insert into `lib_pages` (`book_id`, `page_id`, `title`, `text`, `footnote`, `sort`) values (12, 1, 'book', '

فقه العقود

$

', '', 1), (12, 2, 'book', '

$

', '', 2), (12, 3, 'book', '

$

', '', 3), (12, 4, 'book', '

قم ـ ص. ب 3654 ـ 37185 ـ ت: 7744810

ـــــــــــــــــــ

فقه العقود / ج 1

ـــــــــــــــــــ

المؤلّف: سماحة آية الله السيّد كاظم الحائري

الناشر: مجمع الفكر الإسلامي ـ قم

الطبعة: الخامسة / 1433 هـ ق

صف الحروف: مجمع الفكر الإسلامي

المطبعة: شريعت ـ قم

الكمّيّة المطبوعة: 1000 نسخة

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

جميع الحقوق محفوظة للمؤلّف والناشر

$

', '', 4), (12, 5, 'book', '

بسم الله الرحمن الرحیم

$

', '', 5), (12, 6, 'book', '

$

', '', 6), (12, 7, 'book', '

كلمة المجمع

بسم الله الرحمن الرحيم

من نتائج الصحوة الإسلامية التي شهدتها اُمّتنا الإسلامية في العصر الأخير ازدهار الفكر الإسلامي الأصيل على مستوى التأليف والتحقيق والنشر في مختلف أبعاده وعلى كافّة المستويات.

ومن جملة المجالات التي ازدهر فيها الفكر الإسلامي في هذا العصر هو فقه المعاملات والعقود، إذ توجّه العلماء والمفكّرون الإسلاميّون إلى بحث الفقه الإسلامي في هذا المجال، وخاصّة بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة في إ يران، بوصفه حاجةً حيويّة لتطبيق الاقتصاد الإسلامي بكافة مستوياته.

ومّمن قام بأعباء هذا البحث وأ لَّف فيه سماحة آية الله السيّد كاظم الحائري، إذ قدّم بحثاً علميّاً استدلاليّاً قيّماً في المجال المذكور أتحف به المكتبة الإسلامية في العصر الحاضر.

وقد امتاز هذا البحث باشتماله على المقارنة بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي في القواعد العامة للحقوق المدنية مّما زاد في حيويّته وفائدته.

ومن حسن التوفيق أن نقوم بنشر هذا البحث القيّم خدمةً للفكر الإسلامي الأصيل، ومساهمةً في رفع راية الإسلام على وجه الأرض ريثما يظهر صاحبها

', '', 7), (12, 8, 'book', '

الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وجعلنا من أعوانه وأنصاره.

فنقدّم شكرنا الجزيل إلى سماحة السيّد المؤلّف دام ظلّه، الذي أتحفنا من قبل ببحثه القيّم «القضاء في الفقه الإسلامي»، وها هو أثره القيّم الجديد في جزءين بعنوان «فقه العقود»، كما ونقدّم جزيل الشكر أيضاً إلى كل من ساهم في تحقيق هذا السفر أو ساعدنا في مراحل طبعه ونشره، فجزاهم الله جميعاً خير الجزاء وهو وليّ التوفيق.

20 / ربيع الثاني / 1421 هـ. ق

مجمع الفكر الإسلامي

$

', '', 8), (12, 9, 'book', '

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد: فهذه دراسة مقارنة في (فقه العقود) بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي، وأقصد بالعقود: العقود التي يكون الهدف الرئيس منها عادةً نقل المال، فالنكاح مثلا وإن كان عقداً يتمّ به نقل المهر إلى ملك الزوجة لكن الهدف الرئيس منه ليس عادةً هو نقل المال، وإنّما الهدف هو إيجاد العلقة الزوجيّة بين الرجل والمرأة.

وهذه العقود المشتملة على نقل المال لا يقصد بها طبعاً نقل المال من مكان إلى مكان، أو ما شابه ذلك، وإنّما المقصود النقل في عالم الملكيّة أو الحقّ، إذن فنحن بحاجة إلى تصوّر مسبق لمفهومي الملك والحقّ.

ولهذا سنتطرّق في مقدّمة هذا البحث إلى الحديث عن (الملك) وتصوّرات عامّة عنه، وكذلك عن (المال) لمعرفة معناه المقصود في المقام، وكذلك عن (الحقّ) وحقيقته، ثمّ نبحث مفهوم (العقد) وحقيقته.

ونبدأ في (فقه العقود) بالأحكام التي تثبت للعقود الماليّة بشكل عامّ ضمن

', '', 9), (12, 10, 'book', '

ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل: في البحث عن إطلاقات أدلّة العقود من حيث: (كيفيّة إبراز العقد) و (حكم العقود المستحدثة، وأصالة اللزوم في العقد).

والفصل الثاني: في أركان العقود وشرائطها من حيث (إرادة مضمون العقد، وإبراز تلك الإرادة، وذات المتعاقدين، ومحلّ العقد).

والفصل الثالث: في الحديث حول المقبوض بالعقد الفاسد من حيث (جواز التصرّف فيه) ومن حيث ضمانه، و (وجوب الردّ إلى مالكه، وضمان منافعه).

حتّى إذا وفّقنا الله تعالى لإتمام البحث عن ذلك فقد ننتقل إلى بحث مصاديق تلك العقود كالبيع والإيجار وغيرهما.

وأسأله تعالى التوفيق بالإتمام، وأن يجعله عملا خالصاً مخلصاً لوجهه الكريم، وينفع به المسلمين، ويجعله ذخراً لي ليوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلّا من أتى الله بقلب سليم.

وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه اُنيب.

كاظم الحسيني الحائري

$

', '', 10), (12, 11, 'book', '

فقه العقود

المقدّمة.

الفصل الأوّل: نظرات فاحصة في إطلاقات أدلّة العقود.

الفصل الثاني: أركان العقود وشرائطها.

الفصل الثالث: المقبوض بالعقد الفاسد.

$

', '', 11), (12, 12, 'book', '

$

', '', 12), (12, 13, 'book', '

فقه العقود

المقدّمة

1 ـ تصوّرات عامّة عن الملك.

2 ـ المراد بالمال.

3 ـ تحليل حقيقة الحقّ.

4 ـ تصوّرات عامّة عن العقد.

$

', '', 13), (12, 14, 'book', '

$

', '', 14), (12, 15, 'book', '

ـ 1 ـ

تصوّرات عامّة عن الملك

يقع الكلام أوّلا عن مفهوم الملك، وثانياً عن المصادر الأوّليّة للملك، وثالثاً عن مصاديق للملك يكتنفها شيء من الغموض، وهي ملك الأعمال وملك الذمم وملك المنافع، ورابعاً عن مصاديق للمالك يكتنفها شيء من الغموض كمالكيّة بعض الأعيان الخارجيّة كالمسجد، أو مالكيّة الجهة أو الشخصيّات الحكميّة في مقابل الشخصيّات الطبيعيّة، أو قل: الشخصيّات الحقوقية في مقابل الشخصيّات الحقيقيّة.

مفهوم الملك

أمـّا البحث عن مفهوم الملك فلا إشكال ـ  على الإجمال  ـ في أنّ الملك نوع علاقة بين المالك والمملوك، إلّا أنّه قد جاء في كلمات بعض فقهائنا العظام البحث عن أنّ الملك هل هو من الأعراض المقوليّة العارضة على المالك أو المملوك  ؟ أو من الامور الانتزاعيّة التي تنتزع من الحكم التكليفي، أو هو أمر اعتباريّ مجعول بجعل الجاعل في عرض سائر الاُمور الاعتباريّة  ؟.

$

', '', 15), (12, 16, 'book', '

بيان المحقّق الإصفهاني (رحمه الله):

وقد أورد المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)(1) براهين ثلاثة لنفي كون الملك من الأعراض المقوليّة العارضة على المالك أو المملوك:

الأوّل ـ أنّ المقولة لا بدّ أن يكون لها مطابق وصورة في الأعيان كالسواد والبياض، أو أن يكون من الحيثيّات والشؤون الوجوديّة لما له مطابق وصورة في الأعيان، كمقولة الإضافة التي تكون فعليّتها بإضافتها وبلحاظها بالقياس إلى الغير، ولا يعقل أن يكون لها وجود استقلاليّ، ونحن نرى وجداناً أنّه بعد وجود العقد مثلا لم يوجد ماله مطابق في الخارج في المالك ولا في المملوك، ولم يتحيّث ذات المالك ولا المملوك بحيثيّة وجوديّة، بل حالهما حال ما قبل العقد.

الثاني ـ أنّ المقولات لمكان واقعيّتها لا تختلف باختلاف الأنظار، ولا تتفاوت بتفاوت الاعتبارات، فالسقف الملحوظ إلى ما دونه فوق في جميع الأنظار، وبالإضافة إلى السماء تحت بجميع الاعتبارات، بينما الملك يختلف حاله باختلاف الأنظار، فمثلا: المعاطاة قد تفيد الملك في نظر العرف ولا تفيده في نظر الشرع.

الثالث ـ أنّ العَرَض كونه في نفسه عبارة عن كونه في محلّه فيحتاج إلى محلّ محقّق في الواقع، فإن فرض المحلّ الذي يعرض عليه الملك عبارة عن المملوك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بالكليّ في الذمّة، وإن فرض عبارة عن المالك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بالجهة من دون وجود مالك خارجي، ككون الزكاة ملكاً لطبيعيّ الفقير.

$

', '

(1) راجع تعليقته على المكاسب 1: 5 (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ).

', 16), (12, 17, 'book', '

ثمّ أورد (رحمه الله) برهانين على عدم كون الملك أمراً انتزاعيّاً منتزعاً من الحكم التكليفيّ:

الأوّل ـ أنّ قيام الحيثيّة الانتزاعيّة بمنشئها يصحّح صدق العنوان المأخوذ منها على منشئها، فقيام الحيثيّة الخاصّة بالسقف الذي هو منشأ انتزاع الفوقيّة يصحّح صدق عنوان الفوق عليه، بينما في المقام لا يصدق العنوان المأخوذ من الملك ـ  وهما المالك والمملوك  ـ على الحكم التكليفي الذي فرض منشأً لانتزاع الملكيّة.

والثاني ـ أنّ الملكيّة قد تكون من دون ثبوت للحكم التكليفي الذي يفترض منشأ لانتزاعها ـ  وهو جواز التصرف  ـ كما في المحجور لصغر أو جنون أو سفه أو فلس.

وقد افترض (رحمه الله) إلى جانب افتراض انتزاع الملكيّة من الحكم التكليفي افتراضين آخرين:

أحدهما ـ افتراض انتزاعها من العقد. وأورد عليه بالإيراد الأوّل من الإيرادين اللذين ذكرهما على فرض الانتزاع من الحكم التكليفيّ، وهو عدم صدق عنوان المالك أو المملوك على العقد، كما لا يصدقان على الحكم التكليفي، وبالإ يراد الثاني من الإيرادات الثلاثة التي ذكرها على فرض عروض الملكيّة على المالك أو المملوك، وهو أنّه لو كانت الملكيّة منتزعة من العقد لما اختلفت الأنظار في تحقّقها وعدم تحقّقها متى ما تحقّقوا من ثبوت العقد، مضافاً إلى إيراد ثالث، وهو أنّ من المحسوس بالوجدان أنّ العقد بما هو عقد وقبل التشريع لم يكن منشأً لانتزاع الملكيّة.

وثانيهما ـ افتراض انتزاعها من القدرة التكوينيّة على أنواع التصرّفات

', '', 17), (12, 18, 'book', '

الشرعيّة من بيع ونقل وتقليب ونحو ذلك، فمنشأ انتزاع الملكيّة ليس هو ذات جواز التصرّف كما في الفرض الأوّل، وإنّما هو القدرة الخارجيّة على التصرّف الجائز.

وأورد عليه بأنّ القدرة إنّما تتعلّق بالفعل بينما الملكيّة لها مساس بعين الرقبة ابتداءاً، فلا يعقل أن تكون القدرة على فعل التصرّف المشروع منشأً لانتزاع ملكيّة رقبة العين. ولعلّ هذا الكلام مرجعه إلى الإيراد الأوّل من الإيرادين اللذين أوردهما على فرض انتزاع الملكيّة من الحكم التكليفيّ، أي أنّ عنوان المملوك إنّما يصدق على رقبة العين ولا يصدق على القدرة على التصرّف المشروع، مضافاً إلى أنّ الإيراد الثاني من الإيرادين اللذين ذكرهما على فرض الانتزاع من الحكم التكليفيّ ـ  لو تمّ  ـ يرد هنا أيضاً، إذ قد تثبت الملكيّة مع عدم القدرة التكوينيّة على التصرّف، أو مع عدم مشروعيّة التصرّف المقدور.

بيان السيّد الخوئي (رحمه الله):

وذهب السيّد الخوئي (رحمه الله) أيضاً إلى أنّ الملكيّة عبارة عن سلطنة اعتباريّة ثبتت باعتبار المعتبر وجعله، وليست منتزعة من الأحكام التكليفيّة، ولا عرضاً قام حقيقة بالمالك أو المملوك. واستدلّ(1) على نفي الانتزاع من الحكم التكليفيّ بالوجه الثاني من وجهي المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) من أنّ الملكيّة قد تكون مع انتفاء الحكم التكليفيّ كما في موارد الحجر أو كون المالك كلّيّاً أو جهةً، كما أنّه قد ينعكس الأمر بأن يثبت جواز التصرّف من دون أن تثبت الملكيّة.

واستدل(2) على نفي العروض الحقيقيّ على المالك أو المملوك بالبرهان

', '

(1) و (2) راجع محاضرات في الفقه الجعفريّ (قسم المعاملات) 2: 19 و  20.

', 18), (12, 19, 'book', '

الثالث من براهين المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) على ذلك من الانتقاض بفرض ما إذا كان المالك كلّيّاً أو المملوك ذمّيّاً، ولم يقبل البرهانين الأوّلين من براهينه.

أمـّا البرهان الأوّل: وهو شهادة الوجدان بعدم تغيّر عرض من أعراض المالك أو المملوك بعد البيع والشراء مثلا، فقد أجاب عليه بأنّ الذي حصل بالبيع والشراء هو الملكيّة. وعدم كونها عرضاً من أعراض المالك أو المملوك هو المبحوث عنه هنا، فلا يعدو هذا البرهان أن يكون مصادرة على المطلوب.

وأمـّا البرهان الثاني: وهو أنّ الملكيّة لو كانت من أعراض المالك أو المملوك لما اختلفت باختلاف الأنظار، فقد أورد عليه: بأنّ اختلاف الأنظار في الاُمور الحقيقيّة غير عزيز، فليس كلّ أمر واقعي من الجوهر أو العرض غير قابل للاختلاف فيه.

بيان السيّد الشهيد (رحمه الله):

وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّ هذا الإشكال غير وارد على المحقّق الإصفهاني (قدس سره)، ولا يظنّ بالمحقّق الإصفهانيّ أن يتخيّل أنّه لا يقع الخلاف في الاُمور الواقعيّة، وما أسعد ذاك العالَم الذي يفترض عدم وقوع الخلاف فيه بين تمام العقلاء في تمام الواقعيّات. وإنّما مقصود المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) هو الاستدلال بوقوع الاختلاف الإنشائيّ في الملكيّة لا الاختلاف الإخباريّ فيها، فكلّ مجتمع ينشئها بنحو خاص، وقد تنشأ ملكيّة في مجتمع ولا تنشأ في مجتمع آخر، ويعترف المجتمع الثاني بتحقّق الملكيّة بحسب قوانين المجتمع الأوّل، ويعترف المجتمع الأوّل بعدم تحقّق الملكيّة بحسب قوانين المجتمع الثاني، فلا تكاذب بينهما.

وقال (رحمه الله): الصحيح أنّه ـ  رغم ما ذكرناه  ـ لا يتمّ برهان المحقّق

', '', 19), (12, 20, 'book', '

الإصفهانيّ (قدس سره)، ولا ينبغي أن يذكر ما ذكره إلّا كمنبّه للوجدان الحاكم باعتباريّة الملكيّة لا كبرهان على المطلوب، فإنّ الاعتراف بالاختلاف الإنشائي فرع الاعتراف بإنشائيّة المطلب واعتباريّته، ومع الاعتراف بذلك قد ثبت المطلوب، ولا حاجة للاستدلال عليه بهذا الاختلاف.

ولم يرتضِ اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) أيضاً البرهانين الآخرين من براهين المحقّق الإصفهاني (قدس سره) على نفي كون الملكيّة من عوارض المالك أو المملوك كإثبات لاعتباريّة الملكيّة.

وقد كان أحدهما عبارة عن أنّ الملكيّة لو كانت عرضاً حقيقيّاً لاحتاجت إلى محلّ موجود خارجاً. فإن فرض محلّه المملوك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بما في الذّمّة، وإن فرض محلّه المالك انتقض بتعلّق الملكيّة أحياناً بالجهة من دون وجود مالك خارجيّ، ككون الزكاة ملكاً للفقير بلا حاجة إلى فرض وجود فقير في الخارج بالفعل. وهذا البرهان هو الذي ارتضاه السيّد الخوئي (رحمه الله) أيضاً.

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد (رحمه الله):

أوّلا ـ بأنّ الصفات الحقيقيّة ليس من اللازم أن تطرأ حتماً على محلٍّ خارجي، فامتناع شريك الباري أمر حقيقي وليس ثابتاً في ما هو في الخارج، وإمكان الإنسان أمر حقيقي ولو فرض عدم إنسان في الخارج أصلا، فلئن لم تكن الملكيّة عرضاً مقوليّاً من مقولات أرسطو المفروض انصبابها على الخارج فلتكن صفة حقيقيّة من سنخ صفة الامتناع والإمكان. قال (رحمه الله): قد حققنا في علم الاُصول أنّ لوح الواقع أوسع من العالم الخارجي الذي انصبّت عليه مقولات أرسطو.

وثانياً ـ أنّه بإمكانهم ـ  على مبانيهم  ـ أن يفترضوا أنّ الملكيّة من الاُمور الحقيقيّة الخارجيّة ومن المقولات عندما تعرض على الأمر الخارجي وإن لم تكن

', '', 20), (12, 21, 'book', '

كذلك عندما لا تعرض على الأمر الخارجي. وهذا شيء يجوّزونه، فيقولون مثلا أنّ عنوان التقدّم ـ  بالرغم من أنّه مفهوم واحد  ـ قد يكون من المقولات ومن الاُمور الحقيقيّة الخارجيّة، وقد لا يكون كذلك، فتقدّم إمام الجماعة على المأموم مثلا يكون من الاُمور الحقيقيّة العارضة على ما في الخارج، وتقدّم الجنس على النوع المنحلّ عقلا إلى الجنس والفصل من باب تقدّم الجزء على الكلّ ليس تقدّماً عارضاً على الأمر الخارجي، وإنّما مصبّه عالم التحليل العقليّ، فليس مقولة، فلتكن الملكيّة من هذا القبيل.

وقد كان البرهان الآخر عبارة عمّا نحسّه بالوجدان من أنّه بعد تماميّة البيع والشراء مثلا لا يعرض أيّ شيء وجوديّ على المالك أو المملوك، والاُمور الخارجيّة كلّها ثابتة على حالها.

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بأنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو فرض أنّ النافذة التي يطلّ منها الإنسان على العالم الخارجي يُرى بها كلّ ما في العالم الخارجي، بينما الواقع أنّ الذي يُرى بها من ذلك إنّما هو أقلّ القليل من العالم الخارجي، فلو قال قائل: لعلّه حصل تغيير في الخارج لا نراه من تلك النافذة لا يمكن دفع كلامه بهذا الوجه.

وبالإمكان أن يصاغ من جواب اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) على هذا البرهان وما مضى من جواب السيّد الخوئي عليه جواب واحد مؤتلف منهما بأن يقال: لو كان المقصود في مقام البرهنة على عدم كون الملك عرضاً مقوليّاً يعرض على المالك أو المملوك مجرّد دعوى عدم تحقّق حيثيّة وجوديّة جديدة للمالك أو المملوك بعد البيع والشراء ورد ما قاله السيّد الخوئي من أنّ هذه مصادرة على المطلوب، لأنّ الشيء الجديد الذي حصل هو الملكيّة، وعدم كونها تساوق حيثيّة وجوديّة

', '', 21), (12, 22, 'book', '

وعرضاً تعلّق بالمالك أو المملوك أوّل الكلام. ولو كان المقصود الاستدلال بأنـّه لو كانت الملكيّة تساوق حيثيّة وجوديّة للمالك أو المملوك لكنّا نحسّ بذلك ببعض حواسّنا، ولم نحسّ بشيء من هذا القبيل، ورد ما قاله اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من أنّ النافذة التي نطلّ بها على العالم الخارجي لا تُرينا إلّا أقلّ القليل من العالم الخارجي.

وأمـّا البرهانان اللذان ذكرهما المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) لإثبات عدم كون الملكيّة منتزعة من الحكم التكليفيّ فأيضاً لم يرتضهما اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

وقد كان أحد البرهانين عبارة عن أنّ الملكيّة لو كانت منتزعة من جواز التصرّف فكيف تنفكّ عنه وتثبت بدونه  ؟ كما في الصبيّ الذي يملك المال ولكنّه محجور عن التصرّف، وتكون تصرّفاته بيد الولي. وهذا الوجه هو الذي ذكره السيّد الخوئي أيضاً.

قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): إنّ هذا باطل من وجوه، نذكر منها: أنّه يمكن أن يفترض انتزاع الملكيّة من جواز التصرّف المشروط بالبلوغ، فإنّ هذا الحكم ثابت في حقّ الصغير في زمان صغره، حيث إنّ الجعل يثبت من أوّل الأمر، وإنّما الذي يتأخّر إلى زمان تحقّق الشرط هو المجعول، بل قد أنكرنا في علم الاُصول وجود مجعول مستقلّ وراء الجعل يتحقّق متأخّراً عن تحقّق الجعل، فيمكن أن يقال: إنّ الملكيّة تنتزع من هذا الجعل المشروط لكلّ من هو موضوع له، ولا شكّ أنّ هذا الصغير موضوع له، ويمكن أن يفرض: أنّ هذه الملكيّة منتزعة عن جواز تصرّف الوليّ، حيث إنـّه تصرّف من قبل الصبي، ولا يضرّ عدم قيام الحكم التكليفيّ بالصبيّ الذي انتزعت له الملكيّة، بل الحكم التكليفيّ ليس قائماً بالمالك في البالغ أيضاً، فإنّ الحكم قائم بالحاكم لا بالمحكوم عليه.

$

', '', 22), (12, 23, 'book', '

والمحقّق الإصفهاني (رحمه الله) كأنـّه تفطّن إلى هذين الجوابين اللذين نقلناهما عن اُستاذنا الشهيد أو إلى ما يقرب منهما، فأجاب عليهما بعد تمثيله لمورد الانفكاك بالمحجور لصغر أو جنون أو سفه أو فلس بما نصّه:

«وكونه في حدّ ذاته كذلك ـ  وإن منع عنه مانع  ـ معناه ثبوت الملكيّة بالاقتضاء لا بالفعل مع أنّ الملكيّة فعليّة وثبوت الأمر الانتزاعي بلا منشأ الانتزاع محال، وجواز التصرّف للوليّ لا يصحّح انتزاع الملكيّة للمولّى عليه ؛ إذ لا يعقل قيام الحيثيّة المصحّحة للانتزاع بشيء والانتزاع من شيء آخر».

فكأنّ اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) يريد أن يوضّح أنّ هذا الكلام غير صحيح. أمـّا صدره وهو (أنّ كونه في حدّ ذاته جائز التصرّف وإن منع عنه مانع معناه ثبوت الملكيّة بالاقتضاء لا بالفعل)، فجوابه: أنّ جواز التصرّف المشروط بما هو جواز مشروط فعليّ وإن كان نفس الجواز اقتضائيّاً، فقد يدّعى انتزاع الملكيّة من جواز التصرّف المشروط.

وأمـّا ذيله وهو (أنّ جواز تصرّف الوليّ لا يصحّح انتزاع الملكيّة للمولّى عليه ؛ إذ لا يعقل قيام الحيثيّة المصحّحة للانتزاع بشيء والانتزاع من شيء آخر) فجوابه: أنّ جواز التصرّف للوليّ له علاقة بالصبيّ، وهو أنّ الجواز جواز للتصرّف الراجع إلى الصبيّ. أمـّا إذا لم يكفِ ذلك لصحّة الانتزاع، وتوقّف الانتزاع على قيام ذات الحكم وهو جواز التصرّف بالمالك، فحتى في البالغين ليس الحكم قائماً بالبالغ، بل قائم بالحاكم.

وقد كان البرهان الآخر عبارة عن أنّ الملكيّة لو كانت منتزعة من الحكم التكليفي، وكانت الحيثيّة المصحّحة للانتزاع ثابتة فيه ؛ لصدق العنوان الاشتقاقي على الحكم التكليفيّ، كصدق (فوق) على (السقف)، و (الأب) على (من له الابن).

$

', '', 23), (12, 24, 'book', '

قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): يرد على هذا وجوه، نذكر منها:

أوّلا ـ أنّه يمكن أن يقال: إنّ الحيثيّة المصحّحة للانتزاع هي الاختصاص بجواز التصّرف، لا نفس جواز التصرّف، وهذه الحيثيّة موجودة في صاحب المال، ويصدق عليه العنوان الانتزاعيّ وهو المالك.

وثانياً ـ أنّ جواز التصرّف لعلّه سبب لانتزاع الملكيّة لا منشأ له، فالسقف مثلا منشأ لانتزاع الفوقيّة، ويصدق عليه عنوان (فوق)، ولكنّ الأرض التي تحته سبب لانتزاع الفوقيّة، ولا يصدق عليه عنوان (فوق).

أقول: كأنّ هذين الجوابين بمجموعهما مطلب واحد، حاصله افتراض أنّ جواز التصرّف سبب لانتزاع الملكيّة، ولا يشترط صدق العنوان الاشتقاقيّ عليه. أمـّا منشأ الانتزاع فهو الإنسان الذي يصدق عليه العنوان الاشتقاقيّ، وهو المالك، وهو إذا كان بحاجة إلى وجود حيثيّة فيه مصحّحة للانتزاع. قلنا: إنّ تلك الحيثيّة عبارة عن اختصاصه بجواز التصرّف.

والواقع أنّ هذا غير وارد على المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) لأنّ هذا مرجعه إلى افتراض وجود منشأ الانتزاع في المالك، والمحقّق الإصفهاني حينما أنكر سلفاً كون الملكيّة عرضاً مقولياً يعرض على المالك أو المملوك تمسّكاً ببراهين ثلاثة لم يقصد بذلك نفي كونه عرضاً متأصّلا فحسب ـ  كما لعلّه الذي فهمه اُستاذنا منه  ـ،بل قصد بذلك نفي كونه عرضاً مقوليّاً متأصّلا أو منتزعاً من المالك أو المملوك.

والنكتة الإضافيّة الآن عبارة عن افتراض أنّ الحكم التكليفيّ سبب لهذا الانتزاع، وهذا وإن كان يدفع البرهان الثاني من البراهين الثلاثة وهو اختلاف الملك باختلاف الأنظار ـ  حيث يصحّ أن يقال: إنّ اختلاف الأنظار في الحكم التكليفيّ المجعول لهم أوجب اختلاف الأنظار في الملك  ـ ، ولكنّه لا يدفع البرهان الأوّل والثالث.

$

', '', 24), (12, 25, 'book', '

وثالثاً ـ أنّ من يقول بكون الملكيّة منتزعة من جواز التصرّف لا يقصد بذلكالانتزاع الفلسفيّ، وهو انتزاع مفهوم كامن في شيء من ذلك الشيء، وإنّما المقصود به كونها مجعولة ومعتبرة في طول جعل الحكم التكليفي وبلحاظه.

أقول: إنّ هذا الإشكال الأخير لو قصد به تفسير انتزاعيّة الملك، بمعنى جعله بجعل مستقلّ ولكن في طول جعل آخر وهو جعل الحكم التكليفيّ وبلحاظه، فلو تمّ هذا الإشكال يرد على البرهان الأوّل أيضاً من برهانَي عدم انتزاع الملك من الحكم التكليفيّ، وهو الانفكاك أحياناً عن الحكم التكليفيّ، وذلك لأنّه لو فرض أنّ المقصود بالانتزاع عن الحكم التكليفيّ كونه مجعولا ومعتبراً في طوله وبلحاظه فليس من الضروريّ عدم الانفكاك المطلق ؛ إذ قد يجعل عنوان اعتباريّ بلحاظ ما يغلب وجوده من الحكم التكليفيّ وإن لم يكن دائم الوجود. ولكن من المستبعد جدّاً أن يكون مقصود من يقول بانتزاعيّة الملك هذا المعنى. إذ لا يتحصّل معنىً فنّي للبحث والخلاف حول الملكيّة المجعولة بجعل مستقلّ في أنّها هل جعلت بلحاظ الحكم التكليفيّ أو جعلت بقطع النظر عنه  ؟

أمـّا لو كان المقصود بهذا الإشكال الأخير تفسير انتزاعيّة الملك بمعنى كونه مجعولا جعلا تبعيّاً ويكون الجعل الأصلي والمستقلّ عبارة عن جعل الحكم التكليفيّ، فهذا لا يخالف أصل الانتزاع الفلسفيّ، غاية ما هناك أن يقال: ليس بالضرورة كون الجعل الأصليّ هو منشأ الانتزاع، ويكفي في التبعيّة كونه سبباً للانتزاع، وكون منشأ الانتزاع هو المالك مثلا، وهذا رجوع إلى الوجهين السابقين.

وعلى أيّ حال فقد اختار اُستاذنا الشهيد (قدس سره) كون الملكيّة من الاُمور الاعتباريّة والمجعولة، لا لبرهان على ذلك، بل لوضوح ذلك بالوجدان. وقال (رحمه الله): إنّ البحث عن كون الملكيّة أمراً اعتباريّاً أو حقيقيّاً إنّما هو بحث على

', '', 25), (12, 26, 'book', '

مستوى تاريخ مضى ؛ إذ من يلتفت إلى الملكيّات الخارجيّة والتطوّرات الطارئة عليها في الزمان الطويل ونفيها تارةً وإثباتها اُخرى يجد بوجدانه كونها اعتباريّة لا حقيقيّة، وهذا من الواضحات في زماننا، ومن لا ينبّه وجدانه الالتفات إلى ذلك لا تفيده البراهين الفلسفيّة غير التامّة التي أقامها المحقّق الإصفهاني (رحمه الله).

أقول: إنّ هذا الكلام ينفي كون الملكيّة من الأعراض المتأصّلة، وكذلك ينفي كونها منتزعة لا في طول الحكم التكليفيّ.

أمـّا احتمال كونها منتزعة من الحكم التكليفيّ بمعنى كون الحكم التكليفيّ منشأً لانتزاعه، أو سبباً لانتزاعه، فهذا البيان ـ  كما ترى  ـ لا يكفي لنفيه. وقد ورد في الحلقة الثالثة من (دروس في علم الاُصول)(1) لاُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بيان لنفي ذلك، وهو أنّ الملكيّة تقع عقلائيّاً وشرعاً موضوعاً للحكم التكليفيّ، فلا يعقل انتزاعها منه وتأخّرها عنه.

ثلاثة تعابير عن الملك:

وفي نهاية بحثنا عن مفهوم الملك نقول: قد اتّضح أنّ الملك الذي هو نوع علاقة بين المالك والمملوك باستطاعتك أن تعبّر عنه بنوع إضافة اعتباريّة بين المالك والمملوك، أو بسلطنة اعتباريّة، أو جدة اعتباريّة.

وقد جاءت كلّ التعابير الثلاثة ـ  أعني الإضافة والسلطنة والجدة  ـ على لسان مقرّر بحث المرحوم المحقّق النائينيّ (رحمه الله) في منية الطالب(2).

$

', '

(1) 1: 18.

(2) 1: 25.

', 26), (12, 27, 'book', '

وقد تفترض هذه التعبيرات الثلاثة تعريفات ثلاثة للملكيّة(1)، ويكون التباين بين هذه التعريفات واضحاً بناءً على حملها على معانيها المقوليّة، مع تسليم ما يفترض فلسفيّاً من التباين بين معنى السلطنة، وهي القدرة على تقليب العين وتقلّبها، وأنّها من مقولة الكيف ومعنى الإضافة، وهي النسبة المتكرّرة ومعنى الجدة، وهي الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة جسم بكلّه أو ببعضه ـ  على ما يدّعون(2)  ـ. فإن كان الملك عبارة عن واقع إحدى هذه المقولات فهذه

', '

(1) راجع حاشية المحقّق الإصفهاني على المكاسب 1: 5، فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ.

(2) ذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنـّنا لم ندرك لمقولة الجدة معنىً متحصّلا، وكأنّ الفلاسفة بأنفسهم أيضاً لم يدركوا لها معنىً متحصّلا بشهادة الشيخ الرئيس ابن سينا، حيث قال: إنـّه لم نعرف معنىً متحصّلا للجدة، وقد قالوا: إنّ الجدة عبارة عن هيئة حاصلة من إحاطة شيء بشيء آخر، وإنّما قالوا هكذا ولم يقولوا: إنـّها عبارة عن النسبة بين المحيط والمحاط لئلاّ يدخل ذلك في مقولة الإضافة، وذلك من قبيل ما قالوا في (متى) من أنـّه هيئة حاصلة من نسبة الشيء إلى الزمان، لا نفس النسبة بينهما، وفي (أين) من أنـّه هيئة حاصلة من نسبة الشي إلى المكان، لا نفس النسبة بينهما. والصحيح: أنـّه ليس هنا أيّ برهان عقليّ على كون هذه الهيئة شيئاً حقيقيّاً خارجيّاً، بل يحتمل عقلا في عرض احتمال ذلك كونها شيئاً ذهنيّاً، بمعنى أنّ الذهن حينما يكسب صورة ذهنيّة عن مجموع المحيط والمحاط تتقولب صورته الذهنيّة بالهيئة الخاصّة. وأكبر الظنّ أنّ أرسطو عند وضعه للمقولات التسع إنّما راجع قاموس اللغة فوضعها، ولذا لم يظهر حتى الآن أيّ مدرك لوضعه لها، حتى أنّ من يحسن الظنّ بالفلسفة يقول: إنـّه وَجَد هذه المقولات بالاستقراء في عالم التكوين، ورأى انحصار المقولات فيما عدّه من المقولات التسع، لكنّ المظنون أنـّه لم يصدّع نفسه بمطالعة عالم التكوين واستقرائه، وإنّما طالع اللغة، وحيث إنـّه رأى فيها عنوان التعمّم والتقمّص ونحو ذلك وضع هذه المقولة، وهي مقولة الجدة. انتهى كلام اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

', 27), (12, 28, 'book', '

تعريفات ثلاثة متباينة، وإن كان عبارة عن اعتبار مقولة من هذه المقولات فهيأيضاً تعريفات ثلاثة متباينة.

ولكن الظاهر ـ  بعد فرض عدم كون الملك أمراً واقعيّاً بقطع النظر عن الحكم التكليفيّ، ولا نفس الحكم التكليفيّ، ولا منتزعاً عن الحكم التكليفيّ، وكونه أمراً اعتباريّاً يجعل موضوعاً للحكم التكليفيّ  ـ أنّ المعتبر كأنـّه استنسخ نسخة من ملكيّة الإنسان لجوارحه وأعماله بمعنى قدرته وسلطنته عليها(1) التي هي موضوع لحكم العقل العمليّ بأولويّته للتصرّف فيها، وصحّ التعبير عن ذلك بنوع إضافة بين المالك والمملوك بالمعنى الذي يصحّ أن يقال عن سلطنة الإنسان على جوارحه وأعماله: أنّها نوع إضافة بينه وبينها، وصحّ التعبير أيضاً عن ذلك بالجدة بمعنى واجديّته لأمواله، كما يصحّ التعبير بواجديّة الإنسان لجوارحه وأعماله، لا بمعنى الجدة الفلسفيّة، ولذا اجتمعت كلّ التعابير الثلاثة على لسان شخص واحد ـ  كما عرفت  ـ.

واختار المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) أنّ الملك يكون من اعتبار مقولة الإضافة، لأنّه عبارة عن اعتبار إحاطة المالك بالمملوك، والإحاطة عنوان إضافيّ. وذكر: أنّ الملك ليس من اعتبار الجدة، لأنّ إحاطة جسم بجسم ليست جدة، ولا محاطيّة جسم بجسم هي الجدة، وإنّما الجدة هي الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة جسم به، أمـّا نفس إحاطة جسم بجسم، أو محاطيّة الثاني بالأوّل فليست إلّا مقولة إضافيّة(2).

هذا تمام كلامنا في مفهوم الملكيّة.

$

', '

(1) راجع كتاب (در آمدى بر اقتصاد اسلامى) 1: 90 و  91.

(2) راجع تعليقة المحقّق الإصفهاني على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقَّ) 1: 7.

', 28), (12, 29, 'book', '

المصادر الأوّلية للملك

وأمـّا الكلام في المناشئ العقلائيّة الأصليّة لملكيّة الشيء المنفصل عن الإنسان، وكذلك الشرعيّة ـ  بعد فرض إمضاء ما عليه العقلاء  ـ ، فسنطرح للبحث رأي السيّد الخوئي واُستاذنا الشهيد الصدر (رحمهما الله):

رأي السيّد الخوئي (رحمه الله):

أمّا السيّد الخوئي (رحمه الله) فقد ذكر(1) لها منشأين:

الأوّل ـ الحيازة كما في حيازة الإنسان للمباحات الأصليّة، فإنّ العقلاء يرون هذا منشأً للملكيّة.

والثاني ـ الصنع وما يلحق به من الأعمال، كما إذا أخذ أحد ما لا ماليّة له كالطين فصنعه كوزاً فيكون مالا، فيكون هذا الصنع منشأً لدى العقلاء لملكيّة الكوز. هذا في الصنع، وأمـّا ما يلحق به من الأعمال فكما إذا أتى أحد بالماء من النهر فهو عند النهر لا ماليّة له، ولكن بعد إبعاده إيّاه من النهر يكون مالا، فصنع الماليّة فيه يوجب ملكيّته عقلائيّاً، وكما لو حفظ الثلج إلى الصيف فإنـّه يكون مالا في الصيف ـ  وإن لم تكن له ماليّة في الشتاء  ـ ، وبه يصبح مملوكاً للمحتفظ به في نظر العقلاء.

قال: وقد يجتمع في مال واحد السببان كحيازة الخشب وصنعه سريراً، فملكيّته لهذا السرير بلحاظ المادّة نتجت من الحيازة، وبلحاظ الصورة نتجت من الصنع. هذا حال المناشئ الأصليّة والتي تولّد الملكيّة التي تكون من الإضافة

', '

(1) راجع المحاضرات في الفقه الجعفري (قسم المعاملات) 2: 7 و  8.

', 29), (12, 30, 'book', '

الأوّليّة الذاتيّة.

وأمـّا الملكيّة التبعيّة فذكر أنّها تحصل بكون المال ثمرة لما يملكه الإنسان كبيض الدجاج وصوف الغنم وثمر الشجر، فإنـّها تملك بتبع ملكيّة الأصل.

وأمـّا الملكيّة التي تكون من الإضافة الثانويّة وفي طول الإضافة إلى الشخص الأوّل، فذكر أنّها تنشأ بأسباب اختياريّة كالعقود، أو غير اختياريّة كالإرث أو الوصيّة ـ  بناءً على أنّها من الإيقاعات  ـ.

وأورد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) على ما ذكره السيّد الخوئي (رحمه الله) في مثل السرير من انتساب ملكيّته من حيث المادّة إلى الحيازة ومن حيث الصورة إلى العلاج: بأنّ سريريّة السرير تملك في نظر العقلاء تبعاً لتملّك مادّته، ولذا لو حاز خشباً ثمّ صنع شخص آخر منه بدون إذنه سريراً، كان الأمر كما لو صنع هو منه سريراً، بل أنّ ملكيّة السريريّة تنـدكّ في ملكيّة المادّة، ولا تُرى عرفاً ملكيّة خاصّة للسريريّة.

أقول: نفس هذا الإشكال يرد على السيّد الخوئي (رحمه الله) في مِثل مثال صنع الكوز من الطين، أو إبعاد الماء من النهر، أو حفظ الثلج إلى الصيف وما شابه ذلك، فإنّ الملكيّة العقلائيّة للكوز مثلا إنّما تكون في نظر العقلاء بلحاظ ملكيّة مادّته وهو الطين، فلو صنع الكوز من طين كان في حيازة شخص آخر بلا إذنه، كان الكوز ملكاً لذاك الشخص لا لصانع الكوز، وكذا لو أبعد ماءً في حيازة شخص آخر من النهر أو حفظ ما حازه من الثلج من دون تملّكه بإذنه، كان في ملك الشخص الأوّل. هذا بحسب النظر العقلائي، وكذلك الحال بحسب الشرع الإسلامي على ما يظهر من موافقته ـ  ولو بعدم الردع  ـ على ما هو المرتكز عقلائيّاً.

$

', '', 30), (12, 31, 'book', '

وكأنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) وقع هنا في الخطأ على أساس تخيّل أنّ الملكيّةفرع المالية، بمعنى كون الشيء ذا قيمة اجتماعيّة، فحينما افترض عدم القيمة الاجتماعيّة للطين أو للماء لدى النهر أو للثلج في الشتاء وأنّ القيمة خلقت فيه بالعلاج أو ما شابه العلاج نسب الملكيّة إلى العلاج أو ما شابهه، بينما لا مبرّر لربط الملكيّة بالماليّة بمعنى التقييم الاجتماعيّ، فالمفهوم عقلائيّاً ـ  وكذلك شرعاً ولو بالإمضاء  ـ أنّ الطين أو الماء أو الثلج ملكه ابتداءاً بالحيازة، واستمرّت ملكيّته له بعد صنعه كوزاً أو إبعاد الماء عن النهر أو إبقاء الثلج إلى الصيف، كما يشهد لذلك ما أشرنا إليه من أنّ هذا العلاج أو ما شابهه حينما ينصبّ على المادة التي حازها شخص آخر تكون النتيجة لذاك الشخص الآخر.

وقد جاء في كتاب مصباح الفقاهة(1) الذي هو أيضاً تقرير لبحث السيّد الخوئي (رحمه الله)الاعتراف بأنّ المملوك قد لا يكون مالا، إلّا أنّ هذا الاعتراف إنّما جاء منه فيما يكون السبب في عدم التقييم الاجتماعي له قلّته وضآلته كحبّة من الحنطة المملوكة. ولا أدري هل يفترض أنّ هذه الحبّة إنّما تكون مملوكة ضمن حبّات كثيرة، فلو فصلت عنها واُعدم الباقي مثلا لم تكن مملوكة  ؟ وهذا غريب، أو يفترض أنّها مملوكة حتى لو فصلت عن أخواتها  ؟ فأيّ فرق بين فرض فقدان الماليّة لأجل الضآلة والقلّة وفرض فقدانها لأجل كون الثلج في الشتاء، أو كون الماء قريباً من النهر؟! بل وحتى الماء قريباً من النهر إنّما لا يموّل لقلّته بدليل أنّ نفس ماء النهر يموّل.

$

', '

(1) مصباح الفقاهة 2: 4.

', 31), (12, 32, 'book', '

رأي السيّد الشهيد (رحمه الله):

وأمّا اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) فإنّه أيضاً جعل المنشأ لملكيّة الإنسان لأمواله المنفصلة عنه بحسب الارتكازات العقلائيّة أحد أمرين: الحيازة أو العلاج، إلّا أنّه لم يفترض العلاج مملّكاً في مثل الطين أو الماء والثلج كي يرد عليه ما ورد على السيّد الخوئي (رحمه الله)، بل ذكر ذلك لأجل التفصيل بين المنقولات وغير المنقولات. ففي المنقولات يكون التملّك الأوّلي بالحيازة، وفي غير المنقولات كالأرض يكون التملّك الأوّلي بالعلاج كالزراعة أو التعمير.

وأفاد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّه حصلت عند العقلاء توسّعات في باب الحيازة من جهات شتّى:

فأوّلا ـ حصل عندهم التوسّع من ناحية الحائز، وذلك في باب الإرث، فيُرى ابن الميت مثلا أحقّ بمال أبيه من غيره وكأنـّه وجود امتداديّ لوالده. وهذا هو لبّ المقصود للمحقّق النائيني (رحمه الله)، حيث يقول: إنـّه في باب الإرث يتبدّل طرف الإضافة الذي هو الإنسان لا الطرف الآخر ولا الإضافة(1). فهذا الكلام تحليل عقلائيّ للمطلب، لا تحليل عقليّ وفلسفيّ حتى يرد عليه: أنّ الإضافة تتغيّر حتماً بتغيّر أحد طرفيها.

وثانياً ـ حصل عندهم التوسّع من ناحية المال الذي يحاز. فتلحق به نتائجه وأثماره كريع العقار وأثمار الأشجار.

وثالثاً ـ حصل عندهم التوسّع من ناحية ضمان الغرامة، فيُرى صاحب المال المحاز مستحقّاً لبدله عند إتلاف غيره له إمـّا ضماناً لبدله الأصلي بحسب

', '

(1) راجع منية الطالب 1: 3 و  35، وراجع كتاب المكاسب والبيع للآملي 1: 86 و  87.

', 32), (12, 33, 'book', '

القانون الأوّلي، كما في من أتلف مال غيره من دون معاملة، أو ضماناً لبدل مسمّىكما في المتلف المقبوض بالمعاملة الفاسدة إذا كان الثمن المسمّى أقلّ من ثمن المثل، فإنّ المتفاهم عرفاً أنّ صاحب المال قد قنع بالضمان بمقدار المسمّى وهدر كرامة ماله بمقدار الزيادة على المسمّى(1). وأمـّا إذا كان الثمن المسمّى أكثر من ثمن المثل فلا يضمن إلّا بمقدار ثمن المثل ؛ لأنّ ضمان الباقي كان من أثر المعاملة وكان فرع صحّتها وإمضائها، والمفروض عدم الصحّة.

وألحق (رحمه الله) ببحث التوسّع في الحيازة لدى العقلاء بحثاً عن تأثير موقف الحائز الأوّل في نظر العقلاء على نتائج حيازة الحائز الثاني. وتوضيح ذلك ـ  على ما أفاده رضوان الله عليه  ـ:

أنّه إذا ملك شخص مالا بالحيازة ثمّ جاءت يد ثانية وحازت ذلك المال، فاليد الاُولى تجعل اليد الثانية مقتضية للضمان، واليد الثانية بنفسها مقتضية لإيجاد الملكيّة لأنّها تحوز، إذن فقد اجتمع في هذه اليد اقتضاءآن: اقتضاء التمليك واقتضاء الضمان، فإن لم يوجد مانع عن فعليّة كلا الاقتضاءين وحصول أثرهما خارجاً، تحقّق الملك والضمان معاً، وإن وجد مانع عن أحدهما فقط تحقّق الآخر فقط، وإن وجد مانع عن كليهما لم يتحقّق شيء منهما.

قال (رحمه الله): والمانع عمّا تقتضيه اليد الثانية من الملكيّة عبارة عن عدم رضا صاحب اليد الاُولى بتملّك صاحب اليد الثانية. وأمـّا المانع عمّا تقتضيه من الضمان فهو أمران:

$

', '

(1) قد يتّفق أنـّه بعد إيقاع المعاملة يندم عليها ويسلّم له المال بناءً على ما يرى نفسه ملزماً به من الوفاء بالمعاملة، بحيث لو كان يعلم بفسادها لما سلّمه له إلّا مجبوراً. وفي مثل هذا الفرض ليس هدره للزيادة إلّا هدراً مبنيّاً على المعاملة، وقد فرض فسادها.

', 33), (12, 34, 'book', '

(الأوّل) فرض اليد الثانية كأنـّها اليد الاُولى، كما في الوكالة والنيابة.

(والثاني) رضا صاحب اليد الاُولى بحيازة اليد الثانية.

على فرق بين المانعين، وهو أنّ المانع الأوّل مانع بذاته، والمانع الثاني وهو الرضا ليس مانعاً بذاته، بل هو مانع بإطلاقه، أي أنّه ليس مطلق الرضا مانعاً، بل المانع هو الرضا المطلق، فلو كان ذلك رضاً مقيّداً بفرض الضمان لم يمنع عن الضمان.

وأمر اليد الثانية في تأثيرها في التمليك أو الضمان أو عدم تأثيرها موكول إلى صاحب اليد الاُولى. ويختلف حالها باختلاف ما يشاؤه صاحب اليد الاُولى.

قال (رحمه الله): فتكون ـ  بحسب ذلك  ـ لليد الثانية حالات أربع:

الحالة الاُولى ـ حالة عدم التأثير في التمليك ولا في الضمان، كما في حالة الاستيمان والوديعة، فاليد هنا لا تؤثّر أثر الملكيّة لعدم رضا صاحب اليد الاُوّلى بالتملّك. وقد مضى أنّ ذلك مانع عن التأثير في التمليك، ولا تؤثّر أثر الضمان أيضاً لكون اليد الثانية بمنزلة اليد الاُولى، وكأنـّها وكيل عنها في الحفظ. وهذا هو المانع الأوّل عن الضمان، وأيضاً لا ملكيّة ولا ضمان في مثل العارية والعين المستأجرة التي بيد المستأجر ونحو ذلك. أمـّا عدم الملكيّة فلعدم رضا صاحب اليد الاُولى بذلك. وأما عدم الضمان فلوجود المانع الثاني عن الضمان، وهو رضا صاحب اليد الاُولى بحيازة اليد الثانية.

وقد وقع فرق في كلمات الأصحاب بين العارية وشبهها من ناحية والوديعة من ناحية اُخرى، فاتّفقوا في الوديعة على أنّه لا يتحقّق الضمان ولو بالشرط، وفي العارية وشبهها اختلفوا في أنّه هل يتحقّق الضمان بالشرط أوْ لا(1)  ؟ وكان هذا من

', '

(1) الظاهر أنّ الضمان في العارية مع الشرط إجماعيّ. راجع الجواهر 27: 183، وعليه النصوص، راجع الوسائل 13 الباب 1 و 2 و 3 من أبواب العارية. نعم وقع خلاف في الضمان بلا شرط في عارية الذهب والفضّة غير الدينار والدرهم بعد الاتّفاق على الضمان بلا شرط في عارية الدينار والدرهم مع إمكان إسقاط الضمان في ذلك بالشرط. راجع الجواهر 27: 184، والوسائل 13 الباب 3 من أبواب العارية.

أقول: قد يدّعى ـ  ولو بمعونة ارتكاز عدم كون عارية الدرهم والدينار ذات هدف عرفيّ غالباً، وارتكاز عدم الضمان في العارية غير المشروطة  ـ أنّ المقصود من روايات الحكم في عارية الدرهم والدينار بالضمان إرجاع عاريتهما إلى القرض، ومن المعلوم أنّ المال المقترض مضمون في كلّ الحالات، ومنها التلف. وقد يدّعى ـ  ولو بمعونة ارتكاز عدم الضمان في العارية غير المشروطة  ـ حمل روايات الضمان في عارية الذهب والفضّة على كون المقصود بهما ما ورد في الروايات الاُخرى وهو الدينار والدرهم والتي حملناها على القرض.

ثمّ إنّ شرط الضمان في باب الوديعة أو العارية يتصوّر بعدّة أنحاء:

الأوّل ـ أن يفترض أنّ هذا الشرط ليس هو الشرط المصطلح الموجب لخلق الضمان من باب شرط النتيجة، وإنّما هو تقييد لإطلاق رضا المالك بالوديعة أو العارية بفرض الضمان. وهذا هو الذي يؤثّر في العارية ولا يؤثّر في الوديعة، لما ذكره اُستاذنا (رحمه الله) من أنّ المانع عن الضمان باليد في الوديعة مانع بذاته، والمانع عن الضمان باليد في العارية مانع بإطلاقه.

الثاني ـ أن يفترض أنّ هذا الشرط هو شرط للنتيجة لخلق الضمان، ولكنّه ليس شرطاً في مقابل التزام على الموجب لصالح القابل بنتيجة العقد ؛ لأنّ الموجب في الوديعة لا يلتزم بشيء لصالح الودعيّ. وهذا يعني أنّ هذا الشرط ـ  في الحقيقة  ـ شرط ابتدائيّ، فإنّ مجرّد ذكره في ضمن العقد لا يخرجه عن كونه ابتدائيّاً ما دام لم يكن كمكافأة للمشروط له على التزامه بنتيجة العقد، وهذا الشرط لا قيمة له ؛ لأنـّه شرط ابتدائيّ، والشرط الابتدائيّ ـ  بناءً على نفوذه  ـ إنّما ينفذ في شرط الفعل لا في شرط النتيجة.

الثالث ـ أن يفترض أنّ هذا الشرط هو شرط للنتيجة لخلق الضمان كمكافأة لما التزم به الموجب لصالح القابل. وهذا إنّما يتصوّر في العارية دون الوديعة ؛ لأنـّه في العارية قد التزم الموجب بحل الانتفاع بالعين للقابل، فمن المعقول أن يشرط ذلك بالضمان. أمـّا في الوديعة فلم يلتزم الموجب بشيء لصالح القابل، وإنّما القابل فقط التزم بالحفظ لصالح الموجب، فلا معنى للشرط عليه بالضمان، وبهذا يكتمل تفسير الفرق في المقام بين الوديعة والعارية، فإنّ الظاهر أنّ العقلاء لا يفرّقون في رفض شرط الضمان في الوديعة بين ضمان الشرط وشرط الضمان بنحو شرط النتيجة. ولا أظنّ أنّ الفقهاء أيضاً يفصّلون بينهما.

وبهذا أيضاً يتّضح الفرق بين فرض الأمانة البحتة وبين فرض الأجير الذي يأخذ العين بالاُجرة للحفظ أو النقل من مكان إلى مكان، أو لإجراء عمل عليها كالخياطة، فإنّ شرط الضمان في ذلك عقلائيّ بخلاف باب الوديعة. وتفسيره أنّ المستأجر قد التزم للأجير بنتيجة المعاملة من التبادل بين العمل والمال، كما أنّ الأجير التزم للمستأجر بذلك، فكلّ منهما بإمكانه أن يشترط شرطاً على الآخر بأن لا يقبل ذاك الالتزام إلّا بهذا الشرط. وهذا بخلاف باب الأمانة الذي ليس الالتزام فيه الّا من طرف الأمين، فلا معنىً لشرط المستأمن عليه بشيء.

نعم، في باب الأمانة يتصوّر الشرط الابتدائيّ كما مضى، ولا أقصد بذلك مجرّد أخذ الوعد الابتدائي البحت غير المرتبط بأيّ شيء من الأشياء الذي لا ينبغي الإشكال في عدم صدق الشرط عليه، وإنّما أقصد بذلك شرطاً رتّب عليه الشارط عمله، وهو الاستيمان.

وتوضيح ذلك: أنـّنا نقسّم الشرط إلى الابتدائي، وما هو في ضمن العقد، لا بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن من مجرّد ذكره ضمن العقد وعدمه، فإنـّه إن قصد ذلك كان هذا مجرّد اصطلاح بحت من دون افتراض فرق جوهري يعقل تأثيره في النفوذ وعدم النفوذ حسب ما يستظهر من الأدلّة، وفرض صدق عنوان الشرط الوارد في الأدلّة على خصوص ما ذكر ضمن العقد دون غيره تحكّم بحت، فسواء كان هذا هو مقصود المشهور من تقسيمهم للشرط إلى الابتدائي وما في ضمن العقد، أوْ لا، نحن نقسّم الشرط كالتالي:

إنّ الشرط تارةً يكون كمكافأة للمشروط له الذي التزم بشيء أراده المشروط عليه.

واُخرى لا يكون كذلك، ولكن الشارط ربط عملا من أعماله بهذا الشرط.

وثالثة لا يكون هذا ولا ذاك، وليس عدا الحصول على وعد ابتدائي بحت.

مثال الأوّل: البايع يشترط في قبوله بالبيع أمراً من الاُمور على المشتري، فهو لقاء التزامه بما يرغب فيه المشتري من البيع يفرض عليه شرطاً من الشروط. ولا ينبغي الإشكال في دخول ذلك تحت عنوان الشرط الوارد في أدلّة: (المؤمنون عند شروطهم)، ولا أثر لمجرّد كون هذا في ضمن العقد في صدق عنوان الشرط عليه وشمول النصوص له، بل حتى لو لم يكن ضمن العقد ولكنّه كان لقاء التزام الشارط بما يريده المشروط عليه صدق عنوان الشرط عليه عرفاً وشملته النصوص من قبيل ما لو التزم شخص بضيافة شخص آخر مثلا بشرط أن يصلّي الضيف صلاة الليل، فوفى ذلك الشخص بالضيافة فلا ينبغي الإشكال في وجوب وفاء الضيف بشرطه، ولا يصحّ له الاعتذار عن صلاة الليل بحجّة أنّ الشرط الابتدائي لا يجب الوفاء به. نعم، من حقّه أن يتراجع عن أصل الشرط قبل وفاء صاحبه بالضيافة إن لم يتعهّدا بالفعل بالضيافة وصلاة الليل، وإلّا لم يجز التراجع من طرف واحد لأنـّه خلاف الوفاء بالعقد والعهد.

ومثال الثالث: أن يحصل شخص من شخص آخر على وعد ابتدائيّ بحت بضيافته، ولا ينبغي الإشكال في عدم صدق عنوان الشرط هنا عرفاً، وعدم شمول نصوص الشرط إيّاه.

ومثال الثاني: المستأمن الذي اشترط على الأمين الضمان أو أيّ شرط آخر، فشرطه هذا لم يكن لقاء التزام للأمين، فإنّ المستأمن غير ملتزم بشيء تجاه الأمين ولم يكن مجرّد استحصال وعد بحت من الأمين بلا أيّ علاقة لذلك بعمل المستأمن، بل هو شرط رتّب المستأمن عمله عليه، فلولا قبول الأمين لشرطه كان من المحتمل أن لا يستأمن المال عنده، ويحفظه بنفسه أو يستأمنه عند شخص آخر.

وهل يجب الوفاء بمثل هذا الشرط أوْ لا  ؟

نستبعد ابتداءً التفصيل في وجوب الوفاء به وعدمه بين مجرّد عنوان ذكره ضمن العقد، كما في عقد الأمانة وعدم ذكره ضمنه، كما لو أراد شخص السفر فرتّب سفره على أن يلتزم فلان برعاية أطفاله وأهله في غيابه، وقد قبل فلان بذلك، فسافر ذاك الشخص، فهل يجوز لمن قبل هذا الشرط أن يتخلّف ولا يفي بالرعاية التي التزم بها  ؟ فإن وجب الوفاء وجب في المثالين، وإن لم يجب لم يجب فيهما.

ولا يبعد القول بوجوب الوفاء وصدق عنوان الشرط على ذلك، وشمول النصوص له، إلّا أنّ هذا إنّما يكون في شرط الفعل من قبيل ما ذكرناه من مثال شرط رعاية الأطفال، أو من قبيل أن يشترط المستأمن على الأمين تعويضه على تقدير التلف بما يساويه بنحو شرط الفعل. أمـّا شرط النتيجة من قبيل شرط الضمان فلا دليل على نفوذه، لأنّ نصوص: «المؤمنون عند شروطهم» إنّما تدلّ على وجوب احترام الشرط بقدر ما هو مرتبط بالمشروط عليه وتعهد من قبله. أمـّا مشروعية المشروط في شرط الفعل ونفوذه في شرط النتيجة فهذا ليس داخلا في منظور النصوص، ولذا لو شككنا في حلّ شيء وحرمته لا يمكن إثبات حلّه باشتراطه ضمن عقد مثلا، فنفوذ شرط النتيجة يجب إمـّا أن يستفاد بارتكاز عقلائيّ ممضى بعدم الردع، ولا يوجد ارتكاز عقلائي كذلك في ما نحن فيه في شرط النتيجة الابتدائيّ ـ  بالمعنى الذي قصدنا من الابتدائيّ، وهو غير المرتبط بالتزام الشارط بما في صالح المشروط عليه  ـ ، أو يستفاد من نصّ طبّق قاعدة وجوب الوفاء بالشرط على شرط النتيجة، فنفهم بالالتزام نفوذ شرط النتيجة. وذاك النصّ هو ما عن عليّ بن رئاب بسند تامّ عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «سُئل وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإنّ مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده. قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إيّاها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطهم... إلخ»(*).

إلّا انّ هذا التطبيق إنّما ورد في شرط النتيجة غير الابتدائيّ ـ  أعني الشرط المرتبط بالتزام المشروط له بمفاد العقد للمشروط عليه  ـ ، واحتمال الفرق وارد، فلا يمكن التعدّي إلى مثل المقام.

(*) الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 2.

', 34), (12, 35, 'book', '

$

', '', 35), (12, 36, 'book', '

$

', '', 36), (12, 37, 'book', '

$

', '', 37), (12, 38, 'book', '

$

', '', 38), (12, 39, 'book', '

الألغاز في كلماتهم، حيث يقال: إنّه هل يمكن إثبات إمضاء مثل هذا الشرطبدليل: (المؤمنون عند شروطهم) أوْ لا ؟ فإن أمكن ذلك ثبت الضمان بذلك مطلقاً، وإلّا لم يثبت الضمان به مطلقاً، فما وجه التفكيك بين الوديعة ومثل العارية، والاتّفاق في الأوّل على عدم الضمان والاختلاف في الثاني  ؟  !

والتحقيق: أنّ نكتة الفرق هي أنّ المانع عن الضمان في الوديعة هو المانع الأوّل، وهو مانع بذاته، فلا يمكن أن يثبت ضمان اليد ولو بالشرط. وأمـّا المانع عنه في مثل العارية فهو المانع الثاني، وهو مانع بإطلاقه، فيقبل التقييد، فيثبت ضمان اليد بالشرط، وكلامنا إنّما هو في ضمان اليد لا في فرض الضمان بذات الشرط بنحو شرط النتيجة.

الحالة الثانية ـ حالة التأثير في الضمان دون التمليك، وذلك كما في حالة كون اليد الثانية عادية، فهنا تؤثّر اليد في الضمان لعدم وجود شيء من المانِعَين عنه، ولا تؤثّر في الملكيّة لوجود المانع عن ذلك، وهو عدم رضا صاحب اليد الاُولى بذلك.

الحالة الثالثة ـ حالة التأثير في التمليك دون الضمان كما هو الحال في الهبة، ففي الهبة لا يثبت الضمان لرضا صاحب اليد الاُولى بحيازة اليد الثانية، وهذا هو

', '', 39), (12, 40, 'book', '

المانع الثاني عن الضمان، وتثبت الملكيّة لتحقّق المقتضي لها، وهو اليد وعدم المانع عنها ؛ لأنّ المانع هو عدم رضا صاحب اليد الاُولى بذلك، والمفروض في باب الهبة أنّه راض بذلك. هذا بناءً على أنّ حقيقة الهبة عقلائيّاً هي إجازة صاحب اليد الاُولى لليد الثانية بتملّك المال بالحيازة والموهوب له يتملّك المال بسبب اليد والحيازة، وليست حقيقة الهبة التمليك من قبل الواهب للمتّهب مجّاناً، ولعلّه لذا يكون قوام الهبة عقلائيّاً وشرعاً بالقبض.

أمـّا لو كانت الهبة تمليكاً من قبل الواهب لزم أن يكون شرط القبض شرطاً تعبّديّاً بحتاً. فيشهد لكون حقيقة الهبة إجازة التمليك اشتراط القبض عقلائيّاً وعدم تعقّل الهبة عند العقلاء فيما لا يقبل الحيازة، فلا تصحّ هبة العمل ولا هبة شيء في الذمّة مع أنّه يصحّ إيقاع المعاملة عليها بمثل البيع والإجارة  ؟ فلو كانت الهبة تمليكاً كسائر المعاملات لكانت من المناسب صحّة ذلك عند العقلاء كصحّة سائر المعاملات.

الحالة الرابعة ـ حالة التأثير في الملكيّة والضمان معاً، وذلك يكون في فرضين:

الفرض الأوّل: أن يرضى صاحب اليد الاُولى بتملّك صاحب اليد الثانية رضاً مقيّداً ببقاء اليد الثانية على ما تقتضيه من الضمان، وذلك كما في القرض بناءً على أنّ حقيقته عبارة عن إجازة التملّك بقيد الضمان، وليس تمليكاً بضمان، ولذا يكون قوامه عقلائيّاً وشرعاً بالقبض، ولا يصحّ القرض عقلائيّاً وشرعاً في ما لا يقبل الحيازة كالعمل وكشيء في الذمّة.

وذكر بعض: أنّ القرض تمليك للخصوصيّة مع الاستيمان على أصل الماليّة.

ويرد عليه: أنّه هل المقصود الاستيمان على الماليّة الموجودة في ضمن

', '', 40), (12, 41, 'book', '

هذا المال، أو على ماليّة مضافة إلى ذمّة المقترض، أو على مطلق الماليّة من دون إضافتها إلى ذمّة أو عين  ؟ أمـّا الثالث فلا معنى له، فإنّ الماليّة من دون إضافة ليست أمراً معتبراً لدى العقلاء يعقل الاستيمان عليه. وأمـّا الأوّل فيرد عليه: أنّه لو كانت الماليّة الموجودة في ضمن هذا المال أمانة عنده فكيف جاز له إتلافها؟! وأمـّا الثاني، وهو دعوى كون الماليّة الثابتة في ذمّته أمانة عنده، فنقول: هذا معناه الاعتراف في الرتبة السابقة على هذا الاستيمان بتحقّق ماليّة في ذمّته، وهذا هو الذي يكون بحاجة إلى التحليل في مقام فهم حقيقة القرض، ولا يمكن تحليله بما يفترض في مرتبة متأخّرة عنه، وهو الاستيمان على هذه الماليّة وتحليله ما ذكرناه.

الفرض الثاني: أن يرضى صاحب اليد الاُولى بتملّك صاحب اليد الثانية رضاً مقيّداً بالضمان أيضاً كما في الفرض الأوّل، إلّا أنّه يفرض الضمان هنا ضماناً بالمسمّى، وذلك كما في المعاطاة عندما لا تكون بداعي الإنشاء الفعليّ، فلا ترجع إلى البيع، فعندئذ يكون أحدهما مبرزاً لرضاه بتملّك الآخر ماله بالحيازة مضموناً عليه ذلك بثمن معيّن، ويدخل في هذا مثل وضع السقّاء قربة الماء في موضع مّا ليأخذوا منه ويضعوا ثمنه في كوزه، ونحو ذلك ممّا يشبه المعاطاة ولا معاطاة خارجاً، فليس هذا بيعاً حتماً لعدم معاملة عقديّة ولا معاطاتيّة. ومن هنا التجأ السيّد الاُستاذ ـ  يعني به السيّد الخوئي (رحمه الله)  ـ إلى القول بكون ذلك تمليكاً مع الضمان لا بيعاً.

والصحيح: أنّ ما ذكره غير تام، إذ كيف يفترض أنّ السقّاء يملّك الماء من الشارب بينما قد يكون السقّاء حين مجيء الشارب إلى القربة غافلا محضاً أو نائماً  ؟ أمـّا افتراض أنّه أبدى رضاه بإيجاد الشارب هذا التمليك بالنيابة عنه فهو الذي يقوم بالإيجاب والقبول الفعليّين معاً فهو خلاف المرتكز العقلائي، إذ ليس

', '', 41), (12, 42, 'book', '

من المرتكز عندهم مثل هذه التكلّفات، ولو صار القرار على الالتزام بهذه التكلّفات فلم لا نقول: إنّ هذا بيع، وإنّ المعاطاة والتمليك والتملّك تحصل بفعل الشارب بالنيابة عن السقّاء(1)  ؟ والصحيح ما ذكرناه من أنّ السقّاء أبدى رضاه بتملّك الشارب للماء بالحيازة مضموناً عليه بمبلغ من المال فيضعه في كوزه.

هذا، وممّا يشبه مثال وضع المال في كوز السقّاء مسألة الذهاب إلى الحمّام ووضع الثمن في كوز الحمّامي. وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) لذلك تفاسير ثلاثة:

الأوّل ـ كون الحمّاميّ مبيحاً للاستفادة الخاصّة من الحمّام والماء إباحة مشروطة بإعطاء ثمن معيّن، فالمستفيد لا تشتغل ذمّته بمال لصاحب الحمّام، إلّا

', '

(1) لا يخفى أنّ مختار السيّد الخوئي (رحمه الله) ـ  على ما جاء في مصباح الفقاهة 2: 169، وفي المحاضرات 2: 82  ـ في مثال أخذ المحقّرات كالخضريات والبقولات، ووضع الثمن في المكان المعدّ له، إنّما هو هذا، أعني حصول البيع من قبل الآخذ بالنيابة عن صاحب المال. نعم، اختار في فرض شرب الشارب من فم قربة السقّاء ووضع الثمن في الموضع المعدّ له أنـّه ليس بيعاً، وعلّل ذلك بأنّ المقدار الذي سوف يشربه الشارب لكي يرتوي غير معلوم، فلو حملناه على البيع لزم الغرر، ولذا حمله في المحاضرات على إباحة التصرّف بضمان، وفي مصباح الفقاهة على إباحة التصرّف أو التمليك بضمان.

أقول: إنّ هذا الكلام غريب، فإنّ عدم الغرر ليس من مقوّمات البيع العقلائي، وإنّما هو شرط تعبّدي، فجعله شاهداً على عدم إرادة الناس من مثال الشرب من قربة السقّاء لا معنى له.

والصحيح: أنّ المفهوم عرفاً في الأمثلة الاستهلاكيّة من قبيل الشرب من القربة هو الإباحة بضمان، وفي أمثلة الحيازة ونقل الأموال من قبيل أخذ الخضروات والبقولات هو ما اختاره السيّد الشهيد (رحمه الله) من الإذن في التمليك بضمان.

', 42), (12, 43, 'book', '

أنّه لو لم يعطه المال كشف عن عدم إباحة تصرّفه في الحمّام. قال اُستاذنا الشهيد  (رحمه الله): لعلّ هذا أبعد الوجوه بحسب الفهم العقلائيّ.

الثاني ـ أنّ الحمّاميّ يؤجّر حمّامه للمنفعة الخاصّة بثمن معيّن وبشرط أن يكون للمنتفع حقّ استهلاك الماء وإتلافه بالنحو المخصوص.

والثالث ـ كون الحمّاميّ مبيحاً للاستفادة الخاصّة مضموناً عليه بالثمن المعيّن. قال اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): لعلّ هذا هو أقرب الوجوه.

وقال الاُستاذ الشهيد (قدس سره): إنـّه توجد في البيع ـ  وما أشبهه من المعاملات  ـ الملكيّة مع العوض، ويمكن تفسير ذلك بأحد وجوه:

الأوّل: أن يُفترض أنّ كلّ واحد من المتبايعين يعرض ماله للآخر كي يتملّكه الآخر بالحيازة في مقابل أن يعرض الآخر أيضاً ماله ليتملّكه الأوّل بالحيازة.

والصحيح أنّ هذا خلاف المرتكز العقلائي، وإلّا لكان قوام البيع عند العقلاء بالقبض، ولما صحّ عندهم بيع العمل أو بيع شيء في الذمّة.

الثاني: أن يُفرض أنّ كلّ واحد منهما يحوز ما في يده بقاءً من قِبَل الآخر ليصبح ملكاً للآخر في قبال أن يصنع الآخر أيضاً كذلك. وهذا يعالج نقطة الضعف التي كانت في الوجه الأوّل من عدم كون القبض مقوّماً للبيع عند العقلاء، إذ يكفي الوجود البقائي لكلّ من المالين في يد المالك الأوّل لتملّك الآخر بحيازة الأوّل بالنيابة عنه.

قال (رحمه الله): والصحيح أنّ هذا أيضاً خلاف المرتكز العقلائي، وإلّا لما صحّت عندهم المعاملة على العمل أو على شيء في الذمّة كما ذكرنا في الفرض الأوّل.

الثالث: أن يُرى عقلائيّاً أنّ من تبعات مالكيّة الإنسان لماله أنّ له أن يملّكه من غيره بعوض، والبيع من هذا القبيل.

$

', '', 43), (12, 44, 'book', '

قال (رحمه الله): وهذا هو الصحيح.

وقال (قدس سره): هل المرتكز عقلائيّاً تمليك كلّ منهما ماله للآخر بملكيّة اُخرى غير الملكيّة التي كانت له، أو إعطاء ما كانت له من الملكيّة إيّاه  ؟ الصحيح هو الأوّل، ولذا قد تختلف طبيعة الملكيّتين كما في تمليك العمل، فإنّه كان ملكاً للعامل بالملكيّة الحقيقيّة وصار ملكاً للآخر بالملكيّة الاعتباريّة.

وقال الاُستاذ الشهيد (رحمه الله) أيضاً: كما أنّ لصاحب المال حقّ أن يملّكه بعوض كذلك له حقّ أن يملّكه مجّاناً، وذلك كما في الهبة بناءً على التفسير غير المرضي لها من التفسيرين اللذين مضى ذكرهما، وكما في شرط ملكيّة شيء بنحو شرط النتيجة، وكما في مهر الزواج(1). انتهى ما أردنا نقله عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله)هنا.

مصاديق غامضة من الملكيّة

وعدنا منذ البدء أن ندرج في بحثنا عن الملكيّة البحث عن مصاديق من الملكيّة قد يكتنفها شيء من الغموض كملكيّة الأعمال وملكيّة الذِمم وملكيّة المنافع.

ملكيّة الأعمال:

أمـّا الأعمال: فقد أفاد اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّ مالكيّة الإنسان لعمله ليست بمعنى الملكيّة الاعتباريّة التي جعلت بلحاظ الأموال المنفصلة عنه. نعم، الإنسان مالك لأعماله بملكيّة حقيقيّة بمعنى قدرته وسلطنته التكوينيّة عليها بحيث إن شاء

', '

(1) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).

', 44), (12, 45, 'book', '

فعل وإن شاء ترك. وترتّبت على هذه الملكيّة التكوينيّة ملكيّة اُخرى بمنطق العقل العملي، وهي أيضاً حقيقيّة وليست جعليّة واعتباريّة، وهي كون الإنسان أولى بأعماله من غيره، فالملكيّة بهذا المعنى لا هي أمر اعتباريّ وجعليّ كما في ملكيّة الأموال المنفصلة عن الإنسان، ولا هي أمر تكوينيّ خارجيّ كما في المعنى الأوّل لملكيّة الأعمال، وإنّما هي أمر خلقيّ وراجع إلى حكم العقل العمليّ.

وأولويّة الإنسان بعمله تارةً تكون بلحاظ الفعل والترك، واُخرى بلحاظ التصرّف الوضعي في أعماله كما في الإيجار. والأوّل يكفيه حكم العقل العمليّ بلا حاجة إلى أيّ جعل، والثاني بحاجة إلى صغرى مجعولة، وهي جعل أصل ذاك التصرّف الوضعيّ كجعل قانون الإيجار، فإذا تمّ الجعل صغرويّاً طبّقت عليها الكبرى المعلومة بالعقل العمليّ، وهي أولويّة الإنسان بعمله. فكان له هذا التصرّف لا لغيره.

وأولويّة الإنسان بأعماله إنّما هي أولويّة في مقابل سائر الناس، وليست أولويّة في مقابل الله تعالى، ولا هي مقابل منع العقل العمليّ عن بعض الأعمال، فكذب الإنسان مثلا مملوك للإنسان، بمعنى أنّه أولى بالاستفادة منه من غيره لكنّه ممنوع عليه بحكم العقل العمليّ، كما أنّ الله تبارك وتعالى له أن يمنعه من عمل مّا والله تعالى مالك لمخلوقاته بمعنى أنّه هو الذي خلقهم وكوّنهم بقدرته، وهذا يقابل القدرة والسلطنة الثابتة للإنسان على عمله، ويترتّب على هذا حقّ المولويّة، وهذا الحقّ له مظاهر أربعة:

1 ـ حقّ الطاعة، فلو نهاه عن عمل مّا لم يكن للعبد حقّ المخالفة.

2 ـ حقّ أخذ أعمال الشخص منه قهراً، كأن يجوّز لأحد أن يستوفي منه عمله جبراً، وهذا ما يقابل مالكيّة الشخص لأعماله.

$

', '', 45), (12, 46, 'book', '

3 ـ حقّ التصرّف الوضعيّ في أعمال الشخص، كأن يجعل عمل زيد مملوكاًلعمرو، وهذا ما يقابل مالكيّة الشخص للتصرّف الوضعيّ في عمله.

وهنا تكون الكبرى مندمجة في الصغرى وثابتة بنفس حقّ المولويّة بلا حاجة إلى جعل من قبل جاعل.

4 ـ حقّ القيمومة على شخص، بأن يتصرّف تصرّفاً وضعيّاً في عمله كما في السابق، لكن لنفس العامل بأن يعطي عمله لشخص آخر بعوض لنفس العامل، وبكلمة اُخرى أن يقف تجاه العبد موقف الوليّ تجاه الصبيّ.

أمـّا إذا تجاوزنا حقّ الله تبارك وتعالى وحكم العقل العمليّ وقسنا الإنسان إلى سائر أفراد البشر كان كلّ إنسان أولى بعمله من غيره، وهذه الملكيّة الحقيقيّة للناس لأعمالهم كأنـّها هي التي أوحت إليهم بفكرة جعل الملكيّات.

والملكيّة الاعتباريّة للأعيان المنفصلة عن الإنسان تترتّب على ملكيّته لعمله بحسب الارتكازات العقلائيّة بهمزة وصل وهي الحيازة أو العلاج(1). انتهى ما أردنا نقله عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

الأحكام المترتّبة على ملكيّة الأعمال:

وملكيّة الإنسان لأعماله بمعنى كونه أولى بها من غيره، لا يترتّب عليها جميع أحكام الملكيّة الاعتباريّة، وإنّما هذا يتبع سعة دائرة جعل تلك الأحكام وضيقها، فما جعل منها على الأعمّ من الملكيّة الاعتباريّة وهذه الملكيّة يثبت، وما لم يكن كذلك لا يثبت، والأحكام الشرعيّة التعبّديّة وردت عادة على موضوع الملكيّة الاعتباريّة، ولا تثبت في مالكيّة الإنسان لعمل نفسه، وذلك من قبيل وجوب الخمس أو ثبوت الاستطاعة الموجبة لوجوب الحجّ.

$

', '

(1) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).

', 46), (12, 47, 'book', '

وأمـّا الأحكام العقلائيّة فهي مختلفة فيما بينها، فجواز التصرّف الوضعيّيشمل عقلائيّاً ملكيّة الأعمال، ولذا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه على عمل، وإذا آجر نفسه على عمل أصبح عمله مملوكاً للمستأجر بالملكيّة الاعتباريّة. وضمان الإتلاف لا يشمل الأعمال، فلو أنّ الظالم سجن أحداً لم يضمن عمله بضمان الإتلاف. نعم، لو استوفى عمله ضمنه بضمان الحيازة واليد، فضمان اليد عقلائيّاً يشمل العمل بخلاف ضمان الإتلاف، وحبس الشخص لا يعتبر عرفاً حيازة لعمله، وإنّما يعتبر حيازة لشخصه، أمـّا حيازة عمله فهي بالاستيفاء.

نعم، لو كان الإنسان كسوباً فحبس فقد يقال بضمان الحابس لعمله، إلّا أنّ هذا ليس ضمان اليد أو الإتلاف، بل هذا ضمان بنكتة دفع الضرر، ولذا لا يحسّ بمثل هذا الضمان في غير الكسوب، ولو ثبت هذا الضمان في الكسوب عقلائيّاً ثبت شرعاً بقاعدة نفي الضرر وبعدم الردع. أمـّا لو لم يثبت عقلائيّاً فلا يثبت شرعاً لا بعدم الردع كما هو واضح، ولا بقاعدة نفي الضرر، لما حقّق في محلّه من أنّ مفادها نفي الضرر الناشيء من الإسلام، فلو كان الضمان ثابتاً عرفاً ونفاه الإسلام عدّ هذا النفي ضرراً ناشئاً من الإسلام، فهو منفيّ، وإلّا فلا، و مجرّد نشوء ضرر من قِبل هذا الظالم لا يعني وجوب حكم الإسلام بالضمان عليه.

وبما ذكرناه ظهر الفرق بين منافع الحرّ ومنافع العبد، حيث إنّ منافع الحرّ غير المستوفاة لا تضمن، ومنافع العبد غير المستوفاة قد يقال: إنـّها تضمن. والفرق بينهما: أنّ منافع الحرّ ليست مملوكة له ملكيّة اعتباريّة، فلا تضمن بالإتلاف كما قدّمناه، ولكن منافع العبد مملوكة للمولى ملكيّة اعتباريّة ولو بملكيّة مندكّة في ملكيّة العين، فقد يقال: إنّ مثل هذه الملكيّة المندكّة كافية في ضمان الإتلاف.

$

', '', 47), (12, 48, 'book', '

وبما ذكرناه ظهر الفرق أيضاً بين منفعة الحرّ غير الأجير ومنفعة الأجير، فغير الأجير لا تضمن منفعته في غير الكسوب أو مطلقاً، لأنّها لم تكن مملوكة بالملك الاعتباريّ، أمـّا الأجير فمنفعته كانت مملوكة بالملك الاعتباريّ للمستأجر، فإن فرضنا أنّ هذا الحبس لا يوجب انفساخ الإيجار فالحابس ضامن للمستأجر، لأنّ عمل الأجير كان ملكاً له ملكيّة اعتباريّة، فقد ضمنه بالإتلاف، فإذا فسخ المستأجر العقد لعدم القبض رجع البدل الذي ضمنه الحابس إلى الأجير، ورجعت الاُجرة إلى المستأجر. وإن فرضنا أنّ هذا الحبس يوجب انفساخ الإيجار ضمن الحابس الاُجرة المسمّـاة للأجير بنكتة دفع الضرر، وعقلائيّة الضمان هنا أوضح من الضمان في الكسوب الذي لم يؤجر نفسه.

وهناك تفسير آخر لما يفهم عقلائيّاً من الفرق بين منفعة الأجير أو الكسوب وغيرهما بالضمان في الأوّل أو في الأوّلين دون غيرهما، وهو أن يقال: إنّ ضمان الإتلاف ثابت عقلائيّاً في باب الأعمال كما هو ثابت في الأعيان، إلّا أنّ إتلاف الأعمال ليس كإتلاف الأعيان بمعنى هدم ما هو موجود وكسره مثلا، وإنّما هو بمعنى الحيلولة بين الشخص وعمله، وهذه إنّما تكون في الأجير والكسوب. أمـّا الذي لا يوجد فيه دافع نفسيّ للعمل فعدم صدور العمل منه لا ينسب عرفاً إلى منع الحابس، بل ينسب إلى عدم المقتضي، فلا إتلاف في المقام.

إلّا أنّ هذا التفسير ـ  لو تمّ  ـ لا يفسّر لنا الفرق بين عمل الحرّ وعمل العبد، فلا بدّ من التفصيل في عمل العبد أيضاً، بينما لو كان المالك مقبلا على استثماره وما إذا كان المالك مُهمِلا له لا ينتفع به حتى لو لم يسجنه الساجن. وكذلك الحال في منفعة الدار غير المستوفاة من قبل الغاصب، فيجب أن يفصّل بين ما إذا كان صاحب الدار يستفيد منها لولا الغصب و ما إذا كان مُهملا لها.

$

', '', 48), (12, 49, 'book', '

ولعلّه من الواضح أنّ هذه التفاصيل ليست عقلائيّة، فالصحيح أنّ إتلاف الأعمال الذي يترقّب أن يكون موضوعاً للضمان هو بمعنى هدر القابليّة للعمل، وقد حصل ذلك بالسجن سواء كان العامل أجيراً أو كسوباً أوْ لا، فلعلّ الأولى هو التفسير الأوّل الذي ذكرناه بعد فرض تسليم الفرق عقلائيّاً بين الأجير وغيره، والكسوب وغيره، والحرّ والعبد.

ولو قتل شخص حرّاً فلا إشكال في أنّه لا يضمن عقلائيّاً عمله، وإنّما يصار إلى القصاص أو الدية، ولا يكفي في تفسير عدم الضمان هنا ما ذكرناه في حبس الحرّ، إذ لو كان هذا هو التفسير الوحيد لذلك لزم ضمان العمل في الأجير أو الكسوب لدى القتل بناءً على ثبوت الضمان فيهما في الحبس.

وبالإمكان تفسير ذلك بأنّ عدم ضمان عمل الحرّ لدى قتله يكون من قبيل عدم ثبوت ضمان لمنفعة العين في مقابل ضمان العين لدى إتلافها، فكما أنّ ضمان منفعة العين مندكّ في ضمان العين كذلك ضمان عمل الحرّ مندكّ في ضمان الحرّ المتمثّل في القصاص أو الدية، بفرق أنّ ضمان منفعة العين المندكّ في ضمان العين يؤثّر في مقدار الضمان قيميّاً، فالعين المضمونة بالقيمة تكثر وتقلّ قيمتها المضمونة على أثر عوامل أحدها كثرة وقلّة منافعها، لكنّ العقلاء حدّدوا الضمان في قتل الحرّ بمبلغ معيّن من الدية أو القصاص أيّاً كانت منفعته، أو لم تكن له منفعة أصلا، وذلك تغليباً لأصل حرمة الإنسان كإنسان على منافعه التي تعتبر لا شيء بالنسبة إليه.

وقد يقال: إنّ ضمان منافع الحرّ في الحبس أولى من ضمان منافع العين، لأنّ منفعة العين مندكّة قيمةً وملكيّة في العين، فلا يملك صاحب العين ـ  إضافة إلى العين  ـ شيئاً اسمه المنفعة، وليست للمنفعة قيمة إضافة إلى قيمة العين، وإنّما المنفعة

', '', 49), (12, 50, 'book', '

حيثيّة تعليليّة لتقييم العين، وهذا بخلاف عمل الحرّ، فإنّ الحرّ غير مملوكولا  يقيّم، فيقيّم عمله مستقلاًّ عنه، ويملك مستقلاًّ عنه.

والجواب: أنّ اندكاك قيمة المنفعة وملكيّتها في العين صحيح، ولذا لا يضمن منفعتها إضافة إلى ضمان العين لدى إتلافها، ولكن هذا لا ينافي ضمانها مستقلاًّ حينما لا يوجد ضمان للعين كما لو حبس العين ولم يتلفها، وكما لو استوفى منفعتها ولم يتلفها. ولهذا أيضاً في باب الإيجار تتصوّر ملكيّة المنفعة رغم عدم ملكيّة العين. وفي الحرّ أيضاً يتبلور اندكاك ضمان المنفعة في العين لدى القتل كما مضى، فإنّ عين الحرّ وإن لم تكن مملوكة بالملكيّة الاعتباريّة لكنّ عمله أيضاً لم يكن مملوكاً بالملكيّة الاعتباريّة، وملكيّة عمله لنفسه من سنخ مالكيّة الإنسان لنفسه، أي أنّه هو أولى من غيره بنفسه وبعمله. وأمـّا في مورد الحبس فقد مضى بيان نكتة الفرق بين الحرّ وغيره.

ملكيّة الذمم:

وأمـّا الذمم: فالذمّة ـ  في الحقيقة  ـ وعاء اعتباريّ افترضه العقلاء للأموال الرمزيّة التي لا وجود لها في الخارج كي يكون موطناً لتلك الأموال التي تتّخذ كرمز للأموال الخارجيّة، وتطبّق حين التنفيذ والأداء على الخارج تطبيقاً للرمز على ذي الرمز.

وقد كان هذا الاعتبار من قبل العقلاء تسييراً للمعاملات وتكييفاً عقلائيّاً لها، وتسهيلا لتمشية الاُمور. فقد يحتاج الشخص إلى إيقاع المعاملة على شيء لا يمتلكه خارجاً، فيبيع عيناً غير مملوكة له، أو يشتري بثمن لا يمتلكه، فيكون طريق حلّ الإشكال في هذه المعاملة هو البيع في الذمّة أو الشراء بالذمّة. وقد يمتلك المال خارجاً لكنّه لا يريد أن يفقده، وفي نفس الوقت هو بحاجة إلى إيقاع

', '', 50), (12, 51, 'book', '

المعاملة على سنخ ما يمتلكه، فيوقع المعاملة على الذمّة. وقد يقتضي القانونتغريم شخص مّا من دون غرض في التحجير على ماله و تحجيم ممتلكاته، وذلك كمن أتلف مال غيره فيفترض تعلّق ملك المغرم له بما في ذمّة هذا الشخص جمعاً بين بقاء الأموال الخارجيّة للمتلف على حرّيّتها وقدرة التصرّف المعامليّ لمن تلف ماله في ما يكون له في ذمّة المتلف، وكذلك في القرض مثلا تصبح عين المال ملكاً للمقترض ولكن تستقرّ ماليّته أو مثليّته في ذمّته، ويمكن إيقاع بعض المعاملات عليها.

اختلاف الذمّة عن العهدة:

والذمّة تختلف عن العهدة، ويظهر من الكلمات المنقولة عن المحقّق النائيني (رحمه الله): أنّ الفرق الجوهري بينهما هو أنّ الأموال الخارجيّة أو أداءها تكون في العهدة لا في الذمّة، والذمّة وعاء للأموال الكلّية فحسب(1).

والواقع أنّ كون العهدة وعاءً لأداء الأموال الخارجيّة صحيح فإنـّها وعاءٌ للتكاليف وما يلزم على الإنسان من أعمال ومنها أداء الأموال الخارجيّة. وأمـّا كون الذمّة وعاءً للأموال الكلّية فايضاً صحيح على أن يكون المقصود به ما جاء في تعابير اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من كونها وعاءً للأموال الرمزية.

هذا وربّما يكون في العهدة أداء مال مّا من دون تعيّن خارجيّ لذاك المال، ولا يكون ذاك المال رغم كلّيّته شاغلا للذمّة كما في نفقة الأقارب الواجبة على الإنسان، فعهدة الإنسان مشغولة بنفقة الأقارب بينما ذمّته غير مشغولة بها، ولا

', '

(1) راجع كتاب المكاسب والبيع للشيخ الآملي 1: 352، وكتاب منية الطالب للشيخ موسى النجفي 1: 141 السطر 7 و ص 145 س 12 و ص 147 س 15.

', 51), (12, 52, 'book', '

ضمان عليه لو ترك، فلو مات مثلا لم تؤخذ النفقة الماضية التي لم يؤدّها من التركة، وربّما يكون المال الكلّي مرتبطاً بالعهدة والذمّة معاً، كما في من أتلف مال غيره فقد انشغلت ذمّته بالمال وانشغلت عهدته بوجوب إفراغ الذمّة وأداء المال، بينما الطفل الصغير الذي أتلف مال غيره مثلا انشغلت ذمّته بالمال لكن ليس على عهدته شيء، ولو استدان مالا من كافر حربيّ انشغلت ذمّته ولكن ليس على عهدته الأداء، وبإمكانه أن يمتلك ما في ذمّته فيسقط عنه وتفرغ ذمّته، وطبيعيّ أنّ المال الخارجيّ لا يشغل الذمّة لأنّ الذمّة وعاء اعتباريّ فرض كمحلٍّ لاستيعاب الأموال التي لم يستوعبها الظرف الخارجيّ. أمـّا المال الموجود في ظرف الخارج فليس بحاجة إلى ظرف اعتباريّ من هذا القبيل.

هذا، والذي يبيع كلّيّاً في ذمّته وإن كان لا يوجد قبل البيع مال في ذمّته يمتلكه كي يبيعه لكن يكفي إشباعاً للقانون العقلائيّ الذي يقول: لا بيع إلّا في ملك، مالكيّة الإنسان لنفس الذمّة التي هي من سنخ مالكيّته لنفسه ولأعماله، فهو أولى بإشغال ذمّته من غيره أو إبقائها على الفراغ.

المفهوم الفقهي للدَين مقارناً للقانون الوضعي:

والدَين في مفهومه الفقهيّ لدينا هو المال الكلّي الاعتباريّ الرمزي الذي أشغل وعاء الذمّة الذي يفترض لصيقاً بالإنسان، ولكنّه في مفاهيم الفقه الغربيّ ليس عدا مجرّد التزام شخص لشخص، فهو أقرب شيء إلى مفهوم انشغال العهدة لدينا، ورابطة بين إنسان وإنسان، لا بين إنسان ومال، وكان هذا هو الفرق عندهم بين ما يسمّونه بالحقّ الشخصيّ وما يسمّونه بالحقّ العينيّ، فالحقّ العينيّ هو الذي يربط الإنسان بعين خارجيّة، والحقّ الشخصيّ هو الذي يربط الإنسان بإنسان آخر. وقال الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوريّ متحدّثاً عن الرابط بين الدائن والمدين:

$

', '', 52), (12, 53, 'book', '

ولم تثبت هذه الرابطة على حال واحدة، بل إنّها تطوّرت، فكانت في أوّل أمرها سلطة تعطى للدائن على جسم المدين لا على ماله، وكان هذا هو الذي يميّز بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ، فالأوّل سلطة تعطى للشخص على شيء، والثاني سلطة تعطى للشخص على شخص آخر، وكانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة يدخل فيها حقّ الإعدام وحقّ الاسترقاق وحقّ التصرّف، ثمّ تلطّفت هذه السلطة فصارت مقصورة على التنفيذ البدني بحبس المدين مثلا، ولم يصل الدائن إلى التنفيذ على مال المدين إلّا بعد تطوّر طويل، فأصبح للالتزام منذ عهد الرومان مظهران: مظهر باعتباره رابطة شخصيّة فيما بين الدائن والمدين، ومظهر باعتباره عنصراً ماليّاً يقوم حقّاً لذمّة الدائن ويترتّب دَيناً في ذمّة المدين. ولا يزال الالتزام محتفظاً بهذين المظهرين إلى الوقت الحاضر وإن اختلفت المذاهب فيه، فمذهب يغلّب الناحية الشخصيّة وهو المذهب الفرنسيّ التقليديّ الموروث عن القانون الرومانيّ، ومذهب يغلّب الناحية الماليّة وهو المذهب الألمانيّ الحديث....

وأشهر من قال بالمذهب الشخصيّ من فقهاء الألمان (سافيني) فقد كان يرى الالتزام رابطة شخصيّة تخضع المدين للدائن، وهي صورة مصغّرة من الرقّ، فالسلطة التي تمنح لشخص على شخص آخر قد تستغرق حرّيّة من يخضع لهذه السلطة، وهذا هو الرقّ الكامل والملكيّة التامّة، وقد لا تتناول السلطة إلّا بعض هذه الحرّيّة، ولا تمتدّ إلّا إلى جزء من نشاط المدين، فيترتّب من ذلك حقّ للدائن قريب من حقّ الملكيّة ولكنّه ليس إيّاها، فهو حقّ خاصّ بعمل معيّن من أعمال المدين....

هذه النظريّة قام في وجهها فقهاء الألمان وعلى رأسهم (چييريك) وأبوا أن

', '', 53), (12, 54, 'book', '

تستقرّ في الفقه الألمانيّ بعد أن عملوا على تحرير قانونهم من النظريّات الرومانيّة وغلّبوا النظريّات الجرمانيّة الأصل عليها، وقد بيّن چييريك أنّ الفكرة الجرمانيّة في الالتزام لا تقف عند الرابطة الشخصيّة كما كان الأمر في القانون الروماني، بل تنظر إلى محلّ الالتزام وهو العنصر الأساسيّ وتجرّده من الرابطة الشخصيّة حتّى يصبح الالتزام عنصراً ماليّاً أكثر منه علاقة شخصيّة، فينفصل الالتزام بذلك عن شخص الدائن وعن شخص المدين، ويختلط بمحلّه فيصبح شيئاً مادّيّاً العبرة فيه بقيمته الماليّة(1).

ومن هنا دخلت فكرة الذمّة في الفقه الغربي، إلّا أنّها اختلفت عن فكرة الذمّة عندنا، فبينما الذمّة عندنا وعاء اعتباريّ لصيق بالإنسان لا علاقة له بأمواله الخارجيّة كانت لديهم عبارة عمّا يسمّى بالثروة أو بالذمّة الماليّة، وهي وعاء تستوعب كلّ أموال الإنسان الخارجيّة وغيرها إيجابيّة وسلبيّة. ففي الذمّة الماليّة عندهم عنصران: عنصر إيجابيّ هو الحقوق، وعنصر سلبيّ هو التكليفات، والذمّة تتكوّن من العنصرين معاً. وحاصل الفرق بين العنصرين يسمّى الصافي، وقد تكون الذمّه خالية ليس فيها حقوق ولا تكليفات كذمّة الوليد الذي ليس له مال(2).

هذا، والتصوير القديم للفقه الغربي لمعنى الدَين وفهمهم لحقيقة الالتزام الشخصيّ أدّى إلى عدم تصويرهم لحوالة المدين إلى شخص آخر في دَينه، وهذه هي الحوالة في فقهنا وهي حوالة الدَين في فقههم، أو تغيير الدائن من شخص إلى

', '

(1) الوسيط 1: 118 - 120 الفقرة 7 - 9 بحسب الطبعة الثانية.

(2) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد للاُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء 3: 233 الفقرة 128 بحسب الطبعة الخامسة.

', 54), (12, 55, 'book', '

آخر، وهذا ما يتصوّر في فقهنا ضمن بيع الدَين أو هبته، ويسمّى في فقههم بحوالة الحقّ. قال الدكتور السنهوري:

قد كانت فكرة الرابطة الشخصيّة هي الفكرة السائدة في القانون الرومانيّ، ثمّ سادت بعد ذلك عصوراً طويلة في القوانين اللاتينيّة، فلم يكن يمكن معها تصوّر انتقال الالتزام لا من دائن إلى دائن آخر، ولا من مدين إلى مدين آخر، على أنّ استعصاء الالتزام على الانتقال لم يثبت في هذه القوانين القديمة إلّا في انتقاله فيما بين الأحياء. أمـّا انتقال الالتزام إلى الوارث بسبب الموت فإنّ هذه القوانين لم تلبث أن استساغته منذ عهد طويل... فينتقل الالتزام من الدائن عند موته إلى ورثته من بعده، ويصبح هؤلاء هم الدائنون مكانه، وكذلك ينتقل الالتزام من المدين عند موته إلى ورثته من بعده، ويصبح هؤلاء هم المدينون مكانه... وتعتبر شخصيّة الوارث إنّما هي استمرار لشخصيّة المورّث، فكأنّ الالتزام لم ينتقل إلى شخص جديد بموت صاحبه، بل بقي عند صاحبه ممثّلا في شخص الوارث...

وقد يبدو أنّ الالتزام يتحوّر في الشرائع الغربيّة إذا هو انتقل من المدين إلى وارثه وقَبِل الوارث الميراث محتفظاً بحقّ التجريد، فيفصل أموال التركة عن أمواله الشخصيّة ولا يكون مسؤولا عن ديون التركة إلّا في المال الذي ورثه، فيصبح الالتزام بعد أن انتقل إلى الوارث لا يمكن التنفيذ به إلّا على أموال التركة التي انتقلت إلى هذا الوارث، ولكن هذا التحوير ليس تحويراً حقيقيّاً، فالواقع من الأمر أنّ الالتزام بقي ـ  من ناحية المال الذي يجوز التنفيذ عليه  ـ كما كان في حياة المورّث، فقد كان عندئذ لا يمكن التنفيذ به إلّا على ماله فبقي كما كان....

وإذا كان قد أمكن في انتقال الالتزام بسبب الموت جعل الوارث خلفاً عامّاً

', '', 55), (12, 56, 'book', '

للمورّث، وتصوير هذه الخلافة العامّة كأنـّها استمرار لشخصيّة المورّث، ففي انتقال الالتزام ما بين الأحياء حيث الخلافة خاصّة لا يمكن تصوير هذه الخلافة الخاصّة حال الحياة كما أمكن تصوير الخلافة العامّة بعد الموت استمراراً لشخصيّة السلف، ذلك أنّه إذا أمكن القول بأنّ المورّث ـ  وقد زالت شخصيّته بالموت  ـ يتصوّر استمرارها في شخص الوارث فإنـّه يتعذّر القول بأنّ السلف وهو لا يزال حيّاً تستمرّ شخصيّته في شخصيّة خلفه الخاصّ.

من أجل ذلك لم يكن ممكناً أن ينتقل الالتزام حال الحياة في القانون الروماني من دائن إلى دائن آخر، أو من مدين إلى مدين آخر عن طريق حوالة الحقّ أو عن طريق حوالة الدَين، ولم يكن ممكناً إذا اُريد تغيير شخص الدائن إلّا تجديد الالتزام بتغيير الدائن، أو اُريد تغيير شخص المدين إلّا بتجديد الالتزام بتغيير المدين، وفي الحالتين لم يكن الالتزام ذاته بمقوّماته وخصائصه هو الذي ينتقل من شخص إلى شخص آخر، بل كان الالتزام الأصليّ ينقضي بالتجديد، وينشأ مكانه التزام جديد بمقوّمات وخصائص غير المقوّمات والخصائص التي كانت للالتزام الأصليّ، وفي هذا الالتزام الجديد كان يتغيّر شخص الدائن، أو يتغيّر شخص المدين.

على أنّ الرومان كانوا يلجأون إلى طريقة اُخرى لتحويل الالتزام من دائن إلى دائن آخر دون تدخّل من المدين، فكان الدائن الأصليّ يوكّل من يريد تحويل الالتزام إليه في قبض الدَين باسمه من المدين، وكان هذا التوكيل وسيلة يستطيع بها الوكيل أن يقبض الدَين من المدين دون حاجة إلى رضائه بتحويل الدَين، ولكن هذه الطريقة لم تكن مأمونة، فإنّ الدائن الأصليّ كان يستطيع أن يعزل الوكيل قبل أن يقبض الدَين.

$

', '', 56), (12, 57, 'book', '

وبقي القانون الرومانيّ على هذه الحال دون أن يعرف لا حوالة الحقّ ولا حوالة الدَين، وبقيت الحوالة مجهولة مدةً طويلة في القانون الفرنسيّ القديم يتحايلون عليها عن طريق التوكيل بقبض الدَين الذي كان القانون الروماني يلجأ إليه حتى أصبح هذا الطريق مألوفاً، ومنه دخلت حوالة الحقّ في القانون الفرنسيّ القديم، وأصبح مسلّماً في هذا القانون أنّه يجوز للدائن أن يحوّل حقّه إلى دائن آخر دون حاجة إلى الحصول على رضاء المدين بالحوالة، على غرار التوكيل بالقبض الذي أصبح مفترضاً دون نصّ. وهذا بالرغم من أنّ التحليل القانونيّ الدقيق... يستعصي على أن ينتقل الالتزام وهو رابطة شخصيّة من دائن إلى دائن آخر.

وساعد على إمكان انتقال الالتزام من دائن إلى دائن آخر أنّ فكرة الالتزام باعتباره رابطة شخصية أخذت تتطوّر، وأخذ العنصر المادّيّ في الالتزام يبرز شيئاً فشيئاً، فأصبح من السهل أن نتصوّر أنّ الالتزام باعتباره قيمة ماليّة لا باعتباره رابطة شخصيّة، وبالنسبة إلى موضوعه لا بالنسبة إلى أطرافه ينتقل من دائن إلى دائن آخر.

ولكنّ التطوّر في القوانين اللاتينيّة وقف عند هذا الحدّ، ولم يصل القانون الفرنسيّ حتى اليوم إلى تنظيم حوالة الدَين، أي انتقال الالتزام من مدين إلى مدين آخر، وليس هناك سبيل إلى تغيير المدين في الالتزام إلّا عن طريق التجديد أو الإنابة في الوفاء، ذلك أنّ شخصيّة المدين في الالتزام أكبر خطراً من شخصيّة الدائن، فعلى شخصيّة المدين ومقدار يساره وحُسن استعداده للوفاء بدَينه تتوقّف قيمة الدَين، فلم يكن من السهل التسليم بتحويل الالتزام من مدين إلى مدين آخر دون أن يكون الدائن طرفاً في هذا التحويل عن طريق التجديد، لأنّ الدائن يأبى

', '', 57), (12, 58, 'book', '

أن يتغيّر عليه المدين من دون رضائه، ويعنيه من تغيير مدينه ما لا يعني المدين من تغيير دائنه، فبقيت القوانين اللاتينيّة عند هذه المرحلة من التطوّر لم تستكمله إلى غايته، وذلك مع استثناء التقنين المدني الإيطالي الجديد، فقد أقرّ حوالة الدَين عند الكلام في الإنابة في الوفاء....

أمـّا التقنينات الجرمانيّة فقد سارت في التطوّر إلى نهاية الطريق، وما دامت فكرة الالتزام قد تطوّرت فأصبح الالتزام قيمة مادّيّة أكثر منه رابطة شخصيّة، وما دام قد أمكن تصوّر انتقال الالتزام من دائن إلى دائن آخر فما الذي يحول دون التسليم بانتقاله من مدين إلى مدين آخر ومن ثمّ يعرف كلّ من التقنين المدنيّ الألمانيّ (م 1414 - 1419) وتقنين الالتزامات السويسريّ (م 175 - 183) إلى جانب حوالة الحقّ حوالة الدَين(1). هذا ما أردنا نقله هنا من مقاطع من عبائر السنهوريّ بنصّها.

حوالة الدَين مقارناً للقانون الوضعي:

وفي فقهنا الإسلاميّ يوجد باب باسم باب الحوالة، ويقصدون بالحوالة حوالة الدَين. أمـّا اصطلاح حوالة الحقّ فلم يرد في فقهنا، فقد يتراءى في النظر ـ  على هذا الأساسـ   أنّ الفقه الإسلاميّ عرف حوالة الدين بين الأحياء ولم يعرف حوالة الحقّ خاصّة إذا نظرنا إلى الفقه السنّي الذي لا يعترف ـ  في غالب مذاهبه  ـ ببيع الدَين أو هبته، إلّا في المذهب المالكيّ في الجملة(2).

وهذا شيء غير ممكن أن يقع في فقه مّا على رأي الدكتور السنهوريّ، وإلّا

', '

(1) الوسيط 3: 414 - 419 الفقرة 237 ـ 239.

(2) راجع الوسيط 3: 421 و  434 ـ 437 الفقرة 240.

', 58), (12, 59, 'book', '

كان هذا بدعاً في تطوّر القانون ـ  على حدّ تعبيره ـ وذلك لأمرين:

أحدهما: أنّه من غير الطبيعي أن يعرف نظام قانونيّ حوالة الدَين قبل أن يعرف حوالة الحقّ، لما مضى من أنّ رابطة الالتزام بالمدين أشدّ وأقوى منها بالدائن، وشخصيّة المدين أخطر في هذه الرابطة من شخصيّة الدائن.

وثانيهما: أنّه من غير الطبيعي أن يسلّم نظام قانونيّ بانتقال الدَين بين الأحياء من مدين إلى آخر وهو لم يعترف بانتقاله بسبب الموت، لأنّ تصوّر قيام الوارث مقام الميّت أسهل من تصوّر قيام شخص مقام من هو حيّ يرزق ـ  كما مضى  ـ والإسلام لا يعترف بانتقال ديون الميّت إلى الوارث.

وهنا يواجه الدكتور السنهوري فتاوى الفقهاء الاسلاميّين الذين أفتوا بحوالة الدَين فيما بين الأحياء، بينما لم يفتوا بانتقال الدَين بالموت إلى الوارث، ولا بحوالة الحقّ إلّا في المذهب المالكيّ الذي اعترف به في الجملة ـ  على حدّ تعبيره  ـ وطبعاً هو ينظر إلى فتاوى فقهاء العامّة وليس على اطّلاع من فتاوى فقهاء الشيعة.

ويتصدّى لتوجيه هذه الفتاوى وتفسيرها بالنحو الذي لا يعارض ما ذكره من عدم إمكان معرفة حوالة الدَين قبل معرفة حوالة الحقّ، وعدم إمكان معرفة انتقال الدَين بين الأحياء قبل معرفة انتقاله بالموت، ويقيم بعض الشواهد على تفسيره، وهو يأخذ الرأي الإسلاميّ من كتب السنّة كما قلنا، ويستخلص من كلامه حول الموضوع ما يلي:

إنّ حوالة الحقّ بين الأحياء لم يعترف بها أحد من المذاهب الأربعة عدا المذهب المالكيّ،حيث أقرّهافيمايسمّيه بهبة الدَين وببيع الدَين ضمن بعض الشروط. أمـّا المذاهب الثلاثة الاُخرى فلا تجيز بيع الدَين أو هبته من غير من هو عليه.

وأمـّا حوالة الدَين فإن فرضت حوالة على البريء فهي ممّا لا تعترف به

', '', 59), (12, 60, 'book', '

المذاهب الثلاثة، أي غير المذهب الحنفي، فالذي يبقى مورداً للبحث عن أنّه هل يخالف سلّم التطوّر المفروض في الفقه أوْ لا  ؟ إنّما هي الحوالة على البريء في الفقه الحنفيّ، والحوالة على المدين في كلّ المذاهب الأربعة.

على أنّ المعترفين بالحوالة منهم من يُرجع ـ  في الحقيقة  ـ الحوالة إلى باب الضمان(1) كزفر من الحنفيّين، حيث يفسّرها بضمّ ذمّة المحال عليه إلى ذمّة المدين في المطالبة، فهذا أيضاً يخرج من موضوع البحث، لأنّ الدَين لم ينتقل في الحقيقة إلى المحال عليه، وغاية الأمر أنّ الدائن له حقّ مطالبة المحال عليه كما له حقّ مطالبة المدين كما هو الحال في باب الضمان(2).

ومنهم من يفسّر الحوالة بمعنى انتقال المطالبة وحدها دون الدَين من المدين إلى المحال عليه، كما قال به محمّد من الحنفيّين، وهذا أيضاً خروج عن موضع البحث، لأنّ الدَين لم ينتقل، فلو أراد المدين أن يقضي الدَين لا يكون متبرّعاً، لأنّه لا زال مديناً وليس من حقّ الدائن الامتناع من الاستيفاء. ولو أبرأ الدائن المحال عليه لا يسقط بهذا دَينه، ولا يرجع المحال عليه على المدين ولو كانت الحوالة بأمره، لأنّ الدائن لم يبرئ المحال عليه من الدَين، بل من مجرّد المطالبة ولو توى الدَين عند المحال عليه بمثل الموت أو الفلس أو الإنكار مع

', '

(1) عبّر السنهوري هنا بالكفالة، ومقصوده هو ما نسمّيه بالضمان.

(2) هذا جريٌ على ما هو المنسوب إلى المشهور في فقه السنّة من أنّ الضمان ضمّ ذمّة إلى ذمّة، خلافاً لما عند الشيعة من أنـّه نقل من الذمّة إلى ذمّة اُخرى.

وأظنّ أنّ واقع مقصودهم هو ضمّ عهدة إلى عهدة لا الذمّة بمعناها الدقيق الذي شرحناها في ما سبق، فلا يرد عليهم ما جاء في الجواهر من الاستشكال في تصوّر شغل ذمّتين فصاعداً بمال واحد. راجع الجواهر 26: 113، أوّل كتاب الضمان.

', 60), (12, 61, 'book', '

عدم البيّنة عادت المطالبة إلى المدين، فيرجع عليه الدائن بالدَين نفسه لا بالضمان، بينما لو كان الدَين قد انتقل إلى المحال عليه لما كان للدائن الرجوع بنفس الدَين، وإنّما كان يرجع عليه بعنوان ضمان الدَين التالف.

والخلاصة: أنّ الحوالة على هذا المسلك راجعة أيضاً إلى الضمان(1)، إلّا أنّه ضمان محوّر يختلف عن الضمان العادي، لأنّ الضمان العادي يكون الدائن فيه بالخيار إن شاء طالب المدين الأصليّ، وإن شاء طالب الضامن، بينما في المقام يطالب أوّلا المحال عليه، فإن توى الدين عنده طالب المدين.

فالذي يبقى مورداً للبحث إنّما هو ما جاء في مثل رأي أبي حنيفة وأبي يوسف من تفسير الحوالة بانتقال الدَين من ذمّة المدين إلى ذمّة المحال عليه، وهذا أيضاً يجب صرفه عن معنى الحوالة. بمحتواها الدقيق إلى طريقة التجديد، ولا يصحّ حمله على حوالة الدَين كما يشهد لذلك أمران ـ  والاستشهاد بثاني الأمرين على المطلوب هو صريح كلام السنهوري، والاستشهاد بالأمر الأوّل يظهر من بعض عبائره  ـ وهما ما يلي:

1 ـ في غير المذهب الحنفيّ لم يعترف بالحوالة على البريء، وإنّما الموجود فيها بالنسبة للبريء هو الضمان(2). أفلا يعني هذا أنّ ما اعترفوا به من الحوالة على المدين إنّما قصدوا بذلك أنّ المدين يوفي عن طريق ما يسمّى بالحوالة الدَين الذي عليه للدائن بالحقّ الذي له في ذمّة المحال عليه  ؟ فهو بدلا من أن يستوفي حقّه من المحال عليه ثمّ يوفي بهذا الحقّ الذي استوفاه الدَين الذي

', '

(1) عبّر السنهوري بالكفالة.

(2) عبّر السنهوري بالكفالة.

', 61), (12, 62, 'book', '

عليه للدائن يختصر هاتين العمليّتين في عمليّة واحدة، فيقضي الدَين الذي عليه بالحقّ الذي له دون أن يستوفي شيئاً من مدينه أو يوفي شيئاً لدائنه، بل يقتصر على أن يحيل دائنه على مدينه، وذلك لا يعني الاعتراف بفكرة الحوالة بمعناها الدقيق، وإلّا لاعترفوا بها في الحوالة على البريء، ففيها تتجلّى الحوالة بالمعنى الدقيق لا في الحوالة على دَين المدين الراجعة إلى لون من الوفاء يفسّر على أساس التجديد بتغيير المدين.

2 ـ أنّه سواء تكلّمنا على المذهب الحنفي أو غيره فالتأمينات التي كانت على الدَين المحال به من قِبل المدين المحيل تنقضي، بينما لو كان هذا انتقالا للدَين نفسه لا تجديداً بتغيير المدين لانتقل مع الاحتفاظ بما لَه من تأمينات(1).

ويستبعد أيضاً السنهوري إرجاع الحوالة على المدين إلى حوالة الحقّ بأن يفترض أنّ المحيل ـ  في الحقيقة  ـ قد نقل الحقّ الذي كان له على المحال عليه إلى دائنه، ويستشهد لهذا الاستبعاد بوجوه، وبحثه في هذا الجانب وإن كان في فرض المذاهب الثلاثة الاُخرى غير المذهب الحنفي ولكن بعض تلك الشواهد ـ  على الأقلّ  ـ مشترك في الحقيقة بين المذاهب الأربعة، وهي كما يلي:

1 ـ أنّ تأمينات دَين المحال عليه التي كانت للمحيل لا تنتقل إلى دائن المحيل.

2 ـ لو كان للمحال عليه عذر به يمتنع عن أداء الدَين إلى المحيل ولم يكن ذاك العذر راجعاً إلى مجرّد علاقة الدائنيّة والمديونيّة لم ينتقل في صريح بعض الفتاوى العذر مع انتقال الدَين إلى المحال. وجاء في الوسيط في التعليق الموجود تحت الخطّ مثال ذلك كما يلي:

$

', '

(1) راجع الوسيط 3: 421 - 433 الفقرة 240.

', 62), (12, 63, 'book', '

جاء في كتاب المهذّب: وإن أحال البائع رجلا على المشتري بالألف ثمّ ردّ المشتري المبيع بعيب لم تبطل الحوالة وجهاً واحداً، لأنّه تعلّق بالحوالة حقّ غير المتعاقدين وهو الاجنبيّ المحتال، فلم يجز إبطالها.

3 ـ لو كان هذا الحقّ قد انتقل إلى الدائن المحال وكان المحال عليه معسراً وقت الحوالة أو أعسر بعد ذلك فقد كان ينبغي أن يضمن المدين المحيل الدَين لدائنه، بينما الذي يظهر من الفتاوى أنّ المدين لا يضمن إعسار المحال عليه.

4 ـ ولو كان مقدّراً لهذا الحقّ أن ينتقل إلى الدائن ولكن لم يتمكّن المدين من نقله كأن كان الحقّ ثمناً لمبيع استحقّ أو كان وديعة فهلكت فقد كان ينبغي أن يعتبر الدائن غير مستوف لدينه، أو أنّ الحقّ لم ينتقل إليه، فيبقي الدائن دَينه في ذمّة المدين، ولكن هذا الحكم لا يظهر في وضوح من النصوص(1).

أقول: الشاهد الرابع نقلته بنصّه، وكأنّ مقصوده بكون الحقّ ثمناً لمبيع استحقّ هو أنّ المحال عليه كان قد اشترى من المحيل شيئاً بثمن ولم يكن قد أدّى الثمن فحوّل البائع دائنه على هذا الثمن ولكن تبيّن أنّ الثمن قد استحقّه المحال عليه بسبب من أسباب انفساخ البيع كالتلف قبل القبض مثلا، فلو كان هذا عبارة عن حوالة الحقّ بالمعنى الدقيق للكلمة للزم أن تكون الحوالة باطلة، إذ ظهر أنّها حوالة على ثمن خياليّ لا واقع له، أفلا يعني فرض عدم بطلانها أنّه لم يحوّل في المقام نفس الحقّ وإنّما اُحدث حقّ جديد بين الدائن والمحال عليه.

أمـّا مثال الحوالة على الوديعة التي تلفت فخروج عن المقام، لأنّها حوالة على عين خارجيّة لا على إنسان كي نبحث عن أنّ هذا هل هو حوالة حقّ بالمعنى

', '

(1) راجع الوسيط 3: 430 - 431 الفقرة 240.

', 63), (12, 64, 'book', '

الدقيق للكلمة أو إنهاءٌ لحقّ وتجديد لحقّ آخر  ؟ فواقع الأمر ليس هذا ولا ذاك، بل هو محاولة لأداء الدَين بعين خارجيّة انكشف تلفها، فالمفروض كون الأداء باطلا على كلّ تقدير.

بل أنّ مسألة عدم اعتبار الدائن غير مستوف لدَينه في مثال حوالته على ثمن المبيع أيضاً لا تصلح شاهداً على عدم حوالة الحقّ، فإنّه حتّى لو لم يفرض إرجاع الثمن إلى الشخص الثالث حوالة للحقّ بالمعنى الدقيق للكلمة وفرض أنّ واقع المطلب إنهاء دَين المحيل ودَين المحال عليه وإيجاد دَين جديد لصالح المحال فلا شك في أنّ إنهاء دَين المحيل كان مشروطاً بإيجاد الدَين الجديد في صالح المحال المشروط بدوره بثبوت الثمن على المحال عليه، فعدم إمكان نقل ذلك إلى المحال يؤدّي ـ  لا محالة  ـ إلى رجوع المحال إلى المحيل. إذن فالإفتاء بعدم رجوعه اليه ـ  لو تمّ  ـ يكون ذلك حياديّاً تجاه مسألتنا، وهي كون المقام من حوالة الحقّ وعدمه.

وبهذا يظهر أنّ الشاهد الثالث أيضاً حياديّ تجاه بحثنا، فإنّ المفروض أن يضمن المحيل الدَين لدائنه عند إعسار المحال عليه على كلّ حال، أي سواء تصوّرنا في المقام حوالة الحقّ أو لا فإنّ الرضا بسقوط دَين المحيل ـ  على أيّ حال  ـ كان مشروطاً بعدم إعسار المحال عليه. أمـّا إذا لم يكن مشروطاً بذلك فالمفروض سقوط دَينه وعدم الضمان على كلّ حال، فهذه المسألة حياديّة تجاه مسألتنا.

والشاهد الثاني أيضاً لا يكفي في نفي حوالة الحقّ في المقام، لأنّ العذر المانع عن أداء الدَين ليس ارتباطه بالدَين فقط بل له نسبة إلى الدائن أيضاً، إذ قد صار عذراً عن أداء الدَين لهذا الدائن، وعندئذ يجب أن يرى أن نسبته إلى كلا

', '', 64), (12, 65, 'book', '

الدائنَين هل هي على حدّ سواء أو أنّ هناك فرقاً بين الدائنَين جعله عذراً تجاه أحدهما دون الآخر  ؟ فلو أفتى أحد بأنّ المشتري لو ردّ المبيع بعيب لم تبطل الحوالة فلعلّه يعتقد أنّ العيب إنّما يؤثّر في الامتناع تجاه البائع، ولا يؤثّر في الامتناع تجاه إنسان أجنبيّ تعلّق حقّه بسبب الحوالة بالثمن.

ومن هنا يظهر أنّ الشاهد الأوّل أيضاً لا أثر له في المقام، فإنّ التأمينات لها علاقة بالدائن كما لها علاقة بالدَين، فقد يقال: إنّ التأمينات إنّما وضعت لدَين مّا تجاه دائن مّا، فإذا تبدّل الدائن لم يكن من الضروري تحوّل التأمينات إلى الدائن الجديد.

وأمـّا ما استدلّ به على نفي كون ما تعارف ذكره في الفقه الإسلاميّ من الحوالة عبارة عن حوالة الدَين بدقيق معنى الكلمة وهو أيضاً عبارة عن التأمينات بدعوى أنّ التأمينات لا تبقى على حالها لدى تبدّل المدين، وهذا يعني أنّ الدَين السابق انتفى ووجد دَين جديد، إذ لو كان نفس الدَين السابق قد انتقل إلى شخص آخر لكان يحتفظ الدَين بتأميناته.

فالجواب على ذلك: ما أفاده اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من أنّ التأمينات تجعل عادةً على دَين مّا وبلحاظ مدين مّا. أمـّا لو تبدّل المدين إلى شخص آخر فقد لا يرى الدائن حاجة إلى فرض تأمينات بالقياس له. نعم، لا مانع من افتراض النصّ منذ البدء على أنّ هذه التأمينات هي تأمينات على ذات هذا الدَين أينما حلّ، ومع هذا النصّ لا نتحاشى من ثبوت التأمينات على حالها، ولا يشترط في الرهن مثلا أن يكون ملكاً للمدين.

وأمـّا ما يظهر من بعض عبائر الوسيط كشاهد آخر على نفي كون ما سمّي بالحوالة في الفقه الإسلامي حوالة للدَين بالمعنى الدقيق للكلمة، وذلك في غير الفقه الحنفي من أنّهم لم يعترفوا بالحوالة على البريء، وخصّوا الحوالة بالحوالة على المدين، وهذا يعني أنّهم يقصدون بالحوالة الوفاء، وبما أنّه لا معنى للوفاء

', '', 65), (12, 66, 'book', '

في البريء ولذا خصّت الحوالة بالحوالة على المدين، والحوالة بالمعنى الحقيقي لا تكون إلّا في الحوالة المطلقة، أي غير المقيّدة بالدَين، وتخريج الحوالة التي ذكروها إنّما هو تجديد الدَين لا المعنى الدقيق لحوالة الدَين، فهذا كلام لا محصّل له، فإنّ فرض كون الحوالة على المدين وفاءً حياديّ تجاه تفسيرها بالمعنى الدقيق للحوالة وتفسيرها بمعنى تجديد الدين، ولئن كان تفسيرها بمعنى الحوالة يؤدّي إلى الاستفهام عن أنّها لماذا تخصّ بالمدين  ؟ كذلك تفسيرها بتجديد الدَين يؤدّي إلى نفس الاستفهام، وهو أنّه لماذا تخصّ بالمدين  ؟

نعم، لو كان عنوان الوفاء عنواناً مستقلاًّ بنفسه لا يفسّر على أساس الحوالة ولا على أساس تجديد الدَين لكان لاختصاص ذلك بالمدين دون البريء وجـه بأن يقال: إنّ المدين إنّما يوفي دَينه بما يملكه لا بمال إنسان بريء مثلا، ولكن السنهوري نفسه لم يفترض أنّ عنوان الوفاء بنفسه عنوان مستقلّ غير محتاج إلى تكييف، بل فرضه محتاجاً إلى تكييف، وذكر أنّ تكييفه يكون بمعنى تجديد الدَين لا الحوالة بمعناها الدقيق، وإذا كان عنوان الوفاء ليس هو التفسير والتكييف الكافيين للمسألة فلا أدري لماذا تكون الحوالة بمعناها الدقيق غير متصوّرة إلّا في الحوالة المطلقة دون الحوالة على الدَين  ؟  !

الحوالة على البريء في الفقه الشيعي:

وعلى أيّة حال، فلئن كان أغلب مذاهب السنّة غير معترف بالحوالة على البريء فالمشهور لدى الشيعة ـ  على ما جاء في الجواهر(1)  ـ هو الاعتراف بها.

وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بالنسبة لمن ينكر منهم الحوالة على البريء: أنّهذا الإنكار ليس لأجل الصعوبة في تصوير أصل الحوالة، بل لدعوى أنّ الحوالة على البريء ترجع إلى الضمان، فباب الضمان يختلف عن باب الحوالة بأنّ الحوالة

', '

(1) راجع الجواهر 26: 165.

', 66), (12, 67, 'book', '

تصدر من المدين إلى من يقع عليه الدَين بعد الحوالة، والضمان بالعكس، فهو شيء يصدر من نفس من يقع عليه الدَين، ويقال: إنّ الحوالة على البريء يرجع روحها إلى الضمان، فإنـّه ـ  في الحقيقة  ـ يصدر من الذي يقع عليه الدَين بهذه المعاملة التقبّل للدَين، وهذا عبارة عن الضمان، فلا تتصوّر الحوالة على البريء بنحو يفترق عن الضمان، هذا ما يذكر في المقام. وهذا ـ  كما ترى  ـ غير مربوط بصعوبة أصل تصوير الحوالة. والحقّ: أنّ الحوالة على البريء أيضاً صحيحة ولا ترجع إلى باب الضمان على تحقيق موكول إلى محلّه(1). انتهى ما أردنا نقله من اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

ولعلّه ينظر (رحمه الله) في تصحيحه للحوالة على البريء من دون رجوع إلى باب الضمان إلى ما ذكره في الجواهر من أنّ إنشاء الضمان يكون في باب الضمان من الضامن، وفي باب الحوالة من المحيل، غاية الأمر أنّه يفرض اشتراط رضا المحال عليه بما أنشأ المحيل من الحوالة، وهذا غير إنشاء الضمان منه مباشرة.

اختلاط التصوّرات عند (السنهوري) في باب الحوالة:

وأمّا أصل ما ذكره السنهوري من كون تصوير حوالة الدَين أصعب من تصوير حوالة الحقّ وتحميله لهذا الأمر على الفقه الإسلامي وأنّه لا يمكن للفقه الإسلامي معرفة حوالة الدَين قبل معرفة حوالة الحقّ فهذا ـ  كما ذكره اُستاذنا الشهيد (رحمه الله)  ـ خلط بين تصوّرات الفقه الغربي وتصوّرات الفقه الإسلامي فلئن واجه الفقه الغربي مشكلة من هذا القبيل على أساس أنّه يرى الدَين عبارة عن الالتزام ـ  وهو خيط بين الدائن والمدين  ـ لا مالا موجوداً في ذمّة المدين وعندئذ يصعب عليه تصوّر تبديل أحد طرفي الالتزام لأنّ الالتزام متقوّم بطرفيه فالفقه الإسلامي من أساسه لا يواجه مشكلة كهذه، لأنّه يرى أنّ الدَين مالٌ موجود في ذمّة المدين يتصوّر النقل والانتقال فيه على حدّ تصوّرهما في المال الخارجيّ.

$

', '

(1) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).

', 67), (12, 68, 'book', '

فحوالة الدَين عبارة عن نقل المال من مكان إلى مكان، أي من ذمّة إلى ذمّة. وحوالة الحقّ عبارة عن تبديل مالك هذا المال الموجود في الذمّة. وهذان أمران لا يرتبط أحدهما بالآخر، ويجوز للفقه أن يتصوّر أحدهما دون الآخر، سواء كان ما تصوّره عبارة عن حوالة الحقّ دون حوالة الدَين، أو بالعكس.

أمّا عدم اعتراف الإسلام بانتقال الدَين في باب الموت إلى الورثة مع اعترافه بانتقال الحقّ إليهم فليس بسبب ما يقوله السنهوري من أنّ تصوّر انتقال الدَين أصعب من تصوّر انتقال الحقّ، وإنّما هو بسبب ما قاله اُستاذنا الشهيد (رحمه الله)وهو:

أنّ الإسلام يرى أنّ الدَين عبارة عن مال موجود في الذمّة، وليس عبارة عن الالتزام كما جاء في الفقه الغربي، ويرى أنّ ذمّة الشخص لا تموت بموت الشخص، فإنـّها وعاء اعتباري قابل للبقاء حتّى بعد الموت، ولذا لا حاجة إلى قيام المورّث مقام الوارث في الدَين، فإنّ الوارث إنّما يقوم مقام المورّث في ما يكون المورّث ميّتاً بلحاظه، وهذا هو الحال بلحاظ أمواله الخارجيّة وبلحاظ ما كان يطلبه من غيره، ولذا عرف الفقه الإسلامي انتقال الحقّ في باب الإرث.

وأمّا بلحاظ الديون الثابتة على الميّت فذمّة الميّت باقية على حالها ما لم يوفّ دينه، ولا مجال لقيام الوارث مقامه، ويوفّى دينه من تركته ثمّ يورّث المال كما قال تعالى: ﴿من بعد وصيّة يوصى بها أو دين﴾(1)، وعلى هذا الأساس لا يقول الإسلام بما جاء في الفقه الغربي من انتقال ديون الميّت إلى الورثة وأدائهم إيّاها بمقدار ما ورثوه من التركة، بل يقول: إنّ دَين الميّت لا علاقة له بالورثة.

والصحيح أنّ التركة تبقى ملكاً للميّت، ويوفّى دينه الثابت في ذمّته بها لا أنّ الدَين يتعلّق بالتركة، وإن لم تفِ تركته بمقدار دَينه بقيت ذمّته مشغولة إلى أن يتبرع عنه متبرع. انتهى كلام اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

$

', '

(1) النساء: 12.

', 68), (12, 69, 'book', '

مع مصطفى الزرقاء:

هذا، وذكر الاُستاذ مصطفى الزرقاء أنّ حوالة الحقّ وحوالة الدَين ثابتتان معاً في الفقه الإسلامي في حوالة المدين دائنه على دَين مدين له، لأنّه تتحقّق بهذه حوالة الدائن وحوالة المدين في وقت واحد، فلو حوّل زيد دائنه وهو عمرو على مدين له وهو بكر فقد حوّل زيد المدين لعمرو دَينه على بكر، وهذه هي حوالة الدَين. وفي نفس الوقت قد حوّل زيد الدائن لبكر حقّه إلى عمرو فأصبح عمرو هو الدائن لبكر بدلا عن زيد، وهذه هي حوالة الحقّ(1).

وأورد على ذلك اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) بأنّ هذه الحوالة لا يمكن أن تكون حوالة دَين وحوالة حقّ في وقت واحد، بل يجب إمّا أن تكون حوالة دين فقط أو تكون حوالة حقّ فقط. فزيد إمـّا أن يحوّل الدَين الذي في ذمّته لعمرو على بكر استيفاءً لحقّه الذي له على بكر، وهذه هي حوالة الدَين الموجود في ذمّة زيد على بكر، أمـّا الدَين الذي يطلبه زيد من بكر فقد سقط. وإمـّا أن يحوّل الحقّ الذي له في ذمّة بكر إلى عمرو وفاءً لدَينه، وهذه هي حوالة الحقّ، وبهذا سقط الدَين الذي كان في ذمّته لعمرو.

وأمـّا إذا افترضنا أنّ هذه حوالة دَين وحوالة حقّ في وقت واحد فهذا يعني أن يكون كلا الدَينين ثابتين لعمرو على بكر، لأنّ الدَين الذي كان له على بكر حوّله لعمرو فملكه عمرو بحوالة الحقّ، والدَين الذي كان عليه لعمرو حوّله على بكر، فهو ما زال ملكاً لعمرو يستوفيه من بكر، وهذا يعني أن يأخذ عمرو المال من بكر مرّتين، وهو واضح البطلان(2).

$

', '

(1) راجع كتاب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: 75 - 78 الفقرة 32 - 33.

(2) من تقرير غير مطبوع لنا لبعض أبحاثه (رحمه الله).

', 69), (12, 70, 'book', '

ملكيّة المنافع:

وأمّا ملكيّة المنافع: فلا ينبغي الإشكال عقلائيّاً في اعتبار الملكيّة لها كما تعتبر للأعيان.

وقد نقل المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) في كتاب الإجارة إشكالين على ملكيّة المنفعة:

الإشكال الأوّل: أنّ منفعة الدار المستقبليّة حين إيجارها مثلا معدومة، والمعدوم لا يملك.

والإشكال الثاني: أنّ منفعة الدار مثلا سكناها، وهي من أعراض الساكن لا من أعراض الدار، وعرض الساكن لو كان مملوكاً فهو ملك لموضوعه وهو المستأجر مثلا الذي يسكن الدار لا مالك الدار الذي لا يسكنها.

وأجاب (رحمه الله) على الإشكال الأوّل بأنّ الملكيّة ليست من الأعراض المقوليّة كي تحتاج إلى محلّ موجود، بل من الاعتباريّات.

وعلى الإشكال الثاني: (أوّلا) بأنّ سكنى الدار كما هو مبدأ لعنوان الساكنيّة المنتزع من ذات الساكن كذلك هو مبدأ لعنوان المسكونيّة المنتزع من الدار كما في كلّ عنوانين متضايفين(1)، وما هو شأن من شؤون الدار وحيثيّاتها الموجودة بوجودها هي حيثيّة المسكونيّة لا حيثيّة الساكنيّة التي هي من أعراض المستأجر، غاية الأمر أنّ حيثيّة المسكونيّة وجودها بوجود الدار على حدّ وجود المقبول بوجود القابل وفعليّتها بفعليّة مضائفها القائم بالمستأجر في مقام الاستيفاء،

', '

(1) هذا تعبيره (رحمه الله) في كتاب الإجارة. أمّا ما ذكره في رسالته في الحقّ المطبوعة ضمن تعليقته على المكاسب ففرض فيه تشابه مبدأي المتضايفَين. ولعلّ هذا هو حاقّ مقصوده أيضاً ممّا جاء في كتاب الإجارة من فرض السكنى مبدأً لهما.

', 70), (12, 71, 'book', '

وشؤون العين قابلة لعروض الملكيّة لها كنفس العين.

(وثانياً) أنّ السكنى التي هي من أعراض الساكن في الدار ـ  وهو المستأجر  ـ رغم كونها عرضاً للساكن جعل زمام أمرها بيد مالك الدار باعتبار ما لها من نسبة إلى الدار، ولا نعني بالملكيّة إلّا ذلك(1).

أقول: لو كنّا نحن وكلام المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) في كتاب الإجارة لعلّه كان يمكننا أن نحمل الجواب الأوّل من جوابيه على أنّ المنفعة المملوكة عبارة عن قابليّة العين للانتفاع وهي قائمة بالعين لا بالمستأجر.

ولكنّه صرّح في رسالته المكتوبة في الحقّ المطبوعة ضمن تعليقته على المكاسب بأنّ المقصود في الجواب الأوّل أنّ منفعة الدار المملوكة هي المسكونيّة الفعليّة المضايفة للساكنيّة وهي المنفعة التدريجيّة، وإلّا فصلاحيّة الدار وقابليّتها للسكنى أمر قارّ ثابت وغير مستوفاة أصلا، بل هي على حالها مادامت الدار باقية على حالها.

ثمّ اختار في تلك الرسالة من هذين الجوابين الجواب الثاني، وأبطل الجواب الأوّل ببيان أنّ الساكن ينتفع بسكناها التي هي عرضٌ قائمٌ بالساكن ولها نسبة إلى الدار، لا بعنوان المسكونيّة المضائف لعنوان الساكن المتأخّر رتبة عن السكنى التي لها نسبة إلى الدار.

التخريج العقلائي لملكيّة المنافع:

أقول: إنّ المفهوم عرفاً وعقلائيّاً في المنفعة المملوكة من الدار ليستهي المسكونيّة أو الساكنيّة أو السكنى ونحوها، بل هي قابليّة العين للانتفاع،وهي قائمة بالعين لا بالمنتفع سواء انتفع أحد بها فعلا أو لا، وهذه القابليّة

', '

(1) راجع كتاب الإجارة للمحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله): 14 و  15، وراجع تعليقته على المكاسب: 7 و  8 (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ).

', 71), (12, 72, 'book', '

تقدّر عرفاً بالزمان، فتقبل التمليك في حصّة زمانيّة، ولا دليل على ضرورة تدريجيّة المنفعة بمعنىً آخر، ولا نعني باستيفاء هذه القابليّة عدا استثمارهاعملا.

نعم، هناك إشكال آخر يمكن إيراده في المقام غير الإشكالين المذكورين اللذين أجاب عليهما المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) وهو أن يقال: إنّ قابليّة العين للانتفاع ليست إلّا كسائر شؤون العين وأوصافها من اللون والشكل، وغيرها لا تتحمّل عقلائيّاً ملكيّة اُخرى غير نفس ملكيّة العين. نعم، هي حيثيّة تعليليّة لماليّة العين وتقييمها ورغبة العقلاء في امتلاكها.

والجواب: أنّ قابليّة العين للانتفاع حالها حال سائر أوصاف العين ملكيّتها مندكّة ضمن ملكيّة العين، ولا تعتبر لها ملكيّة مستقلّة، ولكن نفس الملكيّة المندكّة لها تبرّر عقلائيّاً إمكان نقلها إلى الغير بمثل الإيجار، وتفكيكها في عالم الملكيّة عن العين لعدم اللغويّة الموجودة في نقل سائر الصفات، ولدى تفكيكها عن العين في عالم الملكية وإرجاعها إلى مالك آخر تبرز عقلائيّاً ملكيّتها وتنتفي نكتة اندكاكها في ملكيّة العين، ويصبح مالكها غير مالك العين، فالإيجار مثلا سبب عقلائيّ لانفكاك المنفعة عن العين في عالم الملكيّة، كما أنّ مثل استيفائها غصباً أو الحيلولة بينها وبين المالك بمثل حبس العين سبب لانفكاكها عقلائيّاً عن العين في عالم الضمان. هذا حال ملكيّة المنفعة وتمليكها.

وأمّا ملكيّة الانتفاع وتمليكه فالظاهر أنّها عين ملكيّة المنفعة وتمليكها وليسا شيئين، غاية ما هناك أنّه تارةً تملّك المنفعة ـ  أو قل الانتفاع  ـ بجميع أنحائها المتبادلة من سكنى فلان، أو إسكانه المجانيّ، أو الإسكان بالإيجار وغير ذلك مثلا، واُخرى يملّك نحو واحد من أنحائها وهو سكناه مثلا من دون أن يحقّ له إسكان غيره، ولا بأس بتسمية الأوّل بتمليك المنفعة، والثاني بتمليك الانتفاع، فإنـّه لا مشاحّة في الاصطلاح.

$

', '', 72), (12, 73, 'book', '

تفاسير للمنفعة والانتفاع:

وذكر المحقّق الإصفهانيّ(رحمه الله)(1) عدّة تفسيرات للمنفعة والانتفاع:

التفسير الأوّل: ما فرّعه على الجواب الأوّل من جوابيه اللذين أجاب بهما على إشكال كون سكنى الدار قائمة بالساكن فكيف يملكها مالك الدار؟! وهو الجواب بأنّ المملوك لمالك الدار هي مسكونيّة الدار لا سكنى الساكن، وهذا التفسير هو أنّ منفعة الدار مثلا عبارة عن مسكونيّة الدار وهي الحيثيّة القائمة بالدار، والانتفاع عبارة عن سكنى الساكن التي هي حيثيّة قائمة بالمنتفع. ورأى  (رحمه الله) أنّ هذا يوجب إشكالا في العارية التي هي تمليك للانتفاع، لأنّ الانتفاع ـ  بناءً على هذا  ـ حيثيّة قائمة بالمنتفع وليس ملكاً لمالك العين كي يملّكه بالعارية، وليس حلّ ذلك ـ  في نظره رضوان الله عليه  ـ أن تفسّر العارية بإباحة الانتفاع إباحة مالكيّة تتبعها الإباحة الشرعيّة ؛ لأنّ صيرورة الانتفاع مباحة بالإباحة المالكيّة لا تتوقّف على العارية التي تشتمل على إيجاب وقبول قوليّ أو فعليّ من المنتفع، بل الانتفاع يباح بمجرّد إذن المالك، سواء قبله المستعير أوْ لا، وسواء انتفع بالعين فعلا أوْ لا، وإنّما حلّ ذلك ـ  في نظره قدّس سرّه  ـ هو فرض العارية عبارة عن اعتبار التسليط، أي التسليط الوضعيّ دون التكليفيّ الذي ليس إلّا إباحة مالكيّة أو شرعيّة، فمن شؤون ملك العين أن يصحّ له تسليط غيره على عينه للانتفاع بها.

هذا بناءً على ما اختاره (رحمه الله) من أنّ الملك ليس عبارة عن اعتبار التسليط بل هو عبارة عن اعتبار الإحاطة والاحتواء. وعلى أيّ حال فقد قال (رحمه الله): «حيث إنّ المعير سلّط المستعير على عينه لا أنّه أعطاه ملكه أو سلطانه فليس له نقل الملك أو السلطنة». وكيف ما كان فهذا التفسير ليس هو مختاراً له (قدس سره) لابتنائه على الجواب الأوّل من الإشكال الماضي على ملكيّة المنفعة.

$

', '

(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 8 - 9.

', 73), (12, 74, 'book', '

التفسير الثاني: هو التفسير المختار له، وقد بناه على الجواب الثاني من جوابيه على إشكال ملكيّة المنفعة، وهو أنّ سكنى الدار وإن كانت من أعراض الساكن ولكن بما أنّ لها نسبة إلى الدار ومساساً بها جعلت ملكاً لصاحب الدار، وذاك التفسير هو أنّ منفعة الدار هي طبيعيّ سكناها من دون لحاظ قيامها بزيد أو عمرو، فإذا ملّكها المؤجر للمستأجر فقد ملك طبيعيّ السكنى وهي قابلة للتمليك لآخر لتحقّق هذا الطبيعيّ في مقام الاستيفاء من كلّ أحد، بخلاف العارية الموجبة لملك الانتفاع، فإنـّها تمليك سكنى زيد لزيد مثلا، ولا يعقل استيفاؤها إلّا من زيد، فلذا لا يعقل نقلها من المستعير، قال: وحصول هذه النتيجة بعقد الإجارة مع شرط الاستيفاء بنفسه لا يوجب نفي الفرق بين الإجارة والعارية من هذه الناحية، ولا عدم الفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، فإنّ اختلاف الحقيقة بالنظر إلى نفس الذات ومقتضياتها محفوظ كما لا يخفى.

التفسير الثالث: ما نقله عن بعض من أنّ ملك العين وملك المنفعة وملك الانتفاع كلّها تقع على العين وإن اختلفت في الشدّة والضعف، فملك العين أقوى مرتبة من ملك المنفعة، وملك المنفعة أقوى مرتبة من ملك الانتفاع، فإنّ ملك العين عبارة عن ملكها بجميع جهاتها، وملك المنفعة عبارة عن ملك العين من جهة تلك المنفعة ملكيّة مستقلّة، وملك الانتفاع أيضاً عبارة عن ملك المنفعة الراجع إلى ملك العين من تلك الجهة ولكن لا بالاستقلال، ولهذا جاز للمستأجر نقل المنفعة لأنّ ملكه للعين في تلك الجهة كان مستقلاًّ، ولم يجز للمستعير نقل المنفعة، لأنّ ملكه للعين في تلك الجهة ليس مستقلاًّ.

وذكر المحقّق الإصفهاني (رحمه الله): أنّ بعض من عاصره دفع بهذا الوجه إشكال معدوميّة المنفعة وعدم تعلّق الملك بالمعدوم، وإشكال كون المنفعة عرضاً من أعراض المستأجر ولا يملكه المؤجر، حيث قد عرفت أنّ المنفعة ليست هي المملوكة حتى يرد هذان الإشكالان، بل العين هي المملوكة في مدّة خاصّة لجهة مخصوصة.

$

', '', 74), (12, 75, 'book', '

وأورد المحقّق الإصفهاني (رحمه الله) على هذا الوجه بإيرادين:

أحدهما: أنّ الملك ليس عرضاً قابلا للشدّة والضعف، أو اعتبار عرض كذلك، وإنّما المملوك يقبل السعة والضيق من دون أن يوجب الضيق والسعة في المملوك للضعف والشدّة في الملك، وكذلك كون المعير مسلّطاً على ردّ ملكه لا يوجب ضعفاً في ملكيّة المستعير كما لوثبت للمالك الأوّل حقّ ردّ العين أو المنفعة من مالكها الثاني شرعاً أو بجعل منهما، فإنّ هذا لا يوجب ضعفاً في ملكيّة المالك الثاني.

وثانيهما: أنّه حتى لو فرض قبول الملك للشدّة والضعف فهذا لا يصحّح اجتماع ملكين على مملوك واحد، فإن فرض المستأجر مالكاً للعين من جهة المنفعة والمؤجر مالكاً للعين من باقي الجهات وقصد بذلك حقّاً مالكيّة المستأجر لتلك الجهة لا للعين حقيقة بحيث كانت نسبة الملك إلى العين من باب الوصف بحال المتعلّق، فهذا رجوع مرة اُخرى إلى افتراض ملكيّة للمنفعة التي هي غير ملكيّة العين، ولم يندفع به شيء من المحاذير.

وإن قصد بذلك حقّاً أنّ كلا الملكين متعلّقان بذات العين وإن اختلفا في الجهة لزم اجتماع ملكيّتين على عين واحدة، فإن كان الملك عرضاً لزم قيام عرضين متماثلين بموضوع واحد، وقوّة العرض وضعفه لا يخرجه عن التماثل المانع عن الاجتماع، وإن كان اعتباريّاً فالعقلاء لا يعتبرون ملكيّتين على عين واحدة، هذا بالنسبة لملك العين وملك المنفعة.

أمـّا بالنسبة للاستقلال وعدمه في ملك المنفعة وملك الانتفاع، فإن كان المقصود بذلك الفرق بين الإجارة والعارية بأنّ مالك العين في باب الإجارة يقتصر ملكه للعين على باقي الجهات غير الجهة التي أجّرها لتلك الجهة وملك المستأجر للعين يكون من تلك الجهة بينما في باب العارية يكون ملك المالك للعين ثابتاً لها من كلّ الجهات بما فيها تلك الجهة التي ملّك العين للمستعير من تلك الجهة فملك المستعير للانتفاع ملك غير مستقلّ لزم من ذلك ما قلناه من اجتماع ملكين على عين

', '', 75), (12, 76, 'book', '

واحدة، وهما ملك المعير وملك المستعير، وهو غير مقبول عقلا إن كان الملك عرضاً، وعقلائيّاً إن كان الملك اعتباراً لعرض كما مضى.

وإن كان المقصود أنّ الملك من الجهة المعار لأجلها منسوب إلى مجموع المعير والمستعير بأن يكونا معاً طرفاً واحداً للملكيّة فهما بمنزلة مالك واحد لئلاّ يلزم ورود ملكين على عين واحدة، فهذا وإن كان معقولا في الاعتبارات فيعقل بناءً على كون الملك اعتباراً لا عرضاً مقوليّاً، إلّا أنّه هنا غير معقول، لأنّ المفروض أنّ المعير مالك للعين بباقي جهاتها من دون شريك في طرفيّته للملكيّة، وإنّما له الشريك في الطرفيّة لملك العين في هذه الجهة الخاصّة، فلزم أيضاً ورود ملكين على عين واحدة، وهو غير صحيح عقلائيّاً.

أقول: لو سلّمنا أنّ العارية عقد مملّك وليس إباحة تصرّف فبالإمكان افتراض كون المعير والمستعير مالكَين للعين من تلك الجهة ملكيّتين طوليّتين، أو مالكَين للمنفعة ملكيّتين طوليّتين، واجتماع ملكين طوليّين على مملوك واحد ليس باطلا عقلائيّاً كما هو في ملك المولى لأموال العبد ـ  بناءً على الإيمان بمالكيّة العبد لأمواله  ـ.

ولو لم نسلّم أنّ العارية عقد مملّك فبالإمكان أن نمثّل لتمليك الانتفاع بدلا عن التمثيل بالعارية بافتراض إعطاء حقّ الانتفاع لشخص في مقابل ثمن، فهذا عقد مملّك بلا إشكال، وهو يختلف عن إيجار العين بالشكل المتعارف، وهنا لا تتصوّر الملكيّتان الطوليّتان ؛ لأنّ جهة الانتفاع خرجت من اختيار مالك العين.

وعلى أيّ حال فالصحيح ما ذكرناه من أنّ منفعة العين المملوكة لمالك العين عرفاً وعقلائيّاً هي قابليّة العين للاستفادة، والانتفاع عبارة عن نفس تلك الاستفادة، وملك المنفعة وملك الانتفاع شيء واحد مع الفرق في سعة وضيق دائرة المملّك.

وأمّا إذا آجر العين واشترط على المستأجر عدم النقل إلى غيره وعدم إسكان الغير فهذا الشرط إن قصد به تضييق دائرة المملّك رجع الأمر إلى تمليك

', '', 76), (12, 77, 'book', '

منفعة خاصّة وهي خصوص قابليّتها لسكن زيد مثلا، أو سمّه بتمليك الانتفاع. وإن لم يقصد به تضييق دائرة المملّك بل قصد به مجرّد الشرط بمعنى أنّه لو خالف لم تكن مخالفته غصباً وإن حصل للمؤجر خيار الفسخ، لم يرجع ذلك إلى ما قد يسمّى بتمليك الانتفاع، هذا لو أمكن تصوّر هذين القسمين، وعليه، ينبني ما مضى من المحقّق الإصفهاني من أنّ شرط الاستيفاء بنفسه لا يعدم الفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، ولكن الظاهر أنّ تصوّر هذين القسمين مشكل، وأنّ هكذا شرط يعود في واقعه إلى التضييق.

هذا تمام كلامنا في بحث ملك المنفعة.

مالكيّة الأعيان والجهات

بقي أخيراً ـ  من الأبحاث التي أردنا التعرّض لها في مبحث الملك  ـ الكلام عن مالكيّة الأعيان والجهات والشخصيّات الحكميّة أو المعنويّة أو الاعتباريّة أو الحقوقيّة في مقابل الشخصيّات الطبيعيّة أو الحقيقيّة.

فدائرة المالكيّة لدى العقلاء أصبحت بالتدريج أوسع بكثير من دائرة الأشخاص من بني آدم، وشملت الأعيان الخارجيّة من ناحية، وعناوين عامّة تشير إلى طائفة من الناس من ناحية اُخرى، وأخيراً عناوين معنويّة واعتباريّة بحتة من ناحية ثالثة. والشريعة الإسلاميّة بنت نظرتها عن المالكيّة منذ البدء على هذا المعنى الواسع الشامل لكلّ هذه الأقسام.

فمثال الأوّل: المسجد ونحوه من أماكن العبادة، والمرافق العامّة التي تمتلك أموالا ومستغلاّت عن طريق الوقف وغيره.

ومثال الثاني: الزكاة التي هي ملك للفقراء مثلا.

$

', '', 77), (12, 78, 'book', '

ومثال الثالث: الدولة أو منصب الإمامة المالك للأنفال وغيرها.

ولم تتوقّف النظرة العقلائيّة إلى الشخصيّة المعنويّة على مجرّد ثبوت الحقّ والملك لها، بل اتّسعت أيضاً إلى ثبوت الحقّ والدَين عليها خصوصاً في الشخصيّة المعنويّة كالدولة، فبإمكانها أن تملك وأن تستدين، ولها ذمّة كذمّة الشخصيّة الحقيقيّة.

وتصوّر الملك للأعيان الخارجيّة سهل رغم أنّها لا تَفهم ولا تَعقِل ولا تكون قادرة على التصرّف، غاية الأمر يكون التصرّف في أموالها بيد وليّ أمرها يصرفها في شؤونها، كما هو الحال في ممتلكات الصبيّ والمجنون التي يصرفها وليّهما في شؤونهما.

وكذلك يسهل تصوّر الملك للعناوين العامّة كالفقراء أو الشخصيّات المعنويّة البحتة كالدولة، بعد أن عرفنا أن الملك ليس إلّا أمراً اعتباريّاً وليس عرضاً بحاجة إلى محلّ خارجيّ.

الشخصيّات الحقوقيّة في الفقه الوضعي:

وقد ورد في الفقه الوضعي ذكر عناوين عديدة من الشخصيّات الحقوقيّة من قبيل: المؤسّسات، والجمعيّات، والشركات(1).

وحاجة المؤسسات والجمعيّات إلى افتراض ذمم وديون وممتلكات واضحة، لأنّ أهدافها وأغراضها ومصاريفها تختلف عن الهدف والغرض والمصرف الشخصيّ لأيّ فرد من الأفراد القائمين بها.

وأمّا الشركات فقد قسمّت إلى قسمين: الشركات العاديّة، والشركات

', '

(1) راجع الوسيط 5: 229 - 239 الفقرة 163 - 167، وراجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: 318 - 327 الفقرة 190 - 194 بحسب الطبعة الخامسة.

', 78), (12, 79, 'book', '

القانونيّة(1). فالشركات العاديّة لا تعتبر لها شخصيّة معنويّة، وليست لها ذمّة ولا ممتلكات، وإنّما الموجود هم الأشخاص المشتركون، وهم أشخاص حقيقيون لهم ممتلكاتهم وذممهم، بينما الشركات القانونيّة هي التي تعتبر لها شخصيّة معنويّة تملك ويثبت لها وعليها الحقّ.

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو أنّه ما هي حاجة الشركة إلى الذمم والأملاك والشخصيّة المعنويّة  ؟ ولئن كانت الشركة راجعة لجماعة مّا تعود نفعها إليهم وضررها عليهم فلِمَ لا نكتفي بذمم وتملّكات المشتركين كما هو الحال في الشركات العاديّة؟! وبالتالي أيّ قيمة تبقى لافتراض قانونيّة الشركة  ؟  !

والجواب على ذلك يكون بإبراز النتائج التي تترتّب على ثبوت الملك والذمّة للشركة(2) من قبيل:

1 ـ لدائني الشركة حقّ مباشر على مال الشركة، فهم يستوفون حقوقهم من هذا المال دون أن يزاحمهم فيه الدائنون الشخصيّون للشركاء، بينما لو فرض مال الشركة ملكاً شائعاً للشركاء لا ملكاً للشخصيّة المعنويّة للشركة فمعنى ذلك أنّ من داين الشركة فكأنـّما داين الشركاء، وحاله حال الدائنين الشخصيّين للشركاء، وعند التفليس لا يفرّق بين هذا الدائن والديّان الشخصيّين، بل كلّ ما يملكه المفلّس في الشركة وغيرها يوزّع على حصص الديون بالسويّة.

2 ـ لا تقع المقاصّة بين دَين شخصيّ على الشريك ودَين للشركة، فإذا كان دائن شخصيّ للشريك مديناً للشركة لم يحقّ له إسقاط دَينه للشركة بالمقابلة مع ما لَهُعلى الشريك، وذلك لأنّه دائن لشخص حقيقيّ ومدين لشخص آخر معنويّ لا لذاك

', '

(1) راجع الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد 3: 324 آخر الفقرة 192 بحسب الطبعة الخامسة.

(2) راجع الوسيط 5: 292 - 294 الفقرة 197.

', 79), (12, 80, 'book', '

الشخص كي يتمّ التساقط أو التقاصّ، وكذلك لو كان المدين الشخصيّ للشريك دائناً للشركة ليس له الامتناع عن أداء حقّ الشريك بحجّة التقاصّ مع دَين الشركة.

وأصل افتراض الملك والذمّة للشركة أثر من آثار افتراض الشخصيّة المعنويّة لها، وتذكر لافتراض الشخصيّة المعنويّة لها آثار اُخرى(1) من قبيل:

1 ـ أنّ للشركة حقّ التقاضي باعتبارها شخصاً معنويّاً فترفع الدعاوى على الغير أو على الشركاء كما ترفع عليها الدعاوى من الغير أو من الشركاء. ويمثّلها في الدعاوى التي ترفع منها أو عليها نائبها دون الحاجة إلى إدخال الشركاء كلّهم أو بعضهم في الدعوى لأنّ شخصيّتها متميّزة عن شخصيّة الشركاء فيها.

2 ـ أنّ للشخصيّة المعنويّة موطناً قد يختلف عن مواطن الشركاء، وهو المكان الذي يوجد فيه مقرّها الرئيسيّ أو مركز إدارتها، ويرتّبون على ذلك أنّ الدعاوى الراجعة لهذه الشركة والمرافعات ترفع إلى محكمة الموطن الذي فيه مقرّ الشركة، وإن كانت الدعوى والمرافعة مخصوصة بفرع من فروع الشركة جاز رفعها إلى المحكمة التي تقع في دائرة ذاك الفرع.

وللشركة جنسيّة لا ترتبط بجنسيّة الشركاء، وتكون جنسيّتها عادةً هي جنسيّة الدولة التي اتّخذت فيها مركز إدارتها الرئيسيّ. فالشركات التي اُسّست في الخارج واتّخذ مركز إدارتها في إقليم دولة أجنبيّة تعتبر شركات أجنبيّة ويسري عليها قانون الدولة التي تنتمي إليها بجنسيّتها.

الشخصيّات الحقوقيّة في الفقه الإسلامي:

وهنا يجب أن نبحث عن أنّ الفقه الإسلامي هل يؤمن بهكذا شخصيّة حقوقيّة، وبممتلكات وذمم لها، وبهذه الأحكام وأمثالها ممّا ورد عادةً في الفقه الغربي أوْ لا  ؟

$

', '

(1) راجع الوسيط 5: 294 - 297 الفقرة 198 - 200.

', 80), (12, 81, 'book', '

ونستبعد منذ البدء من هذه الأحكام ما لا موضوع له في الفقه الإسلامي من قبيل افتراض وطن أو جنسيّة للشركة مستقلّ عن وطن أو جنسيّة الشركاء، لأنّ الإسلام لا يعترف من أساسه بتعدّد الأوطان أو تعدّد الجنسيّات، والوطن في باب القصر والإتمام أجنبيّ عن المعنى المقصود في المقام، فلا يبقى موضوع في المقام للبحث عن وطن الشركة أو جنسيّتها.

كما نستبعد من بحثنا منذ البدء التشكيك في إمكانيّة فرض شخصيّة كهذه لأمثال هذه الاُمور وممتلكات وذمم، لما اتّضح في ثنايا الأبحاث السابقة من اعتباريّة هذه الاُمور، والاعتبار سهل المؤونة.

ونحن فارغون أيضاً منذ البدء عن وجود بعض المصاديق لمثل هذه الاُمور الاعتباريّة في الفقه الإسلامي في الجملة، كما في ممتلكات الوقف، وملكيّة الزكاة للفقراء، وممتلكات منصب الإمامة أو الدولة، وامتلاك المسلمين مثلا للأراضي الخراجيّة، والوقف على الجهات.

وإنّما يقع الكلام في أنّ كلّما اعترف به عرف عقلائيّ اليوم من شخصيّات حقوقيّة وما تصوّروا من آثار وأحكام لهذه الشخصيّة من ملك أو ذمّة أو نحو ذلك هل بإمكاننا أن نثبّته بتخريج فقهيّ صحيح وفق أدلّة الفقه الإسلامي أوْ لا  ؟

ذهب الاُستاد مصطفى الزرقاء(1) إلى القول بصحّة هذه الشخصيّات الحقوقيّة وأحكامها حسب اُسس الفقه الإسلامي. وخلاصة منهجه في هذا البحث هي: أنّه يذكر أوّلا بعض المصاديق للشخصيّة المعنويّة في الفقه الإسلامي، ثمّ يذكر بعض المصاديق للشخصيّة الحقوقيّة والاعتراف بثبوت الأملاك والذمم لها في الفقه الإسلامي، ثمّ يستنتج من مجموع هذه الاُمور موافقة كلّ الشخصيّات

', '

(1) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: 300 - 309 الفقرة 183 - 187، و ص 324 - 326 الفقرة 193، و ص 334 - 335 الفقرة 198 بحسب الطبعة الخامسة.

', 81), (12, 82, 'book', '

الحقوقيّة وأحكامها المشروحة في الفقه الغربي لاُسس الفقه الإسلامي، وأنّ عدم ذكر الفقهاء القدامى لجملة من هذه الشخصيّات أو لأحكامها كان نتيجة عدم معرفتهم للصوَر الجديدة للشركات المنظّمة بأنواعها وأساليب عملها الاقتصاديّة وطرائق تكوينها وحدود مسؤوليّاتها ممّا هو وليد العرف والتطوّر الاقتصادي الحديث في اُوربا، وهذا لا يعني عدم موافقة تلك الشخصيّات الحقوقيّة وأحكامها لاُسس الفقه الإسلامي.

أمـّا ما ذكره أوّلا من نموذج للشخصيّات المعنويّة في الفقه الإسلامي فهو أمران:

الأوّل: النصّ المنقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم وهم يدعلى من سواهم»(1). فذكر: أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يسعى بذمّتهم أدناهم» دليل على اعتبار مجموع الاُمّة كشخصيّة واحدة يمثّلها في إعطاء الذمّة والتأمين كلّ فرد منها.

والثاني: الحقوق العامّة والاُمور الحسبيّة التي يصحّ للفرد فيها رفع الدعوى إلى الحاكم من عقوبات الحدود، وإزالة الأذى عن الطريق، وقمع الغِشّ، والتفريق بين الزوجين المستمرّين على الحياة الزوجيّة بعد البينونة بالطلاق، وغير ذلك وإن لم يكن للمدّعي في شيء من ذلك علاقة بالموضوع أو ضرر منه يدفعه عن نفسه ممّا يشترط في صحّة الخصومات والدعاوى في الحقوق الفرديّة، فهذا وأمثاله يدلّ على تصوّر شخصيّة حكميّة لتلك المصلحة العامّة التي يمارس حقّ الادّعاء باسمها.

وأمـّا ما ذكره من نموذج للاعتراف بكامل المعنى الحقوقي الحديث للشخصيّة الحكميّة في الفقه الإسلامي فهو عبارة عن ثلاثة أمثلة:

$

', '

(1) ورد هذا النصّ عن طرق الشيعة أيضاً، راجع الوسائل 19: 55 و  56، الباب 31 من أبواب القصاص في النفس.

', 82), (12, 83, 'book', '

الأوّل: شخصيّة بيت المال. ففي بيت المال الذي هو خزينة الدولة العامّة جاء الشرع الإسلامي بنظريّة فصل بيت المال العامّ عن مال السلطان وملكه الخاصّ، فاعتبر الشرع بيت المال جهة ذات قوام حقوقي مستقلّ يمثّل مصالح الاُمّة في الأموال العامّة، فهو يَملِك ويُملَك منه وعليه ويستحقّ الزكاة الخالية عن إرث أو وصيّة، ويكون طرفاً في الخصومات والدعاوى، ويمثّله في كلّ ذلك أمين بيت المال بالنيابة عن السلطان.

بل إنّ بيت المال يقسّم إلى أقسام وفروع كلّ منها يعود إلى جهة من الحقوق والنفقات، ويكاد يعتبر كلّ قسم من أقسامه ذا شخصيّة حكميّة منفصلة عن شخصيّة القسم الآخر ضمن الشخصيّة الكبرى لبيت المال العامّ، لأنّ لكلّ قسم استحقاقات وأحكاماً تخصّه، فلا ينفق من قسم فيما يعود إلى آخر على سبيل الخلط، بل على سبيل القرض بين تلك الفروع، كما عليه الفكرة الماليّة القانونيّة الحديثة في تنظيم خزينة الدولة العامّة وفروعها.

الثاني: شخصيّة الوقف. فنظام الوقف في الإسلام قائم على أساس اعتبار شخصيّة حكميّة للوقف بالمعنى الحقوقيّ الحديث، فللوقف ملك محجور عن التمليك والتملّك والإرث والهبة ونحوها، وهو مرصد لما وقف عليه الوقف يستحقّ ويُستحق عليه، وتجري العقود الحقوقيّة بينه وبين أفراد الناس من إيجار وبيع وغلّة واستبدال وغير ذلك، ويمثّله في كلّ هذا المتولّي، ويكون المتولّي مسؤولا عن صيانة حقوق الوقف تجاه السلطة القضائيّة، ويشتري المتولّي للوقف ما يحتاج إليه، فيملكه الوقف ويدفع ثمنه من غلّته، وكذلك يستدين المتولّي لجهة الوقف عند الحاجة بإذن القاضي.

الثالث: شخصيّة الدولة. فقد قرّر الفقهاء من الأحكام لتصرّف السلطان ما لا يمكن تفسيره إلّا باعتبار أنّ الدولة شخصيّة حكميّة عامّة، ويمثّلها في التصرّفات والحقوق والمصالح رئيسها ونوّابه من سائر العمّال والموظّفين في فروع الأعمال كلّ بحسب اختصاصه في كلّ من النواحي الخارجيّة والداخليّة والماليّة.

$

', '', 83), (12, 84, 'book', '

فمن تلك الأحكام ما يلي:

1 ـ في الناحية الخارجيّة اعتبروا أنّ ما يبرمه الإمام من صلح أو معاهدات محترم وملزم للاُمّة، لا تجوز للإمام أو الرعيّة مخالفته ما لم ينتهِ أجله، أو ينقض نقضاً مشروعاً بعد إنذار وإمهال، أو يخلّ الطرف الثاني بعهده، وما يفتح من البلدان صلحاً يجري الإمام فيه على موجب الصلح، ولا يجوز للإمام الذي يأتي بعده تغييره، ومعنى هذا اعتبار الدولة من الوجهة السياسيّة الخارجيّة شخصاً حكميّاً يمثّله الإمام ويتعاقد باسمه وفقاً لنظريّات الحقوق الدوليّة الحديثة.

2 ـ وفي الناحية الداخليّة ذكروا أنّ القضاة والعمّـال ـ  أي الموظّفين  ـلا ينعزلون بموت السلطان الذي عيّنهم.

3 ـ وفي الناحية الماليّة ـ  وهي التي يبرز فيها وجه الذمّة الماليّة في شخصيّة الدولة  ـ ذكروا أنّ القاضي إذا أخطأ في قضائه بما لا يكون فيه التلافي كان الضمان على بيت المال.

ومقتضى هذه النصوص وأمثالها أنّ الفقهاء قد اعتبروا الدولة شخصيّة حكميّة ذات أهليّة وذمّة مستقلّة عن شخصيّات أفراد الاُمّة، ولها ماليّة خاصّة مستقلّة عن أموالهم وإن كانت تجبى منهم، وهي بيت المال.

ثمّ يذكر الاُستاذ الزرقاء بحثاً عن الشخصيّة الحكميّة في النظر القانوني وأنواعها وأحكامها، ثمّ يقول: أنّه بالرجوع إلى القواعد الفقهيّة في الشريعة الإسلاميّة وما أسلفناه يتّضح أنّ النظريات الحقوقيّة الحديثة والأحكام القانونيّة المعتبرة اليوم في الشخصية الحكميّة تتّفق كلّها مع قواعد الفقه الشرعي، ولو أنّ هذه المؤسّسات ذات الشخصيّة الحكميّة القانونيّة اليوم وجدت في العصور الفقهيّة الماضية لدينا لأقرّ لها الفقهاء هذه الأحكام التي جاء الشرع بأمثالها في شخصيّة الدولة وبيت المال والوقف كما تقدّم، فالأحكام القانونيّة المتعلّقة بالأشخاص الحكميّة العامّة والخاصّة كالجمعيّات والمؤسّسات يمكن إدخالها في صلب الفقه وكتبه.

$

', '', 84), (12, 85, 'book', '

أقول: إنّ جملة من الأمثلة التي ذكرها الاُستاذ الزرقاء لا تخلو من مناقشة:

فذكر بيت المال كشخصيّة معنويّة ثمّ ذكر الدولة كذلك مع التمثيل في ناحيتها الماليّة بما يجري في بيت المال لا يخلو من مسامحة. فلئن كان بيت المال عبارة عمّا يرجع للدولة أو لعموم المسلمين من مال فالشخصيّة المعنويّةّ إنّما هي شخصية الدولة أو شخصيّة عموم المسلمين لا شخصيّة بيت المال. وما ذكره من فرض شخصيّات حقوقيّة لفروع بيت المال فالواقع أنّ توزيع أموال بيت المال على عدّة شعب وأقسام يكون بشكلين:

الأوّل: ما لا يعدو ـ حتى عرفاً وعقلائيّاً ـ عن أن يكون مجرّد تنظيم للمصاريف، سنخ أنّ شخصاً تاجراً مثلا يمتلك أنواعاً عديدة من الأموال الكثيرة فلأجل تدقيق الحساب وتنظيم اُموره الماليّة يفترض عدّة حسابات لعدّة أقسام من ماله يصرف كلّ قسم في مصارف معيّنة، وإذا أراد صدفةً أن يصرف شيئاً ممّا خصّصه لقسم مّا في قسم آخر يفترضه كأنّه دَين لهذا القسم على ذاك القسم، ثمّ يوفّيه من أموال ذاك القسم، لا بمعنى أن يكون هذا دَيناً حقيقة، أو أن تكون لكلّ قسم شخصيّة حقوقيّة خاصّة به، بل بمعنى مجرّد ترتيب وتنظيم للحساب لا أكثر من ذلك.

الثاني: ما قد يتّفق من أنّ الجهة المالكة لبعض أقسام ما في بيت المال تختلف عن الجهة المالكة لبعض آخر، كما لو كان قسم من المال من أرباح الأرض الخراجيّة بناءً على أنّها ملك للمسلمين، وقسم آخر من الزكاة التي هي ملك للفقراء، وكما لو قلنا: إنّ الأقسام الثمانية لمصارف الزكاة يمتلك كلّ قسم منها ثمن الزكاة وتجب التسوية بينها في التقسيم، وهذا أيضاً لا يعني شخصيّة معنويّة لأقسام الأموال، وإنّما يعني شخصيّة معنويّة لتلك الجهات.

وما ذكره في الناحية الداخليّة للدولة ليس تكييفه المفهوم عرفاً وعقلائيّاً منحصراً بفرض شخصيّة معنويّة لمنصب الإمامة، بل يمكن تكييفه عرفاً وعقلائيّاً

', '', 85), (12, 86, 'book', '

أيضاً بفرض تضمّن الإمامة معنى الولاية لشخص الإمام المنصوب من قبل الله على رأي الشيعة، أو من قِبل الجمهور على رأي آخر مع فرض الولاية ناظرة إلى ما بعد موته أيضاً، بمعنى أنّ الولاية وإن كانت خاصّة بزمان حياته لكنّها تشمل تصرّفاته التي تقع في زمان حياته والتي يمتّد نظرها إلى ما بعد وفاته من قبيل نصب القضاة والقيّمين والعمّال، فلا ينعزل المنصوب من قبله بعد موته إلّا بعزله من قبل الوليّ الجديد.

وأمّا النصّ المنقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: «يسعى بذمّتهم أدناهم» فأيضاً ليس واضحاً في التفسير بفرض الشخصيّة المعنويّة للمسلمين، بل يمكن تفسيره بأنّ شخصيّة كلّ مسلم مهما تفترض دانية يجب على الآخرين مواساتها فيما أعطاها بالنيابة عن الكلّ من الأمان.

وإن شئت فقل: إنّ التفسير الذي فرضه الاُستاذ الزرقاء في المقام يعني في الحقيقة الالتزام بأمرين كلّ منهما في نفسه خلاف الأصل، أحدهما افتراض شخصيّة معنويّة للمسلمين، والثاني افتراض نيابة كلّ واحد منهم عن تلك الشخصيّة المعنويّة في إعطائه للأمان. بينما يكفي لتفسير هذا الالتزام بالأمر الثاني فقط وهو النيابة دون الأمر الأوّل وهو فرض الشخصيّة المعنويّة، وذلك بأن نفترض أنّ الإسلام أعطى لكلّ فرد من المسلمين في إعطاء الذمّة والأمان النيابة عن كلّ المسلمين من دون أن نفترض شخصيّة معنويّة للمسلمين يكون كلّ فرد نائباً عنها.

وأمـّا فرض رفع الدعوى في الحقوق العامّة وفي الحدود وما شابهها إلى القاضي فأيضاً ليس تفسيره منحصراً بما قال من افتراض شخصيّة معنويّة لمصلحة عامّة يمارس حقّ الادّعاء باسمها، فإنّ تلك الاُمور التي يرفع أحد المسلمين الدعوى بالنسبة لها إلى القاضي ـ  رغم عدم علاقة شخصيّة بينها وبين المدّعي  ـ تنقسم إلى قسمين:

$

', '', 86), (12, 87, 'book', '

الأوّل: حقوق عامّة للمسلمين يكون على الوالي المحافظة عليها والتفتيش عن حقيقة الحال عند الشكّ فيها، كما في حفظ أمن البلاد وراحة العباد، وهنا لا دليل على اعتبار رفع دعوى أحد على أحد لإخلاله بالأمن أو راحة الناس من دون أداء ذلك إلى ضرر بالمدّعي داخلا في باب المرافعة المألوفة في باب القضاء التي تدور مدار بيّنة المدّعي ويمين المنكر، وإنّما أثر رفع الدعوى هنا هو إيجاد احتمال الخلل بالأمن والراحة في ذهن الوالي، فيتمّ بالنسبة للوالي موضوع وجوب الفحص والتفتيش لحفظ أمن الناس وراحتهم.

والثاني: المعاصي الموجبة للحدّ أو التعزير كما في رفع دعوى الزنا أو اللواط على شخص، وهذا أيضاً لا دليل على إدخاله في باب المرافعة المألوفة التي يدور الأمر فيها على البيّنة والأيمان، بل هذا مجرّد إخبار للوالي بالأمر، فإن لم يقترن الإخبار بالبيّنة بالقدر المثبت لمدّعاه لم يطالب القاضي المدّعى عليه باليمين، ولم يثبت عليه شيء، بل قد يحدّ المدّعي حدّ القذف من دون توقّف ذلك على يمين المنكر.

وإن اقترن الإخبار للوالي بالبيّنة بالعدد الكافي لإثبات ذاك المدّعى تمّ بذلك ثبوت ما يوجب على القاضي إقامة الحدّ أو التعزير، وهذا ما يجب عليه بقطع النظر عن باب المرافعة والقضاء بين المترافعين، أي لو ثبت له ذلك من دون وجود مدّع في المقام كانت عليه أيضاً إقامة الحدّ أو التعزير، ولا علاقة لذلك بباب القضاء بالمعنى الخاصّ.

نعم، رغم كلّ هذه المناقشات لا ننكر صحّة بعض المصاديق التي ذكرها الاُستاذ الزرقاء في الجملة، ولو تمّت كلّ المصاديق التي ذكرها فهي غير كافية لدينا لإثبات كلّ الشخصيّات المعنويّة والحقوقيّة الواردة في الفقه الغربي بعرضها العريض في فقهنا الإسلامي، وإن كان ذلك قد يكفي لإثبات المقصود لدى أمثال الاُستاذ الزرقاء على أساس مباني القياس والاستحسان والمصالح المرسلة،

', '', 87), (12, 88, 'book', '

أمّا نحن الذين لا نؤمن بهذه المباني فهذا المقدار من البيان لا يكفينا لإثبات المقصود، بل لا بدّ من استئناف البحث في المقام.

وإذا أردنا استئناف البحث في المقام فلا ينبغي أن يكون ذلك بالروح الموجودة خطأً لدى بعض كتّابنا الإسلاميّين الذين يرون من ناحية في النظم الغربيّة ومفاهيمها اُبّهة ورقيّاً وكمالا، ومن ناحية اُخرى يريدون أن يثبتوا كمال الإسلام وعظمته فيحمّلونه نُظم الغرب ومفاهيمه كي يكونوا بذلك مدافعين عن الإسلام ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً. وقد وقع مثل هذا الخطأ في كثير من المفاهيم والاُمور من قبيل الديمقراطيّة التي قد تحمّل على الإسلام بتخيّل أنّ هذا تعظيم للإسلام وتمجيد له بعد افتراض أنّ الديمقراطيّة هي النظام المتقدّم الكامل للحكم مثلا.

وعلى أ يّة حال، فهنا طرق ثلاثة لإثبات الشخصيّات الحقوقيّة الثابتة وفق المنهج الغربي وتصحيحها وفق اُسس فقهنا الإسلامي.

التمسّك بإمضاء الشارع للارتكاز العقلائي:

الطريق الأوّل: التمسّك بإمضاء الشارع لهذه الشخصيّات الحقوقيّة وأحكامها الثابت بعدم الردع. وتوضيح ذلك: أنّه لا إشكال ـ  كما نقّحناه في أبحاثنا الاُصوليّة  ـ في أنّ السيرة العقلائيّة المعاصرة لزمن المعصوم وارتكازاتهم بقدر ما ترجمت وقتئذ بالعمل يثبت إمضاؤها بعدم الردع.

ولكن هناك كلاماً في أنّ الإمضاء الثابت بعدم الردع هل يختصّ بالمقدار المترجم بالعمل وقتئذ  ؟ أو يشمل المقدار الذي كان كامناً في الارتكاز العقلائيّ وإن لم يترجم بالعمل في ذلك الزمان  ؟

ومثاله قانون مملّكيّة الحيازة التي هي مرتكزة في ذهن العقلاء وقد ترجمت في زمن المعصوم في العمل بمقدار الحيازات الجزئيّة التي يقدر عليها الفرد غير المسلّح بالأدوات الحديثة وقد سكت الشارع عنها ولم يردعها، فهل

', '', 88), (12, 89, 'book', '

هذا إمضاء لمملّكيّة الحيازة بالمقدار المتعارف وقتئذ فحسب  ؟ أو إمضاء لأصل ارتكاز مملّكيّة الحيازة بعرضها العريض؟! فالحيازات الواسعة التي تقع اليوم بالوسائل الحديثة وإن لم تكن موجودة في عصر المعصوم لكنّها لو كانت قد وجدت لَحكمَ العقلاء وقتئذ بحصول الملك على أثرها، لأنّ القاعدة المرتكزة لديهم في ذلك أوسع من المقدار الواقع خارجاً في ذاك الزمان، وضيق دائرة التملّك بالحيازة كان ناتجاً عن ضيق القدرات لا عن ضيق الارتكاز، فهل يشمل الإمضاء المنكشف بعدم الردع لهذا الارتكاز بعرضه العريض أوْ لا  ؟

وهناك وجهة نظر تقول: نعم، الإمضاء يشمل الارتكاز العقلائيّ بعرضه العريض، ولا يختصّ بالمقدار المترجم بالعمل، وذلك لأنّ شأن الشارع ليس مجرّد تصحيح العمل الفعليّ للمسلمين، بل هو تصحيح عملهم ومفاهيمهم ومرتكزاتهم التي يؤمنون بها في شؤون القضايا التي تمسّ التشريع، فسكوت الشارع عنها يدلّ على إمضائها بعرضها الواسع.

وبناءً على هذا نقول فيما نحن فيه: إنّ أصل الملكيّة والذمّة والمعاملات وما شابه ذلك هي من الاُمور الارتكازيّة لدى العقلاء، والمعمول بها في زمن المعصوم في حدود الشخصيّات الحقيقيّة بعرضها الواسع وفي حدود الشخصيّات الحقوقيّة في الجملة وفي دائرة ضيّقة، لكن ضيق الدائرة كان نتيجة عدم التعرّف وقتئذ على المصاديق المعاصرة لنا، ولو التفتوا إليها لاعترفوا بها ورتّبوا عليها أحكامها. إذن فأصل الارتكاز يكون أوسع من المقدار المعمول به وقتئذ وسكوت الشارع إمضاء لكلّ دائرة الارتكاز كما هو الحال في مثال مملّكيّة الحيازة تماماً.

إلّا أنّ الصحيح: أنّ قياس ما نحن فيه بمثال مملّكيّة الحيازة قياس مع الفارق. وتوضيح ذلك: أنّ التمسّك بإمضاء ارتكاز عقلائيّ في زمن المعصوم لإثبات الحكم على مصداق جديد في زمننا للكبرى المرتكزة إنّما يعقل فيما إذا كان لدينا حكم مرتكز ولهذا الحكم موضوع كان يتمثّل في بعض مصاديقه في

', '', 89), (12, 90, 'book', '

زمن المعصوم ثمّ تمثّل في زمننا في مصداق جديد، وكان هذا المصداق مصداقاً حقيقيّاً وتكوينيّاً لذاك الموضوع وإن لم يوجد مثله في ذاك الزمان.

وهذا من قبيل ما يقال في الحيازة من أنّ المملّكيّة حكم مرتكز في ذهن العقلاء على موضوع الحيازة، وكان المصداق المتواجد في زمن المعصوم هو الحيازة المختصرة باليد أو بالأدوات اليدويّة، وقد وجد بعد ذلك مصداق جديد وهو الحيازة المفصّلة وبالوسائل الحديثة، وهو مصداق حقيقيّ وتكوينيّ للحيازة. فهنا يمكن أن يقال: إنّ الحكم بالمملّكيّة يثبت لهذا المصداق الجديد، لأنّه كامن في الحكم الارتكازيّ الذي كان ثابتاً وقتئذ لدى العقلاء، وكان الضيق في المصداق الخارجيّ لا في الارتكاز.

أمـّا إذا افترضنا أنّه لم يوجد مصداق حقيقيّ جديد لذاك الموضوع، ولكن العقلاء توسّعوا في الحكم إمـّا بمعنى مجرّد التوسّع في نفس الحكم أو بمعنى إيجاد فرد اعتباريّ لذاك الموضوع فهنا لا يمكن إسراء الحكم الممضى عمّا كان في زمن المعصوم إلى المورد.

مثاله: ما لو فرضنا أنّ العقلاء حكموا أخيراً بأنّ من أشعل مصباحاً واتّسع نوره على أجسام كانت من المباحات الأصليّة فقد ملك تلك الأجسام، وذلك إمـّا بمعنى مجرّد توسيع لنطاق التملّك، أو بمعنى فرض وقوع أشعّة المصباح على جسم من الأجسام مصداقاً من مصاديق الحيازة جعلا واعتباراً. فهذا لا يكفي لإثبات حكم الحيازة وهو المملّكيّة على هذا المورد. أمـّا في فرض مجرّد توسيع الحكم فالأمر واضح، لأنّ هذا حكم جديد للعقلاء لم يكن مستبطناً في الارتكاز السابق. وأمـّا في فرض جعل انتشار النور حيازة بالاعتبار فلأنّ روح الاعتبار ـ  إذا اُريد له أن يكون أمراً مفيداً عقلائيّاً  ـ إنّما هو توسيع الحكم، فهذا أيضاً يعني الحكم الجديد للعقلاء غير المستبطن في الارتكاز السابق.

$

', '', 90), (12, 91, 'book', '

نعم، لو فرضنا فرضاً غير واقع أنّ المملّكيّة التي كانت حكماً ارتكازيّاً للعقلاء ـ  مثلا  ـ لم يكن موضوعها عبارة عن الحيازة الحقيقيّة بل كان موضوعها عبارة عمّا يشمل الحيازة الاعتباريّة بالنسبة لكلّ زمان بحسب ذلك الزمان فعندئذ سيكون اعتبار انتشار النور على الأجسام حيازةً لها خلقاً لمصداق حقيقيّ وتكوينيّ لموضوع الحكم الارتكازيّ، فيثبت الحكم هنا لأنّه رجوع إلى القسم الأوّل.

إذا عرفت ذلك قلنا في المقام: إنّ الملكيّة أو الذمّة أو المعاملة التي يراد إثباتها بالارتكاز هي الحكم، وموضوعها الموجود في زمن المعصوم كان عبارة عن الشخص الحقيقيّ وبعض الشخصيّات الحقوقيّة. وأمـّا مثل شخصيّة الشركة القانونيّة أو الجمعيّة أو المؤسّسة التي لم تكن اعتبرت وقتئذ شخصيّة حقوقيّة ـ  إذ لم تكن خاطرة على البال أصلا  ـ فاعتبارها في يومنا هذا شخصيّة حقوقيّة يرجع بروحه إلى توسيع جديد لدائرة الحكم والارتكاز.

هذا، مضافاً إلى أنّ هذه الشخصيّات الحقوقيّة ليست عقلائيّة بحتاً، بل فيها عنصر من تشريع المشرّع في رأي أصحاب القانون، وهو الدولة لا العقلاء، فإنّهم يشترطون في الشخصيّات الحقوقيّة مطابقتها لتشريعات الدولة وشروطها التي قد تختلف من دولة إلى اُخرى.

ولو غضضنا النظر عن كلّ ما مضى وافترضنا هذه الشخصيّات الحقوقيّة من الاُمور الارتكازيّة في نظر عامّة العقلاء في يومنا هذا ولم نلتفت إلى الشرح الذي شرحناه من أنّ اعتبار فرد جديد يرجع بروحه إلى توسيع الحكم قلنا في المقام: إنّ دعوى ثبوت هذه الأفراد الجديدة في الارتكاز العقلائيّ في زمن المعصوم كي يثبت إمضاؤها بعدم الردع وإن تأخّر وجودها الخارجيّ إلى زماننا هذا بحاجة إلى دليل، فليس علينا أن نبرهن على عدم ذلك بل على من يدّعيه البرهنة عليه، والطرق التي شرحناها في علم الاُصول لإثبات امتداد السيرة والارتكاز من زماننا إلى زمان المعصوم لا تأتي هنا.

$

', '', 91), (12, 92, 'book', '

ونحن نحتمل أنّ الارتكاز الثابت في هذا اليوم يكون أحد أجزاء العامل المكوّن له تطوّر الحياة وتجدّد الحاجة إلى هذه الشخصيّات، فلنفترض أنّه لو كان هذا التطوّر في الحياة ثابتاً في زمن المعصوم وكانت الحاجات الفعليّة ثابتة وقتئذ لحصل هذا الارتكاز آنذاك، ولكن المفروض أنّ هذا التطوّر وهذه الحاجة لم يكونا وقتئذ، فلا دليل على ثبوت هذا الارتكاز آنذاك.

ونتيجة البحث: أنّ هذا الطريق الأوّل لتصحيح الشخصيّات الحقوقيّة في الفقه الإسلامي وهو التمسّك بالارتكاز العقلائيّ باطل.

ولكن مع هذا قد يقال بإمكان الاستفادة من الارتكاز في المقام في الجملة وتوضيح ذلك: أنّ هناك شخصيّات حقوقيّة كانت موجودة في زمن المعصوم كالدولة المالكة للأنفال، والمسجد المالك لما يوقف عليه، وعنوان الفقير المالك للزكاة ـ  مثلا  ـ ولكن قد لا نحصل على إطلاقات كافية في النصوص الواصلة إلينا لإثبات كلّ الحقوق المطلوبة لهذه الشخصيّات أو عليها.

فمثلا قد نمتلك دليلا لفظيّاً دلّ على ملكيّة الدولة للأنفال ولكن لا نمتلك دليلا لفظيّاً دلّ على صحّة هبة شيء للدولة، أو على صحّة اقتراض الدولة مالا، أو نحو ذلك، وقد نمتلك دليلا على صحّة الوقف على المسجد ولا نمتلك دليلا على صحّة هبة النقود مثلا لمسجد مّا، أو اقتراض المسجد لمال مّا، وقد نمتلك نصّاً يدلّ على مالكيّة كلّيّ الفقير للزكاة ولا نمتلك نصّاً يدلّ على صحّة اقتراض كلّيّ الفقير أو هبة شيء له، وما إلى ذلك.

فقد يمكن علاج هذا النقص بأن يقال: إنّ الارتكاز العقلائيّ يحكم بأنّ الشخصيّة الحقوقيّة لا تتفكّك، فما يقبل الملك يقبل الاستدانة، وما يقبل الوقف عليه يقبل الهبة، فبإمضاء هذا الارتكاز بعدم الردع تثبت كلّ الأحكام الحقوقيّة للشخصيّات التي كانت في زمن المعصوم وعليها.

بل إنّ هذا البيان لو تمّ لأمكن إثبات جميع الشخصيّات الحقوقيّة به حتى

', '', 92), (12, 93, 'book', '

التي لم تكن موجودة في زمن المعصوم، فمثلا الشركة القانونيّة نثبت الشخصيّة الحقوقيّة لها بالبيان التالي: إنـّنا لو لم نعترف بالشخصيّة الحقوقيّة والقانونيّة لهذه الشركة فلا إشكال في أنّ هناك مؤسّسة لها غاياتها، أو قل: شركة عاديّة مملوكة بالاشتراك لأصحابها.

ولا إشكال في أنّ من حقّ أحد أن يوقف شيئاً مّا على هذه المؤسّسة أو الشركة تصرف منافعه في مصالحها إن كان يعتبر ذلك أمراً خيرياً، وذلك تمسّكاً بعمومات الوقف، وهذا يعني إثبات شيء من الشخصيّة الحقوقيّة لهذه الشركة أو المؤسّسة، وهو امتلاك العين الموقوفة بناءً على أنّ الصياغة العقلائيّة لفهم مغزى الوقف على شيء أو جهة هي امتلاك الموقوف عليه للعين الموقوفة التي تحبس وتسبل منفعتها لذاك الشيء أو لتلك الجهة.

فإذا ثبت بدليل الوقف هذا الجزء من الشخصيّة الحقوقيّة لتلك الشركة ضممنا ذلك إلى ما يحكم به الطبع العقلائيّ من ارتكاز عدم إمكان التفكيك بين الحقوق للشخصيّة الحقوقيّة وعليها، وبناءً على أنّ هذا ارتكاز ناشئ من طبع العقلاء فهو ممتدّ إلى زمان المعصوم (عليه السلام)، فبناءً على أنّ عدم الردع يدلّ على إمضاء الارتكاز حتى المقدار غير المترجم بالعمل في زمن المعصوم تثبت صحّة هذا الارتكاز، وبهذا تصحّح كلّ الشخصيّات الحقوقيّة المألوفة في الفقه الغربي في منطق فقهنا الإسلامي.

بل النتيجة أوسع بكثير ممّا ألفه الفقه الغربي، فلا فرق عندنا بين الشركة العادية والشركة القانونيّة لإمكان وقف عين على الشركة العادية. وكلّ عنوان من العناوين أو جهة من الجهات أمكن الوقف عليه يأتي فيه هذا البيان، فبما أنّه يصحّ وقف شيء على عنوان العلماء مثلا إذن فللعلماء شخصيّة حقوقيّة، لأنّ هذا العنوان يملك ما يوقف عليه، وبالتالي تثبت له وعليه كلّ الحقوق، وهكذا نسري الفكرة إلى دائرة أوسع بكثير من الدائرة المألوفة في الفقه الغربيّ. نعم، كلّ هذا يختصّ بالاُمور الخيريّة.

$

', '', 93), (12, 94, 'book', '

ولكن الواقع أنّ ثبوت هذا الارتكاز ـ  أعني ارتكاز عدم التفكيك في الشخصيّات الحقوقيّة بين الحقوق خاصّة في زمن المعصوم (عليه السلام)  ـ غير واضح، إلّا في عنوان طبّق بالفعل على إنسان فأصبح الإنسان مالكاً لما يملكه العنوان كعنوان الدولة أو الإمام المنطبق على شخص الإمام، فملك بذلك ممتلكات الإمام، فهذه الممتلكات وإن كانت لا تنتقل الى وارثه لأنّها ليست ملكاً له بما هو شخص بل هي ملك له بما هو إمام وبما هو متقمّص قميص الدولة لكن هذا الإنسان الذي أصبح يمتلك بعض الممتلكات بوصفه إماماً يستطيع أن يستدين بهذا الوصف، أو أن توهب له أموال بهذا الوصف.

فلو سلّمنا عدم تعقّل العرف والعقلاء التفكيك بين الحقوق له وعليه فى إنسان انطبق عليه عنوان فامتلك ممتلكات ذاك العنوان بوصفه متلبّساً بذاك اللباس لا نسلّم ذلك في مثل الشركات والجمعيّات والمؤسّسات وما شابه ذلك.

إذن فغاية ما يثبت بعمومات الوقف هو جواز امتلاك أيّ جهة خيريّة لشيء مّا بالوقف، أمّا ثبوت كامل الشخصيّة الحقوقيّة لتلك الجهة لكي تثبت كلّ الأحكام الحقوقيّة لها وعليها فلا.

نعم، يمكن التعدّي من الوقف الذي هو تحبيس لعين خاصّة إلى تمليك الماليّة التي يمكن تبديل تجسّدها من عين إلى عين اُخرى فراراً من مشكلة حرمة تبديل العين الموقوفة، فيجوز للمتولّي البيع والتبديل بما يراه صالحاً في أيّ وقت أراد، وذلك تمسّكاً بإطلاق روايات الصدقة الجارية(1) بدعوى أنّ الجريان ليس مصداقه الوحيد عبارةً عن انحباس العين وتوقيفها عن البيع وهو المصداق الرائج في زمن صدور النصّ، بل له مصداق آخر أيضاً وهو أن يكون المحبوس على المشروع الخيري هو ماليّة الشيء التي يمكن تجسيدها ضمن أعيان مختلفة

', '

(1) راجع الوسائل 13: 292 ـ 294، الباب 1 من أبواب الوقف والصدقات.

', 94), (12, 95, 'book', '

متعاقبة، لا فرداً معيّناً كي يصبح وقفاً لا يجوز تبديله، فقوام الجريان إنّما هو بالتحبيس وليس بكون المحبوس فرداً معيّناً من العين.

وبهذا البيان تصحّح أمثال الصناديق الخيرية أو تمليك مال لحركة أو حزب أو ما شابه ذلك إن كان أمراً خيرياً يتمشّى فيه قصد القربة، ولا يثبت بهذا كل آثار الشخصيّة الحقوقيّة كصحّة إقراضها أو تمثّلها بالمتولّي كأحد المترافعين لدى القاضي.

إلّا أنّ فهم هذا الإطلاق من روايات الصدقة الجارية يتوقّف على أن لا نحتمل كون انحصار مصداق الصدقة الجارية وقتئذ في مرتكز المتشرّعة في الوقف صالحاً للقرينيّة الموجبة لانصراف إطلاق عنوان الصدقة الجارية إلى الوقف(1)، أمّا إذا احتملنا ذلك فقد بطل الإطلاق.

إلّا أنّ حلّ هذا الإشكال عبارة عن الرجوع إلى صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج(2) الصريحة في جواز شرط الواقف حقّ البيع والتبديل، فيرجع واقع المطلب إلى التصدّق بالماليّة، أو قل: وقف الماليّة القابلة للتجسيد في الأعيان المختلفة.

$

', '

(1) أي الوقف الذي لا يباع ولا يوهب ولا يبدّل.

(2) راجع الوسائل 19: 199 ـ 200 طبعة آل البيت (عليهم السلام)، الباب 10 من أبواب الوقوف والصدقات الحديث 3. وقد ورد في هذا الحديث قوله: «وإن كان دار الحسن غير دار الصّدقة فبدا له أن يبيعها فليبعها إن شاء لا حرج عليه فيه وإن باع فإنه يقسّمها ثلاثة أثلاث فيجعل ثلثاً في سبيل الله ويجعل ثلثاً في بني هاشم وبني المطلب ويجعل ثلثاً في آل المطلّب...»، فإن استظهرنا من هذا الكلام تبديل العين الموقوفة بعين أُخرى بأن يشتري بثمن الأُولى الثانية فهذا يكون ما أسميناه بوقف الماليّة أو تمليكها لما وقف عليه، وإن استظهرنا من هذا الكلام بيع الوقف وصرف ثمنه على الموقوف عليهم قلنا: إذن فصحّة شرط جواز البيع للتبديل أولى من شرط جواز البيع للصرف والاستهلاك، فإذا جاز هذا جاز ذاك، وذلك راجع كما قلنا إلى وقف وتمليك الماليّة القابلة للتبدّل في تجسّدها من عين إلى عين.

', 95), (12, 96, 'book', '

التمسّك بإطلاقات أدلّة العقود:

الطريق الثاني: التمسّك بمثل إطلاقات ﴿أحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾(1) فيقال مثلا:إنّنا إذا بعنا شيئاً من شركة أو جمعيّة أو مؤسّسة مثلاً أو اشترينا منها شيئاً كان هذا مصداقاً عرفيّاً للبيع والشراء فيدخل في إطلاق ﴿أحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾. وفي بعض الحقوق لهذه الشخصيّة الحقوقيّة أو عليها لو لم نجد إطلاقاً نتمسّك به نرجع الى دعوى عدم احتمال التفكيك والفرق بين الآثار الحقوقيّة، أو الى ما فرضنا في آخر بحثنا عن الطريق الأوّل من ارتكاز عدم التفكيك.

ويرد عليه: أنّ التمسّك بمثل هذه الإطلاقات عندما يكون الشكّ في التخصيص والتقييد من دون احتمال مخالفة الشرع للعرف في رؤية تشريعيّة تؤثّر في نفي موضوع هذه الإطلاقات صحيح، من قبيل ما لو شككنا في صحّة بيع المصحف من الكافر مثلاً فتمسّكنا بإطلاق ﴿أحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾. أمّا إذا كان الشكّفي الحكم ناتجاً عن احتمال مخالفة الشرع للعرف في رؤية تشريعيّة تقلب موضوع الحكم من قبيل حكم الشرع ببطلان بيع الكلب رغم صحّته عرفاً على أساس اختلاف بين الشرع والعرف في ملكيّة الكلب وعدمها، فالشرع والعرف كلاهما متّفقان على أنّه لا بيع إلّا في ملك، ولكن العرف بما أنّه يرى مملوكيّة الكلب يصحّح بيعه، والشرع بما أنّه يرى عدم قابليّته للملك يبطل البيع، فهذا لا يعدّ تخصيصاً أو تقييداً لـ  ﴿أحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾، فإنّ مقصود الشارع من البيع في مثل ﴿أحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ إنـّما هو ما يكون بيعاً في نظره لا ما يكون بيعاً في نظر العرف وليس بيعاً في نظره، فالتمسّك بالإطلاق في مثل ذلك يكون بحاجة الى إحدى نكتتين:

الاُولى: إثبات الموضوع مسبقاً بالارتكاز مثلاً حتى يتمّ المجال للتمسّك بالإطلاق اللفظي.

$

', '

(1) البقرة: 275.

', 96), (12, 97, 'book', '

والثانية: التمسّك بالإطلاق المقامي بدعوى أنّ الشارع لو كان البيع عنده غير البيع عند العرف لكان عليه البيان، لأنّ الإنسان العرفيّ سيطبّق بطبيعته إطلاقات الشارع على ما لديه من مصاديق ما لم يصله الردع.

والأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ العرف والشرع متّفقان على أنّ البيع لا يكون إلّا فيما بين طرفين، والخلاف المحتمل في المقام هو أن لا يكون الشرع معترفاً بالشخصيّة المعنويّة للشركة مثلاً كي تصبح طرفاً في البيع مثلاً ويكون العرف معترفاً بذلك، فلو قدّر بطلان هذا البيع في نظر الشرع لم يكن ذلك تخصيصاً أو تقييداً في ﴿أحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ بل كان ذلك ناشئاً من اختلافهما في رؤية تشريعيّة تؤثّر على موضوع الحكم. وهذا علاجه يكون بأحد أمرين كما مضى:

(الأوّل) تصحيح الشخصيّة المعنويّة للشركة بالارتكاز، وهذا رجوع الى الوجه الأوّل الذي عرفت بطلانه. أو تصحيحها بولاية الفقيه، وهذا رجوع الى الوجه الثالث الذي سيأتي بحثه إن شاء الله.

(والثاني) التمسّك بالإطلاق المقاميّ لإثبات مطابقة نظر الشرع لنظر العرف والعقلاء، وهذا إنـّما يتمّ بلحاظ نظر العرف والعقلاء المعاصر لزمان المعصوم، وهذا رجوع مرةً اُخرى الى إثبات سعة دائرة الارتكاز في زمن الإمام الذي عرفت بطلانه.

هذا، مضافاً الى ما عرفت من أنّ كون البيع من الشركة مثلاً بيعاً ليس أمراً عقلائيّاً بحتاً، بل له جنبة تشريع في نظر الفقه المؤمن بهذه الشخصيّات الحقوقيّة راجعة الى الدولة، كما ذكرناه في الإشكال الثاني على الطريق الأوّل.

التمسّك بولاية الفقيه:

الطريق الثالث: هو التمسّك بمبدأ ولاية الفقيه، بأن يفترض أنّ الوليّ الفقيه إذا رأى من المصلحة إمضاء أمثال هذه الشخصيّة الحقوقيّة أمضاها، وحصلت

', '', 97), (12, 98, 'book', '

بذلك الشخصيّة الحقوقيّة. وهذا أقرب الى وجهة نظر الفقه الغربي من الوجهين الأوّلين، لما عرفت من أنّ الفقه الغربي يعطي أمر تشريع القوانين المصحّحة للشخصيّات الحقوقيّة بيد الدولة، ورئيس الدولة في رأينا هو الوليّ الفقيه وهو الذي يكون من حقّه تشريع قوانين معيّنة تتمّ على ضوئها الشخصيّات الحقوقيّة ضمن ضوابط وشروط.

وتنقيح هذا الوجه يتوقّف على الالتفات الى مقدار سعة دائرة ولاية الفقيه، فنقول: إنّ الولاية اُعطيت للفقيه من قِبل الشريعة الإسلاميّة، والمفهوم عرفاً من كلّ ولاية تعطى لأحد أو لفئة من قِبل نظام مّا أنّها ولاية في دائرة ما يكون داخلاً تحت ذاك النظام دون ما يكون خروجاً عليه، وكذلك الحال بالنسبة لولاية الفقيه، فالمفهوم عرفاً ـ  من دليل ولاية الفقيه المعطاة له من قبل نظام الإسلام  ـ هو الولاية في أمر لا يكون في نفسه خروجاً عن ذاك النظام، خاصّة إذا كان دليلنا مثل قول الحجّة عجّل الله فرجه: «أمـّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله (أو) وأنا حجّة الله عليهم»(1). فالأمر بالرجوع الى الرواة علّل بأنّهم حجّة الإمام (عليه السلام)، فلا يفهم من ذلك الولاية في أمر يكون في ذاته خروجاً عن النظام الذي يؤمن به الإمام (عليه السلام).

وعلى هذا فنقول: إنّ الولاية تارةً تلحظ بلحاظ دائرة الأحكام التكليفيّة، واُخرى تلحظ بلحاظ دائرة الاحكام الوضعيّة.

أمّا إذا لاحظنا دائرة الأحكام التكليفيّة فمقتضى الالتزام بما شرحناه من كون الولاية فيما لا يكون خروجاً على نظام الإسلام هو أن تختصّ الولاية بدائرة

', '

(1) الوسائل 18: 101، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9، وكتاب إكمال الدين وإتمام النعمة: 484، الباب 45 التوقيعات التوقيع الرابع بحسب طبعة دار الكتب الإسلاميّة بطهران، وكتاب الغيبة للطوسي (رحمه الله): 177 بحسب طبعة مطبعة النعمان في النجف الأشرف.

', 98), (12, 99, 'book', '

المباحات ـ  وأقصد بذلك الإباحة بالمعنى العامّ الشاملة للمستحبّ والمكروه  ـ دون الإلزاميّات، إذ لو أمر الوليّ الفقيه بفعل مباح أو نهى عنه لم يكن هذا أمراً بما يكون خروجاً على نظام الإسلام، لأنّ التزام المولّى عليه بهذا الفعل أو بتركه لم يكن في نفسه مخالفاً لنظام الإسلام، لأنّ المفروض إباحة الفعل والترك معاً. وهذا بخلاف أن يأمر بترك الصلاة أو بشرب الخمر مثلاً، فإنّ هذا أمر بما هو خروج على نظام الإسلام ومخالفة للشريعة الإسلاميّة، وهذا غير مفهوم عرفاً من ولاية اُعطيت من قِبل نظام الإسلام والشريعة الإسلاميّة.

نعم، تشخيص الأهمّ والمهمّ في المتزاحمات في باب الأحكام الإلزاميّة يُعطى ـ  بحدود المصالح الاجتماعيّة والعامّة  ـ بيد الوليّ الفقيه. فمثلاً لو رأى الولي الفقيه أنّ باب الحجّ يجب سدّه في سنة كذا لتزاحمه مع مصلحة قطع الروابط مع الحكومة الجائرة المسيطرة على الحرمين الشريفين وكانت تلك المصلحة أهمّ في نظره من الحجّ فأمر بترك الحجّ وجب على المجتمع اتّباع الوليّ الفقيه في أمره بذلك.

وأمّا إذا لاحظنا دائرة الأحكام الوضعيّة فالمتجّه أيضاً تفصيل يشبه التفصيل الذي ذكرناه بلحاظ الأحكام التكليفيّة، فمتى ما كان الحكم الوضعي كالصحّة والبطلان قد ربط أمره برضا الشخص وعدم رضاه كان معنى ولاية الوليّ على هذا الشخص أنّ رضاه ومنعه أولى بالتحكيم من رضا نفس ذلك الشخص ومنعه، ومتى ما لم يكن كذلك عدّ إعمال الولاية في ذلك خروجاً على نظام الشريعة. فمثلاً صحّة البيع وبطلانه منوطان برضا المالك بالمبادلة وعدمه، وعندئذ يكون من حقّ الوليّ أن يبيع مال المولّى عليه من دون إذنه إذا رأى المصلحة في ذلك فيصحّ البيع، أو أن يمنع عن البيع لمصلحة في ذلك فيبطل البيع رغم رضا المالك، فكما أنّ الأب من حقّه بيع مال الصغير لمصلحته أو المنع عن البيع وإن رغب الطفل في ذلك فتدور صحّة البيع وبطلانه مدار رأي الأب ومنعه كذلك الوليّ

', '', 99), (12, 100, 'book', '

الفقيه الذي نسبته الى الاُمّة كنسبة الأب الى أطفاله يجوز له عندما يرى المصلحة في التدخّل أن يتدخّل في تصحيح بعض البيوع أو إبطاله.

أمّا إذا لم يكن الحكم الوضعي مرتبطاً برضا الشخص ومنعه كما في الطهارة والنجاسة فولاية الوليّ على شخص مّا أو على المجتمع لا تعني سيطرته على هذه الأحكام الوضعيّة بالنسبة للمولّى عليه بحيث يطهّر النجس وينجّس الطاهر مثلاً، فإنّ هذا خروج على نظام الشريعة.

إذا عرفت ذلك جئنا الى ما نحن فيه فنقول: إنّ ثبوت شخصيّة حقوقيّة لشركة مّا حكم وضعي ولم يثبت كونه مرتبطاً نفياً وإثباتاً بمجرّد رضا أصحاب الشركة وعدمه أو رضا المجتمع وعدمه، إذن فلعلّ هذا حكم وضعيّ من سنخ الطهارة والنجاسة لا من سنخ صحّة البيع وبطلانه، وعليه فلو كانت الشخصيّة الحقوقيّة للشركة مثلا بحدّ ذاتها غير ثابتة في الشريعة لبطلان الوجه الأوّل والثاني الماضيين لتصحيحها فولاية الفقيه عاجزة عن تصحيحها، فإنّ ولاية الفقيه على المجتمع أو على أصحاب الشركة إنّما تدلّ على أنّه يحلّ محلّهم في التصرّف ويكون أولى بالتصرّف منهم، فلو كان أمر إيجاد الشخصيّة الحقوقيّة بيدهم ثبت بذلك أنّه من حقّه إيجادها بالولاية عليهم. أمّا إذا لم يكن ذلك بيدهم، وكانت الشخصيّة الحقوقيّة في ذاتها منتفية شرعاً فإيجاد الفقيه لها خروج على نظام الإسلام، وهذا غير صحيح، والشكّ في ذلك كاف في عدم الثبوت.

وبهذا بطل آخر وجه من وجوه تصحيح الشخصيّات الحقوقيّة الثابتة في الفقه الغربي بشكل عامّ، وإن كنّا لا ننكر وجود ذلك في الجملة في فقهنا الإسلامي، كما لا ننكر تماميّة الاستفادة من الارتكاز في الجملة بالشكل الذي مضى بيانه ضمن بحثنا عن الطريق الأوّل.

إعمال الولاية بلحاظ الآثار:

وهناك تقريب لإثبات كلّ أو جلّ الآثار العمليّة للشخصيّات الحقوقيّة في

', '', 100), (12, 101, 'book', '

فقهنا عن طريق فرض تدخّل الفقيه بإعمال الولاية رغم عدم ثبوت نفس الشخصيّة الحقوقيّة، وذلك بأن يلحظ الفقيه الآثار العمليّة المترتّبة على فرض الشخصيّة الحقوقيّة ويأمر بها إذا رأى المصلحة الاجتماعيّة في ذلك من دون خلق هذه الشخصيّة ابتداءً التي فرضنا أنّها لا تخلق ابتداءً بولاية الفقيه، وذلك بالقدر الذي لا يتنافى مع نظام الإسلام.

فمثلا: كان من جملة الآثار العمليّة للاعتراف بالشخصيّة الحقوقيّة للشركة القانونيّة أنّ مَن أقرض الشركة مالا لم يضرب مع الغرماء الشخصيّين للشركاء لدى التفليس، بل أخذ حصّته من أموال الشركة لو كانت مشتملة على ذاك المقدار من دون مزاحمة الديّان الشخصيّين لهم إيّاه. وهذا يمكن تحقيقه لدى المصلحة بأمر الفقيه بأن يلزم الديّان الشخصيّين للشركاء بأمر كان مباحاً لهم وهو عدم مزاحمتهم لمن أقرضهم لصالح الشركة في أخذ حصّته من المال الموجود في حوزة الشركة.

وكان من جملة الآثار العمليّة للشخصيّة الحقوقيّة أنّه لو كان أحد دائناً للشركاء ومديناً للشركة أو بالعكس لم يقع التهاتر بين الدَينين.

فإن قلنا: إنّ التهاتر بين الدَينين في موارده أمرٌ اختياريّ وليس قهرياً، أي أنّ أحد المدينين بإمكانه أن يوفي دَينه بجعل ما يطلبه من صاحبه بدلا عن دَينه، وأنّ أحد المدينين لو عصى وامتنع عن الأداء كان لصاحبه تملّك ما عليه بالتقاصّ، إذن فمن حقّ الفقيه إلزامهم بما كان مباحاً لهم من عدم اختيار التهاتر.

وإن قلنا: إنّ التهاتر أمرٌ قهريّ فإنّما يكون التهاتر أمراً قهريّاً في نظر العقلاء عند تماثل الوفاءين، ولذا لو حلّ زمان وفاء أحدهما دون الآخر مثلا لم يقع التهاتر ولو كان وفاء أحدهما مقيّداً بنقد من النقود غير ما يوفّي به الآخر لم يقع التهاتر، فمن حقّ الوليّ الفقيه لدى المصلحة أن يقيّد أحد الوفاءين بما كان يجوز لهم تقييده به من خصوص مال الشركة أو خصوص أموال الشركاء الشخصيّة.

$

', '', 101), (12, 102, 'book', '

وكان من جملة الآثار العمليّة للشخصيّة الحقوقيّة تمثّلها بمتولّيها لدى القاضي في المرافعة دون حاجة إلى إحضار الشركاء أو الحكم عليهم بعنوان الحكم على الغائب، وبإمكان الوليّ الفقيه لدى المصلحة أن يحجر الشركاء عن متابعة وضع الأموال الموجودة في الشركة فيما هو متنازع فيه، فيصبحون بذلك قاصرين عن المرافعة ومحتاجين إلى الوليّ، فيجعل متولّي الشركة وليّاً عليهم يتابع المرافعة كمتابعة الأب المرافعة الراجعة إلى طفل صغير.

ولو لم نقبل ما مضى منّا في آخر بحث الطريق الأوّل من ارتكازيّة تمليك الصناديق الخيريّة أو الجهات الاُخرى كان بإمكان الفقيه لدى المصلحة أن يلزم الملاّك، وكذلك ورثتهم بعد موتهم بما كان مباحاً لهم من عدم الاستفادة من تلك الأموال وأن لا تصرف إلّا في مصاريف تلك الجهة.

وإن شئت قلت: إنّ الشخصيّة الحقوقيّة ليست إلّا صياغة عقلائيّة وتكييفاً عقلائيّاً لهذه الأحكام، فلئن لم يكن فرض هذه الأحكام من قِبل الفقيه خروجاً عن نظام الشريعة الإسلاميّة ففرض الشخصيّة الحقوقيّة من قِبل الفقيه لا يُعدّ خروجاً عن هذا النظام، فيكون مشمولا لدليل ولاية الفقيه.

نعم، يبقى الشأن بعد كلّ هذا في إحراز المصلحة الاجتماعيّة في ذلك ؛ لأنّ ولاية الفقيه إنّما هي في حدود مصالح المجتمع لا في العمل بالرغبة وهوى النفس.

بيع سهام الشركات وشراؤها:

يبقى الكلام في مسألة بيع سهام الشركات وشرائها.

وبيع السهم عبارة عن إيكاله لشخص آخر لقاء ثمن. وملخّص الكلام في ذلك: أنّ الشركة يمكن أن تفترض لها إحدى حالات ثلاث:

الحالة الاُولى: أن نفترض لها شخصيّة حقوقيّة في مقابل الشركاء تملك وتبيع وتشتري وتقترض وتهب وما إلى ذلك، وهي خارجة من ملك الشركاء إطلاقاً وإنّما الشركاء يعتبرون في ما جعلوا فيها من أموال حقيقيّة دائنين لها.

$

', '', 102), (12, 103, 'book', '

الحالة الثانية: أن تفترض أن الشركة ملك للشركاء وفق حصصهم إلّا أن لها شخصيّة معنوية أكبر قيمة من الأموال الحقيقيّة التي جُعلت من قبل الشركاء في الشركة.

الحالة الثالثة: أن تفترض أنّ الأموال الحقيقيّة الموجودة في داخل الشركة هي ملك للشركاء كباقي أموالهم الشخصيّة بفرق أنّ المال الشخصي لكلّ واحد منهم خاصّ به، أ مّا هذا المال فهم فيه شركاء سواء كانت الشركة قهريّة كما لو كان الشركاء إخوة ورثوا المال المشترك من أبيهم، أو عمديّة واختياريّة كما لو اشتركوا عمداً في المبالغ، فالبيع والشراء يقع على أموال حقيقيّة وليست حقوقيّة ولا معنويّة وهذا الاشتراك هو الاشتراك الوارد في فقهنا المألوف.

أ مّا الفرض الأوّل: فلو تمّ وفق مقاييس الفقه الإسلاميّ لم يكن معنى لبيع أو شراء سهم من سهام هذه الشركة حقيقةً ؛ لأنّ المشترك ليس إلّا دائناً لهذه الشركة، فكأنّ المقصود من بيع السهم على هذا الفرض إنّما هو بيع دائن الشركة لما يملكه على ذمّة هذه الشركة.

والإشكال الفقهي الوارد على ذلك هو الاستشكال في أصل هذه الشخصيّة الحقوقيّة وثبوت ذمّة لها ؛ لأن الأصل الأوّلي يقتضي نفي وجود شخصيّة حقوقيّة من هذا القبيل ؛ لأنّ الاستصحاب يقتضي عدمها ومجرّد وجود بعض النماذج للشخصيّة الحقوقيّة في فقهنا ـ والمتيقّن من ذلك منصب الدولة أو منصب الإمامة ـ لا يصلح دليلا لحقّانيّة الشخصيّة الحقوقيّة للشركات، إذن فلابدّ من إيجادها بالولاية في حين أنّه لا دليل على ولاية الفقيه في إيجاد أحكام وضعيّة تكون موضوعاً للأحكام التكليفيّة كالطهارة والنجاسة أو الحدث أو نفيه وما إلى ذلك.

نعم، الأحكام الوضعيّة الانتزاعيّة التي تنتزع من الأحكام التكليفيّة يمكن للفقيه وضعها بوضع منشأ انتزاعها لو كانت تلك الأحكام التكليفيّة داخلة في حيطة تصرّف الوليّ الفقيه.

$

', '', 103), (12, 104, 'book', '

وبكلمة اُخرى: إنّ الفقيه يضع الأحكام الوضعيّة الانتزاعيّة بوضع منشأ انتزاعها في مورد يكون وضع منشأ الانتزاع من صلاحيّات الوليّ الفقيه، أ مّا في مثل المقام فافتراض خلق الشخصيّة الحقوقيّة ابتداءً من قبل الوليّ الفقيه في غاية الإشكال.

اللهمّ إلّا إذا تجاوزنا إثبات هذه الشخصيّة الحقوقيّة ورجعنا إلى الأحكام التكليفيّة المترتّبة عليها فوجدناها جميعاً داخلة في صلاحيّات الوليّ الفقيه فأوجدها الفقيه ثمّ انتزعنا منها الشخصيّة الحقوقيّة فأصبحت انتزاعيّة وليست أصيلة. ولا شكّ أنّ هذا ليس هو المفهوم عندهم.

وأمّا الفرض الثاني ـ وهو فرض تقمّص مال الشركة شخصيّة معنويّة أكبر قيمة من الأموال الحقيقيّة الموجودة في داخل الشركة ـ: فليس بأفضل حالا من الفرض الأوّل ؛ فإنّ خلق تلك الشخصيّة المعنويّة خلاف الأصل، وإعمال ولاية الفقيه ينصدم بنفس المشكلة التي عرضناها في الفرض الأوّل.

وأ مّا الفرض الثالث ـ وهو أنّه لا يوجد في الشركة عدا نفس الأموال التي وضعت فيها وهي ملك للشركاء كأموالهم الشخصيّة، ويقع البيع والشراء عليها ـ: فهذا كما قلنا أقرب الفروض إلى تصوّراتنا الفقهيّة.

وملاحظة مدى شرعيّة هكذا سهم وخلوّه من الإشكال أو خلوّ بيعه وشرائه تعود إلى ملاحظة كلّ واحد من تلك الأموال:

فمثلا إن كانت تلك الأموال مزيجة من الأموال المحلّلة الأكل والمذكّاة أو المطعومات المحلّلة الأُخرى، ومن الأموال المحرّمة كالميتة أو الخمر والخنزير وما إلى ذلك دخل الإشكال في السهام بنسبة القسم المحرّم.

وإن كانت من تلك الأموال حقوق من قبيل حقّ الطبع أو التأليف أو الاختراع أو ما إلى ذلك فشرعيّة السهام بنسبة تلك الحقوق تعود إلى مدى اعتراف الفقيه بتلك الحقوق وعدمه.

$

', '', 104), (12, 105, 'book', '

وإن كانت من تلك الأموال الأعمال فمدى شرعيّة أو عدم شرعيّة السهام بنسبة تلك الأعمال المفترضة تعود إلى مدى اعتراف الفقيه بما يسمّى بشركة الأبدان وعدمه.

وإن كانت من تلك الأموال مجرّد تقوية السهام بقوّة اعتباريّة من قبيل أنّ تاجراً كبيراً يضمن خسارة السهم لو خسر لقاء أن يكون سهيماً في أرباح هذه الشركة بنسبة معيّنة أو سهيماً في أموال هذه الشركة بنسبة معيّنة، فهنا طبعاً لا يعني بيع سهم هذا الشخص الذي اشترك بقوّته الاعتباريّة بيع هذه القوّة أو هذا الاعتبار ؛ فإنّ هذا أمر قائم بنفس هذا الشخص ولا يقبل الانتقال، وإنّما يعني بيع السهم أنّ يبقى هذا الشخص على ما هو عليه من دعمه لهذه الشركة بقوّته وضمانه للخسارة مثلا ويكون بقاؤه على هذا الدعم موجباً لتقوية قيمة السهام فيباع كلّ سهم من تلك السهام بقيمة أكبر من الأموال العينيّة التي جعلت في الشركة وهذا الأمر لا يخلق إشكالا في المقام.

وأخيراً لابدّ من البحث عن بيع سهام البنوك والتي تخلو من أكثر هذه الإشكالات فليست فيها أمتعة محرّمة كالخمر أو لحم الخنزير ولا مشكلة مثل حقّ الطبع أو شركة الأبدان.

ولكن هنا لابدّ من الالتفات إلى ما توجد من الإشكالات الماضية في البنوك أيضاً من ناحية وإلى إشكالات جديدة تخصّ البنوك من ناحية اُخرى.

فأوّلا: لو فرضت لشركة البنك شخصيّة حقوقيّة أو معنويّة جرى في المقام نفس الإشكال السابق.

وثانياً: لو فرضنا شركة البنك شركة عادية مملوكة لأصحابها كباقي أموالهم الشخصيّة فالإشكال السابق لا مورد له، ولكن لو كان البنك ربويّاً ويكون السهم المباع أو المشترى شاملا لما استقرّ لدى البنك من الربا فقد أصبح الجزء الربوي جزءاً محرّماً من قبيل حرمة لحم الخنزير أو الخمر التي مضت الإشارة إليه فيما مضى ورجع ذاك الإشكال.

$

', '', 105), (12, 106, 'book', '

وثالثاً: لو فرضنا البنك خالياً من الربا وهو في نفس الوقت ملك شخصي لأصحابه من دون شخصيّة حقوقيّة ولا معنويّة فجميع الإشكالات الماضية غير وارد في المقام.

ولكن البحث الجديد الذي يوجد هنا يبتني على ما نحن بنينا عليه من أنّ بيع النقود الورقيّة ملحق لدينا ببيع الصرف، فأوّلا: لا يصحّ إلّا البيع بالمساوي. وثانياً: لابدّ من تسليم العوضين وتسلّمهما في نفس مجلس البيع.

فلو التزم بالاحتفاظ بشرط التساوي لم يرد إشكال في المقام من ناحية هذا الشرط.

وأ مّا شرط تسليم العوضين فالظاهر أنّه لا يشكّل إشكالا في المقام ؛ لأنّ تسليم العوض من قِبل المشتري للبنك تسليم للشخص السهيم في البنك ؛ لأنّ الأشخاص القائمين على البنك وكلاء عنه، وكذلك مجرّد إدخال المبلغ في حساب المشتري يعتبر تسليماً له إيّاه ؛ لأنّه قد تسلّمه القائمون على البنك الذين هم وكلاء عن كلّ مَن يدخل المال في حسابه.

هذا تمام الكلام في بحثنا عن الملك. ويأتي بعده البحث عن مفهوم المال المقصود في المقام.

$

', '', 106), (12, 107, 'book', '

ـ 2 ـ

المـراد بالمــال

تعريف المال:

مقصودنا بالمال في المقام (ما يرغب في امتلاكه بالعوض ذاتاً امتلاكاً غير محرّم) ولا يشترط في ذلك الرغبة العقلائيّة العامّة، فصورة شخص مّا مثلا قد يرغب ابنه في شرائها ولو بأغلى الأثمان، بينما عامّة الناس لا يقيم لها وزناً. ولو فرضنا دلالة دليل تعبّدي على اشتراط الرغبة العامّة في صحّة البيع أو المبادلة فهذا لا يمنع عن أن نجعل موضوع البحث هنا مطلق المال حتى نبحث بعد ذلك عن شرائط صحّة المبادلة كي نرى هل من شرائطها الرغبة العامّة أوْ لا  ؟

تحديد حدود المال:

والمال كما يصدق على العين كذلك يصدق على العمل والمنفعة ـ  وإن كانت ماليّة المنفعة مندكّة في ضمن ماليّة العين  ـ بل المنفعة حيثيّة تعليليّة لماليّة العين، وليست ماليّتها مستقلّة عن العين، كما أنّ ملكيّتها لم تكن مستقلّة عن العين. نعم، تظهر ماليّتها بشكل مستقلّ حينما تفصل عن العين، كما في عمل الحرّ في رأي الشريعة التي أسقطت الحرّ عن الماليّة ـ  أي حكمت بتحريم امتلاكه ذاتاً

', '', 107), (12, 108, 'book', '

والمعاوضة عليه  ـ ولم تسقط عمله عن الماليّة. كما مضى أنّه تظهر ملكيّتها بالاستقلال حينما تنفصل عن ملكيّة العين كما في باب الإيجار.

والهدف من ذكر كلمة (ذاتاً) في تعريفنا للمال هو إدخال ما امتنع امتلاكه بالعوض لعارض مّا ضمن تشريع، ولم يكن ذاك التشريع يرى عدم صحّة امتلاكه بالعوض لازماً ذاتياً له، وذلك كالعين الموقوفة التي منع التشريع عن تبادله لعارض وهو تعلّق الوقف بها، وكالعين المرهونة ونحو ذلك. فذاك التشريع معترف بماليّة هذه العين رغم عدم إمكان امتلاكها بالعرض.

والهدف من قيد (الرغبة) إخراج ما لا يرغب في امتلاكه إمّا لفقدانه لجميع المنافع أو لانتشاره وسعته كالهواء.

والهدف من قيد عدم الحرمة إخراج مثل الخمر التي يحرم امتلاكها والمعاوضة عليها شرعاً، فهي ليست مالا شرعاً وإن كانت مالا عرفاً لعدم الحرمة العرفيّة في ذلك.

وقد أخرجنا بهذا التعريف الحقّ، لأنّه لا يصبح طرفاً لإضافة الملك وإنّما هو إضافة في عرض إضافة الملك، وإنّما المال هو ما يتعلّق به الحقّ.

آراء اُخرى في تحديد المال:

وقد نقل عن الحنفيّة اختصاص عنوان المال بالعين، فلا يشمل المنفعة(1). وليس مقصودهم بهذا منع التبادل في باب المنافع وتخصيص العقود الماليّة بالأعيان، فإنّ هذا خلاف فتاواهم. إذن فلا يعدو هذا أن يكون اصطلاحاً خاوياً.

$

', '

(1) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 71 - 73.

', 108), (12, 109, 'book', '

وقد نقل عن علماء القانون الحديث شمول عنوان المال للحقوق المتعارف تداولها والاعتياض عنها(1).

وما ذكرناه أولى لما قلناه من أنّ الحقّ كالملك، وهما يتعلّقان بالمال، وكما لا يكون الملك مالا آخر غير متعلّقه كذلك الحقّ.

وأغرب ما رأيته في المقام ما نقل عن القانون المدنيّ العراقيّ من تعريف المال بأنّه كلّ حقّ له قيمة مادّيّة(2)، فقصر مفهوم المال على الحقوق بما فيها حقّ الملكيّة، وأخرج بذلك الأعيان عن حيّز المال، نظراً إلى أنّ ماليّة الأعيان إنّما هي باعتبار ما فيها من حقوق لأصحابها، فتدخل في زمرة الحقوق.

$

', '

(1) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 75.

(2) راجع نفس المصدر، الفقرة 76.

', 109), (12, 110, 'book', '

$

', '', 110), (12, 111, 'book', '

ـ 3 ـ

تحليل حقيقة الحقّ

يقع البحث عن الحقّ، والفرق بينه وبين الملك والحكم.

تفسير الحقّ في الفقه الإسلامي:

ذكر المحقّق النائينيّ (رحمه الله): أنّ الحقّ سلطنة ضعيفة على المال، والسلطنة على المنفعة أقوى منها، والأقوى منهما السلطنة على العين، فالجامع بين الملك والحقّ هو الإضافة الحاصلة من جعل المالك الحقيقي لذي الإضافة المعبّر عنها بالواجديّة، وكون زمام أمر الشيء بيد من جعل له وكونه ذا سلطنة وقدرة. وهذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها ومن حيث متعلّقها تامّة بأن تكون قابلة لأنحاء التقلّبات تسمّى ملكاً. ولو كانت ضعيفة ـ  إمّا لقصور نفس الإضافة كحقّ المرتهن بالنسبة للعين المرهونة، وإمّا لقصور في متعلّقه كحقّ التحجير وحقّ الخيار بناءً على تعلّقه بالعقد غير القابل لما عدا الفسخ والإجازة وحقّ الاختصاص بالنسبة إلى الأشياء غير المتموّلة كالخمر القابل للتخليل  ـ تسمّى حقّاً(1).

وقد جاء في تقرير الشيخ الآمليّ لبحث المحقّق النائينيّ (رحمه الله) نقلا عن بعض

', '

(1) منية الطالب للشيخ موسى النجفي 1: 41.

', 111), (12, 112, 'book', '

الاساطين التعبير عن الحقّ بـ  (ملكيّت نارسيده) أي الملكيّة غير الناضجة(1).

وبحث المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)(2) في المقام تفاسير ثلاثة للحقّ:

التفسير الأوّل: ما نسبه إلى المشهور، وهو أنّ الحقّ بمعنى السلطنة، ورأى أنّ هذا غير الملك ؛ لأنّه يرى الملك عبارة عن الإحاطة والاحتواء دون السلطنة. وذكر (رحمه الله): أنّه ليكن المراد بالسلطنة السلطنة الاعتباريّة لا السلطنة التكليفيّة ليورد على ذلك أنّ الجواز التكليفي من أحكام الحقّ لا نفسه، أو أنّه لا سلطنة للقاصر على التصرّفات مع كونه ذا حقّ شرعاً. وذكر أيضاً: أنّ المرادبالسلطنة الاعتباريّة اعتبار السلطنة لا السلطنة الانتزاعيّة لما يرد على ذلك ما أوردناه على انتزاعيّة الملك.

التفسير الثاني: أن يقال: إنّ الحقّ هو الملك، ولذا عُبّر عن حقّ الخيار بملك الفسخ والإمضاء.

وذكر (رحمه الله) على هذا التفسير إشكالين:

الأوّل: أنّ الملك يستلزم السلطنة المطلقة مع أنّ الحقّ سلطنة خاصّة على تصرّف خاصّ.

وأجاب على ذلك: بأنّ سعة المملوك وضيقه لا ربط له بسعة الوجدان وضيقه.

والثاني: أنّ الحرّ لا يملك عمل نفسه بالمعنى الذي يملك به أمواله، بينما الحقّ قد يتعلّق بعمل من أعمال ذي الحقّ كحقّ الفسخ والإمضاء، فإنّ الفسخ أو الإمضاء عمل لنفس ذي الحقّ.

$

', '

(1) المكاسب والبيع للشيخ محمد تقي الآملي (رحمه الله) 1: 92.

(2) في تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 10 و  11.

', 112), (12, 113, 'book', '

وأجاب على ذلك بأنّ عمل الحرّ يصبح مملوكاً له في حالتين:

(الاُولى) ما يتوقّف تحقّقه على اعتبار ملكه إيّاه وسلطنته عليه كالفسخ والإمضاء والتملّك، فهنا يعتبر ملكه لذاك العمل كي يصبح قادراً عليه. أمّا العمل الذي يقال عنه أنّه لا يملكه نفس العامل فهو ما يكون من قبيل الأكل والشرب والكتابة والخياطة ونحو ذلك ممّا لا يتوقّف تمكّنه منه من اعتبار الملك فيلغو اعتبار الملك.

(والثانية) العمل الذي يكون الإنسان قادراً عليه بلا حاجة إلى اعتبار ملكه إيّاه كالأكل ولكن كان له مساس بملك الغير، فمن حيث انتسابه إلى ملك الغير عدّ من منافع ملك الغير ومملوكاً للغير تبعاً، فيصحّ تمليك الغير إيّاه لنفس العامل أو جعل الشارع له إيّاه كحقّ المارّة.

وأورد (رحمه الله) على هذا الوجه ـ  أعني تفسير الحقّ بالملك  ـ بأنّه ربّما يضاف الحقّ إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً كحقّ الاختصاص بالخمر التي كانت خلاًّ قبل ذلك، وكحقّ الأولويّة في الأرض المحجّرة التي لا تملك إلّا بالإحياء على المشهور، فالحقّ ليس بمعنى الملك إمّا مطلقاً أو في أمثال هذه الموارد.

قال (رحمه الله): نعم، تفسيره بمعنى السلطنة الوضعيّة ـ  يعني التفسير الأوّل  ـ ممّن يجعل الملك غير السلطنة لا مانع منه. وأمّا من يرى أنّ الملك بمعنى السلطنة فالإيراد متوجّه إليه أيضاً.

أمّا الجواب على مثل النقض بحقّ الاختصاص في الخمر التي لا تملك شرعاً وحقّ الأولويّة في الأرض المحجّرة على رأي المشهور القائل بعدم ملكها بأنّنا نفترض الحقّ مرتبة ضعيفة من الملك، والملك المنفيّ في الخمر وفي الأرض المحجّرة هي الملكيّة التامّة، فلم يرتضه المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)، واعترض على

', '', 113), (12, 114, 'book', '

التفريق بين الملك والحقّ باختلاف الدرجة بأنّ حقيقة الملك سواء كانت من مقولة الإضافة أو مقولة الجدة ليست لها مراتب مختلفة. أمّا الإضافة فهي تتبع المقولة التي تعرضها، فإن كانت من مقولة تقبل الشدّة والضعف كالكيف قبلت الشدّة والضعف كعنوان الأحرّ العارض على الحرارة، وإلّا فلا. وأمّا الجدة فلا تتّصف بالشدّة والضعف، وإنّما تتّصف بالزيادة والنقص، حيث إنّ الهيئة الحاصلة للرأس من العمامة مثلا أنقص من الهيئة الحاصلة للبدن من القميص.

التفسير الثالث: ما ذكره بعنوان (يمكن أن يقال) قائلا: «وإن لم أجد من وافق عليه صريحاً» وهو أن يقال: إنّ الحقّ ليس له معنىً واحد في كلّ الموارد، ففي جملة من الموارد توجد هناك اعتبارات خاصّة لها آثارها الخاصّة، ولتكن تلك الاعتبارات هي الحقّ بلا حاجة إلى افتراض اعتبار آخر و هو اعتبار سلطنة أو ملك لترتيب تلك الآثار عليه.

فحقّ الولاية مثلا ليس إلّا اعتبار ولاية الحاكم والأب والجدّ، ومن أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرّفه في مال المولّى عليه تكليفاً أو وضعاً، ولا حاجة إلى اعتبار آخر اسمه السلطنة أو الملك مثلا، وإضافة الحقّ إلى الولاية إضافة بيانيّة. وكذلك حقّ التولية وحقّ النظارة. وكذلك حقّ الرهانة، فإنّه ليس إلّا اعتبار كون العين وثيقة شرعاً، وأثره جواز الاستيفاء ببيعه عند الامتناع عن الوفاء. وكذلك حقّ التحجير، أي الحقّ المسبّب عن التحجير، فهو ليس إلّا اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر. وحقّ الاختصاص في الخمر ليس إلّا نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخرين من دون اعتبار ملك أو سلطنة له، وأثر الأولويّة والاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير له.

وخلاصة هذا الكلام: أنّه لا داعي لاعتبار السلطنة في جملة من الحقوق.

', '', 114), (12, 115, 'book', '

قال(رحمه الله): نعم، لا بأس بتفسير الحقّ بالسلطنة عندما يكون مفهوم السلطنة مأخوذاً في لسان الدليل كحقّ القصاص، حيث قال الله تعالى بشأنه: ﴿فقد جعلنا لوليّه سلطاناً﴾(1) وكذلك عندما لا يكون هناك معنىً اعتباريّ آخر مناسب للمقام. ولو فرض عدم ذكر عنوان السلطنة في لسان الدليل ـ  وذلك كما في حقّ الشفعة  ـ فإنّه ليس معناه اعتبار نفس الشفعة أي ضمّ حصّة الشريك إلى حصّته، وإلّا للزم انتقال حصّة الشريك إليه بمجرّد ثبوت الحقّ، بينما ليس كذلك. فحقّ الشفعة يعني السلطنة على ضمّ حصّة الشريك إلى حصته. وكذلك حقّ الخيار يعني السلطنة على اختيار الفسخ أو الإمضاء لا اعتبار اختيار أحدهما بالفعل بأن يكون بالفعل فاسخاً أو ممضياً، إذ لا فسخ ولا إمضاء بمجرّد جعل الحقّ.

قال (رحمه الله): نعم، ليس حقّ الخيار ملك الفسخ والإمضاء معاً أو السلطنة عليهما معاً، وإلّا نفذ إمضاؤه وفسخه معاً، ولا أحد الأمرين من الفسخ والإمضاء، فإنّ أحدهما المردّد لا ثبوت له حتى يقوّم به الملك أو السلطنة، بل الملك أو السلطنة يتعلّق بترجيح أحد الأمرين على الآخر.

وقال (رحمه الله): ويمكن أن يقال: إنّ المعنى الاعتباريّ المعقول هنا غير السلطنة، والمناسب للخيار جعله مفوّضاً، فاعتبار كونه مفوّضاً يترتّب عليه جواز الفسخ والإمضاء تكليفاً ووضعاً من دون لزوم اعتبار آخر.

أقول: إنّ هذا الكلام المفصّل للمحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) فيه مجال واسع للملاحظة:

فأوّلا: أنّنا لا نظنّ بمن يعتبر الحقّ مرتبة ضعيفة من الملك كالمحقّق النائيني

', '

(1) الاسراء: 33.

', 115), (12, 116, 'book', '

(رحمه الله)أنّه يقصد بذلك الشدّة والضعف بالمعنى الفلسفيّ الذي شرح المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)عدم تصوّره في الملك، وإنّما المقصود التعبير العرفيّ عن كون السلطنة على الشيء أحياناً بلحاظ تمام الجهات، واُخرى بلحاظ بعض الجهات.

وثانياً: ما ذكره جواباً على أنّ الحقّ قد يتعلّق بعمل الإنسان فلا يمكن أن يفسّر بالملك من أنّ عمل الإنسان يمكن تصوير امتلاك صاحبه له في موردين.

يرد عليه: أنّ نكتة عدم تصوير العقلاء للملكيّة بالنسبة لعمل الإنسان بالقياس إلى نفس العامل هي أنّ العقلاء إنّما اعتبروا الملكيّة لتكون علاقة اعتباريّة بين الإنسان والأموال المنفصلة عنه من أعيان أو منافع أو أعمال الآخرين كي يرتّبوا عليها أحكام الاختصاص والأولويّة للإنسان بالنسبة لتلك الاُمور المنفصلة عنه. أمّا بالنسبة لأعماله هو فلم يروا حاجة إلى خلق علاقة اعتباريّة بينه وبينها بعد ما كانت العلاقة التكوينيّة والسلطنة الحقيقيّة موجودة بينه وبينها، فلم يبق إلّا الحكم التكليفيّ من حلّيّة وحرمة شرعيّتين، أو حُسن وقبح عقليّين، أو النفوذ وعدم النفوذ كنفوذ الفسخ وعدمه، فمتى ما جاز ذلك أو نفذ لا حاجة إلى خلق علاقة اعتباريّة لوجود العلاقة التكوينيّة، ومتى ما لم يجز أو لم ينفذ لسبب مّا انفصلت تلك العلاقة التكوينيّة عمّا يرتّب عليها من الأولويّة لمانع.

وهذه النكتة نسبتها إلى كلّ الأعمال على حدّ سواء، ولا استثناء فيها، فحتّى فسخه للعقد بمقدار ما هو عمل له ـ  أعني إنشاء الفسخ وأكله لثمرة الأشجار التي مرّ بها  ـ توجد بينه وبينهما العلاقة التكوينيّة والسلطنة الحقيقيّة، فان نفذ الفسخ وجاز الأكل لم تكن حاجة إلى فرض علاقة اعتباريّة بينه وبينهما، وإن لم ينفذ الفسخ ولم يجز الأكل لارتباط ذلك بمال الغير أو لأيّ سبب آخر، لم نحتج أيضاً إلى فرض علاقة اعتباريّة بينه وبينهما.

$

', '', 116), (12, 117, 'book', '

وكان الأولى به (رحمه الله) أن يدفع الإشكال ببيان أعمق وهو أن يتجاوز الأعمال في معرفة مصبّ الحقّ إلى الأموال التي تتعلّق بها تلك الأعمال، ويقول: إنّ مصبّ حقّ الفسخ هي العين المباعة، ومصبّ حقّ المارّة هي الثمرة التي تؤكل. إذن فكلّ الحقوق في واقعها تتعلّق بالأموال كالملك، وإن صحّ أحياناً التعبير العرفيّ عن ذلك بمثل تعلّق الحقّ بالفسخ أو بالأكل.

وثالثاً: أنّ تفسيره للخيار بحقّ الفسخ والإمضاء غير صحيح، وإنّما الخيار هو حقّ الفسخ. وأمّا الإمضاء فهو إسقاط للخيار، وإسقاط الخيار غير الخيار. نعم، قد يقال بالنسبة لصاحب المال الذي باعه الفضوليّ: إنّ له حقّ الإمضاء والردّ.

ورابعاً: أنّ قوله: إنّ حقّ الخيار ليس هو حقّ الفسخ والإمضاء معاً لعدم إمكان الجمع بينهما ولا حقّ أحدهما، لأنّ أحدهما المردّد لا ثبوت له، ثمّ حلّه للإشكال بأنّ حقّ الفسخ هو حقّ ترجيح أحد الأمرين على الآخر.

أقول: هذا الكلام من أطرف ما جاء في بحثه (رحمه الله)، ولا أدري لماذا لم يكرّر السؤال على نفسه من أنّ ما اُضيف إليه (الترجيح) في فرض تعلّق الحقّ بترجيح أحد الأمرين هل هو كلا الأمرين معاً أو أحدهما المردّد  ؟ والأوّل مستحيل، لعدم إمكان الجمع بينهما. والثاني باطل، لأنّ أحدهما المردّد لا ثبوت له. والواقع أنّ الخيار إذا كان بمعنى حقّ الفسخ والإمضاء إذن هو متعلّق بالفسخ والإمضاء معاً، ولكن كلمة (معاً) هنا ليست بمعنى المجموع، بل بمعنى الجميع، فله حقّ الفسخ وله حقّ الإمضاء، وهو تكويناً عاجز عن الجمع في إعمال الحقّ بين الأمرين، وهذا ما يصاغ عرفاً بصياغة (تعلّق الحقّ بأحدهما). فعنوان أحدهما قالب ذهنيّ يصوغه الذهن لصبّ بعض أحكامه عليه في عالَمه، والاستفادة منه خارجاً سيتجسّد في فرد معيّن لا في فرد مردّد.

$

', '', 117), (12, 118, 'book', '

وخامساً: أنّ الفارق بين الأمثلة التي ذكرها غير واضح، فلماذا يكون الحقّ في الخيار والشفعة سلطنة ولا يكون في الولاية والتولية والنظارة والاختصاص في الخمر سلطنة؟! وصحيح أنّ إضافة الحقّ إليها بيانيّة، فحقّ الولاية مثلا لا يعني حقّ السلطنة على الولاية، وإنّما يعني (حقّاً هي الولاية)، ولكن لِمَ لا نفسّر نفس الولاية بالسلطنة على أموال المولّى عليه والاُمور التي يجوز له التدخّل فيها بالنسبة لمولّى عليه  ؟ والتفسير الأخير الذي ذكره للخيار وهو جعله مفوّضاً لِمَ لا يذكر في الشفعة  ؟ فيقال أيضاً: إنّ حقّ الشفعة عبارة عن جعله مفوّضاً في ضمّ حصّة شريكه إلى حصّته ثمّ كيف الطريق لمعرفة أنّ التفويض غير التسليط  ؟ كلّ هذا غامض لم يوضّحه المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) في كلامه.

ومن الغريب ما استفاده من كلمة (السلطان) فى قوله تعالى ﴿جعلنا لوليّه سلطاناً﴾ من أنّ حقّ القصاص يكون بمعنى اعتبار السلطنة، بينما من الطبيعيّ العرفيّ التعبير عن الحقّ بالسلطنة حتى لو لم يكن فى تحليله الدقيق الفلسفيّ عبارة عن السلطنة، ولِمَ لا نحتمل أنّ السلطان في هذه الآية المباركة عبارة عن السلطنة التكليفيّة ولا علاقة لها بالسلطنة الاعتباريّة  ؟  !

وذكر الإمام الخمينيّ(1) (رحمه الله) في المقام: أنّ الحقّ بحسب المفهوم العرفيّ والمرتكز العقلائي له معنىً واحد وهو اعتبار خاصّ يختلف عن اعتبار الملك أو السلطنة، وجعل (رحمه الله) الحقوق التي عدّها المحقّق الإصفهانيّ بعنوان حقيقة اُخرى غير السلطنة خارجة عن الحقوق، فذكر: أنّ مثل الولاية أمر اعتباريّ لدى العقلاء مجعول بذاته غير الحقّ والملك والسلطنة.

$

', '

(1) راجع كتاب البيع 1: 22 - 25.

', 118), (12, 119, 'book', '

واستشهد على كون الحقّ اعتباراً خاصّاً مغايراً للملك والسلطنة ـ  إضافة إلى دعوى الفهم العرفيّ والارتكاز  ـ باُمور:

1 ـ صدق الحقّ في موارد لا يعتبر فيها الملك ولا السلطنة، فحقّ الأولويّة الذي قال به المشهور في مَن سبق إلى المسجد أو الأمكنة الاُخرى الموقوفة وكذلك حقّ أولويّة الإحياء في مورد التحجير قد انفصل عن الملك لعدم الملك فى هذه الموارد بلا ريب ولو بمرتبة ضعيفة لو سلّمنا تصوّر الشدّة والضعف في الملك.

والحقوق الثابتة للصغير أو السفيه المحجور عليهما منفصلة عن السلطنة، فإنّ السلطنة فيها للولي لا للمحجور عليه. وما يقال من أنّ سلطنتهم سلطنة القاصر ليس بشيء، لأنّ القاصر مسلوب السلطنة لا مفوّضها.

2 ـ أنّه قد تثبت السلطنة ولا يثبت الملك ولا الحقّ، فهذا دليل على أنّ الحقّ غير السلطنة، وذلك من قبيل سلطنة الناس على نفوسهم، فإنّها عقلائيّة، ولهم أن يتصرّفوا في أنفسهم بأيّ نحو شاؤوا لولا المنع القانونيّ لدى العقلاء والشرعي لدى المتشرّعة، مع أنّهم لا يملكون أنفسهم ولا لهم الحقّ على أنفسهم.

3 ـ أنّ الملك في جميع الموارد إضافة بين المالك والمملوك، ولا يتقوّم بطرف ثالث اسمه المملوك عليه حتى في باب الدَين، فإنّ حال الذمّة فى الدَين حال المحفظة الخارجيّة في الأموال العينيّة التي جعلت فيها لا دخل لها فى اعتبار الملكيّة، بينما الحقّ كثيراً مّا يعتبر بين ذي الحقّ ومَن عليه الحقّ، كما في حقّ الاستحلاف للمدّعي على المدّعى عليه، فهذا دليل على أنّ الحقّ غير الملك.

4 ـ وذكر هذا الوجه بعنوان التأييد، وهو أنّ الحقّ حينما يكون على شخص يعتبر فيه الأداء، فيقال مثلا: أدّى حقّه، كما يقال في الدين: أدّى دينه، بينما لا يقال: أدّى سلطنته أو أدّى ملكه، فهذا يؤيّد تغاير الحقّ للملك والسلطنة.

$

', '', 119), (12, 120, 'book', '

5 ـ أنّهم قالوا: إنّ للمطيع على الله تعالى حقّ الثواب، بينما لا تعتبر الملكيّة ولا السلطنة في ذلك بالضرورة.

أقول: إنّ هذه الشواهد التي ذكرها (رحمه الله) كلّها قابلة للنقاش:

أمّا عدم تصوير الملكيّة الضعيفة في حقّ الأولويّة لمن سبق في الوقف كالمسجد ونحوه فليس بأوضح من أصل دعوى دلالة الارتكاز العقلائيّ على مغايرة الحقّ للملك، ومن ينكر ذلك لا يمكن إفحامه بهذا الشاهد، والقدر المسلّم بين الجميع عدم الملك بمعناه المقابل للحقّ، وهو الملك التامّ في المقام في رأي من يفترض الشدّة والضعف في الملك، وقد مضى أنّ المقصود بالشدّة والضعف قد لا يكون معناهما الفلسفيّ الواضح بطلانه في المقام، فبالإمكان أن يقال: إنّ من سبق إلى إشغال مكان في الوقف كانت له سلطنة محدودة على ذاك المكان في مقابل من يريد إزاحته كي يجلس هو مكانه، وبناءً على أنّ السلطنة هي الملك رجع الأمر إلى الملك بلحاظ بعض الجهات، ولا نعني بالملكيّة الضعيفة إلّا هذا.

وأمّا ثبوت سلطنة الناس على أنفسهم من دون ملك أو حقّ فهذه هي سلطنة تكليفيّة أو عنوان منتزع عنها، وهي أجنبيّة عن السلطنة الاعتباريّة التي يتكلّم السيّد الإمام (رحمه الله) عنها، والعقلاء لم يروا ملاكاً في اعتبار السلطنة للإنسان على نفسه أو جوارحه بعد أن كانت السلطنة التكوينيّة الموجودة في المقام تكفي في نظرهم لترتيب السلطنة التكليفيّة عليها، بلا حاجة إلى افتراض سلطنة اعتباريّة يترتّب عليها الحكم التكليفيّ.

وأمّا كون الحقّ متقوّماً أحياناً بمن عليه الحقّ بخلاف الملك فالواقع أنّ الحقّ دائماً متقوّم بمن عليه الحقّ حتى في الحقوق المتعلّقة بالأعيان الخارجيّة من قبيل حقّ التحجير، فحقّ التحجير يعني أنّ المحجّر له على الناس حقّ عدم

', '', 120), (12, 121, 'book', '

مزاحمتهم إيّاه في إحياء الأرض... وهكذا. والملك في مورد الدَين أيضاً متقوّم بالمملوك عليه، وفرق الذمّة عن المحفظة إضافتها إلى الإنسان وعدم امتلاكها الاستقلاليّة التي تمتلكها المحفظة، بل الملك في غير الدَين أيضاً قد فرض في حيثيّته التعليليّة وجود المملوك عليه. فلو لم يكن في العالم إلّا شخص واحد يتصرّف في كلّ الأموال كما يشاء لم تكن نكتة لفرض مالكيّته لها، وإنّما يملك الشخص الأموال باعتبار وجود آخرين معه في العالم فيقال: إنّ المال الفلاني ملك لزيد، أي أنّه مختصّ به في مقابل باقي الناس.

نعم، هناك فارق لغويّ بين الحقّ والملك، وهو أنّ الحقّ لوحظ في مفهومه لغةً فرض مَن عليه الحقّ، ولكن الملك لم يلحظ في مفهومه لغةً فرض مَن عليه الحقّ، فكأنّما يُرى أنّ الملك متقوّم بالمالك والمملوك فحسب، بخلاف الحقّ الذي هو بحاجة إلى من عليه الحقّ، وهذا فارق لغويّ بين الكلمتين، وليس فارقاً ماهويّاً بين السلطنتين.

وبما ذكرناه اتّضح الجواب على الشاهد الرابع، فإنّما يتعلّق الأداء بالحقّ وبالدَين فيقال: أدّى حقّه، أو أدّى دَينه، لأنّ (كلمتي الحقّ) والدَين قد اُشرِبتا لغويّاً معنى الإضافة إلى مَن عليه الحقّ أو الدَين، ولا يتعلّق الأداء بالملك، فلا يقال: أدّى ملكه، لعدم وجود إشراب من هذا القبيل لكلمة (الملك) فالفارق لغويّ لا علاقة له بهويّة السلطنتين.

وأمّا استحقاق العبد للثواب على الله تعالى فإنّما هو حقّ عقليّ بمنطق العقل العمليّ، وليس حقّاً وضعيّاً اعتباريّاً بالمعنى الذي نبحثه في المقام.

وتحقيق الكلام في المقام: أنّنا إذا اعتبرنا الحقّ عبارة عن أمر اعتباريّ يعتبره العقلاء كعلاقة بين صاحب الحقّ ومتعلّق الحقّ كي تترتّب عليه الأحكام فلا

', '', 121), (12, 122, 'book', '

ينبغي الشكّ في أنّ هذا الأمر الاعتباريّ هو من سنخ نفس الأمر الاعتباريّ الذي يعتبره العقلاء باسم الملك، فإنّ الدافع العقلائيّ لكلا الاعتبارين واحد، وهو إيجاد ربط بين الإنسان وما هو منفصل عنه من عين أو عمل أو منفعة يحلّ محلّ الربط التكوينيّ الموجود بين الإنسان وما هو متّصل به من جوارحه وأعماله، ويكون استنساخاً لتلك العلقة التكوينيّة التي إن شئت فسمّها بالسلطنة، و إن شئت فسمّها بالإحاطة، أو بأيّ اسم آخر، وهذا الخلق والاعتبار من قِبل العقلاء ـ  سواء كان بملاك تنظيم الأحكام المترتّبة عليه أو بملاك صعوبة تصوّرهم لترتّب تلك الأحكام على ما هو منفصل عن الإنسان من دون فرض ربط وعلقة بينه وبين الانسان  ـ من سنخ العلقة والربط الموجود بين الإنسان وجوارحه وأعماله، والتي كانت تترتّب على الجوارح والأعمال بنكتة تلك العلقة. ولا معنى لافتراضه في باب الملك شيئاً وفي باب الحقّ شيئاً آخر، فهو في كليهما استنساخ عن العلقة التكوينيّة الثابتة بين الإنسان وجوارحه، أو الإنسان وأعماله، وهي السلطنة، وإنّما الفرق يكون في سعة وضيق الأحكام التي تترتّب على هذه السلطنة الاعتباريّة، أو شدّة الأهمّية وضعفها، فالأحكام المترتّبة في باب الملك واسعة أو مهمّة، وفي الحقّ تكون في دائرة ضيّقة أو أقلّ أهمّية، وهذا يعني صحّة ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ الحقّ هو المرتبة الضعيفة من الملك، وذلك لا بالمعنى الفلسفيّ للشدّة والضعف الذي أورد عليه المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) بعدم معقوليّة ذلك في مفهوم الملك، بل بمعنىً عرفيّ يقصد به كون اعتبار السلطنة بلحاظ دائرة واسعة من التصرّفات أو دائرة أهمّ تارةً، وبلحاظ دائرة ضيّقة أو أقلّ أهمّيّة تارةً اُخرى. والمقصود هو السعة والضيق أو الأهمّية وعدم الأهمّية بلحاظ الطبيعة الأوّليّة للاُمور، وبقطع النظر عن الطوارئ والموانع. فلا يرد على ذلك النقض بأنّ

', '', 122), (12, 123, 'book', '

الآثار المترتّبة على الملك من جواز التصرّف أو نفوذه قد تضيق أو تنعدم نهائيّاً بالنسبة للمالك كما في حالات الحجر.

وعلى هذا، فالحقّ عبارة عن سلطنة ضعيفة من سنخ السلطنة الموجودة بمرتبة أقوى في الملك، ولا اُريد أن أنكر بهذا الفارق اللغويّ الموجود بين الملك والحقّ وهو أنّ الحقّ لوحظ فيه لغويّاً فرض النظر إلى المحقوق عليه، بينما لم تشرّب كلمة (الملك) بفرض المملوك عليه، فالملك رابطة بين المالك والمملوك بلا حاجة إلى المملوك عليه وإن كان وجود المملوك عليه ضروريّاً من الناحية التعليليّة في الملك كما في الحقّ تماماً، أي أنّه لو لم يكن في العالم إلّا شخص واحد يتصرّف فيه كما يشاء لم تكن حاجة إلى اعتبار الملكيّة وفرض السلطنة الاعتباريّة له، وإنّما وقعت الحاجة إلى ذلك بلحاظ وجود الآخرين، فيفترض عندئذ كلّ شخص مالكاً لشي كي لا تجوز للآخرين مزاحمته في ملكه، فالملك أيضاً في واقعه حقّ على الآخرين ولكن لم ينظر إلى ذلك في مفهوم الملك لغويّاً، بينما نظر إليه في مفهوم الحقّ، وهذا لا يعدو أن يكون فارقاً لغويّاً بين المفهومين لا فارقاً ماهويّاً بين السلطنتين.

والخلاصة: أنّه بناءً على افتراض الحقّ اعتباراً عقلائيّاً يربط بين ذي الحقّ ومتعلّق الحقّ يكون الصحيح ما قاله المحقّق النائينيّ  (رحمه الله) من أنّه درجة خفيفة من الملك.

تفسير الحقّ في الفقه الوضعي:

والمعروف في الفقه الغربيّ عدم التمييز بين الملك والحقّ، واعتبار الملك مصداقاً من مصاديق الحقّ.

والحقّ بهذا المعنى قد يكون صادقاً في بعض الحقوق كحقّ الولاية، ولكنّه

', '', 123), (12, 124, 'book', '

لا يصدق حتماً في جميع الحقوق كحقّ الأولويّة في مَن سبق في إشغال مكان فيالأوقاف العامّة. فمن الواضح أنّ العقلاء لا يوجدون بالخلق والاعتبار رابطة بين هذا الإنسان والمكان الذي أشغله، ولا يوجد هنا عدا الحكم التكليفيّ من جواز بقائه في المكان واستمراره في الاستفادة منه، وعدم جواز مزاحمة الآخرين له وإزاحتهم إيّاه إلى أن ينتقل هو من المكان، وما ينتزع من ذلك وهو عنوان اختصاصه بهذا المكان، فهذا المعنى الأوّل للحقّ وهي السلطنة الاعتباريّة قد يكون صحيحاً في الجملة.

ولكن يوجد في المقام منحىً ثان لتفسير الحقّ بما هو أوسع مصداقاً وأعمّ تطبيقاً من المعنى الأوّل، وهو تفسيره بأمر انتزاعيّ ينتزع من الأحكام التكليفيّة من الجواز وعدمه، والوضعيّة من النفوذ وعدمه، لا بأمر اعتباريّ جعل موضوعاً لتلك الأحكام، وذلك الأمر الانتزاعيّ عبارة عن عنوان اختصاص متعلّق الحقّ بذي الحقّ.

وقد فسّر الاُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء الحقّ بذلك حيث قال: «الحقّ هو اختصاص يقرّر به الشرع سلطةً أو تكليفاً»(1)، وبكلمة (الاختصاص) تخرج العلاقة التي لا اختصاص فيها كإباحة الاصطياد والاحتطاب من البراري وحيازة المباحات وحقّ الانتخاب وما إلى ذلك.

وهذا المنحى في تعريف الحقّ يشمل مثل حقّ الولاية، ومثل حقّ الأولويّة في مَن سبق إلى مكان في الوقف العامّ، وسائر الحقوق الاُخرى.

ويقصد بكلمة (السلطة) في التعريف ما يرجع إلى تصرّف نفس الولىّ كما في حقّ الولاية على النفس، حيث يمارس الوليّ فيه سلطته على القاصر تأديباً

', '

(1) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: 11 الفقرة 3.

', 124), (12, 125, 'book', '

وتطبيباً وتعليماً وإيجاراً وتزويجاً وغير ذلك. وكما في حقّ الملكيّة حيث يمارسالإنسان سلطته على الشي المملوك. وكحقّ الشفعة حيث يمارس الإنسان فيه سلطته على حصّة الشريك المشتراة بضمّها إلى ملكيّة نفسه. والاُستاذ الزرقاء يتّبع في مصطلحه في (الحقّ) الفقه الغربيّ في جعل الملك مصداقاً من مصاديق الحقّ.

ويقصد بكلمة (التكليف) في التعريف ما يرجع إلى تصرّف مَن عليه الحقّ من قبيل حقّ المستأجر على الأجير الموجب لقيام الأجير بعمله، وحقّ الدائن على المدين الذي هو حقّ قيام المدين بوفاء الدَين.

وفي المقام معنىً ثالث للحقّ أوسع وأعمّ تطبيقاً من المعنين الأوّلين، وهو نفس الجواز التكليفيّ أو الجواز الوضعيّ بمعنى النفوذ، فهذا يشمل حتى مثل حقّ الاصطياد والاحتطاب والحيازة وحقّ الانتخاب وما إلى ذلك.

وعلى أيّة حال فهذا المنحى من البحث الذي بحثناه حتى الآن وهو البحث عن تعريف الحقّ وإن كانت له قيمته من زاوية فقه الحقوق ولكن لا أثر عمليّ فقهيّ يترتّب عليه.

وإنّما الأثر العمليّ يترتّب على منحىً ثان من البحث، وهو ما قد يسمّى ببحث الفرق بين الحقّ والحكم، وهو البحث عن الآثار المعروفة التي قد ترتّب على الحقّ.

الآثار المعروفة للحقّ:

وهي ثلاثة:

الأوّل ـ جواز الإسقاط.

الثاني ـ جواز النقل.

الثالث ـ الانتقال بالإرث.

$

', '', 125), (12, 126, 'book', '

(الأوّل) جواز الاسقاط:

وقد أفاد المحقّق النائينيّ (رحمه الله): أنّ قوام الحقّ بقبول الإسقاط، لأنّ الحقّ عبارة عن السلطنة، ولولا جواز الإسقاط لم يكن هذا سلطنة لذي الحقّ، بل هو حكم مفروض عليه، فإنّ السلطنة تعني كون زمام أمر الشيء بيده(1).

وهذا الاستدلال غريب، فإنّ السلطنة على الشيء تعني كون زمام أمر ذلك الشيء الذي هو متعلّق للسلطنة بيده، ولا تعني كون زمام أمر تلك السلطنة من الإسقاط وعدمه بيده.

ولا أدري لماذا لا يقول أيضاً بأنّ قوام الحقّ يكون بقبول النقل، لأنّ جواز النقل وعدمه أيضاً نوع من كون زمام أمر تلك السلطنة بيد الإنسان  ؟  !

(الثاني والثالث) جواز النقل والإرث:

وأفاد المحقّق النائينيّ (رحمه الله) بالنسبة للنقل والإرث: أنّ الحقوق ليست كلّها على حدّ سواء:

فمنها: ما لا يقبل غير الإسقاط كحقّ القذف.

ومنها: ما يقبل النقل إلى الغير إمّا بلا عوض كحقّ القسم على ما ذكره جماعة فهو ينقل إلى الضرّة ولا يجوز أخذ العوض(2)، أو ينقل بعوض كحقّ التحجير.

وما يقبل النقل قد يقبل النقل إلى كلّ أحد كحقّ التحجير، وقد لا يقبل النقل إلّا إلى بعض الناس كحقّ القسم الذي لا يقبل النقل إلّا إلى الضرّة.

$

', '

(1) راجع منية الطالب 1: 42.

(2) لم نعرف السببب في عدم جواز أخذ العوض في المقام.

', 126), (12, 127, 'book', '

ومنها: ما يقبل الانتقال بالإرث لا النقل، كالخيار، فالبايع مثلا لو كان له خيار الفسخ لإرجاع العين فلا معنى لنقل خياره إلى شخص آخر، إذ لا معنى لإرجاع العين المبيعة إلى شخص آخر، ولكن انتقاله إلى الوارث في محلّه لدخوله تحت عنوان التركة.

والحقّ القابل للنقل لا يقبل النقل إلى مَن هو عليه لنكتة عامّة في جميع موارده، ولنكات خاصّة في بعض الموارد. أمّا النكتة العامّة في جميع موارده فهي عدم إمكان وحدة المسلّط والمسلّط عليه. وأمّا النكات الخاصّة فمن قبيل أنّ حقّ الرهانة سلطنة للمرتهن على العين المرهونة ليستوفي منها دَينه، ولا يتصوّر ذلك في الراهن كي يعقل نقله إليه، وحقّ الشفعة سلطنة بها يقدر الشريك على أخذ الحصّة المشتراة، ولا يتصوّر ذلك في المشتري نفسه كي ينقل إليه، وحقّ الخيار بالنسبة للبايع مثلا يعني حقّ تملّكه للمبيع، ولا معنى لنقل هذا الحقّ إلى المشتري بأن يكون له حقّ تملّك المبيع(1). انتهى ما أردنا نقله عن المحقّق النائينيّ (رحمه الله).

وللسيّد الإمام (رحمه الله)(2) إشكال على مثل دعوى عدم إمكان نقل حقّ القسم إلى غير الضرّة لعدم معقوليّة انتقال حقّ المضاجعة إلى غير الزوجة، وهو أنّ معنى انتقال حقّ القسم إلى إنسان آخر غير الزوجة ليس هو امتلاكه لحقّ المضاجعة بمعنى مطالبته لذاك الرجل بمضاجعته معه، وإنّما معنى ذلك أنّ حقّ المضاجعة الذي كان لتلك الزوجة صار أمره بيد من نقل إليه الحقّ، فبإمكانه مثلا إسقاطه وبإمكانه إعطاؤه لإحدى الضرّات الاُخرى، أو مصالحته مع إحدى الضرّات على

', '

(1) منية الطالب 1: 42 - 43.

(2) راجع كتاب البيع 1: 28.

', 127), (12, 128, 'book', '

الحقّ الذي صار بيده، وكذلك حقّ الشفعة قابل للانتقال إلى المشتري بمعنى أن يكون له حقّ ضمّ الحصّة المشتراة إلى ملك الشريك، وليس بمعنى حقّ أن يمتلك هو تلك الحصّة حتى يقال: إنّ هذا غير معقول، لأنّ تلك الحصّة هي ملك له.

وبهذا يتّضح أنّ ما ذكره المحقّق النائينيّ (رحمه الله) من عدم إمكان نقل الخيار من البائع إلى المشتري ـ  إذ لا معنى لتملّك المشتري للعين المبيعة، لأنّها ملكه  ـ في غير محلّه، فإنّ جواب السيّد الإمام (رحمه الله) الذي نقلناه يسري هنا بأن يقال: إنّ معنى انتقال الخيار إلى المشتري هو أن يكون له حقّ إرجاع العين إلى البائع لا حقّ تملّكها، كي لا يعقل ذلك بالنسبة للمشتري، ولك أن تقول: إنّ الخيار للبائع لا يعني حقّ تملّك العين المبيعة بالذات، وإنّما يعني حقّ فسخ العقد، وهذا كما يتصوّر بشأن البائع يتصوّر بشأن المشتري.

كما أنّ ما ذكره المحقّق النائينيّ (رحمه الله) من عدم معقوليّة نقل الخيار إلى شخص ثالث ـ  لأنّ الخيار يعني حقّ إرجاع العين إلى ملك المالك الأوّل بالفسخ ولا يعقل إرجاعها بالفسخ إلى ملك الأجنبيّ  ـ غير صحيح، لأنّه يرد عليه ما أفاده السيّد الإمام (رحمه الله)، حيث ذكر: أنّ لصاحب الخيار سلطنة على الفسخ والإمضاء، ولازم الفسخ رجوع كلّ من العين والثمن إلى محلّه الأوّل، وهذا المعنى قابل للنقل إلى الغير سواء كان هو الأجنبيّ أو طرف المعاملة، وليس نقله إلى الأجنبيّ أو طرف المعاملة إلّا كجعل الخيار ابتداءً للأجنبيّ أو لطرف المعاملة، فلو فسخ ذاك الأجنبيّ كانت نتيجة الفسخ رجوع كلّ من العوضين إلى ملك مالكه الأوّل لا إلى ملك الأجنبيّ(1).

$

', '

(1) كتاب البيع 1: 27 - 28.

', 128), (12, 129, 'book', '

نقل الحقّ إلى مَن هو عليه:

وأمّا ما أفاده المحقّق النائينيّ (رحمه الله) من أنّ نقل الحقّ إلى من هو عليه غير معقول لعدم إمكان وحدة المسلّط والمسلّط عليه، فهو منقوض ببيع الدين على من هو عليه.

وقد أجاب الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله) عن هذا النقض بأنّ الحقّ متقوّم بالمحقوق عليه، فلا يمكن نقله إلى المحقوق عليه للزوم اتّحاد ذي الحقّ والمحقوق عليه، ولكن الملك غير متقوّم بغير المالك والمملوك، فيمكن نقل الدَين الذي في ذمّة المدين إلى المدين، فيملك الدَين فيسقط(1).

واعترض عليه المحقّق النائينيّ (رحمه الله) بأنّه إذا فرضنا تقيّد الدَين المملوك بالذمّة فأيّ أثر للقول بأنّ الملك لا يتقوّم إلّا بطرفين: المالك والمملوك  ؟ بينما الحقّ بحاجة إلى المحقوق عليه، فيلزم اتّحاد ذي الحقّ والمحقوق عليه  !  ! فإنّه بعد فرض تقيّد الدَين بالذمّة من الواضح وقوع الحاجة إلى المملوك عليه، فلزم اتّحاد المالك والمملوك عليه، فلا فرق في الإشكال بين الموضعين(2).

وقد نقل عن المحقّق النائينيّ (رحمه الله) جوابان(3) على هذا النقض.

(الجواب الأوّل) يتركّز ابتداءً على تحليل حقيقة المبيع في بيع الدَين الذي هو بيع للكليّّ، حيث يقال: إنّ المبيع ليس متقوّماً ومتقيّداً بالذمّة، إذ لا شكّ في إمكان تطبيق الكلّي المبيع في بيع الكلّيّ على ما في الخارج لدى الوفاء، والمتقيّد بالذمّة لا يقبل الانطباق على ما في الخارج، وبهذا البيع يصبح المدين مالكاً على

', '

(1) المكاسب 1: 79 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) المكاسب والبيع للشيخ الآمليّ 1: 96، منية الطالب 1: 43.

(3) على ما في منية الطالب 1: 43، واقتصر في تقرير الشيخ الآمليّ 1: 95 على الجواب الثاني.

', 129), (12, 130, 'book', '

الدائن كلّيّاً منطبقاً تماماً على ما في ذمّته هو، وبهذا الانطباق القهريّ على ما فيذمّته تفرغ ذمّته، فهذا شبيه بالتهاتر، وليس تهاتراً، فإنّ التهاتر يعني سقوط الدَينين بالتقابل، بينما في المقام قد سقط الدَين بانطباق الكلّيّ المبيع عليه قهراً.

(والجواب الثاني) يبدأ بالتركيز على معرفة حقيقة ما في ذمّة المدين من الدَين، حيث يقال: إنّ الدَين الذي في ذمّة المدين ليس عبارة عن المال المتقوّم والمتقيّد بالذمّة، وإلّا لزم عدم إمكان تطبيقه على ما في الخارج وقت الأداء، وإنّما الذي في ذمّة المدين عبارة عن ذات المال من دون تقيّد بالذمّة، وليس الكليّّ المتقيّد بالذمّة في الذمّة ومستحقّاً عليه، وإنّما ذات الكلّيّ هو المستحَقّ عليه، وبهذا الاستحقاق اعتبرت الذمّة، فحينما باعه الدائن على المدين فقد باعه ذات الكلّي لا الكلّي المقيّد بما في الذمّة حتى يلزم اتّحاد المالك والمملوك، وقد ترتّبت على هذا البيع براءة ذمّته.

وفي أكبر الظنّ أنّ المقصود الحقيقيّ للمحقّق النائينيّ (رحمه الله) هو ما جاء في الجواب الثاني والذي ذكر مشروحاً في تقرير الشيخ الآمليّ (رحمه الله) مقتصراً عليه وأنّ ما جاء في منية الطالب من ذكر الجواب الأوّل مشروحاً ثمّ الإشارة إلى الجواب الثاني بشكل مختصر ناتج عن تشويش البيان أو تشويش التقرير، وذلك لأنّ ما جاء في الجواب الأوّل ـ  من أنّ المبيع الكلّي لا بدّ أن لا يتقيّد بالذمّة كي يمكن تطبيقه على ما في الخارج لدى الوفاء  ـ لا علاقة له بمورد البحث، إذ لا تطبيق على ما في الخارج لدى الوفاء في بيع الدَين، وإنّما المفروض حصول الوفاء بنفس سقوط الدَين قهراً، فهذا الكلام إنّما يناسب غير بيع الدَين من موارد بيع الكليّّ، وليس المفروض في باب بيع الدَين بيع كليّّ أجنبيّ ينطبق قهراً على الدَين، وإنّما المفروض فيه هو بيع الدَين نفسه.

$

', '', 130), (12, 131, 'book', '

على أن هناك إشكالا يرد على فرض هذا الانطباق ـ  لو قيل به  ـ وهو أنّه لا يوجد محتوىً حقيقيّ لفرض انطباق الكلّي المبيع على الدَين، لأنّ هذا يعني انطباق الرمز على الرمز بينما الرمز لا ينطبق إلّا على ذي الرمز.

وعلى أ يّة حال فالجواب الثاني في المقام أكثر معقوليّة في نفسه من الجواب الأوّل، إلّا أنّه مع هذا لا يصلح لإثبات كون المبيع هو ذات الكلّي لا الكلّي المتقيّد بالذمّة، فصحيح أنّ ما هو موجود في ذمّة المدين هو ذات الكلّي لا الكلّي المتقيّد بكونه في الذمّة، لأنّ المحمول لا يؤخذ قيداً في مرتبة الموضوع، ولكن البيع الطارئ على هذا الكلّي إنّما طرأ على الكلّي المقيّد بالذمّة، ففرق كبير بين طروّ الدخول في الذمّة على الكلّي وبين طروّ البيع على الكلّي الذي دخل في الذمّة، فالدخول في الذمّة لا يطرأ على الكلّي الذي هو داخل في الذمّة، وإنّما يطرأ على ذات الكلّي، ولكن بيع الدين ـ  لا محالة  ـ هو بيع للكلّي الذي هو في الذمّة.

والآن فلنفترض أنّ الكلّي الذي باعه على المدين هو ذات الكلّي لا الكلّي الذي في ذمّته سواء قرّب ذلك بالوجه الأوّل أو بالوجه الثاني، ولكنّنا نقول: إنّه هل امتلك المدين بالنتيجة الكلّي الذي في ذمّته ولو بسبب انطباق ذاك الكلّي على ما في ذمّته مثلا، أو امتلك كلّيّاً على البائع من دون انطباقه على ما في ذمّته  ؟ فعلى الأوّل لزم تملّك الشيء على نفسه واتّحاد المالك والمملوك عليه ولو بعد الانطباق، وعلى الثاني لزم عدم مبرّر لسقوط ما في ذمّته إلّا بالتهاتر، وهو خلف المفروض.

ثمّ إنّ الجواب الثاني لو تمّ لتمّ في باب الحقّ أيضاً، ولم يصلح فارقاً بين نقل الحقّ إلى مَن عليه الحقّ وبيع الدين على مَن هو عليه، إذ كما أنّ ما في ذمّة المدين هو ذات الكلّي لا الكلّي المتقيّد بكونه في ذمّته كذلك ما ثبت على المحقوق عليه من متعلّق الحقّ إنّما هو ذات متعلّق الحقّ لا المتعلّق بقيد كونه ثابتاً عليه.

$

', '', 131), (12, 132, 'book', '

والواقع: أنّ أصل الإشكال في نقل الحقّ إلى مَن هو عليه وبيع الدَين على مَن هو عليه والوجوه التي ذكرت للفرق بينهما لا تخلو كلّها عن كونها دوراناً في عالم الألفاظ، وحقيقة الأمر هي أنّ امتلاك كلّ شيء بحسبه، فامتلاك شخص لذمّة شخص آخر يعني انشغالها للشخص المالك، وامتلاكه لذمّة نفسه يعني فراغ ذمّته، وبيع الدَين على مَن هو عليه أمر عرفيّ لا يقصد به إلّا تمليك ذمّته إيّاه وامتلاكه لذمّته عين فراغها، وكذلك بيع الحقّ على مَن عليه الحقّ يعني رجوع الحقّ أو متعلّقه إليه وهو عين سقوطه.

وعلى أيّة حال فلم نعرف من كلام المحقّق النائينيّ (رحمه الله) ضابطاً محدّداً لقبول الحقّ للنقل أو الإرث وعدمه.

نفي الفرق الجوهري بين الحقّ والحكم:

والذي يستفاد من المطالب المنقولة عن السيّد الخوئي (رحمه الله)(1) في المقام هو أنّه لا فرق بين الحقّ والحكم عدا مجرّد اصطلاح، حيث اصطلح على الحكم القابل للإسقاط باسم الحقّ، فلم يرَ السيّد الخوئيّ مجالا للبحث عن كون شيء مّا حقّاً وعدمه لنثبت بذلك قبوله للإسقاط أو النقل أو الإرث وعدمه، بل لا بدّ في كلّ حكم من الرجوع إلى الأدلّة الواردة بشأن ذلك الحكم، فإن ورد ما دلّ على جواز إسقاطه أو نقله أو عدم جواز ذلك أخذنا به، وإلّا فبالنسبة للإسقاط يكون مقتضى إطلاق دليل ذلك الحكم ـ  لو كان له إطلاق لما بعد الإسقاط  ـ هو عدم السقوط بالإسقاط. ولو لم يكن له إطلاق، فإن آمنّا باستصحاب بقاء الحقّ بعد إسقاطه ثبت أيضاً عدم نفوذ الإسقاط، وإن لم نؤمن بهذا الاستصحاب ـ  إمّا لعدم الإيمان

', '

(1) راجع المحاضرات 2: 20 - 24، ومصباح الفقاهة 2: 45 - 51.

', 132), (12, 133, 'book', '

بالاستصحاب في الحكم الكلّي الشرعيّ وإمّا لتعليقيّة الاستصحاب في ما إذا كانالحكم المشكوك قابليّته للإسقاط وضعيّاً لا تكليفيّاً  ـ فعندئذ يكون مقتضى القاعدة هو سقوط الحقّ بالإسقاط، لأنّ المتيقّن من ثبوته هو ما قبل الإسقاط، أمّا بعد الإسقاط فنرجع إلى دليل عدم جواز التصرّف في مال الغير بلا رضاه، وإنّما رفعنا اليد عن هذا الدليل قبل الإسقاط لتقدّم دليل الحقّ عليه، والمفروض عدم ثبوت إطلاق له لما بعد الإسقاط.

وأمّا بالنسبة للنقل فمقتضى الأصل العمليّ ـ  بعد فرض عدم دليل خاصّ على جوازه  ـ عدم صحّة النقل، لأنّ دليل الحقّ إنّما دلّ على ثبوته على صاحبه الأوّل، ولم يدلّ على ثبوته للمنقول إليه، بل قد يقتضي الأصل اللفظيّ أيضاً عدم جوازالنقل، وذلك كما في حقّ الفسخ، فإنّ أكل المال بفسخ الشخص الثاني غير من كان له الفسخ أوّلا يكون خلاف إطلاق دليل حرمة أكل مال الغير إلّا بالتجارة عن تراض.

وأمّا الإرث فهو يتبع النقل، فإنّ ما يقبل النقل ولا يكون متقوّماً بالشخص الأوّل يبقى بعد موته ويصدق عليه عنوان التركة، ومع الشكّ في ذلك نكون قد شككنا في انتقاله إلى الوارث، ومقتضى الأصل عدم انتقاله إليه.

هذه خلاصة كلام السيّد الخوئيّ (رحمه الله)، ومقتضاه أيضاً عدم وجود مميّز موضوعيّ نميّز به الحقّ عن الحكم بشكل يقع في طريق معرفة جواز الإسقاط أو النقل أو الإرث.

ضابطة التمييز بين الحقّ والحكم:

وذكر اُستاذنا الشهيد (رحمه الله): أنّه من الواضح المرتكز لدى العقلاء أنّ الحقّ قابل للإسقاط بخلاف الحكم، والتفتيش عن ضابط ذلك يكون بأحد وجوه ثلاثة:

$

', '', 133), (12, 134, 'book', '

الأوّل: أن يفتّش عن موارد الحقّ وموارد الحكم، أي عن التشريعات القابلة للإسقاط والتشريعات غير القابلة له، ثمّ يؤخذ جامع بين الطائفة الاُولى وجامع بين الطائفة الثانية، وهذا لا يفيدنا في مقام استنباط الأحكام، وإنّما هو شيء في طول الاستنباط، وإنّما أثره تنظيم الاستنباط والتطبيق لكبريات المطلب بعد الفراغ عن مجموعة الاستنباطات.

الثاني: أن يفتّش عن الموارد التي دلّ الدليل على قابليّة الإسقاط فيها فتستكشف نكتة مشتركة عن تلك الموارد فيحكم بالحقّيّة على كلّ تشريع مشتمل على تلك النكتة ولو لم يدلّ دليل خاصّ فيه على الحقّيّة وقابليّة الإسقاط، وهذا لو تمّ يفيدنا في مقام الاستنباط، إلّا أنّ هذا الاستقراء حجّيته موقوفة على إيراثه للقطع، إذن ففي غالب الظنّ سوف لن يفيدنا هذا الاستقراء خصوصاً إذا وجدت مادّة أو مادّتان للنقض وانخرام القاعدة.

الثالث: أن ننظر إلى المرتكزات والتشريعات العقلائيّة بقطع النظر عن الأحكام الشرعيّة، فقد نستكشف النكتة المشتركة عن طريق الرجوع إلى الارتكازات العقلائيّة وهذا يفيدنا فى مقام الاستنباط بعد إعطاء تلك طابع الشرعيّة بأحد وجوه ثلاثة:

الأوّل: إثبات إمضائها عن طريق عدم الردع على حدّ إمضاء سائر السِيَر العقلائيّة.

الثاني: الرجوع إلى ظاهر أدلّة التشريعات بعد تحكيم تلك الارتكازات في ظهورها، فدليل الخيار مثلا لا يبقى له ظهور في الإطلاق لمابعد الإسقاط بعد الالتفات إلى الارتكاز العقلائيّ القائل بقبوله للإسقاط، فإنّ الارتكازات العقلائيّة تتحكّم في الظهورات كما تتحكّم فيها الأوضاع اللغويّة.

$

', '', 134), (12, 135, 'book', '

إلّا أنّ الصحيح: أنّ هذا الوجه لا يثبت الإمضاء، إذ غاية ما يثبت به هو عدمالإطلاق لتلك الأدلّة لما بعد الإسقاط. وأمّا السقوط بالإسقاط فلا يثبت بها، بل يبقى مشكوكاً يجب الرجوع فيه إلى القواعد.

الثالث: الرجوع إلى الأخبار الظاهرة في الإمضاء كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل جنى إليَّ أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان  ؟ قال: هو حقّك، إن عفوت عنه فحسَن، وإن رفعته إلى الإمام فإنّما طلبت حقّك، وكيف لك بالإمام»(1). فهذا ظاهر في ذكر الصغرى والإحالة في الكبرى على الارتكاز العقلائيّ، فيدّل على إمضائه بحدوده العقلائيّة.

ثمّ إنّ هذا الطريق ـ  أعني التمسّك بالسيرة العقلائيّة مع إثبات الإمضاء بعدم الردع أو بالرجوع إلى الأخبار الظاهرة في الإمضاء  ـ لا يضرّه وجود بعض الموادّ للنقض وانخرام القاعدة، فتلك الموارد تعتبر ردعاً عن السيرة، وهذا لا ينافي الإمضاء في الموارد الاُخرى بالسكوت أو بتلك الأخبار.

ومع وجود هذا الطريق لا ننتهي إلى ما انتهى اليه السيّد الخوئيّ من انغلاق باب البحث عن كون شيء مّا حقّاً وعدمه بنحو منتج فقهيّاً. هذا تمام ما أردنا نقله عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله).

ولا يخفى أنّ إثبات الإمضاء بعدم الردع وإثباته بمثل ما مضى من صحيح محمّد بن مسلم كلاهما ينتجان جواز الإسقاط بمستوىً واحد، ولا يتوهّم أنّ نتيجة الثاني أوسع من الأوّل باعتبار ظهور الحديث في أنّ موضوع جواز الإسقاط هو الحقّ، وهو يشمل حتى الحقّ الذي ليس في ارتكاز العقلاء قابلا للإسقاط كحقّ الولاية.

$

', '

(1) الوسائل 18: 329، الباب 17 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1.

', 135), (12, 136, 'book', '

والوجه في منع هذه السعة في نتيجة الثاني هو أنّنا إمّا أن نقول: إنّ ما لا  يقبل الإسقاط في نظر العقلاء لا يسمّى حقّاً عندهم، أو نقول: إنّه يسمّى حقّاً رغم عدم قبول الإسقاط، فإن قلنا بالأوّل فعدم شمول الحديث له واضح، وليس القول بعدم تسميته حقّاً منافياً لما مضى منّا من فرض الولاية حقّاً إمّا بمعنى السلطنة الاعتباريّة أو بمعنى الاختصاص المنتزع من الأحكام، فإنّنا هناك كنّا نتكلّم عن الحقيقة الفلسفيّة لمغزى الحقّ مع غضّ النظر عن مثل الإسقاط أو النقل، ونعتقد أنّ الحقّ في سائر الموارد إن كان سلطنة اعتباريّة أو أمراً انتزاعيّاً من الأحكام وهو عنوان الاختصاص، فنفس هذه الحقيقة موجودة في مثل الولاية رغم قبولها للإسقاط، وهذا لا ينافي أن يفترض في المقام أخذ قيد جواز الإسقاط عقلائيّاً في المفهوم اللغويّ والعرفيّ لكلمة الحقّ.

وإن قلنا بالثاني ـ  أي أنّنا افترضنا أنّ مثل الولاية أيضاً تسمّى في نظر العرف حقّاً رغم عدم قبولها للإسقاط في ارتكاز العقلاء  ـ فأيضاً نقول: إنّ مثل صحيح محمّد بن مسلم لا يشمل ذلك، لما مضى عن اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) من (أنّه ظاهر في ذكر الصغرى والإحالة في الكبرى على الارتكاز العقلائيّ) فهو إنّما يدلّ على سراية الحكم من المورد إلى سائر الحقوق في حدود الارتكاز العقلائيّ لا أكثر، فإنّ الارتكازات العقلائيّة مؤثّرة كالدلالات اللغويّة في تحديد الظهورات.

ويمكن أن يقال في بعض ما لا يقبل الإسقاط كحقّ الولاية وحقّ الحضانة: إنّه لم يكن فقط حقّاً لمن يمارس السلطة كي يشمل قوله: «هو حقّك إن عفوت عنه فحسَن» بل هو حقّ أيضاً للمولّى عليه أو الطفل.

الضابط العقلائيّ لجواز الإسقاط:

وإذا أردنا التفتيش عن الارتكازات العقلائيّة فخير ما اُفيد كضابط لجواز

', '', 136), (12, 137, 'book', '

الإسقاط وعدمه هو ما يمكن استنباطه من كلام المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)(1) من أنّما كان في نظر العقلاء لرعاية حال من اُعطي الأمر بيده، ولأجل مصلحته كحقّ التحجير وحقّ الخيار وما شابه ذلك، فهو قابل للإسقاط في نظرهم، وكلّما لم يكن كذلك فهو غير قابل للإسقاط من قبيل الولاية المجعولة لمصلحة المولّى عليه لا لمصلحة الولي، والوصاية التي أعطاها الميّت للوصيّ حفاظاً على مصلحته هو لا حفاظاً على مصلحة الوصيّ.

وبهذا يظهر الفرق بين الأمثلة التي ذكرها السيّد الخوئيّ (رحمه الله)، وجعل وضوح عدم الفرق بينها شاهداً على ما قال من عدم الفرق بين الحقّ والحكم. فقد جاء في المحاضرات: وممّا يشهد لما ذكرناه ـ  من أنّ الحقّ هو الحكم بعينه  ـ أ نّا لا نرى فرقاً بين الجواز الحكميّ غير القابل للإسقاط في جواز قتل الكافر تكليفاً وبين الجواز الحقّي في جواز قتل الجانيّ قصاصاً، وهكذا لا فرق في جواز رجوع الواهب وضعاً وجواز رجوع من له الخيار في البيع مع أنّ الأوّل حكميّ والثاني حقّي(2).

وجاء في مصباح الفقاهة: «فاعطف نظرك هل ترى فارقاً بين جواز قتل المشرك الذي يسمّى حكماً شرعيّاً وبين سلطنة وليّ الدم على قتل القاتل الذي يسمّى حقّاً شرعيّاً لقبوله الإسقاط  ؟ ثمّ ارجع البصر كرّتين هل ترى فارقاً بين حقّ الحضانة والاُبوّة والولاية وأشباهها ممّا لا يقبل الإسقاط، وبين حقّ الشفعة وحقّ الخيار القابلين للإسقاط  ؟ فافهم واغتنم»(3).

$

', '

(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 12.

(2) المحاضرات 2: 21.

(3) مصباح الفقاهة 2: 46.

', 137), (12, 138, 'book', '

أقول: إنّ الفرق أصبح واضحاً بالبيان الذي ذكرناه، فجواز القتل قصاصاً كان لأجل وليّ الدم ولمصلحته، وجواز قتل الكافر كان لخسّة الكافر وعدم حرمته. وجواز الفسخ بالخيار كان في نظر العقلاء لمصلحة الفاسخ. وكلمة الخيار الواردة في لسان الأدلّة تعني اختيار صاحب الحقّ، وتشير ـ  في الفهم العرفيّ  ـ إلى النظر إلى مصلحة ذي الحقّ، وعندئذ يحكم الارتكاز العقلائيّ بقبوله للإسقاط، بينما لم يعبّر عن جواز فسخ الهبة في لسان الدليل بعنوان خيار للواهب، بل فرض حالة راجعة إلى ذات الهبة، وهي كونها عقداً متزلزلا. ولا يفهم من هذا اللسان أنّ الجواز إنّما جعل لأجل الواهب ولصالحه وإن كان حقّ الحضانة قد لوحظت فيه مصلحة الاُمّ، فلا إشكال في أنّه ليس متمحّضاً في مصلحة الاُمّ، بل لوحظت فيه مصلحة الطفل أيضاً بلا شكّ، وهذا بخلاف حقّ الشفعة وحقّ الخيار. وبهذا يظهر الكلام في مثل حقّ الاُبوّة أو الولاية وأشباههما. هذا كلّه في جواز الإسقاط.

الضابط العقلائي لجواز النقل والإرث:

وأمّا جواز النقل أو الإرث فأيضاً يمكن أن يستنبط من كلام المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)(1) له ضابط ارتكازيّ للعقلاء، وهو أنّه إن وجدت في ذي الحقّ خصوصيّة ترى بالنظر العقلائيّ أنّها مقوّمة للحقّ لم يجز نقله إلى غيره ممّن لا يملك تلك الخصوصيّة، وإن نفيت مقوّميّة الخصوصيّة بالنظر العقلائيّ جاز.

فحق الولاية المعطى للحاكم أو للأب يُرى عقلائيّاً أنّه لخصوصيّة في الحاكم أو الأب، فلا معنى لنقله إلى الغير. وكذلك حقّ الوصاية التي أوكلها الميّت

', '

(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 12.

', 138), (12, 139, 'book', '

إلى شخص إنّما أوكلها إليه لخصوصيّة فيه ونظر الميّت إليه بالخصوص، فلا معنى لنقله إلى غيره. وحقّ الشفعة المجعول للشريك يرى أنّ التضرّر اللاحق به مقوّم له، فلا معنى لنقله إلى غيره. وحقّ الرهانة يُرى أنّ حاجة الدائن للوثيقة بالنسبة لدَينه مقوّمة لثبوته له، فلا معنى لنقله إلى غيره، وهذا بخلاف حقّ التحجير مثلا، فهو يقبل النقل لعدم وجود خصوصيّة مقوّمة في بقائه لنفس المحجّر عقلائيّاً.

وكلام المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) ليس كاملا في بلورة هذه الفكرة، فقد جاء في كلامه ما لا يمكن المساعدة عليه، من قبيل: أنّ حقّ الشفعة لا يمكن نقله إلى المشتري، لأنّ سلطنة الشخص على تملّك ما ملكه غلط: وأنّ حقّ الرهانة لا يمكن نقله إلى غير الدائن ؛ لأنّ كون العين وثيقة لغير الدائن غير معقول، فلا ينقل إلى الغير إلّا بتبع نقل الدَين إلى الغير فينقل حقّ الرهانة تبعاً. وأنّ حقّ القسم يمكن انتقاله إلى الضرّة ولكن لا يمكن انتقاله إلى الوارث، إذ لا يعقل قيام الوارث مقام الزوجة في هذا الحقّ، ولا يعقل استفادته من هذا الحقّ.

وهذا كلّه يرد عليه ما مضى عن السيّد الإمام (رحمه الله) من أنّه بالإمكان انتقال حقّ القسم إلى غير الضرّة بأن يكون بيده أمر هذا الحقّ من إسقاطه أو إيقاع المصالحة عليه مع إحدى الضرّات ونحو ذلك. وبالإمكان انتقال حقّ الشفعة إلى المشتري بأن يكون أمر إرجاع تلك الحصّة إلى الشريك المالك للحصّة الاُخرى بيده. وكذلك في حقّ الرهانة يمكن أن يكون أمر هذه الوثيقة بيد شخص أجنبيّ لا بمعنى كونها وثيقة له حتى يقال: إنّ هذا غير معقول، بل لا زالت وثيقة لنفس الدَين السابق.

ولكن إذا صغنا المطلب بالصياغة التي نحن بيّنّاها لم يكن مورد لهذا الإشكال، وذلك بأن نقول: إنّ حقّ القسم متقوّم عرفاً بالخصوصيّة الموجودة في

', '', 139), (12, 140, 'book', '

الزوجة من استفادتها من المضاجعة، فلا يمكن نقله إلى غير الزوجة. وحقّ الشفعة متقوّم عرفاً بتوجّه الضرر المخصوص إلى صاحب الحقّ، حيث جعل له الحقّ تداركاً لذاك الضرر، فلا يمكن نقله إلى غير المتضرّر به. وحقّ الرهانة متقوّم عرفاً بالحاجة إلى الوثيقة، فلا يمكن نقله إلى الغير، بل قد لا يمكن نقله إلى الغير حتى بنقل الدَين إليه حينما تكون خصوصيّة الدائن الأوّل مأخوذة بعين الاعتبار في موافقة المدين على إعطاء الوثيقة.

والكلام في الإرث هو عين الكلام في النقل، فأيضاً نقول: إن المورّث إن كان واجداً لخصوصيّة ترى مقوّمة للحقّ فالوارث الفاقد لها لا يرثه، ولا يعتبر متعلّق الحقّ تركة بعد الوفاة، وإلّا اعتبر تركة وورثه الوارث.

ولا أقصد بهذا الكلام أنّ جواز النقل والإرث متلازمان متى ما صحّ أحدهما صحّ الآخر، فهما وإن كانا دائرين مدار نكتة واحدة وهي وجود الخصوصيّة المقوّمة وعدمها ولكنهما قد يفترقان بلحاظ نفس هذه النكتة. فحقّ الشفعة يورث ولا ينقل، لأنّ الوارث مالك لنفس الخصوصيّة المقوّمة بخلاف الأجنبيّ. وكذلك حقّ الخيار وحقّ الرهانة. بينما حقّ القسم ينقل إلى الضرّة ولايورث، لأنّ الضرّة مالكة لنفس الخصوصيّة المقوّمة بخلاف الوارث.

والواقع أنّ النقل أو الإرث بحاجة إلى مجموع أمرين لو ثبتا معاً ثبت النقل أو الإرث، وإلّا فلا:

أحدهما: أن لا تكون في الشخص الأوّل خصوصيّة مقوّمة للحقّ في نظر العقلاء مفقودة في الثاني، وهذا ما وضّحناه بالأمثلة الماضية.

والثاني: أن لا يكون الحقّ لقصره وضيقه غير قابل للانتقال، ومثاله حقّ الأولويّة الثابت لمن سبق في حيازة الوقف. فهذا لا يقبل النقل إلى الغير عقلائيّاً،

', '', 140), (12, 141, 'book', '

لأنّ الشخص الأوّل لو أراد نقله إلى شخص آخر فالمفروض به أن يخلي المكانكي يشغله صاحبه الذي أراد نقل الحقّ إليه، وبمجرّد إخلائه للمكان ينتهي حقّه، وتصبح نسبة المكان إلى صاحبه وإلى ايّ إنسان آخر على حدّ سواء.

وإن شئت فقل: إنّ كلا الأمرين راجعان إلى فكرة الخصوصيّة المقوّمة، إلّا أنّه تارةً يفرض أنّ الخصوصيّة المقوّمة أشارت إلى شخص معيّن ولا ينتقل الحقّ إلى غيره لفقدان الغير لتلك الخصوصيّة، واُخرى يفرض أنّ الخصوصيّة المقوّمة أشارت إلى فترة معيّنة من الزمان كفترة جلوسه في المسجد مثلا، وبفقدانها يفقد نفس الشخص الأوّل الخصوصيّة فينتهي حقّه. نعم، قد يأخذ مالا من شخص مّا لقاء أن يخلي المكان فيتمكّن الآخر من إشغاله، وهذا خروج عمّا نحن بصدده.

هذا، وكلّ حقّ لايقبل الإسقاط عرفاً لا يقبل النقل أو الإرث عرفاً أيضاً، لأنّ عدم قبوله للإسقاط كان لدخل مصلحة فيه غير مصلحة ذي الحقّ. ومن الواضح أنّ مصلحة الشخص الآخر التي أوجبت ثبوت حقّ الولاية أو الوصاية أو غيرهما لشخص مّا ليست بالضرورة منحفظة لدى انتقال الحقّ إلى شخص آخر، وليس ذو الحقّ هو صاحب المصلحة فقط حتى يحقّ له عرفاً أن يقول: أنا أرفع يدي عن مصلحتي.

اعتبار الماليّة في نقل الحقّ:

وهناك مشكلة اُخرى في مسألة نقل الحقّ أو المعاملات التي تكون بحاجة إلى ماليّة العوضين فيها، وهي أنّه هل الحقّ يعتبر مالا كي يمكن نقله بتلك المعاملة أوْ لا  ؟

والواقع أنّ الحقّ ليس مالا، فإنّ حاله حال الملك. وكما أنّ الملك لم يكن يعتبر مالا وإنّما كان يتعلّق بالمال كذلك الحقّ لا يعتبر مالا، وإنّما يتعلّق بالمال.

', '', 141), (12, 142, 'book', '

وماليّة المتعلّق كافية في حلّ الإشكال كما كان الحال كذلك في الملك. ولا فرق بين المعاوضة بين مالين في عالم الملكيّة أو في عالم الحقّ، أو ملكيّة وحقّ، والتعبير عن ذلك بمبادلة المالين أو بمبادلة الملكين أو الحقيّن سيّان، فكلّ هذا تعبير عن حقيقة واحدة عرفيّة.

والبحث الموروث عن المحقّق النائيني (رحمه الله)(1) عن أنّ البيع هل هو تبديل الملكيّتين والإضافتين كما يناسبه تعريف البيع بأنّه تمليك عين بمال  ؟ أو هو تبديل المملوك بالمملوك كما يناسبه تعريف البيع بأنّه مبادلة مال بمال، ثمّ استظهاره الثاني، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم لا على ملكيّتهم الاعتباريّة... أقول: كلّ هذا بحث لفظيّ، ولا فرق في واقع المقصود العرفيّ بين التعبير بتبديل الملكيّتين أو الإضافتين في باب البيع والتعبير بتبديل المملوك بالمملوك. والواقع الفلسفيّ للعمليّة هو فناء الإضافة الاُولى وخلق إضافة جديدة. كما لا فرق في واقع المقصود العرفيّ أيضاً في باب الإرث بين التعبير بأنّ الوارث حلّ محلّ المورّث أو التعبير بأنّ الإضافة إلى المال انتقلت من المورّث إلى الوارث. والواقع الفلسفيّ للعمليّة هو فناء الإضافة الاُولى وخلق إضافة جديدة.

نعم، الفرق العرفيّ بين باب الإرث وباب البيع هو: أنّ الإضافة كأنّها تبدّلت في باب الإرث بتبدّل أحد طرفيها، وتبدّلت في باب البيع بتبدّل الطرف الآخر، وكلاهما مشتركان في صدق تبدّل الإضافة عرفاً. وليس من الصحيح تفريع الثمرة التي ذكرها المحقّق النائينيّ لهذا البحث في الإرث من أنّه لو كان المال متعلّقاً لحقّ آخر يكون بما هو كذلك موروثاً، لأنّ التغيّر والتحويل لم يحصل في ناحية الملكيّة، وإنّما التبديل في المالك.

$

', '

(1) راجع تقرير الشيخ الآملي (رحمه الله) 1: 86 - 87.

', 142), (12, 143, 'book', '

ويرد عليه: أنّ الحقّ إذا كان متعلّقاً بالمال فمن الطبيعيّ أن يكون مع المالحيث ما ذهب المال، سواء فرض التبدّل في الملكيّة أو المالك أو المال.

وكذلك يظهر بما ذكرناأنّه لامورد للبحث الذي أثاره الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)(1)من أنّه هل يصحّ جعل الحقّ ثمناً في المبيع مع أنّ الحقّ ليس بمال ويشترط في ثمن البيع الماليّة  ؟ مع جواب السيّد الخوئيّ عليه بأنّ الحقّ مال، لأنّ المال ما يرغب فيه العقلاء ويبذلون بإزائه شيئاً، ومن البيّن أنّ حقّ التحجير مورد لرغبة العقلاء وتنافسهم، فيكون مالا بالحمل الشائع.

ولكن مع ذلك قال السيّد الخوئيّ (رحمه الله): بأنّه لا يصحّ جعله ثمناً في البيع لأنّه لا تتعلّق بالحقّ الذي هو حكم من الأحكام إضافة ملكيّة أو غيرها بأن يملك الإنسان الحقّ مثلا، والبيع مبادلة بين المالين والمملوكين لا بين الملكيّتين أو السلطنتين. نعم، نقل الحقّ أو إسقاطه أو إعماله فعل من أفعال المكلّف، فيصحّ جعله ثمناً، وإذن فيملك البائع على المشتري هذا الفعل ويلزم عليه تسليمه إلى البائع بعد البيع، كما هو الحال في بقيّة الأفعال المجعولة ثمناً(2).

أقول: هذا الكلام كلّه لا مورد له، صحيح أنّ حقّ التحجير شيء يرغب فيه العقلاء ويبذلون بأزائه المال، لكن هذا تماماً من قبيل أنّ ملكيّة الأرض أيضاً شيء يرغب فيه العقلاء ويبذلون بإزاء اتّصافهم بصفة ملكيّة الأرض المال، وهذا كلّه يعني ماليّة المتعلّق ومعاوضة المتعلّقين في كلّ شيء بحسبه، فقد تكون المعاوضة في عالم الملكيّة واُخرى في عالم الحقّيّة.

$

', '

(1) راجع المكاسب 1: 79 أوّل البيع بحسب الطبعة التي تشتمل على تعليقة الشهيديّ.

(2) راجع المحاضرات 2: 22 - 23، ومصباح الفقاهة 2: 42 - 43.

', 143), (12, 144, 'book', '

وذكر المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله): أنّ النقل لو كان متعلّقاً بطرف الحقّ كانصحيحاً، فإنّ ذا الحقّ يخرج الأرض المحجّرة من طرف إضافته الحقّيّة إلى طرف إضافة اُخرى. وأمّا نقل نفس الإضافة بذاتها فغير معقول، لأنّ الإضافات تتشخّص بأطرافها، فشخص العين قابل للنقل دون شخص الإضافة، فإذا اُريد نقل الإضافة فلا بدّ أن يكون النقل فيها بالعناية وبنظر الوحدة، فكأنّ الإضافة المنقولة من طرف نفسه إلى طرف غيره شخص تلك الإضافة، بينما واقع الأمر هو موت إضافة وخلق إضافة جديدة(1).

أقول: إن كان المقصود بذلك مجرّد بحث لفظيّ عن مثل كلمة (النقل) كي ترى أنّ الأصحّ هو التعبير بنقل طرف الإضافة أو التعبير بنقل الإضافة فلا كلام لنا في ذلك، وأمّا إن كان المقصود تصوير عمليّتين إحداهما نقل طرف الإضافة والاُخرى إفناء الإضافة الاُولى بين شخص وذاك الطرف وخلق إضافة جديدة بين شخص آخر وذاك الطرف وأنّ العمليّة الثانية يعبّر عنها بنقل الإضافة بالعناية فالواقـع أنّهما عمل واحد فلسفيّاً يصحّ التعبير عنه عرفاً بنقل الحقّ كما يصحّ التعبير عنه عرفاً بنقل متعلّق الحقّ.

تقسيم الحقّ إلى العيني والشخصي

ثمّ إنّه تعارف في فقه القانون الوضعيّ الحديث تقسيم الحقوق الماليّة إلى قسمين(2): الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ.

$

', '

(1) راجع تعليقته على المكاسب (فائدة في تحقيق حقيقة الحقّ): 11 - 12.

(2) راجع بهذا الصدد الوسيط 1 الفقرة 2 - 5، و 8، الفقرة 94 - 99، والفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: الفقرة 5 ـ 14.

', 144), (12, 145, 'book', '

فالأوّل: هو الحقّ الذي يكون قائماً بين صاحب الحقّ والشيء المستحقّ،ويكون ذو الحقّ مسلّطاً بموجبه على ذلك الشيء مباشرة ومن دون وساطة شخص آخر في ممارسة السلطان على ذلك الشيء، ومثاله: حقّ الملكيّة، وحقّ السكنى، وحقّ الانتفاع، وحقّ الرهن، وما إلى ذلك.

والثاني: هي الرابطة القائمة بين شخصين، التي يمارس ذو الحقّ بموجبها سلطته على ما يريد بواسطة الشخص الآخر، أي بمطالبته إيّاه بإعطاء مايستحقّه من دَين أو عمل، أو الامتناع عن عمل من قبيل حقّ الدائن المقرضعلى المدين المقترض وحقّ المستأجر على الأجير. وقد وجد للبعض في داخل الفقه الوضعيّ اتّجاه إلى إنكار هذا التقسيم، وإرجاع كلّ الحقوق الماليّة إلى قسم واحد على خلاف في ذلك بين إرجاع الحقّ العينيّ إلى الحقّ الشخصيّ، وبالعكس.

إرجاع الحقّ العيني إلى الشخصي:

أمّا من أرجع الحقّ العينيّ إلى الشخصيّ فحاصل كلامه: أنّ الحقّ إنّما هو رابطة بين شخصين، ويكون الحقّ ثابتاً لشخص على شخص آخر حتى في ما يسمّى بالحقّ العينيّ، وليس الحقّ ثابتاً لشخص على العين، غاية ما هناك أنّ العين هو مورد حقّه ومحلّه، فحقّ الملكيّة مثلا محلّه ومتعلّقه الشيء المملوك، وذو الحقّ هو المالك، ومَن عليه الحقّ هم الناس كافّة عدا نفس المالك، إذ يجب عليهم جميعاً احترام هذا الحقّ.

فكما أنّ الحقّ الشخصيّ يشتمل على عناصر ثلاثة: ذو الحقّ، ومَن عليه الحقّ، ومتعلّق الحقّ، كذلك الحقّ العينيّ مشتمل على هذه العناصر الثلاثة، ولا

', '', 145), (12, 146, 'book', '

فارق جوهريّ بينهما. نعم، هما يختلفان في شيء غير جوهريّ، وهو أنّ المدين ـ  أي مَن عليه الحقّ  ـ في الحقّ الشخصيّ هو شخص معيّن أو أشخاص معيّنون، وفي الحقّ العينيّ هم جميع الناس عدا الدائن، ولهذا يمكن اعتبار الحقّ العينيّ حقّاً شخصيّاً عامّاً من حيث المدين.

وأجاب على ذلك الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوريّ بجوابين(1):

الجواب الأوّل: صحيح أنّ الحقّ العينيّ يشتمل على جانب عامّ، وهو أنّه يجب على الجميع احترامه ولا يجوز لهم هتكه، إلّا أنّ هذا ليس هو امتياز الحقّ العينيّ عن الحقّ الشخصيّ كما تخيّله صاحب الإشكال، فإنّ هذا ثابت حتى في الحقّ الشخصيّ، فحقّ المقرض على المقترض مثلا يجب على الناس جميعاً احترامه، ولا يجوز لأحد أن يحرّض المدين على الامتناع عن أداء الدَين مثلا، وإن فعل ذلك كان مسؤولا عن التدارك، فالحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ مشتركان في الجانب العامّ، ولكنّ الحقّ الشخصيّ يزيد على الحقّ العينيّ في أمر جوهريّ، وهو ثبوت الجانب الخاصّ من حيث المدين إلى هذا الجانب العامّ الذي تقدّم ذكره، ففي كلّ حقّ شخصيّ يوجد مدين معيّن أو مدينون معيّنون هم الذين يباشر الدائن سلطته على الشيء محل الحقّ بوساطتهم، ولا وجود لهؤلاء في الحقّ العينيّ، وهذا فرق جوهريّ ما بين الحقّين تترتّب عليه نتائج هامّة سيأتي ذكرها.

وإذا اعتدى شخص بالذات على الحقّ العينيّ فأصبح مسؤولا عن تداركه فهذا الشخص ليس مسؤولا بموجب الحقّ العينيّ ذاته، بل بموجب التزام شخصيّ

', '

(1) الجواب الأوّل موجود في الجزء الأوّل من الوسيط: الفقرة 3، وكلا الجوابين موجودان في الجزء الثامن منه: الفقرة 97.

', 146), (12, 147, 'book', '

تولّد عن الخطأ الذي ارتكبه، ويكون إذن طرفاً لا في الحقّ العينيّ الموجود من قبل بل في الحقّ الشخصيّ الذي تولّد عن الخطأ.

الجواب الثاني: أنّ الحقّ العينيّ غير متقوّم في عناصره بالمدين أو المدينين حتى بلحاظ عموم الناس، وصحيح أنّه يجب على الناس كافّة احترام الحقّ العينيّ لذي الحقّ، لكن هذا إنّما يكون بعد استكمال هذا الحقّ لجميع عناصره وقيامه حقّاً كاملا مستوفياً لجميع مقوّماته، فهذا الاحترام إذن ليس عنصراً من عناصر الحقّ العينيّ، ولا يوجد مدين بالحقّ العينيّ هو عنصر من عناصر هذا الحقّ، بينما يوجد مدين في الحقّ الشخصيّ هو أحد عناصره.

أقول: إنّ ما افترضوه من عدم وجود المدين في الحقوق العينيّة لا ينافي ما مضى منّا من أنّ كلمة (الحقّ) اُشربت لغويّاً النظر إلى مَن عليه الحقّ لا في الملك ولا في الحقوق الاُخرى.

أمّا في الملك فيكفي في رفع التنافي أن يقال: إنّنا لم نكن نصطلح على الملك بالحقّ، فنحن وإن قلنا: إنّ الحقّ ـ  بناءً على كونه أمراً اعتباريّاً  ـ هو في روحه ملكيّة ضعيفة ولكنّنا أشرنا إلى فارق لغويّ بين الملك والحقّ، وهو إشراب كلمة (الحقّ) النظر إلى من عليه الحقّ دون كلمة (الملك). نعم، قلنا: إنّ وجود الآخرين المملوك عليهم كان دخيلا كحيثيّة تعليليّة في جعل الملك، لكن هذا لا يعدو أن يكون حيثيّة تعليليّة، وبما أنّ الملك يفترض في الفقه الغربيّ حقّاً من الحقوق إذن فقد حصلوا على حقٍّ غير مأخوذ فيه عنصر المدين.

وأمّا في الحقوق العينيّة الاُخرى كحقّ الرهن أو حقّ الفسخ أو حقّ الشفعة فالمفروض عندنا تقوّمها بمن عليه الحقّ من شخص خاصّ، وهو الراهن أو المفسوخ عليه العقد أو المشتري. بينما ذكر السنهوريّ في جوابه الأوّل: أنّ

', '', 147), (12, 148, 'book', '

الحقوق الشخصيّة لا تشتمل على الجانب الخاصّ من حيث المدين. وذكر في جوابه الثاني: أنّ الحقوق الشخصيّة لا تتقوّم أصلا بالمدين حتى بلحاظ عموم الناس.

ولكن مع ذلك لا تنافي بين هذه الكلمات وما ذكرناه، وذلك بلحاظ الفرق بيننا وبينهم في المصطلحات. فنحن كنّا نقصد بمن عليه الحقّ المتقوّم به حقّ الرهن أو الفسخ أو الشفعة الراهن أو المفسوخ عليه أو المشتري بلحاظ أنّ الحقّ متعلّق بما يملكه ومحدِّد لصلاحيّاته في التصرّف الناتجة من مالكيّته. وهم يقصدون بنفي تقوّم هذه الحقوق بمن عليه الحقّ أو عدم وجود المدين في هذه الحقوق أنّ صاحب الحقّ يمارس سلطته على هذه الأعيان مباشرة لا بواسطة ممارسة السلطة على شخص مّا. وهذا صحيح. هذا، وسيأتي إن شاء الله أنّ الدكتور السنهوريّ أنكر دخول مثل الشفعة في الحقّ سواء العينيّ أو الشخصيّ.

إرجاع الحقّ الشخصي إلى العيني:

وأمّا من أرجع الحقّ الشخصيّ إلى الحقّ العينيّ فحاصل كلامه: أنّه حان الآن وقت النظر إلى الحقّ الشخصيّ لا باعتباره رابطة بين الشخصين، بل باعتباره عنصراً من عناصر الذمّة الماليّة ومنفصلا عن المدين، وهذا ما يقتضيه تقدّم المعاملات وسرعة تداول الأموال وتصحيح حوالة الدَين، فتتجرّد القيمة الماليّة للحقّ الشخصيّ عن شخص الدائن وعن شخص المدين، وبذلك يقرب الحقّ الشخصيّ من الحقّ العينيّ، وهذا هو المذهب المادّيّ في الالتزام.

وأجاب عليه الدكتور السنهوريّ(1): بأنّنا لا ننكر على المذهب المادّيّ

', '

(1) راجع الوسيط الجزء 1: الفقرة 4، والجزء 8: الفقرة 98.

', 148), (12, 149, 'book', '

للالتزام انتشاره ومسايرته للتطوّر القانونيّ الحديث، ولكنّنا نقول: إنّ هذا لا يؤدّي إلى هدم التمييز بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ، فيبقى الفارق جوهريّاً بين الحقّين حتى إذا نظرنا إليهما من حيث متعلّق الحقّ وهو أنّ الدائن يمارس في الحقّ العينيّ سلطته على متعلّق الحقّ مباشرة دون وسيط بينهما، بخلاف الحقّ الشخصيّ، فليس للدائن فيه إلّا سلطة غير مباشرة على متعلّق الحقّ، ولا يستعمل هذه السلطة إلّا بوساطة المدين.

ورغم ما يتراءى من وضوح الفرق بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ قد يقع نوع من الخلط أو التقارب بينهما من قبيل ما يسمّى عندهم بالالتزام العينيّ(1).

ووجه هذه التسمية هو أنّ كلمة (الالتزام) تشير إلى جانب شخصيّة الحقّ، لأنّ الالتزام هو العنوان المضايف للحقّ الشخصيّ، فكلّ حقّ شخصيّ بالقياس إلى الدائن حقّ، وبالقياس إلى المدين التزام. وكلمة (العين) تشير إلى علاقة هذا الحقّ بعين معيّنة، وهذا في الموارد التي يكون الالتزام الثابت على المدين التزاماً بعمل للدائن يجب إيقاعه بلحاظ عين مملوكة للمدين، من قبيل ما افترضوه من أنّ كلّ مالك يجبر جاره على وضع حدود لأملاكهما المتلاصقة، وتكون نفقات التحديد شركة بينهما.

ومثل هذا الالتزام يوافق الالتزام الشخصيّ من حيث إنّه يجبر مديناً معيّناً نحو دائن معيّن على أداء عمل معيّن، لكنّه يوافق الحقّ العينيّ في أنّه يتركّز الالتزام العينيّ في عين معيّنة بالذات، وأنّه يدور مع ملكيّة هذه العين أينما دارت، فلو انتقلت الأرض المجاورة مثلا إلى شخص آخر تحوّل الالتزام بوضع الحدّ إلى

', '

(1) راجع الوسيط 8: الفقرة 100 وآخر الفقرة 99.

', 149), (12, 150, 'book', '

ذاك الشخص، وأنّ المدين يستطيع أن يتخلّص من التزامه بتركه العين أو التخلّي عنها.

إلحاق بعض الحقوق إلى العيني أو الشخصي:

ثمّ إنّ الدكتور عبد الرزاق السنهوريّ ذكر: أنّ الشفعة ليست حقّاً وأنّ الشفيع إنّما يطالب بملكيّة العقار المشفوع فيه، فهو لا يطالب بالشفعة، وإنّما يطالب بالملكيّة، وقد كان اعتبار الشفعة حقّاً هو الذي حيّر بعض الفقهاء ودفعهم إلى التساؤل: هل الشفعة حقّ عينيّ أو حقّ شخصيّ  ؟ والواقع أنّها ليست بحقّ عينيّ ولا بحقّ شخصيّ، وإنّما هي كالعقد سبب من أسباب كسب الملكيّة، وإذا كانت المناقشة لا تجوز في اعتبار العقد حقّاً عينيّاً أو حقّاً شخصيّاً كذلك لا تجوز المناقشة في اعتبار الشفعة هذا أو ذاك(1).

وذكر أيضاً: كثيراً مّا يناقش الفقهاء هل الشفعة حقّ عينيّ أو هي شيء غير ذلك  ؟ كما يتناقشون في طبيعة الحيازة وهل هي حقّ عينيّ  ؟ ونحن لا نتردّد في الإجابة على هذه المسائل بما قدّمناه، فلا الشفعة ولا الحيازة حقّ عينيّ أو شخصيّ، بل هما واقعتان قانونيّتان تدخلان في أسباب كسب الملكيّة، فهما إذن ليستا بحقوق، بل هما مصدر للحقوق، ولا يصحّ أن يقال عن أيٍّ منهما إنّه حقّ عينيّ أو حقّ شخصيّ بالقدر الذي لا يصحّ أن يقال به إنّ العقد ـ  وهو أيضاً مصدر للحقوق  ـ حقّ عينيّ أو حقّ شخصيّ. والأهمّية العمليّة لعدم اعتبار الشفعة حقّاً أنّه لا يجوز لدائني الشفيع أن يستعملوا الشفعة باسم مدينهم(2).

$

', '

(1) انظر الوسيط 8: الفقرة 105.

(2) الوسيط 1: الفقرة 33، الهامش.

', 150), (12, 151, 'book', '

أقول: لا إشكال في أنّ الشفعة تختلف عن العقد في أن العاقد لا يعقد رغم أنف الطرف الآخر، بل يعقد برضاه، بخلاف الشفيع الذي يطالب ببطلان البيع رغم البائع. وكذلك الشفعة تختلف عن العقد وعن الحيازة في أنّ ممارسة العقد أو الحيازة جائزة لكلّ أحد بخلاف الشفعة التي لا تكون إلّا للشريك، فلو فرضت الشفعة حقّاً عينيّاً أو شخصيّاً لا ينقض بالعقد أو الحيازة. وأمّا أنّ الشفيع يطالب بملكيّة العقار لا بالشفعة فيرد عليه:

أوّلا: أنّ الشفيع لا يطالب بملكيّة العقار وإنّما يطالب بالجامع بين ملكيّة العقار ورجوعه بالفسخ إلى البائع، ومن هنا كان وسطاً بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ ؛ لأنّ الفسخ عمل يلزم به البائع وتملّك العقار أمرٌ متعلّق بالعين.

وثانياً: أنّه لو كان الشفيع يطالب بملكيّة العقار لكانت الشفعة عبارة عن حقٍّ أن يمتلك لا أنّها تخرج عن كونها حقّاً، ولا ينقض بالعقد أو الحيازة، لما عرفت من أنّهما لا يختصّان بشخص دون شخص، بخلاف حقّ الشفعة.

وذكر السنهوريّ ـ  بعد تثبيته لعدم كون الشفعة حقّاً  ـ: والذي ضلّل الناس في أمر الشفعة هو أنّها تجعل الشفيع بالنسبة إلى العين المشفوع فيها في منزلة مَن له الحقّ في أنْ يمتلكها، وهذه منزلة وسط بين مجرّد الرخصة في التملّك حيث يكون الشخص أجنبيّاً عن الشيء، وحقّ الملكيّة الكامل حيث يكون للشخص حقّ عينيّ في الشيء. ونظير ذلك شخص صدر له إيجاب البيع، فهو أيضاً في منزلة وسطى بين من له مجرّد الرخصة في الشراء قبل صدور الإيجاب وبين المشتري الذي أصبح مالكاً عند تمام البيع(1).

$

', '

(1) الوسيط الجزء 1، الفقرة 33، الهامش.

', 151), (12, 152, 'book', '

أقول: إنّ الفرق بين الشفعة وقبول القابل بعد صدور الإيجاب هو أنّللموجب أن يرجع من إيجابه قبل قبول القابل، وللأجنبيّ أن يتّفق مع الموجب ويشتري منه العين قبل قبول القابل، ولكنّ الشفيع ليس لأحد أن يزاحمه في إعمال حقّه.

وأمّا ما ذكره من أنّه لا يجوز لدائني الشفيع أن يستعملوا الشفعة باسم مدينهم فلدى إرادة حمله على معنىً معقول ينبغي أن يكون إشارة إلى شرط من شروط المعنى المصطلح عليه بالحقّ الماليّ، وهو أن يكون الحقّ الماليّ قابلا للانتقال على الأقلّ إلى الدائنين، بمعنى أن يتمكّنوا من الاستفادة الماليّة من حقّ مدينهم، كما هو حاصل في حقّ الرهن، فمن حقّ دائني المرتهن لدى تفليسه الاستفادة من العين المرهونة. وليس الأمر كذلك في الشفعة أو خيار الفسخ، فإنّ فرض هذا الشرط في معنى الحقّ المالي صحّ ما يقوله الدكتور السنهوريّ من أنّ الشفعة ليست حقّاً عينيّاً ولا حقّاً شخصيّاً.

هذا كلّ ما أردنا بيانه هنا لتوضيح مصطلح الحقّ العينيّ والشخصيّ في الفقه الغربيّ.

ثمرات الفرق بين الحقّ العيني والشخصي:

أمّا الثمرات التي ترتّب على تقسيم الحقّ إلى العينيّ والشخصيّ فلعلّ من أهمّها ما يلي:

1 ـ لصاحب الحقّ العيني تتبّع العين في حقّه أينما انتقلت، وذلك إمّا بمعنى أنّ العين متى ما تنتقل من حيازة شخص إلى حيازة شخص آخر يكون لصاحب الحقّ تتبّع العين أينما كانت. فمالك العين مثلا له أن يقيم الدعوى على اليد الأخيرة لدى تعاقب أيد متعدّدة على العين المغصوبة، وله أن يفرض سيطرته على

', '', 152), (12, 153, 'book', '

العين وإن كان صاحب اليد الأخيرة يتضرّر بذلك ؛ لأنّه اشتراها من صاحب اليد السابقة بثمن مّا باعتقاد كونه مالكاً لها. نعم، لصاحب اليد الأخيرة الرجوع إلى من قبله، وهكذا إلى أن يستقرّ الضمان على الغاصب.

وإمّا بمعنى أنّ العين متى ما تنتقل من ملكيّة شخص إلى ملكيّة شخص آخر فصاحب الحقّ يتتبّعها بحقّه. فالعين المرهونة مثلا إذا انتقلت من المالك الأوّل إلى أيّ مالك آخر كان للمرتهن حقّ افتراضه وثيقة لدَينه وحقّ استيفاء دَينه منه، وتبدّل المالك مهما تكرّر لا يؤثّر على ذلك، بينما لا يتصوّر التتبّع في الحقّ الشخصيّ.

2 ـ أنّ لصاحب الحقّ العينيّ أن يتقدّم على جميع الدائنين الشخصيّين في تقاضي حقّه من الشيء، فالمرتهن مثلا يتقدّم في استيفاء حقّه من العين على الغرماء الشخصيّين، ولا يكون اُسوة الغرماء(1).

والواقع أنّنا إن قصدنا بالثمرة الأثر الشرعيّ المتفرّع على الفرق بين الحقّين فالمفروض أن تكون الثمرة من قبيل الثمرة الثانية دون الاُولى، فإنّ الاُولى لا تعدو أن تكون فارقاً موضوعيّاً بين الحقّين لا ثمرة شرعيّة مترتّبة على الفرق بينهما، فمتعلّق الحقّ حينما يكون عيناً خارجيّة فهذه العين تقبل الانتقال خارجاً من حيازة إلى اُخرى، أو أنّ ملكيّة هذه العين تنتقل من شخص لآخر، والحقّ يبقى ملتصقاً بها. أمّا متعلّق الحقّ الشخصيّ فقوامه بنفس الحقّ، ولا وجود له خارجيّ منفصلا عن عالم الحقّ والالتزام كي يفترض تنقّله من حيازة إلى حيازة، أو من ملكيّة إلى ملكيّة كي نرى هل يتبعه الحقّ أو لا يتبعه.

$

', '

(1) راجع بشأن آثار الحقّين الوسيط 1: الفقرة 6، و 8: الفقرة 115 - 120، والفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: الفقرة 12.

', 153), (12, 154, 'book', '

وأمّا إن قصدنا بالثمرة مطلق الفارق المبرّر لتقسيم الحقّ بنكتة تنظيم أبواب الفقه وترتيبها فلا بأس بذكر الثمرات التي تكون من قبيل الثمرة الاُولى.

ونقل الاُستاذ مصطفى الزرقاء(1) عن كتاب «نظرية العقد» للدكتور السنهوريّ قوله:

إنّ الشريعة الإسلاميّة لا يستشعر فيها بهذا التمييز بين الحقّ العينيّ والشخصيّ إلّا في بعض عبارات تأتي عرضاً في موضوعات مختلفة ميّز فيها فقهاء المسلمين بين حقّ يتعلّق بالعين وحقّ لا يتعلّق بها، ولكنّه تمييز غير واضح، ولم يعقّب عليه الفقهاء تعقيباً يتّفق مع أهمّـيّته، ولم تصغ منه نظريّة ممهّدة كما فعلت في النظريات الاُخرى للفقه الإسلامي وإن كان الفقهاء قد رتّبوا لحقّ الرهن مثلا حقّ التقدّم ونوعاً من حقّ التتبّع.

وأجاب على ذلك الاُستاذ مصطفى الزرقاء بقوله:

أمّا أنّ فقهاء المسلمين لم يصوغوا نظريّة ممهّدة مستقلّة للتمييز بين الحقّ الشخصيّ والحقّ العينيّ فنعم، وهذا راجع إلى اختلاف مبنى الترتيب والصياغة بين الفقه الإسلاميّ والفقه الأجنبيّ.

فالفقه الأجنبيّ يقوم ترتيبه على أساس تقسيم أحكامه إلى زمرتين منفصلتين:

1 ـ زمرة أحكام الحقوق الشخصيّة، وتشمل على النظريّة العامّة للالتزامات ثمّ أحكام العقود المسمّـاة.

2 ـ زمرة أحكام الحقوق العينيّة، وتسمّى نظريّة الأموال، ومن ثمّ برز للنظر هذا التمييز بين الحقّين العينيّ والشخصيّ في الفقه الأجنبيّ والقوانين المصوغة منه، لأنّ هذا التمييز هو أساس ترتيب الفقه الأجنبيّ كلّه.

$

', '

(1) في كتاب الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 15.

', 154), (12, 155, 'book', '

أمّا الفقه الإسلاميّ فإنّ ترتيبه وصياغته يقومان على أساس سرد مصادر الحقوق والالتزامات وبيان أحكامها ونتائجها في كلّ مصدر بحسب أحواله، فلم يبق مجال لأن يظهر تمييز فقهاء الفقه الإسلاميّ بين الحقّين العينيّ والشخصيّ إلّا في فروع الأحكام المتفرّقة لمن يتتبّعها.

وإذا كان فقهاؤنا لم يتّخذوا هذا التمييز بين نوعي الحقّ أساساً لترتيب فقههم ـ  كما فعل علماء القانون الأجنبيّ  ـ فليس في ذلك أبداً دلالة على عدم تمييز فقهائنا بين نوعي الحقّ وطبيعتهما تمييزاً ذاتيّاً، إذ العبرة في هذا التمييز لفروع الأحكام لا للترتيب.

وهذا ممّا دعانا إلى صياغة فقهنا على غرار نظريّة الالتزامات القانونيّة.

والواقع أنّ فقهاءنا قد ميّزوا بين الحقّين في جميع المسائل التي يقتضي هذا التمييز فيها اختلاف الأحكام، ولهم في ذلك أنظار دقيقة جدّاً.

فمن ذلك الأمثلة التي تقّدمت(1) ومن ذلك أيضاً تصريح فقهائنا بأنّ المبيع المعيّن إذا استحقّ من يد المشتري ينتقض عقد البيع السابق فلا يكلّف البائع إعطاء المشتري مثل المبيع الذي استحقّ من يده، بل يستردّ المشتري ما دفع من الثمن، لأنّ حقّ المشتري عينيّ متعلّق بعين المبيع، فباستحقاق المبيع استحال تنفيذ البيع، فيبطل.

أمّا إذا استحقّ الثمن من يد البائع فلا ينتقض البيع، ولا يستردّ البائع المبيع وإن كان قائماً، وإنّما يرجع على المشتري بمثل الثمن المستحقّ، لإنّ أصل الثمن حقّ شخصيّ للبائع في ذمّة المشتري(2)، فإذا وفّاه إيّاه بمبلغ معيّن فاستحقّ هذا

', '

(1) يشير بذلك إلى أمثلة ذكرها في الفقرة 12 من كتابه.

(2) ينظر إلى الفرض الغالب في الخارج من كون الثمن كلّيّاً.

', 155), (12, 156, 'book', '

المبلغ من يد البائع تبيّن عدم صحّة وفاء الثمن، فيوفيه المشتري مجدّداً بمبلغ آخر.

ومن ذلك أيضاً ما صرّحوا به في بحث الحقوق التي تتعلّق بالتركة وترتيب استيفائها، فقد قالوا: إنّ الحقوق منها ما يتعلّق بعين التركة كالدَين المتعلّق بالمرهون والمأجور(1)، وأرش جناية العبد الجاني في حياة مولاه، والمبيع المحبوس بالثمن(2)، والعبد المأذون بالتجارة إذا لحقته ديون ثمّ مات المولى ولا مال له سوى هذا العبد(3).

ومنها ما يتعلّق بماليّة التركة كالديون العاديّة التي على الميّت.

فالنوع الأوّل يقدّم استيفاؤه على نفقات التكفين إلّا إذا كان الحقّ قد تعلّق بالعين بعد صيرورتها تركة كالعين الموصى بها، فإنّ تنفيذ الوصيّة بها عندئذ يؤخّر عن التكفين.

وأمّا النوع الثاني فإنّ التكفين يقدّم عليه مطلقاً....

والعلّة هي أنّ هذا النوع الثاني حقوق شخصيّة على الميّت لا تتعلّق بعين معيّنة من التركة ليكون لاستيفائها امتياز ورجحان...»(4).

أقول ـ  بعد ترك البحث عن كلّ فرع من الفروع التي أشار إليها  ـ إنّ ما ذكره من تمييز الفقه الإسلاميّ تمييزاً دقيقاً بين الحقّ العينيّ والحقّ الشخصيّ صحيح.

', '

(1) يشير إلى دعوى أنّ المستأجر من حقّه أن يستوفي دينه من منفعة العين المأجورة على تقدير ما ذهب إليه الفقه الحنفيّ من انفساخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين.

(2) يشير إلى الرأي القائل بثبوت حقّ الفسخ للبايع عند عدم تسليم الثمن وهو حقّ عينيّ متعلّق بعين المبيع.

(3) يعني بناءً على تعلّق الديون عندئذ بنفس العين وهي العبد.

(4) الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 3: الفقرة 15.

', 156), (12, 157, 'book', '

نعم، التسمية بهذه الأسامي إنّما وردت في الفقه الغربي. وفي الفقه الإسلامي حقوق ماليّة تتعلّق بالأعيان الخارجيّة ـ  كالملكيّة، وحقّ الرهن، وحقّ الفسخ، وما إلى ذلك  ـ وهي التي تقابل مصطلح الحقّ العينيّ في الفقه الغربيّ، وحقوق ماليّة تتعلّق بالذمّة ـ  كحقّ المقرض على المقترض، أو حقّ المالك على من أتلف العين، أو على الغاصب الذي تلفت العين في يده، وحقّ المستأجر على الأجير  ـ وهي تقابل مصطلح الحقّ الشخصيّ في الفقه الغربيّ. وقد ذكر الفقهاء آثار كلّ فرع من هذه الفروع في محلّه.

وهناك حقوق ثالثة تتعلّق بالعهدة ولا تتعلّق بالذمّة، من قبيل حقّ نفقة الابن على الأب أو العكس، ومن قبيل انشغال العهدة بأداء أعيان خارجيّة لم تدخل الذمّة لكونها أموالا حقيقيّة ثابتة في وعاء الخارج لا رمزيّة كي يكون وعاؤها الذمّة، من قبيل وجوب تسليم المشتري للثمن إلى البائع، أو وجوب تسليم البائع للمبيع إلى المشتري، أو وجوب أداء الأمانة، أو وجوب ردّ الغاصب ما غصبه إلى صاحبه، وما إلى ذلك، فهذه كلّها التزامات من طرف وحقوق من طرف آخر.

ولو اُريد إدراج هذه الاُمور في أحد القسمين الشخصيّ والعينيّ من الحقوق فهي ملحقة بالحقّ الشخصيّ، وأنا لم أجد ـ  بقدر فحصي الناقص  ـ فيما يترجم عن الفقه الغربيّ حينما يتعرّضون لشرح الحقّ الشخصيّ والعينيّ وضوحاً لإدراج أمثال هذه الحقوق في المقسَم وإلحاقها بالحقّ الشخصيّ، لكن إذا ضممنا عدّهم لأمثال هذه الاُمور في الالتزامات حيث قالوا مثلا: إنّ العقد سبب لالتزام المشتري بتسليم الثمن والتزام البائع بتسليم المبيع، إذا ضممنا ذلك إلى ما افترضوه من أنّ الالتزام والحقّ الشخصيّ متضايفان ـ  فكلّ حقّ شخصيّ في طرف الدائن يعتبر التزاماً من طرف المدين، وكل التزام في طرف المدين يعدّ حقّاً

', '', 157), (12, 158, 'book', '

شخصيّاً من طرف الدائن  ـ كانت النتيجة افتراض أمثال هذه الالتزامات حقوقاً شخصيّة لمن فرضت هذه الالتزامات فى صالحه ولأجله.

حقوق الابتكار

وهناك قسم ثالث للحقوق الماليّة لا يدخل في الحقّ العينيّ ولا في الحقّ الشخصيّ ذكره الاُستاذ مصطفى الزرقاء حيث قال:

«وهناك نوع ثالث حديث من الحقوق الماليّة أوجدَته أوضاع الحياة المدنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة الحديثة، ونظّمته القوانين العصريّة والاتّفاقات الدوليّة، يسمّيه بعض القانونيّين: (الحقوق الأدبيّة) كحقّ المخترع والمؤلّف وكلّ منتج لأثر مبتكر فنّيّ أو صناعيّ، فإنّ لهؤلاء حقّاً في الاحتفاظ بنسبة ما اخترعوه أو أنتجوه إليهم، وفي احتكار المنفعة الماليّة التي يمكن استغلالها من نشره وتعميمه. ومثله العلامات الفارقة الصناعيّة والعناوين التجاريّة وامتيازات إصدار الصحف الدوريّة، كلّ ذلك بشرائط وحدود تقرّرها القوانين المحلّيّة والاتّفاقات الدوليّة.

فهذا النوع من الحقوق لم يكن معروفاً في الشرائع القديمة ؛ لأنّه وليد العوامل والوسائل المدنيّة والاقتصاديّة الحديثة.

وهو لا يدخل في الحقوق العينيّة ؛ لأنّه لا يرد مثلها مباشرة على شيء مادّيٍّ معيّن، كما أنّه لا يدخل في الحقوق الشخصيّة ؛ لأنّه لا يفرض تكليفاً خاصّاً على شخص معيّن آخر غير صاحب الحقّ.

والقصد من إقرار هذه الحقوق إنّما هو تشجيع الاختراع والإبداع، كي يعلم مَن يبذل جهده فيهما أنّه سيختصّ باستثمارهما، وسيكون محميّاً من الذين يحاولون أن يأخذوا ثمرة ابتكاره وتفكيره ويزاحموه في استغلالها.

$

', '', 158), (12, 159, 'book', '

وفي الشرع الإسلاميّ متّسع لهذا التدبير تخريجاً على قاعدة المصالح المرسلة في ميدان الحقوق الخاصّة.

وقد رجّحنا أن نسمّي هذا النوع (حقوق الابتكار) لأنّ اسم (الحقوق الأدبيّة) ضيّق لا يلائم مع كثير من أفراد هذا النوع، كالاختصاص بالعلامات الفارقة التجاريّة، والأدوات الصناعيّة المبتكرة، وعناوين المحالّ التجاريّة ممّا لا صلة له بالأدب، والنتاج الفكري. أمّا اسم (حقّ الابتكار) فيشمل الحقوق الأدبيّة كحقّ المؤلّف فى استغلال كتابه، والصحفيّ في امتياز صحيفته، والفنّان في أثره الفنّيّ من الفنون الجميلة، كما يشمل الحقوق الصناعيّة والتجاريّة ممّا يسمّونه اليوم بالملكيّة الصناعيّة، كحقّ مخترع الآلة، ومبتدع العلامة الفارقة التي نالت الثقة، ومبتكر العنوان التجاري الذي أحرز الشهرة...»(1).

التبرير الشرعي لحقّ الابتكار:

أقول: بما أنّنا لا نؤمن بمبدأ المصالح المرسلة بحرفيّتها التي يؤمن بها الاُستاذ الزرقاء فبالإمكان استبداله بمبدأ ولاية الفقيه. فالوليّ الفقيه متى ما يرى المصلحة الاجتماعيّة بالمستوى المبرّر لإلزام المجتمع بأمثال هذه الحقوق يعمل ولايته في تثبيت ذلك، فإذا حرّم مثلا على الناس أن يطبعوا تأليف شخص مّا بلا إذنه صحّ للمؤلّف أن يأخذ مبلغاً من المال ممّـن يريد الطبع لقاء إذنه له بذلك، ولو طبع بلا إذنه فرض عليه بمبدأ ولاية الفقيه دفع ثمن حقّ الطبع إلى المولّف، كما تفرض الضرائب على الناس بمبدأ الولاية.

أمّا لو غضضنا النظر عن إعمال وليّ الأمر صلاحيّته لتثبيت هذه الحقوق

', '

(1) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 3: الفقرة 11، الهامش.

', 159), (12, 160, 'book', '

فهل يمكن إثباتها في المقام في فقهنا الإسلاميّ أوْ لا  ؟

يمكن ذكر عدّة أوجه لإسباغ الشرعيّة على هذه الحقوق بحسب الفقه الإسلاميّ:

الوجه الأوّل: التمسّك بالارتكاز العقلائيّ الدالّ على امتلاك هذه الحقوق بعد عدم ورود الردع.

وهذا الوجه بهذا المقدار يتبادر إلى الذهن الإيراد عليه بأنّ هذا الارتكاز العقلائيّ ارتكاز حديث لم يكن في زمن المعصوم كي يدلّ عدم الردع على إمضائه بناءً على دلالة عدم الردع على إمضاء الارتكاز حتى غير المترجم إلى العمل، وقد مضت منّا الإشارة إلى أنّ التوسّع الجديد في الارتكازات لا يثبت إمضاؤه بعدم الردع، ولا يقاس ذلك بالتوسّع في المصاديق من قبيل ارتكاز مملّكيّة الحيازة الثابت في زمن المعصوم والمقتصر في عالم الصدق الخارجيّ وقتئذ على الحيازات اليدويّة أو الحيازة بالآلة اليدويّة، بينما توجد اليوم مصاديق جديدة للحيازة وهي الحيازات الواسعة بالأدوات الصناعيّة الحديثة، ففي مثل ذلك يمكن أن يقال: إنّ عدم الردع دلّ على إمضاء كبرى الارتكاز، واليوم يطبّق الحكم المستفاد من إمضاء الارتكاز على مصاديق جديدة لم تكن وقتئذ.

أمّا في ما نحن فيه فارتكاز ثبوت الحقّ في مثل حقّ الطبع والنشر وجميع الحقوق الأدبيّة أو حقوق الابتكار ارتكاز جديد، لا يكون عدم الردع عنه في زمان المعصوم دليلا على إمضائه.

إلّا أنّه بالإمكان أن توجّه دعوى التمسّك بالارتكاز في المقام بأن يقال: إنّ التوسّع في ما نحن فيه توسّع في تطبيق ارتكاز ثابت في زمن المعصوم، أي أنّه وجدت للقضيّة المرتكزة مصاديق جديدة، وليس توسّعاً في نفس الارتكاز.

$

', '', 160), (12, 161, 'book', '

وتوضيح ذلك: أنّه مضى في بحث الملكيّة أنّ المناشئ الأوّليّة للملكيّة الاعتباريّة في ارتكاز العقلاء أمران: الحيازة، والعلاج أو الصنع، فالحيازة توجب ملكيّة الأشياء المنقولة، والعلاج أو الصنع يوجب ملكيّة الأشياء غير المنقولة، كما في إحياء الأرض أو تعميرها، أو حفر عين الماء، أو ما شابه ذلك. وهنا نقول: إنّ العلاج أو الصنع لا يختصّ بالأشياء المادّيّة غير المنقولة بل يتحقّق في الاُمور المعنويّة، فمؤلّف الكتاب يكون صانعاً لتلك الشخصيّة المعنويّة وهي شخصيّة الكتاب بوجوده التجريديّ، وقد يكون تعب عليها أكثر من تعب محيي الأرض أو معمّرها، أو حافر العين وأمثالهم، وقد يكون صنعه وعلاجه أشدّ وأقوى من صنعهم وعلاجهم، وقد لا يختصّ علاج صاحب الكتاب بمجرّد التأليف والتبويب والجمع والترتيب، بل تكون  له إبداعات حديثة وابتكارات جديدة خلقها وضمّنها الكتاب.

والكبرى المركوزة في الذهن العقلائيّ إنّما هي مملكيّة الصنع والعلاج بالمعنى الشامل لصنع الاُمور المعنويّة، غاية ما هناك أنّ الأفراد المعنويّة لم تكن موجودة في زمن المعصوم ووجدت في الأزمنة المتأخّرة، وهذا يعني التوسّع في المصداق والتطبيق لا في أصل الارتكاز.

والصحيح: أنّ هذا الوجه غير تامّ، فإنّ أمثال هذه العلاجات المعنويّة والصنع المعنويّ كانت موجودة في زمن المعصوم ولو بمستوىً منخفض وضيّق، فهناك تأليفات في ذاك الزمن وهناك إبداعات راقية وقتئذ بالقياس إلى زمانها، ولكن لم يكن هناك ارتكاز امتلاكها من قبل مؤلّفها أو مبدعها، أو نشكّ ـ  على الأقلّ  ـ في وجود ارتكاز من هذا القبيل وقتئذ. وكان السبب في عدم هذا الارتكاز عدم الشعور بحاجة إلى اعتبار ملكيّة من هذا القبيل، إذ لم يكن مجال

', '', 161), (12, 162, 'book', '

لاستغلال ذاك الأمر التجريدي المصنوع، إذ لا طباعة وقتئذ ولا قدرة على سعة النشر، ولا على تقليد الفنون والصناعات بشكل واسع، وقد حصلت الحاجة حديثاً إلى اعتبار هذه الملكيّة بسبب تطوّر الأوضاع والأدوات واتّساع القدرات وانفتاح أبواب كثيرة للاستغلال، فهنا حصل للعقلاء ارتكاز الملكيّة للأمر التجريديّ المعنويّ بصنعه وعلاجه، وفيما سبق لم يكن الارتكاز إلّا على مملكيّة العلاج في الاُمور المادّيّة، ولا أقلّ من احتمال ذلك، فالقضيّة إذن راجعة إلى حصول التوسّع في الارتكازات، وليست راجعة إلى التوسّع في دائرة المصاديق.

والوجه الثاني: أن يقال: إنّ ملكيّة الإنسان لأعماله وذممه وجوارحه وأعضائه ونتائج أعماله ليست ملكيّة اعتباريّة، بل هي ملكيّة تكوينيّة بمعنى السلطة التكوينيّة عليها، ولم يرَ العقلاء حاجة إلى جعل السلطة الاعتباريّة في هذه الموارد لكفاية السلطة التكوينيّة فيها عن الاعتباريّة في نظرهم. وهذه الملكيّة التكوينيّة موضوع لحقّ الاختصاص والأولويّة للإنسان على تلك الأعمال والنتائج، لا تمسّكاً بالارتكاز القائل بذلك كي يعود المحذور ويشكّك في ثبوت هذا الارتكاز في مورد الكلام في زمن المعصوم، بل تمسّكاً بروايات عدم جواز التصرّف في مال الغير من قبيل ما ورد في توقيع على يد أبي جعفر محمد بن عثمان العمريّ (رحمه الله) من قول الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه الشريف: «لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه»(1).

ومن قبيل ما ورد عن سماعَة وعن زيد الشحّام عن أبي عبد الله (عليه السلام)عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا

', '

(1) الوسائل 6: 377، الباب 3، من الانفال، الحديث 6.

', 162), (12, 163, 'book', '

يحلّ دم امرىء مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفسه»(1).

فإذا ثبتت هذه الأولويّة للإنسان بالقياس لنتائج أعماله قلنا: إنّ الكتاب مثلا بوجوده التجريديّ المعنويّ يكون من نتائج صاحب الكتاب فهو مملوك له ملكيّة تكوينيّة لا اعتباريّة، والتصرّف فيه بمثل الطبع بغير إذنه مثلا تصرّف في مال الناس ومنهيّ عنه بحكم تلك الروايات. وكذلك تشمله أدلّة المعاملات في غير ما تشترط فيه العينيّة كالمبيع مثلا.

والجواب ـ  بعد تسليم شمول روايات النهي عن مال الغير وأدلّة المعاملات لما هو مملوك بالملكيّة التكوينيّة لا الاعتباريّة  ـ: أنّ المملوك بالملكيّة التكوينيّة التي هي بمعنى السلطنة التكوينيّة إنّما هو نفس الأعمال لا نتائجها التي تنفصل عن الإنسان وتخرج عن اختيار الإنسان تكويناً، وليس حال الكتاب مثلا بمعناه التجريديّ بعد أن أوجده المؤلّف وجسّده في الكتاب الخارجيّ الذي يصل إلى يد كلّ أحد بالقياس إلى المؤلّف إلّا كحال الدار المبنيّة بالقياس إلى من بناها، ولا سلطة تكوينيّة لصاحب الدار على الدار، ولا للمؤلّف على الكتاب، وكلاهما بحاجة إلى السلطة الاعتباريّة الارتكازيّة، وإذا انتهينا إلى الارتكاز فقد انتهينا إلى الوجه الأوّل الذي عرفت جوابه.

الوجه الثالث: أن يقال بأنّ أولويّة الإنسان بعمله وبنتائج عمله أمر عقليّ، وليست مجرّد ارتكاز عقلائيّ. نعم، الإنسان إنّما يكون أولى بعمله وبنتائج عمله بالقياس إلى الناس الآخرين لا بالقياس إلى المولى سبحانه والشريعة الإسلاميّة،

', '

(1) ورد الحديث عن سماعة في الوسائل 3: 424، الباب 3 من مكان المصلّي، الحديث 1، وورد عن سماعة وعن زيد الشحّام في الوسائل 19: 3، الباب 1 من قصاص النفس، الحديث 3.

', 163), (12, 164, 'book', '

فلو وصل حكم من الشريعة الإسلاميّة بالتسليم أمام استغلال الآخرين لعمله ونتيجة عمله يسلّم بذلك، ويكون وصول هذا الحكم مغيّراً للموضوع، لأنّ ما أدركه العقل كان عبارة عن أولويّته بعمله وبنتاج العمل في قبال الآخرين فقط، وهذا لا ينافي استغلال الآخرين لذلك بحكم واصل من الشريعة الإسلاميّة، لعدم الأولويّة في قبال المولى.

إذن فالاستغلال ـ  على هذا الأساس  ـ موضوع جديد يتحقّق بوصول الحكم الشرعيّ، ونحن لم يصلنا حكم شرعيّ من هذا القبيل، فموضوع الحكم العقليّ باق على حاله، أي أنّ استغلال الآخرين لنتيجة عملنا التأليفيّ أو الفنيّ أو نحو ذلك استغلال غير ناشئ من حكم المولى، فهو لا يجوز لحكم العقل بأولويّة الإنسان على عمله ونتاجه من الآخرين.

والصحيح: أنّنا إن سلّمنا حكم العقل وكونه مغيّى بالحكم الشرعيّ الواصل فإنّما هو في مورد السلطنة التكوينيّة كما في الأعمال لا أكثر من ذلك. وأمّا في دائرة نتائج الأعمال فلا يوجد عدا حكم العقلاء وارتكازهم، فنعود مرّة اُخرى إلى الوجه الأوّل الذي عرفت عدم تماميّته.

الوجه الرابع: التمسّك بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» لأنّ استغلال نتيجة عمل المؤلّف أو الفنّان أو نحوهما إضرار به، فهو منفيّ بهذه القاعدة.

والجواب: أنّ الضرر في باب الأموال والحقوق ليس إلّا عبارة عن سلب المال والحقّ، فصدقه يتوقّف على تماميّة امتلاك المال والحقّ، وهو أوّل الكلام. ولو ثبت الحقّ في المقام في الرتبة السابقة على التمسّك بلا ضرر بوجه شرعيّ لم نحتج إلى قاعدة لا ضرر. أمّا إثبات الحقّ في الرتبة السابقة بالارتكاز فهو رجوع إلى الوجه الأوّل.

$

', '', 164), (12, 165, 'book', '

الوجه الخامس: أنّ المعاملات التي تقع عند العقلاء على أمثال هذه الحقوق معاملات عقلائيّة داخلة في مثل إطلاق ﴿اوفوا بالعقود﴾(1).

والجواب: أنّنا إن سلّمنا بدلالة (اوفوا بالعقود) على صحّة العقد أو وجدنا إطلاقاً آخر يناسب المقام فالإطلاق إنّما يتمّ بعد ثبوت الماليّة والحقّ شرعاً، إذ لا شكّ أنّ العقد يجب أن يقع على ما هو داخل في ملك العاقد أو حقّه في نظر التشريع الذي استقينا منه قاعدة وجوب الوفاء بالعقد، فإذا كان الحقّ والمال ثابتاً عقلائيّاً فقط ثبتت صحّة العقد عقلائيّاً لا شرعاً، إلّا بمعونة الارتكاز، وهو رجوع إلى الوجه الأوّل. وإذا كان ذلك ثابتاً شرعاً ثبتت صحّة العقد شرعاً، ومع الشكّ في ذلك يكون التمسّك بمثل ﴿اوفوا بالعقود﴾ تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.

حقّ السرقفليّة

وفي ختام بحثنا عن الحقّ لا بأس بالكلام عمّا تعارف في هذه الأيّام ممّا يسمّى بالسرقفليّة، فنقول:

مقتضى القواعد العامّة:

لا إشكال في أنّ المالك له ـ  بالعنوان الأوّليّ  ـ الخيار في قبول بقاء المستأجر بعد انتهاء مدّة الإيجار في الحانوت مثلا، وتجديد العقد معه إذا أراد مع تصعيد مبلغ الاُجرة وعدمه، وتبديل المستأجر بمستأجر آخر، أو ترك الإيجار نهائيّاً، فبإمكانه نقل هذا الحقّ إلى المستأجر لقاء مبلغ باسم السرقفليّة مع إعطائه صلاحيّة نقل ذلك إلى المستأجر الثاني، وهكذا.

$

', '

(1) المائدة: 1.

', 165), (12, 166, 'book', '

وقد يناقش في ذلك(1) بأنّ الأصل لدى الشكّ في الحقّ والحكم أو في قابليّة الحقّ للنقل أو الإسقاط هو عدم القابليّة للنقل أو الإسقاط، إذن فليس للمالك نقل هذا الحقّ إلى المستأجر. نعم، له أخذ مبلغ باسم السرقفليّة من المستأجر بعنوان القرض المشترط في ضمن عقد الإيجار، أو كجزء من إيجار الشهر الأوّل مثلا.

ويرى صاحب هذا النقاش أنّه بإمكاننا تثبيت النتائج المطلوبة في فكرة حقّ السرقفليّة بأحد طريقين:

الأوّل: أن يشترط المستأجر على المالك في ضمن عقد الإيجار أن يعمل بما يرغبه المستأجر من عدم تصعيد مبلغ الإيجار، وعدم إخراجه بعد انتهاء المدّة من الحانوت، وتجديد الإيجار منه بنفس المبلغ، أو إيجاره بنفس المبلغ من أيّ شخص آخر يتّفق معه المستأجر الأوّل، وأن يتعامل مع المستأجر الجديد نفس تعامله مع المستأجر الأوّل، ويكون من حقّ المالك أن يأخذ مبلغ السرقفليّة من المستأجر الأوّل بعنوان جزء من الإيجار في الشهر الأوّل مثلا، كما يكون من حقّ المستأجر الأوّل أن يأخذ المبلغ من المستأجر الثاني مقابل أن لا يزاحمه في إيجار المالك للحانوت إيّاه، إذ كانت من حقّه ـ  بمقتضى شرطه مع المالك  ـ هذه المزاحمة فيأخذ منه المبلغ كشرط أو جعالة أو من قبيل الهبة المعوّضة، عوضها عدم مزاحمته إيّاه.

والثاني: أن يشترط المستأجر على المالك توكيله في تجديد الإيجار على نفسه بنفس المبلغ وإيجاره على شخص آخر ـ  لو أراد  ـ بنفس المبلغ مع تفويض

', '

(1) راجع المسائل المستحدثة للسيّد الروحاني: 21 - 28.

', 166), (12, 167, 'book', '

نفس الأمر إلى المستأجر الجديد، ويأخذ المالك من المستأجر بإزاء هذه الوكالة مبلغ السرقفليّة، كما أنّه من حقّ المستأجر الأوّل أن يأخذ مبلغ السرقفليّة من المستأجر الجديد مقابل تفويض الأمر إليه.

وهذه الوكالة لا تقبل العزل لأنّها لزمت بشرطها في ضمن العقد اللازم.

وإذا مات الوكيل انتقلت هذه الوكالة إلى ورثة الوكيل، لأنّ لها قيمة وماليّة. ولو لم نقبل بهذا الإرث أمكن شرط وكالة الورثة بعد موت المورّث في ضمن العقد أيضاً.

وإذا مات الموكّل بقي المستأجر على وكالته، لأنّ الوكالة لا تنفسخ بموت الموكّل، سيّما في الوكالة اللازمة كما في المقام.

أقول: لو سلّمنا عدم انفساخ الوكالة بموت الموكّل فإنّما هو فيما يبقى تحت ملك الموكّل بعد موته، لكونه من الثلث الذي استبقاه في ملكه بالوصيّة مثلا. أمّا دعوى بقاء الوكالة فيما خرج عن ملك الموكّل فغريبة.

وأمّا دعوى انتقال الوكالة بالإرث إلى ورثة الوكيل بعد موته لأنّ لها ماليّة فهذه أيضاً غير صحيحة، فإنّ المقصود بالخير في مثل قوله: ﴿إن ترك خيراً﴾(1)هو الأمر الذي يكون قائماً بعد موت الميّت، لاستقلاله الخارجيّ عن الميّت، وعدم كونه أمراً إضافيّاً متقوّماً بالميّت كالملك أو الحقّ أو الوكالة، وبهذا يصدق عنوان الترك في قوله: ﴿إن ترك خيراً﴾. فهذا العنوان إنّما صدق بلحاظ متعلّق الملك أو الحقّ أو الوكالة، لا بلحاظ نفس هذه العناوين الإضافيّة. وعنوان المال والخير وما شابه ذلك أيضاً يراد به متعلّق هذه الإضافات لا نفسها، والمفهوم عرفاً

', '

(1) البقرة: 180.

', 167), (12, 168, 'book', '

من انتقال المال الخارجيّ من عين أو منفعة إلى الوارث انتقاله في عالم الملكيّة أو في عالم الملكيّة والحقّ، وليس في عالم مطلق الإضافات بما فيها الوكالة مثلا.

وعلى أيّة حال، فنحن لسنا بحاجة في تصحيح نتائج فكرة حقّ السرقفليّة إلى ما ذكره من التخريجات، وذلك لأنّ نقاشه الأساس في الأمر بأصالة عدم قبول الإسقاط والنقل في كلّ ما شككنا في كونه حقّاً أو حكماً، أو شككنا في قبوله للنقل والإسقاط لا نقبل انطباقه على المقام، وذلك لما مضى منّا في شرح مقياس قبول الحقّ للنقل أو الإسقاط، فلا إشكال في أنّ المالك كان له ـ  بالعنوان الأوّليّـ حقّ التصرّف في ماله وتعيين مصيره بتجديد الإيجار وعدمه، وتبديل المستأجر وعدمه، وتصعيد مبلغ الاُجرة وعدمه. وهذا الحقّ قابل للإسقاط والنقل كما يظهر بمراجعة ما مضى منّا في ضابط ذلك، لأنّ هذا الحقّ إنّما كان لمصلحة المالك، وله أن يرفع اليد عن المصلحة، وليس متقوّماً عرفاً بعنصر خاصّ بالمالك من قبيل حقّ الولاية، أو الوصاية التي جعلت لشخص الوليّ أو الوصيّ لخصوصيّة فيه، فلا معنى لنقلها إلى غيره.

إذن فيصحّ للمالك نقل هذا الحقّ إلى المستأجر الأوّل، أو نقل المستأجر هذا الحقّ إلى مستأجر جديد، وله أن يجعل ذلك لقاء مبلغ السرقفليّة. وهذه معاملة برأسها، أو تكون شرطاً ضمن عقد الإيجار، ولا حاجة إلى إرجاعها إلى الجعالة أو الهبة المعوّضة أو القرض.

وإذا تمّ نقل هذا الحقّ ثمّ مات المستأجر المنقول إليه، فإن فهمنا من دليل الإرث انتقال متعلّق الحقّ إلى الوارث في عالم الحقّ كما ينتقل في عالم الملك فلا إشكال، وإلّا فينحصر حلّ الإشكال بالنسبة للوارث بتعميم الشرط في ضمن عقد الإيجار بأن يشترط ثبوت هذا الحقّ للوارث بعد موت المستأجر.

$

', '', 168), (12, 169, 'book', '

وأمّا إذا مات المالك الناقل للحقّ فبالإمكان تخريج بقاء الحقّ للمستأجر وعدم جواز نقضه من قِبل الورثة بأنّ المنفعة الباقية للحانوت للورثة قد تضيّقت. فهذا يشبه العين الموروثة التي هي تحت إيجار الآخرين فانتقلت إلى الوارث مسلوبة المنفعة. وبكلمة اُخرى: انّ العين محمّلة بحقّ السرقفليّة، فتورث بهذا الشكل من قبيل إرث العين المحمّلة بحقّ الرهن.

مقتضى الروايات الخاصّة:

وقد يناقش في ذلك بإحدى روايتين:

الاُولى: ما عن خالد بن نافع (أو رافع) البجليّ عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار له مدّة حياته يعني صاحب الدار (والظاهر أنّ هذا التعبير خطأ، والصحيح: يعني من جعلت له السكنى) فمات الذي جعل السكنى و بقي الذي جعل له السكنى، أرأيت إن أراد الورثة أن يخرجوه من الدار ألهم ذلك  ؟ قال: فقال: أرى أن يقوّم الدار بقيمة عادلة وينظر إلى ثلث الميّت، وإن كان في ثلثه ما يحيط بثمن الدار فليس للورثة أن يخرجوه. وإن كان الثلث لا يفي بثمن الدار فلهم أن يخرجوه...(1).

فقد يقال: إنّ هذا الحديث دلّ على أنّ متعلّق حقّ السكنى لو لم يدخل في الثلث انتقض الحقّ بموت المالك، فكذلك الأمر فيما نحن فيه.

والجواب ـ  بقطع النظر عن ضعف سند الحديث  ـ: أنّ هناك فرقاً يحتمل كونه فارقاً بين ما نحن فيه ومورد الحديث، وهو أنّ تصرّف المالك في مورد الحديث كان مجّاناً فلم يأكل هو منفعة الدار، والتصرّف المجّانيّ نفّذ شرعاً بمقدار

', '

(1) الوسائل 13: 331، الباب 8 من أحكام السكنى والحبيس، الحديث 1.

', 169), (12, 170, 'book', '

حياته. أمّا في مورد السرقفليّة فالمالك أعطى الحقّ للمستأجر بإزاء مبلغ السرقفليّة. وهذا يعني أنّه أخذ المنفعة المستقبليّة في حال حياته، فهو شبيه بما لو أجّر الدار لمدّة من الزمن ثمّ مات قبل انتهاء الإيجار، فالوارث يرث الدار مسلوبة المنفعة، ويرث الاُجرة لو كانت باقية.

والثانية: ما ورد بسند تامّ عن عمر بن اُذينة قال: كنت شاهداً عند ابن أبي ليلى وقضى في رجل جعل لبعض قرابته غلّة داره ولم يوقّت وقتاً، فمات الرجل فحضر ورثته ابن أبي ليلى وحضر قرابته الذي جعل له غلّة الدار، فقال ابن أبي ليلى: أرى أن أدعها على ما تركها صاحبها، فقال محمّد بن مسلم الثقفيّ: أما إنّ عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت، فقال: وما علمك   ؟ فقال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليه السلام) يقول: قضى عليّ (عليه السلام) بردّ الحبيس وإنفاذ المواريث، فقال له ابن أبي ليلى: هذا عندك في كتابك  ؟ قال: نعم، قال: فارسل وائتني به، فقال له محمّد بن مسلم: على أن لا تنظر من الكتاب إلّا في ذلك الحديث، قال: لك ذلك. قال: فأحضر الكتاب وأراه الحديث عن أبي جعفر (عليه السلام)في الكتاب فردّ قضيّته(1). واختصاص مورده بحبيس لم يوقّت فيه الوقت لا يضرّ بإطلاق النصّ.

ونحوه حديث آخر(2) لم يذكر في مورده هذا القيد إلا أنّه غير تامّ سنداً.

فيقال: لئن كان الحبيس يردّ إلى الورثة فكذلك حقّ السرقفليّة.

وهنا أيضاً يكون الفارق الذي ذكرناه في ذيل الرواية الاُولى موجوداً، فالحبس عبارة عن تخصيص المنافع للمحبوس له دون أكل المالك لها بأخذ ما

', '

(1) و  (2) الوسائل 13: 328 و  329، الباب 5 من أحكام السكنى والحبيس، الحديث 1 و  2.

', 170), (12, 171, 'book', '

يقابلها، بخلاف ما نحن فيه المفروض أكل المالك فيه لحقّ السرقفليّة بأخذ العوض، فذاك العوض لو كان باقياً كان هو الذي ينتقل إلى الوارث بالإرث، ولو كان مصروفاً كانت العين هي التي تورث فحسب مسلوبة المنفعة.

هذا، مضافاً إلى أنّه لا بدّ من تخصيص هذه الرواية بفرض عدم توقيت الحبس، لا بمدى حياة المحبوس له ولا بأمد آخر، مع عدم فرضه تحبيساً مؤبّداً الذي هو راجع إلى الوقف. والوجه في هذا التخصيص هو ورود روايات صريحة في أنّ السكنى والعمرى لو جعلت لمن يسكن في الدار مع عقبه فهي له ولعقبه حتى يفنوا ثمّ تردّ إلى صاحب الدار(1). ومن الواضح: أنّ الغالب في هذا الفرض هو موت المالك قبل فناء عقب المحبوس له.

تخريج جديد لحقّ السرقفليّة:

هذا، وهناك منحىً آخر لفهم فكرة حقّ السرقفليّة لا بأس بالتعرّض له ومناقشته، وهو أن يقال: إنّ حقّ السرقفليّة (الناتج عن هذه النكتة التي سنشرحها) خاصّ بمثل الحانوت البكر الذي أشغله المستأجر إلى أن راج الحانوت وتعارف الناس عليه وتعوّدوا على التردّد عليه، فأوجب ذلك رفع قيمة الدكان، إذ من الواضح أنّ الدكان الذي لم يتعوّد الناس على التردّد عليه والشراء منه يكون أقلّ قيمة من الدكان الذيّ تعوّد الناس عليه، فالمستأجر يطالب عند إخراجه من هذا الدكان بهذا الفارق في القيمة أو بجزء منه، ويأخذه من المالك الذي يخرجه أو يشترط عليه تصعيد الاُجرة أو من المستأجر الجديد الذي يطالبه بمغادرة الحانوت كي يعقد هو الإيجار مع صاحب الدكان ويحلّ محلّه، وذلك

', '

(1) راجع الوسائل 13: 325، الباب 2 من كتاب السكنى والحبيس.

', 171), (12, 172, 'book', '

بدعوى أن خالق القيمة يملكها، وهذا المستأجر هو الذي خلق القيمة الإضافيّة لهذا الدكان، أو أنّه سهيم في خلق هذه القيمة الإضافيّة.

ولا ترد على هذا البيان جملة من الإشكالات الواردة على فكرة القيمة الفائضة المنسوبة إلى ماركس، فماركس أقام فكرته على أساس أنّ العمل هو الأساس الوحيد للقيمة، وهذا مناقش في محلّه، إلّا أنّنا هنا لا نقيم الفكرة على هذا الأساس، وإنّما نقول: إنّه لا إشكال في أنّ المستأجر يكون لعمله سهم في رفع قيمة الدكان، فله حقّ المطالبة بجزء من هذه القيمة الإضافيّة باسم السرقفليّة.

وكذلك ماركس ادّعى أنّ القيمة الفائضة جاءت من ناحية أنّ المستأجر يشتري من العامل قوّة العمل ويستلم منه نفس العمل، وقوّة العمل أرخص من نفس العمل، لأنّ إرجاعها بعد استهلاكها ليس بحاجة إلّا إلى قليل من العمل والمصرف. فالقيمة الفائضة تخلق من الفارق بين قوّة العمل ونفس العمل، وهذا الكلام مناقش في محلّه لكنّنا لسنا بحاجة إليه في ما نحن فيه، وإنّما نقول: إنّ المستأجر سهيم ـ  على أيّ حال  ـ في رفع قيمة الدكان، فله المطالبة بشيء مّا في مقابل ذلك.

وأيضاً يرد على ماركس الذي لا يؤمن بغير المذهب الحسّيّ والتجريبيّ في نظرية المعرفة أنّه كيف عرف أنّ الذي يملك القيمة الفائضة هو خالقها؟! وليس هذا شيئاً دلّ عليه الحسّ أو التجربة، ونحن لا نبني كلامنا طبعاً على مباني الحسّ والتجربة كي يرد هذا الإشكال.

ولكنّ الصحيح ـ  رغم هذا كلّه  ـ أنّ تأثير عمل المستأجر في رفع قيمة الدكان وإن صلح كداع للاتّجاه إلى فكرة السرقفليّة ثمّ تخريجها على أساس البيان الذي مضى منّا ولكنّه لا يصلح كتخريج شرعيّ لحقّ السرقفليّة. فنحن وإن كنّا لا

', '', 172), (12, 173, 'book', '

نشكّ في أنّ عمل المستأجر في كثير من الأحيان سهيم في رفع قيمة الدكان ولكنّنا نناقش في كون ذلك كافياً في امتلاكه لهذه القيمة المرتفعة أو جزء منها، ونقول: هل أنّ الحكم بامتلاكه لما خلقه من القيمة عقليّ أو عقلائيّ  ؟

فإن قيل: إنّ هذا حكم عقليّ فالعقل يحكم بأنّ من يخلق قيمةً مّا يملكها لا بمعنى الملكيّة الاعتباريّة حتى يقال: إنّها مجعولة من قبل العقلاء وليست عقليّة، بل بمعنى الأولويّة العقليّة من قبيل ما يدّعى من حكم العقل بأولويّة الإنسان على عمله وجوارحه من الناس الآخرين.

قلنا: إنّنا لا نحسّ بحكم عقليّ من هذا القبيل في نتائج العمل التي تنفصل عن نفس العمل. وممّا ينبّه الوجدان على كون هذا حكماً عقلائيّاً لا عقليّاً اختلاف المجتمعات المختلفة والأزمنة المتعدّدة في قبوله وعدمه، بل تفريق مجتمع واحد في زمان واحد بين مصداقين من مصاديق خلق القيمة، فمثلا قد يقال: إنّ للمستأجر حقّ السرقفليّة لأنّه كان سهيماً في رفع قيمة الدكان، ولكن لا يقال بمثل ذلك في رجل عالم أو ألمعيّ يتهافت عليه الناس، فسكن منطقة قليلة السكّان وأدّى ذلك إلى غلاء أسعار بيوت تلك المنطقة أو إيجاراتها لتهافت الناس على مجاورته، أو في شركة مدّت أنابيب الغاز أو أسلاك الكهرباء إلى منطقة مّا وأدّى ذلك إلى غلاء أسعار بيوتها وما شابه ذلك.

وإن قيل: إنّ هذا حكم عقلائيّ.

قلنا: إنّ هذا الارتكاز العقلائيّ متأخّر عن عصر التشريع الإسلاميّ، فليس سكوت المشرّع عنه دليلا على الإمضاء.

هذا تمام كلامنا في بحث الحقّ.

$

', '', 173), (12, 174, 'book', '

$

', '', 174), (12, 175, 'book', '

ـ 4 ـ

تصوّرات عامّة عن العقد

تعريف العقد وتطوّره التأريخي:

ولتعريف العقد نختار للبحث تعريفاً عن الفقه السنّيّ وتعريفاً عن الفقه الغربيّ، ثمّ ننتهي إلى تعريف له عن الفقه الشيعيّ:

ذكر الاُستاذ مصطفى الزرقاء ناسباً ذلك إلى مصطلح الفقه الإسلاميّ: أنّ العقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محلّه(1).

ويقرب من هذا التعبير ما نقله الدكتور عبد الرزّاق السنهوريّ عن صاحب «مرشد الحيران» من أنّ العقد عبارة عن ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يظهر أثره في المعقود عليه(2).

ونقل الزرقاء تعريف الفقه الغربيّ للعقد عن كتاب «نظرية العقد» للاُستاذ السنهوريّ: أنّ العقد هو اتّفاق إرادتين على إنشاء حقّ أو على نقله أو على إنهائه(3).

$

', '

(1) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 1، الفقرة 132.

(2) مصادر الحقّ للسنهوريّ 1: 40.

(3) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد 1: الفقرة 132.

', 175), (12, 176, 'book', '

وذكر السنهوريّ في الوسيط: أنّ العقد توافق إرادتين على إحداث أثرقانونيّ، سواء كان هذا الأثر هو إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهاؤه(1). ونقل عن بعض حذف التعديل والإنهاء والاقتصار على الإنشاء والنقل، مدّعياً الفرق بين العقد والاتّفاق بأنّ العقد أخصّ من الاتّفاق فهو لا يشمل إلّا إنشاء الالتزام ونقله، بينما الاتّفاق يعمّ الكلّ. ورجّح السنهوريّ نفسه تعميم العقد وعدم التفريق بينه وبين الاتّفاق ناسباً له إلى الأكثر.

وذكر الزرقاء: أنّ تعريفه الفقهيّ أحكم منطقاً وأدقّ تصوّراً من التعريف القانونيّ، وإن كان التعريف القانونيّ أوضح تصويراً وتعبيراً(2).

وذكر في وجه كون التعريف الفقهيّ أدقّ وأحكم من التعريف القانونيّ: (أولا) أنّ العقد على التعريف الفقهيّ يختصّ بالمؤثّر في نظر التشريع، بينما ترى التعريف القانونيّ يشمل حتى ما لا يجمع شروط التأثير. (وثانياً) أنّ الأوّل يمتاز بتصوير الحقيقة العقديّة ببيان الأداة العنصريّة المكوّنة للعقد، أي الأجزاء وهما الإيجاب والقبول. أمّا اتّفاق الإرادتين فيشمل الوعد أيضاً.

وهناك فارق جوهريّ بين التعريف الفقهيّ والتعريف القانونيّ لم يشر إليه الزرقاء وهو: أنّ العقد في تعريفه القانونيّ عبارة عن إنشاء الالتزام بنقل حقّ أو إيجاده، وليس بنفسه إنشاء للنقل أو للحقّ، بينما العقد في تعريفه الإسلاميّ يمكن أن يكون بنفسه إنشاء للنقل أو لفرض الحقّ أو إنهائه لا التزاماً بفعل ذلك. فالبيع مثلا في الفقه الغربيّ ليس إنشاءً للتمليك والتملّك أو النقل والتبادل، وإنّما هو إنشاء

', '

(1) الوسيط 4: الفقرة 229.

(2) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد الجزء 1، الفقرة 132.

', 176), (12, 177, 'book', '

للالتزام بفعل ذلك، وهذا بقيّة تخلّف في فقههم موروث من فقههم المتخلّف القديم. وإليك خلاصة من التطوّر التاريخي لذلك بالنسبة للبيع مأخوذة من كتاب الوسيط(1):

كان البيع في القانون الرومانيّ عقداً لا ينقل الملكيّة بذاته، بل لم يكن البيع يرتّب في ذمّة البائع التزاماً بنقل الملكيّة، وكان كلّ ما يلتزم به البائع بمجرّد البيع ـ  ما لم يوجد شرط صريح في العقد يلزمه بنقل الملكيّة  ـ هو أن ينقل إلى المشتري حيازة هادئة بموجبها يضع يده على المبيع كمالك دون أن يتعرّض له أحد، ودون أن يتعرّض له البائع نفسه، فكان البائع ـ  إلى جانب التزامه بنقل هذه الحيازة  ـ يلتزم أيضاً بضمان التعرّض الصادر من جهته هو أو الصادر من أجنبيّ، وكان هذا يعتبر كافياً لتحقيق الغرض الذي يستهدفه البيع، فما دام المشتري واضعاً يده على المبيع يحوزه حيازة هادئة وينتفع به بجميع الطرق المشروعة دون أن يتعرّض له أحد في ذلك، فما عليه أن لا يكون مالكاً وقد حوى في يده جميع الميّزات التي يتوخّاها من كسب هذه الملكيّة  ؟

أمّا الذي كان ينقل الملكيّة فليس هو مجرّد إنشاء العقد، بل هو أمر مادّي من الإشهاد أو التنازل القضائيّ أو التقادم بمعنى بقاء العين في يد المشتري مدّة محدّدة من الزمن، أو في بعض الأحيان مجرّد القبض على الأقلّ.

وكان يترتّب على عدم مملكيّة البيع أنّ الشخص كان يستطيع بيع ملك غيره، وكان بيع ملك الغير صحيحاً ما دام البائع ـ  دون أن يكون مالكاً  ـ قادراً على نقل حيازة المبيع إلى المشتري بالنحو الذي أسلفناه، وقادراً في الوقت ذاته على

', '

(1) راجع الوسيط 4: الفقرة 229 - 236.

', 177), (12, 178, 'book', '

منع أيّ عمل يكدّر على المشتري حيازته، إذ هو ضامن له التعرّض والاستحقاق وجلب موافقة المالك.

وهنا يذكر صاحب الوسيط: أنّ البيع في القانون الرومانيّ إذا كان لا يستلزم نقل الملكيّة كان من طبيعته نقلها. والدليل على ذلك أمران:

(أوّلهما) أنّه كان يجوز للمشتري أن يشترط في عقد البيع على البائع أن ينقل له ملكيّة المبيع، وكان هذا الشرط صحيحاً لأنّه يتآلف مع طبيعة البيع، وعند ذلك كان على البائع أن ينقل ملكيّة المبيع للمشتري ولا يقتصر على نقل الحيازة الهادئة.

(والأمر الثاني) أنّه كان لا يجوز للبائع أن يشترط على المشتري أن لا ينقل له ملكيّة المبيع، فهذا الشرط يتنافى مع طبيعة البيع، ومن ثمّ كان غير جائز.

أقول: الصحيح من هذين الدليلين هو الدليل الثاني دون الأوّل، لأنّ مجرّد صحّة شرط التمليك لا يدلّ على كون نقل الملكيّة من طبيعة البيع، بل يكفي في صحّة الشرط أن لا ينافي طبيعة البيع، وينبغي أن يكون المراد من التدليل على كون التمليك من طبيعة البيع إبراز نقطة للضعف في القانون الرومانيّ لاستبطانه ـ  في الحقيقة  ـ نوعاً من التناقض، حيث يفترض عدم مملّكيّة البيع، ثمّ يفترض بطلان شرط عدم التمليك الذي هو شاهد على إحساسهم في قرارات أنفسهم بمملّكيّة البيع، ممّا يدلّ على أنّ قانونهم يخالف المرتكزات العقلائيّة.

وعلى أيّة حال فعندما انتقلت أحكام القانون الرومانيّ في هذا الصدد إلى القانون الفرنسيّ القديم كان البيع في هذا القانون أيضاً لا ينقل الملكيّة ولا يرتّب التزاماً بنقلها، وكان بيع ملك الغير صحيحاً، ولكن دخل بعض التطوّرات على وضع البيع: فأوّلا أصبح المملّك هو القبض وحده بعد أن اختفى الإشهاد والتنازل القضائيّ عن ساحة المملّكيّة. ثمّ أدّى تطوّر القانون الفرنسيّ القديم طوال مراحله

', '', 178), (12, 179, 'book', '

إلى أن يجعلوا هذا القبض أمراً صوريّاً، فكانوا يكتبون في بياعاتهم أنّ القبض قد تمّ، فكان من وراء هذا القبض الصوريّ أن تنتقل الملكيّة إلى المشتري، والمفروض أنّها انتقلت بالقبض، والواقع أنّها انتقلت بذكر حصول القبض في العقد، على أنّ ذكر حصول القبض ما لبث أن أصبح هو أيضاً شرطاً مألوفاً في عقد البيع، أي شرطاً ضمنيّاً لا حاجة إلى التصريح به.

وقال صاحب الوسيط: قد جاوز الفقه الإسلاميّ هذه المرحلة التي وصل إليها القانون الفرنسيّ القديم فجعل الملك ينتقل بالعقد مباشرة.

وعلى أيّة حال، ففي القانون الفرنسيّ الحديث لمّا رأى واضعو تقنين نابليون إلى أين انتهى التطوّر في القانون الفرنسيّ القديم على النحو الذي أسلفناه خطوا آخر مرحلة من مراحل هذا التطوّر، فجعلوا البيع ذاته ناقلا للملكيّة، لا بمعنى أنّ البيع إنشاء للتمليك، بل هو لا زال إنشاء للالتزام بنقل الملكيّة، ولكنّه يتمّ نقل الملكيّة كقاعدة عامّة فوراً بمجرّد نشوء الالتزام، فينتهي الالتزام، وذلك لدى توافر شروط معيّنة من التسجيل في العقار والإفراز في المنقول الذي يكون كلّيّاً وغير معيّن بالذات مع عدم فقدان شرط يتّفق عليه المتبايعان، كما لو اتّفقا على أن لا تنتقل الملكيّة إلّا عند تسليم المبيع إلى المشتري مثلا، فإن لم تكن هذه الشروط متوفّرة انفصلت الملكيّة عن الالتزام، فالبيع قد أوجد الالتزام بنقل الملك، ولكن النقل يتحقّق في زمن متأخّر متى ما توفّرت الشروط. أمّا لو كانت هذه الشروط متوفّرة حين العقد فالالتزام بنقل الملكيّة يتمّ تنفيذه فوراً بحكم القانون، وفي صورة عدم توافر الشروط يجب على البائع تهيئة المقدّمات اللازمة لتوافرها وفاءً بما التزم به، وبعد أن أصبح البيع ناقلا للملكيّة بالمعنى الذي عرفت صار بيع ملك الغير لا يتلاءم مع طبيعة البيع، فحكموا ببطلانه.

$

', '', 179), (12, 180, 'book', '

أقول: لا أدري لماذا يكون بيع ملك الغير غير ملائم مع طبيعة البيع بعد أن فرض أنّ البيع التزام بنقل الملك وليس نقلا للملك؟! ولتكن مالكيّة البائع أو تحصيل رضا المالك شرطاً لحصول الانتقال كباقي الشروط التي قالوا: لو تخلّفت تأخّر حصول الانتقال عن زمان الالتزام إلى زمان تحقّق تلك الشروط.

وعلى أيّة حال، فقد ذكر صاحب الوسيط: يلاحظ أنّ التقنين الجديد سار على النظرية التقليديّة من أنّ نقل الملكيّة يسبقه التزام بنقلها، وهذا الالتزام يتمّ تنفيذه من تلقاء نفسه، فتنتقل الملكيّة إلى الدائن بحكم القانون، وينقضي الالتزام بنقل الملكيّة بمجرّد نشوئه. وهذا الوضع بقيّة تخلّفت عن تقليد القانون الرومانيّ والقانون الفرنسيّ القديم، حيث كانت الملكيّة لا تنتقل بالعقد.

ونقل صاحب الوسيط عن بنكاز: أنّه لا يوجد اليوم مانع من القول بأنّ العقد ذاته ينقل الملكيّة دون افتراض التزام موهوم يسبق نقل الملكيّة وينقضي بمجرّد أن ينشأ... على أنّه في بلد تتّبع نظام السجل العقاريّ يبرز التمييز بين الالتزام بنقل الملكيّة ونقل الملكيّة بالفعل، فالعقد لا ينقل الملكيّة بنفسه، بل يقتصر على إنشاء التزام بنقلها. أمّا نقل الملكيّة بالفعل فلا يتمّ إلّا بتسجيل العقد في السجل العقاريّ....

أقول: إنّ الامتياز الذي ذكره بنكاز لافتراض الالتزام الموهوم بالنسبة لبلد تتّبع نظام السجلّ العقاريّ ناتج من الخلط بين مطلبين كان ينبغي التمييز بينهما:

أحدهما: أنّ العاقد هل ينشئ نقل الملك  ؟ أو ينشئ الالتزام بنقل الملك  ؟

والثاني: أنّه حتى لو تمّ نقل الملك في اعتبار المتعاقدين، فهذا لا يعني تماميّته في اعتبار القانون، فقد يكون القانون مؤجِّلا للاعتراف بالملك لحين حصول شرط مّا.

$

', '', 180), (12, 181, 'book', '

والفقه الإسلاميّ يرى أنّ العقد إنشاء لنقل الملك مثلا لا للالتزام بنقله، وأنّ القانون يحكم فوراً بحصول النقل إن كانت الشرائط متوفّرة في حين العقد، وإلّا ففي غالب الفروض لا يحصل الملك عند تحقّق الشرط في وقت متأخّر إلّا بعقد جديد أو بإمضاء للعقد السابق. وقد يفترض نادراً شرط مّا شرطاً لحصول الملك لا لتماميّة العقد، فإذا حصل متأخّراً حصل الملك الشرعيّ مقارناً للشرط لا مقارناً للتمليك الاعتباريّ الذي صدر من المتعاقدين. مثاله: بيع الصرف بناءً على توقّف حصول الملك فيه على تماميّة القبض.

تعريف العقد في الفقه السنّي:

ولنعد الآن إلى التعريف الذي نقلناه عن فقه السنّة، وهو ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه مؤثّر. وقد جعل الزرقاء اختصاص ذلك بالعقد الصحيح مرجّحاً له على التعريف المنقول عن الفقه القانونيّ.

إلّا أنّ كون هذا مرجّحاً له غير واضح، فأيّ بأس في تعريف العقد بالنحو الذي يشمل الباطل  ؟ فنحن تارةً نفتّش عن حقيقة العقد القائمة بنفس المتعاقدين، واُخرى نفتّش عمّا يحدثه الاعتبار التشريعيّ الذي أحدثه المشرّع، سواء كان هو العقلاء أو أيّ مشرّع آخر، ولا تلازم بين الأمرين كما قلنا في ما سبق بأنّ إنشاء نقل الملك في اعتبار المتعاقدين مغاير لحصول الملك في اعتبار القانون، ولا تلازم بينهما، ولا ينبغي الخلط بينهما، فبالإمكان أن ننظر في تعريف العقد إلى ما يقوم به المتعاقدان بقطع النظر عن مدى إمضاء الشرع له.

وذكر السنهوريّ ـ  بعد نقله لما مضى من تعريف صاحب «مرشد الحيران» للعقد  ـ: أنّ تعريف العقد الذي نقلناه عن مرشد الحيران ينمّ عن النزعة الموضوعيّة التي تسود الفقه الإسلاميّ دون النزعة الذاتيّة. فالعقد هو ارتباط الإيجاب بالقبول

', '', 181), (12, 182, 'book', '

لا من حيث أنّه ينشئ التزامات شخصيّة في جانب المتعاقدين، وهذا هو المعنىالبارز فى النزعة الذاتيّة، بل من حيث إنّه يثبت أثره في المعقود عليه، أي يغيّر المحلّ من حالة إلى حالة، وهنا تبرز النزعة الموضوعيّة التي أشرنا إليها. وسنرى أنّ هذه النزعة الموضوعيّة التي سادت الفقه الإسلاميّ لها أثر كبير في مبادئه الأساسيّة، وفي تفصيلات أحكامه، وهي التي جعلته يأخذ بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة(1).

أقول: إن كان المقصود بدلالة تعريف العقد في الفقه الإسلاميّ على النزعة الموضوعيّة لهذا الفقه الإشارة إلى ما يفهم من تعريف مرشد الحيران من اختصاص اسم العقد بالعقد الصحيح المؤثّر خارجاً دون الباطل الذي لا يثمر النقل والانتقال في المحلّ فمن الواضح أنّ مجرّد إدخال العقد الباطل في اسم العقد أو إخراجه عنه الذي لا يعود إلّا إلى مجرّد تسمية لفظيّة لا ينبغي أن يجعل شاهداً على النزعة الذاتيّة أو الموضوعيّة.

وإن كان المقصود الإشارة إلى أنّ العقد في الفقه الإسلاميّ يعتبر إنشاءً للتمليك مثلا بينما هو في الفقه الغربيّ يعتبر إنشاءً للالتزام بالتمليك فالموضوعيّة بهذا المعنى وإن كانت صحيحة لكن هذا لم ينشأ من افتراض نزعة موضوعيّة بشكل عامّ في الفقه الإسلاميّ. وسنوضّح إن شاء الله في محلّه ـ  عندما نبحث ما أشار إليه السنهوريّ من الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة في العقد  ـ بأنّ الفقه الإسلاميّ ملتزم في تلك المسألة بالجانب الذاتيّ لا الموضوعيّ، وأنّ المقياس في نظر الفقه الإسلاميّ هي الإرادة الباطنة، ولكنّها تجعل الإرادة الظاهرة دليلا على الإرادة الباطنة.

$

', '

(1) مصادر الحقّ 1: 77.

', 182), (12, 183, 'book', '

والواقع أنّ الفقه الإسلاميّ ليست له بشكل عامّ نزعة ذاتيّة ولا نزعةموضوعيّة، بل يتبع في ذلك كلّ مسألة بالخصوص الدليل الخاصّ بتلك المسألة، والذي قد يؤدّي إلى التزام الذاتيّة وقد يؤدّي إلى التزام الموضوعيّة.

وعلى أيّة حال، فليس كلّ التعاريف الموجودة في الفقه الإسلاميّ تختصّ بالعقد الصحيح، فلننتقل هنا إلى تعريف للعقد من الفقه الشيعيّ.

تعريف العقد في الفقه الشيعي:

قد عرّف السيّد الخوئيّ العقد ـ  على ما جاء في المحاضرات(1)  ـ بأنّه شدّ أحد الالتزامين وعقده بالآخر، وهذا التعريف ـ  كما ترى  ـ يشمل العقد الصحيح والفاسد.

وهذا التعريف لا يرد عليه ما أورده الزرقاء على تعريف الفقه الغربيّ من شموله للوعد ـ  كما هو واضح  ـ فهو شريك مع تعريف الفقه السنّيّ في اختصاصه بالعقد بالمعنى الحقيقيّ للكلمة دون الوعد، وهو يستبطن أيضاً فرض وجود إيجاب وقبول، لكن لا بخصوص معنى الفعل والمطاوعة بمثل: (بعت وقبلت)، بل بمعنى أوسع من ذلك، وهو مطلق القرارين المرتبط أحدهما بالآخر ممّا يشمل أيضاً مثل: (بعت واشتريت).

ولكنّ عيب هذا التعريف هو تعبيره بالالتزام، وهو تعبير أقرب إلى تعريف الفقه الغربيّ منه إلى تعريف الفقه الإسلاميّ، فإنّ العقد ـ  حسب نظر الفقه الإسلاميّ  ـ ليس دائماً التزاماً، بل ربما يكون نقلا للملك مثلا لا التزاماً بالنقل.

فلعلّ الأولى تعبير المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) حيث ذكر: أنّ العقد هو القرار

', '

(1) المحاضرات 2: 67.

', 183), (12, 184, 'book', '

المرتبط بقرار آخر، والعهد عبارة عن القرار والجعل. فالعقد والعهد يتصادقان في مورد القرار المرتبط بالقرار، فحيثيّة القرار فيه هي حيثيّة العهديّة، وحيثيّة الارتباط هي حيثيّة العقديّة.

والعقد بمعناه اللغويّ أعمّ من العهد، لأنّ العقد لغةً هو ربط شيء بشي، والعهد لا أقلّ من ارتباطه بما تعلّق به، فكلّ عهد وقرار عقد، ولكن ليس كلّ عقد عهداً وقراراً، فعقد الحبل مثلا لا علاقة له بالعهد والقرار، ولكن العقد بمعناه الاصطلاحيّ أخصّ من العهد، لأنّ العقد هو القرار المرتبط بقرار، والعهد هو مطلق القرار من دون تقيّد بالارتباط بقرار آخر، والعهد الذي هو القرار والجعل قد يكون في المناصب المجعولة كالإمامة والخلافة، كما في قوله تعالى: ﴿إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾(1). وقد يكون في التكاليف كقوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين﴾(2). انتهى ما أردنا نقله بالمعنى عن المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)(3).

النسبة بين العقد والعهد:

أقول: إنّ العهد يستعمل بمعنيين كما تشهد بذلك كتب اللغة وموارد الاستعمالات.

الأوّل: الوصيّة، كما في عهد الإمام إلى مالك الأشتر، أو قل القرار، وهو يشمل القرار الوضعيّ والتكليفيّ. فالوضعيّ كما مضى من قوله تعالى: ﴿لا ينال

', '

(1) البقرة: 124.

(2) البقرة: 125.

(3) راجع تعليقته على المكاسب: 35، وقسم منه موجود في كتابه في الإجارة: 17.

', 184), (12, 185, 'book', '

عهدي الظالمين﴾، والتكليفيّ كما مضى من قوله تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي﴾، وكقوله تعالى: ﴿إنّ الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾(2). والعهد بهذا المعنى يكون فعله (عَهِدَ)، ويتعدّى بـ  (إلى).

والثاني: الميثاق، وفعله (عاهد) ويتعدّى بنفسه، أو (تعهّد) ويتعدّى باللام. قال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ﴾(3)، وقال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾(4)، وقال تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار﴾(5).

والعهد بهذا المعنى الثاني هو الذي يتعلّق به الوفاء، قال الله تعالى: ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً﴾(6)، وقال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾(7)، وقال تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾(8)، وقال تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾(9).

$

', '

(1) آل عمران: 183.

(2) يس: 60.

(3) التوبة: 75.

(4) التوبة: 1.

(5) الأحزاب: 15.

(6) الفتح: 10.

(7) النحل: 91.

(8) البقرة: 177.

(9) الرعد: 20.

', 185), (12, 186, 'book', '

وصحيح أنّ العقد بمعناه الاصطلاحيّ أخصّ من العهد، إلّا أنّ هذا بلحاظ المعنى الأوّل للعهد وهو الوصيّة. أمّا بلحاظ المعنى الثاني للعهد وهو الميثاق فلا، فربّ عقد لا يكون ميثاقاً كالبيع على ما مضى من أنّه نقل وليس التزاماً بالنقل، وكلّ ميثاق عقد، فإنّ الميثاق مشتمل على قرار مرتبط بقرار.

وأمّا ما ورد في تفسير عليّ بن إبراهيم عن عبد الله بن سنان بسند تامّ عن الصادق (عليه السلام) في تفسير ﴿اوفوا بالعقود﴾، قال: العهود(1). فهو تفسير للعقد بفرد جليّ من أفراده كما هو شأن كثير من التفاسير الواردة للآيات الكريمة.

أمّا إذا حمل على حصر المقصود من العقد في الآية بالعهد فتسقط الآية عن صلاحية الاستدلال بها على اللزوم في مثل عقد البيع، لأنّ المقصود بالعهد في هذا الحديث المفسّر به العقد هو الميثاق لا الوصيّة والقرار، وذلك بقرينة الوفاء، والبيع ليس ميثاقاً كما مضى إلّا أن يقال: إنّ القرار المرتبط بالقرار أيضاً داخل عرفاً في مفهوم الميثاق، كما لعلّه أطلقت كلمة «الميثاق» على عقد النكاح في قوله تعالى: ﴿وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾(2).

وجوب الوفاء بالعهد:

والعهد بمعنى الميثاق واجب الوفاء بدليل قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا﴾(3)، وبدليل قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾. ومن هنا نقول

', '

(1) تفسير علي بن إ براهيم 1: 160، ورواه الحرّ العاملي في الوسائل 16: 206، الباب 25 من النذر والعهد، الحديث 3، عن العيّاشي.

(2) النساء: 21.

(3) الإسراء: 34.

', 186), (12, 187, 'book', '

بوجوب الوفاء بالشرط الابتدائيّ حينما يكون ميثاقاً، ولا يشترط أن يكون ضمن عقد، بل هو بذاته عقد وعهد ومشمول للآيتين. وإذا كان التزاماً في مقابل التزام شملته أيضاً أدلّة الوفاء بالشرط.

وقد يقال بصدق الشرط أيضاً فيما لو كان التزاماً رتّب عليه الملتزم له عمله بعلم من المشروط عليه، كمن يسافر مبنيّاً على التزام زيد بحفظ أهله وعياله، ويقبل زيد بذلك. نعم، لو كان وعداً ابتدائيّاً بحتاً لا يشتمل على شيء من هذه الاُمور لم يجب الوفاء به.

مصادر الالتزام في الفقه الغربي:

ثمّ إنّ الفقه الغربيّ جعل العقد مفردة من مفردات مصادر الالتزام. وإليك بعض خلاصة من التطوّر التاريخيّ لذلك، مأخوذ من كتاب الوسيط(1):

جاء في القوانين اللاتينيّة: أنّ مصادر الالتزام خمسة: العقد، وشبه العقد، والجريمة، وشبه الجريمة، والقانون. ويقصد بشبه العقد ما يصدر عن إرادة منفردة يوجب إثراء الغير، بينما العقد تتوافق فيه الإرادتان. ومثال ذلك ما لو بنى شخص داراً في أرض الغير أو غرس بستاناً في داره من دون عقد أو استيجار في ما بينهما، فشبه العقد عمل اختياريّ مشروع ينشأ عنه الالتزام نحو الغير، فيلتزم مثلا بأن يستمر في العمل الذي بدأه، وبأن يقدّم حساباً عنه، وينشأ منه التزام آخر في جانب ربّ العمل، فيلتزم هذا في حالة ما إذا أحسن الفضوليّ القيام بالعمل الذي أخذه على عاتقه بأن يردّ ما ينفقة الفضوليّ من مصروفات ضروريّة ونافعة، وبأن ينفّذ ما عقده الفضوليّ من التزامات في سبيل القيام بمهمّته.

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: الفقرة 22 - 34.

', 187), (12, 188, 'book', '

والجريمة هي العمل الضارّ يأتيه فاعله متعمّداً الإضرار بالغير، كما إذا أتلف شخص عمداً مالا مملوكاً لغيره فينشأ عنه الالتزام بالتعويض.

وشبه الجريمة هو الجريمة بفرق عدم العمد، وصدوره عن الإهمال وعدم الاحتياط، لا عن تعمّد الضرر.

وناقش في ذلك الاُستاذ بلانيول، فذكر: أنّ تقسيم العمل غير المشروع باعتباره مصدراً للالتزام إلى جريمة وشبه جريمة بحسب وجود نيّة التعمّد أو انعدامها لا أهمّية له، لا من حيث نشوء الالتزام ولا من حيث ما يترتّب عليه من الأثر. فشبه الجريمة ينشئ التزاماً كالجريمة سواء بسواء، والتعويض يدفع كاملا في الحالتين.

أمّا شبه العقد فهو في نظر الاُستاذ بلانيول تعبير مضلِّل، ذلك أنّ أصحاب الترتيب التقليديّ يزعمون أنّ شبه العقد قريب من العقد في أنّه عمل إراديّ، وبعيد عن الجريمة وشبه الجريمة في أنّه عمل مشروع.

والواقع عكس هذا تماماً، فشبه العقد ليس إراديّاً، لأنّ الملتزم الذي أثرى على حساب الغير ويلتزم بالتعويض ليس هو صاحب الإرادة. وإذا كنّا في شبه العقد قد نصادف عملا إراديّاً في مبدأ الأمر، كما إذا أقام شخص بناءً على أرض الغير فينشأ الالتزام في ذمّة صاحب الأرض، فهذه الإرادة إنّما صدرت من قبل الملتزَم له لا من قبل الملتزِم كي تكون الإرادة مصدراً للالتزام.

وشبه العقد عمل غير مشروع، فإنّنا إذا تعمّقنا في تحليل الالتزام الذي ينشأ من شبه العقد فنحن وإن كنّا نقف عادةً عند العمل الذي يبدأ به شبه العقد وهو مشروع دون شكّ فمن يدفع دَيناً غير موجود أو يقيم بناءً على أرض الغير يقوم بأعمال مشروعة، ولكنّ هذا العمل المشروع ليس هو الذي ينشئ الالتزام، فإنّ

', '', 188), (12, 189, 'book', '

الملتزم ليس هو الشخص الذي دفع الدَين أو أقام البناء. ومعروف أنّ سبب الالتزام يتّصل بشخص المدين لا بشخص الدائن، فهذا السبب يرجع إلى إثراء المدين دون سبب على حساب الدائن، فوجب عليه التعويض، فالإثراء دون حقّ هو إذن مصدر الالتزام وهو عمل غير مشروع.

ويذهب الاُستاذ بلانيول إلى أنّ للالتزام مصدرين اثنين: العقد، والقانون. ويردّ شبه العقد والجريمة وشبه الجريمة جميعاً إلى القانون، ذلك أنّ الالتزامات التي تنشأ من هذه المصادر الثلاثة ليست إلّا التزامات جزائيّة قامت بسبب الإخلال بالتزامات قانونيّة. ففي شبه العقد أثرى شخص على حساب غيره فأخلّ بالتزام قانونيّ هو أن لا يثري دون حقّ على حساب الغير. وكذلك في الجريمة وشبهها أخلّ بالقانون عن عمد أو غير عمد وينشأ عن الإخلال في كلّ هذه الاُمور بهذا الالتزام القانونيّ التزام جزائيّ فرضه عليه القانون وهو التعويض.

وفرق هذه الالتزامات الجزائيّة عن الالتزامات القانونيّة الأصلية أنّها ليست درءاً لضرر قد يقع في المستقبل، بل هي تعويض عن ضرر قد وقع في الماضي. على أنّه يلاحظ أنّ هذه الالتزامات الجزائيّة إنّما هي في الواقع الالتزامات القانونيّة ذاتها قد استحالت إلى التعويض على الوجه الذي تراه في الالتزامات التعاقديّة عندما تستحيل هي أيضاً إلى تعويض إذا لم يمكن تنفيذها عيناً، فكل التزام غير تعاقديّ يكون التزاماً قانونيّاً إمّا في صورته الأصليّة وإمّا في صورة استحال فيها إلى تعويض، وهو في الصورة الاُولى يراد به درء ضرر قد يقع، وفي الصورة الثانية يراد به التعويض عن ضرر قد وقع.

وأورد الاُستاذ السنهوريّ على مقالة الاُستاذ بلانيول ما يلي:

أوّلا: أنّ القانون مصدر ولو بشكل غير مباشر لكلّ الالتزامات بما فيها

', '', 189), (12, 190, 'book', '

الالتزامات التعاقديّة، ولكن كما اُبرز العقد مصدراً مستقلاًّ باعتبار أنّ القانون في مورده يؤثّر بشكل غير مباشر كذلك الأولى إبراز العمل كمصدر مستقلّ من مصادر الالتزام.

وثانياً: أنّه بالغ الاُستاذ بلانيول في تأكيده بأنّ شبه العقد عمل غير مشروع مع أنّ القول بأنّه عمل مشروع لا يخلو من الوجاهة، وذلك أنّ المثري على حساب الغير إنّما يلتزم بعمل إذا نظرنا إليه في أصله كان مشروعاً، وإذا نظرنا إليه في نتيجته كان غير مشروع، فهو عمل يتسبّب عنه إثراء على حساب الغير، فيبقى العمل في ذاته مشروعاً وإن تسبّبت عنه نتيجة غير مشروعة.

وأمّا التقنين المدني المصريّ القديم فيرى أنّ مصادر الالتزام ثلاثة: العقد، والفعل، والقانون.

وذكر السنهوريّ ـ  تعليقاً عليه  ـ أنّ الفعل إمّا أن يكون من شأنه أن يفقر الدائن دون حقّ وهذا هو العمل غير المشروع، أو أن يغني المدين على حساب الدائن دون سبب وهذا هو الإثراء بلا سبب. وفصل أحدهما عن الآخر أجلى بياناً وأوسع إحاطة.

وأمّا التقنينات الحديثة فهي ترى عادة أنّ مصادر الالتزام خمسة: العقد، والإرادة المنفردة، والعمل غير المشروع، والإثراء بلا سبب، والقانون. ويشترك هذا الترتيب الحديث مع الترتيب القديم في مصدرين هما: العقد والقانون. أمّا الجريمة وشبه الجريمة فيجتمعان في العمل غير المشروع. وشبه العقد في الترتيب القديم يقابله الإثراء بلا سبب. ويزيد الترتيب الحديث الإرادة المنفردة مصدراً للالتزام، وهذا الترتيب هو الذي أخـذ به أكثر الفقهاء في الفقه الحديث. ويلاحظ أنّ التقنينات الحديثة لا تورد في نصّ خاصّ مصادر الالتزام مرتبة هذا الترتيب

', '', 190), (12, 191, 'book', '

الخمـاسيّ بل إنّ هـذا الترتيب سيستخلص من التبويب الـذي اتّخـذته هـذه التقنينات.

هذا، وذكر السنهوريّ أنّ هذا الترتيب لمصادر الالتزام تغلب فيه الناحية العمليّة، وينقصه الأساس العلميّ الذي يرتكز عليه، فلا يكفي أن نقول: إنّ هذه مصادر الالتزام، بل يجب إرجاع هذه المصادر إلى اُصول علميّة منطقيّة.

وخلاصة ما قال في إرجاع هذه المصادر إلى اُصول علميّة هي: أنّ الوقائع في العالم هي التي تؤدّي إلى التغيير في العلاقات القانونيّة الموجودة، ولو سكن كلّ شيء لبقيت العلاقات القانونيّة على حالها، فإذا حدثت بعد ذلك أيّة حركة فقد يكون من شأنها أن تعدّل في هذه العلاقات. وهذه الحركة هي التي نسمّيها (بالواقعة)، فإذا كان من شأنها أن تنتج أثراً قانونيّاً سمّيت بـ  (الواقعة القانونيّة)، وهي إمّا أن تكون راجعة لإرادة الإنسان واختياره، أو لا تكون كذلك، بل هي من عمل الطبيعة. فالوقائع الطبيعيّة المؤثّرة في تلك العلاقات مثالها الجوار والقرابة ونحوهما ممّا يرتّب عليه القانون إلتزامات معيّنة. أمّا الوقائع الاختياريّة فهي إمّا أعمال مادّيّة أو أعمال قانونيّة.

والأعمال المادّية هي التي لا تتقوّم بإرادة إحداث الأثر في الروابط القانونيّة كالأكل والمشي والحديث مع الناس ومعاشرتهم ونحو ذلك، فقد يريد صاحبها بها إحداث أثر قانونيّ جديد، وقد لا يريد. وهذه الأعمال تأثيرها في إحداث أثر قانونيّ إمّا أن يكون على أساس كونها أعمالا غير مشروعة تصدر من المدين فتفقر الدائن دون حقّ وهو العمل المادّيّ الضارّ، أو على أساس كونها أعمالا مشروعة نافعة تغني المدين على حساب الدائن.

والأعمال القانونيّة هي الأعمال الإراديّة المحضة المتّجهة نحو إحداث

', '', 191), (12, 192, 'book', '

نتائج قانونيّة، وهي إمّا أن تكون صادرة من جانبين أو من جانب واحد.

فالوقائع الطبيعيّة كالجوار والقرابة يرتّب عليها القانون التزامات معيّنة لاعتبارات ترجع للعدالة والتضامن الاجتماعي، لذلك يصحّ إسناد هذه الالتزامات للقانون مباشرة، فيكون هو مصدرها.

وأمّا الوقائع الاختياريّة، فإن كانت أعمالا مادّية مؤثّرة في العلاقات القانونيّة عن طريق الإضرار فهذه هي التي تسمّى بالعمل غير المشروع، وإن كانت أعمالا مادّية مؤثّرة عن طريق النفع، فهذه هي التي تسمّى بالإثراء بلا سبب، وإن كانت أعمالا قانونيّة صادرة من جانبين فهي العقد، أو من جانب واحد فهي الإرادة المنفردة.

أقول: إنّ هذا الأساس العلميّ لا يخلو من نقاش، لأنّنا نتساءل: ماذا يقصد بالوقائع الطبيعيّة  ؟ هل يقصد بها ما يكون خارجاً عن إرادة الإنسان  ؟ أو يقصد بها ما لا يكون متقوّماً بإرادة الإنسان ويمكن صدوره بلا إرادة  ؟ فإن قصد الأوّل فمثل الجوار والقرابة قد يحصل بالإرادة فيخرج من القسم الأوّل الذي فرض فيه أنّ القانون هو مصدر الالتزام، فقد يجاور الإنسان شخصاً بالاختيار، وقد يولد الإنسان زوجته بالاختيار فتتولّد قرابة الاُبوّة والبنوّة. و إن قصد الثاني دخل العمل غير المشروع في هذا القسم الأوّل لأنّه ليس متقوّماً بالإرادة، فلو أتلف شخصٌ مال شخص بلا إرادة واختيار ضمن له.

وكان الأولى به أن يقول ـ  بدلا عن إبراز هذا الأساس العلميّ المزعوم  ـ: إنّ هناك أسباباً بارزة للالتزام كثيرة الوقوع خارجاً وهي: العقد، والإرادة المنفردة، والعمل غير المشروع، والإثراء بلا سبب، وهناك أسباباً متفرّقة ومتشتّتة جمعناها تحت عنوان واحد وهو القانون.

$

', '', 192), (12, 193, 'book', '

شمول العقد لغير العقود الماليّة:

الأوّل: إنّ تعريف العقد في الفقه الإسلاميّ لا يختصّ بالعقود الماليّة وإن كان بحثنا هذا مخصوصاً بالعقود الماليّة. إلّا أنّ الدكتور السنهوريّ يظهر منه اختصاص العقد في مصطلح الفقه الغربيّ بالعقود الماليّة، حيث كتب يقول:

وليس كلّ اتّفاق يراد به إحداث أثر قانونيّ يكون عقداً، بل يجب أن يكون هذا الاتّفاق واقعاً في نطاق القانون الخاصّ، وفي دائرة المعاملات الماليّة.

فالمعاهدة اتّفاق بين دولة ودولة، والنيابة اتّفاق بين النائب وناخبيه، وتولية الوظيفة العامّة اتّفاق بين الحكومة والموظف، ولكنّ هذه الاتّفاقات ليست عقوداً، إذ هي تقع في نطاق القانون العامّ: الدوليّ والدستوريّ والإداريّ.

والزواج اتّفاق بين الزوجين، والتبنّي في الشرائع التي تجيزه بين الوالد المتبنّي والولد المتبنّى، ولكن يجدر أن لا تدعى هذه الاتّفاقات عقوداً وإن وقعت في نطاق القانون الخاصّ، لأنّها تخرج عن نطاق المعاملات الماليّة.

فإذا وقع اتّفاق في نطاق القانون الخاصّ وفي دائرة المعاملات الماليّة فهو عقد(1).

أقول: إنّ العقد في مصطلحنا وإن كان لا يختصّ بالعقود الماليّة ولكن بحثنا هذا خاصّ بالعقود الماليّة.

تقسيم العقد إلى إذني وعهدي:

الثاني: ذكر المحقّق النائينيّ (رحمه الله) ـ  على ما جاء في تقرير بحثه  ـ: أنّ العقد على قسمين: عقد إذنيّ، وعقد عهديّ. والعقد الإذنيّ إنّما يكون عقداً باصطلاح

', '

(1) الوسيط 1: 139 الفقرة 39.

', 193), (12, 194, 'book', '

الفقهاء لا بالمعنى اللغويّ والعرفيّ، فهو عقد بالمسامحة لا بالحقيقة في معناهاللغويّ والعرفيّ، ذلك أنّ العقد الإذنيّ عبارة عمّا يتقوّم بالإذن حدوثاً وبقاءً ويرتفع بارتفاع الإذن.

والعقد العهديّ عبارة عمّا يتقوّم بالعهد والالتزام. والعقد لغةً وعرفاً عبارة عن العهد المؤكّد وهو غير موجود في العقود الإذنيّة كالوديعة والعارية ـ  بناءً على أن يكون مفادها الإباحة المجّانية لا التمليك  ـ. وهذا القسم من العقد غير مشمول لقوله تعالى ﴿اوفوا بالعقود﴾(1). وتختصّ الآية المباركة بالعقود العهديّة كالبيع وأمثاله.

وأمّا الوكالة فهي على قسمين: فتارةً تكون عبارة عن مجرّد الإذن في التصرّف مثلا وهي تبطل بمجرّد رجوع الموكّل عن إذنه، واُخرى تكون عبارة عن عقد حقيقيّ بين طرفين واجد للشرائط الخاصّة، وهي لا تبطل بمجرّد رجوع الموكّل، بل يتوقّف انفساخها على بلوغ الرجوع إلى الوكيل(2).

أقول: تقسيم الوكالة إلى قسمين غير واضح. والظاهر أنّ الوكالة ليست إلّا عبارة عن الإذن الصادر من الموكّل، أو هو مع رضا الوكيل بالوكالة، فالوكالة عقد إذنيّ. أمّا عدم انفساخها برجوع الموكّل قبل وصول ذلك إلى الوكيل فليس على مقتضى القاعدة، بل هو بدليل خاصّ.

وأمّا كون العقد لغةً وعرفاً عبارة عن العهد المؤكّد فالواقع أنّنا لو سلّمنا أنّ

', '

(1) المائدة: 1.

(2) راجع منية الطالب 1: 33 و  112، وكتاب المكاسب والبيع تأليف الشيخ الآمليّ 1: 81 و  82 و  290.

', 194), (12, 195, 'book', '

العقد عبارة عن العهد فإنّما نقصد بذلك العهد بمعنى القرار كي يشمل مثل البيع لا  العهد بمعنى الميثاق، بينما العقد في الآية الكريمة لو فسّر بمعنى العهد لكان بمعنى الميثاق لا القرار بقرينة التعبير بالوفاء كما مضى، فيلزم من ذلك أجنبيّة العقد بالمعنى المقصود عن الآية الكريمة.

والصحيح ما مضى من أنّ العقد عبارة عن قرار مرتبط بقرار، وأنّ العقد في الآية ليس بمعنى العهد، وتفسيره به في بعض الروايات تفسير بفرد جليّ.

وعلى أيّة حال، فنحن نقصد بالعقد الذي جعلناه موضوع بحثنا في هذا الكتاب ما أسماه المحقّق النائينيّ (رحمه الله) بالعقود العهديّة، ولا يشمل موضوع بحثنا ما أسماه (قدس سره) بالعقود الإذنيّة.

إلى هنا انتهى بحثنا في المقدّمة التي قدّمناها لفقه العقود.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. والآن حان وقت الشروع في صلب البحث عن فقه العقود، وفيه فصول ثلاثة:

$

', '', 195), (12, 196, 'book', '

$

', '', 196), (12, 197, 'book', '

الفصل الأوّل

نظرات فاحصة في إطلاقات أدلّة العقود

1 ـ كيفيّة إبراز العقد.

2 ـ العقود المستحدثة.

3 ـ أصالة اللزوم في العقود.

$

', '', 197), (12, 198, 'book', '

مقدمة:

نبدأ حديثنا فى فقه العقود بالبحث عن مدى تواجد إطلاقات فى أدلّة العقود بلحاظ ثلاث جهات:

الاُولى: أنّه هل يشترط فى العقد شكل مخصوص زائداً على أصل إبراز المقصود ؟ أو يكفي إبراز المقصود الذي هو ربط قرار بقرار بأيّ مبرز عرفيّ  ؟

والثانية: هل العقد المشروع عبارة عن العقود المسمّـاة عادةً فى الكتب الفقهية أو في المصادر الأوّليّة للفقه  ؟ أو أنّ أيّ عقد آخر استحدث أو يستحدث جديداً وفق الضوابط العامّة يكون مشروعاً وصحيحاً  ؟

والثالثة: هل أنّ إطلاقات العقود تقتضي اللزوم وتنفي التزلزل وإمكانيّة الفسخ بحسب الطبع الأوّلي للمعاملة أوْ لا  ؟

كلّ ذلك يتمّ في مباحث ثلاثة:

$

', '', 198), (12, 199, 'book', '

ـ 1 ـ

كيفيّة إبراز العقد

الجهة الاُولى: هل العقد يكفي فيه إبراز ربط قرار بقرار بأيّ مبرز عرفيّ  ؟ أو هناك شكل مخصوص يجب تقيّد العقد به  ؟

نبدأ بكلام عن الفقه الغربيّ في ذلك، ثمّ نقايس بينه وبين فقه الإسلام، ثمّ نختم البحث بالحديث عن مدى تماميّة الإطلاق في المصادر الأصليّة للفقه الإسلاميّ في ذلك.

كيفيّة الإبراز في الفقه الوضعي

ورد فى فقه القانون: أنّ العقد على ثلاثة أقسام: العقد الرضائيّ، والعقد الشكليّ، والعقد العينيّ. ولننقل شيئاً من التفصيل في ذلك عن كتاب الوسيط:

فالعقد الرضائيّ: هو ما يكفي في انعقاده تراضي المتعاقدين، أي اقتران الإيجاب بالقبول بلا حاجة الى شكل مخصوص، فالتراضي وحده هو الذي يكوّن العقد، وأكثر العقود في القانون الحديث رضائيّة كالبيع والإيجار وغيرهما.

والعقد الشكليّ: هو ما لا يتمّ بمجرّد تراضي المتعاقدين، بل يجب لتمامه فوق ذلك اتّباع شكل مخصوص يعيّنه القانون، وأكثر ما يكون هذا الشكل ورقة

', '', 199), (12, 200, 'book', '

رسميّة يدوّن فيها العقد. ولم يبق في القانون الحديث إلّا عدد قليل من العقود الشكليّة، الغرض في استبقاء شكليّتها هو في الغالب تنبيه المتعاقدين الى خطر ما يقدمون عليه من تعاقد، كما في الهبة والرهن.

والقانون لم يبلغ مستوى الاعتراف بجعل الأصل في العقود كونها رضائيّة طفرة، بل تطوّر إليها تدرّجاً.

فالقانون الرومانيّ بدأت العقود فيه تكوّن شكليّة تحوطها أوضاع معيّنة من حركات وإشارات وألفاظ وكتابة. أمّا مجرّد توافق إرادتين فلا يكون عقداً ولا يولِّد التزاماً، فكان المدين يلتزم لا لسبب سوى أنّه استوفى الأشكال المرسومة، ويكون التزامه صحيحاً حتى لو كان السببب الحقيقيّ ـ  الذي من أجله التزم  ـ لم يوجد أو لم يتحقّق، أو كان غير مشروع، أو كان مخالفاً للآداب.

فالعقد الشكليّ كان عقداً مجرّداً، صحّته تستمدّ من شكله لا من موضوعه ولكن الحضارة الرومانيّة ما لبثت أن تطوّرت وتعقّدت سبل الحياة، فكان من ذلك توزيع العمل والحاجة الى كثرة التبادل ووجوب السرعة في المعاملات، واقترن هذا كلّه بتقدّم في التفكير القانونيّ أدّى الى التمييز بين الشكل والإرادة في العقد، وإعطاء الإرادة قسطاً من الأثر القانونيّ، ودعا هذا إلى اعتبار الاتّفاق موجوداً بمجرّد توافق الإرادتين، والشكل ليس إلّا سبباً قانونيّاً للالتزام قد توجد أسباب غيره. ومن ثمَّ ظهر الى جانب العقود الشكليّة العقود العينيّة والرضائيّة والعقود غير المسمّـاة، ولكن القانون الرومانيّ لم يقرّر في أيّ مرحلة من مراحله مبدأ سلطان الإرادة في العقود بوجه عامّ.

أمّا في العصور الوسطى فلم تنقطع الشكليّة وتستقلّ الإرادة بتكوين العقد إلّا تدرّجاً، و قد استمرّت الشكليّة في أوضاعها السابقة الذكر الى نهاية القرن

', '', 200), (12, 201, 'book', '

الثاني عشر، ثمّ أخذت تتحوّر واتّجهت الى التناقص، وأخذت الإرادة يقوى أثرها في تكوين العقد شيئاً فشيئاً. أمّا اليوم فأكثر العقود في القانون الحديث رضائيّة كما قدّمنا، والقليل هو الشكليّ.

وتختلف الشكليّة الحديثة عن الشكليّة القديمة في أنّها أكثر مرونة، وتختلف عنها أيضاً وبوجه خاصّ في أنّها لا تكفي وحدها في تكوين العقد، فالشكليّة الحديثة إذا كانت لازمة فهي ليست بكافية، بل لا بدّ أن تقترن بإرادة المتعاقدين، فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل. أمّا الشكليّة القديمة فكانت وحدها هي التي تكوّن العقد، لذلك كان لا يجوز الطعن فيها بالغلط أو التدليس أو الإكراه أو غير ذلك من الدفوع الموضوعيّة، فالشكل إذن كان هو العقد لا الإرادة.

والعقد العينيّ: هو عقد لا يتمّ بمجرّد التراضيّ، بل يجب لتمام العقد فوق ذلك تسليم العين محلّ التعاقد، ولا يكاد يوجد في التقنين المدنيّ الجديد المصريّ مثل للعقد العينيّ إلّا هبة المنقول، فهذه قد تكون عقداً شكليّاً إذا تمّت بورقة رسميّة، وقد تكون عقداً عينيّاً إذا تمّت بالقبض، ولكن ليس هناك ما يمنع عن أن يتّفق المتعاقدان في عقد مّا غير عينيّ العينيّة، فتكون العينيّة هنا مصدرها الاتّفاق لا القانون.

أمّا التقنين المدنيّ القديم المصريّ فكان يسير على نهج التقنين الفرنسيّ، ويجعل الى جانب هبة المنقول عقوداً عينيّة اُخرى أربعة: القرض، والعارية، والوديعة، ورهن الحيازة.

قال السنهوريّ: وكلا التقنينين ورث عينيّة هذه العقود الأربعة عن القانون الرومانيّ دون مبرّر، فقد كانت هذه العينيّة مفهومة في القانون الرومانيّ حيث كانت العقود في الأصل شكليّة ثمّ استغنى عن الشكل بالتسليم في بعض العقود،

', '', 201), (12, 202, 'book', '

وهذه هي العقود العينيّة، ولم يسلم بأنّ التراضي وحده كاف لانعقاد العقد إلّا في عدد محصور من العقود سمّي بالعقود الرضائيّة. أمّا اليوم فقد أصبح التراضي كقاعدة عامّة كافياً لانعقاد العقد، فلم يعد هناك مقتضىً لإحلال التسليم محلّ الشكل، وقد قلّلت بعض التقنينات الحديثة عدد هذه العقود العينيّة، فاستبقى التقنين المدنيّ الألمانيّ منها القرض ورهن الحيازة، ولم يستبق تقنين الالتزامات السويسريّ إلّا رهن الحيازة وحده(1). انتهى ما أردنا نقله عن الوسيط.

الجذور العقلائيّة لاشتراط القبض:

أقول: إنّ العقود الأربعة التي نقل عن القانون المصريّ القديم والقانون الفرنسيّ عينيّتها واعترض عليهما بأنّ هذه العقود لئن كانت قديماً عينيّة كان لذلك ما يبرّره، لأنّ العينيّة كانت تعني تخفيفاً عن الشكليّة. أمّا اليوم فبعد أن أصبح التراضي كقاعدة عامّة كافياً فلا مبرّر لشرط التسليم والقبض في هذه العقود. أقول: إنّ أكثر هذه العقود توجد لعينيّتها جذور عقلائيّة بقطع النظر عمّا ذكره. وتوضيح ذلك:

إنّ العارية ـ  بحسب مصطلح المحقّق النائينيّ (رحمه الله)  ـ عقد إذنيّ، قوامها بالإذن حدوثاً وبقاءً، وفي أيّ لحظة تراجع المعير عن إذنه بطلت العارية، وعندئذ ما معنى انعقاد العارية بلا قبض؟! هل يعني أنّ للمستعير أن يستفيد من العين من دون قبض  ؟ فمن الواضح أنّ الاستفادة منها لا تنفكّ عن القبض، أو يعني أنّ المعير لا يجوز له التراجع عن إذنه حتى قبل القبض  ؟ فمن الواضح أنّ العارية عقد إذنيّ قوامها بالإذن حدوثاً وبقاءً، أو يعني أنّ مجرّد إذن المعير في التصرّف الذي

', '

(1) راجع الوسيط 1: الفقرة 42 ـ 49.

', 202), (12, 203, 'book', '

أوجب إباحة القبض وإباحة التصرّف نسمّيه بالعارية  ؟ فهذا مجرّد تسميةواصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، والعرف العقلائيّ لا يسمّي هذا عارية.

وكذلك الوديعة عقد إذنيّ ـ  بحسب مصطلح المحقّق النائينيّ (رحمه الله)  ـ. والوديعة متقوّمة بمفهوم الحفظ ولا حفظ قبل القبض. فإن قصد بانعقاد الوديعة قبل القبض وجوب الحفظ على الودعيّ بمجرّد وقوع عقد الوديعة وقبل القبض فهذا لا معنى له، لأنّ الوديعة عقد إذنيّ وبإمكان الودعيّ التراجع عنه في أيّ لحظة.

وكذلك رهن الحيازة قوامه بمفهوم الوثيقة ولا يحصل الوثوق للمرتهن بضمان حصوله على حقّه إلّا بقبض الرهينة.

وأمّا القرض فهو كالهبة. فإن قلنا: إنّ حقيقتهما عرفاً إخلاء المالك بين المال وبين صاحبه كي يمتلكه بالحيازة مضموناً أو مجّاناً إذن فهما متقوّمان بالقبض. وإن قلنا: إنّ حقيقتهما التمليك مع الضمان أو مجّاناً إذن فهما غير متقوّمين في مفهومهما بالقبض، ويكون شرط القبض تعبّداً صرفاً من قبل المشرّع كما هو الحال في شرط القبض في بيع الصرف مثلاً في الشريعة الإسلاميّة.

وأمّا رهن الحيازة فإن قلنا: إنّه يتقوّم عرفاً بحصول الوثوق الخارجيّ المتقوّم بالقبض إذن تتوقّف تماميّة الرهن عقلائيّاً على القبض. وإن قلنا: يتقوّم عرفاً لا بحصول الوثوق الخارجيّ بل بأن يكون للدائن حقّ الحصول على هذا الوثوق إذن فالقبض لا يكون مقوّماً لحقيقة الرهن ولكن يجب على المدين تسليم العين المرهونة لو طالب الدائن بذلك. وإن قلنا: إنّ مفهوم الرهن عرفاً لا يتقوّم لا بهذا ولا بذاك بل يكفي فيه تعلّق حقّ الدَين بالعين المرهونة المانع تشريعاً عن تضرّر الدائن بتأخير الوفاء عند الإعسار بقانون ﴿نظِرة الى ميسرة﴾(1)، إذن

', '

(1) البقرة: 280.

', 203), (12, 204, 'book', '

لا  يكون القبض شرطاً عقلائيّاً في الرهن ولا التسليم واجباً عند مطالبة الدائن إلّاإذا شرط على المدين في ضمن الدَين تسليم العين المرهونة.

ولو لم يكن القبض مقوّماً للرهن ولكن ثبت في الفقه الإسلاميّ شرط القبض تعبّداً بقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾(1)، أو برواية: «لا رهن إلا مقبوضاً»(2) أمكن التفصيل بين القبض حدوثاً والقبض بقاءً باشتراط الأوّل دون الثاني، وبما أنّ ظاهر الأصحاب القائلين منهم بشرط القبض عدم اشتراطه بقاءً فالظاهر أنّ شرط القبض في الرهن لديهم شرط تعبّدي.

وقد اختلفوا في أصل القبض حدوثاً في أنّه هل هو شرط لصحّة الرهن أو للزومه  ؟ أو لا أكثر من وجوب التسليم عند مطالبة الدائن  ؟ بل قد استشكل البعض حتى في ذلك(3).

وعلى أيّة حال، فالآية لا تدلّ على شرط القبض أو وجوبه، لأنّ أصل الأمر بالرهان المقبوضة ليس إلزاميّاً ضرورة عدم وجوب الرهن في الدين.

المقايسة بين الفقه الغربي والإسلامي

وأمّا عن المقايسة بين الفقه الغربيّ والفقه الإسلاميّ في الشكليّة والرضائيّة فنكتفي في ذلك بنقل ما ذكره الاُستاذ مصطفى الزرقاء في المقام، فقد كتب يقول:

قد كان العقد لدى بعض الاُمم قبل الإسلام مطوّقاً ومثقلا بالشكليّات:

$

', '

(1) البقرة: 283.

(2) الوسائل 13: 123 و  124، الباب 3 من أبواب الرهن، الحديث 1 و  2.

(3) راجع الجواهر 25: 99 - 116.

', 204), (12, 205, 'book', '

أ ـ ففي التشريع الرومانيّ القديم كان لأنواع العقود من بيع ونكاح وغيرهما مراسم وأشكال لا تعتبر العقود إذا لم تمرّ بها.

فمن ذلك الطريقة المعروفة في البيع عند الرومانيين باسم (مانسيباسيو)، وقد يسمّونها أيضاً (طريقة النحاس والميزان) لأنّهم يوجبون فيها حمل الميزان والضرب بالنقد النحاسيّ عليه، وكان يشترط لديهم في البيع حضور المبيع في مجلس البيع، فلم يكن قابلا للبيع إلّا الأموال المنقولة.

ولمّا سوّغوا بيع الأراضي كان لا بدّ في عقد (المانسيباسيو) في أوّل الأمر من إحضار جزء من تراب الأرض رمزاً الى حضورها في مجلس العقد كالمنقولات. فكانت العقود لديهم خاضعة لصور من الشكليّةّ الماديّة الابتدائيّة.

ب ـ وفي جاهليّة العرب كانت بيوع تطغى فيها الشكليّة على حرّيّة أحد العاقدين وإرادته كبيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر، فقد تعورف فيها أنّ المشتري إذا لمس المبيع أو ألقى عليه حجراً أو نبذه إليه البائع فقد لزم العقد.

وقد نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن هذه البيوع، وجاء التشريع الإسلاميّ على يديه بإطلاق العقود من القيود السخيفة، وإخضاعها لمجرّد الإيجاب والقبول الصادرين بالتراضي والأهليّة، واعتبر فيها هذا التراضي هو الملزم دون الأشكال والمراسم.

حتى لقد اعتدّ الفقه الإسلاميّ بما يغني عن الإيجاب والقبول في الدلالة على توافق الإرادتين، ذلك التوافق الذي هو الأصل في اعتبار العقود، فسوّغ التعاطي في البيع ونحوه، واعتبر به العقد منعقداً في خسيس الأموال ونفيسها، ولم يفرّق في البيع بين المنقول والعقار، ولا بين حضور المبيع وغيابه.

والتشريع الإسلاميّ لم يتقيّد بشيء من الشكليّات التي لا دخل لها في تحقّق معنى العقد بين طرفيه، إلّا إذا كان لها مساس بالغاية المقصودة من العقد،

', '', 205), (12, 206, 'book', '

كاشتراط القبض في عقد التبرّع والرهن، أو إذا كانت تتوقّف عليها مصلحة ذات بال كاشتراط الشهود لصحّة عقد النكاح.

وقد صحّح التشريع الإسلاميّ عقود الصغار المميّزين والأرقّاء إذا أذن لهم الأولياء والموالي في التجارة.

وكذلك سوّى بين الرجل والمرأة في حرّيّة العقود واحترام الإرادة في تصرّفات الإرادة من معاوضات وتبرّعات والتزامات ونكاح.

ولا يعرف تشريع سبق التشريع الإسلاميّ في مضمار تحرير العقود من قيود شكليّاتها المثقلة(1) انتهى.

أقول: كأنّه يشير بفرض مساس القبض بالغاية المقصودة في عقد الرهن الى ما ذكرنا من أنّ الرهن وثيقة، ولا يحصل الوثوق قبل القبض، ولعلّه يشير بفرض مساس القبض بالغاية المقصودة في عقد التبرّع الى ما مضى من الفكرة القائلة: إنّ الهبة مثلا ليست تمليكاً، بل هي إذنٌ في التملُّك بالحيازة. وأمّا شرط الشهود في عقد النكاح فهو غير ثابت على فقه الشيعة، وهو إنّما ينظر في ذلك الى ما يؤمن به من فقه السنّة. نعم، ورد في روايات فقهنا استحباب الإشهاد على النكاح والإطعام(2)، وكأنّ هذا لأجل الإعلان عنه وحفظ المواريث والنسب، وإمكان الشهادة بعد ذلك على تحقّق النكاح.

وأمّا ما أشار إليه من نهي النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن مثل بيع الملامسة والمنابذة فهذا الحديث قد دخل في كتبنا أيضاً، فقد روي في الوسائل عن معاني الأخبار بسند

', '

(1) الفقه الإسلاميّ في ثوبه الجديد، الجزء 1، الفقرة 135 - 136.

(2) راجع الوسائل 14: 64 و 67، الباب 40 و 43 من مقدّمات النكاح.

', 206), (12, 207, 'book', '

غير تامّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه نهى عن المنابذة والملامسة وبيع الحصاة(1). وروي في مستدرك الوسائل عن دعائم الإسلام مرسلة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه نهى عن الملامسة والمنابذة وطرح الحصى(2). والمنابذة فسّرت تارةً بنبذ الحصاة فهي عين بيع الحصاة، واُخرى بنبذ المتاع فهي غير نبذ الحصاة.

وعلى أيّة حال ففي هذا الحديث احتمالان:

الأول: أن يكون ناظراً الى إبطال تقييد البيع بشكليّة معيّنة من لمس المتاع أو نبذه أو طرح الحصاة عليه، فيكون إشارةً الى خرافيّة الشكليّات التي آمنت بها الجاهليّة، وكذلك آمن بها الفقه الغربيّ ردحاً من الزمن، ولا فرق في الحقيقة بينه وبين الجاهليّة.

والثاني: أن يكون ناظراً الى المنع عن بيع الغرر، وبيان سلطان الإرادة بمعنى النهي عن الاكتفاء عن رؤية المتاع وفحصه باللمس أو النبذ، أو أن يبيع أحد أفراد المتاع الموجودة عنده ثمّ يعيّن المبيع بمثل رمي الحصاة. وعلى هذا الاحتمال أيضاً يكون دالّاً على خرافيّة ما قام عليه الفقه الغربيّ ردحاً من الزمن من عدم إقامة وزن للإرادة في المعاملات والاكتفاء بالشكليّات(3).

ويمكن تطبيق أحد الاحتمالين على بعض فقرات الحديث ـ  أعني الملامسة أو المنابذة أو بيع الحصاة  ـ وتطبيق الاحتمال الآخر على البعض الآخر منها.

$

', '

(1) الوسائل 12: 266، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 13.

(2) مستدرك الوسائل 13: 238، الباب 10 من عقد البيع وشروطه، الحديث 3.

(3) ذكر في مفتاح الكرامة 4: 160 كتاب المتاجر احتمالات ثلاثة في تفسير بيع الحصاة، وأوّلها إشارة الى ما مضى منه في الصفحة 154 من مفتاح الكرامة، فراجع.

', 207), (12, 208, 'book', '

إطلاقات أدلّة العقود

وبعد، فالآن نريد أن نبحث عن أنّه هل يوجد لدينا إطلاق في الكتاب أو السنّة يقتضي كفاية مجرّد إبراز المقصود في العقود وعدم اشتراط شكليّة معيّنة نرجع إليه في جميع الموارد إلّا أن يخرج قيد مّا بدليل خاصّ، أوْ لا  ؟ وهنا تذكر عدة إطلاقات لا بدّ من تمحيصها كي نرى هل يصحّ منها شيء أوْ لا  ؟

آية الوفاء بالعقد:

(أوّلا) قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾(1)، وكون هذه الجملة معقّبة بقوله تعالى: ﴿اُحلّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم...﴾ لا تكون قرينة على صرف الآية الى العقود الإلهيّة. ولو سلّمت قرينيّة ذلك فإنّما هي قرينة على شمول الآية للعقود الإلهيّة، وهي التكاليف، حيث إنّ التكاليف كما تعتبر عهوداً بمعنى الوصيّة كما قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾(2)كذلك تعتبر مواثيق مأخوذة من البشر في عالم الذرّ أو الفطرة كما قال تعالى: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين﴾(3) فيصّح تعلّق الوفاء بذلك، ولكنّ هذا لا  يعني اختصاص الآية بالعقود والمواثيق الإلهيّة، بل مقتضى إطلاقها شمولها للعقود التي تكون بين الناس. وما مضى من الرواية التي فسّرت العقود في الآية بالعهود(4) (والمقصود

', '

(1) المائدة: 1.

(2) يس: 60.

(3) الأعراف: 172.

(4) تفسير عليّ بن إ براهيم 1: 160، الوسائل 16: 206، الباب 25 من أبواب النذر والعهد، الحديث 3 عن العيّاشيّ.

', 208), (12, 209, 'book', '

بها المواثيق بقرينة الوفاء) محمولة على التفسير بفرد بارز، لا على الحصر كييخرج مثل البيع لعدم كونه ميثاقاً، فإنّ هذا اللحن وهو التفسير بفرد بارز شايع في الروايات الواردة في تفسير القرآن من قبيل ما ورد من تفسير الصادقين في قوله تعالى: ﴿كونوا مع الصادقين﴾(1) بالأئمة (عليهم السلام)(2). وما ورد من تفسير اُولي الأمر في قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم﴾(3) بعليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)(4).

وهذه الآية هي أكمل إطلاق ورد في المقام، حيث تشمل كلّ العقود حتى التي لا تكون ماليّة والتي هي خارجة ـ  كما مضى  ـ عن بحثنا.

هذا، والشيخ الأنصاريّ (رحمه الله) لم يذكر هذه الآية المباركة في عداد أدلّة صحّة المعاطاة، ولكنّه ذكرها في عداد أدلّة اللزوم، ولعلّ السرّ في ذلك النقاش في دلالة هذه الآية على صحّة العقود وحملها على خصوص اللزوم إمّا بدعوى أنّ الوفاء بالعقد عبارة عن الوفاء بآثار العقد، وآثار العقد إنّما تترتّب على العقد الصحيح، فصحّة العقد يجب أن تكون مفروغاً عنها في رتبة الموضوع، أو بدعوى أنّ عدم صحّة العقد يعني عدم انعقاد العقد، وعدم انعقاده يعني فقدانه، فالشكّ فيه شكّ في الموضوع. إلّا أنّ هذا كلّه واضح البطلان، فإنّ انعقاد العقد ليس إلّا عبارة عن ارتباط قرار بقرار سواء نفذ شرعاً أوْ لا، والوفاء بالعقد يعني الوفاء بالأثر الذي قصده المتعاقدان من قرارهما، لا الأثر الشرعيّ. وكلّ هذا حاصل حتى في العقد

', '

(1) التوبة: 119.

(2) راجع تفسير البرهان 2: 169 و  170.

(3) النساء: 59.

(4) اُصول الكافي 1: 286، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الائمة الحديث 1.

', 209), (12, 210, 'book', '

الباطل شرعاً، إذن فإطلاق الآية يدلّ على صحّة العقد الذي هو ربط قرار بقراربأيّ مبرز عرفيّ ونفوذه شرعاً.

نعم، البطلان الذي يأتي من قِبل عدم مشروعيّة متعلّق العقد لا ينفيه إطلاق ﴿اوفوا بالعقود﴾. فالعقد على المحرّم لا يشمله هذا الإطلاق، لا أنّه خرج بالمخصّص، وذلك إمّا ببيان أنّ مثال هذه النظم الثانويّة كنظام الوفاء بالعقد أو الشرط أو اليمين أو النذر في أيّ شريعة شرّعت تنصرف عرفاً بالمناسبات الى نُظم ضمن إطار تلك الشريعة، ولا يفهم منها نظام يحلّل مخالفة النظم الأوّليّة للشريعة، أو ببيان أنّ المفهوم من هذه النظم كونها أحكاماً حيثيّة، أيّ أنّ العقد من حيث كونه عقداً صدر من الطرفين يجب احترامه من قبل الطرفين، أو أنّ الشرط أو اليمين أو النذر من حيث هو واجب الاحترام. أمّا لو حكم المولى تعالى بنقضه بفرض حرمة متعلّقه فهذا لا ينافي احترام العقد كعقد، أو الشرط والنذر كشرط ونذر.

هذا، وقدجاء في مصباح الفقاهة(1) توجيه آخر لإغفال الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله)لهذه الآية في عداد أدلّة صحّة المعاطاة، ولا يظهر من عبارته نسبة هذا التوجيه الى السيّد الخوئي، لأنّه ذكره تحت الخط لا في متن التقرير.

وذلك التوجيه هو: أنّ الآية إنّما دلّت بالمطابقة على لزوم العقد ؛ لأنّ الأمر بالوفاء بالعقد إنّما يكون إرشاداً الى لزومه وعدم انفساخه بالفسخ. وهذا يدلّ بالملازمة على صحّة  العقد، إذ لا معنى للزوم  العقد الفاسد، والدلالة الالتزاميّة تسقط عن الحجّيّة إذا سقطت المطابقيّة عن الحجّيّة. وبما أنّ الشيخ الأنصاري (رحمه الله)ذكر قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة إذن لم يبق عنده مجال للتمسّك بهذه الآية لصحّة المعاطاة لأنّه بسقوط المطابقيّة سقطت الالتزاميّة. وهذا بخلاف آيتي حلّ البيع والتجارة عن تراض، فإنّهما تدلاّن بالمطابقة على صحّة البيع.

$

', '

(1) مصباح الفقاهة 2: 105.

', 210), (12, 211, 'book', '

أقول: إنّ دلالة الآية على اللزوم والصحّة في عرض واحد، فالآية تدلّبالمطابقة على وجوب الوفاء وبالالتزام على الصحّة واللزوم، لأنّ وجوب الوفاء لا يكون إن فسد العقد، وكذلك لا يكون إن لم يكن العقد لازماً، فلعلّ الأولى في تقريب النتيجة المقصودة أن يقال: إنّنا إذا قطعنا بعدم اللزوم بسبب الإجماع فقد قطعنا بعدم وجوب الوفاء، فقد سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة، وبسقوطها تسقط الدلالة الالتزاميّة على الصحّة(1).

$

', '

(1) لا يخفى أنّ الاستدلال بمثل ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ على صحّة مثل البيع لا يخلو من إشكال، فإنّ البيع ليس عقداً على الالتزام بعمل كي يتصوّر فيه الوفاء وعدم الوفاء مباشرةً، وإنّما الذي يتصوّر فيه مباشرةً هو النفوذ وعدم النفوذ. نعم يتصوّر فيه الوفاء وعدم الوفاء بمعنى الوفاء بآثاره أو عدم الوفاء بها، فقد يقال: إنّ وجوب الوفاء بآثاره المقصودة من قِبل المتعاقدين يدلّ بالالتزام على نفوذه، إذ لو لم يكن نافذاً لما وجب الوفاء بآثاره من تسليم العوضين ونحو ذلك، ولكنّ الجواب على ذلك هو: أنّ الأمر بالوفاء بالعقود أمرٌ حيثيّ أي بيان لكون العقد بما هو عقد محترماً وواجب الوفاء، فلكي تثبت فعليّة هذا الأمر لا بدّ من ثبوت كون المتعلّق مشروعاً، فلو كان المتعلّق غير مشروع ولذلك لم يجب الوفاء به لم يكن ذلك تخصيصاً في الأمر بالوفاء بالعقد، لأنّ هذا لا ينافي كون العقد من حيث هو عقد محترماً والعقد إذا كان عقد فعل كما لو تعاقدا على الاجتماع في مكان مّا كانت مشروعيّة متعلّقه عبارة عن إباحته، فالتعاقد على الاجتماع في الحرم الشريف نافذ ولكنّ التعاقد على الاجتماع في مجلس المنادمة على مائدة الخمر ليس نافذاً لحرمة متعلّقه. وإذا كان عقد نتيجة كالبيع كانت مشروعيّة متعلّقه عبارةً عن نفوذه فلا يعقل دلالة الأمر بالوفاء بالعقد على النفوذ، لأنّ مشروعيّة المتعلّق يجب أن تكون أمراً مفروغاً عنه مسبقاً. نعم بعد ثبوت نفوذه ومشروعيّته يدلّ الأمر بالوفاء على حرمة مخالفة الآثار وعلى اللزوم. ومن هنا يظهر أيضاً الإشكال في الاستدلال ببعض الإطلاقات الآتية كآية الميثاق أو رواية: المؤمنون عند شروطهم.

', 211), (12, 212, 'book', '

وعلى أيّة حال، فلعلّه يأتي في المستقبل بيان منع تحقّق إجماع حجّة على عدم اللزوم في المقام.

أحلّ الله البيع:

(وثانياً) قوله تعالى: ﴿أحلّ الله البيع﴾(1). وهذا وإن كان خاصّاً بالبيع إلّا أنّه يتعدّى من البيع الى كلّ ما لا يحتمل الفرق بينه وبين البيع، فمثلا لو كان المقصود تصحيح المعاطاة ولم يحتمل الفرق بين البيع وسائر المعاملات الماليّة في صحّة المعاطاة وعدمها صحّ التمسّك بهذه الآية لإثبات صحّة المعاطاة في المعاملات الماليّة على الإطلاق على أنّه لو عثرنا في كلّ معاملة ماليّة على نصّ لإمضاء تلك المعاملة من سنخ هذا النصّ في البيع جرى فيه بلحاظ تلك المعاملة نفس البحث الذي يجري في ﴿أحلّ الله البيع﴾ بلحاظ عقد البيع.

وربّما تذكر على التمسّك بهذا الإطلاق عدة إشكالات:

إشكال التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة:

الإشكال الإوّل: انّ أسامي المعاملات لو كانت اسماً للأعمّ صحّ التمسّك بإطلاق أدلّة المعاملات. أمّا لو كانت اسماً للصحيح فالتمسّك بإطلاقها مشكل، لأنّ الشكّ في الصحّة يعني الشكّ في موضوع العامّ، فيصبح التمسّك به تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفس العامّ، وهذا لا يجوز قطعاً.

ولعلّ هذا الإشكال يسري الى مثل الإطلاق الماضي، وهو: ﴿أوفوا بالعقود﴾، أو الإطلاق الآتي وهو: ﴿إلّا أن تكون تجارة عن تراض﴾ بدعوى أنّ العقد أيضاً اسم للعقد الصحيح، أو أنّ التجارة تعني المعاملات الصحيحة.

$

', '

(1) البقرة: 275.

', 212), (12, 213, 'book', '

ولكنّي أحسّ بفطرتي العرفيّة أنّ عدم اختصاص العقد بخصوص الصحيح أوضح من عدم اختصاص البيع بخصوص الصحيح، فالعقد ليس عدا قرار مرتبط بقرار، أو ربط قرار بقرار، أمّا نفوذ ذاك القرار شرعاً أو عرفاً ووجوب الوفاء به شرعاً أو عرفاً فخارج عن مفاد العقد، فحتى لو تعاقدا مثلا على أعظم المناكير الشرعيّة والعرفيّة والتي لم يرَ الشرع ولا العرف مصلحة في إمضاء التعاقد عليها لم يكن ذلك خارجاً عن معنى العقد.

وعلى أ يّة حال، فالذي يبدو أنّ الإشكال في الإطلاق بفرض عناوين المعاملات أسماء للصحيح كان بحاجة الى نوع من التعميق، إذ يتبادر الى الذهن الجواب عليه ـ  لولا التعميق  ـ بأنّ المعاملات ليست كالعبادات التي هي من مخترعات الشارع حتى يأتي احتمال كون أساميها أسام للصحيح، بل هي ثابتة لدى العرف قبل الشرع الإسلاميّ، وجاء الشرع الإسلاميّ فأدخل في شروطها بعض التعديلات، وهذا لا يوجب انتقال الوضع من معناه اللغوي والعرفي الى وضع جديد.

وكأنّه لهذا حاول الشيخ الأنصاري (رحمه الله) تعميق صيغة الإشكال ببيان(1)يرجع بعد إدخال شيء من التعديل عليه بأنّ البيع يمكن افتراضه من أوّل الأمر اسماً للصحيح، لكنّ الصحيح في نظر الشرع يختلف عن الصحيح في نظر العرف، فما يكون صحيحاً عرفاً وباطلا شرعاً يكون بيعاً عرفاً ولا يكون بيعاً شرعاً، فالتمسّك لدى الشكّ في ذلك بدليل ﴿أحلّ الله البيع﴾ يعود عليه إشكال التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للعامّ.

$

', '

(1) راجع المكاسب: 80 و  81.

', 213), (12, 214, 'book', '

وأجاب الشيخ الأنصاري (رحمه الله) على هذا الإشكال ـ  بناءً على فرض حمل﴿أحلّ الله البيع﴾ على هذا المعنى  ـ بأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف يحمل هذا الكلام بالإطلاق المقامي على إرادة ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف، فلدى الشكّ في شرط جديد يرجع الى إطلاق الدليل لنفيه.

وقد فسّر المحقّق النائينيّ (رحمه الله) كلام الشيخ الأنصاري في المقام إشكالا وجواباً ـ  على ما جاء في تقرير الشيخ الآملي (قدس سره)(1)  ـ بتفسير غريب، وهو: أنّ الإطلاقات الواردة في أبواب المعاملات راجعة الى إمضاء المسبّبات لا الأسباب، إذ لا معنى مثلا لحمل ﴿أحلّ الله البيع﴾ على حلّيّة مجرّد إنشاء الإيجاب والقبول، وإنّما المقصود حلّيّة المسبب، فإذا شككنا في تحقّق المسبّب للشكّ في دخل شيء شرطاً أو شطراً في السبب كان التمسّك فيه بالعامّ تمسّكاً في الشبهة المصداقيّة للعامّ. ومن هنا عمّم المحقّق النائينيّ (رحمه الله) الإشكال على مثل ﴿اُوفوا بالعقود﴾ حيث يقول: إنّ هذا أيضاً راجع الى ناحية المسبّب ضرورة أنّ العقد عبارة عن العهد الموثَّق الحاصل بالإيجاب والقبول لا نفس الإيجاب والقبول. هذا تفسير الإشكال.

وأمّا تفسير الجواب الذي ذكره الشيخ الأنصاري فقد نقله ببيان أنّ الدليل وإن كان ناظراً الى إمضاء المسبّبات لكن إمضاء المسبّبات يدلّ بالملازمة على إمضاء أسبابها، إذ لا يتحقّق المسبّب من دون السبب. وعندئذ أورد عليه المحقّق النائينيّ  (رحمه الله) بأنّ إمضاء المسبب إنّما يقتضي إمضاء السبب في الجملة، إذ يكفي في تحقّق المسبّب تحقّق السبب في الجملة، ولا يقتضي إمضاء السبب بقول مطلق كي نتمسّك لدى الشكّ بالإطلاق.

$

', '

(1) راجع الجزء الأوّل من تقريره: 111 ـ 115.

', 214), (12, 215, 'book', '

ثمّ تصدّى هو (رحمه الله) لحلّ الإشكال بما حاصله: أنّ ترتّب الـمُنشأ على ألفاظالعقود والإيقاعات ليس من قبيل ترتّب المسبّبات على أسبابها، كترتّب الإحراق على الإلقاء في النار، أو كترتّب حصول السنبل على إلقاء البذر، فمثل هذين المثالين يكونان من ترتّب المسبّب على السبب، بفرق أنّ السبب في المثال الأوّل سبب تامّ، ويكون المسبّب فعلا لفاعل السبب حقيقة، إلّا أنّه فعل غير مباشر، وفي المثال الثاني مقدّمة إعداديّة، ويفصل بينه وبين المسبّب ما يكون خارجاً عن قدرة فاعل السبب واختياره، فلا ينسب المسبّب حقيقة الى فاعل السبب.

وأمّا ما نحن فيه فليس من هذا القبيل، وإنّما هو من باب إيجاد ذي الآلة بالآلة كالتكلّم باللسان، أو الكتابة بالقلم، وهذا يكون فعلا مباشراً للفاعل لا مسبّباً توليديّاً وفعلا غير مباشر. نعم، هذه المنشآت تارةً ينظر إليها باعتبار ذاتها من حيث هي هي بقطع النظر عن انتسابها الى الفاعل، واُخرى ينظر إليها باعتبار انتسابها الى الفاعل، وإن شئت فعبّر عن الأول بالمعنى الاسم المصدري، وعن الثاني بالمعنى المصدري.

ودليل إمضاء هذه المنشآت إن كان ناظراً إليها بالمعنى المصدري، فإمضاء المنشأ بالإنشاء عين إمضاء إنشائه بالآلة المعدّة لإنشائه، فإنّ إمضاء الكتابة بمعناها المصدري عين إمضاء إيجادها بالقلم، وإن كان ناظراً إليها بالمعنى الاسم المصدري فكذلك. لأنّ التغاير بين المعنى المصدري والمعنى الاسم المصدري ليس إلّا بالاعتبار.

أقول: إنّ هذا البيان ـ  إشكالا وجواباً  ـ يشتمل على خلط غريب بين الـمُنشأ والثمرة التي تثبت بالشرع أو القانون أو عرف العقلاء، وذلك لأنّ تصوير الإشكال ـ  بكون الشكّ في المسبّب شبهة مصداقيّة للعامّ  ـ يتوقّف على كون المراد

', '', 215), (12, 216, 'book', '

بالمسبّب تلك الثمرة القانونيّة أو الشرعيّة، أو على تخيّل كون ما يثبت بإمضاء القانون هو عين الـمُنشأ بالإيجاب والقبول وتصوير الجواب ـ  بأنّ ما نحن فيه من قبيل الآلة وذي الآلة  ـ يتوقّف على كون المراد بالمسبّب هو الـمُنشأ. والواقع أنّ المنُشأ هو غير الثمرة القانونيّة، فكلاهما أمران اعتباريّان، لكنّ الاول أمر اعتبره الناقل، ونسبته الى اعتباره نسبة الوجود الى الإيجاد. والثاني أمر اعتبره المقنّن، ونسبته الى اعتبار المقنّن له نسبة الوجود الى الإيجاد، وليس هذا نسبته الى فعل الناقل نسبة ذي الآلة الى الآلة، وإنّما هي نسبة الحكم الى الموضوع.

ومع الالتفات الى أنّ الثمرة القانونيّة غير المنُشأ وإنّ عدم إمضاء القانون للمنُشأ لا يعني عدم تحقّق المنُشأ يتّضح أنّ فرض البيع أو العقد اسماً للمنُشأ لا يصوّر إشكالا في المقام بلزوم كون التمسّك بالعامّ تمسّكاً به في الشبهة المصداقيّة حتى يجاب عليه بالجواب الذي نسبه الى الشيخ الأنصاري، أو الجواب الذي اختاره هو.

أمّا لو فرضنا أنّ المقصود الواقعي للشيخ الأنصاري (رحمه الله) هو تصوير الإشكال ـ  بناءً على فرض كون البيع اسماً لما يثمر الثمرة القانونيّة  ـ فهنا اختلاف في تصوير تلك الثمرة القانونيّة المقصود للشيخ بالنحو الذي يؤدّي الى تصوير الإشكال في المقام.

فالسيّد الخوئيّ (رحمه الله) نسب الى الشيخ أنّه يفسّر فرض كون البيع اسماً للصحيح بمعنى كونه اسماً لما هو المؤثّر واقعاً أثر الملكيّة والانتقال، وما يقع أحياناً من مخالفة الشرع للعرف في صحّة بعض المعاملات مرجعه الى تخطئة العرف في تشخيصه للواقع، وعندئذ أورد عليه بمنع كون الملكيّة أمراً واقعيّاً،

', '', 216), (12, 217, 'book', '

وإنّما هو أمر اعتباري صرف(1).

إلّا أنّ المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) فسّر كلام الشيخ (قدس سره) بتفسير آخر وهو أن يكون معنى فرض البيع اسماً للصحيح فرضه اسماً للبيع المؤثّر على ما هي عليه كلمة المؤثّر من معنى متقوّم بالاعتبار المختلف باختلاف الأنظار، ومخالفة الشرع للعرف ليست بمعنى تخطئته في تشخيصه للواقع، بل بمعنى كون اعتبار أحدهما مغايراً لاعتبار الآخر(2).

وهذا الكلام يمكن أن يذكر كتقريب لتماميّة الإطلاق في ﴿أحلّ الله البيع﴾بدعوى أنّ البيع اسم لجامع المؤثّر ولا يختصّ بالمؤثّر الشرعي حتى يكون الشكّ في التأثير الشرعي شكّاً في المصداق، ويمكن أن يذكر كتقريب للإشكال على الإطلاق بدعوى أنّ البيع لئن كان اسماً للمؤثّر فالمؤثّر لدى كلّ متكلّم يختلف عن المؤثّر لدى متكلّم آخر، فإذا شككنا في ثبوت التأثير لدى الشارع يكون التمسّك بإطلاق كلامه تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للعامّ، وعندئذ نكون بحاجة الى الجواب بمثل دعوى الإطلاق المقامي، وإنّ خطاب الشارع المتوجّه الى العرف ينصرف الى إرادة ما هو المؤثّر لدى العرف مثلا.

إلّا أنّ السيّد الخوئي (رحمه الله) لم يقبل صلاحيّة هذا التقريب كبيان للإشكال على الإطلاق، فهو يرى أنّ التقريب الوحيد لفرض البيع اسماً للصحيح بنحو يصلح تقريباً للإشكال هو أن نتخيّل أنّ الملكيّة والانتقال من الاُمور الواقعيّة. أمّا إذا اعترفنا بأنّ تأثير البيع ليس عدا أمر اعتباري بحت ولا وجود واقعيّ للملكيّة فلا

', '

(1) راجع مصباح الفقاهة 2: 80، والمحاضرات 2: 40.

(2) راجع تعليقته على المكاسب 1: 21 و  22.

', 217), (12, 218, 'book', '

يبقى موضوع للإشكال فإنّه إذا فرض البيع اسماً للمؤثّر فإن قصد بذلك التأثير الشرعي قلنا: إنّ كلمة البيع موضوعة من قبل العرف قَبل الشرع، وليست موضوعة من قِبل الشرع، والعرف لا يضعها للمؤثّر الشرعيّ، وإن قصد بذلك جامع التأثير كان هذا في صالح الإطلاق، لأنّ جامع التأثير لا يشكّ فيه بالشكّ في التأثير الشرعي. وإن قصد به التأثير في الاعتبار الصحيح الناشئ عن المصلحة الواقعيّة قلنا: إنّ موافقة الاعتبار للمصلحة وعدمها أجنبية عن المفهوم العرفي الذي تجري عليه الاستعمالات العرفيّة(1).

أقول: يمكن افتراض وضع البيع للصحيح بمعنى المؤثّر اعتباراً لا واقعاً، مع تصوير الإشكال في الإطلاق رغم اعتباريّة الأثر، وذلك بأن يُقال: إنّ البيع موضوع ليس لجامع المؤثّر على شكل الوضع العامّ والموضوع له العامّ على حدّ وضع الرجل مثلا للجامع بين أفراد الرجل كي يقال: إنّ هذا بإطلاقه يشمل المؤثّر باعتبار العقلاء والمؤثّر باعتبار الشرع، وهذا لا يوجب إشكالا في إطلاق الآية، بل يؤكّد إطلاقها، وإنّما هو موضوع للمؤثّر في اعتبار أيّ معتبر على حدّ الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ مثلا، فيحمل في لسان أيّ متكلّم على الاعتبار الذي يرتئيه هو، وذلك سنخ أنّ كلمة (الحَسَن) مثلا ـ  بناءً على كون الحُسْن والقُبح أمرين اعتباريّين عقلائيّين لا واقعيّين  ـ يحمل في لسان كلّ متكلّم على الاعتبار الذي يرتئيه هو فيكون هذا تصويراً للإشكال بناءً على وضع البيع للصحيح.

وعلى أيّة حال، فالجواب على هذا الإشكال ـ  حسب ما حملنا عليه كلام

', '

(1) راجع المحاضرات 2: 40، أمّا في مصباح الفقاهة 2: 81 فقد حذف التنبيه على إشكال الشقّ الثالث.

', 218), (12, 219, 'book', '

الشيخ الأنصاري (رحمه الله)  ـ هو التمسّك بالإطلاق المقاميّ لـ ﴿أحلّ الله البيع﴾ الذيهو خطاب موجّه الى العرف، فيحمل على الصحيح العرفيّ.

إلّا أنّ السيّد الخوئيّ (رحمه الله)(1) فسّر جواب الشيخ (رحمه الله) بتفسير آخر، وهو التمسّك بالإطلاق المقاميّ لـ ﴿أحلّ الله البيع﴾ ببيان أنّ إمضاء المسبّب المنُشأ بجعله مؤثّراً شرعاً مع إهمال سببه لغو. إذن فيصبح الكلام بإطلاقه المقامي ظاهراً في إمضاء كلّ الأسباب العرفيّة، لأنّ إمضاء سبب ما على الإجمال يكون بمنزلة إلغاء كلّ الأسباب، فقرينة صون كلام الحكيم عن اللغويّة تثبت لنا الإطلاق.

وأجاب السيّد الخوئيّ (رحمه الله) على ذلك بأنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يكن في الأسباب العرفيّة ما هو متيقّن الاعتبار بالإضافة الى غيرها، وإلّا كفى ذلك في صون كلام الحكيم عن اللغويّة ولم يتمّ الإطلاق.

واختار هو جواباً آخر ـ  بناءً على القول بالصحيح  ـ وهو أنّ ظهور النصّ في الإمضاء يصرفه الى الصحيح العرفي، لأنّ الصحيح الشرعي لا معنى لإمضائه.

وعلى أيّة حال، فالظاهر أنّ الإشكال من أساسه غير وجيه، لأنّه كان مبنيّاً على كون أسماء المعاملات موضوعة للصحيح، والواقع خلاف ذلك. فالحقّ هو أنّها لم توضع إلّا للاعتبار المبرز بغضّ النظر عن إمضائه من قِبل العقلاء، أو من قِبل الشرع وعدمه، كما اختار ذلك السيّد الخوئيّ (رحمه الله)(2).

أمّا عدم أخذ الإمضاء الشرعي في مفهوم مثل البيع فواضح، لما مضى من أنّ هذه الأسماء ثابتة لدى العرف لمعانيها قبل الشرع، ولم يتدخّل الشرع إلّا في بعض التعديلات ممّا لا يستوجب انتقال اللفظ الى معنى جديد.

$

', '

(1) راجع المحاضرات 2: 41 - 42، ومصباح الفقاهة 2: 83 - 85.

(2) راجع المحاضرات 2: 27 و  42، ومصباح الفقاهة 2: 53 و  84.

', 219), (12, 220, 'book', '

وأمّا عدم أخذ الإمضاء العقلائيّ أو مطلق الإمضاء في مفهومه فلوضوح أنّالبيع مثلا في نظر العرف فعل للبائع أو للمتبايعين، والتأثير العقلائيّ أو الشرعيّ حكم له، وليس من المعهود في اللغة أو العرف أخذ الحكم ضمن مفهوم الموضوع.

ثمّ إنّ السيّد الخوئيّ (رحمه الله) رتّب على ما اختاره من كون البيع اسماً للاعتبار المبرز وعدم دخل الإمضاء الشرعي ولا العقلائيّ في مفهومه أنّ الإطلاق الذي يثبت لـ ﴿أحلّ الله البيع﴾ بناءً على ذلك يكون أوسع من تقريب إطلاقه بكونه ناظراً بالإطلاق المقامي أو بقرينة عدم معقوليّة إمضاء البيع الشرعي الى ما هو المؤثّر عند العرف، وذلك لأنّه لو صرف الى ما هو المؤثّر عند العرف فإنّما يتمّ التمسّك بالإطلاق إذا تحقّق المؤثّر العرفي وشككنا فى إضافة شرط جديد فى الشريعة، ولا يتمّ التمسّك به عند الشكّ في اعتبار قيد في صحّة المعاملة عرفاً، وهذا بخلاف فرض القول بأنّ الإمضاء العرفي كالإمضاء الشرعيّ ليس دخيلا فى مفهوم البيع، فعندئذ يتمّ التمسّك بالإطلاق حتى لدى الشكّ في اعتبار قيد في صحّة المعاملة عرفاً(1).

أقول: لا ينبغي الإشكال في عدم إمكان نفي شرط ما شرعاً بإطلاق ﴿أحلّ  الله البيع﴾ حينما يكون مقتضى الارتكاز العقلائيّ دخله في صحّة البيع حتى على القول بأنّ الصحّة العقلائيّة غير مأخوذة في مفهوم البيع، وذلك لأنّ هذا الارتكاز العقلائيّ يمنع عن انعقاد الإطلاق.

وعندئذ نقول: إنّه إن قصد السيّد الخوئيّ (رحمه الله)بالشكّ في دخل قيد عرفاً وعقلائياً احتمالنا لدخله عرفاً، أي أنّ حكم العقلاء في ذلك كان مجهولا لدينا،

', '

(1) المحاضرات 2: 43.

', 220), (12, 221, 'book', '

فهنا لا يصحّ التمسّك بإطلاق ﴿أحلّ الله  البيع﴾، لأنّ احتمال ذلك احتمال لمايصرف الإطلاق. والصحيح في مثل احتمال وجود قرينة كالمتصل عدم تماميّة الإطلاق ما لم يكن فرض القرينة منفيّاً بأصالة عدم الغفلة.

وإن قصد بذلك فرض إجمال الأمر على العرف نفسه بأن لم يكن واضحاً لدى العرف دخل هذا القيد وعدمه، فقد يقال: إنّنا عندئذ نتمسّك بالإطلاق لعدم وجود احتمال الارتكاز الصارف للإطلاق، وقد يقال: إنّ عقلائيّة المعاملات تصرف إطلاقاتها الى دائرة ما يتقبّله العقلاء بحيث يصبح الإجمال والتردّد عند نفس العقلاء موجباً لإجمال الدليل الشرعيّ وعدم تماميّة الإطلاق.

عدم كون الآية في مقام البيان:

الإشكال الثاني: أنّ ﴿أحلّ الله البيع﴾ إنّما هو بصدد تشريع أصل البيع، وليس بصدد بيان الشروط. وقد أجاب على ذلك المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله) بعد إيراده على التمسّك بإطلاق الآيّة لتصحيح المعاطاة باشتهار التمسّك به من علماء الإسلام في موارد الشكّ، ثمّ استشهد على تماميّة الإطلاق بحديث عمر بن يزيد التامّ سنداً قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك إنّ الناس يزعمون أنّ الربح على المضطرّ حرام وهو من الربا، قال: وهل رأيت أحداً يشتري غنيّاً أو فقيراً إلّا من ضرورة؟! يا عمر قد أحلّ الله البيع وحرّم الربا، فاربح ولا ترب، قلت: وما الربا  ؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل(1). قال المحقّق الإصفهاني (رحمه الله): والظاهر أنّه إشارة الى الآية الشريفة وليس الربح على المضطرّ بأظهر ولا باغلب من المعاطاة ليمنع عن شمولها بإطلاقها(2).

$

', '

(1) الوسائل 12: 329، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1.

(2) تعليقة الشيخ الإصفهاني على المكاسب 1: 26.

', 221), (12, 222, 'book', '

أقول: إنّ مجرّد تمسّك العلماء ليس دليلا إلّا إذا كشف عن الفهم العرفي،ولم يحتمل كونه خطأً فنيّاً مشتركاً بين الكلّ.

ويمكن الجواب على أصل الإشكال بأنّه إن قصد بذلك الجانب الإيجابي، وهو كونه بصدد التشريع من دون نفي كونه بصدد بيان كلّ قيود ما شرّعه ـ  لو كانت له قيود  ـ ، فهذا لا ينافي الإطلاق. وإن قصد بذلك نفي كونه بصدد بيان قيود ما شرّعه فهذا ليس إشكالا فنيّاً على الإطلاق، وإنّما هو مجرّد دعوى عدم كونه بصدد البيان المنافي لأصالة كون المتكلّم إثباتاً بصدد بيان كلّ ما قصده ثبوتاً، فهذا الإشكال لا محصّل له.

إلّا أن يرجع هذا الإشكال الى تقريب آخر، وهو أنّ الآية بصدد المقايسة بين البيع والربا ونفي التسوية بينهما، حيث تقول: ﴿أحلّ الله البيع وحرّم الربا﴾وليست بصدد بيان حكم البيع في ذاته، أو أنّ الآية إنّما كانت بصدد بيان حرمة الربا. أمّا حليّة البيع فلم تبيّن إلّا استطراقاً.

إلّا أنّ هذا البيان الثاني أيضاً لا محصّل له، إذ لئن كان بصدد بيان حرمة الربا فحسب دون حلّيّة البيع فلِمَ لم يقتصر على ذكر حرمة الربا دون حلّيّة البيع؟! إلّا أن يرجع حاقّ المقصود الى البيان الاول، وهو أنّ الآية بصدد المقايسة بين البيع والربا ونفي التسوية لا بصدد بيان حكم البيع في ذاته.

والجواب على ذلك ما ذكره السيّد الإمام الخميني (رحمه الله) من أنّ بيان نفي التسوية تارةً يكون بنفي التسوية مباشرة بأن يقول مثلا: ليس البيع مثل الربا، واُخرى يكون ببيان حكم كلّ منهما الذي يؤدّي بالملازمة الى نفي التسوية، والآية من قبيل الثاني. وهذا يعني أنّه كان في مقام بيان الحكمين حتى يتجلّى بذلك عدم تسويتهما في الحكم، وهذا لا يضرّ بالأخذ بإطلاق كلّ من الحكمين

', '', 222), (12, 223, 'book', '

وحمل ذلك على نفي التسوية بينهما في حكميهما المطلقين(1).

دلالة الآية على حلّيّة الآثار:

الإشكال الثالث: إنّ قوله تعالى:﴿أحلّ الله البيع﴾ إنّما دلّ على حلّيّة التصرّفات المترتّبة على البيع ـ  باعتبار أنّ حلّيّة نفس البيع لا معنى لبيانها لعدم مبرّر لاحتمال الحرمة  ـ وحلّيّة التصرّفات أعمّ من صحّة البيع بمعنى افادته لمقصود المتعاملين وهو الملك. فإن دلّ هذا النصّ على صحّة البيع فإنّما هي صحّة بمعنى أنّه أثمر ـ  على أيّ حال  ـ ثمرة شرعيّة، وهي حلّيّة التصرّفات ولم يدلّ على الصحّة بالمعنى الذي قصدناه من إفادته لمقصود المتعاملين. ولئن أصررنا على توقّف حلّيّة بعض التصرّفات على الملك وعدم قبول ذلك للاستثناء، أمكن فرض حصول الملكيّة قبل التصرّف آناً مّا مثلا، فالآية ـ  على كلّ حال  ـ لا تدلّ على إفادة البيع المعاطاتي، أو أيّ بيع شككنا في صحّته للملك مباشرة.

والجواب على ذلك يكون بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه بعد فرض حمل الحلّيّة في الآية المباركة على حلّيّة التصرّفات تدلّ الآية بالملازمة العرفيّة على صحّة البيع بالمعنى المقصود للمتعاملين، وذلك:

إمّا بتقريب أنّ حلّيّة جميع التصرّفات بما فيها الموقوفة على الملك تدلّ عرفاً على حصول الملك بالفعل. وهذا هو المفهوم ممّا نسبه المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله)إلى مختار الشيخ (قدس سره)(2) والمفهوم من بعض عباير مصباح الفقاهة(3). أمّا فرض

', '

(1) كتاب البيع 1: 61 و  62.

(2) راجع تعليقته على المكاسب 1: 25.

(3) مصباح الفقاهة 2: 104.

', 223), (12, 224, 'book', '

حصول الملك قبل التصرّف آناً مّا أو الاستثناء عن شرط الملك، فهو بعيد عن فهم العرف لدليل تلك الحلّيّة.

أو بتقريب أنّ العرف لمّا كان يعتقد بكون حلّيّة التصرّفات مستندة الى إفادة البيع للملك بالفعل، فتوجيه الخطاب إليه بحلّيّة البيع ينصرف الى ما يطابق مرتكزهم.

أو بتقريب أنّ نسبة الحلّيّة في الآية الى البيع ظاهرة عرفاً في كون حلّيّة التصرّف بسبب إمضاء البيع، وهذا هو الذي اختاره السيّد الخوئيّ (رحمه الله) ـ  على ما في المحاضرات  ـ على تقدير كون الحلّيّة في الآية تكليفيّة(1).

الوجه الثاني: أنّنا نمنع حمل الحلّيّة في الآية المباركة على الحلّيّة التكليفيّة المتعلّقة بالتصرّفات، حيث إنّ لازم ذلك كون إسناد الحلّ في الآية إلى البيع إسناداً للشيء إلى غير ما هو له، بل نحملها على الحلّيّة المنتسبة حقيقة إلى البيع. والظاهر من إسناد الحلّ إلى الاُمور الاعتباريّة كالبيع هو الحلّ الوضعيّ بمعنى الإمضاء والصحّة.

إلّا أنّه يقع الكلام في حمل الحلّ على الحلّ الوضعيّ هل هو حمل له على معنىً حقيقيّ أو مجاز  ؟ فإن كان مجازاً لم يكن هذا الوجه وجهاً مستقلاًّ للجواب في قبال الوجه الاول، بل يصاغ من الوجهين وجه واحد للاستدلال ببيان أنّ الحلّ في الآية مردّد أمره بين الحلّ الوضعيّ والحلّ التكليفيّ، إذ في كلّ منهما وجه للتجوّز، حيث إنّ الحلّ الوضعيّ معنىً مجازيّ للحلّ، والحلّ التكليفيّ يكون

', '

(1) راجع المحاضرات 2: 51.

', 224), (12, 225, 'book', '

إسناده ـ  في الواقع  ـ إلى التصرّفات، فإسناده إلى البيع إسناد إلى غير ما هو له، وسواء حمل الحل على الوضعي أو التكليفي تثبت صحة البيع أما على الاول فبالدلالة المطابقيّة، وأمّا على الثاني فبالدلالة الالتزاميّة العرفيّة بأحد التقريبات الثلاثة الماضية.

أمّا إذا افترضنا استعمال الحلّ في مورد الحلّ الوضعيّ حقيقة، فهذا الوجه يصبح دليلا مستقلاًّ على المدّعى، حيث يقال: إنّ الحلّ هنا مستند بظاهره الى ذات البيع، فهو حلّ وضعيّ بمعنى إمضاء البيع وصحّته.

ويرى السيّد الخوئيّ (رحمه الله) أنّ حمل الحلّ في المقام على الحلّ الوضعي لا يستلزم المجاز وذلك بدعوى أنّ الحلّ في الآية الشريفة يكون بمعنى الإرسال وإطلاق السراح وإرخاء العنان في مقابل الشدّ والعقد. وهذا نسبته إلى الحلّ التكليفيّ والحلّ الوضعيّ على حدّ سواء، وفي كلّ مورد يحمل على ما يناسبه، فإذا اُسند الى أفعال المكلفين أو الموضوعات الخارجيّة أعطى معنى الحلّ التكليفيّ، وإذا اُسند إلى الاعتبارات العرفيّة أعطى معنى الحلّ الوضعيّ والإمضاء(1).

وذكر المحقّق الإصفهانيّ (رحمه الله): أنّ حمل الحلّ في المقام على معنى الحلّ في مقابل الشدّ غير صحيح، لأنّ الحلّ في مقابل الشدّ يتعدّى بنفسه إلى ما يحلّ، ولا مجال لتعديته إليه بتحويله إلى باب الإفعال، والموجود في الآية الكريمة هو صيغة «أحلّ» أي من باب الإفعال، فالمفروض أن يحمل الحل على ما يشتقّ من الحلول بمعنى القرار فإنّه يتعدّى إلى ما يحلّ بأدوات التعدية، فيقال مثلا: أحلّه

', '

(1) المحاضرات 2: 48 و  49، ومصباح الفقاهة 2: 94.

', 225), (12, 226, 'book', '

الدار. وهذا يناسب التكليف والوضع، فالمعنى ـ  والله أعلم  ـ: أنّه ـ  تعالى  ـ أحلّ البيع محلّه وأقرّه مقرّه، ولم يجعله كالقمار بحكم العدم(1).

وأورد عليه السيّد الخوئيّ (رحمه الله): بأنّ حمل الحلّ في الآية الكريمة على معنى الحلول والقرار خلاف الظاهر، خصوصاً بملاحظة مقابلته بـ  «حرّم الربا»، إذ لو كان المقصود به الحلول والقرار لكان المناسب مقابلته بالإزالة، فيقول: وأزال الربا(2).

أقول: الظاهر أنّ «أحلّ» في الآية المباركة ليس من الحلّ بفتح الحاء في مقابل الشدّ والعقد لأنّه يتعدّى إلى ما يحلّ بنفسه لا بباب الإفعال، ولا من الحلول بمعنى القرار، لأنّه لا يناسب المقابلة بـ  «حرّم الربا»، بل المفروض أن يقابل بـ  (أزال الربا)، وإنّما هو مِنَ الحِل ـ  بكسر الحاء  ـ في مقابل الحرمة، كما تشهد له مقابلته بـ  «حرّم الربا». وهذا حقيقة في الحلّيّة التكليفيّة، ومجاز في الحلّيّة الوضعيّة. فالصحيح أن نصوغ من الوجهين دليلا واحداً على المقصود بالتقريب الذي مضى.

على أنّه يرد على جعل تفسير الحلّ بالحلّيّة الوضعيّة دليلا مستقلاًّ في مقابل الوجه الاول: أنّ الربا اسم لذات الربح، بينما البيع اسم للعقد الذي هو أمر اعتباريّ، وكما يحتمل حمل الربا بقرينة المقابلة بالبيع على معنى البيع الربوي مثلا كذلك يحتمل حمل البيع بقرينة المقابلة بالربا على الربح البيعي. وعلى هذا التقدير يتعيّن الحلّ في الحلّيّة التكليفيّة.

$

', '

(1) تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب 1: 25.

(2) المحاضرات 2: 49، ومصباح الفقاهة 2: 95 و  96.

', 226), (12, 227, 'book', '

آية التجارة عن تراض:

وثالثاً ـ قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾(1).

والاستدلال بهذه الآية يكون بتقريبين:

التقريب الاول ـ هو الاستفادة من النهي عن أكل المال واستثناء فرض التجارة عن تراض. وتوضيح ذلك: أنّ المقصود بالأكل هنا ليس هو معناه اللغوي الأصليّ حتماً كما هو واضح، وإنّما هو كناية إما عن مطلق التصرّف، وإمّا عن التملّك.

فإن كان كناية عن التملّك فالنهي المتعلّق به نهي وضعي يقصد به البطلان، وقد استثني من هذا البطلان فرض التجارة عن تراض، وهذا يعني صحة التجارة عن تراض ومقتضى إطلاق ذلك عدم اشتراط شكلية معيّنة في التجارة.

وإن كان كناية عن مطلق التصرّف فالنهي المتعلّق به تكليفيّ، واستثناء فرض التجارة عن تراض يعني حلّيّة التصرّف بالتجارة عن تراض. وهذا يدلّ بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة على صحّة التجارة إمّا بتقريب أنّ حلّيّة جميع التصرّفات بلا إذن البايع الموقوفة على الملك دالّة عرفاً على الملكيّة الفعليّة، أو بتقريب أنّ الخطاب متوجّه الى العرف الذي يرى التجارة عن تراض مملّكة، فينصرف الخطاب الى إمضاء ذلك، أ و بتقريب أنّ إسناد حلّ الأكل الى التجارة عن تراض إسناد المسبّب الى سببه ظاهر عرفاً في إمضاء التجارة بنفس المعنى المقصود للمتعاملين، ومقتضى الإطلاق عدم اشتراط شكليّة معيّنة في التجارة عن تراض.

$

', '

(1) النساء: 29.

', 227), (12, 228, 'book', '

التقريب الثاني ـ هو الاستفادة من كلمة (الباطل)، حيث إنّ الاستثناء سواءفرض متّصلا أو منقطعاً يدلّ على أنّ التجارة عن تراض ليست باطلة، إذ لا يتقبّل عرفاً أن يقال: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا هذا الباطل». وهذا يعني صحّة التجارة المنصرفة إلى الصحّة بالمعنى الذي قصده المتعاملان من التمليك والتملّك، فهذه الدلالة تتمّ سواء فرضنا أنّ الاستثناء منقطع تمسّكاً بأصالة عدم التقدير، أو فرضناه متّصلا بأن قدّرنا شيئاً يناسب المورد كأن نقول: إنّ التقدير ما يلي: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بكلّ سبب فإنّه باطل، إلّا أن تكون تجارة عن تراض» وذلك باعتبار أنّ الاستثناء المنقطع بطبعه وبلا نكتة ومناسبة ليس عرفيّاً، بخلاف التقدير والحذف، فإنّه وإن كان خلاف الأصل لكنّه أمر عرفيّ ومقبول، وكثير الوقوع فى الاستعمالات.

ثمّ إنّه ذكر في بلغة الفقيه(1) إشكالا على التمسّك بهذه الآية لصحّة المعاطاة، وهو أنّ هذه الآية وزانها وزان: لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، ولا صلاة إلا بطهور، ونحو ذلك ممّا يكون مركز عموم الحكم فيه هو حكم المستثنى منه لما عدا موارد المستثنى، وليس مركز العموم هو حكم المستثنى لجميع موارده. فقوله مثلا: «لا صلاة إلّا بطهور» يعني عموم بطلان الصلاة لكلّ موارد عدم الطهارة، ولا يعني عموم صحّة الصلاة لكلّ موارد الطهارة بحيث لو صلّى متطهّراً مستدبراً للقبلة مثلا لكان هذا الكلام دليلا على صحّة صلاته. فآية التجارة عن تراض من هذا القبيل، فهي إنّما تدلّ على عموم حرمة أكل المال لكلّ موارد فقدان التجارة عن تراض، ولا تدلّ على جواز أكل المال في كلّ موارد حصول التجارة عن تراض، أي أنّها مسوقة لبيان شرطيّة المستثنى من دون نفي شرطيّة شيء آخر.

$

', '

(1) راجع بلغة الفقيه 2: 103 - 104.

', 228), (12, 229, 'book', '

وأجاب على ذلك: بأنّ الاستثناء هنا منقطع بخلاف الحال في مثل لا صلاةإلّا بفاتحة الكتاب، أو لا صلاة إلّا بطهور. وفي مورد الاستثناء المنقطع لا يكون مركز العموم هو حكم المستثنى منه لما عدى موارد المستثنى، لأنّ مغايرة المستثنى للمستثنى منه بالجنسية في المنقطع تبطل كون ما عدا المستثنى من جنس المستثنى منه كلّيّة حتـى يؤخذ بعموم الحكم فيـه، إذن فمركز العموم إنّما هو حكم المستثنى، ويكون الكلام مسوقاً لبيان حكم المستثنى فقط، وإنّما ذكر المستثنى منه توطئة لذلك. فهذا الإشكال إنّما يمكن تماميّته بناءً على حمل الآية الكريمة على الاستثناء المتّصل.

إلّا أنّ حملها على الاستثناء المتّصل غير صحيح، إذ أوّلا يستلزم الحذف والتقدير، وهو خلاف الأصل. وثانياً يستلزم الالتزام بالنسخ أو كثرة التخصيص المستهجن، إذ لو كان الاستثناء متّصلا لدلّت الآية على حرمة الأكل بكلّ ما عدا التجارة عن تراض، مع أنّه كما يحلّ الأكل بذلك كذلك يحلّ بالهبات والوقوف والصدقات والوصايا واروش الجنايات وسائر النواقل الشرعيّة والإباحات بقسميها الشرعيّة والمالكيّة. فكيف يكون مطلق غير التجارة عن تراض أكلا بالباطل، ولا كذلك على المنقطع لرجوعه إلى ذكر السبب الخاص لا حصر الأسباب به  ؟

أقول: إنّ هذا الكلام من أوّله إلى آخره لا يمكن المساعدة عليه.

أمّا كون الحذف خلاف الأصل فيمكن الجواب عليه بكون الاستثناء المنقطع من دون مناسبة مقبولة أمر غير مطبوع عرفاً، بخلاف الحذف الذي هو مقبول وكثير الوقوع في الاستعمالات.

وأمّا لزوم النسخ أو كثرة التخصيص المستهجن، فقد أجاب عليه السيّد

', '', 229), (12, 230, 'book', '

الخوئيّ (رحمه الله) أنّ ما عدّه من أسباب جواز الأكل كلّما كان منها مشتملا على القبول كالهبات والصدقات والوصايا بناءً على اعتبار القبول في الوصيّة داخل في التجارة عن تراض. وأمّا ما لا يشتمل على القبول كالوقوف والإباحات والوصايا بناءً على عدم اعتبار القبول فيها، فهي وإن لم تكن من التجارة لكنّها أوّلا ليست في الكثرة بمقدار يوجب استهجان التخصيص، وثانياً هي خارجة عن حدود المستثنى والمستثنى منه من الآية تخصّصاً لا تخصيصاً ؛ لأنّ المستثنى منه إنّما هو أكل مال الغير بعنوان التملّك، وهذا إنّما يكون فيما يحتاج إلى القبول(1).

أقول: لعلّ مقصوده: أنّ الأكل في الآية كناية عن التملّك، فما يدخل في ملك الإنسان من دون تملّك أو يباح للإنسان من دون تملّك ليس داخلا في مورد الآية. أمّا إذا فسّرنا الأكل بمعنى التصرّف فهذا البيان الأخير لا يأتي:

وعلى أيّة حال، فحتى لو تسجّل إشكال صاحب البلغة على فرض كون الاستثناء متّصلا من لزوم كثرة التخصيص مثلا فهذا لا يهمنا، فإنّه لا علاقة له بما هو المقصود من الاستدلال بالآية، إذ لم يكن متوقّفاً على كون الاستثناء متّصلا.

وأمّا ما ذكره من أنّ الاستثناء إذا كان منقطعاً فالعموم لا يتركّز في المستثنى منه لعدم صحّة شموله لجميع ما عدا الاستثناء، فيتركّز في المستثنى، فهو مع أصل الإشكال الذي يفرض هذا جواباً عليه من أنّ العموم في موارد الاستثناء يتركّز في شمول حكم المستثنى منه لجميع الموارد ما عدا المستثنى لا في المستثنى غريب، فلا أدري ما هو الوجه في افتراض أنّ العموم يتركّز في طرف المستثنى منه فحسب؟! وهل أنّ أداة الاستثناء هي التي تخلق العموم في المستثنى منه فيقال

', '

(1) مصباح الفقاهة 2: 104 - 105.

', 230), (12, 231, 'book', '

مثلا: إنّ أداة الاستثناء إنّما تخلق العموم في المستثنى منه لا في المستثنى؟! ولو تمّ ذلك فلا أدري ما هو الوجه في الجواب عليه بأنّه في الاستثناء المنقطع حيث لا يمكن تركّز العموم في المستثنى منه يتركّز في المستثنى  ؟ ومن الواضح أنّ تركّز العموم في المستثنى منه بلحاظ أفراد المستثنى منه ممكن، بلا فرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع، وتركّز العموم في أفراد اُخرى غير أفراد المستثنى منه وغير المستثنى لا يمكن، بلا فرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع.

وأمّا أصل النقض بمثل لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب، أو لا صلاة إلّا بطهور فهذا هو الإشكال المنقول عن أبي حنيفة على دلالة الاستثناء على عموم المفهوم، والذي أجاب عليه صاحب الكفاية في كفايته تارةً بأنّ الصلاة إمّا هي اسم للصحيح أو محمولة في مثل هذا النصّ على الصلاة التامّة المأمور بها، فالنص يدل على أنّ الصلاة التامة لا تكون إلّا مع طهور، أمّا أن تتمّ الصلاة الناقصة بنقص آخر بواسطة الطهور فلا. واُخرى بأنّه إن لم يثبت المفهوم في مورد لعلمنا بالحال فهذا لا يعني إنكار المفهوم على الإطلاق(1). وأجاب عليه في تعليقته على الكفاية بأنّ المراد من المستثنى منه في مثل هذا المثال هو نفي الإمكان، ومقتضاه إمكان ثبوته مع المستثنى لا وقوعه.

أقول: الحمل على الإمكان خلاف الظاهر، فإنّ الفعل المقدّر المتعلّق به الظرف هو من أفعال العموم عادة كالوجود لا الإمكان، وأمّا علمنا بالقرينة بعدم المفهوم فقد يكون مقصود أبي حنيفة وضوح عدم دلالة (لا صلاة إلّا بطهور، أو إلّا

', '

(1) راجع الكفاية 1: 326 - 327 مع تعليقته هو على الكفاية في الصفحة 326 بحسب الطبعة التي معها تعليقة المشكيني.

', 231), (12, 232, 'book', '

بفاتحة الكتاب) على المفهوم العامّ بقطع النظر عن القرينة وعلمنا الخارجيّ. والانصاف أنّه لا ينبغي الشكّ في عدم الدلالة في مثل هذا المثال.

وأمّا الجواب الأوّل لصاحب الكفاية في كفايته ـ  فبناءً على كون الصلاة اسماً للأعمّ  ـ لا يتم أيضاً، إذ لا موجب لحمل الكلام على نفي الصلاة التامّة، بل يحمل على نفي الصلاة نفياً تشريعيّاً، ولو تمّ هذا الوجه فإنّما يتمّ في مقابل دعوى التمسّك بإطلاق كلمة (الصلاة)، ولكن القائل بعموم المفهوم في باب الاستثناء يتمسّك بإطلاق المستثنى، فقد ينقض عليه بأنّه لو تمّ هذا الإطلاق في المستثنى لتمّ في مثل لا صلاة إلّا بطهور أو إلّا بفاتحة الكتاب، وهو يعني أنّ الطهور أو الفاتحة يصحّح الصلاة حتّى لو كان المصلّي مستدبراً للقبلة مثلا، ومن الواضح عدم دلالة له من هذا القبيل.

والتحقيق في المقام: إنّه لا مجال لدلالة مثل لا صلاة إلّا بطهور أو بفاتحة الكتاب على صحّة كلّ صلاة حتّى المستدبرة للقبلة مثلا بواسطة الطهور أو الفاتحة، وذلك لأنّه إن فرضت هذه الدلالة ناتجة من إطلاق كلمة (الصلاة) الشاملة للصلاة المستدبرة للقبلة ـ  لو قلنا بأنّها اسم للأعمّ  ـ، فالجواب هو أنّ الخبر المحذوف في المقام هو كلمة (موجود) أو نحو ذلك، وقد حقّقنا في علم الاُصول أنّه متى ما كان المحمول عبارة عن مثل الوجود لم يتمّ للموضوع إطلاق شموليّ، فإنّ الطبيعيّ يوجد بوجود فرد واحد منه.

وإن فرضت هذه الدلالة ناتجة من إطلاق الطهور أو الفاتحة فالجواب هو أنّ الحكم المحمول على الطهور أو الفاتحة ليس هو وجود الصلاة وتحقّقها، بحيث لو أنّ أحداً تطهّر مثلا حصلت الصلاة سواء فعل شيئاً آخر أو لا، وليس مدّعى من يفترض الإطلاق ذلك، وإنّما مدّعاه أنّ الإطلاق يصحّح الصلاة الفاقدة لبعض

', '', 232), (12, 233, 'book', '

الأجزاء أو الشرائط الاُخرى، وإنّما الحكم المحمول على الطهور أو الفاتحة هو تقيّد الصلاة بالطهور أو الفاتحة، وهذا التقيّد مستفاد من الباء وإطلاق الطهور أو الفاتحة عندئد يعني أنّ صلاتك مقيّدة ومشروطة بالطهور أو الفاتحة سواء كنتَ مستقبلا للقبلة أو مستدبراً لها. وهذا كما ترى لا يعني عدم تقيّد الصلاة بشيء آخر كاستقبال القبلة مثلا.

وأمّا قوله: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض﴾فالحكم المحمول فيه على تجارة عن تراض هو نفس حلّ الأكل لا مجرّد كونه مقيّداً بالتجارة عن تراض كي يقال: إنّ هذا لا ينافي تقيّده بقيد آخر أيضاً، ومقتضى إطلاق التجارة عن تراض هو ترتّب حلّ الأكل عليها، سواء كان معها شيء آخر كالعقد بصيغة لفظيّة أوْ لا.

آية ﴿  أخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾:

ورابعاً ـ قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾(1).

وخير وجه للاستدلال بهذه الآية هو التمسّك بعموم التعليل بأخذ الميثاق الغليظ بعد وضوح أنّ الميثاق الذي يكون في العقود ليس عادة منقسماً إلى قسمين: غليظ وغير غليظ، فليس قيد الغليظ مخرجاً لبعض أقسام الميثاق، بل هو وصف منتزع من ذات الميثاق، فكلّ ميثاق هو غليظ، فالآية تدلّ على وجوب الوفاء بالميثاق. وهذا إمّا من باب أنّ كلّ قرار مرتبط بقرار داخل في مفهوم

', '

(1) النساء: 20 ـ 21.

', 233), (12, 234, 'book', '

الميثاق، أو من باب أنّ الميثاق وإن فرض اختصاصه بالاستيثاق من عمل في المستقبل ولا يشمل العقود التي تنجز أمراً حالياً كالنكاح والبيع، ولكنّ الآية قد نزّلت عقد النكاح منزلة الميثاق.

وهنا قد يُقال: إنّه بناءً على الاحتمال الأخير لا يوجد للآية إطلاق لمثل عقد البيع ؛ لأنّ الآية إنّما نزّلت عقد النكاح منزلة الميثاق، ولم تدلّ على تنزيل كلّ عقد منزلة النكاح.

والجواب: أنّ الآية مسوقة مساق التعجّب والاستغراب، وهذا ظاهر في كون التعليل تعليلا بأمر مرتكز عقلائياً، لا بأمر تعبّدي بحت، ولو فرض وجوب الوفاء المقصود في الآية مختصّاً بعقد النكاح لكان حكماً تعبّدياً بحتاً، فالمقصود إذن هو الاستغراب والتعجّب من نقض عقد النكاح بنكتة عقلائية عامّة وهي أنّ كلّ قرار مرتبط بقرار حاله حال الميثاق، ويجب الوفاء به.

أمّا الإيراد على خصوص الاستدلال بهذه الآية على صحّة العقد المعاطاتي بلزوم خروج المورد من إطلاق النصّ لوضوح عدم صحّة المعاطاة في عقد النكاح، فالجواب عليه هو أنّه لا يلزم من ذلك خروج المورد، إذ لم يكن المقصود فرض اختصاص الميثاق بالعقد المعاطاتي حتّى يقال: لزم من ذلك خروج المورد لعدم صحّة المعاطاة في النكاح، وإنّما المقصود كفاية صدور الميثاق في وجوب الوفاء مع رفض أيّ شكليّة وقيد آخر في الموضوع، وإذا دلّ دليل خاصّ باشتراط شكليّة معيّنة في عقد النكاح، وهي الصيغة اللفظيّة فهذا تقييد للإطلاق في خصوص باب النكاح، ولا يسري التقييد إلى سائر الأبواب.

وتحقيق الحال في هذا الاستدلال أنّه يختلف الأمر باختلاف ما يحمل عليه قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾، ففيه احتمالان:

$

', '', 234), (12, 235, 'book', '

الأوّل: أن يكون هذا تعليلا أخلاقيّاً، ويكون قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ تعليلا قانونيّاً، فكأنّه ـ  سبحانه وتعالى  ـ يقول: كيف يجوز لكم نقض الميثاق على الخصوص أنّ بعضكم دخل في فناء بعض وتعاشرتم وتواددتم  ؟ ! أفهل بعد المعاشرة والتوادّ يحلو لكم نقض الميثاق  ؟  !

وعلى هذا التفسير قد يتمُّ الاستدلال بالآية الشريفة على نفوذ العقد والميثاق.

والثاني ـ أن تكون الآية إشارة إلى ما هو المعروف في الفقه من أنّ تمام المهر إنّما يتنجّز بالدخول، فلو طلّق قبل الدخول كان له حقّ استرجاع نصف المهر، فالإمضاء كناية عن الدخول. ومفاد الآية: أنّه بعد أخذ الميثاق والدخول لا يجوز استرجاع شيء من المهر، وعليه فالآية لا تدلّ على المقصود، لأنّه وإن فهم منها ضمناً لزوم الوفاء بالميثاق لكنّها كانت بصدد بيان حكم آخر وهو لزوم المهر بعد الميثاق والدخول، ولم تكن في مقام بيان حكم الميثاق ذاتاً كي تجري بلحاظه مقدّمات الحكمة ويتمّ الإطلاق. فهذه الآية من قبيل آية: ﴿كلوا ممّـا أمسكن﴾(1) التي هي بصدد بيان التذكية لا بصدد بيان طهارة محلّ الامساك، كما أنّه لا يتمّ أيضاً جعل الآية إشارة إلى أمر ارتكازيّ عقلائي وهو وجوب الوفاء بالعقد والميثاق ؛ لأنّ الارتكاز العقلائي لا يفرّق بين فرض الدخول وعدمه، والطلاق ليس فسخاً حتّى يوجب ردّ المهر.

ولا استبعد ـ  بحسب الفهم العرفيّ  ـ كون الاحتمال الأوّل هو الأظهر.

إلّا أنّ هناك نصّاً تامّ السند جعل كلمة (الغليظ) إشارة إلى الدخول أو

', '

(1) المائدة: 4.

', 235), (12, 236, 'book', '

الإنزال فيها، حيث ورد عن بريد بسند تامّ، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله ـ  عزّ وجلّ  ـ: ﴿وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾فقال: الميثاق هو الكلمة التي عقد بها النكاح، وأمّا قوله: غليظاً فهو ماء الرجل يفضيه إليها(1).

فلو أخذنا بمفاد هذا الحديث ولم نحمل ذلك أيضاً على إلفات النظر إلى النكتة الأخلاقيّة بطل التمسّك بهذه الآية على المقصود.

الناس مسلّطون على أموالهم:

وخامساً ـ المرسل المعروف عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): أنّ الناس مسلّطون على أموالهم(2). ووجه الاستدلال بذلك هو التمسّك بإطلاق متعلّق السلطنة، وأنّه يشمل مطلق التصرّفات بما فيها التصرّفات الاعتباريّة. والسلطنة على التصرّفات الاعتباريّة لا تكون بمجرّد الجواز التكليفي، بل هي تستبطن الإمضاء الشرعيّ. أمّا التمسّك بإطلاق السلطنة وشمولها لأنواع السلطنة فهو من التمسّك بإطلاق المحمول، وقد أوضحنا في محلّه أنّ إطلاق المحمول ليس شموليّاً.

وخير جواب على التمسّك بإطلاق هذا الحديث ـ  بعد غضّ النظر عن سقوطه سنداً  ـ ما يستفاد من كلام السيّد الخوئي (رحمه الله)من أنّ المفهوم عرفاً من هذا الحديث إنّما هو سلطنة المالك في مقابل الآخرين على التصرّفات، وهذا يعني أنّ كلّ تصرّف جائز أو نافذ في ذاته يكون المالك مسلّطاً عليه، أي أنّه هو المقدّم على الآخرين، فلا يتوقّف تصرّفه على إذن غيره، بينما لا يجوز أو لا ينفذ تصرّف

', '

(1) الوسائل 14: 195، الباب 1 من أبواب عقد النكاح، الحديث 4.

(2) البحار 2: 272، الباب 33 من كتاب العلم، الحديث 7، نقلا عن عوالي اللآلي.

', 236), (12, 237, 'book', '

غيره بلا إذنه. أمّا إذا شككنا في نفوذ تصرف مّا في ذاته كالبيع المعاطاتي فالحديث لا يدلّ على نفوذه، كما أنّه لم يتمسّك أحد بإطلاقه لجواز تصرّف شككنا في جوازه في ذاته، كما لو شككنا في حلّيّة شرب التتن، وليس هذا إلّا لأجل أنّ الحديث ينظر إلى السلطنة على التصرّفات في المال من زاوية إضافته إلى المالك وفي مقابل الآخرين، ولا ينظر إلى حكم التصرّفات في ذاتها(1).

المؤمنون عند شروطهم:

وسادساً ـ حديث (المسلمون أو المؤمنون عند شروطهم).

وقد ورد ذلك بأسانيد عديدة:

1 ـ فعن عبد الله بن سنان ـ  بسند تامّ  ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّـا وافق كتاب الله ـ  عزّ وجل  ـ(2).

2 ـ وعنه ـ  بسند تامّ  ـ عن أبي عبد الله 7: المسلمون عند شروطهم، إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله ـ  عزّ وجل  ـ فلا يجوز(3). ويحتمل كونهما رواية واحدة.

3 ـ وروى الشيخ بإسناده عن الصفّار عن الحسن بن موسى الخشاب عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمّـار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به، فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطاً حرّم حلالا أو أحلّ حراماً(4). وهذا السند أيضاً تامّ، فإنّ

', '

(1) انظر مصباح الفقاهة 2: 102 والمحاضرات في الفقه الجعفري 1: 52.

(2) و  (3) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1 و  2.

(4) الوسائل 12: 354، الحديث 5، و  14: 487، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 9.

', 237), (12, 238, 'book', '

غياث بن كلوب يفهم توثيقه من كلام الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) في العدّة. وحسن بن موسى الخشاب يفهم توثيقه من نصّ النجاشي بشأنه بأنّه (من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم والحديث). وبعض أسانيد الشيخ إلى الصفّار تامّ.

4 ـ وعن عليّ بن رئاب ـ  بسند تامّ  ـ عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)قال: سُئل وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإنّ مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده، قال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إيّاها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها والمسلمون عند شروطهم...(1).

5 ـ وعن منصور بزرج ـ  بسند تامّ  ـ عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ رجلا من مواليك تزوّج امرأة ثمّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلّا أن يجعل لله عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع  ؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المؤمنون عند شروطهم(2). والظاهر أنّ المقصود بـ  «عبد صالح» هو الإمام الكاظم (عليه السلام)، فإنّ منصور بزرج يروي عن الصادق والكاظم (عليهما السلام)، وينصرف هذا التعبير إلى الإمام رغم عدم الألف واللام كانصراف المضمرات إلى الإمام (عليه السلام).

وأمّا تطبيق الحديث المروي فيه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المورد المذكور

', '

(1) الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 2.

(2) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

', 238), (12, 239, 'book', '

في كلام منصور من قِبل الإمام الكاظم (عليه السلام)، فلو لم يقبل وحمل على التقيّة لم يضرّ ذلك بأصل الحديث المرويّ فيه عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو قوله: المؤمنون عند شروطهم.

وعلى أيّة حال، فوجه الاستدلال بحديث (المؤمنون أو المسلمون عند شروطهم) على وجوب الوفاء بالعقد ونفوذه أيّاً كان شكله هو دعوى صدق الشرط على العقد.

ويمكن الإيراد على ذلك بإشكالين:

1 ـ الشرط الضمني والشرط الابتدائي:

الإشكال الأوّل ـ أنّ الشرط حقيقة في الشرط الضمني، أي الالتزام الذي يكون في ضمن العقد، وإطلاقه على الشرط الابتدائي مجاز، وعليه فالبيع مثلا الذي هو عقد وليس شرطاً في ضمن العقد ليس مشمولا لنصوص (المسلمون عند شروطهم).

ويشهد لهذا الإشكال ما عن بعض أهل اللغة من تفسير الشرط بمثل (إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه).

أقول: إن كان المقصود بالشرط الضمنيّ ما يشمل كلّ التزام متقابل مع التزام آخر باعتبار أنّ مجموع الالتزامين عقد، وقد وقع كلّ واحد من الالتزامين ضمن هذا العقد. فهذاالإشكال لايوجب خروج مثل البيع عن إطلاق نصوص (المسلمون عند شروطهم)، إذ بالإمكان أن يُقال عندئذ: إنّ كلاّ من الإيجاب والقبول في البيع مثلا يستبطن التزاماً ضمن مجموع الالتزامين المتقابلين والشرط الابتدائي إنّما هو ذاك الالتزام الذي لا يقابله التزام آخر من قِبَل الشخص الآخر. وكلمات اللغويّين قابلة للحمل على هذا المعنى بأن يكون مقصودهم بالضمنيّة ما ذكرناه.

$

', '', 239), (12, 240, 'book', '

وإن كان المقصود بالشرط الضمنيّ خصوص ذاك الالتزام الذي وقع ضمنعقد مؤتلف من التزامين غير ذاك الشرط، بأن يكون ذاك الشرط شيئاً زائداً على أصل الإيجاب والقبول اُخذ ضمن الإيجاب والقبول، فهذا هو الذي لا يصدق على مثل البيع، لأنّه لم يكن ضمن عقد آخر، ولكن بالإمكان إثبات كون معنى الشرط أوسع من ذلك، فهو يشتمل الالتزام المتقابل مع التزام آخر إن لم يشمل الشرط الابتدائي البحت، وذلك بعدّة بيانات:

أ ـ موارد الاستعمال لكلمة (الشرط):

البيان الأوّل ـ الاستشهاد بجملة من موارد الاستعمال التي استعمل الشرط  فيها في الالتزام المتقابل لالتزام آخر لو لم يكن مستعملا في الالتزام الابتدائيّ البحت. وهنا يمكن النقاش بلحاظ كلّ مورد من موارد تلك الاستعمالات: بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة. ولكن قد نستطيع أن نحصل بالفحص على نسبة من الاستعمالات كافية لحصول الجزم أو الاطمئنان بأنّها ليست جميعاً مجازيّة.

وهذا الوجه بحاجة إلى فحص واسع نسبيّاً، إلّا أنّنا نشير بهذا الصدد إلى بعض موارد الاستعمالات.

1 ـ ورد في بعض الروايات «شرط الله قبل شرطكم»(1). ومن الواضح أن شرط الله لم يكن في ضمن العقد بالمعنى الأوّل. وغاية ما يمكن فرضه فيه هي تقابله بالالتزام بالثواب مثلا، فالله ـ  تعالى  ـ ألزمنا بالطاعة في مقابل التزامه بالثواب.

$

', '

(1) من قبيل ما في الوسائل 15: 31، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 6، و: 47 الباب 38 منها الحديث 1.

', 240), (12, 241, 'book', '

2 ـ ونحوه ما ورد في دعاء الندبة «اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيمالمقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال، بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك...» فغاية ما يمكن افتراض النظر في هذا النصّ إلى ضمنيّة الشرط هي تقابل الإلزام بالزهد بالالتزام بجزيل النعيم من دون أن يكون الشرط أمراً مغايراً للعقد، وواقعاً ضمن العقد.

3 ـ ما ورد في دعاء الصحيفة «وأوجب لي محبّتك كما شرطت، ولك يا ربّ شرطي أن لا أعود» فهذا الشرط أيضاً ليس شرطاً مغايراً للعقد واقعاً ضمن العقد، وغاية ما يفترض في المقام هي النظر إلى التقابل بين التزام العبد بالتوبة أو بعدم العود، والتزام الربّ ـ  تعالى  ـ بالمحبّة.

4 ـ ما ورد في حكاية بيع بريرة ـ  على ما جاء في مستدرك الوسائل(1)  ـ «الولاء لمَن أعتق، وشرط الله آكد» والتعبير الوارد في مكاسب الشيخ الأنصاري  (رحمه الله): أنّ قضاء الله أحقّ وشرطه أوثق والولاء لمن أعتق(2). والظاهر أنّ هذا التعبير مأخوذ من روايات العامّة.

5 ـ إطلاق الشرط في بعض الروايات على خيار الحيوان وخيار المجلس(3)، فقد يكون ذلك بمعنى كونه إلزاماً من قبل الله ـ  تعالى  ـ إمّا بلحاظ كون الشرط صادقاً على مطلق الإلزام حتّى الابتدائيّ البحت، أو بلحاظ كونه

', '

(1) 2: 473، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

(2) 2: 275، أوّل بحث الشروط، حسب الطبعة المشتملة على حاشية الشهيدي.

(3) راجع الوسائل 12: 346، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3، و: 349، الباب 3 منها، الحديث 1، 4 و  5، و: 350، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1، و: 352، الباب 5 منها، الحديث 2.

', 241), (12, 242, 'book', '

إلزاماً من قبله ـ  تعالى  ـ في مقابل الالتزام بالجزاء والثواب لمن يفي من العبيد بالالتزامات الثابتة عليه من قبل المولى سبحانه.

ب ـ التحليل العقلائي للشرط:

البيان الثاني ـ إلفات النظر إلى تحليل عقلائي في المقام. وتوضيحه: أنّه لا ينبغي إلإشكال في أنّ الشرط في نظر العقلاء مقتض بذاته لوجوب الوفاء، وليس وجوب الوفاء بالشرط حكماً تعبديّاً بحتاً، فإذا استطعنا أن نلقي ضوءاً بالتحليل العقلائيّ على ما يقتضي وجوب الوفاء واستبعدنا دخل بعض العناصر عقلائيّاً في هذا الحكم عرفنا أنّ ذاك العنصر ليس دخيلا في مفهوم الشرط.

وعلى هذا الأساس نقول: إنّ العنصر المؤثّر في وجوب الوفاء عقلائيّاً إمّا هو مطلق التعهّد والالتزام وإن كان ابتدائيّاً بحتاً، أو خصوص الالتزام الضمنيّ بأن تكون الضمنيّة عنصراً دخيلا في وجوب الوفاء. فإن فرض الأوّل فلا إشكال في شمول الشرط للشرط الابتدائيّ بمعنى مطلق التعهّد والالتزام. وإن فرض الثاني بأن تكون الضمنيّة عنصراً دخيلا في وجوب الوفاء قلنا: إنّ الضمنيّة التي تفترض دخيلة في وجوب الوفاء يحتمل فيها عدّة معان:

الأوّل ـ أن يكون المقصود بها مجرّد ظرفيّة العقد لذكر الشرط بقطع النظر عن أيّ ربط آخر بين الشرط والعقد. ومن الواضح أنّ الظرفيّة بما هي ظرفيّة لا أثر لها عقلائيّاً في وجوب الوفاء.

والثاني ـ أن يكون المقصود بها القيديّة بأن يكون الشرط مقيّداً لمتعلّق العقد ومحصّصاً له. ومن الواضح أنّه لو كان المقصود بالشرط الضمني ذلك لكان هذا مستلزماً لكون الشرط الفاسد مفسداً للعقد، ولكون عدم وفاء المشروط عليه بالشرط موجباً لعدم إمكان الوفاء بالعقد من قبل الطرف الآخر في حالة فقدان ما

', '', 242), (12, 243, 'book', '

اشترط، لا موجباً لخيار الفسخ. ومن الواضح عقلائيّاً أنّ تخلّف الشرط إنّما يوجب خيار الفسخ لا أكثر من ذلك.

والثالث ـ أن يكون المقصود بها الداعويّة، بأن يكون التزام المشروط عليه  بالشرط هو الذي دعا المشروط له إلى قبول الدخول في العقد، والالتزام به، وتخلّفه لا يوجب فساد العقد أو عجز المشروط عليه عن الوفاء بالعقد ؛ لأنّ تخلّف الداعي لا يؤثّر شيئاً من هذا القبيل، إذ لم يكن قيداً في متعلّق العقد، ولكن تخلّفه يوجب الخيار للمشروط عليه رغم أنّ تخلّف الداعي في سائر الموارد لا يوجب الخيار، وذلك لأنّ السبب في اعتقاد الشخص بالداعي الذي أوجب دخوله في العقد لم يكن هو إغراء صاحبه إيّاه وإيحاءه إليه بذلك الداعي، ولذا لم يوجب تخلّفه الخيار.

أمّا إذا كان صاحبه هو الذي أغراه بذلك وأوحى إليه ذلك فتخلّفه يوجب في نظر العقلاء الخيار، بنكتة أنّ المغرور يرجع إلى من غرّه. فمثلا لو أنّ أحداً اشترى الدواء لعلاج ابنه باعتقاد كون ابنه مريضاً، ثمّ انكشف الخلاف لم يكن له خيار الفسخ، لأنّ مجرّد تخلّف الداعي لا يوجب الخيار، ولكن لو كان الصيدليّ هو الذي أغراه وأوحى إليه بأنّ ابنه مريض فصدّقه واشترى منه الدواء، ثمّ تبيّن الخلاف، فهنا يوجد له عقلائيّاً خيار الفسخ. وما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ التزام المشروط عليه هو الذي أغرى المشروط له ودعاه إلى الدخول معه في العقد، فتخلّفه يوجب الخيار.

أقول: إنْ كان هذا هو معنى ضمنيّة الشرط، فهذا ثابت في كلّ التزام متقابل للالتزام الآخر حينما يكون أحد الالتزامين هو الداعي لالتزام الآخر، ولو لم يكن الالتزام الآخر عبارة عن الالتزام بعقد واجد للإيجاب والقبول المغايرين تماماً

', '', 243), (12, 244, 'book', '

للشرط. والفرق بين هذا وبين الشرط في ضمن العقد بمجرّد أنّ ما يقابل الشرط في الثاني هو الدخول في عقد كامل ذي إيجاب وقبول غير الشرط، وفي الأوّل هو مجرّد التزام في مقابل الالتزام بالشرط ليس عقلائيّاً فارقاً موجباً لوجوب الوفاء وعدمه، فلو كانت الضمنيّة بهذا المعنى لزم كون دخل هذا العنصر في وجوب الوفاء دخلا تعبّدياً صرفاً، وقد فرضنا منذ البدء أنّ اقتضاء الشرط بذاته للوفاء يكون أمراً عقلائياً، وليس تعبّداً بحتاً.

والواقع أنّ ارتباط الشرط بالعقد الموجب للخيار لدى تخلف المشروط عليه ليس منحصراً بداعويّته لقبول المشروط له بالعقد، ولذا ترى أنّ الخيار ثابت عقلائيّاً للمشروط له عند تخلّف المشروط عليه حتّى في المورد الذي كان للمشروط له داع آخر تامّ الداعويّة إلى دخوله في العقد من دون حاجة إلى ضمّ الشرط إليه، وإنّما اشترط ذلك الشرط طلباً للمزيد من الخير، إذن فللشرط في ضمن العقد ارتباط آخر بالعقد زائداً على مسألة الداعويّة، وهو التقابل الذي نشرحه في الاحتمال الرابع.

وأيضاً يرى العقلاء ثبوت الخيار في تخلّف الوصف في الموارد الراجعة إلى تخلّف الشرط، كما لو باعه العبد الكاتب فتبيّن أنّه ليس بكاتب مع أنّه ربما يفترض أنّ البايع لم يكن هو الذي أغراه في المقام، بل المشتري هو كان من أوّل الأمر معتقداً أنّ هذا العبد كاتب والبايع أيضاً كان معتقداً نفس الاعتقاد، فتبايعا مبنيّاً على كونه كاتباً.

والرابع ـ أن يكون المقصود بها التقابل بين الشرط والعقد، بمعنى أنّ الالتزام بالشرط من طرف المشروط عليه، والالتزام بالعقد من طرف المشروط له متقابلان، أي جعل أحدهما مكافأة للآخر، فكأنّهما أمران متبادلان، لو قدّم

', '', 244), (12, 245, 'book', '

أحدهما البدل رأى الآخر نفسه ملزماً بتقديم المبدل. وهذا غير تقيّد متعلّق أحدهما بالآخر بمعنى التحصيص، فإنّ التقابل بين أمرين يستدعي استقلال أحدهما عن الآخر لا التحصيص به، ولذا ترى أنّ التخلف عن الشرط لا يوجب عجز الشخص الآخر عن الوفاء بالعقد، وإنّما يوجب الخيار، فإن كانت نكتة وجوب الوفاء هي هذا التقابل فهذه موجودة في كلّ التزامين متقابلين من دون حاجة إلى اشتراط كون أحدهما في ضمن عقد متكامل واجد للإيجاب والقبول بقطع النظر عن الشرط، فنكتة التقابل هي التي أوجبت الوفاء. أمّا فرض دخل كون أحد الطرفين عبارة عن الدخول في عقد واجد للإيجاب والقبول مغاير للشرط، فهو يرجع إلى كون تأثير الشرط في وجوب الوفاء تعبّدياً بحتاً، وقد استبعدنا ذلك منذ البدء.

وبهذا التحليل نعرف أنّ الشرط إن سلّم كونه اسماً لخصوص الشرط الضمني دون الابتدائي فإنّما نسلّم ذلك بمعنى يشمل مطلق التزام في مقابل التزام، وبما أنّ العقد بمعنى قرار مرتبط بقرار يستبطن دائماً التزاماً مرتبطاً بالالتزام إذن يمكن التمسّك لإثبات وجوب الوفاء به بدليل (المسلمون عند شروطهم).

وفي الختام نشير إلى أمرين:

أحدهما: وجوب الوفاء بالعهد:

أ نّا لو سلّمنا اختصاص الشرط بمعناه الحقيقي بالشرط الضمني، فهذا لا يعني الإفتاء بعدم وجوب الوفاء بالشرط الابتدائي، فإنّ الشرط الابتدائي إذا كان بمعنى التزام شخص لشخص وتعهّده له بأمر مّا، فإنّ هذا يجب الوفاء به، إذ لو لم يكن داخلا في قوله: «المسلمون أو المؤمنون عند شروطهم» فهو داخل ـ  بلا إشكال  ـ في آيات الأمر بالوفاء بالعهد والعقد.

$

', '', 245), (12, 246, 'book', '

نعم، مجرّد الوعد غير المشتمل على الالتزام والتعهّد لا يجب الوفاء به وإن كان مستحبّاً.

والثاني: الرهن مع الإيجار:

قد تعارف بين جمع من الناس تعامل يسمّى برهن البيت مع الإيجار، وحاصله: أنّ أحدهم يقرض مبلغاً للآخر، والآخر يؤجّره البيت بسعر منخفض. وقد صدرت من بعض الأعلام الفتوى بالتفصيل في جواز ذلك وعدمه بين ما إذا كان القرض شرطاً في ضمن عقد الإيجار فيجوز، لأنّه اشترط في ضمن العقد شرطاً سائغاً فهو نافذ، وما إذا كان الإيجار شرطاً في ضمن عقد القرض فلا يجوز، لأنّه دخل ذلك تحت عنوان (قرض جرّ نفعاً).

أقول: قد اتّضح بما ذكرناه أنّه لا معنى لهذا التفصيل، فإنّ الضمنيّة هنا ليست بمعنى التقييد كما مضى، والضمنيّة بمعنى الظرفيّة البحتة من دون أيّ ربط آخر لا أثر لها، و لا تجعل القرض قرضاً جرّ نفعاً، والضمنيّة بمعنى الداعوية أو التقابل ثابتة من كلا الطرفين، ومجرّد ذكر هذا في ضمن ذاك أو بالعكس ليس عدا فارق في الصياغة اللفظيّة لا تؤثّر على المحتوى الحقيقي للمعاملة إطلاقاً.

نعم، بالإمكان أن يقال في أصل هذه المعاملة: إنّها قد لا تستبطن قرضاً جرّ نفعاً، لأنّ البيت المرهون اجرته أقلّ من اُجرة البيت غير المرهون لعجز المالك من إيجاره لغير المرتهن، فإذا استأجره المرتهن بسعره السوقي النازل لم يكن هنا نفع.

ويرد عليه: أنّ الرهن لو كان مؤثّراً في تقليل المنفعة الاستعمالية للبيت، وعلى هذا الأساس تنزّلت قيمة الإيجار، كان هذا الكلام صحيحاً، ولكنّ الواقع ليس هكذا، فإنّ تنزّل قيمة الإيجار في المقام إنّما هو نتيجة عجز المالك من إيجاره لغير المرتهن، وهذا يؤدّي وجداناً إلى انتفاع المقرض.

$

', '', 246), (12, 247, 'book', '

نعم، لو تمّ الإقراض من دون أن يكون المقترِض في مقابل ذلك ملزماً بإيجار البيت بسعر منخفض، ثمّ بدا له بمحض اختياره أن يؤجّره من المرتهن بسعر منخفض، فهذا خارج عن محلّ الكلام، ولا إشكال فيه.

وقد يُقال انتصاراً للتفصيل بين ما إذا كان القرض شرطاً في ضمن الإيجار أو العكس بأنّه لو وقع القرض أولا واشترط في ضمنه الإيجار بسعر منخفض، فمن الواضح أنّ هذا قرض جرّ نفعاً. أمّا لو وقع الإيجار أوّلا واشترط في ضمنه القرض فالقرض الذي يقع بعد الإيجار لا يسمّى عرفاً مشروطاً بالإيجار. صحيح أنّه لولا الإيجار لما كان يقرضه، ولكن بما أنّ الإيجار متحقّق بالفعل فالقرض سوف لن يكون مشروطاً بالإيجار.

أمّا ما يُقال من أنّ تحقّق الشرط لا يخرج الأمر المشروط مثلا عن كونه مشروطاً فهذا إنّما يتمّ في أمر أو قرار أو عقد وقع مشروطاً ثمّ تحقّق شرطه، كما لو قال المولى: إذا زالت الشمس فصلِّ ثمّ زالت الشمس، فزوال الشمس لا يخرج الصلاة عن كونها واجباً مشروطاً إلى الوجوب المطلق. أمّا لو زالت الشمس فأوجب ذلك أن يأمر المولى عبده بنحو القضيّة الخارجيّة بالصلاة لا بنحو القضيّة الحقيقية، فهذا الأمر لا يسمّى مشروطاً، وكذلك الحال في المقام، فلو تمّ عقد القرض بشرط الإيجار فهذا قرض مشروط وبعد ذلك لو تحقّق الشرط وهو الإيجار لم يخرج عقد القرض عن كونه مشروطاً. أمّا لو تمّ أوّلا الإيجار بشرط القرض، ثمّ تمّ القرض فهذا القرض ليس مشروطاً، لأنّ ما كان من المتوقّع أن يكون شرطاً له هو حاصل بالفعل.

والواقع: أنّ هذا التفصيل غير صحيح، فإنّه إن كان تقدّم الإيجار على القرض بمعنى عدم ترابط بينهما، أي أنّه حينما تمّ الإيجار لم يكن الاتّفاق الذي

', '', 247), (12, 248, 'book', '

تمّ بينهما قبل العقد على التقابل بين الإيجار والقرض، ولكن بعد أن تمّ الإيجاربسعر منخفض بدا للمستأجر أن يكافئ الموجَر بالقرض، فهنا لا يعتبر القرض قرضاً بزيادة، أو قرضاً ربويّاً. أمّا إذا كان الاتّفاق منذ البدء، بينهما على التقابل والداعويّة بينهما وأنّه لا قرض بلا إيجار كما لا إيجار بلا قرض، فهذا القرض لا محالة قرض جرّ نفعاً وزيادة، وهو ربا سواء سمّي مشروطاً أو لم يسمّ، ولذا ترى أنّ العرف حينما يسمع حرمة القرض بزيادة لا يفرّق بين الإقراض بشرط الزيادة أو هبة الزيادة بشرط القرض، فكما يكون إقراض مائة دينار بشرط زيادة عشرين ربا، كذلك تكون هبة عشرين ديناراً بشرط الإقراض الذي لم يكن يتمّ لولا الهبة رباً في القرض، لا بمعنى أنّ العرف يتعدّى من تحريم القرض الربوي إلى تحريم الثاني، بل بمعنى أنّه هو هو.

حكم الحيلة في الربا:

نعم هناك حيل شرعيّة تكون في واقعها غير القرض الربوي قد يدّعى أنّ العرف يتعدّى من دليل حرمة الربا إليها، وقد لا يدّعى من قبيل أن يتّفقا على بيع متاع بسعر مّا مؤجّلا، ثمّ شراؤه من المشتري بسعر أقلّ معجّلا، ومن قبيل بيع متاع بالنسيئة مع إضافة في القيمة لأجل كون الثمن نسيئة، بحيث لو وافق المشتري على أن يشتريه بثمن معجّل لكان يبيعه إيّاه بأقلّ من ذلك، وإنّما زاد في الثمن بنكتة كونه مؤجّلا.

ولا يبعد أن يُقال في هذه الحيل بالتفصيل بين ما لا يشتمل على غرض غير نفس غرض الربا كما في المثال الأوّل، وإنّما بدّلت الصياغة فراراً من الربا، وبين ما يشتمل على غرض آخر، ولكنه يشتمل في نفس الوقت على نفس الأثر الموجود في القرض الربوي، كما في مثال بيع النسيئة، فالأوّل يكون حراماً لأنّه لو حلّ كان معنى ذلك أنّ تحريم قرض الربا تعبّدي بحت، وهو ممّـا يقطع بخلافه،

', '', 248), (12, 249, 'book', '

أو لا يقبله الفهم العرفيّ من الدليل. وأمّا الثاني فلا دليل على حرمته إذ لعلّ الغرضالآخر حلّل المعاملة، ومجرّد اشتمالها ضمناً على نفس أثر الربا لا دليل على كونه موجباً للتحريم، لأنّ الأثر الاقتصادي للربا كان حكمة للحرمة، ولم يثبت كونه علّة لها، بمعنى أنّه متى ما وجد وجدت الحرمة، وأنّه لا يمنع عنها مانع، وأنّه لا يكون تحريم ما عداه كافياً لإشباع الحكمة المقصودة.

ومن هنا نقول: لو باع غرفة من البيت بالمبلغ الذي كان يريد اقتراضه ببيع خياريّ، أي بشرط أنّ لهما الخيار على رأس السنة مثلا وأجّر باقي البيت بسعر أقلّ من سعر إيجار تمام البيت جاز ذلك، لاشتمال ذلك على غرض آخر غير الإقراض بفائدة، وهو نفس غرض تحصيل الغرفة للسكنى، وهذا بخلاف مثال التوافق على بيع متاع بسعر أكثر مؤجّلا ثمّ شراؤه منه بثمن أقلّ معجّلا، فإنّ هذا لا يشتمل بتاتاً على غرض غير القرض الربوي لا بمعنى أنّ البيعين صوريّان، فيكون هذا ربا حقيقة، بل بمعنى أنّ الغرض النهائي ليس عدا نفس غرض القرض الربوي، وفتح مثل هذا الباب يؤدّي إلى كون تحريم القرض الربوي تعبّداً بحتاً.

ونحن نفرّق بين القرض الربوي والقرض المعامليّ، فحرمة القرض المعامليّ حكم تعبّديّ بحت، ولذا ترى أنّ مبادلة الموزون بالموزون مع زيادة الرديء منهما على الجيّد، أو مبادلة الذهب الجيّد بذهب رديء أكثر منه مثلا غير جائز، مع أنّ الرديء المشتمل على الزيادة قد لا يكون أكثر قيمة من الجيّد الذي هو أقلّ منه، ولا تتصوّر في ذلك أيّة نكتة اقتصادية مفهومة ـ  ولو إجمالا  ـ ، فهذا الحكم ليس إلّا تعبّداً بحتاً، ويجوز التخلّص منه بالحيلة كما وردت بذلك بعض الروايات(1).

$

', '

(1) راجع الوسائل الجزء 12: 455 الباب 20 من أبواب الربا، و 466 الباب 6 من أبواب الصرف.

', 249), (12, 250, 'book', '

وأمّا الربا القرضي فهناك نكتة اقتصاديّة مفهومة لدى العرف ـ  ولو إجمالا  ـلتحريمه، وهي وقوع الزيادة مقابلا للزمان محضاً من دون القيام من قِبَل المرابي بأيّ عمل مفيد، فقد يدّعى القطع بأنّ تحريم القرض الربوي ليس حكماً تعبّديّاً بحتاً، أو يدّعى أنّ هذا هو المفهوم عرفاً، إذن فلا يصحّ التخلّص منه بالحيلة التي يكون الهدف منها تماماً هو هدف القرض الربوي، إذ لو جاز ذلك لأصبح الحكم تعبّديّاً بحتاً، نعم ما كان يشتمل على هدف آخر ويترتّب عليه ضمناً أثر الربا لا يلزم عرفاً من تحليله كون تحريم الربا تعبّديّاً صرفاً، ولا يتعدّى العرف من القرض الربوي في التحريم إلى تلك المعاملة.

القرض المشروط بمعاملة مربحة:

وبالإمكان أن يُقال: إنّ الربا إنّما هي الزيادة الكميّة في المال بأن يقرضه مالا ويسترجع منه ما هو أكثر منه، أو الزيادة الكيفيّة بأن يقرضه مالا من القسم الرديء ويسترجع منه القسم الجيّد. أمّا جعل القرض مشروطاً بمعاملة مربحة فليس ربا، ومثال الرهن مع الإيجار من هذا القبيل، فالمستأجر يقرض الموجِر مبلغاً من المال من دون أن يسترجع منه مبلغاً أكثر، غاية ما هناك أنّه يجعل القرض مشروطاً بإيقاع معاملة مربحة له، وهي إيجار البيت بسعر زهيد، وهذا ليس ربا.

والدليل على جواز القرض المشروط بمعاملة مربحة، وعدم دخول ذلك في الربا المحرّم هو ورود روايات بذلك(1). والصحيح سنداً منها منحصر برواية

', '

(1) ذكرها في الوسائل 12: 381، الباب 9 من أبواب أحكام العقود. والرواية الأخيرة منها إضافة إلى ضعفها السندي قابلة للنقاش الدلاليّ، باعتبار أنّه لا يفهم منها بشكل واضح كون المعاملة المربحة شرطاً في مقابل القرض، فلعلّهم كانوا مستعدّين لإرباحه مطلقاً فكان ذلك داعياً له إلى الإقراض، راجع المصدر، الحديث 7.

', 250), (12, 251, 'book', '

واحدة هي ما ورد عن محمّد بن إسحاق بن عمّـار، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام):يكون لي على الرجل دراهم، فيقول أخّرني بها وأنا اربحك فأبيعه جبّة تقوّم عليّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال بعشرين ألفاً واؤخّره بالمال، قال: لا بأس(1). ومحمّد ابن إسحاق بن عمّـار رجل صيرفيّ فقد يتّهم في هذه الرواية، باعتبار أنّ هذا النحو من المعاملة يناسب وضعه، لكنّه ثقة، بل هو في أعلى درجات الوثاقة على ما قاله المفيد (رحمه الله) من أنّه: من خاصّة الكاظم (عليه السلام) وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته(2) فاتّهام رجل من هذا القبيل في ذلك بعيد.

ولكن مع ذلك في النفس شيء من العمل بهذه الرواية، وذلك لأنّه إن صحّ القرض المشروط بمعاملة مربحة لكان تصحيح القروض الربويّة جميعاً من أسهل ما يكون، وذلك بالإقراض من دون ربح مع بيع متاع زهيد بمبلغ يشتمل على الربح المطلوب. وهذا لا يكون إلّا إذا حملنا تحريم القرض الربوي على التعبّد البحت، فيجوز عندئذ كلّ أقسام الحيل من قبيل بيع متاع على من يحتاج مبلغاً من المال بسعر كبير مؤجّلا، وشرائه منه بثمن أقلّ معجّلا(3). أمّا إذا لم نحتمل التعبّد

', '

(1) الوسائل 12: 380، الباب 9 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.

(2) الإرشاد 2: 248.

(3) إن لم يكن هذا بشرط فلا إشكال فيه، وإن كان بشرط فهو غير جائز لورود النهي عن ذلك تارةً بلسان المنع عن بيع العينة مع كون البيع الثاني مشروطاً في البيع الأوّل من قبيل حديث عليّ بن جعفر... «إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس». راجع الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6. واُخرى بلسان المنع عن الإلزام بالبيع الثاني قبل تماميّة البيع الأوّل وإن كان مورد الحديث هو البيع من شخص ثالث من قبيل حديث معاوية بن عمّـار الوارد في الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 7.

', 251), (12, 252, 'book', '

الصرف أو قلنا: إنّ الفهم العرفيّ لا يحتمل ذلك، فهذه الرواية تعتبر عرفاً معارضة للكتاب لا مخصّصة له، فتطرح عرض الحائط. بل حتّى لو فرضناها مخصّصة للقرآن لا بدّ من طرحها ؛ وذلك لأنّ هذه الرواية معارضة بروايات حرمة بيع الشيء بثمن مؤجّلا وشرائه منه بثمن أقلّ نقداً إذا كان أحد البيعين مشروطاً بالآخر، من قبيل ما ورد في كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى رجل ثمّ اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحلّ  ؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس(1). فإنّ العرف لا يحتمل أن يكون القرض المشروط بمعاملة مربحة جائزاً وغير ملحق بالربا، ولكنّ البيع بثمن مؤجّل مشروطاً ببيع آخر يوجب ربح من تقبّل الأجل يكون حراماً وملحقاً بالربا، فإذا تعارضت الروايتان قدّم ما وافق القرآن على ما خالفه.

ج ـ الاستشهاد برواية خاصّة:

البيان الثالث ـ أنّه مضى فيما سبق حديث منصور بزرج، وهو تامّ السند عن عبد صالح (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ رجلا من مواليك تزوّج امرأة ثمّ طلّقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها، فأبت عليه إلّا أن يجعل لله عليه أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع  ؟ فقال بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار؟! قل له فليفِ للمرأة بشرطها، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المؤمنون عند شروطهم.

والوارد في هذا الحديث إنّما هو أنّ المرأة أبت من العقد عليها إلّا بعد أن

', '

(1) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6. راجع أيضاً الحديث 4 و  5 من نفس الباب.

', 252), (12, 253, 'book', '

ينذر الرجل أو يعاهد الله أن لا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، ولم يرد فيه فرض ذكر ذلك كشرط في ضمن العقد، أو تقيّد العقد به. فتطبيق قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو المؤمنون عند شروطهم على هذا المورد يعني أنّ الشرط لم يقصد به خصوص ما ذكر في متن العقد أو ما كان العقد مقيّداً به، فهذا دليل آخر على بطلان المعنى الأوّل والثاني من المعاني الأربعة التي شرحناها في البيان الثاني، وبهذا ينحصر الأمر في المعنى الثالث والرابع، وكلاهما في صالح المدّعى في المقام كما عرفت. نعم لا إشكال في أنّ العقد معها وقع مبنيّاً على ما ذكراه قبل العقد والذي تعلّق به النذر أو العهد، لكن هذا البناء ليس شيئاً أكثر من الداعويّة أو التقابل، وهما المعنيان الأخيران من تلك المعاني الأربعة، ولئن توهّم متوهّمٌ أنّ ذكر الشرط في متن العقد يرجع إلى التقييد فهذا التوهّم في أمر لم يذكر في متن العقد ولكن ذكر في المقاولة ثمّ بني العقد عليه أبعد.

وإن حمل تطبيق حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) على المورد في هذا الحديث على التقيّة، فهذا يعني أنّ السنّة وقتئذ لم يكونوا يفهمون من الشرط خصوص فرض ذكره في متن العقد أو تقييد العقد به. ولا إشكال في أنّهم كانوا أقرب منّا إلى اللغة العربية الأصيلة، فلا أقلّ من كون هذا الحديث مؤيّداً للمقصود.

2 ـ ليس البيع التزاماً بشيء:

الإشكال الثاني ـ إنّ الشرط حتّى لو شمل الالتزام الابتدائي لا يكون صادقاً على مثل البيع ؛ لأنّ البيع ليس التزاماً بشيء، وإنّما هو اعتبار للمبادلة  بالفعل، والالتزام إنّما يكون بأمر مستقبليّ. إذن فلا معنى لتطبيق مثل (المسلمون عند شروطهم) على البيع ونحوه، فلو كان البيع التزاماً بالمبادلة صحّ تطبيق هذا النصّ عليه، ولكن بما أنّ البيع مبادلة بالفعل لا التزام بها فهذا التطبيق بلا مورد.

$

', '', 253), (12, 254, 'book', '

والجواب: أنّه صحيح أنّ البيع في فقهنا مبادلة بالفعل، وليس ـ  كما في الفقه الغربي  ـ التزاماً بالمبادلة، لكنّه يستبطن في نظر العقلاء الالتزام بالآثار، ولهذا  لا يحسّ عرفاً بالمؤونة في استعمال الوفاء بالنسبة للعقود مع أنّه لا وفاء إلّا بالالتزام. أمّا مجرّد المبادلة الفعليّة فلا معنى للوفاء بها، ولا يحسّ بالمؤونة في إطلاق الميثاق على عقد النكاح في قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾(1).

ويدلّ على شمول الشرط في نصوص (المسلمون عند شروطهم) لمثل ذلك ما مضى عن عليّ بن رئاب ـ  بسند تام  ـ عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سئل وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده، فإن لم تخرج معه فإنّ مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده، قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إ يّاها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها، والمسلمون عند شروطهم، وليس له أن يخرج بها إلى بلاده حتّى يؤدّي إليها صداقها، أو ترضى منه من ذلك بما رضيت، وهو جائز له(2).

والمقصود بقوله: له ما اشترط عليها وهو خروجها معه، وانتقاص مهرها إلى النصف لو لم تخرج معه لا الأوّل فقط، وذلك بقرينة المقابلة بفرض ما إذا أراد الخروج بها إلى بلاد الشرك،  حيث نفى الإمام (عليه السلام)في ذاك الفرض كِلا الأمرين. ومن الواضح أنّ انتقاص مهرها إلى النصف ليس بمعناه المطابقي التزاماً، وإنّما هو من قبيل شرط النتيجة، وهذا دليل لنا على نفوذ شرط النتيجة. ولا فرق بين هذا

', '

(1) النساء: 21.

(2) الوسائل 15: 49، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 2.

', 254), (12, 255, 'book', '

ومثل البيع في أنّه ليست بالمدلول المطابقي التزاماً وإن كان يستبطن الالتزامبالآثار، فالبيع هو من قبيل شرط النتيجة، فإذا كان النصّ شاملا لشرط النتيجة بقرينة هذا الحديث فهو شامل لمثل البيع.

هذا تمام الكلام في الإطلاقات التي يمكن التمسّك بها لرفض أيّ قيد احتماليّ في شكليّة العقد لم يقم عليه دليل.

مقتضى السيرة في بيع المعاطاة

وقد يتمسّك بالسيرة لنفي بعض القيود كقيد العقد اللفظي، وهذه ليست  إطلاقاً نتمسّك به متى ما شككنا في قيد، فإنّ الدليل اللبّي لا إطلاق له، ولكنّها ـ  على أيّ حال  ـ تفيد في مقام دفع بعض القيود، ولعلّ أهمّها قيد العقد اللفظيّ.

وكأنّ الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله) حمل ذلك على التمسّك بسيرة المتشرّعة، فاعترض عليه بأنّ هذه السيرة تنشأ من قلّة المبالاة في الدين كمسامحتهم في كثير من العبادات والمعاملات والسياسات(1).

ونقل عن السيّد الخوئي (رحمه الله) في المحاضرات(2) التفصيل بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرّعة، فالتمسّك بسيرة المتشرّعة غير صحيح، والتمسّك بسيرة  العقلاء صحيح. وكأنّ المقصود من العبارة: أنّ سيرة المتشرّعة في أيّام مراجع التقليد القدامى قبل المحقّق الثاني لم تكن سيرة لهم بما هم متشرّعة، بدليل أنّ علماءهم كانوا يفتون بعدم إفادة المعاطاة للملك، وهم كانوا يبنون على إفادتها للملك،

', '

(1) المكاسب 1: 83، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) المحاضرات 2: 47.

', 255), (12, 256, 'book', '

فكيف نثبت اتّصال سيرة المتشرّعة بما هم متشرّعة بزمان المعصوم (عليه السلام)  ؟  !والتمسّك بسيرة العقلاء صحيح، إذ لا شكّ في ثبوتها في زمان المعصوم وبعدم الردع يثبت الإمضاء.

أقول: إنّ سيرة المتشرّعة لو ثبت استمرارها من زمان المعصوم فحتّى لو كانت ناتجة عن اللامبالاة تدلّ على المقصود، لأنّها لو لم تكن مرضيّة من قِبَل الإمام لكان يردع عنها ردعاً كاسراً لها، ففرضُ ثبوتها في زمن المعصوم وعدم انكسارها يعني رضا الإمام بذلك. وأمّا السؤال عن أنّه كيف تثبت استمراريّة السيرة من زمان المعصوم فلعلّها سيرة طارئة بعد المعصوم. فهذا سؤال لا يختصّ بسيرة المتشرّعة، بل يأتي حتّى في سيرة العقلاء، ولم يبحثه السيّد الخوئي (رحمه الله).

والواقع: أنّه يمكن تقريب السيرة في المقام بأحد وجوه ثلاثة:

الأوّل ـ سيرة العقلاء، وذلك بلحاظ ما نحسّ به نحن من الطبع العقلائي ونحدس اشتراكه بين هذا الزمان وزمان المعصوم، وهذا الحدس أمر ممكن ومعقول، لأنّها سيرة مفهومة لنا أي مفهومة جذورها النفسيّة وأسبابها، فبإمكاننا الحدس عن ثبوتها في زمن المعصوم، ونتمّم الدليل عندئذ ببيان أنّ المعصوم لو لم يكن يرض بها لردع عنها، ولو ردع لوصل الردع ولم يصل.

الثاني ـ أنّنا لا نشكّ في أنّ الالتزام بالعقد فيه مؤونة زائدة، وهي على خلاف الطبع، فحتّى لو تنازلنا عن فرض كون ذلك بمستوىً يوجب القطع بثبوت السيرة العقلائيّة في زمان المعصوم، فلا أقلّ من التسليم بأصل كون ذلك خلاف الطبع، ومشتملا على المؤونة، وعليه فلولا قيام سيرة المتشرّعة ـ  ولو بما هم عقلاء  ـ على المعاطاة لكثر السؤال والجواب، ولوصل ذلك إلينا، فعدم وصول ذلك دليل على ثبوت سيرة المتشرّعة ـ  ولو بما هم عقلاء  ـ ، وسيرة المتشرّعة إن

', '', 256), (12, 257, 'book', '

كانت بما هم متشرّعة فهي دليل إنّي على رأي الشارع، إذ لا تتكوّن إلّا برأيالشارع وسيرتهم بما هم عقلاء دليل على عدم ردع الشارع ردعاً كاسراً لها، إذ لو ردع كذلك لانكسرت، وهو خلاف الفرض، على أنّ المفروض عدم وصول الردع، وعدم ردعه كذلك دليل الرضا.

الثالث ـ أنّه بعد تسليم سيرة العقلاء على المعاطاة أمكن إثبات سيرة المتشرّعة ـ  ولو بما هم عقلاء  ـ ، بأنّنا نعلم حتماً أنّ المجتمع ـ  أيّ مجتمع كان  ـ لا يخلو عن سيرة قائمة على طريقة المعاملة، فإن لم تكن سيرة المتشرّعة قائمة على طبق سيرة العقلاء فهي قائمة حتماً على خلاف سيرة العقلاء، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا ملفتاً للنظر، ولتناقلته الألسن، وكان يصلنا خبره ولم يصل، فبهذا البيان تثبت سيرة المتشرّعة ولو بما هم عقلاء على المعاطاة، إلّا أنّ سيرة المتشرّعة في هذا التقريب ثبتت في طول ثبوت سيرة العقلاء، وفائدة ثبوتها أنّنا لسنا بحاجة في مقام تتميم الدليل على صحّة المعاطاة إلى القول بأنّه لو ردع الشارع لوصل الردع إلينا، فإنّ نفس قيام سيرة المتشرّعة دليل على المقصود بلا حاجة إلى البحث عن وصول الردع وعدمه، لأنّها إن كانت سيرة لهم بما هم متشرّعة فهي في طول رأي الشارع، وإن كانت سيرة لهم بما هم عقلاء، فنفس ثبوتها دليل على عدم صدور الردع الكاسر، وإلّا لانكسرت، وهو خلف. وهذا بخلاف ما لو لم تثبت عدا سيرة العقلاء، فإنّنا عندئذ بحاجة إلى البحث عن عدم وصول الردع، فلو شكّك مُشكِّك في عدم وصول الردع لمثل ما سيأتي ـ  إن شاء الله  ـ من حديث «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام»، فهذا التشكيك قد يضرّ بالتمسّك بسيرة العقلاء، ولكنّه لا يضرّ بالتمسّك بسيرة المتشرّعة ولو بما هم عقلاء، وإن كان ثبوتها لنا في طول ثبوت سيرة العقلاء.

هذا تمام كلامنا في إثبات صحّة المعاطاة بالسيرة.

$

', '', 257), (12, 258, 'book', '

إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام:

وقد ورد بعض ما يمكن أن يدّعى كونه رادعاً عن السيرة ومقيّداً للإطلاقات الماضية، ولعلّ أقواها دلالة حديث خالد بن الحجّاج أو خالد بن نجيح، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب واربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ  ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به إنّما يحلّ الكلام ويحرّم الكلام(1). والذي رواه عن خالد هو يحيى بن الحجّاج. وخالد بن نجيح ثقة لنقل ابن أبي عمير عنه، ولكن خالد بن الحجّاج لا دليل على وثاقته، ويغلب على الظنّ كون الصحيح هو خالد بن نجيح، وذلك لأمرين:

أوّلا ـ أنّ نسخة الكافي التي هي أضبط من التهذيب ورد فيها خالد بن نجيح، بينما الوارد في التهذيب هو خالد بن الحجّاج.

وثانياً ـ أنّ احتمال الخطأ بتبدّل ابن نجيح بابن الحجّاج أقوى من العكس، وذلك لاحتمال أنّ كون الراوي عنه يحيى بن الحجّاج أخا خالد بن الحجّاج أوجب سبق الذهن أو القلم خطأً إلى خالد بن الحجّاج، ولكن مع ذلك كلّه يصعب تحصيل الاطمئنان بأنّ النسخة الصحيحة هي النسخة المشتملة على خالد بن نجيح.

وعلى أيّة حال فلا يمكن دفع الاستدلال بسيرة المتشرّعة بهذا الحديث لما مضى من أنّنا إذا أثبتنا سيرة المتشرّعة في زمان المعصوم على شيء لم نحتج إلى البحث عن وصول الردع وعدمه، فتلك السيرة إمّا هي سيرة لهم بما هم متشرّعة، فهي في طول رأي الشارع، أو سيرة لهم بما هم عقلاء فهي بنفسها كاشفة عن عدم

', '

(1) الوسائل 12: 376، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 4.

', 258), (12, 259, 'book', '

ردع كاسر، ولو كان المعصوم غير راض بسيرة المتشرّعة لكان يكسرها بالردع.

بل قد لا يكفي هذا الحديث لو بقي وحده للردع عن سيرة العقلاء، لأنّ الردع يجب أن يتناسب في الشدّة مع مدى شدّة السيرة وأصالتها وقوّتها، وبما أنّ سيرة العقلاء على المعاطاة سيرة قويّة وعريقة فلو كانت غير مرضيّة لدى الشارع لكثر الردع عنها وكان هذا الردع ملفتاً للنظر وكان يكثر تناقله وبالتالي كان يصلنا أكثر من مثل حديث واحد في الردع.

أمّا لو قطعنا النظر عن السيرة وأردنا البحث عن فرض كون هذا الحديث مقيّداً لما مضى من الإطلاقات، فهنا تدخل مسألة السند في الحساب، بينما لا تدخل مسألة السند في حساب الردع عن السيرة، فإنّ فرض صدور ردع لا يساوق فرض وصوله بسند صحيح، واحتمال الردع يكفي لعدم حجيّة السيرة.

وبما أ نّك عرفت أنّ سند الحديث لا يخلو من إشكال لعدم ثبوت وثاقة خالد ابن الحجّاج واحتمال أن يكون الراوي هنا خالد بن الحجّاج، إذن فالحديث لا يصلح لتقييد المطلقات.

على أنّ تماميّة دلالته أيضاً محلّ إشكال. وتوضيح ذلك: أنّه ذكر الشيخ الأعظم (رحمه الله)(1) بالنسبة لمعنى قوله: (إنّما يُحلّ الكلام ويحرّم الكلام) بقطع النظر عن صدر الحديث وجوهاً أربعة:

الأوّل ـ أن يكون وارداً أساساً بصدد بيان أنّ التحليل والتحريم يكون بالنطق دون القصد بلا دلالة أو بدلالة الأفعال، وعليه تكون الرواية دالّة على المدّعى.

$

', '

(1) في المكاسب 1: 86، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيديّ.

', 259), (12, 260, 'book', '

والثاني ـ أن يكون المقصود أنّ المطلب الواحد قد يؤدّى بمضامين مختلفة يحلّ حينما يؤدّى ببعضها ويحرم حينما يؤدّى بالآخر، وذلك كالنكاح الذي قد يؤدّى بمضمون زوّجتك نفسي، فيصحّ، وقد يؤدّى بمضمون أحللت لك نفسي، فلا يصحّ. وهذا سنخ ما يحتمل في حديث أبي ربيع ونحوه(1).

والثالث ـ أنّ الكلام الواحد وجوده محلّل وعدمه محرّم، أو بالعكس، أو أنّه محلّل في محلّ ومحرّم في محلّ آخر، وتحتمله روايات المزارعة.

والرابع ـ أنّ المقاولة قبل استيجاب البيع محلّلة وإيجاب البيع محرّم.

وأبطل الشيخ الأنصاري (رحمه الله) الاحتمال الأوّل بأنّه ـ  بناءً عليه  ـ يلزم تخصيص الأكثر، إذ ما أكثر ما يحلّ أو يحرم بغير الكلام.

إلّا أنّ هذا الإشكال على الاحتمال الأوّل غير صحيح ؛ لأنّ المفهوم ـ  وفق المناسبات الارتكازية  ـ من هذا الكلام إنّما هو حصر التحليل والتحريم بالكلام في باب المعاملات لا في كلّ الاُمور. وما ذكره السيّد الخوئي (رحمه الله) من أنّ هذا لا يتمّ حتّى بلحاظ باب المعاملات ؛ لأنّ المعاطاة تفيد الإباحة ـ  على الأقلّ  ـ بالإجماع(2) غير صحيح، إذ لا إجماع تعبّدي في المقام.

وذكر السيّد الخوئي (رحمه الله): أنّ تفسير (يحلّل الكلام ويحرّم الكلام) بالتفصيل بين الوجود والعدم غير مقبول فإنّ اللفظ إذا اُطلق يكون فانياً في الوجود الواقعي لا في الوجود والعدم(3).

$

', '

(1) راجع الوسائل 13: 199 ـ 201 الباب 8 من أبواب المزارعة والمساقاة.

(2) راجع المحاضرات 2: 71 و  72، ومصباح الفقاهة 2: 149.

(3) راجع المحاضرات 2: 72، ومصباح الفقاهة 2: 152.

', 260), (12, 261, 'book', '

وعلى أيّة حال، فهذه الاحتمالات الأربعة في قوله: (إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام) إنّما ذكرها الشيخ (رحمه الله) بقطع النظر عن صدر الحديث. وأمّا بالنظر إلى صدر الحديث فقد ذكر الشيخ (رحمه الله): أنّ الاحتمال الأوّل والثاني يسقطان بعدم مناسبتهما لمورد الحديث فكون النصّ أساساً بصدد حصر المحلّل والمحرّم في الكلام لا يناسب المورد، فإنّ التفصيل المقصود في الحديث بينما إذا كان الأمر بنحو إن شاء ترك وإن شاء أخذ وما إذا كان مجبوراً على الأخذ لا علاقة له بحصر المحلّل والمحرّم في الكلام بداهة أنّ هذا التفصيل يكون وارداً حتّى لو لم يكن الكلام هو المحلّل والمحرّم، أي أنّه حتّى لو كانت المعاطاة صحيحة في نفسها كان يرد التفصيل بين ما إذا كان بالخيار في الأخذ والترك، أو كان مجبوراً على الأخذ، هذا حال الاحتمال الأوّل، وكذلك الحال في الاحتمال الثاني وهو كون المقصود أنّ مطلباً واحداً يبيّن بمضمون وصياغة ويكون محللا، ويبيّن بمضمون وصياغة اُخرى فيكون محرّماً، فإنّ هذا لا يناسب المورد، إذ ليس الكلام فيه في مطلب واحد يكون محلّلا حينما يؤدّى بمضمون ومحرّماً حينما يؤدّى بمضمون آخر، فينحصر الأمر بالاحتمال الثالث والرابع.

وعلى أية حال فببطلان الاحتمال الأوّل يبطل الاستدلال بهذا الحديث على بطلان المعاطاة.

ثمّ ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله): أنّ بالإمكان التمسّك بالحديث لفساد المعاطاة رغم بطلان الاحتمال الأوّل بعد فرض أنّ المقصود بالكلام إيجاب البيع إذ يُقال عندئذ: إنّه لولا انحصار البيع بالكلام فلماذا حصر المحلّل والمحرّم بالكلام؟! ولو كانت المعاطاة صحيحة لكان الحكم المقصود في هذا المقطع ثابتاً على المعاطاة أيضاً لا على الكلام فقط، قال (رحمه الله): إلّا أن يفرض أنّ السبب في هذا

', '', 261), (12, 262, 'book', '

الحصر كان هو عدم إمكان المعاطاة في مورد الحديث، لأنّ الثوب لا زال في يد المالك الأوّل، فليس بإمكان الدلاّل أن يبيعه من المشتري بالمعاطاة.

وأورد عليه السيد الخوئي (رحمه الله) بأنّ ظاهر الحديث هو أن الثوب كان بيد الدلاّل حيث يشير إليه بقوله: «اشتر هذا الثوب» فالمعاطاة ممكن في المقام، وحتّى لو فرضنا عدم وجود الثوب عنده فيكفي في المعاطاة الاعطاء من طرف واحد كالمشتري في المقام(1).

أقول: ولو فرض عدم إمكان المعاطاة في مورد الكلام فهذا لا يبرّر حصر المحلّل والمحرّم في الكلام إلّا إذا فرض كون النصّ ناظراً إلى المورد فحسب.

وأمّا ما ذكره الشيخ (رحمه الله) من إمكانيّة الاستدلال بالحديث على المقصود رغم فرض بطلان الاحتمال الأوّل، وذلك بنكتة أنّه لولا انحصار البيع بالكلام لما انحصر المحلّل والمحرّم في الكلام، فقد أورد عليه السيد الخوئي (رحمه الله):

أوّلا ـ بأنّ ثبوت الكلام مأخوذ في مفروض المورد.

وثانياً ـ أنّه يلزم عليه القول بعدم ترتّب الأثر على المعاطاة حتّى إباحة التصرّف، وهو خلاف الإجماع(2).

أقول: أمّا الإجماع فليس تعبّديّاً في المقام، ولا يفيدنا شيئاً. وأمّا كون مفروض الحديث هو ثبوت الكلام فلا أعرف كيف اكتشفه السيّد الخوئي (رحمه الله) في المقام.

ولعلّ مقصوده ـ  رغم قصور العبارة  ـ أن يقال: إنّه لو حملنا الحديث على

', '

(1) راجع المحاضرات 2: 74، ومصباح الفقاهة 2: 153 ـ 154.

(2) راجع المحاضرات 2: 74، ومصباح الفقاهة 2: 153.

', 262), (12, 263, 'book', '

أيّ احتمال آخر غير الاحتمال الأوّل فهو ليس بصدد البيان بالنسبة لاشتراط الكلام وعدمه، وإنّما هو بصدد بيان حكم آخر وهو الحكم المذكور في ذاك الاحتمال. وعندئذ فقوله: إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام يحتمل حمله على أنّه فرض في مورد الحديث وجود الكلام، ولا يتعيّن حمله على اشتراط الكلام ولا إطلاق في الحديث من هذه الناحية كي يتعيّن به ذلك.

المعاطاة في النكاح

وفي خاتمة البحث عن صحّة المعاطاة لا بأس بالكلام عن إشكال نقضي قد يورد في المقام، وهو النقض بالنكاح حيث قد يقال: لئن كانت الإطلاقات في باب البيع تدلّ على صحّة المعاطاة فقسم من تلك الاطلاقات نسبته إلى البيع والنكاح على حدّ سواء. صحيح أنّ النكاح خارج عن موضوع بحثنا، وهو العقد في المعاملات الماليّة لكنّه ـ  على أيّ حال  ـ عقد، فيشمله مثل (اُوفوا بالعقود) وغيرذلك من عديد من الإطلاقات التي مضى شرحها، فلِمَ لا يقال بصحّة المعاطاة في النكاح؟! فإمّا أن الإطلاقات تامّة فتصحّ المعاطاة في النكاح أو غير تامّة فلا تدلّ على صحّة المعاطاة في البيع.

صحيح أنّ آية التجارة عن تراض ورواية الناس مسلّطون على أموالهم أجنبيتان عن باب النكاح، لكنّ آية ﴿أوفوا بالعقود﴾ تشمل النكاح كما تشمل البيع، وآية ﴿أخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾ واردة في النكاح، وروايـة المؤمنون عند شروطهم تشمل النكاح والبيع. وما يقـوم في النكاح مقـام ﴿أحـلّ الله البيع﴾في البيع كثير كروايات فضل النكاح، كمعتبرة محمّد بن مسلـم عن أبي عبد الله (عليه السلام)عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الاُمم غداً في يوم

', '', 263), (12, 264, 'book', '

القيامة(1)... وروايات تحليل الفرج بأسباب ثلاثة(2)، وحديث زرارة التامّ سنداً عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتعة: أحلّها الله في كتابه وعلى سنّة نبيّه، فهي حلال إلى يوم القيامة(3)...، وحديث أبي مريم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنّة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)(4)وقوله ـ  تعالى  ـ: ﴿واُحلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن اُجورهن﴾(5)، وقوله ـ  تعالى  ـ: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾(6)، وقوله ـ  تعالى  ـ: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة﴾(7).

ولو كنّا نحن ودليل السيرة على المعاطاة فالفرق بين البيع والنكاح بلحاظ هذا الدليل واضح، فإنّ السيرة على المعاطاة قائمة في البيع دون النكاح، ولكن بالنظر إلى كثير من الإطلاقات قد يُقال بعدم الفرق بين البيع والنكاح.

وقبل أن نشرع في الجواب على الإطلاقات لا بأس بذكر رواية قد تستفاد

', '

(1) الوسائل 14: 3، الباب 1 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

(2) راجع الوسائل 14: 58، الباب 35، من أبواب مقدّمات النكاح، وأحاديث الباب جميعاً غير تامّة سنداً.

(3) الوسائل 14: 437، الباب 1 من أبواب المتعة، الحديث 4.

(4) الوسائل 14: 437، الباب 1 من أبواب المتعة، الحديث 5.

(5) النساء: 24.

(6) النور: 32.

(7) النساء: 3.

', 264), (12, 265, 'book', '

منها صحّة المعاطاة بالخصوص لا بالإطلاق في باب النكاح، وهي ما روي عنعبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: إنّي زنيت فطهّرني فأمر بها أن تُرجم فاُخبر بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال: كيف زنيتِ  ؟ قالت: مررتُ بالبادية فأصابني عطش شديد فاستقيت أعرابيّاً فأبى أن يسقيني إلّا أن اُمكّنه من نفسي فلمّـا أجهدني العطش وخفت على نفسي سقاني فأمكنته من نفسي، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) تزويج وربّ الكعبة(1). إلّا أنّ سند الحديث ضعيف بعلي بن حسان وبعبد الرحمن بن كثير الذي ضعّف واتّهم بوضع الحديث، ودلالته ضعيفة بأنّ الظاهر أنّه لم يرد في النكاح المعاطاتي، بل مورده مورد الزنا الصريح إذ الظاهر أنّهما لم يقصدا إيجاد علقة الزواج لا الدائميّة ولا الموقّتة بوقت معيّن.

والرواية معارضة برواية اُخرى مثلها في كون السند ضعيفاً، وهي رواية محمّد بن عمرو بن سعيد عن بعض أصحابنا في قصّة تشبه هذه القصة، ولكن لم يرد في آخرها: (سقاني فامكنته من نفسي) بل ورد فيها: (سقاني ووقع عليّ). وكان جواب أمير المؤمنين (عليه السلام): «هذه التي قال الله ـ  عزّ وجلّ  ـ ﴿فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد﴾ هذه غير باغية ولا عادية، فخلّ سبيلها...»(2) فهذه الرواية ظاهرة في كون ما حدث زنا إلّا أنّها معذورة بالاضطرار. فبناءً على كونهما ناظرتين إلى قصّة واحدة يقع التعارض بينهما. نعم لو فرض أنّهما ناظرتان إلى قصّتين، وأنّ المفروض في الاُولى أنّها هي مكّنته من نفسها ففرض هذا تزويجاً ولو بالمعاطاة، وفي الثانية أنّه هو وقع عليها قهراً فكان زنا فلا تعارض بينهما.

$

', '

(1) الوسائل 14: 472، الباب 21 من أبواب المتعة، الحديث 8.

(2) الوسائل 18: 384، الباب 18 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 7.

', 265), (12, 266, 'book', '

أمّا الإطلاقات فيمكن الجواب عليها بأجوبة ثلاثة:

الجواب الأوّل ـ مختصّ بالإطلاقات الخاصّة بباب النكاح، ولا يرد في مثل أوفوا بالعقود ممّـا كان يشمل البيع والنكاح وهو أنّها لم ترد مورد بيـان أصل حلّيّة النكاح، بل حلّيّة النكاح كأنّها مفروغ عنها(1) في المرتبة السابقة بشروطها المفروضة، وتكون هذه الأدلّة بصدد بيان حكم آخر من الترغيب في هذا النكاح المشروع وبيان استحبابه وفضله أو كونه منقسماً إلى أقسام ثلاثة، أو جواز جعله على شكل العقد الموقّت خلافاً للعامّة، أو تمييز النساء المحلّلات من المحرّمات، أو حلّ مشكلة الأيامى والصالحين، أو بيان جواز التعدّد، أو بيان الوظيفة عند احتمال عدم العدل وفي خصوص قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿اُحلّ لكم ما وراء ذلكم﴾توجد قرينة واضحة في أنّها ليست بصدد بيان شرائط النكاح، وإنّما هي بصدد بيان تمييز النساء المحلّلات من المحرّمات، وهي قوله ـ  تعالى  ـ: ﴿محصنين غير مسافحين﴾فكلّما شككنا في اشتراطه شككنا في أنّه مع عدمه هل يقع الاحصان أو السفاح.

الجواب الثاني ـ يشمل حتّى مثل ﴿  أوفوا بالعقود  ﴾ وهو أنّ الإطلاقات لا تنفي الشروط العقلائيّة، وذلك إمّا بنكتة كونها اسماً للصحيح ومحمولا على الصحيح العقلائي بالإطلاق المقامي، أو بسبب أنّ حمله على الصحيح الشرعي يجعله قضيّة بشرط المحمول، وإمّا بنكتة أنّ الارتكاز العقلائي يكون كالمتّصل الذي يمنع عن انعقاد الإطلاق، والعقد اللفظي في النكاح في بيئة النصوص من الشروط العقلائيّة بخلاف البيع، ويكفينا احتمال ذلك.

$

', '

(1) لا يبعد القول بأنّ دليل الترغيب بنفسه دليل للحلّ وليس الحلّ مأخوذاً مفروغاً عنه.

', 266), (12, 267, 'book', '

الجواب الثالث ـ يشمل أيضاً جميع الإطلاقات وهو دعوى تخصيصها ببعضالمخصّصات من قبيل.

1 ـ ما قد يستفاد منه شرط التلفّظ بالكلام في المتعة (بعد العلم بعدم الفرق من هذه الناحية بين المتعة والعقد الدائم) كحديث ثعلبة قال: تقول: أتزوّجك متعة...(1) إلّا أنّه غير منته إلى المعصوم، وحديث أبان بن تغلب، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام)كيف أقولُ لها إذا خلوتُ بها  ؟ قال: تقول: أتزوّجُكِ متعة...(2) إلّا أنّه غير تامّ سنداً، على أنّه في الدلالةِ أيضاً ضعيف لأنّ مفروض السائل هو العقد اللفظي وسأل الإمام عن كيفيّته فأجابه ببيان كيفية معيّنة وهذا لا يدلّ على أصل اشتراط العقد اللفظي دلالة أقوى من مجرّد الإشعار.

ونحوه في الضعف سنداً ودلالةً حديث هشام ابن سالم:

قال: قلتُ كيف يتزوّج المتعة  ؟

قال: يقول: أتزوّجك...(3).

وبسند آخر ضعيف أيضاً عن هشام بن سالم الجواليقي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، نحوه(4) ولعلّهما حديثٌ واحد.

وورد أيضاً عن الأحول قال: سألتُ أبا عبد الله(عليه السلام)، قلتُ: ما أدنى ما يتزوّج الرجل به المتعة  ؟ قال: كفٌّ من برٍّ يقول لها: زوّجيني...(5).

وهذا امتيازه عمّـا قبله أنّه لم يكن المفروض في لسان السائل وجود العقد اللفظي فدلالته أقوى ممّـا قبله، ولكن يوجد في أحد سنديه جبير أبو سعيد المكفوف وفي الآخر محمّد بن علي ماجيلويه.

$

', '

(1) الوسائل 14: 466 و  467، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 2.

(2) (3) (4) (5) الوسائل 14: 466 ـ 467، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 1 و 3 و 6 و 5.

', 267), (12, 268, 'book', '

2 ـ روايات شرط اللفظ في الطلاق بل وشرط لفظ مخصوص...(1) فبناءًعلى عدم احتمال الفرق في شرط اللفظ بين الطلاق والنكاح يُتعدّى إليه. ولكن الإنصاف أنّ احتمال الفرق وارد فكما أنّ الطلاق اختصّ باشتراط الشهود بخلاف النكاح فكذلك لو اشترط فيه اللفظ لم يكن يعني هذا شرط اللفظ في النكاح.

3 ـ روايات اشتراط ذِكر شروط المتعة في متن العقد(2) حيث تدلّ ضمناً على شرط العقد اللفظي وبعدم الفرق يُتَعدى إلى النكاح الدائم. والاستدلال بهذه الروايات يتوقّف على أن لا نحتمل أنّ السبب في حاجة المتعة إلى العقد اللفظي إنّما هو أنَّ شروط المتعة يجب أن تذكر في متن العقد فلا بُدَّ من العقد اللفظي لكي تُذكر تلكَ الشروط في متنه، أمّا إذا احتملنا ذلك كان هذا بنفسه هو الفارق بين المتعة والعقد الدائم.

وفي ختام البحث عن المعاطاة في النكاح اُشير إلى نكتتين في الفرق بين مثل المعاطاة في البيع والمعاطاة في النكاح:

الاُولى ـ لو قلنا: إنّ المعاطاة في البيع لا تدلّ عرفاً على إنشاء التمليك

', '

(1) راجع الوسائل 15: 290 ـ 296، الأبواب 14 و  15 و  16 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه.

(2) راجع الوسائل 14: 468 و  469، الباب 19 من أبواب المتعة، و: 492 ـ 493 الباب 39 منها، والجزء 18: 412، الباب 42 من أبواب حدّ الزنا، والحديث في هذين البابين تارةً يُروى بصيغة «أنسى أن يشترط» واُخرى بصيغة «ثمّ نسي حتّى واقعها» الظاهر في نسيان العقد والإنصاف قوّةُ دلالة هذه الأحاديث، على الخصوص الحديث الأخير بصيغته الظاهرة في نسيان العقد على بطلان المعاطاة. واحتمال اختصاص ذلك بالمتعة لأجل التمكّن من ذكر الشروط في لفظ العقد بعيد جدّاً.

', 268), (12, 269, 'book', '

والتملّك وإنّما يرجع واقعها إلى أنّ كلّ واحد منهما يسمح لصاحبه التملّك بالحيازة، ولكن في مقابل تملّك الآخر لا مجّاناً، فالفرق بين المعاطاة في البيع والمعاطاة في النكاح الموجب لعدم نفوذ الثانية، بخلاف الاُولى حسب الارتكاز العقلائي يصبح واضحاً فإنّ الحيازة إنّما تكون مملّكة في باب الأموال، ومالكية الشخص السابق تمنع عن تأثير الحيازة، وسماحه بذلك يرفع المانع أمّا في باب النكاح فلا يوجب شيء يحلّ محلّ الحيازة في الأموال.

والثانية ـ لو قلنا: إنّ المعاطاة في البيع إنشاء للتمليك والتملّك فالنكتة في أنّ المعاطاة في النكاح لا تعتبر عرفاً إنشاءً للزوجية بلحاظ مدرسة لا تسمح بالارتباط الجنسي غير القائم على أساس الزوجية هو أنّ نفس المعاطاة في النكاح مصداق للسفاح أو الحرام لأنّ هذا المصداق لم يكن عملا ناشئاً عن زوجية فكان حراماً، وهذا بخلاف المعاطاة في البيع فإنّ القبض أو الإقباض الأوّل وإن لم يكن ناشئاً عن الملكية الجديدة لكنّه لم يكن حراماً، لأنّ التصرف العملي في مال الغير برضاه جائز، وليس التصرّف العملي الجنسي بمجرّد رضا الرجل والمرأة جائزاً لدى عرف يحرّم الارتباط الجنسي غير القائم على أساس الزوجية، إذن فهذا التصرف مصداق لما يناقض النكاح، أي للسفاح أو الحرام فلا يساعد العرف على إنشاء النكاح به في دين يحرّم ذاك الارتباط.

$

', '', 269), (12, 270, 'book', '

$

', '', 270), (12, 271, 'book', '

ـ 2 ـ

العقود المستحدثة

الجهة الثانية: أنّ العقود المشروعة ليست منحصرةً في العقود المسمّـاة في النصوص أو في كتبنا الفقهيّة القديمة، بل كلّ عقد جديد اُستحدث في زمان متأخّر كعقود التأمين أو السرقفليّة أو يستحدث في المستقبل ما دام لا يعارض الشرائط العامة ولم يرد دليل على خلافه، نحكم بصحته وذلك تمسكاً بجملة من الإطلاقات الماضية كـ ﴿أوفوا بالعقود﴾ وآية ﴿أخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾، وكذلك آية ﴿تجارة عن تراض﴾ إن كان العقد الجديد تجارة وكذلك قوله «المؤمنون عند شروطهم». نعم، لو كان الشك في مشروعية المتعلق لم يتم التمسك بهذه الإطلاقات، إمّا لأنّ هذه الإطلاقات حيثية أي أنّها إنّما تبيّن احترام العقد من حيث أنّه عقد أو لأنّها أحكام ثانويّة في إطار الأحكام الأوّليّة.

ولا فرق في ما ذكرناه في التمسك بالإطلاقات لتصحيح العقود الجديدة بين عقد يكون من سنخ شرط الفعل أو عقد يكون من سنخ شرط النتيجة ولا يتوهم عدم تمامية الإطلاق بالنسبة للثاني، فأوفوا بالعقود لو خصصناه بما يكون من سنخ شرط الفعل لما شمل مثل البيع الذي هو في فقهنا إنشاء للنتيجة مباشرة من التمليك والتملّك، فلو كان ﴿أوفوا بالعقود﴾ شاملا للبيع فهو شامل للعقود

', '', 271), (12, 272, 'book', '

الجديدة التي تُنشئ النتيجة، وأمّا آية ﴿ميثاقاً غليظاً﴾ فموردها ما كان من قبيل شرط النتيجة وهو ملكيّتها للمهر وكذلك آية التجارة القدر المتيقّن منها البيع الذي يُنشئ مباشرة النتيجة وأمّا قوله: «المؤمنونَ عند شروطهم» فإن لم نقبل دلالته في فهمنا على إمضاء شرط النتيجة كفانا تطبيقه من قِبَل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)على شرط النتيجة في حديث علي بن رئاب عنه...(1).

نعم في شرط النتيجة أو إيجاد النتيجة بالعقد لا بدّ أيضاً من الفراغ مسبقاً عن مشروعية تلك النتيجة، بمعنى صحةِ إيجادها في ذاتها بقطع النظر عن هذا العقد، فمثلا لو تعاقدا على أن يصبح أحدهما عبداً للآخر لم تدلّ المطلقات على صحة هذا العقد لعدم مشروعية النتيجة، وكذلك لو تعاقدا على أن تكون حيازة أحدهما للآخر مقابل تمكينه من استعمال وسائل الحيازة أو مقابل أي ثمن من الأثمان بحيث تصبح الحيازة مملّكة للمال المحاز إيّاه دون المُـحيز، فهذا غير واضح الصحّة، لأنّ أصل تمليك الحيازة لشخص بمعنى أن تصبح مملّكة للمال المحاز إ يّاه غير معلوم الصحة عقلائياً أو شرعاً.

أمّا لو مكّنه من استعمال وسائل الحيازة أو ملّكه مالا في مقابل تمليكه إ يّاه للمال الذي سيحوزه بنحو شرط الفعل أو النتيجة لا في مقابل مملّكية الحيازة للمال إيّاه فهذا لا ينصدم بالإشكال الذي عرفت، إذ لا إشكال في مشروعية تمليك مال مّا لشخص. ولكن هذا قد ينصدم بإشكال عدم معلومية العِوض إذا كان لا يُعلم بما ستدخل في الحيازة خاصّة إذا كانت أصل مالية ما سيدخل في الحيازة

', '

(1) الوسائل 15: 49، الباب 4 من أبواب المهور، الحديث 2. ولا يخفى أنّه مضى منّا في الهامش في ذيل البحث عن آية ﴿ اُوفوا بالعقود ﴾ نقاش في الاستدلال بأمثال هذه الإطلاقات.

', 272), (12, 273, 'book', '

غير معلومة، أو ينصدم بإشكال بيع ما لا يُملك الذي ورد النصّ الخاص على بطلانه، إلّا أنّ هذه الإشكالات غير مرتبطة بالمقام. ولو باعه شيئاً في الذمة ثم ملّكه بالحيازة فوفّى به ما ثبت على ذمّته فهذا صحيح بلا أي انصدام بإشكال من هذه الإشكالات كما هو واضح.

$

', '', 273), (12, 274, 'book', '

$

', '', 274), (12, 275, 'book', '

ـ 3 ـ

أصالة اللزوم في العقود

الجهة الثالثة ـ هل إنّ إطلاقات العقود تفيد أنّ العقود بحسب الطبع الأوّلي لها لازمة أو لا  ؟

نتكلّم هنا أوّلا عن الإطلاقات المفيدة للّزوم ثم نلحق بهذا البحث ما إذا كان لدينا دليل آخر على اللزوم كالسيرة والاستصحاب وبعد ذلك نبحث إن شاء الله عمّـا قد يُدّعى في خصوص المعاطاة من الإجماع على عدم اللزوم أو عدم الملك ثم نبحث إن شاء الله عن أنّ العقود غير اللازمة كالوكالة والعارية والوديعة هل هي خارجة تخصّصاً أو تخصيصاً  ؟

الإطلاقات الدالّة على اللزوم:

أمّا الإطلاقات الدالّة على اللّزوم فهي جملة من الإطلاقات الماضية زائداً حديث عدم حِلّ مال المسلم إلّا بطيب نفسه.

فمن تلك الإطلاقات حديث «الناس مسلّطونَ على أموالهم» بقطع النظر عمّـا مضى من ضعفه سنداً، وأوّل إشكال دِلالي يخطر بالبال في المقام هو أنّه بعد الفسخ يشكّ في كون المال باقياً على ملك المالك السابق فالتمسّك بحديث «الناس مسلّطون على أموالهم» لصالح المالك السابق تمسّك بالعام في الشُبهة

', '', 275), (12, 276, 'book', '

المصداقية لنفس العام. ويُجاب على هذا الإشكال، بأنّنا نتمسّك بهذا الحديث بلحاظ نفس الفسخ ففسخ المعاملة من قِبَلِ أحد الطرفين رغماً على الطرف الآخر ينافي سلطنته على ماله. وقد يُعمّق الإشكال ببيان لا يكفي في إبطاله هذا الجواب، وهو ما قد يُقال من أنّ السلطنة حكمٌ موضوعه المال المنتسب إلى الشخص فإنّ هذا هو المستفاد من إضافة المال في الحديث إلى الضمير وهذا يعني أنّ موضوع السلطنة هو الشيء المملوك ولا بدّ من حفظ الموضوع في الرتبة السابقة على الحكم فنفس الحكم لا يدلّ على ثبوت الموضوع أو نفيه وعليه فما معنى التمسّك بهذا الحديث لإبطال الفسخ  ؟

فإن كان معناه أنَّ إفناء الموضوع، وهو ملكية المشتري مثلا بفسخ البايع غير نافذ بدليل السلطنة، كان هذا خُلف ما ذكرناه من أنّ الحكم لا يدلّ على حفظ موضوعه، وإن كان معناه إثبات السلطنة على المملوك بعد الفسخ ورغم الفسخ فهذا أوضحُ بطلاناً، لأنّنا نحتمل أن يكون الفسخ قد أنهى الملكية.

وقد يُضاف إلى هذا التقريب بيان أنّ حديث السلطنة إنّما نطق بثبوت السلطنة على نفس المال ولم ينطق بثبوت السلطنة على نفس السلطنة، وسلطنة المشتري مثلا على المنع عن الفسخ تعني السلطنة على إبقاء سلطنته على المال ولا تعني السلطنة على نفس المال.

وأيّ واحد من هذين البيانين لو تمَّ يرد في مسألة الإعراض أيضاً وهي أنّ إعراض المالك عن ملكيّة ماله هل يُخرجه عن ملكيّته أو لا  ؟

حيث قد يُقال: إنّ دليل السلطنة يدلّ على مخرجيّة الإعراض لأنّ قدرة الإنسان على إخراج ماله من ملكه نوع من السلطنة على ماله، فيُجاب على ذلك تارةً بأنّ الحكم لا يحفظ ولا يزيل موضوع نفسه، وإنّما يُؤخذ الموضوع مفروغ

', '', 276), (12, 277, 'book', '

الوجود في الرتبة السابقة على الحكم، إذن فالسلطنة على الملك لا تدلّ على إمكان إزالة الملكية بالإعراض، واُخرى بأنّ حديث السلطنة إنّما ورد في السلطنة على نفس المال لا على السلطنة، والسلطنة على الاعراض وإنهاء الملكية إنّما هي سلطنة على نفس السلطنة لا على المال.

وينبغي أن يكون المقصود بالسلطنة على السلطنة، السلطنة على إبقاء الملكية وإزالتها لا السلطنة على السلطنة التي هي حكم للملكية والتي هي بمعنى جواز التصرفات وصحّتها.

وعلى أيّة حال فالواقع أنّ كلا هذين التقريبين غيرُ تام.

فأوّلا ـ يرد عليهما النقض بمثل البيع إذ لا شك في أنّ قوله: «النّاس مسلّطون على أموالهم» يدلُ على كون المالك أولى ببيع ماله من غيره، كما يدلّ على كونه أولى بالتصرّف الاستهلاكي فيه من غيره، مع أنّه بناءً على هذين التقريبين يجب أن تختص السلطنة في الحديث بالتصرفات الاستهلاكيّة دون التصرفات الاعتباريّة كالبيع وذلك لأنّ البيع إخراج للمال عن ملك صاحبه وسلطنته والمفروض أنّ الملكية موضوع للسلطنة ولا بدّ أن تنحفظ في الرتبة السابقة عليها، ولا يدلّ الحكم على إزالة موضوع نفسه أو قل إنّ الحديث إنّما دلّ على السلطنة على نفس المال لا على الملكية أو السلطنة والقدرة على البيع تكون سلطنةً على الملكيّة أو السلطنة لا على نفس المال.

وثانياً ـ الحلّ بالإجابة على كلا التقريبين، أمّا التقريب الثاني فبأنّ السلطنة على إبقاء الملك وإزالته تُعتبر سلطنة على المال وليس المفهوم عرفاً من السلطنة على المال خصوص السلطنة على التصرّفات الاستهلاكيّة. وأمّا التقريب الأوّل فجوابه: أنّ المفهوم عُرفاً بمناسبات الحكمِ والموضوع هو أنّ موضوع السلطنة

', '', 277), (12, 278, 'book', '

على التصرّف إنّما هي الملكية الثابتة للمال بقطع النظر عن التصرّف، وإن كان نفس ذاك التصرّف مُخرجاً للمال عن الملكية استهلاكاً أو اعتباراً.

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه أنّ قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم» يدلّ على أنّ الطبع الأوّلي للعقود هو اللزوم لأنّ نفوذ الفسخ من قِبَل أحد الطرفين رغماً على الطرف الآخر خلاف سلطنته على ماله.

وهذا لا يستلزم القول بأنَّ الإعراض عن الملكية يُخرِجُ المالَ عن الملكِ تمسّكاً بـ «الناس مسلطون على أموالهم» وذلك لما مضى من أنّ قوله: النّاس مسلّطون على أموالهم إنّما يدلّ على أنّ كلّ تصرّف سائغ أو صحيح ونافذ في نفسه يكون المالك أولى به من غيره، وصحّة الإعراض ونفوذه أوّلُ الكلام، وهذا بخلاف ما نحن فيه فإنّ إبقاء المال في ملك مالكه وعدم الفسخ مشروع في ذاته بلا إشكال فيكون المالك مسلّطاً على ذلك، وإعطاء الفسخ بيد أحد الطرفين خُلف سلطنة الآخر على المال فلا بدّ أن يكون برضاهما معاً كي لا يكون خلاف سلطنة أيّ واحد منهما على ماله وعندئذ يكون مشروعاً وهو المسمّى بالإقالة.

ولا يُقال: إنّ مسألة اللزوم في المقام ومسألة نفوذ الإعراض متلازمتان، لأنّ إحداهما تعني السلطنة على إبقاء الملكية، والاُخرى تعني السلطنة على إزالتها، ومن الواضح أنّ نسبة السلطنة إلى الإبقاء والإزالة على حدٍّ سواء، فالسلطنة على الإبقاء وحده أو الإزالة وحده ليست سلطنة، بل هي عبارة عن ضرورة البقاء أو ضرورة الزوال، وهذا سنخ ما يُقال في القدرة التكوينية من أنّ نسبتها إلى الوجود والعدم على حدٍّ سواء، ولا تُعقل القدرةُ على الوجود فقط أو على العدمِ فقط فإنّ ذلك يعود إلى الوجوب أو الامتناع وهما غير القدرة.

فإنّه يقال: صحيح إنّ السلطنة الشرعية كالقدرة التكوينية نسبتها إلى الإبقاء

', '', 278), (12, 279, 'book', '

والإزالة على حدٍّ سواء لكننا لو فصّلنا بين مسألة الإعراض ومسألة اللّزوم فهذاليس تفصيلا بين طرفي النقيض في مورد واحد حتى يُقال إنّ هذا يُنافي معنى السلطنة وإنّما هذا تفصيل بين الأسباب، فالفسخ الذي أراده الطرف الآخر سبب لإزالة الملك، ويكون المالك مسلّطاً عليه نفياً وإثباتاً والإعراض سبب آخر لإزالة الملك قد لا يكون المالك مسلّطاً عليه نفياً وإثباتاً.

ومنها حديث «المؤمنون عند شروطهم» فبعد فرض شمول الشرط للعقد يصبح كـ ﴿أوفوا بالعقود﴾ ويأتي فيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ﴿أوفوا بالعقود﴾ وقد يُقال: إنّ رواية منصور بزرج صريحة في اللّزوم(1) حيث جاء فيها: بئس ما صنع وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنّهار، قُلْ له فليفِ للمرأةِ بشرطها فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: المؤمنون عند شروطهم(2). إلّا أنّ افتراض خصوصية وامتياز لهذه الرواية على باقي روايات الشرط في الدلالة على اللزوم غريب، فإنَّ هذا الرجل لم يكن فرضه فرض التراجع عن الشرط مع مشروطه وإنّما كان فرضه فرض التراجع عن الشرط فحسب، وهذا ممّـا لا شكّ في عدم جوازه على جميع روايات الوفاء بالشرط، ولو جاز ذلك لم يبق معنى لوجوب الوفاء بالشرط المذكور في الروايات، وإنّما الكلام في أنّ أدلّة الوفاء هل تنفي بالإطلاق فسخ الالتزامين المتقابلين أيضاً أوْ لا  ؟ أمّا نفي فسخ أحد الالتزامين وحده فواضح بلا كلام.

ومنها آية ﴿أوْفوا بِالعُقودِ﴾(3) حيث يُقال:

$

', '

(1) راجع كتاب البيع للسيّد الإمام (رحمه الله) 1: 144.

(2) الوسائل 15: 30، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.

(3) المائدة: 1.

', 279), (12, 280, 'book', '

إنَّ الفسخ من طرف واحد يُعدّ خلافاً للوفاء وهذا بخلاف التقايل فإنّه وإنكان مخالفة للعقد لكنّه لا يُعدّ عرفاً خلاف الوفاء والشبهة التي مضت في «الناس مسلّطون على أموالهم» من أنّه بعد الفسخ يُشكّ في كونه ماله فالتمسّك به تمسّكٌ بالعام في الشبهة المصداقية للعام لو تمّت هناك لا تأتي هنا، لوضوح أنّ موضوع الوفاء بالعقد ليس هو القرار المستمر بل بمجرّد أن حدث قرار مرتبط بقرار تمَّ موضوع أوفوا بالعقود، ولو عَدَلَ بعد ذلك أحدهما عن قراره اشتهاءً وكذلك لو نسيه مثلا فزال من قلبه فإنّه مهما تذكّره لا تجوز له مخالفته، فلا تأتي شبهة أنَّ الفسخ قد ينهي العقد كما ينهي الملكية فنبتلي بمشكلة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للعام. والفسخ من طرف واحدرغم الآخر عين عدم الوفاء بالعقد بلا شكّ.

وقد اتّضح بكل ما ذكرناه أنّه لا مجال لما قد يُقال من: أنّ العقد أمرٌ عرفي عقلائي وهو مستمر إلى حين الفسخ وينتهي بالفسخ أو يُقال: إنّ هذا الوجود العرفي العقلائي وإن كان لا ينتهي بكل فسخ ولكنه ينتهي بالفسخ إذا كان تزلزل العقد أو الخيار عقلائياً فإذا شككنا في عقلائية الخيار أو تزلزل العقد أو كان نفس العقلاء شاكّين في الخيار أو التزلزل كان التمسّك بدليل أوفوا بالعقود المنصرف إلى العقد العرفي العقلائي تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية أو يُقال: أنّه حتى لو ثبت عدم عقلائية الخيار أو التزلزل ولكن شككنا في اللزوم الشرعي لم يمكن إثبات اللزوم بـ ﴿أوفوا بالعقود﴾ لأنّ العقد وإن كان باقياً عقلائياً بعد الفسخ لعدم تأثير الفسخ في نظر العقلاء حسب الفرض لكنّ الشارع إنّما يأمرنا بالوفاء بالعقد الشرعي والمفروض أنّنا نحتمل اختلاف نظر الشرع عن نظر العقلاء فنحتمل عدم موافقة الشارع، إمّا بمعنى تخطئتهم أو بمعنى كون جعل الشارع واعتباره مختلفاً عن جعلهم واعتبارهم.

$

', '', 280), (12, 281, 'book', '

إذن فالتمسّك بـ ﴿أوفوا بالعقود﴾ تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد يُقال: إنّ التمسك بأوفوا بالعقود في مورد يعتبر العقلاء عدم تأثير الفسخ صحيح ببركة الإطلاق المقامي ولكنّ الإطلاق المقامي لا يتمّ فيما إذا لم يحرز اللزوم عقلائياً، وهو القرار المرتبط بقرار أو الالتزامان المتقابلان وهذا يكفي فيه الوجود الآني ولا معنى لفرض زواله بالفسخ. وعلى أيّةِ حال فدلالة ﴿أوفوا بالعقود﴾على اللزوم يمكن أن تتصوّر بأحد شكلين:

الأوّل ـ أن تطبَّق الآية على نفس الملك الذي حقّق بالعقد فيُقال: إنّ معنى الوفاء بالعقد هو أن يبقى صاحبه وفيّاً بما أحدثه من الملك والنقل وبناء على هذا فالأمر بالوفاء أمرٌ وضعي بمعنى عدم نفوذ الفسخ إذ لا نحتمل حرمة الفسخ تكليفاً فالآية تدلّ بالمطابقة على اللزوم. إلّا أنّ هذا الوجه خلافُ الظاهر لأنّ الآية لا تختصّ بالعقود المحققة للملك بنحو شرط النتيجة بل تشمل العقود التي هي في واقعها التزام مرتبط بالالتزام. والأمر بالوفاء بتلك العقود محمول على ظاهره وهو الأمر التكليفي، وافتراض كونه بلحاظ بعض العقود أمراً تكليفياً وبلحاظ بعضها أمراً وضعياً يشبه فرض استعمال اللفظ في معنيين.

الثاني ـ أن تطبَّق الآية على ترتيب آثار الملك والنقل من التسليم إلى المالك الجديد وعدم مزاحمته في الاستفادة من المتاع ونحو ذلك، ويحمل الأمر على ظاهره من الأمر التكليفي ويُقال: إنَّ الالتزام بتلك الآثار المترتّبة على الملك الذي حصل بالعقد يعتبر عرفاً وفاء بالعقد ووجوب هذا الوفاء لازمه عدم تأثير النسخ، إمّا ببيان أنّ إطلاق هذا الحكم يشمل ما بعد النسخ وهذا يعني عدم تأثير الفسخ لعلمنا بأنّه لو أ ثّر الفسخ لما بقى وجوب الوفاء بالعقد ثابتاً، وإمّا ببيان أنّ وجوب الوفاء بالعقد مع الترخيص في الفسخ يُعتبر عرفاً لغواً وأمراً غير معقول.

$

', '', 281), (12, 282, 'book', '

والخلاصة إنّ الآية تدلُ بالمطابقة على وجوب الوفاء وبالملازمة على اللزوم. فإن قلت: إنّ لازم ذلك أنّ البايع مثلا لو خالف التكليف الشرعي وغصب العين المبيعة يشتدُّ عقابُه لأنّه فعل حرامين، أحدهما الغصب والثاني ترك الوفاء بالعقد، مع أنّه لا إشكال في عدم الفرق بينه وبين أيّ إنسان آخر أجنبيّ عن هذه المعاملة يأتي ويغتصب هذه العين.

قلتُ: إن ثبت بمثل ضرورة فقهية أو وضوح لا يقبل الشك أو بظهور عرفي ناشئ من المناسبات أنّهما سيّان عرفنا أنّ السببين وهما الغصب وترك الوفاء بالعقد يتداخلان عند الاجتماع ويوجبان حكماً واحداً ليس بأشدّ وآكد من واحد من الحكمين كما هو الحال في كلِّ حكمين بين موضوعهما عموم من وجه، لو علمنا من الخارج بعدم التأكّد في مادة الاجتماع فلو ورد أكرم العالم وأكرم الهاشمي وعلمنا بعدم تأكّد الحكم في العالم الهاشمي ثبت عليه حكم واحد غير آكد من وجوب الإكرام في مادة الافتراق.

ومنها ـ آية ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض﴾(1) وهي تدلّ على المقصود سواء حُمِلت على النهي الوضعي عن التملّك أو على النهي التكليفي عن التصرف الاستهلاكي الدال بالملازمة على نفي التملّك فعلى كلِّ حال نقول: إنّ الفسخ رغماً على أنف الطرف المقابل ليس تجارة عن تراض فهو غير مملّك للفاسخ، كما أنّه لا فرق في الاستدلال بهذه الآية بين تفسير الباطل بمعنى الباطل العرفي وجعل الاستثناء منقطعاً، أو تفسيره بمعنى حكم الشارع بالبطلان وجعل الاستثناء متصلا، فيكون المعنى لا تأكلوا أموالكم بينكم

', '

(1) النساء: 29.

', 282), (12, 283, 'book', '

بكل سبب فإنّه باطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض فعلى كلا التقديرين يثبتالمقصود إذ على الثاني يكون مقتضى الحصر بطلان الفسخ لأنّه ليس تجارة عن تراض، وعلى الأوّل يكون الفسخ في الحالات الاعتيادية التي يُعتبر فيها باطلا في نظر العرف داخلا في جملة المستثنى منه وهي النهي عن الأكل بالباطل فيبطل.

ومنها ـ آية ﴿أخذن منكم ميثاقاً غليظاً﴾(1) بناء على استفادة معنى الوفاء بالعقد منها فيما سبق وعندئذ يكون حال الاستدلال بها في المقام كحال الاستدلال بـ ﴿أوفوا بالعقود﴾.

وقد يتمسّك في المقام بجملة المستثنى في آية التجارة أو بآية ﴿أحلَّ الله البيع﴾ لإثبات اللزوم بدعوى إنّ إطلاق مثل ذلك يشمل ما بعد الفسخ فمن تملّك شيئاً بالبيع وبالتجارة عن تراض جازت له الاستفادة منه حتى بعد الفسخ تمسّكاً بإطلاق ﴿تجارة عن تراض﴾ أو بإطلاق ﴿أحلّ الله البيع﴾ وبه يثبت عدم نفوذ الفسخ.

ويردُ عليه: أنّه إن كان المقصود بـ ﴿تجارة عن تراض﴾ أو ﴿أحلّ الله البيع﴾ كون التجارة عن تراض أو البيع مملّكاً فهي إنّما دلّت على حصول الملك، أمّا بقاءه وعدم بقائه بعد الفسخ فغير مفهوم من الآيتين، وإن كان المقصود بهما حلّية التصرّف تكليفاً فأدلّة الإباحة دائماً حيثيّة، فلو ورد دليل على حلّية الجبن لم يمكن التمسّك بإطلاقه لما إذا كان الجبن مغصوباً أو نجساً مثلا، وإنّما الدليل دلَّ على أنّ الجبن ـ  من حيث هو جبن  ـ حلال، وكذلك في المقام إنّما دلَّ الدليل على أنّ التجارة عن تراض أو البيع يترتّب عليهما ـ  بحدِّ ذاتهما  ـ حِلّ التصرّف. أمّا طرو الحرمة مرة اُخرى بالفسخ وعدمه فهو غير مستفاد من هذا الدليل.

$

', '

(1) النساء: 21.

', 283), (12, 284, 'book', '

والنكتة في حمل العرف لأدلّة الإباحة على الحكم الحيثيّ هي أنّ الإباحة يكفي فيها عدم الاقتضاء للزوم واللااقتضاء لا يزاحم المقتضي.

وأمّا حديث عدم حِلّ مال المسلم بغير رضاه فقد ورد في صيغتين:

الاُولى ـ حديث سُماعة وزيد الشحّام عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرسول  (صلى الله عليه وآله): مَنْ كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى مَن ائتمنه عليها فإنّه لا يحلّ دم امرء مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفس منه(1).

والثانية ـ التوقيع عن الإمام صاحب الزمان ـ  عجّل الله فرجه  ـ: وأمّا ما سألت عنه من أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتساباً للأجر، وتقرّباً إليكم  ؟ فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا  ؟  !(2).

فإن حملنا الحِلّ في الروايتين على ما يشمل الحِلّ الوضعيّ، وحملنا التصرّف في الرواية الثانية على ما يشمل التصرّف الاعتباري دلّت الروايتان على بطلان فسخ أحد المتعاملين من دون رضا الآخر، لأنّه تصرف اعتباري في ماله فهو غير حلال بمعنى أنّه باطل.

أمّا إذا حملنا الحِلّ على الحلّ التكليفي فحسب بدعوى كونه حقيقة فيه دون الحِلّ الوضعي فقد يُدَّعى أنّ الرواية بكلتا صيغتيها تصبح أجنبية عن أدلة اللزوم، لأنّ التمسك بها بعد الفسخ تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للعام، فأنّها حسب الفرض لم تشمل الحلّ الوضعي والتصرف الاعتباري كي تشمل الفسخ وتدلّ على

', '

(1) الوسائل 3: 424، الباب 3 من أبواب مكان المصلي، الحديث 1 و  19: 3، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.

(2) الوسائل 6: 377، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

', 284), (12, 285, 'book', '

بطلانه وإنّما تنظر إلى تحريم التصرف الاستهلاكي والانتفاعي في ملك الغير وكونه بعد الفسخ باقياً على ملك الغير أوّل الكلام، ولا يأتي هنا الجواب الذي مضى عن هذه الشبهة في «الناس مسلطون على أموالهم» من أنّ الكلام في نفس الفسخ إذ المفروض هنا أنّ الرواية أجنبية عن نفس الفسخ.

وإنْ حملنا الحلّ في الرواية الاُولى على ما يشمل الحلّ الوضعي وفي الرواية الثانية على الحلّ التكليفي، بدعوى أنّ كلمة التصرف قرينة على ذلك لأنّ التصرف حقيقة في التصرف الاستهلاكي والانتفاعي دون الاعتباري، إذن فالرواية الاُولى تدل على اللزوم والثانية تأتي فيها الشبهة التي شرحناها.

والواقع أنّه حتى إذا فسّرنا الحِلّ بمعنى الحِلّ التكليفي ـ  كما هو الظاهر  ـ فالرواية بكلتا صيغتيها تدلُّ على اللزوم وذلك لأنّ العرف لا يتعقّل افتراض حرمة التصرف الانتفاعي والاستهلاكي في مال الغير مع صحّة تملّكه بلا رضاه ومن ثَمّ جواز تصرفه فيه بعد التملك لأنّه خرج عن كونه مال الغير، فأيُّ احترام هذا لمال الغير حينما يحرّم التصرف فيه بلا إذنه، لكن يحلّل تملّكه بلا إذنه أوّلا ثم التصرف فيه لأنّه خرج عن كونه مالا له  ؟  !  !

إذن فدليل حرمة التصرف الاستهلاكي والانتفاعي في مال الغير بلا إذنه يدلُّ بالالتزام العرفي على بطلان تملّكه بلا إذنه، فالفسخ إذن من دون إذن الطرف الآخر للمعاملة غير صحيح حسب الطبع الأوّلي.

دلالة السيرة والاستصحاب على اللزوم:

وهنا وجهان آخران لإثبات اللزوم غير الإطلاقات وهما:

أوّلا ـ التمسك بالسيرة، والبحث في ذلك من قبيل بحثنا عن السيرة في إثبات صحة المعاطاة فلا نُعيده.

$

', '', 285), (12, 286, 'book', '

وثانياً ـ الاستصحاب، فالملكية التي حصلت بالعقد قد شككنا في زوالهابالفسخ نتيجة الشك في لزوم العقد وجوازه فنستصحب بقاءه، والملكية التي زالت بالعقد قد شككنا في رجوعها وعدمه نتيجة الشك في لزوم العقد وجوازه فنستصحب عدمها. وعمدة الإشكالات التي قد تورد على هذا الاستصحاب أمور ثلاثة:

الإشكال الأوّل ـ إشكال السيد الخوئي (رحمه الله) وهو عدم حجيّة الاستصحاب لدى الشك في الأحكام الكليّة نتيجة لما يؤمن به من وقوع التعارض بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل. وهذا الإشكال بحثه بحث مبنائي بحت راجع إلى علم الاُصول فنحن نحيل هذا البحث إلى محلّه من علم الاُصول، والنتيجة المختارة هناك هي جريان الاستصحاب عند الشك في الحكم الكلّي وعدم قبول التفصيل بين الشبهة الحكميّة والشبهة الموضوعيّة.

والإشكال الثاني ـ إشكال استصحاب الكلّي حيث يُقال: إنّ الملك الحاصل  في المقام مردَّدٌ بين الملك الجائز والملك اللازم، والأوّل إن كان فهو مرتفع  يقيناً، والثاني مشكوك الحدوث، فهذا من قبيل العلم الإجمالي بوجود حيوان مردّد بين حيوان طويل العُمر وحيوان قصير العمر. وهذا الإشكال يمكن بحثه مبنىً وبناءً:

أمّا بحثه المبنائي، وهو البحث عن حجيّة القسم الثاني من استصحاب الكلّي فنحيله أيضاً إلى محلّه من علم الاُصول والمختار هو حجيته.

وأمّا بحثه البنائي، فهو عبارة عن المنع عن كون الجواز واللزوم مفرّدين للملكيّة ومقوّمين لها أو كاشفين عن مايز مقوّم بينهما. نعم هما يعتبران من أحكام الملكية، فالملكية تارة يحكم عليها بالجواز واُخرى باللّزوم تبعاً لاختلاف

', '', 286), (12, 287, 'book', '

أسباب الملكية أو مواردها لا تبعاً لاختلاف حقيقة الملك. إذن فاستصحاب الملكية استصحاب لشخص الملكية لا للجامع بين الفرد الذي لو كان فهو زائل والفرد المشكوك الحدوث.

وتوضيح ذلك: أنّ معنى الملكية الذي انشأه المتعاقدان هو معنى مفهوم لدى العقلاء ومعروف عدم تقوّمه بالجواز أو اللزوم وعدم اختلافه بعنصر مقوّم لأقسام الملكية موجب للاختلاف بينهابالجواز واللّزوم، فليس ما ينشئه المتعاقدان في الهبة اللاّزمة مختلفاً عمّا ينشئآنه في الهبة الجائزة، نعم مصبّ كلامنا إنّما هي الملكية الشرعية لا ما انشأه المتعاقدان. ولكن إذا كان من الواضح أنَّ الجواز واللزوم لا دخل لهما فيما ينشئه المتعاقدان ولا يتبعان فرقاً بين المنشأين قلنا:

إنّ ظاهر أدلة إمضاء العقود عرفاً إنّما هو ترتيب الملكية الشرعية بالنحو  المماثل للمعنى الذي قصده المتعاقدان، وذلك إمّا بدعوى أنَّ إمضاء عقد شرعاً يكون ظاهراً ابتداء في إمضاء ما قصده المتعاقدان إلّا ما خرج بالدليل، وإمّا بدعوى أنّ الحكم العقلائي الذي يترتب في ارتكاز العقلاء على العقد إنّما هي الملكية بالمعنى المماثل لما قصده المتعاقدان، والأحكام الشرعية الواردة في موارد الارتكازات العقلائية تحمل بطبعها الأوّلي على ما يطابق تلك المرتكزات إلّا ما خرج بالدليل.

هذا والشيخ الأنصاري (رحمه الله)اختار في المقام ما اخترناه من أنّ الاستصحاب استصحابٌ لشخص الملك لا للجامع بين الملك الجائز والملك اللاّزم، لأنّ الجواز واللزوم من أحكام أسباب الملك وليسا من خصوصيات الملك، وأنّه حتى لو فرض الاستصحاب في المقام استصحاباً للجامع فلا بأس بجريانه، وناقش المحقق الخراساني(رحمه الله) الشيخ في كلا هذين الكلامين:

$

', '', 287), (12, 288, 'book', '

أمّا كلامه الأوّل ـ وهو كون الاستصحاب في المقام استصحاباً لشخص الملك لعدم اختلاف حقيقة الملك في مورد اللزوم عنها في مورد الجواز، فأورد عليه بأنّ هذا لا ينسجم مع فهم الشيخ الأنصاري (رحمه الله)لحقيقة اللزوموالجواز في العقود اللازمة والجائزة فإنْ كان الجواز واللزوم بمعنى إمكان فسخ العقد وعدمه كما في حق الخيار المفسَّر بحق فسخ العقد، صحَّ القول بأنّ اللزوم أو الجواز حكم يختلف باختلاف أسباب الملك، وهي العقود لا باختلاف حقيقة الملك.

ولكن المستفاد من كلام الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في بحث ملزمات المعاطاة هو أنَّ الرجوع في باب المعاملات الجائزة يختلف عنه في باب حق الخيار، فالرجوع في مورد حق الخيار يعني فسخ العقد، وما دام العقد قائماً غير منفسخ لا بدّ من الالتزام بنتائجه وإنّما ترفع نتيجة العقد برفع العقد وفسخه، وأمّا العقود الجائزة فمعنى جوازها إمكانية التراجع عن نتائجها مباشرة من دون فسخ لها، فالواهب ـ  هبة جائزة  ـ يجوز له إرجاع العين مباشرة بلا حاجة إلى فسخ الهبة والعاقد بالمعاطاة بناء على عدم لزومها يجوز له ترادّ العينين دون توسيط فسخ المعاملة.

فإذا كان هذا هو حقيقة الجواز واللزوم في العقود اللازمة والجائزة مما لا علاقة له بفسخ السبب وهو العقد وعدمه، إذن فاختلاف الملك باللزوم والجواز ليس من أحكام الأسباب وهي العقود كي يختلف باختلافها، وإنّما هو من أحكام المسببات وهي نفس الملك حيث كان معنى الجواز إمكان التراجع عن المسبب مباشرة ومعنى اللزوم عدم إمكانه، ولا إشكال في أنَّ اختلاف حكم الملك يتبع اختلاف خصوصية في الملك كي لا يكون حكم الشارع جزافاً وإن فرض اختلاف الخصوصية في الملك ناتجاً عن اختلاف الأسباب، وهذا يؤدّي إلى

', '', 288), (12, 289, 'book', '

رجوع استصحاب الملك في المقام إلى استصحاب الكليّ(1).

أمّا عبارة الشيخ الأنصاري (رحمه الله)التي استفاد منها المحقق الخراساني دعوى الفرق بين الجواز الخياري وجواز العقد ذاتاً، بكون الأوّل راجعاً إلى جواز فسخ المعاملة والثاني راجعاً إلى جواز ترادّ العينين من دون توسيط فسخ المعاملة فهي ما ورد في المكاسب من الاستدلال على مُلزمية مثل تلف العوضين بناء على إفادة المعاطاة الملك بامتناع الترادّ عندئذ قال الشيخ (رحمه الله): (... وأمّا على القول بالملك فلما عرفت من أصالة اللزوم، والمتيقن من مخالفتها جواز ترادّ العينين وحيث ارتفع مورد الترادّ امتنع ولم يثبت قبل التلف جواز المعاملة على نحو جواز البيع الخياري حتى يستصحب بعد التلف لأن ذلك الجواز من عوارض العقد لا العوضين فلا مانع من بقائه بل لا دليل على ارتفاعه بعد تلفهما، بخلاف ما نحن فيه فإنّ الجواز فيه هنا بمعنى جواز الرجوع في العين نظير جواز الرجوع في العين الموهوبة فلا يبقى بعد التلف متعلق الجواز، بل الجواز هنا يتعلق بموضوع الترادّ لا مطلق الرجوع الثابت للهبة)(2).

ولا يخفى أنَّ هذا التعبير لا يدلّ على ما قاله المحقّق الخراساني (رحمه الله) فانّ غاية ما يفيده هذا التعبير أنّ المتيقن من الحكم الثابت في العقد الجائز منحصر في ترادّ العينين ولم يثبت حق فسخ العقد بشكل مطلق ولو بترادّ المثل أو القيمة عند التلف، وأمّا إنّ هذا الترادّ ـ  أعني ترادّ العينين في مورد الجواز  ـ هل هو ترادّ ابتدائي أو بتوسيط فسخ العقد  ؟ فهذا مما لم يتعرض له الشيخ (رحمه الله) من قريب أو بعيد.

$

', '

(1) راجع تعليقة المحقق الخراساني (رحمه الله) على المكاسب: 13 و  14.

(2) المكاسب 1: 91، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

', 289), (12, 290, 'book', '

وعلى أية حال فنحن لا نملك دليلا على الفرق بين الجواز في العقد الجائزوالجواز في مورد الخيار، بكون الأوّل متعلقاً بالعقد وفسخه، والثاني متعلقاً بالترادّ من دون توسيط فسخ العقد، عدا أن يُقال إنّ العقد إذا كان في ذاته لازماً إذن هو مشمول لأدلة وجوب الوفاء به كـ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فإذا دخله الخيار لم يجز التراجع عن ثمرة العقد إلّا بعد فسخ العقد لأنّ التراجع عنها مع افتراض العقد قائماً على حاله خلف وجوب الوفاء به، فلا بدّ أوّلا من إعمال حق الخيار بفسخ العقد، فإذا انتهى العقد انتهى موضوع وجوب الوفاء بالعقد فيتمّ الترادّ والتراجع عن الثمرة بتبع فسخ العقد.

وأمّا إذا كان العقد في ذاته جائزاً كالهبة أو المعاطاة على القول بجوازها فمعنى جوازه خروجه تخصيصاً أو تخصصاً من أدلة وجوب الوفاء بالعقود، وعندئذ فلا بأس بالترادّ من دون حاجة إلى توسيط فسخ العقد، لأنّ العقد في ذاته ليس لازماً كي يكون فرض بقائه قائماً على حاله مانع عن الترادّ ومخالفة ما بنوا عليه. إلّا أنّ هذا البيان لا يرجع إلى محصّل، ويرد عليه:

أوّلا ـ أنّنا لو فرضنا أنّ التراد بعد إنهاء العقد بالفسخ لا ينافي وجوب الوفاء بالعقد، قلنا إنّه لا مبرّر لافتراض أنّ الجواز في العقود الجائزة يعني خروجها عن أدلة وجوب الوفاء بالعقد تخصيصاً بل مقتضى إطلاق دليل وجوب الوفاء بالعقد أن نحمل الجواز في العقود الجائزة على جواز التراد بتوسيط فسخ العقد كي لا ينافي ذلك وجوب الوفاء فيكون حاله حال الجواز الخياري، بفرق أنّ الجواز الخياري حقّ قابل للإسقاط والجواز الحكمي ليس حقّاً يقبل الإسقاط، نعم في مثل الوكالة لو قلنا إنّها ليست عقداً فهي خارجة عن دليل الوفاء بالعقد تخصصاً وخارجة عن محل البحث أساساً ولا يتصور فيها هذا النزاع.

$

', '', 290), (12, 291, 'book', '

وثانياً ـ أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ دليل وجوب الوفاء بالعقد يمنع عن الترادّ والتراجع عن النتائج من دون رضا صاحبه، سواء كان ذلك بلا فسخ أو بتوسيط الفسخ، فحتى التراجع بتوسيط الفسخ وكسر العقد يعتبر عرفاً خلافاً للوفاء بالعقد الذي كان ثابتاً حتماً قبل الفسخ، ولذا نقول: إنّ دليل الخيار يخصّص دليل وجوب الوفاء بالعقد، إذن فدليل وجوب الوفاء بالعقد لا يمكن أن يكون مؤثراً في إثبات الفرق بين الجواز الخياري والجواز الحكمي بإرجاع الأوّل إلى فسخ العقد بخلاف الثاني.

وثالثاً ـ سواء فرضنا أنّ الترادّ بتوسيط الفسخ ينافي وجوب الوفاء أو لا، لا إشكال في أنّ الترادّ بلا توسيط الفسخ في مثل المعاطاة مما لا يكون خروجه عن أدلّة العقود تخصصاً خلاف الوفاء بالعقد، فإذا ثبت جواز الترادّ بإجماع أو غيره في مثل المعاطاة كان تعيينه في الترادّ بلا حاجة إلى توسيط فسخ العقد، دعوى بلا دليل فلعلّ المقصود هو الترادّ بتوسيط فسخ العقد.

ورابعاً ـ إنَّ أصل افتراض أنَّ الترادّ تارةً يكون بتوسيط فسخ العقد، واُخرى مباشرة ومن دون توسيطه أمر لا نتعقله، لأنّنا لا نفهم فرقاً بين الترادّ بمعنى إبطال ثمرة العقد مباشرة والفسخ بمعنى فسخ العقد، فإنّ العقد شيء قد وقع آناً ما وحقّق الثمرة ولا ينقلب الشيء عمّا وقع عليه، وليس من الاُمور التي لها استمرار إلّا في العقد الّذي ليس شأنه الالتزام بالنتيجة ـ  أي من سنخ شرط النتيجة  ـ بل يكون شأنه الالتزام بالفعل، فإذا كان هذا الفعل يستوعب فترة من الزمان كان بالإمكان فسخ الالتزام، فإن كان العقد من القسم الأوّل ـ  أعني التزاماً بالنتيجة  ـ وإنشاءً لها ففسخ العقد يرجع إلى الترادّ وإبطال ثمرة العقد وهي تلك النتيجة، ولا معنى آخر لفسخ العقد فيه لعدم تصور استمرارية لنفس العقد والالتزام في هذا القسم حتى يفسخ،

', '', 291), (12, 292, 'book', '

وإن كان العقد من القسم الثاني أعني التزاماً بالفعل وكان ذاك الفعل يستوعب فترة من الزمان، فالتراجع عن الثمرة وهي الفعل عبارة اُخرى عن فسخ الالتزام بالفعل وهو العقد الّذي كان مستمراً، فلم نتعقّل أيضاً شيئين، فسخ العقد تارة، والتراجع عن الثمرة من دون فسخ العقد تارةً اُخرى.

إذن ففي كلا قسمي العقد يكون فسخ العقد والترادّ أو إبطال ثمرة العقد شيئاً واحداً وليسا أمرين نفرّق بهما بين الحق الخياري وجواز عقد المعاطاة أو الهبة. هذا ولو سلّم الفرق بينهما بدعوى أنّ الفسخ في العقد الخياري يتعلق بذات العقد والتراجع في العقد الجائز يتعلق بالثمرة من دون توسيط فسخ العقد، فمجرد ذلك لا يدلّ على أنّ الجواز واللزوم في الأوّل يتبعان خصوصية في العقد وفي الثاني يتبعان خصوصية في ذات الملك دون خصوصية السبب، بخلاف حق الخيار فلعلّ جواز الملك ولزومه نتجا أيضاً عن اختلاف في أسباب الملك أو موارده، رغم كون الملك في مفهومه أمراً واحداً في الموردين، فانّه عندئذ لا يلزم الجزاف في الأحكام وإنّما يلزم الجزاف لو فرضنا كون الفرق بلا فارق نهائياً وليس مجرد كون متعلق التراجع هو النتيجة لا العقد دليلا على كون الفارق كامناً في النتيجة لا في العقد.

وأمّا كلامه الثاني ـ وهو أنّ استصحاب الملك حتى لو فرض استصحاباً للجامع بين الملك اللاّزم والملك الجائز فهو جار في المقام لانّه من استصحاب القسم الثاني من الكليّ الّذي هو حجة، فقد ناقش فيه المحقق الخراساني (رحمه الله) بأنّ الاستصحاب في المقام إذا كان استصحاباً للجامع بين الملكين فهو، وإن كان جارياً على مختارنا ـ  يعني مختار المحقق الخراساني (رحمه الله)  ـ من حجيّة الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي ولكنه لا يجري على مبنى الشيخ من

', '', 292), (12, 293, 'book', '

عدم حجيّة الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي، لانّ التردد بين قسمي الملك يعني التردد بين الملك الذي يملك مقتضياً للبقاء في ذاته بعد الفسخ وهو الملك اللازم والملك الّذي لا يملك في ذاته مقتضياً للبقاء بعد الفسخ وهو الملك الجائز(1).

أقول: إنَّ هذا الإشكال لو تمّ لم يختص بفرض الاستصحاب استصحاباً للجامع بل حتى لو كان استصحاباً للشخص يرد هذا الإشكال. حيث  يقال أيضاً: إنَّ الشك في اللزوم والجواز مرجعه إلى الشك في أنّ السبب، وهو العقد هل يقتضي مثلا الملك حتى بعد الفسخ أو لا يقتضي الملك إلّا بلحاظ ما قبل الفسخ  ؟

ولا ينبغي الإشكال في أنّ الشيخ الأنصاري (رحمه الله) لا يقصد بقوله بعدم حجيّة الاستصحاب لدى الشك في المقتضي هذا المعنى، وإلّا لزم بطلان كل استصحاب كان منشأ الشك هو الشك في رافعية الموجود وانحصر مورده بفرض الشك في وجود الرافع، فإنَّ هذه الشبهة سيّالة ترد في جميع موارد الشك في رافعية الموجود كما لو شككنا في ناقضية المذي أو الوذي للطهارة فيقال: إنّ هذا الشك مرجعه إلى الشك في أنّ الطهارة هل لها قابلية الدوام بعد الوذي والمذي أوْ لا  ؟

والواقع أن المقصود بالشك في المقتضي هو احتمال زوال المستصحب بمجرد مرور الزمان وانتهاء قابليته بذلك بقطع النظر عن فرض رافع خارجي، كالسراج الذي شككنا في كميّة القوّة الممدّة له بالنّور ومن المعلوم أنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإنَّ الملكية لولا طروّ الفسخ كانت باقيةً حتماً فليس الشك في بقائها بعد الفسخ شكاً في المقتضي بل هو شك في رافعية الموجود، وكلام

', '

(1) في تعليقته على المكاسب: 13.

', 293), (12, 294, 'book', '

الشيخ الأنصاري (رحمه الله)في الرسائل صريح في حجية الاستصحاب في الشك فيالرافع سواء كان شكاً في وجود الرافع أو في رافعية الموجود.

هذا وذكر الشيخ الأنصاري (رحمه الله): أنّنا لو شككنا في أنّ الملك هل ينقسم إلى قسمين متباينين أي الملك اللازم والملك الجائز فيكون المستصحب جامعاً بين القسمين  ؟ أو أنّه ليس الأمر كذلك ويكون الملك في كلا القسمين شيئاً واحداً وقلنا بعدم حجيّة استصحاب الكليّ  ؟ فنفس الشك واحتمال كون الاستصحاب استصحاباً للشخص ـ  لا للجامع بين مقطوع الارتفاع ومشكوك الحدوث  ـ كاف في جريان الاستصحاب(1).

وقد نقل السيد الخوئي (رحمه الله) عن المحقق النائيني (رحمه الله) تفسيراً غريباً لهذا الكلام، وهو أنّه بما أنّ المخصص لدليل الاستصحاب المخرج للاستصحاب الكليّ كان لبّياً ولم يكن لفظياً ولهذا جاز التمسك بدليل الاستصحاب لدى الشك في ذلك لانّ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في المخصص اللبيّ جائز(2).

وهذا المطلب موجودٌ في أحد تقريري بحث المحقق النائيني (رحمه الله) وهو كتاب منية الطالب للشيخ الخونساري  (رحمه الله)(3) ولكن الموجود في التقرير الآخر وهو كتاب المكاسب والبيع للشيخ الآملي (رحمه الله) عكس ذلك، حيث ركّز إشكال عدم إحراز دخول المورد في دليل الاستصحاب ولم يردّه بدعوى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية(4).

$

', '

(1) راجع المكاسب 1: 85، حسب الطبعة التي تشتمل على تعليقة الشهيدي.

(2) على ما ورد في المحاضرات 2: 63، وفي مصباح الفقاهة 2: 131 و  132.

(3) 1: 61.

(4) 1: 168 و  169.

', 294), (12, 295, 'book', '

وعلى أيّ حال فيرد على هذا الوجه ما أورده عليه السيد الخوئي (رحمه الله) وهوأنّ المورد اجنبيٌّ عن المخصص اللبّي نهائياً والذي يقول بعدم اتحاد متعلق اليقين والشك في موارد القسم الثاني من استصحاب الكليّ، ولذا لا يؤمن بحجية الاستصحاب فيه لا يقول بذلك بعنوان ورود مخصص لبيّ على عموم دليل الاستصحاب، بل هذا يعني أنَّ أصل الموضوع المأخوذ في لسان دليل الاستصحاب غير شامل لذلك فإنّ موضوعه هو فرض يقين وشك متعلق ببقاء نفس ما كان على يقين منه، فبما أنّ وحدة المتعلقين غير ثابتة في المقام لا يجري الاستصحاب.

ووجّه السيد الخوئي (رحمه الله)كلام الشيخ الأعظم (رحمه الله) بتوجيه آخر، وهو أن يكون (رحمه الله)ناظراً إلى الاستشكال في استصحاب القسم الثاني من الكليّ بدعوى حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل على استصحاب الجامع لا بدعوى عدم اتحاد متعلق اليقين بالشك، وهذا الإشكال يكفي في اندفاعه في المقام الشك في أنّه هل هو من استصحاب الكليّ أو لا، فإنّ الشك في ذلك يعني الشك في وجود الحاكم والحكومة في المقام ظاهريّة وقوام الحكومة الظاهرية بالوصول فالشك في وجود الحاكم يساوق القطع بعدم الحكومة فيجري استصحاب الملكية بلا إشكال، وهذا التوجيه مذكور في المحاضرات(1) وفي مصباح الفقاهة(2)، على فرق بينهما وهو أنّه استفاد في المحاضرات في المقام من مسألة أنّ الحكومة الظاهرية قوامها بالوصول كما ذكرنا، فإن كان مقصوده بالحكومة الظاهرية الحكومة ـ  برفع الشك  ـ على دليل يكون موضوعه الشك، فهذا الكلام صحيح إذ

', '

(1) 2: 63.

(2) 2: 131.

', 295), (12, 296, 'book', '

لو لم يصل الحاكم لم يرتفع الشك لا محالة. وأمّا في مصباح الفقاهة فلم يشر إلىنكتة تقوّم الحكومة الظاهرية بالوصول، وإنّما اكتفى بالقول بأنّه ما لم يُحرز الأصل الحاكم لا مانع من جريان الأصل المحكوم، فإن كان المقصود بذلك: أنّ عدم إحراز الأصل الحاكم يؤدي إلى القطع بعدم الحكومة، رجع إلى ما في المحاضرات، ولا كلام لنا فيه، وإن كان المقصود به ما يُقال حتى في الحكومة الواقعية من أنّ المعارض والمخصص والمقيد والحاكم ما لم تصل يكون الدليل الآخر باقياً على حجيته رغم عدم العلم بانتفاء الحكومة أو التقييد والتخصيص والمعارضة وَرَدَ عليه، انّنا نقطع في المقام بعدم جريان استصحاب الجامع وذلك لعلمنا الإجمالي بانّه إمّا لا جامع في المقام فلا معنى لاستصحابه أو أنّ الجامع موجود ولكن استصحاب عدم الفرد الطويل حاكم على استصحابه فأيضاً لا مورد لاستصحابه.

وذكر السيد الإمام (رحمه الله): أنّ الشك في المقام في كون الملكية الجائزة غير الملكية اللازمة وعدمه يساوق كون استصحاب الملك استصحاباً للكليّ، فبناء على عدم جريانه يكون الشك في المقام في تعدد الملك وعدمه كافياً في عدم جريان الاستصحاب، وذلك لأنّنا مع هذا الشك نمتلك ـ  تصوراً  ـ مفاهيم ثلاثة: الأوّل الملك المتقوّم بخصوصية الجواز، والثاني الملك المتقوّم بخصوصية اللزوم، والثالث الملك غير المتقوّم بشيء وقد شككنا في أنّ الأملاك في الدّنيا هل هي داخلة جميعاً في المفهوم الثالث  ؟ أو أنّ بعضها من المفهوم الأوّل وبعضها من المفهوم الثاني ولا وجود للمفهوم الثالث  ؟ إذن فالقدر المتيقن في المقام هو الجامع بين هذه الاُمور الثلاثة واستصحاب هذا الجامع استصحاب للكليّ لا محالة(1).

والإشكال الثالث إشكال استصحاب بقاء علقة المالك الأوّل فإنّه يعارض

', '

(1) راجع كتاب البيع للسيد الإمام (رحمه الله) 1: 104.

', 296), (12, 297, 'book', '

أو يحكم استصحاب الملك، والمقياس في كونه معارضاً له أو حاكماً عليه، هو أن نرى أنّ تلك العلقة هل تعني رفع موضوع ملكية المالك الثاني شرعاً  ؟ أو هي حكم شرعي ينافي تلك الملكية  ؟ فعلى الأوّل تتم الحكومة، وعلى الثاني يتم التعارض، وإن لم تكن هذا ولا ذاك أو لم تكن  هناك علقة أصلا غير مثل علقة الملك المرتفعة بالبيع مثلا لم يكن مجال لاستصحاب بقاء العلقة.

وذكر الشيخ الأعظم (رحمه الله) في أوّل بحث الخيار ما نصّه: «وربّما يقال: إنّ مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك عن العين، فانّ الظاهر من كلماتهم عدم انقطاع علاقة المالك عن العين التي له فيها الرجوع، وهذا الاستصحاب حاكم على الاستصحاب المتقدم ـ  يعني به استصحاب بقاء ملك المالك الثاني بعد الفسخ  ـ المقتضي للّزوم.

وردّ بانّه إن اُريد بقاء علاقة الملك أو علاقة تتفرّع على الملك فلا ريب في زوالها بزوال الملك. وإن اُريد بها سلطنة إعادة العين في ملكه، فهذه علاقة يستحيل اجتماعها مع الملك وإنّما تحدث بعد زوال الملك لدلالة دليل، فإذا فُقِدَ الدليل فالأصل عدمها وإن اُريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع فإنّها تستصحب عند الشك فيصير الأصل في البيع بقاء الخيار كما يُقال: الأصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرف في مقابل مَن جعلها لازمة بالتصرف، ففيه مع عدم جريانه فيما لا خيار فيه في المجلس بل مطلقاً بناءً على أنّ الواجب هنا الرجوع في زمان الشك إلى عموم ﴿اُوفوا بالعقود﴾ لا الاستصحاب: انّه لا يجري بعد تواتر الأخبار بانقطاع الخيار مع الافتراق فيبقى ذلك الاستصحاب سليماً عن الحاكم فتأمّل»(1).

$

', '

(1) مكاسب الشيخ الأنصاري 2: 216، حسب الطبعة المرافقة لتعليقة الشهيدي.

', 297), (12, 298, 'book', '

ولعلّ أمره بالتأمّل إشارة إلى انّنا حينما نبحث إثبات اللزوم باستصحابالملك نكون قد غضضنا النظر عن الدليل الآخر على اللزوم، وهو ﴿اُوفوا بالعقود﴾أو أيّ دليل لفظي آخر، فلا معنى للجواب على إشكال استصحاب الجواز الثابت في المجلس بانّ المرجع عند الشك في بقاء حكم المخصص هو عموم العام، وهو في المقام ﴿اُوفوا بالعقود﴾ لا استصحاب حكم المخصص، فانّ المفروض غضّ النظر عن كل دليل لفظي دلّ على اللزوم.

وعلى أيّة حال فيكفي في دفع استصحاب الجواز الثابت في المجلس أن يُقال: إنّه إن قُصِدَ به استصحاب الخيار وهو الجواز الحقيّ فالنصوص صريحة بانتفائه بعد انتهاء المجلس، وإن قُصد به استصحاب الجامع بين الجواز الحقيّ والجواز الحكمي فهما عرفاً فردان متباينان، واستصحاب الجامع بينهما استصحاب للقسم الثالث من الكليّ وهو غير جار.

وهنا إشكال آخر على استصحاب هذا الجامع، وهو أنّ استصحاب الجواز في المقام استصحاب تعليقي، لأنّ مرجعه إلى القول بأنّ هذا البيع في زمان المجلس كان بحيث لو فسخ لانفسخ والآن كما كان. وتحقيق مدى صحة هذا الإشكال نوكله إلى علم الاُصول. ولاستصحاب علقة المالك الأوّل تقريبات عديدة، بامكانك الوقوف عليها بمراجعة تعليقة الشيخ الاصفهاني (رحمه الله) على المكاسب وكتاب البيع للسيد الإمام  (رحمه الله). ولعلّ أفضلها ما جاء في تعليق الشيخ الاصفهاني (رحمه الله) من أنّ المالك كانت له السلطنة على التصرف الاستهلاكي في ماله والسلطنة على تسليط الغير عليه حدوثاً وبقاءً، وبعد أن باع العين انتفت سلطنته على التصرف وانتهت أيضاً سلطنته على تسليط الغير عليه حدوثاً، إذ قد فعل ذلك ولا يمكن قلب الشيء عمّا وقع عليه وشككنا في زوال سلطنته على تسلّط الغير

', '', 298), (12, 299, 'book', '

بقاء، إذ لو كان العقد جائزاً فله السلطنة على تسلّط المشتري على العين بقاء، ولو كان لازماً انتفت هذه السلطنة أيضاً، ومع الشك نستصحب هذه السلطنة، وهذا الاستصحاب حاكم على استصحاب بقاء ملكية المالك الثاني بعد الفسخ(1).

وقد ردّ (رحمه الله) الحكومة بعدم الترتب الشرعي لعدم بقاء المال على ملك المالك الثاني على سلطنة المالك الأوّل. وردّ أصل تقريب استصحاب بقاء تلك السلطنة بأنّ السلطنة على الملك هي القدرة الترخيصية والوضعية على التصرف الاستهلاكي والتصرف الوضعي بإحـداثه. أمّا ردّ المـلك فسلطنة جديدة غير منبعثة من الملك.

أقول: كان مفاد الإشكال: أنّ زمام أمر بقاء المال في ملك  المالك الثاني، قبل الحدوث كان بيد المحدث ولو بتبع الحدوث الذي كان بيده والآن قد خرج الأمر من يده حدوثاً، ولكننا لا نجزم بخروجه بقاءً من يده، إذ لو كان العقد جائزاً فلا زال أمر بقاء المال في ملك المالك الثاني بيده فيستصحب بقاء ذلك في يده.

والأولى في الجواب أن يُقال: إنّ السلطنة على تسليط الغير بقاءً بمعنى أنّ له نفيها بنفي الحدوث تغاير عرفاً السلطنة عليه بالردّ وعدمه، فيرجع استصحاب السلطنة في المقام إلى استصحاب القسم الثالث من الكليّ. هذا تمام الكلام في إثبات اللزوم بالاستصحاب.

إثبات اللزوم بالاستصحاب في موارد الشبهة الموضوعية:

ولا بأس بالتطرّق بالمناسبة إلى أنّه لو كانت الشبهة موضوعية فهل يجري هذا  الاستصحاب أيضاً أو لا  ؟ فلو تردد الأمر مثلا بين الصلح والهبة، علماً بأنّ

', '

(1) راجع تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب 1: 31.

', 299), (12, 300, 'book', '

الأوّل لازم والثاني جائز فهل يجري استصحاب الملك بعد الفسخ أو لا  ؟ ونحن نستبعد عن بحثنا فرض ابتلاء هذا الاستصحاب صدفة باستصحاب آخر ينفي أثراً من آثار العقد اللازم، كما لو تردد الأمر بين البيع والهبة وأصبح استصحاب بقاء العين في ملك الثاني بعد الفسخ معارضاً لاستصحاب عدم انشغال ذمّته بالثمن للعلم الإجمالي، بأنّه إمّا يجب عليه دفع الثمن أو يجب عليه ردّ العين بسبب الفسخ ولا يسوغ له التنصّل من الأمرين معاً في وقت واحد. ونركّز بحثنا على استصحاب بقاء الملك فقط وعندئذ نقول:

إ نّه بناءً على جريان استصحاب الكليّ من القسم الثاني لا شك في جريان الاستصحاب في المقام حتى مع فرض تغاير الملك الحاصل بالهبة عن الملك الحاصل بالصلح مثلا. وأمّا بناء على عدم جريان استصحاب الكليّ من القسم الثاني وأنّنا إنّما أجرينا استصحاب بقاء الملك في مورد الشبهة الحكمية في اللزوم والتزلزل لإيماننا بأنّ اللزوم والتزلزل ليسا مقوّمين للملك ولا مترتبين على خصوصية ذاتية في الملك، وإنّما هما حكمان يترتبان على الملك الذي ليس له عدا معنى واحد. فهنا قد يستشكل في الاستصحاب، وذلك بدعوى أن استصحاب الملك وإن كان في مورد الشبهة الحكمية صحيحاً ولكنه في مورد الشبهة الموضوعية ليس صحيحاً، لانّ الملك الذي يكون موضوعه الشرعي هو الصلح غير الملك الذي يكون موضوعه الشرعي هو الهبة، فاستصحاب الملك في المقام هو استصحاب للجامع بين فردي الملك، وقد افترضنا عدم الإيمان باستصحاب الكليّ. نعم لو أنكرنا ولو عرفا تعدد الملك بتعدد سببه أو موضوعه انتفى الإشكال في المقام.

ولا يُقال: إ نّه حتى لو انكرنا تعدد الملك في المقام لم نتخلص من إشكال

', '', 300), (12, 301, 'book', '

شبيه بإشكال حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل في استصحاب الكليّ، وذلك لانه يجري في المقام استصحاب عدم الصلح وهو يحكم على استصحاب بقاء الملك.

فإنّه يُقال: إنّنا لو انتقلنا إلى الأصل الموضوعي في المقام فلا ترجيح لاستصحاب عدم الصلح على استصحاب عدم الهبة، فإنّ العقليّة التي تغفل اشتراط الترتّب الشرعي في الحكومة وتقول بأنّ الشكّ في بقاء الجامع مسبّبٌ عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل نسبتها إلى استصحاب عدم الصلح وإلى استصحاب عدم الهبة في المقام واحدة، فإنّ شكّنا في بقاء الملك وعدمه نشأ من شكّنا في الصلح والهبة.

والصحيح أنّه لو انتقلنا في المقام إلى الأصل الموضوعي فالأصل الجاري في المقام إنّما هو استصحاب عدم كون العقد الواقع هبة لأنّ العمومات دلّت على لزوم كلّ عقد والمخصّص أخرجَ منها الهبة والعام يتعنون بعد التخصيص بنقيض عنوان الخاص. فأصبح موضوع الملك اللازم مركباً من العقد وأن لا يكون هبة، والعقد ثابت بالوجدان وأن لا يكون هبة ثابت بالاستصحاب، واستصحاب عدم الصلح غير جار لأنّه مثبت في المقام، لأنّ الأثر يترتّب كما عرفت على العقد وعلى عدم الهبة لا على الصلح.

وقد يُقال: إنّنا لا ننتقل في المقام إلى الأصل الموضوعي وذلك لأنّنا لو أردنا أن ننتقل إليه فإمّا أن نجري استصحاب عدم الهبة بنحو مفاد «ليس» الناقصة كما هو المستفاد من ظاهر عبارة المحاضرات(1) أو نجري استصحاب عدم كون

', '

(1) المحاضرات 2: 65.

', 301), (12, 302, 'book', '

العقد الواقع هبة بنحو مفاد «ليس» الناقصة وعلى أساس استصحاب العدم الأزلي كما هو المستفاد من مصباح الفقاهة(1)، وكلاهما باطل:

أمّا الأوّل فلأنّ موضوع لزوم هذا العقد كما عرفت هو عدم كونه هبة بنحو مفاد «ليس» الناقصة وإثبات ذلك باستصحاب عدم الهبة تعويل على الأصل المثبت.

وأمّا الثاني فلأنّ كون هذا العقد هبة أو عدم كونه هبة أمر داخل في هويّة العقد وحقيقته وليس كقرشية المرأة التي هي من عوارض الوجود حتى يمكن نفي ذلك باستصحاب العدم الأزلي.

وتحقيق حال الاستصحاب في نفي ما يكون داخلا في هوية الموضوع موكولٌ إلى علم الاُصول والظاهر أنّ الصحيح جريانه.

هذا تمام الكلام في أدلّة كون الأصل في العقود هو اللزوم إلّا ما خرج بالدليل.

أدلّة اللزوم في خصوص البيع:

وأمّا ما قد يتمسّك به لإثبات اللزوم بلحاظ عقد خاص من قبيل روايات: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع»(2) فبحثه خارج عن عهدة مقامنا لانّنا عقدنا البحث في كلّي العقود، إلّا انّنا مع ذلك نتعرض لخصوص ما ورد في باب البيع وهو ما أشرنا إليه من روايات: «البيّعان بالخيار» نظراً لكون البيع أهمّ العقود المالية. وقد عقد السيد الإمام الخميني (رحمه الله) في كتاب البيع بحثاً مفصّلا في

', '

(1) مصباح الفقاهة 2: 134.

(2) راجع الوسائل 12: 345 ـ 347، الباب 1 و  2 من أبواب الخيار.

', 302), (12, 303, 'book', '

المقام حول مدى صحة التمسك بهذه الروايات(1) وذكر: أنّ مورد الاستدلال بهذه الروايات أحد بنود ثلاثة:

1 ـ «البيّعان بالخيار» باعتبار أنّ الخيار مختص بالعقد اللازم.

2 ـ «ما لم يفترقا» باعتبار أنّ الغاية تفيد نفي الحكم وهو الجواز عند حصول الغاية وهذا يعني أنّ البيع يصبح بعد الافتراق لازماً.

3 ـ «فإذا افترقا وجب البيع» فهذا تصريح بمفهوم الغاية وباللزوم.

أمّا البند الأوّل ـ وهو قوله: «البيّعان بالخيار»  ـ فقد أفاد السيد الإمام (رحمه الله): أنّ الاستدلال به يتوقف على أنّ الخيار لا يكون عقلا أو عقلائياً في العقد المتزلزل فإثبات الخيار في البيع دليل عقلا أو عقلائياً على لزومه الذاتي أما لو قلنا بإمكان اجتماع الخيار مع الجواز الذاتي كالجمع بين خيارين فلا مورد للاستدلال بهذا البند.

أقول: لو سلّم عدم تصوّر الخيار في العقد الذي يكون جائزاً ذاتاً فغاية ما يدل عليه هذا البند هو عدم الجواز الذاتي لعقد البيع، ولكن مدّعانا في المقام أكثر من ذلك فانّنا نريد أن ندّعي أصالة اللزوم ونقصد باللزوم نفي الجواز الذاتي ونفي الجواز الحقيّ أو الخيار في وقت واحد لا خصوص نفي الجواز الذاتي. نعم هذا النقاش لا يرد على كلام السيّد الإمام (رحمه الله) لانّ مصبّ كلامه ليس ـ  كمصبّ كلامنا  ـ عبارةً عن إثبات أصالة اللزوم في العقد بشكل عام، وإنّما مصبّ كلامه خصوص المعاطاة، فهمّه هو إثبات كون المعاطاة كالعقد اللفظي في اللزوم، والتقريب الماضي يفي بهذا المقدار، فانّ احتمال الفرق بين المعاطاة والعقد اللفظي إنّما هو

', '

(1) راجع كتاب البيع للسيد الإمام (رحمه الله) 1: 120 ـ 125.

', 303), (12, 304, 'book', '

في الجواز واللزوم الذاتيين لا في الخيار، فهذا البند يدل على أنّه متى ما كان العقد اللفظي لازماً لعدم الخيار فيه كانت المعاطاة في ذاك المورد أيضاً كذلك، لأنّ دخول خيار المجلس فيها بحكم إطلاق الحديث دليل على عدم جوازه الذاتي، فإذا لم تكن المعاطاة جائزة أي متزلزلة ذاتاً والمفروض عدم الخيار فقد أصبحت لازمة.

وعلى أيّة حال فمسألة إمكان اجتماع خيارين وعدمه أو اجتماع الخيار مع الجواز الذاتي وعدمه في رأينا لا يصح طرحها كبحث ثبوتي في إمكان الاجتماع واستحالته بقدر ما يصح طرحها كبحث إثباتي في أنّ دليل الخيار هل ينظر إلى الحق حيثياً أو ينظر إلى ذات الحق  ؟ فعلى الأوّل لا يكون دليل خيار الحيوان مثلا نافياً لثبوت الحق بحيثية اُخرى أيضاً، وهي حيثية المجلس وكذلك من يسقط الخيار هل يسقط حقّه من حيثية معينة أو يسقط أصل الحق الذي لا يقبل التعدد  ؟ فعلى الأوّل لو اُسقط خيار الحيوان لم يسقط خياره من حيث المجلس وبالعكس. وبما أنّ الظاهر من أدلّة الخيارات هو النظر إلى الخيار من حيث الجهة المثبتة للخيار فالصحيح: أنّ قوله: «البيّعان بالخيار» لا يدل على اللزوم الذاتي للمعاطاة، إذ لا يدل على أكثر من أنّ البيع من حيثية المجلس يوجب الخيار وهذا يجتمع مع الجواز الذاتي.

هذا، وقال السيّد الإمام (رحمه الله): انّنا حتى لو قلنا بعدم إمكان اجتماع الخيار مع الجواز الذاتي فقوله: «البيعان بالخيار» لا يدل على لزوم المعاطاة ذاتياً، وذلك لأنّ معنى عدم إمكان اجتماع الخيار مع الجواز الذاتي هو خروج الجائز الذاتي من إطلاق قوله «البيعان بالخيار» بالتخصيص اللّبي، فان فرضنا في المقام انّ هذا المخصص كالمتصل لم يمكن التمسك هنا بالعام، لانّه تمسك بالعام في الشبهة

', '', 304), (12, 305, 'book', '

المصداقية للعام. وإن قلنا: إنّه كالمنفصل فمن يجوّز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص اللبّي يجوز على مبناه التمسك هنا بالعام لإثبات الخيار في المعاطاة وبالتالي إثبات لزومها الذاتي، ولكننا لا نجوّز ذلك فبالتالي لا يجوز التمسك بالعام في المقام لكونه تمسّكاً به في الشبهة المصداقية للمخصص إلّا أن يُقال: أنّ الشك في أصل التخصيص لعدم إحراز مصداق للعنوان العقلي. ويمكن أن يقال: إنّ تحقق فرد متيقن من العنوان الخارج وعدمه لا دخل له في الحساب.

أقول: نعم التخصيص لو كان فانّما هو بنحو القضية الحقيقية وليس تخصيصاً إفرادياً بنحو القضية الخارجية حتى يُقال: انّه مع عدم إحراز فرد خارج بالتخصيص يكون أصل التخصيص مشكوكاً ولو كان التخصيص بنحو القضية الخارجية، لجاز التمسك بالعام في الفرد المشكوك خروجه حتى مع فرض القطع بخروج فرد آخر، لانّ خروج كل فرد إذا كان التخصيص إفرادياً يكون تخصيصاً مستقلا لا علاقة له بالآخر. وعلى أيّة حال فالمسألة عندنا ليست مسألة انفصال المخصص اللبّي واتصاله، وإنّما هي مسألة كون القيد اللبّي إحرازه بيد المولى وعدمه، فمتى ما كان إحرازه بيد المولى جاز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية على ما نقّح عندنا في علم الاُصول وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ لأنّ الذي يشخّص الجواز الذاتي وعدمه للعقد شرعاً انّما هو المولى. وعلى أيّة حال فقد عرفت عدم تمامية التمسك بالبند الأوّل في المقام لِما قلناه من ظهور دليل الخيار في النظر إلى الجانب الحيثي فلا ينافي ثبوت الخيار من حيثية اُخرى أو الجواز الذاتي.

وأمّا البند الثاني ـ وهو قوله «ما لم يفترقا» فقد أجاب السيّد الإمام (رحمه الله)على الاستدلال به بأنّ مفهوم الغاية نفي الخيار لا نفي الجواز الذاتي.

أقول: وجه الاستدلال بالبند الثاني هو حمل الخيار في الحديث على معناه

', '', 305), (12, 306, 'book', '

اللغوي الشامل لمورد الجواز الذاتي وإن كنّا نحن نعلم أنّ مصداقه الذي ينتفي بالافتراق هو الخيار الحقّي. والصحيح حمل الخيار في هذا الحديث على الخيار الحقّي لما مضى منّا في بحث الحق والحكم من انّه إذا نسب الخيار إلى البيِّع وهو في صالح البيِّع فهم منه الحق، وإذا نسب الجواز إلى العقد فهم منه الحكم، فالاستدلال بهذا البند أيضاً غير صحيح. هذا لو آمنّا أساساً بمفهوم الغاية أمّا لو قلنا: إنّ الغاية لا تدل على أكثر من انتهاء شخص الحكم بحصول الغاية فلا مجال للاستدلال بهذا البند أصلا.

وأمّا البند الثالث ـ وهو قوله: (فإذا افترقا وجب البيع) فوجه الاستدلال به أنّ وجوب البيع عبارة عن لزومه ومقتضى إطلاق النّص شموله لكل بيع من معاطاة وغيرها فيكون هذا أصلا لفظياً للزوم يرجع إليه في موارد الشك. وقد ذكر السيد الإمام (رحمه الله) في مقام المناقشة للاستدلال بهذا البند: أنّه لا إشكال بمقتضى وحدة السياق في وحدة الموضوع في الصدر والذيل وهو البيع إطلاقاً وتقييداً ففرض كونه مطلقاً في احدهما ومقيداً في الآخر خلاف الظاهر وعندئذ: فان قلنا: أنّ الخيار لا يجتمع مع الجواز الذاتي فلا بدّ من تقييد الصدر بالبيع اللازم، وبالتالي لا بدّ من تقييد الذيل أيضاً بالبيع اللازم حفاظاً على وحدة السياق، وعندئذ جاء إشكال التمسك بالعام في الشبهة المصداقية الذي مضى ذكره في البند الأوّل، وبهذا يبطل التمسك بالذيل كما بطل التمسك بالصدر.

وإن قلنا: بعدم المنافاة بين الخيار والجواز الذاتي وقع التعارض بين إطلاق الصدر وإطلاق الذيل، لان إطلاق الصدر يشمل البيع اللازم ذاتاً والبيع الجائز ذاتاً، بينما إطلاق الذيل يقتضي لزوم كل بيع حسب الفرض، فإذا وقع التعارض بين الإطلاقين:

$

', '', 306), (12, 307, 'book', '

فإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق الذيل بتفسير الوجوب بالوجوب الحيثي فمعنى وجب البيع هو وجوبه من حيث زوال خيار المجلس لا الوجوب الفعلي، وبهذا يبطل الاستدلال بالحديث لعدم دلالته عندئذ على اللزوم وهو الوجوب الفعلي.

وإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق الذيل لا بحمل الوجوب على الوجوب الحيثي بل نحمله على الوجوب الفعلي ولكن بإخراج البيع غير اللازم عن الإطلاق بالتخصيص، وهنا يعود إشكال التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وبه يبطل الاستدلال بالحديث على المدّعى.

وإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق الصدر وعندئذ يبطل إطلاق الذيل أيضاً تبعاً للصدر بوحدة السياق، ويصبح التمسك به أيضاً تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.

أقول: مع غضّ النظر عن جوابنا على مشكلة التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة الذي مضت الإشارة إليه. أنّه تارة نفترض التنافي بين الخيار والجواز الذاتي. ونجيب على إشكال لزوم تقييد الصدر وبالتالي تقييد الذيل بجواب متوقف على أن لا نجد في الشريعة بيعاً نحرز له الجواز الذاتي. والجواب هو انّنا حفاظاً على إطلاق الذيل نفترض أنّ العنوان الذي كان المفروض أن يكون قيداً لبيّاً في الصدر وهو عدم الجواز الذاتي لم يؤخذ في مصبّ الجعل وذلك لأنّ كل قيد دخيل في الملاك لو علم المولى بتحققه دائماً جاز له أن لا يأخذه في مصب الجعل فلعلّ المولى علم بأنّ البيع دائماً هو لازم ذاتاً ولا يوجد لدينا بيع متزلزل بالذات، فاستغنى عن أخذ قيد اللزوم في متعلق الحكم، ولعلّ هذا هو المراد اللبّي للمحقق النائيني المفصّل في التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص اللبّي

', '', 307), (12, 308, 'book', '

بين أن يكون القيد قيداً في الموضوع أو قيداً في الملاك بجواز التمسك بالعام في الثاني دون الأوّل.

واُخرى نفترض عدم التنافي بين الخيار والجواز الذاتي ونجيب على إشكال التعارض بين إطلاقي الصدر والذيل، بأنّ إطلاق الصدر إنّما يدل على أنّ البيع حتى لو كان جائزاً ذاتاً يدخله الخيار ولا يدل على وجود بيع جائز بالذات فعلا كي تنافيه دلالة الذيل على وجوب كل بيع، فدعوى التنافي بين الإطلاقين غريب.

والواقع أنّ تمامية الاستدلال بقوله: «وجب البيع» على لزوم كل بيع وعدمها تتفرّع على ان نستظهر من الوجوب الوجوب الفعلي أو الوجوب الحيثي أي من حيثية انتهاء خيار المجلس. فعلى الثاني لا يتم الاستدلال وعلى الأوّل يتم الاستدلال، واعتقد أنّه لا مبرر لحمله على الوجوب الحيثي، والظاهر الأوّلي لكل عنوان هو وجودة الفعلي، فالصحيح تمامية الاستدلال بالبند الثالث على المقصود.

ثم استأنف السيد الإمام (رحمه الله) مرة اُخرى ذكر مناقشات تعود إلى الاستدلال بالبند الثاني أو إلى الاستدلال بالبند الثالث، ولا علاقة لها بالبند الأوّل، وحاصل ما ذكره (رحمه الله) في المقام اُمور:

1 ـ أنّ التمسّك بمفهوم الغاية المذكورة في البند الثاني ـ  بقطع النظر عمّـا سبق من الإشكال  ـ يتوقّف على كون المقصود بالخيار في قوله: البيّعان بالخيار ماهية الخيار المطلقة كي تكون الغاية غاية لماهية الخيار ونحن نعلم أنّ المقصود به في المقام إنّما هو خيار المجلس، وأنّ الافتراق إنّما هو غاية لخصوص خيار المجلس فحسب، وحمل الحديث على فرض الافتراق غاية لماهية الخيار مع خروج جميع الخيارات على كثرتها ما عدا خيار المجلس يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن.

$

', '', 308), (12, 309, 'book', '

أقول: إنّ هذا الكلام غريب، فإنّ الموضوع في الحديث هو البيّعان،والخيار الغالب وجوده في البيع إنّما هو خيار المجلس، امّا فرض ثبوت شيء من باقي الخيارات لو قسناه إلى فرض عدم ثبوتها فهي حالة نادرة، فاستثناؤها من فرض لزوم البيع ليس تخصيصا مستهجناً، والمفروض في معرفة لزوم تخصيص الأكثر المستهجن وعدمه في المقام هو أن نقيس موارد الخيارات بموارد عدمها لا أن نقيس سائر الخيارات بخيار المجلس لنقول: قد خرج من الإطلاق أكثر الخيارات فلزم تخصيص الأكثر المستهجن  ؟  !

2 ـ قال السيد الإمام (رحمه الله): ومما ذكرنا ظهر الجواب على الاستدلال بذيل صحيحة فضيل: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال، قلت: ما الشرط في الحيوان  ؟ فقال لي: ثلاثة أيام للمشتري، قلت وما الشرط في غير الحيوان  ؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما(1). فالبند الثالث في هذا الحديث إنّما جاء بتعبير: «لا خيار بعد الرضا منهما» والمفروض هو أن نحمل الخيار في هذا الذيل على نفس المعنى المقصود به في الصدر، وقد عرفت أنّ المقصود به في الصدر هو خصوص خيار المجلس، فلو سلّمنا أنّ نفي مطلق الخيار يدل على اللزوم المدّعى في المقام، فهذا التعبير ليس نفياً لمطلق الخيار، وإنّما هو نفي لخيار المجلس بعد الافتراق، على انّنا لو حملنا قوله: (لا خيار بعد الرضا منهما) على نفي ماهية الخيار لزم تخصيص الأكثر المستهجن، لعلمنا بأنّ جميع الخيارات ما عدا خيار المجلس على كثرتها لا تنتفي بالافتراق.

أقول: قد اتضح التعليق على هذا الكلام مما مضى.

$

', '

(1) الوسائل 12: 349، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5 فيه صدر الحديث وذيله في الصفحة 346، الباب 1 من تلك الأبواب، الحديث 3.

', 309), (12, 310, 'book', '

3 ـ وقال السيد الإمام (رحمه الله) (في تعليقه على الاستدلال بصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع(1)): إنّ باقي الروايات جميعاً كان مفادها انتهاء خصوص خيار المجلس بالافتراق، وهو قرينة على أنّ المقصود بقوله في هذه الرواية: (وجب البيع) أيضاً هو ذلك. فالوجوب هنا محمول على الوجوب الحيثي أي من حيثيّة زوال خيار المجلس لا الوجوب الفعلي.

أقول: إنّ هذا الكلام أيضاً غريب، فإنّه لو حمل الوجوب في هذه الرواية على الوجوب الفعلي، كان معنى ذلك دلالة هذه الرواية على مطلب إضافي لم يكن موجوداً في باقي الروايات، وهو لزوم البيع بالفعل بعد انتهاء المجلس، ولم يكن معنى ذلك دلالة هذه الرواية على معنى يعارض باقي الروايات ولا أدري لماذا يكون خلوّ باقي الروايات على مطلب إضافي موجود في رواية واحدة قرينة على حمل تلك الرواية على عدم إرادة ذلك المطلب؟! نعم لو كانت هذه الرواية الواحدة معارضة للروايات الاُخرى الكثيرة فقد يدّعى: أنّ العبارة الواردة في الروايات الكثيرة وانحصار العبارة المعارضة في رواية واحدة مثلا مع قبولها للحمل على ما يوافق العبارة الاُولى يورثان لنا بحساب الاحتمالات الاطمئنان بانّ تلك العبارة المنحصرة لو كانت صادرة حقاً من الإمام (عليه السلام) لم يقصد بها ذلك المعنى المعارض. وإلّا كان المترقب كثرة ورود هذه العبارة في الروايات وقلة ورود تلك العبارة دون العكس. أمّا مع فرض عدم المعارضة فلا نكتة لرفع اليد عن معنى يستفاد من رواية واحدة لمجرد خلوّ باقي الروايات عن ذلك المعنى.

$

', '

(1) الوسائل 12: 346، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 4، والصفحة 348، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 4.

', 310), (12, 311, 'book', '

4 ـ إنّ هناك روايات نقلت فعل أبي جعفر (عليه السلام) في الافتراق بهدف لزومالبيع كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنّه قال: إنّ أبي اشترى أرضاً يُقال لها العريض، فلمّا استوجبها قام فمضى فقلت له: يا أبة عجلت القيام  ؟ فقال: يا بنيّ أردت أن يجب البيع(1).

وقد علّق السيد الإمام (رحمه الله) على التمسك بذلك بانّها مضافاً إلى ظهورها بسبب كلمة (استوجبها) في البيع بالصيغة وإلى بُعد شراء الأراضي والقرى في المعاطاة وتعارف البيع بالصيغة فيها لا تشمل إلّا على قضية شخصية لا يعلم الحال فيها فلا إطلاق لها يشمل المعاطاة.

أقول: المهم هو الإشكال الأخير وهو كونها قضية شخصية لا إطلاق فيها، أمّا لو كان فيها إطلاق لما كانت خصوصية المورد موجبة لتخصيص الموارد، على أنّ ظهور كلمة (استوجبها) في البيع بالصيغة غير مقبول، وغلبة شراء العقار بالصيغة لا توجب القطع مع أنّ هاتين الملاحظتين لا تردان في صحيحة محمّد بن مسلم قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: بايعت رجلا فلمّا بايعته قمت فمشيت خُطىً ثم رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا(2). فالمهمّ هو الإشكال بانّها قضية في واقعة ليس فيها إطلاق بملاك مقدمات الحكمة ولا بملاك ترك الاستفصال.

خروج بعض العقود عن إطلاقات اللزوم:

وفي ختام البحث عن أصالة اللزوم في العقود نذكر أمرين:

$

', '

(1) الوسائل 12: 347، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 1.

(2) الوسائل 12: 348، الباب 2 من الخيار، الحديث 3.

', 311), (12, 312, 'book', '

دعوى خروج المعاطاة عن تحت الإطلاقات:

الأمر الأوّل ـ انّه قد يدّعى في المعاطاة انّها خرجت عمّـا مضى من إطلاقات نفوذ العقود أو عمّـا مضى من إطلاقات اللزوم وذلك بواسطة الإجماع من قبل علماء الشيعة.

والواقع: أنّ دعوى الإجماع على عدم اللزوم ضعيفة جدّاً، فانّ ما هو المنقول عن القدماء انّما هو عدم إفادة المعاطاة للملك، لا عدم اللزوم بعد تسليم إفادتها للملك، وانّما يأتي توهم الإجماع على عدم اللزوم ممّا فعله المحقّق الثاني  (رحمه الله)من حمل ما ورد في كلمات القدماء من إفادة المعاطاة للإباحة على إفادتها للملك المتزلزل لاستغرابه فرض افتاء أحد حصول الإباحة بالمعاطاة مع أنّ مقصود المتعاطيين هو الملك، إذ المعاطاة لو كانت صحيحة لكان المترقب أن تفيد ما قصداه من الملك، ولو كانت باطلة لكان المترقب عدم ترتب أي أثر عليها حتى الإباحة، وأيضاً لاستغرابه لدعوى حصول الملك بمثل التلف بعد فرض عدم مملكية المعاطاة(1).

وفي مقابل هذا التوجيه من قبل المحقق الثاني لكلمات القدماء بحمل الإباحة فيها على عدم اللزوم حمل صاحب الجواهر (رحمه الله) فرض حصول الإباحة الواردة في كلماتهم على ما إذا كان المقصود للمتعاطيين هو الإباحة فكأنّهم أرادوا أن يقولوا إنّ المعاطاة لا تكفي لانشاء الملك وحصوله بها. وإنّما تكفي لانشاء الإباحة وحصولها بها(2).

وعلى أيّة حال فكلمات القدماء آبية عن الحمل على إرادة عدم اللزوم،

', '

(1) راجع المكاسب 1: 82، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) راجع الجواهر 22: 224.

', 312), (12, 313, 'book', '

وبإمكانك أن تراجع كلماتهم الواردة في المكاسب للشيخ الأنصاري (رحمه الله)(1) وفي مفتاح الكرامة(2).

وقد تقول: إنّ المتيقن من مجموع كلمات القدماء القائلين بعدم الملك وكلمات مَن قال بعدم اللزوم هو عدم اللزوم، فانّ المعاطاة إن كانت غير مملّكة فاللزوم منتف بانتفاء الموضوع، وإن كانت مملّكة فقد قالوا بانّها تفيد الملك المتزلزل، وهذا سنخ الإجماع المركّب. إلّا أنّ هذا الكلام لا قيمة له، فانّ الإجماع المركب على ما نقّح لدينا في علم الاُصول إنّما يفيد الحدس بنفي الثالث إذا رجع بروحه إلى الإجماع البسيط، بأن نعلم: أنّ أصحاب الرأي الأوّل على تقدير تنازلهم عن رأيهم يكونون ملتزمين بالرأي الثاني وليس الأمر في المقام كذلك، إذ لم يعلم من القدماء المنكرين لحصول الملك انّهم على تقدير القول بحصول الملك يفتون بالتزلزل وعدم اللزوم.

فالأولى إذن عطف عنان الكلام إلى دعوى الإجماع أو الشهرة على عدم إفادة المعاطاة الملك، وهذا وإن كان محتمل المدركية باستنادهم مثلا إلى أصالة عدم الملك ولكن الإجماع الذي نؤمن به إنّما هو الإجماع الحدسي والحدس قد يتم رغم وجود المدرك، وذلك:

إمّا بدعوى أنّه لولا أنّ الحكم كان من المسلّمات يداً بيد لما أجمعوا عليه متمسكين بالمدرك الفلاني، فهم في طول مسلّمية الحكم تخيّلوا صحة المدرك وذلك لاستبعاد تورّطهم جميعاً في تخيّل صحة المدرك، لولا أنّ مسلّمية الحكم هي التي أوحت إلى أذهانهم المباركة بذلك.

$

', '

(1) الجزء 1، بحث المعاطاة، الصفحة 81 فصاعداً.

(2) الجزء 4، بحث المعاطاة، الصفحة 154 فصاعداً.

', 313), (12, 314, 'book', '

أو بدعوى انّه إن كان مدركهم للحكم هو الأمر الفلاني فهذا بنفسه دليل علىصحة المدرك وإنّ ما يتراءى لنا من ضعف في الدلالةِ أو السند مثلا لم يكن مطابقاً للواقع وذلك لاستبعاد خطائهم جميعاً في الاستناد إلى ما نفترضه من المدرك الباطل.

قد تقول: إنّ الأقوال الواصلة لنا من القدماء إن هي إلّا أقوال قليلة فكيف نستطيع أن نستفيد منها حصول الإجماع أو الشهرة وقتئذ؟! ولكن قد يقال في قبال ذلك: إنّ المسألة لو كانت خلافيّة وقتئذ فافتراض ان اولئك الذين وصلت أقوالهم إلينا كلّهم كانوا صدفة من طرف واحد بعيد بحساب الاحتمالات، وبهذا نحدس قيام الإجماع أو الشهرة على الرأي الذي لم يصلنا غيره.

وعلى أيّة حال فقد قال الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في المكاسب(1): المشهور بين علمائنا عدم ثبوت الملك بالمعاطاة بل لم نجد قائلا به إلى زمان المحقق الثاني الذي قال به ولم يقتصر على ذلك حتى نسبه إلى الأصحاب.

وقال العلاّمة في التذكرة: الأشهر عندنا انّه لا بد منها (يعني الصيغة) فلا يكفي التعاطي في الجليل والحقير مثل اعطني بهذا الدينار ثوباً، فيعطيه ما يرضيه أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه، وبه قال الشافعي مطلقاً لأصالة بقاء الملك وقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد. وعن بعض الحنفية وابن شريح في الجليل، وقال أحمد ينعقد مطلقاً، ونحوه قال مالك، فانّه قال ينعقد بما يعتقده الناس بيعاً(2).

$

', '

(1) المكاسب 1: 83، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) راجع المكاسب 1: 82، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

', 314), (12, 315, 'book', '

وقال في التحرير: الأقوى أنّ المعاطاة غير لازمة بل لكل منهما فسخ المعاوضة ما دامت العين باقية فان تلفت لزمت(1) وهذا وإن كان ظاهره الأوّلي هو حصول الملك المتزلزل ولكنه قصد بذلك الإباحة بدليل قوله بعد ذلك: ولا يحرم على كل منهما الانتفاع بما قبضه، بخلاف البيع الفاسد(2) إذ لا يبقى موضوع لهذا الكلام لو قلنا بإفادتها للملك.

وقال الشيخ في الخلاف: إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال: اعطني بها بقلا أو ماءً فأعطاه فإنّه لا يكون بيعاً، وكذلك سائر المحقرات، وإنّما يكون إباحة له فيتصرف كل منهما فيما أخذه تصرفاً مباحاً من دون أن يكون له ملكه، وفائدة ذلك أن البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة ان يسترجع قطعته كان لهما ذلك لان الملك لم يحصل لهما، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون بيعاً صحيحاً وإن لم يوجد الإيجاب والقبول وقال ذلك في المحقرات دون غيرها، دليلنا أن العقد حكم شرعي ولا دلالة له في الشرع على وجوده هنا، فيجب ان لا تثبت، وأمّا الإباحة بذلك فهو مُجمع عليه لا يختلف العلماء فيها(3).

هذا وقد يستشهد ببعض الشواهد على كون المسألة لدى القدماء خلافية ولم يكن وقتئذ إجماع على عدم إفادة المعاطاة للملك من قبيل:

1 ـ الكلام المنقول عن المُقنعة للمفيد (رحمه الله) قال: البيع ينعقد عن تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعاً وتراضيا بالبيع وتقابضا وافترقا

', '

(1) راجع المكاسب 1: 83، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(2) راجع المكاسب 1: 83، حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

(3) راجع المكاسب 1: 81 حسب الطبعة المشتملة على تعليقة الشهيدي.

', 315), (12, 316, 'book', '

بالأبدان(1). حيث يبدو للذهن في أوّل وهلة من هذا الكلام أنّ المفيد (رحمه الله) أفتى بإفادة المعاطاة للملك اللازم إذ لم يذكر شرط الصيغة في هذا الكلام نهائياً مع انّه بصدد ذكر شروط انعقاد البيع.

ولكن من المحتمل أنّ المفيد (رحمه الله) كان يرى أنّ الصيغة هي قوام العقد وأصله، وكان بصدد بيان الشرائط التي يجب أن تقترن بهذا العقد حتى يصحّ العقد ويلزم، ولذا ذكر الرضا والقبض والافتراق ولم يذكر أصل الصيغة.

2 ـ ما مضى من كلام الشيخ (رحمه الله) في الخلاف حيث لم يستند في إثبات مدّعاه من إفادة المعاطاة للإباحة دون الملك بالإجماع، رغم تعوّده في الخلاف على الاستدلال بإجماع الفرقة وإنّما استند في ذلك إلى دعوى الإجماع على الإباحة وعدم دلالة في الشرع على أزيد منها وهو الملك، وتراه قد استدل على قضية ثانوية في كلامه، وهي إفادة المعاطاة للإباحة بالإجماع ولم يستدل على القضية الأصلية وهي عدم إفادتها للملك بالإجماع، فهذا دليل على أنّه لم يكن يعتقد بثبوت الإجماع على عدم الملك.

ويمكن أن يناقش في ذلك باحتمال أنّ الشيخ (رحمه الله) كان بصدد ذكر دليل مقنع للعامّة حيث ذكر رأي أبي حنيفة وأصبح بصدد ردّه. ومن الواضح انّ اجماع الفرقة لا يقنع العامة فاستدل بأصالة عدم الملك بعد فرض الإباحة مجمعاً عليها بين المسلمين.

ولكن الإنصاف أنّ كلامه (رحمه الله) لا يخلو من إشعار بعدم ثبوت الإجماع، إذ لو كان يرى الإجماع ثابتاً لكان يتمسك به للشيعة وباصالة عدم الملك لتمام

', '

(1) راجع مفتاح الكرامة 4: 160.

', 316), (12, 317, 'book', '

المسلمين، فانّك ترى أنّ دأبه في الخلاف هو التمسك بإجماع الفرقة وأخبارهم بعد ذكره لآراء العامة في كثير من المسائل.

3 ـ ما مضى عن العلاّمة في التذكرة من قوله: (الأشهر عندنا أنّه لا بدّ منها) أي من الصيغة، فهذا يدل على وجود رأي مشهور في قِبال الأشهر، وهو القول بعدم اشتراط الصيغة وكفاية المعاطاة في حصول الملك.

ولكنّ العلاّمة من المتأخرين ويحتمل أن يكون المشهور الذي ينظر إليه من المتأخرين، فهذا لا ينافي دعوى الإجماع على عدم الملك لدى المتقدمين.

إلّا أنّه رغم كل ما ذكرناه لا يتم الاستدلال بالإجماع في المقام على عدم إفادة المعاطاة للملك، فإنّ الذي يكسر الحدس بكون حكم الشرع هو عدم إفادتها للملك مجموع اُمور:

1 ـ ما مضى من كلام الشيخ في الخلاف الذي لا يخلو من إشعار بعدم الإجماع على ذلك.

2 ـ سيرة المتشرعة أو سيرة العقلاء على أقلّ تقدير، فإنّها تبطل فرض وضوح الحكم بعدم الملك خلفاً عن سلف، إذ لو كان الأمر كذلك لانكسرت سيرة المتشرعة ولم تنكسر، أو لكان لا بدّ من تكثّر النصوص ضدّ السيرة العقلائية وعدم الاكتفاء بوضوح متوارث ولم يرد نصّ من هذا القبيل.

3 ـ من المحتمل أن مقتضى طبيعة سير الفقه ونموّه بمرور الزمن هو التدرج في شرائط العقود من التضييق إلى التوسعة باتساع الاُمور وتعقّدها، فسهولة الحياة وبساطتها كأن توحي إلى الاتجاه نحو الاحتياط والتضييق والاقتصار على المتيقن. ولكن تعقّد الاُمور بالتدريج زائداً نفس مرور الزمن الموجب لنموّ العلم أدّيا إلى انقلاب الرأي في الفقه من التضييق إلى التوسعة، ويشهد لذلك تقدّم فقه

', '', 317), (12, 318, 'book', '

السنّة على فقه الشيعة في الاعتراف بمملكية المعاطاة باعتبار اختلاف فقه السنّة عن فقه الشيعة في الأمر الثاني، وهو مرور الزمن، لأنّ البحث الفقهي لدى السنّة أقدم تاريخياً منه لدى الشيعة على أثر انقطاع عصر النصوص لدى السنّة قبل انقطاعه لدى الشيعة.

وهذا الذي ذكرناه يصلح نكتة مشتركة لتورّط الجميع في الخطأ وبهذا ينكسر الحدس بثبوت الحكم الشرعي من وراء هذا الإجماع.

عدم شمول الإطلاقات لموردين:

الأمر الثاني ـ أنّ إطلاقات اللزوم لا تشمل موردين:

أوّلا ـ موارد ثبوت الخيار عقلائياً كخيار العيب أو الغبن أو التدليس ونحوها لانصرافها عن عقد لا يقبل العقلاء لزومه كما أنّ من الواضح عدم إمكان إثبات اللزوم في مثل ذلك بالسيرة. أمّا استصحاب الملكية فيجري في المقام ويثبت اللزوم بقطع النظر عن دلالة السيرة أو مثل قاعدة لا ضرر أو أيّ دليل خاص على عدم اللزوم.

ثانياً ـ موارد العقود المسمّاة في مصطلح المحقق النائيني (رحمه الله) بالعقود الاذنيّة، وهي التي يكون قوامها بذات الاذن كالعارية والوديعة والوكالة وهي في الحقيقة ليست شروطاً ولا عقوداً بمعنى الالتزام في مقابل الالتزام، أو القرار المرتبط بالقرار فلا معنى لشمول مثل أوفوا بالعقود لها. كما أنّه لا سيرة تدل فيها على اللزوم ولا الاستصحاب يجري في المقام لانّ قوامها بالإذن وبانتفائه يتبدّل الموضوع في فهم العرف.

أمّا الهبة فإنْ فسّرنا العقد بالالتزام في مقابل الالتزام فهي ليست عقداً، لعدم وجود التزام من قِبَل المتهب في غير الهبة المعوضة والمشروطة فلا تشملها

', '', 318), (12, 319, 'book', '

الإطلاقات فينحصر دليل اللزوم في السيرة والاستصحاب لولا دليل خاص يرفع اللزوم.

وإن فسّرنا العقد بقرار مرتبط بقرار، فعندئذ لو قلنا:

إنّ الهبة تمليك مجاني فهي عقد وتشملها الإطلاقات، ولو قلنا إنّها مجرد رفع المانع عن تملك المتهب للعين بالحيازة. إذن ليست عقداً وإنّما هي من سنخ الاعراض بناءً على تفسير الاعراض برفع المانع عن تملك الآخرين للمال بالحيازة. ولكنّ الهبة اعراض مضيّق وفي مقابل المتهب فحسب، بخلاف الاعراض الكامل.

وعلى أيّة حال فدليل اللزوم في الهبة ينحصر عندئذ بالسيرة والاستصحاب ما لم نفرض دليلا خاصاً على عدم اللزوم رادعاً عن السيرة وحاكماً على الاستصحاب.

وأمّا القرض لمدة معينة فان قلنا انّه إذن في التملك مع الضمان فليس عقداً ولكن تكفي السيرة والاستصحاب لإثبات لزومه. وإن قلنا بانّه تمليك بضمان فهو عقد سواء فسّر العقد بالالتزام في مقابل الالتزام أو بقرار مرتبط بقرار وتشمله الإطلاقات.

وقد عدّ الاستاذ الزرقاء من العقود الجائزة التحكيم إلى غير القاضي(1)فيجوز التراجع عنه قبل الحكم. وطبيعي انّنا إنْ عددنا ذلك من العقود فهو عقد اذني. وعدّ ايضاً منها الوصية(2). وقد قصد بالعقد هنا ما يعم موارد الانشاء في مصطلحنا أو موارد الإرادة المنفردة في مصطلح الفقه الغربي.

$

', '

(1) و  (2) راجع الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 1: 487، الفقرة 200 بحسب الطبعة الثامنة.

', 319), (12, 320, 'book', '

وعلى أيّة حال فلو عدّت الوصية من العقود فمن الواضح كونها من العقود الاذنية.

هذا تمام ما أردنا أن نبحثه في مدى تواجد الإطلاقات في أدلة العقود، ويليه البحث عن أركان العقد وشروطه إن شاء الله.

$

', '', 320), (12, 321, 'book', '

فقه العقود

الفصل الثاني

أركان العقود وشرائطها

1 ـ مع الفقه الوضعي في أركان العقد.

2 ـ الإرادة.

3 ـ الإبراز.

4 ـ المتعاقدان.

5 ـ محلّ العقد.

$

', '', 321), (12, 322, 'book', '

$

', '', 322), (12, 323, 'book', '

مقدّمة:

لئن سمّينا مراكز شروط العقود بأركان العقود لصحّ القول ـ  وفق ما تعارف لدى الأصحاب من ترتيب ذكر الشروط  ـ بأنّ أركان العقد ثلاثة:

1 ـ صيغة العقد.

2 ـ المتعاقدان.

3 ـ العوضان.

حيث نرى أنّ الأصحاب يبحثون تارة عن شروط صيغة العقد، واُخرى عن شروط المتعاقدين، وثالثة عن شروط العوضين.

ولئن سمّينا ما بها قوام العقود بأركان العقود أمكن القول أيضاً بأنّ أركان العقد ثلاثة: صيغة العقد، والمتعاقدان، والعوضان.

وأنا أقترح افتراض أركان العقد أربعة:

1 ـ إرادة المضمون.

2 ـ إبرازها سواء كان باللفظ أو بأيّ مبرز آخر.

3 ـ المتعاقدان.

$

', '', 323), (12, 324, 'book', '

4 ـ المحلّ.

والأصحاب إنّما ذكروا شروط (العوضين) لأنّ مصبّ كلامهم كان هو البيع المشتمل على العوضين. أمّا التعبير بالمحلّ فيشمل كل عقد ولو لم يكن مشتملا على العوضين كالهبة.

وبهذا التقسيم لأركان العقد نأتي على ذكر الشروط بطريقة تختلف عن عرض الأصحاب لها فمثلا: شرط الصراحة راجع إلى الركن الثاني. وشرط التنجيز راجع إلى الركن الأوّل، بينما نرى في عرض الأصحاب أنّ شرط الصراحة والماضوية وتقديم الإيجاب على القبول ونحوها مع مثل شرط التنجيز تجعل جميعاً ـ  في صف واحد  ـ شروطاً للركن الأوّل وهو صيغة العقد. وشرط الرضا والاختيار نبحثه في شروط الركن الأوّل وهو الإرادة فهو أنسب بها، بينما ذكرها الأصحاب في شروط المتعاقدين.

$

', '', 324), (12, 325, 'book', '

1أركان العقود وشرائطها

مع الفقه الوضعي في أركان العقد

ركن الإرادة في الفقه الغربي

ركن السبب في الفقه الغربي

نظريّة السبب في ضوء الفقه الإسلامي

$

', '', 325), (12, 326, 'book', '

$

', '', 326), (12, 327, 'book', '

$

وقد ورد في الفقه الغربي: أنّ أركان العقد ثلاثة:

1 ـ الإرادة أو التراضي أو قُل توافق الإرادتين.

2 ـ المحلّ.

3 ـ السبب(1).

وقبل أن نبدأ ببحث الشروط نتكلّم عن تصور الفقه الغربي عمّـا أبرزوه من ركني الإرادة والسبب.

ركن الإرادة في الفقه الغربي

أمّا الإرادة فقد ذكروا لها تفسيرين: إرادة ظاهرة وإرادة باطنة(2) وقصدوا بالإرادة الباطنة: الإرادة بمعناها الحقيقي القائمة في النفس، وبالإرادة الظاهرة:

', '

(1) راجع الوسيط 1: 182، الفقرة 68.

(2) راجع الوسيط الجزء 1: 95 ـ 99، بحث الاتجاهات العامّة للتقنين الجديد (في مصر) البند (ج)، وراجع أيضاً 1: 191 ـ 194، الفقرة 77 ـ 80.

', 327), (12, 328, 'book', '

التعبير عن الإرادة واختلفوا في أنّ ما هو ركن في العقد هل هي الإرادة الظاهرة أو الإرادة الباطنة  ؟ فمذهب الإرادة الباطنة وهو المذهب اللاتيني يقف عند الإرادة النفسيّة أمّا التعبير المادّي عن هذه الإرادة فليس إلّا قرينة عليها تقبل إثبات العكس ومذهب الإرادة الظاهرة وهو المذهب الجرماني يقف عند التعبير عن الإرادة ويعتبره هو الإرادة ذاتها:

فمذهب الإرادة الباطنة يرى أنّ المقياس في العقد ينبغي أن تكون هي الإرادة الكامنة في النفس، لأنّها الإرادة الحرّة المختارة في معدنها الحقيقي غير متأثرة بغش ولا بإكراه ولا بغلط. ومذهب الإرادة الظاهرة يرى أنّ جعل المقياس هي الإرادة النفسية ليس على ما ينبغي فقد بحث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقهاء الألمان نظرية الإرادة الباطنة المتعارفة لدى الفقهاء الفرنسيين وخلصوا إلى أنّ هذه الإرادة لا يجوز أن يكون لها أثر في القانون، لأنّها شيء كامن في النفس والقانون ظاهرة اجتماعية يدرس الظواهر الاجتماعيّة وليس ظاهرة نفسية ودارساً لقضايا النفس ولأنّ جعل الإرادة الظاهرة هي المقياس يؤدّي إلى استقرار التعامل والطمأنينة لمَن يسكن بحق إلى ما يظهر أمامه من التعبير المادّي عن الإرادة، وهذا بخلاف جعل المقياس هي الإرادة الباطنة.

والإرادتان لو اتفقتا فلا أثر لهذا الخلاف، وإنّما يظهر الأثر عندما تختلفان كما إذا أمضى شخص عقداً مطبوعاً يتضمن شرطاً كان لا يقبله لو فطن له وكشخص ينزل في فندق على شروط لا يعلمها ولكنها مكتوبة ومعلقة في غرفته وكمَن يوصي على أثاث منزليّ بطريق التأشير على بيان مطبوع فإذا به يؤشر على أثاث غرفة نوم وهو يريد أثاث غرفة استقبال. ومذهب الإرادة الباطنة يرى التعبير دليلا على الإرادة الباطنة، فبالتالي يأذن بمفاد التعبير كما هو الحال عند

', '', 328), (12, 329, 'book', '

مذهب الإرادة الظاهرة، فالأثر العملي بين المذهبين إنّما يظهر في إمكان إثبات العكس وعدمه. فالتعبير لو لم يعتبر إلّا دليلا وقرينة لإثبات الإرادة فقد يثبت العكس بدليل أقوى، أمّا لو اعتبر هو الإرادة فلا معنى لإثبات العكس.

وذكر السنهوري(1): أنّ التقنين الجديد المصري أخذ بشكل عام بالإرادة الباطنة ولكنّه أخذ في بعض الفروض بالإرادة الظاهرة حتى يكمل الاستقرار في التعامل فمثلا:

1 ـ نصّ التقنين الجديد في المادة (91) على أنّ التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجّه إليه. وفي نفس الوقت قالوا: إنّ من وجّه إليه إيجاب فقبله ثم عدل ولكن القبول وصل إلى علم الموجب قبل أن يصل العدول يرتبط بالعقد بينما لا يعقل أن يكون هذا الارتباط إلّا على أساس الإرادة الظاهرة لأنّ الإرادة الحقيقية قد انتهت بالعدول.

2 ـ نصّت المادة (92) من القانون الجديد المصري على أنّه: «إذا مات مَنْ صدر منه التعبير عن الإرادة أو فقد أهليته قبل أن ينتج التعبير أثره فإنّ ذلك لا يمنع من ترتّب هذا الأثر عند اتصال التعبير بعلم من وجّه إليه» ولا يستقيم هذا الحكم على أساس الإرادة الباطنة الكامنة في النفس التي تموت بموت صاحبها وتزول بفقده لأهليّته بل على أساس الإرادة الظاهرة التي انفصلت عن صاحبها فأصبحت مستقلة عنه وتبقى حتى بعد موته أو بعد فقده لأهليته.

أقول: إنّ تفسيرها في القانون المصري في هذين الفرعين لا ينحصر بالأخذ بالإرادة الظاهرة، فقد يقول القانون المصري: إنّ العبرة بالإرادة الباطنة

', '

(1) راجع الوسيط 1: 96 و  97.

', 329), (12, 330, 'book', '

التي كانت موجودة قبل الموت أو فقدان الأهلية أو العدول وأنّ التوسع المتبع ليس في الإرادة بالجنوح إلى الإرادة الظاهرة وإنّما هو في شرط الوصول فحينما شرطنا في تأثير التعبير وصوله إلى من وجّه إليه نكتفي بوصوله قبل وصول العدول أو نكتفي بوصوله حتى بعد الموت أو فقدان الأهلية.

3 ـ ويقرر التقنين الجديد المصري إنّ الغلط المختص بأحد المتعاقدين أو التدليس الصادر من شخص ثالث أو الإكراه الصادر من شخص ثالث لا يكون سبباً في إبطال العقد من قبل الغالط أو المكرَه أو المدَلَّس عليه إلّا إذا كان المتعاقد الآخر على علم بالغلط أو الإكراه أو التدليس، أو كان من السهل أن يتبيّنه ومن المفروض أن يعلم به، ففي غير فرض العلم أو سهولة التبين لا مجال للإبطال وهذا لا يكون على أساس الإرادة الحقيقية للمتعاقد الأوّل فانّها قد شابها الغلط أو التدليس أو الإكراه، وإنّما هو على أساس إرادته الظاهرة التي اطمأنّ إليها المتعاقد الآخر واعتمد عليها في ترتيب شؤونه. وقال الدكتور السنهوري: أمّا الشريعة الإسلامية فمع انّ القاعدة فيها أنّ العبرة بالمعاني أي بالإرادة الحقيقية للمتعاقدين إلّا أنّ الفقهاء في كثير من الفروض يقفون عند المعاني الظاهرة من الألفاظ التي استعملها المتعاقدان فلا يتعدّونها إلى المعاني الكامنة في السريرة، ولعل هذا يفسر تحليلهم الدقيق لبعض العبارات والألفاظ ووقوفهم طويلا عند شرح ما تتضمنه هذه العبارات من المعاني وما يستتبعه اختلاف التعبير من اختلاف الأحكام فليس هذا منهم في رأينا استمساكاً باللفظ بل هو تغليب للإرادة الظاهرة على الإرادة الباطنة...(1).

$

', '

(1) في الوسيط 1: 193، في تعليقه على الفقرة 79 تحت الخط.

', 330), (12, 331, 'book', '

أقول: إنّ تبرير مذهب الإرادة الظاهرة بأنّ القانون ظاهرة اجتماعية ولا تدرس الاُمور النفسية والإرادة الباطنة ليست عدا أمر مكنون في النفس تبرير غير مقبول. فان المجتمع بإمكانه أن يرتب حكماً اجتماعياً على أمر نفسي. نعم عندئذ لا تعرف فعلية ذاك الحكم إلّا بمعرفة تحقق ذاك الأمر النفسي عن طريق أمارة تدل عليه، والمفروض لدى القائلين بمذهب الإرادة الباطنة انّ التعبير أمارة تدل عليها.

وكذلك لا يصحّ تبرير مذهب الإرادة الظاهرة بتوخّي استقرار التعامل فان قسماً كبيراً من استقرار التعامل محرز لدى مذهب الإرادة الباطنة باتباع ظواهر التعبيرات بعنوانها أمارة على الإرادة الباطنة ولا يضحي هذا المذهب إلّا بجزء ضئيل من الاستقرار توخّياً للمصلحة بمراعاة حال من عجز عن إيصال مراده بالشكل الذي أراد.

وأمّا تبرير مذهب الإرادة الباطنة بانّها غير متأثرة بغشّ ولا بإكراه ولا بغلط، فلا يخلو أيضاً عن ضعف ولعلّ الضعف في التعبير لا في المقصود، والاولى أن يعبّر بتعبير أنّ الإرادة الباطنة تبتلي بغشّ أو غلط أو إكراه أو تنعدم بالإكراه فيكون البطلان أو إمكانية الإبطال عندئذ موجباً لتدارك الغشّ والغلط والإكراه. بينما نرى أنّ مذهب الإرادة الظاهرة يؤدّي إلى عدم تدارك هذه الاُمور، ولا يخفى أنّ مذهب الإرادة الباطنة لا يبقى المظهر الخارجي الخاطئ دون جزاء بل يترتب عليه الحق في التعويض على أساس المسؤولية التقصيرية لمن اطمأنّ لهذا المظهر حماية للثقة المشروعة على حدّ تعبير الدكتور السنهوري(1).

$

', '

(1) في الوسيط 1: 194، في تعليقه على الفقرة 79 تحت الخط.

', 331), (12, 332, 'book', '

وأمّا قوله: «بأنّ فقهاء الشريعة الإسلامية يقفون في كثير من الفروض عند المعاني الظاهرة من الألفاظ التي يستعملها المتعاقدان وهذا يعني تغليب الإرادة الظاهرة في تلك الفروض وهذا هو تفسير تدقيقهم لبعض العبارات والألفاظ ووقوفهم طويلا عند شرحها» فهو غير صحيح فان تدقيقهم في فهم معاني تلك العبارات ووقوفهم عند المعاني الظاهرة انّما هو ناتج من إيمانهم بأماريّة التعبير على الإرادة الباطنة وهذا ما يؤمن به مذهب الإرادة الباطنة فليس هذا دليلا على اقتراب من مذهب الإرادة الظاهرة.

والواقع أنّ مصطلح الإرادة الظاهرة وفكرتها مرتبطان بمدرسة الفقه الغربي تماماً ولا عـلاقة لهما بالفقه الإسلامي إطلاقاً ولا يقصد بالإرادة في الفقه الإسلامي عدا معناها الحقيقي المتواجد في النفس ولا يعدّ التعبير إلّا أمارة وقرينة على تلك الإرادة قابلة للمعارضة بدليل أقوى على الخلاف، وحينما قال فقهاء الإسلام: (العقود تتبع القصود) قصدوا بذلك المعنى الحقيقي للقصد وهي الإرادة النفسية.

ركن السبب في الفقه الغربي

وأمّا السبب فقد اختلف الفقه الغربي حول ركنيته في العقد وحول معناه في تاريخ طويل وقد ورد ذلك مشروحاً في الوسيط(1) للسنهوري. ونحن نلخّص هنا ما قد يكون أهمّ النقاط الواردة في البحث مشيرين إلى أن مقصودهم بركنية السبب للعقد افتراض بعض الشروط بلحاظ السبب يؤثّر اختلاله على مدى نفوذ العقد أو صحته:

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 451 ـ 531، الفقرة 242 ـ 297.

', 332), (12, 333, 'book', '

تاريخ البحث حول السبب:

ظهر البحث عن السبب ـ  أي سبب الإرادة في العقد في الفقه الغربي  ـ من حين ما اختفت الشكلية وبرزت الإرادية والرضائية في العقود وبقدر ما كانت تختفي الشكلية وتبرز الإرادة كان يبدو مجال للبحث عن سبب الإرادة.

فحينما ظهرت في القانون الروماني إلى جانب العقود الشكلية عقود اُخرى غير شكلية أهمّها العقود العينية والعقود الرضائية والعقود غير المسماة وعقود التبرع ظهر الاتجاه إلى بحث السبب:

أمّا العقود العينية ـ  وكانت هي القرض والعارية والوديعة والرهن  ـ فالإرادة لم تكن ظاهرة فيها كي تظهر فكرة البحث عن سبب الإرادة في عقد القرض أو العارية أو الوديعة أو الرهن، وانّما كان يُرى أنّ المقترض أو المستعير أو الودعي أو المرتهن ملزم بردّ العين بسبب تسلّمها وإلّا كان مثرياً دون سبب.

وأمّا العقود الرضائية ـ  وكانت هي البيع والإيجار والشركة والوكالة  ـ فالإرادة هي قوام العقد فيها فبرزت فكرة السبب في هذه العقود واضحة. ففي عقد البيع يكون التزام البائع سبباً لالتزام المشتري وبالعكس ولكنّ فكرة السبب لديهم وقفت في حدود تكوين العقد ولم تتجاوز مرحلة التنفيذ. أي انّه لدى تكوين العقد إذا كان السبب منتفياً بطل العقد، ولكن لدى التنفيذ لو طرأ امتناع التنفيذ بالنسبة لأحد العوضين أو امتنع صاحبه عن التنفيذ لم يبطل العقد ولا كان للآخر الفسخ أو الامتناع عن التنفيذ فكل من الالتزامين بعد حصولهما أمر مستقل عن الآخر.

وأمّا العقود غير المسماة فقد ظهرت فيها أيضاً فكرة السبب، ففي عقد المقايضة مثلا إذا سلّم أحد المتقايضين العوض الذي يملكه كان هذا سبباً لالتزام الآخر بتسليم ما يقابله.

$

', '', 333), (12, 334, 'book', '

وأمّا عقود التبرعات فأهمها الهبة وقد اعترف القانون الروماني فيها بالسببإلى حدّ كبير فالتبرعات المحضة تقوم على نيّة التبرع وهي السبب في التزام المتبرع. فإذا انعدمت بطل التبرع والهبة المقرونة بالشرط يكون الشرط سبباً لها إذا كان هو الدافع إلى التبرع. فإذا لم يقم الموهوب له بتنفيذ الشرط كان للواهب استرداد ما وهب أو إجباره على التنفيذ. وفي الوصية ـ  وهي إرادة منفردة  ـ اعترف القانون الروماني بالسبب إلى حدّ أنْ مزجه بالباعث، فإذا اعتقد الموصي أنّ وارثه قد مات فأوصى بماله لاجنبي وتبين أنّ الوارث لا يزال حيّاً واستطاع هذا أن يثبت أنّ الباعث على الوصية هو اعتقاد الموصي أنّ الوارث قد مات فالوصية باطلة لانعدام سببها.

ثم جاء دور الفقهاء الكنسيين فهم فسّروا السبب بالباعث دون السبب الروماني الموضوعي الداخل في العقد وهم جعلوا نظرية السبب في بداية الأمر أداة لحماية المجتمع فحسب عن طريق إبطال العقود التي تتجه لتحقيق أغراض غير مشروعة، ولكن ما لبثوا أن جعلوها إلى جانب ذلك أداة لحماية العاقد نفسه وتحرير إرادته من الغلط والتدليس والغش، ذلك أنّهم أضافوا إلى السبب غير المشروع في إبطال العقد السبب غير الحقيقي، فإذا وقع غلط أو تدليس في الباعث على التعاقد كان السبب غير حقيقي وبطل العقد. ثم جاء عهد الفقيه الفرنسي الكبير (دوما) في القرن السابع عشر فأحيا فكرة الرومان القديمة عن نظرية السبب، فالسبب عنده في التزام المتعاقد في العقود الملزمة للجانبين هو ما يقوم به المتعاقد الآخر، أي الالتزام المقابل والسبب في مثل القرض الذي يظهر أنّ شخصاً واحداً فيه قد التزم، هو التسليم الذي تمَّ من الشخص الأوّل والسبب في التبرعات هو نيّة التبرع وكلامه وإن لم يكن واضحاً وضوحاً كافياً في هذا

', '', 334), (12, 335, 'book', '

الأخير ولكن كلام پوتية وهو فقيه فرنسي معروف جاء بعد دوما وردّد ما سبق إليه دوما واضح في ذلك كل الوضوح.

وهذا المنحى من التفكير صنع البذور الأوّلية للنظرية التقليدية في السبب في القانون المدني الفرنسي وكذلك المصري القديمين وإليك الخلاصة عن النظرية التقليدية في السبب:

النظريّة التقليديّة في السبب:

تميّزالنظرية التقليدية بين السبب الانشائي والسبب الدافع والسبب القصدي: فالسبب الانشائي هو الذي ينشىء الالتزام ويخلقه وهو نفس العقد، وهذا ليس هو المقصود من السبب في المقام والسبب الدافع هو الباعث الذي دفع الملتزم إلى ان يرتب في ذمته الالتزام كمَن كان دافعه في شراء البيت ان يخصصه لسكناه أو أن يجعل منه محلا لعمله أحد غير ذلك وهذا أيضاً ليس هو المقصود في المقام.

والسبب القصدي ـ  وهو السبب الذي تقف عنده النظرية التقليدية وإذا أطلقت كلمة السبب عنته بهذه الكلمة  ـ يعرّف عادةً بأنّه الغاية المباشرة أو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه فيختلف السبب عن الباعث في أنّ السبب هو أوّل نتيجة يصل إليها الملتزم، أمّا الباعث فغاية غير مباشرة تتحقق بعد أن يتحقق السبب ولا يصل إليها الملتزم مباشرة من وراء الالتزام.

وتقول النظرية التقليدية للسبب: إنّ سبب الالتزام لكل من المتعاقدين في العقود الملزمة للجانبين عبارة عن الالتزام المقابل وسبب الالتزام في العقود الملزمة لجانب واحد إذا كان العقد عينياً قرضاً كان أو عارية أو وديعة أو رهن

', '', 335), (12, 336, 'book', '

حيازة هو تسلّمه الشيء محل التعاقد، فالمقترض يلتزم برد القرض لأنّه تسلّمه. وفي عقود التبرع السبب في التزام المتبرع هو نيّة التبرع ذاتها. وتحرص النظرية التقليدية على أن لا تقتصر في تأثير السبب على تأثيره في مرحلة تكوين العقد بل يبقى التأثير إلى حين التنفيذ فإذا قام السبب عند تكوين العقد ثم انقطع قبل التنفيذ سقط الالتزام وتظهر أهميّة هذا الحكم في العقود الملزمة للجانبين فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقد الآخر أن يمتنع عن تنفيذ ما ترتب في ذمته من التزام، وهذه هي نظرية الدفع بعدم التنفيذ، وإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقد الآخر أن يطلب فسخ العقد وهذه هي نظرية الفسخ وإذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لقوّة قاهرة تحمّل هو تبعة هذه الاستحالة وسقط التزام المتعاقد الآخر وهذه هي نظرية تحمل التبعة.

والشروط الواجب توافرها في العقد بلحاظ السبب لدى النظرية التقليدية ثلاثة:

الأوّل ـ وجود السبب فان لم يكن السبب موجوداً بطل العقد وليس مقصودهم بعدم وجود السبب ما يشمل موهومية السبب، فان السبب الموهوم قد احترزوا منه بشرط آخر وإنّما المقصود بعدم وجود السبب ان يكون المتعاقدان على بيّنة من أنّه غير موجود غير واهمين وجوده ويمكن تصوير إقدامهما على العقد رغم علمهما بعدم وجود السبب في فروض منها:

1 ـ أن يكره أحد المتعاقدين على إمضاء إقرار بمديونيته وهو غير مدين، أي الالتزام بالدين لسبب لا وجود له كقرض لم يتمّ. فهذا العقد باطل وليس بطلانه لاجل الإكراه فإنّ الإكراه في رأيهم ليس مبطلا للعقد وانّما يوجب قابلية العقد للإبطال بالفسخ وانّما بطلانه لأجل انعدام السبب وقد لا يكون إكراه أصلا كما لو

', '', 336), (12, 337, 'book', '

أقرّ بالمديونية قبل تسلّم القرض ثم لم يحصل تسلّم القرض فيكون الإقرار في هذه الحالة باطلا لانعدام السبب. ويستقيم الفرض حتى لو اعتبر الإقرار إرادة منفردة لا عقداً فانّ السبب ركن في كل التزام إرادي لا في خصوص العقد.

2 ـ أن يوقّع على سند المجاملة فيتمّ بذلك عقد بلا سبب من دون فرض إكراه أو وهم في المقام وصورته أن يلتزم شخص نحو آخر التزاماً صورياً فيمضي سنداً لمصلحته كي يستفيد الدائن الصوري من هذا السند بتحويله لشخص ثالث لقاء أخذ مبلغ منه حتى إذا حلّ ميعاد دفع السند قام الدائن الصوري بتوريد قيمته إلى حساب المدين الصوري فيدفعها المدين لحامل السند وبذلك يستطيع الدائن الصوري أن يحصل على ما هو في حاجة إليه من النقود إلى أجل معلوم لا من مدينه بالذات بل بفضل إمضاء هذا المدين على سند المجاملة ولا يحتجّ بانعدام السبب على حامل السند إذا كان حسن النيّة ولكن يحتج به في العلاقة ما بين المدين ودائنه الصوري إذا أراد الدائن أن يستفيد من السند الممضى من قِبَل مدينه الصوري من دون توريد قيمته إليه. ويتحقق انعدام السبب بعد التعاقد أيضاً وذلك في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه أو استحال عليه هذا التنفيذ لقوة قاهرة، فانّ السبب التزام المتعاقد الآخر يصبح غير موجود بعد أن كان موجوداً عند التعاقد وهو يبرّر نظرية الدفع بعدم التنفيذ ونظرية الفسخ ونظرية تحمّل التبعة كما تقدمت الإشارة إليه.

الثاني ـ صحة السبب فإن كان السبب غير صحيح بطل العقد وقصدوا بالسبب غير الصحيح السبب الموهوم والمغلوط أو السبب الصوري: أمّا السبب الموهوم فأمثلته كثيرة من قبيل وارث يتخارج مع شخص يعتقد أنّه شريكه في الإرث فيعطيه مبلغاً من النقود لقاء تخلّيه من الإرث ثم يعرف أنّه ليس وارثاً فهذا

', '', 337), (12, 338, 'book', '

العقد باطل لأنّ سببه موهوم، وكذلك وارث يمضي إقراراً بدين على التركة ويتبين أنّ الدائن كان قد استوفى الدين من المورث فهذا الإقرار باطل لانّ سببه موهوم، ووارث يتعهّد لموصى له بعين في التركة أن يعطيه مبلغاً من المال في نظير نزوله عن الوصية ويتبين بعد ذلك أنّ الوصية باطلة أو أنّ الموصي قد عدل عنها فتعهّد الوارث باطل. ومدين يتفق مع دائنه على تجديد الدَّين فيتبين أن الدَّين القديم باطل أو أنّ الدائن قد استوفاه فالتجديد باطل. وأمّا السبب الظاهر صورياً لا موهوماً فمجرد صورية السبب الظاهر لا تبطل العقد عند فرض وجود سبب حقيقي مشروع صحيح ولكن إذا أثبت المدين صورية السبب فعلى الدائن أن يثبت السبب الحقيقي ويكون الالتزام قائماً أو غير قائم تبعاً لهذا السبب الحقيقي فإن كان هذا السبب موهوماً سقط الالتزام وإن كان سبباً غير مشروع وقد اُخفي تحت ستار سبب مشروع كما هو الغالب في صورية الأسباب الظاهرة سقط الالتزام أيضاً وإلّا كان الالتزام قائماً.

الثالث ـ مشروعية السبب، والسبب المشروع هو الذي لا يحرّمه القانون ولا يكون مخالفاً للنظام العام أو الآداب. ومشروعية السبب عند أصحاب النظرية التقليدية شرط متميز عن مشروعية المحل فقد يكون المحل مشروعاً والسبب غير مشروع من قبيل:

1 ـ ما إذا تعهّد شخص لآخر بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود فإن التزام الشخص الآخر بدفع النقود محله مشروع ولكن سببه وهو التزام الشخص الأوّل بارتكاب الجريمة غير مشروع فيكون الالتزام باطلا رغم مشروعية محله.

2 ـ إذا تعهّد شخص لآخر بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود فانّ التزام كل من المتعاقدين محله مشروع، فعدم ارتكاب الجريمة مشروع ودفع

', '', 338), (12, 339, 'book', '

مبلغ من النقود أيضاً مشروع ولكن سبب التزام الأوّل بالامتناع عن ارتكابالجريمة هو التزام الثاني بدفع النقود وهذا سبب غير مشروع لأنّه ملزم بذلك مسبقاً وسبب التزام الثاني بدفع النقود هو التزام الأوّل بالامتناع عن ارتكاب الجريمة وهذا أيضاً سبب غير مشروع لأنّ ذاك ملزم بالامتناع عنها بقطع النظر عن أخذ النقود وكذلك الأمر في كل عقد يلتزم أحد فيه بجائزة لشخص ليحمله على الالتزام بما يجب عليه في ذاته وبقطع النظر عن الجائزة كالمودع يجيز المودع عنده حتى يرد الوديعة وكالمسروق منه يجيز السارق حتى يرد المسروق وكالمخطوف ولده يجيز الخاطف حتى يرد الولد وكمَن يخشى أذىً دون حق من شخص يجيز هذا الشخص حتى يكفّ عنه أذاه.

الهجوم ضدّ نظرية السبب التقليدية:

هذه خلاصة عن نظرية السبب التقليديّة. ثم هوجمت النظرية في سنة 1828 من قِبَل الفقيه البلجيكي (ارنست) ثم هاجمها آخرون بلجيكيون وفرنسيون إلى أن جاء دور (بلانيول) وانحاز إلى خصوم السبب وكان معولا فعّالا في هدمها وردد بعده آخرون صدى هذه الحملة.

وإليك خلاصة من نقد بلانيول لنظرية السبب التقليدية:

يقول بلانيول: إنّ نظرية السبب التقليدية نظرية غير صحيحة ثم هي غير ذات فائدة. أمّا انّها غير صحيحة فيظهر باستعراض السبب في فروضه الثلاثة: العقد الملزم للجانبين، والعقد العيني وعقد التبرع: ففي العقد الملزم للجانبين لا يجوز القول كما تزعم النظرية التقليدية: أنَّ سبب أحد الالتزامين المتقابلين هو الالتزام الآخر فانّ في هذا استحالة منطقية ذلك لأنّ الالتزامين يولدان في وقت واحد من مصدر واحد هو العقد فلا يمكن أن يكون أحدهما سبباً للآخر.

$

', '', 339), (12, 340, 'book', '

وفي العقد العيني يقولون: أنّ سبب الالتزام هو تسليم العين ولكن التسليمليس إلّا المصدر الذي كوّن العقد وانشأ الالتزام فانّ انشاء الالتزام في العقود العينية إنّما هو بتسليم العين ففرض التسليم سبباً للعقد يعني توحيد السبب الانشائي والسبب القصدي.

وفي عقد التبرع يقولون انّ سبب الالتزام هو نيّة التبرع وهذا كلام فارغ من المعنى فانّ نيّة التبرع هي الرضا بالعقد ذاته وليست سبباً قصدياً للتبرع.

وأمّا أنّ النظرية غير ذات فائدة، فلأنّ الفائدة المتوخاة منها تحصل بشيء آخر يغنينا عنها:

ففي العقود الملزمة للجانبين يكفينا أن نقول: إنّ الالتزامين المتقابلين مرتبطان أحدهما بالآخر بحيث يتوقف مصير كل منهما على مصير الثاني وتغني فكرة الارتباط في هذه العقود عن فكرة السبب.

وفي العقود العينية وعقود التبرع انعدام السبب بالمعنى المفهوم من النظرية التقليدية هو انعدام التسليم في العقد العيني وانعدام نيّة التبرع في الهبة وهذا معناه انعدام العقد ذاته فلسنا إذن في حاجة إلى تعليل عدم قيام الالتزام بانعدام السبب ما دام العقد ذاته غير موجود.

هذه خلاصة الاعتراضات على فكرة السبب التقليدية.

الدفاع عن النظريّة:

ولكن كثيرين دافعوا عن النظرية التقليدية بعد تحويرها وعلى رأس هؤلاء (كاپيتان) في كتابه المعروف (السبب في الالتزامات) فعند كاپيتان أنّ السبب في العقد الملزم للجانبين ليس هو الالتزام المقابل ذاته بل هو تنفيذ هذا الالتزام فلم

', '', 340), (12, 341, 'book', '

يلزم أن يكون الالتزام الواحد سبباً ومسبباً في وقت واحد كي تحصل الاستحالة العقلية(1).

ثم يضيف إلى ذلك أنّه حتى لو فرض طبقاً للنظرية التقليدية أنّ سبب الالتزام هو الالتزام المقابل ذاته فليس المقصود بذلك السبب الانشائي كي يقال: لا يمكن أن يكون الشيء منشأ لشيء آخر وناشئاً منه في آن واحد، وإنّما المقصود بذلك السبب القصدي أي الغرض المباشر الذي قصد إليه الملتزم من وراء التزامه ويسهل مع هذا المعنى أن نفهم أنّ الغرض الذي قصد إليه أحد المتعاقدين من وراء التزامه هو التزام المتعاقد الآخر بالذات فكل من المتعاقدين التزم حتى يلتزم الآخر ولا يكون في هذا خروج عن المنطق.

أمّا الالتزام الذي ينشأ عن عقد عيني فسببه هو تسليم الشيء كما تقرر النظرية التقليدية وهذا صحيح في نظر كاپيتان في عقود عينية ثلاثة، وهي القرض والعارية ورهن الحيازة فإنّ هذه العقود إذا كانت عينية من حيث الصياغة فهي من حيث طبيعتها عقود رضائية ملزمة للجانبين، فالمقرض والمقترض مثلا يتفقان على القرض ويتم العقد بالاتفاق فيلتزم المقرض بتسليم القرض كما يلتزم المقترض بردّ مثله. إذن فالتسليم ليس هو حتماً السبب المنشئ للالتزام بل هو الغرض الذي يسعى إليه المقترض من وراء التزامه برد الشيء فلا يختلط في هذه العقود الثلاثة السبب الانشائي والسبب القصدي كما يزعم خصوم نظرية السبب.

$

', '

(1) لو كان الإشكال هو الدور أو ما يشبهه فهو لا يرتفع بتحويل السببية من الالتزام إلى تنفيذه، لأنّ تنفيذ الالتزام مسبب عن الالتزام. فالمهم هو الجواب بالتفريق بين السبب الانشائي والسبب القصدي أو العلّة الفاعلية والعلة الغائية وهو الجواب الثاني الوارد في المتن من دون فرق في ذلك بين أن يفرض السبب هو الالتزام أو تنفيذه.

', 341), (12, 342, 'book', '

ولا يبقى من العقود العينية إلّا الوديعة وهنا يسلّم كاپيتان أنّ الوديعةبطبيعتها عقد عيني ملزم لجانب واحد إذا كانت بغير أجر، ويرى أنّ سبب التزام المودع عنده ليس هو تسليم الشيء إذ يختلط بذلك السبب الانشائي بالسبب القصدي بل هو رغبة المودع عنده في أنْ يسدي جميلا للمودع، أمّا إذا كانت الوديعة بأجر فقد أصبحت عقداً ملزماً للجانبين وصار سبب كل التزام هو تنفيذ الالتزام الآخر(1).

وأمّا عقود التبرع فسبب الالتزام هو نيّة التبرع ذاتها كما تقرر النظرية التقليدية ولا تختلط هذه النيّة بالرضا كما يقول خصوم السبب، فانّ إرادة الواهب يمكن تحليلها إلى عنصرين:

العنصر الأوّل هو إرادته أن يلتزم وهذا هو (الرضا) والعنصر الثاني هو إرادته أن يكون الالتزام دون مقابل وعلى سبيل التبرع وهذا هو (السبب) يتميّز عن الرضا كما نرى. والدليل على ذلك أنّ العنصر الأوّل وهو الرضا بالالتزام قد يثبت وجوده دون ان يثبت وجود السبب وهو نيّة التبرع كما إذا كتب شخص سنداً بدين في ذمته لآخر ثم استطاع أن يثبت أن هذا الدين لا وجود له فانّه يبقى بعد ذلك أن يثبت الدائن نية التبرع في جانب المدين حتى يستوفي منه قيمة السند فهذا مثل نرى فيه رضا المدين بالالتزام ثابتاً دون أن تكون نيّة التبرع عنده ثابتة، على أن كاپيتان لا يقف عند نيّة التبرع بل يجاوزها إلى الباعث الدافع فيجعله هو السبب في ثلاث حالات:

$

', '

(1) وإن شئت كلامه في سائر العقود الملزمة لجانب واحد فراجع الوسيط 1: 490، ما ورد تحت الخط، الفقرة 274.

', 342), (12, 343, 'book', '

1 ـ التبرع إذا اقترن بشرط يتبين أنّه هو الذي دفع المتبرع إلى تبرعه كما إذا وهب شخص مالا لجمعية خيريّة واشترط على الجمعية ان تنشئ بهذا المال مستشفى أو ملجأً فانّ سبب الهبة في هذه الحالة لا يكون نيّة التبرع بل هو القيام بالشرط الذي اقترن به التبرع.

2 ـ الوصية حينما لا توجد إلّا إرادة واحدة هي إرادة الموصي فيرى كاپيتان أنّ الباعث الذي دفع الموصي إلى تبرعه هو الذي يجب اعتباره سبباً للوصية. وفي هاتين الحالتين يسلم كاپيتان باختلاط الباعث بالسبب.

3 ـ إذا أدخل المتعاقدان الباعث في دائرة التعاقد وأصبح جزء من العقد متفقاً عليه. قال السنهوري: ويختلف كاپيتان في هذا عن النظرية الحديثة فعنده لا يكفي للاعتداد بالباعث أن يكون معروفاً من المتعاقدين كما تقول النظرية الحديثة بل يجب أن يكون متفقاً عليه بينهما(1).

ومن ذلك يُرى أنّ كاپيتان أدخل تحويراً في النظرية التقليديّة حيث يجعل الباعث يختلط بالسبب في الحالتين المتقدمتين، وحيث يحدد السبب في العقد الملزم للجانبين بانّه هو تنفيذ الالتزام لا وجوده وحيث يحدد السبب في عقد الوديعة غير المأجورة بانّه نيّة التبرع عند حافظ الوديعة ولكنه مع ذلك يحتفظ بجوهر النظرية التقليدية فيستبقي التمييز بين السبب والباعث ولا يخلط بينهما إلّا في فروض نادرة ويجعل المعيار في تحديد السبب موضوعياً لا ذاتياً، فيكون السبب عنده شيئاً داخلا في العقد لا منفصلا عنه وهو واحد لا يتغيّر في أي نوع من العقود.

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 491، التعليق الوارد تحت الخط، الفقرة 274.

', 343), (12, 344, 'book', '

وجاء بعد ذلك دور النظرية الحديثة في الفقه الفرنسي عن السبب وهي تتلخص في رفض النظرية التقليدية للسبب مع قبول أصل نظرية السبب في صياغة جديدة ويقال: إنّ الفقه الفرنسي كان متأخراً في هذه المسألة عن القضاء الفرنسي ذلك أنّ القضاء باعتباره كان يواجه الحياة العملية أدرك ضيق النظرية التقليدية وعقمها فلم يرض به وسار في طريق غير طريق الفقه التقليدي وتوسع في تحديد السبب فجعله هو الباعث الدافع إلى التعاقد، وقد عاد القضاء بذلك ـ  عن غير قصد  ـ إلى نظرية السبب عند الكنسيين لأنّها هي النظرية التي تنتج في العمل. وما لبث الفقه الحديث أن انضمّ إلى القضاء في نظريته الجديدة إذ أدرك مدى ما فيها من خصوبة ومرونة.

النظريّة الحديثة في السبب:

وهنا نستعرض موقف النظريّة الحديثة في السبب في مرحلتين: أوّلا رفضها للنظرية التقليدية في السبب، وثانياً قبولها لنظرية السبب في صياغة جديدة:

أمّا رفض النظرية التقليدية للسبب فيقال: إنّ فيها عيباً جوهرياً وهو عقمها وعدم اضافتها شيئاً إلى الثروة القانونيّة فكل من الشروط الثلاثة الماضية وهي وجود السبب القصدي وصحته ومشروعيته يمكن الاستغناء عنه بسهولة:

أمّا وجود السبب فقد قالوا: إنّ السبب إذا لم يكن موجوداً فانّ الالتزام لا يقوم، فإذا اُكره شخص على إمضاء سند لسبب لا وجود له كقرض لم يتم فانّ العقد يكون باطلا لا للإكراه فأنّ الإكراه لا يبطل العقد وإنّما يجعله قابلا للإبطال بل لفقدان السبب وإذا أمضى شخص سند مجاملة لدائن صوري كان العقد باطلا لفقدان السبب أيضاً كما مضى شرحه.

$

', '', 344), (12, 345, 'book', '

والجواب: أنّه في المثال الثاني تغنينا قواعد الصوريّة عن نظرية السبب فالسند صوري والدين لا وجود له فيما بين الطرفين ولم يقم عقد حقيقي في المقام كي نحتاج في إبطاله إلى نظرية السبب. أمّا بالنسبة إلى الغير (حامل السند) فيؤخذ باعتماده على العقد الظاهر وأمّا فيما ذكر من مثال الإكراه فأيضاً من السهل أن نصل إلى النتيجة ذاتها وهي البطلان عن غير طريق نظرية السبب لانّنا إذا اعتبرنا السند تصرفا صادراً عن إرادة منفردة فهو التزام بدفع مبلغ واجب بعقد القرض، ولما كان هذا المبلغ لا وجود له فمحل الالتزام معدوم فيسقط الالتزام بفقدان المحل لا بفقدان السبب، وإذا اعتبرنا السند هو عقد القرض ذاته فالتزام المقترض يكون متقابلا لالتزام المقرض ولا بد من أن يتسلم المقترض مبلغ القرض حتى يلتزم بردّه ومن دون تسلّمه إياه يسقط التزامه إمّا لأنّ القرض عقد عيني لم يتم بالتسليم وإمّا لأنّ القرض عقد رضائي (وفقاً للتقنين الجديد) لم يقم فيه المقرض بتنفيذ التزامه وهما التزامان متقابلان ومترابطان يسقط أحدهما عند عدم تنفيذ الآخر.

وبشكل عام نقول: إنّ الالتزام في العقد الملزم للجانبين سببه حسب النظرية التقليدية هو الالتزام المقابل، ولكن ما أيسر علينا أن نستبدل بفكرة السبب هذه فكرة الارتباط التي قال بها بلانيول فنفس التقابل بين الالتزامين يوجب سقوط أحدهما بسقوط الآخر أو عدم تنفيذه بلا حاجة إلى نظرية السبب، بل لعلَّ فكرة الارتباط والتقابل من الناحية الفنيّة أدق من فكرة السبب ذلك أنّ انعدام السبب جزاؤه البطلان كما هو معروف فإذا انعدم السبب عند تكوين العقد أو بعده كان من الواجب أن يكون الجزاء واحداً في الحالتين ولكننا نرى أنّ العقد يبطل في الحالة الاُولى ويفسخ في الحالة الثانية وفي هذا التفريق عيب فنّي

', '', 345), (12, 346, 'book', '

واضح. أمّا فكرة الارتباط والتقابل فأكثر مرونة من فكرة السبب وهي تسمح بأن نقول بالبطلان إذا انعدم أحد الالتزامين المتقابلين عند تكوين العقد إذ منطق الارتباط يقتضي عندئذ البطلان وتسمح في نفس الوقت بان نقول بالفسخ إذا انقطع أحد الالتزامين المتقابلين بعد أن وجد(1).

$

', '

(1) التفريق بين فكرة السبب وفكرة الارتباط يكون بحاجة إلى بيان أعمق وأكثر فنيّة من هذا المقدار من البيان وذلك بتوضيح نقطتين أوّلا توضيح إنّ فكرة السبب غير فكرة الارتباط وليس الفرق في التعبير فقط، وثانياً توضيح أنّه لماذا يجب أن يكون الجزاء في نظرية السبب عند فقدان الالتزام المقابل وقت التكوين وبعده واحداً ولكن فكرة الارتباط تسمح باختلاف الجزاء في الحالتين  ؟

أمّا النقطة الاُولى ـ فبالإمكان أن يقال: انّ فكرة السبب تستبطن مفهوم الداعوية بينما فكرة الارتباط لا تستبطن أكثر من التقابل بين الالتزامين وربط أحدهما بالآخر، وعلاقة الارتباط أخفّ من علاقة الداعوية ولذا يمكن أن يفترض في مورد مّا عدم تحقق الداعوية المنحصرة رغم تحقق الارتباط كما لو فرضنا أنّ البائع كان مصمّماً على أن يلتزم بدفع العين إلى صاحبه ولو مجّاناً ومن دون ثمن لأنّ وجود العين عنده يكون ضارّاً بحاله أو لأنّه يحبْ أن يتمتع صاحبه بهذه العين حتى لو لم يلتزم بدفع الثمن إليه أو لأي سبب آخر، ولكن بما أنّ البيع كان أنفع له من الهبة والتبرع لأنّه يحقّق له هدف دفع العين إلى صاحبه زائداً الحصول على قيمة العين اختار البيع فقد أصبح التزام المشتري بدفع الثمن مقابلا لالتزام البايع بدفع العين ومرتبطاً به من دون أن يكون سبباً وداعياً إليه بشكل منحصر، وهذا بنفسه يبرهن حسنة لفكرة الارتباط تمتاز بها عن فكرة السبب لأنّها أوسع وأشمل بخلاف فكرة السبب التي لا تصدق في جميع موارد العقد الملزم للطرفين إذ في المثال الذي ذكرناه يوجد داع آخر مستقل لالتزام البايع بالثمن فإذا انفقد التزام المشتري الذي هو في أحسن الأحوال ليس إلّا داعياً غير منحصر وقد لا يكون إلّا جزء الداعي في مقابل داع آخر مستقل فليس المفروض أن يكون زواله سبباً لبطلان التزام البايع المشتمل على داع آخر وهذا بخلاف ما لو لاحظنا فكرة الارتباط فانّها تشمل حتى مثل هذا المثال.

وأمّا النقطة الثانية ـ فبالإمكان أن يقال: إنّ السرّ في التفريق بين فكرة السبب وفكرة الارتباط بدعوى ضرورة وحدة الجزاء في فكرة السبب حدوثاً وبقاء وعدم ضرورتها في فكرة الارتباط هو أنّ سببية أحد الالتزامين للآخر بمعنى داعويته له يجب أن ترجع بروحها إلى سببية تنفيذ أحد الالتزامين للالتزام الآخر، إذ أي قيمة للالتزام الذي لا ينفّذ في الدعوة إلى الالتزام الآخر ؟ ولعله لهذا انقدح في ذهن كاپيتان تبديل سببية الالتزام بسببية التنفيذ كما مضى، وإذا كان التنفيذ هو الداعي للالتزام ففقده في موطنه يستوجب جزاءً واحداً من دون فرق بين فرض معرفتنا بانفقاده من أوّل الأمر أو انكشاف انفقاده في وقت متأخر، أمّا الارتباط والتقابل المفهوم من العقد فليس بين أحد الالتزامين وتنفيذ الالتزام الآخر أو بقائه، بل هو ارتباط بين الالتزامين بوجودهما الحدوثي المقوّم للعقد، فإذا فقد أحدهما حدوثاً بطل الآخر لانّهما مترابطان أما فقده بقاء أو فقد التنفيذ فهو ليس فقداً لأحد الأمرين المترابطين في العقد فلا ينبغي أن يكون جزاؤه بطلان العقد، ولكن بما أنّ الالتزامين كانا مترابطين ومتقابلين فعدم تنفيذ أحدهما أو عدم بقائه يؤدّي إلى حق عدم تنفيذ الآخر أو حق الفسخ، والخلاصة أنّه بناء على نظرية السبب يكون فقد الالتزام حدوثاً وبقاء فقداً للسبب ولذا يجب أن يتحد الجزاءان وبناء على نظرية الارتباط يكون فقد الالتزام حدوثاً فقداً لأحد الأمرين المرتبطين بينما فقده بقاءً يعني فقد تنفيذ أحد الأمرين المرتبطين لا فقد نفس الأمر المرتبط فمن المعقول اختلافهما في الجزاء.

', 346), (12, 347, 'book', '

أمّا في العقود العينية فقد قالت النظرية التقليدية بأنّ العقد العيني سببه التسليم فإذ لم يتم التسليم لم يتمّ الالتزام لانعدام سببه. ولكن من السهل القول بانّ الالتزام لا يقوم لا لانعدام السبب بل لعدم انعقاد العقد العيني لانّ معنى عينية العقد كون قوامه بالتسليم.

$

', '', 347), (12, 348, 'book', '

وأمّا في التبرعات فقد قالت النظرية التقليدية: إنّ السبب في التبرعات هو نيّة التبرع فإذا لم تكن هذه النيّة موجودة لم يقم التزام المتبرع لانعدام السبب. ولكن الواقع ان الرضا بالتبرع لا ينفك عن نيّة التبرع فإذا انعدمت نيّة التبرع بطلت الهبة بفقدان الرضا بها لا بفقدان السبب(1).

هذا كله بلحاظ الشرط الأوّل وهو شرط وجود السبب. وأمّا صحة السبب وهي الشرط الثاني فالسبب غيرالصحيح كمارأينا إما سبب موهوم أو سبب صوري.

أمّا في السبب الموهوم فدائماً يمكن الاستغناء عن نظرية السبب بنظرية المحل لأنّ العاقد قد توهّم وجود المحل وهو غير موجود فالشخص غير الوارث الذي تخارج مع وارث يتعامل في حق معدوم، وهذا حال دائن التركة الذي يحصل على إقرار بالدين بعد أن استوفاه، وحال الموصى له الذي يتعامل في الموصى به إذا كانت الوصية باطلة أو كان الموصي قد عدل عنها، وحال الدائن الذي يجدّد ديناً قديماً بعد أن يستوفيه.

وأمّا السبب الظاهر الصوري فقد رأينا أنه لا يُبطل العقد إلّا إذا كان يخفي سبباً موهوماً أو سبباً غير مشروع، وقد فرغنا عن السبب الموهوم وننتقل الآن إلى السبب غير المشروع.

وأمّا مشروعية السبب وهي الشرط الثالث فمن السهل أن نستغني عن

', '

(1) وأمّا ما مضى عن كاپيتان من الجواب على ذلك بأنّ نيّة التبرع غير الرضا فقد يرضى أحد بالالتزام من دون نيّة التبرع فجوابه: أنّ التبرع صنف من العقد غير عقود الالتزام التي ليست تبرعية فلو أمضى سنداً بدين في ذمته لآخر بدافع ردّ القرض مثلا ثم تبيّن عدم وجود الدين كان عقد التبرع باطلا بفقدان الرضا به والالتزام بأداء الدين باطلا بفقدان المحل أو بفقدان الالتزام المتقابل له.

', 348), (12, 349, 'book', '

السبب المشروع في العقود الملزمة للجانبين بفكرة الارتباط التي مضت فمن يتعهّد بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لعدم مشروعية المحل وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام غير مشروع ومن يتعهّد بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لاستحالة المحل إذْ هو لا يستطيع انشاء التزام قد وجد بحكم القانون قبل هذا الانشاء، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام مستحيل.

وأمّا في العقود العينية والتبرعات فانّ اشتراط مشروعية السبب غير مفهوم، فالسبب في العقود العينية هو التسليم ولا يتصور ان يكون التسليم غير مشروع إلّا إذا وقع على محل غير مشروع وعند ذلك لا ينعقد العقد لعدم مشروعية المحل لا لعدم مشروعية السبب، والسبب في التبرعات هو نيّة التبرع وكيف يتصور أن تكون نيّة التبرع في ذاتها غير مشروعة  ؟ إنّ وجه الاستحالة في ذلك هو الذي يفسّر إنّ بعض أنصار النظرية التقليديّة ومنهم كاپيتان يجنحون إلى اعتبار السبب في التبرعات هو الباعث الدافع إلى التبرع، بل إنّ القانون الروماني ذاته يعتد بالباعث في الوصايا وبعض الهبات.

وأمّا الصياغة الجديدة لنظرية السبب التي مشى عليها أوّلا القضاء الفرنسي ثم صيغت فقهياً في الفقه الفرنسي فهي تفسير السبب بالباعث الدافع للملتزم في أن يلتزم، فيشترط في هذا الباعث أن يكون مشروعاً لا يحرّمه القانون ولا يتنافى مع النظام العام ولا مع الآداب وهذا رجوع إلى نظرية الفقهاء الكنسيين في السبب. ولا يجوز بداهة أن يعتد بالباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد إذا كان هذا الباعث مجهولا للمتعاقد الآخر، وإلّا استطاع أي متعاقد أن يتخلص من

', '', 349), (12, 350, 'book', '

التزاماته بدعوى أنّ الباعث له على التعاقد ـ  وهو أمر مستكن في خفايا الضمير  ـ من شأنه أن يجعل العقد باطلا، فلا بدّ إذن من صلة وثيقة تربط كلا من المتعاقدين بالباعث فما هو الضابط في ذلك  ؟ أيكفي أن يكون الباعث معلوماً من الطرف الآخر  ؟ أو يجب أن يكون متفقاً عليه في العقد بين المتعاقدين كما مضى عن كاپيتان  ؟ أو يصح التوسط بين هذين الحدين فيشترط أن يكون ذات الباعث باعثاً للطرف الآخر أيضاً وإنْ لم يكن بينهما توافق عقدي على ذلك  ؟ وليسمّ هذا بكون الطرف الآخر مساهماً في الباعث.

إنّ أنصار النظرية الحديثة لا يشترطون وجوب الاتفاق العقدي على الباعث فيما بين المتعاقدين بل هم منقسمون بين مرتبة العلم ومرتبة المساهمة(1). والقضاء الفرنسي يكتفي بمرتبة العلم ويعتد بالباعث الذي دفع المتعاقد إلى التعاقد ما دام المتعاقد الآخر يعلم أو يستطيع أن يعلم بهذا الباعث.

أمّا الفقه الفرنسي فيميّز بين المعاوضات والتبرعات فيتطلب في الاُولى مرتبة أعلى ولكن الفقهاء يختلفون في تحديد هذه المرتبة.

فيذهب (چوسران) إلى أنّه يكفي أن يكون الباعث في المعاوضات معلوماً من المتعاقد الآخر حتى يكون في هذا وقاية للتعامل من أن يتزعزع. أمّا في التبرعات فانّ الإرادة التي نقف عندها هي إرادة المتبرع وحده فهي الإرادة التي

', '

(1) وبالامكان القول في ما إذا وصل الأمر إلى مستوى الاتفاق العقدي على الباعث: بأنّ الأمر رجع مرّة اُخرى إلى عدم مشروعية المحلّ فتلغو نظرية السبب من أساسها إذا كان الاتفاق العقدي على مستوى الشرط وتصورنا الشرط بنحو لا يرجع إلى القيد في متعلق العقد وفي نفس الوقت التزمنا بتسرّب الفساد من الشرط إلى العقد الأصلي.

', 350), (12, 351, 'book', '

تسيطر على التصرف سواء في ذلك أن يتم التبرع بتقابل إرادتين كالهبة أو بإرادة واحدة كالوصية، وهو لذلك يعتد بالباعث الذي دفع ا لمتبرع إلى تبرعه سواء كان معلوماً للطرف الآخر أو مجهولا لديه.

ويذهب (بواجيزان) إلى وجوب الوصول إلى مرتبة المساهمة في المعاوضات والاكتفاء بمرتبة العلم في التبرعات ذلك أنّ المعاوضات تختلف عن التبرعات في أنّ الاُولى بذل فيها كل من المتعاوضين شيئاً من عنده، فإرادة كل منهما تقوم بدور أساسي في تكوين العقد ومن ثمّ وجب أن تساهم كل إرادة من هاتين الإرادتين في الباعث الذي دفع إلى التعاقد مساهمة إيجابية، وان تتعاون الإرادتان معاً في تحقيق الفرض غير المشروع، أمّا في التبرعات فإرادة المتبرع وحدها هي الأساسية، إذ المتبرع وحده هو الذي بذل ومن ثم جاز الاقتصار على هذه المرتبة السلبية، وهي مرتبة العلم فهي كافية لاستقرار التعامل.

قال السنهوري(1): وإذا كان الذي يعنينا في انضباط معيار الباعث هو استقرار التعامل فالقضاء الفرنسي على حق فيما ذهب إليه من الاكتفاء بمرتبة العلم سواء كان التصرف تبرعاً أو معاوضة.

وجاء بعد ذلك دور نظرية السبب في التقنين المدني المصريّ الجديد فاعتنق التقنين المصري الجديد نفس النظرية الحديثة الفرنسية من تفسير السبب بالباعث الدافع إلى التعاقد مشترطاً أن يكون السبب معلوماً من المتعاقد الآخر، فإذا كان الباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد غير مشروع ولم يكن المتعاقد الآخر يعلم بهذا الباعث وليس في استطاعته أن يعلم به فعدم المشروعية

', '

(1) في الوسيط 1: 501، آخر الفقرة 283.

', 351), (12, 352, 'book', '

هنا لا يعتد به ويكون العقد صحيحاً(1).

وهذه النظرية الحديثة التي أخذ بها القانون الجديد المصري سبقه إليها الفقه والقضاء في مصر.

وقد خطا التقنين الجديد المصري خطوة اُخرى تخلّف عنها الفقه المصري وتلك الخطوة هي أنّه لا يوجد في التقنين الجديد للسبب إلّا شرط واحد وهو أن يكون مشروعاً ولم يشترط فيه أن يكون السبب صحيحاً وسبقه إلى ذلك القضاء المصري فتراه يكاد يقتصر على السبب غير المشروع في إبطال العقد وقلَّ أنْ تجد تطبيقاً قضائياً لما يدعى بالسبب غير الصحيح.

والاقتصار على شرط المشروعية مع حذف شرط الصحة أمر طبيعي بعد أنْ فسّر السبب بالباعث لا بالغرض المباشر المقصود في العقد وذلك لأمرين:

الأوّل ـ أنّ الغلط في الباعث يعود إلى نقص في الرضا الذي هو ركن آخر من أركان العقد فلا داعي لإدراجه في بحث السبب ويصبح بالإمكان حصر الهدف من نظرية السبب في حماية المصلحة العامة للمجتمع وهي المشروعية دون

', '

(1) قال هنا السنهوري في الوسيط 1: 516، في آخر الفقرة 289: إنّ العقد هنا يقوم لا على الإرادة الحقيقية فهي غير مشروعة ولكن على الإرإدة الظاهرة.

أقول: إنّ هذا لا ينحصر تفسيره بالأخذ بالإرادة الظاهرة بل يمكن القول بانّ المقياس هو الإرادة الباطنة إلّا أنَّ عدم مشروعيتها لا يبطل العقد ما لم يعلم بذلك المتعاقد الآخر ولم يكن المفروض به أن يعلم والاختلاف بين مذهب الإرادة الظاهرة ومذهب الإرادة الباطنة هنا بعد اشتراط علم المتعاقد الآخر في البطلان يكون صورياً بحتاً وإنما مقصودنا من هذا الكلام: انّ الذي يقول: لا بدّ من الاعتداد بالإرادة الباطنة لأنّها هي الإرادة الحقيقية لا يكون كلامه هذا منافياً لشرط العلم في المقام.

', 352), (12, 353, 'book', '

حماية مصلحة العاقد التي يقوم بها ركن آخر وهو الرضا كما أنّ السبب لو فُسّر بمعناه القديم وهو الغرض المباشر للعقد فأيضاً يكون الغلط فيه راجعاً إلى انعدام الرضا أو انعدام المحلّ.

والثاني ـ إنّ نظرية السبب تذكر لإثبات بطلان العقد والبطلان إنّما يناسب فرض عدم مشروعية السبب لا فرض الغلط في السبب بعد أنْ كان السبب عبارة عن الباعث فالبطلان لئن كان يناسب كونه جزاء للغلط في السبب بمعناه القديم وهو الغرض المباشر في العقد لشدّة لصوقه بالعقد فهو لا يناسب السبب بمعنى الباعث الخارج عن العقد فان أثّر أثراً فانّما يؤثر في قابلية العقد للإبطال لا في البطلان. إذن فالشرط الوحيد في السبب ينبغي أن يكون هو شرط المشروعية كما كان عليه الفقهاء الكنسيون في بادئ الأمر دون شرط الصحة وقد مضى في ما سبق عن النظرية القديمة للسبب إنّ صحة العقد مشروطة بشروط ثلاثة: وجود السبب، وصحته، ومشروعيته. وقد استغنينا الآن عن شرط الصحة وفصلنا بين منطقة الغلط ومنطقة السبب. وأمّا شرط الوجود فأيضاً لا محل له بعد تفسير السبب بالباعث لعدم إمكان تصوير وجود إرادة من غير باعث كي نحتاج إلى شرط وجوده فلا تبقى من الشروط الثلاثة عدا شرط المشروعية، ومن هنا يبدو ضعف في صياغة القانون المصري الجديد المادة 136 حيث تقول: (إذا لم يكن للالتزام سبب أو كان سببه مخالفاً للنظام العام أو الآداب كان العقد باطلا) فكلمة (إذا لم يكن للالتزام سبب) كأنّها تشير إلى شرط الوجود وقد عرفت انّه لا محل له.

وقد قال السنهوري: «إنّ هناك مأخذين على التقنين الجديد تجمّعا في العبارة التي صدّرت بها المادة 136 فقد جاء في صدر هذه المادة (إذا لم يكن للالتزام سبب) فالسبب نسب إلى الالتزام وكان الاولى أن ينسب إلى العقد إذْ هو

', '', 353), (12, 354, 'book', '

متلازم مع الإرادة كما رأينا ثم افترض النص احتمال أن يكون هناك التزام دونسبب وهذا الاحتمال لا يتصور فما دمنا نجعل السبب هو الباعث فكل إرادة لا بدّ أن يكون لها باعث إلّا إذا صدرت من غير ذي تمييز»(1).

وأمّا القوانين الچرمانية فهي لا تقيم عادة وزناً للسبب بمعنى الباعث إلّا إذا اُخذ في متن العقد، وأخذه في متن العقد يعني رجوعه إلى المحل(2). ومن هنا لا ترى في القوانين الچرمانيّة أثراً من نظرية السبب بمعنى الباعث وهذا المنحى يناسب إيمانهم بالإرادة الظاهرة دون الإرادة الباطنة، نعم لديهم فكرة عن السبب بمعناه الأوّل عن الغرض المباشر يُميّزون على اساسه بين التصرف المسبب والتصرف المجرد وبإمكانك أنْ ترى شرح الكلام حول التصرف المسبب والتصرف المجرد في كتاب الوسيط(3).

وعلى أيّة حال فقد خَلُصَ من هذا البحث أن نظرية السبب بمعناه القديم يُغني عنها البحث عن سائر أركان العقد ولم يبق شيء معقول من نظرية السبب عدا البحث عن السبب بمعنى الباعث وعن شرط المشروعية فحسب.

نظرية السبب في ضوء الفقه الإسلامي

ومن هنا تبدو قيمة الفقه الإسلامي الذي لم يركّز الكلام من أوّل الأمر إلّا على هذا المعنى الأخير وهو الباعث أو الغاية من العقد بلحاظ المشروعية وعدمها

', '

(1) في الوسيط 1: 526، الفقرة 294.

(2) إلّا إذا أخذ على نحو الشرط وتصورنا عدم رجوع الشرط إلى القيد وفي نفس الوقت التزمنا بسريان فساده إلى العقد الأصلي.

(3) الوسيط 1: 463 ـ 470، الفقرة 285 ـ 287.

', 354), (12, 355, 'book', '

وذلك تحت عنوان ان حرمة الغاية في العقد أو البيع هل توجب حرمة أو بطلان ذلك أو لا  ؟ وأنّ بيع العنب ممّن يصنعه خمراً أو الخشب ممّن يصنعه صنماً أو صليباً أو السلاح ممّن يحارب به الإسلام والمسلمين أو نحو ذلك جائز أو لا  ؟ وهذا التطواف الطويل الفارغ الذي رأيته في الفقه الغربي لا تراه في الفقه الإسلامي إطلاقاً.

تقييم السنهوري لنظرية الإسلام حول السبب:

وقال السنهوري في كتاب مصادر الحق: إنّ هناك عاملين متعاكسين في التأثير على الفقه الإسلامي في مدى التزامه لنظرية السبب أو رفضه إيّاها.

1 ـ أنّه فقه ذو نزعة موضوعية بارزة يعتد بالتعبير عن الإرادة دون الإرادة ذاتها، أي يأخذ بمذهب الإرادة الظاهرة لا بمذهب الإرادة الباطنة فهو أقرب بكثير من هذه الناحية إلى الفقه الجرماني منه إلى الفقه اللاتيني. والفقه ذو النزعة الموضوعية يكون أكثر استعصاء على نظرية السبب من الفقه ذي النزعة الذاتية ومن ثم تستعصي النزعة الموضوعية للفقه الإسلامي على نظرية السبب فكان المترقب لولا العامل الثاني ان تضمر نظرية السبب في الفقه الإسلامي كما ضمرت في الفقه الجرماني.

2 ـ ولكن الفقه الإسلامي من جهة اُخرى فقه تتغلّب فيه العوامل الأدبية والخلقية والدينية وهذا يقتضي ان يعتد بالباعث الذي تقاس به شرف النوايا وطهارتها فكان المترقب لولا العامل الأوّل ان تكون لنظرية السبب وهي نظرية خلقية مكان ملحوظ يضاهي مكانها في الفقه اللاتيني. وبين هذين العاملين المتعارضين يتراوح الفقه الإسلامي ففى بعض مذاهبه نرى نظرية السبب تختفي تحت ستار من صيغة العقد والتعبير عن الإرادة ويختلط السبب بالمحلّ فلا يعتد

', '', 355), (12, 356, 'book', '

بالسبب، أي الباعث على التعاقد إلّا حيث يتضمنه التعبير عن الإرادة وفي مذاهباُخرى تتغلب العوامل الأدبية والخلقية والدينية فيعتد بالباعث ولو لم يتضمنه التعبير عن الإرادة ويكون العقد صحيحاً أو باطلا تبعاً لما إذا كان هذا الباعث مشروعاً أو غير مشروع.

ثم يستعرض السنهوري ضمور نظرية السبب في المذهبين الحنفي والشافعي وظهورها في المذهبين المالكي والحنبلي ويعقّبه بكلام مختصر عن المذاهب الاُخرى(1).

أقول: أما بالنسبة لما ذكره في العامل الأوّل من أنّ الفقه الإسلامي يتجه إلى نظرية الإرادة الظاهرة فقد مضى منّا: إنّ تلك النظرية فكرةً واصطلاحاً غربية بحتة لا علاقة بها بالفقه الإسلامي أبداً، والفقه الإسلامي يقصد بالإرادة، الإرادة بمعناها الحقيقي وهي الإرادة الباطنة، وأمّا ما يسمّى بالإرادة الظاهرة في مصطلح الغرب فينظر الفقه الإسلامي إليها بمنظار الأمارة والقرينة القابل لثبوت العكس.

نعم اتجاه الفقه الإسلامي إلى الإرادة الحقيقية لا يحتّم عليه الأخذ بنظرية السبب بمعنى الباعث، ففرق بين أصل إرادة العقد وبين الباعث والغاية لها، فبإمكان من يتجه في بحثه إلى الإرادة الباطنة أن يقتصر على دراسة الإرادة العقديّة ولا يرى أثراً للباعث.

وأمّا ما ذكره من العامل الثاني وهو الاتجاه الخلقي في الفقه الإسلامي فلا ريب إنّ الفقه الإسلامي فقه الأخلاق والآداب ولكن هذا لا يحتّم عليه الأخذ بنظرية السبب بمعنى كون عدم مشروعية الباعث موجباً لبطلان العقد. فإنّ المحتّم

', '

(1) 4: 51 ـ 80.

', 356), (12, 357, 'book', '

على الفقه الإسلامي انّما هو أنْ يضرب في نظامه الفقهي على يد من يعمل ما ينافي الأخلاق، وأن يمنع عن البواعث غير المشروعة أمّا أنّ هذا هل سيكون عن طريق إبطال أو تحريم العقد الذي يكون باعثه غير مشروع أو يكتفى فيه بمنع العاقد في ظرف تصدّيه لتنفيذ باعثه غير المشروع عن ذلك والحيلولة دونه ودون حصول ما يهدفه  ؟ فللفقه الحرّية في ذلك وسيظهر إن شاء الله في آخر البحث أنّ النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) فيها تفصيل بين البواعث غير المشروعة بلحاظ شدّة أو ضعف مخالفتها للأخلاق فقد يحرم بيع الخشب ممّن يصنعه صنماً من دون أن يحرم بيع العنب ممّن يصنعه خمراً علماً بأنّ عبادة الصنم أشدّ قبحاً من شرب الخمر.

وعلى أيّة حال فالباعث غير المشروع تارة يكون مأخوذاً في الاتفاق العقدي واُخرى لا يكون كذلك.

فإنْ كان مأخوذاً في الاتفاق العقدي على مستوى رجوعه إلى محل العقد فلا إشكال في الفقه الإسلامي في بطلان العقد وهذا ما يبحثه الفقه الإسلامي تحت عنوان بيع ما يحرم الانتفاع به أو الإيجار على المنفعة المحرّمة ونحو ذلك ولا علاقة له بالسبب.

وإن كان مأخوذاً في الاتفاق العقدي على مستوى الشرط فهو بالنسبة لذات الشرط يكون محلا للشرط ويرى الفقه الإسلامي عندئذ فساد الشرط. وبالنسبة للعقد الأصلي قد بحثه الفقه الإسلامي تحت عنوان: أنّ الشرط الفاسد هل هو مفسد للعقد أو لا  ؟

وأمّا إنْ لم يكن الباعث مأخوذاً في الاتفاق العقدي فقد بحثه الفقه الإسلامي تحت مسائل من قبيل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً، أو بيع الخشب ممّن

', '', 357), (12, 358, 'book', '

يصنعه صنماً ونحو ذلك، ووقع الخلاف فيه على وجوه، نظير الخلاف الوارد فيالفقه الغربي، فمثلا جاء في مصباح الفقاهة للشيخ التوحيدي الذي هو تقرير لبحث استاذه السيد الخوئي (رحمه الله): «في المختلف: (إذا كان البايع يعلم أنّ المشتري يعمل الخشب صنماً أو شيئاً من الملاهي حرم بيعه وإن لم يشترط في العقد ذلك لنا: انّه قد اشتمل على نوع مفسدة فيكون محرماً لأنّه اعانة على المنكر). ونُقل عن ابن ادريس جواز ذلك لانّ الوزر على مَنْ يجعله كذلك لا على البائع، وفصّل المصنف (رحمه الله) ـ  يعني الشيخ الأنصاري (قدس سره)في المكاسب  ـ بين ما لم يقصد منه الحرام فحكم بجواز بيعه وبين ما قصد منه الحرام، فحكم بحرمته لكونه إعانة على الإثم فتكون محرمة بلا خلاف»(1) انتهى ما أردنا نقله عن مصباح الفقاهة.

ونفس صاحب المختلف وهو العلاّمة (رحمه الله)اختار في القواعد التفصيل بين ما لو شرط الحرام فيحرم أو لم يشترط فلا يحرم، ونسب في مفتاح الكرامة إلى ظاهر المشهور التفصيل بين ما إذا قصد الحرام وما إذا كان عالماً بذلك من دون قصده إياه فيحرم البيع في الأوّل دون الثاني، وذكر وجهاً لحمل أقوالهم على اختصاص المنع بصورة الشرط وعدم كفاية مجرد القصد، وهو أنّه لو كان مجرد القصد مبطلا لزم البطلان سواء كان البائع قاصداً أو لا، وسواء كان عالماً أو لا، لأنّ القصد من طرف المشتري مفروض على أي حال، فانّ عِلَم البائع انّما يتعلق غالباً بقصد المشتري، لا بانّه سوف يصرفه في الحرام رغم عدم قصده الآن. فلو فسد العقد من جانب المشتري فسد من الجانبين لعدم إمكانية التفصيل بين البايع والمشتري في الفساد(2).

$

', '

(1) مصباح الفقاهة 1: 170.

(2) راجع مفتاح الكرامة 4: 37.

', 358), (12, 359, 'book', '

أقول: إنّ هذا الكلام إنّما تكون له صورة بناء على حمل المنع أو الحرمةعلى البطلان، أو على ما يشمل البطلان دون مجرد الحكم التكليفي، وإلّا فإمكان التفصيل بين المشتري القاصد للحرام والبائع غير العالم بذلك في غاية الوضوح.

وعلى أيّة حال فالدليل على بطلان العقد أو حرمته بعدم مشروعية الباعث قد يكون عبارة عن دليل عام يشمل ابتداء كل عقد، وقد يكون عبارة عن أدلّة خاصة واردة في موارد مخصوصة كبيع العنب أو الخشب أو السلاح ممّن يصنعه خمراً أو صنماً أو صليباً أو يحارب به المسلمين، ثم ينتزع منها حكم عام بلحاظ كل العقود.

وعلى كل تقدير تارةً نستنتج الحرمة التكليفية فحسب، واُخرى نستنتج البطلان فهنا لدينا بحثان:

حرمة العقد عند عدم مشروعية الباعث:

البحث الأوّل: في الحرمة التكليفية للعقد حينما يكون الباعث إليه للشخص المقابل غير مشروع، ونبحث ذلك أوّلا على مستوى الأدلّة العامة ثم على مستوى الاستنتاج من الأدلّة الخاصّة.

1 ـ مقتضى الأدلّة العامّة:

أمّا على مستوى الأدلّة العامة للتحريم فقد اختار السيد الإمام الخميني (رحمه الله)الحرمة بمجرد العلم وبلا حاجة إلى قيد الشرط أو قصد تحقق الحرام، واستدل على ذلك بوجوه ثلاثة(1) على تأمّل له في إطلاق الوجه الثاني:

$

', '

(1) راجع المكاسب المحرمة للسيد الإمام (رحمه الله) 1: 129 ـ 144.

', 359), (12, 360, 'book', '

أ ـ دعوى حكم العقل:

الوجه الأوّل ـ دعوى حكم العقل بقبح تهيئة شرائط أو أسباب المعصية والإثم لمَن يعصي الله تبارك وتعالى كما يحكم بقبح المعصية، ولا فرق في ذلك بين كون الهدف من ذلك تحقق تلك المعصية أو لا، وبين كون السبب من الأسباب القريبة أو البعيدة، ولا بين كون السبب منحصراً عند هذا الشخص أو أنّ العاصي سيشتري العنب مثلا من شخص آخر لو امتنع هذا عن بيعه منه فيجعله خمراً، ولا بين كون المشتري قاصداً بالفعل لاستعمال العين المبيعة في المحرّم وكونه غير قاصد ذلك بالفعل ولكنَّ البايع يعلم أنّه سيتحقق له هذا القصد في المستقبل، أو أنّ نفس حصوله على هذه العين سيقدح في نفسه الداعي إلى صرفها في المعصية. وكذلك لا مجال لأي تفصيل آخر من أمثال هذه التفاصيل إلّا بشدّة القبح وضعفه، أمّا أصل القبح فهو عنصر مشترك في كل هذه الموارد، والقبح العقلي يؤدّي إلى الحرمة الشرعية.

وليس المقياس في صحة هذا الوجه صدق عنوان الإعانة كي يشكّك في بعض الفروض في صدق هذا العنوان كما لو خصّص صدق هذا العنوان بما إذا كان هدف البائع من هذا البيع تمكين المشتري من المعصية أو حصولها منه، أو بخصوص الأسباب القريبة دون البعيدة، أو بما إذا كان المشتري من الآن عازماً على الصرف في المعصية دون ما إذا علمنا بانّه سينقدح في نفسه داعي المعصية في المستقبل ونحو ذلك، وانّما المدّعى في هذا الدليل هو حكم العقل بقبح تهيئة أسباب وشرائط المعصية لشخص مّا من دون ارتباط لذلك بصدق عنوان الإعانة عليه وعدمه. هذا وما قلناه في علم الاُصول من أنّ مقدمة الحرام ليست حراماً إنّما يعني عدم الملازمة بين حرمة الفعل وحرمة مقدمته، فنفس فاعل الحرام لا

', '', 360), (12, 361, 'book', '

يكون بارتكابه للمقدمات مرتكباً لحرام إضافي، أمّا غير الفاعل الذي هيأ الأسباب والشرائط لفاعل الحرام فعمله هذا بنفسه حرام لا من باب حرمة المقدمة بل من باب حكم العقل عليه بقبح ذلك، بينما لا يوجد قبح إضافي في مقدمة الحرام بالنسبة لنفس مرتكب الحرام. وقد تثار بوجه هذا الدليل عدة نقائض:

الأوّل ـ أنّ هذا الوجه قد يحرّم مثل البيع المعاطاتي دون مثل البيع الذي يتم بالعقد اللفظي، فان دخول العين في ملك مَن يستفيد منه فائدة محرّمة بالعقد اللفظي يمكن للبائع إخراجه عن غير سلسلة أسباب وقوع المحرم وشرائطه بترك التسليم إذْ لو باعه العنب مثلا ثم لم يسلّمه إليه بل حال بينه وبين تسلّمه للعنب ما دام قاصداً لتحويله إلى الخمر ردعاً له عن المنكر لم يكن هذا تهيئة لأسباب المعصية.

والثاني ـ إنَّ هناك بعض المصاديق لتهيئة الأسباب أو الشرائط والمقدمات ضروري الجواز فقهياً، بينما الدليل العقلي لا يقبل التخصيص. مثاله مَن تزوّج رغم علمه إجمالا بانّ بعض أولاده أو أحفاده سيعصي الله تبارك وتعالى، ومَن اتّجر رغم علمه بأنّه حينما يربح في التجارة يصبح مشمولا لقوانين ضرائب السلطة غير الشرعية فيأخذ منه السلطان الضرائب ظلماً وعدواناً وقد هيّأ هو بتجارته أسباب هذا العمل المحرّم للسلطان.

فلو كان دليلنا على حرمة العقد المؤدّي إلى فعل الحرام دليلا نقلياً لسهل الجواب على مثل هذه النقوض بخروجها من ذاك الدليل إمّا تخصيصاً بضرورة من الفقه أو بأدلة الحث على النكاح مثلا مع عدم انفكاكه غالباً عن مثل هذا العلم الإجمالي، أو بالسيرة القطعية في زمان المعصوم، أو تخصصاً بدعوى كون تلك الضرورة أو السيرة موجبة لانصراف الدليل، أو ببيان أنّ العنوان المأخوذ في لسان

', '', 361), (12, 362, 'book', '

الدليل لا يشمل مثل هذا الفرض كما لو كان الدليل دالّاً على حرمة عنوان الإعانة على الإثم فقد يقال بانّ عنوان الإعانة لا يصدق على مثل ذلك كما ورد عن المحقق النائيني (رحمه الله)تخصيص صدق الإعانة بإيجاد الأسباب التي ليست هي في سلسلة علل خلق الإرادة وتحققها في نفس العاصي فانّما تصدق الإعانة حينما تكون الإرادة بمعنى أنّ الدافع النفساني تامّة في نفس العاصي من غير ناحية احتياجه في تحقيق المعصية إلى السبب الفلاني فعندئذ يكون تأمين ذاك السبب له إعانة على المعصية على كلام في أنّ صدق الإعانة هل يختص بإيجاد السبب المباشر، أي الجزء الأخير من المقدمات أو يشمل المقدمات البعيدة  ؟ وهل يختص بما إذا كان داعي مُوجد السبب هو تحقق المعصية أو لا  ؟ واختار المحقق النائيني أنّ صدق الإعانة يختص بما إذا أوجد الجزء الأخير من المقدمات كإعطاء العصا بيد مَن أرادَ ضرب مظلوم أو قصد توصّل الغير إلى الحرام أمّا مع عدم القصد وعدم كون المقدمة المأتي بها هي المقدمة المباشرة فلا تصدق الإعانة. وعلى أيّة حال فحتى لو قلنا بصدق الإعانة في هذا الفرض فهذا لا يشمل في نظر المحقق النائيني مثل مثال النكاح والتجارة لانّ المقدمات هنا واقعة في الرتبة السابقة على إرادة العاصي للمعصية(1).

والسيد الخوئي (رحمه الله) فصّل بين مثل مثال النكاح مع العلم إجمالا بانّ بعض الأولاد أو الأحفاد سيعصي الله، ومثل مثال التجارة مع العلم بأدائه إلى أخذ الضرائب من قِبَل السلطان الجائر، ففرض أنّ صدق الإعانة يختص بما إذا لم تكن المقدمة التي أوجدها عبارة عمّـا يكون دخيلا في وجود نفس المُعان كما في مثل

', '

(1) راجع المكاسب والبيع للشيخ الآملي 1: 26 و  27.

', 362), (12, 363, 'book', '

النكاح فليس العباس بن عبد المطلب معيناً على قتل الأئمة (عليهم السلام) لكونه قد أولد خلفاء بني العباس فالمفروض أن يكون وجود المعان مفروغاً عنه وتكون تلك المقدمة من مقدمات صدور المعصية منه، وهذا صادق في مثال التجارة وإن لم يكن في نظر السيد الخوئي حراماً لعدم حرمة الإعانة على الإثم(1).

وعلى أيّة حال فكل هذه الكلمات لها مجال في المورد الذي أوردها فيه المحقق النائيني والسيد الخوئي وهو البحث عن مدى دلالة الدليل اللفظي على حرمة الإعانة. أمّا في ما هو محل كلام السيد الإمام (رحمه الله) الآن من دعوى دلالة العقل على قبح إيجاد أسباب وشرائط المعصية فكل هذه التفاصيل لا مجال لها لأنّ المسألة ليست مسألة لغوية نبحث فيها عن معنى الإعانة فيبدو في الذهن استفحال هذا النقض. حيث يقال لئن صحّ أنّ العقل يحكم بقبح ذلك فماذا تقولون في الموارد التي لا شك في عدم الحرمة فيها فقهياً  ؟  !

والثالث ـ أنّه لئن صح حكم العقل بقبح إيجاد سبب المعصية لأنّه يؤدي إلى معصية المولى تبارك وتعالى فهذا إنّما يكون فيما إذا لم يكن المشتري عند الامتناع من بيع العين إيّاه سيشتريها من شخص آخر بحيث لا يكون امتناعنا هذا مؤثراً في تقليل المعصية، أمّا إذا كان الأمر كذلك كما لو كان المشتري يريد تخمير كميّة معينة من العنب لا تخمير أكبر مقدار يبيعه البائعون وكانت الكمية المعيّنة موجودة لدى غيرنا أيضاً بحيث لو امتنعنا من بيعها إيّاه لاشتراها من غيرنا فهنا لا موجب للقبح المدّعى في المقام.

وهذا النقض يذكر عادةً على ما سيأتي إن شاء الله من الدليل الثالث من أدلّة

', '

(1) راجع المحاضرات 1: 133، ومصباح الفقاهة 1: 179.

', 363), (12, 364, 'book', '

الحرمة في المقام وهو دليل وجوب دفع المنكر حيث يقال: انّ امتناعنا عن بيع العين إيّاه لا يدفع المنكر لأنّه سوف يشتريها من غيرنا. أمّا هذا الدليل الأوّل الذي صيغ بعنوان قبح إيجاب أسباب المعصية فقد يدّعى سلامته من هذا النقض حتى لو تمَّ في الدليل الثالث، والفرق هو أنّ عنوان دفع المنكر المدعى وجوبه في الدليل الثالث قد يُقال إنّه عنوان بسيط لا يتحقق إلّا بامتناع الكل من بيع العين إيّاه، فإذا عرفنا عدم الامتناع من قِبَل البعض فقد عجزنا عن تحقيق المنع، وهذا نظير ما إذا أوجب رفع جسم ثقيل من الأرض وهو لا يمكن إلّا بتعاون اُناس عديدين على حمله فإذا امتنع عن ذلك عجز الآخرون عن رفعه وسقط التكليف عنهم.

وأمّا ما يدعى في هذا الدليل الأوّل فهو قبح إيجاد سبب المعصية، وإيجاد سبب المعصية عنوان انحلالي له مصاديق عديدة كلها محرّمة فكل مَنْ باع العنب من هذا الذي يريد تخميره فقد أوجد سبب المعصية وهو حرام وليس مصداقه منحصراً بفرد واحد مرتبط بالكل كما في رفع الجسم الثقيل حتى يسقط التكليف عن البعض عند امتناع الآخرين فما نحن فيه ليس من قبيل إيجاب رفع جسم ثقيل وإنّما هو من قبيل تحريم قتل المؤمن فلو علم أحد أنّه لو لم يقتل المؤمن الفلاني لقتله شخص آخر لم يكن هذا مجوّزاً لقتله إيّاه فإنّ حرمة القتل أمر انحلالي متوجّه إلى كل واحد من المكلفين مستقلا وكذلك الأمر في ما نحن فيه فحرمة إيجاد سبب الحرام حكم انحلالي متوجه إلى جميع آحاد المكلفين وعصيان البعض لا يبرّر عصيان الآخرين.

إلّا أنّ الواقع هو أنّنا لسنا أمام دليل لفظي دلّ على حرمة إيجاد سبب المعصية كي نستظهر منه الانحلال وإنّما نحن أمام حكم عقليّ بالقبح وهذا الحكم العقليّ لو كان فانّما النكتة المعقولة له هي التقليل من وجود ما هو مبغوض للمولى

', '', 364), (12, 365, 'book', '

سبحانه أو إزالته من صفحة الوجود وإن شئت فقل إنّ الدليل الثالث إذا فرض وجوب دفع المنكر فيه عقلياً لا شرعياً مع الدليل الأوّل في واقعهما ينبغي أن يكونا دليلا واحداً، ولا يتصور لايجاد سبب المعصية قبح مستقل عن قبح ترك دفع المنكر ولذا لا نحسّ فيمَن أوجد سبب المعصية باشتداد القبح نتيجة صدق كلا العنوانين على ما هو مقتضى الاستدلال بكلا الدليلين، فلئن فسّرنا هذا الدليل الأوّل بتفسير معقول وهو التفسير الراجع إلى أحد شقيّ الدليل الثالث، أعني وجوب دفع المنكر عقلا كان لإيراد هذا النقض عليه مجال. هذه هي النقائض الثلاثة التي يمكن إبرازها بلحاظ هذا الدليل.

أمّا النقض الأوّل ـ وهو عدم شموله للبيع الذي يتم بالعقد اللفظي فلم يتعرض له السيد الإمام (رحمه الله) في المقام ولكنه حينما بحث مسألة البطلان بعد فرض الحرمة التفت إلى مسألة الفرق بين البيع اللفظي والبيع المعاطاتي، حيث إنّ ما يحتّم وقوع البيع في طريق تحقق المعصية إنّما هو التسليم لا العقد اللفظي، وذكر أنّ الحرمة في البيع المعاطاتي ثابتة على عنوان منطبق على مصداق البيع المعاطاتي وهو التسليم لا على نفس عنوان البيع حتى تفترض دلالتها على بطلان البيع. وفي البيع اللفظي يقع بعد تمامية البيع التزاحم بين دليل حرمة العنوان المحرّم المنطبق على التسليم ودليل وجوب تسليم المثمن...،(1). ولعله يريد أن يقول: إنَّ عدم بطلان البيع هنا أيضاً واضح لأنّ الحرمة هنا أصلا لم تكن ثابتة على البيع وإنّما كانت ثابتة على التسليم ومزاحمة للوجوب الناشئ من البيع كما ويحتمل أيضاً أن يقول (رحمه الله)بحرمة البيع هنا لكونه مورّطاً للمكلف في التزاحم بين

', '

(1) راجع المكاسب المحرّمة للسيد الإمام 1: 149.

', 365), (12, 366, 'book', '

وجوب التسليم وحرمة الإعانة على الإثم، أو إيجاد سبب من أسباب المعصية، إذ لو صحّ القول بقبح إيجاد سبب من أسباب معصية الغير صحّ القول أيضاً بأنّ إيجاد ما يورّط نفس الموجد في التزاحم بين تكليفين يضطر إلى مخالفة أحدهما أيضاً قبيح عقلا، فانّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وإنْ كان ينافيه خطاباً، والبيع اللفظي هنا من هذا القبيل لأنّه يورّط البائع في التزاحم بين حرمة التسليم بعنوانه سبباً من أسباب معصية المشتري ووجوبه بعنوانه تسليماً للمثمن فيكون هذا البيان جواباً على النقص الأوّل من النقائص التي بيّناها.

إلّا أنّ هذا الجواب مبتن على الإيمان بكون وجوب تسليم المثمن في حدّ ذاته مطلقاً يشمل فرض ما إذا كان المشتري سيصرفه في الحرام، وعلى القول بانّ اجتماع هذا الوجوب مع حرمة التسبيب إلى المعصية من باب التزاحم، وعدم رجوعه أو رجوع مطلق باب التزاحم إلى التعارض وإلّا لتقدم دليل حرمة التسبيب على دليل وجوب التسليم باعتبار تقدم الدليل العقلي على الدليل اللفظي لدى التعارض فلا يصبح البيع مورّطاً للإنسان في التزاحم بين تكليفين، وعلى أيّة حال فالمهم عندي هو النقض الثاني والثالث لانّهما في نظري مدخلان للبحث الحلّي في المقام.

وأمّا النقض الثاني ـ وهو الانتقاض بموارد لا شك بضرورة من الفقه في كون الحكم فيها هو الجواز كالنكاح الذي قد يوجب العلم الإجمالي بتورط بعض الأولاد أو الأحفاد في معصية الله، أو التجارة التي تؤدّي إلى أخذ الظالم للضرائب. فقد أجاب على ذلك السيد الإمام (رحمه الله) بأنّ القبيح عقلا إنّما هو تحصيل الشرائط والأسباب للمعصية لا مطلق ما له دخل في تحقق المعصية كتجارة التاجر العالم بأخذ الظالم للضرائب منه، والنكاح ممّن يعلم بتحقق العصيان من الأولاد أو

', '', 366), (12, 367, 'book', '

الأحفاد فمثل هذا ليس قبيحاً لأنّه ليس من قبيل تهيئة الأسباب ولم يذكر (رحمه الله) ما هو المقياس المميز عنده بين المعنى الذي يقصده في المقام بتهيئة الأسباب وغيره، ولعلّه يقصد بذلك التفصيل بين ما يكون من مقدمات إرادة العاصي كتجارة التاجر، والنكاح المؤدّي إلى وجود الولد، وما يكون من مقدمات تحقق الفعل بعد افتراض تمامية الإرادة من غير زاوية وجود الأدوات كإعطاء العصا بيد الظالم الذي يريد ضرب المظلوم فهذا نظير التفصيل الذي ادعاه المحقق النائيني (رحمه الله)في صدق عنوان الإعانة إلّا أنّ مثل هذا التفصيل في المقام لا مورد له لانّنا لو سلّمنا بحكم العقل بقبح تهيئة الأسباب فإنّما نسلّمه برجوعه بروحه إلى دعوى أنّ من وظيفة العبودية والإخلاص للمولى هو تقريب المولى دائماً نحو حصول أغراضه وإخلاء الساحة عمّـا يبغضه المولى ولو كان ذاك المحبوب أو المبغوض من فعل الآخرين، ولا يفرق في ذلك بين ما يكون سبباً وبين المقدمات التي لا ترجع إلى السبب، وإن كان قد يقع الفرق بين مورد ومورد بشدة القبح وضعفه.

والحاصل: أنّ النكتة الفنيّة للفرق بين الموارد المقطوع بالجواز فيها فقهياً وغيرها لم تتضح حتى الآن. وكذلك من ضروريات الفقه جواز المبايعات مع الكفار حيث لا شك في أنّ الكفار الذميين كانوا في زمن المعصومين معاشرين مع المسلمين ومتعايشين معهم في بلادهم وكان بيع المآكل والمشارب والأدوات منهم قائماً على قدم وساق وكان ذلك مورد رضا الأئمة (عليهم السلام) من دون شك مع العلم في نهار شهر رمضان بانّ كثيراً منهم سيصرف هذا المأكل أو المشرب في الإفطار المحرّم، أو العلم بانّ الطعام الذي يأكلونه ينجّسونه بريقهم ثم يأكلون النجس وهم مكلفون بالفروع كالمسلمين.

وأجاب على ذلك السيد الإمام (رحمه الله) بانّ هذه التكاليف غير مُنجَّزة على

', '', 367), (12, 368, 'book', '

الكفار عادة وغالباً لانّهم في غير ما شذّ وندر قاصرون وليسوا مقصرين، من دون فرق في ذلك بين عوامهم وعلمائهم، أمّا عوامهم فلعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم، بل هم قاطعون بصحة مذهبهم وبطلان سائر المذاهب نظير عوام المسلمين، وأمّا علماؤهم فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أوّل الطفولة والنشوء في محيط الكفر صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة بحيث كل ما ورد على خلافها ردّوه بعقولهم المجبولة على خلاف الحق من بدو نشوئهم.

أقول: لو سلّمنا قصورهم رغم انحشارهم مع المسلمين في بلادهم آنذاك فهذا لا يدفع النقض وذلك لانّ العقل لو حكم بقبح تهيئة مقدمة المعصية علينا إلى حدّ الإلزام. فهذا ليس على أساس حقّ ذاك العاصي علينا، أي حق أن لا نسبّب لدخوله نار جهنم مثلا. فانّنا بتهيئة المقدّمة لا نسلب منه الاختيار في التورط في المعصية وعدمه. ولا يكون له بذلك حجة علينا كي يقال: إنّ هذا الحق ينتفي حينما ينتفي تنجز الحكم عليه بقصوره، وانّما كان حكم العقل بذلك علينا على أساس حق المولى تعالى علينا في تقريبه إلى أغراضه المولوية وإخلاء الساحة عمّـا يبغضه وهذا ثابت في المثال المذكور لانّ القصور وعدم التنجز لا يفني الغرض المولوي، فإذا كان الغرض المولوي لا زال ثابتاً في حق القاصر فعليَّ أن لا أورطه فيما يبغض المولى ولا اُهيّىء له أسباب ذلك وحتى إذا قلنا إن نفس جرأة الفاعل على المولى ما يغيظ المولى وقد انتفت بالقصور وعدم التنجز فالهدف الآخر للمولى وهو الهدف الكامن في متعلق الحكم لا زال موجوداً لعدم سقوط الحكم بالقصور. ولئن كان الفاعل غافلا عن ذلك فانّي غير غافل عنه فيجب عليّ الحفاظ عليه بحكم العقل المفروض في المقام.

$

', '', 368), (12, 369, 'book', '

وأمّا النقض الثالث ـ وهو أنّ امتناعنا عن تهيئة المقدمات قد لا يؤدّي إلى إزالة المبغوض لانّ الخمّار سيشتري عندئذ العنب من غيرنا مثلا، فقد مضى أنّ هذا إنّما يرد في المقام بعد فرض إرجاع الدليل الأوّل وهو دعوى حكم العقل بقبح إيجاد سبب المعصية وشرطه إلى أحد شقي ما سيأتي ـ  إن شاء الله  ـ من الدليل الثالث وذاك الشقّ هو دعوى حكم العقل بوجوب دفع المنكر وانّهما يعودان إلى روح واحدة وهي ضرورة إخلاء صفحة الوجود مما يبغض المولى، تارة بعدم خلق السبب كما في المقام، واُخرى بدفعه فعندئذ نقول: إنّ دفع المنكر حاله حال ما مضى من مثال رفع جسم ثقيل فهو متوقف على تعاون جماعة عليه وبتخلف بعضهم يسقط عن الآخرين بالعجز.

وأجاب السيد الإمام (رحمه الله) عن ذلك في بحثه عن الدليل الثالث بأنّ هناك فرقاً بين وجوب دفع المنكر ووجوب رفع جسم ثقيل من الأرض وهو أنّ رفع الجسم الثقيل ليس له إلّا مصداق واحد يقوم به الكل ولا ينحل حكمه إلى أحكام استقلالية بعدد مصاديق كثيرة له. فإذا امتنع البعض عن التعاون في تحقيق هذا المصداق فقد عجز الآخرون عن تحقيقه وسقط الحكم عنهم لا محالة. وأمّا في المقام فدفع المنكر وإنْ كان أيضاً ليس له عدا مصداق واحد متقوّم باتفاق الكل على عدم بيع العنب من هذا الخمّار مثلا ولكن إذا وجب هذا الدفع فقد حرم نقض الدفع، إمّا بعنوان أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ شرعاً، وإمّا بلحاظ أنّ العقل يحكم بقبح الضد العام للواجب بلا إشكال، فإذا وجب الصوم مثلا قبح تركه وعوقب المكلف على تركه بلا كلام، ولئن لم يكن لدفع المنكر في المقام عدا مصداق واحد فلضدّه العام وهو نقض الدفع مصاديق كثيرة فبيعي للعنب إيّاه نقض للدفع وبيع الشخص الآخر له إيّاه مصداق آخر لنقض الدفع وبيع الثالث مصداق

', '', 369), (12, 370, 'book', '

ثالث له وهكذا. وحرمة النقض على الكل شبيه حرمة قتل المؤمن على الكل لا وجوب رفع الجسم الثقيل على الكل. ومن الواضح أنّه لا يجوز لأحد قتله بحجة انّني لو لم اقتله لقتله غيري.

وإن شئت قلت: انّ الدفع الواجب إنّما يتحقق العجز عنه بعصيان بعض الجماعة بنقض الدفع فكيف يعقل أنْ نبرّئ من نقضه بالفعل ببيع العنب إيّاه عن المعصية ملقين باللوم على مَن كان ينقض لولا نقض هذا بالبيع وهو بالفعل لم ينقض؟! فتمام الفرق بين ما نحن فيه وبين مثال رفع الجسم الثقيل أنّه بمجرد أنْ امتنع البعض عن التعاون في الرفع قد انتقض الرفع فسقط عن الآخرين. وأمّا في المقام فالذي نقض الدفع هو الذي باع العنب بالفعل من الخمّار لا الذي لو كنّا لا نبيعه إيّاه لكان يبيعه إيّاه.

ولو أمر المولى عبيده بدفع السارق عن سرقة ماله وكان ذلك متوقفاً على بقاء الباب مسدوداً يجب على كل واحد منهم دفعه بحفظ سدّ الباب أفهل يجوز لأحدهم فتح الباب للسارق وتمكينه من السرقة حينما يعلم بأنّه لو لم يفعل ذلك فعله عبد آخر  ؟  !

أقول: قد نفهم من ظاهر دليل لفظي ولو بمعونة المناسبات، أو من الارتكازات المتشرعية أو الارتكازات العقلائية أنّ المولى صبّ الحكم ابتداءً على نقض الدفع فحرّمه بجميع مصاديقه ولو من باب اتخاذ الاحتياط من قِبَل المولى حيث يحتمل خطأ عبده في علمه بانّه لو لم ينقض الدفع لنقضه آخرون وعندئذ لا إشكال في انحلال الحكم إلى أحكام مستقلة وغير مترابطة ابتداء وبلا نظر إلى مسألة اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده العام أو قبح ضدّه العام، ولعلّ مثال دفع السارق يكون من هذا القبيل. أمّا إذا كان مصبّ الحكم ابتداء هو دفع

', '', 370), (12, 371, 'book', '

المنكر الذي لا ينحل إلى مصاديق عديدة ويكون حاله حال رفع الجسم الثقيل المتوقف على تعاون الجميع فصحيح أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام أو قبحه ولكن هذا النهي أو القبح تبعيّ لا محالة إعانة بتبع وجوب الشيء فقبل معرفة وظيفة العبد تجاه هذا الضدّ العام يجب أن نعرف ما هو حال أصل الوجوب، وما دام الوجوب متعلقاً بشيء واحد غير انحلالي وهو دفع المنكر فهو لا محالة يسقط عن البعض بفرض عدم تعاون البعض الآخر للعجز عن تحقيقه كالعجز عن رفع الجسم الثقيل عند امتناع البعض عن ذلك وإذا سقط الوجوب لم تصل النوبة إلى حرمة الضد العام أو قبحه، فلو وجد أحد صمّم على بيع العنب على تقدير عدم بيع الآخرين كان هو العاصي لا محالة لا من باعه بالفعل على أثر علمه بتصميم ذاك.

وقد تحصّل بكل ما ذكرناه أنّ النقض الثاني والثالث لا جواب عليهما.

أمّا حلّ المسألة فهو أنّ الحق الإلزامي الثابت للمولى الحقيقي سبحانه وتعالى على العبد عقلا إنّما هو أحد أمرين أو كلاهما:

1 ـ حق تحقيق أهدافه المولويّة وإخلاء الساحة عمّـا يبغضه.

2 ـ حق تبجيله واحترامه بتحقيق ما اعتقد كونه من أهدافه ولو خطأ، وإخـلاء الساحة عما اعتقد كونه مبغوضاً له ولو خطأ وعدم الجرأة عليه بخلاف ذلك.

فإنْ آمنّا بالحق الثاني فحسب ولم نؤمن بالأوّل من دون إرجاعه إلى الثاني تساوى المتجري والعاصي في العقاب، وإنْ آمنّا بالحق الأوّل فحسب، أي باختصاص الحق بصورة الموافقة للواقع ثبت العقاب على العاصي دون المتجري، وإنْ آمنّا بهما معاً بأنْ افترضنا أنّ ذات الوصول ولو خطأ يوجب الحق وموافقة

', '', 371), (12, 372, 'book', '

الوصول للواقع يوجب حقاً آخر كان المتجري مستحقاً للعقاب والعاصي أشدّ استحقاقاً له.

وعلى أية حال فحق المولى الإلزامي لا يخلو من أحد هذين الأمرين، إمّا حق تحقيق الأهداف المولويّة وإخلاء الساحة ممّا يبغضه، وإمّا حق التبجيل والاحترام وعدم الهتك والتجري. والقاسم المشترك الذي ينصبّ عليه الحقّان هو الأهداف المولوية إمّا بوجودها العلمي كما في الحق الثاني من دون دخل للواقع في ذلك أو بقيد ثبوتها في الواقع كما في الحق الأوّل، وقد افترضنا في المقام أنّ هذين الحقين لا يختصان بمن خُوطب بالأهداف والأغراض المولويّة المبرزة بل يشملان الأهداف والأغراض المولوية المبرزة لشخص آخر فيقبح عقلا مساعدة ذاك الشخص الآخر على المخالفة ويجب دفعه عن المعصية.

وعلى أيّة حال فمصبّ كلا الحقين كما عرفت هي الأهداف والأغراض المولوية المبرزة سواء اشترطنا وجودها الواقعي أو اكتفينا بالوجود العلمي، فكل تبدّل في الأهداف المولويّة في الواقع أو في مرحلة العلم أو وجود مزاحم يغلبه أو يكسره يؤثر على الحق وعلى قبح الفعل أو الترك ويكسره. وأمّا ما نقوله من أنّ قبح معصية المولى ذاتي لا يمكن أن ينفكّ عنها فانّما هو لأجل أنّه أخذت لغةً في مفهوم المعصية تمامية الغرض المولويّ وعدم ابتلائه بمزاحم يكسره، أمّا لو انتفى الغرض المولوي أو انكسر بسبب المزاحم لم تكن هناك معصية ولم يكن قبح في المقام.

إذا عرفت ذلك قلنا: إنّ سريان الحق المولوي والقبح العقلي ممّن وجّه إليه الخطاب إلى غيره وعدمه ليس أمراً دائمياً، بل يختلف باختلاف عدة نكات فقد يسري وقد لا يسري وذلك لانّنا بعد أن التفتنا إلى أنّ الحق المولوي مصبّه هو

', '', 372), (12, 373, 'book', '

الغرض المولوي ولو بوجوده العلمي يجب أن نحسب حساب دخل عمل الغير فعلا وتركاً في هذا الغرض والمزاحمات التي تزاحم ذاك الغرض في دائرة فعل الغير وهذا الحساب ينبّهنا إلى عدّة نكات في المقام:

الاُولى: انّ الملاك الإلزامي الموجود في متعلق الحكم المتوجّه إلى شخص قد يزاحمه ملاك الترخيص بلحاظ الشخص الآخر المساعد له في بعض المقدمات لما حققناه في محله من أنّ الحكم الترخيصي ليس دائماً ناشئاً من عدم الملاك في الإلزام بل قد يكون ناشئاً من ملاك في الترخيص، فقد تكون في ترخيص صاحب العنب في بيع عنبه ولو من الخمّار مصلحة تزاحم مفسدة التخمير وتسقط تلك المفسدة عن تأثير مفسدة التخمير في تحريم بيع العنب من المخمّر.

الثانية: انّ ملاك متعلق التحريم قد يزاحمه ملاك تلك المقدمة. أي أنّ المزاحمة تقع بين ملاكي المتعلقين لا بين ملاك متعلق التحريم وملاك الترخيص كما في النكتة الاُولى ومثاله: هو أنْ نفترض أنّ مفسدة معصية الأولاد أو الأحفاد زاحمت مصلحة النكاح فإمّا أن مصلحة النكاح لم تكن إلى حدّ الإلزام ولكن المقدار الذي تفوق عليها مفسدة المعصية ليس بمستوى يوجب الإلزام بترك النكاح، أو أنّ مصلحة النكاح في حدّ ذاتها كانت بمستوى الإلزام وغلبت تلك المفسدة وتنزّلت على أثر هذا التزاحم من مستوى الوجوب إلى مستوى الاستحباب. أو أنّ الوجوب كانت تعارضه مصلحة في عدم الإلزام بالنكاح على ما أشرنا إليه من أنّ الترخيص وعدم الإلزام ليس دائماً نتيجة عدم ملاك في الإلزام بل قد يكون نتيجة ملاك في عدم الإلزام.

الثالثة: انّ ترك المقدمة قد لا يكون له أيّ دخل في تقريب المولى إلى غرضه لأنّ الخمّار سيشتري العنب عندئذ من شخص آخر ولم تكن أهميّة الغرض

', '', 373), (12, 374, 'book', '

بمستوى يحتاط المولى في تحريم تهيئة المقدمة حتى على مَن يعلم بعدم تأثير تركه لها في إزالة المعصية باعتبار أنّ المولى يحتمل خطأ العبد في علمه أحياناً.

الرابعة: انّ ترك المقدمة قد لا يكون له أيّ دخل في تقريب المولى إلى غرضه الإلزامي، لأنّ الأمر المتوجه إلى الشخص الآخر كان نتيجة مصلحة في نفس الإلزام كما في الأوامر الامتحانية. أو لأنّ الجزء الأخير من علّة الإلزام كان عبارة عن مصلحة في نفس الإلزام ولا أثر لترك المقدمة من قِبَل الغير في تحقيق هذه المصلحة أصلا، وكون الأمر الإلزامي ناشئاً من مصلحة في الإلزام بحتاً وإنْ كان نادراً وبعيداً، لكن كون الجزء الأخير من علة الإلزام عبارة عن مصلحة في الإلزام ليس بعيداً.

فتحصّل أنّ الوجه الأوّل من وجوه إثبات حرمة تهيئة مقدمات الحرام للغير وهو حكم العقل بقبح ذلك غير صحيح(1).

نعم قد يتفق انّنا نعرف بارتكاز متشرعي أو بارتكاز عقلائي في مورد مّا عدم تحقق شيء من تلك النكات الأربع التي قلنا إنّها لو تحققت منعت عن هذا القبح بتغير موضوعه. وما مضى من مثال سدّ الباب بوجه السارق قد يدخل في هذا الباب أي في باب العلم عادة بعدم تحقق تلك النكات، واحتياط المولى في مقابل احتمال خطأ العبد في علمه، وإن شئت تعبيراً عرفياً عن تلك النكات الأربع أو عن بعضها فهو أنْ يقال: أنّ المطلوب للمولى تارة يكون سدّ جميع الأبواب

', '

(1) وللسيد الإمام (رحمه الله) التفاتة جزئية إلى بعض هذه النكات في المقطع الثاني من مقاطع الصفحة 147 ولعله أيضاً في المقطع الأخير من مقاطع الصفحة 136 من كتابه أعني الجزء الأوّل من المكاسب المحرمة.

', 374), (12, 375, 'book', '

على تحقق شيء مّا فعندئذ تحرم على الغير تهيئة مقدماته، واُخرى لا يكون المطلوب للمولى عدا سدّ بعض الأبواب وليس منها تهيئة المقدمة من قِبَل الغير فلا تحرم، وهذا التعبير العرفي انّما يكون تامّاً لو رجع بروحه إلى بعض تلك النكات الأربع.

ب ـ التمسّك بآية التعاون:

الوجه الثاني ـ التمسّك بقوله تعالى: ﴿تعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾(1) حيث يقال: إنّ هذه الآية تدلّ على حرمـة الإعانة على الإثم وتهيئة المقدمة لمعصية العاصي إعانة على الإثم على كلام مذكور في الكتب حول مدى سعة وضيق دائرة صدق الإعانة. أفهل هو مشروط بقصد المعين لمساعدته على الإثم أو لا  ؟ أم هل هو مشروط بقصد المعان للمعصية أو يكفي أنّه سيحصل له هذا القصد بعد تحقق المقدمة  ؟ أم هل يشترط في صدقها تحقق المعصية بالفعل أو لا  ؟ أم هل هذا يكون حتى في المقدمات البعيدة أو يختص بالمقدمات القريبة ونحو ذلك من التفاصيل  ؟

وعن المحقق الإيرواني (رحمه الله) في تعليقه على المكاسب النقاش في أصل التمسك بهذه الآية المباركة في المقام بإيرادين:

الإيراد الأوّل ـ انّ التعاون على البرِّ والتقوى أمرٌ مستحب ومقتضى التقابل بينه وبين التعاون على الإثم والعدوان هو الحمل على التنزيه لا الحرمة.

وأجاب السيد الإمام (رحمه الله) على ذلك بأنّه لو سلّمت في سائر الموارد قرينية بعض الفقرات على الاُخرى لا تسلّم في المقام لأنّ تناسب الحكم والموضوع

', '

(1) المائدة: 202.

', 375), (12, 376, 'book', '

وحكم العقل ومقارنة الإثم بالعدوان الذي لا شك في حرمة الإعانة عليه كلها شواهد على الحمل على التحريم(1).

أقول: أمّا حكم العقل فقد عرفت حاله وعرفت معقولية عدم حرمة مقدمة الحرام في بعض الموارد فالتعاون بعد فرض حمله على ما يشمل الإعانة بإتيان المقدمة يمكن حمله على التنزيه أو الجامع بين الحرمة والكراهة وكذلك مناسبة الحكم والموضوع أيضاً لا تعيّن الحرمة في جميع موارد التعاون بعد فرض شموله لمثل الإتيان بالمقدمة الذي يناسب كونه مكروهاً كما يناسب كونه حراماً.

وأمّا مقارنة الإثم بالعدوان فان منعت عن الحمل على الكراهة فلا تمنع عن الحمل على الجامع بين الحرمة والكراهة، وهذا يجمع بين وحدة السياق بين الإثم والعدوان من ناحية وبين الأمر بالتعاون في البرِّ والتقوى مع النهي عن التعاون في الإثم والعدوان.

إلّا أنّه رغم كل هذا نقول: إنّ جواب المحقق الايرواني (رحمه الله) غير صحيح لانّ التقابل بين الأمر والنهي يختلف عن اجتماع أمرين أو نهيين في سياق واحد، فاجتماع أمرين أو نهيين في سياق واحد لو اجتمع مع كون أحدهما غير إلزامي أسقط الآخر عن الظهور في الإلزام. وأمّا في التقابل بين الأمر والنهي فمقابلة المبغوض إلى حدّ الحرمة مع المحبوب إلى حدّ الاستحباب، أو المبغوض إلى حدّ الكراهة مع المحبوب إلى حدّ الوجوب أمرٌ مقبول عرفاً كعرفية التقابل بين المحبوب والمبغوض الإلزاميين أو الاستحبابيين بحيث لو كان أحدهما غير إلزامي لم يوجب سقوط الآخر عن الظهور في الإلزام نعم لو لم يكن المفهوم عرفاً

', '

(1) راجع المكاسب المحرّمة للسيد الإمام (رحمه الله) 1: 131.

', 376), (12, 377, 'book', '

مسألة التقابل بل كان المفهوم عرفاً مسألة التناسق كما لو جمع الأمر والنهي من مادتين غير متقابلتين فقال صلّ صلاة الليل ولا تصم يوم عاشوراء فلا يبعد أنْ يقال هنا أيضاً أن عدم إلزامية أحدهما يسقط الآخر عن الظهور في الإلزام، أمّا حينما تفترض المادّتان متقابلتين من قبيل: صم في عيد الغدير ولا تصم في عيد الأضحى، وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانفق على محبّينا ولا تنفق على مبغضينا ونحو ذلك فالمفهوم عرفاً من أمثال هذه الأمثلة هو قصر النظر على التقابل دون التناسق والتقابل لا يقتضي سقوط أحدهما عن الظهور في الإلزام عند فرض عدم الإلزام في الآخر.

الإيراد الثاني ـ انّ التعاون باعتباره من باب التفاعل يدل على الاجتماع على إتيان المنكر كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال بحيث تكون المعصية مستندة إليهم جميعاً، ولا يشمل فرض إعانة الغير على الحرام عندما يكون الحرام مستنداً إلى الغير مستقلا ويكون دور المعين تهيئة الأسباب والمقدمات فحسب.

وتبعه على ذلك السيد الخوئي مدعياً ـ  على ما يبدو من ظاهر تقرير بحثه(1)  ـ أنّ الإعانة تختص بما إذا كان المعان أصيلا يسند إليه الفعل والمعين غير أصيل ولا يسند إليه ذات الفعل وانّما تسند إليه المقدمة أو التسبيب، ويكون التعاون على العكس من ذلك فانّه يختص بما إذا كانا معاً أصيلين بان يشتركا في الفعل ويسند الفعل إليهما معاً.

وأمّا ما عن المحقق الإيرواني بالمقدار المنعكس في المكاسب المحرمة

', '

(1) راجع مصباح الفقاهة 1: 180، والمحاضرات 1: 134.

', 377), (12, 378, 'book', '

للسيد الإمام (رحمه الله)(1) فهو لا يشتمل إلّا على الدعوى الثانية وهي اختصاص التعاون بما إذا كانا أصيلين وشريكين في الفعل، وهذه الدعوى إنْ تمّت فهي كافية لإثبات المطلوب سواء تمّت الدعوى الاُولى وهي اختصاص صدق الإعانة بما إذا كان المعان أصيلا والمعين مساعداً له بلحاظ المقدمات أو لم تتم بان قلنا بصدق الإعانة حتى فيما إذا كانا معاً أصيلين وشريكين في الفعل فانّه على أيّة حال لو حملت الآية على فرض كونهما أصيلين وشريكين في نفس الإثم ولم تشمل فرض تهيئة المقدمات ثبت المطلوب من عدم حرمة الإعانة بتهيئة المقدمات سواء سمّي الاشتراك في ذات الإثم أيضاً إعانة أو لا.

وعلى أيّة حال فلا ينبغي أن يورد على هذا الوجه بأنّ الآية وإنْ دلّت على حرمة التعاون الذي هو من الطرفين ولكن لا إشكال في دلالتها أيضاً على حرمة الإعانة من طرف واحد وذلك من قبيل قوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾(2)أفهل يمكن أنْ يقال: إنّ هذه الآية انّما حرّمت التنابز من الطرفين أمّا النبز من طرف واحد فلم تثبت حرمته بهذه الآية.

أقول: هذا الإيراد لا مجال لتوهمه في المقام فإنّ مقصود المحقق الايرواني والسيد الخوئي ليس بيان الفرق بين الإعانة من طرف واحد والتعاون بمجرّد أنّ التعاون إعانتان من طرفين فإذا حرمتا لم تحرّم الإعانة من طرف واحد، ولو كان هذا هو المقصود فما أسهل النقض عليه بمثل دليل حرمة التنابز الذي لا شك في دلالته على حرمة النبز من طرف واحد أيضاً، وما أسهل الحلّ بالالتفات إلى أنّ

', '

(1) راجع المكاسب المحرمة للسيد الإمام 1: 131.

(2) الحجرات: 11.

', 378), (12, 379, 'book', '

أدلّة الأحكام ظاهرة في الانحلال فكما يكون قوله: «صلّوا» إيجاباً للصلاة على كل واحد من المكلفين مستقلا فلا تسقط الصلاة من أحد بترك الآخرين كذلك يكون قوله: «لا تنابزوا» أو لا تعاونوا تحريماً للنبز أو الإعانة من كل واحد منهما مستقلا سواء صدر من الآخر أيضاً أو لا.

وانّما المقصود للمحقق الايرواني والسيد الخوئي هو أنّ ما يصدر من المتعاون مباين لما يصدر من المعاون الواحد لانّ التعاون كان من باب التفاعل ودلّ على صدوره من الطرفين وهذا يستحيل أن يكون بمعنى كون كل منهما مهيئاً للمقدمات للآخر إذْ لا بد من وجود أصيل على أيّ حال، فلا بد أن يكون بمعنى اشتراكهما في الفعل واستناد الفعل إليهما وكونهما معاً أصيلين ولا إشكال في أن الاشتراك في ذات الإثم أشدّ من تهيئة المقدمات وتحريم الأوّل لا يدل على تحريم الثاني.

وقد أشكل السيد الإمام (رحمه الله) على ذلك:

أولا بأنَّ التعاون ليس بمعنى الاشتراك في الفعل فانّ مادة التعاون والإعانة واحدة وليست الإعانة إلّا بمعنى تهيئة الأسباب والمقدمات فلا بد أن يكون معنى التعاون عبارة عن تهيئة الأسباب والمقدمات من كلا الطرفين ويكون ذلك بأنْ يهيّئ أحدهما للآخر مقدمات فعله ويهيّئ الآخر لهذا مقدمات فعل آخر له لا أن يكونا معاً شريكين في فعل واحد وإلّا لزم تغيّر معنى المادّة حينما دخلت عليها هيئة التفاعل بينما ليست وظيفة هيئة التفاعل عدا إفهام أن نفس المعنى المقصود بالمادة صادر من كلا الطرفين كل بلحاظ الآخر دون تغيير معنى المادة، فالتعاون في الإثم إذن يعني أن أحدهما هيّأ مقدمات إثم للآخر والآخر هيّأ مقدمات إثم آخر للأوّل ولا يعني اشتراكهما في إثم واحد.

$

', '', 379), (12, 380, 'book', '

وثانياً بانّه لو تنزّلنا وسلّمنا صدق التعاون على الاشتراك في إثم واحد فلامبرر لنفي صدقه على إعانة كل واحد منهما للآخر في إثم غير إثم الآخر، إذن فالآية دلّت على حرمة الإعانة بمعنى تهيئة مقدمات الإثم للآخرين وهو المقصود.

أقول: أمّا اختصاص صدق الإعانة بما إذا كان المعان أصيلا والمعين غير أصيل بان يكون دوره دور تهيئة المقدمات دون الاشتراك في أصل العمل (وهذا هو صريح كلام السيد الإمام وظاهر كلام السيد الخوئي) فهو غير مقبول فكما أنّ مساعدة الشخص على عمل بتهيئة مقدماته إعانة له على ذلك العمل كذلك مساعدته عن طريق الاشتراك معه في نفس العمل إعانة له على ذلك فلو قبلنا ما قد يظهر من كلام السيد الخوئي من اختصاص الإعانة بفرض تهيئة المقدمات فقد يتم الإشكال الأوّل للسيد الإمام (رحمه الله) من أن هيئة التفاعل لا تغيّر معنى المادة ولا تبدّله من تهيئة المقدمات إلى الاشتراك في الفعل.

ولكن الواقع أنّ الاشتراك في الفعل أيضاً إعانة فلو فسّر التعاون في الآية بمعنى الاشتراك في الإثم فغاية ما يمكن الإيراد عليه هي أنّ التخصيص بالاشتراك وفرض عدم شموله لتهيئة المقدمات تقييد بلا موجب فالتعاون يشمل الأمرين معاً فتخصيصه بالاشتراك وإن لم يكن تغييراً لمعنى مادة الإعانة من المباين إلى المباين لكنه على أي حال تقييد لها بما هو أخص من معناها الأصلي وهذا يعني الرجوع إلى الإشكال الثاني من إشكالي السيد الإمام، فالإشكال الأوّل حتى لو كان مسجلا على السيد الخوئي فهو غير مسجل على المحقق الايرواني بالمقدار المنعكس من كلامه في عبارة السيد الإمام حيث لم يشتمل على دعوى اختصاص الإعانة بتهيئة المقدمات.

وإذا انحصر الأمر في الإشكال الثاني أمكن الجواب عليه بأنّ الإعانة وإن

', '', 380), (12, 381, 'book', '

كانت مطلقة تشمل مساعدة الغير بتهيئة مقدمات عمله ومساعدته بالاشتراك معهفي ذات العمل ولكن التعاون في هذه الآية مقترنة بقرينة قيّدت هذا الإطلاق وتلك القرينة عبارة عن ذكر مصبّ للتعاون حيث جاء في الآية المباركة: ﴿تعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾(1) ومتى ما يذكر مصبّ للفعلين المتقابلين في باب التفاعل من قبيل تضارب زيد وعمرو في البيت أو تضاربا في يوم الخميس ونحو ذلك يكون الظاهر العرفي من ذلك وحدة المصبّ لكلا الفعلين فمعنى قوله: تضارب زيد وعمرو في البيت هو انّهما تضاربا في بيت واحد ولا ينطبق هذا الكلام على ما إذا ضرب أحدهما الآخر في بيت والآخر ضربه في بيت آخر، وكذلك لا ينطبق قوله تضاربا في يوم الخميس على ضرب أحدهما لصاحبه في خميس وضرب الآخر لصاحبه في خميس آخر، بل ظاهره التضارب في خميس واحد، وكذا الحال في المقام فمعنى التعاون على إثم هو تعاونهما على إثم واحد، وهذا لا يتصور إلّا باشتراكهما في ذات الإثم.

بل إن عنوان التعاون والإعانة بما أنهما من المفاهيم ذات الإضافة الى المعان عليه أي يكون فرض لحاظ إضافته إلى المعان عليه مأخوذاً في حاقّ لفظه فحتى لو لم يذكر المتعلق في الكلام لا يفهم من التعاون إلّا معنى الاشتراك في عمل واحد.

ولا يقال: إ نّه يصدق على كل معين ومعان انّهما تعاونا في الفعل الذي فعله المعان فلو أنّ أحداً أخذ زيداً بيده كي لا يهرب من القتل والآخر قتله صدق انّهما تعاونا على القتل ففاعل المقدّمة يصدق عليه عنوان المتعاون ويكون فعله حراماً

', '

(1) المائدة: 202.

', 381), (12, 382, 'book', '

بحكم الآية وقد أعان كل واحد منهما الآخر على قتل زيد فصدق التعاون رغم عدم اشتراكهما في القتل واختصاص فعل القتل بأحدهما دون الآخر.

فإنّه يقال: انّه قد أخذ في مفهوم الإعانة والتعاون أن يكون المعان أصيلا في الفعل ويكون الفعل منتسباً إليه حقيقة فلو اشتركا في العمل وانتسب العمل إليهما معاً فقد أعان كل منهما صاحبه وحصل التعاون بينهما على الفعل أمّا لو كان العمل مستنداً حقيقة إلى أحدهما فقط فالآخر هو الذي أعانه على هذا العمل وليس هذا قد أعان ذاك على هذا العمل إذ لم يصدر هذا العمل منه كي تفترض إعانة صاحبه إيّاه في هذا العمل ففي المثال المذكور يكون مَنْ أخذ زيداً بيده هو الذي أعان صاحبه على قتل زيد وليس صاحبه قد أعانه على قتل زيد إذ هو لم يقتل زيداً حتى يصدق أن صاحبه أعانه على هذا القتل وان صحّ التعبير في مثل ذلك بعنوان (تعاونا على قتل زيد) مجازاً.

ولو فرض تنزّلا صدق التعاون في ما إذا كان دخل المعين في الفعل كبيراً كما في مثال حبس زيد بيده كي يقتله صاحبه فهو لا يصدق في فرض ضعف الدخل كما في بائع العنب ممّن يصنعه خمراً واحتمال الفرق في الحرمة وعدمها بينهما وارد لانّ دخل الأوّل في الإثم أشدّ من الثاني (وطبعاً ما ذكرناه إنما هو من باب المثال وإلّا فلا شك في حرمة الإعانة على القتل وانّما كلامنا في الإعانة على الإثم الذي ليس ظلماً للآخرين).

والحاصل أنّ كلمة التعاون حتى لو جرّدت عن ذكر المصبّ تفهم منها وحدة مصب الإعانتين.

ولا تُقاس بمثل كلمة التواهب حيث لا تفهم منها وحدة مصبّ الهبتين رغم أنّ الهبة أيضاً من المفاهيم ذات الإضافة إلى الموهوب أي أنّه لوحظ فيها لغة

', '', 382), (12, 383, 'book', '

فرض إضافتها إلى ما يوهب وذلك لأنّ الهبتين الفرضيتين يستحيل أن تنصبّا على مصبّ واحد بخلاف الإعانتين فانّهما تنصبان عند الاشتراك في عمل على مصبّ واحد، نعم الهبتان الطوليتان أي ما تحقق احداهما موضوع الآخر يمكن أن تنصب على مصب واحد بأنّ يهب أحدهما المال للآخر ثم يهبه الآخر للأوّل، ولكن كلمة التواهب لا تنصرف إلى فرض نادر من هذا القبيل.

وقد تحصّل بكل ما ذكرناه أنّ هذا الوجه الثاني لإثبات حرمة تهيئة مقدمات المعصية للعاصي أيضاً غير تام لعدم صدق التعاون في المقام إطلاقاً. وبعد هذا لسنا بحاجة إلى البحث عمّـا بحثوه في المقام في حدود دائرة صدق الإعانة وأنّه هل إنَّ صدقها مشروط بالقصد أو بالعلم أو بتحقق المعصية خارجاً أو نحو ذلك أو لا  ؟ إذْ انّ هذه الإعانة على كل تقدير هي غير التعاون الذي نهت الآية الشريفة عنه.

نعم لا بأس بأن نشير إلى أنّ السيد الإمام (رحمه الله) اشترط في صدق الإعانة القصد بأن يكون المعين قاصداً لتحقق الفعل من المعان ومن هنا وقع الإشكال عنده في تمامية إطلاق هذا الوجه فيما نحن فيه فلا إشكال عنده في تماميته حينما يكون الدافع ـ  لبائع العنب مثلا  ـ إلى البيع هو تحقق التخمير من قِبَل المشتري أمّا حينما لا يكون دافعه إلى البيع ذلك بل إنّما الدافع له حصوله على الثمن مثلا فهنا لا تكون الإعانة صادقة على هذا البيع في نظره الشريف.

وقد حاول تغطية هذا النقص في هذا الوجه ببيانين:

أحدهما عامٌّ لكل موارد تهيئة المقدمات للإثم، والثاني خاصٌ بخصوص الخمر:

أمّا البيان العام فهو دعوى ان قيد القصد ملغيّ عرفاً في المقام (رغم دخله

', '', 383), (12, 384, 'book', '

في معنى الإعانة) وذلك بالمناسبات المغروسة في الأذهان بأن يقال: إنَّ الشارع أراد بالنهي عن الإعانة على الإثم قلع مادة الفساد والمنع عن إشاعة الإثم، أو انّ الإعانة تكون عادةً موجبة لتشويق العصاة على عملهم وجرأتهم على الإثم بخلاف ما لو رأى العاصي نفسه وحيداً لا معين له في إثمه فقد توجب الوحدة الوحشة المؤدّية إلى الترك، وكل هذه المناسبات مشترك بين فرض قصد المعين وعدمه فالمفهوم العرفي للحكم في المقام يصبح مطلقاً وشامل لفرض عدم القصد أيضاً.

إلّا أنّ السيد الإمام (رحمه الله) تحفّظ تجاه هذا الوجه وذكر: أنّ إلغاء الخصوصية وفهم العرف من الآية ما ذكرناه لا يخلو من تأمّل، وإنْ لا يخلو من وجه.

وأمّا البيان الخاص بخصوص الخمر فهو دعوى أن حديث لعن غارس الخمر وحارسها وبايعها ومشتريها.. الخ الذي إدّعى السيد الإمام (رحمه الله)استفاضته يدل على تحريم إيجاد كل مقدمة تكون بقصد التخمير فانّ معنى غارس الخمر مَنْ يغرس العنب بقصد التخمير وخصوصية الغرس ملغيّة فشراء العنب بقصد التخمير أيضاً حرام، فإذا حرم شراء المشتري قلنا: إنّ البائع وإنْ لم يقصد ببيعه تحقق التخمير ولكن لا إشكال في أنّه قصد بذلك تحقق الشراء فقد قصد تحقق الحرام وبالتالي صدقت الإعانة على الحرام وأصبح بيعه مشمولا لمفاد الآية الكريمة. هذا لو لم نقل انّنا نستفيد من التشديدات الواردة في ذاك الحديث حرمة إيجاد مقدمة التخمير لمَن علم بذلك ولو لم يكن عن قصد فغارس العنب يحرم عليه ذلك بمجرد علمه بالأداء إلى التخمير، أمّا إنْ قلنا بذلك فقد حرم البيع بمجرد العلم بمقتضى هذا الحديث بلا حاجة إلى ضمّ الآية المباركة. انتهى ما أردنا نقله عن السيد الإمام (رحمه الله).

وعلى أيّة حال فقد عرفت نقاشنا في صدق أصل الإعانة في المقام.

$

', '', 384), (12, 385, 'book', '

ج ـ التمسّك بدليل النهي عن المنكر:

الوجه الثالث ـ هو التمسّك بدليل النهي عن المنكر بدعوى عدم الفرق بين الرفع والدفع سواء فرضنا أنّ وجوب رفع المنكر عقليّ كما وافق عليه السيد الإمام (رحمه الله)أو فرضناه شرعيّاً:

أمّا إذا فرضناه عقليّاً فمن الواضح أن العقل لا يفرّق في الحكم بالوجوب بين رفع المنكر ودفعه.

وما قد يقال من أنّ العقل إنّما يحكم بوجوب رفع المنكر أو دفعه في منكر يكون ذات وجوده في الخارج مبغوضاً للمولى سبحانه كقتل النفس وهتك الأعراض والمشاعر الدينية ونحوها دون ما إذا كان المبغوض حيثية صدوره من فلان فإذا كان المبغوض حيثية الصدور فلا علاقة لذلك بغير من يصدر منه ذاك المنكر. قد أجاب عليه السيد الإمام (رحمه الله) بأنَّ المهم هو أنّ مقتضى عبوديّة العبد أن يحول دون تحقق ما يبغض المولى في نفس دائرة البغض، فإنْ كانت دائرة البغض هي حيثية الوجود فعلى العبد أنْ يحول دون وجود ذاك المنكر، وان كانت دائرة البغض هي حيثية الصدور من فلان فعلى العبد ان يحول دون تحقق ذاك الصدور وليس من المعقول اختلاف حكم العقل بوجوب المنع عمّـا يبغض المولى بمجرد اختلاف مصبّ البغض من حيث الوجود إلى حيثية الصدور.

أقول: إنّ إشكال السيد الإمام (رحمه الله) على التفصيل بين مبغوضية حيثية الصدور ومبغوضية حيثية الوجود بظاهره وارد ولكن إذا كان مقصود المفصّل بين الأمرين هو الإشارة ولو ارتكازاً إلى بعض النكات الأربع التي شرحناها عند إبطالنا للوجه الأوّل لم يرد عليه هذا الإشكال فتكون خلاصة الكلام في التفصيل بين الأمرين أنّ المولى قد يريد سدّ جميع الأبواب على هذا المنكر وهذا هو

', '', 385), (12, 386, 'book', '

المقصود بمبغوضية حيثية وجوده، وقد يريد سدّ باب الصدور من قِبَل مَن يصدر منه الفعل وهذا هو المقصود بمبغوضيّة حيثية صدوره، على أن يرجع هذا الإجمال إلى بعض التفاصيل الماضية في بيان النكات الأربع ومن الواضح انّ الاعتراف بحكم العقل بوجوب دفع المنكر في الأوّل لا يلازم الاعتراف بحكمه بذلك في الثاني.

وعلى أيّة حال فقد مضى منّا أنّ الوجه الأوّل إنّما يكون معقولا بعد فرض رجوعه إلى هذا الوجه الثالث عند افتراضه عقلياً، إذن فنستغني عن تعليقنا على هذا الوجه بعد فرضه عقلياً بما مضى منّا من التعليقات على الوجه الأوّل.

وأمّا إذا فرضناه شرعياً فإثبات وجوب دفع المنكر بالدليل الشرعي الدال على وجوب النهي عن المنكر له تقريبان:

أحدهما ـ التمسّك بالدلالة الالتزامية العرفيّة بدعوى أنّه إذا وجب الرفع وجب الدفع لأنّ الفائدة من الرفع إنّما هي الحيلولة دون الحصة الثانية من الوجود أمّا الحصة الاُولى فقد تحققت ولا يمكن إفناؤها ففائدة الرفع إنّما هي عين فائدة الدفع ويفهم عرفاً من وجوب الرفع وجوب الدفع بالالتزام.

وثانيهما ـ التمسّك بالدلالة المطابقية لدليل وجوب الرفع وذلك بدعوى أنّ الرفع مرجعه إلى الدفع لِما قلنا من أنّ رفع الحصة الاُولى من الوجود غير ممكن فالرفع مرجعه إلى دفع الحصة الثانية، إذن فما دلّ عليه الدليل بالمطابقة إنّما هو وجوب الدفع.

وقد أجاب السيد الخوئي على التمسك بأدلّة النهي عن المنكر في المقام بوجهين:

الأوّل ـ انّ دفع المنكر لو وجب إنّما هو مخصوص بصورة الإمكان وهذا إنّما يكون في فرض انحصار حصول المقدمة بعمل هذا الشخص، أمّا لو فرض انّه

', '', 386), (12, 387, 'book', '

لو لم يبعه العنب مثلا لباعه شخص آخر فالدفع هنا غير مقدور. وقد مضى منّا بيان مناقشة السيد الإمام (رحمه الله) لهذا الكلام بملاحظة الضدّ العام للدفع الواجب وهو نقض الدفع مع ردّها لدى بحثنا عن الوجه الأوّل فلا نعيد.

والثاني ـ انّ النهي عن المنكر شيء ودفع المنكر شيءٌ آخر، وإيجاب الأوّل لا يثبت إيجاب الثاني وكأنّه وقع في شرح ذلك في مصباح الفقاهة(1) تشويش حيث جاء فيه بيانان للمطلب بتعبير قد يوحي إلى أنّهما بيانان لمطلب واحد بينما هما وجهان:

أحدهما ـ انّ الرفع وإن كان يرجع بالتحليل والتدقيق إلى الدفع لأنّ الحصة الاُولى قد تحققت ولا محيص عنها والحيلولة دون تحقق الحصة الثانية رفع ولكن الأحكام الشرعية وموضوعاتها لا تبتني على التدقيقات العقلية، والدفع في نظر العرف غير الرفع.

وقد أجاب عليه السيد الإمام (رحمه الله) بأنّ دليل وجوب الرفع محمول عرفاً على وجوب مطلق الدفع حسب الارتكازات حتى إذا قلنا بأنّ الدفع عرفاً غير الرفع، وذلك لوضوح أنّ دعوى «أن وجوب النهي عن شرب الخمر مثلا مخصوص بما إذا شرب الجرعة الاُولى أمّا لو لم يشربها فليس علينا نهيه رغم العلم بأنّه عازم على الشرب فلنا أنْ ننتظر إلى أنْ يشرب الجرعة الاُولى ثم ننهاه» أمر غير مفهوم عرفاً حسب الارتكازات من الدليل، فخصوصية الرفع في مقابل الدفع ملغيّة في المقام لدى الفهم العرفيّ لمعنى النّص الدّال على وجوب النهي عن المنكر ورفعه. وهذا الكلام من السيد الإمام (رحمه الله) متينٌ جداً.

$

', '

(1) 1: 181 و  182.

', 387), (12, 388, 'book', '

وثانيهما ـ وهو الذي اقتصر عليه في المحاضرات(1): هو أنّ الدليل إنّما دلّ على وجوب النهي عن المنكر لا أكثر من ذلك والنهي عن المنكر عبارة عن زجر الغير ليترك المنكر باختياره ودفع المنكر عبارةٌ عن تعجيزه عنه.

وهذا البيان صحيح فالواقع أنّ وجوب النهي عن المنكر شيء ودفع المنكر شيء آخر فالدليل اللفظي لوجوب النهي عن المنكر لا يشمل دفع المنكر بالدلالة المطابقية كما لا يدل عليه بشكل مطلق بالدلالة الالتزاميّة لأنَّ الملازمة العرفيّة في المقام يختلف تحققها باختلاف الموارد حسب الالتفات إلى النكات الأربع التي شرحناها في بحثنا عن الوجه الأوّل وقد تحصّل بكل ما ذكرناه أنّ شيئاً من الوجوه العامة لإثبات حرمة تهيئة المقدمات للإثم أو الإعانة عليه غير تام.

ولكن هذا لا يمنعنا عن القول بالحرمة في الجملة في موردين:

المورد الأوّل: ما إذا كان هدف المساعد على الإثم في تهيئته للمقدمات هو تحقق الإثم فانْ كان هدفه هو تحقق عنوان الإثم ومعصية الله تعالى فلا إشكال في أنّ هذا من أبرز مصاديق الجرأة على الله ومحاربته ولا ينشأ إلّا من أعلى مستويات الخبث، وإنْ كان هدفه تحقق واقع المعصية أي تحقق التخمير مثلا لغاية له في ذلك ولم تكن الغاية نفس عنوان وقوع المخالفة لله تعالى فهذا في غالب الأحيان يكون أيضاً جرأة على الله وإن كـان بمستوى أقل بكثير من الجرأة في القسم الأوّل وحينما نقيسه بالنكات الأربع الماضية نرى أنّه في غالب الأحيان نحرز بارتكاز متشرعي أو عقلائي الحرمة وعدم وجود نكتة من تلك النكات المانعة عنها.

$

', '

(1) 1: 135.

', 388), (12, 389, 'book', '

والمورد الثاني ـ ما إذا كان عالماً بأنّه سيترتب على عمله الإثم من قبل غيره مع فرض العلم بانحصار من يهيّىء المقدمة به، كما لو باع العنب ممّن يصنعه خمراً لا بهدف حصول التخمير بل بهدف تحصيل ثمن العنب عالماً بأنّ المشتري سيخمّر العنب مع العلم بأنّه لا يوجد شخص آخر يبيعه العنب لو امتنع هو من بيعه إيّاه فهذا أيضاً يكون في كثير من الأحيان حراماً لإحراز النكات الماضية متشرعيّاً أو عقلائياً بالشكل المساعد على الحرمة لا بالشكل المانع عنها.

ويختلف فرض ما إذا كانت غايته تحقق الحرام عن فرض مجرد العلم بترتب الحرام على ما يهيؤها من المقدمات في عدة اُمور:

1 ـ اختلاف درجة الجرأة والقبح فهما أشدّ في الفرع الأوّل منهما في الفرع الثاني.

2 ـ إنّ النكتة الثالثة من النكات الأربع التي شرحناها في الجواب عن الوجه الأوّل وهي مسألة انحصار المقدمة في عمل هذا الشخص وعدم انحصاره الدخيلتين في إمكانية دفع المنكر وعدم إمكانيته تؤثر على الفرع الثاني ولا تؤثر على الفرع الأوّل في كثير من الأحيان لأنّ المحذور في الفرع الثاني إنّما هو تحقق الإثم خارجاً فإذا كان ذلك محرزاً حتى على تقدير عدم بيعه للعنب إيّاه لوجود آخرين ممّن يبيعه العنب لم يبق محذور في البيع ولكن في الفرع الأوّل كثيراً مّا تكون في نفس تهيئته للمقدمة لغاية تحقق الحرام جرأة على المولى محرّمة حتى لدى فرض عدم الانحصار ومحذور الجرأة هذه أمر زائد على محذور مجرد تحقق الإثم من الغير الثابت في الفرع الثاني.

3 ـ إنّ النكتة الثانية من النكات الأربع الماضية (وهي نكتة وجود مصلحة في فعل المقدمة تزاحم مفسدة المعصية) تؤثر في الفرع الثاني ولا تؤثر غالباً في

', '', 389), (12, 390, 'book', '

الفرع الأوّل فقد تكون مصلحة في النكاح تزاحم مفسدة ما ستصدر من المعصية من الأولاد والأحفاد تمنع عن حرمة النكاح رغم العلم بصدور المعصية منهم ولكن لا مصلحة في النكاح بقصد تحقق المعصية من الأولاد والأحفاد أي لا مصلحة فيه بما هو مقيد بهذا القصد فتحريم هذه الحصة من النكاح باعتباره جرأة على المولى مُبرزة بالفعل لا يسدّ عادة باب مصالح النكاح إذْ له أنْ يرتدع عن النكاح بهذا القصد ولا يرتدع عن أصل النكاح.

4 ـ إنَّ النكتة الاولى من النكات الأربع الماضية (وهي المصلحة في الترخيص في المقدمة) قد تؤثر في الفرع الثاني دون الأوّل إذْ لا مصلحة عادة في الترخيص في خصوص بيع العنب بقصد تحقق التخمير إذ لو كانت مصلحة في الترخيص فهي تكون عادة في الترخيص في أصل بيع العنب لا في بيعه إيّاه بهذا الهدف.

5 ـ إنّ البيع العقدي واقعٌ عادة في سلسلة مقدمات الحرام عندما يكون المشتري قاصداً لتخمير العنب، فانّ تخميره للعنب وإن كان متوقفاً على تسليم العنب إيّاه ولكن إذا كان صاحب العنب غير مستعد لتسليمه إيّاه مجاناً، إذن فبيعه إيّاه مقدمة لحصول المشتري على العنب الذي يمكّنه من التخمير، نعم إذا أوقع البيع بالعقد اللفظي لا بالمعاطاة فقد يتمكن بعد البيع من امتناعه عن التسليم وهذا لا ينافي كون أصل البيع مقدمة من مقدمات الحرام لأنّ التسليم لا يتمّ لو لم يتم البيع، وعلى هذا يتجه القول بأنّ البائع لو باع العنب مثلا بالعقد اللفظي من الخمّار بهدف تحقق الخمر فقد حصلت الجرأة على المولى بمجرد البيع وقبل التسليم فإنّ مَنْ يشرع في مقدمات ا لمعصية بقصد تحققها فقد حصلت الجرأة منه رغم قدرته في الأثناء على قطع سلسلة المقدمات بترك باقي حلقات المقدمة إذن فلا إشكال في هذا الفرع في عدم الفرق بين البيع العقدي والبيع المعاطاتي، فبناء على الحرمة

', '', 390), (12, 391, 'book', '

بنكتة هذه الجرأة يكون كلاهما حراماً وهذا بخلاف الفرع الثاني وهو مجرد العـلم بتحقق المعصية إذْ في هذا الفرع تأتي الشبهة الماضية إذا كان البيع عقدياً لا معاطاتياً إذ يُقال: ما دام البيع العقدي لا يخرج الأمر من سلطان البائع إذ بإمكانه أنْ يحول دون حصول النتيجة بالامتناع عن التسليم فلا موجب لتحريم البيع عليه فهنا نحتاج إلى الجواب على هذه الشبهة بما مضى من أنَّ البيع العقدي يورطه في مخالفة أحد التكليفين المتزاحمين وهما حرمة تهيئة مقدمة الحرام ووجوب تسليم المبيع إلى المشتري، بينما في الفرع الأوّل لو قلنا بالحرمة على أساس تلك الجرأة الإضافية لا محل لهذه الشبهة من أساسها.

هذا تمام الكلام في الأدلّة العامة على حرمة المعاملة حينما توجب تهيئة المقدمة لعمل العاصي، وقد عرفت عدم تماميتها على العموم رغم الإذعان بالحرمة في الجملة لا على الإطلاق.

2 ـ مقتضى الأدلّة الخاصّة:

وأمّا على مستوى الاستنتاج من الأدلّة الخاصة فقد يُقال: إنَّ الأدلة الخاصة الواردة في الموارد الخاصة وإن كان كل واحد منها لا يستفاد منه حرمة مطلق العقد الواقع في سلسلة مقدمات معصية الغير ولكن إذا تكثّرت تلك الموارد التي ورد فيها الدليل الخاص قد نحدس بشكل قطعي بعدم فرض خصوصية في تلك الموارد وأن الحكم عامّ لكل عقد يكون كذلك، والموارد التي قد يُقال بدلالة الدليل الخاص فيها على الحرمة ما يلي:

1 ـ تحريم إعانة الظالم على ظلمه للآخرين(1).

$

', '

(1) راجع الوسائل 12: 127 ـ 132، الباب 42 من أبواب ما يكتسب به.

', 391), (12, 392, 'book', '

2 ـ تحريم بيع السلاح من المحاربين(1).

3 ـ تحريم ثمن المغنيّة(2) بناء على حمل الدليل فيه على ما إذا كان مقدمة لحصول الحرام. وهو الاستفادة من الغناء وانصرافه عمّـا إذا باعها ممّن يعتقد أنّه سيمنعها من الغناء.

4 ـ تحريم إجارة البيت إذا كان المستأجر يبيع فيه الخمر حيث ورد بسند تام عن صابر أو جابر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام أجره(3) ولا يبعد أن يكون الصحيح هو جابر وهو منصرف في هذه الطبقة إلى ابن يزيد الجعفي الذي عدّه المفيد في رسالته العددية ممّن لا يُطعَن فيهم ولا طريق لذم واحد منهم، والسبب في استظهار صحة كلمة «جابر» في المقام دون صابر هو انّ كلمة «صابر» إنّما وردت في التهذيب (7: 134، الحديث 593) ولكن نفس الحديث ورد في التهذيب (6: 371، الحديث 1077) وفي الاستبصار (3: 55، الحديث 179) وفي الكافي (الجزء 5 كتاب المعيشة، الباب 103) جامع فيما يحل الشراء والبيع منه (الصفحة 227، الحديث 8) والوارد في كل هذه الموارد كلمة «جابر» بدلا عن كلمة «صابر» هذا بالنسبة لما عندي من الطبعات الحديثة ولا تحضرني الطبعات القديمة لهذه الكتب فإنْ كان الأمر فيها كما هو الحال في الطبعات الحديثة حصل الوثوق بأن كلمة «جابر» هي الصحيحة في المقام.

$

', '

(1) راجع الوسائل 12: 69 ـ 71، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به.

(2) راجع الوسائل 12: 86 ـ 88، الباب 16 من أبواب ما يكتسب به.

(3) الوسائل 12: 126، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

', 392), (12, 393, 'book', '

نعم ورد أيضاً بسند تام عن ابن اُذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام)أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنزير قال: لا بأس(1). ويمكن القول بانصراف الحديث الثاني إلى كون المستأجر غير مسلم لأنّ مَن يحمل على السفينة أو الدابة الخمر والخنزير كان هم غير المسلمين عادة وهذا بخلاف مبايعة الخمر في بيت مّا فانّه يمكن افتراضه عملا مخفيّاً كان يصدر عادة من المسلمين الفسقة. أمّا حمل الخمر والخنزير على السفينة والدابة فأمر علني لا يمكن إخفاؤه ولم يكن يصدر وقتئذ من المسلمين وعليه فالحديث الأوّل يخصص إطلاقه بالحديث الثاني المخصوص بغير المسلمين.

5 ـ تحريم بيع الخشب ممّن يعمل صنماً أو صليباً(2).

6 ـ ما ورد من لعن غارس الخمر(3) وهو يعني غارس العنب لأجل صنع الخمر الشامل لما إذا كان غارس العنب شخصاً وصانع الخمر وشاربه شخصاً آخر.

والتحقيق في المقام أنّه لو كان كل مورد من الموارد المختلفة التي ورد النّص فيها بحرمة العقد أو الأمر الذي اوجب تهيئة مقدمات الحرام للغير ممّا لا نحسّ فيه بخصوصية محتملة الدخل في هذا الحكم وإنّما كنّا نحتمل اختصاص الحكم به من باب إيماننا بتعبدية الأحكام الشرعيّة وأنّ دين الله لا يصاب بالعقول

', '

(1) راجع الوسائل 12: 126، الباب 39 من أبواب ما يكتسب به.

(2) راجع الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به.

(3) الوسائل 12: 164 ـ 166، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، و 17، الباب 34 من أبواب الأشربة المحرّمة.

', 393), (12, 394, 'book', '

أمكن القول بأنّ تعدد تلك الموارد وتكثرها قد يوجب لنا الحدس القطعي بأنّمصبّ الحكم هو مطلق العقد أو الأمر الذي وقع في طريق مقدمات الحرام وأنّه لا خصوصية لتلك الموارد في الحكم ولكن حينما يكون أكثر تلك الموارد ممّا يشتمل على خصوصية نحسّ فيه باحتمال الدخل في الحكم وفق نكات معقولة لنا فمهما كثرت تلك الموارد لا نستطيع أن نحدس من تكثّرها عمومية الحكم وعدم اختصاصه بتلك الموارد، وما نحن فيه من هذا القبيل:

فالمورد الأوّل راجع إلى الظلم المرتبط بحق الناس واحتمال خصوصية فيه بالقياس إلى حقوق الله وارد.

والمورد الثاني راجع إلى بيع السلاح من المحارب للإسلام والمسلمين وهو من أبرز أقسام الظالمين وفيه الضرر الكبير على أصل المبدأ الإسلامي واحتمال الخصوصية فيه واضح.

والمورد الثالث عبارة عن تحريم ثمن المغنّية ومن الواضح انّ الامتناع عن بيع المغنّية ممّن يستفيد من غنائها وحبسها في دائرة تمنع عن غنائها كثيراً ما يؤدّي إلى تقليل معصية الغناء في الخارج، بخلاف منع صاحب العنب عن بيع عنبه ممّن يصنعه خمراً مع وجود آخرين مستعدين للمنع فاحتمال الخصوصية وارد.

والمورد الخامس تحريم بيع الخشب ليعمل صليباً أو صنماً وهذا كما ترى أمر مهمّ يمسّ القضايا العقائدية وليس كقضية فرعيّة من قبيل تخمير العنب فاحتمال الخصوصية وارد فيه.

والمورد السادس هو مورد لعن غارس الخمر ومعناه مَن يغرس العنب بهدف التخمير فلو تعدينا منه فانّما نتعدى إلى مثل مَن يبيع العنب بهدف التخمير دون مثل مَن يبيع العنب مع العلم بالتخمير دون قصده، على أنّ هذا الحديث يدل على حرمة غرس العنب بهدف التخمير حتى بالنسبة لنفس فاعل الحرام من

', '', 394), (12, 395, 'book', '

التخمير أو الشرب وهذا يعنى خصوصية في الخمر إذ لم يعرف في سائر المحرمات عادة ثبوت حرمة خاصة وعقاب خاص على مقدماتها بالنسبة لنفس فاعل الحرام فالتعدي من مورد هذا الحديث إلى تهيئة المقدمة لأيّ حرام آخر غير صحيح.

وأمّا المورد الرابع وهو تحريم إيجار البيت لمَن يجعله محلا لبيع الخمور فان قبلنا بحرمة المقدمات في خصوص الخمر حتى على نفس الخمّار كما قد يستفاد ذلك من لعن غارس الخمر فهذا ممّا يجعلنا نحتمل الخصوصية في الخمر إذْ لم نعهد حرمة مقدمة الحرام على فاعل الحرام في سائر الموارد وإلّا فلنفترض انّه بالنسبة لهذا المورد الواحد من ضمن الموارد الستة الماضية لم نهتد إلى خصوصية نتعقّل دخلها في الحكم أفهل يكفي مورد واحد للجزم بعمومية الحكم وعدم دخل المورد الخاصّ في الحكم  ؟  !  !

على انّنا وجدنا في موارداُخرى غير مواردتلك النصوص ما نصّ على الجواز فقد ورد ما يفصّل بين بيع الخشب للصليب وبيعه للبربط بتحريم الأوّل وتحليل الثاني(1) أفلا يعني هذا التفصيل فيما بين المحرمات بلحاظ مدى اهميتها شدة وضعفا ؟ !

وقد مضى ما دلّ على جواز إيجار السفينة والدابّة ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنزير، وقد حملناه على إيجارهما من غير المسلم أفلا يعني هذا منضماً إلى رواية المنع عن إيجار البيت ممّن يبيع الخمر التفصيل بين ما يؤدّي إلى إشاعة الفساد بين المسلمين وما يعود إلى غير المسلمين باعتبار أهمية المطلب في نظر الشريعة بالنسبة للمسلمين وضرورة تطهيرهم عن الأرجاس؟! وقد ورد ما دلّ على جواز بيع الميتة والنجس ممّن يستحلّها(2) رغم أنّ هذا أيضاً مقدمة للحرام

', '

(1) الوسائل 12: 127، الباب 41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) الوسائل 12: 67 ـ 69، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به.

', 395), (12, 396, 'book', '

أفلا يعني هذا التفصيل بين بيعهما من المسلمين المحرّمين لها وبيعهما من غيرهمعلى أساس اهتمام الشريعة الإسلامية بالمسلمين المحرّمين دون غيرهم  ؟  !  ! وقد وردت نصوص صحيحة صريحة في جواز بيع العصير أو العنب أو التمر ممّن يجعله خمراً أو سكراً(1) أفلا يعني هذا عدم الإطلاق والعموميّة في تحريم تهيئة مقدمات الإثم؟! وقد ذكر السيد الإمام (رحمه الله) انّ بعض هذه الروايات يقبل التوجيه بحمله على معنى لا ينافي الحرمة التي افتى بها ولكنه اعترف بانّ باقي الروايات لا تقبل التوجيه فطرحها على أساس مخالفتها للدليل العقلي الذي آمن به والذي مضى النقاش فيه.

هذا وإن كان في مورد بيع العنب والتمر ممّن يجعله خمراً أو سكراً ما يقتضي الإرتكاز العقلائي والمتشرعي تحريمه كبيعه بقصد تحقق الحرام فإطلاق روايات الجواز منصرفة عنه، على أنّ شبهة ردعه عن الارتكاز لو تمت في الارتكاز العقلائي لا تتم في الإرتكاز المتشرعي فالارتكاز المتشرعي يصلح مقيداً لها.

بطلان العقد عند عدم مشروعيّة الباعث:

البحث الثاني ـ في بطلان العقدالذيوقع مقدمة للحرام بناء على تحريمه وعدمه.

قد حُقِقَ في علم الاُصول عدم الملازمة العقلية بين الحرمة والبطلان في العقود فلا تصل النوبة إلى البحث عن ان حرمة عنوان آخر انطبق على العقد هل تستلزم عقلا الفساد أو لا  ؟ وهل التركيب بين ذات العنوان والعقد انضماميّ أو اتحادي مثلا  ؟

$

', '

(1) الوسائل 12: 169 ـ 170، الباب 59 من أبواب ما يكتسب به.

', 396), (12, 397, 'book', '

ولكن رغم هذا قد يدل النهي التحريمي في العقود على الفساد بملازمة عرفية حيث أنّ غلبة الحال في الموالي العرفية في إبطالهم لما يمكنهم من إبطاله ممّا هو مبغوض لهم أوجبت دلالة النهي التحريمي المتعلق بعقد ما على الفساد باعتبار انّ الغالب في المبغوضيات الواصلة إلى حدّ تحريك المشرّع العرفي نحو التنصيص على تحريم عقد هو اعتباره فاسداً من قبل ذلك المشرّع، نعم هذا الاستظهار انّما يكون في النهي المتعلق بالعقد بعنوانه.

وقد ذكر السيد الإمام (رحمه الله)(1) ان المعاملة إن كانت معاطاتية فهي وإن فرضت حرمتها لمثل كونها إعانة على الحرام أو تسهيلا لتحقق الإثم لكن النهي لم يتعلق بعنوان المعاملة كي يوجب الفساد وإنّما تعلق بعنوان آخر انطبق على المعاملة الخارجية وإن كانت بالعقد اللفظي فبعد وقوع العقد يقع التزاحم بين حرمة التعاون على الإثم ووجوب تسليم المثمن فان قلنا بترجيح الثاني وجب التسليم وعوقب على الإعانة سواء قلنا ببقاء الحكم في المتزاحمين على ما هما عليه من الفعلية أو قلنا بسقوط النهي، إذ أنّ إسقاط المولى للنهي هنا إنّما هو على أساس اضطراره إلى ذلك بسوء اختيار العبد وان قلنا بترجيح الأوّل لم يجز له التسليم.

أقول: يحتمل أنّ السيد الإمام (رحمه الله) أراد أن يقول: انّ العقد إن كان معاطاتياً فهو غير باطل لانّ متعلق النهي عنوان آخر غير عنوان العقد، وإن كان لفظياً فعدم بطلانه بطريق أولى لانّ النهي تعلق بالتسليم لا بالعقد. فإن كان هو هذا مقصود السيد الإمام فبالامكان أنْ يقال في مقام توجيه حرمة العقد اللفظي بما مضى من دعوى كونه مورّطاً للعبد في مخالفة أحد المتزاحمين بسوء اختياره. ويحتمل

', '

(1) راجع المكاسب المحرمة للسيد الإمام (رحمه الله) 1: 149 ـ 150.

', 397), (12, 398, 'book', '

أنّه (رحمه الله)لم يقصد شيئاً من هذا القبيل وإنّما كان المقصود من تفصيله بين العقد المعاطاتي واللفظي في المقام مجرد بيان حال التزاحم الذي يقع في مورد العقد اللفظي دون المعاطاتي، أو بيان وجه آخر لبطلان العقد يختص بالعقد اللفظي وذلك بناء على ترجيح حرمة التسليم وهو ما ذكره (رحمه الله): من أنّه (ربّما يقال: انّ المعاوضة لدى العقلاء متقومة بإمكان التسليم والتسلم ومع تعذره شرعاً أو عقلا لا تقع المعاوضة صحيحة، وفي المقام يكون تسليم المبيع متعذراً شرعاً لعدم جوازه فرضاً وعدم جواز إلزامه عليه لا من قبل المشتري ولا الوالي ومع عدم تسليمه يجوز للمشتري عدم تسليم الثمن والمعاوضة التي هذه حالها ليست عقلائية ولا شرعية فتقع باطلة).

وأجاب (رحمه الله) عن ذلك بتعبيرين حيث أجاب عليه أولا بتعبير ثم ذكر تعبيراً آخر تحت عنوان (وإنْ شئت قلت) ممّا قد يوحي إلى انّهما تعبيران عن جواب واحد ولكن الصحيح انّهما جوابان لو أبطل أحد الأوّل منهما لم يبطل بذلك الثاني:

الجواب الأوّل ـ إنّ الشرط في صحة المعاملة إنّما هو القدرة التكوينية على التسليم والتسلم لا الشرعية، ونظّر السيد الإمام (رحمه الله) المقام بجواز ترك التسليم مع صحة البيع فيما لو كان أحد المتبايعين مديناً للآخر فحبس الدائن متاعه المبتاع لاستيفاء دينه فالبيع يكون هنا صحيحاً ولا يجوز للآخر حبس العوض فليكن ما نحن فيه من هذا القبيل.

والجواب الثاني ـ انّ البائع قادر على التسليم وغير ممتنع عنه غاية ما هناك ان تسليمه مشروط بعدول المشتري عن قصد التخمير مثلا فنكول البائع إنّما هو بتقصير من المشتري وتسبب منه وفي مثله لا يكون النكول منافياً لمقتضى المبادلة بل يجب عليه تسليم الثمن وعدم مقابلة النكول بالنكول.

$

', '', 398), (12, 399, 'book', '

أقول: إنَّ الجواب الثاني أقوى من الجواب الأوّل فقد يورد على الجوابالأوّل بأنّ الارتكاز العقلائي يرى الملازمة بين تشريع حرمة التسليم وبطلان المعاملة في تلك الشريعة والعقلاء في تشريعهم العقلائي لو حرّموا التسليم الحقوا ذلك بفرض عدم إمكانية التسليم ويكون للطرف الآخر حق عدم تسليم العوض وقياس المقام بحبس الدائن المتاع المبيع لأجل استيفاء دينه قياس مع الفارق فان الحبس بعنوان استيفاء الدين يكون بمنزلة التسليم إذ وفّى به دين المشتري الذي كان يمتنع عن وفائه وهذا بخلاف ما نحن فيه. وهذا الإيراد كما ترى لا مجال له على الجواب الثاني.

وعلى أيّة حال فقد ذكر السيد الإمام (رحمه الله) في العقد الذي يهيّئ مقدمة الإثم للعاصي محاولتين لإثبات تعلق النهي بنفس عنوان المعاملة فيثبت البطلان أحدهما عام والآخر خاص ببيع العنب والتمر ممّن يصنع خمراً(1).

أمّا الوجه العام ـ فهو التمسك بحديث تحف العقول ليس بالفقرة الواردة في مكاسب الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بل بفقرة ذكر السيد الإمام (رحمه الله) انّها ساقطة عن قلم الشيخ (قدس سره) أو لم تكن موجودة فيما كان يمتلكه من النسخة والفقرة ما يلي:

«وكذلك كل بيع (مبيع ظ) ملهوّ به وكل منهي عنه ممّا يتقرب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي (وباب من أبواب الضلالة أو باب من أبواب الباطل) أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه».

وما جعلناه في أثناء هذه العبارة بين القوسين هو الساقط من قلم الشيخ الأنصاري (رحمه الله).

$

', '

(1) راجع المكاسب المحرّمة للسيد الإمام (رحمه الله) 1: 150 ـ 151.

', 399), (12, 400, 'book', '

والمقدار الموجود في مكاسب الشيخ لا يدل على المقصود فان المبيعالملهوّ به يختص بما يكون آلة للهو ولا يشمل مثل العنب الذي يباع ممّن يصنعه خمراً وكذلك عنوان (كل منهي عنه ممّا يتقرب به لغير الله) يختص بما يحرم كل أو جلّ منافعه، ولا يشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً وكذلك عنوان (أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي) يختص بمثل بيع السلاح من المحاربين وبيع كتب الضلال ونحوهما من المعاصي التي تكون تقوية لمبدأ الكفر والشرك ولا يشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً، وعنوان (باب يوهن به الحق) يختص بما يوجب الوهن في الإسلام كبيع السلاح من المحاربين ونحوه ولا يشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً.

أمّا ما يدل في نظر السيد الإمام (رحمه الله) على المقصود فهو قوله: (أو باب من أبواب الباطل) فهذا يشمل مطلق ما جعل مقدمة لمعصية مّا سيما مع وقوعه في مقابل (باب من أبواب الضلالة أو باب يوهن به الحق) فالمقصود بباب من أبواب الضلالة ما يوجب ضلال الناس كبيع كتب الضلال بل وبيع القرطاس لطبعه ونشره والمقصود بباب يوهن به الحق ما يوجب وهن الإسلام كبيع السلاح من المحاربين وبيع العنب ممّن يجعله خمراً ويبيعه علناً في شوارع المسلمين، أو جنب المشاهد المعظّمة ونحو ذلك ممّا يوجب الوهن في الإسلام، أما مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً ويستفيد منه شخصياً مثلا فهو غير داخل في أحد هذين البابين ولكن قوله: (أو باب من أبواب الباطل) لو اُريد تخصيصه بأبواب الضلالة أو أبواب وهن الحق لكان تكراراً لإحدى الفقرتين الاُخريين، ولكن لو فسّر بمعنى مطلق أبواب المعاصي فليس تكراراً لهما ويشمل مثل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً. وعلى أيّة حال فقد ناقش السيد الإمام (رحمه الله)في هذا الوجه بضعف سند الحديث.

وأمّا الوجه الخاص بباب الخمر ـ فهو التمسك بروايات لعن غارس الخمر،

', '', 400), (12, 401, 'book', '

أي غارس العنب لأجل التخمير والطوائف الاُخرى الدخيلة في شرب الخمر، فان قبلنا دلالتها مباشرة على تحريم بيع العنب ممّن يصنعه خمراً فقد ثبت المقصود وإلّا فلا أقل من دلالته على حرمة شراء العنب بقصد التخمير، فلئن كان يحرم الغرس مثلا بقصد التخمير فكيف لا يحرم الشراء بقصد التخمير؟! وهذا التحريم يدل على الفساد وإذا فسد الشراء فسد البيع لعدم إمكان التفكيك.

أقول: إننا لو تعدينا في الحرمة من الغرس إلى مطلق ما يؤتى به كمقدمة للتخمير فهذا لا يعني توجه النهي إلى البيع أو الشراء بعنوانه كي يوجب الفساد وإنّما هو في قوة تحريم عنوان مقدمة التخمير وقد انطبق صدفة على شراء العنب أو بيعه، وهذا هو القسم الذي لا يوجب الفساد.

في ختام بحث السبب:

وبودّي أن أشير في ختام البحث إلى أمرين:

الأوّل ـ انّنا لو حرّمنا مثل بيع العنب ممّن يجعله خمراً على أساس حرمة الإعانة على الإثم ونحوها في صورة علم البايع بالحال وقلنا باستلزام هذا التحريم للفساد لم يلزم من ذلك الفساد في صورة جهله بحجة أنّ البائع لئن كان جاهلا بالحال فالمشتري لم يكن جاهلا به إذن فالشراء باطل لعلم المشتري بالحال وإذا بطل الشراء بطل البيع للتلازم بينهما في الصحة والبطلان، فهذا الكلام رغم انّه يفهم من ظاهر تقرير بحث السيد الخوئي(1) غريب لانّ الإعانة ونحوها

', '

(1) راجع مصباح الفقاهة 1: 185 فانّ التعبير في هذا التقرير أظهر في هذا المعنى الغريب من التعبير في التقرير الآخر وهو المحاضرات 1: 136 الذي لعله يمكن حمله على معنى انّ البائع لو كان عمله إعانة للمشتري على الحرام بطل الشراء أيضاً والمشتري لو كان عمله إعانة للبائع على الحرام بطل البيع أيضاً.

', 401), (12, 402, 'book', '

انّما هي في طرف بائع العنب امّا المشتري فلم يعن أحداً على الحرام، وليستتهيئة مقدمة الحرام حراماً على نفس العاصي وإنْ كانت حراماً فانّما هي حرام على غير العاصي فلا معنى لفرض بطلان الشراء بسبب علم المشتري بالحال وبالتالي بطلان البيع نعم لو استدل على حرمة الشراء وبطلانه بأحاديث حرمة غارس الخمر كان لإثبات بطلان البيع بالملازمة مجال كما فعله السيد الإمام (رحمه الله).

الثاني ـ قد يقال: كيف ينسجم ما ذكرناه من دلالة النهي عن المعاملة بعنوانها على الفساد مع ما دلّ من الأخبار على صحة بيع الخمر رغم حرمته  ؟ أفهل يعتبر هذا تخصيصاً لقاعدة فساد المعاملة المنهي عنها بعنوانها أم أنّ هذه القاعدة غير صحيحة  ؟  !

والواقع أنّ هذا الاستغراب ثابت في روايات تصحيح بيع الخمر حتى لو لم نؤمن بدلالة النهي عن المعاملة على الفساد أو لم نقل بتعلق النهي ببيع الخمر بعنوانه وذلك لانّ حرمة منافع الخمر اسقطتها عن المالية في نظر الشرع، في حين انّ الشريعة والعقلاء متفقان على فساد بيع ما لا مالية له وإن اختلفا بلحاظ النظرة التشريعية أو بعنوان التكاذب في تشخيص المصداق فإذا كانت الشريعة قد شخّصت في الخمر انّه لا مالية لها فكيف يصح بيعها؟! وكذلك الحال في الخنزير الذي حرمت منافعه ودلّت الروايات على صحة بيعه.

أمّا ما هي الروايات الدالة على تصحيح بيع الخمر والخنزير  ؟ فهي الروايات الواردة في أنّ الدائن يصح له استيفاء دينه من ثمن الخمر والخنزير الذي اكتسبه المدين من بيعهما(1) وبعضها وإن كان مختصاً بما إذا كان المدين

', '

(1) الوسائل 12: 171 ـ 172، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، و  13: 116، الباب 28 من أبواب الدين.

', 402), (12, 403, 'book', '

ذمّياً، لكن هذا لا يوجب تخصيص سائر الروايات به كما فعله الشيخ الحرّ (رحمه الله) لانّحمل المطلق على المقيد انّما يكون لدى التنافي بينهما.

وهذه الروايات تعارض ما دلّ على بطلان بيع الخمر أو الخنزير من قبيل روايات تحريم بيع الخمر(1) الدالة بالملازمة على بطلان بيعه وروايات النهي عن ثمنها(2) وفي حديث محمد بن مسلم التام سنداً: (لا يصلح ثمنه)(3) وأدلة حرمة منافع الخمر والخنزير(4) الدالة بالملازمة على بطلان بيعهما.

وذكر السيد الخوئي في مقام الجمع بين الروايات: انّنا نفصّل بين الكافر والمسلم بصحة البيع بالنسبة للكافر وفساده بالنسبة للمسلم(5)، وقد يظهر من عبارته في بحث الخمر في مصباح الفقاهة اختصاص الجواز بما إذا كان البائع والمشتري معاً كافرين، بينما يظهر من عبارته في مصباح الفقاهة في بحث الخنزير وفي المحاضرات في بحثي الخمر والخنزير كفاية كفر البائع.

وعلى أيّة حال فقد تمسّك في مصباح الفقاهة لإثبات مدعاه بقاعدة انقلاب النسبة لانّ بعض الروايات الدالة على الصحة تختص بالكافر فيقيد بها ما دلّ على البطلان وشمل بإطلاقه المسلم والكافر فيصبح بذلك اخص من مطلقات الصحة

', '

(1) راجع الوسائل 12: 164 ـ 166، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، و 17: 300 ـ 301، الباب 34 من أبواب الأشربة المحرّمة.

(2) راجع الوسائل 12: 164، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به.

(3) الوسائل 12: 164، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(4) راجع الوسائل 16: 309 ـ 312 و 320 ـ 322، الباب 1 و  3 من أبواب الأطعمة المحرّمة و  17: 221 ـ 223، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة.

(5) راجع المحاضرات 1: 47 ـ 49، ومصباح الفقاهة 1: 81 ـ 88.

', 403), (12, 404, 'book', '

وتقيّد به، وهذا الوجه مبنيّ على مبناه من القول بانقلاب النسبة.

وذكر في المحاضرات زائداً على هذا الوجه وجهين آخرين:

أحدهما ـ دعوى انصراف أدلّة الصحة الواردة في جواز استيفاء الدائن دينه ممّن اكتسب الثمن ببيع الخمر والخنزير إلى الكافر باعتبار عدم تعارف بيع الخمر والخنزير علناً من قبل المسلمين وقتئذ، إذن فهي أخص من أدلة البطلان وبالتخصيص يثبت المطلوب.

وثانيهما ـ إنّ بعض أدلة البطلان يختص بالمسلم فلا بد من تخصيص أدلة الصحة بغير المسلم.

أقول: إنّ أثر هذه الوجوه الثلاثة في كفاية كفر البائع او اشتراط كفر المشتري أيضاً في صحة البيع مختلف:

فلو كان الوجه في التفصيل بين المسلم والكافر هو الوجه الأوّل وهو مبنى انقلاب النسبة لو قلنا به. فالنتيجة هي كفاية كفر البائع وذلك لانّ روايات الصحة المخصوصة بالكافر والتي بها تقلب النسبة وإن كان بعضها مخصوصاً بفرض كفر البائع والمشتري معاً من قبيل حديث علي بن جعفر التام سنداً عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن هل يحل له ثمنه بعد الإسلام  ؟ قال: إنّما له الثمن فلا باس ان يأخذه(1) وحديث عمار بن موسى التام سنداً عن أبي عبد الله (عليه السلام)سئل عن رجلين نصرانيين باع أحدهما من صاحبه خمراً أو خنازير ثم أسلما قبل أن يقبضا الدراهم هل تحلّ له الدراهم  ؟ قال: لا بأس(2) ولكن بعضها الآخر لم

', '

(1) الوسائل 12: 172، الباب 61 من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل 17: 301، الباب 34 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 3.

', 404), (12, 405, 'book', '

يؤخذ فيه عدا قيد كفر البائع من قبيل ما عن منصور بسند تام قال: قلت لأبيعبد الله (عليه السلام): لي على رجل ذمّي دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر فيحلّ لي أخذها  ؟ فقال: إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك(1) ومن الواضح انّه إذا كان لدينا مخصصان متوافقان أحدهما أوسع من الآخر فلا بد من الأخذ بأوسع المخصصين وهو في المقام ما لم يشتمل إلا على قيد كفر البائع.

أمّا الوجه الثاني وهو دعوى الانصراف فهو يقتضي تخصيص الحكم بالصحة بما إذا كانا معاً كافرين لأنّه كما لم يكن من المتعارف وقتئذ بيع الخمر أو الخنزير من قبل المسلم علناً كذلك لم يكن من المتعارف وقتئذ شراء المسلم لهما علناً، إذن فجميع تلك الروايات منصرفة إلى فرض كفر البائع والمشتري معاً.

ولا يرد على دعوى الانصراف: ان الانصراف الناتج من كثرة الوجود الخارجي انصراف بدويّ فانّ هذا الإشكال انّما يكون لدى دعوى انصراف كلمة إلى قسم من مصاديق معناه مما يكثر وجوده خارجاً كما لو ادّعى انصراف كلمة (رجل) إلى الرجل الشجاع لفرض كون غالب الرجال في البلد شجعاناً مثلا، أمّا إذا اكتنفت كلمة بقيد لا يكون غالباً إلّا مع صنف من أصناف مفاد تلك الكلمة فلا بأس بدعوى الانصراف في ذلك فمثلا لو قال: اكرم رجلا يرمي وكان الرميُ عادةً لا يصدر إلّا من الرجل الشجاع فلا بأس بدعوى الانصراف إلى الرجل الشجاع وما نحن فيه من هذا القبيل فانّ كلمة الرجل (لا) تنصرف في ذاتها إلى الكافر ولكن اكتنافها بقيد البيع الذي لا يصدر عادة علناً إلّا من الكافر جعلها تنصرف إلى الكافر.

$

', '

(1) الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

', 405), (12, 406, 'book', '

وأمّا الوجه الثالث وهو اختصاص بعض روايات البطلان بالمسلم مما يوجب تخصيص أدلة الصحة بغير المسلم فتلك الروايات بعضها أخذ فيها قيد إسلام البائع فقط كروايتي الباب 57 ممّا يكتسب به من المجلد الثاني عشر من الوسائل ولكنهما ضعيفتان سنداً وأمّا التامّ منها سنداً فقد ورد في فرض إسلامهما معاً وهو ما مضى من حديث على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) سالته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى اجل فاسلما قبل أن يقبضا الثمن هل يحل له ثمنه بعد الإسلام  ؟ قال: انّما له الثمن فلا بأس أن يأخذه. فهذا يدل بالمفهوم الجزئي على عدم الجواز لو كانت العملية واقعة بعد الإسلام والقدر المتيقن من عدم الجواز هو فرض إسلامهما معاً، إذن فنتيجة هذا الوجه لو كان وحده كفاية كفر أحدهما في صحة البيع.

ولكن بما أنّ الظاهر صحة دعوى الانصراف فالنتيجة اختصاص الصحة بالمقدار المستفاد من هذه الروايات بفرض كفرهما معاً، إلّا انّه لا يبعد القول بكفاية كفر المشتري في صحة البيع منه على أساس قاعدة الزامهم بما التزموا به هذا في الخنزير، وكذلك في الخمر لو لم نقل بحرمة بيعه حتى من الكافر تمسكاً بإطلاق روايات لعن بائع الخمر فبناء على ضعف تلك الروايات وعدم ثبوت استفاضتها يتجه جواز بيع الخمر من الكافر سنخ ما ورد من جواز بيع الميتة أو النجس ممّن يستحلّه(1).

وعلى أيّة حال فالاستغراب الذي أشرنا إليه في صحة بيع الخمر والخنزير رغم حرمة بيع الخمر بناء على حرمته ورغم سقوطهما عن المالية شرعاً قد انحلّ

', '

(1) راجع الوسائل 12: 67 ـ 68، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به.

', 406), (12, 407, 'book', '

بما انتهى إليه الكلام من كون هذا الحكم مختصاً ببيع الكافر أو بالبيع من الكافر فانّ تصحيح معاملات الكافر وفق مذهبه حتى لو كانت محرمة يعاقب عليها، أو تصحيح المعاملة مع الكافر وفق مفاد قاعدة الإلزام ليس غريباً، وتصحيح هذه المعاملات يؤثر في تسهيل الاُمور على المسلمين في استفادتهم من أموال الكفار فروايات الباب تكون من سنخ الروايات الواردة في جواز أخذ الجزية من الذمّي من ثمن خمرهم وخنزيرهم وميتتهم(1) بناء على دلالتها على صحة بيعهم لتلك الاُمور. هذا. وقد يخطر بالبال عدم صلاحية روايات الباب لتقييد أدلة بطلان بيع الخمر والخنزير بمعنى تخصيصها بالمسلم وذلك بأحد تقريبين:

الأوّل ـ ان دليل الحرمة التكليفية للبيع أو للانتفاع بالخمر والخنزير لا يختص مفاده بالمسلمين بناء على ما هو الحق من كون الكفار مكلفين بالفروع وقد افترضنا الملازمة العرفية بينهما وبين بطلان البيع، فإذا ثبت الانفكاك بينهما في بيع الكافر فالعرف لا يستظهر بعد ذلك من دليل تلك الحرمة الملازمة مع البطلان في بيع المسلم وهذا معناه سقوط هذه الدلالة الالتزامية تماماً.

وهذه الشبهة انّما ترد لو قلنا بانّ الدلالات الضمنية تكون في حجيتها أيضاً ضمنية وليست انحلالية قابلة للتفكيك وانّ حجّية العام في ما عدا مورد التخصيص ليست لأجل انحلالية حجية الدلالات الضمنية بل لأجل وجود ظهور آخر طولي في أقرب المجازات يؤخذ به عند سقوط الظهور الأوّل وهو الظهور في العموم، أمّا في المقام فبعد ان سقط جزء من هذه الدلالة الالتزامية فقد سقط كلها إذ ان العرف لا يعترف بالملازمة بالنسبة للمسلم بعد سقوطها بالنسبة للكافر.

$

', '

(1) راجع الوسائل 11: 117 ـ 118، الباب 70 من أبواب جهاد العدو.

', 407), (12, 408, 'book', '

وهذا الكلام قد اتضح جوابه ممّا سبق فان كون الملازمة العرفية بالنسبة للمسلم أقوى منها بالنسبة للكافر معقول في المقام وذلك لمعقولية تنفيذ المعاملات الشخصية للكفّار الذين لا يؤمنون بشريعة ما من قبل تلك الشريعة ولو لأجل تسهيل اُمور المؤمنين بتلك الشريعة، أو لقاعدة الإلزام رغم عدم تنفيذها حينما تقع فيما بين المؤمنين بتلك الشريعة، إذن فالظهور الطولي في البطلان بالنسبة للمسلم بعد سقوط حجية الظهور في البطلان على الإطلاق ثابت في المقام.

الثاني ـ ان يقال: انّ التفكيك بين حرمة البيع وبطلانه بان يحرم ويصح وأن كان متعقلا في نظر العرف والعقلاء ولكن التفكيك بين حرمة الانتفاعات وبطلان البيع بان يكون الخمر أو الخنزير ساقطاً عن المالية شرعاً ومع ذلك يصح بيعه من الكافر غير متعقل في نظرهم فدليل صحة بيعهما بالنسبة للكافر يعارض أصل دليل حرمة منافع الخمر والخنزير بعد عدم احتمال حليتها للكفار بان يصبح الكفر موجباً لتسهيل الأمر عليه وبما ان حرمة منافعهما من الواضحات فهذه الروايات ساقطة في المقام.

والجواب: أولا ـ ان صحة بيعهما من الكفار ولو تسهيلا لاُمور المسلمين أمر يتعقلهُ العرف كما مضى.

وثانياً ـ هناك حديث مصرّح بالتفصيل بين الحرمة على الكافر وحلّ الثمن للدائن المسلم وهو قوله في حديث محمد بن مسلم: «أمّا للمقتضي فحلال وأمّا للبائع فحرام»(1) فهذا لا يسقط بالتعارض مع أدلّة الحرمة بل جميع أدلّة الجواز في المقام بعد ضمها إلى الارتكاز المتشرعي الذي لا يشك في حرمة منافعهما

', '

(1) الوسائل 12: 171، الباب 60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

', 408), (12, 409, 'book', '

الأساسية من الأكل والشرب هي ادلة التفصيل بين حرمة المنافع الأساسية وحلية ثمنه للدائن المسلم فلو كان هذا يعني صحة البيع فكونه خلاف الملازمة العرفية لا يمنع من قبوله تعبداً.

على أنّنا لو سلّمنا عدم تقبّل العرف للتفكيك بين حرمة عمدة المنافع وبطلان البيع كان هذا موجباً لسقوط ظهور هذه الروايات في صحة البيع وحملها على مجرّد تحليل من قِبَل الشارع للمسلم الدائن ان يستوفي ديَنه من هذا المال.

وعلى أيّة حال فقد اتضح بما ذكرناه ان ما فعله الغربيون من جعل السبب ركنا من أركان العقد لا أساس له عندنا وانما نقول: بطلان المعاملة عند حرمة دواعيها في مورد خاص حينما يدل عليه دليل خاص دلّ على حرمة بيع الخشب ممّن يصنعه صنماً أو صليباً، أو بيع السلاح من المحارب للإسلام والمسلمين ولا نقول بذلك على شكل قاعدة عامّة ولنعد الآن إلى بحث الأركان الأربعة التي عددناها للعقود وهي:

الإرادة، وإبرازها، والمتعاقدان، والمحلّ. فنقول:

$

', '', 409), (12, 410, 'book', '

$

', '', 410), (12, 411, 'book', '

2أركان العقود وشرائطها

الإرادة

إرادة العقد في المرحلة التمهيديّة

المقارنة بين انعدام الإرادة ووجودها المعيب

شرائط صحّة الإرادة

$

', '', 411), (12, 412, 'book', '

الركن الأوّل: الإرادة، ونعقد في ذلك أبحاثاً ثلاثة:

البحث الأوّل: فيما فرض في الفقه الوضعي حالةً وسطيةً بين إرادة العقد النهائي ونفي الإرادة المحض.

والبحث الثاني: في المقارنة بين انعدام الإرادة وقيامها على أساس الغلط.

والبحث الثالث: في شرائط صحّة الإرادة.

$

', '', 412), (12, 413, 'book', '

إرادة العقد في المرحلة التمهيديّة

أمّا البحث الأوّل ـ فقد جاء في الفقه الوضعي ذكر حالة وسطية بين إرادة العقد النهائي ونفي الإرادة المحض تلك هي مرحلة تمهيدية تؤدي ـ  على وجه محقق أو غير محقق  ـ إلى المرحلة النهائية، ولعل أبرز الصور لهذه المرحلة التمهيدية: الوعد بالتعاقد، والاتفاق الابتدائي، والعربون:

الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي:

أمّا الوعد بالتعاقد والاتفاق الابتدائي فقد مثّل لهما في الوسيط بما يلي:

«يتوقع شخص حاجته في المستقبل إلى أرض بجوار مصنعه أو منزله أو هو الآن في حاجة إليها ولكن لا يستطيع شراءها فوراً فيكفي بالتعاقد مع صاحب هذه الأرض على أن يتعهد هذا ببيع الأرض له إذا أبدى رغبته في الشراء في مدة معينة فيتقيد صاحب الأرض بالعقد دون أن يتقيد به الطرف الآخر.

يقوم المستأجر بإصلاحات هامّة في العين المؤجرة ويحصل قبل قيامه بهذه الإصلاحات من المالك على وعد بيع العين له إذا رغب شراءها في خلال مدة الإيجار حتى ينتفع بهذه الإصلاحات انتفاعاً كاملا.

يعد المالك مَن تسلم الشيء بشرط مذاقه أن يبيعه إياه إذا هو أعلن رغبته

', '', 413), (12, 414, 'book', '

في الشراء في مدة معينة وهذا ما يسمّى ببيع المذاق.

يؤجر المالك العين ويشترط على المستأجر أن يشتريها إذا هو أبدى رغبته في البيع في خلال مدة الإيجار وهذا هو الوعد بالشراء يقابل الوعد بالبيع في الصور المتقدمة.

يفتح مصرف حساباً جارياً لعميل قبل أن يقرضه شيئاً فيكون هذا وعداً من المصرف بالإقراض عندما يريد العميل أن يقترض.

ويلاحظ في كل هذه الصور ـ  الوعد بالبيع والوعد بالشراء والوعد بالإقراض  ـ انّ العقد ملزم لجانب واحد هو الواعد أمّا الموعود له فلم يلتزم بشيء.

على أنّ هناك صوراً اُخرى للوعد بالتعاقد يكون فيها ملزماً للجانبين:

يريد شخصان التعاقد ولكنهما لا يستطيعان ذلك فوراً يمنعهما من ذلك مثلا إجراءات لا بد منها في إبرام العقد النهائي كاستخراج مستندات ضرورية أو الحصول على إذن من المحكمة الشرعية أو المحكمة الحسبية أو نحو ذلك، أو يمنعهما ضرورة الكشف عن العقار لتبيّن ما عسى أن يثقله من الحقوق العينية، أو يمنعهما ان هناك مصروفات كثيرة يقتضيها إبرام العقد النهائي وشهره وهما لا يستطيعان الاضطلاع بها في الحال. هذه بعض أمثلة من الموانع التي تحول دون إبرام العقد النهائي فوراً ولكن المتعاقدين قد قرّر قرارهما على إبرام العقد ويريدان التقيد به منذ الآن فيمضيان اتفاقاً ابتدائياً يعد كل منهما فيه الآخر بان يمضي العقد النهائي في مدّة تعيّن في الاتفاق وهذا الاتفاق الابتدائي وهو وعد بالتعاقد لكنه وعد ملزم للجانبين»(1).

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 266 ـ 267، الفقرة 132.

', 414), (12, 415, 'book', '

واثر عدم تمامية العقد النهائي: انّ الواعد يبقى مالكاً للشيء فله أن يتصرّف فيه ويستفيد منه إلى وقت التعاقد النهائي، كما أنّه إذا هلك الشيء قضاء وقدراً تحمل الواعد تبعة هلاكه لا لأنّه لم يسلّمه إلى المتعاقد الآخر فحسب كما في العقد النهائي بل أيضاً لأنّه لا يزال المالك ولكن لا يكون مسؤولا عن الضمان نحو الموعود له إذ المفروض انّ الشيء قد هلك قضاء وقدراً(1).

ومقتضى مقاييس الفقه الإسلامي ان يقال: إذا كان الوعد بالعقد شرطاً ضمن عقد كما هو الحال في المثال الرابع فلا ينبغي الإشكال في وجوب الوفاء به.

وأمّا إذا لم يكن كذلك ولكن كان التزاماً في مقابل الالتزام كما في الاتفاق الابتدائي لو كان التزام كل منهما بالعقد في مقابل التزام الآخر به وكما لو التزم المستأجر بإصلاحات هامّة في العين المؤجرة في مقابل التزام المؤجر ببيع العين إيّاه لو أبدى المستأجر رغبته في ذلك خلال عقد الإيجار فأيضاً لا ينبغي الإشكال في وجوب الوفاء بذلك فانّنا لو لم نقل انّ هذا شرط داخل تحت دليل وجوب الوفاء بالشرط فلا أقل من كونه عهداً وعقداً يجب الوفاء بهما إذ حتى لو قلنا بانّ العقد عبارة عن التزامين متقابلين ولا يكفي مجرد قرار مرتبط بقرار ما لم يوجد التزامان فهذا أمر متوفّر في المقام، وأمّا ان لم يكن كذلك فالظاهر انّه يجب الوفاء به أيضاً، لأنّه حتى لو لم نقبل بكونه شرطاً فهو عقد لانّ العقد هو القرار المرتبط بقرار وهذا ثابت في المقام غاية الأمر انّه عقد على العقد على الشيء وليس عقداً على ذاك الشيء الخارجي مباشرة فهذا داخل في عموم دليل وجوب الوفاء بالعقد وكذلك في عموم قوله تعالى: ﴿اُوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا﴾(2).

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 274، الفقرة 138.

(2) الإسراء: 34.

', 415), (12, 416, 'book', '

نعم لو كان الوعد بالتعاقد وعداً ابتدائياً بحتاً لا يستبطن أي عهد أو قرارمرتبط بقرار لم يجب الوفاء به.

هذا وقد ورد في الفقرة الثانية من المادة (101) من القانون المدني الجديد المصري: «إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معيّن فهذا الشكل تجب مراعاته أيضاً في الاتفاق الذي يتضمّن الوعد بإبرام هذا العقد»(1) والعهد الشكلي عندهم كالهبة والرهن الرسمي والشركة، وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي لذاك القانون: أن إغفال هذا الاحتياط يعين على الإفلات من قيود الشكل الذي يفرضه القانون ما دام ان الوعد قد يؤدّي إلى اتمام التعاقد المراد عقده فيما إذا حكم القضاء بذلك باعتباره وليّاً للممتنع وبذلك يتاح لهما ان يصلا بطريق غير مباشر إلى عدم مراعاة قيود الشكل، ومع ذلك لا يعني هذا سقوط الوعد بإبرام عقد رسمي أو شكلي عن الأثر القانوني نهائياً إذا لم يستوف ركن الرسمية أو الشكلية فهذا قد ينتهي إلى قيام دعوى بالتعويض عمّـا وقعت من خسارة أو سقوط أجل القرض الذي يراد ترتيب الرهن لضمان الوفاء به.

وذكر أبو عافية: ان هذا الكلام انّما يناسب ما إذا كان شرط الشكلية لصالح أحد المتعاقدين فيقال: ان الوعد الابتدائي لو نفذ من دون تقيد بالشكل لانتفت مصلحة المتعاقد التي لوحظت في التقيد بالشكل أما إذا قلنا: ان شرط الشكل انّما هو لصالح المجتمع كي يواجهوا عقداً مثبَّتاً ويسهل إثباته أو نفيه وتستقر الاُمور لا لصالح المتعاقدين فايّ عيب في افتراض ان الوعد الابتدائي بالعقد الشكلي يحتّم على الواعد الوفاء به ولو لم يف به نفّذه الحاكم الوليّ للممتنع بإجراء العقد الشكلي

', '

(1) راجع الوسيط 1: 270 ـ 271، الفقرة 135 وماتحت الخط.

', 416), (12, 417, 'book', '

وإجراء كفيل بتحقيق المصلحة الاجتماعية الملحوظة للمشرّع حينما شرع قيد الشكل  !  !

أقول: مقتضى أدلّة فقهنا الإسلامي التي أشرنا إليها هو وجوب الوفاء بالوعد بالتعاقد دون دليل على تقيد ذلك باستيفاء شروط الشكل المفروضة في العقد النهائي.

ولئن لم نعترف في فقهنا بعقود شكلية في العقود المالية فقد اعترف الفقهاء رضوان الله عليهم بعقود عينية كالهبة والقرض ورهن الحيازة، فالأثر الفقهي لبحثنا يظهر في هذه العقود إذ لو قبلنا بالنكتة المشروحة في المذكرة الإيضاحية للقانون المصري الموجبة لإسراء شرط الشكل إلى الوعد بالتعاقد لجرت تلك النكتة في شرط القبض أيضاً في العقود العينية، والقبض فيها يعني تنفيذها وهذا يعني إلغاء الوعد بالتعاقد في العقود العينية نهائياً إذ لو نفذّت لتعدينا الوعد بالتعاقد إلى العقد النهائي ولو لم تنفّذ لم يصح الوعد بالتعاقد.

وأمّا ان شروط الانعقاد أو الصحة في العقد الموعود به هل تراعى في الوعد بالعقد أو لا  ؟ فقد ذكر في الوسيط:

أ ـ ان الوعد إذا كان ملزماً للجانبين فشروط الأهلية المطلوب للجانبين شرط في الجانبين.

ب ـ وإذا كان ملزماً لجانب واحد قدّرت الأهلية بالنسبة للواعد وقت الوعد حتى لو فقدت حين العقد النهائي فلا يضرّ الحجر مثلا بعد الوعد وقبل انتهاء العقد النهائي.

ج ـ وعيوب الإرادة بالنسبة للواعد تقدر وقت الوعد دون وقت العقد النهائي، إذ لا يصدر منه رضا وقت العقد النهائي بل يرغم عليه لو لم يرض بذلك.

$

', '', 417), (12, 418, 'book', '

د ـ أما أهلية الموعود له فتقدر وقت العقد النهائي لا وقت الوعد إذ لا يلتزم بشيء وقت الوعد وانّما التزامه يكون في وقت العقد النهائي، فلا نشترط فيه أهلية الالتزام وقت الوعد، نعم يجب أن تتوفر فيه أهلية التعاقد وهي التمييز وقت الوعد لأنّه عقد وهو أحد طرفيه.

هـ  ـ أمّا عيوب الإرادة بالنسبة للموعود له فتقدّر له وقت الوعد ووقت التعاقد النهائي معاً لصدور الرضا منه في كلا الوقتين.

و ـ وسواء كان الوعد ملزماً لجانب واحد أو للجانبين فانّ مشروعية المحل والسبب يكفي توافرها وقت التعاقد النهائي(1).

أقول: انّ البند الثاني فيه إشكال من وجهة نظرنا في الفقه لانّ مثل الحجر في وقت العقد النهائي يكشف عن ان الوعد وقع على متعلق لم يكن مشروعاً في ظرفه، وان شئت فعبّر بأنّ الوعد عقد محلّه العقد النهائي، وشرط الأهلية في العقد النهائي يعتبر شرطاً للمحلّ بالنسبة للوعد لا بد من توفّره في وقت المحل.

العربون وأنواعه:

وأمّا العربون فيفسّر عادة بأحد تفسيرين:

1 ـ أن يكون مبلغاً من الثمن يدفع إلى البائع أو الموجر مثلا كي يكون لكل واحد من المتعاملين حق التراجع على ان يخسر مقداره أيّ من المتعاملين الذي سيتراجع عمّـا بنوا عليه من المعاملة.

2 ـ أن يكون دفعه شروعاً في تنفيذ المعاملة فهو مجرّد أداء الجزء من الثمن تأكيداً للعقد والبت فيه.

$

', '

(1) الوسيط 1: 272 ـ 273، الفقرة 136.

', 418), (12, 419, 'book', '

وقد وقع الخلاف(1) في أقسام الفقه الوضعي في بيان ما هو الأصل فيتفسير العربون  ؟ والذي يحمل عليه ما لم يثبت الخلاف هل هو التفسير الأوّل أو الثاني  ؟ أو يؤخذ في كل زمان ومكان بما هو المتعارف في ذلك بين الناس  ؟

ومقتضى فقهنا الإسلامي بعد تسليم أصل فكرة العربون هو تفسير الكلام أو العمل الواقع بين المتعاقدين على ما تعارف عليه الناس في كل زمان ومكان ما لم يثبت الخلاف أو لم تدل القرائن المكتنفة على الخلاف لانّ المتعارف بين الناس يولد الظهور وهو حجّة.

وعلى أيّة حال فلا إشكال عندنا في العربون إن كان مجرّد أداء لجزء من الثمن شروعاً في تنفيذ العقد من دون أن يخسر أحدهما المبلغ لدى التراجع.

وإنّما الكلام في ما إذا وضع العربون كي يخسر مبلغه كل واحد منهما لدى تراجعه عن المعاملة وهذا قد يفرض جزءً من الثمن يخسره المشتري لو تراجع عن الشراء ويرجعه ومثله معه البائع لو تراجع عن البيع، وقد يفرض عدم كونه جزءً من الثمن بل قد يكون قبل تمامية العقد ويقصد به أيضاً خسارة كل منهما للمبلغ لدى التراجع عن المعاملة.

فرضيّة كون العربون جزءً من الثمن:

فإن فرض جزءً من الثمن دلّت على حرمته صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ثوباً ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه ثم ردّه على صاحبه فأبى أن يقبله (يقيله ـ خ) إلّا بوضيعة قال: لا يصلح له ان يأخذه بوضيعة فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد(2)

', '

(1) راجع الوسيط 1: 276 ـ 281، الفقرة 140 ـ 142.

(2) الوسائل 12: 392، الباب 17 من أبواب أحكام العقود.

', 419), (12, 420, 'book', '

وفي نقل الصدوق (رحمه الله) للحديث حذفت جملة «ولم يشترط على صاحبه شيئاًفكرهه» وكأن المقصود بالشرط هو شرط الخيار يعني انّه لم يكن له شرط الخيار كي يضطر البائع إلى الخضوع لرغبة المشتري في الفسخ ولذا أبى قبول ذلك إلّا بوضيعة، وعلى ايّة حال فان حرمت الوضيعة من دون شرط كان شرط العربون شرطاً مخالفاً للسنة، فان معنى مخالفة الشرط للسنة كونه متعلقاً بشيء كان في ذاته ولو لا الشرط خلاف السنة ومحرّماً، وبعدم احتمال الفرق ولو عرفاً نتعدّى من فرض اقتطاع البائع لجزء من الثمن لدى إقالته للمشتري إلى فرض اقتطاع المشتري لجزء من المبيع لدى إقالته للبائع.

فرضية عدم كون العربون جزءً من الثمن:

وإن لم يفرض العربون جزءً من الثمن دلّت على حرمته رواية وهب بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجوز بيع العربون إلّا أن يكون نقداً من الثمن(1) بل هذا الحديث يدل على تحريم العربون بالمعنى الذي يوجب خسارة أحد الطرفين وان فرض أولا جزء من الثمن فان حمله على تحريم هذا التخسير في خصوص ما إذا لم يفرض جزء من الثمن بعيد لدى النظر إلى المناسبات العقلائية فكأن المقصود من قوله: (لا يجوز بيع العربون إلّا أن يكون نقداً من الثمن) هو ان العربون لا يجوز أن يحسب شيئاً عدا ان يحسب جزء من الثمن، أما أن يأخذه البائع لدى رجوع المشتري فهذا باطل لأنّه بعد الفسخ لم يعد جزءً من الثمن وإن كان أولا جزءً منه إلّا ان سند الحديث ضعيف بوهب.

$

', '

(1) الوسائل 12: 405، الباب 28 من أبواب أحكام العقود.

', 420), (12, 421, 'book', '

وبالإمكان إثبات حرمة العربون الذي يخسره أحد الطرفين وإن لم يفرض جزء من الثمن بنفس صحيحة الحلبي الماضية الواردة في فرضه جزءً من الثمن وذلك بناء على ان لا يحمل الحديث على مجرد معنى انّه لو أقاله البيع وجب عليه إرجاع كل الثمن فعدم رجوع كل المبلغ رغم إقالة العقد ان لم يكن مستحيلا عقلا فهو باطل عرفاً وشرعاً بل يحمل على بيان منهج اقتصادي في الإسلام من دون خصوصية لفرض الإقالة مع عدم إرجاع كل الثمن فكل ما ينتج نفس هذه النتيجة فهو حرام فلو وافق على الإقالة بشرط ان يهبه ما يساوي جزء من الثمن وذلك بان يرجع إليه كل المبلغ ثم يأخذ جزء منه بعنوان الهبة المشترطة كان حراماً أيضاً وكذلك لو لم يوافق على الإقالة ولكنه وافق على ان يشتري منه العين بسعر أقل ممّا باعه عليه كان حراماً أيضاً لانّ النتيجة الاقتصادية لكل هذه الوجوه واحدة، نعم لو اتفق البيع الجديد من دون علاقة له في روحه بموضوع الإقالة كما لو صمّم المشتري بعد فترة على بيع ما اشتراه لا على أساس تندمه على الشراء وصادف ان اشتراه البائع الأوّل منه بسعر أقل لم يكن بذلك بأس.

أمّا الوجه في حمل هذا الحديث على هذا المعنى فهو أحد أمرين:

الأوّل ـ ان الحكم الذي يرد في مورد توجد له في أذهان العقلاء جذور عقلائية يكون حمله على التعبد البحت خلاف الظاهر بل ينصرف إلى تلك النكتة العقلائية، والنكتة العقلائية المتصورة في المقام هي استغلال الحالة الاضطرارية للفاسخ وأكل مبلغ من المال منه على هذا الأساس، ولا فرق في ذلك بين الإقالة بوضيعة أو الإقالة بشرط هبة جزء من الثمن، أو الشراء الجديد منه بسعر أقلّ وهذه هي نكتة التعدي من دليل حرمة الربا إلى تحريم الحيل الربوية في القرض، وهذا بخلاف تحريم الربا المعاملي، حيث لم تعرف نكتة عقلائية لتحريم مقابلة مقدار

', '', 421), (12, 422, 'book', '

من المكيل من جنس معيّن من القسم الجيّد بأزيد منه من القسم الرديء فلا تأتي هذه النكتة للتعدي إلى الحيلة.

والثاني ـ انّ الحكم الذي يرد في مورد وتوجد هناك حيلة توصلنا إلى نفس النتيجة المطلوبة عادة في تمام الموارد وبلا استثناء لا في بعض الموارد يكون من المترقب ان تلك الحيلة لو كانت جائزة لنبّه عليها الشارع كي لا يتورط الناس في المعصية إذ يصبح بإمكانهم الوصول إلى هدفهم عن الطريق الحلال كما نبّه في الروايات في الربا المعاملي على جواز الحيلة وعدم التنبيه على ذلك يكون ظاهراً في عدم جواز الحيلة. وهذا أيضاً وجه للتعدي من دليل حرمة الربا القرضي إلى خصوص الحيل التي تأتي في تمام الموارد أو غالبها وما نحن فيه من هذا القبيل فان الاحتيال بالبيع الجديد أو شرط الهبة ممكن دائماً. هذا كله لو قرأنا النص في صحيحة الحلبي بتعبير: (فأبى أن يقيله إلّا بوضيعة) أمّا لو قرأناه (فأبى أن يقبله إلّا بوضيعة) فقد تدّعى تمامية الإطلاق اللفظي لتحريم هذه الحيلة بلا حاجة إلى البيان الذي شرحناه، لانّ الشراء الجديد بسعر منخفض أيضاً قبول بوضيعة.

إلّا أنّ الظاهر انّ الوجه الأوّل لا يتم في المقام وذلك لانّ النكتة العقلائية لا تنحصر في المقام بما مضى من استغلال الحالة الاضطرارية للفاسخ فلعل النكتة العقلائية في تحريم الإقالة بوضيعة هي انّ الإقالة فسخ للعقد والمفروض عرفاً وعقلائياً عند انفساخ العقد رجوع كل المبلغ، حتى انّه قيل انّ هذا عقليّ وهذه النكتة لا تأتي في شرط الهبة أو البيع الجديد بسعر أرخص، وهناك نكتة ثالثة متشرعية وهي الاقتراب من ربا الصرف حيث يكون الفسخ مع استرجاع جزء من الثمن بمنزلة حذف العين المبيعة من الوسط والمبادلة بين نقدين مختلفين في المبلغ نظير ما ورد في بعض الروايات من النهي عن بيع ما اشترى سلفا قبل تسلّمه

', '', 422), (12, 423, 'book', '

على نفس البائع بسعر أقل(1) وورد في بعضها التعليل برجوعه إلى الربا(2) هذا تمام الكلام في الوجه الأوّل.

وأمّا الوجه الثاني ـ وهو انّ عدم ذكر الحيلة التي يمكن إعمالها في تمام الموارد دليل على حرمته، فان قصد بذلك ان عدم ذكرها حتى في حديث آخر منفصل عن حديث تحريم الإقالة بوضيعة دليل على ذلك، باعتبار انّه لو جازت هذه الحيلة لكان المترقب الإشارة من الشريعة إلى جوازها انقاذاً للناس من الحرام، وإرشاداً لهم إلى طريق محلّل للوصول إلى هدفهم سواء كانت الإشارة متصلة بالكلام أو في حديث منفصل، ولو كان هذا لوصلنا ولو في رواية ضعيفة السند لانّ المسألة عامّة الابتلاء ولم يصلنا في المقام.

فالجواب: ان مثل هذا قد وصلنا في المقام ضمن روايات ضعيفة وضمن روايات تامّة سنداً كلها دلّت على جواز بيع المبيع مرة اُخرى من بائعه بسعر أقلّ مما اشتراه به منه. فهناك روايات ضعيفة السند وردت في جواز إرجـاع العين المسلّم فيها قبل قبضها إلى بائعها بسعر أقلّ(3)، ولو تمّت سنداً أوجبت حمل النواهي التي أشرنا إليها عن ذلك على الكراهة. وهناك روايات كثيرة منها تامّة سنداً وفيها ما هي ضعيفة سنداً وردت في جواز بيع العينة، وهو بيع العين الشخصيّة

', '

(1) من قبيل ما في الوسائل 13: 68، 70، 72، 73، الباب 11 من أبواب السلم، الحديث 1، 9، 14، 16.

(2) من قبيل ما في الوسائل 13: 71 ـ 72، الباب 11 من أبواب السلم، الحديث 12 و  13 و  15.

(3) من قبيل ما في الوسائل 13: 69، 70، 71، الباب 11 من أبواب السلم، الحديث 5، 8، 11.

', 423), (12, 424, 'book', '

بسعر نسيئة ثمّ شراؤه منهبسعر أرخص نقداً تزويداً للمشتري بعين من النقد مع الربح عليه(1)، وفي بعضها ما يدلّ على تقيّد الجواز بما إذا لم يشترط البيع الثاني في ضمن البيع الأوّل، من قبيل ما في كتاب عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى رجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحلّ  ؟ قال إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس(2) وتخصيص هذه الروايات بمورده من كون الثمن في البيع الأوّل مؤجّلا بعيد فان المترقب هو أن يزيد تأجيله في الإشكال بملاحظة اقترابه من الربا القرضي لا ان يخفّف الإشكال، ولعله انّما فرض السائل قيد الأجل كي يعرف حال هذا الإشكال وقد حلّه الإمام (عليه السلام)بفرض عدم الشرط.

وهذه الروايات الواردة في تحليل بيع العينة توجب حمل ما ورد من النهي عنه على الكراهة وهو ما عن عبد الصمد بن بشير قال سأله محمد بن القاسم الحنّاط فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل فأجيء وقد تغيّر الطعام من سعره فيقول ليس عندي دراهم  ؟ قال: خذ منه بسعر يومه قال: افهم أصلحك الله إنّه طعامي الذي اشتراه منّي قال لا تأخذ منه حتى يبيعه ويعطيك قال أرغم الله أنفي رخّص لي فرددت عليه فتشدّد عليّ(3).

$

', '

(1) من قبيل ما في الوسائل 12: 392، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 23 و  24، وذكرهما أيضاً في 13: 75، الباب 12 من السلف، الحديث 6 و  7، وراجع الوسائل 12: 370 ـ 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 3 فصاعداً، وأكثر أحاديث الباب 6 منها الصفحة 371 ـ 373.

(2) الوسائل 12: 371، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6.

(3) الوسائل 13: 75، الباب 12 من أبواب السلف، الحديث 5.

', 424), (12, 425, 'book', '

ولا يقال: إنّ النهي الوضعي لا يمكن حمله على الكراهة. فإنّه يقال: ان هذا إنّما يكون في الحكم الوضعي الذي بيّن بصياغة اُخرى غير النهي، أمّا النهي فبعد ان يحمل على التنزيه تبطل دلالته على البطلان الوضعي.

هذا إن لم نفهم من هذا الحديث ابتداءً الكراهة ولم نقل ـ  على الأقل  ـ بالإجمال.

والخلاصة ان هذا الحديث ان كان دالّاً على التحريم فهو محمول على الكراهة وكذلك حديث خالد بن الحجاج(1) غير التام سنداً وذلك بقرينة سائر الأخبار من قبيل ما عن بشار بن سيار قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيع منه  ؟ قال: نعم لا بأس به فقلت له اشتري متاعي  ؟ فقال ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك(2).

هذا كله إذا كان المقصود من الوجه الثاني أنّ ترك ذكر الحيلة حتى منفصلا دليل على تحريمها.

أمّا إذا كان المقصود أنّ ترك ذكرها متصلا دليل التحريم باعتبار انّنا نترقّب من الشارع عند تحريمه لشيء مع وجود حيلة محلَّلة توصل إلى نفس الهدف دائماً هو بيان تلك الحيلة متصلا فمن الواضح ان هذه الدلالة ليست بأفضل من دلالة إطلاقية تتقدم عليها أحاديث تجويز العينة.

ومنه يظهر الحال فيما لو قرأنا صحيحة الحلبي بتعبير «أبى أن يقبله إلّا بوضيعة» فدلّت بالإطلاق اللفظي على المنع عن البيع الجديد بوضيعة، فان هذا

', '

(1) الوسائل 13: 74، الباب 12 من أبواب السلف، الحديث 3.

(2) الوسائل 12: 370، الباب 5 من أبواب أحكام العقود، الحديث 3.

', 425), (12, 426, 'book', '

الإطلاق يقيّد بروايات العينة، نعم لو لا إمكانية التقييد لم يمكن الجمع بينها وبين روايات العينة بوجه آخر وهو حمل الصحيحة على الكراهة فان ذيل الحديث واضح في الحكم الوضعي حيث يقول:

«فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد».

حرمة الإقالة بوضيعة:

ثم انّ حرمة الإقالة بوضيعة كما يمكن إثباتها بصحيحة الحلبي كذلك يمكن إثباتها بوجهين آخرين:

الوجه الأوّل ـ التمسك بقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أمـوالكم بينكم بالبـاطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾(1) بناء على انّ حمل الآية على الاستثناء المتصل بان يكون المعنى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بكل سبب فانه باطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض أقرب من حملها على الانقطاع الذي هو خلاف الطبع والذوق العرفي، فالآية تدل على تحريم أكـل المـال بكـل سبب غير التجـارة عن تراض والتجارة عبارة عن مبادلة مال بمال فلا تشمل الهبة ونحـوها من انحاء التبرعات، نعم خرج من الآية ما يكون بروح التبرّع بمقيد ارتكازي كالمتصل لوضوح ان التبرّع يعتبر إحساناً لا باطلا فخـروج انحـاء التبـرع من الآية لا يشكّل تخصيصاً للأكثر لان خروجها تخصصيّ، إذن فمفاد الآية ـ  والله العـالم  ـ ان أكل المال حينما لا يكون على أسـاس روح التبـرع والإحسـان يجـب أن يكون في مقـابل مـال آخـر من عمل أو حقّ أو عين ونحو ذلك وإلّا لكان أكلا للمال بالباطل، وأكل المال بالإقالة لا يعتبر أكلا للمال بالباطل لان

', '

(1) النساء: 29.

', 426), (12, 427, 'book', '

الإقالة(1) وان لم تعتبر عقلائياً مبادلة جديدة ولا تكون تجارة ولكنها بمنزلة الرجوع إلى الأكل بالسبب الأوّل الذي كان قبل العقد، لان الإقالة فسخ للعقد ولكن أكل جزء من المال تحت عنوان الإقالة بوضيعة أكل للمال بالباطل، إذ السبب الأوّل لم يكن يشمله، ولم تتم مبادلة بينه وبين مال حتى يدخل في التجارة عن تراض، ولم يكن الأمر بروح التبرع والإحسان حتى يكون خارجاً من مورد الآية تخصصاً.

لا يقال: ان هذا الجزء من المال يأخذه في مقابل الإقالة فانها عمل ذو مالية.

فانّه يقال: انّ الإقالة والفسخ تعتبر قيمتهما عقلائياً مندكّة في قيمة العين المقالة والمفسوخة ولا تعتبر لهما قيمة مستقلّة(2).

$

', '

(1) لا يخفى انّ الإقالة تختلف عن البيع الجديد في انّ البيع الجديد يشتمل على عنوان التمليك والتملك بإيجاب وقبول ولكن الإقالة عبارة عن إبراز الرضا بان يفسخ الطرف المقابل العقد وليست هي ولا مع الفسخ إيجاباً وقبولا بمعنى إنشائين كما هو الحال في البيع، ولكن مع هذا لا ينبغي الإشكال في انّ الفسخ والإقالة يستبطنان في روحهما تبادلا جديداً ولو بغير لسان الإيجاب والقبول وبغير لسان التمليك والتملّك ولا يرجعان بالدقة إلى فسخ العقد حقاً فان العقد في غير العقود الراجعة إلى توافق يستمرّ فترة زمنية كما في استئجار الشخص للعمل فترة من الزمن توافق آنيّ فالبيع ليس عدا توافق آنيّ لا معنى لفسخه لانّ الشيء لا ينقلب عما وقع عليه بل لعل الحال كذلك في مثل عقد الاستئجار لانّ التوافق على كل الفترة الزمنيّة يتم في آن واحد ولذا لو رجع أحدهما بلا حق ومن دون موافقة الآخر كان العقد باقياً يجب الوفاء به، ولكن رغم هذا نقول: انّ الإقالة ليست عرفاً تبادلا جديداً بل هي في نظر العرف تعتبر حلاًّ للعقد ولذا لا تكون داخلة تحت عنوان التجارة.

(2) هذا الكلام لا يخلو من إشكال.

', 427), (12, 428, 'book', '

لا يقال: انّه لو جعل في ضمن البيع لأحدهما أو لكليهما حق الخيار بشرط التنازل عن مبلغ من المال فهذا المال يكون في مقابل حق الخيار الذي له مالية وليس أكلا للمال بالباطل.

فإنّه يقال: ان جعل مال في مقابل جعل الخيار صحيح لا إشكال فيه لكن هذا لا ينتج التنازل عن مبلغ من المال لدى التراجع عن البيع الذي هو محل الكلام وانّما ينتج التنازل عن مبلغ من المال في مقابل ان يكون له حق الخيار سواء أعمله بالتراجع والفسخ أو لم يعمله.

وهذا النمط من الاستدلال يمتاز عن الاستدلال بصحيحة الحلبي في أمرين:

الأوّل ـ انّه لو لم نقبل التعدي من مورد صحيحة الحلبي بناء على قراءة «فأبى أن يقيله إلّا بوضيعة» إلى الإقالة بشرط هبة جزء من الثمن، أو هبة مبلغ اجنبيّ عن الثمن بدعوى انّ الإقالة بوضيعة تعني رجوع العين كاملة مع عدم رجوع الثمن كاملا فهذا هو المنهيّ عنه دون شرط هبة مبلغ من المال، فالتمسك بهذه الآية كفيل بتحريم ذلك فانّ هبة هذا المبلغ من المال ليست بروح التبرع والإحسان كما هو واضح فهذا أكل للمال بالباطل إذ لا يوجد في مقابله مال آخر.

والثاني ـ انّه لو لم نقبل التعدي من مورد صحيحة الحلبي، وهو إقالة البائع للمشتري بوضيعة في الثمن إلى العكس وهو إقالة المشتري للبائع بزيادة في الثمن أو بوضيعة في المثمن، فالآية كفيلة بتحريم كل ذلك لأنّه أكل للمال بالباطل.

الوجه الثاني ـ أن يقال: انّ الثمن الذي يأخذه البائع في مقابل الإقالة إمّا هو بروح تدارك خسارة تجميد ماله، إذ لو كان يعلم انّ المشتري سيفسخ المعاملة لكان يبيع العين من مشتر آخر فقد خسر التجارة خلال هذه الفترة إلى الفترة المستمرة من زمن البيع إلى زمن الفسخ، فهو في الحقيقة يأخذ شيئاً من الثمن في

', '', 428), (12, 429, 'book', '

مقابل هذه الفترة الزمنية، أو بروح استغلال الحالة الاضطرارية للمشتري واستفادة مبلغ من المال لا في مقابل شيء، والأوّل مردوع بأدلّة حرمة الربا بناء على التعدي من موردها إلى ما فيه هذه الروح واستفادة قاعدة اقتصادية عامة منها وهي إسقاط قيمة الزمن أو قيمة تجميد المال في فترة زمنية، والثاني مردوع بالروايات المانعة عن أكل المال لا في مقابل شيء كروايات تحريم المقامرة(1)وروايات تحريم بيع السمك في الآجام(2) أو الحليب في الضرع(3) أو الآبق(4) أو ما في البطون(5) من دون ضميمة وذلك بناء على عدم الاقتصار على موارد هذه الروايات واستفادة روح عامّة منها وهي المنع عن أكل المال لا في مقابل شيء، فبضم مجموع هذه الروايات إلى دليل حرمة الربا نستفيد نفس المعنى الذي استفدناه من آية حرمة أكل المال بالباطل، وهو انّ المال المأخوذ لا بروح التبرع يجب أن يكون في مقابل مال آخر بتراض وإلّا كان أكلا للمال بالباطل، فهذا الوجه أيضاً كالوجه الأوّل يمتاز عن صحيحة الحلبي بالامتيازين اللذين شرحناهما وقد يقال بالنسبة لروايات حرمة القمار: ان من المحتمل أن تكون نكتة الحرمة هي الجهالة وهي غير موجودة في الإقالة بوضيعة.

إلّا أنّ هذا البيان لا يأتي في روايات بيع السمك في الآجام ونحوها لانّ الضميمة لم ترفع الجهالة ومع ذلك صححت البيع إلّا ان يفترض ان منشأ الحرمة

', '

(1) راجع الوسائل 12: 119 ـ 121، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به.

(2) راجع الوسائل 12: 263 ـ 267، الباب 12 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(3) راجع الوسائل 12: 259، الباب 8 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(4) راجع الوسائل 12: 262 ـ 263، الباب 11 من أبواب عقد البيع وشروطه.

(5) راجع الوسائل 12: 261 ـ 262، الباب 10 من أبواب عقد البيع وشروطه.

', 429), (12, 430, 'book', '

هي الجهالة التامة التي ترتفع بالضميمة.

فلو شكّكنا في هذا الوجه بإبداء احتمال كون منشأ الحرمة هو الجهالة، أو إبداء لزوم الاقتصار على مورد الروايات وشكّكنا في الوجه الأوّل بعدم قبول الاستظهار الذي استظهرناه من الآية أمكن حل الإشكال بالجمع بين الوجهين ضمن روايات تحريم القمار التي استشهد فيها بآية حرمة أكل المال بالباطل(1)فيعرف بذلك المقصود من الآية ومن الروايات: وهو ان أكل المال لا في مقابل مال أكل بالباطل، إلّا أنّ هذه الروايات ضعيفة سنداً والصحيح منها غير مشتمل على الاستشهاد بالآية.

نعم بالإمكان تأييد الاستدلال بأحاديث المقامرة بحديث محمد بن مسلم التام سنداً عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا تصح المقامرة ولا النهبة(2) بدعوى ان عطف النهبة على المقامرة يعطي للكلام ظهوراً في أنّ النظر في تحريم المقامرة إلى كونها كالنهبة أكلا للمال من دون مقابل.

وبعد فان هذين الوجهين انّما يدلان على حرمة الإقالة بوضيعة ولا يدلان على حرمة البيع الجديد بسعر أقلّ فان البيع الجديد بسعر أقل تجارة عن تراض وليس أكلا للمال بالباطل وقد عرفت دلالة الروايات أيضاً على جواز ذلك فهل يمكن ـ  بناء على هذا  ـ الاتخاذ من فكرة البيع الجديد حيلة لتحليل نتيجة العربون الذي يخسره كل من يتراجع عن البيع وذلك بان يشترط ضمن البيع الأوّل قبول أحد الطرفين أو لكل منهما إذا أراد صاحبه ببيع العين على البائع الأوّل بسعر أقل

', '

(1) الوسائل 12: 119 و  121، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و  8 و  9 و  14.

(2) الوسائل 12: 120، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

', 430), (12, 431, 'book', '

أو أكثر  ؟ أي أن التراجع لو كان من المشتري فعلى البائع أن يقبل ابتياع العين ولو بسعر أقل، ولو كان من البائع فعلى المشتري أن يبيع العين من البائع ولو بسعر أكثر  ! الظاهر أنّ هذا غير جائز وذلك للروايات التي تنهى عن إيجاب بيع جديد للعين قبل تمامية شرائها، وهي وإن وردت في البيع من شخص ثالث دون البيع من الشخص الأوّل لكن مع فرض عدم احتمال الفرق أوالتعدي العرفي يثبت المطلوب.

وتلك الروايات بعضها ظاهر في المنع عن بيع العين قبل شرائها(1) وهذا اجنبيّ عمّـا نحن فيه إذ المفروض في ما نحن فيه أن البيع الثاني انّما يتحقق بعد تمامية البيع الأوّل لا قبله، وبعضها قد يكون مجملا من قبيل حديث: «لا توجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها»(2) حيث يحتمل أن يكون المقصود من مواجبة البيع إيجاد البيع فيخرج عمّـا نحن فيه أيضاً، ولكن جملة من تلك الروايات مطلقة تشمل بإطلاقها إلزام المشتري الجديد بالشراء قبل تمامية البيع الأوّل، ولو لم يكن هذا الإلزام عبارة عن إيقاع البيع بالفعل، وذلك من قبيل ما عن معاوية بن عمّـار قال قلت لأبي عبد الله  (عليه السلام)يجيئني الرجل يطلب منّي بيع الحرير وليس عندي منه شيء فيقاولني عليه وأقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شيء ثم اذهب فاشتري له الحرير فادعوه إليه  ! فقال أرأيت إن وجد بيعاً هو أحبّ إليه ممّا عندك أيستطيع أن ينصرف إليه ويدعك، أو وجدت أنت ذلك أتستطيع أن تنصرف إليه وتدعه  ؟ قلت نعم قال فلا بأس(3) ونحوها غيرها(4).

$

', '

(1) من قبيل ما في الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 6 و  8.

(2) الوسائل 12: 378، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 13.

(3) الوسائل 12: 377، الباب 8 من أبواب أحكام العقود، الحديث 7.

(4) راجع المصدر السابق: الحديث 4 و  9 و  11 و  12 و  14.

', 431), (12, 432, 'book', '

اذن فالنتيجة هي أنّ شرط خسارة العربون غير جائز حتى إذا كان على شكل شرط بيع جديد، نعم لو اتفقا صدفة بعد البيع الأوّل على إرجاع العين إلى البائع ببيع جديد بثمن أقلّ أو أكثر برضاهما ومن دون كون أحدهما مجبوراً على القبول على أساس شرط سابق كان هذا جائزاً.

وختاماً نلخص بطلان شرط خسارة العربون بمقتضى القواعد العامّة بالشكل الذي بحثناه حتى الآن كالتالي:

إنّ شرط خسارة العربون يفسّر بأحد تفاسير ثلاثة وكلّها باطل:

الأوّل ـ شرط عدم رجوع هذا الجزء من الثمن إلى المشتري بالإقالة فتكون الإقالة مؤثرة في رجوع المثمن إلى بايعه وجزء من الثمن إلى المشتري.

وهذا غير صحيح لأنّ رجوع تمام الثمن بالفسخ أمر قهريّ عقلائياً.

والثاني ـ شرط تمليك مقدار العربون للبائع أو شرط دخوله في ملكه.

وهذا يرد عليه انّ هذا الأمر لا هو داخل في التجارة عن تراض إذ ليس تجارة ولا هو عطاء بروح التبرّع لأنّ المشتري لدى إرادة الفسخ لا يطيب عادة نفساً بذلك فشرطه شرط لما يخالف الكتاب.

والثالث ـ شرط بيع المشتري للمثمن لدى ندمه على المعاملة الاُولى بسعر أرخص من السعر الأوّل على البايع.

وهذا مخالف لروايات النهي عن ايجاب البيع الجديد قبل تمامية البيع الأوّل.

دعوى استلزام العربون للغرر:

وهناك وجه آخر لتحريم شرط العربون الذي يخسره أحدهما وهو التمسك بكون ذلك موجباً للغرر وقد نقل هذا الدكتور السنهوري(1) عن بعض علماء السنّة

', '

(1) راجع مصادر الحق 2: 91 ـ 96.

', 432), (12, 433, 'book', '

وفهم هو من كلماتهم انّ المقصود كون عدم اشتمال الخيار لمدة معيّنة موجباً للغررولهذا عالج السنهوري نفسه الإشكال باشتراط مدة معيّنة للخيار تعيّن منذ البدء بينهما.

أقول: وقد يقصد بالغرر في المقام تعليق الخيار على أمر مجهول التحقق وهو بذل مريد الفسخ لمبلغ العربون. ولكن هذا أيضاً غير صحيح لأنّ هذا تعليق على أمر داخل تحت قدرة الفاسخ ومجهولية تحققه ليست باشدّ حالا من مجهولية تحقّق نفس الفسخ من الفاسخ. على انّ حديث الغرر في رأينا ضعيف السند فهو وارد في سنن البيهقي(1) ووارد أيضاً في كتبنا الروائية بأسانيد غير تامة(2).

هذا مضافاً إلى ان كون الغرر بمعنى مطلق الجهالة غير معلوم فمن المحتمل قوياً كونه بمعنى الخداع، أو يشمل الجهالة الفاحشة القريبة من الخداع، أما في المقام فتعليق الخيار على دفع مبلغ من المال ينفع المفسوخ عليه العقد لا انّه يوجب خداعه أو غرره.

روايات مبطليّة الجهالة:

وبهذه المناسبة لا بأس بالإشارة إلى ان لدينا روايات اُخرى قد يفترض حلولها محل حديث الغرر في بيان مبطليّة الجهالة من قبيل:

1 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ما كان من طعام سمّيت فيه كيلا

', '

(1) سنن البيهقي 5: 338.

(2) راجع الوسائل 12: 330، الباب 40 من أبواب آداب التجارة، الحديث 3، والمستدرك 2: 470، الباب 31 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1، والصفحة 461، الباب 7 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث الوحيد في الباب.

', 433), (12, 434, 'book', '

فلا يصلح بيعه مجازفة وهذا ممّا يكره من بيع الطعام(1) ونحوه غيره(2).

إلّا انّ الظاهر انّ هذه الروايات اجنبية عن المقام وان المقصود منها النهي عن بيع الطعام باسم كيل معيّن جزافاً ومن دون كيل لا النهي عن مطلق بيع صبرة جزافاً.

2 ـ ما عن محمد بن حمران قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اشترينا طعاماً فزعم صاحبه انّه كاله فصدّقناه وأخذناه بكيله فقال لا بأس، فقلت: أيجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل  ؟ قال لا أما أنت فلا تبعه حتى تكيله(3) فقد يقال ان هذا النهي مطلق يشمل مثل بيع الصبرة جزافاً. إلّا انّ الصحيح انّ هذا الحديث أيضاً اجنبيّ عن ذلك فان المستفاد من كلمة (كما اشتريته) هو كون المقصود الاعتماد في البيع الثاني على كيل البائع الأوّل لا البيع بدون كيل، فالممنوع في هذا الحديث انّما هو هذا الاعتماد فمفاد الحديث هو انّك من حقك ان تعتمد على كيل صاحبك الذي تشتري منه ولكن لا تبعه باسم ذلك الكيل من دون أن تكيله.

3 ـ ما عن سماعة قال سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن  ؟ فقال امّا ان تأتي رجلا في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة فلا بأس ان اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشتري الأوّل قد أخذه بكيل أو وزن وقلت له عند البيع انّي اربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس(4) فقد يقال ان مقتضى إطلاق مفهوم الحديث المنع عن شراء

', '

(1) الوسائل 12: 254، الباب 4 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.

(2) راجع المصدر السابق: الحديث 2 و  3.

(3) الوسائل 12: 256، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4.

(4) الوسائل 12: 257، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 7.

', 434), (12, 435, 'book', '

صبرة بغير كيل إذ لا بد من الكيل ولو من قبل المشتري الأوّل.

ولكن الظاهر أنّ ذكر المرابحة في الحديث قرينة، أو صالحة للقرينية على كونه اجنبياً عن المقام، فذكر المرابحة في الحديث يعني أحد أمرين: فامّا ان المقصود ذكر المرابحة في مقابل البيع المستقل تماماً عن البيع الأوّل وهذا يعني انّ البيع الجديد لو كان مستقلا تماماً عن البيع الأوّل ففي الاعتماد على الكيل نوع حزازة (وإن ثبت جوازه بمثل الحديث السابق) امّا لو كان مرابحة فلا بأس بذلك، وهذا يعني ان هذا الحديث أيضاً لا ينظر إلى مثل بيع الصبرة جزافاً وانّما ينظر إلى مدى إمكانية الاعتماد على الكيل في البيع السابق لمن أراد أن يبيع كيلا.

وإمّا أنّ المقصود ذكر المرابحة في مقابل التولية، بمعنى إبراز أخفى الإفراد في جواز الاعتماد على الكيل السابق، أي انّك ان اشتريته مرابحة جاز لكما الاعتماد على الكيل السابق فضلا عن بيع التولية الذي يحل المشتري الجديد فيه محلّ المشتري الأوّل فكأنّه لا يوجد إلّا بيع واحد، فمفاد هذا الحديث هو مفاد الحديث السابق من جواز الاعتماد في البيع الجديد على كيل المشتري الأوّل ولا علاقة له بالمقام، وهذا الاحتمال في الحديث أقوى من الاحتمال الأوّل.

4 ـ ما عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله انّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الطعام أشتريه منه بكيله وأصدّقه  ؟

فقال، لا بأس ولكن لا تبعه حتى تكيله(1)، الظاهر انّه أيضاً اجنبيّ عن المقام وناظر إلى مسألة الاعتماد على الكيل السابق لمن يبيع كيلا لا صبرة وجزافاً.

$

', '

(1) الوسائل 12: 257، الباب 5 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8.

', 435), (12, 436, 'book', '

5 ـ ما عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يصلح للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر(1). فقد يقال: إنّ الحديث يشمل بإطلاقه ما إذا كان الصاع الجديد مجهول المقدار لدى المشتري وما إذا كان المشتري يتخيل تساويه للصاع المألوف فالثاني يشتمل على الخداع والأوّل يشتمل على بيع مجهول المقدار فكلاهما منهي عنه ومحل الكلام هو بيع مجهول المقدار وهذا في واقعه إطلاق بملاك حذف المتعلق، إذ بعد العلم بانّه لا إشكال في البيع بصاع جديد مع معرفة نسبته إلى الصاع المعروف يكون المتعلق المحذوف هو فرض الجهالة أو فرض الخداع وحذف المتعلق يقتضي الإطلاق لهما معاً أو يقال ان الإطلاق في المقام لا علاقة له بحذف المتعلق وذلك لانّ فرض معرفة نسبة الصاع الجديد إلى الصاع المألوف يرجع في واقعه إلى الكيل بالصاع المعروف، فكل كيل بصاع جديد غير مألوف يكون منهياً عنه بهذا الحديث.

ولكن لا يبعد ظهور الحديث في إرادة فرض الخداع أو إجماله على الأقل، وذلك لأنّ الاعتماد على الصاع الجديد مع فرض الجهالة لا نكتة فيه فلم لا يتعاملان على صبرة جزافاً بلا صاع جديد؟! وانّما نكتة الصاع الجديد هي مخادعة المشتري ويؤيد هذا التفسير وروده في حديث آخر لمحمد الحلبي ولعله في واقعه نفس الحديث الأوّل عن أبي عبد الله (عليه السلام) لا يحل لأحد ان يبيع بصاع سوى صاع المصر فان الرجل يستأجر الحمّال فيكيل له بمدّ في بيته لعله يكون أصغر من مدّ السوق، ولو قال هذا أصغر من مدّ السوق لم يأخذ به، ولكنه يحمله

', '

(1) الوسائل 12: 258، الباب 6 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2، والصفحة 280، الباب 26 منها، الحديث 1.

', 436), (12, 437, 'book', '

ذلك ويجعله في أمانته وقال لا يصلح إلّا مدّ واحد والأمنان بهذهِ المنزلة(1) إلّا انّ هذا الحديث ضعيف بإرسال في سنده.

6 ـ ما عن عبد الأعلى بن أعين قال نبّئت عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه كره شراء ما لم تره(2).

7 ـ ما عن محمد بن سنان قال نبّئت عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه كره بيعين:

اطرح وخذ على غير تقلّب، وشراء ما لم تر(3) وهما إضافة إلى سقوطهما سنداً لا يدلان على أكثر من الكراهة.

8 ـ ما عن محمد بن العيص قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ما يذاق يذوقه قبل أن يشتري ؟ قال نعم فليذقه ولا يذوقنّ ما لا يشتري(4) فقد يقال: ان الأمر بالذوق دليل على حرمة بيع المجهول، ولكن الحديث إضافة إلى ضعف سنده ظاهرفي الأمرفي مقام توهّم الحظرخصوصاً مع قوله: ولايذوقنّ مالا يشتري.

9 ـ روايات ضعيفة السند نهت عن جعل الثمن ديناراً غير درهم لانه لا يدري كم الدينار من الدرهم(5) وأكثرها مشتملة على (كلمة الكراهة)، وحديث واحد منها مشتمل على كلمة فاسد معللا بقوله: (فلعل الدينار يصير بدرهم) وهذا يعني الاحتراز عن فقدان الثمن نهائياً، وعلى أيّة حال فالظاهر انّ الروايات ناظرة إلى فرض النسيئة كما ورد التصريح بذلك في بعضها إذ مع عدم النسيئة لا حاجة

', '

(1) الوسائل 12: 280، الباب 26 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

(2) الوسائل 12: 279، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

(3) الوسائل 12: 279 ـ 280، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3.

(4) الوسائل 12: 279، الباب 25 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1.

(5) الوسائل 12: 398 ـ 399، الباب 23 من أبواب أحكام العقود.

', 437), (12, 438, 'book', '

إلى جعل الثمن ديناراً غير درهم بل الأمر الطبيعي عندئذ جعل الدرهم جزءً من المثمن ولا يبقى عندئذ أي إشكال، فإذا كانت الروايات ناظرة إلى فرض النسيئة فمفادها انّ قيمة الدرهم بالقياس إلى الدينار وكذا العكس بما انّها كانت غير ثابتة لا يكون تعيّن واقعي لمبلغ الثمن وهذا كما ترى اجنبيّ عن المقام.

10 ـ وهناك روايات تمنع عن بيع الطعام المشترى قبل أن يكال(1) ناظرة إلى ما اشتراه على شكل الكلّي في المعيّن ثم باعه قبل أن يُميّز بالكيل فهذا من سنخ المنع عن البيع قبل القبض ولا علاقة له بالمقام، وقد ورد أيضاً ما يجوّز ذلك(2) بأسانيد غير تامّة، وورد بسند تام التفصيل بين المكيل وغيره، ففي الأوّل لا بد من القبض دون الثاني(3) وورد أيضاً بسند تام التفصيل في الطعام بين بيع التولية والبيع مع الربح فلا بد من القبض في الثاني دون الأوّل(4) وبحث ذلك موكول إلى محله.

وقد يخطر بالبال إثبات صحة مثل بيع الصبرة جزافاً بما عن جميل عن زرارة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى تبن بيدر قبل ان يداس تبن كل بيدر بشيء معلوم يأخذ التبن ويبيعه قبل أن يكال الطعام  ؟ قال: لا بأس. هكذا ورد في التهذيب(5) ولكن ورد في الكافي بدلا عن «تبن كل بيدر» قوله: «تبن

', '

(1) الوسائل 12: 388 ـ 390، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 5 و 11 و 13 و 14 و 17.

(2) الوسائل 12: 388، 391، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 3 و  6 و  19.

(3) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 10.

(4) الوسائل 12: 389، الباب 16 من أبواب أحكام العقود، الحديث 9.

(5) التهذيب 7: 125، الحديث 547.

', 438), (12, 439, 'book', '

كل كرّ»(1) ورواه الصدوق بإسناده عن جميل انّه سأل أبا عبد الله وجاء فيه «تبن كل بيدر»(2) وكذلك ما رواه الصدوق بإسناده عن جميل عن زرارة انّه سأل أبا جعفر (عليه السلام)(3) والتبن ما قطّع من سنابل الزرع كالبُرّ ونحوه والبيدر الموضع الذي يجمع فيه الحصيد، والظاهر ان الحديث اجنبيّ عن المقام وذلك بقرينة قوله: (يبيعه قبل ان يكال الطعام) فهذا يعني ان الشراء الأوّل كان مقدّراً بالكيل إلّا انه لم يتم بعدُ الكيل والقبض، فالسؤال إذن راجع إلى البيع قبل الكيل والقبض وهذا يعني ان نسخة الكافي وهي قوله «تبن كل كرّ بشيء معلوم» اصحّ من نسخة «تبن كل بيدر» وإن كان هذا التضارب في النسخ اختص بحديث زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)، أمّا حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)وحديث جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام)فلم يرد فيهما إلّا «تبن كل بيدر» وممّا يشهد كون التعبير الأصح هو ما في الكافي انّه لم تفرض في صدر الحديث شراء عدة بيادر حتى يقال: «تبن كل بيدر بشيء معلوم».

نعم لا بأس بالاستدلال على عدم اشتراط معلومية المقدار بمثل روايات بيع السمك في الآجام واللبن في الضرع بضميمة بعد فرض إلغاء خصوصية المورد، كما لا بأس بالتمسك بالإطلاقات.

هذا تمام كلامنا في البحث الأوّل من أبحاثنا في الإرادة.

$

', '

(1) الكافي 5: 180، الحديث 8.

(2) من لا يحضره الفقيه 3: 210، الحديث 3784.

(3) من لا يحضره الفقيه 3: 226، الحديث 3835.

', 439), (12, 440, 'book', '

$

', '', 440), (12, 441, 'book', '

المقارنة بين فقدان الإرادة ووجودها المعيب

وأمّا البحث الثاني ـ وهو في المقارنة بين انعدام الإرادة وقيامها على أساس الغلط:

تقسيم البحث في الفقه الغربي والفقه الإسلامي:

فقد جاء في الفقه الغربي(1) أنّ الإرادة قد تصاب بالانعدام كما إذا اختلف القبول عن الإيجاب، فما ذكره الموجب لا توجد وفقه إرادة من القابل وما قبله القابل لا توجد وفقه إرادة من الموجب، وقد تصاب بالعيب فهي موجودة ولكنّها معيبة، كما هو الحال فيما إذا اتفق الإيجاب والقبول على عنوان واحد ولكن وقع في التطبيق غلط واشتباه، كما لو باع أحدهما سيّارة وقبلها القابل بتخيّل كونها ذات مواصفات خاصّة ثم تبيّن خلاف ذلك. وجزاء فقدان الإرادة هو بطلان العقد، أمّا جزاء كون الإرادة معيبة فهو خيار الفسخ أو قابلية العقد للإبطال.

وهذا المصطلح ـ أعني مصطلح أنّ الإرادة قد تكون معدومة فيبطل العقد

', '

(1) راجع: الوسيط 1: 232 ـ 235، الفقرة 111، والصفحة 311 ـ 331، الفقرة 162 ـ 174، ومصادر الحق 2: 48 و  98 ـ 104.

', 441), (12, 442, 'book', '

واُخرى معيبة فيثبت الخيار ـ غير وارد في فقهنا الإسلامي، وسوف يتضح في ثنايا البحث أنّ كون الإرادة معيبة بمعنى كونها مبنيّة على الغلط ليس هو بعنوانه ما يقتضي الخيار في فقهنا الإسلامي، وان الخيار الثابت في موارد من الغلط انّما يثبت بنكات اُخرى، وعلى أيّة حال فالفقه الغربي جعل الغلط سبباً لكون الإرادة معيبة، وعدم تطابق الإيجاب والقبول سبباً لفقدان الإرادة، وقد بحث فقهاؤنا الإسلاميون ـ  رضوان الله عليهم  ـ مسألة تطابق الإيجاب والقبول ضمن شرائط الإيجاب والقبول ومسألة الغلط الذي يوجب الخيار ضمن البحث عن خيار الرؤية وخيار تخلف الوصف وضمن البحث عن أحكام الشرط، وفي المقارنة بين مسألة فقدان الإرادة ومسألة الغلط يبدو هنا فرق بين الفقه الغربي والفقه الإسلامي، ففي الفقه الغربي توجد مساحتان للبحث:

أوّلاً ـ مساحة التطابق بين الإيجاب والقبول حيث يذكر انّهما لو لم يتطابقا بطل العقد لفقدان الإرادة.

ثانياً ـ مساحة وقوع الغلط والاشتباه في انطباق العنوان المقصود بعد تطابق الإيجاب والقبول تطابقاً كاملاً، وقالوا انّ جزاء ذلك قابلية العقد للإبطال.

أمّا في الفقه الإسلامي فالمساحة الاُولى موجودة ومبحوث عنها وقد افتوا ببطلان العقد لدى عدم تطابق الإيجاب والقبول من دون فرق في ذلك بين ما إذا كان الإيجاب والقبول واقعين على جزئي خارجي كما لو أوجب البائع بيع سيّارة معينة وقبل المشتري السيّارة الاُخرى، أو كانا واقعين على الكليّ كما لو باع أحدهما عبداً متصفاً بالكتابة وقبِل المشتري عبداً غير كاتب.

وأمّا المساحة الثانية وهي مساحة الغلط في التطبيق فقد قسّمت في فقهنا الإسلامي إلى مساحتين.

$

', '', 442), (12, 443, 'book', '

وطبعاً المقصود بمساحة الغلط في التطبيق هو الاشتباه في تشخيص المصداق مع فرض تطابق الإيجاب والقبول على مصداق جزئي كما لو باعه عبداً معينا بقيد الكتابة وقبله الآخر ثم تبين انّه غير كاتب، أمّا لو تطابق الإيجاب والقبول على عنوان كلّي ووقع الاشتباه في التطبيق لدى التسليم كما لو باعه عبداً كاتباً وقبِل المشتري ثم طبّقاه لدى التسليم تطبيقاً خطأً على عبد غير كاتب فهذا لا علاقة له بعيوب الإرادة ولا يوجب الخيار ولا البطلان إذ لم يكن هذا الفرد هو متعلق العقد فغاية الأمر لزوم تبديل هذا الفرد بفرد آخر واجد للمواصفات المطلوبة، أمّا إذا كان المبيع كليّاً في المعين بقيد وصف فرض تواجده في كل مصاديقه ثم تبين عدم وجوده في شيء من تلك المصاديق فهذا حاله حال بيع الجزئي.

وبالإمكان تصوير العيب في الإرادة الموجب للخيار لو صحّ التعبير في فرض كليّة متعلق العقد فيما إذا فرض القيد شرطاً في ضمن العقد لا محصّصاً لذاك الكليّ ثم انكشف عدم القدرة على تحقيق الشرط أو فساد الشرط شرعاً أمّا إذا كان محصصاً للكليّ ثم انكشف عدم القدرة على تحصيل فرد واجد لذاك القيد دخل ذلك في العجز عن تطبيق الكليّ المبيع على مصداق خارجي يقدر على تسليمه وأوجب ذلك الخيار، كما انّه لو قدر على ذلك وامتنع عنه دخل تحت الامتناع عن التسليم الموجب للخيار، ولو امتنع عن تحقيق الشرط أوجب ذلك أيضاً الخيار على أساس تخلف الشرط.

وعلى أيّة حال فمساحة الغلط في التطبيق لدى وقوع العقد على مصداق جزئي قد قسّمت لدى فقهائنا الأبرار ـ  رضوان الله عليهم  ـ إلى مساحتين لأنّ الغلط قد يكون جوهرياً وقد مثّل له الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بانّه باعه عبداً حبشياً

', '', 443), (12, 444, 'book', '

فتبيّن حماراً وحشياً(1)، وقد يكون جانبياً كما في ما إذا وصف العبد بالكتابة فتبيّن انّه غير كاتب فقد افتوا في القسم الأوّل ببطلان العقد لفقدان الإرادة وفي القسم الثاني بالخيار، وقد أفاد الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ما يستحصل منه: ان جوهرية الفرق وجانبيته ليستا بلحاظ الحقائق الفلسفية بقدر ما هما بلحاظ أهداف العقلاء فالذكورة والانوثة بلحاظ المماليك تعدّان من الفوارق الجوهرية، وبلحاظ الغنم تعدّان من الفوارق الجانبية، بينما لا فرق من الناحية الفلسفية في ذلك بين المملوك والغنم والرومي والزنجي حقيقتان عرفاً رغم اتحادهما في الجوهر فلسفياً، وكون الخلّ من الزبيب أو العنب فرق جانبيّ عرفاً بينما هو فرق جوهري فلسفياً(2).

والفقه الغربي لم يقسّم مساحة الغلط إلى هاتين المساحتين نعم جاء في الفقه الغربي التفريق بين الغلط الذي يعيب الإرادة والغلط الذي اسموه بالغلط المانع وهو يعدم الإرادة ومثّلوا له بما إذا وقع الإيجاب على مصداق جزئيّ معيّن والقبول على مصداق آخر كمَن كان يمتلك سيّارتين باع إحداهما والمشتري اشترى الاُخرى فهذا في الحقيقة رجوع إلى المساحة الاُولى وهي مساحة عدم تطابق الإيجاب والقبول فيبطل به العقد، ولا علاقة له بالمساحة الثانية وهي مساحة الغلط والاشتباه في التطبيق بعد فرض تطابق الإيجاب والقبول.

وهنا نشير إلى خطأ الاستاذ مصطفى الزرقاء في المقام حيث ذكر: انّه «يلحظ في المقام ان اختلاف الجنس الذي يعتبر في الفقه الإسلامي من قبيل

', '

(1) راجع مكاسب الشيخ الأنصاري 2: 250، بحسب طبعة الشهيدي.

(2) راجع نفس المصدر.

', 444), (12, 445, 'book', '

الغلط المانع لا يعتبر في النظر القانوني غلطاً مانعاً بل هو من الغلط الذي يعيب الرضا فقط فينعقد معه العقد قابلاً للإبطال. وعكس ذلك يلحظ في الغلط في ذاتية المبيع كما لو باع إحدى فرسيه والمشتري يظنّ انه قد اشترى الاُخرى فانّه في الفقه القانوني غلط مانع لا ينعقد معه العقد، وفي الفقه الإسلامي هو غلط غير مؤثّر أصلاً فينعقد معه العقد لازماً لا خيار فيه لانّ الإرادة الظاهرة بالإيجاب والقبول لما وردت في العقد على واحدة معيّنة من الفرسين انصرف العقد إليها وبقى الغلط في حيّز الخفاء ليس عليه دليل قائم فلا يؤثّر حرصا على استقرار التعامل بخلاف مسألة اختلاف الجنس فان تسمية الجنس المقصود في صلب العقد تجعل الغلط في الجنس المخالف غلطاً واضحاً فيؤثّر في العقد، وبما ان اختلاف الجنس في حكم فقدان العين لا ينعقد العقد لعدم المحلّ»(1).

أقول: إنّ اختلاف الفقه الإسلامي عن الفقه الغربي في اختلاف الجنس صحيح كما ذكره فالفقه الغربي جعل ذلك موجباً لقابلية العقد للإبطال بينما الفقه الإسلامي جعل ذلك مبطلاً للعقد، أمّا العكس الذي ذكره في الغلط في ذاتية المبيع فهو غير صحيح فالفقه الغربي انّما ذكر بطلان العقد فيما إذا اختلف المتعاقدان في صبّ الإيجاب والقبول على الذات فانصبّ الإيجاب على إحدى الفرسين والقبول على الاُخرى لا فيما إذا انصبّا على مصداق واحد مع الاشتباه في أوصاف ذاك المصداق، وإذا انصبّ الإيجاب والقبول على مصداقين فلا إشكال في انّ الفقه الإسلامي أيضاً يفتي بالبطلان غاية ما هناك ان الإرادة الظاهرة إذا

', '

(1) الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد 1: 426 ـ 427، في التعليق تحت الخط على الفقرة 191/4 بحسب الطبعة الثامنة.

', 445), (12, 446, 'book', '

انصبّت فيهما معاً على مصداق واحد فقد تجعل هذه امارة ظاهرية على وحدة المصبّ في الإرادة الباطنة، بل وحتى لو آمنّا بان المقياس الواقعي انّما هي الإرادة الظاهرة فهنا انّما يفتي بصحة العقد لوحدة مصبّ الإيجاب والقبول الظاهريين، وهذا ما يقول به من يؤمن من الغربيين بالإرادة الظاهرة معترفين جميعاً «الإسلاميون أيضاً والغربيون» بانّه متى ما انصبّ الإيجاب على مصداق والقبول على مصداق آخر بطل العقد، وعلى أيّة حال فقد مضى منّا في بحث الإرادة الظاهرة والباطنة ان المقياس في الفقه الإسلامي انّما هو الإرادة الباطنة وان ما يسمّى بالإرادة الظاهرة يجعل امارة على الإرادة الباطنة وان هذا كاف لتأمين الاستقرار بالقدر المطلوب للعقود.

صعوبة يواجهها الفقه الإسلامي:

وإذا اتضح لك الفرق بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي في تحديد المساحات التابعة لبطلان العقد أو لقابليته للإبطال قلنا: إنّ هنا سؤالاً يواجهه الفقه الإسلامي وهو انّه لماذا الفرق بين الغلط الجوهري والغلط الجانبي بكون الأوّل مبطلاً للعقد وتابعاً لفقدان الإرادة، والثاني موجباً للخيار؟! وهذا السؤال طرح نفسه في فقهنا الإسلامي بصياغتين:

الاُولى ـ انّ العقد قد وقع على ما هو مقيّد بوصف معين «يعني الوصف الجانبي» ففاقد الوصف لم يقع عليه العقد فما وقع عليه العقد غير موجود وما هو موجود لم يقع عليه العقد، وهذا يوجب البطلان لا الخيار وهذا ما نقله الشيخ الأنصاري (رحمه الله)(1) عن مجمع البرهان للمحقق الاردبيلي (رحمه الله).

$

', '

(1) راجع المكاسب للشيخ الأنصاري (رحمه الله) 2: 250، بحسب طبعة الشهيدي.

', 446), (12, 447, 'book', '

وبإمكانك أن تقول: إنّ الوصف إن كان يجعل مصبّ العقد مغايراً لفاقده لزمبطلان العقد سواء كان جوهرياً أو غير جوهري وإن لم يكن يجعل مصبّ العقد مغايراً لفاقده لتقدم الإشارة على الوصف مثلاً لزم عدم بطلانه سواء كان جوهرياً أو غير جوهري. وبإمكانك أيضاً أن تقول: إنّ الوصف إن كان يوجب التغاير بين متعلق العقد وفاقد الوصف فلماذا يحكم بالصحة؟! وإلّا فلماذا يحكم بالخيار  ؟  !

الثانية ـ انّ صحّة العقد مشروطة بالرضا والرضا مقيّد بالوصف المقصود فمع فقدانه ينفقد الرضا، وهذا يوجب بطلان العقد وهذا ما ذكره الشيخ الانصاري (رحمه الله)(1) في مقام ذكر توجيه لما جعله المحقق الاردبيلي (رحمه الله) موافقاً للقاعدة وهو البطلان وبإمكانك أن تقول: إنّ تقيد الرضا بالقيد المفقود إن كان يوجب البطلان فليوجبه مطلقاً وإلّا فلنحكم بالصحّة مطلقاً فما هو الوجه في التفصيل بين الوصف الجوهري وغيره  ؟

وبإمكانك أيضاً أن تقول: إنّ تخلف الوصف إن كان موجباً لانعدام فعلية الرضا وجب بطلان العقد وإن لم يكن موجباً لانعدامه فلا وجه للخيار.

امّا ان شئت أن تصوغ الإشكال وفق المصطلحات التي نقلناها عن الفقه الغربي فلك أن تقول: ما معنى انّ الإرادة قد تكون معدومة واُخرى معيبة؟! فإن كان القيد المفقود دخيلاً في فعلية الإرادة فبانتفائه قد اصبحت الإرادة معدومة وإن لم يكن دخيلاً في فعليتها إذن فالإرادة غير معيبة.

وطبعاً ليس المقصود من هذا الكلام الإشكال على الفقه الغربي لانّه فقه موضوع من قبل انفسهم لا يتبع دليلاً كاشفاً عن حكم ثابت قبلهم، وإذا كان الوضع بيدهم فمن حقهم ان يفصّلوا بين ما اسموه بالغلط المانع ويضعوا القول فيه بالبطلان

', '

(1) راجع نفس المصدر.

', 447), (12, 448, 'book', '

وما جعلوه عيباً في الإرادة ويضعوا القول فيه بقبول العقد للإبطال إذ يكفي مناسبةلذلك ان الإيجاب والقبول لم يتطابقا في الأوّل فهذا أوجب البطلان، وتطابقا في الثاني فهذا أوجب الصحة مع إمكانية الإبطال وانّما المقصود انّنا لو أردنا أن نفتي بما افتوا به ولم نفرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي وقلنا في الجميع بالخيار دون البطلان لانّ الإرادة ليست معدومة وانّما هي معيبة فنحن بحاجة إلى فرق حقيقي بين انعدام الإرادة وكونها معيبة نفترض انّ الأوّل منهما موضوع لدليل البطلان والثاني منهما موضوع لدليل الخيار، ولا تكفينا مجرد المناسبة التي ذكرناها فإذا كان حال الإرادة دائراً بين الوجود والعدم، ولا معنى لكونها معيبة فلدى تخلف الوصف ان انعدمت الإرادة بطل العقد وإلّا فلا موجب للخيار فما معنى كونها موجودة ولذا لم يبطل العقد ومعيبة ولذا ثبت الخيار  ؟  !

مرجع الصعوبة إلى إشكالين:

وعلى أيّة حال فقد عرفت انّه وردت في فقهنا صياغتان للإشكال: احداهما انّ ما تعلق به العقد غير موجود، وما هو موجود لم يتعلق به العقد، والثانية انّ الرضا مقيد بالوصف المفقود ومعه لا يكون الرضا فعليا لعدم فعلية ذاك الوصف، والسؤال الآن هو انّ الإشكال الحقيقي في المقام هل هو إشكال واحد يبرز بصياغتين فالفرق بينهما لا يعدو أن يكون فرقا في عالم الألفاظ والصياغات  ؟ أو انّ هناك فارقاً جوهرياً بين الصياغتين فنحن أمام إشكالين مختلفين ونكون بحاجة إلى الحلّ لكل واحد منهما  ؟

قد توحي عبارة الشيخ الانصاري (رحمه الله) في المكاسب(1) إلى انهما تشيران

', '

(1) المكاسب 2: 250.

', 448), (12, 449, 'book', '

إلى إشكال واحد، وكأنّ الصياغة الثانية لا تعدو ان تكون تعميقاً للصياغة الاُولىفي مقام إبراز نفس الإشكال وذلك لانه (رحمه الله) نقل أوّلاً عن المحقق الاردبيلي (رحمه الله)الصياغة الاُولى للإشكال ثم أجاب عليه بجواب ثم ذكر كتوجيه لما مال إليه المحقق الاردبيلي الصياغة الثانية، ثم نقل جواباً على وجه البطلان الذي جعله المحقق الاردبيلي موافقاً للقاعدة وهو (انه اشتباه ناش عن عدم الفرق بين الوصف المعيّن للكليات والوصف المعيّن في الشخصيات وبين الوصف الذاتي والعرضي).

وذكر (رحمه الله) انّه ظهر من هنا (يعني ما بيّنه من الصياغة الثانية) انّ هذا الجواب مجازفة لا محصّل لها في حين انّ صاحب هذا الجواب انّما كان يقصد الرد على المحقق الاردبيلي وهذا يعني انّه كان يردّ على الصياغة الاُولى وهي التي ذكرها المحقق الاردبيلي فكيف تكون الصياغة الثانية موضّحة لمجازفة هذا الجواب وضعفه إن لم تكن تلك الصياغة تعميقاً لنفس الصياغة الاُولى؟! بل انّ قوله: (وبين الوصف الذاتي والعرضي) يكون في أحد محتمليه إشارة إلى عين أو ما يقارب الجواب الذي ذكر الشيخ بنفسه أوّلاً على الصياغة الاُولى قبل ذكره لتوجيه ما مال إليه الاردبيلي بالصياغة الثانية فانّ أحد محتمليه هو أن يكون المقصود بالوصف الذاتي الوصف الجوهري، والمقصود بالوصف العرضي ما لم يكن جوهرياً ويكون هذا إشارة إلى الجواب بانّنا لا نتكلم في الفارق الجوهري الذي يجعل الموجود خارجاً مغايراً لما وقع عليه العقد وانّما نتكلم في الفارق غير الجوهري الذي لا يوجب المغايرة وهذا عين الجواب الذي ذكره الشيخ أوّلاً عن الصياغة الاُولى أو يقاربه.

نعم احتماله الآخر لا علاقة له بجواب الشيخ وهو أن يكون المقصود: ان الوصف إذا كان قيداً للكلّي أصبح ذاتياً لانّه يحصّص الكلّي إلى الواجد والفاقد، ويختص العقد بالواجد، وإذا كان وصفاً للعين الخارجية فلا يعدو ان يكون أمراً

', '', 449), (12, 450, 'book', '

عرضياً لانّ ذات المبيع انّما هي العين الخارجية.

أمّا المحقق الاصفهاني (رحمه الله) فكلامه صريح في الفراغ عن كون الصياغتين إشكالين متغايرين حتى انّه حمل قول الشيخ (رحمه الله) (ومن هنا يظهر ..) على معنى اعترف انّه خلاف ظاهر العبارة وهو أنّه ظهر من الصياغة الثانية ان هذا الجواب لا يكفي لإثبات المقصود من صحّة العقد لانّ هذا الجواب وإن كان كافياً لإبطال الصياغة الاُولى التي ذكرها المحقّق الاردبيلي لكن يبقى علينا بعدئذ لإثبات الصحّة ان نذكر جواباً على الصياغة الثانية(1).

وعلى أيّة حال فالذي يمكن أن يذكر كتوجيه لإرجاع الصياغتين إلى إشكال واحد هو ان يقال: إنّ ما يذكر في الصياغة الاُولى من انّ المعقود عليه غير الموجود والموجود غير المعقود عليه لا يقصد بذلك الحديث عن عالم الألفاظ فلسنا نحن أمام إشكال لفظي كما لو كانت صيغة العقد فارسية وكنّا قد اشترطنا العربية مثلاً، او مستقبلية وكنا قد اشترطنا الماضوية وانّما نحن أمام إشكال معنوي وهو ان ما دلّ عليه العقد قد وقع على أمر غير موجود وما هو موجود لم يقع عليه مفاد العقد، وليس مفاد العقد عدا الرضا بالمعاملة وإرادة المعاملة فقولنا: إنّ العقد وقع على ما لم يوجد وما وجد لم يقع عليه العقد يعني انّ الرضا وقع على ما لم يوجد وأنّ ما وجد لم يقع الرضا عليه وهذه هي الصياغة الثانية.

إلّا أنّ التحقيق ان هذا البيان لإرجاع الصياغتين إلى روح واحدة انّما يتم بناء على المسلك الغربي من الفقه دون المسلك الإسلامي وتوضيح ذلك: ان المسلك الغربي يرى العقد انشاء للالتزام بذلك الأمر الاعتباري كالملكية في البيع بل كان يرى قديما انّ البيع التزام لنقل العين إلى حيازة المشتري، وأخيراً تطوّر

', '

(1) راجع تعليقة الشيخ الاصفهاني (رحمه الله) على المكاسب 2: 89.

', 450), (12, 451, 'book', '

الفقه لديهم فأصبح البيع التزاماً بنقل الملكية، ولكن الإسلام يرى انّ العقود المعاملية هي عادةً انشاء لنفس تلك الاُمور الاعتبارية، فالبيع مثلاً انشاء للتمليك فان تكلمنا على المسلك الغربي فالبائع مثلاً لم ينشئ إلّا الالتزام وهو الرضا بالتمليك أو نقل الحيازة، فإن كان مصبّه العبد الكاتب مثلاً فهو عبارة اُخرى عن كون مصب الرضا العبد الكاتب فرجعت الصياغتان إلى روح واحدة.

أمّا في نظر الفقه الإسلامي فالبيع مثلاً انشاء للتمليك ونفوذ ذلك شرعاً مشروط بالرضا فلدينا أمران: أحدهما ما ينشأ بالبيع وهو التمليك والثاني شرط نفوذ ذلك وهو الرضا إذن فيوجد مصبّان للإشكال في المقام أحدهما التمليك الذي اُنشئ بالعقد حيث يقال: انّه اُنشئ على العبد الموصوف بالكتابة مثلاً فغير الكاتب ليس مصباً للعقد وثانيهما ما هو شرط لنفوذ هذا التمليك شرعاً وهو الرضا حيث يقال انّ الرضا مقيّد بقيد الكتابة فينتفي بانتفائها إذن فكل من الصياغتين إشكال مستقل عن الاُخرى.

ولعلّ هذا أيضاً هو السبب في الخلاف بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي في انّ الغلط الذي يعيب الإرادة ويوجب الخيار لا البطلان يشمل الغلط الجوهري والغلط الجانبي في وقت واحد، والفقه الإسلامي يقسّم ذلك إلى مساحتين، مساحة الغلط الجوهري ويقول فيه ببطلان العقد، ومساحة الغلط الجانبي ويقول فيه بالخيار، فلعلّ السرّ في ذلك هو ان الفقه الغربي لا يواجه في المقام إلّا سؤالاً واحداً وهو ان الوصف إذا كان دخيلاً في المطلوب فهو قيد في الرضا والإرادة فبانتفائهِ تنتفي الإرادة والرضا فكيف يصح البيع مثلاً  ؟ فإذا اجيب على ذلك مثلا بانّ فعلية الرضا والإرادة تتبع الوجود العلمي للقيد المطلوب لا الوجود الواقعي، فإذا اعتقد كون العبد كاتباً واشترى العبد الكاتب كانت الإرادة فعلية ولكنها في نفس الوقت معيبة لانّها قامت على أساس الغلط، فقد صحّ بهذا البيع رغم فقدان

', '', 451), (12, 452, 'book', '

الوصف المطلوب من دون فرق بين كون الوصف جانبياً أو جوهرياً.

وأمّا الفقه الإسلامي فهو يواجه سؤالين لا سؤالاً واحداً أحدهما انّ الرضا أو الإرادة مقيد بقيد الكتابة فكيف يصحّ البيع عند فقد الكتابة؟! ولنفترض انّ الجواب هو انّ فعلية الرضا أو الإرادة تتبع الوجود العلمي لا الواقعي وهذا الجواب نسبته إلى الوصف الجوهري والجانبي سيّان، والثاني انّ التمليك الاعتباري انّما تعلق بالعبد الموصوف بوصف كذا فبانتفائه ينتفي متعلق العقد، ولنفترض انّ هذا جوابه هو انّ الوصف إذا كان جانبياً لم يكن الموجود مغايراً عرفاً للمعقود عليه، نعم إذا كان الوصف جوهرياً استحكم الإشكال وبطل البيع لانّ الموجود مغاير عرفاً للمعقود عليه فهنا انتهينا إلى الفرق بين مساحة الغلط الجوهري ومساحة الغلط الجانبي ولكن على الفقه الغربي لم يكن موضوع لهذا الفرق لانّ أصل هذا الإشكال لم يكن له مجال على الفقه الغربي ومن هنا اختلف الفقهان في هذا الأمر.

وعلى أيّة حال فقد ظهر ان أمام الفقه الإسلامي إشكالين لا بد له من حلّهما: (أولاً) انّ متعلق العقد غير الواقع الخارجي (وثانياً) انّ الرضا مقيّد بقيد منتف ولنأخذ الآن الإشكال الأوّل بالبحث مع عرض الحلول المقترحة في المقام وننظر انّ تلك الحلول لو تمّت هل تختص بالإشكال الأوّل  ؟ أو تحلّ حتّى الإشكال الثاني  ؟ حتى إذا فرغنا عن هذا البحث ورأينا ان الحلّ المختار له لا يحل الإشكال الثاني ننتقل إلى البحث عن حلّ الإشكال الثاني فنقول:

إشكال عدم تطابق الموجود للمعقود عليه:

الإشكال الأول ـ انّ تخلف الوصف يوجب عدم تطابق الموجود للمعقود عليه فكيف يمكن أن يصحّ العقد؟! وقد ذكر في مقابل هذا الإشكال عدّة حلول:

$

', '', 452), (12, 453, 'book', '

1 ـ الإشارة أقوى من الوصف:

الحلّ الأوّل ـ ما جاء في المكاسب للشيخ الانصاري (رحمه الله) نقلاً عمّن لم يسمّه من أن غاية ما يمكن ان يفترض هو فرض تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى من الوصف.

وقد جاء هذا الحل في ذيل ما أشرنا إليه من كلام نقله الشيخ وهو: «انّ هذا الإشكال اشتباه ناشئ عن عدم الفرق بين الوصف المعيّن للكليات والوصف المعين في الشخصيات وبين الوصف الذاتي والعرضي وان أقصى ما هناك كونه من باب تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى(1)» وقد حمل الشيخ الاصفهاني (رحمه الله)(2) ذلك على نقل كلام صاحب الجواهر معترفاً بانّ ما رآه في الجواهر يختلف عن هذا الكلام فقد جاء في الجواهر بعد نقل التامّل في صحّة البيع عن الاردبيلي ما يلي: «وإن كان هو ضعيفاً كالأوّل(3) أيضاً ضرورة ابتنائه على عدم الفرق بين وصف المعيّن والوصف المعيّن وبين الذاتي والعرضي» هذا ما ورد في الطبعة الجديدة للجواهر(4) ولكن الموجود في تعليقة الشيخ الاصفهاني على المكاسب نقلاً عن الجواهر التعبير بعبارة «أو بين الذاتي والعرضي» أي انّ العطف يكون بـ «أو» لا بالواو ونسخة الطبعة الجديدة من الجواهر تطابق نسخة المكاسب الموجودة عندي وهي طبعة الشهيدي فان العطف فيها أيضاً بالواو، وعلى أيّة حال

', '

(1) المكاسب 2: 250.

(2) راجع تعليقته على المكاسب 2: 89.

(3) إشارة إلى مطلب آخر نقله أوّلاً عن بعض وضعفه.

(4) جواهر الكلام 23: 94.

', 453), (12, 454, 'book', '

فالمهم من الفرق بين ما في المكاسب وما في الجواهر هو زيادة ما ورد في المكاسب من عبارة: «وان أقصى ما هناك كونه من باب تعارض الإشارة والوصف والإشارة أقوى» فانّ هذه الزيادة غير موجودة في عبارة الجواهر في بحث خيار الرؤية، وقال الشيخ الاصفهاني «ولم أظفر بما ذكره في سائر المباحث المناسبة للمقام (يعني في الجواهر)».

ولعل هذا يوجب احتمال ان الشيخ (رحمه الله) لم يكن يقصد ما فهمه الاصفهاني من الإشارة إلى عبارة الجواهر بل ينقل من مكان آخر لم نظفر به.

وعلى أيّة حال فخلاصة هذا الجواب انّنا لو سلّمنا ان الوصف يفيد تقييد متعلق العقد فالإشارة تفيد عدم التقييد بهذا الوصف المفقود والإشارة أقوى من الوصف.

وهذا الوجه لو تم لا يحلّ الصياغة الثانية من الإشكال إذ أن صاحب الصياغة الثانية يقول: فليكن متعلق العقد هو ذات المشار إليه بحكم الإشارة لكن رضاي القلبي على أي حال مشروط بكتابة العبد مثلاً لانّ العبد الذي لا يكتب لا يحقق تمام أهدافي التي اشتريته لأجلها.

وبالإمكان ان يقال: إنّ هذا الوجه لو تمّ فهو وإن كان يحل إشكال عدم مطابقة المعقود عليه للموجود خارجاً لأنّ أقوائية الإشارة تثبت ان العقد وقع على نفس ما هو موجود في الخارج، لكنه لا يفسّر الفرق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، فإذا كانت الإشارة أقوى من الوصف فلم لا يصح العقد في الوصف الجوهري أيضاً؟! إلّا ان يقصد انّ الإشارة أقوى من الوصف الجانبي، أمّا الوصف الجوهري فلا يقلّ تأثيراً عن الإشارة ومع التعارض والتساقط أو اقوائية الوصف يبطل العقد.

$

', '', 454), (12, 455, 'book', '

وعلى أيّة حال فهذا الوجه لا يحل إشكال الخيار حيث قد يقال: إنّ الوصفإن كان قيداً فلم لا يبطل العقد لعدم تطابق المعقود عليه لما في الخارج؟! وإن لم يكن قيداً فلماذا يثبت الخيار؟! فهذا السؤال لا زال باقياً على حاله حيث يقال: إن كانت الإشارة أقوى من الوصف فلماذا يثبت الخيار وإلّا فلماذا يصح العقد؟! وطبعاً لا أقصد بهذا الكلام تسجيل إشكال على مَن يؤمن بهذا الوجه بدعوى انّ عليه أن ينكر الخيار كما ذكره الشيخ الانصاري (رحمه الله) وانّما أقصد انّ هذا الوجه لا يحل مشكلة الخيار.

وقد تحلّ مشكلة الخيار بنكتة اُخرى كدعوى وجود شرط لا يعود إلى القيد أمّا ما جاء في كلام الشيخ(1) من إلزام صاحب هذا الوجه بإنكار الخيار فيرد عليه ما أورده الشيخ الاصفهاني (رحمه الله)(2) من انّ تقديم الإشارة على الوصف انّما اثبت صحة العقد وامّا الخيار فيدعى بنكتة اُخرى.

والتحقيق ان أصل هذا الوجه وهو حل الإشكال عن طريق تقديم الإشارة على الوصف على تقدير دلالة الوصف على التقييد ممّا لا أساس له فانّ الوصف لو لم يدل على التقييد لانّ الوصف انّما يقيّد الكليّ ولا يقيد الجزئي مثلاً فلا حاجة إلى نفي التقييد باقوائية الإشارة، ولو دلّ على التقييد وقلنا ان جزئية المتعلق لا تنافي التقييد مثلاً فالإشارة تكون لا محالة إشارة إلى ذاك المقيّد، ولا معنى لفرض تناف بين الإشارة والوصف كي نقدّم الإشارة على الوصف بالاقوائية.

2 ـ الجزئي لا يحصّص:

الحلّ الثاني ـ ما جاء في الجواهر كما مضى من ان كلام المحقّق

', '

(1) في المكاسب 2: 250.

(2) في تعليقته على المكاسب 2: 89.

', 455), (12, 456, 'book', '

الأردبيلي (رحمه الله)خلط بين وصف المعيّن والوصف المعين أو بين الذاتي والعرضيبناء على الأخذ بالتفسير الثاني من التفسيرين اللذين مضى ذكرهما وهو كونه بمنزلة التكرار لنفس الخلط الأوّل فالوصف الذاتي يعني به الوصف الذي يوصف به الكليّ للتعيين والتحصيص والوصف العرضي يعني الوصف المعيّن الذي يوجد في الجزئي ويكون حاصل هذا الحل عندئذ ان كون الواقع الخارجي غير المعقود عليه ممنوع فانّ هذا انّما يعقل في توصيف الكليّ بوصف لانّ وصف الكليّ يحصص الكليّ والحصة التي تحصل بهذا التحصيص تغاير الحصة الاُخرى لا محالة، فلو باعه عبداً كاتباً بشكل كلّي ثم في مقام الوفاء أعطاه عبداً غير كاتب فما سلّمه غير ما وقع عليه العقد، أمّا في الجزئي الخارجي وهو محل الكلام فلا يعقل التغاير بين مصبّ العقد وما في الخارج لان الجزئي لا يحصّص، وهذا الوجه لو تم لا يحل الصياغة الثانية للإشكال وهو مسألة عدم الرضا إذ لو سلّمنا ان العقد وقع على نفس ما في الخارج لانّه تعلق بالجزئي بقى الإشكال الآخر وهو ان المشتري لا تطيب نفسه بالعبد غير الكاتب ولا يرضى به باقياً على حاله ولا بدّ له من جواب آخر.

كما انّ هذا الوجه لا يفسّر الخيار ونبقى بحاجة إلى نكتة اُخرى للخيار.

وأيضاً هذا الوجه لو لم يكمّل بمكمّل لم يفسّر الفرق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، لانّ برهان عدم قابلية الجزئي للتقييد يأتي حتى في الوصف الجوهري، فلو باعه هذا الموجود على انّه عبد حبشي ثم تبيّن حماراً وحشياً كان بالإمكان أيضاً ان يقال: إنّ الحيوان المبيع لو كان كلياً فتحصيصه إلى الناطق والناهق يوجب التباين بينهما، أما لو كان جزئياً فهو لا يقبل التحصيص غاية الأمر انّه كان يتخيل كونه ناطقاً وعبداً حبشياً ثم تبيّن كونه ناهقاً ولكن المبيع على أي

', '', 456), (12, 457, 'book', '

حال هو هذا الحيوان الخارجي وهو شيء واحد فالمعقود عليه هو عين ما في الخارج وليس غيره.

نعم بالإمكان ان يكمّل هذا الوجه بمكمّل كي يصلح مفسّراً للفرق بين الوصف ا لجوهري والوصف الجانبي وهو ان العرف هو الذي فرض التوصيف بالوصف الجوهري موجباً للتغاير، وهذا رجوع إلى الحلّ الثالث فتعليقنا على اصل هذا الوجه نؤجّله إلى البحث عن الحلّ الثالث.

3 ـ تفريق العرف بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي:

الحلّ الثالث ـ هو نفس ما مضى عن صاحب الجواهر مع الأخذ بالتفسير الأوّل من التفسيرين اللذين مضيا لقوله: (أو بين الذاتي والعرضي) وهو الإشارة إلى الفرق بين الجوهري والجانبي ويكون حاصل هذا الوجه عندئذ ان المحقق الاردبيلي إمّا خلط بين وصف المعيَّن والوصف المعيّن، فكما انّ الوصف المعيّن وهو الوصف الذي يوصف به الكلي يوجب مباينة الحصة الفاقدة للحصة الواجدة فقد تخيّل ان توصيف الجزئي أيضاً كذلك يوجب التباين وهذا خطأ لانّ الجزئي لا يحصَّص، وإمّا خلط بين الوصف الجوهري الذي يوجب تغاير الموجود للمعقود عليه والوصف الجانبي الذي لا يوجب ذلك، وهذا هو الذي قلنا انّه يرجع إلى الحلّ الذي ذكره الشيخ (رحمه الله) في أوّل كلامه أو يقاربه حيث ذكر في مقام الحلّ: انّ العرف يفرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي فيرى انّ الثاني لا يوجب مغايرة الموجود للمعقود عليه بخلاف الأوّل(1).

وإن كان العلَمان (قدس سرهما) يعنيان دقيق ما في العبارتين فهنا فرق دقيق بين

', '

(1) المكاسب 2: 250.

', 457), (12, 458, 'book', '

العبارتين حيث انّ الشيخ (رحمه الله) أجاب على إشكال تغاير الموجود للمعقود عليه بانّ العرف هوالذي حكم بانّ الوصف الجانبي لا يوجب التغير بخلاف الوصف الجوهري فكأنّه (رحمه الله) يقول: انّنا لو كنّا نبحث الأمر فلسفياً لكان الإشكال محكماً لانّ فاقد الوصف ولو كان جانبياً هو غير واجده لا محالة لكننا نتبع في هذه الاُمور العرف وهو يفرّق بين التوصيف بالوصف الجوهري والتوصيف بالوصف الجانبي، فيرى الأوّل موجباً لمباينة ما في الخارج لما وقع عليه العقد والثاني غير موجب للمباينة.

أمّا صاحب الجواهر (رحمه الله) فكأنّه يرى انّ البحث لو كان فلسفياً ففقدان الوصف لا يوجب التباين حتى ولو كان جوهرياً لانّ الجزئي لا يتحصص فيستحيل التباين، والبيع لو كان منصباً على الكليّ كان توصيف الكلي بوصف موجباً لتحصيصه وبالتالي كان موجباً لمباينة الحصة الواجدة للوصف للحصة الفاقدة، ولكن المفروض انّه انصب على الجزئي فيستحيل التباين بين المعقود عليه وما في الخارج لانّ الوصف لا يحصّصه وهذا لا يفرّق فيه بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، وعندئذ يتوجه السؤال عن انّه لماذا اذن تقولون ببطلان البيع عند فقدان الوصف الجوهري كما لو باع عبداً حبشياً فتبيّن حماراً وحشياً؟! والجواب انّ العرف هو الذي فرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي بفرض الأوّل موجباً للمباينة بين الواقع ومتعلق العقد دون الثاني.

إذن فتقريبا العلَمين ـ  لو أردنا ان نأخذ بدقيق العبارتين  ـ متعاكسان فعلى تعبير الشيخ يكون مقتضى الفهم الفلسفي لو جاز المشي عليه في المقام بطلان البيع سواء كان الوصف جوهرياً أو جانبياً لانّ الواقع يباين المعقود عليه ولو في وصف جانبي والعرف تدخّل هنا في دفع الإشكال عن الوصف الجانبي ووافق الفلسفة في الوصف الجوهري، وعلى تعبير صاحب الجواهر يكون مقتضى الفهم الفلسفي

', '', 458), (12, 459, 'book', '

لو جاز المشي عليه في المقام صحّة البيع مطلقاً لانّ الجزئي لا يحصّص والعرف تدخّل في تثبيت الإشكال في مورد الوصف الجوهري حيث فرضه موجباً للتباين بين الواقع والمعقود عليه ووافق الفلسفة في الوصف الجانبي.

وعلى أيّة حال فهذا الحلّ أيضاً لا يمسّ الصياغة الثانية للإشكال فلا زال المشتري مثلاً من حقه ان يقول: انّ رغبتي في العبد منوطة بالكتابة وبفقدانها ينفقد الرضا وبذلك يبطل البيع ولو سلّم ان متعلق البيع هو عين الموجود خارجاً. كما انّ هذا الحلّ لا يفسّر الخيار ويبقى تفسير الخيار بحاجة إلى إبراز نكتة اُخرى.

أمّا تعليقنا على أصل ما قيل في المقام من انّ الجزئي لا يتحصص بالتوصيف بخلاف الكليّ وجعل هذا برهاناً على عدم مغايرة الموجود للمعقود عليه فهو ان عدم إمكانية تحصيص الجزئي بالقيد بخلاف الكليّ صحيح لا إشكال فيه ولكن هذا يعني انّ الكليّ قابل للصدق على كثيرين وكلّما قيّد بقيد ووصف بوصف خرج عن قابلية الصدق على فاقد ذاك القيد أو الوصف وأصبحت لدينا حصّتان متباينتان، أمّا الجزئي فلم يكن قابلاً للصدق على كثيرين فلا يعقل تقييده بمعنى تحصيصه ومنعه عن قابلية الانطباق على بعض الأقسام، ولكن هذا لا ينافي توصيف المفهوم الجزئي بوصف مطابق لما في الخارج أو مخالف له فان طابق ما في الخارج لم يتغير انطباق هذا المفهوم الجزئي وصدقه على ما في الخارج، إذ من أوّل الأمر لم يكن ينطبق إلّا على فرد واحد ولم يكن يصدق إلّا عليه ولا زال كما كان لانّ الوصف المذكور موجود حقيقة في ذاك الفرد، وإن لم يطابق ما في الخارج اختلف انطباق ذاك المفهوم الجزئي وصدقه عمّا كان عليه وذلك لا بمعنى انّه اختص بحصّة معيّنة أضيق ممّا قبل التوصيف فضاقت دائرة صدقه في الخارج حتى يقال: إنّ الجزئي لا يتحصص بل بمعنى انه خرج أصلاً

', '', 459), (12, 460, 'book', '

عن عالم الانطباق والصدق على ما في الخارج إذ لم يكن يقبل الانطباق إلّا على فرد واحد وذاك الفرد لم يكن موصوفاً بهذا الوصف فإذا وصف ذاك المفهوم بهذا الوصف أصبح بما هو موصوفاً بهذا الوصف غير قابل للانطباق على ما في الخارج وغير ممكن الصدق.

وهذا هو المقصود من الشبهة التي تقول: إنّه لو باعه هذا العبد الكاتب ثم انكشف انّه ليس بكاتب فما هو موجود غير معقود عليه والمعقود عليه غير موجود لانّ المبيع قيّد بقيد مفقود في الخارج، وليس المقصود بهذا دعوى التقييد بمعنى التحصيص واختصاص المبيع بالصدق على حصة اُخرى غير الحصة الموجودة خارجاً حتى يقال: إنّ الجزئي لا يتحصص وإنّ هذا خلط بين الوصف المعيّن للكليّ والوصف المعيَّن في الجزئي وانّما المقام من قبيل ان يقال: إنَّ العَلم كزيد لو وصف بوصف العِلم فقيل: «زيد العالم» وكان المسمّى الخارجي بهذا العلم عالماً حقّاً فهذا المفهوم مطابق لما في الخارج، امّا لو كان جاهلاً فهذا المفهوم بما هو معنون بهذا الوصف غير مطابق لما في الخارج، ولا يقصد بذلك انّ كلمة (زيد) جعلت نكرة واخرجت عن العلَمية وأصبح معناها مطلق المسمّى بـ (زيد) ثم حصّصت بقيد العلم فأصبحت غير صادق إلّا على فرد آخر غير زيد الجاهل.

وان شئت فقل: إنّ التقييد شأنه حسر المفهوم الذي قيّد به عن قابلية الانطباق على بعض المصاديق، فإن كان ذلك المفهوم كليّاً يقبل الانطباق على مصاديق أو حصص عديدة فحسره عن بعضها يؤدّي لا محالة إلى التحصيص، وإن كان المفهوم جزئياً لا يقبل الانطباق على أكثر من مصداق واحد فحسره يؤدّي إلى عدم قابلية الصدق على الخارج نهائياً وتحوّله إلى مفهوم فارغ عن قابلية الانطباق، وصاحب الشبهة يقول: إنّ ما نحن فيه من هذا القبيل.

$

', '', 460), (12, 461, 'book', '

4 ـ التفريق بوجه آخر بين الوصف الجوهري والجانبي:

الحلّ الرابع ـ ما نقلناه عن الشيخ الانصاري (رحمه الله) الذي ذكره قبل تعرضه للصياغة الثانية للإشكال بناء على حمله على ما يغاير ما فرضناه في الحل الثالث بان يكون المقصود: انّنا حتى لو فرضنا ان ما في الخارج يغاير المعقود عليه فلسفياً فالعرف يفرّق بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي ويرى الأوّل موجباً للمغايرة والثاني غير موجب لها وهذا بخلاف الحل الثالث الذي افترضنا فيه انّ الإشكال محلول فلسفياً لان الجزئي لا يتحصص فلا تحصل المغايرة وانّ العرف وافق الفلسفة في ذلك في الوصف الجانبي ولكنه خالفه في الوصف الجوهري.

وهذا الحل لو تمّ لا يفسّر الخيار ويكون الخيار بحاجة إلى تفسير آخر.

وأيضاً لو تمّ هذا الحل لم يمسّ الصياغة الثانية للإشكال فلا زال من حق المشتري مثلاً أن يقول: إنّ العرف وإن فرض عدم المغايرة والتباين بين ما وقع عليه العقد وهو العبد الكاتب وما هو موجود خارجاً وهو العبد غير الكاتب ولكن رضاي بالمعاملة منوط بوصف الكتابة لانّ العبد غير الكاتب لا يحقق لي تمام الأغراض.

ومن الطريف انّ الشيخ الانصاري (رحمه الله) ذكر في بحث خيار الرؤية أوّلاً الصياغة الاُولى للإشكال وأجاب عليها بتفريق العرف بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي فالأوّل وإن كان يوجب التباين لكن الثاني لا يوجب التباين عرفاً، ثم ذكر الصياغة الثانية للإشكال وجعلها دليلاً على مجازفة جواب يقارب في أكبر الظن نفس جواب الشيخ على الصياغة الاُولى، ثم ذكر في بحث الشرط الفاسد الصياغة الثانية للإشكال وأجاب عليها بنفس الجواب الذي ذكره في بحث خيار الرؤية على الصياغة الاُولى فقد قرّب الإشكال في بحث الشرط بانّ فساد

', '', 461), (12, 462, 'book', '

الشرط أوجب فقدان الرضا لانّ التراضي انّما وقع على العقد الواقع على النحو الخاص، وأجاب عليه بانّ القيود منها ما يكون ركناً في المطلوب، ككون الحيوان ناطقاً لا ناهقاً فالعرف يحكم في ذلك بانتفاء الرضا لدى انتفاء القيد، ومنها ما لا يكون ركناً فيه ككون العبد صحيحاً غير معيب أو المتاع الفلاني من القسم الجيّد دون القسم الرديء وهنا يحكم العرف بانّ الفاقد نفس المطلوب وان التصرف الناشئ عن العقد بعد فساد الشرط ليس تصرفاً لا عن تراض.

وهذا الكلام غريب فانّ جانبية الوصف وركنيته لو اثّرتا عرفاً في عدّ الموجود عين ما وقع عليه العقد وعدمه من الواضح انّهما لا تؤثّران في ثبوت الرضا وعدمه فلو قلنا مثلاً انّ الرضا متقوم بالوجود العلمي ثبت الرضا في كليهما، ولو قلنا انّه متقوم بالواقع مثلاً انتفى في كليهما، نعم قد تؤثر ركنية الوصف وجانبيته في درجة الكراهة وعدم الارتياح. وفقدان بعض الأهداف أو جميعها ولكنهما سيّان في أصل مسألة التأثير على الرضا.

وأمّا تعليقنا على أصل هذا الحلّ فهو انّه ماذا يقصد بدعوى تفصيل العرف بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي بكون فقدان الأوّل موجباً للتغاير وعدم كون فقدان الثاني موجباً له  ؟ إن كان المقصود بذلك ان فقدان الوصف الخارج عن ماهية الشيء لا يوجب تباين الماهية وفقدان الوصف الداخل في ماهية الشيء يوجب تباينها، أو ان فقدان الوصف الداخل في جملة ما يكون دخيلاً في الركن الفلسفي أو العقلائي يوجب التباين في الركن فهذا ثابت لدى الفلاسفة أيضاً، إلّا انّ الواقع ان هذا اجنبيّ عن المقام فانّ مَن يدّعي البطلان لا يدّعيه على أساس دعوى انّ الفاقد للوصف الجانبي مغاير للواجد في الماهية أو الركن وانّما يدّعيه على أساس دعوى انّ العنوان المأخوذ في العقد غير منطبق على ما في الخارج

', '', 462), (12, 463, 'book', '

لاختلافه معه ولو في أمر غير ما هويّ وغير ركن.

وإن كان المقصود بذلك انّ العرف يرى المفهوم الذي أخذ فيه وصف جانبي منطبقاً على فاقد الوصف لا لشيء إلّا لأنّ الوصف جانبيّ فهذا غير صحيح وآية ذلك انّه لا خلاف في انّ المبيع الذي أخذ فيه وصف جانبيّ لو كان كلياً ثم طبقه البائع على فرد فاقد للوصف وسلّمه إلى المشتري لم يتم التسليم، وليس هذا إلّا لان توصيف الكليّ حيث كان ظاهراً في التحصيص كان داخلاً في متعلق العقد حتماً فاعترف العرف بعدم انطباقه على ما في الخارج الفاقد للوصف وتوصيف الجزئي أيضاً ان كان يعني دخوله في متعلق العقد فالعرف يعترف حتماً بمغايرة المعقود عليه للخارج لانّه لو قال العرف بانّ الوصف ما دام جانبياً فلا قيمة مهمة له فلنعتبر الموصوف بهذا الوصف منطبقاً على غير الموصوف لقال بذلك أيضاً في الحصة الموصوفة من الكليّ لانّ الوصف الجانبي لا قيمة مهمة له فلتعتبر تلك الحصة منطبقة على الفرد الفاقد للوصف فكان المهم في البحث ان نرى انّ الوصف في الجزئي هل يدخل في متعلق العقد أو لا  ؟ لا أن نقول إنّ العرف لا يرى المغايرة إذ لو دخل الوصف فيه فلا إشكال في المغايرة وعدم الانطباق على الخارج حتى في نظر العرف ولو لم يدخل الوصف في متعلق العقد بطل التغاير فلسفياً أيضاً لا عرفاً فقط.

5 ـ العوارض الخارجية ليست طرفاً للمبادلة:

الحلّ الخامس ـ ما اختاره المحقّق النائيني (رحمه الله)(1) وحمل كلام الشيخ الانصاري عليه، وهو أنّ الوصف الذي اُخذ عنواناً لمتعلّق العقد إن كان من الصور

', '

(1) راجع منية الطالب 2: 135 ـ 137 و  148 ـ 149.

', 463), (12, 464, 'book', '

النوعيّة فهو طرف للمبادلة، وذلك كما في حماريّة الحمار وفرسيّة الفرس وما إلى ذلك، لوضوح أنّ المادّة الهيولائية غير صالحة لأن يبذل بإزائها المال، وشيئية الشيء وماليته متقوّمتان بهذه الصور النوعية، فلو باعه حماراً فتبين فرساً فهو في الحقيقة لم يبعه شيئاً لانّ الذي يباع ويبذل بإزائه المال انّما هو الحمار أو الفرس، والفرس لم يكن مبيعاً والحمار لم يكن موجوداً.

وأمّا إذا كان الوصف من العوارض الخارجية لا الصور النوعية ككتابة العبد فقد فرغ الشيء عن كونه شيئاً قابلاً لوقوع المبادلة عليه بقطع النظر عن هذا الوصف، وقد يكون الوصف دخيلاً في زيادة قيمته لكنه لا يقع شيء من المال في مقابلة وانّما المال يقع في مقابل الشيء بصورته النوعية ولا يقع شيء منه بازاء الوصف رغم دخل الاوصاف في قيمة الشيء إذن فتخلّفه لا يعني مغايرة ما هو موجود لما وقعت عليه المبادلة وانصبّ عليه العقد.

أقول: إنّ هذا الكلام من المحقق النائيني لو تم لا يحلّ بوحده الصياغة الثانية للإشكال ولا يفسّر الخيار، وقد تصدّى هو (رحمه الله) لحلّ الصياغة الثانية للإشكال وهي مشكلة الرضا بإضافة نكتة اُخرى سيأتي بيانه في محله ـ  إن شاء الله  ـ وتصدى أيضاً لتفسير الخيار بنكتة سنذكرها ـ  إن شاء الله  ـ وعلى أيّة حال فالانصاف ان هذا الحل غريب فان منشأ الشبهة لم يكن عبارة عن انّ المال وقع في مقابل الوصف فصحيح انّ المال انّما وقع في مقابل الموصوف ولم يقع لا بتمامه ولا ببعض أجزائه في مقابل الوصف رغم دخل الوصف في زيادة القيمة ولكن الشبهة تقول: إنّ الوصف قيد لمتعلق العقد والمال طبعاً انّما هو في مقابل المقيد لا في مقابل القيد لكن المقيد بما هو مقيد كان متعلقاً للعقد والقيد هنا قد حسر انطباقه على ما في الخارج.

$

', '', 464), (12, 465, 'book', '

ولو صحّ تقريبه (رحمه الله) في القيد الحاسر عن الانطباق نهائياً لصحّ أيضاً في القيد المحصّص والمضيّق فلزم ان يقال انّه لو باعه عبداً كاتباً ثم سلّمه عبداً غير كاتب فقد حصل تسليم المبيع وان اخلف الشرط مثلاً وذلك لان ما وقعت عليه المبادلة انّما هو العبد بصورته النوعية دون الكتابة لانّ المال انّما يبذل بازاء العبد أما الكتابة فلا يبذل بإزائها المال وإن كانت دخيلة في تصعيد القيمة التي تبذل بازاء العبد أفهل يلتزم المحقق النائيني (رحمه الله) بهذهِ النتيجة  ؟  !  !

هذا ونتيجة هذا الوجه لو تم هي كون المقياس في الجوهرية والجانبية المعنى الفلسفي لا الجوهرية والجانبية بلحاظ الأغراض العقلائية نعم ألحقَ المحقق النائيني (رحمه الله) بالوصف الجوهري كل وصف كان قوام مالية المال به وإن لم يكن دخيلاً في حقيقة الشيء فلسفياً ومثّل لذلك بوصف الصحة فيما لا قيمة لمعيبه كالجوز والبيض ونحوهما(1).

6 ـ أخذ الوصف على أساس تعدّد المطلوب:

الحلّ السادس ـ ما اختاره المحقق الخراساني (رحمه الله)(2) وحمل عليه كلام الشيخ الانصاري (قدس سره)وهو ان الوصف إن لم يكن ركناً للمطلوب كان ظاهر أخذه عرفاً هو أخذه على أساس تعدد المطلوب، أي أنّ المشتري يطلب العبد الكاتب مثلاً لو كان فان لم يكن كاتباً يطلب العبد رغم عدم كتابته، وهذا الظهور ناشئ من غلبة ان دخل الأوصاف غير الركنية تكون على هذا الأساس فان أراد الشخص خلاف ذلك كانت عليه إقامة القرينة، وامّا إن كان الوصف ركناً للمطلوب فهنا

', '

(1) راجع منية الطالب 2: 136.

(2) راجع تعليقته على كتاب المكاسب: 206 و  251.

', 465), (12, 466, 'book', '

يكون ظاهر أخذه عرفاً هو أخذه على أساس وحدة المطلوب فلمن اشترى العبد الحبشي مثلاً مطلوب واحد وهو العبد الحبشي لا مطلوبان: العبد الحبشي إن كان فإن لم يكن فالحمار الوحشي وهذا الظهور أيضاً ناشئ من الغلبة وإن أراد خلاف ذلك كانت عليه إقامة القرينة ويرى (رحمه الله) ان ذكر الوصف غير الركني لمّا كان دليلاً على تقييد البيع أو المبيع ببعض مراتبهما أوجب الخيار لدى التخلف، بخلاف الوصف الركني الذي أوجب تقييد البيع أو المبيع بتمام مراتبهما فأوجب البطلان لدى التخلف.

إلّا انّ تفسير ذلك لمسألة الخيار غير واضح عندنا إذ هذا مرجعه في الحقيقة إلى بيعين على تقديرين، أو إلى بيع مطلق وبيع آخر على تقدير عدم تمامية الأوّل، فإذا تخلف الوصف فالبيع الأوّل لم يتم والبيع الثاني ينبغي أن يكون صحيحاً لازماً لعدم تقيده بوصف مفقود فلماذا الخيار  ؟  !

وعلى أيّة حال هذا الوجه لو تمّ يحلّ الإشكال بكلتا صياغتيه وقد ذكره (رحمه الله)تفسيراً لكلام الشيخ الانصاري عند تعرض الشيخ للصياغة الاُولى من الإشكال في بحث خيار الرؤية وعند تعرضه للصياغة الثانية من الإشكال، في بحث الشرط الفاسد.

وأورد عليه المحقق النائيني (رحمه الله) بوجوه أهمّها الوجه الثالث منها وهو انّ هذا البيان غير كاف لتوجيه فتوى الأصحاب وتفسيرها فان نتيجته لا تطابق الفتوى لوضوح انّه لو أحرزنا صدقه في الوصف الركن اكتفاء المشتري بفاقده لم يشفع ذلك لصحّة البيع وثبوت الخيار فلو باعه الحمار وتبين انّه كان فرساً أو بقرة أو بغلة وعرفنا ان غرض المشتري ومطلوبه مطلق دابّة تحمله وتحمل أثقاله من دون دخل للحمارية فيما هو مطلوبه من المعاملة لم يكن خلاف ولا إشكال في

', '', 466), (12, 467, 'book', '

بطلان البيع، كما انّه لو أحرزنا ان تمام غرضه من شراء العبد أن يكون كاتباً بحيث لو علم بعدم كتابته لا يقدم على شرائه بفلس واحد ومع ذلك اشترى العبد الكاتب ثم تخلف الوصف لم يكن له إلّا الخيار بلا خلاف ولا إشكال(1).

أقول: الظاهر من عبارة المحقق الخراساني (رحمه الله) ان مقصوده هو دعوى انّ غلبة تعدد المطلوبية وكون الغرض النفسي والرضا القلبي ذا مراتب في الأوصاف الجانبية وغلبة الوحدة وعدم تعدد المراتب في الأوصاف الركنية أوجبت ظهور اللفظ في تعدد الملكية المنشأة في الثاني ووحدتها في الأوّل وليس غرضه مجرّد تعدد الرضا القلبي ووحدته وكون غرضه النفسي ذا مراتب أو غير ذي مراتب ولهذا ناسب حلّه كلتا صياغتي الإشكال ولم يختص بالصياغة الثانية وعليه فالنقض الأوّل من نقضي المحقق النائيني (رحمه الله) غير وارد عليه، فصحيح انّ غرضه كان متعلقاً بدابّة تحمله وتحمل أثقاله لكن المحقق الخراساني يدّعي ان إنشاءه انّما تعلق بالحمار ولم يفهم منه إنشاء آخر تعلّق بالفرس أو البقرة أو البغلة والإنشاء انّما يتعلق في فقهنا بالملكية لا بالرضا أو بالغرض النهائي وهي الفائدة العملية المترتبة من حمله وحمل أثقاله وعلمنا صدفة بتعدد الغرض ووجود رضائين طوليين لا يوجب انثلام ظهور الكلام في وحدة الإنشاء ولا انكشاف كون هذا الظهور غير مراد.

وأورد السيد الإمام (رحمه الله)(2) على المحقق الخراساني (رحمه الله) بان مثل بيع العبد الكاتب وشرائه لا يشتمل إلّا على إنشاء واحد ولا يعقل انحلال هذا الإنشاء إلى

', '

(1) منية الطالب 2: 149.

(2) راجع كتاب البيع للسيد الإمام (رحمه الله) 5: 246.

', 467), (12, 468, 'book', '

إنشائين لشيئين طوليين على فرضي وجدان الوصف وفقدانه بل لو فرض إنشاء البيع كذلك كان باطلاً نظير البيع بثمنين على فرضين.

7 ـ دخالة الوصف الجوهري عرفاً في الماليّة والملكيّة:

الحلّ السابع ـ ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله)(1) من انّ العرف هو الذي فرّق بين تخلّف الحقيقة وتخلّف الوصف وليس بيانه (قدس سره) لذلك هو دعوى اتحاد الفاقد والواجد عرفاً كما مضى عن الشيخ الانصاري (رحمه الله) بل له بيان آخر وتوضيح ذلك:

انّ فاقد القيد في المقام لا ينظر إليه كحصّة كليّة نرى هل تعلق العقد بها أو لا فانّ القيد في المقام لم يكن قيداً للكليّ وموجباً للتحصيص وانّما فاقد القيد في المقام الذي نريد ان نرى انّه هل انتقل إلى ملك المشتري أو لا جزئيّ حقيقي خارجي، والعقد تعلق طبعاً حسب النظر الأوّلي لمداليل الألفاظ بمفهوم جزئي ولم يتعلق ابتداء وبلا واسطة بالمصداق الخارجي ولو كان متعلقاً بالمصداق الخارجي فانّما هو بواسطة ذاك المفهوم الجزئي وعندئذ يجب ان نرى ان تلك الواسطة وهي المفهوم الجزئي هل هي واسطة في الثبوت  ؟ أي انّ العقد حقيقة يتعلق في بيع الأعيان الخارجية بالعين الخارجية بواسطة المفهوم المأخوذ كمتعلق له أو هي واسطة في العروض، أي انّ العقد انّما يتعلق حقيقة بالمفهوم وينسب هذا التعلق إلى ما في الخارج ثانياً وبالعرض بواسطة التطابق الموجود بين المفهوم وما في الخارج من المصداق  ؟

وعلى أساس فناء العنوان في معنونه فان فرض الثاني فالعقد في المقام لم

', '

(1) في تعليقته على المكاسب 2: 89.

', 468), (12, 469, 'book', '

يتعلق بالعين الخارجية الفاقدة للقيد من دون فرق بين أن يكون ذاك القيد داخلاًفي حقيقة الشيء كالناطقية مثلاً أو يكون وصفاً عرضياً كالكتابة فانّه على كل حال لم يكن المفهوم المأخوذ في متعلق العقد مطابقاً لما في الخارج ولم يكن فانياً فيه كي يصبح ذاك المفهوم واسطة في عروض العقد على ما في الخارج، وان فرض الأوّل وهو انّ العقد حقيقة يتعلق بالعين الخارجية فلا معنى لافتراض انّ تخلف الوصف يخرجها عن كونها متعلقة للعقد فان الجزئي الخارجي هو هو، كان واجداً للوصف أو كان فاقداً له، وهنا أيضاً لا يختلف الحال بين الوصف العرضي والوصف الداخل في حقيقة الشيء فان فقدانه على كلّ تقدير لا يجعل الفرد الخارجي الذي جعل متعلقاً للعقد فرداً آخر إذن ففقدان القيد امّا ان يوجب عدم تعلق العقد بما في الخارج مطلقاً ـ  أي سواء كان داخلاً في حقيقة الشيء أو كان عرضياً  ـ أو لا يوجب ذلك مطلقاً.

هذا هو مقتضى الفهم الفلسفي للمطلب، وبما انّ الصحيح فلسفياً كون المفهوم المتعلق في المقام واسطة في العروض لا في الثبوت لاستحالة تعلّق البيع حقيقة بالعين الخارجية إذ البيع ليس إلّا التمليك والملكية من الاعتبارات الشرعية أو العرفية لا من المقولات الحقيقية والاعتبار متقوّم بمتعلقه في افق الاعتبار لا في الخارج وإلّا لزم امّا اعتبارية المتأصّل أو تأصّل الاعتباري فعروض البيع والملك حقيقة على العين الخارجية مستحيل غاية الأمر انّ العنوان الخاص المقوّم للملكية الاعتبارية لوحظ بنحو فناء العنوان في مطابقه فيسري تعلّق العقد إلى ما في الخارج على أساس الواسطة في العروض إذن فلو كان المقياس في الحكم في المقام هي المقاييس الفلسفية لوجب القول ببطلان البيع بمجرد فقدان الوصف من دون فرق بين الوصف الجوهري الداخل في حقيقة الشيء أو الجانبي العرضي لانّ العنوان على أي حال غير مطابق للمصداق الخارجي وغير فان فيه كما أنّه لو آمنّا

', '', 469), (12, 470, 'book', '

فلسفياً بكون الواسطة واسطة في الثبوت لوجب أيضاً عدم الفرق بين الوصف الداخل في الحقيقة والوصف العرضي، والقول بالصحّة في كلا الموردين إلّا انّ المقياس في ما نحن فيه ليس هو الفهم الفلسفي بل هو الفهم العرفي.

والفهم العرفي في المقام يفترض انّ المفهوم الجزئي الذي تعلّق به العقد واسطة في الثبوت لتعلّق العقد بالعين الخارجية فكأن العرف يرى انّ العقد تعلّق بالعين الخارجية حقيقة وليس تعلّقه بها بالعرض بواسطة فناء العنوان في معنونه إذن فكان من المترقّب أن يحكم العرف بصحّة البيع لدى تخلّف الوصف من دون فرق بين الوصف الجوهري والداخل في هوية الشيء وحقيقته والوصف العرضي ولكن العرف هنا تدخّل مرّة ثانية وكان تدخلّه في جانب الأوصاف الجوهرية الداخلة في هوية الشيء وحقيقته وحكم في هذا القسم بانّ البيع لم يتحقق لان المبيع لا وجود خارجي له والسرّ في الفرق بين تخلّف الحقيقة والوصف العرضي هو انّ العين بما هي موجودة من الموجودات ليس لها في نظر العرف اعتبار المالية والملكية حتى تباع وتملك وانّما يكون لها اعتبار المالية والملكية بما هي حنطة أو شعير أو عبد أو جارية فمع تخلّف الحقيقة لا مبيع ولا مملوك في عالم اعتبار العرف فيكون كما إذا أشار إلى موضع وقال بعتك هذا العبد فتبيّن خلوّ الموضع رأساً وهذا بخلاف ما إذا كان أصل الحقيقة محفوظاً فانّ ذات المبيع المتعلّق بها البيع حقيقة موجودة ولم يتخلّف إلّا وصف ما تعلّق به البيع حقيقة. انتهى ما يستفاد من كلام المحقق الاصفهاني (رحمه الله) في هذا الوجه في مبحث خيار الرؤية وتراه جعل المقياس في كون تخلّف الوصف موجباً للبطلان أو الخيار كونه داخلاً في حقيقة الشيء بالمعنى الفلسفي وعدمه دون كونه دخيلاً في الأغراض الأساسية لدى العقلاء وعدمه.

وقد يقال: انّنا رغم هذا الاتعاب للنفس الذي صدر من المحقق الاصفهاني (قدس سره)

', '', 470), (12, 471, 'book', '

نوجّه إليه سؤالاً وهو انّ متعلّق التمليك أو البيع هل كان مقيداً بالكتابة أو لا  ؟ فانقيل: لا فهذا خلف فرض توصيف العبد بالكتابة في الإيجاب والقبول وإن قيل: نعم قلنا: إنّ المقيّد ينعدم بإنعدام قيده فما دامت الكتابة معدومة إذن فمتعلّق التمليك أو البيع معدوم.

ولكن الواقع انّ المحقق الاصفهاني (رحمه الله) بعد ان فرض انّ المفهوم الجزئي الذي أصبح واسطة لسريان الملكية أو البيع إلى العين الخارجية واسطة في الثبوت ولو عرفاً رأى انّ الملكية أو العقد تعلقت بذات المقيد الموجود في الخارج فقد صبّها العاقد على ذات المقيد ولو لأجل اعتقاده خطأً بكونه واجداً للقيد وقد ذكر (رحمه الله) في بحث الشرط الفاسد(1): انّه صحيح ما اشتهر من انّ المقيد ينتفي بانتفاء قيده لكن هذا انّما يعني انّ المقيد بما هو مقيد ينتفي بانتفاء قيده ولا يعني انّ ذات المقيد ينتفي بانتفاء قيده والبيع في المقام متعلّق بذات المقيد وبه حلّ أيضاً الإشكال فيما لو كان القيد قيداً للبيع لا للمبيع بان كان الالتزام بالبيع مقيداً بالتزام آخر ففسد الالتزام الآخر أو حصل التخلّف عنه فقال: إنّ ذلك لا يؤدي إلى انتفاء ذات المقيد وهو الالتزام بالبيع وان ادّى إلى انتفاء المقيد بما هو مقيد.

وبهذا أيضاً حلّ الصياغة الثانية للإشكال وهي الإشكال من ناحية الرضا حيث يرى انّ الرضا تعلّق بالملكية التي صبّها العاقد على ذات المقيد ولو لأجل اعتقاده خطأً بتحقق القيد فرضاه بتمليك ذات المقيد فعليّ ولديه عدم رضاً تعليقي، أي لو علم بانتفاء القيد لما رضي بالبيع الذي أقدم عليه البائع.

وله لتفسير الخيار كلام في بحث خيار الرؤية لسنا بصدده وبإمكانك

', '

(1) راجع 2: 164 ـ 165، من تعليقته على المكاسب.

', 471), (12, 472, 'book', '

مراجعة كتابه(1) وسيأتي منّا (إن شاء الله) نقله عنه(2).

وقد ظهر بهذا العرض انّ المحقق الاصفهاني (رحمه الله) وان اشترك في ذيل كلامه في بحث خيار الرؤية مع المحقق النائيني (قدس سره) في بيان نكتة الفرق بين الوصف الجانبي والوصف الجوهري بانّ الأوّل ليس به قوام مالية المال وملكيته، والثاني يكون به قوام ذلك ولكن هناك فرق جوهري بينهما في كيفية الاستفادة من هذه النكتة لانّ المحقق النائيني (رحمه الله) يرى: انّ عدم مقابلة الوصف الجانبي بالمال جعله خارجاً عن طرفيته للمبادلة فأصبح بذلك تخلّفه غير مضر بالبيع ولذا أوردنا عليه بانّ هذا الوصف وإن لم يكن طرفاً للمبادلة ولكن المقيد به بما هو مقيد طرف للمبادلة وبزوال القيد ينتفي المقيد ويبطل البيع ولكن المحقق الاصفهاني لم يثبت صحّة البيع بمجرد عدم كون الوصف ممّا يبذل بإزائه المال، بل حقّق في بحث خيار الرؤية انّ الملكية طرأت على ذات المقيد لا على المقيد بما هو مقيد لانّ الواسطة كانت واسطة في الثبوت ولم تكن واسطة في العروض وحقق في بحث الشرط الفاسد انّ ذات المقيد لا ينتفي بانتفاء قيده فكانت النتيجة صحّة البيع وكان من المترقب ان يصح البيع حتى في تخلّف الوصف الجوهري ولكن العرف لم يرض بذلك بنكتة كون الوصف الجوهري مقوماً لمالية المال.

وكذلك لا يرد على المحقق الاصفهاني النقض الذي أوردناه على المحقق النائيني وهو النقض ببيع الكليّ الذي لا إشكال في انّه لو وصف بوصف جانبي منعه هذا التوصيف عن إمكانية التطبيق في مقام التسليم على فرد فاقد للوصف

', '

(1) 2: 89، من تعليقته على المكاسب.

(2) في الصفحة 476.

', 472), (12, 473, 'book', '

رغم انّ الوصف لا يقابل بالمال، فهذا النقض لا يرد على المحقق الاصفهاني (رحمه الله)لانّ الفرق بين بيع الكليّ وبيع الجزئي وفق بيان المحقق الاصفهاني هو انّ البيع في الثاني تعلّق ولو في نظر العرف بالعين الخارجية وهي ذات المقيد التي لا تنتفي بانتفاء القيد، وأمّا في بيع الكليّ فلم يتعلّق البيع حقيقة بالعين الخارجية حتى في نظر العرف ولذا لم يمتلك المشتري فرداً معيناً، وانّما تعلّق بالحصّة ولا يجوز تطبيقها على فرد من حصة اُخرى، هذا ولكن الإنصاف رغم كل ما مضى انّ هذا البيان من قِبَل المحقق الاصفهاني (رحمه الله)لا يرجع إلى محصّل فان الكلام كل الكلام في انّ البيع هل تعلّق بالمقيد بما هو مقيد أو تعلّق بذات المقيد  ؟

وتوضيح المقصود: انّنا تارة نفترض ان وصف الكاتب لم يكن أصلاً قيداً لمتعلّق العقد وانّما كان ذكره التزاماً في التزام وهذا لا يؤثّر في صحّة البيع ببيان يأتي (إن شاء الله) ومضى منّا أيضاً ذكر له في بحث «المؤمنون عند شروطهم» وهذا وجه آخر لتصحيح البيع في المقام سيأتي شرحه (إن شاء الله) ولا علاقة له بما ذكره المحقق الاصفهاني في بحث خيار الرؤية من الوجه الذي نقلناه عنه مفصّلاً، وقد يكون ما ذكره في موارد الالتزام المقيد بالالتزام في بحث الشرط الفاسد إشارة ولو ارتكازاً إلى روح ذاك المطلب.

واُخرى نفترض ان وصف الكاتب قد فرض قيداً في المقام ورغم هذا يقال: إنّ البيع والملكية قد تعلّق بذات المقيد الذي لا ينتفي بانتفاء قيده لا بالمقيد بما هو مقيد وذلك بنكتة ان المفهوم المأخوذ متعلّقاً للعقد كان واسطة في الثبوت لا في العروض، فالتمليك والتملك انصبّا عرفاً على ذات العين الخارجية.

ويرد عليه: انّ سراية التمليك والتملك إلى المصداق الخارجي بواسطة المفهوم سواءً فرضت على أساس الواسطة في الثبوت أو على أساس الواسطة في

', '', 473), (12, 474, 'book', '

العروض انّما كانت بملاك فناء العنوان في المعنون وفناء العنوان فيه فرع التطابقبينهما، فان قلنا انّ تخلّف الوصف الجانبي لا يضرّ عرفاً بالتطابق بينهما لان العرف يتهاون في الوصف الجانبي كان هذا رجوعاً إلى بيان الشيخ الانصاري (رحمه الله) وان اعترفنا بان تخلّف الوصف الجانبي يضرّ بالتطابق ولذا لم يصح في بيع الكليّ تطبيق المبيع المقيد بالكتابة في مقام التسليم على فرد غير كاتب قلنا أنّ الحكم إذن لا يسري إلى العين الخارجية لعدم صلاحية الواسطة في الوساطة سواء كانت وساطة في العروض أو في الثبوت، إذن فالبيع انّما تعلّق بالمقيد بما هو مقيد لا بذات المقيد.

ولعل السبب في توهّم التفريق بين ما لو كان ذاك المفهوم واسطة في الثبوت أو كان واسطة في العروض هو تصوّر انّه لو كان واسطة في العروض فالملكية انّما تسري ثانياً، وبالعرض إلى العين الخارجية بملاك الفناء أي فناء العنوان في المعنون، والفناء فرع التطابق بين العنوان والمعنون فإن لم يتطابقا ولو في وصف جانبي لم يتم الفناء فلم يتم العروض على العين الخارجية أما لو كان واسطة في الثبوت فالسراية ليست بملاك الفناء إذ هي من قبيل سراية الحرارة إلى الماء بواسطة النار ولا معنى لفناء النار في الماء ولذا لا يشترط التطابق في المقام لانّ التطابق انّما هو شرط للفناء ولا حاجة لنا إلى الفناء في المقام.

ولكنك ترى انّ هذا مغالطة فان ما نحن فيه يختلف عن مثل مثال سراية الحرارة إلى الماء بواسطة النار ففرق بين سراية وصف إلى شيء بواسطة شيء آخر مباين للشيء الأوّل وليست نسبته إلى الشيء الأوّل نسبة العنوان إلى المعنون كما في النار والماء، وكذلك في السفينة وراكبها فهذهِ السراية ليست بملاك الفناء إذ لا معنى لفناء شيء في شيء غير العنوان الذي يفنى في المعنون وبين سراية الحكم الاعتباري الذي فرض للعنوان إلى المعنون فهذه السراية دائماً تكون بملاك الفناء

', '', 474), (12, 475, 'book', '

سواء فرضت الواسطة واسطة في العروض أو في الثبوت، وانّما فرق العرف عنالفلسفة في المقام هو انّ العرف غفل عن المباينة الحقيقية الموجودة بين العنوان والمعنون للشبه التام بينهما فتصور أنّ الحكم طرأ رأساً على المعنون فأصبحت الواسطة واسطة في الثبوت، ولكن الفلسفة تدرك انّها واسطة في العروض ولكن نكتة السريان على أيّ حال واحدة وهي فناء العنوان في المعنون المشروط بالتطابق.

فان قلت: إنّ نكتة السريان في المقام ليست هي فناء العنوان في المعنون بل هي الإشارة فبما انّ المتبايعين أشارا إلى عين خارجية وقال أحدهما بعتك هذا العبد الكاتب وقَبِلَ الآخر فقد رأى العرف ان التمليك والتملك انصبّا على العين الخارجية وهذا غير مشروط بالتطابق، ولعل هذا مراد من قال بانّ الإشارة أقوى من الوصف.

قلت: إنّ الإشارة لو كانت سبباً للسريان فهذا السريان وإن كان عرفاً بالوساطة في الثبوت(1) بخلافه فلسفياً فانّه بالوساطة في العروض لنفس البرهان الذي ذكره المحقق الاصفهاني من عدم إمكان تأصّل الاعتباري واعتبارية المتأصّل

', '

(1) أقصد بذلك انّ العرف لو التفت إلى الوساطة لحملها على الوساطة في الثبوت دون العروض ولا أنظر إلى انّ العرف هل هو ملتفت إلى الوساطة أو لا حتى يناقش بدعوى انّ العرف لا يعترف بالوساطة لا في العروض ولا في الثبوت بل يرى انّه لا واسطة في المقام وبتعبير آخر ان ملاك التفصيل الذي ذهب إليه المحقق الاصفهاني (رحمه الله) في المقام بين فرض الوساطة في العروض والوساطة في الثبوت لو تمّ فانّما هو ثابت بين فرض الوساطة في العروض، وفرض عدم الوساطة في العروض لا بين فرض الوساطة في العروض وخصوص الوساطة في الثبوت فالبحث عن ان العرف هل يرى واسطة في المقام كي تكون في الثبوت أو في العروض أولا مجانبٌ عن روح المطلب ولا أثر له.

', 475), (12, 476, 'book', '

لكن السريان الذي يأتي من الإشارة لو قبلنا به كشيء مستقل عن ملاك الفناء وقلنا إنّه لا يشترط فيه التطابق لم يكن هذا موجباً للفرق بين كون الوساطة في الثبوت أو في العروض فسواء كانت الوساطة في العروض كما في رأي الفلسفة أو في الثبوت كما في رأي العرف يقال: إنّ الحكم الاعتباري سرى إلى ذات المشار إليه ولو فقد الوصف لانّ السريان بالإشارة لا يشترط فيه التطابق.

والحاصل انّ المهم هنا لتصحيح البيع ـ  بعد فرض عدم الرجوع إلى جواب آخر ككون الالتزام بالكتابة التزاماً في التزام لا قيداً أو تسامح العرف بالاختلاف الجزئي  ـ هو ان نرى انّ التطابق شرط في السريان أو لا ولا يؤثّر في ذلك كون الوساطة وساطة في الثبوت أو في العروض وانّما نقول: إنّ السريان إن كان بنكتة الفناء فلا بد من التطابق وإن كان بنكتة الإشارة بدعوى تصور كونها ملاكاً مستقلاً للسريان غير مشروط بالتطابق إذن فلا يضرّ عدم التطابق من دون فرق في ذلك بين فرض الوساطة في الثبوت أو في العروض.

والظاهر انّ المحقق الاصفهاني (رحمه الله) لا ينظر في المقام إلى مسألة الإشارة ولو كان ناظراً إليها ومدّعياً انّ الإشارة تنصبّ ولو عرفاً على العين الخارجية من دون شرط التطابق لما كان وجه لتبريره لبطلان البيع في تخلّف الوصف الجوهري بكونه عرفاً مقوّماً لمالية المال فلنفرض انّه باع العين الخارجية مشيراً إليها قائلاً: بعتك هذا الفرس فتبين انّه حمار فهذه الإشارة في الواقع إشارة إلى العين الخارجية التي هي حمار وان أخطأا وتصوّرا انّها إشارة إلى الفرس والحمارية صورة نوعية مقوّمة للمالية موجودة في المقام فلماذا يبطل البيع؟! ولماذا لا تكفي السراية بالإشارة هنا كما تكفي في مثال تخلّف الكتابة  ؟  !

والواقع كما ثبت في علم الاُصول انّ الإشارة نسبة ذهنية لا تحكي مباشرة

', '', 476), (12, 477, 'book', '

عن الخارج وانّما تحكي عنه بملاك الفناء الملحوظ فيه كل قيود العبارة لا محالة والمشروط بالمطابقة مع ما في الخارج وحالها حال العناوين الاُخرى الإسمية بفرق انّها معنى حرفي بخلاف تلك العناوين.

وأمّا ما ذكره (رحمه الله) في بحث الشرط الفاسد في الالتزام المقيد بالالتزام من ان فساد الثاني أو تخلّفه لا يبطل الأوّل لانّ ذات المقيد لا ينتفي بانتفاء القيد فالواقع انّ الصياغة الاُولى من الإشكال لم يكن لها مجال في الالتزام المقيد بالالتزام ما لم يرجع إلى تعليق الالتزام الأوّل على الالتزام الثاني التزاماً نافذاً مثلاً ولو رجع إلى التعليق فقد قال المشهور: إنّ التعليق بنفسه مبطل للعقود ولو صحّ المعلّق عليه وحصل وانّما الصياغة الثانية من الاشكال هي التي يمكن ان تورد في المقام ببيان انّ الرضا انّما كان بالالتزام المقيد بالالتزام لا بذات الالتزام فإذا انتفى القيد انتفى الرضا المتعلّق بالمقيد بما هو مقيد لا بذات المقيد.

وهذا كما ترى لا يكفي في جوابه كون المنتفي بانتفاء القيد هو المقيّد بما هو مقيد لا ذاته كما انّه في فقدان وصف الكتابة أيضاً لئن سلمنا انّ العقد انّما انصبّ بوجه من الوجوه على العين الخارجية التي لا زالت هي موجودة ولو فقد الوصف وبهذا انحلّت الصياغة الاُولى من الإشكال فالصياغة الثانية قد لا تكون محلولة إذ يقول صاحبها إنّ الرضا بالعقد كان مشروطاً بالكتابة أي انّ الرضا متعلق بالعقد المقارن بكتابة العبد والمقيد بها وصحيح انّ ذات المقيد لا ينتفي بانتفاء قيده فذات العقد باق لكن الرضا لم يكن متعلقاً بذات العقد بل كان متعلقاً به بقيد الكتابة والمقيد بما هو مقيد ينتفي بانتفاء قيده إذن فجواب المحقق الاصفهاني لو تم فانّما يكفي لدفع الإشكال الأوّل ونبقى بحاجة إلى إضافة بعض نكات اُخرى كي يتمّ دفع الإشكال الثاني وعلى أيّة حال فقد عرفت انّ أصل جوابه غير تام.

$

', '', 477), (12, 478, 'book', '

8 ـ الحل المختار للإشكال:

الحلّ الثامن ـ ما هو المختار وهو ان هناك فرقاً بين تقييد متعلق العقد، وتعليق العقد على شيء، وجعل الالتزام بشيء شرطاً في ضمن العقد من دون ان يرجع إلى تقييد متعلقه أو تعليق العقد عليه فقد يقيّد متعلّق العقد بقيد كتقييد العبد بالكتابة وهذا القيد يفيد التحصيص إذا كان ما قيّد به كليّاً ويفيد الانحسار عن الانطباق على ما في الخارج على تقدير تخلّف القيد إذا كان ما قيّد به جزئياً وقد يجعل العقد معلّقاً على شيء كما لو جعل البيع معلّقاً على حرارة الهواء أو برودته وقد لا يكون هذا ولا ذاك وانّما يكون العاقد ملتزماً بذاك القيد ضمن التزامه بالعقد كما لو باعه العبد على أن يصليّ المشتري صلاة الليل أو اشترى منه العبد على أن يصليّ البائع صلاة الليل من دون أن يكون هذا قيداً في المتعلق أو يكون العقد معلّقاً عليه.

ولا أقصد بالالتزام ضمن الالتزام مجرّد الظرفية البحتة التعبيرية أو الزمنية لأحد الالتزامين بالنسبة للالتزام الآخر وانّما أقصد بذلك أن يكون هناك تقابلاً بين هذا الالتزام الضمني والتزام صاحبه بالعقد فكأنّ التزام البائع بالبيع مع التزام المشتري بصلاة الليل أو التزام المشتري بالشراء مع التزام البائع بالبيع أمران متقابلان جعل أحدهما مكافئة للآخر وعوضاً عن الآخر وهذا التقابل يساوق الثنائية والاستقلال فهما التزامان مستقلان متقابلان ولا يكون أحدهما قيداً في متعلّق الآخر أو معلّقاً عليه الآخر لانّ ذلك خلف الاستقلال والثنائية.

ففي القسم الأوّل وهو تقيد متعلق العقد بقيد يكون فقدان القيد لا محالة موجباً لفقدان متعلق العقد لانّ العقد تعلّق بالمقيد بما هو مقيّد لا بذات القيد ويرد هنا الإشكال بانّ ما وقع عليه العقد غير موجود وما هو موجود لم يقع عليه العقد.

وفي القسم الثاني وهو تعليق العقد عليه يلزم من فقدان المعلّق عليه فقدان

', '', 478), (12, 479, 'book', '

المعلّق لا محالة على انّ التعليق بذاته مبطل للعقد حسب ما اشتهر بين الأصحابحتى لو كان المعلّق عليه موجوداً.

وفي القسم الثالث لا يكون فساد أو تخلّف الالتزام الضمني موجباً لانعدام الالتزام بالعقد لانّه كان مستقلاً عنه غير معلّق عليه ولا كان متعلّقه مقيّداً به حسب الفرض نعم قد يقال إنّ رضاه بهذا الالتزام الذي صدر منه كان مبنيّاً على وفاء صاحبه بالالتزام الآخر فبفقدانه ينعدم الرضا وهذا رجوع إلى الصياغة الثانية للإشكال والتي لسنا الآن بصدد الجواب عليه.

إذا عرفت ذلك قلنا: إنّ المتعاقدين لو صرّحا بالمقصود فلا إشكال في ان كل قسم من الأقسام الثلاثة يلحقه حكمه وإلّا فهناك نكات عقلائية تؤثّر في تكوّن الظهور العرفي في الدلالة على المقصود وهي ما يلي:

1 ـ التعليق في العقد المالي (دون الاذني كالوكالة) بذاته خلاف المرتكزات العقلائية فما لم يكن نصّ أو قرينة على ذلك لا يحمل الكلام عليه.

2 ـ الوصف الإضافي لو كان حمله على تقييد المتعلق يستلزم افتراض مؤونة إضافية من مثل تقدير التقارن أو الالتحاق أو السبق يحمل على الشرط فمثلاً لو قال: بعتك العبد على أن تصلي صلاة الليل فهذا ظاهر في الشرط لانّ حمله على تقييد المتعلق يستدعي تقدير نسبة التقارن ونحوها بان يكون المقصود بعتك العبد المقارن لصلاتك بالليل مثلاً إذ بدون ذلك لا يعقل تقيد العبد بصلاة المشتري لعدم كونها وصفاً له وهذه مؤونة زائدة لا تفهم بالطبع إذن فالظاهر من هذا الكلام انّه التزم ببيع العبد ايّاه في مقابل ان يلتزم بصلاة الليل من دون تقييد للمتعلق.

3 و 4 ـ لو لم يكن حمل الوصف على تقييد المتعلق موجباً لتقدير نسبة إضافية كالتقارن وذلك كما في وصف الكتابة التي تصلح بنفسها قيداً للعبد المبيع

', '', 479), (12, 480, 'book', '

فعندئذ إن كان متعلق العبد كليّاً كما في قوله: بعتك عبداً كاتباً فهذا ظاهر في التقييددون الشرط فحمله على معنى بعتك عبداً واشترطت لك تطبيقه في مقام التسليم على الكاتب خلاف الظاهر، لان أخذ مؤونة التطبيق في المقام أخذ لمؤونة زائدة وبحاجة إلى النظر والقرينة، وإن كان متعلق العقد جزئياً كما في قوله: بعتك هذا العبد الكاتب فهذا ظاهر في الشرط دون التقييد وذلك لانّ التقييد وإن كان بالدقة العقلية أعمّ من التحصيص فقد يكون التقييد تحصيصاً وقد يكون حاسراً للموصوف عن الانطباق على الخارج نهائياً على تقدير تخلفه، ولكن التقييد بالنحو الثاني خلاف المرتكز العقلائي وانّما المرتكز العقلائي من التقييد هو الأوّل، فإذا جعل المتعلق جزئياً بالإشارة كان حمل الوصف على التقييد خلاف الظاهر، لانّ الجزئي لا يحصص (ولعل هذا هو المقصود ولو ارتكازاً لمَن قال باقوائية الإشارة) إذن فقوله: بعتك هذا العبد الكاتب محمول على معنى: بعتك هذا العبد واشترطت لك أن يكون كاتباً.

5 ـ وما قلناه من ان حمل الوصف في الجزئي الخارجي على التقييد الحاسر عن الانطباق نهائياً لدى التخلّف انّما هو في الوصف الجانبي، أمّا الوصف الجوهري فشدّة التصادق بالأهداف المطلوبة من الموصوف جعلته ظاهراً في التقييد.

وبكل ما ذكرناه ظهر الوجه في التفصيل بين توصيف الكليّ وتوصيف الجزئي بحمل الأوّل على التقييد حتى ولو كان الوصف جانبياً، بخلاف الثاني وظهر الوجه في التفصيل في توصيف الجزئي بين الوصف الجوهري والوصف الجانبي، ففي الأوّل يبطل البيع بالتخلّف لانّ التوصيف الجوهري تقييد حاسر للمفهوم عن الانطباق على ما في الخارج نهائياً لدى التخلّف، وفي الثاني لا يبطل

', '', 480), (12, 481, 'book', '

البيع لانّ مرجع التوصيف إلى الشرط والشرط التزام في مقابل التزام، والتقابليساوق الاستقلال فبزواله لا يزول الالتزام بالعقد.

نعم، يبقى الإشكال بانّ الرضا كان مبنياً على هذا الالتزام الضمني وهذهِ هي الصياغة الثانية للإشكال التي نشرحها بعد ذلك (إن شاء الله) كما يبقى انّه ما هو الوجه في الخيار إذ لو كان الرضا غير ثابت بطل العقد غاية ما هناك ان يقال بإمكانية الإمضاء كما في بيع المكره أو الفضولي، ولو كان الرضا ثابتاً فلماذا الخيار؟! وهذا ما سنبحثه أيضاً (إن شاء الله).

هذا ولا يخفى انّه بناء على الوجه الذي اخترناه للحل يكون المقياس في تشخيص الوصف الجوهري أو الجانبي هو الأغراض العرفية والعقلائية في المعاملات، لا كون الوصف داخلاً في حقيقة الشيء أو خارجاً عنه.

وقد انتهينا إلى هنا من الجواب على الإشكال الأوّل وكان الوجه المختار للجواب غير كاف لحل الإشكال الثاني.

إشكال أنّ تخلّف الوصف يوجب فقدان الرضا:

الإشكال الثاني ـ انّ تخلّف الوصف يوجب فقدان الرضا، لانّ رضا المشتري بالعبد الذي وصف له بالكتابة مثلاً كان مبنيّاً على صدق الاتصاف، فإذا تخلّف الوصف فهو غير راض بشراء العبد فالمترقّب هو بطلان البيع.

وقد مضى انّ جواب المحقق الخراساني (رحمه الله) من مسألة تعدد المطلوب ووحدته لو تمّ فهو جواب على كلا الإشكالين إلّا انّه لم يتمّ.

نعم قد يتفق ان المشتري رغم انّه قيّد المبيع بكونه كاتباً تكون حالته النفسية بنحو يرضى بشراء العبد حتى لو لم يكن كاتباً، ولكنه اشترط الكتابة ازدياداً في طلب الخير، وهنا يكون الإشكال الثاني منتفياً لفعلية الرضا فيصح البيع بعد أن كان

', '', 481), (12, 482, 'book', '

الإشكال الأوّل منحلاً بما عرفته من رجوع ذكر الوصف الجانبي في المبيع الجزئي إلى الشرط، لكن يبقى هنا السؤال عن الوجه في ثبوت الخيار حيث يقال: لو كان الرضا ثابتاً فلماذا الخيار؟! ولو لم يكن ثابتاً فلماذا يفتى بصحّة البيع  ؟  !

وقد مضى أيضاً انّ الوجه الذي اختاره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) لحلّ الإشكال الأوّل فرضه حلاًّ لكلا الإشكالين ومضى النقاش في ذلك. أمّا ما عالج به المحقق الاصفهاني مسألة الخيار فهو ان البيع وإن صح ولم يضرّ بصحته فقدان الوصف إمّا لاقوائية الإشارة مثلاً كما قيل، وإمّا لكون البيع متعلقاً بذات المقيّد وان ذات المقيّد لا ينتفي بانتفاء القيد كما اختاره هو (رحمه الله)، ولكن هذا لا يوجب عدم إخلال فقدان الوصف باللزوم أيضاً وذلك لانّ الخيار يكون بلحاظ نقض الغرض المعاملي، لا بلحاظ عدم تحقق المعقود عليه، فلأنّ المعقود عليه متحقق صحّ البيع، ولانّ الغرض المعاملي انتقض ثبت الخيار(1).

أقول: إنّ هذا المقدار من البيان لا زال غير كاف لتفسير الخيار إذ قد يقال ان نقض الغرض المعاملي إن كان على مستوى تخلّف الداعي فلماذا ثبت الخيار مع ان تخلف الداعي عادة لا يوجب الخيار؟! وإن كان على مستوى تخلّف الرضا فلماذا لم يبطل البيع؟! وإن كان المقصود شيئاً آخر فهو بحاجة إلى توضيح وبيان.

وعلى أيّة حال فالعمدة في الجواب على الإشكال الثاني وهو مشكلة الرضا وجهان:

1 ـ توفّر الرضا المعاملي:

الوجه الأوّل ـ ما ذكره المحقق النائيني (رحمه الله) في المقام(2) من انّ الرضا

', '

(1) راجع تعليقة المحقق الاصفهاني على المكاسب 2: 89.

(2) في منية الطالب 2: 148.

', 482), (12, 483, 'book', '

المشروط في المعاملة ليس عبارة عن طيب النفس وارتياحها للمعاملة وانّما هوعبارة عمّا اسماه بالرضا المعاملي، وهو عبارة عن كون العقد والإنشاء عن اختيار لا عن إكراه أو جبر، فانتفاء الرضا في المقام ان قصد به انتفاء طيب النفس حيث لا يرغب المشتري نفسياً إلّا في العبد الكاتب مثلاً فهذا لا يضر بصحّة العقد، وإن كان المقصود به الرضا المعاملي، أي حصول العقد عن اختيار فهذا حاصل في المقام، لانّ الاختيار والرضا بهذا المعنى يتعلق بالتمليك المتقوّم بالصورة النوعية في شيئية الشيء ومالية المال لا بالأوصاف الجانبية.

واستشهد لعدم كون الرضاالمشروط في المعاملة بمعنى طيب النفس وارتياحها للمعاملة بانّه لو كان هذا هو الشرط في صحّة المعاملة لبطلت المعاملات التي تحصل على أساس الاضطرار من فقر وفاقة ونحو ذلك ممّا يؤدّي إلى ان يبيع الشخص بعض أثاثه رغماً على نفسه وبحرقة القلب لا بطيبه، وكذلك بطلت المعاملات التي تقوم على أساس دواع تتخلف كما لو اشترى الدواء لأجل ابنه الذي اعتقد كونه مريضاً ثم انكشف عدم ابتلائهِ بالمرض وهو لا يطيب نفساً بصرف المال في شراء الدواء بلا فائدة ولكنه حين المعاملة كان راضياً بها، بمعنى انّه لم يكن مجبوراً أو مكرهاً عليها بل صدرت المعاملة بمحض اختياره وكان هذا كافياً في صحّة المعاملة فكذلك الحال فيما نحن فيه فقد اشترى هذا العبد الذي اعتقده كاتباً بمحض اختياره ولم يجبره أحد على شرائه وهذا هو المقياس في الصحّة، نعم قد التزم له البائع ضمن التزامه بالبيع بكون العبد كاتباً وقد تخلّف هذا الالتزام الضمني وهذا انّما يوجب الخيار ولا يوجب اختلالاً في الالتزام الأوّل.

أقول: انّه (رحمه الله) وإن ربط حلّ مشكلة الرضا بالحلّ الذي ذكره في الجواب عن الإشكال الأوّل فقال هنا أيضاً ان الرضا تعلّق بالمبادلة الواقعة على الصورة

', '', 483), (12, 484, 'book', '

النوعية دون الأوصاف الجانبية، لكنه كان منتبهاً إلى انّ هذا وحده لا يكفي لحلّ مشكلة الرضا إذ قد يقول قائل بانّ طيب النفس كان مرتبطاً بوجه من الوجوه بكتابة العبد بالوجدان فأضاف في المقام نكتة اُخرى وهو دعوى ان الرضا المأخوذ شرطاً في المعاملات ليس بمعنى طيب النفس بل بمعنى الاختيار الذي هو في مقابل الإكراه والإجبار.

وإذا فصلنا الإشكال الثاني عن الإشكال الأوّل نهائياً كانت النكتة التي أضافها في المقام جواباً كاملاً على الإشكال الثاني غير محتاج إلى ربطه بحل الإشكال الأوّل.

وتوضيح المقصود: انّ الإشكال الثاني تارة نُضمّنه روح الإشكال الأوّل بان نقول: إنّ رضاه تعلق بالعقد الواقع على الكاتب ولم يتعلق بالعقد الواقع على غير الكاتب وهذا يعني النظر ضمناً إلى مسألة ان العقد تعلّق بالكاتب لا بغيره وهو الإشكال الأوّل، وهذهِ الروح المضمَّنة في المقام جوابها عين الجواب الذي يختار لحلّ الإشكال الأوّل كلّ على مسلكه، فالمحقق النائيني مثلاً يجيب بانّ العقد وقع على الصورة النوعية لا الأوصاف الجانبية، وغيره يجيب بشكل آخر.

واُخرى نتكلّم في مسألة الرضا إلى المشكلة الإضافية التي تبقى مع أكثر أجوبة الإشكال الأوّل وهي شهادة الوجدان بان طيب النفس مرتبط بوجه من الوجوه بالكتابة فلا بد من معرفة حقيقة هذا الارتباط كي نرى هل يضرّ ذلك بصحّة البيع بسبب فقدان الوصف الذي ارتبط به طيب النفس أو لا  ؟

وهذا الإشكال تكفي في حله النكتة الإضافية التي ذكرها المحقق النائيني لو تمت وهي ان الرضا المشترط في صحّة البيع انّما هو الاختيار في مقابل الإكراه والإجبار لا طيب النفس وان الاختيار موجود في المقام، وهذا لا يختلف حاله

', '', 484), (12, 485, 'book', '

باختلاف كون الوصف جانبياً أو جوهرياً فحتى في تخلّف الوصف الجوهري لا شك في انّ المشتري لم يكن دخوله في المعاملة نتيجة للإكراه والإجبار بل كان باختياره محضاً، والقول بانّه انّما رضى بشراء صورة نوعية غير موجودة في المقام رجوع إلى روح الإشكال الأوّل.

والمقصود من هذا البيان في المقام هو أنّ عدم قبولنا بجواب المحقق النائيني على الإشكال الأوّل لا يضرّ بقبول جوابه على الإشكال الثاني بقدر حلّ المشكلة الإضافية، فالإشكال الأوّل قد مضى منّا حلّه بوجه من الوجوه فلم تبق إلّا المشكلة الإضافية في المقام وهي شهادة الوجدان بارتباط طيب النفس بوجه من الوجوه بالكتابة، فلو قبلنا بالنكتة الإضافية التي ذكرها المحقّق النائيني لحلّ ذلك فقد انتهينا من كلا الإشكالين. أمّا ما ذكره (رحمه الله) لتفسير الخيار من كونه نتيجة طبيعية لتخلّف الالتزام الضمني فهو لا زال يحمل غموضاً في المقام إذ لقائل أن يقول: إنّه ما معنى ضمنية هذا الالتزام  ؟ فإن كان معناه مجرّد الظرفية البحتة بمعنى انّ الالتزام الثاني اُنشىء صدفة ضمن الالتزام الأوّل من دون علاقة له بالالتزام الأوّل فلا مبرر لكون التخلّف عنه موجباً للخيار من النسبة للالتزام الأوّل، وإن كان معناه نوع ارتباط له بالالتزام الأوّل فما هو هذا الارتباط الذي لا يؤدّي تخلّفه إلى فقدان الالتزام الأوّل، ولا إلى فقدان الرضا الذي هو شرط في صحّة البيع وفي نفس الوقت يؤدّي إلى الخيار  ؟  !

أمّا تعليقنا على أصل النكتة التي بيّنها المحقق النائيني (رحمه الله) فهو: ما المقصود من طيب النفس الذي قال عنه المحقق النائيني: ليس هو المراد بالرضا المشترط في باب العقود وانّما المراد به ما يقابل الإكراه والجبر هل المقصود تلك الرغبة والحالة النفسية التي تحصل للنفس تجاه شيء ولو بلحاظ الكسر والانكسار بين

', '', 485), (12, 486, 'book', '

المصالح والمفاسد المتزاحمة كطيب النفس المتعلق بشرب الدواء رغم مرارتهلأجل ما فيه من خاصية الشفاء، أو المقصود هي الرغبة الناشئة من المصلحة بلا أيّ مزاحم  ؟

فإن كان المقصود هو الثاني مع الاعتراف باشتراط الأوّل فلا شك بضرورة الفقه في أن طيب النفس بهذا المعنى الثاني ليس شرطاً في المعاملات وهو أمر نادر الحصول في هذا العالم المليء بالتزاحمات بين المصالح ومصالح اُخرى وبين المصالح والمفاسد، ولكن صاحب الإشكال في المقام يحسّ بان طيب النفس بالمعنى الأوّل الناشئ من نتيجة الكسر والانكسار بين المصالح والمفاسد المتزاحمة أيضاً مرتبط بوجه من الوجوه في كثير من الأحيان بالوصف المفقود فربّما نرى ان المشتري لا يرغب في العبد غير الكاتب حتى بعد الموازنة بين المصالح والمفاسد ولذا لو علم بكونه غير كاتب لما أقدم على الشراء فهو لا يرغب حتى بهذا المعنى من الرغبة إلّا في العبد الكاتب.

وإن كان المقصود هو الأوّل فهو يقول: إنّ طيب النفس الناتج عن الكسر والانكسار بين المصالح والمفاسد أيضاً ليس شرطاً في باب العقود ورد عليه:

(أولاً) انّه ليس من الصحيح الاستشهاد لذلك بوضوح صحّة مثل المعاملات التي تصدر من الإنسان نتيجة للفقر والفاقة ورغماً على حاجته الملحّة في ما اضطرّ إلى بيعه إذ من الواضح انّ طيب النفس بالمعنى الناتج عن الكسر والانكسار في المصالح ثابت هنا، فهو يرى انّ ما يجنيه من فائدة الثمن الذي يحصل عليه بهذا البيع اهمّ ممّا يخسره ببيع العين التي هو محتاج إليها.

(وثانياً) انّه ليس من الصحيح إنكار اشتراط طيب النفس بهذا المعنى في العقود، فادلّة اشتراط كون التجارة عن تراض وعدم حِلّ مال المؤمن إلّا بطيب نفسه تدلّ لا محالة على اشتراط هذا المستوى من الرضا وطيب النفس والواقع انّ

', '', 486), (12, 487, 'book', '

طيب النفس بهذا المعنى ملازم للاختيار المقابل للإكراه والجبر فوضوح عدمالإكراه والجبر في المقام آية وجود طيب النفس بهذا المستوى، إذ لو لم يطب نفساً بالمعاملة لم يكن له داع إلى إيجادها ما دام غير مكره أو مجبور على ذلك، والاختيار الذي هو في مقابل الإكراه والجبر اخصّ من طيب النفس بهذا المعنى، فانّ المكره أيضاً يطيب نفساً بما يفعله حين ما يفعل ذلك لا من دون اختيار بل درأً للخطر الذي توعّد به فهنا أيضاً طيب النفس بلحاظ الكسر والانكسار بين المصالح والمفاسد موجود إلّا انّ هذا الطيب لا يكفي لصحّة العقد فانّ المفهوم بمناسبات الحكم والموضوع من دليل شرط الطيب والرضا هو الطيب والرضا غير القائمين على أساس الإكراه والإجبار فصحيح انّ الشرط في العقود هو الاختيار المقابل للإكراه لا طيب النفس لكن لا بمعنى انّه قد يكون الاختيار المقابل للإكراه، ولا يكون طيب النفس الذي يتحقق ولو بلحاظ الكسر والانكسار في المصالح والمفاسد، بل بمعنى انّه قد يكون طيب النفس بهذا المعنى ولا يكون الاختيار المقابل للإكراه وذلك فيما إذا كان طيب نفسه لأجل الفرار من الخطر المتوعّد به على تقدير عدم الخضوع للعقد وعندئذ يكون العقد باطلاً إمّا بدليل نفي الإكراه أو بدليل شرط الرضا في العقود.

إذن فالمهم في حلّ اللغز في المقام هو ان نعرف كيف يمكن الجمع بين وجدانين:

أحدهما يحكم بانّ المعاملة صدرت بمحض الاختيار ومن دون إكراه أو إجبار ونحن نعلم انّها لم تكن مقيّدة بوجود الوصف لما عرفناه في حل الإشكال الأوّل من انّ الوصف كان شرطاً لا قيداً وانّ الشرط التزام متقابل مع الالتزام بالعقد وانّ التقابل يقتضي استقلال أحد المتقابلين عن الآخر.

$

', '', 487), (12, 488, 'book', '

والثاني يحكم بانّ طيب النفس كثيراً ما يكون مرتبطاً بوجه من الوجوه بحصول الوصف ولذا لو علم بفقدانه لما أقدم على شراء المتاع مثلاً  ؟ وليست طريقة الحل ان نفترض تفكيكاً بين الرضا بمعنى طيب النفس وبين الاختيار بمعنى عدم الإكراه والإجبار بان يقال: إنّه قد يحصل الثاني دون الأوّل ويقال إنّ شرط صحّة العقد هو الثاني دون الأوّل.

ومن هنا نتحوّل في حلّ اللغز إلى الوجه الثاني.

2 ـ الرضا يدور مدار الوصول:

الوجه الثاني ـ هو الوجه المختار، وهو انّ الرضا وإن كان في كثير من الموارد مرتبطاً بالوصف المطلوب فلا يرضى إلّا بالعبد الكاتب مثلاً ولكن ارتباطه بواقع الوصف لا بوصوله انّما يعقل بمعنى التحصيص في الكليّ، فهو قد يرضى بالعبد الكاتب ولا يرضى بالعبد غير الكاتب، أمّا سريان الرضا من الحصّة المقيدة بوصف إلى الجزئي فلا يدور مدار واقع الوصف وانّما يدور مدار وصوله ـ  ولو ببعض درجات الوصول  ـ ولو خطأً وذلك لانّ الرضا والشوق والحبّ والبغض والكراهة ونحو ذلك من الاُمور القلبية يستحيل دورانها مدار واقع وصف ما بغير معنى التحصيص فمن تعتقد كونه صديقاً لك مثلاً تحبّه ولو كان في واقعه من الدّ أعدائك، ومن تعتقد كونه عدوّاً لك مثلاً تبغضه ولو كان في واقعه من أخلص أحبّائك، ومن تراه متصفاً بصفات الإنسانية من الرحمة والإحسان والنبل والشهامة تحبّه ولو كان في الواقع على خلاف تلك المواصفات وكذا العكس، وعليه ففي ما نحن فيه لو اشترى العبد المعيّن خارجاً معتقداً بكونه كاتباً بحيث لم يكن يرضى به لولا كتابته فصحيح انّ رضاه مرتبط بوجه من الوجوه بوصف الكتابة لكن هذا الارتباط ليس إلّا بنحوين:

$

', '', 488), (12, 489, 'book', '

الأوّل: ان رغبته ورضاه انّما تعلّقا بالحصّة الكاتبة ولم يتعلّقا بالحصّة غير الكاتبة.

والثاني: انّ هذا الرضا سرى من الحصّة الكاتبة إلى الجزئي الذي وقع عليه البيع بتوسط اعتقاده بوصف الكاتبية فيه لا بتوسط ثبوت واقع الوصف لما عرفت من استحالة دوران أمثال هذهِ الحالات النفسية مدار الواقع بغير معنى التحصيص.

وهذا البيان يمكن صياغته بصياغة أوسع بحيث يشمل حتى فرض تعلّق العقد بالكليّ مع أخذ تواجد الوصف شرطاً في مقام التسليم لا قيداً لمتعلّق العقد كما لو باعه عبداً كلياً غير مقيّد بالكتابة بشرط ان يطبّقه لدى التسليم على عبد كاتب فهنا لم يكن المبيع جزئياً ولكن هنا بالدقّة ينطبق أيضاً ما ذكرناه من قاعدة ان سريان الحبّ والرضا من الحصّة المقيّدة بوصف إلى المصداق الجزئي انّما يكون دائراً مدار وصول الوصف ببعض درجات الوصول ولو خطأً، وليس دائراً مدار واقع الوصف.

وتوضيح ذلك: انّ تحقق الكتابة في الفرد الذي سيطبّق عليه الكليّ لدى التسليم انّما أخذ شرطاً لا قيداً، ومعنى كونه شرطاً هو الالتزام من قِبَل البائع بذلك في مقابل التزام المشتري بالعقد وتقابل الالتزامين يساوق استقلال كل واحد منهما عن الآخر، فلو أخلف البائع التزامه لم يبطل التزام المشتري بالعقد لانّه كان مستقلاً عن ذاك الالتزام ولم يكن مقيّداً ومحصّصاً به ولكن رغبته انّما تعلّقت في عالم الحصص بتلك الحصّة من الالتزام بالعقد المقارنة لالتزام البائع ووفائه بالشرط فهو غير راض إلّا بهذا إلّا انّ الرضا والرغبة قد سريا من هذهِ الحصّة إلى هذا الالتزام الصادر منه بالفعل وهو مصداق جزئي لكليّ الالتزام بسبب اعتقاده بكون البائع صادقاً في التزامه وكون وصف المقارنة المطلوبة متحقّقاً خارجاً لا

', '', 489), (12, 490, 'book', '

بسبب واقع تحقّق الوصف.

وهذان الارتباطان للرضا بالوصف موجودان تماماً في موارد تخلّف الدّاعي فمَن اشترى دواء باعتقاد كون ابنه مريضاً يكون رضاه متعلّقاً بكليّ بذل المال في مقابل الدواء الذي يحتاجه ابنه المريض، ولم يتعلّق رضاه ببذل المال في مقابل الدواء الذي لا يحتاجه ابنه ولكن سرى رضاه إلى البذل الذي وقع منه بواسطة اعتقاده بانّه من القسم الأوّل فرضى بالبيع، فتخلّف الوصف فيما نحن فيه يكون من هذهِ الناحية تماماً من قبيل تخلّف الداعي، ويكون الرضا المطلوب في صحّة البيع حاصلاً ولأجل رضاه بذلك نرى انّه يقدم عليه من دون إكراه أو إجبار ويصحّ البيع.

سبب الخيار في فقهنا عند تخلّف الوصف:

وأمّا ثبوت الخيار في المقام فله نكتتان إحداهما غير مطردة في تمام موارد محل الكلام والثانية مطردة في تمام موارده:

أمّا النكتة الاُولى ـ فهي تخلّف الداعي القائم على أساس التغرير فصحيح انّ تخلّف الدّاعي بشكل عام لا يوجب الخيار فمَن اشترى دواء لابنه باعتقاده مريضاً ثم انكشف خلافه لم يكن له خيار الفسخ، ولكن لو كان انبعاث هذا الداعي على أساس التغرير كما لو كان بائع الدواء هو الذي أومى إليه بمرض ابنه فهنا لا إشكال في ثبوت الخيار عقلائياً وبالتالي ثبوته شرعاً على أساس الإمضاء المنكشف بعدم الردع، أو على أساس قاعدة نفي الضرر، وفي ما نحن فيه إذا فرض انّ البائع هو الذي وصف عبده بالكتابة مثلاً وغرّر المشتري بذلك انطبقت عليه قاعدة الرجوع إلى من غرّه وثبت بها الخيار.

وهذا كما نرى ـ  ليس مطرداً في تمام الموارد فقد يتّفق انّه لم يكن تغرير من

', '', 490), (12, 491, 'book', '

قِبَل البائع كما لو تورّط البائع والمشتري في عرض واحد في خطأ الاعتقاد باتّصاف هذا العبد بالكتابة ولم يكن البائع هو الذي أوحى إلى المشتري بذلك وقد يتّفق انّ المشتري كان راضياً بشرائه حتى لو لم يكن كاتباً وان اشترط الكتابة تكثيراً للخير فليس التغرير هو الذي ورّطه في الالتزام بالعقد.

وأمّا النكتة الثانية ـ فهي ما عرفت من انّ قيد الوصف في المقام راجع إلى الشرط، بمعنى التزام مرتبط بالتزام العقد، وارتباطه به يعني تقابله معه أي انّ الالتزام بالعقد من أحد الطرفين مقابل ومكافأ بالتزام الآخر بالشرط، والتقابل يساوق الاستقلال فبتخلّف المشترط عليه لا يبطل الالتزام بالعقد ولكن بما انّ الالتزامين كانا متقابلين أي كان كل منهما كجزاء للآخر وكبدل له ومكافئة له فالتخلّف عن أحدهما يسمح عقلائياً للآخر بالتخلّف سنخ ما نراه في المالين اللّذين وقعا عوضاً ومعوّضاً فأخلف أحدهما في تسليم المال فيكون للآخر أيضاً حق التخلّف، والحاصل انّ الالتزامين إذا كانا متقابلين فوجوب الوفاء بهما أيضاً متقابلان في نظر العقلاء أي لا يجب الوفاء بأحدهما إلّا في مقابل وفاء الآخر، فلو أخلف من عليه الشرط لم يجب على الآخر الوفاء بالعقد وجاز له فسخه وهذا معنى الخيار فإذا تبيّن في المقام عدم اتصاف العين بالوصف المطلوب فقد وقع التخلّف عن الشرط وهذا يوجب الخيار عقلائياً وبالتالي يوجب الخيار شرعاً إمّا بالإمضاء المنكشف بعدم الردع أو بقاعدة نفي الضرر لانّ سلب الحقّ العقلائي عنه يعتبر ضرراً عليه.

هذا. وذكر السيد الخوئي (رحمه الله) بياناً آخر لثبوت الخيار في موارد تخلّف الشرط غير ما ذكرناه من انّ تقابل الالتزامين يوجب التقابل في وجوب الوفاء بهما أيضاً وهو انّ الشرط بعد أن لم يكن راجعاً إلى تعليق العقد على تحقّق الشرط

', '', 491), (12, 492, 'book', '

لا بد أن يكون التعليق فيه في الالتزام بالوفاء بالعقد وإتمامهِ، فحقيقته جعل الخيار على تقدير التخلّف ولهذا يثبت الخيار بتخلّف الشرط(1).

أقول: كأنّ السيد الخوئي رأى انّ للشرط ارتباطاً لا محالة بالعقد وليست النسبة بينهما مجرّد نسبة الظرفية والمظروفية البحتة من دون ارتباط معنوي بينهما وبما انّ هذا الارتباط المعنوي بينهما ليس عبارة عن تعليق العقد على الشرط فانحصر عنده الأمر في أن يكون الارتباط عبارة عن تعليق الوفاء بالالتزام على الشرط أو عن جعل الخيار عند تخلّف الشرط وهذا الكلام لو صحّ عقلائياً فلازمه عدم وجوب وفاء المشروط عليه بالشرط في ارتكاز العقلاء لانّ واقع ما التزم به انّما هو عبارة عن تحقّق الخيار لدى عدم الاتيان بالعمل الفلاني، وليس عبارة عن نفس ذلك العمل بينما من الواضح في الارتكاز العقلائي ان من حقّ المشروط له إلزام المشروط عليه بالوفاء بالشرط، وإن لم يف بالشرط كان له الخيار، فلو كان مرجع الشرط عقلائياً إلى ما يقوله من مجرد جعل الخيار على تقدير التخلّف أو تعليق الوفاء بالعقد على الوفاء بالشرط لم يكن بالإمكان تفسير ما هو المركوز عقلائياً من وجوب الوفاء بالشرط الذي كان ضمن ا لعقد.

إذن فلا بد للشرط من تفسير آخر يحفظ ارتباطه بالعقد مع اشتماله على عنصر التزام المشروط عليه بالشرط من كتابة العبد أو عمل من الأعمال أو أي شيء آخر لا مجرّد جعل الخيار على تقدير عدم تحقّق الشرط.

نعم لو كان الشرط سنخ شرط لا يشتمل على التزام العاقد بشيء ولم يكن راجعاً إلى تعليق العقد عليه انحصر تفسيره بإرجاعه إلى جعل الخيار على تقدير

', '

(1) المحاضرات 2: 140.

', 492), (12, 493, 'book', '

عدمه، مثاله ما لو اشترى من الصيدلي دواءً بشرط كون ابنه مريضاً وافترضنا عدم رجوعه إلى تعليق العقد على مرض ابنه فهذا تفسيره الوحيد هو شراء الدواء مع فرض الخيار على تقدير عدم كون ابنه مريضاً إذ لا يحتمل هنا إرادة التزام البائع بكون ابن المشتري مريضاً.

هذا مضافاً إلى انّ إرجاع الشروط إلى جعل الخيار أو تعليق الالتزام بالوفاء بالعقد على تلك الشروط غير كاف لتفسير الارتباط المعنوي للشرط بالعقد.

وتوضيح ذلك: انّنا ننقل الكلام عندئذ إلى جعل الخيار لنرى هل انّ هناك ارتباطاً معنوياً بين جعل الخيار في هذا العقد ونفس هذا العقد أو ان ارتباطهما عبارة عن مجرّد الظرفية والمظروفية مع كون العقد هو متعلّق الخيار فيرجع جعل الخيار إلى شرط ابتدائي بحت من قبيل ما لو جعلا الخيار في بيع بعد تمامية ذاك البيع فالفرق فقط في انّ علاقة الظرفية والمظروفية بينهما منتفية في مثال جعل الخيار بعد البيع وثابتة في ما نحن فيه  ؟

فان فرض الثاني، أي انّ العلاقة بين العقد وجعل الخيار انّما هي علاقة الظرفية والمظروفية قلنا:

أولاً: انّ الشرط الابتدائي البحت غير لازم لدى العقلاء فكيف يثبت الخيار  ؟  !

وثانياً: لا شك في انّه لو باعه شيئاً بشرط الخيار وقَبِل المشتري ذلك بلا شرط الخيار ثبت الإحساس بعدم تطابق الإيجاب والقبول ولو على مستوى الشروط واحتجنا إلى البحث الآتي من ان عدم تطابقهما في الشروط هل يضر بالعقد أو لا، بينما على الظرفية البحتة من الواضح التطابق الكامل بين الإيجاب والقبول وعدم وجود أي خلل في العقد

$

', '', 493), (12, 494, 'book', '

وثالثاً: لو فسّرنا ارتباط شرط الخيار بالعقد بمجرّد علاقة الظرفية والمظروفية فلم لا نفسّر كل الشروط بهذا التفسير بأن يكون كل شرط ضمن العقد عبارة عن الإلزام والالتزام بذاك الشرط في ظرف العقد بلا حاجة إلى إرجاع جميع الشروط إلى شرط الخيار  ؟  !  !

وان فرض الأوّل وهو ان هناك نوع علاقة معنوية بين شرط الخيار والعقد وراء مجرّد الظرفية البحتة فلا بد من التفتيش عن تلك العلاقة فلعلّها تصدق ابتداء في سائر الشروط الضمنية بلا حاجة إلى إرجاعها إلى شرط الخيار.

والصحيح ما عرفته منّا من انّ العلاقة المعنوية الموجودة بين الشرط الضمني والعقد هو تقابل الالتزامين وكون أحدهما بمنزلة العوض عن الآخر والتقابل يحفظ الاستقلال من ناحية فلا يفسد العقد بفساد الشرط أو بالتخلّف عنه ويؤدي إلى الخيار من ناحية اُخرى باعتبار انّ التقابل بين الالتزامين موضوع للتقابل بين الوفائين في الوجوب. أي انّ وجوب وفاء أحدهما بما التزم مشروط بوفاء الآخر بما التزم.

وعلى أيّة حال فقد اتضح بهذا العرض ان لثبوت الخيار عند تخلّف وصف مطلوب ملاكين بينهما عموم من وجه:

الأوّل ـ ملاك التغرير بإيحاء أمر لم يكن الطرف الآخر ليقبل الدخول في العقد لولاه.

والثاني ـ ملاك تخلّف الشرط.

فقد لا يكون شرط بين البائع والمشتري ولكن التغرير ثابت وذلك على أساس انّ البائع غرّر المشتري بإيحائه إليه بكون العبد كاتباً مثلاً فوثق المشتري بذلك ولم ير حاجة للشرط فأوقع العقد على هذا العبد الجزئي معتقداً كتابته فهنا

', '', 494), (12, 495, 'book', '

يثبت الخيار بالملاك الأوّل دون الثاني.

وقد لا يكون البائع مغرّراً للمشتري بل كانا معاً متورّطين في الخَطأ في عرض واحد ولكن العقد تمّ بشرط الكتابة، أو غرّره بدعوى ثبوت الوصف ولكن المشتري كان راضياً بالعقد حتى مع عدم الوصف ومع ذلك اشترط الوصف طلباً لزيادة الخير فهنا يثبت الخيار بالملاك الثاني دون الأوّل.

وقد يثبت الملاكان معاً كما لو اشترط المشتري على البائع وصف الكتابة وأوحى إليه البائع بثبوت هذا الوصف.

ومتى ما انتفى الملاكان دخل الأمر في تخلّف الداعي الذي لا يوجب الخيار ـ  إلّا فيما سيأتي من الاستثناء  ـ كما لو اشترى عبداً بتخيّل كونه كاتباً وكان داعيه إلى هذا الشراء هو الاستفادة من كتابته، ولم يكن هذا الخطأ بوحي من البائع ولا كان بينهما اتفاق على شرط الكتابة ثم تبيّن انّه ليس كاتباً فهنا لا خيار له.

سبب الخيار في الفقه الوضعي عند تخلّف الوصف:

إلّا أنّه ورد في الفقه الوضعي المقياس لثبوت الخيار في المقام بشكل آخر يختلف عما ذكرناه.

وقد نقل في الوسيط(1) مقياسين لذلك ناسباً لأحدهما إلى: كثير من الفقهاء، والآخر إلى التقنين المصري الجديد:

أمّا ما نسبه إلى كثير من الفقهاء فهو انّ المقياس للخيار هو كون الغلط مشتركاً بين المتعاقدين، فالعقد عندئذ وإن كان صحيحاً لانّ الإرادة موجودة ولكن له الخيار، لانّ إرادته معيبة بمعنى قيامها على أساس الغلط، وصحيح انّ

', '

(1) راجع الوسيط 1: 331 ـ 340، الفقرة 175 ـ 177.

', 495), (12, 496, 'book', '

هذا السبب للخيار موجود في فرض الغلط الفردي أيضاً، أي ما إذا اختص الغلط بمن قامت إرادته على أساسه، والآخر كان يعلم بواقع الحال إلّا انّ الذي يمنع عن الحكم بالخيار في هذا الفرض هو انّ الحكم بالخيار في ذلك يؤدّي إلى تزعزع التعامل ولم يأمن أي متعاقد ان يرى العقد الذي اطمأن إليه قد انهار بدعوى الغلط يقدمها الطرف الآخر وهو بعد لم يدخل في سريرته فيعلم انّ رضاءه كان قد صدر عن غلط  ! إذن فينبغي تخصيص الخيار بالغلط المشترك، ذلك انّ المتعاقد الآخر إذا اشترك معه في الغلط فمن العدل ان يقره على بطلان العقد لسبب هو نفسه قد اشترك فيه، ولا يعود هناك وجه للتذمّر من تقلقل المعاملات وعدم استقرارها.

وعلّق على ذلك السنهوري بان هذه النظرية لا تتمشّى مع المنطق ولا تتفق مع العدالة، ثم هي ليست ضرورية لتحقيق الغرض العملي المقصود وهو استقرار المعاملات إذ يمكن الوصول إلى هذا الغرض من طريق آخر.

أمّا انّ النظرية لا تتمشى مع المنطق فظاهر لانّ الغلط يفسد رضاء من وقع فيه ولو لم يشترك الآخر معه في الغلط فيجب منطقيّاً إبطال العقد سواء وقع المتعاقد الآخر في هذا العقد أو لم يقع.

وأمّا انّ النظرية لا تتفق مع العدالة فيظهر ذلك إذا فرضنا انّ الغلط لم يكن مشتركاً ولكن المتعاقد الذي صدر منه رضاء صحيح كان يعلم بالغلط الذي وقع فيه المتعاقد الآخر وتركه مسترسلاً في غلطه دون ان ينبهه إلى ذلك، فالغلط في مثل هذهِ الحالة يكون فردياً وليس من شأنه ان يبطل العقد طبقاً لنظرية الغلط المشترك.

ويترتب على ذلك انّه ما لم يكن هناك تدليس من المتعاقد الآخر ولنفرض انّه وقف موقفاً سلبياً محضاً فانّ العقد يكون صحيحاً لا مطعن فيه، وبديهي انّ هذهِ

', '', 496), (12, 497, 'book', '

النتيجة تصطدم العدالة فانّه إذا كان عدلاً ان يبطل العقد في حالة اشتراك الطرفين في الغلط فالأولى ان يبطل العقد إذا انفرد أحد المتعاقدين بالغلط وكان الآخر يعلم ذلك ولم ينبّهه إليه.

وأمّا انّ النظرية ليست ضرورية لاستقرار التعامل فانّ ذلك يظهر في وضوح لو أخذنا بنظرية الغلط الفردي واقتصرنا على اشتراط أن يكون المتعاقد الآخر متصلاً بهذا الغلط على الوجه الذي سيبيّن في الرأي الثاني.

أقول: كأن ملاحظة السنهوري الاُولى والثالثة تشكّلان إشكالاً واحداً وهو انّه حينما يمكن حفظ استقرار التعامل بالقدر المطلوب مع القول بالخيار في الغلط الفردي وجب منطقياً إبطال العقد لانّ رضاءه مشوب على أي حال بالغلط، أمّا لو فصلت الملاحظة الثالثة عن الاُولى لكان لصاحب نظرية الغلط المشترك ان يجيب عليها بانّه صحيح انّ مقتضى الطبع الأولي للمنطق هو ثبوت الخيار لدى الغلط الفردي ولكن منعنا عن القول به ضرورة حفظ استقرار التعامل، كما انّه لا يبقى مجال للملاحظة الاُولى لو قلنا بالإرادة الظاهرة فانّ الإرادة الظاهرة لم تكن مشوبة إلّا إذا ضمّمنا إليها أيضاً ما يحل محل الملاحظة الثالثة وهي توضيح انّه يكفي في مشوبية الإرادة الظاهرة كون المتعاقد الآخر متصلاً بهذا الغلط.

وأمّا ما نسبه إلى التقنين المصري الجديد فهو كفاية الغلط الفردي الذي يتصل به المتعاقد الآخر بمعنى انّه يكفي ثبوت الغلط ولو فردياً ولكن إذا كان المتعاقد الآخر لم يشترك في هذا الغلط وجب ـ  حتى تمتنع مفاجأته بدعوى الغلط  ـ أن يكون على علم به، أو أن يكون من السهل عليه ان يتبيّنه وهذا ما تقضي به المادّة [120] من التقنين الجديد المصري فهي تنصّ على انّه (إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له ان يطلب إبطال العقد إن كان المتعاقد الآخر قد

', '', 497), (12, 498, 'book', '

وقع مثله في الغلط أو كان على علم به أو كان من السهل عليه ان يتبيّنه).

وعلّل السنهوري ذلك(1) بانّ الغلط إذا لم يكن مشتركاً وفاجأ المتعاقد الذي وقع في الغلط المتعاقد الآخر بدعوى الغلط ولزم ان نبطل العقد بناء على مبنى الإرادة الباطنة فانّ المتعاقد الآخر حسن النية لا ذنب له فلماذا يبتلى بمشكلة عدم استقرار التعامل؟! والمخطئ هو المتعاقد الأوّل الذي أهمل في كشف نيّته ولم يجعل المتعاقد الآخر يتبيّن أو يستطيع ان يتبيّن ما شاب إرادته من غلط فوجب عليه التعويض وتدارك ضرر عدم استقرار التعامل وخير تعويض في هذهِ الحالة بقاء العقد صحيحاً وبكلمة اُخرى انّ الإرادة الباطنة وإن كانت مشوبة بالغلط ولكن هذا المورد من الموارد التي غلب فيها جانب الإرادة الظاهرة حفظاً لاستقرار التعامل ولا يستقيم هذا التعليل إلّا إذا كان المتعاقد الآخر لا علم له بالغلط وليس من السهل عليه ان يتبيّنه، أمّا إذا كان عالماً بالغلط وانّه هو الدافع إلى التعاقد فلا حق له في الشكوى من إبطال العقد لانّه يكون سيّئ النيّة، وإذا لم يكن عالماً بالغلط ولكن كان من السهل ان يتبيّنه وان يتبيّن انّه هو الدافع إلى التعاقد فلا حقّ له كذلك في الشكوى من إبطال العقد لانّه يكون مقصّراً، ويخلص لنا من كل ذلك ان الغلط الجوهري لا يجعل العقد قابلاً للإبطال إلّا إذا كان غلطاً مشتركاً أو كان غلطاً فردياً يعلمه المتعاقد الآخر أو يسهل عليه ان يتبّينه.

فإذا تحددت نظرية الغلط على هذا النحو فانّها لا تتنافى مع استقرار التعامل ذلك لانّ المتعاقد الذي وقع في الغلط لا يدع للمتعاقد الآخر سبيلاً للزعم بانّه

', '

(1) ما نقلته هنا مستخلص من مجموع ما جاء في الوسيط في المتن وفي التعليق تحت الخط، الصفحة 335، الفقرة 176.

', 498), (12, 499, 'book', '

فوجئ بطلب إبطال العقد فقد ثبت انّ هذا المتعاقد الآخر كان مشتركاً في الغلط، أو كان يعلم به، أو كان من السهل عليه ان يتبيّنه، وهو في الاُولى حسن النيّة ولكن مقتضى حسن نيّته ان يسلِّم بإبطال العقد، وهو في الثانية سيّئ النيّة والإبطال جزاء لسوء نيّته، وهو في الثالثة مقصّر وتعويض التقصير الإبطال.

وغنيٌّ عن البيان انّنا إذا اشترطنا أن يكون المتعاقد الآخر متصلاً بالغلط على النحو المتقدّم فانّ ذلك يعني أن يكون على بيّنة أيضاً من ان هذا الغلط الجوهري هو الدافع إلى التعاقد كما سبق القول. انتهى ما أردتُ نقله عن الوسيط.

أقول: إنّ الفرق الأساسي في المقام بين النظرة الفقهية للفقه الغربي والنظرة الفقهية للفقه الإسلامي هو انّ الفقه الغربي يرى انّ العيب الذي ادّى إلى قابلية العقد للإبطال يكمن في نفس الإرادة، فالإرادة لانّها كانت معيبة كان أثر ذلك قابلية العقد للإبطال ولو كانت مفقودة كان أثر ذلك بطلان العقد ففي المقام حيث انّ الإرادة موجودة فالعقد صحيح وحيث انّها قائمة على أساس الغلط فهي معيبة فالعقد قابل للإبطال.

ومن هنا نرى انّ الفقه الغربي أخذ يبحث عمّا هو المبرّر لعدم الخيار في موارد الغلط الفردي، أو في موارد الغلط غير المتصل بالمتعاقد الآخر، أو في موارد ما يسمّيه فقهاء الإسلام بتخلّف الداعي رغم انّ الإرادة هنا أيضاً معيبة بمعنى كونها قائمة على أساس الغلط فبرّروا ذلك بضرورة استقرار التعامل، أو بان المقياس هو الإرادة الظاهرة.

امّا الفقه الإسلامي فلا يقسّم الإرادة إلى معيبة بعيب يوجب الخيار وغير معيّبة بل الإرادة متى ما كانت موجودة مع تواجد سائر الشروط صحّ العقد وإلّا بطل العقد، وفي باب الإكراه يكون العقد باطلاً في رأي الفقه الإسلامي لفقدان

', '', 499), (12, 500, 'book', '

الرضا بالمعنى المقابل للإكراه، وإن ثبتت الإرادة بمعنى ما يقابل صدور العمل من دون اختيار أو بمعنى الرغبة الموجودة حتى مع الإكراه دفعاً للخطر في عمل لم يكن الإكراه بمستوى سلب الاختيار فانّ العامل عندئذ يعمل بإرادته تخلصاً من الخطر المتوعّد به أو قل إنّنا نقصد بالإرادة التي هي شرط في صحّة العقد طيب النفس بالمعنى المقابل للإكراه لا بمعنى مجرّد القصد الذي يمتاز به العمل الاختياري عن العمل غير الاختياري، ولا بمعنى الرغبة أو الرضا الناتج عن قصد التخلّص من خطر المكره، وان شئت فعبّر بانّ عيب الإرادة في الفقه الإسلامي الذي لا يفقدها وانّما يعيبها هو الإكراه وانّ جزاء عيب الإرادة هو البطلان لا الخيار.

وعلى أيّة حال فالخيار في الفقه الإسلامي لا يستند إلى كون الإرادة معيبة بقيامها على أساس الخطأ ولذا لم يبحثوا عن المبرّر لعدم الخيار في موارد ما اسموه بتخلّف الداعي وانّما بحثوا عن نكتة الخيار في موارد تخلّف الوصف المذكور في متن العقد مثلاً وبرّروه بمثل تخلّف الالتزام الضمني أو تخلّف الغرض المعاملي أو غير ذلك وقد عرفت انّنا نرى نكتتين للخيار كلتاهما غير مسألة كون الإرادة معيبة بقيامها على أساس الغلط احداهما التغرير والاُخرى تخلّف الشرط.

وهذا المنهج الإسلامي أوفق بالمرتكزات العقلائية من المنهج الغربي وذلك لانّ المنهج الغربي لا يستطيع ان يفسّر الخيار في المقام تفسيراً يطابق المرتكزات العقلائية على مسلك الإرادة الباطنة الذي هو أحد المسلكين في الفقه الغربي، وتفسير ذلك باستقرار التعامل لا يوضّح لنا الفرق بين هذا المقام وسائر الموارد التي أخذوا فيها بالإرادة الباطنة فإن كان الحفاظ على استقرار التعامل هو المنهج العام وكان هو الذي ادّى إلى العدول في المقام إلى الأخذ بالإرادة الظاهرة

', '', 500), (12, 501, 'book', '

فالمترقب هو المصير إلى إعطاء الأصالة للإرادة الظاهرة وهو خلف هذا المسلك وإلّا فما هو السرّ في خصوص المقام بالتوجّه إلى فكرة استقرار التعامل واستثنائه من بين الموارد الاُخرى التي اُسّست الأحكام فيها على أساس الإرادة الباطنة  ؟  !

وبكلمة اُخرى نحن نرى انّ الفقه الغربي بكلا مسلكيه في باب الإرادة أطبق على قابلية العقد للإبطال في مورد الغلط المتصل بالمتعاقد الآخر أو ـ  على الأقل  ـ الغلط المشترك وان اختلافهم في كون الأصالة للإرادة الباطنة أو للإرادة الظاهرة لم يؤثّر على فكرة قابلية العقد للإبطال في المقام، فلو أردنا ان نفترض ذلك مطابقاً لمرتكزات عقلائية كامنة في النفوس دون مجرّد تعبّد واجتهاد من قِبَل المشرّعين فهو يكشف لا محالة عن وجود نكتة اُخرى للخيار وقابلية العقد للإبطال غير نكتة كون الإرادة معيبة بقيامها على أساس الغلط لانّ هذهِ النكتة لا تفسّر لنا الفرق بين الغلط المشترك والغلط الفردي أو الغلط المتصل بالمتعاقد الآخر والغلط غير المتصل به على مدرسة الإرادة الباطنة مع انّنا نرى انّ اختلاف المدرستين لم يؤثّر على ما يختار في المقام.

وإذا قسنا النتيجة التي توصّلنا إليها إلى ما ذكروه من الغلط المشترك رأينا انّ النسبة بينهما عموم من وجه، فربما يكون التغرير أو الشرط موجوداً ولا يكون الغلط مشتركاً بل كان صاحبه على علم وعمد في ما فعل فهنا يثبت الخيار رغم عدم الاشتراك في الغلط كما قال به أصحاب نظرية الغلط المتصل به المتعاقد الآخر بل قال به حتى أصحاب نظرية الغلط المشترك لكن تحت اسم آخر غير اسم الغلط وهو اسم التدليس، كما انّ خيار التدليس وارد في فقهنا الإسلامي أيضاً وربما يكون الغلط مشتركاً وقد وقعا في الغلط في عرض واحد ولم يكن تغرير ولا شرط وهنا لا نلتزم بالخيار خلافاً لما قالوه.

$

', '', 501), (12, 502, 'book', '

وإذا قسنا النتيجة التي توصّلنا إليها بما أضافوه من كفاية علم المتعاقد الآخر بغلط صاحبه أو كون تبيّنه سهلاً عليه قلنا: إنّه ربما يكون العلم أو سهولة التبين ثابتاً له ولكنه لم يكن هو المغرّر ولا كان هناك شرط وجود الوصف بينهما وهنا لا مبرّر لدينا للخيار.

ثم  انّ صاحب الوسيط نقل في  المقام(1) عن التقنين  المصري الجديد المادة [124] انّه: (1 ـ ليس لمَن وقع في غلط ان يتمسّك به على وجه يتعارض مع ما يقضي به حسن النيّة. 2 ـ ويبقى بالأخص ملزماً بالعقد الذي قصد ابرامه إذا أظهر الطرف الآخر استعداده لتنفيذ هذا العقد) والمقصود بالبند الأوّل ما يشمل فرض ما إذا لم يكن البائع مثلاً محققاً للوصف أو الشرط المطلوب بالذات ولكنّه كان مستعداً لتدارك الضرر الحاصل من فقد الوصف بحيث يتحقّق كل الأغراض التي قصدها المشتري كما مثّل له في الوسيط بمَن اشترى أرضاً وهو يعتقد انّ لها منفذاً إلى الطريق العام ثم يتضح انّها محصورة فيعرض عليه البائع النفقات التي يقتضيها حصوله على حق المرور إلى الطريق العام ممّا يحقّق له كل الأغراض التي قصد إليها فيأبى إلّا إبطال البيع فلا يجاب المشتري إلى طلبه. والمقصود بالبند الثاني خصوص ما إذا استعد البائع لتحقيق الوصف أو الشرط المطلوب وتنفيذ العقد حرفيّاً ونقل في الوسيط تحت الخط عن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للتقنين المصري بصدد المادّة [124] التمثيل له بمَن يشتري شيئاً معتقداً خطأً أن له قيمة أثرية مرتبطاً بعقد البيع وعرض البائع استعداده لأن يسلّمه نفس الشيء الذي انصرفت نيّته إلى شرائه فهنا ليس للمشتري حق الإبطال.

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 340 ـ 341، البند 178.

', 502), (12, 503, 'book', '

أقول: لا شك في انّ استعداد البائع لتنفيذ العقد حرفياً لا يُبقي مجالاً لحق خيار الفسخ، لكن هذا انّما يتمّ فيما إذا كان المبيع كلياً وكان معه شرط لم ينفّذه البائع، أو كان المبيع موصوفاً بوصف لم ينفّذه البائع لدى التسليم فاستعدّ لتحقيق الشرط أو تبديل الفرد المسلّم بفرد آخر واجد للوصف مثلاً فانّ هذا يُسقط الخيار الناتج عن عدم وفاء البائع بالشرط أو عدم تسليمه لما التزم به من المتاع الموصوف بوصف ما لانّ هذا معناه حصول الوفاء وبه يزول سبب الخيار.

وكذلك ما لو كان المبيع جزئياً وكان فاقداً للوصف المشترط لكن كان بإمكان البائع تحقيق ذلك الوصف بحيث يتحقّق بذلك الشرط الموصوف به نفس ذاك المبيع الجزئي كما لو اشترى البيت بشرط تعمير الفطور الموجود فيه فخالف البائع الشرط ثم استعد لتحقيقه بنحو يعدّ وفاء بالشرط.

أمّا إذا كان المبيع جزئياً فاقداً للوصف المطلوب كما في المثال الذي ذكره فهنا لا مجال لإسقاط الخيار بتبديل الفرد بفرد آخر واجد للوصف فانّ العقد انّما وقع على الفرد الأوّل وهو فاقد للوصف المقصود فليس المشتري ملزماً بقبوله، وأمّا الفرد الثاني الواجد للوصف فهو بحاجة إلى عقد جديد وليس المشتري ملزماً بقبول العقد الجديد إلّا ان ندخل هذا التبديل تحت عنوان تدارك الضرر الحاصل بفقدان الوصف وهذا رجوع إلى البند الأوّل.

وتحقيق الحال في البند الأوّل إذا أردنا ان نخضعه للمقاييس التي نحن توصّلنا إليها من التغرير وتخلّف الشرط هو انّ التغرير يرتفع بالتدارك فانّ التدارك يشبع الفطرة العقلائية التي تقول: إنّ المغرور يرجع إلى من غرّه لانّ إلزامه البائع بالتدارك بنفسه مصداق تام لرجوع المغرور إلى مَن غرّه فلا يبقى مجال لخيار الفسخ، وأمّا تخلّف الشرط فلا يرتفع بذلك لانّ المفروض انّ ذات الشرط لم

', '', 503), (12, 504, 'book', '

يحصل والعدول إلى شيء آخر يحقّق نفس الأغراض المرجوّة من ا لشرط عدول إلى شرط جديد يحتاج إلى موافقة المشتري عليه ومجرّد حصول الغايات المطلوبة لا يكفي لإشباع الفطرة العقلائية التي تقول: إنّ الالتزامين المتقابلين لدى الانعقاد متقابلان لدى الوفاء فإذا تخلّف أحدهما عن الوفاء كان للآخر التخلف عن التزامه والتراجع عنه وفسخه.

تنبيهات حول فقدان الإرادة ووجودها المعيب:

وفي ختام بحثنا عن المقارنة بين فقدان الإرادة ومسألة الغلط الموجب للخيار نرى لزاماً علينا التنبيه على عدّة اُمور:

أقسام عدم التطابق بين الإيجاب والقبول:

الأمر الأوّل ـ انّ المصداق المتفق عليه لفقدان الإرادة الموجب للبطلان بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي كان عبارة عن عدم التطابق بين الإيجاب والقبول وهل عدم التطابق بينهما بجميع أنحائه المتصورة يوجب البطلان أو لا  ؟

ذكر السيد الخوئي في المقام أقساماً خمسة لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول(1).

القسم الأوّل ـ ما إذا اختلفا في عنوان العقد وهذا ما ذكره في مصباح الفقاهة دون المحاضرات كما لو انشأ الموجب البيع وقَبِل القابل الهبة، وهنا لا إشكال في البطلان لعدم تماميّة العقدة بين الإيجاب والقبول وبالتالي عدم انعقاد العقد.

القسم الثاني ـ ما إذا اختلفا في المتعلّق، أي الثمن أو المثمن وهنا أيضاً لا إشكال في عدم الانعقاد بنفس النكتة.

$

', '

(1) راجع مصباح الفقاهة 3: 71 ـ 74، والمحاضرات 2: 139 ـ 141.

', 504), (12, 505, 'book', '

القسم الثالث ـ ما إذا اختلفا في طرف العقد كما لو قال: بعتك بكذا فقال له القابل: قبلت لموكّلي وهنا فصّل السيد الخوئي بين ما لو كان طرف العقد ركناً ومقوّماً للعقد وما لم يكن كذلك، ففي الأوّل يبطل العقد وفي الثاني لا يبطل، والركنية في نظر السيد ا لخوئي تكون في موردين:

(الأوّل) عقد النكاح لوضوح ركنية الزوجين فيه (وإن كان هذا خارجاً عن معقد بحثنا حيث عقدنا البحث في العقود المالية) فلو قالت: زوّجتك نفسي فقال: قبلت لموكّلي بطل العقد، وهذا بخلاف مثل البيع الذي يكون المهمّ فيه تبادل المالين ولا ركنية لشخصية البائع أو المشتري.

(والثاني) ما إذا كان الثمن أو المثمن في الذمّة فعندئذ تكون ذمم الأشخاص مختلفة ويكون تعيين شخصية العاقد مقوّماً وركناً في العقد ودخيلاً في ما يهمّ الطرف الآخر، فلو باعه بثمن في ذمته وقَبِل القابل لموكّله بثمن في ذمّة الموكّل بطل البيع، وبكلمة اُخرى انّ الاختلاف في طرف العقد حينما يكون الثمن أو المثمن في ذمّته يرجع إلى الاختلاف في المتعلّق وهو القسم السابق لانّ ما في ذمّة هذا غير ما في ذمّة ذاك باعتبار تقوّم ما في الذمّة بالذمة (وهذه الكلمة الاُخرى موجودة في مصباح الفقاهة دون المحاضرات) والأصح ما جاء في تعليق المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) على المكاسب(1) من انّ الاعتبار بالقصد العهدي العقدي لا بالقصد الخارجي الذي لم يقع العهد والعقد عليه فلو قال: بعت من موكّلك ولم تقم قرينة على نفي تعلّق القصد العقدي بالموكّل فقال القابل: قبلت لنفسي بطل العقد، وإن كان الغرض الخارجي متعلّقاً بمبادلة مال بمال من دون

', '

(1) المكاسب 1: 72.

', 505), (12, 506, 'book', '

خصوصية للأشخاص إلّا في ما إذا شكّلت غلبة عدم الاهتمام بخصوصية الأشخاص قرينة نوعية على صرف القصد العهدي والعقدي عن الظهور الأوّلي للفظ.

القسم الرابع ـ ما إذا اختلفا في الشروط وهنا جاء في مصباح الفقاهة: انّ الاختلاف في الشرط يوجب البطلان لانّ الشرط إمّا أن يرجع في واقعه إلى تعليق العقد على الشرط وبه يختلف الإيجاب عن القبول لا تتمّ العقدة بينهما فيبطل العقد، أو يرجع في واقعه إلى تعليق اللزوم على الشرط وهذا يعني جعل الخيار الراجع إلى تحديد المُنشأ وبتحديد المُنشأ بحدين مختلفين يقع الفرق بين الإيجاب والقبول فيبطل العقد أيضاً.

أقول: إنّ هذا الكلام غريب فان جعل الخيار ليس تحديداً للمُنشأ بما قبل الفسخ بذاك الخيار ولا بأي شيء آخر.

والواقع انّ ما جاء في المحاضرات أدقّ وأمتن ممّا ورد في مصباح الفقاهة وهو انّ الشرط في باب العقود اجنبيّ عن الالتزام العقدي ولا يستلزم تعليقه عليه وانّما التعليق راجع إلى الالتزام بالوفاء فحقيقته جعل الخيار على تقدير تخلّف العقد فلو اختلفا في الشرط لم يعد ذلك إلى الاختلاف في ذات الإيجاب والقبول فإذا رضي البائع بعد ذلك بسقوط الشرط صحّ البيع.

أقول: إنّ مجرّد إرجاع الشرط إلى شرط الخيار لا يحلّ إشكال الاختلاف بين الإيجاب والقبول بل كان لا بد من تحقيق الحال في شرط الخيار عندئذ هل هو قيد في العقد فيعود الأمر مرّة اُخرى إلى الاختلاف بين الإيجاب والقبول  ؟ أو ليس قيداً فيه إذن فما هي العلاقة المعنوية بين الشرط الضمني والعقد  ؟

وقد مضى منّا البحث عن ذلك فيما سبق وانتهينا إلى انّ سائر الشروط لا

', '', 506), (12, 507, 'book', '

ترجع إلى شرط الخيار، وإلى انّ الشرط هو التزام في مقابل الالتزام بالعقد وهذا التقابل يساوق الاستقلال من ناحية ويفسّر الخيار على تقدير التخلّف من ناحية اُخرى. وإذا ثبت الاستقلال ثبت انّ الاختلاف في الشرط لا يعود إلى الاختلاف بين ذات الإيجاب وذات القبول نعم بما انّ الرضا كان منوطاً بالشرط فالاختلاف في الشرط أوجب فقدان الرضا فنحتاج إلى تجدّد الرضا كي يتم البيع أو ـ  على الأقل  ـ كان الرضا المبرز منوّطاً بالشرط فاحتجنا إلى تجدّد إبراز الرضا كي نحرز تمامية العقد.

وذكر المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) في المقام(1) انّ صحّة البيع في موارد تعذّر الشرط أو فساده إذا كانت على مقتضى القاعدة لا بالتعبّد بمثل الإجماع فلا محالة يلزم القول في موارد اختلاف الإيجاب والقبول في الشرط بالصحّة أيضاً وذلك لانّ تحقّق المعاقدة إن كان دائراً مدار الشرط إذن فتعذره أو فساده يبطل العقد، وإن لم يكن دائراً مداره فالمعاقدة في المقام تتم على أصل التبادل رغم اختلاف الموجب والقابل في الشروط، فالمفروض عدم مضريّة هذا الخلاف بصحّة العقد.

أقول: قد مضى منّا انّ الرضا بكليّ العقد يقبل التقييد بواقع الشرط بمعنى التحصيص، أي ان يتعلّق الرضا بخصوص تلك الحصّة من العقد المقارنة لتحقّق الشرط المقصود ولكن الرضا يسري من الكليّ إلى هذا الفرد من العقد ويكون سريان الرضا من الكليّ إلى الجزئي دائراً مدار وصول الأوصاف والشروط المطلوبة بدرجة من درجات الوصول لا دائراً مدار واقع تلك الأوصاف والشروط وبهذا يتّضح الفرق بين باب اختلاف الإيجاب والقبول في الشرط

', '

(1) راجع تعليقته على المكاسب 1: 72 ـ 73.

', 507), (12, 508, 'book', '

وباب تعذّر الشرط أو فساده حيث انّه في مورد انكشاف التعذّر أو الفساد بعد العقد يكون الرضا محرزاً حين العقد لانّ سريان الرضا إلى الجزئي لم يكن دائراً مدار تحقّق الشرط واقعاً في الخارج وانّما كان دائراً مدار مستوى من وصوله الثابت حين العقد، أمّا مع اختلاف الإيجاب والقبول في الشرط فلم يتحقّق حين العقد الوصول المطلوب في سريان الرضا فلا بد من تجديد الرضا كي يتمّ العقد.

وهذه حالة وسطية بين بطلان العقد بمعنى الحاجة إلى تجديد الانشاء وصحّته مع الخيار، بمعنى انّ إزالته بحاجة إلى الفسخ ففي المقام ليس العقد باطلاً بمعنى انّ أحدهما لو تنازل بعد ذلك عن اختلافه مع صاحبه في الشرط احتاجا إلى تجديد إنشاء العقد، وليس صحيحاً بمعنى انّ إزالته بحاجة إلى الفسخ على أساس الاختلاف في الشرط بل العقد يكون في تأثيره بحاجة إلى تعقّب الرضا لانّ الرضا كان منوطاً بالشرط وقد وقع الخلاف بينهما فيه فان أعقبه الرضا تمّ العقد وإلّا بطل العقد بفقدان الرضا.

ونستثني من ذلك حالتين:

الحالة الاُولى ـ ما إذا كان العاقد راضياً بالعقد حتى على شرط صاحبه وانّما فرض الشرط الذي فرض طلباً لمزيد الخير فهنا ينعقد العقد (ما لم يفرض معلّقاً على الشرط الذي لم يقبله صاحبه) ويكون له الخيار على أساس عدم موافقة صاحبه على شرطه.

الحالة الثانية ـ ما إذا لم يطلع العاقد على عدم موافقة صاحبه على شرطه لغفلة أو لإجمال كلام صاحبه أو لأيّ سبب آخر فسرى الرضا إلى هذا المصداق من العقد على أثر جهله بعدم انعقاد شرطه المطلوب له فهنا أيضاً ينعقد العقد ويكون له الخيار.

$

', '', 508), (12, 509, 'book', '

هذا. وما افترضناه من الحالة الوسطية بين البطلان الذي لا يمكن أن يلحقه التصحيح بالرضا والصحّة مع الخيار انّما تتعقّل في المقام على أساس مرتكزات فقهنا الإسلامي ولا تتعقّل على أساس مرتكزات الفقه الغربي.

وتوضيح ذلك: انّ الفقه الإسلامي يرى انّ البيع مثلاً إنشاء للتمليك وانّه مشروط بالرضا فان تمَّ بالنتيجة إنشاء التمليك ولكن الرضا بالنتيجة كان مفقوداً حصلت تلك الحالة الوسطية فبالإمكان بعد ذلك تصحيح البيع بإلحاق الرضا به، وبالإمكان عدم تصحيحه بعدم الرضا فليس هو باطلاً بمعنى عدم قابلية لحوق الرضا ولا صحيحاً يمكن فسخه.

أمّا على منهج الفقه الغربي فالبيع ليس عدا إبراز الرضا بالتمليك فان فقد الرضا لم يكن هناك بيع والرضا الجديد يجب ان يتم على أساس بيع جديد وإن لم يفقد الرضا فالبيع قد تحقّق وله الخيار لو كان الرضا معيباً ولذا ترى انّ الفقه الغربي لم يفصّل في الحكم بين الاختلاف في المتعلّق والاختلاف في الشروط(1) فقد كان هذا مترقباً من الفقه الغربي ولكن الشيخ الانصاري (رحمه الله) (وهو شيخ فقهاء الإسلام) لم يفصل أيضاً بين الاختلاف في المتعلّق والاختلاف في الشروط(2)ولعلّه ينظر إلى جامع البطلان الذي يكون في موارد الاختلاف في المتعلّق غير قابل للتدارك بإلحاق الرضا وفي موارد الاختلاف في الشرط قابلاً لذلك.

القسم الخامس ـ ما إذا اختلفا في الأجزاء كما لو قال أحدهما للآخر: بعتك هذه الدار بألف وقال الآخر: قَبِلتُ نصفها بخمسمائة أو قال أحدهما: بعتك هاتين

', '

(1) راجع الوسيط 1: 232، الفقرة 111.

(2) راجع المكاسب 1: 101، حسب طبعة الشهيدي.

', 509), (12, 510, 'book', '

الساعتين بعشرة وقال الآخر قَبِلتُ هذه الساعة بخمسة، وألحق بذلك فيالمحاضرات مثل ما إذا قال البائع بعتكما هذه الدار بكذا فقَبِل أحدهما حصته من البيع ولم يقبل الآخر، وقد حكم السيد الخوئي في هذا القسم بانّ مبدأ الانحلال يؤدّي إلى مطابقة الإيجاب والقبول في القسم الذي اشترك عليه الإيجاب والقبول فلا يبقى فرق بين الإيجاب والقبول إلّا من حيث شرط الانضمام بين الأجزاء فيرجع هذا القسم إلى القسم السابق.

أقول: إنّ هذا الكلام متين إلّا انّه قد يتفق ان قرائن الحال تدلّ على إرادة الانحلال البحت، أعني انّه لا يوجد حتى شرط الانضمام فكأنّما الإنشاء كان في روحه إنشائين جمعا في صيغة واحدة، وهناك لا إشكال في انّه لا يوجد أي فرق بين الإيجاب والقبول حتى على مستوى الشروط.

فرض القبول إيجاباً وإلحاقه بقبول آخر:

ومهما بطل العقد على أساس عدم التوافق بين الإيجاب والقبول فهل يمكن فرض القبول إيجاباً وإلحاقه بقبول من قبل الموجب الأوّل كي يتمّ بذلك العقد أو لا  ؟ قد نصّ القانون المصري الجديد في المادّة [96] بإمكان ذلك(1) ولا يوجد في المبادئ الفقهية لفقهنا الإسلامي ما يمنع عن ذلك ما دمنا آمنّا بإطلاق الأدلّة في طريق إبراز المقصود بالعقد ما عدا قابلية صيغة القبول لوقوعها إبرازاً لإيجاب جديد فلو كانت صيغة القبول مثلاً بلسان (اشتريت) فهذا قابل لفرضه إيجاباً للشراء يقبله البائع، أمّا لو كانت صيغة القبول عبارةً عن المطاوعة البحتة للإيجاب السابق كما في مثل (قَبِلتُ) فقد لا تقبل عرفاً فرضها إيجاباً جديداً وإن كان فرض اختلافه عن الإيجاب يبعده عن المطاوعة.

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 235، الفقرة 111.

', 510), (12, 511, 'book', '

تخلّف الداعي لا يوجب الخيار إلّا في موردين:

الأمر الثاني ـ في بيان ما وعدناه من الاستثناء عن عدم كون تخلّف الداعي موجباً عندنا للخيار.

وتوضيح المقصود انّه تلخص ممّا مضى ان نكتة الخيار عندنا في المقام هي أحد أمرين صادرين ممّن عليه الخيار وهما التغرير وتخلّف الشرط لا ما صدر من ذي الخيار وهو الوقوع في الغلط والاشتباه، ولذا نرى انّ عدم الخيار في موارد تخلّف الدّاعي يكون وفق الطبع الأوَّلي بلا حاجة إلى تبريره بمثل استقرار العقد.

ونستثني من عدم كون تخلّف الداعي سبباً للخيار موردين.

المورد الأوّل ـ ما إذا كان الغلط الذي وقع فيه عبارة عن تخلّف الهدف العام الثابت لجميع العقلاء عادة في معاملاتهم وهو هدفان:

أحدهما ـ انحفاظ القيمة المالية ولو بشكل تقريبي لما بذله في ما أخذه بدلاً عن ماله، فلو غبن في ذلك كان له خيار الغبن ولو فرض انّ السبب في وقوعه في الغبن لم يكن هو المتعاقد الآخر بل كان هو أيضاً كالمتعاقد الأوّل متورّطاً معه في نفس الخطأ في عرض واحد، أو كان غير مطّلع على السعر السوقي والمغبون هو الذي أخبره بالسعر الذي اعتقده خطأ.

وثانيهما ـ وصف صحّة المتاع الذي أخذه بدلاً عن ماله فلو تبيّن كونه معيباً كان له خيار العيب.

فبما انّ انحفاظ القيمة المالية ووصف الصحّة غرضان عامّان لدى الناس، من دون فرق بين الموجب والقابل، ولا بين عقد وعقد، ولا بين متاع ومتاع فكأنّهما فرضا في النظام العام مّما ينبغي انحفاظه وضمانه لكِلا المتعاملين بحيث أصبح تخلّف أحدهما موجباً للخيار، وليس كذلك الحال في الأغراض الخاصّة

', '', 511), (12, 512, 'book', '

فلو تخلّف وصف تخيّله العاقد غير وصف الصحّة ووصف انحفاظ القيمة المالية فيه من دون تغرير أو التزام بالشرط من قِبَل صاحبه لم يكن هذا في النظام العام العقلائي موجباً للخيار، وكذلك فرض تخلّف باقي الدواعي فليس في النظام العام العقلائي انّه ينبغي انحفاظ الأغراض الشخصية للمتعاملين، وإن شئت فعبّر بتعبير أن كون وصف الصحّة والسلامة وكذلك وصف انحفاظ القيمة المالية لما انتقل منه فيما انتقل إليه بما انّهما غرضان عامّان فكأنّه ثبتت لدى العقلاء أصالة السلامة وأصالة عدم الغبن، فقد يعتمد العاقد في تعاقده على هذا الأصل ويراه مغنياً عن شرط السلامة أو شرط عدم الغبن فلو ثبت بعد ذلك تخلّف هذا الأصل كان له الخيار عقلائياً لأجل تخلّف هذا الأصل لا لمجرّد كون الإرادة معيبة بالعيب الموجود في جميع موارد تخلّف الداعي.

والدليل الشرعي على خياري الغبن والعيب بعد عقلائيتهما هو الإمضاء الثابت بعدم الردع مضافاً إلى قاعدة نفي الضرر المطبّقة على هذا الحق العقلائي حيث انّ هذا الخيار حقّ عقلائي، يكون سلبه ضرراً على المسلوب عنه ويمكن تطبيق قاعدة نفي الضرر في مورد الغبن على المالية التي خسرها المغبـون فحتى لو لم نقبل بعقلائية خيار الغبن كانت قاعدة لا ضرر دليـلاً كافياً لإثبات الخيـار لانّ اللـزوم ضـرريٌ في المقام. ولعلّ تفصيل الكلام في ذلك نذكره في مجال آخر.

أمّا خيار العيب فلا يمكن إثباته بقاعدة نفي الضرر من دون توسيط دعوى عقلائية حق الخيار لانّ العيب لا يلازم الضرر المالي، ولو ثبت الضرر المالي دخل في الغبن وثبت الخيار بنكتة الغبن.

$

', '', 512), (12, 513, 'book', '

نعم خيار العيب يمتاز بدلالة نصوص صحيحة صريحة عليه(1).

وقد يقال: إنّ النكتة العقلائية المقتضية للخيار لدى العقلاء في موارد الغبن والعيب انّما هي الشرط الضمنيّ العام، فاشتراط السلامة وعدم الغبن أمر مركوز لدى العقلاء في العقود ولو لم يصرّح به فليس هذان الخياران عقلائيين بنكتة جديدة غير ما مضى فان تخلّف الشرط هي إحدى النكتتين الماضيتين.

ولكنّ الواقع أنّ هذا الشرط الضمني كثيراً مّا يكون غير موجود في موارد الغبن كما قد يتفق عدم وجوده في مورد العيب، وعلى أيّة حال فنحن نقصد انّه حينما لا يوجد شرط ضمنيّ من هذا القبيل يكون المرتكز عقلائياً ـ  رغم عدم الشرط  ـ الخيار لفقدان الغرض العام أو قل: لأصالة السلامة وعدم الغبن إلّا إذا كان ظاهر الحال هو نفي الالتزام بالسلامة، أو بعدم الغبن إلى حدّ فهم منه ضمناً إسقاط الخيار أو قل البراءةُ عن العيوب والغبن.

هذا. وخيار الغبن أو العيب غير مشروط في الفقه الإسلامي بكون الغلط مشتركاً، أو كون المتعاقد الآخر عالماً بالغلط الذي وقع فيه صاحبه، أو أن يكون من السهل ان يعلمه فان أدلّة الخيار الماضية تشمل فرض عدم كون الأمر كذلك، ولا يضرّ ذلك بملاك استقرار التعامل فانّ الفقه الإسلامي يرى كفاية الاستقرار الحاصل من حجية الظهورات والاُصول ففي المقام مثلاً لا يكفي مجرّد دعوى

', '

(1) من قبيل: صحيحة داود بن فرقد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر وليس بها حمل، فقال: إن كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب تردّ منه. الوسائل 18: 101، الباب 3 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1، طبع مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام).

', 513), (12, 514, 'book', '

الغبن أو العيب لحكم المحكمة بالخيار بل لا بد من إثبات ذلك بأمارة حجّة وإلّا فالحقّ مع المنكر بيمينه.

المورد الثاني ـ ما إذا جهل من انتقل إليه المتاع بوصف المتاع نتيجة عدم القيام بالمقدار المتعارف من الفحص قبل الشراء فتورّط في وصف غير مطلوب له. وهذا ليس على أساس نكتة عقلائية في ذلك فانّ النكتة العقلائية مخصوصة ـ  كما مضى  ـ بخصوص الأغراض العامّة وانّما ثبت هذا ببعض النصوص تعبّداً من قبيل:

1 ـ ما ورد بسند تام عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها فلمّا ان نقد المال صار إلى الضيعة فقلبها ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله فقال ابو عبد الله (عليه السلام) انّه لو قلّب منها ونظر إلى تسعة وتسعين قطعة ثم بقى منها قطعة ولم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية(1) فظاهر هذا الحديث انّ المقصود بخيار الرؤية ليس هو خيار تخلّف الوصف المذكور في العقد بل هو خيار فقدان وصف في المتاع لم يكن يعلم فقدانه فيه ولم يكن قام بالفحص والرؤية بالقدر الكافي عرفاً ثم رآه بعد الشراء على غير الوصف المطلوب.

2 ـ ما عن زيد الشحّام بسند تام قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى سهام القصّابين من قبل ان يخرج السهم فقال: لا تشترِ شيئاً حتى تعلم أين يخرج السهم فان اشترى شيئاً فهو بالخيار إذا خرج(2) بناء على انّ المقصود هو

', '

(1) الوسائل 12: 361، الباب 15 من أبواب الخيار، ا لحديث 1.

(2) الوسائل 12: 362، الباب 15 من أبواب الخيار، الحديث 2.

', 514), (12, 515, 'book', '

خيار الفسخ لعدم معرفة وصف المبيع لا خيار إمضاء الشراء وعدمه لأجل كون البيع قبل القبض ولا يبعد كون الحديث مجملاً بين المعنيين.

3 ـ ما ورد عن ميسّر بسند تام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: رجل اشترى زقّ زيت فوجد فيه دردياً قال فقال: إن كان يعلم انّ ذلك يكون في الزيت لم يرده وإن لم يكن يعلم انّ ذلك يكون في الزيت ردّه على صاحبه(1) بناء على انّ قوله: (إن كان يعلم انّ ذلك يكون في الزيت... الخ) قرينة على انّ درديّ الزيت لم يكن أكثر من المقدار المتعارف كي يكون عيباً، أو تبعّض صفقة فيدخل في خيار العيب أو تبعّض الصفقة فالخيار إذن انّما يكون لأجل عدم معرفته بوصف المتاع وعدم فحصه عنه.

هذا. والتعدي العرفي من موارد هذه الروايات لا يقتضي أكثر من التعدي إلى سائر أوصاف المتاع وإلى سائر أقسام الفحص المتعارف فلا يستفاد من هذه الروايات بالتعدّي العرفي قاعدة عامّة مشابهة لمبدأ الفقه الغربي وهي كون تورّط العاقد في الخطأ يقتضي بشكل مطلق حقّ إبطال العقد كي نحتاج لإخراج موارد ما يسمّى بتخلّف الدّاعي إلى التبرير بضرورة حفظ استقرار التعامل كما فعله الفقه الغربي في الغلط غير المتصل به المتعاقد الآخر، وكذلك ليس خيار الرؤية مشروطاً عندنا بكون الغلط مشتركاً أو كون المتعاقد الآخر عالماً بالغلط أو من سهل ان يعلمه.

حكم أقسام الغلط الواردة في كتاب (الوسيط):

الأمر الثالث قد ظهر بكل ما ذكرناه حال غالب أقسام الغلط التي جاء في

', '

(1) الوسائل 12: 419، الباب 7 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1.

', 515), (12, 516, 'book', '

الوسيط(1) فرض إيجابها لحق إبطال العقد وهي:

1 ـ الغلط في وصف المتاع.

وقد عرفت انّ هذا هو مورد خيار تخلّف الوصف أو الشرط أو خيار الرؤية أو العيب بالتفاصيل التي عرفت فرقها عن التفاصيل الواردة في الفقه الغربي.

2 ـ الغلط في شخص المتعاقد.

ولا يبعد في موارد ركنيّة المتعاقد كما في عقد الشركة أو القرض أو التبرّع ونحو ذلك التعدّي من مورد روايات خيار الرؤية إلى الغلط في شخص المتعاقد سواء كان الغلط في شخصية المتعاقد كالاعتقاد خطأ بكونه فلاناً أو في وصفه الذي يهمّه كالاعتقاد خطأ برابطة قرابة بينه وبين المتبرّع له حينما يكون هذا الاعتقاد هو الدافع إلى التبرّع مثلاً فيوجب ذلك الخيار (بقطع النظر عن فرض تزلزل أصل عقد التبرّع) هذا فيما إذا لم يكن الخطأ في شخص العاقد بمعنى اختلاف الإيجاب والقبول في تعيين شخص العاقد وإلّا فقد عرفت انّ هذا يؤدّي إلى بطلان العقد.

3 ـ الغلط في القيمة.

وهذا هو مورد ما مضى من خيار الغبن.

4 ـ الغلط في الباعث.

وهذا هو مورد تخلّف الدّاعي الذي عرفت انّه لا خيار فيه.

5 ـ الغلط في القانون.

وهو ان يشترط خطأ شرطاً غير قانوني وهذا ما يسمّى عندنا بالشرط الفاسد.

$

', '

(1) الوسيط 1: 320 ـ 331، الفقرة 169 ـ 174.

', 516), (12, 517, 'book', '

حكم الشرط الفاسد:

وقد اتّضحت ممّا مضى صفوة القول في مفسديّة الشرط الفاسد للعقد وعدمها وانّ الصحيح عدم الإفساد لانّ الشرط التزام في مقابل الالتزام بالعقد، والتقابل يساوق الاستقلال فلا موجب لسريان فساده إلى العقد(1)، وقد يشهد لعدم سريان فساد الشرط إلى العقد بعض الروايات من قبيل:

ما عن الحلبي بسند تام عن أبي عبد الله (عليه السلام): انّ بريرة كانت عند زوج لها وهي مملوكة فاشترتها عائشة وأعتقتها فخيّرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال إن شاءت ان تقرّ عند زوجها وإن شاءت فارقته وكان مواليها الذين باعوها اشترطوا على عائشة ان لهم ولاءها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الولاء لمَن أعتق»(2) ففي هذا الحديث قد أبطل رسول الله الشرط من دون ان يبطل البيع.

وما عن إسحاق بن عمّار بسند تام عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): إنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطاً فليف لها به فانّ المسلمين عند شروطهم إلّا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً»(3) حيث فرض كونه امرأته أمراً مفروغاً عنه فظاهره صحّة النكاح ولو كان فيه شرط حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً إلّا ان تحتمل الخصوصية في النكاح فلا يتعدّى إلى عقود الأموال.

$

', '

(1) طبعاً هذا في غير ما إذا كان سبب الفساد كون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد كما في بعتك بلا ثمن، أمّا في هذا الفرض فلا إشكال في فساد العقد لانّ الضمير لم ينعقد على مقتضى العقد كما هو واضح.

(2) الوسائل 14: 559، الباب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.

(3) الوسائل 14: 487، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 9. و  12: 354، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 5.

', 517), (12, 518, 'book', '

وما عن زرارة بسند تام عن أبي عبد الله (عليه السلام): قلت له: رجل كانت له مأتادرهم فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فراراً بها من الزكاة فعل ذلك قبل حلّها بشهر فقال: إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول ووجبت عليه فيها الزكاة قلت له: فان أحدث فيها قبل الحول  ؟ قال: جائز ذلك له قلت: انّه فرّ بها من الزكاة قال: ما أدخل على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها فقلت له: إنّه يقدر عليها قال فقال: وما علمه انّه يقدر عليها وقد خرجت من ملكه  ؟ قلت فانّه دفعها إليه على شرط فقال: إنّه إذا سمّاها هبة جازت الهبة وسقط الشرط وضمن الزكاة قلت له: وكيف يسقط الشرط وتمضي الهبة ويضمن الزكاة  ؟ فقال: هذا شرط فاسد والهبة المضمونة ماضية والزكاة له لازمة عقوبة له ثم قال: إنّما ذلك له إذا اشترى بها داراً أو أرضاً أو متاعاً...(1).

وقد يقال: إنّ هذا الحديث لم يدل فقط على عدم فساد العقد بفساد الشرط بل دلّ أيضاً على عدم ثبوت الخيار بسبب فساد الشرط لانّ الإمام (عليه السلام)نفى ضمان قدرته على إرجاع ما وهب وهذا لا يكون إلّا مع عدم الخيار، ومع فرض كون الهبة لازمة إمّا لكونها هبة لذي رحم أو لدعوى لزوم الهبة في ذاتها ولو بعد القبض كما في بعض الأحاديث، أو لفرض تصرّف الموهوب له فكأنّ الإمام (عليه السلام)يقول: (وما علمه انّه يقدر عليها مع انّ الموهوب له من الممكن ان يتصرّف في المال فتلزم الهبة) وعلى أيّة حال فقد دلّ الحديث على عدم الخيار.

إلّا انّه لا يمكن التعدّي في مسألة عدم الخيار من مورد الحديث إلى سائر الشروط لانّ الشرط الفاسد في مورد الحديث انّما هو شرط الخيار ومن الواضح انّه لو كان فساد شرط الخيار موجباً للخيار كان هذا مساوقاً لعدم فساد الشرط

', '

(1) الوسائل 6: 111 ـ 112، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، الحديث 2.

', 518), (12, 519, 'book', '

لتحقّق ما هو المقصود من الشرط فلعلّه لأجل هذا لم يثبت الخيار في المقامبخلاف سائر الشروط.

وعلى أيّة حال فيقع الكلام في المقام في انّ فساد الشرط ـ  بعد ان عرفنا عدم مفسّديته للعقد  ـ هل يوجب الخيار للمشروط له أو لا  ؟ والكلام في ذلك تارة يكون في ما فرضناه من تورّط المشروط له في الشرط الفاسد خطأً، واُخرى في فرض العمد والعلم بفساد الشرط:

أمّا في فرض الخطأ فتارة نفترض ان المشروط عليه يخلف الشرط لفساده واُخرى نفترض انّ المشروط عليه يعمل بالشرط ظاهراً لكن الشرط لا يتنفّذ واقعاً لفساده، كما لو شرط عليه بيع اُمّ ولد له وهو يعمل بالشرط ولكنّه لا يتنفّذ الشرط واقعاً، لفساد بيع اُمّ الولد وثالثة نفترض أنّ المشروط عليه يعمل بالشرط وهو أمر تكوينيّ يتنفّذ تكويناً رغم فساد الشرط كما لو شرط عليه شرب الخمر فشرب.

ففي الفرض الأوّل تكفي في ثبوت الخيار نفس النكتة التي ثبّتناها لدى التخلّف عن الشرط الصحيح وهي انّ الشرط التزام في مقابل التزام وتقابلهما لدى العقد يوجب عقلائياً تقابلهما لدى الوفاء، بمعنى انّ وجوب الوفاء بأحدهما يناط بالوفاء بالآخر بحيث لو لم يف الآخر بذاك الالتزام ولو لأجل عدم مشروعيته كان للأوّل عدم الوفاء بمخالفة آثاره بترك التسليم مثلاً وبالفسخ.

وكذلك الحال في الفرض الثاني لانّ المشروط عليه وان أراد الوفاء بالشرط لكنه عاجز عن الوفاء حسب الفرض لعدم نفوذ ما أراد الشارط نفوذه، ونكتة خيار تخلّف الشرط وهي التقابل بين الالتزامين تعمّ التخلّف العمدي والتخلّف القهري.

$

', '', 519), (12, 520, 'book', '

وأمّا الفرض الثالث فهذه النكتة للخيار غير ثابتة فيه لانّ المفروض وفاء المشروط عليه بالشرط وإن كان فاسداً، فالتقابل بين الالتزامين في الوفاء لا يؤدّي إلى الخيار فهذا الفرض نلحقه في الحكم بفرض عدم الخطأ مع وفاء المشروط له بالشرط الفاسد الذي سنبحثه إن شاء الله.

وأمّا في فرض عدم الخطأ والعلم بفساد الشرط منذ البدء فإن كان فساده يساوق عدم القدرة على نفوذه كما في بيع اُمّ الولد حينما يقصد بشرطه شرط البيع الصحيح وكان الشارط يعلم بعدم القدرة فالشرط لا يعدو ان يكون لقلقة لسان ويكون لغواً من قبيل ان يشترط عليه الطيران في السماء مثلاً، وإن لم يكن كذلك فهل يثبت له الخيار بفساد الشرط خصوصاً إذا لم يف المشروط عليه بالشرط  ؟ أو لا يثبت له الخيار خصوصاً في فرض وفاء المشروط عليه بالشرط رغم فساده  ؟ التحقيق ان نكتة الخيار الماضية لا توجد في فرض وفاء المشروط عليه وهي التقابل بين الوفاءين لانّ المفروض وفاؤه في المقام.

أمّا في فرض عدم وفاء المشروط عليه بالشرط الفاسد فهنا وجهان:

الأوّل ـ دعوى ثبوت الخيار لنفس النكتة الماضية وهي انّ التقابل بين الالتزامين أوجب عقلائياً تقيد وجوب الوفاء بوفاء الآخر.

والثاني ـ دعوى عدم ثبوت الخيار بدعوى انّ البناء العقلائي على التقابل بين الوفاءين يختص بفرض عدم علم الشارط بفساد الشرط وإمضاء الشارع لهذا البناء بعدم الردع أو بلا ضرر أيضاً مقيّد بنفس القيد وهو عدم علم الشارط بفساد الشرط، على فرق في بعض الموارد بين العقلاء والشرع في تشخيص مصداق الشرط الفاسد حسب اختلافهما في الرؤية والاعتبار هذا.

وقد يدّعى انّ هنا نكتة اُخرى للخيار ثابتة في جميع موارد فساد الشرط،

', '', 520), (12, 521, 'book', '

سواء في الموارد التي تمّت النكتة الاُولى فيها، أو التي لم تتم فيها النكتة الاُولىوهي انّ الارتكاز العقلائي الحاكم بوجوب الوفاء في الالتزامين المتقابلين يرى الوجوبين مترابطين، أي انّه لا يجعل على كل واحد من الالتزامين الحكم بوجوب الوفاء بشكل مستقل عن حكم الآخر بل يحكم بالوجوبين بشكل مترابط ومتلازم، ففي مورد عجز الارتكاز عن إيجاب الوفاء بأحد الالتزامين لكونه مخالفاً لقوانين عقلائية اُخرى يسقط الارتكاز في الجانب الآخر أيضاً فلا يبقى أي حكم عقلائي بوجوب الوفاء من طرف واحد، أمّا الإمضاء الشرعي لما عليه العقلاء الثابت بعدم الردع أو بلا ضرر فهو أيضاً غير ثابت طبعاً بأكثر ممّا عليه العقلاء من الوجوب المترابط لكلا الوفاءين بحيث لو ثبت الردع عن أحدهما لكونه خلاف القوانين الشرعية لم يثبت إمضاء الآخر لانّ العقلاء يرون انّ شريعة كان الشرط فيها غير قانوني لا نكتة عقلائية لصحّة العقد بلحاظ تلك الشريعة.

وأمّا النصوص التعبّدية الدالة على وجوب الوفاء من قبيل ﴿اوفوا بالعقود﴾و «المؤمنون عند شروطهم» فهي أيضاً منصرفة إلى نفس النسق المألوف من قبل العقلاء من فرض وجوبين مترابطين بحيث لو سقط أحدهما قصر الدليل عن إثبات الوجوب الآخر.

والخلاصة انّنا في ما سبق قلنا: إنّ الالتزامين المتقابلين لدى العقد متقابلان أيضاً لدى الوفاء والآن نقول: إنّ الالتزامين المتقابلين لدى العقد متقابلان أيضاً في وجوب الوفاء فإذا سقط أحدهما عن الوجوب سقط الآخر أيضاً عن الوجوب.

إلّا انّ هذه النكتة الجديدة للخيار لو تمّت للزم ثبوت الخيار بمجرّد عدم وجوب الوفاء بالشرط حتى إذا لم يحرم الوفاء به وفعلاً وفى به المشروط عليه وهذه نتيجة غريبة عن الذهن العرفي ومثاله ما لو باع شيئاً من غلام لم يبلغ الحلم

', '', 521), (12, 522, 'book', '

بإذن وليّه وبشرط مشروع وقد وفى الغلام بالشرط ولكنه لم يكن يجب عليهالوفاء به لانّه غير مكلّف بشيء من التكاليف، ومنها وجوب الوفاء بالشرط والأغرب من ذلك انّنا لو حملنا دليل وجوب الوفاء بالشرط ضمن العقد على الوجوبين المترابطين أي وجوب الوفاء بالعقد من طرف وبالشرط من طرف آخر فحمل دليل اصل وجوب الوفاء بالعقد على وجوبين مترابطين بلحاظ وفاء الموجب بإيجابه ووفاء القابل بقبوله أولى، فإذا كان القابل مثلاً غير بالغ فلم يجب عليه الوفاء بالقبول ولكنه وفى فهل بالإمكان ان يقال: إنّ من حق الموجب الفسخ لانّه لم يكن يجب على القابل القبول  ؟  !

فهذا شاهد على عدم تمامية هذه النكتة.

وقد يقال: إنّ دليل فساد الشرط إذا كان لفظيّاً يدل بإطلاقه على انتفاء تمام أحكام الشرط، ومنها ثبوت الخيار لدى التخلّف إذن ففساد الشرط لا يوجب الخيار.

ويرد عليه انّ دليل فساد الشرط اللفظي لا يدل على أكثر من عدم نفوذ الشرط، خاصّة وان ذاك الدليل ورد بلسان نفي النفوذ أو نفي الجواز من قبيل ما مضى من قوله: «من شرط لامرأته شرطاً فليف لها به فانّ المسلمين عند شروطهم إلّا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً»(1) ومن قبيل «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط عليه»(2).

$

', '

(1) الوسائل 14: 487، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 9 و  12: 354، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 5.

(2) الوسائل 12: 353، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1.

', 522), (12, 523, 'book', '

نعم ذكر السيد الإمام (رحمه الله)(1): انّ الشرط تارة يكون شرط فعل واُخرى شرط نتيجة وثالثة شرط وصف كشرط كتابة العبد مثلاً فشرط الفعل نفوذه عبارة عن وجوب العمل به وفساده وعدم نفوذه عبارة عن عدم وجوب العمل به، وشرط النتيجة نفوذه عبارة عن تحقّقها، وفساده وعدم نفوذه عبارة عن عدم تحقّقها، أمّا شرط الوصف فلا معنى لنفوذه بمعنى وجوب العمل به أو تحقّقه ولا معنى لفساده وعدم نفوذه بمعنى نفي ذلك فالحديث الذي دلّ على نفوذ الشرط بناء على شموله لشرط الوصف ليس له معنى عدا ثبوت الخيار على تقدير التخلّف وبطلان هذا الشرط وفساده لا معنى له عدا نفي هذا الخيار فلو شرط كون العنب على صفة صالحة للتخمير أو كون العبد كافراً أو كون الجارية مغنيّة فبناء على بطلان ذلك وممنوعيّته ينتفي الخيار عند تخلّف الوصف، إذن فالاستثناء الوارد في الحديث ينفي الخيار في شرط الوصف بناء على فساده في مثل هذه الأمثلة ولا ينفيه في شرط الفعل أو النتيجة إذا كان فاسداً.

أقول: إنّ ثبوت الخيار لدى تخلّف الشرط إن كان مصداقاً حقيقياً لنفوذ الشرط أو عنوان العندية مثلاً الوارد في قوله: «المؤمنون عند شروطهم» إذن فاستثناء الشرط المخالف للكتاب يدلّ على عدم الخيار في تمام أقسام الشرط لا في خصوص شرط الوصف، لانّ مقتضى الإطلاق هو نفي نفوذ الشرط المخالف للكتاب بجميع أنحاء النفوذ وإن لم يكن مصداقاً حقيقياً لذلك كما هو الصحيح، فالإطلاق لا يدلّ عليه ويبقى شرط الوصف خارجاً عن إطلاق دليل «المؤمنون عند شروطهم».

$

', '

(1) في كتاب البيع 5: 252.

', 523), (12, 524, 'book', '

ثم المقصود من مخالفة الشرط للكتاب هل هو حرمة الاشتراط أو عدم نفوذه أو مخالفة المشروط للكتاب  ؟ والجمع بين الكل أو بين اثنين منها كاستعمال اللفظ في معنيين فان فرض الثاني وهو عدم النفوذ أصبحت القضية ضرورية بشرط المحمول إذ معنى الكلام عندئذ: (الشروط نافذة إلّا الشروط التي لا تنفذ) والأوّل حمل للكلام على فرض نادر فانّ الشروط المتعارفة ليس فيها ما تكون الحرمة في نفس الاشتراط أو يندر ذلك، والمتبادر إلى الذهن هو المعنى الثالث أي كون المشروط مخالفاً للكتاب وهذا انّما يتصوّر في شرط الفعل وشرط النتيجة ولا معنى لشموله لشرط الوصف.

خيار التدليس:

الأمر الرابع ـ جاء في الفقه الوضعي: انّ أحد عيوب الإرادة هو التدليس والتدليس وارد في فقهنا الإسلامي أيضاً ولكن في فقهنا انّما يوجب الخيار لكونه تدليساً وتغريراً لا لمجرّد صيرورة الإرادة معيبة بالمعنى المنحفظ حتى في تخلّف الدواعي كما اتضح بيانه ممّا تقدّم فالتدليس هو التغرير المتعمّد، وقد مضى منّا الكلام عن التغرير، والتغرير اعمّ من التدليس إذ قد لا يكون المغرّر متعمّداً كما لو كان هو متورّطاً في الخطأ فأوجب خطأ الآخرين وكان ذكر التدليس في الفقه الغربي كمادّة مستقلة عن الخطأ في محلّه بناء على مذهب الغلط المشترك لانّ الغلط في مورد التدليس ليس مشتركاً، وكذلك بناء على تخصيص الغلط بمثل الغلط في أوصاف المبيع وفرض التدليس شاملاً لما هو أوسع من ذلك كالتدليس على الشخص بالإيحاء إليه بكون ابنه مريضاً كي يقدم على شراء الدواء في حين ان ابنه ليس مريضاً، أو الإيحاء إليه بانّ السعر سعر عادل بينما هو سعر مجحف، أمّا بناء على توسيع دائرة الغلط لمثل الغلط في الباعث والقيمة والتعدّي من الغلط

', '', 524), (12, 525, 'book', '

المشترك إلى كل غلط يتصل به المتعاقد الآخر فلا يبقى مورد مستقل عن الغلط يدرج في التدليس، ولا تظهر نكتة مستقلة في التدليس حسب مبانيهم توجب ذكره كسبب مستقل عن الخطأ لصيرورة الإرادة معيبة.

وقد جاء في الوسيط(1) نقلاً عن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المصري: انّ النكتة في إفراد التدليس بالذكر ثبوت أثرين عمليين للتدليس لم يكونا في سائر موارد الغلط، أحدهما سهولة الإثبات فان دعوى الغلط في غير موارد وجود العلائم المادّيّة للتدليس ليس إثباتها سهلاً وهذا بخِلاف موارد التدليس، وثانيهما ثبوت حقّ التدارك للأضرار الناجمة عن التدليس.

وعلى أيّة حال فنحن عندنا ثلاثة أسباب عقلائية للخيار كما مضى، التغرير، وتخلّف الشرط، وتخلّف الأغراض العامّة أو التي يكون تخلّفها خلاف الأصل كالسلامة وعدم الغبن، ولا يوجد أي تداخل بين هذه النكات كالتداخل الموجود بين النكات المتعرّض لها في الفقه الغربي وقد فرضوا من طرق التدليس مجرّد السكوت إذا كان عارفاً بتأثيره على إرادة المتعاقد الأوّل ولم يكن المتعاقد الأوّل قادراً على كشف الحقيقة عن طريق آخر.

وهذا ممّا لا دليل عليه في فقهنا عدا الاستحسان، نعم بالقياس إلى وصف المبيع الذي بقي مستوراً على أثر السكوت وعدم فحص المشتري يدخل الأمر في ما مضى من بحث خيار الرؤية ويثبت الخيار، رغم كون المشتري مثلاً قادراً على كشف الحقيقة عن غير طريق إخبار البائع وهو طريق الفحص، ثم انّ خيار

', '

(1) راجع الوسيط 1: 359، المادّة 186، التعليق الثاني تحت الخط.

', 525), (12, 526, 'book', '

التدليس في فقهنا الإسلامي مضافاً إلى ما عرفت من عقلائيته وإمضاء هذا الارتكاز العقلائي شرعاً بالسكوت وعدم الردع، أو بقاعدة نفي الضرر يمكن الاستدلال عليه ببعض الروايات وهي الروايات الواردة في الحيوان المصرّاة(1)ولكنّها غير تامّة سنداً، والروايات الواردة في خيار التدليس في النكاح وهي وإن كانت في الغالب واردة في تدليس العيب(2) ولا يمكن التعدّي منها إلى مطلق التدليس لاحتمال دخل العيب في الخيار، سواء فرض العيب سبباً مستقلاً للخيار كما في العيوب الخاصّة في النكاح، أو فرض هو مع التدليس بمجموعهما سبباً للخيار فمع هذا الاحتمال لا يمكن التعدّي إلى التدليس المنفصل عن العيب لكن فيها ما لا يكون كذلك(3) من قبيل ما ورد بسند تام عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام)في رجل يتزوّج المرأة فيقول لها: أنا من بني فلان فلا يكون كذلك فقال: تفسخ النكاح أو قال: تردّ(4) فبناء على التعدّي من النكاح إلى العقود الماليّة يثبت خيار التدليس في العقود المالية. وقد يدغدغ في هذا التعدّي باحتمال الخصوصية في النكاح لخطورته وكونه بداية اتخاذِ حياة مشتركة طويلة الأمد.

$

', '

(1) راجع الوسائل 12: 360، الباب 13 من أبواب الخيار، الحديث 2 و  3.

(2) من قبيل ما في الوسائل الجزء 14، الباب 2 من العيوب والتدليس، الحديث 1 و  2 و  7 وقد يكون من هذا القبيل الحديث 1 و  4 الباب 6 من تلك الأبواب بناء على انّ الزنا عيب اجتماعي بل هو عيب كبير لا يمكن التعدّي منه إلى العيوب المتعارفة فضلاً عن التدليس المنفصل عن العيب وقد يكون من هذا القبيل أيضاً الحديث 1 و  2 من الباب 11 من تلك الأبواب بناء على انّ عدم الحريّة عيب اجتماعي 

(3) راجع الوسائل 14: 614 ـ 615، روايات الباب 16 من أبواب العيوب والتدليس.

(4) الوسائل 14: 614 ـ 615، الباب 16 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث 1.

', 526), (12, 527, 'book', '

وقد يدعم هذا التعدّي بكون خيار التدليس أمراً ارتكازياً لدى العقلاء، ولا أقصد بذلك الرجوع إلى دليل سابق وانّما أقصد بذلك انّنا لو تنزّلنا عن إثبات إمضاء هذا الارتكاز بعدم الردع أو بقاعدة نفي الضرر (وهذه هي الأدلّة السابقة) فسيكون دليلنا الجديد هو النص الدال على خيار التدليس في النكاح الذي يفهم منه العرف بسبب ما يمتلك من ذاك الارتكاز قاعدة عامّة تشمل سائر العقود فهذا الارتكاز وإن كان في حدّ ذاته غير حجّة لكنّه يساعد على استظهار العرف للإطلاق من ذاك الدليل اللفظي.

حكم الاستغلال وخيار الغبن:

الأمر الخامس ـ جاء في الفقه الغربي: انّ أحد عيوب الإرادة هو الاستغلال.

وكما مضى في التدليس ان نظرية الغلط تغني عنه، فانّ التدليس يوقع المدلّس عليه في الغلط لا محالة، كذلك كان بالإمكان الاستغناء عن ذكر عيب الاستغلال لو قصد به استغلال جهل المتعاقد الآخر المؤدّي إلى إخلال الموازنة بين العوضين في القيمة فانّ هذا يرجع إلى التدليس أو الغلط ولكنهم توسّعوا في مسألة الاستغلال لاستغلالات اُخرى تؤدّي إلى الغبن غير استغلال الجهل فمثلاً ورد في القانون المدني الألماني في المادّة [138] بطلان التصرّف القانوني الذي يستغل الشخص حاجة الغير أو خفّته أو عدم تجربته ليحصل لنفسه أو لغيره في نظير شيء يؤدّيه على منافع ماليّة تزيد على قيمة هذا الشيء بحيث يتبين من الظروف انّ هناك اختلالاً فادحاً في ا لتعادل ما بين قيمة تلك المنافع وقيمة هذا الشيء(1).

$

', '

(1) راجع الوسيط 1: 389 ـ 390، الفقرة 203.

', 527), (12, 528, 'book', '

وورد في القانون المصري الجديد في المادّة [129]: إذا كانت التزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر وتبيّن انّ المتعاقد المغبون لم يُبرم العقد إلّا لانّ المتعاقد الآخر قد استغلّ فيه طيشاً بيناً أو هوىً جامحاً جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون ان يبطل العقد أو ان ينقص التزامات هذا المتعاقد(1).

ومن حكم منهم بكون الاستغلال مبطلاً كما عرفته عن القانون الآلماني فهو لا ينظر إلى الاستغلال بما هو معيب للإرادة بل ينظر إليه بما هو عمل غير مشروع(2) وذلك لانّ جزاء معيبية الإرادة في نظرهم انّما هو الخيار لا البطلان.

وعلى أيّة حال فالخيار في نظر الفقه الإسلامي انّما يترتّب في موارد الغبن لدى جهل المغبون وهذا رجوع إلى الغلط أمّا سائر الاستغلالات فلا يوجب الخيار فالطيش مثلاً إذا كان بمستوى السفه يوجب بطلان البيع ولو لم يستغله المتعاقد الآخر لانّ السفيه محجور عليه في نظر الفقه الإسلامي، وإن لم يكن بهذا المستوى لم يوجب الخيار إلّا بلحاظ الجهل بالقيمة وهذا رجوع إلى الغلط. والهوى الجامح لو جعل المعاملةَ سفهيّة محاباتيّة وقلنا ببطلان مثل هذه المعاملة لم نصل أيضاً إلى الخيار وإلّا فالعقد لازم ولا موجب للخيار أيضاً لانّه باختياره التام فعل ما فعل، وكذلك استغلال حاجة الغير لا يوجب الخيار ولا يحرم ما لم يحرّمه وليّ الأمر.

وهذا والغبن بما هو شيء مادّي كان قديماً لدى الفقه الغربي هو الموجب

', '

(1) راجع الوسيط 1: 391، الفقرة 204.

(2) راجع الوسيط 1: 401، الفقرة 208.

', 528), (12, 529, 'book', '

للخيار أو البطلان بوصفه عيباً في العقد لا بوصفه عيباً في الإرادة ولكنّهم أخيراًاهتدوا إلى اشتراط العنصر النفسي، وهو عنصر الاستغلال ومن هنا أمكن درجه ضمن عيوب الإرادة، فالمُقدِم بكامل وعيه واختياره على تقبّل الغبن ومن دون استغلال لخطئه أو جهله أو نحو ذلك من قبل المتعاقد الآخر لا خيار له ولا يكون العقد معه باطلاً، وبهذا اقتربوا من الفقه الإسلامي الذي لا يرى خياراً للمغبون الذي تقبّل الغبن بكامل الوعي والاختيار، وخيار الغبن في الفقه الشيعي وبعض مدارس الفقه السنّي يكفي فيه جهل المغبون ولا يشترط فيه عنصر التغرير لما عرفته في ما مضى من انّ نفس أصالة التساوي في القيمة أو كون التساوي في القيمة هو الغرض العام للعقلاء نكتة مستقلة للخيار غير التغرير، ولكن بعض مدارس الفقه السنّي اشترط في خيار الغبن التغرير(1).

وقد جاء في الفقه الغربي(2): انّ حقّ الإبطال الذي يتحقّق بسبب الاستغلال له عدل آخر وهو حقّ تقليل التزامات المغبون الباهظة إلى الحدّ الذي لا يجعلها باهظة فان اختار المغبون تقليل الالتزامات نفذّه له القاضي بقدر ما يقدّره القاضي كافياً لرفع الغبن، وان اختار الإبطال جاز للقاضي الإبطال إذا رآى انّ الاستغلال عاب رضا المغبون إلى حدّ ان أفسده نهائياً أي لا يعالج ذلك بتنقيص الالتزامات، فلولا الاستغلال لم يكن يقبل بهذا العقد حتى مع تنقيص التزاماته، أمّا لو لم يكن الأمر كذلك بان رأى القاضي انّ الاستغلال لم يفسد الرضا إلى هذا الحدّ وانّ المغبون كان يقبل الدخول في العقد بلا استغلال لو لم تكن التزاماته باهظة فهنا ليس للقاضي إبطال العقد واقتصر على انقاص الالتزامات الباهظة.

$

', '

(1) راجع مصادر الحق 2: 134 ـ 137.

(2) راجع الوسيط 1: 406، الفقرة 211.

', 529), (12, 530, 'book', '

أقول: إنّ الاقتصار على حقّ الخيار بمعنى حقّ الردّ كما فعله الفقهالإسلامي أوفق بالاعتبارات العقلائية ذلك لانّ الغابن انّما التزم بهذا العقد المشتمل على كذا مقدار من التزامات صاحبه تجاهه، وقد لا يكون مستعداً للالتزام بعقد آخر لا يشتمل على تلك الالتزامات ولا مبرّر لفرض ذلك عليه، فغاية ما يكون للمغبون على الغابن هي فسخ العقد فان اتفقا بعد ذلك على عقد جديد تقل فيه التزامات المغبون عقدا العقد الجديد وإلّا فلا. والشاهد على ذلك من نفس الفقه الغربي أنّهم لم يقبلوا في المقام بتدارك الغبن عن طريق إضافة التزامات الغابن.

وذكر السنهوري في وجه الفرق بين انقاص التزامات المغبون وزيادة التزامات الغابن بقبول الأوّل دون الثاني ان انقاص مقدار المبيع لا يؤذي البائع المغبون بل يرفع عنه الغبن، ولكنّ الزيادة في ا لثمن قد تؤذي المشتري إلى حد ان يؤثر العدول عن الصفقة، نعم تجوز الزيادة في الثمن إذا رغب المشتري نفسه في ذلك بان ترفع دعوى الإبطال فيتوقّاها بعرض زيادة في الثمن يراها القاضي كافية لرفع الغبن.

أقول: إنّ هذا الوجه للتفريق بين انقاص التزامات المغبون وزيادة التزامات الغابن غريب فكما انّ الزيادة في الثمن قد تؤذي المشتري إلى حد ان يؤثر العدول عن الصفقة كذلك النقيصة في المثمن قد تؤذي المشتري إلى حدّ ان يؤثر العدول عن الصفقة.

بل حتى ما ذكروه من انّ الغابن بإمكانه رفع دعوى الإبطال بتدارك الغبن بزيادة في الثمن غير مقبول في فقهنا الإسلامي فان البيع بثمن أكبر من الثمن الأوّل عقد جديد وهو بحاجة إلى توافق جديد، نعم لو انحصر دليل الخيار في تطبيق

', '', 530), (12, 531, 'book', '

قاعدة نفي الضرر في المقام على الضرر المالي فقد يقال: إنّ الغابن إذا كان مستعدّاً لرفع الضرر المالي بدفع زيادة توجب تدارك الضرر فلا موجب للخيار، أمّا إذا صحَّ الاستدلال على الخيار بالارتكاز العقلائي بعد ضمِّ عدم الردع إليه الكاشف عن الإمضاء، أو إثبات إمضائه بتطبيق قاعدة نفي الضرر على الضرر الحقّي لكون نفي حقّ الخيار الثابت عقلائياً ضرراً فهنا لا تصل النوبة إلى إسقاط الخيار بتقديم الزيادة الرافعة للغبن نعم لو تراضيا معاً على ذلك فهذا مطلب آخر.

والخلاصة انّ خيار الغبن حسب ما هو المعروف في فقهنا الإسلامي له عِدل واحد وهو الفسخ.

نعم في خيار العيب قد ورد في فقهنا الإسلامي الارش وذلك بنصّ خاص ولعلّ نكتتهُ العقلائيّة انّ العيب بمنزلة فقدان جزء من المبيع.

الإكراه مبطل للعقد أو موجب للخيار  ؟

الأمر السادس ـ جاء في الفقه الغربي: انّ أحد عيوب الإرادة الموجبة لحقّ الإبطال هو الإكراه(1) ولكنّ الفقه الإسلامي يرى الإكراه مبطلاً للعقد لا موجباً لحقّ الإبطال كما سيأتي إن شاء الله في البحث الثالث. وقد تلخّص من كل ما ذكرناه: انّه لو صحَّ أن نقول الفقه الإسلامي يرى تدخّل العيب في الإرادة موجباً للخيار فانّما يكون هذا منحصراً في عيب واحد وهو «الغلط» وليس عيوباً أربعة وهي الغلط، والتدليس، والاستغلال، والإكراه، فالتدليس والاستغلال يرجعان إلى الغلط، والإكراه مبطل للعقد لا موجب للخيار.

ولو صحّ انّ الغلط عيب في الإرادة يوجب الخيار فانّما هو في مورد تخلّف

', '

(1) راجع الوسيط 1: 360 ـ 363، الفقرة 187 ـ 190.

', 531), (12, 532, 'book', '

الأغراض العامّة، وهي موارد العيب والغبن وكذلك في موارد التغرير وتخلّف الشرط. أمّا ذات الغلط المنحفظ في جميع موارد تخلّف الدّاعي فلا يقتضي الخيار أبداً.

$

', '', 532), (12, 533, 'book', '

$

', '', 533), (12, 534, 'book', '

$

', '', 534), (12, 535, 'book', '

$

', '', 535), (12, 536, 'book', '

$

', '', 536), (12, 537, 'book', '

$

', '', 537), (12, 538, 'book', '

$

', '', 538), (12, 539, 'book', '

$

', '', 539), (12, 540, 'book', '

$

', '', 540), (12, 541, 'book', '

$

', '', 541), (12, 542, 'book', '

$

', '', 542), (12, 543, 'book', '

$

', '', 543), (12, 544, 'book', '

$

', '', 544), (12, 545, 'book', '

$

', '', 545), (12, 546, 'book', '

$

', '', 546),