد فرض تماميّتها بطلان العبادة، كذلك تقتضي في الواجبات والمستحبّات التوصّليّة عدم إمكان التقرّب بها، فينبغي جعل عنوان البحث عامّاً بأن يقال: هل يقتضي النهي عدم إمكان وقوع الفعل على وجه العبادة أو لا؟ فإذا ثبت عدم إمكان وقوعه على وجه العبادة: فإن كان ذلك الفعل من العباديّات بطل لا محالة. وإن كان من التوصّليّات لم يبطل لكن لم يصحّ التعبّد به، أعني: تحصيل التقرّب إلى المولى بذلك العمل.
بل نقول: إنّ بعض تلك الملاكات ـ وهو الملاك الثالث والرابع ـ يقتضي بطلان العمل وإن كان من الواجبات أو المستحبّات التوصّليّة أيضاً:
أمّا الملاك الثالث: فحاصله: أنّ النهي اقتضى صرف إطلاق الأمر؛ لاستحالة الاجتماع، والملاك غير محرز، فلا نعلم بحصول غرض المولى، فتجري قاعدة الاشتغال. وهذا كماترى يتأتّى في التوصّليّات أيضاً.
وأمّا الملاك الرابع: فحاصله: أنّ النهي بما أنّه كاشف عن المفسدة مع عدم إمكان اجتماعها مع المصلحة يدلّ على عدم المصلحة. وهذا كماترى يتأتّى أيضاً في التوصّليّات، فلو فُرض أمرٌ ونهيٌ توصّليّ نفسيّان خطاباً وملاكاً وكان المجمع منهيّاً عنه كان باطلا بهذا الملاك.
وأمّا الملاك الأوّل والثاني والخامس: فإنّما يثبت بها بطلان العمل من ناحية عدم إمكان التقرّب به. وهذا كما ترى لا يوجب بطلان الواجب أو المستحبّ التوصّليّ.
$
', '', 515), (65, 516, 'book', 'الثالث: ربما لا يكون النهي متعلّقاً بنفس العبادة بل يكون متعلّقاً بجزئها أو شرطها أو وصفها الملازم أو غير الملازم، وعندئذ يقع الكلام في مقامين:
أحدهما: أنّ حرمة الجزء أو الشرط أو الوصف الملازم أو غير الملازم حرمة تكليفيّة هل توجب البطلان، أو لا؟
والثاني: أنّه لو ورد في الأخبار نهي متعلّق بذلك فهل تستفاد منه الحرمة التكليفيّة فيطبّق في المورد ما نثبته في المقام الأوّل، أو هو إرشاد إلى شيء فيطبَّق ما يقتضيه ذلك المرشد إليه؟
أمّا المقام الأوّل: فنتكلّم فيه في النهي بأقسامه الأربعة، أعني: المتعلّق بالجزء أو الشرط أو الوصف الملازم أو غير الملازم.
أمّا القسم الأوّل ـ وهو النهي المتعلّق بالجزء ـ: فقد ذكر المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)أنّه يقتضي بطلان ذلك الجزء؛ لأنّ جزء العبادة عبادة، وقد فُرض أنّ النهي في العبادة مبطل لها. لكن نفس تلك العبادة التي يكون هذا جزءاً لها مع فرض تدارك الجزء ـ كما لو قرأ سورة اُخرى غير منهيّ عنها مثلا ـ لا إشكال فيها إلاّ إذا ثبتت مبطليّة ذلك لها من ناحية اُخرى، كما لو ورد دليل خاصّ على كون السورة الكذائيّة مبطلة للصلاة، أو انطبق عليه عنوان بعض ما ثبت كونه مبطلا للصلاة، أو ادّعيت مبطليّته، كما لو صدق عليه عنوان الزيادة في الصلاة أو القرآن بين سورتين، فيثبت أو يُدّعى مبطليّته من هذه الناحية، وأمّا صرف تعلّق النهي به فلا يوجب مبطليّته للعبادة(1).
وما ذكره(رحمه الله) في غاية المتانة، وما أورد عليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله) من الإيرادات
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 293 بحسب الطبعة المشتملة في حواشيها على تعاليق المشكينيّ.
', 516), (65, 517, 'book', '
المذكورة في التقريرات غير واردة، كما يظهر بالمراجعة والتأمّل ولا حاجة إلى ذكرها(1).
نعم، ينبغي أن يكون مراد المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من أنّ جزء العبادة عبادة أنّه كذلك خارجاً، وإلاّ فلا ملازمة عقلا بين كون الشيء عباديّاً وكون جزئه أيضاً عباديّاً، فربما يتعلّق غرض المولى بمجموع مركّب من عشرة أجزاء ـ مثلا ـ لو جيء بتسعة منها لا بداعي التقرّب لم يحصل الغرض، ولو جيء بها بهذا الداعي وضمّ إليها الجزء العاشر حصل الغرض وإن لم يكن ضمّ ذلك الجزء بداعي التقرّب.
ولعلّ مراده(رحمه الله) من العبادة ما يكون عبادة بتمامه، وعندئذ لا يصحّ تعليل عباديّة الجزء بكونه جزء عبادة إلاّ بضرب من المسامحة؛ لأنّ فرض كون تمام العمل عبادة بنفسه مساوق لفرض كون هذا الجزء عبادة.
وعلى أ يّة حال فلو فُرض عمل مركّب من أجزاء مشروطة بالقربة وجزء غير مشروط بها ـ سواءً سمّينا مجموع هذا العمل بالعبادة أو لا ـ لم يكن النهي عن هذا الجزء مستلزماً لبطلانه إلاّ بناءً على بعض تلك الملاكات التي عرفت أنّها تتأتّى في التوصّليّات أيضاً.
وأمّا القسم الثاني ـ وهو النهي المتعلّق بشرط العبادة ـ: فالفرق بينه وبين الجزء أنّ جزء العبادة دائماً عبادة بخلاف شرط العبادة. فنقول هنا: إنّه إن كان الشرط عباديّاً بطل بالنهي وبطل المشروط؛ لانتفاء شرطه(2).
$
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 397 ـ 399 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وراجع فوائد الاُصول، الجزء الأوّل والثاني، ص 465 ـ 466 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
(2) نعم، لو كان شرطاً لجزء متأخّر وأمكن تداركه قبل فوات محلّ ذات الجزء أمكن تصحيح العبادة بتدارك ذاك الشرط.
', 517), (65, 518, 'book', '
وإن لم يكن عباديّاً فالحقّ ـ كما أفاده المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله)(1) ـ عدم بطلانه وعدم بطلان أصل العبادة إلاّ على ما بيّنّاه لك في التنبيه الثاني من تأتّي الملاك الثالث والرابع في التوصّليّات، فعلى هذين الملاكين يثبت أيضاً بطلان الشرط وبطلان مشروطه بانتفاء شرطه بخلاف سائر الملاكات.
وأمّا ما أفاده السيّد الاُستاذ ـ دامت بركاته ـ في هذا المقام من أنّه يكون داخلا في قاعدة امتناع اجتماع الأمر والنهي(2)، فليس بشيء، فإنّه إنّما يصحّ بناءً على أنّ الأمر المتعلّق بالمشروط ينبسط على الشرط، وأمّا على ما هو المختار عندنا وعنده من أنّه إنّما ينبسط على التقيّد لا على طرف التقيّد، فلا يتأتّى إشكال اجتماع الأمر والنهي، سواءً قلنا بالامتناع من ناحية اتّحاد متعلّق الأمر والنهي، أم قلنا به من ناحية استلزام الأمر للترخيص في التطبيق في جميع الأفراد: أمّا على الأوّل فواضح، فإنّ متعلّق الأمر هو التقيّد ومتعلّق النهي هو طرف التقيّد فلم يتّحدا. وأمّا على الثاني فلأنّ الأمر إنّما استلزم الترخيص في التطبيق على الفرد المقارن لطرف التقيّد الحرام، والترخيص في مقارن الحرام لا يستلزم الترخيص فيه.
وأمّا القسم الثالث والرابع ـ وهو النهي المتعلّق بوصف العبادة الملازم أو غير الملازم ـ: فقد فصّل المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) بينهما بأنّ ما يكون ملازماً ـ كالجهر
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 292 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق المشكينيّ.
(2) راجع المحاضرات، ج 5، ص 23 ـ 24 بحسب الطبعة التي نشرها دار الهادي للمطبوعات في قم، وراجع أيضاً أجود التقريرات، ج 1، ص 399، تحت الخطّ بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ(رحمه الله). وليس خطأ السيّد الخوئيّ(رحمه الله) في تخيّل انبساط الأمر على الشرط، بل خطأُه في تخيّل سريان النهي إلى الحصّة أو إلى مصداق من مصاديق التحصّص بذاك الشرط.
', 518), (65, 519, 'book', '
والإخفات ـ يكون النهي عنه مساوقاً للنهي عن نفس العبادة فتبطل، وما لا يكون ملازماً فليس النهي عنه مساوقاً للنهي عن العبادة إلاّ إذا اتّحد معها وجوداً، فيدخل في كبرى امتناع اجتماع الأمر والنهي(1).
أقول: لم يُعلم وجه فنّيّ للفرق بين الوصف الملازم وغيره، فإنّ عين ما ذكره في غير الملازم يتأتّى في الملازم فنقول: إذا اتّحد الوصف والموصوف وجوداً دخل في كبرى امتناع اجتماع الأمر والنهي، فإن قلنا بتقدّم النهي كان داخلا تحت قاعدة اقتضاء النهي للفساد في العبادة، وأمّا إذا لم يتّحدا كانت العبادة مأموراً بها وصحيحة، فإنّه ليس النهي عن الملازم مستلزماً للنهي عمّا يستلزمه.
نعم، إذا فُرضت الملازمة من كلا الطرفين أو من جانب الأمر، أعني: إنّه كان الوصف ممّا لا ينفكّ عنه العبادة، فلا يجتمع النهي عنه مع الأمر بالعبادة، فلا يحكم بصحّة العبادة عندئذ لا لما أفاده المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) من تعلّق النهي بها، بل لعدم الأمر بها وعدم وجود كاشف عن المصلحة، فيتمّ هنا الملاك الثالث للبطلان، وأمّا في مثل الجهر أو الإخفات الذي تكون الملازمة فيه من جانب النهي فقط فلا يستلزم النهي عنه عدم الأمر بالعبادة، فإنّ المكلّف قادر على امتثال كليهما معاً، بأن يصلّي ويجتنب عمّا نُهي عنه من الجهر أو الإخفات.
وأمّا المقام الثاني: فنقول: إنّ النهي المتعلّق بجزء أو شرط أو بفرد من أفراد جزء أو شرط إن كان في مورد توهّم الجزئيّة أو الشرطيّة، كَأن ينهى عن الفاتحة أو الوضوء بالنسبة لصلاة الميّت، أو في موارد توهّم تعيّن ذلك الفرد كَأن ينهى عن القراءة الجهريّة في فرض توهّم تعيّنها، كان ذلك إرشاداً إلى عدم الجزئيّة أو الشرطيّة أو عدم تعيّن ذلك الفرد، لا نهياً مولويّاً، وإلاّ كان إرشاداً إلى المانعيّة ولم
', '(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 293 بحسب الطبعة التي سبق ذكرها.
', 519), (65, 520, 'book', '
يكن أيضاً نهياً مولويّاً. وكذلك إن تعلّق النهي بوصف العبادة أو وصف جزء العبادة يكون إرشاداً إلى عدم الجزئيّة أو الشرطيّة في مورد توهّم الجزئيّة أو الشرطيّة، أو إلى المانعيّة في مورد عدم توهّم ذلك.
هذا كلّه ما هو مقتضى الظهور العرفيّ لطبع الكلام، وربما توجد في كلام خاصّ نكتة خاصّة توجب ظهور الكلام في خلاف ذلك.
هذا كلّه حال ما هو ظاهر دليل النهي عن الجزء أو الشرط أو الوصف.
وأمّا النهي المتعلّق بأصل العبادة فلنتكلّم في أنّه ظاهر في أيّ قسم من الأقسام الخمسة التي ذكرناها للنهي؟ فنقول: إنّ القسم الأوّل يكون خلاف الظاهر؛ لما مضى في محلّه من أنّ ظاهر النهي هو النفسيّة لا الغيريّة، والقسم الرابع أيضاً خلاف الظاهر؛ فإنّ ظاهر النهي عن شيء هو ثبوت المفسدة في ذلك الشيء لا ثبوت الملاك في نفس النهي، والقسم الخامس أيضاً خلاف الظاهر؛ فإنّ ظاهر النهي ثبوت ملاكه في متعلّقه لا ثبوت الملاك في العنوان الثانويّ الناشئ من نفس النهي، نعم، القسم الثاني والثالث كلاهما غير مخالف لظاهر النهي فأمره يدور بينهما. هذا حاله بالنسبة للأقسام الخمسة.
وأمّا بالنسبة لظهوره في المولويّة، فإذا احتمل كونه إرشاداً إلى عدم تشريع هذه العبادة فليس ظاهراً في المولويّة، بل ظاهر في الإرشاد أو مجمل، وإلاّ كان نهياً مولويّاً دالاّ على الحرمة الذاتيّة(1). هذا تمام الكلام في النهي في العبادات.
$
', '(1) ومن هذا القبيل كلّ ما كان متعلّقاً بغير عنوان العبادة، كالنهي عن الغصب.
', 520), (65, 521, 'book', '
النواهي
الفصل الرابع
$
', '', 521), (65, 522, 'book', '$
', '', 522), (65, 523, 'book', 'وهنا مقامان: أحدهما: أنّ الحرمة المولويّة هل تستلزم الفساد عقلا أو لا؟ الثاني: أنّه إذا ورد نهي متعلّق بالمعاملة فهل يستفاد منه الحرمة المولويّة، فيدلّ على الفساد لو قلنا بأنّ الحرمة المولويّة تستلزم الفساد، أو يكون ظاهره الإرشاد إلى شيء، فيتّبع المرشد إليه؟
هل الحرمة تستلزم الفساد عقلاً؟
أمّا المقام الأوّل: فنقول: إنّ النهي تارةً يتعلّق بالسبب، أعني: نفس إجراء الصيغة بقولنا مثلا: (بعت). واُخرى يتعلّق بالمسبَّب، أعني: الملكيّة المترتّبة على ذلك بحكم الشارع.
فإن تعلّق بالسبب فلا إشكال في عدم اقتضائه للفساد، سواءً كان تعلّقه به بعنوانه المعامليّ أو بعنوان كلّيّ ينطبق عليه، كأن ينهى عن الاشتغال في وقت النداء، فإنّ الوجوه المذكورة لاقتضائه للفساد إذا تعلّق بالمسبّب ـ لو تمّت ـ لا تجري في فرض تعلّقه بالسبب، كما يظهر ذلك من ملاحظة تلك الوجوه.
وإن تعلّق بالمسبَّب فذهب من المحقّقين المتأخّرين المحقّق النائينيّ(رحمه الله) إلى اقتضائه للفساد، وخالفه في ذلك المحقّق العراقيّ والمحقّق الإصفهانيّ وغيرهما من المحقّقين.
ويمكن الاستدلال على اقتضائه للفساد ـ بعد تصحيح تعلّق النهي بالمسبَّب بأنّ
$
', '', 523), (65, 524, 'book', 'الملكيّة وإن كانت مجعولة من قِبَل الشارع لكنّها مستندة أيضاً بنحو القدرة والاختيار إلى هذا المكلّف؛ لقدرته على سببها ـ بوجهين:
الأوّل: ما أفاده المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ على ما في التقريرات ـ وهو أنّه تشترط في صحّة المعاملة اُمور ثلاثة: الأوّل: كون كلّ من المتعاملين مالكين للعين أو بحكم المالك كالوكيل والوليّ. الثاني: أن تكون لهما السلطنة الفعليّة على التصرّف فيه ولا يكونا من محجوري التصرّف من قِبَل الشارع. الثالث: أن يكون إيجاد المعاملة بما يكون جامعاً للشرائط من قبيل الماضويّة والعربيّة ـ مثلا ـ بناءً على اشتراطهما. وإذا تعلّق النهي بالمسبَّب انتفى الشرط الثاني، فإنّه حجرٌ له من جانب الشارع عن التصرّف فتبطل المعاملة(1). وقد أفاد(رحمه الله) سنخ هذا الكلام أيضاً في مسألة فساد الإجارة على الواجبات.
ويرد عليه: أنّه إن كان مراده من اشتراط السلطنة الفعليّة: السلطنة التكليفيّة، بأن يكون هذا المسبَّب جائزاً له شرعاً ولا يكون حراماً، فاشتراطها أوّل الكلام ويكون مصادرة على المطلوب، وإن كان اشتراطها معقولا ثبوتاً؛ لأنّها منتزعة عن عالم التكليف ولا استحالة في أخذها موضوعاً للحكم في عالم الوضع.
وإن كان مراده: السلطنة الوضعيّة فلا معنى لكون السلطنة الوضعيّة مأخوذة في انتقال الملكيّة إلى المشتري مثلا، فإنّ هذه السلطنة أمر ينتزعه العقل من نفس جعل الشارع اعتبار ملكيّة المشتري لدى بيع العين إيّاه، أي: جعله اعتبار الملكيّة له على تقدير إجراء الصيغة ـ مثلا ـ بعد فرض قدرة المكلّف تكويناً على تحقيق
$
', '(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 404 ـ 405 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ(رحمه الله)، وفوائد الاُصول ج 1 و 2، ص 471 ـ 472 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
', 524), (65, 525, 'book', '
ذاك التقدير، فهذه السلطنة تكون في طول اعتبار الشارع، فلا يُعقل كونها شرطاً له وإلاّ لكان ذاك الاعتبار في طوله.
الثاني: أنّه لو لم يقتض النهي الفساد فمعنى ذلك ترتّب الملكيّة شرعاً على المعاملة الفلانيّة مع فرض الحرمة، ومن الواضح أنّ هذه الملكيّة فعلٌ للشارع، فإنّها أمر اعتباريّ اعتبرها الشارع، وإن صحّ استنادها إلى العبد أيضاً بنوع من الاستناد من ناحية أنّها مسببّة توليديّة من أمر مقدور للمكلّف وهو الصيغة مثلا، ولهذا صحّ تعلّق النهي بها.
وبعد فرض كونها فعلا للشارع يتّضح أنّ النهي لا يجتمع مع فرض الصحّة؛ لأنّ النهي كاشف عن المبغوضيّة، والشيء الذي يكون مبغوضاً لا يفعله المولى، فيثبت أنّ المولى لا يوجد هذه الملكيّة ولا يعتبرها، ولا نعني بالفساد إلاّ هذا.
ولا يقاس ذلك بالاُمور التكوينيّة، حيث إنّ المعصية مبغوضة للمولى والمولى قادر على منع العبد من المعصية تكويناً، بأن لا يهيّئ له المعدّات أو يوجد المانع عن تحقّقها.
فإنّ هذا قياس مع الفارق؛ وذلك لأنّ المعصية ليست فعلا للمولى وإنّما هي فعل للعبد، فيبقى الكلام في أنّها وإن كانت فعلا للعبد لكنّ المولى مع فرض قدرته على تعجيز العبد تكويناً عنها لماذا لا يفعل ذلك؟ فيجاب عن ذلك ـ مثلا ـ بأنّ في نفس التعجيز مفسدة غالبة، أو بغير ذلك(1).
وأمّا فيما نحن فيه فالملكيّة فعل لنفس المولى وإن كانت مسبّبة توليديّة للعبد أيضاً، ومن الواضح أنّه لا يعقل أن يفعل المولى ما هو مبغوض له، وهذا البيان
$
', '(1) كأن نقول: إنّ في إقدار العبد على المعصية مصلحة مهمّة، كمصلحة الامتحان أو مصلحة الترويض والتربية.
', 525), (65, 526, 'book', '
ـ كما ترى ـ لا يتأتّى في التكوينيّات؛ فإنّ المعصية لم تكن فعلا للمولى حتّى يقال: إنّه لا يُعقل أن يفعل المولى ما هو مبغوض له.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كون النهي عن المسبّب مفسداً للمعاملة بمعنى كون الحرمة المولويّة مستلزمة عقلا للفساد.
والجواب عنه هو: أنّه يمكن كون مركز المصلحة غير مركز المفسدة بحيث لا تقع المزاحمة بينهما؛ وذلك بأحد وجوه:
منها: أن تكون المصلحة في الجعل والمفسدة في تحقّق الملكيّة خارجاً، فالمصلحة تقتضي الجعل والاعتبار الذي هو فعلٌ للمولى، والمفسدة تقتضي النهي للعبد عن هذه الملكيّة، ونفرض المصلحة أهمّ حتّى لا تصلح المفسدة لمزاحمتها، فيصدر من المولى الجعل لمصلحة خالية عن المزاحم.
والمراد بأهمّيّة المصلحة ما يعمّ كون حصول المصلحة بالجعل قطعيّاً وحصول المفسدة غير قطعيّ، فلوحظ جانب المصلحة مع أنّها في نفسها مساوية للمفسدة مثلا، وهذه المصلحة أيضاً لا تزاحم المفسدة بأن تمنع المولى عن النهي؛ لأنّ من الممكن الجمع بين التحفّظ على المصلحة والتحرّز عن المفسدة، وذلك بأن يجعل الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة فتحصل المصلحة، وينهى العبد عن إيجاد الملكيّة خارجاً تحرّزاً عن المفسدة، فإن أطاع العبد فقد حصلت المصلحة مع عدم الابتلاء بالمفسدة، وإلاّ فقد حصل الابتلاء بالمفسدة لكنّها مفسدة مغلوبة في جانب المصلحة.
ومنها: أن تكون المصلحة فيما هو فعلٌ للمولى ولو فُرضت في نفس الملكيّة الخارجيّة ـ بناءً على التغاير بين الجعل والمجعول حتّى في هذه الاُمور الاعتباريّة الوضيعة ـ لا في إطلاق جعلها على نحو القضيّة الحقيقيّة، كما هو المفروض في الوجه الأوّل، وتكون المفسدة في الإضافة التي هي معنى حرفيّ الحاصلة بين
$
', '', 526), (65, 527, 'book', 'العبد وهذه الملكيّة، وبما أنّ هذه الإضافة ليست في نظر العرف عنواناً مستقلاّ يتعلّق بها النهي جعل المولى النهي متعلّقاً بنفس الملكيّة.
وهذه الإضافة ليست فعلا للمولى حتّى يقال: إنّه كيف فعل المولى ما هو مبغوض له؟ نعم، يكون المولى متمكّناً من تعجيز العبد عن إيجاده لهذه الإضافة بعدم جعله لتلك الملكيّة أو بشيء آخر، لكنّه لا يلزم عليه هذا التعجيز كما لم يلزم عليه التعجيز عن المعصية التي هي مبغوضة له بلا إشكال.
ومنها: أن يفترض أنّ في تحقيق الملكيّة خارجاً على تقدير إيجاد العبد لسببها مصلحة غالبة على المفسدة، ويفترض كون إيجاد العبد للسبب من شروط اتّصاف الملكيّة بالمصلحة ـ كالاستطاعة التي هي من شروط اتّصاف الحجّ بالملاك ـ لا من شروط تحقّق الملاك، كالطهارة التي هي من شروط تحصيل الملاك بالصلاة. وعليه فلا المفسدة تصلح مزاحمة للجري على المصلحة بإمضاء المسبّب، ولا المصلحة تصلح مزاحمة للجري على طبق المفسدة بتحريم المسبّب:
أمّا عدم مزاحمة المفسدة للجري على طبق المصلحة فلأنّ المفروض كونها أضعف من المصلحة فكيف تزاحمها؟
وأمّا عدم مزاحمة المصلحة للجري على طبق المفسدة فلأنّ الجري على طبق المفسدة ليس إلاّ عبارة عن النهي عن المعاملة، ونهيه عنها لو أثّر فإنّما أثره انتهاء العبد عن تلك المعاملة، وهذا لا يقتضي إلاّ انتفاء موضوع المصلحة، من قبيل عدم الاستطاعة الموجب لعدم المصلحة في الحجّ، لا تفويت المصلحة، من قبيل ترك الوضوء الموجب لعدم درك مصلحة الصلاة، فإذا لم يكن الجري على طبق المفسدة مضرّاً بحال المصلحة فلا وجه لكون المصلحة مزاحمة له.
والخلاصة: أنّ مركز المصلحة التي تتحقّق بالإمضاء هو تحقّق الملكيّة معلّقاً على إقدام العبد على ذلك، ومركز المفسدة الموجبة للنهي هو ذات الملكيّة. وإن
$
', '', 527), (65, 528, 'book', 'شئت فعبّر بأنّ ما تعلّق به الغرض من إمضاء المعاملة هو سدّ العدم من ناحية المولى، وما تعلّق به الغرض من التحريم هو سدّ العدم من ناحية العبد(1).
$
', '(1) ومنها: أنّ المسبّب في المعاملات يكون له عادة وجودان: وجودٌ في صفحة الاعتبارات العقلائيّة، ووجودٌ في صفحة الشريعة. فالبيع ـ مثلا ـ يحقّق الانتقال في صفحة اعتبارات العقلاء وفي صفحة التشريع، فنفترض أنّ المولى كان يبغض صِرف وجود الجامع بينهما ولكن لو تحقّق الوجود في صفحة الاعتبارات العقلائيّة فقد تحقّق المبغوض، ولا مانع لديه عندئذ من وجود المسبّب في صفحة الشريعة، ولذا حرّم تحقيق المسبّب ولكنّه أمضى وجود المسبّب في صفحة الشريعة على تقدير وجوده بفعل العبد في صفحة الاعتبار العقلائيّ. راجع مباحث الدليل اللفظيّ للسيّد الهاشميّ، ج 3، ص 127 ـ 128.
', 528), (65, 529, 'book', '
هل النهي عن المعاملة مولويّ أو إرشاديّ؟
وأمّا المقام الثاني: فنقول: إذا تعلّق النهي بالسبب أو المسبّب بعنوانه المعامليّ لا بعنوان عامّ منطبق عليه لا يبعد إجماله ـ على الأقلّ ـ وعدم ظهوره في الحرمة المولويّة، من ناحية أنّ المتعارف في القوانين العقلائيّة والمترقّب من الشارع هو أن يكون النهي في المعاملة من باب الإرشاد إلى الفساد لا نهياً تحريميّاً مولويّاً.
وعلى أيّ حال فمهما كان النهي ظاهراً في الحرمة المولويّة رجعنا في استلزامها للفساد وعدمه إلى ما مضى في بحث المقام الأوّل، فإن قلنا باستلزامها له فلا إشكال في الفساد. وإن لم نقل باستلزامها له: فإن كان دليل صحّة تلك المعاملة عبارة عن عموم أو إطلاق التزمنا بالصحّة بذلك الدليل وبالحرمة بدليل النهي.
وإن كان دليلها عبارة عن السيرة فإن لم نحتمل كون حرمته شائعة في زمان الأئمّة فلا بأس بإثبات الصحّة بالتمسّك بالسيرة ولا تنافيها الحرمة على الفرض؛ وإلاّ لم يصحّ إثبات الصحّة بذلك؛ لأنّ السيرة العقلائيّة إنّما تتّبع لو كانت شائعة في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو الإمام(عليه السلام) عند التابعين له بمرأى منه ومسمع، بحيث كان ذلك على فرض بطلان المعاملة موجباً للردع الشديد الشائع الذي لو كان لكان يصل إلينا ولو بخبر ضعيف، وفي ذلك العصر لم يكن تبقى سيرتهم مع فرض تحريم من هذا القبيل، وإذن فالمرجع أصالة الفساد سواءً علمنا بشيوع الحرمة في ذلك الزمان أو شككنا في ذلك واحتملناه.
نعم، لو صحّ جريان الاستصحاب في احتمال النسخ جرى استصحاب الحكم الممضى في أوّل الشريعة.
هذا كلّه لو كان النهي ظاهراً في الحرمة المولويّة.
ومهما كان ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد فلا إشكال في الفساد.
$
', '', 529), (65, 530, 'book', 'ومهما كان مجملا بين الحرمة المولويّة والفساد فعندئذ:
إن قلنا بأنّ الحرمة المولويّة تقتضي الفساد فالفساد يتحقّق على كلا التقديرين، والحرمة مشكوكة فتجري البراءة عنها.
وإن قلنا بأنّ الحرمة المولويّة لا تقتضي الفساد فعندئذ:
إن كان الدليل الدالّ على صحّة تلك المعاملة عبارة عن إطلاق أو عموم فاحتمال الفساد منفيّ بذلك وتتعيّن الحرمة، فالعلم الإجماليّ بأحدهما انحلّ ببركة ذلك العموم أو الإطلاق.
وإن كان الدليل الدالّ على صحّتها هوالسيرة العقلائيّة الثابت إمضاؤها بعدم الردع فمجرّد احتمال الردع عنها بالنهي كاف في عدم إمكان التمسّك بالسيرة، حتّى مع فرض عدم شيوع هذا النهي واشتهاره في زمانهم(عليهم السلام). وحلّ العلم الإجماليّ يكون بالرجوع في جانب الفساد إلى أصالة الفساد، فينحلّ العلم الإجماليّ بالأصل المثبت لأحد طرفي العلم ونرجع في جانب الحرمة إلى البراءة.
وأمّا إذا تعلّق النهي لا بعنوان المعاملة بل بعنوان كلّيّ ينطبق عليها فلا إشكال في دلالته على الحرمة المولويّة، وليس فيه احتمال الإرشاد إلى الفساد؛ لعدم تعلّقه بعنوان المعاملة التي يترقّب كون النهي فيها إرشاداً إلى الفساد كما هو واضح.
وعندئذ فإن قلنا في المقام الأوّل باستلزام الحرمة المولويّة للفساد فلا إشكال في الفساد، وإلاّ فإن كان دليل صحّة هذه المعاملة العموم أو الإطلاق اللفظيّ فالحكم هو الصحّة مع الحرمة، وكذا إن كان دليل الصحّة هو السيرة مع فرض عدم كون انطباق ذلك العنوان الكلّيّ على هذه المعاملة واضحاً، بحيث يوجب وضوح حرمة تلك المعاملة في تلك العصور المانع عن انعقاد السيرة المقتضية ـ على فرض البطلان ـ لردع واصل. وأمّا مع فرض عدم وضوح انطباقه عليها وعدم وضوح الحرمة في تلك العصور فتثبت صحّة المعاملة بالسيرة وحرمتها بالنهي.
هذا تمام الكلام في النهي المتعلّق بالسبب أو المسبّب.
$
', '', 530), (65, 531, 'book', 'النهي إذا كان متعلّقاً بأثر المعاملة:
بقي الكلام فيما إذا كان النهي متعلّقاً بالأثر كالنهي عن أكل ثمن العذرة مثلا، فدلالته على الفساد إنّما تكون بأحد وجوه ثلاثة:
الأوّل: أن يكون النهي عنه عرفاً مستلزماً لفساد المعاملة، ولا يبعد ذلك في مثل فرض تعلّق النهي بأكل الثمن الذي هو عمدة أفراد الأثر.
الثاني: أن يكون النهي عنه مستلزماً لفساد المعاملة عقلا، وذلك بأحد وجهين:
الأوّل: أن يكون النهي متعلّقاً بتمام الأثر فيلغو عندئذ إمضاء أصل المعاملة، أو يكون متعلّقاً بجُلّ الآثار بحيث فُرض أنّ الباقي غير مقتض لجعل اعتبار المعاملة.
الثاني: أن يبنى على أنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة عن الأحكام التكليفيّة كما ذهب إليه الشيخ الأعظم(رحمه الله)؛ فإنّه من الواضح على هذا المبنى أنّه لا يعقل تصحيح المعاملة مع تحريم الآثار.
الثالث: أن يبنى على أنّه مهما دار الأمر بين التخصيص والتخصّص كما لو قال المولى: (أكرم العلماء)، وقال: (لا تكرم زيداً)، ولم نعلم أنّه عالم أو لا؟ يقدّم التخصّص على التخصيص فيحكم بعدم كونه عالماً. وعليه فبما أنّه لو قيل بصحّة المعاملة مع حرمة الأثر كان ذلك تخصيصاً لما دلّ على أنّه مهما صحّت تلك المعاملة حلّ أثرها، ولو قيل ببطلانها كانت حرمة ذلك الأثر من باب التخصّص لا التخصيص، فلأجل تقدّم التخصّص على التخصيص يحكم بفساد هذه المعاملة.
هذا إذا لم يكن هنا عموم أو إطلاق دالّ على صحّتها، وإلاّ وقع التعارض بين ذاك العموم أو الإطلاق وبين العموم أو الإطلاق لدليل كون صحّة المعاملة محلّلة للآثار، فإن تقدّم أحدهما بالأقوائيّة ـ مثلا ـ كانت النتيجة وفق ما تقدّم، وإن تعارضا وتساقطا رجعنا إلى أصالة الفساد.
$
', '', 531), (65, 532, 'book', 'تنبيهان:
هل النهي يدلّ على الصحّة؟
التنبيه الأوّل: أنّ أبا حنيفة ذهب إلى أنّ النهي يدلّ على الصحّة. ونحن نوقع الكلام تارة في النهي عن العبادة، واُخرى في النهي عن المعاملة:
أمّا النهي عن العبادة فهنا نقصر النظر على ما مضى من الملاك الأوّل من ملاكات البطلان، وهو: أنّ تعلّق النهي بالعبادة يوجب المبعّديّة ومعه لا يمكن التقرّب بها، فنقول:
لا شكّ في أنّ تعلّق النهي بالعبادة المقرّبة بالفعل مستحيل؛ لاستلزامه لمبعّديّة ما هو مقرّب، فلا يتعلّق النهي بذلك حتّى يقال: إنّه يدلّ على الصحّة أو لا يدلّ، وأمّا تعلّقه بالعبادة بمعنى ما يكون مقرّباً لولا النهي فهذا معقول، ولكنّه لا يدلّ على الصحّة.
وأمّا النهي عن المعاملة فإنّما يدلّ على الصحّة لو فُرض تعلّقه بالمسبّب، أعني: خصوص الملكيّة الشرعيّة لا الأعمّ من الشرعيّة والعقلائيّة، ووجه دلالته على الصحّة في هذا الفرض: أنّه مع فرض فساد المعاملة لا يكون المكلّف قادراً على إيجاد المسبّب، ومن المعلوم أنّ متعلّق النهي لابدّ أن يكون مقدوراً.
وقد يجاب عن ذلك بأنّه يكفي كون متعلّقه ـ وهو إيجاد المسبّب ـ مقدوراً لولا النهي، ولا يلزم كونه مقدوراً حتّى مع فرض النهي.
إلاّ أنّ هذا الكلام غير صحيح؛ فإنّ الأمر بالعكس، أعني: أنّه يشترط في متعلّق النهي القدرة بعد النهي وفي وقت الامتثال أو العصيان، ولا أثر للقدرة قبل النهي أصلا، فلو فُرض كون تعلّق النهي بأمر داخل تحت القدرة موجباً لخروجه عنها
$
', '', 532), (65, 533, 'book', 'فمن المعلوم أنّ هذا زجر عن المحال وهو غير صحيح. ولو فُرض كون تعلّق النهيبأمر يعجز عنه المكلّف لشلل في يده ـ مثلا ـ رافعاً للعجز والشلل فمن المعلوم صحّة هذا النهي؛ لعدم كونه زجراً عن المحال.
كما أنّه لا يصحّ الجواب أيضاً عن ذلك بأنّ المسبّب ـ الذي هو أمر بسيط ـ لا يتّصف بالصحّة والفساد وإنّما هو موجود أو معدوم. ولا أدري أنّ المُورد لهذا الإشكال لماذا لم يورده على من قال بدلالة النهي المتعلّق بالمسبّب على الفساد، وأورده على من قال بدلالته على الصحّة، مع أنّه لو تمّ لكان مشترك الورود؟ وعلى أيّ حال فهذا الإشكال غير وارد؛ لأنّ المراد بدلالة النهي المتعلّق بالمسبّب على الصحّة أو على البطلان: دلالته على صحّة السبب أو بطلانه، لا على صحّة نفس المسبّب أو بطلانه، هذا.
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أنّه تارةً يُفرض هذا الكلام ـ أعني: تقريب القول بدلالة النهي عن المسبّب على الصحّة ـ في مقام الردّ على من قال بأنّ النهي المتعلّق بالمسبّب يقتضي الفساد، واُخرى يُفرض أنّه بعد الفراغ عن إبطال دليل القائل باقتضائه للفساد يستدلّ بهذا الكلام على دلالته على الصحّة:
فإن فُرض ذلك في مقام الردّ على من قال بأنّ النهي المتعلّق بالمسبّب يوجب الفساد، لم يكن صحيحاً، فإنّه لو تمّ دليل القائل باستحالة الصحّة مع فرض تعلّق النهي لابدّ أن يقال بأنّه لا يتعلّق النهي بخصوص الملكيّة الشرعيّة؛ لاستحالته، بل يتعلّق بما يعمّ الملكيّة الثابتة باعتبار العقلاء والعرف بما هم كذلك مع قطع النظر عن الشرع، فلو كان ظاهر الدليل تعلّق النهي بخصوص الملكيّة الشرعيّة فلابدّ من تأويله.
وإن فُرض ذلك في مقام إثبات دلالته على الصحّة بعد فرض إبطال دليل القول باستلزامه للفساد، فتحقيق الكلام في هذا المقام أن يقال: إنّه إذا تعلّق النهي بما يعمّ الملكيّة الثابتة باعتبار العقلاء لم يدلّ على الصحّة. وإذا تعلّق بخصوص الملكيّة الشرعيّة فلا محالة يدلّ على الصحّة، حيث إنّ المفروض كونه تحريميّاً
$
', '', 533), (65, 534, 'book', 'لا إرشاديّاً، فإنّه لا إشكال في اشتراط القدرة في متعلّق التكليف.
وما مضى منّا في المقام الثاني من الحكم ببطلان المعاملة في بعض الصور، كان مع قطع النظر عن هذه الجهة، وإلاّ فيتغيّر الأمر في بعض تلك الصور.
وتوضيح ذلك: أنّه لو فُرض تعلّق النهي بالمسبّب بمعنى خصوص الملكيّة الشرعيّة، فإن كان النهي ظاهراً في الإرشاد أو مجملا فالكلام فيه هو الكلام الذي مضى منّا فلا نعيده. وإن كان النهي ظاهراً في الحرمة فقد قلنا فيما مضى: إنّه لو كان لنا إطلاق أو عموم يدلّ على الصحّة أخذنا به وحكمنا بالصحّة والحرمة. ولو كان دليل الصحّة هو السيرة ولم نحتمل شيوع الحرمة في تلك الأزمنة حكمنا أيضاً بالصحّة والحرمة، وإلاّ فيحكم بالحرمة دون الصحّة إلاّ بناءً على جريان الاستصحاب في الشكّ في النسخ، فيجري استصحاب الإمضاء الثابت في أوّل الشريعة. ونقول هنا: إنّه في جميع هذه الصور تكون نفس الحرمة ـ مادمنا افترضناها متعلّقة بالمسبّب بمعنى خصوص الملكيّة الشرعيّة ـ دليلا على الصحّة.
الاستدلال بصحيحة زرارة على بطلان المعاملة بالنهي:
التنبيه الثاني: أنّه يمكن الاستدلال على بطلان المعاملة بصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده. فقال: ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما. قلت: أصلحك الله تعالى إنّ حكم بن عتيبة وإبراهيم النخعيّ وأصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد ولا يحلّ إجازة السيّد له. فقال أبو جعفر(عليه السلام): إنّه لم يعص الله، إنّما عصى سيّده، فإذا أجاز فهو له جائز»(1).
$
', '(1) وسائل الشيعة، ج 21 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت، ب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
', 534), (65, 535, 'book', '
ولم يبيّن في لسان الحديث الوجه الفنّيّ لإشكال حكم بن عتيبة وإبراهيم النخعيّ وأصحابهما في موضوع هذا النكاح، ولا الوجه الفنّيّ لجواب الإمام(عليه السلام). وأظهر الاحتمالات في ذلك أحد أمرين:
الأوّل: أن يكون إشكالهم هو أنّ معصية السيّد كمعصية الله، وكما أنّ معصية الله تعالى لا تخرج عن كونها معصية، كذلك الحال في معصية السيّد، فأجاب الإمام(عليه السلام)بأنّه لم يعص الله الذي لا يغيّر حكمه بعد المعصية، وإنّما عصى سيّده الذي يمكن أن يجيز ويرضى بعد العمل رغم أنّه لم يكن راضياً قبل ذلك، فإذا أجاز جاز.
والثاني: أن يكون الإشكال في نظرهم أنّ معصية السيّد معصية لله تعالى، ومعصيته تعالى لا تخرج عن كونها معصية بعد العمل، فمنع الإمام(عليه السلام) عن ذلك وقال: (ما عصى الله وإنّما عصى سيّده).
وهناك احتمالات اُخرى خلاف الظاهر، وتحقيق الحال في ذلك موكول إلى محلّه.
والذي نريد أن نقوله هنا في توجيه الاستدلال بهذه الرواية على كون النهي التكليفيّ عن المعاملة موجباً لفسادها: أنّ ذلك يكون على أساس دعوى ظهورين:
الأوّل: أنّ ظاهر الحديث هو أنّ المعاملة إذا كانت معصية لله كانت باطلة، وهذا الظهور ممّا لا إشكال فيه، فإنّه(عليه السلام) ذكر في وجه الصحّة: «إنّه لم يعص الله»، فيعلم أنّ معصيته مبطلة لها.
الثاني: أنّ ظاهر المعصية المذكورة في الحديث هي مخالفة الحكم التكليفيّ لا الوضعيّ، فإنّ معصية المولى عبارة عن التمرّد عليه، والتمرّد عليه إنّما يتحقّق إذا كان مقامه موجباً لتحرّك العبد نحو شيء من فعل أو ترك، فإذا خالف كان طاغياً عليه ومتمرّداً وعاصياً، واستيجابه لذلك إنّما يكون بالحكم التكليفيّ، هذا.
مضافاً إلى أنّ المراد بالمعصية في قوله(عليه السلام): «لم يعص الله» وفي قوله(عليه السلام): «عصى سيّده» شيء واحد، ومن المعلوم أنّه ليس لسيّده حكم وضعيّ، فعصيانه
$
', '', 535), (65, 536, 'book', 'عصيان للحكم التكليفيّ فكذلك المقصود بمعصية الله.
والمحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) أنكر هذا الظهور الثاني، ووجهه ـ على ما يظهر من مجموع كلامه في الكفاية وفي حاشيته في مقام شرح ما ذكره هنا في المتن ـ هو: أنّه ليس المراد بمعصية العبد لسيّده مخالفته لنهيه؛ فإنّه لم يُفرض في الحديث نهي السيّد له عن النكاح، بل المراد هو العمل بدون إذنه، فإنّه أيضاً معصية له؛ لحصول التمرّد بذلك؛ لأنّ مقتضى مقام العبوديّة والمولويّة على ما يحكم به العقل هو أن لا يفعل شيئاً بدون إذن مولاه وترخيصه، فإن فعل لم يكن قد تحرّك على طبق ما اقتضاه مقام المولى بل تحرّك نحو الخلاف، فهو متمرّد وعاص للمولى، وبما أنّ الظاهر هو أنّ مراده(عليه السلام) بالمعصية في قوله: «لم يعص الله»، وفي قوله: «عصى سيّده» شيء واحد نقول: إنّ المراد بمعصية الله هو العمل بدون إذنه، فيكون بطلان المعاملة من ناحية عدم إذنه تعالى وإمضائه لتلك المعاملة، وهذا غير مربوط بما نحن فيه(1).
ويرد عليه:
أوّلا: أنّ كون مراده(عليه السلام) بمعصية الله العمل بدون إذنه الوضعيّ غير معلوم، بل بناءً
$
', '(1) راجع الكفاية، ج 2، ص 254 مع ما تحت الخطّ من تعليق نفس المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) وفق الطبعة التي حقّقها الخفاجيّ. ولعلّ المقصود: أنّ مالك العبد وإن لم يكن له نهي وضعيّ ولكنّ المسألة في المقام ليست عبارة عن النهي الوضعيّ لمالك العبد، بل عبارة عن عدم إذنه في زواج العبد ممّا يحكي عن عدم رضاه بالنتيجة وهي تحقّق الزوجيّة، فالمالك وإن لم يكن له حكم وضعيّ بأن يحكم ببطلان الزوجيّة أو قل: بطلان النتيجة، ولكن له كراهة النتيجة وعدم الرضا بها، ويُترجَم ذلك في طرف المولى الحقيقيّ بعدم إمضائه للنتيجة وإبطاله لها الذي هو حكم وضعيّ.
ولو كان المقصود هو هذا الذي ذكرناه لم يرد عليه شيء من الإشكالين المذكورين في المتن.
', 536), (65, 537, 'book', '
على ما ذكره من التقريب يستظهر خلافه، فإنّ موضوع ما مضى من حكم العقل إنّما هو الإذن التكليفيّ لا الوضعيّ، وإلاّ لزم أن تكون جميع معاملات العبيد باطلة عندهم ولو مع إذن السيّد؛ لأنّ سيّدهم إنّما أذن لهم بالإذن التكليفيّ، وأمّا الإذن الوضعيّ فهو فعل الشارع. ولو كان الموضوع للإذن الوضعيّ من قِبَل الشارع له هو الإذن والترخيص التكليفيّ من قِبَل المالك فبما أنّ المراد من المعصية في المقامين شيء واحد لابدّ أن يقال: إنّ المراد بمعصية الله هو العمل من دون ترخيصه المساوق للحرمة التكليفيّة.
وثانياً: أنّ كون صدور أيّ عمل من العبد بدون إذن سيّده حتّى مثل التكلّم بأيّ كلام كإجراء الصيغة يعدّ تمرّداً على السيّد ممنوع، فإجراء العبد للصيغة ليس تمرّداً، وأمّا المسبّب فالمفروض أنّه لا يحصل بدون إذن السيّد أو إجازته، هذا.
والتحقيق: منع الظهور الثاني، لا لما ذكره المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) بل لوجه آخر، وهو: أنّ ظاهر قوله(عليه السلام): (عصى سيّده، فإذا أجاز جاز) هو أنّ المراد بمعصية السيّد معنى حدث أوّلا ثُمّ زال بإجازة السيّد، وهذا قرينة على أنّه ليس المراد بالمعصية كون الفعل مخالفاً لنهي السيّد أو غير صادر عن إذنه، فإنّ المعصية بهذا المعنى لا تخرج عن كونها معصية بلحوق الإجازة، بل المراد بالمعصية هو كون الفعل بحيث ليس له استناد إلى السيّد، وهذا ينتفي بلحوق الإجازة، فإنّه بمجرّد لحوقها يستند الفعل إليه بوجه مّا، على ما بيّناه في بحث الفضوليّ: من أنّ الإجازة تجعل العقد مستنداً بوجه مّا إلى المالك، وتكون صحّة الفضوليّ على طبق القاعدة، فالفعل بعد أن لم يكن مستنداً إليه انقلب إلى كونه مستنداً إليه. وليس حال هذا الاستناد الاعتباريّ حال التكوينيّات التي نقول فيها: إنّ انقلاب الشيء عمّا وقع عليه محال، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى بحث الفضوليّ.
$
', '', 537), (65, 538, 'book', 'وإذا كان المراد بالمعصية في قوله: «عصى سيّده» ذلك فبما أنّ ظاهر الحديث كون المراد بالمعصية في المقامين شيئاً واحداً قلنا: إنّ المراد بمعصية الله هو كون هذه المعاملة بحيث لا يستند بوجه إلى الله تعالى، ومع فرض الإمضاء الوضعيّ يكون مستنداً إليه بوجه، فإنّما يدلّ الحديث على بطلان المعاملة مع فرض عدم الإذن الوضعيّ من جانبه تعالى لا على البطلان بصرف الحرمة التكليفيّة، فالمقصود من جواب الإمام(عليه السلام): أنّ العبد لم يأت بما لا يكون مستنداً إلى الله تعالى حتّى يقال ببطلانه لعدم لحوق الإجازة ولو وضعيّة، وإنّما أتى بما لا يكون مستنداً إلى السيّد فيصحّ بإجازته، وهذا غير مربوط بما هو المقصود من كون الحرمة التكليفيّة لا تجتمع مع الصحّة.
هذا تمام الكلام في دلالة النهي في المعاملات على الفساد وعدمها.
$
', '', 538), (65, 539, 'book', '$
', '', 539), (65, 540, 'book', '$
', '', 540), (65, 541, 'book', '$
', '', 541), (65, 542, 'book', '$
', '', 542), (65, 543, 'book', '$
', '', 543), (65, 544, 'book', '$
', '', 544),