insert into `lib_pages` (`book_id`, `page_id`, `title`, `text`, `footnote`, `sort`) values (21, 1, 'book', '
مباحث الاُصول
$
', '', 1), (21, 2, 'book', '$
', '', 2), (21, 3, 'book', 'تقريراً لأبحاث سماحة آية اللّه العظمى
الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر
قدّس الله نفسه الزكيّة
الجزء الأوّل
من
القسم الثاني
تأليف
سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه
$
', '', 3), (21, 4, 'book', 'اسم الكتاب: … مباحث الاُصول، الجزء الأوّل من القسم الثاني
تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)
المؤلّف: … سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه
الناشر: … دار البشير
الطبعة وتأريخ الطبع: … الثالثة (منقّحة) ربيع الثاني / 1433 هـ ق
تأريخ الطبعة الاُولى: … ربيع الأوّل / 1407 هـ ق
الكميّة: … 1000
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
إصدار مكتب سماحة آية الله العظمى السيّد الحائريّ دام ظلّه
حقوق الطبع محفوظة للمؤلّف
$
', '', 4), (21, 5, 'book', 'بسم الله الرحمن الرحيم
$
', '', 5), (21, 6, 'book', '$
', '', 6), (21, 7, 'book', 'ترجمة حياة
مفجّر الثورة الإسلاميّة في العراق
الإمام الشهيد سماحة آية الله العظمى
السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)
تأليف
سماحة آية الله العظمى
السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه
$
', '', 7), (21, 8, 'book', '$
', '', 8), (21, 9, 'book', '$
', '', 9), (21, 10, 'book', '$
', '', 10), (21, 11, 'book', 'بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللّهُ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ الطيِّبِينَ الطاهِرِين.
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾
صدق الله العليّ العظيم.
أرى لزاماً لي في مقدّمة هذا الكتاب الذي هو تقرير لبحث الاُصول لاُستاذنا الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّدباقر الصدر (رضوان الله عليه) أن أكتب ترجمة متواضعة عن حياة هذا الشهيد العظيم الذي أنار درب العلم للعلماء، ودرب الشهادة للشهداء، وشقّ السبيل أمام العاملين للإسلام. فبأبي هو وأمّي ونفسي من قائد فذّ لايجارى، ومرجع كبير لايضاهى، وسلام عليه يوم ولد ويوم استُشهد ويوم يبعث حيّاً.
أفتتح ترجمتي لحياة اُستاذي الشهيد(رحمه الله) بحديث مختصر عن اُسرته الكريمة استللت عمدة ما فيه من رسالة بعثها إليّ المرحوم العلّامة المجاهد السيّد عبدالغنيّ الأردبيليّ(قدس سره)، وكانت هذه الرسالة مشتملة على ترجمة حياة الاُستاذ واُسرته كتبها في النجف الأشرف بقرب المترجم له. وهو تلميذ من تلامذة هذا الاُستاذ قد تُوفيَّ قبل استشهاد اُستاذنا، وذلك بتأريخ ( 28 / رجب / 1397 هـ )، وقد رثاه اُستاذنا في ضمن ما رثاه بقوله:
«... إذا كان القدر الذي لارادّ له قد أطفأ في لحظة أملي في أن أمتدّ بعد وفاتي،وأعيش في قلوب بارّة كقلبه، وفي حياة نابضة بالخير كحياته، فإنّي أتوسّل إليك يا ربّي بعد حمدك في كلّ يسر وعسر أن تتلقّاه بعظيم لطفك، وتحشره مع الصدّيقين من عبادك الصالحين وحسن اُولئك رفيقاً، وأن لاتحرمه قربي، ولاتحرمني رؤيته بعد وفاته ووفاتي بعد أن حُرِمتُ ذلك في حياته، وأرجو أن لايكون انتظاري طويلاً للاجتماع به في
', '', 11), (21, 12, 'book', 'مستقرّ رحمتك»(1).
سبحانك ياربّ ما أسرعك في استجابة هذا الدعاء النابع من قلب مفجوع بوفاة تلميذه العزيز عليه، فألحقته به في مستقرّ رحمتك، وفجع بذلك المسلمون جميعاً بالخصوص العارفون بالله العاملون في سبيل الله، وهم لايملكون شيئاً إزاء هذه الفاجعة المؤلمة عدا أن يقولوا: «اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان».
$
', '(1) دروس في علم الاُصول، الحلقة الاُولى: 6.
', 12), (21, 13, 'book', '
الاُسرة الكريمة العريقة
اُسرة الشهيد الصدر معروفة بالفضل، والتقى، والعلم، والعمل، ومكارم الأخلاق. وقد كانت مشعلاً للهداية والنور، ومركزاً للزعامة والمرجعيّة الدينيّة، ومداراً للإفادة والإفاضة في مختلف الأجيال. وقد انحدرت من شجرة الرسالة والسلالة العلويّة من أهل بيت أراد الله ليذهب عنهم الرجس ويطهّرهم تطهيراً. وهذه الاُسرة العريقة قد اتّخذت ألقاباً مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين، فكانت تلقّب:
تارةً بآل أبي سبحة.
واُخرى بآل حسين القطعيّ.
وثالثةً بآل عبد الله.
ورابعةً بآل أبي الحسن.
وخامسةً بآل شرف الدين.
وأخيراً بآل الصدر.
وها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيّبة التي أنجبت أخيراً قائداً فذّاً، ومرجعاً عبقريّاً لم ترَ عين الزمان مثله، ألا وهو شهيدنا الغالي السيّد محمّدباقر الصدر (رضوان الله تعالى عليه):
1 ـ السيّد صدرالدين(قدس سره)
السيّد صدرالدين محمّد بن السيّد صالح بن السيّد محمّد بن السيّد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين بن السيّد نورالدين الموسوىّ العامليّ.
$
', '', 13), (21, 14, 'book', 'هو فخر من مفاخر الشيعة، وعالم فذّ من كبار علماء المسلمين، ومن نوابغ العلم والأدب قلّ من يضاهيه في الفضيلة والتقوى.
ولد في قرية (معركة) من قرى جبل عامل، ونشأ ونما علميّاً في النجف الأشرف، ثُمَّ هاجر إلى الكاظميّة، ومنها إلى إصفهان، ثُمَّ عاد إلى النجف الأشرف، وتُوفِّي ودفن في النجف الأشرف.
والده(رحمه الله): السيّد صالح من أكابر العلماء، كان مرجعاً للتقليد، وزعيم الطائفة الإماميّة في بلاد الشام، هاجر من جبل عامل إلى النجف الأشرف فراراً من الحاكم الظالم في جبل عامل وقتئذ (أحمد الجزّار)، وتُوفّي في سنة ( 1217 هـ ).
والدته رحمها الله: بنت الشيخ علي بن الشيخ محيي الدين من أسباط الشهيد الثاني.
ولد السيّد صدرالدين(رحمه الله) في (21 من ذي القعدة من سنة 1193 هـ ) في جبل عامل، وهاجر في سنة (1197 هـ ) مع والده إلى العراق، وسكن النجف الأشرف، واهتمّ بتحصيل العلوم الإسلاميّة والمعارف الإلهيّة في صغر سنّه، حتّى إنّه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى وهو ابن سبع سنين، وقد قال هو: إنّي حضرت بحث الاُستاذ الوحيد البهبهانيّ(رحمه الله) في سنة ( 1205 هـ )، وكنت أبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، وكان الاُستاذ معتقداً بحجّيّة مطلق الظنّ ومصرّاً على ذلك، وحضرت في نفس السنة بحث العلّامة الطباطبائيّ السيّد بحر العلوم(رحمه الله).
وقد قالوا: إنّ السيّد بحر العلوم(رحمه الله) كان ينظم آنئذ ما أسماه بــ (الدرّة)، وكان يعرضها على السيّد صدرالدين لما لاحظه فيه من كماله في فنّ الشعر والأدب.
وقد ذكر السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: أنّ الشيخ الشاعر جابر الكاظميّ ـ مخمّس القصيدة الهائيّة الأزريّة ـ قال: إنّ السيّد الرضيّ(قدس سره) أشعر شعراء قريش، والسيّد صدرالدين أشعر من السيّد الرضىّ.
بلغ السيّد صدرالدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سنّ التكليف، وقد أجاز له الاجتهاد صاحب الرياض(رحمه الله) في سنة ( 1210 هـ )، وصرّح بأنّه كان مجتهداً قبل أربع سنين. وهذا يعني أنّه قد بلغ الاجتهاد في السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف، وهذا ما لم يسمع نظيره إلّا بشأن العلّامة الحلّيّ(قدس سره) والفاضل الهنديّ(قدس سره)، على أنّه كان يفوقهما في فنّ الشعر والأدب.
$
', '', 14), (21, 15, 'book', 'وقد ذكر السيّد حسن الصدر ـ أيضاً ـ في تكملة أمل الآمل: أنّ الشيخ محمّدحسن صاحب الجواهر والشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ـ وهما من أكابر أساتذة النجف الأشرف ـ كانا يَدِينان بالفضل للسيّد صدرالدين عند رجوعه من إصفهان إلى النجف الأشرف، وكانا يجلسان لديه جلسة التلميذ لدى اُستاذه.
دخل يوماً السيّد صدرالدين على المحقّق صاحب الجواهر(رحمه الله)، فأقبل صاحب الجواهر إليه آخذاً بعضده، وأجلسه محلّه، وجلس قبالته، وتذاكرا في العلم والفقه، وانجرّ الكلام إلى اختلاف الفقهاء في مسألة ما، فبيّن السيّد ببيان فائق اختلاف الآراء الفقهيّة في تلك المسألة مع اختلاف طبقاتهم من العصر الأوّل إلى زمانه، وفرّع الخلاف في ذلك على اختلافهم في المباني والمسالك، وشرح تلك المباني والفروق التي بينها، فتعجّب الشيخ صاحب الجواهر من تبحّر السيّد، وقال بعد ذهاب السيّد: «ياسبحان الله! السيّد جالسَ جميع العلماء، وبحث معهم، ووقف على أذواقهم ومسالكهم. هذا والله العجب العجاب، ونحن نعدّ أنفسنا من الفقهاء. هذا الفقيه المتبحّر».
وقد رُوِي في تكملة أمل الآمل عن الشيخ الجليل عبدالعليّ النجفيّ الإصفهانيّ(رحمه الله): أنّه دخل السيّد صدرالدين في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك حرم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وبعد أن أنهى زيارته للإمام(عليه السلام) جلس خلف الضريح المقدّس؛ لكي يقرأ دعاء أبي حمزة، وحينما قرأ الجملة الاُولى: «إلهي لاتؤدّبني بعقوبتك» أخذه البكاء، وكرّر الجملة مراراً وهو يبكي إلى أن غشي عليه، فحملوه من الحرم الشريف إلى بيته.
وكانت للسيّد(رحمه الله) كلمات ومقاطع خاصّة لدى مناجاته لله تعالى، منها قوله:
رضاك رضاك لاجنّات عدن *** وهل عدن تطيب بلا رضاكا
تزوّج السيّد صدرالدين(رحمه الله) بنت الشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء، وولدا ابناً اسمه السيّد محمّد علي المعروف بـ (آقا مجتهد)، وكان من أعلام عصره ونوادره.
وقد اُبتلي السيّد(رحمه الله) في أواخر حياته في إصفهان باسترخاء في بدنه شبه الفالج. ورأى ذات يوم في عالم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قائلاً له: «أنت ضيفنا في النجف الأشرف»، وعرف بهذه الرؤيا أنّ وفاته قد اقتربت، فهاجر إلى النجف الأشرف، وتُوفّي في ليلة الجمعة أوّل شهر صفر من سنة ( 1264 هـ )، ودفن في حجرة في الزاوية الغربيّة من الصحن الشريف قريباً من الباب السلطانيّ رضوان الله عليه.
$
', '', 15), (21, 16, 'book', 'مؤلّفات السيّد صدرالدين(قدس سره):
1 ـ اُسرة العترة: كتاب فقهيّ استدلاليّ.
2 ـ القسطاس المستقيم في اُصول الفقه.
3 ـ المستطرفات في فروع لم يتعرّض لها الفقهاء.
4 ـ شرح منظومة الرضاع: وهي ما نظم بها هو(رحمه الله) كتاب الرضاع باُسلوب رائع، ثُمَّ شرحها، كما شرحها ـ أيضاً ـ آية الله الميرزا محمّدتقي الشيرازيّ(رحمه الله).
5 ـ التعليقة على رجال أبي علي.
6 ـ قرّة العين: كتاب في علم العربيّة كتبه لبعض أولاده، وقد ذكر تلميذه في أوّل معدن الفوائد: أنّ كتاب قرّة العين على صغره يفوق المغني لابن هشام على طوله.
7 ـ شرح مقبولة عمر بن حنظلة.
8 ـ رسالة في حجّيّة الظنّ.
9 ـ رسالة في مسائل ذي الرئاستين.
10 ـ قوت لايموت: رسالة عمليّة باللغة الفارسيّة.
مشايخه:
روى السيّد صدرالدين(رحمه الله) عن أكثر من أربعين عالماً نشير إلى بعضهم:
1 ـ روى عن والده واُستاذه السيّد صالح، عن جدّه السيّد محمّد، عن اُستاذه الشيخ محمّد بن الحسن الحُر العامليّ بجميع طرقه المذكورة في آخر الوسائل.
وروى ـ أيضاً ـ عن والده، عن الشيخ يوسف البحرانيّ صاحب الحدائق، عن المولى محمّد رفيع، عن العلّامة المجلسيّ(رحمه الله).
2 ـ روى عن العلّامة الطباطبائيّ بحر العلوم(رحمه الله) المتوفّى سنة ( 1212 هـ )، وكان يعبّر عنه بالاُستاذ الشريف.
3 ـ روى عن العلّامة المير علي صاحب الرياض(رحمه الله) المتوفّى سنة ( 1231 هـ )، وكان السيّد معجباً بصاحب الرياض، وكان يعتقد أنّه يفوق المحقّق القمّيّ صاحب القوانين(قدس سره)في الفقه وقوّة النظر.
$
', '', 16), (21, 17, 'book', '4 ـ روى عن المحقّق السيّد محسن الأعرجيّ صاحب المحصول(رحمه الله)، وكان السيّد(رحمه الله)معجباً بزهده وتحقيقاته، تُوفّي في سنة ( 1228 هـ ).
5 ـ روى عن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء(رحمه الله) المتوفّى سنة ( 1228 هـ ).
6 ـ روى عن السيّد الجليل المتبحّر الميرزامهدي الشهرستانيّ الموسويّ الحائريّ(رحمه الله)المتوفّى سنة ( 1218 هـ ).
7 ـ روى عن الشيخ الجليل الفقيه الشيخ سليمان معتوق العامليّ(رحمه الله) المتوفّى سنة ( 1228 هـ ).
طـلّابـه:
قد ربّى السيّد صدرالدين(رحمه الله) علماء تخرّجوا على يده منهم:
1 ـ السيّد ميرزا محمّد هاشم(رحمه الله)، صاحب كتاب اُصول آل الرسول.
2 ـ السيّد محمّدباقر الموسويّ(رحمه الله)، صاحب كتاب روضات الجنّات.
3 ـ شيخ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاريّ(قدس سره)، صاحب كتاب المكاسب والرسائل.
4 ـ حجّة الإسلام السيّد محمّدحسن المجدّد الشيرازيّ(قدس سره).
5 ـ الشيخ شريف العلماء(رحمه الله).
2 ـ السيّد إسماعيل الصدر(قدس سره)
رئيس الاُمّة، وزعيم الملّة، مربّي الفقهاء، وصدر العلماء، اُستاذ المجتهدين والمحقّقين، نائب الإمام، سيّد الأنام، حامي الشريعة، وفخر الشيعة، حسنة دهره، وجوهرة عصره، الإمام الزاهد، الورع التقىّ، آية الله العظمى، والحجّة الكبرى السيّد إسماعيل الصدر الإصفهانيّ(قدس سره).
سيّد جليل، وعالم كامل، وخبير ماهر، فقيه اُصولىّ، محقّق عبقرىّ، واحد زمانه في الزهد، ونادرة دهره في التقوى، كان أحد مراجع الشيعة في التقليد، ولد في إصفهان في سنة ( 1258 هـ ).
$
', '', 17), (21, 18, 'book', 'والده السيّد صدرالدين العامليّ الإصفهانيّ(قدس سره) الذي مضت ترجمته.
حينما تُوفّي والده في سنة (1264 هـ ) تربّى في كنف أخيه السيّد محمّدعلي المعروف بــ (آقا مجتهد)، وكان متمتّعاً بالذكاء الخارق حتّى عدّ في أوائل بلوغه سنّ التكليف من الفضلاء والعلماء.
هاجر في سنة (1280 هـ ) من إصفهان إلى النجف الأشرف؛ لغرض التتلمذ على يد الشيخ الأنصاريّ(قدس سره)، ولكن حينما وصل إلى كربلاء تُوفّي الشيخ(قدس سره)، فلم ينثن السيّد(رحمه الله) عن عزمه على الهجرة إلى النجف الأشرف، فسافر إلى النجف، فتتلمذ على يد الفقهاء والعلماء آنئذ، واشتغل بالتدريس وتربية الطلّاب أيضاً.
اكتسب السيّد(رحمه الله) في فترة بقائه في النجف الأشرف إضافة إلى الفقه والاُصول والحديث معلومات اُخرى عقليّة: كعلم الكلام والفلسفة، والرياضيات كالهندسة والهيئة والنجوم على النسق القديم، مع الاطّلاع على آراء جديدة، ولم نعرف أنّه من أين أخذ هذه العلوم، وعلى من تتلمذ فيها، ولم يكن يُعرَف أنّه مطّلع على هذه العلوم إلّا حينما كان يتعرّض لها بالمناسبة في ضمن أبحاثه الاُصوليّة والفقهيّة.
وأخيراً أصبح من خواصّ تلاميذ وأصحاب المجدّد الشيرازيّ(قدس سره).
ثُمَّ هاجر اُستاذه المجدّد الشيرازىّ(قدس سره) إلى سامرّاء، وبقي السيّد الصدر يمارس نشاطه العلميّ في النجف الأشرف.
ثُمَّ سافر في النصف من شعبان من سنة (1309 هـ ) إلى كربلاء لزيارة الحسين(عليه السلام)، ووصلته رسالة في كربلاء من اُستاذه الشيرازيّ(قدس سره) يطالبه فيها بالسفر إلى سامرّاء بلا توان أو تأخّر، فاستجاب لدعوة اُستاذه، وذهب إلى سامرّاء، وكان عازماً على الرجوع إلى دار هجرته النجف الأشرف، لكنّه حينما وصل إلى سامرّاء ألزمه اُستاذه على الإقامة فيها، وكان السبب في ذلك أنّ السيّد المجدّد الشيرازيّ(قدس سره) كان قد ترك التدريس من سنة (1300 هـ ) تقريباً؛ لكثرة الاشغال والمراجعين وضعف المزاج، فأحلّ السيّد الصدر في سنة (1309 هـ ) محلّه في التدريس، فأصبح محوراً للتدريس في حوزة سامرّاء، وكانت محاور التدريس آنئذ في حوزة سامرّاء ثلاثة:
1 ـ السيّد إسماعيل الصدر الإصفهانيّ(قدس سره).
$
', '', 18), (21, 19, 'book', '2 ـ الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ(قدس سره).
3 ـ السيّد محمّد الفشاركيّ(قدس سره).
وكان اجتماع أهل الفضل والعلم في درس السيّد الصدر أكثر من غيره.
وهكذا استمرّت سامرّاء محوراً لإشعاع العلم، وكعبة لآمال العلماء، ومحطّ أنظار الفضلاء في التعليم والتعلّم وتربية الأخلاق وتهذيب النفس إلى أن فُجِعَ العالم الإسلاميُّ والمسلمون بوفاة السيّد المجدّد الشيرازيّ(قدس سره).
وانتقلت المرجعيّة والزعامة الشيعيّة من بعد المجدّد الشيرازيّ إلى السيّد الصدر، وسلّم أولاد المجدّد الشيرازيّ ما بقي من أموال وحقوق شرعيّة بحوزة السيّد الشيرازيّ إلى السيّد الصدر.
وكان السيّد الصدر(رحمه الله) زاهداً في الزعامة والمرجعيّة؛ ولهذا عزم بعد وفاة اُستاذه المجدّد الشيرازيّ(قدس سره) بسنتين على ترك بلد مرجعيّته وقتئذ، وهو سامرّاء، فترك سامرّاء مهاجراً إلى النجف الأشرف، وطلب من العلماء والأكابر أن لايتركوا سامرّاء، وحينما وصل في سفره إلى كربلاء استخار الله تعالى في الإقامة بالنجف الأشرف، فكانت الاستخارة تدلّ على النهي، فاتّخذ من كربلاء مقرّاً له، وقد هاجر من سامرّاء عدد من العلماء والفطاحل على رغم طلبه منهم عدم المهاجرة، والتحق بهم بعد ذلك آخرون، وأصبحت كربلاء كعبة آمال العلماء والفضلاء إلى أن تمرّض السيّد الصدر في سنة (1334 هـ )، فسافر إلى الكاظميّة للعلاج، وتحسّن حاله في أوّل الأمر، ولكن تدهورت صحّته بعد ذلك على أثر كبر السنّ وضعف المزاج وحوادث الدهر، وتوفّي(قدس سره) بتأريخ (12 / جمادى الاُولى / 1338 هـ )، ودفن بجوار جدّه موسى بن جعفر(عليهما السلام) في مقبرة عائليّة لآل الصدر. ورثاه الشعراء والأدباء والفضلاء بقصائد وأبيات كثيرة، وقال المرحوم آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين(رحمه الله):
لئِن يكُ أخفى اللّهُ شخصَك في الثرى *** فهيهاتَ ما أخفى فضائلَكَ القبرُ
لقد كنتَ سرَّ اللَّهِ بين عبادِه *** ومن سنن العادات أن يُكتَمَ السرُّ
فطوبى لقبر أنت فيه مغيّبٌ *** فقد غاب في [أحشاء] (1) تربتِه البدرُ
$
', '(1) هذه الكلمة غير موجودة فى النسخة التى أرسلها إلىّ المرحوم السيّد عبدالغنىّ الأردبيلىّ(رحمه الله)، ولعلّها ساقطة من القلم؛ إذ من دونها لايستقيم البيت.
', 19), (21, 20, 'book', '
سيرته وأخلاقه(قدس سره):
كان(رحمه الله) آية في العفّة وعلوّ الهمّة، والاعتماد على النفس، والتوكّل على الله، وحسن الأخلاق، والزهد في الزعامة والرئاسة، كان مروّجاً للدين، مربّياً للعلماء، مساعداً للمشتغلين بالعلم، عوناً للفقراء والمساكين يوصل الأموال إلى مستحقيها بلا منٍّ أو شرط، وأحياناً لم يكن يُعرَف أنّ المال من قبله.
كان(رحمه الله) يتتلمذ على يد السيّد المجدّد الشيرازيّ(رحمه الله) الذي هو تلميذ لأبيه السيّد صدرالدين ولأخيه السيّد محمّد علي المعروف بــ (آقا مجتهد)، ولكن لم يكن يعرّف نفسه لدى السيّد المجدّد، فهو لم يكن يعلم أنّه ابن اُستاذه؛ ذلك لأنّه حينما هاجر من إصفهان إلى النجف الأشرف عزم على أن لايعرّف نفسه إلى أحد حتّى إلى أولاد عمّه واُسرته في بغداد والكاظميّة؛ كي يبقى مجهولاً، ويكون أكثر قدرة على التكامل.
إلى أن صادف أنّه تشرّف بالذهاب إلى الحج، ثُمَّ رجع إلى النجف الأشرف، فأخبر السيّدَ الشيرازيّ بعضُ تلامذته ممّن كان يعرف السيّد الصدر بأنّه قد قدم من الحجّ السيّد إسماعيل بن السيّد صدرالدين الإصفهانيّ، فعزم السيّد الشيرازيّ(قدس سره) على زيارة ابن اُستاذه وهو لايعلم أنّه تلميذه المحبوب لديه، فحينما زاره في بيته فوجئ بأنّ هذا هو ذاك التلميذ الذي كان مورداً لإعجاب الاُستاذ، فوقف متعجّباً قائلاً: أنت السيّد إسماعيل الصدر ابن السيّد صدرالدين الإصفهانيّ؟! قال(رحمه الله): نعم، فيزداد الاُستاذ إعجاباً بهذا التلميذ وبمكارم أخلاقه.
وقد روي أنّ السيّد إسماعيل الصدر كان عازماً على أن لايقترض من أحد مالاً مدى العمر، وكان وفيّاً بعهده على رغم معاناته في أيّام دراسته في النجف الأشرف من الفقر والفاقة إلى أن صادف ذات يوم أن أصبحت والدته البالغة حدّ الشيخوخة في حالة لاتطاق، فخاف السيّد(رحمه الله) على سلامتها، وذهب إلى الصحن الشريف وهو حائر بين أمرين: بين التكليف الشرعيّ الذي يطالبه بالمحافظة على اُمّه والذي قد يكون متوقّفاً على الاقتراض، وبين عهده الذي عاهد نفسه عليه من عدم الاقتراض مدى العمر، فجلس جلسة المتحيّر المتفكّر في أمره أمام حجرة من حجرات الشمال الغربيّ، وإذا برجل غير معروف لديه يتمثّل قبال السيّد، ويسأله: هل أنت سيّد موسوىّ النسب؟ قال: نعم، فأعطاه
', '', 20), (21, 21, 'book', 'خمسة توامين، وقال: هذا نذر للسيّد الموسويّ النسب، فأخذها السيّد، وبقي وفيّاً بعهده مدى العمر.
وكان السيّد الصدر(رحمه الله) يحدّث أولاده أحياناً بأمثال هذه القصص والحكايات بهدف تهذيب نفوسهم وتربيتهم على مكارم الأخلاق.
أساتذته:
1 ـ أخوه السيّد محمّد علي المعروف بــ (آقا مجتهد)(رحمه الله) كان من نوادر دهره، درس على يده السطح العالي وبعض الكتب العربيّة والرياضيّة.
2 ـ حجّة الإسلام الشيخ محمّدباقر الإصفهانيّ(رحمه الله)، درس على يده بحث الخارج مدّة عشر سنين.
3 ـ الفقيه المتبحّر الشيخ راضي النجفيّ(رحمه الله).
4 ـ الشيخ الفقيه اُستاذ العلماء والمحقّقين الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء(رحمه الله).
5 ـ الاُستاذ الأكبر المجدّد الشيرازيّ(رحمه الله).
طـلّابـه:
قد ربّى السيّد إسماعيل الصدر(رحمه الله) تلاميذ وعلماء كثيرين تخرّجوا على يده في النجف وسامرّاء وكربلاء والكاظميّة، نكتفي بالإشارة إلى أكابر طلّابه:
1 ـ حجّة الإسلام الحاجّ السيّد أبوالقاسم الدهكوريّ الإصفهانيّ(رحمه الله)، تتلمذ على يد السيّد الصدر(قدس سره) في سامرّاء، ثُمَّ هاجر إلى إصفهان، وأصبح مرجعاً للعوامّ والخواصّ في تلك الديار.
2 ـ حجّة الإسلام الحاجّ السيّد حسين الفشاركيّ الإصفهانيّ الحائريّ(رحمه الله)، تتلمذ على يد السيّد الصدر(قدس سره) في كربلاء.
3 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين الشيخ عبدالحسين آل ياسين الكاظميّ(رحمه الله)، تتلمذ على يد السيّد الصدر(قدس سره) في سامرّاء وكربلاء والكاظميّة، وبعد وفاة
', '', 21), (21, 22, 'book', 'اُستاذه أصبح أحد المراجع الكبار في الكاظميّة.
4 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الميرزا علي آقا الشيرازيّ ابن المجدّد(رحمه الله)، تتلمذ على يده في سامرّاء.
5 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد علي السيستانيّ(رحمه الله)، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، وهاجر أخيراً إلى مشهد الرضا(عليه السلام)، وأصبح أحد المراجع العظام في تلك الديار، كان عالماً فاضلاً مطّلعاً على أقوال العلماء، محيطاً بالأحاديث الفقهيّة إحاطة كاملة.
6 ـ حجّة الإسلام والمسلمين اُستاذ الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى الميرزا محمّدحسين النائينيّ(قدس سره)، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، وتتلمذ ـ أيضاً ـ على يد المجدّد الشيرازيّ(قدس سره)، وهاجر بعد ذلك إلى النجف الأشرف، فصار محطّاً لأنظار العلماء والفضلاء إلى أن ربّى جيلاً من الفقهاء والمجتهدين، وأصبح مرجعاً للتقليد في النجف الأشرف.
7 ـ حجّة الإسلام الميرزا محمّد حسين الطبسيّ(رحمه الله)، تتلمذ على يده في سامرّاء، ثُمَّ عاد إلى بلاده، وأصبح أحد العلماء والأعلام المدرّسين في تلك الديار.
8 ـ حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّدرضا الكاشانيّ(رحمه الله)، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، ثُمَّ عاد إلى بلاده.
9 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الميرزا محمّدعلي الهرويّ الخراسانيّ(رحمه الله)، تتلمذ على يده في سامرّاء وكربلاء، ثُمَّ ذهب إلى مشهد الرضا(عليه السلام)، وأصبح أحد المدرّسين والمراجع في تلك الديار.
10 ـ حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد هادي البيرجنديّ(رحمه الله)، عالم فاضل، ومدقّق ماهر، تتلمذ على يد السيّد الصدر(قدس سره) في سامرّاء وكربلاء، ثُمَّ عاد إلى بلاده، وكان أحد العلماء الأعلام في تلك الديار.
11 ـ آية الله الشيخ محمّدرضا آل ياسين(رحمه الله)، تتلمذ على يد السيّد الصدر(قدس سره) في كربلاء، وكان صهراً له، وكان يستفيد من فيض علومه ليل نهار، ولم يكن يكتفي في الاستفادة منه بمجلس الدرس، ثُمَّ أصبح بعد ذلك أحد علماء الشيعة الكبار والمراجع العظام في النجف الأشرف.
$
', '', 22), (21, 23, 'book', '12 ـ آية الله المجاهد السيّد عبدالحسين شرف الدين(رحمه الله)، تتلمذ على يد السيّد الصدر(قدس سره)في كربلاء والكاظميّة، ودرس ـ أيضاً ـ على يد صاحب الكفاية وشيخ الشريعة في النجف الأشرف، ثُمَّ أصبح أحد علماء ومراجع الشيعة في لبنان إلى أن تُوفّي في جمادى الآخرة ( 1377 هـ )، وحمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأشرف، ودفن في حجرة في الشمال الغربيّ للصحن الحيدرىّ الشريف.
أولاده:
خلّف من بعده أولاداً أربعة كانوا جميعاً آية في العلم، ومحاسن الأخلاق، والتقوى، وهم:
1 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله السيّد محمّدمهدي الصدر(رحمه الله).
2 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله السيّد صدرالدين الصدر(رحمه الله).
3 ـ حجّة الإسلام والمسلمين وعماد الأعلام السيّد محمّدجواد الصدر(رحمه الله).
4 ـ حجّة الإسلام والمسلمين آية الله السيّد حيدر الصدر(رحمه الله).
3 ـ السيّد حيدر الصدر(قدس سره)
سيّد جليل القدر، عظيم المنزلة، حامل لواء التحقيق، نابغة دهره، ونادرة عصره، عابد، زاهد، عالم، عامل، ابن السيّد إسماعيل الصدر(قدس سره) الذي سبقت ترجمته، ولد في سامرّاء في جمادى الآخرة سنة (1309 هـ)، وقال بعض العلماء العامليين في تأريخ ولادته:
فحيدرٌ واليمن قد جاءا معاً *** فنادِ بالتأريخ يمنٌ قد ظهر
هاجر بصحبة والده إلى كربلاء في سنة (1314 هـ)، ودرس المقدّمات والعلوم العربيّة على يد عدّة من الفضلاء، ثُمَّ درس بحث الخارج على يد أبيه السيّد إسماعيل الصدر(قدس سره)، وعلى يد السيّد حسين الفشاركيّ(رحمه الله)، والمرحوم آية الله الحائريّ اليزديّ(رحمه الله) في كربلاء، وأصبح في عنفوان شبابه من العلماء المرموقين المشار إليهم بالبنان.
قال صاحب الذريعة في أعلام الشيعة:
«وقد رأيته مراراً سواء في أيّام والده أو بعدها، فوقفت على غزارة علمه، وكثرة فضله،
', '', 23), (21, 24, 'book', 'وكان دائم الاشتغال كثير المذاكرة، قلّما دخل مجلساً لأهل الفضل ولم يفتح باباً للمذاكرة والبحث العلميّ، وكان محمود السيرة، حسن الأخلاق، محبوباً عند الجميع».
وقال آية الله السيّد عبدالحسين شرف الدين(قدس سره) فيما نشر عنه في مجلة (النجف) السنة الاُولى، العدد الثالث (15 / جمادى الآخرة / 1376 هـ ـ 20 / كانون الأوّل / 1956 م):
«... عرفته طفلاً، فكان من ذوي العقول الوافرة، والأحلام الراجحة، والأذهان الصافية، وكان وهو مراهق أو في أوائل بلوغه لايسبر غوره، ولاتفتح العين على مثله في سنّه، تدور على لسانه مطالب الشيخ الأنصاريّ ومن تأخّر عنه من أئمّة الفقهاء والاُصوليّين، وله دَلْؤ بين دلائهم، وقد ملأه إلى عقد الكرب، يقبل على العلم بقلبه ولبّه وفراسته، فينمو في اليوم ما لا ينمو غيره في الاُسبوع، ما رأت عيني مثله في هذه الخصيصة، وقد رأيته قبل وفاته بفترة يسيرة وقد استقرّ من جولته في غاية الفضل لاتبلغها همم العلماء، ولاتدركها عزائم المجتهدين...».
وقال حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّدتقي آل صادق العامليّ(رحمه الله) فيما نشر عنه في مجلّة (الغري):
«... لقد كان(رحمه الله) آية بليغة في الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة تلقاه ـ وهو بتلك المكانة العلميّة السامية، وبذلك الرداء الجميل من الشرف والمجد ـ طلِق المحيّا، باسم الثغر، رقيق الحواشي، ندىّ الحديث، طريّ الاُسلوب، ليّن العريكة، يتواضع للصغير حتّى كأنّه بعض سُمرائه، ويتصاغر للكبير حتّى كأنّه دون نظرائه...».
كان المرحوم آية الله الصدر(قدس سره) آية في الزهد والتقوى والعفّة، وعدم الاكتراث للدنيا، والشوق إلى العلم والتحقيق.
روي عن المرحوم حجّة الإسلام السيّد علي الخلخاليّ(رحمه الله) أنّه قال:
«إنّ السيّد حيدر الصدر(قدس سره) كان يُدرّس أثناء إقامته في الكاظميّة الكفاية، فاتّفق أنّ أحد أكابر الحوزة العلميّة في النجف الأشرف ورد الكاظميّة، وطلب منه السيّد الصدر(رحمه الله)عقد مباحثة معه في الكفاية خلال الأيّام التي سيبقى في هذا البلد المبارك، فأبى، فطلب منه التتلمذ لديه في أيّام إقامته في الكاظميّة بتدريسه للكفاية فوافق على ذلك، فكان السيّد الصدر(رحمه الله)يلقي بتدريسه هو للكفاية على جمع غفير من الطلّاب، ثُمَّ كان يحضر
', '', 24), (21, 25, 'book', 'باسم التلميذ لدى هذا العالم في درس الكفاية».
قال السيّد علي الخلخاليّ(رحمه الله): «إنّي سألت السيّد الصدر(رحمه الله): ماذا صنعت بفلان الذي لم يكن يقبل عقد المباحثة معك في الكفاية؟ فأجاب(قدس سره): أ نّي وصلت إلى ما كنت أروم من الإفادة والاستفادة؛ ذلك أ نّي أحضر لديه بعنوان التلمذة، فيقرأ علىّ مقطعاً من الكفاية، فينفتح باب المناقشة، فنبقى نتباحث ونناقش في الأمر، وكان هذا هو المطلوب لنا».
وفاتـه:
تُوفّي(رحمه الله) في الكاظميّة في ليلة الخميس (27 / جمادى الآخرة / 1356 هـ)، ودفن في مقبرة آل الصدر. وقد روي عن بعض الثقات أنّه حدّثته زوج المرحوم الصدر ـ وهي العابدة الزاهدة التقيّة النقيّة بنت المرحوم آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين ـ بأنّ العائلة إلى ما بعد مضىّ شهر من وفاة المرحوم الصدر تقريباً كانت حائرة في الحصول على لقمة العيش، علماً بأنّ المرحوم الصدر كان مرجعاً من مراجع الشيعة. وهذا يلقي ضوءاً على مدى زهده وعدم اكتراثه للدنيا، وعدم تجميع المال. طوبى له وحسن مآب.
مؤلّفاته:
1 ـ رسالة في مباحث وضع الألفاظ.
2 ـ تعليقة على الكفاية.
3 ـ رسالة في المعنى الحرفيّ.
4 ـ رسالة في تبعيض الأحكام لتبعيض الأسباب.
5 ـ الشبهة الحيدريّة في تلاقي أحد أطراف العلم الإجماليّ.
6 ـ تعليقة على العروة الوثقى.
وعدّة رسائل اُخرى.
وممّا يؤسفنا أنّ هذه الكتب والرسائل كلّها مفقودة اليوم، إلّا أنّ الشبهة الحيدريّة تعرّض لها آية الله الشيخ آقا ضياء العراقيّ(رحمه الله) في مجلس درسه، فكُتبت بقلم بعض طلّابه في تقرير بحثه.
$
', '', 25), (21, 26, 'book', 'أولاده:
خلّف السيّد حيدر الصدر(رحمه الله) من بعده ابنين وبنتاً يعتبر كلّ واحد منهم جوهرة ثمينة يقلّ نظيرها في العلم والتقى، وهم:
1 ـ حجّة الإسلام والمسلمين السيّد إسماعيل الصدر(رحمه الله)، ولد في الكاظميّة في شهر رمضان المبارك سنة (1340 هـ). درس المقدّمات والسطح العالي على يد علماء الكاظميّة، وهاجر إلى النجف الأشرف بتأريخ (1365 هـ ) فتتلمذ على يد:
1 ـ آية الله العظمى الشيخ محمّدرضا آل ياسين(رحمه الله).
2 ـ آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم(رحمه الله).
3 ـ آية الله العظمى السيّد عبدالهادي الشيرازيّ(رحمه الله). وقد أجاز له بالاجتهاد.
4 ـ آية الله العظمى السيّد أبوالقاسم الخوئيّ الذي يعيش الآن في النجف الأشرف.
ثُمَّ عاد بطلب عدد من المؤمنين في الكاظميّة إلى بلده، واشتغل بالتدريس وترويج الدين، وكان آية في الإخلاص، والدفاع عن حقوق المظلومين، وفخراً للشيعة.
ألّف كتباً في الفقه، والاُصول، والتفسير، والرجال لم يطبع منها عدا مجلّد واحد في التعليق على التشريع الجنائيّ الإسلاميّ، كما طبعت له محاضرات في التفسير الجزء الأوّل.
تُوفّي في ذي الحجة من سنة (1388 هـ )، ودفن في النجف الأشرف في مقبرة المرحوم آية الله السيّد عبدالحسين شرف الدين(رحمه الله).
2 ـ آية الله العظمى مفجّر الثورة الإسلاميّة في العراق الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره).
3 ـ العلويّة الفاضلة آمنة المعروفة ببنت الهدى ـ قدّس سرّها ـ كانت سيّدة جليلة، عالمة، فاضلة، عارفة، عابدة، مهذّبة، تقيّة. ولدت في الكاظميّة في سنة (1356 هـ )، ونمت في كنف العلم والتقى والفضيلة. درست علوم العربيّة ومبادئ علم الكلام والفقه والاُصول على يد أخيها الشهيد(قدس سره) إلى أن أصبحت من مفاخر الكاتبات الإسلاميّات، وكانت تشرف خلال سبع سنين على أربع مدارس دينيّة للبنات في الكاظميّة، والنجف، والكوت. وقد ربّت المئات من البنات الفاضلات العالمات المؤمنات، وقد ألّفت:
$
', '', 26), (21, 27, 'book', '1 ـ صراع من واقع الحياة.
2 ـ الخالة الضائعة.
3 ـ الفضيلة تنتصر.
4 ـ ذكريات على تلال مكّة.
5 ـ المرأة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله).
6 ـ كلمة ودعوة.
7 ـ ليتني كنت أعلم.
8 ـ امرأتان ورجل.
9 ـ لقاء في المستشفى.
10 ـ الباحثة عن الحقيقة.
11 ـ بطولة المرأة المسلمة.
وقد اعتقلها حزب البعث الغاشم العميل بُعيد آخر اعتقال لأخيها الشهيد(قدس سره)، واغتالوها بأيد خبيثة خائنة. أسأل الله تعالى أن يسلّطنا على هذه الزمرة الكافرة؛ كي نروي الأرض بدمائهم، ونأخذ بثاراتنا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. و والله لو سقيت الأرض بدمائهم جميعاً لَما ساوى ذلك قلامة من ظفر إبهام شهيدنا الصدر(قدس سره) أو اُخته العلويّة المظلومة.
كانت هذه ترجمة مختصرة لاُسرة آل الصدر اشتملت على ترجمة آباء شهيدنا الغالي لثلاث طبقات.
والدة الشهيد الصدر رحمة الله عليها
أمّا والدته المحترمة، فهي السيّدة العابدة، الصالحة، التقيّة، الزاهدة، بنت المرحوم آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين(رحمه الله)، وكان أبوها وإخوتها جميعاً من الآيات العظام، ومن أكابر العلماء الأعلام رضوان الله عليهم أجمعين.
فأبوها هو آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين(رحمه الله) أحد أعاظم فقهاء عصره، المعروف
', '', 27), (21, 28, 'book', 'بالزهد والعبادة والتقوى. ولد في الكاظميّة، وتربّى في كنف جدّه المرحوم آية الله الشيخ محمّدحسن آل ياسين(رحمه الله) الذي كان من مفاخر علماء الشيعة، والذي أمضى الإمام صاحب الزمان ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ نيابته عنه على ما ورد في قِصّة المرحوم الحاجّ علي البغداديّ(قدس سره) المذكورة في مفاتيح الجنان.
وقد قال السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل عن الشيخ محمّد حسن آل ياسين:
«اُنموذج السلف، حسن التقرير، مضطلع في الفقه والاُصول، خبير بالحديث والرجال، انتهت إليه الرئاسة الدينيّة في العراق بعد وفاة الشيخ العلّامة الأنصاريّ، كان المرجع العامّ لأهل بغداد ونواحيها وأكثر البلاد في التقليد، وكان المعروف بالفضل، له رسالة وكتب...».
والمرحوم الشيخ عبدالحسين آل ياسين(رحمه الله) قد هاجر من الكاظميّة إلى سامرّاء، وتتلمذ على يد المجدّد الشيرازيّ(قدس سره)، وبعد أن تُوفّي جدّه الشيخ محمّدحسن انتقلت إليه زعامة الشيعة في بغداد والكاظميّة، ثُمَّ هاجر إلى كربلاء، وتتلمذ على يد المرحوم السيّد إسماعيل الصدر، ووصل إلى مرتبة عالية من الاجتهاد، وعاد إلى الكاظميّة، وأصبح من مراجع الشيعة في التقليد، وتُوفّي في (18 / صفر / 1351 هـ) في الكاظميّة، ودفن في النجف الأشرف في مقبرة آل ياسين.
أمّا إخوتها فهم:
1 ـ آية الله العظمى شيخ الفقهاء والمجتهدين الشيخ محمّدرضا آل ياسين(قدس سره)، كان اُستاذاً ومرجعاً في عصره في النجف الأشرف، تُوفّي في سنة (1370 هـ )، ودفن في مقبرة آل ياسين.
2 ـ المرحوم الإمام المجاهد الشيخ راضي آل ياسين(قدس سره)، كان من أكابر علماء الإماميّة في الكاظميّة، وهو صاحب تأليفات كثيرة منها كتاب ( صلح الحسن(عليه السلام) ).
3 ـ المرحوم آية الله الورع التقي الشيخ مرتضى آل ياسين(قدس سره)، كان من أكابر علماء الإماميّة، ومرجعاً للتقليد في النجف الأشرف.
$
', '', 28), (21, 29, 'book', 'آية الله العظمى
الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر(قدس سره)
هو العَلَم الفَذّ، مفخرة عصره، واُعجوبة دهره، نابغة الزمان، ومعجزة القرن، حامي بيضة الدين، وماحي آثار المفسدين، فقيه اُصوليّ، فيلسوف إسلاميّ، كان مرجعاً من مراجع المسلمين في النجف الأشرف، فجّر الثورة الإسلاميّة في العراق، وقادها حتّى استشهد.
ولد في (25 / ذي القعدة / 1353 هـ) في الكاظميّة، وتربّى من بعد وفاة والده في كنف والدته وأخيه السيّد إسماعيل الصدر(رحمه الله).
كانت تبدو عليه من أوائل الصبا علائم النبوغ وآثار الذكاء.
وممّا يُحكَى عن أيّام طفولته وصباه في المدرسة الابتدائيّة ما كتبه محمّدعلي الخليليّ حاكياً قِصّته مع شهيدنا أيّام كانا طالبين في مدرسة منتدى النشر الابتدائيّة، وإليك نصّه الذي لم ينشر حتّى الآن:
«كانت تجمعنا به مدرسة واحدة، ويفرّقنا فارق السنّ والمرحلة الدراسيّة؛ إذ كان حينها في الصفّ الثالث الابتدائيّ، أمّا أنا فكنت في السنة النهائيّة من هذه المرحلة الدراسيّة.
وطبيعىّ ـ وللأمرين المذكورين ـ أن لايكون اتّصال مباشر، وعلى الرغم من ذلك فقد كان موضوع اهتمامنا، ومحطّ أنظارنا نحن تلاميذ المدرسة صغاراً وكباراً، كما كان موضوع تقدير واحترام معلّميه، وأكثر ما كان يلفت نظرنا هو اهتمام المعلّمين به دون استثناء، فقد كانت له شخصيّة تفرض وجودها، وسلوك يحملك على احترامه، والنظر إليه نظرة تختلف عن نظرتك لبقيّة زملائه.
كنّا نعرف عنه أنّه مفرط في الذكاء، ومتقدّم في دروسه تقدّماً يبزّ فيه زملاءه كثيراً، أو
', '', 29), (21, 30, 'book', 'ندر نظيره، وما طرق أسماعنا أنّ هناك تلميذاً في المدارس الاُخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة وذكاء؛ لذا اتّخذه معلّموه نموذجاً للطالب المجدّ والمؤدّب والمطيع، فما من درس يمرّ بنا إلّا وكان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يلقّننا من مادّة، وكان ذلك يزيدنا احتراماً له وإعجاباً به، حتّى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيته وفي حديثه وفي جلوسه في الصف؛ لينال ما يناله من احترام وإعجاب، وقد بلغ احترامُ زملائه له وجميعُ تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلّميهم إن لم يتعدّه أحياناً، فهم يتهيّبون التحدّث إليه، إلّا إذا شعروا برغبة منه في الحديث، وإلّا أن يكون هو البادئ في الحديث.
وقد تجاوز هذا الإعجاب به والحديثُ عنه جدران المدرسة إلى الشارع والسوق والمدارس الاُخرى وفي كلّ مكان، حتّى إنّني فوجئت يوماً أنّ أبي يدعوني إلى أن أقتدي به في سلوكي وفي حديثي مع الناس، وقد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح.
وممّا زاد تعرّف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب والقصائد التي كان يهيّئها له معلّموه المتمكّنون من اللغة العربيّة في المواكب الحسينيّة التي تنظّمها المدرسة كلّ عام في يوم عاشوراء، أو في وفيات بعض الأئمّة الأطهار، حيث كان يرتقي المنبر المعدّ له في الصحن الكاظميّ؛ ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر القلب، ويبدو وكأنّه يرتجل مسترسلاً دون توقف أو تلكّؤ، وقد تعجب أيّها القارئ أنّ فترة حفظه لها لاتتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف، وكثيراً ما كنت أسمع أنا وغيري من الطلّاب كلمات الاستحسان والتعجّب والتشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا (مدرسة منتدى النشر في الكاظميّة)، وقد أعطى ـ وهو في هذه السنّ ـ لموكبنا منزلة قد تفوق منازل المواكب الاُخرى، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف حيث نجد عدداً كبيراً من الناس ينتظرون الموكب بشوق ولهفة، وكان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم، وأمّا إذا كان غيره ينفضّ عن الموكب الكثيرون منهم، فقد كان لإلقائه حلاوة وتأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنّه.
في تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر وليتها كانت تطول، وعرفه الناس الذين
', '', 30), (21, 31, 'book', 'يقصدون الكاظميّة من بغداد وضواحيها؛ لحضور المواكب والمجالس الحسينيّة.
وإنّنا زملاءه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه، وعرفناه طالباً مثاليّاً في سلوكه وفي جميع تصرّفاته. وما أتذكر أنّه كان له حسّد من الطلّاب، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شيء يتودّدون ويتقرّبون منه؛ وذلك بسبب سلوكه العقلانيّ معهم، وإضفاء حبّه وحنانه على من هو أصغر منه، واحترامه لمن هو أكبر منه، وكنّا نشعر ـ وإن كبرناه سنوات ـ لقد كان والله معجزة، وآية من آيات خلق الله، ولاأجدني مبالغاً مهما قلت عنه، وأطنبت في امتداحه، والثناء عليه، وتعداد حسناته وصفاته التي لم نجد نظيراً لها في سموّها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس.
كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها، ولم يقربها غيره احتراماً له، وذلك في كلّ استراحة بعد كلّ محاضرة في الصفّ، وكان يلتفّ حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ ورفاق صفّه، أو من الصفوف العليا. كنّا نراقب هذا الاجتماع، ونرقبه وهو يتحدّث إلى المحيطين وكلّهم إصغاء له، يتحدّث إليهم بهدوء، ويلفّه هدوء، ويغطّيه سكون، والكلّ صاغون إلى حديثه، ساهمون مسحورون، وقد أثارت فضولنا هذه الحالة وهذا الاجتماع، فهممنا عدّة مرّات لأن ننضمّ إليهم، ولكنّ فارق السنّ ـ كما قلنا ـ كان يحول بين رغبتنا وبين تحقيقها.
وجاء ذلك الذي لم أنسه ولن أنساه، كان يوماً جديداً لم يمرَّ بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطّلاع، فاندفعنا ـ وكأنّنا مقادون ـ إلى حيث يعقد اجتماعه، وانضممنا إلى الثلّة التي كانت تحيط به، وقد كانت خطواتنا هذه مفاجأة له، سكت عندها قليلاً عن الحديث، وبعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة كأنّه كان يريد أن يقول لنا: هل أستمرُّ في الحديث؟، وبعدها راح يواصل حديثه، حديث لم نألفه من قبل، فلاهو توضيح ولاهو شرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا؛ فقد كان حديثاً تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة، أوصعب فهمها، ولأوّل مرّة سمعنا فيها كلمة الماركسيّة، والامبرياليّة، والديالكتيكيّة، والانتهازيّة، وكلمات اُخرى أظنّها كانت تعني أسماء لفلاسفة وعلماء وشخصيّات لم يحضرني منها سوى اسم (فيكتورهوغو) و(غوته)، وغابت عني أكثرها؛ إذ مرَّ عليها زمن طويل قارب الأربعين عاماً، ولأنّها كلمات كانت في حينها يصعب علينا
', '', 31), (21, 32, 'book', 'نطقها وتلفّظها، كانت غريبة علينا جدّاً، ولم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا المدرسيّة، ولم نقرأ فيها إلّا (إديسون) و(نيوتن) وغيرهما ممّن درسنا عنهم وعن اكتشافاتهم واختراعاتهم.
لقد كان يهيم في حديثه، ويسبح في بحر من الخيال والتسامي، أويغوص في بحر لجّيٍّ يلتقط منه العبارات والمعاني والأفكار.
لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرّر انضمامنا إلى مجموعته التي أطلق عليها اسم (الحوزة)، وكلّنا نرغب رغبة ملحّة في أن نفهم ما يتحدّث به. ونحن لاندري هل أنّ هؤلاء الصبية والأطفال المحيطين به يعون ويدركون ما يتحدّث به إليهم، ويتفهّمون ذلك؟. وهذا ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزوّد من معارفه آنذاك والتي كنا نراها أشياء جديدة علينا، ولكن فيها متعة ولذة وإن لم ندرك أكثرها، وكنّا نستزيده فيزيد، ونطلب منه أن يعيد علينا ما حدّثنا به قبل يوم، فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذراً، أو يقابلنا برفض.
فقد كان همّه كلّ همّه أن نفهم، وأن نعي ما يحدّثنا وكأنّه نذر ساعات لعبه وسهوه ـ وهو بهذا السنّ ـ ليكون معلّماً ومفقّهاً، واصلنا حضورنا حوزته هذه حتّى كانت نهاية العام، وبدأت العطلة، فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسطة، وبقي هو في مدرسته قليلاً حتّى علمنا أنّه تركها؛ لينصرف إلى الدرس.
كانت أيّاماً مضيئة وجميلة، وكانت حلماً حلواً مؤنساً أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على أن نتفهّم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسيّة، كتب كان يزوّدنا بها هو أحياناً كلّما التقى واحداً منّا، وقليلاً ما كنّا نلتقيه إلّا في داره حيث كنّا نجده مكبّاً على قراءة كتب لانعرف حتّى أسماءها، وكتب كنّا نقتنيها من المكتبات، أو نستعيرها من الأصدقاء زملاء المدرسة، أو من المكتبات العامّة بإشارة وتوجيه منه. وكنّا نهتمّ بكلّ كتاب ينصحنا بقراءته، وإن غمض علينا شيء منه، كان يعيننا على فهمه بكلّ سرور ورحابة صدر وهو ممتن غير مانّ.
كانت لنا معه أيّام حلوة سعيدة عادت علينا بعد ذلك بمرارة لانتجرّعها، ولانتحمّل مرارتها، فقد رحل عنّا شهيدنا، اغتالته فئة ضالّة باغية، وتركنا إلى حيث يرتع في نعيم دائم وسعادة أبديّة، وبقينا بعده غرقى في شقاء ما مثله شقاء، وحياة مليئة بالقسوة والظلم
', '', 32), (21, 33, 'book', 'والإرهاب، وصارت سنوات تلك الطفولة البريئة المرحة أيّاماً قاسية، إلّا أنّه ترك فينا وعياً ومعرفة أعانتنا على أن نزيدها، ونبلغ بها حدّاً نتفهّم فيه كلّ شيء في الحياة.
تلك كانت أيّام طفولتنا وصبانا مع ذلك المعلّم (الصدر) المليء بالعلم وهو طفل، وقد تغذّينا في حوزته ونحن أطفال».
انتهى ما كتبه محمّدعلي الخليليّ عن أيّام طفولة الاُستاذ الشهيد(قدس سره) في المدرسة الابتدائيّة.
أمّا ما جاء فيه من (أنّه(رحمه الله) كان يحفظ الخطب التي كان يهيّئها له معلّموه، فيلقي الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب، ويبدو وكأنّه يرتجل مسترسلاً دون توقّف أو تلكّؤ)، فهذا قد يكون صحيحاً، ولكنّ الذي حدّثني به الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) أنّه كان في أيّام صباه يرتجل خطباً للناس في المناسبات، ولاتنافي بين هذا وذاك؛ فلعلّه كان أحياناً كهذا وأحياناً اُخرى كذاك.
وقبل أن نمضي في درس حياة اُستاذنا الشهيد(قدس سره)؛ لكي نرى ماذا كان بعد خروجه من المدرسة، نقرأ مقطعاً آخر من الحديث عن حياته في داخل المدرسة الابتدائيّة منقولاً عن أحد أساتذة المدرسة فقد نُشِرَ في مجلّة صوت الاُمّة العدد (13) للسنة الثانية (رجب / 1401 هـ) مقالٌ لشخص تحت اسم (أبو براء)، وهذا نصّه:
«شاءت الصدف أن أتّخذ لي مكاناً إلى جانبه في أحد المجالس التأبينيّة التي اُقيمت تخليداً لذكرى الشهيد الصدر، وفي التفاتة منّي إليه غير مقصودة وجدت عليه أمارات الألم والحزن الشديدين، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين، بل لااُغالي إذا قلت: كانت عليه سيماء الثكل، ولم ينتبه إلى التفاتتي، فقد كان ساهياً منصرفاً عن كلّ ما هو حوله، ومثبتاً عينيه على صورة للشهيد الصدر كانت معلّقة أمامه، وهو يصدر الآهة إثر الآهة، ويجذب الحسرة تلو الحسرة، وبين كلّ لحظة واُخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده، كان يبكي ويتألّم بصمت، وقد لفت نظري كثيراً رغم أنّ كلّ من كانوا في الحفل أغرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها وأشجانها، وربّما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من قصيدة شاعر، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس
', '', 33), (21, 34, 'book', 'شجاها، وتحرّك عواطفها وأحاسيسها، إلّا هذا، فما سمعت منه إلّا الآهات، والتنهّدات، والأ نّات الخفيّة.
إنّ كلّ الذين كانوا في الحفل أو جلّهم يعرفون الصدر، إمّا عن كثب، أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، إذن لابدّ أن يكون لهذا شأن آخر، هكذا قدّرت، وقد أصاب تقديري، فسألته، وقطعت عليه وجومه، وشرود فكره، وقد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بثّ ما في جنبيه من ألم دفين، وحزن كمين، ويبدو أنّه عرفني، واطمأنّ إلىّ، فراح يحدّثني وبنبرات تقطّعها الآهات والحسرات.
قال بعد تنهُّدة عميقة: إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد، كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات يوم كان طالباً في المراحل الاُولى من الدراسة الابتدائيّة، وكنت معلّماً في المدرسة التي كان يتعلّم بها، وهي مدرسة منتدى النشر الدينيّة الابتدائيّة في الكاظميّة، وقد رأيت أنّ هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصّة، ويرعاه رعاية يشوبها الاحترام والتقدير، فعحبت في بادئ الأمر لذلك، وأخيراً اتّضح لي بأنّ هذه العناية لم يكن مبعثها لأنّه ينتمي لعائلة كريمة الحسب عرف كثير من أفرادها، واشتهروا بالعلم، والتقى، والورع، أو لأنّه يتيم فقد أباه وهو بعد صغير لم يبلغ الحلم، ولكنّ عنايته كانت موجهة إليه لأسباب اُخرى. فأحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل سيّما وأ نّني حديث عهد بالعلم في المدرسة المذكورة. وشاءت الصدف أن أنفرد بالسيّد المدير، فأستوضح منه عمّا كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل، فأجابني: أرجو أن ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسيّة، فقد سبق وأوصيتهم به خيراً؛ لأ نّني أتوسّم فيه أن يكون له مستقبل كبير باعث على التفاخر والاعتزاز بما يقوم به وبالدرجة العلميّة التي أترقّب أنّه سيصلها ويبلغها، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب، فأقرّبه إليّ، وأتحدّث معه كلّما سنحت الفرصة مظهراً إليه حبّي وودّي اللذين نميا مع الأيّام، بل الساعات، فصار محبّاً لي متعلّقاً بي لايفارقني في الصفّ أثناء الدرس أو بعده أثناء فترة الاستراحة.
وقد كان طفلاً يحمل أحلام الرجال، ويتحلّى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغاً عجيباً، وذكاءً مفرطاً يدفعانك على الاعتزاز به، ويرغمانك على احترامه وتقديره، كما شهدت كلّ المدرّسين ـ أيضاً ـ يكنّون له هذا الاحترام وهذا التقدير.
$
', '', 34), (21, 35, 'book', 'لقد كان كلّ ما يُدرَس في هذه المدرسة من كافّة العلوم دون مستواه العقلىّ والفكرىّ، كان شغوفاً بالقراءة، محبّاً لتوسيع دائرة معرفته، ساعياً بجدٍّ إلى تنمية مداركه ومواهبه الفذة، لا تقع عيناه على كتاب إلّا وقرأه، وفقه ما يحتويه في حين يعزّ فهمه على كثير ممّن أنهوا المرحلة الثانويّة. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب، أو علم، أو اقتصاد، أو تأريخ، إلّا وسعى إلى طلبه. كان يقرأ كلّ شيء.
وقد حدّثني أحد الزملاء ممّن كان لديهم إلمام بالماركسيّة، واطّلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيها قائلاً لي: لقد جاءني يوماً مبدياً رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسيّة ونظريّاتها؛ ليطّلع على مكنونات هذه النظريّة، تردّدت في بادئ الأمر عن إرشاده إلى ذلك؛ لأنّه طفل، وخشيت أن تتشبّع أفكاره بالماركسيّة ونظرياتها، وبعد إلحاح منه شديد، ولمّا كنت لااُحبّ ردّ طلبه أرشدته إلى بعض المجلّات والكتب المبسّطة في كتابتها عن الماركسيّة وفي عرضها لها. وقد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلّات والكتب، وهي نادرة وعزيزة؛ لأنّها كانت آنذاك من الكتب المحرّم بيعها في المكتبات.
وبعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحاً، ثُمَّ أعادها إلىّ بعد أن قرأها مكرّراً طلبه أن أجد له كتباً أكثر موضوعيّة، وأعمق شرحاً وعرضاً لآراء الماركسيّة، فهيّأت له ما طلب، وكنت أظنّ أنّه سوف لايفقه منها شيئاً؛ لأ نّني أنا نفسي رغم مطالعاتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحياناً صعوبة في فهمها. وبعد مدّة اُسبوع واحد أعادها إلىّ، وطلب غيرها، وأضاف المدرّس قائلاً: أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب، وإذا به يدخل في شرح الماركسيّة طولاً وعرضاً، فأخذت عن شرحه لها كلّ ما غمض علىّ معناه عند قراءتي لها، فعجبت لهذا الطفل المعجزة، وهو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائيّة. وقد زاد في اطمئناني عند ما راح يشرح لي أنّه كان يأتي على مناقشة كلّ رأي على حدة مناقشة العالم المتبحِّر في العلم، فاطمأننت بأنّه لم يتأثّر بالماركسيّة مطلقاً، وأنّه كان يقرؤها كناقد لاكدارس لها.
وحدّثني عنه مدرّس اللّغة فقال: والله لو لاالأنظمة والقوانين ولو كانت هناك حكومة تقدّر النبوغ والكفاءة، لمنحته الشهادة الثانويّة بأعلى الدرجات، وفتحت له أبواب
', '', 35), (21, 36, 'book', 'الكلّيات، ليختار منها ما يشاء، وكفيته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت. إنّ إلمامه بعلوم اللّغة العربيّة يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه، وكم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجاً لاأحير جواباً، فأضطر أن اُؤجّل الجواب على سؤاله إلى يوم آخر؛ لئلّا أكون في موضع العاجز عن الجواب أمام تلامذتي. وقال هذا الشيء عينه مدرّس الدين وأضاف: أنّه يصلح أن يكون مدرّساً للدين واُصوله.
وقال كذلك مدرّسو العلوم الاُخرى، مُبدِين دهشتهم وحيرتهم في نبوغ هذا الطفل ومستواه خائفين أن يقتله ذكاؤه.
كان(رحمه الله) أوّل من يدخل الصفّ، وآخر من يخرج منه، وكان كلّه إصغاءً وانتباهاً إلى ما يقوله المدرّس، وكأنّ ما يتلى شيء جديد بالنسبة له، وكأنّه لم يحفظ في ذاكرته أضعاف ما يتلى عليه في الصفّ. وما وجدته يوماً وقد ركبه الغرور، أو طغى عليه العجب بنفسه، أو تعالى على زملائه التلاميذ ممّا عنده من علم ومعرفة. كان مؤدّباً جدّاً يحترم معلّميه وزملاءه، ويفرض احترامه على الجميع، وكثيراً ما كنّا نفتقده متغيّباً لشهر أو حواليه من المدرسة، ثُمَّ إذا به يحضر عند الامتحان، فيؤدّيه، فينال الدرجة العليا، ولو كانت هناك درجة أعلى، لاستحقها بجدارة. وكنّا عند تغيّبه نستفهم من الإدارة عن السبب، فيكون الجواب الذي اعتدناه: أنّه يحضر دروساً خاصّة تشغله عن حضور المدرسة. كنّا نختاره وخاصّةً مدرّس الدروس الدينيّة في درس الصلاة إماماً يؤمّ زملاءه في الصلاة، فكان واللّهِ جديراً بها يؤدّيها بخشوع العابد الزاهد المتوجّه إلى ربّه العليّ الكريم. وكان يختار من بين طلّاب كلّ المدرسة؛ لإلقاء القصائد والكلمات في الصحن الكاظميّ الشريف منذ كان في الصفّ الثاني الابتدائيّ، وذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة أن تنظّمه كلّ عام.
وليس عجيباً على مثل هذا الطفل أن يستظهر قصيدة تضمّ ثلاثين بيتاً أو أكثر، أو كلمة عن ظهر قلب خلال ربع ساعة بعدها يتلوها علينا بكلّ فصاحة متجنّباً اللّحن حتّى إذا قرئت له ملحونة.
كان شعلة ذكاء، وقدوة أدب، ومثال خلق قويم، ونفس مستقيمة. ما فاه والله بحياته في المدرسة بكلمة إلّا وبعثت في نفس سامعها النشوة والحُبُور، وما التقت عيناه لفرط
', '', 36), (21, 37, 'book', 'خجله مرّة عيني أحد مدرّسيه، فهو لايحدّث إلّا ورأسه منحن، وعيناه مسبلتان. أحببته طفلاً صغيراً بريئاً، وأجللت فيه شيخاً كبيراً، لما ألمّ به من علم ومعرفة، حتّى إنّني قلت له ذات يوم: إنّني أتوقّع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك ومعرفتك، ونهتدي بأفكارك وآرائك، فكان جوابه بكلّ أدب واحترام، وقد علت وجهه حمرة الخجل: عفواً اُستاذ، فأنا لاأزال وسأبقى تلميذكم وتلميذ كلّ من أدّبني وعلّمني في هذه المدرسة، وسأبقى تلميذكم المَدين إليكم بتعليمي وتثقيفي.
ثُمَّ ختم الرجل حديثه بقوله: أتريدني بعد كلّ هذا أن لاأحزن عليه حزن الثاكل. ولكنّ الذي يبعث لنا السلوى، ويمكّننا من الصبر، ويسري عن نفوسنا أنّه ترك لنا أسفاراً يحدّثنا فيها. فهو اليوم في كلّ بيت من بيوتنا مقيم بين صفحات كتبه ومؤلّفاته نحدّثه ويحدّثنا عن آرائه وأفكاره العلميّة الخالدة وصوره المطبوعة في قلوبنا. فرحمه الله، ويا ليتنا كنّا أو سنكون بركبه سائرين. وأنهى الحديث بآهة ودمعة انحدرت من عينيه».
الآن حان لنا أن نمضي مع حياة هذا الطالب؛ كي نرى ماذا جرى بعد خروجه من المدرسة الابتدائيّة.
ونعود هنا مرّة اُخرى إلى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيّد عبدالغني الأردبيليّ(قدس سره):
قرأ(رحمه الله) في الحادية عشرة من عمره المنطق، وكتب رسالة في المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقيّة.
وقد قرأ أكثر الأبحاث المسمّـاة بالسطح العالي بلا اُستاذ.
وفي أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الاُصول على يد أخيه المرحوم السيّد إسماعيل(رحمه الله)، وكان من شدّة ذكائه يعترض على صاحب المعالم بإيرادات وردت في الكفاية.
منها: أنّه ورد في بحث الضد في كتاب المعالم الاستدلال على حرمة الضدّ بأنّ ترك أحدهما مقدّمة للآخر، فاعترض عليه شهيدنا الصدر(قدس سره) بقوله: «إذن يلزم الدور».
فقال له المرحوم السيّد إسماعيل: هذا ما اعترض به صاحب الكفاية على صاحب المعالم.
$
', '', 37), (21, 38, 'book', 'هاجر الاُستاذ الشهيد(قدس سره) في سنة (1365 هـ ) من الكاظميّة إلى النجف الأشرف وتتلمذ على يدي علمين من أعلام النجف:
1 ـ آية الله الشيخ محمّدرضا آل ياسين(قدس سره).
2 ـ آية الله السيّد أبو القاسم الخوئي الذي مازال يعيش الآن في النجف الأشرف.
وكان يحضر معه درس المرحوم آل ياسين ثلّة من العلماء الأكابر أمثال:
1 ـ آية الله الشيخ صدرا البادكوبيّ.
2 ـ وآية الله الشيخ عباس الرميثيّ.
3 ـ وآية الله الشيخ طاهر آل راضي.
4 ـ وحجّة الإسلام والمسلمين السيّد عبدالكريم علي خان.
5 ـ وحجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمّدباقر الشخص.
6 ـ وحجّة الإسلام والمسلمين السيّد إسماعيل الصدر.
وآخرين من أهل الفضل والعلم.
وقد انتهى بحث الشيخ آل ياسين يوماً إلى مسألة أنّ الحيوان هل يتنجّس بعين النجس، ويطهر بزوال العين، أو لايتنجّس بعين النجس؟ فذكر الشيخ آل ياسين(رحمه الله): أنّ الشيخ الأنصاريّ(قدس سره) ذكر في كتاب الطهارة: أنّ هنا ثمرةً في الفرق بين القولين تظهر بالتأمّل. وقال الشيخ آل ياسين(رحمه الله): إنّ اُستاذنا المرحوم السيّد إسماعيل الصدر حينما انتهى بحثه إلى هذه المسألة، طلب من تلاميذه أن يبيّنوا ثمرة الفرق بين القولين، فبيّنّا له ثمرة في ذلك. وأنا الآن أطلب منكم أن تأتوا إليّ غداً بعد التفكير والتأمّل بثمرة القولين.
فحضر شهيدنا الصدر(قدس سره) في اليوم التالي قبل الآخرين لدى اُستاذه، وقال: إنّي جئت بثمرة للقولين، فتعجّب الشيخ آل ياسين من ذلك؛ لأنّ صغر سنّه ـ وقتئذ ـ كان يوحي إلى الشيخ آل ياسين أنّ حضوره مجلس الدرس ليس حضوراً اكتسابيّاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنّما هو حضور ترفيهيّ. فذكر شهيدنا الصدر(رحمه الله) ما لديه من الثمرة ممّا أدهش الاُستاذ آل ياسين؛ لفرط ذكاء هذا التلميذ الصغير، ونبوغه، وقال له: أعد بيان الثمرة لدى حضور باقي الطلّاب.
وحينما حضر الطلّاب الآخرون، طالبهم الشيخ الاُستاذ بالثمرة، فلم يتكلّم منهم أحد،
', '', 38), (21, 39, 'book', 'فقال الشيخ: إنّ السيّد محمّدباقر الصدر أتى بثمرة للخلاف غير الثمرة التي نحن أتينا بها إلى اُستاذنا. وهنا يبيّن شهيدنا الصدر ما لديه من الثمرة، ويثير إعجاب الحاضرين، ويعرف من ذلك الحين لدى أكابر الحوزة العلميّة بالذكاء، والنبوغ العلميّ.
قال أخوه المرحوم السيّد إسماعيل الصدر(رحمه الله): «سيّدنا الأخ بلغ ما بلغ في أوان بلوغه».
وفي سنة (1370 هـ ) تُوفّي الشيخ آل ياسين(رحمه الله). وعلّق المرحوم الشيخ عبّاس الرميثيّ بتعليقته على رسالة الشيخ آل ياسين المسمّـاة ببلغة الراغبين؛ ولفرط اعتقاده، وشدّة إيمانه بذكاء شهيدنا الصدر ونبوغه طلب منه أن يحضر مجلس التحشية، فلبّى الشهيد دعوة اُستاذه، واشترك في مجلس التحشية. وقد كتب شهيدنا الصدر ـ وقتئذ ـ تعليقة على بلغة الراغبين أيضاً. وكان يقول له الشيخ عبّاس الرميثيّ في ذاك التأريخ: إنّ التقليد عليك حرام.
وقد حضر شهيدنا الغالي من سنة (1365 هـ ) درس اُستاذه آية الله الخوئيّ فقهاً واُصولاً، وأنهى تحصيلاته الاُصوليّة في سنة (1378 هـ )، والفقهيّة في سنة (1379 هـ ).
وكانت مدّة تحصيلاته العلميّة من البداية إلى النهاية نحو سبع عشرة سنة، أو ثماني عشرة سنة. ولكنّ هذه المدّة على رغم قصرها زمناً كانت في واقعها مدّة واسعة؛ إذ إنّ شهيدنا الصدر(رحمه الله) كان يستثمر من كلّ يوم ست عشرة ساعة؛ لتحصيل العلم، فمن حين استيقاظه من النوم في اليوم السابق إلى ساعة النوم في اليوم اللّاحق كان يلاحق المطالعة والتفكير عند قيامه وقعوده ومشيه.
بدأ شهيدنا الصدر(قدس سره) بتدريس خارج الاُصول في سنة (1378 في يوم الثلاثاء 12 / جمادى الآخرة)، وأنهى الدورة الاُولى في يوم الثلاثاء (12 / ربيع الآخر / 1391 هـ)، وكانت آخر كلماته في البحث ما يلي:
«وبهذا انتهى الكلام في هذا التنبيه، وبه انتهى الكلام في مبحث التعادل والتراجيح، وبه انتهت هذه الدورة من علم الاُصول».
وبدأ الشهيد بتدريس خارج الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة (1381 هـ ).
إلى هنا انتهى ما استفدناه من رسالة المرحوم السيّد عبدالغني الأردبيليّ(رحمه الله).
$
', '', 39), (21, 40, 'book', '$
', '', 40), (21, 41, 'book', 'ذكريات عن حياة شهيدنا الصدر(قدس سره)
1 ـ حدّثني(رحمه الله) ذات يوم: أنّه حينما كتب كتاب (فلسفتنا) أراد طبعه باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف بعد عرضه عليهم متنازلاً عن حقّه في وضع اسمه الشريف على هذا الكتاب، إلّا أنّ الذي منعه عن ذلك أنّ جماعة العلماء أرادوا إجراء بعض التعديلات في الكتاب، وكانت تلك التعديلات غير صحيحة في رأي اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، ولم يكن يقبل بإجرائها فيه، فاضطرّ أن يطبعه باسمه. قال(رحمه الله): إنّي حينما طبعت هذا الكتاب لم أكن أعرف أنّه سيكون له هذا الصيت العظيم في العالم، والدوىّ الكبير في المجتمعات البشريّة ممّا يؤدّي إلى اشتهار من ينسب إليه الكتاب. وها أنا ذا اُفكّر فيما إذا كنت مطّلعاً على ذلك، وعلى مدى تأثيره في إعلاء شأن مؤلّفه لدى الناس، فهل كنت مستعدّاً لطبعه باسم جماعة العلماء، وليس باسمي ـ كما كنت مستعدّاً لذلك ـ أو لا؟ وأكاد أبكي خشية أ نّي لو كنت مطّلعاً على ذلك لم أكن أستعدّ لطبعه بغير اسمي.
رحمك الله يا أبا جعفر، وهنيئاً لك على هذه الروح الطاهرة، والمعنويّات العالية العظيمة، في حين كنت تعيش في مجتمع يتكالب أكثر أبنائه على سفاسف الدنيا، أو زعاماتها، أو كسب مديح الناس وثنائهم، أو جمع ما يمكنهم من حطام الدنيا ونعيمها من حلال أو حرام.
2 ـ انفصل أحد طلّابه عن درسه، وعن خطه الفكريّ الإسلاميّ، ثُمَّ بدأ يشتمه، وينال منه في غيابه إزاء الناس، وكان كثير من كلماته تصل إلى مسامع اُستاذنا العظيم(قدس سره)، وكنت ذات يوم جالساً بحضرته الشريفة، فجرى الكلام عن هذا الطالب الذي ذكرناه، فقال(رحمه الله): أنا ما زلت أعتقد بعدالة هذا الشخص، وأنّ ما يصدر عنه ناتج من خطاً في اعتقاده، وليس ناتجاً من عدم مبالاته بالدين.
$
', '', 41), (21, 42, 'book', '3 ـ ذكر(رحمه الله) ذات يوم لصفوة طلّابه: أنّ ما تعارفت عليه الحوزة من الاقتصار على الفقه والاُصول غير صحيح، ويجب عليكم أن تتثقّفوا بمختلف الدراسات الإسلاميّة، وأمرهم بمباحثة كتاب (فلسفتنا) فيما بينهم، فعقدوا بحثاً في بيتي الواقع ـ وقتئذ ـ في النجف الأشرف في الشارع الثاني ممّا كان يسمى بــ (الجُديدة). وفي أوّل يوم شرعوا في المباحثة وجدنا طارقاً يطرق الباب، ففتحت له الباب وإذا باُستاذنا الشهيد(رحمه الله) قد دخل، وحضر المجلس، وقال: إنّني إنّما حضرت الآن هذا المجلس؛ لأ نّي أعتقد أنّه لايوجد الآن مجلس أفضل عند الله من مجلسكم هذا الذي تتباحثون فيه في المعارف الإسلاميّة، فأحببت أن أحضر هذا المجلس الذي هو أفضل المجالس عند الله.
هكذا كان يشوّق طلّابه، ويرغِّبهم في تكميل أنفسهم في فهم المعارف الإسلاميّة، وهو الأب الرؤوف والعطوف الحنون على طلّابه. فوالله إنّنا قد اُيتمنا بفقد هذا الأب الكبير، فلعن الله من أيتمنا، وفجع الاُمّة الإسلاميّة بقتل هذا الرجل العظيم. اللّهمّ، مزّق الذين شاركوا في دمه الطاهر تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، وأرِنا ذلَّهم في الدنيا قبل الآخرة، وزدهم عذاباً فوق العذاب، إنّك أنت السميع المجيب.
4 ـ حضرت بحثه في أوائل أيّام تعرّفي به في بحث الترتّب، ولم يكن ذلك منّي بنيّة الاستمرار، وبعد إنهائه لبحث الترتّب صمّمت على ترك الحضور؛ لبعض المشاكل الحياتيّة والصحّيّة التي كانت تمنعني من الاستمرار. فاطّلع (رضوان الله عليه) على تصميمي هذا، فطلب منّي(رحمه الله) أن أعدل عن هذا التصميم، وأستمرّ في الحضور في بحثه الشريف، وقال: أنا أضمن لك أنّك لو بقيت مستمرّاً في هذا البحث مدّة خمس سنين ستكون مجتهداً، فشرحت له بعض المشاكل التي كانت تحيط بي، والتي تمنعني عن الحضور. فتركت الحضور برهةً من الزمن إلى أن انتهت تلك المشاكل المانعة، فاستأنفت مرّةً اُخرى الحضور في بحثه الشريف، وحينما مضى على حضوري في بحثه الشريف خمس سنين أو أكثر تشرّفت بالحضور لدى الاُستاذ ذات يوم، وقلت له: أنت وعدتني بأ نّي لو حضرت البحث خمس سنين سأكون مجتهداً، وها هو الحضور بهذا المقدار قد حصل، ولم يحصل الاجتهاد؟ فأجابني (رضوان الله عليه) بأنّ مفهوم الاجتهاد قد تغيّر عندك، فالاجتهاد بالمستوى المتعارف عليه في الحوزة العلميّة قد حصل، ولكنّك تريد الاجتهاد على
', '', 42), (21, 43, 'book', 'مستوى هذا البحث. وبقيت مستمرّاً في بحثه الشريف إلى أن قدّر الله لي الهجرة إلى إيران.
5 ـ رأيت ذات ليلة في عالم الرؤيا أنّ نبيّاً من الأنبياء(عليهم السلام) قد حضر بحث اُستاذنا(قدس سره)، وتشرّفت بعد هذا ذات يوم بلقاء اُستاذنا الشهيد في بيته الذي كان واقعاً ـ وقتئذ ـ في شارع الخَوَرنق، وحكيت له الرؤيا، فقال(رحمه الله) لي: إنّ تعبير هذه الرؤيا هو أ نّني لن اُوفّق لتطبيق رسالتي التي نذرت نفسي لأجلها، وسيأتي تلميذ من تلاميذي يكمل الشوط من بعدي. ذكر (رضوان الله عليه) هذا الكلام في وقت لم يكن يخطر بالبال أنّه ستأتي ظروف تؤدّي إلى استشهاده.
6 ـ كان يقول (رضوان الله عليه): إنّني في أيّام طلبي للعلم كنت أعمل في ذلك كلّ يوم بقدر عمل خمسة أشخاص مجدّين.
7 ـ وقال ـ أيضاً(رحمه الله) ـ: إنّني كنت أعيش في منتهى الفقر والفاقة، ولكنّني كنت أشتغل منذ استيقاظي من النوم في كلّ يوم بطلب العلم، ناسياً كلّ شيء، وكلّ حاجة معيشيّة إلى أن كنت اُفاجأ من قبل العائلة بمطالبتي بغذاء يقتاتون به فأحتار ـ عندئذ ـ في أمري.
8 ـ أدركت الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) فيما بعد أيّام فقره وفاقته حينما كان مدرّساً معروفاً في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، ومع ذلك كان يعاني الضيق المالي، وكان يدرّسنا في مقبرة آل ياسين في حرِّ الصيف، ولم تكن وسيلة تبريد في تلك المقبرة، ولم يمتلكها في بيته أيضاً. وكان المتعارف ـ وقتئذ ـ في النجف الأشرف عدم وجود عطلة صيفيّة لطلّاب الحوزة العلميّة، فالطلبة كانوا يدرسون حتّى في قلب الحرّ الشديد.
ولا أنسى أنّ المرحوم السيّد عبدالغنيّ الأردبيليّ(رحمه الله) تشرّف ذات يوم بخدمته في بيته الواقع في محلّة العمارة فيما بعد الزقاق المسمّى بــ (عقد الإسلام)، وقال له: إنّ الحرّ شديد، وطلّابك يعانون الحرّ في ساعة الدرس في مقبرة آل ياسين، فأذن لنا بشراء مبرّدة نضعها في المقبرة؛ لتبريد الجوّ، ولي صديق من التركمان في شمال العراق من بيّاعي المبرّدات، وهو مستعد لتزويدكم بمبرّدة بسعر التكْلِفَة، وهو سعر يسير، ويقسّط السعر عليكم أشهراً عديدة، ولايأخذ منكم في كلّ شهر عدا دينارين، فسكت اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) خجلاً وحياءً من أن يقول: إنّ وضعي الاقتصاديّ لايسمح بهذا. ولكن المرحوم السيّد عبدالغنيّ اعتقد أنّ السكوت من الرضا، فاستورد مبرّدة، ووضعها في المقبرة، ثُمَّ أخبر اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)
', '', 43), (21, 44, 'book', 'بما فعل، فرأيت وجه اُستاذنا قد تغيّر حيرة في كيفية دفع هذا المبلغ اليسير، إلّا أنّ المرحوم السيّد عبدالغنيّ(رحمه الله) لم ينتبه إلى ذلك، وعلى أىّ حال، فقد التزم اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)بدفع المبلغ. ولاأعرف كيف كان يؤمّن ما عليه، إلّا أ نّني كنت أعلم أنّه كان يدفع كلّ شهر دينارين إلى السيّد عبدالغنيّ(رحمه الله)؛ كي يدفعهما إلى صاحبه أداءً للدين.
9 ـ تربيته لأطفاله، كان يقول(رحمه الله): إنّ تربية الطفل بحاجة إلى شيء من الحزم والخشونة من ناحية، وإلى اللين والنعومة وإبراز العواطف من ناحية اُخرى. وقد تعارف عندنا في العوائل أنّ الأب يقوم بالدور الأوّل، والاُمّ تقوم بالدور الثاني. قال(رحمه الله): ولكنّني اتّفقت مع (اُمِّ مرام) على عكس ذلك، فطلبت منها أن تقوم بدور الحزم والخشونة مع الأطفال لدى الحاجة؛ كي أتمحّض أنا معهم في اُسلوب العواطف، واللّين، وإبراز الحبّ والحنان؛ والسبب في ذلك أنّه كان يرى نفسه أقدر على تربية أطفاله على العادات والمفاهيم الإسلاميّة، فكان يريد للأطفال أن لايروا فيه عدا ظاهرة الحبّ والحنان؛ كي يقوى تأثير ما يبثّه في نفوسهم من القيم والأفكار، فلابدّ للتربية من خشونة وصلابة عن طريق الاُمّ حيث تقتضي ذلك.
كان يقول(رحمه الله): إنّي نفثت في نفس ابنتي مرام ـ وكانت وقتئذ طفلة صغيرة ـ الحقد على الصهاينة، قال: قد صادف أن حدّثتها ذات يوم عن ظلمهم للمسلمين من قتل، أو قصف، فبان عليها انكسار الخاطر، وتكدّر العيش، فأردفت ذلك بذكر قِصّة اُخرى من حكايات قصف المسلمين لإسرائيل، فاهتزّت فرحاً، وضحكت، واستبشرت لتلك القِصّة.
وكثيراً ما كان يصل إليه(رحمه الله) من الحقوق الشرعيّة ما يصل عادة إلى يد المراجع، ولكنّه(رحمه الله)قال: إنّي فهّمت ابنتي مرام أنّ هذه الأموال الموجودة لدينا ليست ملكاً لنا، فكانت هذه الطفلة البريئة تقول أحياناً: إنّ لدى والدي الأموال الكثيرة، ولكنّها ليست له؛ ذلك لكي لاتتربّى على توقّع الصرف الكثير في البيت، بل تتربّى على القناعة، وعدم النظر إلى هذه الأموال كأملاك شخصيّة.
10 ـ في الفترة التي عيّنت حكومة البعث الغاشم ستّة أيّام لتسفير الإيرانيين بما فيهم طلّاب الحوزة العلميّة من النجف إلى إيران رأيت أحد طلبة العلوم الدينيّة في النجف الأشرف مودّعاً لاُستاذنا الشهيد(قدس سره)، فرأيت الاُستاذ يبكي في حالة وداعه إيّاه بكاء
', '', 44), (21, 45, 'book', 'الثكلى على رغم من أنّه كان يعرف أن هذا الرجل يعدّ في صفوف المناوئين له.
11 ـ وبعد تلك الأيّام حدّثني الاُستاذ(رحمه الله) ذات يوم، فقال: إنّني أتصوّر أنّ الاُمّة مبتلاة اليوم بالمرض الذي كانت مبتلاة به في زمن الحسين(عليه السلام)، وهو مرض فقدان الإرادة، فالاُمّة تعرف حزب البعث والرجال الحاكمين في العراق، ولاتشكّ في فسقهم، وفجورهم، وطغيانهم، وكفرهم، وظلمهم للعباد، ولكنّها فقدت قوّة الإرادة التي بها يجب أن تصول وتجاهد في سبيل الله إلى أن تسقط هذه الزمرة الكافرة عن منصب الحكم، وترفع جاثوم هذا الظلم عن نفسها. وعلينا أن نعالج هذا المرض؛ كي تدبَّ حياة الإرادة في عروق هذه الاُمّة الميّتة؛ وذلك بما عالج به الإمام الحسين(عليه السلام) مرض فقدان الإرادة في نفوس الاُمّة وقتئذ، وهو التضحية الكبيرة التي هزّ بها المشاعر، وأعاد بها الحياة إلى الاُمّة إلى أن انتهى الأمر بهذا السبب إلى سقوط دولة بني اُميّة.
فعلينا أن نضحّي بنفوسنا في سبيل الله، ونبذل دماءنا بكلّ سخاء في سبيل نصرة الدين الحنيف، والخطّة التي أرى ضرورة تطبيقها اليوم هي: أن أجمع ثلّة من طلّابي ومن صفوة أصحابي الذين يؤمنون بما أقول، ويستعدّون للفداء، ونذهب جميعاً إلى الصحن الشريف متحالفين فيما بيننا على أن لانخرج من الصحن أحياء، وأنا أقوم خطيباً فيما بينهم ضدّ الحكم القائم، ويدعمني الثلّة الطيّبة الملتفّة حولي، ونثور بوجه الظلم والطغيان، فسيجابهنا جمع من الزمرة الطاغية، ونحن نعارضهم (ولعلّه قال: ونحمل السلاح) إلى أن يضطرّوا إلى قتلنا جميعاً في الصحن الشريف. وسأستثني ثلّة من أصحابي عن الاشتراك في هذه المعركة؛ كي يبقوا أحياءً من بعدي، ويستثمروا الجوّ الذي سيحصل نتيجة هذه التضحية والفداء.
قال(رحمه الله): إنّ هذا العمل مشروط في رأيي بشرطين:
الشرط الأوّل: أن يوجد في الحوزة العلميّة مستوىً من التقبّل لعمل من هذا القبيل. أمّا لو أطبقت الحوزة العلميّة على بطلان هذا العمل، وكونه عملاً جنونيّاً، أو مخالفاً لتقيّة واجبة، فسوف يفقد هذا العمل أثره في نفوس الاُمّة، ولايعطي ثماره المطلوبة.
والشرط الثاني: أن يوافق أحد المراجع الكبار مسبقاً على هذا العمل؛ كي يكتسب العمل في ذهن الاُمّة الشرعيّة الكاملة.
$
', '', 45), (21, 46, 'book', 'فلابدّ من الفحص عن مدى تواجد هذين الشرطين:
أمّا عن الشرط الأوّل، فصمَّم الاُستاذ(رحمه الله) على أن يبعث رسولاً إلى أحد علماء الحوزة العلميّة؛ لجسّ النبض، ليعرض عليه هذه الفكرة، ويستفسره عن مدى صحّتها، وبهذا الاُسلوب سيعرف رأي عالم من العلماء كنموذج لرأي يوجد في الحوزة العلميّة. وقد اختار(رحمه الله) بهذا الصدد إرسال سماحة الشيخ محمّد مهدي الآصفي (حفظه الله) إلى أحد العلماء، وأرسله بالفعل إلى أحدهم؛ كي يعرض الفكرة عليه، ويعرف رأيه، ثُمَّ عاد الشيخ إلى بيت اُستاذنا الشهيد، وأخبر الاُستاذ بأنّه ذهب إلى ذاك العالم في مجلسه، ولكنّه لم يعرض عليه الفكرة؛ وكان السبب في ذلك أنّه حينما دخل المجلس رأى أنّ هذا الشخص مع الملتفّين حوله قد سادهم جوّ من الرعب والانهيار الكامل نتيجة قيام الحكومة البعثيّة بتسفير طلبة الحوزة العلميّة، ولاتوجد أرضيّة لعرض مثل هذه الفكرة عليه إطلاقاً.
وأمّا عن الشرط الثاني، فرأى اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) أنّ المرجع الوحيد الذي يترقّب بشأنه أن يوافق على فكرة من هذا القبيل هو الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ الذي كان يعيش ـ وقتئذ ـ في النجف الأشرف، فلايصحّ أن يكون هذا العمل من دون استشارته، فذهب هو(رحمه الله) إلى بيت السيّد الإمام، وعرض عليه الفكرة مستفسراً عن مدى صحّتها، فبدا على وجه الإمام ـ دام ظلّه ـ التألّم، وأجاب عن السؤال بكلمة (لا أدري). وكانت هذه الكلمة تعني: أنّ السيّد الإمام ـ دام ظلّه ـ كان يحتمل أن تكون الخسارة التي ستوجّه إلى الاُمّة من جرّاء فَقْدِ هذا الوجود العظيم أكبر ممّا قد يترتّب على هذا العمل من فائدة.
وبهذا وذاك تبيّن أنّ الشرطين مفقودان، فعدل اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) عن فكرته، وكان تأريخ هذه القِصّة بحدود سنة (1390 أو 1391 هـ ).
12 ـ كان الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) يصلّي في الحسينيّة الشوشتريّة صلاة الجماعة إماماً، فاتّفق ذات يوم أنّه غاب عن صلاة الجماعة؛ لعذر له، فطلب جمع من المؤمنين من السيّد محمّد الصدر ابن المرحوم السيّد محمّد صادق الصدر أن يؤمّ الناس في ذاك اليوم بدلاً عن الاُستاذ، فاستجاب السيّد محمّد الصدر لطلب المؤمنين (وهو من حفدة عمّ الشهيد الصدر(رحمه الله) ومن تلامذته، وكان معروفاً بالزهد، والورع، والتقوى)، فصلّى الناس خلفه جماعة، ثُمَّ اطّلع اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) على ذلك، فبان عليه الأذى، ومنع السيّد محمّد الصدر
', '', 46), (21, 47, 'book', 'عن أن يتكرّر منه هذا العمل. وكان السبب في ذلك ـ على رغم علمه بأنّ حفيد عمّه أهلٌ، ومحلّ لإمامة الجماعة ـ أنّه تعارف لدى قسم من أئمّة الجماعة الاستعانة في غيابهم بنائب عنهم يختار من أقربائهم أو أصحابهم، لالنكتة موضوعيّة، بل لأنّه من أقربائه أو أصحابه، فقد يُحمل ما وقع من صلاة حفيد العمّ في نظر الناس غير المطّلعين على حقيقة الأمر على هذا المحمل، في حين أنّه لابدّ من كسر هذه العادة، وحصر إمامة الجماعة في إطار موضوعىّ صحيح، وتحت مقياس دقيق تلحظ فيه مصالح الإسلام والمسلمين، زائداً على الشرائط الأوّليّة الفقهيّة لإمامة الجماعة، فلهذا منع حفيد العمّ عن هذا العمل مادام قابلاً في نظر الناس لتفسير غير صحيح على رغم علمه بتحقيق الشرائط والمصالح فيه.
13 ـ حدّثني الاُستاذ(رحمه الله) أنّه كان في فترة من الزمن أيّام طلبه للعلم يتشرّف بالذهاب يوميّاً ساعة في اليوم إلى الحرم الشريف بغرض أن يفكّر في تلك الساعة في المطالب العلميّة، ويستلهم من بركات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ثُمَّ قطع هذه العادة، ولم يكن أحد مطّلعاً عليها، وإذا بامرأة في بيت الاُستاذ، ولعلّها والدته الكريمة ـ والشكّ والترديد منّي، وليس من الاُستاذ(رحمه الله) ـ رأت في عالم الرؤيا أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول لها ما مضمونه: قولي لباقر: لماذا ترك درسه الذي كان يتتلمذ به لدينا؟!
14 ـ رأى أحد طلّابه ذات يوم في عالم الرؤيا أنّه يمشي هو وزميل آخر له من طلّاب السيّد الشهيد بخدمة الاُستاذ في طريقهم إلى مقصد ما، وإذا بحيوانات مفترسة هجمت على السيّد الشهيد كي تفترسه، ففرّ الزميلان من بين يديه، وجاء ناس آخرون التفّوا حول الاُستاذ؛ كي يحموه من تلك السباع. فحدّث هذا الطالب بعد ذلك اُستاذنا الشهيد برؤياه، فقال له الاُستاذ(رحمه الله): إنّ تعبير رؤياك أنّكما ستنفصلان، وتبتعدان عنّي، ويأتي ناس آخرون يلتفّون حولي، ويكونون رفاقي في الطريق. وكان هذا الكلام غريباً على مسامع ذاك الطالب؛ لأنّه وزميله كانا آنذاك من أشدّ المعتقدين بالاُستاذ وأكثر صحبة له، ولكن ما مضت الأيّام والليالي إلّا وابتعدا عن الاُستاذ: (أحدهما بالسفر، والآخر بترك الدرس على رغم وجوده في النجف).
15 ـ سألت الاُستاذ(رحمه الله) ذات يوم عن أنّه هل قلّد في حياته عالماً من العلماء، أو لا؟ فأجاب (رضوان الله عليه) بأ نّي قلّدت قبل بلوغي سنّ التكليف المرحوم الشيخ
', '', 47), (21, 48, 'book', 'محمّدرضا آل ياسين، أمّا من حين البلوغ فلم اُقلّد أحداً. ولاأذكر أنّه قال: كنت من حين البلوغ أعمل برأيي، أو قال: كنت بين العمل بالاحتياط والعمل بالرأي.
16 ـ حدّثني (رضوان الله عليه) بعد رجوع المرحوم آية الله العظمى السيّد الحكيم(قدس سره)من لندن، إذ كان ذاهباً إلى لندن في أواخر حياته للعلاج: أنّه رأى ذات يوم آية الله الحكيم قبل مرضه في حرم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فاُلهِم اُستاذُنا(رحمه الله) أنّ هذه آخر رؤية له للسيّد الحكيم، ولن يتوفّق لرؤيته مرّة اُخرى إلى أن يُتوفّى السيّد الحكيم(قدس سره). وبعد ذلك بأيّام قلائل تمرّض السيّد(رحمه الله)، واستمرّ به المرض إلى أن ذهبوا به إلى لندن للعلاج، ولم يشف من مرضه، وحينما رجع السيّد من لندن إلى مطار بغداد، وفي أثناء نزوله من سلّم الطائرة حاول اُستاذنا(رحمه الله) أن يلقي نظرةً على السيّد الحكيم؛ ليثبت بذلك أنّ ما اُلهم به كان وهماً لاقيمة له، فيأمل أن يشفى السيّد من مرضه، ويعيش صحيحاً سالماً، إلّا أنّه لم يوفّق الاُستاذ لرؤية السيّد إلى أن توفّي بنفس المرض، قدّس الله روحه الزكيّة.
17 ـ زار (زيد حيدر) عضو القيادة القوميّة في حزب البعث السيّد الشهيد(رحمه الله) ذات يوم بصحبة (عبدالرزّاق الحبّوبيّ)(1)، وتكلّم الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) معه في جملة من المؤاخذات على الدولة بالقدر الذي كانت الظروف تسمح بالكلام معه فيها، وكان يعتبر هذا في تلك الأحوال موقفاً جريئاً من الاُستاذ(قدس سره)، وقد حضر المجلس ثلّة من طلّاب السيّد الشهيد وأصحابه، وكنت أنا أحد الحضّار، ولكن بما أنّ طول الزمان أنساني أكثر مضامين ما دار في تلك الجلسة أكتب هنا ما كتبه أبو محمّد(الشيخ عبد الحليم) حفظه الله، ولم يكن ـ وقتئذ ـ حاضراً في المجلس، ولكنّ الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) قصّ عليه القِصّة. قال الشيخ عبد الحليم:
«تحدّث السيّد الشهيد قبالي عن طبيعة الحديث الذي دار بينه وبين زيد حيدر وكان الحبّوبيّ حاضراً، قال(رحمه الله): دخلت الغرفة وكان فيها زيد حيدر، وبعد دقائق دخل الحبّوبيّ الغرفة، فسلّم علىّ، وابتسم كأنّه كان مستحياً؛ لأنّه كان يصلّي في الغرفة الثانية، ويتظاهر بالخجل من تأخيرها إلى ذلك الوقت عصراً. وبدأت الحديث مع زيد بحضور الحبّوبيّ، وشرحت دور الحوزة العلميّة والعلماء في تحريك الاُمّة، وفي تربية الاُمّة، فعلماء الدين الشيعة يختلفون عن علماء المسيحيّة مثلاً؛ إذ إنّ الاُمّة مرتبطة بالعالم الشيعيّ، وبدأتُ
', '(1) كان عبدالرزّاق الحبّوبىّ ـ وقتئذ ـ محافظ كربلاء، أو قائمّقام النجف.
', 48), (21, 49, 'book', '
بسرد الأحداث التأريخيّة التي تدلّ على دور العلماء، فثورة العشرين اختلط فيها دم العالم بدم العامل والفلّاح ودم الاُمّة والشعب حيث قاد العلماء الثورة. والسيّد شرف الدين(رحمه الله) قاوم الاستعمار الفرنسيّ في لبنان، وبعد ذلك تعرّض لحرق مكتبته وكتبه المخطوطة وغيرها، وكانت عصارة جهده، وعصارة حياته، وأعزّ شيء عنده (وكذلك على ما أتذكر أنّه ذكر قِصّة التنباك)، ثُمَّ عرَّجت على دور الحوزة العلميّة في الوقت الحاضر، وذكرت له أنّ كثيراً من أبناء الشعب يراجعونني في جواز أو حرمة التأخّر عن الدوام الرسمىّ، فإذا أفتيت لهم بالجواز أو الحرمة، فإنّه يؤثّر بالدولة، وكذلك يسألني الكثير من المقلّدين في مسألة جواز سرقة أموال الدولة؟ فإذا أفتيت بالجواز، فسوف يؤثّر بالدولة، و... ثُمَّ بيّنت أنّ الدولة حاليّاً لا تتعاون مع العلماء حتّى في المسائل الشرعيّة؛ فإنّ مذبحاً كبيراً في بغداد غير موجّه إلى القبلة، وماذا يضرّ الدولة إذا كان المذبح على القبلة؟! في حين أنّه إذا كان الذبح غير شرعيّ فلن يشترى كثيرٌ من اللحوم.
يقول الشهيد(رحمه الله): وفي هذا المقطع من الحديث التفت الحبّوبيّ قائلاً: إنّي أتعجّب أن يكون الذبح هنا غير شرعيّ! علماً بأ نّي عند ما اُسافر إلى الخارج اُحاول الحصول على لحم مذبوح على الطريقة الإسلاميّة، فكيف يكون ذبح العراق غير شرعيّ؟! وبعد ذلك تحدّثت عن محاولة الدولة لشقّ طريق يقتضي بموجبه أو اقتضى تهديم مقام عليّ بن محمّد السمريّ أحد نواب الإمام المهدي(عليه السلام)، وللشيعة ارتباط تأريخي بهذا المكان، والآن بعض أجزاء مقامه محلّات ودكاكين.
هذا مضمون ما أتذكّر، والله العالم».
انتهى ما كتبه الشيخ عبدالحليم (حفظه الله) مع تغيير يسير في العبارة.
ومن جملة ما قاله الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) في حديثه مع زيد حيدر: إنّ الدولة لو أرادت أن تعرف آراء الشعب ونظريّاته، يجب أن تراجع العلماء؛ فإنّهم هم معدن أسرار الاُمّة، ومحطّ ثقتهم، وهم لسان الاُمّة.
وفي نهاية المجلس خاطب الحبّوبيّ زيد حيدر، وقال له: انظر إلى هذا الرجل (يشير إلى السيّد الشهيد الصدر(رحمه الله)) كيف يتكلّم بكلام لطيف، فلنجعله عالماً للبعثيّين. وهنا ضحك الحضّار، فقال لهم الحبّوبيّ: لماذا تضحكون؟ فقال الاُستاذ الشهيد(رحمه الله): أنا عالم المسلمين، ولست عالم البعثيّين.
$
', '', 49), (21, 50, 'book', '$
', '', 50), (21, 51, 'book', 'المقام العلميّ الشامخ لاُستاذنا الشهيد(قدس سره)
تتميّز الأبحاث العلميّة لاُستاذنا الشهيد من سائر الأبحاث العلميّة المألوفة بالدقّة الفائقة، والعمق الذي يقلّ نظيره من ناحية، وبالسعة والشمول لكلّ جوانب المسألة المبحوث عنها من ناحية اُخرى، حتّى إنّ الباحث الجديد لها قلّما يحصل على مَنفذ للتوسيع أوالتعميق الزائدين على ما أتى به الاُستاذ.
إضافةً إلى كلّ هذا نرى من مميّزات اُستاذنا العلميّة أنّ أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلماء في النجف الأشرف ـ وقتئذ ـ من الفقه والاُصول، بل شملت سائر المرافق الفكريّة الإسلاميّة: كالفلسفة، والاقتصاد، والمنطق، والأخلاق، والتفسير، والتأريخ، وفي كلّ مجال من هذه المجالات ترى بحثه مشتملاً على نفس الامتيازين الملحوظين في أبحاثه الاُصوليّة والفقهيّة: من العمق والشمول.
ففي علم الاُصول نستطيع أن نعتبر المرحلة التي وصل إليها مستوى البحث الاُصوليّ على يد الاُستاذ عصراً رابعاً من العلم وتطوّراته التي مرّ بها علم الاُصول على وفق مصطلحات اُستاذنا في كتاب (المعالم الجديدة للاُصول) حيث قسّم (رضوان الله عليه) الأعصر التي مرّ بها علم الاُصول من المراحل التي بلغ التمايز النوعيّ فيما بينها إلى ما ينبغي جعله حدّاً فاصلاً بين عصرين، قسّمها إلى ثلاثة أعصر:
الأوّل: ما أسماه بالعصر التمهيديّ، قال: «وهو عصر وضع البذور الأساسيّة لعلم الاُصول، ويبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل، وابن الجنيد، وينتهي بظهور الشيخ(رحمه الله)».
والثاني: ما أسماه بعصر العلم، قال: «وهو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور وأثمرت، وتحدّدت معالم الفكر الاُصوليّ، وانعكست على مجالات البحث الفقهيّ في نطاق واسع. ورائد هذا العصر: هو الشيخ الطوسيّ، ومن رجالاته الكبار: ابن إدريس،
', '', 51), (21, 52, 'book', 'والمحقّق الحلّي، والعلّامة، والشهيد الأوّل، وغيرهم من النوابغ».
والثالث: ما أسماه بعصر الكمال العلميّ، قال: «وهو العصر الذي افتتحته في تأريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الاُستاذ الوحيد البهبهانيّ، وبدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدّمته من جهود متظافرة في الميدانين: الاُصوليّ والفقهيّ».
ثُمَّ قسّم (رضوان الله عليه) العصر الثالث من عصور علم الاُصول إلى ثلاث مراحل، بإمكانك أن تراجع تفصيل ذلك في المعالم الجديدة، قال(قدس سره): «ولا يمنع تقسيمنا هذا لتأريخ العلم إلى عصور ثلاثة إمكانيّة تقسيم العصر الواحد من هذه العصور إلى مراحل من النمو، ولكلّ مرحلة رائدها وموجّهها، وعلى هذا الأساس نعتبر الشيخ الأنصاريّ(قدس سره)ـ المتوفّى سنة (1281 هـ ق) ـ رائداً لأرقى مرحلة من مراحل العصر الثالث، وهي المرحلة التي يتمثّل فيها الفكر العلميّ منذ أكثر من مئة سنة حتّى اليوم».
وقد بيّن(رحمه الله) كلّ هذا بعد توضيح أنّ بذرة التفكير الاُصوليّ وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) منذ أيّام الصادقين(عليهما السلام).
أقول: إنْ كان الفارق الكيفيّ بين بعض المراحل وبعض حينما يعتبر طفرة وامتيازاً نوعيّاً في هويّة البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم، فالحقّ إنّ علم الاُصول قد مرّ على يد اُستاذنا الشهيد بعصر جديد، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسّم إليها فترات العلم في المعالم الجديدة، لكان هذا عصراً رابعاً هو عصر ذروة الكمال، ترى فيه من الأبحاث القيّمة والجواهر الثمينة والدرر المضيئة ما يبهر العقول، وهي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها، وفيها ما تكون تارةً جديدة على الفكر الاُصوليّ تماماً، أي: إنّها لم تبحث من قبل.
واُخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع واُسلوب فائق.
وثالثة تكون معدّلةً لنفس ما اختاره الأصحاب، ومُصلحةً له ببيان لم يسبق له نظير.
فمن القسم الأوّل: ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء، وسيرة المتشرّعة، فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخّرين (رضوان الله عليهم) التمسّك بالسيرة لإثبات حكم ما،
', '', 52), (21, 53, 'book', 'ولكن لم يسبق أحد اُستاذنا(رحمه الله) ـ فيما أعلم ـ في بحثه للسيرة، وإبراز أسس كشفها، والقوانين التي تتحكّم فيها، والنكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها، باُسلوب بديع، ومنهج رفيع، وبيان متين.
ومن هذا القسم ـ أيضاً ـ بحثه القيّم عمّا أسماه بنظريّة التعويض، وقد بحثه في ضمن مباحث حجّيّة خبر الواحد وإن كان أقرب إلى فن البحوث الرجاليّة منه إلى الاُصول، ووضّح فيه كيف أنّنا نعوّض أحياناً المقطع السنديّ المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّليّة. وهذا الأمر وإن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الاُستاذ(رحمه الله) لم أر أحداً قبله يتعرّض له على مستوى البحث العلميّ، ويدقّق في اُسس هذا التعويض وأقسامه.
ومن القسم الثاني: بحثه البديع في حجّيّة القطع الذي أثبت فيه أنّ رأس الخيط في البحث إنّما هو مولويّة المولى وحدودها، وانحدر من هذا المبدأ إلى الآثار التي تترتّب على ذلك، وانتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحقّقون جيلاً بعد جيل من (قاعدة قبح العقاب بلا بيان)، وآمن بمنجزيّة الاحتمال، وأنّ البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعيّة، أمّا البراءة العقليّة، فلا.
ومن هذا القبيل إبطاله لحكومة الاُصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السببيّ على الأصل المسبّبيّ الموافق له، وكذلك إبطاله لحكومة الأمارة على الأصل لدى توافقهما في النتيجة.
ومنه ـ أيضاً ـ إبطاله لما اشتهر من جريان أصالة الطهارة في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله.
ومنه ـ أيضاً ـ بحثه البديع في الوضع، وإبرازه لنظريّة القرن الأكيد.
ومن القسم الثالث: بحثه الرائع عن حقيقة المعاني الحرفيّة، حيث يوافق فيه على أصل ما اختاره المحقّقون المتأخّرون: من كون المعاني الحرفيّة هي المعاني النسبيّة، والمغايرة هويّة للمعاني الاسميّة، ولكن مع إدخال تعديل وإصلاح جوهريّين على ما أفاده الأصحاب (رضوان الله عليهم).
$
', '', 53), (21, 54, 'book', 'ومن هذا القبيل بحثه الذي لم يسبق له نظير في الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، حيث اختار نفس ما أثبته المحقّقون من إمكانيّة الجمع بينهما، وعدم التنافي والتعارض فيما بينهما، ولكن مع التعديل الجوهريّ لطريقة الاستدلال، وكيفيّة الجمع.
وقبل أن أترك هذه النقطة لايفوتني أن اُشير إلى أنّ من أبحاثه البديعة ـ أيضاً ـ أبحاثه عن الترتّب، وعن التزاحم، وعن قاعدة لاضرر التي تعارف البحث عنها في الاُصول على رغم أنّها قاعدة فقهيّة.
وهو (رضوان الله عليه) إضافة إلى ما لديه من تحقيقات جديدة، ومطالب فريدة في نوعها في علم الاُصول من أوّله إلى آخره، كانت له محاولتان جديدتان في اُسلوب عرض علم الاُصول على الحوزة العلميّة، وتربية الطلّاب عليها:
الاُولى: التغيير في ترتيب مباحث الاُصول، وتبويبها، والتقديم والتأخير فيما بينها، وطريقة تقسيم الأبحاث، وهذا ما انعكس عملاً في كتبه الموسومة بــ (دروس في علم الاُصول)، وفيما كتبه تلميذه السيّد محمود الهاشميّ تقريراً لبحث الاُستاذ، وهو الكتاب المسمّى بــ (تعارض الأدلّة الشرعيّة)، وذلك إيماناً منه (رحمه الله) بأنّ الترتيب الذي تعارف لدى السابقين لمباحث علم الاُصول ليس ترتيباً فنّياً قائماً على أساس نكات طبيعيّة لتقديم وتأخير الأبحاث، فانتهج هو (رحمه الله) منهجاً جديداً في ترتيب علم الاُصول راعى فيه نكات فنيّةً للتقديم والتأخير.
والثانية: صياغة علم الاُصول فيما يسمّى بالسطح العالي في حلقات مترتّبة على وفق المراحل التي ينبغي أن يمرّ بها الطالب؛ إذ كان يعتقد (رضوان الله عليه) أنّ ما درجت عليه الحوزات العلميّة من دراسة عدّة من الكتب الاُصوليّة كتمهيد للوصول إلى ما يسمّى ببحث الخارج كان صحيحاً، ولكن ما تعارفوا عليه من انتخاب كتب متعدّدة تمثّل مراحل مختلفة من العصور الماضية لعلم الاُصول ليس على ما ينبغي، والطريقة الفضلى هي: أن يصاغ آخر التطوّرات العلميّة في ضمن مراحل متدرّجة؛ لتنمية الطالب وتعليمه، كما هو الاُسلوب المتعارف في المناهج الحديثة لسائر العلوم، وهذا ما جسّده (رضوان الله عليه) في كتبه المسمّاة بــ (دروس في علم الاُصول) الممنهجة على ثلاث مراحل تحت عنوان الحلقات.
$
', '', 54), (21, 55, 'book', 'وفي علم الفقه ترى إبداعاته (رضوان الله عليه) لاتقلّ عن إبداعاته في علم الاُصول، وقد طبع من أبحاثه الفقهيّة أربعة مجلّدات باسم (بحوث في شرح العروة الوثقى) فيها من التحقيقات الرشيقة ما لاتحصى ممّا لم يسبقه بها أحد، واُشير هنا كمثال إلى بحثين من أبحاثه التي ينبهر بها الفقيه الألمعيّ:
أحدهما: بحثه الرائع في تحقيق نكات قاعدة الطهارة الوارد في المجلّد الثاني من البحوث المشتمل على عمق وشمول لاتراهما في أبحاث اُخرى عن تلك القاعدة.
والثاني: بحثه القيّم في مسألة اعتصام ماء البئر عن كيفيّة التخلّص من الروايات الدالّة على الانفعال. وهو وارد ـ أيضاً ـ في المجلّد الثاني من البحوث، حيث ساق البحث باُسلوب فائق لم أره لدى باحثي المسألة قبله.
ولم يوفّق (رضوان الله عليه) لكتابة الكثير عن الفقه المستدلِّ ما عدا المجلّدات الأربعة في الطهارة، وما درّسه من الفقه المستدلِّ أكثر ممّا كتبه، كما قد درّس قسماً من أبحاث الخمس وغير ذلك.
والذي كان يصبو إليه (رحمه الله) هو تطوير بحث الفقه من عدّة جوانب، وفّق لبعضها بمقدار ما كتب أو درّس، ولم يوفّق للبعض الآخر. وتلك الجوانب هي ما يلي:
1 ـ تعميق دراسته بنحو لم يسبق له مثيل، وقد وفّق لذلك بمقدار ما كتب أو درّس.
2 ـ تبديل النزعة الفرديّة والنظرة الموضعيّة إلى النزعة الاجتماعيّة والنظرة العالميّة في البحوث التي تتطلّب ذلك. وهاتان النظرتان أو النزعتان لهما الأثر البالغ في كيفيّة فهم القضايا الفقهيّة.
فمثلاً: أخبار التقيّة والجهاد تُفهم بإحدى النظرتين بشكل، وبالنظرة الاُخرى بشكل آخر، وأدلّة حرمة الربا قد تفهم بإحدى النظرتين بشكل يمكن معه تحليل نتيجة الربا ببعض الحيل، وتفهم بالنظرة الاُخرى بشكل آخر لايؤدّي إلى هذه النتيجة. وما إلى ذلك من الأمثلة الواسعة في الفقه.
3 ـ توسيع اُفق البحث الفقهيّ لشتّى أبواب الحياة بالشكل الملائم لمتطلّبات اليوم، وباُسلوب يتجلّى به أنّ الفقه يعالج كلّ مناحي الحياة، ويواكب الوضع البشريّ الفرديّ والاجتماعيّ حتّى النهاية، وبشكل يتّضح أنّ البحث الفقهيّ متحرّك يواكب حركة الحياة.
', '', 55), (21, 56, 'book', 'وقد شرع (رحمه الله) في رسالته العمليّة المسمّاة بــ (الفتاوى الواضحة) لتجسيد هذا الجانب، إلّا أنّ استشهاده قد حال بينه وبين إكمال الكتاب.
4 ـ تطوير منهجة عرض المسائل، وتبويبها بالشكل المنعكس في مقدّمة الفتاوى الواضحة.
5 ـ وكان (رحمه الله) عازماً على أن يبحث فقه المعاملات بشكل مقارن بين فقه الإسلام والفقه الوضعيّ؛ كي يتجلّى أنّ الفقه الإسلاميّ هو الجدير بإدارة الحياة، وإسعادها دون غيره، وقد حالت جريمة البعث الكبرى بينه وبين إتحافنا بهذا البحث القيّم.
وفي الفلسفة ألّف الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) كتاب (فلسفتنا) الذي قارع فيه الفلسفات المادّيّة والمدارس الفلسفيّة الحديثة الملحدة، بالأخصّ الديالكتيكيّة الماركسيّة، باُسلوب بديع، وببراهين قويمة، ومناهج رائعة، وهذا الكتاب قد أصدره بجهود تظافرت مدّة عشرة أشهر فحسب.
والرأي الذي اعتنقه (رحمه الله) في (فلسفتنا) في نظريّة المعرفة قد عدل عنه إلى رأي آخر في كتابه المسمّى بــ (الاُسس المنطقيّة للاستقراء) يختلف عن رأيه الأوّل في عدد مهمٍّ من أقسام المعرفة البشريّة.
وقد بدأ أخيراً بتأليف كتاب فلسفيّ معمّق، ومقارن بين آراء الفلاسفة القدامى والفلاسفة الجدد، وبدأ ببحث تحليل الذهن البشريّ، ولم يوفّق لإتمامه، ولانعلم مصير ما كتبه في ذلك، ولعلّه صودر من قبل البعث العميل الكافر مع ما صودر من كتبه وممتلكاته.
وفي المنطق قد تعرّض الاُستاذ الشهيد(قدس سره) في ضمن أبحاثه الاُصوليّة لدى مناقشته للأخباريِّين في مدى حجّيّة البراهين العقليّة لنمط التفكير المنطقيّ الأرسطيّ، ونقده بما لم يسبقه به أحد، وبعد ذلك طوّر تلك الأبحاث وأكملها، وأضاف إليها ما لم يكن يناسب ذكره في ضمن الأبحاث الاُصوليّة، فأخرجها بأروع صياغة باسم كتاب (الاُسس المنطقيّة للاستقراء). ومن جملة ما أوضحه في هذا الكتاب: عدم بداهة قسم من العلوم التي يقول المنطق الأرسطيّ ببداهتها، كالمحسوسات بالحسِّ الظاهريّ، والمتواترات، والتجريبيّات، والحدسيّات، وأنّ هذه العلوم إنّما تبتني على أساس حساب الاحتمالات، وليس على أساس البداهة والضرورة.
$
', '', 56), (21, 57, 'book', 'وفي الأخلاق تعرّض الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) لأرقى بحث أخلاقيّ علمىّ في ضمن أبحاثه الاُصوليّة لدى البحث عن الحسن والقبح العقليّين بمنهج لم يسبق له نظير.
وفي التفسير تعرّض (رضوان الله عليه) في أواخر حياته لأبحاث تفسيريّة قيّمة تختلف في اُسلوبها عن نمط التفاسير التجزيئيّة المتعارفة، أعطاها عنوان (التفسير الموضوعيّ)، وتلك أبحاث ألقاها في محفل عام للبحث، ولم يكن الحضور فيه خاصّاً بفضلاء طلّابه أو المحقّقين العلماء؛ ولذا لم يكن من المتوقّع أن يلقي هذه الأبحاث بما هو المأمول منه من مستوى العمق والدقّة؛ إذ ذلك يناسب الحضور الخاصّ، وليس الحضور العامّ، ومع ذلك ترى في تلك الأبحاث من العمق والتحليل الدقيق ما يبهر العقول، ويدلّ على مدى شموخ المستوى الفكريّ لهذا المفكّر العظيم.
وفي الاقتصاد ألّف اُستاذنا الشهيد(قدس سره) كتاب (اقتصادنا)؛ لنقد المذاهب الاقتصاديّة الماركسيّة والرأسماليّة، وتوضيح خطوط تفصيليّة عن الاقتصاد الإسلاميّ. ولاأقول: إنّه لم يوجد قبله كتاب في الاقتصاد الإسلاميّ بهذا المستوى فحسب، بل أقول: لم يوجد حتّى يومنا هذا الذي مضى على تأليف كتاب (اقتصادنا) نحو ربع قرن مَنْ كتب بمستواه.
وفي التأريخ كتب(رحمه الله) تأريخاً تحليليّاً عن قِصّة (فدك)، وكان عمره ـ وقتئذ ـ نحو سبع عشرة سنة، وترى في هذا الكتاب ـ الذي يمثّل السنين الاُولى من بلوغه سنّ التكليف ـ ما يعجبك من روعة التأليف، وعمق التحقيق والتدقيق، وممّا يزيدك إعجاباً بهذا الكتاب أنّه جاء فيه بالمناسبة بعض المناقشات الفقهيّة الدقيقة لما ورد في كلمات أكابر الفقهاء، وهذا ما لا يصدر عادة إلّا عن العلماء المحقّقين الكبار في سنين متأخّرة من أعمارهم الشريفة.
فلقد ناقش(رحمه الله) في كتاب (فدك) ما وقع من بعض أكابر العلماء كصاحب الجواهر (رضوان الله عليه) من الاستدلال على نفوذ علم القاضي بكون العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها، ناقش ذلك بقوله:
«واُلاحظ أنّ في هذا الدليل ضعفاً ماديّاً؛ لأنّ المقارنة لم تقم فيه بين البيّنة وعلم الحاكم بالإضافة إلى صلب الواقع، وإنّما لوحظ مدى تأثير كلٍّ منهما في نفس الحاكم، وكانت النتيجة ـ حينئذ ـ أنّ العلم أقوى من البيّنة؛ لأنّ اليقين أشدّ من الظنّ، وكان من حقّ
', '', 57), (21, 58, 'book', 'المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيّاً الأخذ بها في كلّ مخاصمة، ولايفضّل علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة؛ لأنّ الحاكم قد يخطأ كما أنّ البيّنة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء، كلاهما مظنّة للزلل والاشتباه».
وأيضاً ذكر المرحوم الشيخ آقا ضياء العراقيّ ـ الذي يعتبر من أكابر المحقّقين في العصر المتأخر ـ ذكر في كتابه ردّاً على من استدلّ لنفوذ علم القاضي بأدلّة القضاء بالحقّ والعدل: «أنّه قد يكون المراد بالحقّ والعدل هو الحقّ والعدل وفق مقاييس القضاء، لاالحقّ والعدل وفق الواقع، وكون علم القاضي من مقاييس القضاء أوّل الكلام» واستشهد(رحمه الله) على ذلك بالرواية الدالّة على عقاب رجل قضى بالحقّ وهو لايعلم، ببيان: أنّه لو كان موضوع القضاء هو الحقّ الواقعيّ لاالحقّ وفق مقاييس القضاء، لكان قضاء من قضى بالحقّ ـ وهو لايعلم ـ صحيحاً وضعاً وتكليفاً، ولاعقاب عليه إلّا بملاك التجرّي.
وأورد عليه اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) في كتاب (فدك) أنّ هذه الرواية لاتدلّ على عدم موضوعيّة الواقع للحكم، غاية ما هناك أن نقيّد الأدلّة التي ظاهرها كون موضوع الحكم هو الحقّ والعدل الواقعيين بالعلم، بمقتضى دلالة هذه الرواية على عقاب من قضى من دون علم، فيصبح الواقع جزءَ موضوع، والعلم به جزءاً آخر للموضوع، ولابأس بذلك.
وعلى أيّة حال، فهذا كتاب تاريخيّ تحليليّ بديع عن قِصّة واحدة من التأريخ، وهي قِصّة (فدك).
هذا، وبعد رَدح من الزمن جاءت لاُستاذنا الشهيد أبحاث في منتهى الروعة في تحليل تأريخ حياة أئمّتنا الأطهار(عليهم السلام) من زاوية عملهم لإعلاء كلمة الله على وجه الأرض، كان يلقيها على طلّابه في أيّام وفيات الأئمّة(عليهم السلام) كاُطروحة شاملة متناسقة لكلِّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في المنهج الذي نهجوه لخدمة الإسلام الحنيف.
وجميع أبحاثه (رضوان الله عليه) ترى فيها إضافةً إلى الدقّة والعمق مع السعة والشمول منهجيّةً فنيّةً رائعةً في طريقة العرض.
$
', '', 58), (21, 59, 'book', 'مؤلّفاته(قدس سره)
يحضرني الآن من مؤلّفاته (رضوان الله عليه) ما يلي:
1 ـ فدك في التأريخ، طبع في سنة (1374 هـ ).
2 ـ غاية الفكر في علم الاُصول، طبع منها جزء واحد في سنة (1374 هـ ).
وقد ذكر السيّد الشهيد(رحمه الله) في أوّل هذا الجزء أنّه شرع في تأليف هذا الكتاب قبل ثلاث سنين تقريباً.
3 ـ فلسفتنا، طبع في سنة (1379 هـ ).
4 ـ اقتصادنا، طبع في سنة (1381 هـ ) في مجلّدين.
5 ـ المعالم الجديدة للاُصول، طبعت في (سنة 1385 هـ ) لكلّية اُصول الدين.
6 ـ الاُسس المنطقيّة للاستقراء، طبعت بتأريخ (1391 هـ ).
7 ـ البنك اللاربوي في الإسلام، طبع قبل الاُسس المنطقيّة للاستقراء.
8 ـ المدرسة الإسلاميّة، ألّف منها جزءين:
أ ـ الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعيّة.
ب ـ ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلاميّ؟
9 ـ بحوث في شرح العروة الوثقى، ألّف منها أربعة أجزاء، وكان تأريخ الطبعة الاُولى لأوّل جزء منها سنة (1391 هـ ).
10 ـ دروس في علم الاُصول، في ثلاث حلقات، والحلقة الثالثة منها في مجلّدين، طبعت في سنة (1397 هـ ).
11 ـ بحث حول المهدي(عليه السلام).
12 ـ بحث حول الولاية.
$
', '', 59), (21, 60, 'book', '13 ـ الإسلام يقود الحياة، ألّف منه ستّ حلقات في سنة (1399 هـ ) بمناسبة نجاح الثورة الإسلاميّة في إيران:
أ ـ لمحة فقهيّة تمهيديّة عن مشروع دستور الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.
ب ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلاميّ.
ج ـ خطوط تفصيليّة عن اقتصاد المجتمع الإسلاميّ.
د ـ خلافة الإنسان، وشهادة الأنبياء.
ه ـ منابع القدرة في الدولة الإسلاميّة.
وـ الاُسس العامّة للبنك في المجتمع الإسلاميّ.
14 ـ بحث في المرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة، وسيأتي نصّ ذلك ـ إن شاء الله ـ في ضمن هذه الترجمة.
15 ـ الفتاوى الواضحة: رسالة عمليّة ألّف منها جزءاً واحداً، ثُمَّ أضاف إليها في الطبعة الثانية مقدّمة بعنوان (موجز في اُصول الدين) بحث فيها بحثاً مختصراً رائعاً عن المرسل، والرسول، والرسالة، كما يوجد في آخر الكتاب بحث بديع وممتع بعنوان (نظرة عامّة في العبادات).
16 ـ تعليقة على رسالة عمليّة للمرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم(رحمه الله)، وهي الرسالة المسمّاة بــ (منهاج الصالحين).
ومن طرائف الاُمور: أنّ الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) مضت عليه برهة من الزمان كان له مقلِّدون كثيرون في شتّى المدن العراقيّة، ولعلّه في خارج العراق أيضاً، وكان يمتنع عن طبع رسالة عمليّة؛ لأنّه كان شابّاً آنذاك، ولعلّ قسماً من المجتمع لم يكن يستسيغ طبع رسالة عمليّة لعالم شابّ مع وجود مراجع كبار متقدّمين في السنّ، فكان بعض مقلّديه يضطرون إلى استنساخ تعليقته على الجزء الأوّل من منهاج الصالحين بخط اليد، وما زلت أنا محتفظاً في مكتبتي بنسخة منها استنسختها بيدي.
وبعد فترة من الزمن اقتنع (رضوان الله عليه) بأنّه حان وقت الطبع، فطبع تعليقته على الجزء الأوّل من منهاج الصالحين، وأكملها في الطبعة الثالثة بإضافة التعليق على الجزء الثاني من المنهاج.
$
', '', 60), (21, 61, 'book', '17 ـ تعليقة على صلاة الجمعة من الشرائع، ما زالت غير مطبوعة، ولدىّ نسخة استنسختها بيدي.
18 ـ تعليقة على الرسالة العمليّة للمرحوم آية الله العظمى الشيخ محمّدرضا آل ياسين(رحمه الله) المسمّاة بــ (بلغة الراغبين) علّق(رحمه الله) عليها في وقت كان عمره الشريف نحو سبع عشرة سنة، وما زالت التعليقة غير مطبوعة.
19 ـ تعليقة على مناسك الحجّ لاُستاذه آية الله العظمى السيّد الخوئيّ، وهي غير مطبوعة، وما زلت محتفظاً بنسخة خطيّة منها. وقد كتب(رحمه الله) هذه التعليقة عند ما أراد التشرّف بالذهاب إلى الحجّ.
20 ـ موجز أحكام الحجّ: وهو رسالة عمليّة في الحجّ.
وهناك كتاب باسم (المدرسة القرآنيّة) ليس بقلمه الشريف، ولكنّه استنساخ لمحاضراته الممتعة التي أفادها في التفسير الموضوعيّ للقرآن الكريم، وهي عبارة عن أربع عشرة محاضرة، والمحاضرة الأخيرة ليست في التفسير، وإنّما هي في الوعظ والإرشاد، وقد ألقى هذه المحاضرات في أواخر عمره المبارك، وأنا ـ وقتئذ ـ كنت في قم المقدّسة، فلم أحظ بشرف درك هذه المحاضرات القيّمة، لكنّني ما زلت محتفظاً بنسخة صوتيّة منها، وقد ضجّ الناس في المحاضرة الأخيرة منها بالبكاء.
وهناك محاضرات اُخرى له(رحمه الله) في حياة الأئمّة(عليهم السلام) كُتِبَ قسم منها استنساخاً من الشريط الصوتيّ لأبحاثه.
وهناك كتب اُخرى لتلامذته بعنوان تقرير أبحاثه الشريفة.
وهناك كتابات متفرّقة له (رضوان الله عليه) من قبيل بعض افتتاحيّات مجلّة (الأضواء) التي طبعت بعد ذلك باسم (رسالتنا) وغيرها.
وقبل أن أنتقل إلى موضوع آخر أودّ أن أقول: إنّ مطالعة تأليفاته القيّمة كافية في معرفة مدى مواكبة هذا الرجل العظيم لأحوال الوقت ومشاكله ووضعه للحلول الشافية لها، فحقّاً إنّ اُستاذنا الشهيد لم يكن من اُولئك المفكّرين التقليديّين الذين لايفكّرون إلّا فيما تعارف بحثه في الأزمنة السالفة، بل كان عالماً بزمانه، طبيباً روحيّاً يعالج في كتبه أمراض المجتمع الحاضر، مواكباً لمشاكل الاُمّة الإسلاميّة وآلامها وآمالها، يقارع الفلسفات
', '', 61), (21, 62, 'book', 'المادّية الحديثة بكتاب (فلسفتنا)، ويثبّت التلازم بين الإيمان بالعلم الحديث والتجربة وبين الإيمان بالله تعالى، بما له من منطق رصين في كتاب (الاُسس المنطقيّة للاستقراء)، ويعارض الاُصول الاقتصاديّة الكافرة الحديثة مع إعطاء البديل الإسلاميّ في كتاب (اقتصادنا) وفي كتيّبات اقتصاديّة، وحينما يُستفتى من قبل بعض المؤمنين في الكويت عن طريقة تأسيس البنك بلا ربا يؤلّف في الجواب كتاباً في البنك اللاربوي، وحينما يتحقّق انتصار الإسلام في إيران يكتب ستّ حلقات لتغطية الحاجات الفكريّة الإسلاميّة المستجدّة في إيران على أساس الانتصار، وما إلى ذلك ممّا يدلّ على مواكبته (رضوان الله عليه) للحياة ولحاجات المسلمين بحكمة وحنكة فائقتين.
$
', '', 62), (21, 63, 'book', 'رعايته(قدس سره)لمشاريع إسلاميّة
لم تكن رعاية اُستاذنا الشهيد (رضوان الله عليه) تختصّ بالمشاريع الإسلاميّة التي تكون من تأسيسه أو تنسب إليه في عرف المجتمع، بل كان لايبخل عن بذل الرعاية لكلِّ مشروع إسلامىّ حتّى غير المنتسب إليه ما لم يأبَ أصحابه عن ذلك، ومن أمثلة ذلك مايلي:
1 ـ مدرسة العلوم الإسلاميّة:
كانت هذه مدرسة علميّة مؤسّسة من قبل المرجع المرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم تغمّده الله برحمته، وهي مدرسة ذات صفوف منظّمة لطلّاب العلوم الدينيّة، وكانت لاُستاذنا الشهيد (رحمه الله) رعاية أبويّة خاصّة لهذه المدرسة عن طريق عدد من طلّابه الأفاضل الذين كانوا يشرفون على هذه المدرسة أو يدرّسون فيها.
2 ـ جماعة العلماء في النجف الأشرف:
كان هذا مشروعاً إسلاميّاً قام به ثلّة من العلماء الأكابر في النجف الأشرف في عهد عبد الكريم قاسم، وكان اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) آنذاك في عنفوان شبابه، ولم يكن عضواً في جماعة العلماء، وعلى رغم ذلك كان يرعى باُبوّته هذا المشروع المبارك، وكان يرتبط بشكل وآخر بعقليّته المتميّزة الجبّارة، وهنا أترك الحديث لسماحة السيّد محمّدباقر الحكيم حفظه الله؛ لكي يحدّثنا بعض الكلام عن جماعة العلماء، فإليك بعض المقاطع من مقاله الذي نشر في مجلّة الجهاد العدد الرابع عشر الصادر بتأريخ جمادى الآخرة من سنة ( 1401 هـ )، قال حفظه الله:
«لا بدّ من أجل أن نفهم عمق الأحداث التي سوف أتناولها، والمواجهة التي وقعت بين الإمام الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) وحزب البعث في العراق من أن نرجع إلى
', '', 63), (21, 64, 'book', 'بدايات سنة (1378)، أي: بعد التغيير في الحكم الذي حصل في العراق بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام (1958 م).
فقد ظهرت على سطح المسرح السياسيّ في العراق مجموعة من التيّارات السياسيّة والفكريّة بعد أن حصل الشعب العراقيّ نتيجة الانقلاب على بعض المكاسب السياسيّة والاجتماعيّة.
وقد احتدم الصراع في المرحلة الاُولى بين التيّار الماركسيّ ـ الذي كان يقوده الحزب الشيوعيّ العراقيّ، والذي كان يحصل على الدعم المعنوىّ من قائد الانقلاب عبد الكريم قاسم ـ من جانب، ومجموعة التيّارات السياسيّة الاُخرى من جانب آخر، كالتيّار القوميّ الذي كان يجمع بين الناصريّين والبعثيّين وغيرهم، والذي كان له وجود سياسيّ في الحكم وفي الشارع بسبب الدعم الذي كان يحصل عليه من الجمهوريّة العربيّة المتحدة حينذاك بقيادة جمال عبد الناصر، وكالتيار الإسلاميّ الذي كانت تتعاطف معه جماهير واسعة من الشعب العراقيّ المسلم دون أن يكون له وجود سياسيّ قويّ عدا بعض الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة الصغيرة.
وقد وجد علماء النجف الأشرف أنّ من الضروريّ أن يُطرح الإسلام كقوّة فكريّة وسياسيّة أصيلة تنتمي إلى السماء، وتمتدّ جذورها في الشعب المسلم.
وولدت من أجل ذاك اُطروحة (جماعة العلماء) التي يمكن أن نقول بحقٍّ: إنّ وجودها يرتبط بشكل رئيسيّ بعقليّة السيّد الشهيد الصدر، واهتمامات المرجعيّة الدينيّة وطموحاتها الكبيرة التي كانت تتمثّل بالمرحوم الإمام السيّد محسن الحكيم(قدس سره) إضافة إلى الشعور بالحاجة الملحّة إلى مثل هذه الأطروحة لدى قطّاع واسع من الاُمّة. وعلى الرغم من أنّ السيّد الشهيد (رضوان الله عليه) لم يكن أحد أعضاء جماعة العلماء؛ لصغر عمره، إلّا أنّه كان له دور رئيسيّ في تحريكها وتوجيهها كما ذكرت ذلك في مذكّراتي عن جماعة العلماء في النجف الأشرف.
ومن خلال ذلك تمكّن علماء النجف الأشرف أن يطرحوا الخطّ الإسلاميّ الصحيح، ويعملوا على إيجاد القوّة السياسيّة الإسلاميّة المتميّزة.
وقد باشرت جماعة العلماء ـ بالرغم من قوّة الأحداث، وعدم توفّر الخبرة السياسيّة الكافية، وتخلّف الوعي الإسلاميّ السياسىّ في الاُمّة ـ عملها من أجل إرساء قواعد هذا
', '', 64), (21, 65, 'book', 'الخطّ الأصيل، وذلك من خلال بعض المنشورات، والاحتفالات الجماهيريّة، والاتّصالات ببعض قطّاعات الشباب، وإصدارها لمجلّة الأضواء الإسلاميّة التي كانت تشرف عليها لجنة توجيهيّة مكوّنة من شباب العلماء كان لها اتّصال وثيق بالسيّد الشهيد الصدر... بعد مضيِّ أقلّ من عامّ تمكّنت جماعة العلماء من بناء قاعدة إسلاميّة شابّة؛ ولذا قرّرت هذه الجماعة إصدار نشرة الأضواء الإسلاميّة كأداة للتعبير عن وجودها من ناحية، ولمواصلة السير في الطريق الذي رسمته من ناحية اُخرى... وقد بعثت مجلّة الأضواء من خلال خطّها الفكرىّ والسياسىّ، ومن خلال ما رسمته من معالم الطريق الإسلاميّ وخطوطه العريضة وبالأخصِّ الخطوط التي كانت ترسم في ضمن موضوع (رسالتنا) الذي كان يكتبه السيّد الشهيد الصدر باسم جماعة العلماء وبإذنها طبعاً، بعثت الروح الإسلاميّة في قطّاعات واسعة من الجماهير... وسافرت إلى لبنان في سنة ( 1380 هـ ) إذ كانت طموحاتنا أن ننقل أفكارنا إلى ذلك البلد، وودّعت السيّد الاُستاذ الشهيد حيث كان في الكاظميّة حينذاك بعد أن عشت معه أيّاماً، وكنت اُراسله باستمرار في رسائل طويلة، وكان يجيبني باُخرى يتحدّث فيها عن عواطفه الفيّاضة، وهمومه الإسلاميّة. هذه الرسائل التي أرى فيها أنّها أعزّ ما أحتفظ به من ذكريات تلك الأيّام.
وفي هذه الرسائل بدأ السيّد الاُستاذ الشهيد يحدّثني عن هجمة قاسية شرسة قام بها حزب البعث، تستّرت ببعض أهل العلم من أعضاء جماعة العلماء وغيرهم الذين انكشف لهم حقيقة هذا الحزب، كما تكشّفت لنا حقيقته نتيجة الوعي الإسلاميّ الذي بعثه السيّد الشهيد فينا... فلقد كانت الواجهة في هذه الهجمة بعض مَنْ ينتسب إلى أهل العلم، ولكن كانت يد حزب البعث وراءها؛ إذ يطرح السيّد الاُستاذ في بعض رسائله أنّ المحامي (حسين الصافي) الذي كان معمّماً من قبل، ومن عائلة علميّة، وله صلات شخصيّة وطيدة ببعض أهل العلم، ومسؤول حزب البعث العربي في النجف الأشرف كان وراء هذه الحملة، وتحدّث إلى بعض الأشخاص لإثارتهم.
فقد كتب السيّد الشهيد في صفر من سنة (1380 هـ ) يقول:
«... لقد كان بعدك أنباء وهنبثة، وكلام وضجيج، وحملات متعدّدة جنّدت كلّها ضد صاحبك بغية تحطيمه... ابتدأت تلك الحملات في أوساط الجماعة التوجيهيّة المشرفة على الأضواء، أو بالأحرى لدى بعضهم، ومن يدور في فلكهم، فأخذوا يتكلّمون،
', '', 65), (21, 66, 'book', 'وينتقدون، ثُمَّ تضاعفت الحملة وإذا بجماعة تنبري من أمثال حسين الصافي ـ ولاأدري ما إذا كانت هناك علاقة سببيّة وارتباط بين الحملتين أو لاـ تنبري هذه الجماعة... فتذكر عنّي وعن جماعة ممّن تعرفهم شيئاً كثيراً من التهم من الاُمور العجيبة...».
ومن الملاحظ أنّه استعمل البعثيّون في هذه الحملة اُسلوبين رئيسيين:
الأوّل: اُسلوب الاتّهام بأنّ هذه المجلّة لاتعبّر عن رأي جماعة العلماء، وإنّما هي تعبّر عن رأي تنظيم سياسىّ دينيّ سرىّ، ويستغل اسم جماعة العلماء. وقد كان الاتّهام بالتنظيم السياسيّ في تلك الفترة الزمنيّة يعتبر تهمة شنيعة بسبب التخلّف السياسيّ الدينيّ في أوساط المتديّنين، وبالأخصّ أهل العلم منهم.
الثاني: موضوع (رسالتنا) الذي يكتب باسم جماعة العلماء، وكان يكتبه السيّد الشهيد الصدر دون أن يعرضه على أحد منهم؛ فقد كتب السيّد الشهيد في نفس الفترة يقول:
«كما أنّ هناك زحمة من الإشكالات والاعتراضات لدى جملة من الناس، أو الآخونديّة في النجف على النشرة، وخاصّة (رسالتنا) باعتبار أنّها كيف تنسب إلى جماعة العلماء مع أنّها لم توضع من قبلهم، ولم يطّلعوا عليها سلفاً؟! وأنّ في ذلك هدراً لكرامة العلماء، هذا في الوقت الذي يقول الأخ...: إنّ الكلمة في بغداد متّفقة على أنّ (رسالتنا) كتابة تجديد وابتكار تمتاز بمستواها الخاصّ من بقيّة الأضواء».
وقد كتب في (6 / ربيع الأوّل / 1380): «لا أستطيع أن أذكر تفصيلات الأسماء في مسألة جماعة العلماء وحملتها على الأضواء... ولكن أكتفي بالقول إنّ بعض الجماعة كان نشيطاً في زيارة أعضاء جماعة العلماء؛ لإثارتهم على الأضواء وعلى (رسالتنا)، حتّى لقد قيل: إنّ الشيخ الهمدانيّ الطيِّب القول قد شوّهت فكرته عن الموضوع... وهذا الذي حصل بالنسبة إلى الشيخ الهمدانيّ حصل بالنسبة إلى جملة من الطلبة مع الاختلاف في بعض الجهات...».
وقد كتب أيضاً: «فإنّني اُجيبك عن سؤالك فيما يخصّ من موقف الخال، فإنّ الشيخ الخال كان في الكاظميّة بعيداً عن الأحداث نسبيّاً، ولم يطّلع إلّا على سطحها الظاهرىّ، وهو ماض في تأييده للأضواء ومساندته لها، وقد طلب... أن يكتب إلى بعض جماعة العلماء؛ لتطييب خاطرهم، وجلب رضاهم عن الأضواء... فكتب إلى... وأخبره بأنّ
', '', 66), (21, 67, 'book', 'الأضواء لم تكن تصدر إلّا بعد مراقبته وإشرافه، وأنّها تُناط الآن... وأخبره بأنّ كاتب (رسالتنا) سوف ينقطع عن الكتابة...»(1).
وأيضاً كتب السيّد الشهيد: «فقد حدّثني شخص في الكاظميّة أنّه اجتمع به في النجف الأشرف، فأخذ يذكر عنّي له سنخ التّهم التي كالها حسين الصافي من دون مناسبة مسوِّغة. وعلى كلّ حال عسى أن يكون له وجه صحّة في عمله إن شاء الله».
وقد كانت لهذه الإثارة دور كبير في تحريك جماعة العلماء بالخصوص ضدّ السيّد الشهيد والمجلّة، بخلاف الاُسلوب الأوّل؛ فإنّ دوره الأساسىّ كان في أوساط المتشدّدين من أهل العلم البعيدين عن التيّار الإسلاميّ وهمومه ومشاكل الاُمّة وانحرافاتها الفكريّة والسياسيّة؛ ولذا كان تأثيره في جماعة العلماء محدوداً... وقد أحسن السيّد الاُستاذ الشهيد الصدر في معالجة الموقف بهدوء؛ إذ تمكّن أن يثبت ـ حينذاك ـ أنّه لاينتمي إلى تنظيم سياسيّ معيّن، وأنّه مُنحِت اللجنةُ التوجيهيّةُ لجماعة العلماء الإشرافَ الفعليَّ على المجلّة، وعلى موضوع (رسالتنا)، وتمسّك بالصبر والسكوت؛ فقد كتب يقول: «وأمّا واقع الأضواء هنا، فهو واقع المجلّة المجاهدة في سبيل الله، وقد هدأت ـ والحمد لله ـ حملة جماعة العلماء عليها بعد أن تمّ إشعارهم بأنّهم المشرفون عليها، غير أنّ حملة هائلة ـ على ما أسمع ـ يشنّها جملة من الطلبة، ومن يسمّى بأهل العلم، أو يحسب عليهم، وهي حملة مخيفة، وقد أدّت ـ على ما قيل ـ إلى تشويه سمعة الأضواء في نظر بعض أكابر الحوزة، حتّى كان جملة ممّن يسمّيهم المجتمع الآخونديّ مقدّسين أو وجهاء لايتورّعون عن إلصاق التّهم بالأضواء، وكلّ من يكتب فيها...».
ومن الجدير بالذكر: أنّه كان الإخوان في اللجنة التوجيهيّة يتسامحون في تقديم ما يكتبونه إلى الجماعة للإشراف المباشر عليه خوفاً من ملاحظات تبديها الجماعة تمسّ الصيغ الجديدة التي كانوا يقدّمونها للأفكار الإسلاميّة التي كانت تمدّ التيّار الإسلاميّ الواعي بالوقود والعطاء.
ولكنّ التجربة التي مارسوها بعد الضجّة دلّت على أنّ جماعة العلماء كانت على درجة من الوعي تجعلها لاتعارض مثل هذه الأفكار، بل تمنحها التأييد والقبول؛ لأنّه
', '(1) وبالفعل انقطع الاُستاذ الشهيد عن كتابة رسالتنا؛ ولهذا ليس جميع الأعداد لرسالتنا صادراً عن الاُستاذ الشهيد.
', 67), (21, 68, 'book', '
يشهد (رضوان الله عليه) بعد ذلك في تاريخ (18 ربيع الأوّل) بأنّ: «اُسرة الأضواء التي لاغبار عليها بوجه من الوجوه مورد للاطمئنان الكامل، وهم يعرضون مقالاتهم على الثلاثة(1)، ولم يصادفوا لحدّ الآن مشكلة مبدئيّة في هذا المقام، والحمد لله ربّ العالمين».
«حدسي أنّ الأضواء سوف تستمرّ إن شاء الله تعالى؛ لأنّها تتمتّع الآن برصيد قوىّ من الداخل والخارج، فمن الخارج بلغت عدد الاشتراكات... ومن الداخل تتمتّع برضا جماعة العلماء».
وهكذا تمكّن السيّد الشهيد (رضوان الله عليه) بحكمته وصموده وصبره أن يواصل طريقه مع إخوانه وتلامذته في الجهاد، وأن يقفوا جميعاً في وجه هذه الهجمة الشرسة التي استغلّت أخسّ المشاعر في الإنسان، واستعملت أخبث الأساليب. وتمكّن بسبب ذلك الخطّ الإسلاميّ الأصيل أن يستمرّ في تفاعله مع الاُمّة والتأثير فيها».
انتهى ما أردت نقله من مقاطع من مقال سماحة السيّد الحكيم حفظه الله.
3 ـ كلّية اُصول الدين:
وكانت كلّية اُصول الدين هي الاُخرى من المشاريع التي لم تكن تنسب في عرف المجتمع ـ وقتئذ ـ إلى اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، ولكنّها كانت تحظى برعايته الأبويّة البارّة، وقد كتب الاُستاذ كتاب (المعالم الجديدة في علم الاُصول)؛ لأجل هذه الكلّية كي يدرّس فيها.
وقد جاء في كتاب الجهاد السياسيّ ما نصّه: «كان السيّد الشهيد مشاركاً في مشروع تأسيسها وافتتاحها، ثُمَّ كان مساهماً بالقسط الأوفر في منهجها، وطريقة عملها، وشؤونها المهمّة والثقافيّة بالخصوص. وفيما عدا ذلك فإنّ السيّد الشهيد قد كتب مادّة (علوم القرآن) للسنة الاُولى ونصف السنة الثانية، وظلّت هذه المادّة تدرّس مدّة الأربع سنوات الاُولى، وكتب مادّة الاقتصاد الإسلاميّ والذي كان يدرّس في الكلّية أيضاً، كما أنّ مساهمة السيّد الشهيد في مجلّة رسالة الإسلام التي تصدرها الكلّية كانت مساهمة فعّالة».
$
', '(1) الظاهر أنّ المقصود هم: آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين، وآية الله الشيخ حسين الهمدانىّ، وآية الله الشيخ خضر الدجيلىّ تغمّدهم الله برحمته.
', 68), (21, 69, 'book', '
طـلّابـه(قدس سره)
ربّـى (رضوان الله عليه) جيلين من العلماء النوابغ:
الجيل الأوّل: نخبة من الفضلاء الأذكياء التحقوا بدرسه في أوّل أوأوائل الدورة الاُولى لأبحاثه الاُصوليّة، وبعضهم كان متشرِّفاً بالتلمذة لديه من قبل ذلك، حيث كان يحضر درس اُستاذنا الشهيد في (كفاية الاُصول) للآخوند الخراسانيّ(رحمه الله) قبل شروعه في تدريس ما يسمّى ببحث الخارج، فتخرّجوا على يده(قدس سره) على مستوى الاجتهاد، أو ما يقرب من الاجتهاد.
والجيل الثاني: نخبة ثانية من الفضلاء الأذكياء التحقوا بدرسه في أواخر الدورة الاُولى لأبحاثه الاُصوليّة، واستمرّوا معه في الدورة الثانية إلى أن تخرّجوا على يده(رحمه الله)على مستوى الاجتهاد، أو ما يقرب منه.
وهناك طلّاب آخرون استفادوا ـ أيضاً ـ من منهله العذب، بالخصوص في الدورة الثانية التي أصبح الحضور فيها عامّاً تقريباً.
وله (رضوان الله عليه) صفوة من الطلّاب من الجيلين اللذين أشرنا إليهما، ومن غيرهما، وصل مستوى تبادل العواطف بينهم وبين اُستاذهم إلى ما قد يصعب تصوّره على غيرهم الذين لم يعيشوا تلك الحالة التي لاتوصف، فاُولئك الصفوة كانوا مخلصين لاُستاذهم، ومحبّين إيّاه بأشدّ من حبّهم لآبائهم وأولادهم، وكانوا يفدونه بأنفسهم.
كان يتشرّف بعضهم بخدمة الاُستاذ في بيته الواقع في سوق العمارة قريباً من مدرسة السيّد البروجرديّ الصغرى، في البُرْهة التي كانوا يحسّون فيها بأنّ النهار مظلم أمامهم كالليل أو أشدّ ظلاماً على أثر طغيان البعث الكافر وعتوّه، وعلى رغم هذا حينما كانوا
', '', 69), (21, 70, 'book', 'يجلسون بحضور الاُستاذ في بيته، ويصغون إلى دُرر الكلام التي ينثرها عليهم، كانوا ينسون كلّ شيء، غارقين في الالتذاذ بصحبته بما يفوق الوصف، كأنّهم في دار الخلد.
أمّا الاُستاذ فكان يغمر اُولئك الصفوة بحنانه ورأفته، وعواطفه النبيلة، وحسّه المرهف العظيم، لم يعرف نظيره من الآباء والاُمّهات تجاه أولادهم.
وأكتفي هنا بتسجيل مثال واحد يجسّد لك مدى عواطفه الشفّافة الرقيقة تجاه تلاميذه البررة، ألا وهي الرسالة الصوتيّة التي أرسلها إلى مَنْ هاجر من طلّابه إلى إيران ـ وقتئذ ـ فراراً من البعث الكافر، وإليكم نصّ الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
«السلام عليكم أيّها الأحبّة من أبيكم البعيد عنكم بجسمه، القريب منكم بقلبه، الذي يعيشكم في أعماق نفسه، وفي كلّ ذكرياته؛ لأنّكم تعبير حىّ حاضر عن تأريخه وماضيه، وامتداد نابض بواقعه وحاضره، وأمل كبير لمستقبل هذه الاُمّة.
يا صفوة الأحبّة نبلاً ووفاءً وإخلاصاً وحبّاً، يا من افتقدتهم، أو افتقدت قربهم ـ على الأصحّ ـ وأنا أحوج ما أكون إليهم، وأشدّ ما أكون طلباً لعونهم. يا من بنيتهم ذرّة فذرّة، وواكبت نموّهم الطاهر قطرة فقطرة، وعشت معهم السرّاء والضرّاء، واليسر والبلاء، ولم ينفصلوا عنّي في أيّ لحظة من لحظات الليل العبوس، أو النهار المشرق، يا من أجدهم رغم ابتعادهم، وأجدهم في كلّ ما حولي رغم خلوّ الديار منهم، وكيف لا أجدكم يا أولادي معي وكلّ شيء في نفسي أو خارج نفسي يذكّر بكم، ويشير إليكم، وينبّه إلى أيّامكم؟! وهل هناك أقوى دلالةً وأعمق إشارة في هذا المجال من الفراغ الذي خلّفتموه في هذه الرحاب، في هذه الديار؟! هذا الفراغ الذي يصرخ بأسمائكم باستمرار؛ لأنّه فراغ رهيب عاطفيّاً ومنطقيّاً. إنّ بصمات أصابعكم على كلّ حياتي أينما التفتُ، أينما توجّهت وجدت لهذا أو ذاك منكم، فأين الطيّبون البررة؟ وأين اُولئك الذين كان هذا الإنسان الذي رعاهم يجد في قربه منهم معنىً من معاني حياته، وامتداداً من امتدادات أمله؟ أين الأوّلون الذين سبقوا إخوانهم بالهجرة قبل سنين؟ وأين الباقون واللّاحقون الذين تتابعوا
', '', 70), (21, 71, 'book', 'خلال سنين جماعات ووحداناً؟ إنّ مثلَ أبيكم ـ كما كتبت إلى أحدكم(1) ـ مثلُ الشجرة تنمو أغصانها وتُورِق، وتمتدّ في الفضاء عالياً، ولكن تتمزّق من داخلها، جذورها وأعصابها الممتدّة في الأرض.
إنّ لحظات سوف تبقى خالدات، وكلّ لحظاتكم خالدات في نفس أبيكم. إنّ لحظة وقوفك أيّها السعيد(2) في فوهة السلّم وأنت تودّعني وتبكي، إنّ تلك اللحظة ما نسيتها، ولن أنساها أبداً؛ لأنّها اللحظة التي تصوّر البنوّة البارّة. إنّ تلك اللحظة التي ودّعتني فيها يا آقاي أخلاقيّ(3) وأنت تعيش لحظة من أحرج لحظاتك، ودّعتني وكنتُ أحسّ بأنّك تنتزع انتزاعاً، وأنّك تتمزّق تمزّقاً، إنّ تلك اللحظة لايمكن أن أنساها.
إنّ تلك اللحظة التي لم تستطع فيها يا أبا أحمد(4) أن تودّعني، أو أن اُلقي نظرةً أخيرةً عليك، إنّ تلك اللحظة تمزّقني أنا تمزّقاً وتمزيقاً. ولئن كنت أعيش مأساة فراقكم أيّها الأحبّة فأنا ـ في الوقت نفسه ـ أشعر من خلال هذه المأساة بانتصاركم؛ لأنّكم أثبتّم من خلالها كلّ ما يودّ الأب أن يراه في أبنائه من ثبات، ونبل، وشهامة، وإخلاص، ووفاء، وهذا أقصى ما يسعد الأب، وما يشعره بامتداده في أبنائه، فأنتم معي على الرغم من الزمان، وعلى الرغم من المكان، ولتكن هذه المعيّة في الله، ومن أجل الله، تعبيراً حيّاً عن لقائنا باستمرار إلى أن يجتمع الشمل، وتعود الأغصان إلى الشجرة الاُمّ.
إنّ مقوّمات الصمود والثبات والاستمرار في الحياة هي الحبّ، والأمل، والثقة، ونحن جميعاً نملك هذه العناصر الثلاثة، نسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقرّ عيني بكم، ويرعاكم بعينه التي لاتنام، ويجعل منكم دائماً وأبداً المستوى الأمثل في سلوكه، وورعه، وإيمانه، ودرسه وعلمه؛ لكي تكونوا المَثَل والقدوة والامتداد والأمل الكبير في حياة المسلمين. والسلام عليكم من قلب لايملّ الحديث معكم، ورحمة الله وبركاته».
$
', '(1) كان هذا المضمون مكتوباً فى رسالة منه(رحمه الله) إلىّ.
(2) المقصود هو الشيخ سعيد النعمانىّ أحد مخلصيه الأعزّاء، وهو يعيش اليوم فى طهران.
(3) هو الشيخ عبّاس الأخلاقى أحد طلّابه البررة، وهو اليوم يعيش فى قم المقدّسة.
(4) هو السيّد عبدالهادي الشاهروديّ أحد طلّابه المخلصين، وهو يعيش في(علي آباد كتول)، ويقيم صلاة الجمعة هناك.
', 71), (21, 72, 'book', '
وكان الاُستاذ (رحمه الله) حينما سجّل هذه الرسالة في شريط تسجيل لإرسالها إلى طلّابه كانت الدموع تجري من عينيه على ما قاله الشيخ محمّدرضا النعمانيّ: وهو أحد طلّابه الأعزّاء، قال حفظه الله: «لو تراه وهو يتحدّث ـ وأنا الوحيد الذي رأيته يتحدّث ـ والدموع تجري من عينيه، وأراه يعصر بيديه، ولو لاوجودي معه في الغرفة، فلست أدري ماذا سيصنع، وماذا سيقول؟ فهو حياءً منّي تماسك، وصبر حتّى خرجت هذه الكلمة».
ولست أنا بصدد سرد أسماء طلّابه الأعزاء، وقد وردت أسماء بعضهم في ثنايا كتابنا هذا، ولو كنت بصدد ذلك لصعب على ذاكرتي حصرهم، وهم كثيرون ومنتشرون في بلاد الله العريضة، ولكنّي أذكر هنا اسمين ممّن تتلمذوا على يده في درس الكفاية، واستمرّوا معه فيما اصطلح عليه في الحوزات العلميّة ببحث الخارج، وأذكر اسماً واحداً من الجيل الثاني الذين التحقوا ببحثه الشريف في أواخر الدورة الاُولى:
1 ـ السيّد محمّد باقر الحكيم:
ابن المرحوم آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم(قدس سره) تتلمذ على يد الاُستاذ الشهيد في درس الكفاية، واستمرّ معه في بحث الخارج، وحضر قسماً كبيراً من البحث فقهاً واُصولاً، واعتقل من قبل البعث الكافر المسيطر على العراق الجريح مرّتين، وحكم عليه في المرّة الثانية بالسجن المؤبّد، وبعد مضىّ سنة ونصف تقريباً على سجنه شمله ما يسمّى بالعفو العامّ من قبل الدولة، وبعد فترة من الزمن خرج من العراق إلى سورية، واليوم يعيش في إيران الإسلام، ويمارس دوره السياسي رئيساً للمجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق.
2 ـ السيّد نورالدين الإشكوريّ:
ابن المرحوم حجّة الإسلام السيّد علي الإشكوريّ رضوان الله عليه، تتلمذ على يد الاُستاذ الشهيد في الكفاية، واستمرّ معه في بحث الخارج فقهاً واُصولاً إلى أن ذهب كعالم دين إلى (ذي الكفل)، ثُمَّ انتقل كعالم ــ أيضاً ـ إلى الكاظميّة، كان يمارس نشاطه الدينيّ
', '', 72), (21, 73, 'book', 'مع الناس، ويدرّس في نفس الوقت ثلّة من علماء الكاظميّة وبغداد، ثُمَّ انتقل مرّة اُخرى إلى (ذي الكفل)، وبعده انتقل إلى الحلّة، واستمرّ في نشاطه الدينيّ مع الناس في الحلّة، والإشراف على وضع عدد من علماء الحلّة إلى أن سفّرته الحكومة الجائرة في العراق إلى إيران، وعندئذ مارس فترة من الزمن نشاطه العلميّ في قم المقدّسة، ثُمَّ انتقل كعالم دين إلى قزوين، ثُمَّ نفته حكومة الشاه المقبور من مقرّ عمله إلى بلد من البلاد الواقعة في الجانب الشمالي لخراسان يسمّى (درّ گز) قريباً من الحدود الروسيّة، ثُمَّ اُفرج عنه في أواخر أيّام الشاه التي اُفرج فيها عن باقي العلماء المبعّدين أيضاً؛ نتيجة الضعف الذي اُصيبت به الحكومة في مقابل الثورة الإسلاميّة. وهو اليوم يعيش في كرج، ويمارس عمله كعالم دين في تلك المنطقة.
3 ـ السيّد محمود الهاشميّ:
ابن المرحوم الحجّة السيّد علي الحسينيّ صاحب كتاب الدراسات(رحمه الله)، التحق ببحث الاُستاذ في أواخر الدورة الاُولى، واستمرّ معه في الدورة الثانية إلى قسم ممّا يسمّى بالمباحث العقليّة إلى أن هاجر إلى إيران، وحضر في تلك المدّة أبحاثه الفقهيّة أيضاً. اعتقل من قبل حزب البعث في العراق، وعذّب تعذيباً لايطاق بتهمة انتمائه إلى حزب الدعوة الإسلاميّة، ثُمَّ اُفرج عنه بعنوان البراءة من التهمة، وحظي أخيراً بإجازة الاجتهاد من قبل اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في (27 / ربيع الآخر / 1399 هـ ).
وهو اليوم يمارس نشاطه العلميّ في قم المقدّسة، ويمارس نشاطه السياسيّ ناطقاً رسميّاً للمجلس الأعلى للثورة الإسلاميّة في العراق.
$
', '', 73), (21, 74, 'book', '$
', '', 74), (21, 75, 'book', 'الأخلاق الفاضلة لاُستاذنا الشهيد(قدس سره)
لا أستطيع أن أقول شيئاً تحت هذا العنوان عدا كلمة واحدة، وهي: أنّ أخلاقه الفاضلة كانت تذكّرنا بما سجّل التأريخ عن الأنبياء والمرسلين، والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، وحكاه لنا القرآن الكريم عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) بقوله تعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم﴾وبقوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَة مِنَ اللَّه لِنْتَ لَهُمْ، وَ لَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضّوْا مِنْ حَوْلِك﴾.
وقد يتراءى للقارئ الكريم أ نّي مبالغ فيما قلت، غير أنّك تستطيع أن تستدلّ على ذلك ببعض الحكايات التي مضى ذكرها تحت عنوان (ذكريات عن حياته(قدس سره))، وكذلك بعض الحكايات التي سيأتي ذكرها ـ إن شاء الله ـ في فصل استشهاده نقلاً عن الشيخ محمّد رضا النعماني حفظه الله.
أولاده:
تزوّج(رحمه الله) إحدى بنات عمّه، وهي اُخت السيّد موسى الصدر رئيس المجلس الشيعيّ الأعلى في لبنان، ورزقهما الله تعالى خمس بنات، وابناً واحداً سمِّي بجعفر، وهو رابع الأولاد.
$
', '', 75), (21, 76, 'book', '$
', '', 76), (21, 77, 'book', 'استراتيجيّته(قدس سره) السياسيّة في العمل الإسلاميّ
إنّ الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) مرّ بأدوار عديدة في عمله الإسلاميّ، والتطوّر المشهود في أساليب عمله يرجع إلى عدّة أسباب:
1 ـ إنّ العمل المتكامل في فترة طويلة نسبيّاً يتطلّب بطبيعته المرحليّة التطوّر والتغيّر بمرور الزمن، بمعنى: أنّ ما يصحّ من العمل في مرحلة منه ربّما لايصحّ في المرحلة المسبقة، والعكس صحيح أيضاً.
2 ـ إنّ تبدّل العوامل الخارجيّة الذي ربّما لايكون من أوّل الأمر بالحسبان، يؤثّر لامحالة في طريقة العمل.
3 ـ إنّ أصل النظريّة في اُسلوب العمل قد تنضج وتتكامل وتتطوّر في ذهن الإنسان بمرور الزمان، ممّا يؤثّر في اُسلوب العمل، ويؤدّي إلى تطويره.
إنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) أسّس في أوائل شبابه حزباً إسلاميّاً باسم (حزب الدعوة الإسلاميّة)، وكان هذا في وقته تقدّماً ملحوظاً في الوعي السياسيّ بالنسبة إلى مستوى الوعي المتعارف آنئذ في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، حتّى إنّ كثيراً من المتديّنين بالتديّن الجافّ آنذاك كان يرمي من ينتمي إلى حزب إسلاميّ ـ فضلاً عمّن يؤسّس حزباً إسلاميّاً ـ بالانحراف عن خطّ الإسلام الصحيح، وبالارتباط بالاستعمار الكافر، وكلّ من كان يدّعي ضرورة إقامة الحكم الإسلاميّ كان يُتّهم بمثل هذه الاتّهامات؛ لأنّ إقامة الحكم الإسلاميّ لاتكون في نظرهم إلّا بعد ظهور الإمام صاحب الزمان عجلّ الله فرجه.
أمّا تأريخ تأسيسه(رحمه الله) لهذا الحزب، ففي شهر ربيع الأوّل من سنة (1377 هـ )، على حسب ما قاله الحاجّ محمّد صالح الأديب حفظه الله، وهو يعدّ أحد أعضاء النواة الاُولى، أو يعتبر إحدى اللبنات الأوّليّة لبناء صرح الحزب.
$
', '', 77), (21, 78, 'book', 'وقال الحاجّ محمّد صالح الأديب أيضاً: إنّ السيّد الشهيد(رحمه الله) خرج من التنظيم بعد تأسيسه إيّاه نحو أربع سنين ونصف، أو خمس سنين.
وكانت قِصّة خروجه من التنظيم على ما حدّثنا الحاجّ الأديب (حفظه الله) مايلي:
«كثر الكلام من قبل بعض المغرضين لدى المرحوم آية الله العظمى السيّد الحكيم(قدس سره)على الشهيد الصدر(رحمه الله) بحجّة تأسيسه للحزب، أخيراً جاء (حسين الصافي) ـ وهو رجل بعثيّ لئيم ـ إلى المرحوم آية الله الحكيم(قدس سره)، وقال: إنّ السيّد الصدر وآخرين ممّن ذكر أسماءهم قد أسّسوا حزباً باسم حزب الدعوة الإسلاميّة، وبهذا سيهدمون الحوزة العلميّة، وبدأ يهدّد ويتكلّم ضدّ من أسماهم مؤسّسين للحزب، فنهره آية الله العظمى السيّد الحكيم، وقال له: أفأنت أحرص على مصالح الحوزة العلميّة من السيّد الصدر؟! ثُمَّ أخرجه من بيته بذلٍّ وهوان، ثُمَّ أرسل (رضوان الله عليه) أحد أولاده إلى السيّد الصدر(رحمه الله)، وقال له عن لسان والده: إنّ دعم كلّ الوجودات الإسلاميّة والأعمال الإسلاميّة هو من شأنك، وممّا ينبغي لك أن تقوم به، أمّا أن تُحسب على جهة إسلاميّة معيّنة وحزب خاصّ، فهذا ممّا لاينبغي لمن هو مثلك في المقام العلميّ والاجتماعيّ الشامخ، والذي يجب أن يكون دعامة لكلّ الأعمال الإسلاميّة من دون التأطّر بإطار خاصّ، قال السيّد الشهيد(قدس سره) ساُفكّر وأتأمّل في الأمر.
وفي اليوم الثاني أرسل(رحمه الله) رسالة مفصّلة إلى حزب الدعوة عن طريق الحاجّ محمّد صالح الأديب، وكانت خلاصة ما هو مكتوب في الرسالة بعد التأكيد الشديد على ضرورة استمراريّة عمل حزب الدعوة الإسلاميّة والإشادة الكبيرة بذلك: أنّ آية الله الحكيم طلب منّي أن لاأكون في التنظيم، وأنا أفهم أنّ هذا رأي إلزاميّ له، وعليه فأتوقّف الآن عن الانتماء إلى التنظيم، طالباً منكم الاستمرار بجدّ في هذا العمل، وأنا أدعمكم في عملكم الإسلاميّ المبارك». انتهى ما أخذته من الحاجّ صالح الأديب حفظه الله.
وبعد ذلك مضت الأيّام والليالي إلى أن تصدّى السيّد الشهيد الصدر(رحمه الله) للمرجعيّة بالتدريج من بعد وفاة المرحوم آية الله العظمى الحكيم(قدس سره)، وطرح أخيراً فكرته عن ضرورة الفصل بين جهاز المرجعيّة الصالحة، والتنظيم الحزبيّ؛ بسبب أنّ المرجعيّة الصالحة هي القيادة الحقيقيّة للاُمّة الإسلاميّة، وليس الحزب، وإنّما الحزب يجب عليه أن
', '', 78), (21, 79, 'book', 'يكون ذراعاً من أذرع المرجعيّة، ويأتمر بأوامرها، والتشابك بين التنظيم الإسلاميّ والجهاز المرجعيّ يربك الاُمور.
وما يدرينا لعلّ الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) كان مؤمناً بهذه الفكرة منذ تأسيسه للحزب، وإن أجّل إبرازها إلى الوقت المناسب، فلم يكن هناك تناقض بين المرحلتين من عمله.
وقد أنشأ(رحمه الله) في بيته في ضمن العشرة الأخيرة من سنيّ عمره المبارك مجلساً اُسبوعيّاً كان يضمّ عِيْنَة طلّابه، وكان يتداول معهم البحث في مختلف الاُمور الاجتماعيّة والقضايا الأساسيّة، وكانت تطرح في هذه الجلسات الكثير من مشاكل المسلمين في شتّى أرجاء العالم، وكان يبرز لمن يحضر هذه الجلسات مدى تبنّي الاُستاذ الشهيد لتلبية حاجات المسلمين في كلّ مكان من البلاد الإسلاميّة وغيرها، وتفكيره الدائب في كلّ ما ينفع الإسلام والمسلمين، وتخطيطه الحكيم للحوزات العلميّة، ولملء الشواغر العلمائيّة في كلّ بلد يوجد فيه تجمّع إسلاميّ، ولإرشاد العاملين ضدّ الكفر والطاغوت في جميع البلدان، ولتنشيط الحيويّة في المسلمين جميعاً وما إلى ذلك، ولست هنا بصدد سرد الأبحاث التي كانت تدار في تلك الجلسات الاُسبوعيّة إلّا بالمقدار الراجع من تلك الأبحاث إلى ما نحن بصدده من بيان استراتيجيّته(رحمه الله) في العمل السياسيّ، وهي ثلاثة اُمور:
أوّلاً: موقفه من العمل المرحليّ المعروف عن حزب الدعوة الإسلاميّة الذي تبنّاه هو(رحمه الله) عند تأسيس الحزب.
ثانياً: اُطروحته للمرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة.
ثالثاً: رأيه في مدى صحّة اشتراك الحوزة العلميّة في الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة.
العمل المرحليّ لحزب الدعوة
أمّا الأوّل: وهو العمل المرحليّ لحزب الدعوة الإسلاميّة الذي تبنّاه هو (رضوان الله عليه) لدى تأسيسه للحزب، فالمعروف اليوم عن حزب الدعوة أنّه يؤمن بمراحل أربع للعمل:
1 ـ مرحلة تكوين الحزب وبنائه، والتغيير الفكريّ للاُمّة.
$
', '', 79), (21, 80, 'book', '2 ـ مرحلة العمل السياسيّ التي يتمّ بضمنها جلب نظر الاُمّة إلى الاُطروحة الإسلاميّة للحزب، ومواقفه السياسيّة، وتبنّيها لتلك المواقف، ودفاعها عنها.
3 ـ مرحلة استلام الحكم.
4 ـ مرحلة رعاية مصالح الإسلام والاُمّة الإسلاميّة بعد استلام الحكم.
ولكنّ الذي نقله الاُستاذ (رضوان الله عليه) في تلك المجالس الاُسبوعية لطلّابه هي المراحل الثلاث الاُولى، وهو المثبت في النشرات الأوّليّة للحزب، ولم يتعرّض للمرحلة الرابعة.
وعلى أيّة حال، فقد تناول الاُستاذ (رحمه الله) هذا العمل المرحليّ بالبحث، ولم يكن غرضه من ذلك شجب أصل كبرى المرحليّة في العمل؛ فإنّها من أوّليّات العمل الاجتماعيّ، وقد طبّقها (رضوان الله عليه) فيما كتبه عن عمل المرجعيّة الصالحة، وإنّما الذي بيّنه في بحثه عن ذلك هو النقاش في مصداق معيّن بلحاظ الانتقال من المرحلة الاُولى إلى المرحلة الثانية، وخلاصة ما قاله بهذا الصدد هي: أنّنا حينما نعيش بلداً ديمقراطيّاً يؤمن باحترام الشعب وآرائه، ولاتجابههم السلطة بالتقتيل والتشريد بلا أىّ حساب وكتاب، يكون بالإمكان افتراض حزب ما يبدأ عمله بتكوين بنية ذاتيّة بشكل سرّيّ، ثُمَّ يبدأ في مرحلة سياسيّة علنيّة، ومحاولة كسب الاُمّة إلى جانبه، وجرّها إلى تبنّي تلك المواقف السياسيّة، ولكنّ الواقع في مثل العراق ليس هكذا، ففي أىّ لحظة تحسّ السلطة الظالمة بوجود حزب إسلاميّ منظّم يعمل على وفق هذه المراحل لتحكيم الإسلام، تقتل وتشرّد وتسجن وتعذّب العاملين، وتخنق العمل في تلك البلاد قبل أن يتمّ تعاطف الاُمّة معه وتحرّكها إلى جانبه، فما لم يصادف هناك تحوّل آخر دوليّ في العالم يقلب الحسابات ليس بإمكان الحزب أن ينتقل من مرحلته الاُولى إلى المرحلة الثانية. قال(رحمه الله) هذا الكلام بحدود سنة (1392 هـ ).
والذي تحقّق بعد ذلك في واقعنا المعاش هو انتصار المرجعيّة الصالحة في إيران بقيادتها للاُمّة الإسلاميّة الخاضعة لها، ولو لاقيام الدولة المباركة في إيران بجهود الاُمّة جميعاً وبقيادة المرجعيّة الرشيدة المتمثّلة في الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ لم يكن هناك
', '', 80), (21, 81, 'book', 'معقل للإسلاميّين يلجأون إليه، ولم تكن أرض لهم ينطلقون منها في عملهم، ولكنّ الله تعالى قد منّ على العباد بهذه الدولة التي لولاها لما بقي حتّى اليوم في العراق مسجد للصلاة، أو مرقد لإمام معصوم، فضلاً عن بقاء عمل إسلاميّ منظّم فيه.
المرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة
وأمّا الثاني: فقد بحث(رحمه الله) طيلة عدّة أسابيع اُطروحة لما أسماه (بالمرجعيّة الصالحة)، ولما أسماه (بالمرجعيّة الموضوعيّة)، وأردف ذلك ببيان بعض المقترحات التي ينبغي أن تقوم بها المرجعيّة الصالحة، وبعد انتهائه عن هذا البحث أمرني بكتابة كلّ ما جرى فيه، فامتثلت أمره، وكتبت ما تلخّص في تلك الأبحاث، فأخذه الاُستاذ(رحمه الله)، وأعاد هو بصياغته الخاصّة كتابة أبحاث المرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة، ولكن لم يكتب المقترحات التي كان قد أردف البحث بها.
ونحن هنا نتعرّض أوّلاً لذكر ما كتبه بقلمه الشريف في ترسيم وضع المرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة مع تغيير يسير لفظيّ كوضع بعض العناوين الجانبيّة في الأثناء، ثُمَّ نتعرّض لخلاصة المقترحات التي كان قد أردف البحث بها، ولم يكتبها:
أمّا ما كتبه بقلمه الشريف، فهو ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ أهمّ ما يميّز المرجعيّة الصالحة تبنّيها للأهداف الحقيقيّة التي يجب أن تسير المرجعيّة في سبيل تحقيقها لخدمة الإسلام، وامتلاكها صورة واضحة محدّدة لهذه الأهداف، فهي مرجعيّة هادفة بوضوح ووعي تتصرّف دائماً على أساس تلك الأهداف بدلاً من أن تمارس تصرّفات عشوائيّة، وبروح تجزيئيّة، وبدافع من ضغط الحاجات الجزئيّة المتجدّدة.
وعلى هذا الأساس كان المرجع الصالح قادراً على عطاء جديد في خدمة الإسلام، وإيجاد تغيير أفضل لصالح الإسلام في كلّ الأوضاع التي يمتدّ إليها تأثيره ونفوذه.
$
', '', 81), (21, 82, 'book', 'أهداف المرجعيّة الصالحة:
ويمكن تلخيص أهداف المرجعيّة الصالحة رغم ترابطها وتوحّد روحها العامّة في خمس نقاط:
1 ـ نشر أحكام الإسلام على أوسع مدىً ممكن بين المسلمين، والعمل لتربية كلّ فرد منهم تربية دينيّة تضمن التزامه بتلك الأحكام في سلوكه الشخصيّ.
2 ـ إيجاد تيّار فكريّ واسع في الاُمّة يشتمل على المفاهيم الإسلاميّة الواعية، من قبيل المفهوم الأساسيّ الذي يؤكّد أنّ الإسلام نظام كامل شامل لشتّى جوانب الحياة، واتّخاذ ما يمكن من أساليب لتركيز تلك المفاهيم.
3 ـ إشباع الحاجات الفكريّة الإسلاميّة للعمل الإسلاميّ، وذلك عن طريق إيجاد البحوث الإسلاميّة الكافية في مختلف المجالات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمقارنات الفكريّة بين الإسلام وبقيّة المذاهب الاجتماعيّة، وتوسيع نطاق الفقه الإسلاميّ على نحو يجعله قادراً على مدّ كلّ جوانب الحياة بالتشريع، وتصعيد الحوزة ككلٍّ إلى مستوى هذه المهامّ الكبيرة.
4 ـ القيمومة على العمل الإسلاميّ، والإشراف على ما يعطيه العاملون في سبيل الإسلام في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ: من مفاهيم، وتأييد ما هو حقّ منها، وإسناده وتصحيح ما هو خطأ.
5 ـ إعطاء مراكز العالميّة من المرجع إلى أدنى مراتب العلماء الصفة القياديّة للاُمّة بتبنّي مصالحها، والاهتمام بقضايا الناس ورعايتها، واحتضان العاملين في سبيل الإسلام.
ووضوح هذه الأهداف للمرجعيّة وتبنّيها وإن كان هو الذي يحدّد صلاح المرجعيّة، ويحدث تغييراً كبيراً في سياستها العامّة، ونظراتها إلى الاُمور، وطبيعة تعاملها مع الاُمّة، ولكن لايكفي مجرّد وضع هذه الأهداف ووضوح إدراكها لضمان الحصول على أكبر قدر ممكن من مكاسب المرجعيّة الصالحة؛ لأنّ الحصول على ذلك يتوقّف ـ إضافة إلى صلاح المرجع ووعيه واستهدافه ـ على عمل مسبق على قيام المرجعيّة الصالحة من ناحية، وعلى إدخال تطويرات على اُسلوب المرجعيّة ووضعها العمليّ من ناحية اُخرى.
$
', '', 82), (21, 83, 'book', 'أمّا فكرة العمل المسبق على قيام المرجعيّة الصالحة، فهي تعني: أنّ بداية نشوء مرجعيّة صالحة تحمل الأهداف الآنفة الذكر تتطلّب وجود قاعدة قد آمنت بشكل وآخر بهذه الأهداف في داخل الحوزة وفي الاُمّة، وإعدادها فكريّاً وروحيّاً للمساهمة في خدمة الإسلام وبناء المرجعيّة الصالحة؛ إذ ما لم توجد قاعدة من هذا القبيل تشارك المرجع الصالح في أفكاره وتصوّراته، وتنظر إلى الاُمور من خلال معطيات تربية ذلك الإنسان الصالح لها، يصبح وجود المرجع الصالح وحده غير كاف لإيجاد المرجعيّة الصالحة حقّاً، وتحقيق أهدافها في النطاق الواسع.
وبهذا كان لزاماً على من يفكّر في قيادة تطوير المرجعيّة إلى مرجعيّة صالحة أن يمارس هذا العمل المسبق بدرجة ما، وعدم ممارسته هو الذي جعل جملة من العلماء الصالحين ـ بالرغم من صلاحهم ـ يشعرون عند تسلّم المرجعيّة بالعجز الكامل عن التغيير؛ لأنّهم لم يمارسوا هذا العمل المسبق، ولم يحدّدوا مسبقاً الأهداف الرشيدة للمرجعيّة والقاعدة التي تؤمن بتلك الأهداف.
تطوير اُسلوب المرجعيّة:
وأمّا فكرة تطوير اُسلوب المرجعيّة وواقعها العمليّ، فهي تستهدف:
أوّلاً: إيجاد جهاز عمليّ تخطيطيّ وتنفيذيّ للمرجعيّة يقوم على أساس الكفاءة، والتخصّص، وتقسيم العمل، واستيعاب كلّ مجالات العمل المرجعيّ الرشيد في ضوء الأهداف المحدّدة.
ويقوم هذا الجهاز بالعمل بدلاً من الحاشية التي تعبّر عن جهاز عفويّ مرتجل يتكوّن من أشخاص جمعتهم الصدف والظروف الطبيعيّة؛ لتغطية الحاجات الآنيّة بذهنيّة تجزيئيّة وبدون أهداف محدّدة واضحة.
ويشتمل هذا الجهاز على لجان متعدّدة تتكامل وتنمو بالتدريج إلى أن تستوعب كلّ إمكانات العمل المرجعيّ. ويمكن أن نذكر اللجان التالية كصورة مُثلى وهدف أعلى ينبغي أن يصل إليه الجهاز العمليّ للمرجعيّة الصالحة في تطوّره وتكامله:
1 ـ لجنة أو لجان لتسيير الوضع الدراسيّ في الحوزة العلميّة، وهي تمارس تنظيم
', '', 83), (21, 84, 'book', 'دراسة ما قبل (الخارج)، والإشراف على دراسات الخارج، وتحدّد الموادّ الدراسيّة، وتضع الكتب الدراسيّة، وتجعل بالتدريج الدراسة الحوزويّة بالمستوى الذي يتيح للحوزة المساهمة في تحقيق أهداف المرجعيّة الصالحة، وتستحصل معلومات عن الانتسابات الجغرافيّة للطلبة، وتسعى في تكميل الفراغات وتنمية العدد.
2 ـ لجنة للإنتاج العلميّ، ووظائفها إيجاد دوائر علميّة لممارسة البحوث، ومتابعة سيرها، والإشراف على الإنتاج الحوزويّ الصالح وتشجيعه، ومتابعة الفكر العالميّ بما يتّصل بالإسلام، والتوافر على إصدار شيء كمجلّة أو غيرها، والتفكير في جلب العناصر الكفوءة إلى الحوزة، أو التعاون معها إذا كانت في الخارج.
3 ـ لجنة أو لجان مسؤولة عن شؤون علماء المناطق المرتبطة، وضبط أسمائهم وأماكنهم ووكالاتهم، وتتبّع سيرهم وسلوكهم واتّصالاتهم، والاطّلاع على النقائص والحاجات والفراغات، وكتابة تقرير إجماليّ في وقت رتيب أو عند طلب المرجع.
4 ـ لجنة الاتّصالات، وهي تسعى لإيجاد صلات بالمرجعيّة في المناطق التي لم تتّصل بالمركز، ويدخل في مسؤوليّتها إحصاء المناطق، ودراسة إمكانات الاتّصال بها، وإيجاد سفرة تفقّديّة إمّا على مستوى تمثيل المرجع أو على مستوى آخر، وترشيح المناطق التي أصبحت مستعدّة لتقبّل العالم، وتولّي متابعة السير بعد ذلك، ويدخل في صلاحيّتها الاتّصال في الحدود الصحيحة مع المفكّرين والعلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ، وتزويدهم بالكتب، والاستفادة من المناسبات كفرصة الحجّ.
5 ـ لجنة رعاية العمل الإسلاميّ والتعرّف على مصاديقه في العالم الإسلاميّ، وتكوين فكرة عن كلّ مصداق، وبذل النصح والمعونة عند الحاجة.
6 ـ اللجنة الماليّة التي تعني بتسجيل المال وضبط موارده، وإيجاد وكلاء ماليِّين، والسعي في تنمية الموارد الطبيعيّة لبيت المال، وتسديد المصارف اللازمة للجهاز مع التسجيل والضبط.
ولا شكّ في أنّ بلوغ الجهاز إلى هذا المستوى من الاتّساع والتخصّص يتوقّف على تطوّر طويل الأمد، ومن الطبيعيّ أن يبدأ الجهاز محدوداً وبدون تخصّصات حدّية تبعاً لضيق نطاق المرجعيّة، وعدم وجود التدريب الكافي.
$
', '', 84), (21, 85, 'book', 'والممارسة والتطبيق هو الذي يبلور القابليات من خلال العمل، ويساعد على التوسيع والتخصّص.
وثانياً: إيجاد امتداد اُفقيّ حقيقيّ للمرجعيّة يجعل منها محوراً قويّاً تنصبّ فيه قوى كلّ ممثّلي المرجعيّة والمنتسبين إليها في العالم؛ لأنّ المرجعيّة حينما تتبنّى أهدافاً كبيرةً، وتمارس عملاً تغييريّاً واعياً في الاُمّة لابدّ أن تستقطب أكبر قدر ممكن من النفوذ؛ لتستعين به في ذلك، وتفرض بالتدريج وبشكل وآخر السير في طريق تلك الأهداف على كلّ ممثّليها في العالم.
وبالرغم من انتساب كلّ علماء الشيعة تقريباً إلى المرجع في الواقع المعاش يلاحظ بوضوح أنّه في أكثر الأحيان انتساب نظريّ وشكليّ لايخلق المحور المطلوب كما هو واضح.
وعلاج ذلك يتمّ عن طريق تطوير شكل الممارسة للعمل المرجعيّ، فالمرجع تأريخيّاً يمارس عمله المرجعيَّ كلّه ممارسة فرديّة؛ ولهذا لاتشعر كلّ القوى المنتسبة إليه بالمشاركة الحقيقيّة معه في المسؤوليّة، والتضامن الجادّ معه في المواقف، وأمّا إذا مارس المرجع عمله من خلال مجلس يضمّ علماء الشيعة والقوى الممثّلة له دينيّاً، وربط المرجع نفسه بهذا المجلس، فسوف يكون العمل المرجعيّ موضوعيّاً، وإن كانت المرجعيّة نفسها بوصفها نيابة عن الإمام قائمة بشخص المرجع، غير أنّ هذه النيابة القائمة بشخصه لم تُحدّد له اُسلوب الممارسة، وإنّما يتحدّد هذا الاُسلوب في ضوء الأهداف والمصالح العامّة.
وبهذا الاُسلوب الموضوعيّ من الممارسة يصون المرجع عمله المرجعيّ من التأثّر بانفعالات شخصه، ويعطي له بعداً وامتداداً واقعيّاً كبيراً؛ إذ يشعر كلّ ممثّلي المرجع بالتضامن والمشاركة في تحمّل مسؤوليّات العمل المرجعيّ وتنفيذ سياسة المرجعيّة الصالحة التي تقرّر من خلال ذلك المجلس. وسوف يضمّ هذا المجلس تلك اللجان التي يتكوّن منها الجهاز العمليّ للمرجعيّة، وبهذا تلتقي النقطة السابقة بهذه النقطة.
ولئن كان في اُسلوب الممارسة الفرديّة للعمل المرجعيّ بعض المزايا ـ كسرعة
', '', 85), (21, 86, 'book', 'التحرّك، وضمان درجة أكبر من الضبط، والحفظ، وعدم تسرّب عناصر غير واعية إلى مستوى التخطيط للعمل المرجعيّ ـ فإنّ مزايا الاُسلوب الآخر أكبر وأهمّ.
ونحن نطلق على المرجعيّة ذات الاُسلوب الفرديّ في الممارسة اسم المرجعيّة الذاتيّة، وعلى المرجعيّة ذات الاُسلوب المشترك والموضوعيّ في الممارسة اسم المرجعيّة الموضوعيّة.
وهكذا يظهر أنّ الفرق بين المرجعيّة الذاتيّة والمرجعيّة الموضوعيّة ليس في تعيين شخص المرجع الشرعيّ الواقعيّ؛ فإنّ شخص المرجع دائماً هو نائب الإمام، ونائب الإمام هو المجتهد المطلق العادل الأعلم الخبير بمتطلّبات النيابة، وهذا يعني: أنّ المرجعيّة من حيث مركز النيابة للإمام ذاتيّة دائماً، وإنّما الفرق بين المرجعيّتين في اُسلوب الممارسة.
وثالثاً: امتداداً زمنيّاً للمرجعيّة الصالحة لاتتّسع له حياة الفرد الواحد.
فلابدّ من ضمان نسبيّ لتسلسل المرجعيّة في الإنسان الصالح المؤمن بأهداف المرجعيّة الصالحة؛ لئلّا ينتكس العمل بانتقال المرجعيّة إلى من لايؤمن بأهدافها الواعية، ولابدّ ـ أيضاً ـ من أن يُهيَّأ المجال للمرجع الصالح الجديد؛ ليبدأ ممارسة مسؤوليّاته من حيث انتهى المرجع العامّ السابق، بدلاً من أن يبدأ من الصفر، ويتحمّل مشاقّ هذه البداية وما تتطلّبه من جهود جانبيّة، وبهذا يتاح للمرجعيّة الاحتفاظ بهذه الجهود للأهداف، وممارسة ألوان من التخطيط الطويل المدى.
ويتمّ ذلك عن طريق شكل المرجعيّة الموضوعيّة؛ إذ في إطار المرجعيّة الموضوعيّة لايوجد المرجع فقط، بل يوجد المرجع كذات، ويوجد الموضوع، وهو المجلس بما يضمّ من جهاز يمارس العمل المرجعيّ الرشيد، وشخص المرجع هو العنصر الذي يموت، وأمّا الموضوع فهو ثابت، ويكون ضماناً نسبيّاً إلى درجة معقولة بترشيح المرجع الصالح في حالة خلوّ المركز، وللمجلس وللجهاز ـ بحكم ممارسته للعمل المرجعيّ، ونفوذه وصلاته، وثقة الاُمّة به ـ القدرة دائماً على إسناد مرشّحه، وكسب ثقة الاُمّة إلى جانبه.
وهكذا تلتقي النقطتان السابقتان مع هذه النقطة في طريقة الحلّ.
$
', '', 86), (21, 87, 'book', 'مراحل المرجعيّة الصالحة:
وللمرجعيّة الصالحة ثلاث مراحل:
1 ـ مرحلة ما قبل التصدّي الرسميّ للمرجعيّة المتمثّل بطبع رسالة عمليّة، وتدخل في هذه المرحلة ـ أيضاً ـ فترة ما قبل المرجعيّة إطلاقاً.
2 ـ مرحلة التصدّي بطبع الرسالة العمليّة.
3 ـ مرحلة المرجعيّة العليا المسيطرة على الموقف الدينيّ.
وأهداف المرجعيّة الصالحة ثابتة في المراحل الثلاث، وفي المرحلة الاُولى يتمّ إنجاز العمل المسبق الذي أشرنا سابقاً إلى ضرورته؛ لقيام المرجعيّة الصالحة.
وطبيعة هذه المرحلة تفرض أن تمارس المرجعيّة ممارسة أقرب إلى الفرديّة بحكم كونها غير رسميّة، ومحدودة في قدرتها، وكون الأفراد في بداية التطبيق والممارسة للعمل المرجعيّ، فالمرجعيّة في هذه المرحلة ذاتيّة، وإن كانت تضع في نفس الوقت بذور التطوير إلى شكل المرجعيّة الموضوعيّة عن طريق تكوين أجهزة استشاريّة محدودة، ونوع من التخصّص في بعض الأعمال المرجعيّة.
وأمّا في المرحلة الثانية، فيبدأ عمليّاً تطوير الشكل الذاتيّ إلى الشكل الموضوعيّ، لكن لا عن طريق الإعلان عن اُطروحة المرجعيّة الموضوعيّة بكاملها، ووضعها موضع التنفيذ في حدود المستجيبين؛ لأنّ هذا وإن كان يولّد زخماً تأييديّاً في صفوف بعض الراشدين في التفكير، ولكنّه من ناحية يفصل المرجعيّة الصالحة عن عدد كبير من القوى والأشخاص غير المستعدّين للتجاوب في هذه المرحلة، ومن ناحية اُخرى يضطرّها إلى الاستعانة بما هو الميسور في تقديم صيغة المرجعيّة الموضوعيّة، وهذا الميسور لايكفي كمّاً ولاكيفاً لملء حاجة المرجعيّة الموضوعيّة.
بل الطريق الطبيعيّ في البدء بتحقيق المرجعيّة الموضوعيّة ممارسةُ المرجعيّة الصالحة لأهدافها ورسالتها عن طريق لجان وتشكيلات متعدّدة بقدر ما تفرضه بالتدريج حاجات العمل الموضوعيّة، وقدرات المرجعيّة البشريّة والاجتماعيّة، ويربط بالتدريج بين تلك اللجان والتشكيلات، ويوسّع منها حتّى تتمخّض في نهاية الشوط عن تنظيم كامل شامل للجهاز المرجعيّ.
$
', '', 87), (21, 88, 'book', 'ويتأثّر سير العمل في تطوير اُسلوب المرجعيّة وجعلها موضوعيّة بعدّة عوامل في حياة الاُمّة: فكريّة وسياسيّة، وبنوعيّة القوى المعاصرة في الحوزة للمرجعيّة الموضوعيّة، ومدى وجودها في الاُمّة، ومدى علاقتها طرداً أو عكساً بأفكار المرجعيّة الصالحة، ولابدّ من أخذ كلّ هذه العوامل بعين الاعتبار والتحفّظ من خلال مواصلة عمليّة التطوير المرجعيّ عن تعريض المرجعيّة ذاتها لانتكاسة تقضي عليها، إلّا إذا لوحظ وجود مكسب كبير في المحاولة ولو باعتبارها تمهيداً لمحاولة اُخرى ناجحة يفوق الخسارة التي تترتّب على تفتّت المرجعيّة الصالحة التي تمارس تلك المحاولة.
انتهى ما جرى على قلم اُستاذنا الشهيد لترسيم وضع المرجعيّة الصالحة والمرجعيّة الموضوعيّة، وقد طبع هذا البحث أكثر من مرّة، إحداها ما جاء في مجلّة صوت الاُمّة العدد الخامس للسنة الاُولى.
أمّا المقترحات التي كان قد أردف البحث بها ولم يكتبها، فنحن هنا نتعرّض لخلاصة من تلك المقترحات، وهي ما يلي:
1 ـ اقتراح إنشاء حوزات علميّة فرعيّة في المناطق التي تساعد على ذلك، ترفد بها الحوزة العلميّة الاُمّ.
2 ـ اقتراح إيجاد علماء في الفقه والاُصول والمفاهيم الإسلاميّة في سائر أصناف الناس، فليكن لنا في ضمن الأطبّاء علماء، وفي ضمن المهندسين علماء، وما إلى ذلك من الأصناف، ولا يشترط في هؤلاء العلماء التخصّص والاجتهاد في الفقه والاُصول، ويكون كلّ من هؤلاء مصدر إشعاع في صنفه، يبثّ العلم والمعرفة وفهم الأحكام الشرعيّة والمفاهيم الإسلاميّة فيما بينهم(1).
$
', '(1) قال الشيخ محمّدرضا النعمانىّ حفظه الله: «وقد بدأ السيّد الشهيد بتنفيذ هذه الفكرة ولو بشكل متواضع حين كبرت مرجعيّته وامتدّت؛ إذ بدأ يشجّع عدداً من الأطباء والمهندسين والأساتذة على دراسة الفقه والاُصول والمنطق وكافّة الموادّ الدراسيّة المقرّرة والمتعارفة فى الحوزة العلميّة، وبنفس الوقت شجّع بعضهم على الانخراط فى الحوزة العلميّة، وترك تخصّصاتهم السابقة، وكان السيّد الشهيد يستهدف من تشجيع بعضهم على الانخراط فى الحوزة العلميّة ما يلى:
1 ـ الإسراع فى تربية علماء يملكون ثقافة عصريّة إلى جانب ثقافتهم الحوزويّة.
2 ـ الارتفاع بالمستوى الاجتماعيّ للحوزة العلميّة؛ إذ إنّ وجود عناصر ذات مستوىً رفيع فى نظر المجتمع كالأطبّاء والمهندسين سوف يغيّر من نظرة اُولئك الذين يحملون انطباعاً سلبيّاً عن الحوزة العلميّة».
', 88), (21, 89, 'book', '
3 ـ ربط الجانب الماليّ للعلماء والوكلاء في الأطراف بالمرجعيّة الصالحة، فلايعيش الوكيل على ما تدرّ عليه المنطقة من الحقوق الشرعيّة، بل يسلّم الحقوق كاملة إلى المرجعيّة، وتموّله المرجعيّة ليس بالشكل المتعارف في بعض الأوساط من إعطاء نسبة مئويّة من تلك الأموال كالثلث أو الربع، ممّا يجعل علاقة الوكيل بالمرجعيّة سنخ علاقة عامل المضاربة بصاحب رأس المال، بل بالشكل الذي يغطي مصاريف الوكيل عن طريق عطاءَين من قبل المرجعيّة:
الأوّل: راتب شهريّ مقطوع يكفل له قدراً معقولاً من حاجاته الضروريّة.
والثاني: عطاء مرن وغير محدّد يختلف من شهر إلى شهر، وربّما لايعطى في بعض الأشهر، وقد يضاعف أضعافاً مضاعفةً في بعض الأشهر، ويكون المؤثّر في تقليل وتكثير هذا العطاء عدّة اُمور:
أحدها: احتياجاته بما هو إنسان، أو بما هو عالم في المنطقة؛ فإنّها تختلف من شهر إلى شهر.
والثاني: مقدار ما يقدّمه للمرجعيّة من أموال وحقوق شرعيّة.
والثالث: مقدار ما يقدّمه للمنطقة من أتعاب وجهود.
والرابع: مقدار ما ينتج في تلك المنطقة من نصر للإسلام.
هذه الاُمور الأربعة قد تؤثّر ـ أيضاً ـ في تحديد مقدار العطاء المتمثِّل في الراتب المقطوع(1).
4 ـ دعم المرجعيّة الصالحة لمكتب صالح ونظيف من بين المكاتب، وهي التي كانت تسمّى في النجف (بالبرّانيّات)، بحيث يصبح ما يصدر عن ذاك المكتب ممثّلاً في نظر
', '(1)قال الشيخ محمّدرضا النعمانىّ حفظه الله: «وفعلاً فقد نفّذ شهيدنا العظيم هذه الفكرة، ولم تبقَ مجرّد فكرة، فبعد أن تحسّن الوضع المالىّ للمرجعيّة بدأ السيّد الشهيد بإعطاء رواتب لوكلائه ولو بشكل محدود، وقد كانت لتنفيذ هذه الفكرة آثار إيجابيّة عظيمة، يمكن تلخيصها بما يلى:
1 ـ استقلال العالم استقلالاً تامّاً، فهو لم يعد بحاجة إلى محاباة أصحاب الأموال الذين كانوا قد يحوّلون العالم إلى أداة بأيديهم، وأصبح العالم ينفّذ إرادة المرجعيّة وما تتطلّبه مصلحة الإسلام.
2 ـ بدأ الكثير من المدن والمناطق تطالب المرجعيّة بعالم يقيم لديها؛ إذ إنّ العقبة التى كانت تقف أمامهم هو الفقر والحاجة الماليّة لكثير من أهالى هذه المناطق؛ إذ لم تكن لديهم القدرة الماليّة على تغطية شؤون العالم الدينيّة، ومن الواضح للجميع الآثار السلبيّة التى تترتّب على عدم وجود ممثِّل للمرجعيّة فى المدن والمناطق».
', 89), (21, 90, 'book', '
الناس بدرجة ضعيفة لرأي المرجعيّة، وفائدة ذلك: أنّ المرجعيّة الصالحة قد تريد أن تنشر فكرة سياسيّة أو اجتماعيّة أو غير ذلك من دون أن تتبنّاها مباشرة؛ لمصلحة في عدم التبنّي المباشر، أو تريد أن تفاوض السلطة في أمر من الاُمور بشكل غير مباشر، فذاك المكتب يتبنّى أمثال هذه الاُمور.
الحوزة العلميّة والتحزّب
وأمّا الثالث: وهو رأيه في مدى صحّة اشتراك الحوزة العلميّة في الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة، فقد رسم (رضوان الله عليه) في تلك الأبحاث الاُسبوعيّة خطوطاً ثلاثة، ذكر أنّ اثنين منها خطّان ثابتان، وواحداً منها خطّ متحرّك:
الخطّ الأوّل: ضرورة الفصل بين جهاز المرجعيّة الصالحة والعمل الحزبيّ.
والخطّ الثاني: عدم البأس باشتراك طلّاب الحوزة العلميّة غير المرتبطين بجهاز المرجعيّة الصالحة في العمل الحزبيّ الإسلاميّ.
وهذان خطّان ثابتان.
والخطّ الثالث: ـ وهو ما أسماه بالخطّ المتحرّك ـ أنّ من كان عضواً في جهاز المرجعيّة الصالحة وهو في نفس الوقت عضو في حزب الدعوة الإسلاميّة، ويكون انسحابه من صفوف الحزب مؤدّياً إلى إرباك الوضع في داخل الحزب، يبقى محتفظاً بارتباطه بالحزب إلى حينما يرى أنّ انفصاله لايؤدّي إلى مثل هذا الارتباك، فعندئذ ينفصل عن الحزب.
وكان تأريخ تحديده (رحمه الله) لهذه الخطوط الثلاثة بحدود أوائل سنة (1393 هـ ).
وبعد هذا حينما اعتقلت السلطة الكافرة في العراق ثلّةً من العلماء الأعلام، وثلّةً من المؤمنين الكرام، وكان في ضمنهم الشهداء الخمسة الشيخ عارف وصحبه، وكان في ضمنهم ـ أيضاً ـ السيّد الهاشميّ، وكنت أنا وقتئذ في إيران، وأفرجت السلطة بعد ذلك عن جماعة منهم السيّد الهاشميّ، وبقي جماعة آخرون في الاحتجاز، أصدر الاُستاذ الشهيد(رحمه الله)كلمته المعروفة التي ذكر فيها فصل الحوزة العلميّة كاملة عن العمل الحزبيّ،
', '', 90), (21, 91, 'book', 'وكان هذا بتأريخ (10 / شعبان / 1394 هـ ).
وكتبت ـ بعدئذ ـ رسالةً إلى اُستاذنا الشهيد أستفسره فيها عمّا هو المقصود الواقعيّ بهذه الكلمة، فذكرت له: أنّ المحتملات عندي أربعة:
1 ـ أن يكون المقصود بهذه الكلمة: لحاظ مصلحة في أصل ذِكرها ونشرها كتقيّة (وعلى حسب تعبير علماء الاُصول تكون المصلحة في الجعل).
2 ـ أن يكون المقصود بهذه الكلمة: اُولئك العلماء والطلّاب المرتبطون بمرجعيّتكم، وإن اقتضت المصلحة إبرازها على شكل العموم.
3 ـ أن يكون المقصود بهذه الكلمة: فصل طلّاب الحوزة العلميّة في العراق عن العمل الحزبيّ درءاً للخطر البعثيّ الخبيث عنهم، الذي يؤدّي إلى إبادتهم.
4 ـ أن يكون المقصود بها: فصل جميع الحوزات العلميّة في كلّ زمان ومكان عن العمل الحزبيّ الإسلاميّ (وعلى حسب تعبير الاُصوليّين: تكون القضيّة قضيّة حقيقيّة، وليست خارجيّة). وعلى الاحتمال الأخير يكون تعليقي على هذه الكلمة: أنّ هذا الإجراء سيؤدّي في طول الخطّ إلى انحراف الحركة الإسلاميّة الحزبيّة عن مسار الإسلام الصحيح نتيجة ابتعادهم في أجوائهم الحزبيّة عن العلماء الأعلام.
فكتب لي (رضوان الله عليه) في الجواب: أ نّي قصدت المعنى الأوّل والثاني والثالث، دون الرابع.
وكان هذا كلّه قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.
أمّا بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، فقد عزم الاُستاذ الشهيد (رحمه الله) على تصعيد معارضته لحكومة البعث في العراق، ونزوله إلى الميدان بشكل سافر نسبيّاً، وبهذا لم يبقَ مورد لمسألة الاهتمام بدرء الخطر البعثيّ الذي كان أحد ملاكات تلك الكلمة (أعني: فصل الحوزة العلميّة عن العمل الحزبيّ)؛ فإنّ الحوزة العلميّة الواعية ستقع لامحالة وجهاً لوجه أمام السلطة الجائرة، والخطر محدق على أىّ حال. وفي هذا التأريخ جاء السيّد الهاشميّ ـ حفظه الله ـ إلى إيران، وأخبرني بأنّ السيّد الاُستاذ بعث على أحد الوجوه البارزة آنئذ لحزب الدعوة الإسلاميّة، وقال له فيما قال: إنّ كلمتي التي أصدرتها في انفصال الحوزة عن العمل الحزبيّ قد انتهى أمدها.
$
', '', 91), (21, 92, 'book', 'أقول: إنّي لاأفهم من هذا الكلام انتهاء أمد هذه الكلمة بالقياس إلى جهاز المرجعيّة الصالحة المفروض فيها أن تكون فوق الحركات والأحزاب، وتكون في موقع الاُبوّة والقيادة للاُمّة بجميع أجنحتها وأفرادها، وإنّما أفهم منه انتهاء أمد هذه الكلمة باعتبار المعنى الثالث من المعاني الثلاثة التي قصدها بها.
أساس الحكم
أمّا رأي الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) في أساس الحكومة الإسلاميّة في زمان غيبة المعصوم، فقد مرّ ـ أيضاً ـ بمراحل عديدة، فحينما أسّس حزب الدعوة الإسلاميّة كان يرى أنّ أساس الحكومة الإسلاميّة في زمن الغيبة هي الشورى، وهذا ما أثبته فيما كتبه لحزب الدعوة باسم (الاُسُس)، مستدلّاً بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وبعد ذلك ترك هذا الرأي، وقال أخيراً بمبدأ ولاية الفقيه تمسّكاً بالتوقيع المعروف عن الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم»، وقد انعكس هذا الرأي في رسالتيه العمليّتين: (الفتاوى الواضحة، والتعليق على منهاج الصالحين).
وقد بحثنا هذين المبدأين، وهما: مبدأ الشورى، ومبدأ ولاية الفقيه في كتابنا (أساس الحكومة الإسلاميّة) بتفصيل.
وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران عدّل (رحمه الله) رأيه في أساس الحكومة في زمن الغيبة، فقال بما يكون مزيجاً من الشورى وولاية الفقيه، على ما هو منعكس في بعض حلقات ما نشر عنه باسم (الإسلام يقود الحياة)، وقد بحثناه مفصّلاً في آخر كتابنا الذي كتبناه في بحث اللُّقَطة.
$
', '', 92), (21, 93, 'book', 'اعـتـقالاتـه(قدس سره)
اعتقل (رضوان الله عليه) بسبب ظلم البعث الكافر الحاقد على الدين المسيطر على العراق أربع مرّات:
الاعتقال الأوّل
اعتقل في سنة (1392 هـ )، وكان ذلك ـ في الظنّ الغالب ـ في شهر رجب، أو في أواخر جمادى الآخرة، والقِصّة كما يلي:
ذكر (رضوان الله عليه) ذات يوم أنّه بلغني خبر يقول: إنّ البعثيّين سيعتقلونني في هذه الليلة، وفي صبيحة تلك الليلة عرفنا أنّه لم يقع شيء من هذا القبيل.
وفي الليلة الثانية ابتلي صدفةً بالتسمّم أو ما يشبهه، ممّا كان يحتمل أداؤه إلى الموت، فطلب إيصاله إلى المستشفى، وكنت أنا والمرحوم السيّد عبد الغنيّ(رحمه الله) بخدمته، ولا أذكر ما إذا كان شخص آخر ـ أيضاً ـ معنا أو لا، فأخذناه إلى مستشفى النجف، وبعد فترة من الزمن جاءت زوجته اُمّ جعفر واُخته بنت الهدى إلى المستشفى لعيادته، ثُمَّ رجعتا إلى البيت، ورجعت أنا ـ أيضاً ـ إلى بيتي، وبقي معه في المستشفى المرحوم السيّد عبدالغنيّ الأردبيليّ(رحمه الله)، واطّلعنا بعد ذلك على أنّ الأمن العراقيّ طوّق في تلك الليلة بيت الاُستاذ، واقتحم البيت لغرض اعتقاله، فقال لهم الخادم (وكان خادمه وقتئذ محمّدعلي المحقّق): إنّ السيّد غير موجود، ولا أعلم أين ذهب السيّد.
فبدؤوا بضرب الخادم؛ ليعترف لهم بمكان السيّد، إلّا أنّه أبى وأصرّ على إنكاره برغم علمه بمكان السيّد، وجاءت اُختة (بنت الهدى)، وقالت لهم:
$
', '', 93), (21, 94, 'book', 'إنّ السيّد مريض، وقد انتقل إلى مستشفى النجف، فانتقل الأمن إلى مستشفى النجف، وطوّقوا المستشفى، وطالبوا المشرفين على المستشفى بتسليم السيّد، فقالوا لهم: إنّ السيّد مريض وحالته خطرة، وإذا أردتم نقله فنحن لانتحمّل مسؤوليّة ذلك إذا ما مات بأيديكم، وأخيراً وقع الاتّفاق على أن ينقل السيّد تحت إشراف الأمن إلى مستشفى الكوفة، على أن يكون معه المرحوم السيّد عبدالغنيّ الأردبيليّ بعنوان مرافق المريض، وهكذا كان، فقد نقلوا السيّد الاُستاذ إلى مستشفى الكوفة، ووضعوه في ردهة المعتقلين، وعند الصباح ذهب السيّد محمّد الغرويّ إلى مستشفى الكوفة؛ كي يطّلع على حال السيّد الاُستاذ، فالتقى بالمرحوم السيّد عبدالغنيّ(رحمه الله)، فقال له: إنّ الأمن قد وضعوا قيد الحديد على يده الكريمة، فأخبرني السيّد الغرويّ بذلك، فذهبت أنا إلى بيت السيّد الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ حيث كان ـ وقتئذ ـ يعيش في النجف الأشرف، وتشرّفت بلقائه، وحكيت له القِصّة.
ثُمَّ كثرت في صبيحة ذاك اليوم مراجعة الناس ـ بالخصوص طلّاب العلوم الدينيّة والعلماء العظام، أمثال المرحوم آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين، والمرحوم الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر ـ إلى مستشفى الكوفة يطالبون بلقاء السيّد، والجلاوزة يمنعونهم عن ذلك، ودخل البعض على السيّد برغم منع الجلاوزة، وكاد أن يستفحل الاضطراب في وضع الناس، فخشيت الحكومة من نتائج الأمر، فرفعت القيد عن يد السيّد، وبعد فترة وجيزة أطلقت سراح السيّد الاُستاذ، ووضع في القسم العادي (غير ردهة المعتقلين) في مستشفى الكوفة، وبعد ذلك رجع إلى مستشفى النجف، وبعد أن تحسّنت حالته الصحيّة رجع إلى البيت، وازدادت زيارة الناس والوفود إليه، واستمرّ الأمر بهذا الوضع إلى أيّام شهادة الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، حيث أقام السيّد الشهيد في بيته مأتماً للإمام الكاظم(عليه السلام)كعادته في كلّ سنة، وكان المجلس يغصّ بأهله، وكان الخطيب في ذاك المأتم السيّد جواد شبّر. وكان يقول السيّد الاُستاذ(رحمه الله): إنّ هذا الاعتقال قد أثّر في انشداد الاُمّة إلينا أكثر من ذي قبل، وتصاعد تعاطفها معنا.
وكان المفهوم لدينا ـ وقتئذ ـ أن مرض السيّد (رحمه الله) كان رحمةً وسبباً في تأخير تنفيذ ما يريده البعثيّون من أخذه معتقلاً إلى بغداد، إلى أن اشتهرت القِصّة، وضجّ الناس، واضطرّت الحكومة إلى إطلاق سراحه من دون الذهاب به إلى بغداد.
$
', '', 94), (21, 95, 'book', 'الاعتقال الثاني
اعتقل(رحمه الله) سنة (1397 هـ )، في شهر صفر، في أعقاب انتفاضة الأربعين، وكنت أنا ـ وقتئذ ـ في إيران.
قال الشيخ محمّدرضا النعمانيّ: «لقد اهتمّ السيّد الشهيد بالتخطيط لانتفاضة صفر سنة (1397 هـ )؛ ولذا كان (رضوان الله عليه) أمرني بتقديم الأموال إلى المواكب كافّة، وأن لا أردّ أيّ طلب من أيّ موكب أو (تكية) صغيرة كانت أو كبيرة، وكان يقول: إنّ هذه المواكب شوكة في عيون حكّام الجور، إنّ هذه المواكب وهذه المظاهر هي التي زرعت في نفوس وقلوب الأجيال حبّ الحسين(عليه السلام) وحبّ الإسلام، فيجب أن تبقى على رغم حاجتها إلى تهذيب وتعديل يناسب العصر.
كان السيّد الشهيد يتابع أحداث الانتفاضة متابعة دقيقة، سواء في داخل النجف أو في الطريق بين النجف وكربلاء، وكان (رضوان الله عليه) في غاية السرور حين تتوارد عليه الأنباء بنجاح الانتفاضة وشجاعة الزوّار في تحدّي السلطة الجائرة، وكذلك أنباء وقوف بعض قطعات الجيش العراقيّ، وعدد من أعضاء حزب البعث الحاكم إلى جانب الثوار الأبطال، وكان (رضوان الله عليه) يأمل أن يستفيد في المستقبل من هذه العواطف والمواقف.
لكنّ السلطة البعثيّة الجائرة كعادتها في قمع الانتفاضات بالنار شنّت حملة واسعة من الاعتقالات والتصفيات الجسديّة، ولم تكن لتتخطّى شهيدنا العظيم، (رضوان الله عليه)، و لكن كيف؟ ولماذا قرّرت السلطة اعتقاله، في الوقت الذي لم تكن للسيّد الشهيد نشاطات محسوسة، أو ظاهرة يمكن أن تبرّر بها جريمة الاعتقال أمام الاُمّة؟
إنّ ممّا لاشكّ فيه أنّ السلطة كانت مضطربة وخائفة من أحداث النجف، خائفة من روح التحدّي العظيمة التي أبداها زوّار سيّد الشهداء عليه الصلاة والسلام.
وخائفة من إصرارهم على تنفيذ قرار الذهاب مشياً على الأقدام من النجف إلى كربلاء.
$
', '', 95), (21, 96, 'book', 'وخائفة من مواقف الغيارى والشرفاء من أبناء النجف الذين وقفوا وجهاً لوجه قبال محافظ النجف ـ آنذاك ـ المجرم جاسم الركابيّ، حين أبلغهم بقرار السلطة منع المشاة من الذهاب إلى كربلاء، ليقولوا له: والله سنذهب مشياً على الأقدام، ونزور الحسين(عليه السلام)، وكان في طليعتهم الشهيد السعيد عبّاس عجينة (رحمه الله).
وعبّرت عن خوفها حين تراجعت عن قرار المنع على لسان محافظ النجف في الساعات الأخيرة قبل انطلاق مسيرة المشاة إلى كربلاء، وحين ظلّ رجال السلطة يتوسّلون بالعلماء والمراجع لدعوة المشاة إلى عدم التنديد بالسلطة وسبّ الرئيس المقبور البكر ونائبه المجرم صدام...
لقد شعرت السلطة أنّها اُهينت ولطّخت سمعتها وكسرت شوكتها بإقدام أبناء العراق البررة، أنصار الحسين (عليه السلام) الذين قدّموا العديد من الشهداء في هذه المناسبة، وكان لابدّ للسلطة الحاقدة أن تنتقم، وتفرّغ حقدها وغضبها، وتثأر من الاُمّة، ومن أبناء النجف بالذات، ومن المرجعيّة الواعية الرشيدة وما تمثّله من قيم، وما ترمز إليه من معان، فأرادت أن تنتقم من الاُمّة، فشنّت حملات إرهابيّة واسعة من الاعتقالات، أدّت إلى استشهاد عدد من أنصار الحسين (عليه السلام)، نظير الشهيد (صاحب آلبو گِلل) ورفاقه، والحكم بالسجن المؤبّد على عدد آخر من الأنصار.
وأرادت أن تنتقم بحقد من المرجعيّة، فكان اعتقال السيّد الشهيد، رضوان الله عليه، ففي الساعة التاسعة صباحاً جاء أحد ضبّاط الأمن المجرمين إلى دار السيّد الشهيد تمهيداً لمجيء مدير أمن النجف المجرم (أبو سعد)، وحين اجتمع هذا الأخير بالسيّد الشهيد قال له: إنّ السيّد عزّت الدوريّ ـ وكان وزيراً للداخليّة آنذاك ـ يودّ لقاءك في بغداد.
ذهب السيّد الشهيد (رحمه الله) إلى بغداد معتقلاً. وهناك التقى بمدير الأمن العامّ؛ ليبلغه رسالة حقد من القيادة العفلقيّة، وسيلاً من كلمات التهديد والوعيد بألوان من الانتقام. وفي هذه المرّة عذّب السيّد الشهيد وضرب، وبقيت آثاره عليه بعد الإفراج عنه حتّى كان لايقوى على صعود السلّم إلّا بصعوبة كان يخفيها. لقد سمعت هذا منه، وكان يقول: كنت أحرص على كتمان ذلك؛ كي لايؤدّي إلى انهيار أو خوف البعض ممّن لم يوطّن نفسه على الصمود والثبات.
$
', '', 96), (21, 97, 'book', 'وفي نفس اليوم اُفرج عن السيّد الشهيد، فعاد إلى النجف، وكتم ما أصابه.
وحين عاد السيّد الشهيد من الاعتقال سألته عمّا جرى له في التحقيق حول انتفاضة صفر، فكان من جملة ما قال: إنّ مدير الأمن العامّ قال له: إنّنا نعلم أنّك وراء هذه الأعمال العدوانيّة، ونعلم أنّك قدّمت إليهم الأموال، لكنّنا نعرف كيف ننتقم منك في الوقت المناسب، وظلّ يهدّدني بالإعدام، ويقول:
لو لا انشغالنا بالقضاء على هؤلاء المشاغبين، لنفّذنا الإعدام الآن، ولكن سترى بعد حين مصيرك». انتهى النقل عن الشيخ النعمانيّ.
$
', '', 97), (21, 98, 'book', 'الاعتقال الثالث
اعتقل(رحمه الله) في سنة (1399 هـ )، في السادس عشر أو السابع عشر من رجب على حسب الاختلاف الواقع في الهلال آنذاك، واُطلق سراحه في نفس اليوم.
ولعلّ خير ما كتب عن اعتقال السيّد الشهيد(رحمه الله) في رجب، وما اكتنفه من أحداث سابقة ولاحقة، هو ما كتبه الشيخ محمّدرضا النعمانيّ حفظه الله. وإليك نصّ كلام الشيخ مع تغيير يسير:
توجّس السلطة وخوفها
في الفترة التي سبقت أحداث رجب، وتلت انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، منيت السلطة البعثيّة العميلة بخوف ورعب شديدين، فقد أحسّت أنّ حدث انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران يشكّل خطورة كبرى تهدّد مستقبل الحكم، ولانعجب من ذلك؛ لأنّ العراق هو البلد الأوّل المرشّح لثورة إسلاميّة اُخرى، فكلّ شيء في العراق كان يسير بهذا الاتّجاه، ولعلّ موقف السلطة من مرجعيّة السيّد الشهيد، ومن الحوزة العلميّة، ومن الحركة الإسلاميّة في العراق عام (1974 م) وما قبله، أوضح مؤشّر على هذه الحقيقة، فالأحداث كانت تسير باتّجاه إقامة حكومة إسلاميّة، ولم يكن يخفى ذلك على السلطة.
ومن ظواهر الرعب: تأكيد السلطة العميلة على لسان مدير الأمن العامّ (البرّاك) للسيّد الشهيد، أنّ (القيادة) تؤيّد الثورة الإسلاميّة في إيران، ولاتقف منها إلّا موقف المساند، وأشار إلى البرقيّة التي بعثها البكر المقبور إلى الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ بعد انتصار الثورة، وقال: إنّ العراق كان من الدول الاُولى التي أيّدت الثورة الإسلاميّة في إيران، وفي هذا اللقاء قال السيّد الشهيد: إذا كان موقفكم من الثورة الإسلاميّة في إيران بهذا المستوى، فلماذا منعتم العراقيين عن تأييد الثورة الإسلاميّة في إيران من خلال التظاهرات التي منعتموها، واعتقلتم المتظاهرين، على رغم كونهم لم يستهدفوا إلّا تأييد الثورة الإسلاميّة في إيران؟!...
$
', '', 98), (21, 99, 'book', 'فقال البرّاك: إنّ المواقف السياسيّة ومنها الموقف تجاه الثورة الإسلاميّة في إيران تحدّد من قبل (القيادة السياسيّة)، فهي وحدها المسؤولة عن ذلك، وليس من حقِّ أحد أن يعارض أو يؤيّد إلّا من خلال القرار السياسيّ الذي تتّخذه القيادة السياسيّة.
فقال السيّد الشهيد: إنّك قلت قبل قليل: إنّ القيادة السياسيّة أيّدت الثورة، وإنّ العراق كان من أوائل الدول المؤيّدة لها، أ ليس موقف الجماهير ينسجم مع هذا القرار؟!
فقال البرّاك: نعم، ولكنّ اتّخاذ مواقف سياسيّة من مسؤوليّتنا، وليس لأحد أن يتدخّل في هذه الاُمور.
ومن الواضح: أنّ صدور هذا الكلام عن السلطة المغرورة والغارقة في بحر الكبرياء والعظمة الفارغة لايصدر إلّا بسبب الخوف والرعب الذي خيّم على قلوبهم، وإلّا فإنّ أعمالهم وممارساتهم تدلّ على عكس ذلك، فهم الذين تجاهلوا الثورة الإسلاميّة وأحداثها الرائعة، ولم تواكب وسائل إعلامهم أحداث الثورة، إلّا بعد أن أصبحت الثورة الخبر الأوّل الذي يتصدّر كلّ نشرات الأخبار العالميّة، وأصبح تجاهلها يعتبر نكسة إعلاميّة وحالة شاذّة.
وهم الذين قالوا على لسان المجرم صدام التكريتيّ: «الشاه باق باق» على أمل أن يبقى الشاه.
وهم الذين أرادوا منع الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ من قيادة الثورة من النجف، واضطرّوه إلى مغادرة العراق.
وهم الذين قمعوا التظاهرات التي أيّدت الثورة الإسلاميّة في إيران، والتي خرجت بعد صلاة المغرب من جامع الخضراء في النجف الأشرف. فكيف يمكن أن نوفِّق بين ما يدّعيه البرّاك وغيره وبين الممارسات العمليّة السلبيّة تجاه الثورة ومؤيّديها؟! ومن مظاهر الرعب هو تشويش إذاعة طهران الناطقة باللّغة العربيّة التي تُسمَع في كافّة أنحاء العراق.
إنّ إذاعة الجمهوريّة الإسلاميّة (القسم العربيّ) أصبحت بعد انتصار الثورة الإسلاميّة المحطّة الاُولى والرئيسيّة بالنسبة إلى العراقيّين، وبدأت تشقّ طريقها في التأثير بالعراقيّين، ليس في أوساط المتديّنين والموالين للثورة الإسلاميّة فقط، بل حتّى في أوساط البعثيّين أنفسهم، فقبل قرار منع الاستماع إليها ومعاقبة المخالفين كانت مجاميع كبيرة من كوادر حزب البعث الحاكم يستمعون لها في مقرّات الحزب نفسه، وبلغ تعلّق
', '', 99), (21, 100, 'book', 'العراقيّين بإذاعة طهران حدّاً أقلق السلطة، فقد بدأت المفاهيم والأفكار التي تطرحها الإذاعة تنتشر بسرعة وتَشيع، وظلّ نشيد (خميني أي إمام، خميني أي إمام) يتردّد في مدارس العراق، على رغم كونه باللّغة الفارسيّة، ولم تجد السلطة من سبيل إلّا إصدار قرار بمنع الاستماع لإذاعة طهران، ومعاقبة المخالفين، وكذلك تشويش المحطّة؛ كي لايتيسّر الاستماع إليها.
ومن المؤشّرات المهمّة في هذا المجال: الزيارات المتكرّرة التي قام بها مختلف المسؤولين للسيّد الشهيد، بهدف إظهار حالة من الودّ والمحبّة، على أمل بناء علاقات جيّدة يُستهدف منها إنهاء حالة المعارضة لهم من قبل المرجعيّة بعد ذلك الشوط الطويل من السعي المتواصل لتصفية السيّد الشهيد، والقضاء على مرجعيّته الرشيدة قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران. وفي الوقت نفسه كثّفت مديريّة الأمن العامّة مراقبتها للسيّد الشهيد بشكل لم يسبق له نظير.
وأتذكّر في هذا المجال أنّ السلطة بعثت أحد عملائها في بداية حرب نفسيّة؛ ليخبر السيّد الشهيد بأنّه علم من مصادر موثوقة أنّ السلطة تنوي عدم التساهل مع السيّد الشهيد لو أنّه حاول القيام بأعمال ضدّ السلطة، وأنّ نهاية السيّد الصدر ستكون حتميّة في أوّل اعتقال يقع، ثُمَّ التمس من السيّد الشهيد ـ حرصاً على حياته وسلامته!! ـ أن لايقوم بشيء. وفي تلك الفترة كثرت أمثال هذه الأعمال من قبل أشخاص كنّا نعرف خبث سريرة بعضهم، وسذاجة البعض الآخر ممّن لايعي أبعاد الدور الذي كلّف به.
وعلى كلّ حال، فإنّ الظواهر والمؤشّرات التي برزت في تلك الفترة كانت تدلّل ـ بمالا يقبل الشكّ ـ على أنّ حالة من الخوف والذعر قد سيطرت على الحكّام، وأفقدتهم رشدهم، وجعلتهم يتخبّطون ويتناقضون في مواقفهم وتصريحاتهم. ومن الجدير أن نشير إلى التعميم الذي أصدرته قيادة الحزب العميل عن موقفها الحقيقيّ تجاه الثورة الإسلاميّة في إيران بعد أن تفشّت ظاهرة تأييد الثورة الإسلاميّة حتّى في داخل صفوف حزب البعث، فقد أكّد التعميم أنّ مواقف (بعض الرفاق) من الثورة الإسلاميّة لايوافق موقف الحزب والقيادة السياسيّة، وطلب منهم اتّخاذ موقف سلبيّ من الثورة الإسلاميّة باعتبارها (رجعيّة)، وحرّضهم على ترويج الإشاعات ضدّ الثورة، وذكر نموذجاً لذلك: هو مطالبة الجمهوريّة الإسلاميّة الدول الاستكباريّة بإرجاع الأموال التي سرقها الشاه المقبور،
', '', 100), (21, 101, 'book', 'وأودعها في بنوكهم، فصوّر (التعميم) هذا الحدث بأنّه السبب الأساس الذي دفع الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ إلى الثورة ضدّ الشاه، وطلب منهم (توعية) الشعب على هذه الحقيقة.
كلّ ذلك من أجل إطفاء وهج الثورة في نفوس مختلف صفوف الشعب العراقيّ، بما فيها أوساط حزب البعث الحاكم.
ولكنّ الحقيقة: أنّ السلطة لم تحقّق من أعمالها المكاسب التي توخّتها، بل يمكن أن نقول: إنّ المردودات السلبيّة كانت كبيرة جداً، فقد توضّحت الصورة، وعرفت الجماهير الموقف الحقيقيّ للسلطة من الثورة الإسلاميّة، ممّا زاد من إصرار الجماهير المسلمة على التمسّك بموقفها المؤيّد والمساند للثورة الإسلاميّة في إيران.
لماذا ركّزت السلطة مراقبتها للسيّد الشهيد(قدس سره)؟
السلطة البعثيّة العميلة وأجهزتها الإرهابيّة ركّزت مراقبتها ـ بعد انتصار الثورة الإسلاميّة ـ للسيّد الشهيد، وراقبته مراقبة شديدة ودقيقة؛ فقد بذلت السلطة كلّ ما يمكن، واعتمدت مختلف الوسائل والأساليب لمعرفة كلّ صغيرة وكبيرة عن السيّد الصدر، رضوان الله عليه، وتركّزت الجهود في تعرّف نوع الصلة بين السيّد الشهيد وبين الثورة الإسلاميّة وقائدها العظيم الإمام الخمينيّ دام ظلّه... هل ستقوم الثورة بدعم الحركة الإسلاميّة في العراق بهدف قيام جمهوريّة إسلاميّة في العراق؟ هل سيتمّ تنسيق وتعاون بين الشهيد الصدر وبين الإمام الخميني دام ظلّه؟ هل ستقوم إيران بتحرير العراق عسكريّاً وإسقاط الحكم البعثيّ العميل بعلم السيّد الصدر وإشرافه؟
أسئلة كثيرة كانت تراود السلطة عن نوع العلاقة ومستوى التنسيق بين السيّد الشهيد والإمام القائد... وهي بلا شكٍّ تُقلق السلطة، وتجعلها تحسب كلّ صيحة عليها.
ولنا أن نتسائل: هل توجّس السلطة وموقفها الحائر مجرّد تصوّرات واحتمالات، أو يستند إلى أدلّة ملموسة، أو ظواهر لايمكن تفسيرها أو تبريرها إلّا بهذا الاتّجاه؟
ولا اُريد أن اُجيب عن ذلك إلّا بمضمون بعض مجريات التحقيق والاستجواب الذي اُجري مع السيّد الشهيد حين اعتقل في (17 رجب عام 1399 هـ ).
وملخّص مجريات التحقيق مع شهيدنا الغالي في هذا المجال تركّزت على ما يلي:
$
', '', 101), (21, 102, 'book', '1 ـ حين رفض الإمام السيّد الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ شروط السلطة العميلة التي أرادت فرضها عليه في مقابل البقاء في العراق، قرّر سماحته مغادرة العراق إلى الكويت، وتمّ سفره المبارك في ساعة مبكِّرة صباحاً، وحين علم السيّد الشهيد بقرار الإمام القائد قرّر (رضوان الله عليه) زيارة الإمام برغم ما يترتّب على ذلك من آثار وحسّاسيّات أمنيّة من ناحية السلطة العميلة، حيث كانت قوّات الأمن قد طوّقت منزل السيّد الإمام والشارع والأزقّة المؤدّية إليه. وقرّر السيّد الشهيد الذهاب إلى منزل الإمام قبل أن يطّلع على سفر الإمام إلى البصرة، وتحدّث في ذلك الوقت بكلام معناه: أنّ الذهاب إلى منزل الإمام في هذه الظروف ضرورة دينيّة؛ لأنّه تأييد ومساندة للإمام في هذا الظرف الصعب.
وذهب الشهيد الغالي إلى منزل الإمام، وجلس مدّة من الزمن، وهو المرجع الوحيد الذي وقف هذا الموقف المشرّف في وقت عزّ فيه من يجرؤ على التقرّب من الزقاق الذي يقع فيه منزل الإمام، فضلاً عن الدخول فيه.
وأتذكّر أنّ البعض قالوا للسيّد الشهيد: إنّ قوّات الأمن يمنعون من يريد الوصول إلى منزل السيّد الإمام، فردّ السيّد الشهيد قائلاً: على كلّ حال سأذهب، وليحدث ما يحدث.
وقد سئل السيّد الشهيد حين اعتقل في رجب عن السبب الذي جعله يتحدّى السلطة في تلك الظروف العصيبة، ويذهب إلى زيارة بيت الإمام.
2 ـ السلسلة القيّمة التي كتبها السيّد الشهيد (الإسلام يقود الحياة) كلمحة فقهيّة تمهيديّة عن مشروع دستور الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وصورة عن اقتصاد المجتمع الإسلاميّ، وغير ذلك.
إنّ هذه السلسلة عبرّت بوضوح عن موقف السيّد الشهيد، وتفاعله مع الثورة الإسلاميّة في إيران وقائدها العظيم الإمام الخمينيّ دام ظلّه، وإن شئت فاقرأ ما جاء في (لمحة فقهيّة عن مشروع دستور الجمهوريّة الإسلاميّة)، حين يبيّن السيّد الشهيد المسؤوليّة التأريخيّة للثورة الإسلاميّة في إيران على صعيد الجمهوريّة، وعلى صعيد العالم، فيقول:
«وفي الخارج تستهدف الدولة:
أوّلاً: حمل نور الإسلام ومشعل هذه الرسالة العظيمة إلى العالم كلِّه.
ثانياً: الوقوف إلى جانب الحقّ والعدل في القضايا الدوليّة، وتقديم المَثَل الأعلى
', '', 102), (21, 103, 'book', 'للإسلام من خلال ذلك.
ثالثاً: مساعدة كلّ المستضعفين والمعذَّبين في الأرض، ومقاومة الاستعمار والطغيان وبخاصّة في العالم الإسلاميّ الذي تعتبر إيران جزءاً لايتجزّأ منه. إنّ دولة القرآن العظيمة لاتستنفد أهدافها...».
ولم يكن يخفى على السلطة مغزى هذه الكلمات القيّمة عن مسؤوليّة الجمهوريّة الإسلاميّة تجاه العراق، وباقي دول العالم الإسلاميّ؛ ولذا سئل السيّد الشهيد عن دوافع كتابة هذه الحلقات.
3 ـ بعث السيّد الشهيد أحد تلاميذه(1) إلى الجمهوريّة الإسلاميّة؛ ليكون حلقة وصل بين السيّد الشهيد والإمام السيّد الخمينيّ دام ظلّه؛ لغرض التنسيق ومواكبة حركة الثورة الإسلاميّة، وقد أحسّت السلطة بذلك فأثارها؛ ولذلك ركّز في التحقيق مع السيّد الشهيد على هذه النقطة.
وقد سألت السيّد الشهيد (رحمه الله) عن جوابه، فقال: لم أجب بشيء؛ لأنّي أعلم أنّ السلطة تعرف هذا الموضوع، اكتفيت بالقول: فسِّروه بما شئتم. فقال مدير الأمن: إنّ معلوماتنا تؤكّد أنّ الهدف كان التنسيق بينكم وبين السيّد الخمينيّ دام ظلّه، فردّ السيّد الشهيد: فليكن ذلك.
فقلت للسيّد الشهيد (رضوان الله عليه): أ ليس هذا الجواب اعترافاً بتلك الحقيقة؟! فقال(رحمه الله): حين اُعتقلت حسبت أنّ الشهادة تنتظرني في بغداد، وأحسست أنّ المسؤوليّة التي كانت تثقل كاهلي، وتسبّب لي الهموم والآلام قد انتهت، فلم أكن أحسب للآثار التي ستترتّب على جوابي هل تشكّل خطورة علىّ، أو لا؟
4 ـ مجموعة الرسائل والبرقيّات التي بعثها سماحته إلى الإمام السيّد الخمينيّ دام ظلّه، وإلى الشعب الإيرانيّ الشقيق. فقد قال البّراك (مدير الأمن العامّ): ما هو السبب الذي جعلك تنفرد دون باقي العلماء لتقف هذا الموقف الصريح متجاهلاً أنّ هناك سلطة وحزباً يحكمون القطر، لهم الكلمة الحاسمة والأخيرة في المواقف السياسيّة وغيرها؟!
من ناحية اُخرى: أنّ السلطة تدرك أهمّيّة السيّد الشهيد، وقابليّاته الهائلة في مجال الفكر والتخطيط، والحسّ السياسيّ، وقدرته العظيمة في مجال التأثير بالشعب العراقيّ،
', '(1)وهو السيّد محمود الهاشميّ، حفظه الله.
', 103), (21, 104, 'book', '
ولم يكن بوسع السلطة تجاهل تجربتها المعقّدة والطويلة مع السيّد الشهيد قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، هذه التجربة التي كانت حصيلتها للسلطة فشلاً على فشل، وهزيمة إثر هزيمة، فما من جولة ـ على رغم آثارها وجراحها المؤلمة ـ إلّا وكان النصر إلى جانب السيّد الشهيد(رحمه الله).
إنّ السلطة العميلة كانت مقتنعة بأنّ السيّد الصدر هو مركز البركان، وهو الخطر الوحيد الذي يتهدّدها، خاصّة بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، والآثار النفسيّة والمعنويّة التي أوجدتها في نفوس العراقيّين، وفي مقدّمتها حالة التهيّؤ والاستعداد لثورة إسلاميّة في العراق بقيادة الشهيد السعيد السيّد الصدر، رضوان الله عليه.
برقيّة الإمام
وجاءت برقيّة إمام الاُمّة السيّد الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ لتقطع الشكّ باليقين عن العلاقة بين الشهيد الصدر والإمام الخمينيّ، دام ظلّه.
إنّ السيّد الشهيد لم يستلم البرقيّة التي بعثها الإمام السيّد الخمينيّ دام ظلّه، فقد احتُجزت، ولم تسلّم للسيّد الشهيد، ولكنّي كنت قد سجّلتها من إذاعة طهران، وأسمعتها السيّد الشهيد بعد إذاعتها بدقائق، وهذا نصّها:
«سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد محمّدباقر الصدر، دامت بركاته:
علمنا أنّ سماحتكم تعتزمون مغادرة العراق بسبب بعض الحوادث، إنّني لا أرى من الصالح مغادرتكم مدينة النجف الأشرف مركز العلوم الإسلاميّة، وإنّي قلق من هذا الأمر، آمل ـ إن شاء الله ـ إزالة قلق سماحتكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
روح الله الموسويّ الخمينيّ»
الموقف التأريخيّ المشرّف للعراقيّين
في تلك الفترة كانت إذاعة طهران العربيّة هي الإذاعة الاُولى من حيث استماع العراقيّين لها، فكان من الطبيعيّ أن يستمع الشعب لبرقيّة إمام الاُمّة، ويتعرّف مغازيها وما
', '', 104), (21, 105, 'book', 'تعنيه. والبرقيّة لم تكن عاديّة بحيث لاتلفت الانتباه، فقد أكّد إمام الاُمّة نقطتين أساسيّتين:
1 ـ مغادرة السيّد الشهيد (رحمه الله) للعراق، وما تعنيه من فراغ كبير للنجف والعراق.
2 ـ ما يتعرّض له السيّد الشهيد من مضايقات وضغط من قبل السلطة البعثيّة العميلة.
للأسباب هذه كان وقع البرقيّة عظيماً في كافّة أوساط الشعب العراقيّ، فكانت بداية جديدة لمرحلة جديدة من الصراع بين الإسلام والكفر، فبدأت تتقاطر الوفود إلى النجف الأشرف من كافّة أنحاء العراق تطالب السيّد الشهيد بالبقاء في العراق وعدم مغادرته له.
وقفة مع الوفود:
من الضروريّ أن نقف عند هذه الظاهرة التي تستحقّ الدراسة والتقييم، فالوفود كانت متميّزة، متميّزة في أشخاصها وشعاراتها وهتافاتها واستمراريّتها وتحدّيها للسلطة الجائرة:
أوّلاً: الشمول، من الملاحظ أنّ طابع الشمول كان ظاهرة بارزة، فلم تقتصر على محافظة دون اُخرى، أو شريحة دون اُخرى، بل شملت معظم محافظات العراق، ومختلف شرائح المجتمع العراقيّ.
وللتاريخ اُسجّل للقارئ نماذج من الوفود التي زارت السيّد الشهيد، وجدّدت له البيعة، وعاهدته على التأييد والمساندة حتّى آخر قطرة دم.
بغداد:
جاءت عدّة وفود من بغداد، نذكر منها:
1 ـ وفد الشهيد السعيد حجّة الإسلام السيّد قاسم المبرقع، من مدينة الثورة.
2 ـ وفد الشهيد السعيد حجّة السلام الشيخ قاسم ضيف، من مدينة البيّاع.
3 ـ وفد حجّة الإسلام الشيخ النمديّ، من مدينة الكاظميّة.
محافظة واسط:
1 ـ وفد الشهيد السعيد آية الله السيّد قاسم شبر، من قضاء النعمانيّة.
$
', '', 105), (21, 106, 'book', '2 ـ وفد أهالي الكوت مع سماحة حجّة الإسلام الشيخ عفيف النابلسيّ.
3 ـ وفد أهالي العزيزيّة وناحية الزبيديّة وضواحيها مع سماحة الشهيد السعيد حجّة الإسلام السيّد عزّالدين الخطيب.
البصرة:
وفد على رأسه حجّة الإسلام السيّد عصام شبّر.
العمارة:
وفد حجّة الإسلام الشهيد السعيد الشيخ عبدالأمير محسن العماريّ.
وغيرها من الوفود، من قبيل: وفد الناصريّة وديالى وكركوك والديوانيّة وكربلاء والسماوة.
ثانياً: من الملاحظ أنّ الوفود كما أنّها شملت مختلف محافظات وأنحاء العراق كذلك شملت مختلف أوساط المجتمع، فتجد الكهل والشابّ والمرأة والطفل، وتجد العامل والفلّاح والكاسب والاُستاذ والطالب الجامعيّ، وطالب الإعداديّة والابتدائيّة. وإضافةً إلى ذلك تجد مختلف الرُّتَب العسكريّة، حتّى ضمّ أحد الوفود من المناطق الجنوبيّة عدداً من الطيّارين العسكريّين، أو العاملين في القوّة الجويّة.
ثالثاً: الشعارات التي ردّدتها الوفود كانت رائعة، ومعبّرة عمّا في نفوس أبناء العراق تجاه السيّد الشهيد(قدس سره) والإمام الخمينيّ دام ظلّه: (باسم الخميني والصدر، الإسلام دوماً منتصر) و(عاش عاش عاش الصدر، والدين دوماً منتصر). لقد عبّرت الوفود من خلال شعاراتها عن تمسّكها بالإسلام، وتأييدها للثورة الإسلاميّة، والمرجعيّة الرشيدة.
رابعاً: الظاهرة الاُخرى الملفتة للانتباه هي الكثافة العظيمة، حيث اكتظّت النجف بالاُلوف من خيرة أبناء العراق، وكان السيّد الشهيد يستقبل هذه الوفود من الصباح الباكر حتّى ساعة متأخّرة من الليل، حتّى ظهرت عليه علامات الإرهاق والتعب الشديد، لدرجة أنّه في بعض الأحيان كان يعجز من مجرّد الكلام.
خامساً: التحدّي الصارخ للسلطة، وهذا ما اعترف به أكثر من مسؤول بعثيّ كبير.
$
', '', 106), (21, 107, 'book', 'سادساً: استمراريّة تقاطر الوفود كانت ميزة، ولو لابعض الآثار التي حدت بالسيّد الشهيد إلى الاكتفاء بهذا القدر لاستمرّ زخم الوفود وتقاطرها إلى فترة طويلة، حيث كانت تصل إلينا الأخبار تباعاً عن تهيّؤ وفود اُخرى من مختلف أنحاء العراق، ولكن السيّد الشهيد أمر وكلاءه إبلاغ الاُمّة بأنّه لن يغادر العراق، وسيبقى معكم حتّى النفس الأخير، ولاداعي لتجشّم عناء السفر.
إنّ أهمّ الأسباب التي دعت السيّد الشهيد لاتّخاذ هذا الموقف هو:
أوّلاً: أنّ الآلاف من المؤمنين والمجاهدين استطاعوا أن يعبِّروا بوضوح عن موقف الشعب العراقيّ الأصيل من المرجعيّة الرشيدة والثورة الإسلاميّة.
ثانياً: حرص السيّد الشهيد على عدم كشف كافّة الأوساط الموالية والمؤمنة بالمرجعيّة وبالثورة الإسلاميّة؛ إذ إنّ سلطات الإرهاب كانت تراقب الوفود بدقّة، وهي لن تتورّع ـ إن قرّرت الانتقام ـ من تصفية الملايين.
تقييم السيّد الشهيد(رحمه الله) للوفود:
أكثر من مرّة عبّر السيّد الشهيد عن موقفه تجاه كلّ الوفود التي زارته، عبّر عن اعتزازه وتقديره وشكره، وكان الأمل يملأ قلبه في أن يعود الإسلام إلى مسرح الحياة على أيدي هؤلاء الأبطال.
واُشير هنا إلى ما جاء في نداء السيّد الشهيد(قدس سره):
«أيّها الشعب العراقيّ المسلم، إنّي اُخاطبك أيّها الشعب الحرّ الأبيّ الكريم، وأنا أشدّ الناس إيماناً بك وبروحك الكبيرة، وبتأريخك المجيد، وأكثرهم اعتزازاً لما طفحت به قلوب أبنائك البررة من مشاعر الحبّ والولاء والبُنوّة للمرجعيّة؛ إذ تدفّقوا إلى أبيهم يؤكّدون ولاءهم للإسلام بنفوس ملؤها الغيرة والحميّة والتقوى، يطلبون منّي أن أظلّ اُواسيهم، وأعيش آلامهم عن قرب؛ لأنّها آلامي، وإنّي أودّ أن اُؤكّد لك يا شعب آبائي وأجدادي، أ نّي معك وفي أعماقك، ولن أتخلّى عنك في محنتك، وسأبذل آخر قطرة من دمي في سبيل الله من أجلك».
وأعتقد أنّ هذا المقطع من النداء لايحتاج إلى تعليق، فهو يطفح بمشاعر السيّد الشهيد تجاه أبناء العراق البررة، ويجسّدها تجسيداً حيّاً.
$
', '', 107), (21, 108, 'book', 'موقف السلطة:
لم تحسب السلطة المجرمة أن يكون ردّ الشعب العراقيّ المسلم بهذا المستوى؛ إذ كان زخم الوفود مفاجأة بكلّ معنى الكلمة، ولذلك أحجمت عن اتّخاذ أىّ إجراء قمعيّ فوريّ؛ لأنّها لاتعرف مستوى التحرّك، وهل للجيش صلة بالموضوع، أو لا؟. وفضّلت مراقبة الوضع والتريّث إلى حين.
ولنا أن نتساءَل عن رأي السلطة كيف كانت تنظر إلى هذا الوضع؟ وما ذا كان يعني في رأيها تقاطر الوفود إلى النجف لتأييد السيّد الشهيد ومبايعته؟ وهنا اُشير إلى تصريحين بهذا الشأن:
الأوّل: اعتراف مدير أمن النجف بأنّ ما حدث كان ثورة، وأوشكت أن تنجح لو لا (حزم) السلطة(1).
الثاني: ما نقله السيّد علي بدر الدين عن أحد أعضاء ما يسمّى بمجلس قيادة الثورة، فقد قال: إنّ السيّد محمّد باقر الصدر قام بثورة كادت أن تنجح، ونحن من الآن نتعامل معه على هذا الأساس، ولو لا أنّه فاجأنا بهذا التحرّك، لعرفنا كيف نتعامل مع هؤلاء (العملاء) الذين حرّكهم ضدنا... إلى آخره.
والحقيقة: أنّ هذا التقييم هو عين الواقع، فما حدث في رجب كان ثورة حقيقيّة ضدّ السلطة، ولو لا العجز عن توفير السلاح والعتاد، لنجحت الثورة في جانبها العسكريّ بعد أن نجحت في الجوانب الاُخرى.
أمّا الإجراءات التي اتّخذت لقمع التحرّك في رجب، فهي كالتالي:
أ ـ استدعاء عشرات الاُلوف من قوّات الأمن والجيش اللاشعبيّ للتواجد في النجف، وتطويق شوارعها وأزقّتها، وفرض السيطرة عليها.
ب ـ فرض حالة التأهّب والاستعداد في الجيش، والجيش اللاشعبيّ، والحزب.
ج ـ تسجيل أسماء وعناوين الوافدين إلى النجف.
د ـ تصوير الوافدين (فتوغرافيّاً)، وتسجيل أصواتهم.
هـ ـ وفي المرحلة الأخيرة بدأت حملة شاملة لاعتقال جميع من زار السيّد الشهيد(رحمه الله).
$
', '(1)وسيأتى ذكر هذه القِصّة لدى ذكر المفاوضات التى جرت مع السيّد الشهيد فى فترة الاحتجاز.
', 108), (21, 109, 'book', '
اعتقال وكلاء السيّد الشهيد(رحمه الله):
تركّزت الحملة في أوّل الأمر في اعتقال وكلاء السيّد الشهيد، أمثال السادة الأعلام:
1 ـ السيّد قاسم شُبَّر.
2 ـ السيّد حسين السيّد هادي الصدر.
3 ـ السيّد حسين السيّد إسماعيل الصدر.
4 ـ السيّد قاسم المبرقَع.
5 ـ السيّد محمّد حسين المبرقَع.
6 ـ السيّد جاسم المبرقَع.
7 ـ الشيخ عبد الجليل مال الله.
8 ـ الشيخ محمّد علي الجابريّ.
9 ـ السيّد عبّاس الشوكيّ.
10 ـ الشيخ سامي طاهر.
11 ـ الشيخ قاسم ضيف.
12 ـ الشيخ عبد الجبّار البصريّ.
13 ـ الشيخ مهدي السماويّ.
14 ـ السيّد عبد الرحيم الياسريّ.
15 ـ الشيخ خزعل السودانيّ.
16 ـ الشيخ عبد الأمير محسن الساعديّ.
17 ـ السيّد عِزّالدين الخطيب.
وغيرهم من الوكلاء في مختلف المناطق، كما شمل الاعتقال عدداً من العلماء من غير وكلاء السيّد الشهيد، ممّن ساهم في انتفاضة رجب.
واستمرّت حملات الاعتقال في كافّة أوساط الشعب العراقيّ بصورة وحشيّة وقاسية بما لا يوصف، ولايمكن معه عدّ المعتقلين أو إحصاؤهم.
$
', '', 109), (21, 110, 'book', 'جواب السيّد الشهيد(رحمه الله) عن برقيّة الإمام
إنّ الكثيرين أصرّوا على السيّد الشهيد أن يتجنّب الدخول في صراع مع البعثيّين بهذا المستوى، وكانت حجّتهم هي الطبيعة الدمويّة والعدوانيّة لهذه الزمرة، فهم لن يتردّدوا في اتّخاذ أقسى الإجراءات لأدنى معارضة أو موقف يشمّ منه ذلك. وفي هذا السياق رجّح البعض أن يكون جواب السيّد الشهيد عن برقيّة إمام الاُمّة بشكل لايؤدّي إلى إثارة السلطة وتحفيزها على اتّخاذ موقف حاد.
إلّا أنّ السيّد الشهيد رفض الاستماع إلى هذه النصائح، وقرّر أن يكون الجواب بالشكل الذي يناسب وضع إمام الاُمّة ومقامه، وكذلك وضع المرحلة الجديدة من الصراع، خاصّة بعد أن عرف الجميع مستوى العلاقة بين السيّد الشهيد(قدس سره) والإمام الخمينيّ دام ظلّه، وبالتدقيق في عبارات البرقيّة الجوابيّة ندرك حجم العلاقة ومستوى الوفاء والإخلاص والتفاني الذي يكنّه السيّد الشهيد للثورة الإسلاميّة ولقائدها العظيم. وهذا نصّ البرقيّة:
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة آية الله العظمى الإمام المجاهد السيّد روح الله الخمينيّ، دام ظلّه.
تلقَّيت برقيّتكم الكريمة التي جسّدت اُبوّتكم ورعايتكم الروحيّة للنجف الأشرف الذي لايزال منذ فارقكم يعيش انتصاراتكم العظيمة، وإنّي أستمدّ من توجيهكم الشريف نفحة روحيّة، كما أشعر بعمق المسؤوليّة في الحفاظ على الكيان العلميّ للنجف الأشرف، وأودّ أن اُعبّر لكم بهذه المناسبة عن تحيّات الملايين من المسلمين والمؤمنين في عراقنا العزيز، الذي وجد في نور الإسلام الذي أشرق من جديد على يدكم ضوءاً هادياً للعالم كلّه، وطاقة روحيّة لضرب المستعمر الكافر والاستعمار الأمريكيّ خاصّة، ولتحرير العالم عن كلّ أشكاله الإجراميّة، وفي مقدّمتها جريمة اغتصاب أرضنا المقدّسة فلسطين، ونسأل المولى ـ سبحانه وتعالى ـ أن يمتّعنا بدوام وجودكم الغالي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الخامس من رجب ( 1399 هـ )النجف الأشرف
محمّد باقر الصدر
$
', '', 110), (21, 111, 'book', 'لقد أخبرني (رضوان الله عليه) أنّ من النقاط التي ركّزوا عليها أثناء التحقيق في رجب كان بعض فقرات البرقيّة الجوابيّة التي بعثتها إلى الإمام الخمينيّ دام ظلّه، وانصبّت الأسئلة على اُمور ثلاثة:
1 ـ ما هو المقصود برعاية الإمام الخمينيّ للنجف؟ هل هناك مساعدات ماليّة، أو عسكريّة وصلت من إيران لمساعدتك في التحرّك ضدّنا؟
2 ـ من خوّلك نقل تحيّات ملايين العراقيّين إلى السيّد الخمينيّ؟
3 ـ ما معنى التوجيه الذي تتلقّاه من السيّد الخمينيّ؟
يقول السيّد الشهيد كنت قد أجبت عن أسئلتهم بما يناسب حجم التحرّك، وحجم الثورة الإسلاميّة، فقد كنت مصمِّماً على الاستشهاد في سبيل الله؛ ولذا كنت أتعمّد أن لا اُجيب عن بعض الأسئلة بغرض إقلاقهم وإرعابهم، ولكن ظلّ البرّاك يلحّ على إجابة محدّدة، وبقيت ـ أيضاً ـ أتعمّد الغموض، وكلّما انتقل البرّاك إلى أسئلة اُخرى بعيدة عن موضوع البرقيّة عاد مرّة اُخرى إلى البرقيّة، وكرّر الأسئلة بشكل وآخر.
اعتقال السيّد الشهيد(قدس سره)
لم يكن اعتقال السيّد الشهيد بعد أحداث رجب أمراً محتملاً فحسب، بل كان السيّد الشهيد يتوقّع في أيّ لحظة أن يعتقل، ولكن لاللتحقيق أو لإذلال المرجعيّة كما في المرّات السابقة، بل للاستشهاد في سبيل الله، وكان (رضوان الله عليه) قد هيّأ نفسه لذلك، وكان من عادته قبل كلّ اعتقال أن يسلّم (الخاتم) إلى من يثق به؛ لكي لايقع بيد السلطة بعد الاستشهاد. وهكذا فعل في رجب بعد ثلاثة أيّام من بداية تقاطر الوفود إلى مبايعته.
في يوم الاثنين المصادف 16 رجب عام (1399 هـ ) بدأت قوّات الأمن تكثّف دوريّاتها ومراقبتها لمنزل السيّد الشهيد، والأزقّة القريبة منه، وبقيت أرقب الوضع حتّى الساعة التاسعة مساءً، حيث منعت السلطة التجوّل في الزقاق، ومنعت المارّة تمهيداً لاعتقال السيّد الشهيد.
أخبرت السيّد الشهيد واُختة العلويّة الشهيدة، وقلت للسيّد: إنّ المجرمين ينوون
', '', 111), (21, 112, 'book', 'اعتقالكم غداً، فالدلائل تشير إلى ذلك.
لم يتأثّر السيّد الشهيد، ولم يأبه للعشرات من الأمن المدجّجين بالسلاح الذين يجوبون الزقاق، فذهب إلى مضجعه، ونام وهو في غاية الاطمئنان، بعد أن استعدّ وتهيّأ لكلّ ما يمكن أن يقع له على أيدي هؤلاء الجلّادين.
قرار المواجهة المباشرة:
قرّر السيّد الشهيد أن يتعامل مع المسؤولين بمستوىً جديد، فصمّم على أن ينهج نَهْجَ جدّه الحسين(عليه السلام)، ويتمسّك بمبدأ «لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد». إنّ موقف السيّد الشهيد هذا ناشئ من تصميمه على الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة؛ إذ لامعنىً للثورة بدون ذلك. وكان (رضوان الله عليه) يستهدف من ذلك تهيئة الأجواء للشعب العراقيّ للسير معه في نفس الاتّجاه، على رغم يقين شهيدنا الغالي بأنّ الشهادة هي المحطّة التي سينتهي إليها في آخر المطاف، ولم يكن هذا المصير يقلق مفجّر الثورة؛ لأنّه لم يكن يفكّر إلّا بقضيّته ورسالته التي هي رسالة الإسلام.
إنّ السيّد الشهيد يعرف السلطة وطبيعتها الإجراميّة، وكان يعرف أنّ لغتها الوحيدة هي المشانق والسجون، ولم يكن بحاجة إلى التكهّن بمصيره لو أراد مواجهتها؛ لأنّه يعرف مسبقاً النتيجة، وما أشبهه بجدّه الحسين(عليه السلام) حين كان يجسّد أمامه مصرعه «كأ نّي بأوصالي تقطّعها عُسلان الفلوات». وهكذا كان شهيدنا العظيم يرى مصرعه، يرى الأيدي الأثيمة تمتدّ إلى قلبه الطاهر لتقطعه بسيوف حقدها، ومع ذلك كان (رحمه الله) يرى أنّ ذلك يهون ويسهل إذا كان ينتهي إلى إقامة حكومة إسلاميّة في العراق.
لا أقول هذا الكلام بسبب علاقتي أو حبّي للسيّد الشهيد (رحمه الله)، بل الوقائع والأدلّة هي الشاهد، وهي البرهان على ما أقول، وسنعيش معاً تلك اللحظات في خلال فترة الحجز حين رفض شهيدنا العظيم كلّ العروض التي قدّمتها السلطة كشرط لفكّ الحجز ولإرضائه، وإنهاء الخصومة معه، ووقف كالجبل الأشمّ حتّى كأنّك تراه وقد نزع الله ـ عزّ وجلّ ـ من كيانه غريزة حبّ الحياة، وأبدلها بغريزة حبّ الاستشهاد، فكان من الطبيعيّ أن يتّخذ(رحمه الله)هذا الموقف ما دام قد بدأ الثورة، وأذِنَ لشعلتها أن تتوهّج، وتستمرّ حتّى إقامة حكومة الإسلام في العراق.
$
', '', 112), (21, 113, 'book', 'الاعتقال:
في صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من رجب جاء المجرم مدير أمن النجف، وطلب اللقاء بالسيّد الشهيد، في هذا اللقاء قال مدير الأمن: إنّ السادة المسؤولين يريدون الاجتماع بكم في بغداد. فأجابه السيّد الشهيد بانفعال شديد، وقال له: إن كنت تحمل أمراً باعتقالي، فنعم أذهب، وإن كانت مجرّد زيارة، فلا.
وأضاف: أنّكم كَممتم الأفواه، وصادرتم الحرّيّات، وخنقتم الشعب، تريدون شعباً ميّتاً يعيش بلا إرادة ولاكرامة، وحين يعبّر شعبنا عن رأيه، أو يتّخذ موقفاً من قضيّة ما، حين تأتي الاُلوف لتعبّر عن ولائها للمرجعيّة وللإسلام، لاتحترمون شعباً، ولاديناً، ولاقيماً، بل تلجأون إلى القوّة؛ لتكمّوا الأفواه، وتصادروا الحرّيّات، وتسحقوا كرامة الشعب.
أين الحرّيّة التي تدّعونها؟! أين هذا الشعب الذي تدّعون أنّكم تدافعون عنه؟! أليس هؤلاء الآلاف الذين جاؤوا ليعبّروا عن ولائهم للمرجعيّة هم أبناء العراق؟! ماذا ستقولون للجماهير وأنتم تسحقون قيمهم بأيديكم؟! وظلّ الشهيد الغالي يصرخ بوجه هذا المجرم، وكانت مفاجأة عظيمة له أذهلته وجعلته يلوذ بالصمت، ولم يتمكّن من الردّ ولو بكلمة واحدة.
ثُمَّ قال (رضوان الله عليه): هيّا لنذهب إلى حيث تريد.
خرج السيّد الشهيد وكنت برفقته، وكذلك الأخ الشيخ طالب الشطريّ، والشهيدة السعيدة بنت الهدى، وعقيلته الطاهرة اُمّ جعفر، ورافقنا ـ أيضاً ـ خادم السيّد (الحاجّ عباس).
كانت قوّات الأمن أكثر من مئتي شخص، تتألّف من قوّات الأمن، والجيش الشعبيّ، وأعضاء منظّمة حزب البعث العميل في النجف، وكلّهم مدجّجون بالسلاح والعتاد.
بنت الهدى تهزم الجموع:
خلال مسيرنا في الزقاق المؤدّي إلى شارع الإمام زين العابدين(عليه السلام) سبقتنا الشهيدة بنت الهدى؛ لتأخذ مكانها هناك استعداداً لإلقاء خطبتها التي هزّمت فيها الجموع التي
', '', 113), (21, 114, 'book', 'تحشّدت لاعتقال السيّد الشهيد.
وقفت كأنّها زينب لم تأبه بالمجرمين الذين تتقطّر وجوههم شرّاً وحقداً ووحشيّة، لم ترهبها رشّاشات الكلاشنكوف، وبدأت خطبتها التأريخيّة التي تعتبر وثيقةً مهمّةً من وثائق الثورة الإسلاميّة في العراق، قالت (رضوان الله عليها):
انظروا... أخي وحده، بلاسلاح، بلامدافع ورشّاشات، أمّا أنتم بالمئات... انظروا، وأشارت إلى الجموع هنا وهناك، فهل سألتم أنفسكم: لِمَ هذا العدد الكبير؟ ولِمَ كلّ هذه الأسلحة؟ لأنّكم تخافون... إي والله تخافون؛ لأنّكم تعلمون أنّ أخي ليس وحده، بل معه كلّ العراقيّين.
إنّكم تخافون، ووالله لولا ذلك لما جئتم لاعتقال أخي في هذه الساعة المبكِّرة من هذا الصباح... لماذا لاتجيئون إلّا والناس نيام؟ لماذا تختارون هذا الوقت؟ هل سألتم أنفسكم؟ هل هذا إلّا دليل على ما أقول؟
وما أن أتمّت الشهيدة خطبتها حتّى تفرّق الحشد الأثيم، واختفى في الأزقّة، وبقيت سيارات الأمن ومن فيها في سكون وثبات، لم يتحرّك أحد حين خطبت الشهيدة، وكأنّ على رؤوسهم الطير. ثُمَّ توجّهت بخطابها إلى شهيدنا العظيم، وقالت: اذهب يا أخي، الله معك، فهذا هو طريقنا، وهذا هو طريق أجدادك الطاهرين.
استمرّ خطاب الشهيدة الخالدة أكثر من خمس عشرة دقيقة، فلم يجرؤ أحد من الجلاوزة على منعها، فقد كان صوتها الزينبىّ وكلماتها الثائرة أقوى من كلّ قوّة، لقد أربكت الجلاوزة وأرعبتهم، ولم تدع لهم من سبيل إلّا الاختفاء في الأزقّة.
الشهيدة قرّرت الاستشهاد
بعد أن اعتُقل السيّد الشهيد(رحمه الله) عادت الشهيدة إلى المنزل، فقلت لها: كان المفروض أن تتريّثي قليلاً؛ كي تتبيّن الاُمور وتتوضّح، إنّ هذا الخطاب من الممكن أن يؤثّر عليكم سلباً، ويفتح صفحة جديدة لكم في سجلّات الأمن، وتزداد مراقبة الأمن لكم، إضافة إلى
', '', 114), (21, 115, 'book', 'الآثار التي ستترتّب على السيّد.
فقالت الشهيدة رحمها الله: إنّ المسؤوليّة الشرعيّة والواجب الدينيّ هو الذي دفعني إلى اتّخاذ هذا الموقف، إنّ زمن السكوت انتهى، ولابدّ أن نبدأ صفحة جديدة من الجهاد، لقد سكتنا طويلاً، وكلّما طال سكوتنا كبرت محنتنا، وازدادت أتعابنا، لماذا أسكت وأنا أرى مرجعاً مظلوماً يقع في قبضة هؤلاء المجرمين؟
قلت: إنّ هولاء المجرمين لايتورّعون من أن تمتدّ أيديهم القذرة إليكم، ويمكن أن ينالك الإعدام.
فقالت: والله إنّي أتمنّى الشهادة في سبيل الله، ولقد قرّرت أن اُستشهد منذ اليوم الأوّل الذي جاءت فيه الوفود، فأنا أعرف هذه السلطة، وأعرف وحشيّتهم وقساوتهم، وأعلم أنّ الرجل والمرأة عندهم سواء، أمّا أنا فسيّان عندي أن أعيش أو أموت، ما دمت واثقة بأنّ موقفي كان لله ومن أجله تعالى.
لقد كنت أستمع للشهيدة وكأ نّي أستمع لزينب بنت أمير المؤمنين(عليه السلام) إنّها تتكلّم من أعماقها كلام الواثقة كلّ الثقة بعقيدتها وقضيّتها. لقد جسّدت بنت الهدى إيمانها العظيم وصلابتها الهائلة، ليس في حادث اعتقال السيّد الشهيد فقط، بل وفي طيلة فترة الاحتجاز وفي يوم اعتقالها كما سيأتي.
الشهيدة تثير الجماهير
عادت الشهيدة إلى المنزل، ولكن لتبدأ صفحة اُخرى من جهادها العظيم؛ إذ إنّها لم تكتفِ بموقفها الشجاع الأوّل، وبقيت تفكِّر فيما يجب أن تفعله في هذه الساعات الحرجة والحاسمة، وكأنّها تقول: أنا ابنة علىّ (عليه السلام) لن أسكت، ولن أصبر على الضيم.
لقد رأيتها تمشي وتتكلّم، ولكنّها كانت تعيش بروحها في عالم آخر، تفكّر في الخطوة القادمة والحلقة الاُخرى، واستطاعت أن تهزّ المشاعر، وتثير في نفوس المؤمنين العزم والتصميم على التحرّك وفعل كلّ شيء ثأراً للمرجع المظلوم شهيد السجون السيّد
', '', 115), (21, 116, 'book', 'الصدر(رحمه الله)، فكانت التظاهرة الاحتجاجيّة العظيمة التي أرعبت حكّام بغداد الخونة، وجعلتهم في مأزق صعب اضطرّهم إلى الإفراج عن السيّد الشهيد (رحمه الله).
ولكن كيف بدأت هذه الخطوة؟ وكيف استطاعت شهيدتنا العظيمة أن تنجح في الإعداد لتظاهرة في يوم وساعة وظرف تكاد تكون فيه مثل هذه الأعمال مستحيلة، بسبب الوضع الأمنيّ الخانق والطوق الإرهابيّ المفروض على شعبنا؟
حين اعتُقل شهيدنا العظيم في ساعة مبكّرة كان الناس نياماً، والشوارع خالية، ولم يشهد حادث الاعتقال إلّا نفر يسير ممّن وجد صدفةً في ذلك الوقت.
مع ذلك فكّرت شهيدتنا العظيمة بالذهاب إلى الحرم العلويّ الطاهر؛ لإعلام الناس بالحادث، ولكنّها لم تجد العدد المطلوب، فذهبت ثانيةً بعد أن أشرقت الشمس واستيقظ الناس، وهناك عند جدّها أمير المؤمنين علىّ(عليه السلام) علا صوتها الزينبيّ، وبدأت تخاطب جدّها، كما فعلت زينب(عليها السلام) بعد قتل أخيها الحسين بعبارات مؤثِّرة، وكلمات من قلب صادق.
واستطاعت أن تحشّد الناس، وتثير في نفوسهم الغيرة للانتقام من معتقلي المرجع المظلوم.
إلى جانب الشهيدة العظيمة كانت هناك مجموعة من الطلبة والمؤمنين(1) قد هزّهم
', '(1) وأحدهم السيّد علي أكبر الحائريّ الذي كتب يقول في شرح القِصّة ما يلي:
عند ما اعتُقل السيّد الشهيد(رحمه الله) في ساعة مبكّرة من صباح يوم السابع عشر من رجب سنة (1399 هـ ) كانت الشهيدة (بنت الهدى) أوّل من خرجت لإشاعة هذا النبأ، وكسر طوق التعتيم البعثىّ الذي كانوا يخيّمونه على جرائمهم، فنطقت نطقها صارخة فى حرم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأدّت دورها البطولىّ الرائع فى إبلاغ خبر اعتقال هذا المرجع العظيم من قبل جلاوزة السلطة الغاشمة، وسرعان ما اشتهر هذا النبأ فى أوساط المؤمنين المخلصين للسيّد الشهيد(رحمه الله) فى النجف الأشرف، وكان الخبر فى بادئ الأمر على شكل شائعة غير مؤكّدة، وكان جلاوزة الأمن واقفين على باب دار السيّد الشهيد يراقبون الأوضاع عن كثب خشية وقوع حادثة أو ردّ فعل معيّن.
وبعد التأكّد من الخبر وقع الاضطراب والبلبلة فى أوساط المؤمنين، وكانت تخيِّم علينا جميعاً حالة التحيّر والشكّ فى الوظيفة العمليّة، رغم إحساس الجميع بضرورة وقوع ردّ فعل جماهيريّ عظيم تجاه هذه الجريمة النكراء التى قامت بها السلطة الظالمة، ولكن كلّ يقول: ماذا نصنع؟ كيف نتحرّك؟ ما هي الوظيفة؟ ما هو الاُسلوب؟... وأنا بدوري شعرت ـ أيضاً ـ بأنّ هذه ساعة حرجة لابدّ فيها من اتّخاذ موقف سريع، فذهبت مع أحد الإخوة المؤمنين ـ من طلاب السيّد الشهيد(رحمه الله) ـ إلى بيت شخص آخر من زملائنا الأعزاء، فعقدنا هناك اجتماعاً ثلاثيّاً للتخطيط حول ما يجب صنعه فى هذه الساعات الحرجة، فكانت نتيجة هذا الاجتماع هو التصميم القاطع بتنظيم مظاهرة جماهيريّة للاحتجاج على هذه الجريمة النكراء، مع وضع الخطة الكاملة من حيث: تعيين مكان التجمّع، وساعة الانطلاق، وكيفيّة الإعداد. فقد عيّنا الحرم الشريف مكاناً للتجمّع وصمّمنا على الانطلاق من هناك على رأس الساعة العاشرة بعد قراءة دعاء الفرج. وانّما اخترنا دعاء الفرج ضمن الأدعية المأثورة باعتبار أنّ هذا الدعاء ينتهي باسم الإمام الحجّة عجّل الله فرجه، وسيقوم الناس بطبيعتهم احتراماً لاسم الإمام(عليه السلام)، فيكون هذا القيام إعداداً للانطلاق فى المظاهرة، وهكذا كان، فقد خرجت أنا وصاحبى من بيت ثالثنا؛ لنبلّغ المؤمنين بهذا القرار، فمررنا بأكثر المدارس العلميّة فى النجف، وبلّغنا من وجدنا فيها من الطلّاب والمؤمنين، والتقينا بمن التقينا من المؤمنين ـ أيضاً ـ فى الطرق والشوارع، وبلّغناهم بالأمر، ولمّا قرب الموعد ذهبت إلى الحرم الشريف، وانتظرت هناك إلى أن حان الوقت، واجتمع عدد من المؤمنين، ولم أجد صاحبى الذي كنت أتعاون معه فى القضيّة، ولاذاك الثالث الذي انطلق القرار من بيته، فصمّمت على أن أبدأ بالأمر، فشرعت بقراءة دعاء الفرج، وكان الجميع يردّدون معي جملة جملة، إلى أن بلغنا اسم الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه، فقمنا جميعاً إجلالاً له(عليه السلام)، ثُمّ بدأت الشعارات: الله أكبر، الله أكبر، نصر من الله وفتح قريب، عاش عاش عاش الصدر... وانطلقت المظاهرة بركضة سريعة.
وهنا لابدّ لي من الإشارة إلى مشاركة المرأة المسلمة العراقيّة في هذه الانتفاضة، حيث تواجد عدد من المؤمنات الرساليّات في الحرم الشريف، واشتركن في بداية المظاهرة، إلّا أنّ سرعة حركة المظاهرة منعتهنّ عن إمكان الالتحاق بالرجال عند الخروج من الحرم الشريف، فتفرّقن بطبيعة الحال، وتعرّض بعضهنّ إلى المراقبة والملاحقة من قبل أعضاء جهاز الأمن الإرهابيّ في العراق.
ولمّا انطلقت المظاهرة التحق بنا جمع غفير من المؤمنين من خارج الحرم الشريف، وسرعان ما اتّسع العدد ـ أيضاً ـ عند ما دخلت المظاهرة شارع الإمام الصادق(عليه السلام). وحاولت أجهزة الأمن الإرهابيّة بشتّى الأساليب أن تفرّق المتظاهرين منذ خروجهم من الصحن الشريف فلم تستطع، حتّى اقتحمت سيارة الأمن جموع المتظاهرين وهم في شارع الإمام الصادق(عليه السلام)، فلم تحصل إلّا على ضربات قاسية على زجاجها من قبل المتظاهرين.
ثُمّ واصلت المظاهرة طريقها في شارع الإمام الصادق(عليه السلام) إلى أن واجهت قوىً أمنيّة مكثّفة من جهة الأمام، فحرفت مسيرها إلى جهة السوق الكبير من أحد الأزقّة المؤدّية إليه، ولمّا دخلنا السوق وجدنا المحلّات كلَّها معطّلة، فواصلنا السير في داخل السوق إلى أواخر السوق حيث وقع الاشتباك بين المتظاهرين وجهاز الأمن الإرهابيّ، رغم تجرّد المتظاهرين من كلّ سلاح. وتعالت أصوات إطلاق الرصاص من قبل الجلاوزة، ثُمّ رجع المتظاهرون في داخل السوق باتّجاه الحرم الشريف حيث كان الجلاوزة ينتظروننا على مدخل السوق، فاضطررنا الرجوع مرّةً اُخرى من إحدى الأزقّة إلى شارع الإمام الصادق(عليه السلام). وبدأ التفرّق من هناك حيث هرب من هرب، واُلقي القبض على من اُلقي.
ثُمّ بدأت عملية إلقاء القبض على الناس بصورة عشوائيّة في أكثر شوارع النجف الأشرف، ممّا يدلّ على مدى الرعب والوحشة التي ابتلت بها الجلاوزة على أثر هذه المظاهرة.
', 116), (21, 117, 'book', '
الحدث، ورفعهم الإيمان إلى التحرّك بنفس الاتّجاه، فتجمّعوا في الحرم الشريف، وبدؤوا
', '', 117), (21, 118, 'book', 'بقراءة دعاء الفرج كاُسلوب للتجمّع والتهيّؤ، وكان الأخ حجّة الإسلام السيّد علي أكبر الحائريّ ـ وهو أحد تلاميذ السيّد الشهيد والمقرّبين إليه ـ هو أوّل من جاء إلى منزل السيّد الشهيد، واستفسر عن حادث الاعتقال، وهو الذي قرأ دعاء الفرج في الحرم الشريف. وبدأ الناس بالتجمّع، وبعد ذلك انطلقوا في تظاهرة، أقول: إنّها عظيمة ليس في كمّها، بل في الآثار التي نتجت منها، وترتّبت عليها، وفي روح التحدّي التي اتّسمت بها.
انطلقت التظاهرة من الحرم الشريف، وبدأت التظاهرة صغيرة، فهي لاتضمّ إلّا الصفوة من أبناء الشهيد الصدر، ولكن سرعان ما كبرت واتّسعت، فقد انضمّ إليها عدد من الناس الذين اتّفق وجودهم هناك، وكانت شعارات المتظاهرين تندّد بالسلطة وأعمالها الإجراميّة، وتطالب بالإفراج عن الشهيد الغالي، (رضوان الله عليه).
المواجهة المسلّحة
في السوق بدأت أجهزة الأمن محاولتها لتطويق المتظاهرين الأبطال أبناء الصدر الشهيد، وقبل ذلك قام تجّار النجف في السوق الكبير بإغلاق محلّاتهم، بعد أن علموا أنّ التظاهرة حدثت احتجاجاً على اعتقال المرجع المظلوم، وقد عطّلت النجف في ذلك اليوم أسواقها كتعبير عن استيائهم واحتجاجهم على اعتقال السيّد الصدر، (رضوان الله عليه).
في السوق الكبير حاولت قوّات الأمن تطويق المتظاهرين تمهيداً لاعتقالهم، ولكنّهم واجهوا من أبناء الصدر مقاومة شجاعة، حيث اشتبك رجال الأمن والمتظاهرون، وعلى رغم أنّ المتظاهرين لايملكون حتّى أبسط أنواع الأسلحة الناريّة إلّا أنّهم هزموا قوّة الإرهاب بعد أن كبّدوهم عدداً من الجرحى، واستطاع عدد كبير منهم الإفلات من قبضة السلطة المجرمة، في حين تمكّنت بعض مفارز الأمن من اعتقال آخرين.
إلى جانب تظاهرة النجف المتميّزة انطلقت تظاهرات اُخرى في مدينة الكاظميّة المقدّسة والبصرة وديالى وغيرها من مدن العراق الاُخرى.
وهنا يجب أن لاننسى دور بنات الزهراء(عليها السلام)، فقد كانت هناك مجموعة من خيرة
', '', 118), (21, 119, 'book', 'المؤمنات قد اشتركن في هذه التظاهرات، على رغم علمهنّ بالعواقب الخطيرة التي تترتّب فيما لو وقعن في قبضة السلطة، وكانت الشهيدة ـ رحمها الله ـ تذكرهنّ بالأسماء باعتزاز وتقدير وإكبار، وهكذا كان شهيدنا الغالي يرفع يديه إلى السماء يدعو الله تعالى لهنّ، ولكلّ المخلصين والمجاهدين الذين وقفوا مع الإسلام في محنته في رجب، وما تلاه من أشهر الحصار والمعاناة.
لماذا اُفرج عن شهيدنا الغالي؟
قد أشرنا سابقاً: أنّ اعتقال السيّد الشهيد في رجب كان بهدف التصفية الجسديّة، وليس مجرّد التحقيق عن أحداث رجب العظيمة، فقد أكّد سيّدنا الشهيد أنّ كلّ الدلائل كانت تشير إلى ذلك: منها اُسلوب التعامل، الكلمات البذيئة التي يسمعها من هذا وذاك، التهديد القاسي، وغير ذلك.
وحين حضر المجرم فاضل البرّاك، وبدأ باستجواب السيّد كان الجوّ يؤكّد تلك الحقيقة، ولكن بعد ساعة واحدة من بداية التحقيق دخل أحد ضباط الأمن، وسلّم فاضل البرّاك ورقة صغيرة تغيّر بعدها اُسلوب التحقيق، واعتذر البرّاك للسيّد من اعتقاله، وقال له: في الحقيقة لم يكن هدفنا الاعتقال، بل التفاهم في هذه الاُمور التي وقعت، وبدأ يلاطف السيّد الشهيد(رحمه الله).
يقول السيّد الشهيد (رضوان الله عليه): لقد أحسستُ من التغيّر المفاجئ أنّ حدثاً ما قد وقع، ولكن ما هو؟ ولماذا تغيّر الاُسلوب بهذه السرعة؟
لم يُخفِ البرّاك الحقيقة، فقال للسيّد الشهيد: إنّ تظاهرات كبيرةً جدّاً في النجف والكاظميّة قد خرجت احتجاجاً على اعتقالكم، في حين حقيقة الأمر أنّ مجيئكم إلى هنا لم يكن اعتقالاً، وإنّما وقع اشتباه من قبل الرفيق (أبو سعد) حيث فسّر طلبنا بالاجتماع بكم بالاعتقال، في حين نحن لم نقصد ذلك، وأنت الآن حرّ في البقاء أو الذهاب. ثُمَّ قال: ولأجل أن نبرهن لكم عن حسن نيّاتنا فإنّكم ستذهبون إلى النجف بسيّارتي الخاصّة.
$
', '', 119), (21, 120, 'book', 'نعم، إنّ التظاهرات التي نظّمها أبناء الصدر الشهيد كانت السبب في الإفراج عن السيّد الشهيد، ولولاها لنُفّذت جريمة الإعدام في ذلك التأريخ.
لقد أفادتنا مصادر قريبة من بعض رجال السلطة أنّ برقيّة اُرسلت من النجف إلى المقبور أحمد حسن البكر، أكّدت له خطورة الوضع في النجف، والعواقب التي ستترتّب على استمرار اعتقال السيّد الصدر، وأشارت إلى تظاهرة النجف، وتعطيل الأسواق فيها، إلى غير ذلك. وعلى أثر هذه البرقيّة تراجعت السلطة مرغمة، وأفرجت عن السيّد الشهيد.
مساعد مدير الشعبة الخامسة في مديريّة الأمن قال لبعض من يخصّ السيّد الشهيد: ليعلم السيّد محمّد باقر الصدر أنّه إذا كانت الظروف لاتسمح فعلاً بإعدامه، فإنّنا نعرف كيف ننتقم من أنصاره وأتباعه، ونجعله مقصوص الجناحين.
إنّ السيّد علي بدرالدين نقل للسيّد الشهيد خلال فترة الحجز تفاصيل الوضع عن أحداث رجب في داخل ما يسمّى بالقيادة، حيث كانت له صلات صداقة مع بعضهم، وقال: إنّ (القادة) أرعبتهم هذه التظاهرات، وأدهشتهم جرأة المتظاهرين، والروح العالية التي جعلتهم يتجاهلون وحشيّة السلطة، وإجراءاتها القاسية.
حين أراد شهيدنا العظيم مغادرة مديريّة الأمن وجد أنّ السلطة قد احتجزت مرافقيه، وهما: الأخ الشيخ طالب الشطريّ، والأخ السيّد محمود الخطيب، حيث كانا قد رافقا السيّد الشهيد إلى بغداد، فرفض (رحمه الله) الذهاب إلّا بعد الإفراج عنهما، والسماح لهما بالعودة إلى النجف، فقال مدير الشعبة الخامسة المجرم أبو أسماء: سيّدنا بعد ساعات يطلق سراحهما، والمسألة مجرّد إجراءات روتينيّة. ولكن السيّد الشهيد رفض ذلك، وأصرّ على الإفراج عنهما، وفعلاً عاد السيّد الشهيد، وعادا معه أيضاً.
حين اعتُقل السيّد الشهيد اتّصل أحد المؤمنين(...) هاتفيّاً بأحد المسؤولين في الجمهوريّة الإسلاميّة، وأطلعه على قضيّة اعتقال السيّد الشهيد، والأوضاع المتأزّمة والخطيرة التي تحيط به، وما يتهدّد شهيدنا الغالي من أخطار، وقد أعلنت إذاعة الجمهوريّة الإسلاميّة (القسم الفارسيّ) خبر اعتقال السيّد الشهيد، وشهيدُنا العظيم مازال في الطريق متّجهاً إلى بغداد.
$
', '', 120), (21, 121, 'book', 'كيف بدأ الاحتجاز؟
قد ذكرنا سابقاً: لم يكن الإفراج عن السيّد الشهيد قد حصل باختيار السلطة وإرادتها، أو أنّ الحسابات قد صفّيت معه، بل الضرورة والظروف المعقّدة أجبرتهم على امتصاص جزء من غضب الجماهير المسلمة الثائرة حتّى حين، وذلك بالإفراج عن سيّدنا الشهيد الصدر.
ولنترك السلطة والإجراءات التي تعتزم اتّخاذها ضدّ شهيدنا العظيم؛ لنتعرّف انطباعات السيّد الشهيد عن هذا الموضوع، وما لمسه منهم في مديريّة الأمن العامّة:
قال لي(رحمه الله): كنت واثقاً بأنّ السلطة تعتزم إعدامي، وكانت مجريات التحقيق تدلّ على ذلك، وخاصّةً التأكيد على نوع وحجم الصلة والعلاقة بالسيّد الخمينيّ دام ظلّه، وتفسيرهم لها تفسيراً سياسيّاً، أو (تآمراً) للإطاحة بالسلطة البعثيّة العميلة، ومن الطبيعيّ ـ في قوانين البعث ـ أن ينال الإعدام كلّ من يُتّهم بهذه التهمة.
قال المجرم البّراك مخاطباً السيّد الشهيد: لو كان أحد غيرك ـ ومهما كان ـ لنفّذنا فيه عقوبة الإعدام، ولكن لاعتبارات خاصّة تتريّث القيادة في اتّخاذ قرار الإعدام.
هذا الكلام أو نظيره سمعه السيّد الشهيد منهم مرّات عديدة خلال فترة اعتقاله في شهر رجب، ولم يكن يخفى على شهيدنا العظيم مغزاه، إذن فالإعدام هو القرار الذي كانت تفكّر به السلطة؛ لحسم الثورة وقائدها العظيم.
ولم يكن السيّد الشهيد (رحمه الله) يخشى هذا المصير، وهذه هي النقطة المهمّة، فالسيّد الشهيد(رحمه الله) كان يتمنّى الاستشهاد في سبيل الله، بسبب قناعته بأنّ أهمّ عنصر لنجاح الثورة الإسلاميّة في العراق هو أن يراق دمه الزكيّ؛ لتبقى الشعلة التي تنير الطريق، ويؤجّج الحماس في نفوس العراقيّين للإطاحة بسلطة البعث العفلقيّة، وهو القائل: «إنّ العراق بحاجة إلى دم كدمي».
وعلى هذا الأساس صمّم السيّد الشهيد على أن يبدأ مرحلة جديدة من التعامل مع السلطة تناسب المرحلة الجديدة للثورة، وهذا ما حدث، وأحسّت به السلطة خلال
', '', 121), (21, 122, 'book', 'اعتقاله واستجوابه في شهر رجب.
فمثلاً: حين جاء مدير أمن النجف الأشرف مع أكثر من أربع مئة من أزلامه وأعوانه لاعتقال شهيدنا العظيم، واجهه السيّد الشهيد مواجهة عنيفة. وفي مديريّة الأمن كان يرفض ويمتنع من الإجابة عن بعض الأسئلة على رغم إصرار البرّاك مدير الأمن العامّ وتهديده له بالإعدام إذا لم يقنع (القيادة السياسيّة) بإجابة وافية وكاملة عنها. وكان شهيدنا المظلوم يقول: «كنت قد هيّأتُ نفسي للاستشهاد، فلااُبالي أوقع الموت علىّ أم وقعت على الموت».
بعد الإفراج عن السيّد الشهيد إثر التظاهرات الاحتجاجيّة التي خرجت في النجف والكاظميّة والثورة والخالص وغيرها أخبرته بأنّ المؤمنين حين علموا باعتقالكم خرجوا في تظاهرات احتجاجاً على اعتقالكم، واستطاعت السلطة أن تعتقل عدداً منهم، وتزجّهم في السجون... فتأثّر السيّد الشهيد كثيراً، فأمر أحد الأشخاص القريبين منه أن يتّصل هاتفيّاً بمدير الأمن العامّ، ويبلغه: أنّ السيّد الصدر يطالب بالإفراج عن جميع المعتقلين دون استثناء، وإلّا فالسيّد الصدر سوف يغلق داره، ويمتنع عن العودة إلى حياته الاعتياديّة احتجاجاً على ذلك. بعد هذا الاتّصال طلب البرّاك فترة قصيرة ليبلغ (القيادة) بالموضوع، وبعد ذلك سيبلغ السيّد الصدر بالجواب، وقال: أنا أتوقّع خيراً إن شاء الله.
وقبل أن نتعرّف جواب (القيادة) يجب أن نشير إلى أنّ عدداً من قوّات الإرهاب في النجف قد قُتلوا أو جُرحوا على أيدي المؤمنين المتظاهرين، فكان من الصعب على السلطة أن تغضّ النظر عن ذلك، فالتغاضي سيشجّع المؤمنين على أعمال أكثر جرأة وشجاعة هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ تهديد السيّد الصدر لهم بإغلاق داره يشكّل خطورة اُخرى أعظم من سابقتها، خاصّة وإنّ الاُمور ما زالت غامضة ومجهولة عن حجم التحرّك الثوريّ في رجب؛ لذلك كان جواب مدير الأمن العامّ إيجابيّاً، فقد اتّصل هاتفيّاً، وأبلغ السيّد الشهيد: أنّ (القيادة) قرّرت الإفراج عن جميع المعتقلين.
أمّا الواقع فلم يكن كذلك: فالذي ظهر فيما بعد هو: أنّ السلطة العفلقيّة أرادت أن تناور كعادتها، ففي الوقت الذي (تقنع) السيّد الصدر بالعودة إلى حياته الطبيعيّة تقوم بالإفراج
', '', 122), (21, 123, 'book', 'عن بعض المعتقلين ممّن اعتقلوا لمجرّد الظنّ والتهمة، أو ممّن ليست لهم علاقة بالتظاهرة الاحتجاجيّة؛ تحاشيّاً من نقمة جماهيريّة اُخرى، في حين تستمرّ السلطة في الوقت نفسه باعتقال آخرين، وبدأت الأخبار تتواتر عن عمليات اعتقال مكثّفة لأعداد كبيرة من المؤمنين، ومن وكلاء السيّد الشهيد، والعلماء الذين ساهموا أو اشتركوا في الوفود، وفي مقدّمة هؤلاء: سماحة الحجّة السيّد قاسم شبّر (رحمه الله)، وحجج الإسلام: الشيخ عفيف النابلسيّ، والشيخ حسن عبد الساتر، والسيّد المبرقع، وغيرهم، حيث كانت السلطة قد رصدتهم، وسجّلت أسماءهم في نقاط التفتيش بواسطة العملاء المحلّيّين في مناطقهم.
أحسّت السلطة بأنّ لعبتها انكشفت، ولم ينخدع السيّد الصدر بالوعود الكاذبة، فقرّر إغلاق الباب احتجاجاً على السلطة.
إضافة إلى ذلك فإنّ السلطة أوعزت إلى قوّاتها باعتقال كلّ داخل وخارج من وإلى منزل السيّد الشهيد، ومراقبة منزله والأزقّة المحيطة والقريبة منه، مراقبة دقيقة ومستمرّة ليلاً ونهاراً.
هذا الإجراء كشف عن جانب من مخطّط السلطة، فهي تنتظر اللحظة المناسبة للقضاء على الثورة وتصفية مفجّرها السيّد الصدر، فقرّر (رحمه الله) الاحتجاج على ذلك بالاعتصام وعدم العودة إلى الحياة الطبيعيّة؛ ليعلم الشعب أنّ المواجهة مستمرّة بين المرجعيّة والسلطة الحاكمة.
التخطيط لمحاولة اغتيال السيّد الصدر(قدس سره)
حينما أصبح واضحاً للسلطة قرار السيّد الشهيد الاحتجاجيّ اتّصل مدير الأمن العامّ فاضل البرّاك، وقبله مساعده المجرم المعروف بــ (أبي أسماء) مدير الشعبة الخامسة، وطلبا من السيّد الصدر التخلّي عن قراره، وقالا: إذا كنّا لم نفرج عن عدد من المعتقلين، فإنّ ذلك يعود إلى أمرين.
الأوّل: أنّ هناك إجراءات روتينيّة تفرض التأخير قليلاً، والمسألة مجرّد وقت فقط.
$
', '', 123), (21, 124, 'book', 'والثاني: أنّ بعض هولاء (اعتدوا) على بعض قوى الأمن الداخليّ بالأسلحة والرمي، ومع ذلك فأنا شخصيّاً ـ والكلام للبرّاك ـ سأبذل كلّ جهدي من أجل الإفراج عن هؤلاء أيضاً، وقال: إنّ هدفنا هو: أن لاتسوء العلاقات، أو تتعكّر الأجواء.
أمّا الحقيقة فليست كذلك؛ إذ وصلت السيّد الشهيد معلومات موثّقة: أنّ السلطة إنّما أرادت أن يعود السيّد الصدر إلى حياته الطبيعيّة، فيذهب كعادته في كلّ يوم إلى الحرم الشريف وإلى مسجد الشيخ الطوسيّ للبحث؛ ليتاح للسلطة اغتياله في حادث شجار يفتعل بين بعض المرتزقة المجرمين من قوى الأمن، في الوقت الذي يتّفق فيه وجود السيّد الشهيد بالقرب منهم، إمّا في سوق العمارة، أو في شارع الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فيقوم أحدهم بإطلاق النار على صاحبه، ويكون ـ على حسب الخطّة ـ ضحيّةُ هذا الشجار السيّدَ الصدر(رحمه الله)، ثُمَّ يتمّ بعد ذلك إعدام المجرمين على أساس قتلهم للسيّد الصدر، وبذلك يتخلّصون من السيّد الشهيد دون أن يتحمّلوا مسؤوليّة أو تبعات إعدامه، والذي زاد الشكوك، وعزّز هذه المعلومات هو أنّ مساعد مدير الأمن المجرم أبو أسماء اتّصل هاتفيّاً مرّات عديدة، وطلب من السيّد أن يباشر الدراسة، وكانت الاتّصالات لهذا الغرض فقط.
والأمر الآخر هو: أنّ بعض شرطة الأمن سألوا خادم السيّد: متى سيباشر السيّد أبحاثه ودروسه؟ ولهذا السبب ـ أيضاً ـ تظاهروا بفكّ الحجز عن السيّد الشهيد في الشهر الأخير من الاحتجاز، فقد استهدفوا إعادة الكرّة لعلّهم يفلحون في اغتيال المرجع المظلوم بدل إعدامه بشكل مباشر.
الإبلاغ الرسميّ بالاحتجاز
بعد أن فشلت السلطة العميلة في محاولاتها الإجراميّة لاغتيال السيّد الشهيد أبلغتنا السلطة الاحتجاز، فقد اتّصل مساعد مدير الأمن العامّ المجرم (أبو أسماء) مدير الشعبة الخامسة، وأخبر: بأنّ السيّد محتجز، ولايحقّ له الخروج من المنزل.
$
', '', 124), (21, 125, 'book', 'وقد قامت السلطة المجرمة بقطع الماء والكهرباء والتلفون عن منزل السيّد الشهيد، وبقينا أيّاماً بهذه الحال».
انتهى ما أردت نقله هنا من الشيخ النعمانيّ (حفظه الله) بتغيير يسير.
وقبل أن أنتقل إلى ذكر الاعتقال الرابع أذكر هنا اتّصالاً هاتفيّاً لاُستاذنا الشهيد(قدس سره)في أيّام احتجازه في البيت: اتّصل بأحد الأشخاص في إيران، وقرأ عليه ما يكون كجواب عن برقيّة أرسلها السيّد الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ إليه يستفسره عن حاله، وأكبر الظنّ أنّ الاُستاذ الشهيد قد سمع البرقيّة بتوسّط إذاعة إيران.
وعلى أيّة حال، فنصّ الجواب ما يلي:
«سماحة آية الله العظمى الإمام المجاهد السيّد الخمينيّ دام ظله: استمعت إلى برقيّتكم التي عبّرتم بها عن تفقّدكم الأبوىّ لي، وإنّي إذ لايتاح لي الجواب على البرقيّة ـ لأ نّي مودع في زاوية البيت، ولايمكن أن أرى أحداً أو يراني أحد ـ لايسعني إلّا أن أسأل المولى ـ سبحانه وتعالى ـ أن يديم ظلّكم مناراً للإسلام، ويحفظ الدين الحنيف بمرجعيّتكم القائدة، أسأله تعالى أن يتقبّل منّا العناء في سبيله، وأن يوفّقنا للحفاظ على عقيدة الاُمّة الإسلاميّة العظيمة، وليس لحياة أىّ إنسان قيمة إلّا بقدر ما يعطي لاُمّته من وجوده وحياته وفكره، وقد أعطيتم للمسلمين من وجودكم وحياتكم وفكركم ما سيظلّ به على مدى التأريخ مثلاً عظيماً لكلّ المجاهدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
$
', '', 125), (21, 126, 'book', 'الاعتقال الرابع
اعتقل (رحمه الله) بعد ظهر يوم السبت في الساعة الثانية والنصف يوم (19 / جمادى الاُولى 1400)، وجاء بعض الجلاوزة في ليلة الأربعاء بعد نصف الليل المصادف (23 / جمادى الاُولى 1400) إلى بيت أحد أبناء عمّ اُستاذنا الشهيد، وهو المرحوم الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر(قدس سره) لغرض إحضاره في عمليّة دفن اُستاذنا الشهيد بعد إراءتهم لجثمانه الطاهر إيّاه، وقد واروه في مضجعه بحضور السيّد محمّد صادق(رحمه الله).
وإليك تفصيل الكلام عن استشهاده، وعن دوافع السلطة الجائرة إلى قتله:
$
', '', 126), (21, 127, 'book', 'استشهاده (رضوان اللّه تعالى عليه)
إنّ اُستاذنا الشهيد الصدر (رحمه الله) لو كان يكفّ عن خدمة المبدأ والعقيدة، ويصبو إلى الدعة والراحة والالتذاذ بالزعامة، لكان صدام يغفر له ما سلف منه من تأسيس حزب الدعوة الإسلاميّة، وتأليف الكتب المبدئيّة، وتربية علماء للإسلام، وما إلى ذلك من خدماته الجليلة، ولكن هيهات للمرجعيّة الصالحة أن تخضع لمتطلّبات الكفر، وتخضع لطاغوت الزمان. وكانت المؤشّرات لدى البعث الكافر في العراق، ولدى الاستكبار العالميّ تدلّ على أنّ الصدر لو ترك لكان خمينيّاً ثانياً في العالم الإسلاميّ، وهي كثيرة(1)، منها ما يلي:
$
', '(1) ومن جملتها: نصّ رسالة هاتفيّة اُرسلت إلينا لغرض إيصالها إلى السيّد الإمام دام ظلّه، فكتبناها، وأوصلناها إلى السيّد الإمام، والنصّ الواصل إلينا هو باللّغة الفارسيّة حيث ترجمت فى النجف الأشرف، وقرئت علينا باللّغة الفارسيّة هاتفيّاً، فشكّلنا وفداً من أبناء اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) فى إيران لزيارة السيّد الإمام دام ظلّه؛ لإبلاغ النصّ الفارسىّ إليه مع تهانى وتبريكات اُستاذنا الشهيد بمناسبة انتصار الثورة الإسلاميّة. وكان الوفد مؤتلفاً منّى، ومن السيّد نورالدين الإشكوري، والسيّد محمّدباقر المهريّ، وإليكم النصّ الفارسىّ:
بسمه تعالى
حضرت آية الله العظمى الإمام المجاهد الخمينى دام ظلّه
اين نامه را به حضرت عالى در يكى از حسّاسترين لحظات تاريخ اسلام مينويسم تا بدين وسيله اعتماد واعتزاز بى نهايت خود را نسبت بپيروزيهاى غرور آفرين ملّت مسلمان ايران اظهار كنم.
پيروزيهاى پى در پى وچشمگيرى كه با رهبرى خردمندانه آن حضرت صورت گرفت وبرنامه نجات بخش اسلامى را بجاى دو تمدّن وايديئولوجى متقابل شرق وغرب به بشريّت عرضه داشت.
پيروزى شكوهمندى كه با همّت عظيم ملّت مسلمان ايران به رهبرى حكيمانه آن حضرت تحقّق پيدا كرد واين سرزمين اسلامى را از لوث شبح طاغوت روز پاك كرد وشرافت وكرامت ملّت مسلمان ايران را كه جريحه دار شده بود از نو احياء وزنده كرد.
پيروزى تاريخى بزرگى كه با سعى ومجاهدت روحانيّت بيدار وآزاد اسلام به رهبرى آن حضرت صورت گرفت وبا همبستگى وهمفكرى تمام نيروهاى فكرى وروحانى وعملى جامعه روحانيّت بثمر رسيد كه در باب خود در تاريخ مجاهدات جامعه روحانيّت شيعه كم نظير است وهمين وحدت ويكپارچگى وهمبستگى بود كه اين پيروزى بزرگ اسلامى را براى جامعه مسلمان ايران تضمين نمود.
ودر اين هنگام كه با اميد ودعاى فراوان از درگاه الهى چشم براه مراحل بعدى پيروزى اين نهضت عظيم اسلامى هستيم همه وجود وامكانات خود را در خدمت آن وجود بزرگ ونهضت مقدّس اسلامى ميگذاريم واز خداوند متعال خواستاريم كه در عمر وعزّت آن حضرت بيافزايد وآرزوهاى ديرينه وبزرگ ما را در سايه مرجعيّت ورهبرى آن حضرت محقّق بفرمايد إن شاء الله.
محمّدباقر صدر
', 127), (21, 128, 'book', '
1 ـ إفتاؤه بحرمة الانتماء إلى حزب البعث العميل.
2 ـ إفتاؤه بالكفاح المسلح ضدّ حزب البعث الكافر.
3 ـ دعمه للثورة الإسلاميّة في إيران، ولقيادة الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ بكلّ ما اُوتي من قوّة، وأكتفي هنا بذكر بعض الأرقام من دعمه للثورة الإسلاميّة، ولقائدها الفذّ العظيم، وهي: رسالتان وبرقيّة، أرسل الاُولى إلى الشعب الإيرانيّ المسلم قبل انتصار الثورة الإسلاميّة، حينما كان الإمام الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ في باريس، وأرسل الثانية بعد انتصار الثورة الإسلاميّة المباركة إلى طلّابه الأعزّاء الذين هاجروا إلى إيران، وأرسل البرقيّة إلى العرب الساكنين في إيران.
وإليك نصّ الرسالتين والبرقيّة:
الرسالة الاُولى: وهي موجّهة إلى الشعب الإيرانيّ قبل الانتصار:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمّد خير خلقه وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين.
وبعد: فإنّنا في النجف الأشرف إذ نعيش مع الشعب الإيرانيّ بكلِّ قلوبنا، ونشاركه آلامه وآماله، نؤمن أنّ تأريخ هذا الشعب العظيم أثبت أنّه كان ولايزال شعباً أبيّاً شجاعاً، وقادراً على التضحية والصمود من أجل القضيّة التي يؤمن بها، ويجد فيها هدفه وكرامته. ونحن إذا لاحظنا مسيرة هذا الشعب النضاليّة خلال الفترة المنظورة من هذا القرن، وجدنا أنّه خاض فيها بكلّ بطولة وإيمان عدداً من المعارك الباسلة في سبيل الحفاظ على
', '', 128), (21, 129, 'book', 'كرامته، وتحقيق ما آمن به من طموحات خيّرة، وأهداف عالية، فمن قضيّة (التبغ) التي استطاع فيها هذا الشعب العظيم أن يكسر الطوق الذي أراد حكّامه ومخدوموهم المستعمرون أن يطوّقوا به وجوده، إلى قضايا (المشروطة) التي قاوم فيها الشرفاء الأحرار من أبناء هذا البلد الكريم ألوان التحكّم والاستبداد، في وقت كان العالم الإسلاميّ فيه غارقاً في أشكال مؤلمة من هذا الاستبداد، إلى الممارسات الفعليّة لهذا الشعب المكافح التي قدّم من خلالها حجماً عظيماً من التضحيات، ولايزال يقدّم، وهو يزداد يوماً بعد يوم إيماناً وصموداً وتأكيداً على روحه النضاليّة.
بين هذه الملاحم النضاليّة يبدوعمق الشخصيّة المذهبيّة للفرد الإيرانيّ المسلم، والدور العظيم الذي يؤدّيه مفهومه الدينيّ، وتمسّكه العميق بعقيدته ورسالته ومرجعيّته في مجالات هذا النضال الشريف. وفي كلّ هذه الملاحم نلاحظ: أنّ الروح الدينيّة كانت هي المعين الذي لا ينضب للحركة، وأنّ الشعارات الإسلاميّة العظيمة كانت هي الشعارات المطروحة على الساحة، وأنّ المرجعيّة الرشيدة كانت هي الزعامة التي تلتفّ حولها جماهير الشعب المؤمنة، وتستلهمها في صمودها وجهادها، ولاتوجد هويّة لشعب أصدق انطباقاً عليه وتجسيداً لمضمونه من الهويّة التي يتجلّى بها في ساحة الجهاد والبذل والعطاء، ولم يعبّر شعب عن حرّيّته النضاليّة تعبيراً أوضح وأجلى بما عبّر به الشعب الإيرانيّ المسلم عن هويّته الإسلاميّة، في كلّ ما خاضه من معارك شريفة كانت التعبئة لكلّ واحد منها تتّسم باسم الإسلام، وكانت المشاعر والقلوب تتجمّع على أساسه، وكانت القوى الروحيّة والمرجعيّة الصالحة هي التي تتقدّم المسيرة في نضاله الشريف. ولئن كان الشعب الإيرانيّ قد عبّر عن هويّته النضاليّة الأصليّة باستمرار، فإنّ نهضته الحيّة المعاصرة لهي التعبير الأروع عن تلك الهويّة النضاليّة المؤمنة، التي عبّر بها الشعب الإيرانيّ عن نفسه ولايزال، وهي من أعظم ذخائر الإسلام وطاقاته التي يملكها في التأريخ الإسلاميّ الحديث.
وتشير هذه الهويّة النضاليّة في خلال التجارب الجهاديّة التي مارسها ولايزال يمارسها شعب إيران المسلم إلى عدد من الحقائق تبدو واضحةً كلّ الوضوح، ومن
', '', 129), (21, 130, 'book', 'الضروريّ أن تشكّل إطاراً أساسيّاً ثابتاً لرؤية هذا الشعب لطريقه.
ومن تلك الحقائق الثابتة: أنّ الشعب الإيرانيّ كان يحقّق نجاحه في نضاله بقدر التحامه مع قيادته الروحيّة ومرجعيّته الدينيّة الرشيدة التحاماً كاملاً. واستطاع هكذا أن يحوّل الشعارات التي نادى بها إلى حقيقة. وما من مرّة غفل فيها هذا الشعب المجاهد عن هذه الحقيقة أو استغفل بشأنها إلّا وواجه الضياع والتآمر، فالمرجعيّة الدينيّة الرشيدة والقيادة الروحيّة هي الحصن الواقي من كثير من ألوان الضياع والانحراف.
ومن تلك الحقائق: أنّ القيادات الروحيّة كانت تقوم بدورها هذا وتنجزه إنجازاً جيّداً، بقدر ما يسودها من التلاحم والتعاضد والوقوف جنباً إلى جنب. وما من مرّة استطاع الشعب الإيرانيّ المسلم أن يحقّق نصراً إلّا وكان للتلاحم والتعاضد المذكور دور كبير في إمكانيّة تحقيق هذا النصر.
ومن تلك الحقائق أيضاً: أنّ المبارزة الشريفة لكي تضمن وصولها إلى هدفها الإسلاميّ لا بدّ أن تتوفّر في ظلّها نظرة تفصيليّة واعية وشاملة لرسالة الإسلام ومفاهيمها وتشريعاتها في مختلف مجالات الحياة الاجتماعيّة.
وبقدر ما تتوفّر من أساس فكريّ ورصيد عقائديّ للمبارزة ـ هذه النظرة التفصيليّة التي تميّز المعالم الفكريّة للهويّة النضاليّة ـ تكتسب المبارزة القدرة أكثر فأكثر على ممارسة التغيير، وتحقيق أهدافها الإسلاميّة، وحماية شخصيّتها العقائديّة من تسلّل الآخرين.
وهكذا نرى أنّ المبارزة الشريفة التي تقود الشعب الإيرانىّ المسلم في كفاحه تدعو اليوم ـ أكثر من أىّ يوم مضى ـ بعد أن وصلت إلى هذه المرحلة الدقيقة من مسيرتها، واكتسبت ولاء الاُمّة ـ كلّ الاُمّة ـ على الساحة، أقول: إنّها مدعوّة اليوم ـ أكثر من أىّ يوم مضى ـ إلى أن تنظر بعين إلى الحاجات الفعليّة لمسيرتها، وتنظر بعين اُخرى إلى حاجاتها المستقبليّة، وذلك بأن تحدّد معالم النظرة التفصيليّة من الآن فيما يتّصل بأيديولوجيّتها ورسالتها الإسلاميّة الشريفة، وكما أنّها مرتبطة في النظرة الاُولى إلى الحاجات الفعليّة للمسيرة وتقييمها وتحديد خطواتها بالمرجعيّة الدينيّة المجاهدة كذلك لابدّ أن ترتبط بالنظرة الثانية ـ وفي تحديد معالم أيديولوجيّة إسلاميّة كاملة ـ بالمرجعيّة الدينيّة الرشيدة التي قادت كفاح هذا الشعب منذ سنين؛ لأنّ المرجعيّة هي المصدر الشرعيّ والطبيعىّ للتعرّف على الإسلام وأحكامه ومفاهيمه.
$
', '', 130), (21, 131, 'book', 'كما نرى ـ أيضاً ـ أنّ المبارزة الشريفة قد حقّقت مكسباً كبيراً حينما أفهمت العالم كلّه بخطأ ما كان يتصوّره البعض: من أنّ الإسلام لايبرز للساحة إلّا كمبارز للماركسيّة، وليس من همّه بعد ذلك أن يبارز الطبقة الاُخرى، فإنّ هذا التصوّر كان يستغلّه البعض في سبيل إسباغ طابع التخلّف والتبعيّة على المبارزة الإسلاميّة، وقد تمزّق هذا التصوّر من خلال المبارزة الشريفة التي برزت على الساحة الإيرانيّة باسم الإسلام، وبقوّة الإسلام، وبقيادة المرجعيّة الدينيّة الرشيدة؛ لتقاوم كياناً أبعد ما يكون عن الماركسيّة والماركسيّين.
وقد أثبت ذلك: أنّ الإسلام له رسالته وأصالته في المبارزة، وأنّ الإسلام الذي يقاوم الماركسيّة هو نفسه الإسلام الذي يقاوم كلّ ألوان الظلم والطغيان، وأنّ على المبارزة الشريفة ـ وقد آمن الشعب الإيرانيّ بقيادته الإسلاميّة ـ أن تكون على مستوى هذه المرحلة، وأن تدرك بعمق ما يواجهها من عداء عظيم لتحقيق أهدافه الكبيرة في عمليّة التغيير؛ لأنّ بناء إيران إسلاميّاً ليس مجرّد تغيير في الشكل والأسماء، بل هو ـ إضافة إلى ذلك ـ تطهير للمحتوى من كلّ الجذور الفاسدة، وملء المضمون ملأً جديداً حيّاً تتدفّق فيه القيم القرآنيّة والإسلاميّة في مختلف مجالات الحياة.
ولاشكّ في أنّ البطولة الفريدة التي تحقّقت بها المبارزة في عمليّة مكافحة الواقع الفاسد وهدمه تؤكّد كفاءتها لإدراك هذه المسؤوليّات وعمقها الروحيّ والاجتماعيّ والتاريخيّ.
ونسأل المولى ـ سبحانه وتعالى ـ أن يرعى التضحيات العظيمة التي يقدّمها الشعب الإيرانىّ المجاهد بقيادة علمائه، ويجعل من الدماء الطاهرة التي أراقها السفّاكون على الساحة شموعاً تُضيء بالنور؛ لتخرج إيران من ظلمات الاستبداد والانحراف إلى تطبيق الإسلام الشامل في كلّ مجالات الحياة.
وليست القافلة الأخيرة من الضحايا في مدينة (مشهد) المقدّسة إلّا حلقة جديدة من مجازر الطغاة.
تغمّد الله الشهداء بعظيم رحمته، وألحقهم بشهدائنا السابقين والصدّيقين والصالحين، وحسن اُولئك رفيقاً، والعاقبة للمتّقين، وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون(1).
محمّد باقر الصدر
$
', '(1) هذه الرسالة قرأها اُستاذنا الشهيد(قدس سره) في مكالمة هاتفيّة من النجف الأشرف إلى بيت السيّد الإمام ـ دام ظلّه ـ في باريس.
', 131), (21, 132, 'book', '
الرسالة الثانية: وهي موجّهة بُعَيد الانتصار إلى طلّابه الذين كانوا قد هاجروا إلى إيران، وإليك نصّ الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أولادي وأعزائي، حفظكم الله بعينه التي لاتنام.
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
أكتب إليكم في هذه اللحظات العظيمة التي حقّق فيها الإسلام نصراً حاسماً وفريداً في تأريخنا الحديث على يد الشعب الإيرانيّ المسلم، وبقيادة الإمام الخمينيّ دام ظلّه، وتعاضد سائر القوى الخيّرة، والعلماء الأعلام، وإذا بالحلم يصبح حقيقة، وإذا بالأمل يتحقّق، وإذا بالأفكار تنطلق بركاناً على الظالمين؛ لتتجسّد، وتقيم دولة الحقّ والإسلام على الأرض، وإذا بالإسلام الذي حبسه الظالمون والمستعمرون في قُمقُم يكسر القمقم بسواعد إيرانيّة فتيّة لا ترهب الموت، ولم يثنِ عزيمتها إرهاب الطواغيت، ثُمَّ ينطلق من القمقم ليزلزل الأرض تحت أقدام كلّ الظالمين، ويبعث في نفوس المسلمين جميعاً ـ في مشارق الأرض ومغاربها ـ روحاً جديدة وأملاً جديداً.
إنّ الواجب على كلّ واحد منكم، وعلى كلّ فرد قدّر له حظّه السعيد أن يعيش في كنف هذه التجربة الإسلاميّة الرائدة: أن يبذل كلّ طاقاته وكلّ ما لديه من إمكانات وخدمات، ويضع ذلك كلّه في خدمة التجربة، فلاتوقّف في البذل، والبناءُ يشاد لأجل الإسلام، ولاحدّ للبذل، والقضيّةُ ترتفع رايتها بقوّة الإسلام، وعمليّة البناء الجديد بحاجة إلى طاقات كلّ فرد مهما كانت ضئيلة.
ويجب أن يكون واضحاً أيضاً: أنّ مرجعيّة السيّد الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ التي جسّدت آمال الإسلام في إيران اليوم لابدّ من الالتفاف حولها، والإخلاص لها، وحماية مصالحها، والذوبان في وجودها العظيم بقدر ذوبانها في هدفها العظيم، وليست المرجعيّة الصالحة شخصاً، وإنّما هي هدف وطريق، وكلّ مرجعيّة حقّقت ذلك الهدف والطريق فهي المرجعيّة
', '', 132), (21, 133, 'book', 'الصالحة التي يجب العمل لها بكلّ إخلاص. والميدان المرجعىّ أو الساحة المرجعيّة في إيران يجب الابتعاد بها عن أىّ شيء من شأنه أن يضعف أو لايساهم في الحفاظ على المرجعيّة الرشيدة القائدة.
أخذ الله بيدكم، وأقرّ عيونكم بفرحة النصر، وحفظكم سنداً وذخراً. والسلام عليكم يا أحبّتي ورحمة الله وبركاته.
التوقيع: أبوكم
البرقيّة: وهي مرسلة إلى الشعب العربيّ في إيران، حينما بدت بدايات المخالفة من قبل بعضهم للوضع الإسلاميّ القائم بقيادة السيّد الإمام دام ظلّه، وإليك نصّ البرقيّة:
بسم الله الرحمن الرحيم
شعبنا العربىّ المسلم العزيز في إيران المجاهد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنّي اُخاطبكم باسم الإسلام، وأدعوكم ـ وسائر شعوب إيران العظيمة ـ لتجسيد روح الاُخوّة الإسلاميّة التي ضربت في التأريخ مثلاً أعلى في التعاضد والتلاحم في مجتمع المتقين الذي لافضل فيه لمسلم على مسلم إلّا بالتقوى، مجتمع عمّار بن ياسر، وسلمان الفارسىّ، وصهيب الروميّ، وبلال الحبشىّ، مجتمع القلوب العامرة بالفكر والإيمان، المتجاوزة كلّ حدود الأرض المفتوحة باسم السماء ورسالة السماء، فلتتوحّد القلوب، ولتنصهر كلّ الطاقات في إطار القيادة الحكيمة للإمام الخمينيّ دام ظلّه، وفي طريق بناء المجتمع الإسلاميّ العظيم الذي يحمل مشعل القرآن الكريم إلى العالم كلّه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمّد باقر الصدر
النجف الأشرف ( 16 رجب )
4 ـ نداءاته الثلاثة إلى الشعب العراقيّ المضطهد بصوته الشريف في ضمن شريط مسجّل، والتي أصدرها في أواخر حياته المباركة، وقد اُذيعت بصوته الشريف من إذاعة إيران بعد استشهاده (رحمه الله)، وإليك نصّها:
$
', '', 133), (21, 134, 'book', 'النداء الأوّل:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين.
أيّها الشعب العراقيّ المسلم.
إنّي اُخاطبك أيّها الشعب الحرّ الأبيّ الكريم، وأنا أشدّ إيماناً بك، وبروحك الكبيرة، بتأريخك المجيد، وأكثرهم اعتزازاً بما طفحت به قلوب أبنائك البررة من مشاعر الحبّ والولاء والبنوّة للمرجعيّة؛ إذ تدفّقوا إلى أبيهم يؤكّدون ولاءهم للإسلام، بنفوس ملؤها الغيرة والحميّة والتقوى، يطلبون منّي أن أظلّ إلى جانبهم اُواسيهم وأعيش آلامهم عن قرب؛ لأنّها آلامي.
وإنّي أودّ أن اُؤكّد لك ـ يا شعب آبائي وأجدادي ـ أ نّي معك وفي أعماقك، ولن أتخلّى عنك في محنتك، وسأبذل آخر قطرة من دمي في سبيل الله من أجلك، وأودّ أن اُؤكّد للمسؤولين أنّ هذا الكبت الذي فرض بقوّة الحديد والنار على الشعب العراقىّ، فحرمه من أبسط حقوقه وحرّيّاته في ممارسة شعائره الدينيّة لايمكن أن يستمرّ، ولايمكن أن يعالج دائماً بالقوّة والقمع.
إنّ القوّة لو كانت علاجاً حاسماً دائماً، لبقي الفراعنة والجبابرة!
أسقطوا الأذان من الإذاعة فصبرنا!
وأسقطوا صلاة الجمعة من الإذاعة فصبرنا!
وطوّقوا شعائر الإمام الحسين(عليه السلام)، ومنعوا القسم الأعظم منها فصبرنا!
وحاصروا المساجد وملأوها أمناً وعيوناً فصبرنا!
وقاموا بحملات الإكراه على الانتماء إلى حزبهم فصبرنا!
وقالوا: إنّها فترة انتقال يجب تجنيد الشعب فيها فصبرنا!
ولكن إلى متى؟! إلى متى تستمرّ فترة الانتقال؟! إذا كانت فترة عشرة سنين من الحكم لا تكفي لإيجاد الجوّ المناسب لكي يختار الشعب العراقىّ طريقه، فأىّ فترة تنتظرون لذلك؟! وإذا كانت فترة عشرة سنين من الحكم المطلق لم تتح لكم ـ أيّها المسؤولون ـ إقناع الناس بالانتماء إلى حزبكم إلّا عن طريق الإكراه فماذا تأملون؟! وإذا كانت السلطة
', '', 134), (21, 135, 'book', 'تريد أن تعرف الوجه الحقيقيّ للشعب العراقيّ، فلتجمّد أجهزتها القمعيّة اُسبوعاً واحداً فقط، ولتسمح للناس بأن يعبّروا خلال اُسبوع عمّا يريدون. إنّي اُطالب باسمكم جميعاً، اُطالب بإطلاق حريّة الشعائر الدينيّة، وشعائر الإمام أبي عبدالله الحسين(عليه السلام).
واُطالب باسمكم جميعاً: بإعادة الأذان، وصلاة الجمعة، والشعائر الإسلاميّة إلى الإذاعة.
واُطالب باسمكم جميعاً: بإيقاف حملات الإكراه على الانتساب إلى حزب البعث على كلّ المستويات.
واُطالب باسم كرامة الإنسان: بالإفراج عن المعتقلين بصورة تعسفيّة، وإيقاف الاعتقال الكيفىّ الذي يجري بصورة منفصلة عن القضاء.
وأخيراً، اُطالب باسمكم جميعاً، وباسم القيم التي تمثّلونها: بفسح المجال للشعب؛ ليمارس بصورة حقيقيّة حقّه في تسيير شؤون البلاد، وذلك عن طريق إجراء انتخاب حرّ ينبثق عنه مجلس يمثّل الاُمّة تمثيلاً صادقاً.
وإنّي أعلم أنّ هذه الطلبات سوف تكلّفني غالياً، وقد تكلّفني حياتي، ولكنّ هذه الطلبات ليست طلب فرد ليموت بموته، وإنّما هذه الطلبات هي مشاعر اُمّة وإرادة اُمّة، ولا يمكن أن تموت اُمّة تعيش في أعماقها روح محمّد وعلىّ، والصفوة من آل محمّد وأصحابه. وإذا لم تستجب السلطة لهذه الطلبات، فإنّي أدعو أبناء الشعب العراقىّ الأبىّ إلى المواصلة في حمل هذه الطلبات مهما كلّفه ذلك من ثمن؛ لأنّ هذا دفاع عن النفس، وعن الكرامة، وعن الإسلام رسالة الله الخالدة. والله ولىّ التوفيق.
محمّد باقر الصدر
(20 رجب 1399 هـ )
النداء الثاني:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين.
يا شعبي العراقىّ العزيز.
يا جماهير العراق المسلمة التي غضبت لدينها وكرامتها، ولحريّتها وعزّتها، ولكلِّ ما
', '', 135), (21, 136, 'book', 'آمنت به من قيم ومثل، أيّها الشعب العظيم.
إنّك تتعرّض اليوم لمحنة هائلة على يد السفّاكين والجزّارين الذين هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير، بعد أن قيّدوها بسلاسل من الحديد ومن الرعب والإرهاب، وخيّل للسفّاكين أنّهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزّة والكرامة، وجرّدوها من صلتها بعقيدتها وبدينها وبمحمّدها العظيم؛ لكي يحولّوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من أبناء العراق الأبىّ إلى دُمىً وآلات يحرّكونها كيف يشاؤون، ويزقّونها ولاء (عفلق) وأمثاله من عملاء التبشير والاستعمار، بدلاً عن ولاء محمّد وعلىّ صلوات الله عليهما.
ولكنّ الجماهير دائماً هي أقوى من الطغاة مهما تفرعَنَ الطغاة، وقد تصبر ولكنّها لا تستسلم، وهكذا فوجئ الطغاة بأن الشعب لايزال ينبض بالحياة، ولاتزال لديه القدرة على أن يقول كلمته، وهذا هو الذي جعلهم يبادرون إلى القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الآلاف من المؤمنين والشرفاء من أبناء هذا البلد الكريم، حملات السجن والاعتقال والتعذيب والإعدام، وفي طليعتهم العلماء المجاهدون الذين يبلغني أنّهم يستشهدون الواحد بعد الآخر تحت سياط التعذيب!
وإنّي في الوقت الذي أدرك فيه عمق هذه المحنة التي تمرّ بك يا شعبي ـ يا شعب آبائي وأجدادي ـ اُؤمن بأنّ استشهاد هؤلاء العلماء، واستشهاد خيرة شبابك الطاهرين وأبنائك الغيارى تحت سياط العفالقة لن يزيدك إلّا صموداً وتصميماً على المضىّ في هذا الطريق حتّى الشهادة أو النصر!
وأنا اُعلن لكم ـ يا أبنائي ـ أ نّي صمّمت على الشهادة، ولعلّ هذا آخر ما تسمعونه منّي، وأنّ أبواب الجنّة قد فتحت؛ لتستقبل قوافل الشهداء حتّى يكتب الله لكم النصر، وما ألذّ الشهادة التي قال عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّها حسنة لاتضرّ معها سيئة». والشهيد بشهادته يغسل كلّ ذنوبه مهما بلغت.
فعلى كلّ مسلم في العراق وعلى كلّ عراقيّ في خارج العراق: أن يعمل كلّ ما بوسعه
', '', 136), (21, 137, 'book', 'ـ ولو كلّفه ذلك حياته ـ من أجل إدامة الجهاد والنضال؛ لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب، وتحريره من العصابة اللاإنسانيّة، وتوفير حكم صالح فذّ شريف يقوم على أساس الإسلام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمّدباقر الصّدر
(10 شعبان )
النداء الثالث:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وعلى آله وصحبه الميامين.
يا شعبي العراقىّ العزيز.
أيّها الشعب العظيم.
إنّي اُخاطبك في هذه اللحظة العصيبة من محنتك وحياتك الجهاديّة بكلِّ فئاتك وطوائفك: بعربك، وأكرادك، بسنّتك، وشيعتك؛ لأنّ المحنة لاتخصّ مذهباً دون آخر، ولا قوميّة دون اُخرى، وكما أنّ المحنة هي محنة كلّ الشعب العراقىّ فيجب أن يكون الموقف الجهادىّ والردّ البطولىّ والتلاحم النضاليّ هو واقع كلّ الشعب العراقىّ.
وإنّي منذ عرفت وجودي ومسؤوليّتي في هذه الاُمّة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعيّ والسنيّ على السواء، ومن أجل العربىّ والكردىّ على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحّدهم جميعاً، وعن العقيدة التي تضمّهم جميعاً، ولم أعِش بفكري وكياني إلّا للإسلام، طريق الخلاص وهدف الجميع.
فأنا معك يا أخي وولدي السُنّيّ بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعيّ، أنا معكما بقدر ما أنتما مع الإسلام، وبقدر ما تحملون من هذا المشعل العظيم؛ لإنقاذ العراق من كابوس التسلّط والذلّ والاضطهاد.
إنّ الطاغوت وأولياءه يحاولون أن يُوحوا إلى أبنائنا البررة من السنّة: أنّ المسألة مسألة شيعة وسنّة؛ ليفصلوا السنّة عن معركتهم الحقيقيّة ضدّ العدوّ المشترك.
$
', '', 137), (21, 138, 'book', 'واُريد أن أقولها لكم يا أبناء علىّ والحسين، وأبناء أبي بكر وعمر: إنّ المعركة ليست بين الشيعة والحكم السنّيّ.
إنّ الحكم السنّيّ الذي مثّله الخلفاء الراشدون، والذي كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل علي السيف للدفاع عنه؛ إذ حارب جنديّاً في حروب الردّة تحت لواء الخليفة الأوّل (أبي بكر)، وكلّنا نحارب عن راية الإسلام، وتحت راية الإسلام مهما كان لونها المذهبىّ.
إنّ الحكم السنّيّ الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بوجوب الجهاد من أجله، وخرج مئات الآلاف من الشيعة، وبذلوا دمهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الإسلام، ومن أجل حماية الحكم السنّيّ الذي كان يقوم على أساس الإسلام.
إنّ الحكم الواقع اليوم ليس حكماً سنّيّاً، وإن كانت الفئة المتسلّطة تنتسب تأريخيّاً إلى التسنّن.
إنّ الحكم السنّيّ لايعني حكم شخص ولد من أبوين سنّيّين، بل يعني حكم أبي بكر وعمر الذي تحدّاه طواغيت الحكم في العراق اليوم في كلّ تصرّفاتهم، فهم ينتهكون حرمة الإسلام وحرمة علىّ وعمر معاً في كلّ يوم وفي كلِّ خطوة من خطواتهم الإجراميّة.
أ لاترون ـ يا أولادي وإخواني ـ أنّهم أسقطوا الشعائر الدينيّة التي دافع عنها علىّ وعمر معاً؟!
أ لاترون أنّهم ملأوا البلاد بالخمور، وحقول الخنازير، وكلّ وسائل المجون والفساد التي حاربها علىّ وعمر معاً؟! أ لاترون أنّهم يمارسون أشدّ ألوان الظلم والطغيان تجاه كلّ فئات الشعب؟! ويزدادون يوماً بعد يوم حقداً على الشعب، وتفنّناً في امتهان كرامته والانفصال عنه، والاعتصام ضدّه في مقاصيرهم المحاطة بقوى الأمن والمخابرات، بينما كان علىّ وعمر يعيشان مع الناس وللناس وفي وسط الناس ومع آلامهم وآمالهم.
أ لاترون إلى احتكار هؤلاء للسلطة احتكاراً عشائريّاً، يسبغون عليه طابع الحزب زوراً وبهتاناً؟! وسدّ هؤلاء أبواب التقدّم أمام كلّ جماهير الشعب سوى اُولئك الذين رضوا
', '', 138), (21, 139, 'book', 'لأنفسهم بالذلّ والخنوع، وباعوا كرامتهم، وتحوّلوا إلى عبيد أذلّاء.
إنّ هؤلاء المتسلّطين قد امتهنوا حتّى كرامة حزب البعث العربىّ الاشتراكىّ، حيث عملوا من أجل تحويله من حزب عقائدىّ إلى عصابة، تطلب الانضمام إليها والانتساب لها بالقوّة والإكراه، وإلّا فأىّ حزب حقيقىّ يحترم نفسه في العالم يفرض الانتساب إليه بالقوّة؟!
إنّهم أحسّوا بالخوف حتّى من الحزب العربىّ الاشتراكيّ نفسه الذي يدّعون تمثيله! أحسّوا بالخوف منه إذا بقي حزباً حقيقيّاً له قواعده التي تبنيه، ولهذا أرادوا أن يهدموا قواعده؛ لتحويله إلى تجميع يقوم على أساس الإكراه والتعذيب؛ ليفقد أىّ مضمون حقيقىّ له.
يا إخواني وأبنائي من أبناء الموصل والبصرة... من أبناء بغداد وكربلاء والنجف... من أبناء سامرّاء والكاظميّة... من أبناء العمارة والكوت والسليمانيّة... من أبناء العراق في كلّ مكان، إنّي اُعاهدكم بأنىّ لكم جميعاً، ومن أجلكم جميعاً، وإنّكم جميعاً هدفي في الحاضر والمستقبل... فلتتوحّد كلمتكم، ولتتلاحم صفوفكم تحت راية الإسلام، ومن أجل إنقاذ العراق من كابوس هذه الفئة المتسلّطة، وبناء عراق حرّ كريم، تغمره عدالة الإسلام، وتسوده كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً ـ على اختلاف قوميّاتهم ومذاهبهم ـ بأنّهم إخوة، يساهمون جميعاً في قيادة بلدهم، وبناء وطنهم، وتحقيق مُثُلهم الإسلاميّة العليا، المستمدّة من رسالتنا الإسلاميّة وفجر تأريخنا العظيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
النجف الأشرف
محمّد باقر الصدر
هذا كلُّه بعض ما يؤشّر ـ في أواخر حياة اُستاذنا الشهيد ـ إلى أنّه لو كانت تستمرّ حياته المباركة، لكانت تتكرّر تجربة إيران الإسلام على يديه في العراق.
لا أقول: إنّ سلطة العراق الكافرة والاستكبار العالميّ اطّلعا على كلّ هذه النقاط وغيرها، لكنّي أقول: إنّهما اطّلعا حتماً على القدر الكافي ممّا يشير إلى هذه النتيجة، إذن
', '', 139), (21, 140, 'book', 'فاغتياله(رحمه الله) حذراً من تكرّر تجربة إيران الإسلام كان أمراً طبيعيّاً جدّاً للاستكبار العالميّ وللسلطة المحلّيّة.
ولنترك أخيراً الحديث للشيخ محمّدرضا النعمانىّ (حفظه الله) كي يكمّل لنا قِصّة الاستشهاد؛ ذلك لأنّ الشيخ النعمانيّ هو التلميذ الوحيد الذي عاش في بيت الاُستاذ الشهيد في أيّام احتجازه في البيت، التي اتّصلت باستشهاده (رضوان الله عليه)، فلنقتطع هنا للقارئين مقاطعَ من نصّ كلامه مع تغيير يسير.
بعض مواقفه الإيمانيّة:
قال حفظه الله:
«قبل أن أبدأ بالحديث عن المواقف المبدئيّة والأصليّة لمفجّر الثورة الإسلاميّة في العراق سيّدنا الشهيد الصدر (رحمه الله) أودّ أن أبدأ ببعض الجوانب التي مازالت تعيش في نفسي وفي وجداني حتّى هذه اللحظة:
إخوتي الأعزّاء، حين كان السيّد الشهيد (رضوان الله عليه) حيّاً كنت أسمع ـ وهو كان يسمع ـ اتّهاماً بأنّه إنسان عاطفىّ أكثر من اللازم، خاصّةً وإنّ ظواهر الاُمور كانت تدلّ على ذلك، ولكن لاأحد يعرف سرّ وأساس عاطفة السيّد الشهيد(رحمه الله)، إلّا اُولئك الذين عاشوا معه، وواكبوه في السرّاء والضرّاء.
إنّني من خلال تماسّي المباشر بالسيّد الشهيد طيلة سنين طويلة أدركت أنّ الجانب العاطفىّ في حياة السيّد الشهيد جانب ظاهر وبارز، ولكن لنا أن نسأل: ما هو الأساس الذي يقوم عليه هذا الجانب من حياة السيّد الشهيد؟ هل هو مجرّد دافع غريزىّ فطرىّ، أو هو قائم على أساس دافع إلهيّ، وتكون العاطفة عاطفةً من أجل الله سبحانه وتعالى، ومن أجل هذا الدين العظيم الذي ضحّى من أجله؟
لدينا أرقام تثبت أنّ الصحيح هو الثاني. وهنا أودّ أن اُشير إلى بعض النماذج:
حينما صدر حكم الإعدام على الشهداء الخمسة: المرحوم الشيخ عارف البصرىّ وصحبه (رضوان الله عليهم) دخلت ذات يوم في حدود الساعة الثالثة ظهراً إلى مكتبة
', '', 140), (21, 141, 'book', 'السيّد الشهيد(قدس سره)، فوجدته في المكتبة يبكي بكاءً شديداً، فقلت له: سيّدي ومولاي، إن كنت أنت هكذا تصنع إذن فماذا يجب أن أصنع أنا؟! حينئذ كفكف(قدس سره) دموعه، وقال لي: يا ابني واللهِ لو أنّ البعثيّين خيّروني بين إعدام خمسة من أولادي وبين إعدام هؤلاء، لاخترت إعدام أولادي، وضحيّت بهم؛ لأنّ الإسلام اليوم يحتاجهم (يعني: الشيخ عارف وصحبه).
هذه العاطفة ليست عاطفة غريزيّة من سنخ العواطف المتعارفة، هذه عاطفة كعاطفة أمير المؤمنين(عليه السلام)، فهو يقتل المئات في ساحات الوغى ثُمَّ في نفس الوقت يجلس إلى جانب طفل يتيم يمسح رأسه ويبكي.
الموقف الثاني الذي مازال في نفسي: حينما وصل إلينا خبر إعدام السيّد الشهيد قاسم شبّر والسيّد قاسم المبرقع، وحينما سمع السيّد الشهيد خلال فترة الاحتجاز بإعدام هؤلاء الشهداء الأبرار مع العشرات من خيرة أبناء العراق قبض السيّد الشهيد(قدس سره) على شيبته الكريمة، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: إلهي بحقّ أجدادي الطاهرين ألحقني بهم.
الشيء الذي أعجزُ عن نقله ـ أيّها الإخوة ـ حالة السيّد ووضعه حينما قبض لحيته الكريمة، والدموع تجري من عينيه، وهو ينادي ربّه بقلب صاف: إلهي، بحقّ أجدادي الطاهرين ألحقني بهم. وكانت الدعوة مستجابة، فلم تمضِ أشهر قليلة إلّا وقد استشهد، (رضوان الله عليه).
موقف آخر في يوم من الأيّام ـ في فترة الاحتجاز ـ وفي حدود الساعة الثانية والنصف ظهراً كنت نائماً في مكتبته، إذ انتبهتُ من النوم على صوت السيّد(قدس سره)، وهو يقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. فظننتُ أنّ حدثاً جديداً قد حدث، فقلت له: سيّدنا خيراً إن شاء الله؟ فقال:
كنت أنظر إلى هؤلاء الأمن ـ الذين كانوا يطوّقون منزل السيّد الشهيد ويحتجزونه ـ فرأيتهم عطاشى، والعرق يتصبّب من جباههم، فتألّمت عليهم، ووددت لو كان بوسعنا سقيهم. فقلت: سيّدي، هؤلاء المجرمون حجزونا، وروّعوا عائلتكم وأطفالكم، فقال: ابني صحيح هذا الذي تقول، ولكنّ هؤلاء ـ أيضاً ـ يجب أن نرقّ عليهم؛ لأنّ هؤلاء إنّما انحرفوا
', '', 141), (21, 142, 'book', 'إمّا لأنّ ظروفهم لم تكن مساعدة، أو لأنّهم لم يحصلوا على تربية صالحة، ولم يعيشوا في بيئة سليمة، ولو خُلّوا وطبعهم، أو وجدوا البيئة المناسبة والصالحة، لكانوا من المؤمنين والمتديّنين.
بهذه الروح الكريمة ينظر السيّد الشهيد إلى أعدائه، فهو سليل جدّه الحسين(عليه السلام) الذي جاد بما لديه من ماء على الجيش الذي قتله فيما بعد. وهكذا فعل السيّد الشهيد(قدس سره)؛ إذ سقاهم بواسطة خادمه (الحاجّ عبّاس) ماءً بارداً شربوه، وهم يحتجزونه.
وكأنّ حالة الصفاء الموجودة لدى السيّد والمتركّزة في أعماقه أثّرت ـ في فترة الاحتجاز لا شعوريّاً ـ بهؤلاء الذين يحتجزونه من حيث لايعلمون؛ إذ إنّ بعضهم اُعدموا بسبب مواقف شجاعة وجريئة أقدموا عليها من أجل السيّد الشهيد.
لقد علمت بخبر إعدام بعضهم، وكنت أعرف أسماءهم؛ إذ كنت أسمع ما يجري بينهم من خلال النافذة، وبعض الوسائل الاُخرى، فتعرّفت بجلّهم، وعندئذ أخبرت السيّد(قدس سره) بأنّ فلاناً أعدموه، وفلاناً أعدموه، فذكّرني بالقِصّة السابقة، وقال: يجب أن تحمل في قلبك الرحمة لكلّ مسلم، فهذه هي رسالتنا.
ومن المواقف التي مازالت تؤثّر في نفسي، ولن أنساها: هو أنّه بعد مضىّ مدّة من الحجز قامت السلطة العميلة بقطع الماء والكهرباء والتلفون، ومنعت دخول وخروج أىّ إنسان إلى بيت السيّد حتّى خادم السيّد، وكانت هناك كمّيّة من المواد الغذائيّة موجودة في دار السيّد، وهي كمّيّة قليلة نفدت خلال مدّة قصيرة، ولم يبقَ عندنا إلّا صندوق من الخبز اليابس التالف، فبدأت عائلة السيّد ترتّب هذا الخبز اليابس كطعام شعبيّ (يعرفه العراقيّون بالمثرودة)، وبقينا مدّةً على هذا الحال، وفي يوم من الأيّام كنت بخدمة السيّد الشهيد ظهراً نتغدّى في ساحة البرّانيّ، لاحظ السيّد الشهيد في وجهي التأثّر والتألّم؛ إذ كان يعزّ علىّ أن أرى هذا الرجل العظيم على هذه الحال! فقال لي: والله إنّ ألذّ طعام ذقته في حياتي هو هذا، قلت: كيف؟! قال: لأنّه في سبيل الله ومن أجل الله.
موقف آخر من المواقف العظيمة: حينما بدأ الاحتجاز، وبعد شهر رمضان المبارك اتّصل هاتفيّاً مدير أمن النجف المجرم (أبو سعد)، وطلب الاجتماع بالسيّد، وكان قد عاد
', '', 142), (21, 143, 'book', 'قبل أيّام من لندن وبعض العواصم الأوروبيّة، لمّا دخل إلى منزل السيّد دخل خاسئاً ذليلاً، وهو يحمل مشروعاً لفكّ الحجز، فقال في جملة ما قال: سيّدنا، إنّ هؤلاء العراقيّين الذين في لندن وفي اُوروبّا قلبوا الدنيا علينا لأجلك، نحن ماذا صنعنا بك؟! إنّهم نشروا صورك في كلّ مكان، ورفعوا لافتات ضدّنا، وأصدروا مناشير ضدّنا، نحن ماذا فعلنا حتّى يواجهونا بهذا الشكل؟!
وكنت أنا في مكان ما أسمع ما يجري بينهما، وبعد أن انتهى اللقاء قال لي السيّد الشهيد: أسمعت؟ فقلت: نعم، فرفع رأسه إلى السماء ـ وهو يقبض لحيته الكريمة بيده والدموع تجري من عينيه ـ ونادى العراقيّين بقوله: «بأبي أنتم لقد نصرتم الإسلام، ونصرتم القرآن!»، وظلّ يردّد: «بأبي أنتم».
هذا الموقف من العراقيّين المقيمين في خارج العراق أثّر في نفس السيّد الشهيد تأثيراً كبيراً؛ لأنّه أثبت للسلطة: أنّ المرجعيّة قوّة ممتدّة إلى كلّ مكان، وأنّ الاُمّة واعية ومدركة، بخلاف ما كانت تظنّه السلطة.
وهكذا كان أمل السيّد من العراقيّين جميعاً. وكان أحد أهمّ الدوافع التي جعلت السيّد(قدس سره)يصرّ على اختيار الاستشهاد ـ رغم الإمكانات التي كانت متاحة لإنقاذه من مخالب السلطة ـ أنّه كان يعتقد أنّ العراقيّين سيثأرون لدمه، ولن يقبلوا بأقلّ من إسقاط الحكم التكريتيّ العميل وإقامة حكومة إسلاميّة، وقد كنت أسمع السيّد الشهيد(قدس سره)يكرّر قوله: «إن لم يُرَقْ دمي أستبعد أن يسقط هذا الحكم». وكان أمله في كلّ واحد منّا أن نكون بمستوى آمال السيّد وبمستوى كلمته «بأبي أنتم».
هل لبّينا هذه الدعوة؟!
وهل حقّقنا للسيّد ما كان يرجوه من دمه؟! وهل نحن حقّاً بمستوى أن يخاطبنا المرجع المظلوم بقوله: «بأبي أنتم»؟!
موقف آخر: وصلت إلينا في يوم من أيّام الحجز رسالة من بعض النجفيّين غير المعروفين بالتديّن، كان فيها عشرة أو خمسة عشر ديناراً، والرسالة مكتوبة بلغة شعبيّة وبسيطة، فيها ألوان التهجّم على السلطة، وفيها الولاء والمحبّة للسيّد الشهيد، ثُمَّ تقول
', '', 143), (21, 144, 'book', 'الرسالة ما معناه: «سيّدنا، نحن لانصلّي ولانصوم، لكنّا نراك مظلوماً، وهؤلاء البعثيّون ظلموك، وقد جمعنا هذا المال البسيط نرجو منك قبوله؛ لأنّك محجوز، وتحتاج إلى المال، ونحن ـ إن شاء الله ـ نأتي غداً في الساعة الثالثة بعد الظهر لنقتل هؤلاء المجرمين ـ الأمن ـ الذين يحتجزونك»!
بعض هؤلاء الأشخاص الموقّعين على الرسالة كنت أعرفهم معرفة إجماليّة، فلمّا سألني السيّد(قدس سره)عنهم أخبرته بوضعهم، فشككنا أن تكون هذه محاولة من السلطة للتعرّف إن كان هناك صلة للسيّد(قدس سره)بالخارج أو لا، ولكن كان المحكّ ما في الرسالة من وعد لقتل أفراد الأمن غداً بعد الظهر.
وقبل الموعد بربع ساعة تقريباً صعدت مع السيّد إلى الغرفة المطلّ شبّاكها على الزقاق الذي تتواجد فيه قوّات الأمن، وبقينا ننتظر.
في الوقت المحدّد رأينا ثلاثة أشخاص ملثّمين اقتحموا هذه المجموعة، وثلاثة آخرين اقتحموا المجموعة الاُخرى من الجانب الآخر، وبدؤوا معركة فريدة، سقط فيها عدد من أفراد الأمن جرحى، ولعلّ بعضهم قد مات فيما بعد، ثُمَّ لاذوا بالفرار، ولم يتمكّنوا من القبض عليهم.
السيّد الشهيد استأنس لمّا رأى ذلك، وقال: «الإسلام يحنّ حتّى إلى هؤلاء». وكان(قدس سره)يعتقد أنّ دمه الزكيّ لو اُريق فإنّه سوف يحرّك حتّى هذه الطبقة من الناس فضلاً عن الواعين والمؤمنين.
موقف آخر: كان بعض المؤمنين يرسلون إلى السيّد في فترة الاحتجاز بعض المبالغ، فكان(قدس سره) يرفض استلامها على رغم حاجته إليها، فقلت له في مرّة من المرّات: سيّدنا، لماذا ترفض المال ونحن في الحجز، وهذا الحجز قد يطول؟! فقال لي: «إنّ والدي السيّد حيدر(رحمه الله)(وكان والده من علماء مدينة الكاظميّة) في الليلة التي توفّي فيها ما ترك لنا ما نقتات به، فبقيت تلك الليلة مع والدتي وأخي المرحوم السيّد إسماعيل واُختي آمنة من دون طعام العشاء؛ إذ لم يكن عندنا ما نشتري به شيئاً نأكله، وأنا الآن ليس بيني وبين أن ألقى ربّي إلّا أن يأتي هؤلاء الظَّلَمة ويقتلوني، وأنتقل إلى جوار أجدادي الطاهرين، فلمن أدّخر المال؟!
$
', '', 144), (21, 145, 'book', 'هذه هي عاطفة السيّد ـ أيّها الإخوة ـ التي أساسها الدافع الإلهىّ، والتقرّب إليه، والسعي إلى رضاه.
القيادة النائبة:
والسيّد الشهيد(رحمه الله) حينما بدأ التحرّك بقصد الإطاحة بحكم الطاغوت وإعلاء كلمة الله، اعتقد أنّه هو بنفسه لن يوفّق لتحقيق الهدف في حياته؛ لأنّه يعرف صدّاماً وطبيعته الإجراميّة، ويعرف النظام الحاكم وقساوته؛ ولذلك فقد وضع مخطّطاً لاستمرار وإنجاح الثورة ـ وإن كان لم يوفّق لتنفيذه ـ بعد استشهاده: وهو ما أسماه بــ (القيادة النائبة). وعلى أيّة حال، فتخطيطه لاستمرار الثورة وكذلك تخطيطه لاُسلوب الشهادة كان على هذا النحو:
قرّر السيّد الشهيد(قدس سره) تشكيل القيادة النائبة التي كان من المفروض أن تقود الثورة في حالة فراغ الساحة من نفسه الزكيّة، وكان تصوّر السيّد الشهيد الأوّليّ لفكرة القيادة النائبة كالتالي:
أوّلاً: يقوم السيّد الشهيد بانتخاب عدد محدود من أصحاب الكفاءة واللياقة ينيط بهم مسؤوليّة قيادة الثورة بعد استشهاده.
ثانياً: يضع السيّد الشهيد قائمة بأسماء مجموعة اُخرى من العلماء والقياديّين الرساليّين، ويكون للقيادة النائبة التي انتخبها السيّد الشهيد اختيارُ أىّ واحد منهم حسب ما تقتضيه المصلحة؛ ليكون عضواً في القيادة، كما أنّ للقيادة اختيارَ أىّ عنصر آخر لم يرد اسمه في هذه القائمة؛ لينضمّ إليها، وذلك على حسب متطلّبات وحاجة الثورة.
ثالثاً: يصدّر السيّد الشهيد عدّة بيانات بخطّه، وتسجّل ـ أيضاً ـ بصوته يطلب فيها من الشعب العراقيّ الالتفاف حول القيادة النائبة وامتثال أوامرها وتوجيهاتها.
رابعاً: يطلب من الإمام القائد السيّد الخمينيّ ـ دام ظلّه ـ دعم القيادة، بعد أن يوصيه بهم.
خامساً: في المرحلة الأخيرة يقوم السيّد الشهيد بإلقاء خطاب في الصحن الشريف بين صلاتي المغرب والعشاء يعلن فيه عن تشكيل القيادة النائبة، ويعلن أسماء أعضائها،
', '', 145), (21, 146, 'book', 'ويطلب من الجماهير مساندتها ودعمها. وقد أمرني السيّد الشهيد(قدس سره)بشراء مسدّس؛ ليستفيد منه في حالة منع الأمن له من الخروج إلى الصحن الشريف، وكان يقول: «وسوف أستمرّ في خطابي حتّى تضطرّ السلطة إلى قتلي في الصحن؛ لأجعل من هذا الحادث بداية عمل القيادة النائبة».
وكان يقول: «ليس كلّ الناس يحرّكهم الفكر، بل هناك من لايحرّكه إلّا الدم»، يعني(قدس سره): أنّه ـ لاشكّ ولاريب ـ لو أنّ الآلاف من أبناء العراق يرون السيّد الشهيد ـ بهذا الوجه المشرق بالإيمان والنور ـ صريعاً في صحن جدّه(عليه السلام)، والدماء تنزف من بدنه الشريف، فسوف يتأثّرون بالمستوى المطلوب الذي يتوقّعه السيّد(رحمه الله).
وظلّ السيّد الشهيد يفكّر ويخطّط في الوسائل الكفيلة بانجاح مشروع القيادة النائبة، ولم أرَه طيلة فترة الحجز اهتمّ بأمر كاهتمامه بمشروع القيادة النائبة، فقد كان يعلّق عليه الآمال، ويرى فيه الحلّ للمشاكل التي قد تواجه الثورة في مسيرتها نحو تحقيق حكم الله في الأرض، وذلك بعد فراغ الساحة منه بعد استشهاده، (رضوان الله عليه).
ولكن «ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه»، فلأسباب خارجة عن إرادة شهيدنا العظيم لم يقدّر لمشروع القيادة النائبة أن يرى النور. ولاحول ولاقوّة إلّا بالله العلىّ العظيم.
المفاوضات التي اُجريت معه:
أمّا المفاوضات التي اُجريت مع السيّد خلال فترة الاحتجاز، فقد حدثت لقاءات عديدة مع السيّد خلال تلك الفترة، كان أوّلها: اللقاء الذي حدث بين السيّد وبين المجرم (أبي سعد) مدير أمن النجف، قال له المجرم متناسياً كلّ ما صدر منهم من اعتداءات على السيّد: نحن ماذا صنعنا كي تتعامل معنا هكذا؟! فقال له السيّد: ما الذي صار؟ فقال المجرم: إنّ حادثة (رجب) كانت ثورة ناجحة لو لاحزم القيادة السياسيّة (يعني: لولا العنف والإرهاب والاضطهاد التي مُورست بحقّ أبناء العراق البررة الذين جاؤوا يبايعون السيّد الشهيد على الولاء والثورة، فلولا الإجراءات القمعيّة التي اتُّخذت بحقّ
', '', 146), (21, 147, 'book', 'هؤلاء، لكانت ثورة ناجحة). قال له السيّد: «أنتم ضغطتم على حرّيّة الناس، ومنعتموهم عن التعبير عن آرائهم وولائهم للمرجعيّة، فجاؤوا إلى هنا؛ ليعبّروا عن بعض ما في نفوسهم فما هو ذنبي؟!».
ثُمَّ طلب المجرم من السيّد أن يفتح باب البيت، ويعود إلى وضعه الطبيعيّ، ويستقبل كلّ من يأتي لزيارته، فرفض السيّد ذلك(1).
ثُمَّ استمرّ مسلسل المفاوضات إلى الفترة التي سبقت استشهاد السيّد(قدس سره)باُسبوع.
إنّني ـ والله ـ طيلة فترة الاحتجاز كنت أرى السيّد الشهيد(قدس سره)يتفانى من أجل الإسلام، ومن أجل المسلمين، ومن أجل العراقيّين المؤمنين المجاهدين، ولم أره يفكّر بنفسه ومصيره، وما سوف يعاني قبل الإعدام من تعذيب وحشىّ في غرف وأقبية الأمن العامّ.
تفاني السيّد الشهيد تفان عظيمٌ، وإخلاصه إخلاص عظيم، والشيء الذي أودّ أن أقوله: هو أنّه مهما فعلنا ومهما قمنا وأدّينا من أعمال جهاديّة ضدّ السلطة الظالمة كوفاء للسيّد الشهيد، لايفي ذلك بجزء يسير من حقّه علينا؛ لأنّ السيّد الشهيد تعذّب واستشهد من أجلنا، وإلّا فإنّه كان بإمكانه أن يجنّب نفسه كلّ المشاقّ والصعاب والآلام التي تحمّلها، ويعيش كأىّ مرجع آخر، ويجنّب نفسه الاستشهاد وهو في هذا العمر.
قِصّة استشهاده(رحمه الله):
أمّا استشهاده(قدس سره)فكان مروّعاً ومؤثّراً، فقد جاء مدير أمن النجف ظهراً ومن دون علم سابق، وقال للسيّد(قدس سره): إنّ المسؤولين يودّون اللّقاء بك في بغداد. فقال السيّد: «إن كانت زيارة فلا أذهب، وإن كان اعتقالاً فاعتقلني». فقال مدير الأمن: «سيّدنا اعتقال». فأخذ السيّد الشهيد وهو في كامل الاطمئنان بالاستشهاد ولقاء الله تعالى وأجداده الطاهرين؛ إذ كان (رضوان الله عليه) قد رأى رؤياً بعد انتهاء المفاوضات مع الشيخ الخاقانيّ: كأنّ أخاه
', '(1) كأنّما كان هذا مصيدة؛ لمعرفة من تبقّى من المخلصين.
', 147), (21, 148, 'book', '
المرحوم السيّد إسماعيل الصدر، وخاله آية الله المرحوم الشيخ مرتضى آل ياسين، كلّ واحد منهما جالس على كرسىّ، وقد جعلوا كرسيّاً في الوسط للسيّد(قدس سره) وملايين الناس من البشر ينتظرونه، فقال لي(قدس سره)بعد أن قصّ علىّ هذه الرؤيا: أنا اُبشّر نفسي بالشهادة! وفعلاً في نفس الاُسبوع استشهد، رضوان الله عليه.
بعد يوم من اعتقال السيّد(قدس سره)جاء أحد ضبّاط الأمن إلى بيت السيّد، وقال: «إنّ السيّد يريد اُختة العلويّة بنت الهدى». وهذه المرأة المظلومة ـ التي مازالت مواقفها وبطولاتها وصمودها وحياتها الحافلة بالجهاد مجهولةً ـ ذهبت وكأنّها أسد في شجاعتها وثباتها وتماسكها غير مبالية بشيء!
بعد اعتقال بنت الهدى بيوم جاؤوا إلى المرحوم الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر، وأروه جثمان السيّد الشهيد، وتمّ الدفن بحضوره، وقد شاهد آثار التعذيب في رأسه الشريف، ولم يسمحوا له برؤية بدنه الشريف. واللهُ يعلم بما قد فعلوا ببدنه الطاهر.
هذا الدم الطاهر الزكىّ هو في الواقع أمانة في أعناقنا، فالسيّد الشهيد حينما كان يقول لنا: يا أبنائي، كان يقولها من قلب صادق، وشعور حقيقيّ، يرانا أبناءً له، فإذا لم نثأر لهذا الدم الطاهر، ونتنازل عن كلّ شيء من أجله، فمن ذا الذي يثأر له؟! وينتقم من ظالميه؟! ويقرّ عين محمّد(صلى الله عليه وآله) وعلىّ والزهراء والحسن والحسين(عليهم السلام)؟! إنّ السيّد الشهيد من هذه الذرّيّة الطاهرة، ومن هذه الشجرة المباركة، فليس من المعقول أن نسكت على دمه الذي هو كدم الحسين(عليه السلام)، ونفس المظلوميّة التي أصابت الحسين سيّد الشهداء أصابت الشهيد والمرجع المظلوم السيّد الصدر، رضوان الله عليه».
انتهى ما أردت نقله من نصّ كلام الشيخ النعمانيّ (حفظه الله) بتغيير يسير.
ولقد أثكل المسلمون في كلّ أنحاء العالم باستشهاده، وسادت مظاهر العزاء والحداد والتظاهرات والإضرابات ومجالس التأبين كلّ أرجاء العالم الإسلاميّ. وقد رثاه الشعراء بقصائد رائعة، ومن أروعها ما أنشأه المرحوم السيّد الدكتور داود العطّار، والتي مطلعها:
$
', '', 148), (21, 149, 'book', 'باقِرَ الصدرِ منّا سلاما *** أىُّ باغ سقاكَ الحِماما
أنتَ أيقظتنا كيف تغفو *** أنت أقسمت أن لَن تناما والقصيدة معروفة.
وأبّنه العلماء الأعلام والمراجع العظام، وعلى رأسهم: آية الله العظمى، مفجّر الثورة الإسلاميّة في إيران، وقائد المسيرة الإسلاميّة في العالم، سماحة الإمام روح الله الموسوىّ الخمينىّ ـ دام ظله ـ الذي قال في تأبينه ما كانت ترجمته باللّغة العربية كالتالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّا لله وإنّا إليه راجعون!
تبيّن ـ ببالغ الأسف ـ من خلال تقرير السيّد وزير الشؤون الخارجيّة، والذي تمّ التوصّل إليه عن طريق مصادر متعدّدة وجهات مختصّة في الدول الإسلاميّة، وحسب ما ذكرته التقارير الواردة من مصادر اُخرى: أنّ المرحوم آية الله الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر وشقيقته المكرّمة المظلومة، والتي كانت من أساتذة العلم والأخلاق ومفاخر العلم والأدب، قد نالا درجة الشهادة الرفيعة على أيدي النظام البعثىّ العراقيّ المنحطّ، وذلك بصورة مفجعة!
فالشهادة تراث ناله أمثال هذه الشخصيات العظيمة من أوليائهم، والجريمةوالظلم ـ أيضاً ـ تراث ناله أمثال هؤلاء ـ جناة التأريخ ـ من أسلافهم الظلمة.
فلا عجب لشهادة هؤلاء العظماء الذين أمضوا عمراً من الجهاد في سبيل الأهداف الإسلاميّة على أيدي أشخاص جناة قضوا حياتهم بامتصاص الدماء والظلم، وإنّما العجب هو أن يموت مجاهدو طريق الحقّ في الفراش دون أن يلطّخ الظلمة الجناة أيديهم الخبيثة بدمائهم!
ولاعجب أن ينال الشهادة المرحوم الصدر وشقيقته المظلومة، وإنّما العجب أن تمرّ الشعوب الإسلاميّة، وخاصّة الشعب العراقىّ النبيل، وعشائر دجلة والفرات، وشباب
', '', 149), (21, 150, 'book', 'الجامعات الغيارى، وغيرهم من الشبّان الأعزّاء في العراق على هذه المصائب الكبرى التي تحلّ بالإسلام وأهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)دون أن تأبه لذلك، وتفسح المجال لحزب البعث اللّعين؛ لكي يقتل مفاخرهم ظلماً الواحد تلو الآخر.
والأعجب من ذلك هو أن يكون الجيش العراقىّ وسائر القوى النظاميّة آلة بيد هؤلاء المجرمين، يساعدونهم على هدم الإسلام والقرآن الكريم.
إنّني يائس من كبار القادة العسكريّين، ولكنّني لست يائساً من الضبّاط والمراتب والجنود، وما أتوخّاه منهم هو: إمّا أن يثوروا أبطالاً، وينقضّوا على أساس الظلمكما حدث في إيران، وإمّا أن يفرّوا من معسكراتهم وثكناتهم، وألّا يتحمّلوا عار مظالم حزب البعث.
فأنا غير يائس من العمّال وموظّفي حكومة البعث المغتصبة، وآمل أن يضعوا أيديهم بأيدي الشعب العراقىّ، وأن يزيلوا هذا العار عن بلاد العراق.
أرجوه تعالى أن يطوي بساط ظلم هؤلاء الجناة.
وها أنا اُعلن الحداد العامّ مدّة ثلاثة أيّام اعتباراً من يوم الأربعاء الثالث من شهر (اُرديبهشت) الثالث والعشرين من نيسان، كما اُعلن يوم الخميس عطلةً عامّة، وذلك تكريماً لهذه الشخصيّة العلميّة، ولهذا المجاهد الذي كان من مفاخر الحوزات العلميّة، ومن مراجع الدين، ومفكّري المسلمين.
وأرجو الخالق تعالى أن يعوّضنا عن هذه الخسارة الكبرى والعظيمة على الإسلام والمسلمين. والسلام على عباد الله الصالحين.
( الثاني من شهر اُرديبهشت سنة 1359 )
روح الله الموسويّ الخمينىّ
هذا كلّ ما أردت تسجيله هنا من ترجمة مختصرة عن حياة شهيدنا الغالي آية الله العظمى، مفجّر الثورة الإسلاميّة في العراق، السيّد محمّد باقر الصدر، تغمّده الله برحمته.
$
', '', 150), (21, 151, 'book', 'وأقول: إنّها ترجمة مختصرة؛ لأنّ حياته الشريفة على رغم قصرها ـ حيث لم يكمل(رحمه الله)السابعة والأربعين من عمره ـ زاخرة ببحر من العطاء والجهاد والفداء والتضحيات، وليست هذه الترجمة عدا اغتراف غرفة من هذا البحر، وبإمكانك أيّها القارئ الكريم أن تطّلع ـ بمطالعة الكتب الاُخرى التي كتبت عنه(رحمه الله) وباستنطاق سائر طلّابه وغيرهم ممّن أدركوه وعاشروه ـ على معلومات اُخرى كثيرة عن حياته المباركة التي كانت كلّها وقفاً لخدمة الدين والعلم، ومازالت ثمرات مشاريعه القيّمة تدرّ على المسلمين بالخيرات والبركات، فهو على رغم اغتيال الاستكبار العالمىّ له سيبقى خالداً مدى الأعوام والدهور من خلال عطاءاته التي لاتنتهي، ومعين علمه وجهاده الذي لاينضب.
ولقد صدق المرحوم الدكتور السيّد داود العطّار(رحمه الله) إذ قال:
يا أبا جعفر سوف تبقى *** مشعلاً هادياً يتسامى
كَذِبَ البعثُ ما زلتَ فينا *** كالخمينىِّ تَهدي الأناما
فسلام الله عليه يوم ولد ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيّاً.
تلميذه الصغير كاظم الحسينيّ الحائريّ
( 20 / شعبان المعظّم / 1406 هـ )
$
', '', 151), (21, 152, 'book', '$
', '', 152), (21, 153, 'book', 'تقريراً لأبحاث سماحة آية اللّه العظمى
الشهيد السيّد محمّدباقر الصدر(قدس سره)
الجزء الأوّل
من
القسم الثاني
تأليف
سماحة آية الله العظمى السيّد كاظم الحسينيّ الحائريّ دام ظلّه
$
', '', 153), (21, 154, 'book', '$
', '', 154), (21, 155, 'book', '$
', '', 155), (21, 156, 'book', '$
', '', 156), (21, 157, 'book', 'بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على نعمائه وبلائه، والصلاة والسلام على محمّد سيّد أنبيائه، وعلى الأئمّة المعصومين من آله صفوة أوليائه.
وبعد، فإنّ قلبي يقطر دماً، ويتقطّع ألماً حينما أراني مُقدِماً على طبع أبحاث اُستاذي الشهيد القيّمة وآرائه الفذّة وهو غائب عنّا، لانستطيع الاستفادة من إشرافه على هذا العمل، قد غيّبته عن أبنائه وعن الاُمّة الإسلاميّة يد الظلم والطغيان المتمثّلة بزمرة البعث الكافرة العميلة المسيطرة على عراقنا الجريح، تلك الزمرة الحاقدة التي لم يروعطشها الدموىّ كلّ تلك الدماء الزاكيات التي أراقتها على مذابح التعذيب والتنكيل، وفي أقبية السجون، وعلى أعواد المشانق، حتّى مدّت يدها إلى أكرم نفس أنجبته أرض العراق المعاصر، وأعظم عبقريّة تجلّت في سماء الفكر الإسلامىّ الحديث، فِلذَة كبد الرسول(صلى الله عليه وآله)، والمرجع الإسلامىّ الذي أضاء بنوره سماء العالم الإسلامىّ، والقائد الذي قلّما شهدت المسيرة الإسلاميّة نظيراً له في التاريخ القريب، سيّدنا ومربّينا واُستاذنا، الشهيد السعيد، آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصّدر، تغمّده الله برحمته.
وإنّي إذ أبتهل إلى الله تعالى أن يتغمّده برضوانه أسأله تعالى أن يمنّ بنصره العاجل على عباده المؤمنين، فيأخذوا بثأرهم من هذه الزمرة العميلة الجاثمة على صدر أُمّتنا في العراق، وأن يصبّ عليهم عذابه ونقمته العاجلة في الدنيا قبل عذاب الجحيم، وأن يقرّ عيون المؤمنين بانتصار الثورة الإسلاميّة في العراق إنّه سميع مجيب.
وها هو بحث القطع من الأبحاث الاُصوليّة القيّمة التي أدلى بها اُستاذنا الشهيد خلال دورته الاُصوليّة، وقد بلغ هذا الموضع من البحث بتأريخ: ربيع الآخر من السنة (1383 هـ ).
صفر / 1406 هـ
كاظم الحسينىّ الحائرىّ
$
', '', 157), (21, 158, 'book', '$
', '', 158), (21, 159, 'book', 'بحث القطع
1
في التقسيم الذي جاء في أوّل ( الفرائد )
وتتضمّن أيضاً:
$
', '', 159), (21, 160, 'book', '$
', '', 160), (21, 161, 'book', 'بدأ الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) بالكلام في التقسيم الذي ذكره الشيخ الأعظم(الأنصارىّ)(رحمه الله)في أوّل فرائده، حيث قال:
«اِعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعىّ فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه، أو القطع، أو الظنّ».
قال اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): يقع الكلام هنا في عِدّة جهات:
الجهة الاُولى في موضوع التقسيم
إنّ موضوع التقسيم في كلام الشيخ(رحمه الله) عبارة عن (المكلّف).
وأورد عليه المحقّق الخراسانىّ(قدس سره)في تعليقته على الرسائل صريحاً ـ على ما أتذكّر ـ وفي الكفاية تلويحاً: أنّ ظاهر كلمة (المكلّف) فعليّة الكُلفة، كما هو شأن المشتقّات الظاهرة في فعليّة التلبّس بالمبدأ، في حين ربّما لاتكون عليه كُلفة في تلك الواقعة التي التفت إليها؛ ولذا أبدل هذا العنوان في الكفاية بعنوان «البالغ الذي وضع عليه القلم» وكأنّ مقصوده وضع مطلق قلم الحكم ولو لم يكن قلم التكليف، كما هو الحال في موارد الإباحة، وإلّا لم يبق فرق بين التعبيرين(1). وعلى أىّ حال، فهذا لايعدوأن يكون نقاشاً
', '(1) يرى صاحب الكفاية ـ على ما يبدومن تعليقته على الرسائل ـ فرقاً آخر ـ أيضاً ـ بين التعبيرين، وهو: أنّ التعبير الأوّل قد يوحي إلى تنجّز التكليف، في حين أنّه ليس الكلام في خصوص من تنجّز عليه التكليف، وإنّما الكلام فيمن وضع عليه القلم سواءٌ وصل الحال إلى مستوى التنجّز أم لا. ومقصوده(قدس سره) من التنجّز: إمّا هو المعنى المصطلح من التنجّز العقليّ، أو مرتبة الفعليّة التامّة على حسب ما يراه من ثبوت المراتب للحكم.
وعلى أىّ حال، فالصحيح: أنّ كلمة (المكلّف) ليس لها ظهور في فعليّة التكليف الإلزامىّ، أو تنجّزه في خصوص الحكم الذي التفت إليه وشكّ أو ظنّ أو تيقّن به؛ كي تكون حاجة إلى تبديل العبارة بعبارة اُخرى، وإن كان لها ظهور في الفعليّة، فإنّما ظهورها في فعليّة الحكم عليه في الجملة ولو بلحاظ بعض الأحكام، وهو مساوق لكلمة (البالغ)، أي: الذي أنهى دور السقوط الكليّ للتكاليف عنه.
', 161), (21, 162, 'book', '
لفظيّاً لاينبغي البحث عنه، والمراد واضح. والعمدة في المقام البحث عن أمرين:
شمول التقسيم لغير البالغ
الأمر الأوّل: أنّ الموضوع لهذا التقسيم هل ينبغي أن يكون خصوص البالغ ـ بأىّ تعبير عبّرنا عنه ـ أو لاوجه لاختصاصه به، بل ينبغي شموله لغير البالغ الذي يكون مميّزاً، بحيث يكون رفع التكليف عنه من باب المنّة، لامن باب عدم قابليّته لتوجّه التكليف إليه؟
الصحيح: هو الثاني؛ وذلك لأنّ غير البالغ ـ أيضاً ـ ربّما تحصل له شبهة حكميّة لابدّ له عقلاً من تحصيل مؤمّن اتّجاهها.
وإنّما قيّدنا الشبهة بكونها حكميّة؛ لأنّ تأسيس قواعد الشبهة الموضوعيّة كقاعدة الفراغ والتجاوز ليس من وظيفة علم الاُصول، والاستصحاب إنّما يجعل من أبحاث مسائل علم الاُصول بلحاظ دعوى جريانه في الأحكام أيضاً.
أمّا كيف يشكّ غير البالغ في الحكم؟ فهذا ما يمكن تصوّره بعدّة أنحاء:
1 ـ أن يشكّ فيما جعل حدّاً للبلوغ: هل هو الدخول في الخامسة عشر، أو إكمالها مثلاً؟
2 ـ أن يشكّ في مفهوم ما جعل حدّاً للبلوغ، كما لو شكّ في مفهوم (الإنبات) سعة وضيقاً.
3 ـ أن يحتمل ثبوت بعض الأحكام على غير البالغ، كما صرّح بعض الفقهاء بثبوت الأحكام الناشئة من قاعدة الملازمة بين حكم العقل بالقبح والحرمة الشرعيّة، كحرمة الظلم على غير البالغين كثبوتها على البالغين.
فلابدّ له من تحصيل مؤمّن من قطع أو ظنّ معتبر، أو العمل بوظيفة الشاكّ الشرعيّة أو العقليّة.
فلو فرضنا أنّ الشخص غير البالغ كان مجتهداً، رجع في القسم الأوّل ـ مثلاً ـ إلى العموم والإطلاق المثبت للتكليف؛ لحجّيّة العامّ عند الشكّ في تخصيص زائد منفصل، فإن لم يتمّ عنده عموم أو إطلاق، رجع إلى الاُصول النافية للتكليف.
وفي القسم الثاني يرجع إلى استصحاب عدم تحقّق مفهوم الإنبات ـ مثلاً ـ إن تمّ عنده
', '', 162), (21, 163, 'book', 'الاستصحاب في مورد الشبهات المفهوميّة، ورآه مقدّماً على عموم العامّ أو الإطلاق، وإن لم يتمّ عنده الاستصحاب في ذلك، رجع إلى عموم التكليف وإطلاقه، وإن لم يتمّ العموم والإطلاق، أو رآه معارضاً للاستصحاب في الشبهات المفهوميّة من دون تقديم أحدهما على الآخر(1)، رجع إلى الاُصول النافية للتكليف.
وفي القسم الثالث يرجع إلى إطلاق دليل رفع التكليف عن الصبىّ ما لم يثبت عنده المقيّد له، فلو رأى أنّ الملازمة العقليّة الثابتة بين حكم العقل وحكم الشرع واسعة بسعة طرفيها بحيث تشمل غير البالغ، قيّد بها إطلاق أدلّة الرفع.
شمول التقسيم لغير المجتهد
الأمر الثاني: أنّ الموضوع لهذا التقسيم هل ينبغي أن يكون خصوص المجتهد؛ لاختصاص الوظائف المقرّرة للظانّ والشاكّ به، أو ليس كذلك؟
اختار المحقّق النائينىّ(قدس سره) وجملة من المحقّقين الأوّل.
والتحقيق: أنّه ينبغي هنا البحث في مقامين:
الأوّل: أنّه هل يكون غير المجتهد داخلاً في هذا التقسيم ولو لأجل كونه كالمجتهد في الجملة في ثبوت وظيفة الشكّ والظنّ له؟ فإنّ ثبوت وظيفة الشكّ والظنّ له في الجملة كاف في دخوله في التقسيم.
$
', '(1) أفاد اُستاذنا الشهيد (رضوان الله عليه): أنّه لو قلنا بجريان استصحاب موضوع المخصّص في الشبهة المفهوميّة، فعندئذ: لو علمنا من الخارج أنّ صدق عنوان موضوع المخصّص ـ لغة ـ ملازم لانتفاء حكم العامّ، وكان المولى سنخ مولىً يترقّب منه كونه بصدد بيان المعنى اللّغويّ، بأن لم تكن نسبته ونسبتنا إلى المعنى اللّغويّ على حدّ سواء، دلّ العامّ بالملازمة على عدم صدق ذلك العنوان، فيكون حاكماً على الاستصحاب.
وإن لم يكن المولى كذلك، وقعت المعارضة بين العامّ والاستصحاب.
وإن لم نعلم من الخارج بذلك، وإنّما كان لدينا عامّ وخاصّ متنافيان لايمكن اجتماع حكمهما على مورد واحد، فالعامّ بعمومه يدلّ على ثبوت حكمه في مورد الشكّ المفهوميّ في عنوان الخاصّ، وصدق ذلك يلازم خروج هذا المورد من دليل الخاصّ إمّا تخصّصاً بأن لايكون عنوان الخاصّ صادقاً في علم الله ـ لغة ـ عليه، أو تخصيصاً بأن يكون عنوان الخاصّ صادقاً عليه، ومع ذلك لايصدق عليه حكم الخاصّ، وعندئذ إن قلنا بتقدّم التخصّص على التخصيص لدى الدوران بينهما، كما لو كان الخاصّ بلسان العموم بناءً على أنّ تخصّص العامّ أولى من تخصيصه، قدّم العامّ على الاستصحاب، وإلّا ـ كما لو كان الخاصّ بلسان الإطلاق مع عدم كون التخصّص أولى من التقييد ـ تعارض العامّ والاستصحاب.
', 163), (21, 164, 'book', '
والثاني: أنّه هل يثبت لغير المجتهد تمام الوظائف المقرّرة للظانّ والشاكّ كالمجتهد، أو لا؟
أمّا المقام الأوّل: فالصّحيح: أنّ غير المجتهد ينبغي إدخاله في التقسيم؛ فإنّه مكلّف بالأحكام الشرعيّة بلا إشكال، فلابدّ له من الالتفات إليها. وإذا التفت إليها فتارة يحصل له القطع بالحكم، كما في الأحكام الضروريّة القطعيّة له، وعندئذ يعمل بقطعه. وهذا هو القسم الأوّل.
واُخرى لايحصل له القطع به، ولكن يوجد لديه طريق ظنّيّ إلى الحكم، كفتوى المجتهد، وعلى هذا التقدير: تارة يحصل له القطع بحجّيّة ذاك الطريق الظنّيّ، فيدخل في القسم الثاني.
واُخرى يشكّ في ذلك، أو لايوجد مجتهد، أو لايتمكّن من الرجوع إليه، فيدخل في القسم الثالث، ويعمل بما يحكم به عقله من الاُصول العقليّة: من براءة، أو احتياط، أو تفصيل. فحال غير المجتهد في الأقسام هو حال المجتهد عيناً.
إلّا أنّه قد يدّعى أنّ الطرق الظنّيّة للمجتهد كثيرة، ولغيره منحصرة في فتوى المجتهد. وهذا لايوجب خروج غير المجتهد عن المقسم.
وأمّا المقام الثاني: فمن المستحسن بيانه في ضمن البحث عن عنوان (عمليّة الإفتاء للعامّيّ) وأنّ المجتهد كيف يصحّ له إفتاء العامّيّ وبيان حكمه له؟ ولابأس بأن نلحق بذلك ـ في خاتمة البحث ـ الكلام في حكم المجتهد غير الأعلم: هل يجوز له العمل بفتواه، أو يجب عليه الرجوع إلى الأعلم كما يجب على غير المجتهد الرجوع إلى المجتهد؟ وبهذا يكتمل بحث فنّىّ مهمّ قد أهمله الأصحاب؛ فإنّهم لم ينقّحوا في مورد من الموارد عمليّة الإفتاء للعامّيّ، ولامسألة رجوع غير الأعلم إلى الأعلم وعدم رجوعه إليه:
1 ـ تفسير عمليّة الإفتاء:
وليس المقصود من هذا البحث البرهنة على جواز التقليد، بل المقصود ـ بعد تسليم جواز التقليد بأدلّته المذكورة في محلّها ـ إيضاح الطريقة التي يتمّ بها تعقّل إفتاء المجتهد للعامّيّ، وتقليد العامّيّ له.
$
', '', 164), (21, 165, 'book', 'فنقول: إنّ المرتكز في الأذهان هو: أنّ الإفتاء عبارة عن عمليّة بيان ما عرفه مَنْ هو مِن أهل الخبرة لمن ليس من أهل الخبرة، كما هو الحال في جميع موارد رجوع الجاهل إلى العالم.
وتصوير ذلك واضح بالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة التي عرفها المجتهد بالقطع واليقين؛ لأنّ الحكم الواقعىّ ثابت بشأن الجميع، سواء في ذلك المجتهد والعامّيّ، وإنّما الفرق بينهما هو: أنّ المجتهد ذوخبرة وبصيرة يتمكّن بها من درك الحكم، بخلاف العامّيّ، فرجوعه إليه كرجوع الناس في شتّى الفنون والعلوم من الطبّ والهندسة وغير هما إلى أهل الخبرة.
ولكن يقع الإشكال فيما إذا لم يكشف المجتهد الحكم الواقعىّ بمستوى القطع واليقين، فاضطرّ إلى التنزّل إلى الحكم الظاهرىّ الثابت بأصل أو أمارة، فسوف تواجه عمليّة الإفتاء في الغالب مشكلة اختصاص الحكم الظاهرىّ بالمجتهد، وذلك ليس من جهة أخذ عنوان الاجتهاد في موضوعه، بل لأنّه مقيّد بقيد لايتحقّق إلّا في المجتهد: فحجّيّة خبر الواحد ـ مثلاً ـ مشروطة بالفحص عن المعارض والمخصّص والمقيّد، والحاكم، والذي يقدر على ذلك هو المجتهد، وليس العامّيّ. وحجّيّة استصحاب النجاسة في الماء المتغيّر الزائل تغيّره تتوقّف على يقين سابق، وفحص في الأخبار، وهما لايحصلان إلّا للمجتهد. وأصالة الاشتغال إنّما تجري عند تحقّق العلم الإجمالىّ بأحد حكمين، وهو إنّما يحصل للمجتهد... وعندئذ فالمجتهد بأىّ شيء يفتي العامّىّ؟ بالحكم الواقعىّ، أم بالحكم الظاهرىّ؟
فإن أراد إفتاءه بالحكم الواقعىّ، لم يجز له ذلك؛ لأنّ حاله في ذلك حال العامّىّ، غاية الأمر إمكان افتراض كونه ظانّاً بالحكم الواقعىّ، ولكن الظنّ لايغني من الحقّ شيئاً.
وإن أراد إفتاءه بالحكم الظاهريّ، ورد عليه: أنّ هذا الحكم مختصّ بالمجتهد نفسه، ولم يتحقّق موضوعه بشأن العامّيّ، ويكون حاله حال حكم الولاية والقضاء المختصّين بالفقيه، ولا معنىً لأن يفتي أحداً بما يختصّ بنفسه!!
على أنّه قد يتّفق عدم ثبوت الحكم بشأن المجتهد أيضاً، كما في إفتاء الرجل المجتهد للمرأة بحرمة نظرها إلى الرجال بلا ريبة، مع عدم قطعه بالحرمة الواقعيّة، فهنا يشتدّ الإشكال؛ إذ يقال: إن أراد الإفتاء بالحكم الواقعىّ، فهو غير عالم به، وإن أراد الإفتاء
', '', 165), (21, 166, 'book', 'بالحكم الظاهرىّ، فهو غير ثابت بشأنه، ولابشأن المرأة التي تقلّده، أمّا الأوّل؛ فلعدم حرمة نظر الرجل إلى مثله، وأمّا الثاني؛ فلعدم تماميّة قيود الحكم الظاهرىّ غالباً بشأن العامّيّ.
وهذا الإشكال لو استعصى على الحلّ بحسب الطبع الأوّلي للتقليد، بمعنى: أنّه لم يمكن تطبيق قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة ابتداءً على التقليد، كشفنا بنفس جواز التقليد عن أمر يتمّ به المطلوب، ويثبت به الحكم الظاهرىّ للعامّيّ؛ إذ المفروض مسلّميّة جواز التقليد، وذلك كدعوى: أنّ فحص المجتهد يقوم مقام فحص العامّىّ، فيتمّ بشأنه موضوع حجّيّة خبر الواحد، وكذلك يقينه وشكّه و...
وبيان حقيقة الحال في هذا الإشكال يستدعي البحث عن ثلاثة اُمور:
أوّلاً: هل الأحكام الظاهريّة خاصّة ـ بغضّ النظر عن دليل جواز التقليد ـ بالمجتهد، أو لا؟
ثانياً: لو ثبت اختصاص الحكم الظاهرىّ ـ ابتداءً ـ بالمجتهد، فهل يمنع ذلك عن مصداقيّة التقليد؛ لقاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة قبل اكتشاف نكتة خاصّة من دليل جواز التقليد، أو لا؟
ثالثاً: ما هي النكتة التي تحلّ مشكلة التقليد لو لم يمكن حلّها في المرحلتين الاُولى والثانية، وانحصر الأمر في حلّها بالرجوع إلى دليل جواز التقليد؛ لاكتشاف نكتة الحلّ؟
وتختلف النتيجة باختلاف النكتة، كما تختلف النتيجة بالحاجة إلى نكتة مستفادة من جواز التقليد، وعدم الحاجة إليها؛ لاشتراك الحكم الظاهريّ بينهما ابتداءً، أو لعدم مانعيّة اختصاصه بالمجتهد عن تطبيق قانون الرجوع إلى أهل الخبرة في المقام. وبهذا يخرج البحث عن كونه بحثاً علميّاً صرفاً، وينتهي إلى نتيجة عمليّة.
ولنبحث الآن الأمر الثاني، ثُمَّ الثالث، ثُمَّ الأوّل، فلدينا مقامات ثلاثة للبحث:
المقام الأوّل: في أنّه بناءً على اختصاص الحكم الظاهرىّ بالمجتهد، هل يمكن إدخال التقليد في قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة، بلا حاجة إلى اكتشاف نكتة خاصّة مستنبطة من دليل جواز التقليد، أو لا؟
غاية ما يمكن استفادته من مجموع كلماتهم في الموارد المتفرّقة لتوجيه الحال بحيث
', '', 166), (21, 167, 'book', 'ينطبق قانون الرجوع إلى أهل الخبرة على التقليد في أحكام الشريعة، هو أن يقال: صحيح أنّه كانت حجّيّة الدليل حكماً ظاهريّاً خاصّاً بالمجتهد بحسب الفرض، ولكنّ المحكىّ بالدليل هو حكم واقعىّ مشترك بين العامّيّ والمجتهد، وحجّيّة الدليل عبارة عن طريقيّته وجعله علماً تعبّداً، فالمجتهد بإمكانه أن يفتي بالحكم الواقعىّ الشامل للعامّيّ؛ لأنّه عالم به ولو تعبّداً، ولايفتي بالحكم الظاهرىّ كي يقال: إنّه مختصّ بالمجتهد، فلايكون التقليد فيه مصداقاً للرجوع إلى أهل الخبرة.
ولكن الملحوظ في ذلك:
أوّلاً: أنّ هذا لو تمّ، فهو يختصّ بمورد الأمارات الحاكية عن الواقع، دون مورد الاُصول العمليّة التي ليس مُفادها حكماً واقعيّاً، كي يتمّ فيه القول: إنّ مُفاد دليل حجّيّتها هو العلم التعبّديّ بالواقع وطريقيّتها إلى الواقع، فلايمكن للمجتهد أن يفتي في موردها بالحكم الواقعيّ؛ لعدم علمه به، ولابالحكم الظاهرىّ؛ لاختصاصه بالمجتهد بحسب الفرض.
وثانياً: أنّ هذا لو تمّ في الأمارات، فإنّما يتمّ على مبنىً واحد، وهو مبنى جعل الطريقيّة، كما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، ولايتمّ على سائر المباني، كجعل الحكم المماثل وغيره، فعلى سائر المباني ـ غير جعل الطريقيّة ـ لايمكن للمجتهد الإفتاء بالحكم الواقعيّ؛ لعدم علمه به، ولا بالحكم المماثل أو غيره من الأحكام الظاهريّة؛ لأنّها تختصّ بالمجتهد.
وثالثاً: أنّ هذا لايتمّ حتّى في الأمارات على مبنى جعل الطريقيّة والعلم تعبّداً واعتباراً؛ وذلك لأنّ موضوع الرجوع إلى أهل الخبرة ليس مجرّد كون من يرجع إليه عالماً؛ ولذا أفتوا بعدم جواز التقليد ممّن حصل له العلم بالحكم عن طريق الرمل والأسطرلاب والنوم، ونحو ذلك، بل الموضوع هو خبرويّته، بأن يكون عالماً عن خبرة، والعلم الاعتبارىّ والجعلىّ لايحقّق خبرويّة بالنسبة إلى الإنسان، فلنفرض أنّ دليل جعله عالماً أصبح حاكماً على أدلّة حرمة الإفتاء بغير علم؛ لأنّه أخرجه بالتعبّد عن موضوع الحرمة، وهو عدم العلم، ولكنّ هذا غير كاف لحلّ مشكلة التقليد الذي هو عبارة عن الرجوع إلى أهل الخبرة، ودليل اعتباره عالماً إنّما دلّ على علمه بالاعتبار، ولم يدلّ على اعتباره علماً عن خبرة. وقد اتّضح بهذا العرض: أنّه ـ بعد تسليم اختصاص الحكم الظاهريّ بالمجتهد ـ
', '', 167), (21, 168, 'book', 'لايمكن تطبيق قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة على المقام، من دون افتراض مؤونة زائدة تكشف ببركة دليل جواز التقليد.
المقام الثاني: في أنّه لو لم يمكن تطبيق قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة على التقليد في الأحكام الشرعيّة ابتداءً؛ لعدم اشتراك العامّيّ للمجتهد في الحكم، فما هي النكتة التي نستكشفها من دليل التقليد في سبيل تحقّق الاشتراك في الحكم وتتميم عمليّة التقليد؟
يمكن تتميم عمليّة التقليد بجعل دليل التقليد كاشفاً عن مؤونة زائدة في المقام، وهي: تنزيل حالات المجتهد من الفحص واليقين والعلم الإجمالىّ و... منزلة ثبوتها للعامّيّ، ففحصه فحصه، ويقينه يقينه، و...
وبتعبير آخر يقال: إنّ العامّيّ فحص بوجوده التنزيليّ، وتيقّن بوجوده التنزيلىّ و... فالأحكام الظاهريّة تصبح بذلك مشتركة بين المجتهد والعامّيّ، فيفتيه المجتهد بالحكم الظاهرىّ، ويرجع إليه العامّيّ في ذلك؛ لكونه عالماً به عن خبرة. والتنزيل بالنسبة إلى موارد الحكم العقليّ ـ كالبراءة العقليّة ـ لابدّ أن يكون بمعنى جعل حكم شرعىّ مماثل للحكم العقلىّ وفي رتبته.
وتختلف الثمرة العمليّة لهذا الوجه عن القول باشتراك الحكم بين العامّيّ والمجتهد ـ بغضّ النظر عن جواز التقليد ـ من وجوه، أهمّها اثنان:
الأوّل: أنّه يسقط على هذا الوجه أهمّ أدلّة التقليد، وهو سيرة العقلاء، فإنّ سيرة العقلاء إنّما قامت على رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة، ولم تقم على تلك المؤونة الزائدة، وهي تنزيل حالات المجتهد منزلة ثبوتها للعامّيّ(1).
والثاني: أنّه على هذا الوجه لايجوز للمجتهد الإفتاء، إلّا إذا أحرز جواز تقليد العامّىّ له، بأن أحرز عدالة نفسه، وعرف أنّه أعلم من غيره، أو تساويه لغيره بناءً على جواز تقليد أحد المتساويين؛ وذلك لأنّ حكمه الظاهرىّ إنّما يثبت كونه حكماً ظاهريّاً للعامّىّ بجواز تقليده الدالّ على ذاك التنزيل، فلو لم يعلم بذلك لم يعلم بكون ما يفتي به حكماً للعامّىّ كي يفتيه به، إلّا إذا أحرز موافقته في الرأي لمن يجوز له تقليده، وهذا بخلاف ما لو قلنا
', '(1) بل لايسقط هذا الدليل؛ لأنّ السيرة العقلائيّة في اُمورهم على التقليد تقتضي منهم الجري ـ ولو غفلة ـ على هذا المنوال في الشرعيّات.
', 168), (21, 169, 'book', '
باشتراك الحكم بين المجتهد والعامّيّ ابتداءً وبغضّ النظر عن جواز التقليد(1).
ولنا مسلك آخر متوسّط بين مسلك التنزيل ومسلك اشتراك الحكم ابتداءً، وبغضّ النظر عن دليل التقليد، وهو: أن يقال: إنّ الحكم الذي يفتي به المجتهد يتمّ بالنظر إلى دليل التقليد اشتراكه بين العامّىّ والمجتهد، وإن لم يكن مشتركاً بينهما بغضّ النظر عن دليل التقليد، فلاحاجة إلى فرض مؤونة زائدة، وهي التنزيل.
وبيان ذلك: أنّ التقليد في كلّ مسألة سابقة يثبت موضوع الحكم الظاهريّ في المسألة اللّاحقة، فيقلّد فيها، وهذا يشبه ما يقال في بحث الإخبار مع الواسطة وإن لم يكن مثله تماماً.
مثاله: أنّ المجتهد إذا علم بأحد حكمين، فوجب عليه الاحتياط، فعلمه بذلك ليس منزّلاً منزلة علم العامّىّ، ولكن فتواه بثبوت أحد الحكمين على سبيل الإجمال حجّة في حقّ العامّىّ، فيتحقّق له العلم بأحد الحكمين اعتباراً، فيجب عليه الاحتياط، فيفتيه المجتهد بوجوب الاحتياط.
وأيضاً: لو علم المجتهد بنجاسة الماء المتغيّر بملاقاة النجس، كان ذلك حجّة في حقّ العامّىّ، فقد تمّ له العلم اعتباراً بالنجاسة، فيثبت بشأنه الاستصحاب عند زوال التغيّر، فيفتيه المجتهد بعد زوال التغيّر بالنجاسة استصحاباً.
وأمّا بالنسبة إلى الفحص، ففحص المجتهد عن المعارض لما دلّ على وجوب صلاة الجمعة مثلاً ـ والذي أدّى إلى إفتائه بوجوب صلاة الجمعة؛ لعدم وجدانه للمعارض ـ يفيد العامّىّ، بأن يقال: إنّ فحص كلّ شخص بحسبه، ففحص المجتهد يكون بالتتبّع في كتب الأخبار، وفحص العامّىّ يكون باطّلاعه على إفتاء مجتهده بما كان من نتيجة فحص المجتهد، ففحص العامّىّ عن عدم المعارض عبارة عن فحصه عن إخبار المجتهد بعدم المعارض.
وقد ظهر بما ذكرناه: أنّ نفس وجود فتوى المجتهد في المسألة السابقة يكفي في صحّة فتواه في المسألة اللّاحقة بالنسبة إلى غير جهة الفحص.
وأمّا بالنسبة إلى الفحص، فلابدّ له أن يقصد في إفتائه للعامّىّ: أنّ هذا هو حكمك
', '(1) لايخفى أنّ الثمرة الثانية ليست من الثمرات المهمّة؛ إذ للمجتهد أن يفتي بفتواه، بأن يقول: هذا حكم الله في حقّي وحقّ من يجوز له تقليدي. وليس عليه تشخيص الصغرى.
نعم، قد يشكل الأمر من ناحية كون التصدّي للإفتاء مع عدم جواز تقليده إغراءً للناس بجواز تقليده وتضليلاً لهم. إلّا أنّ هذا ليس ثمرة لبحثنا؛ فإنّه يرد على كلّ المباني في المقام.
', 169), (21, 170, 'book', '
الظاهرىّ لو اطّلعت على استنباطي. وهذه الفتوى ما لم تصل إلى العامّىّ لا أثر لها، وبمجرّد وصولها إليه يتمّ في حقّه موضوع الحكم الظاهرىّ؛ لتحقّق الفحص؛ إذ ليس عليه فحص أكثر من ذلك.
وهذا المسلك يتّحد مع مسلك التنزيل في الثمرة الثانية التي مضى بيانها: من عدم جواز الإفتاء للمجتهد، إلّا بإحراز جواز تقليده للعامّىّ؛ لأنّ ثبوت الحكم للعامّىّ على هذا المسلك ـ أيضاً ـ كان فرعاً لجواز التقليد.
ويمتاز هذا المسلك على مسلك التنزيل بلحاظ الثمرة الاُولى، وهي: سقوط أهمّ أدلّة التقليد، أعني سيرة العقلاء، فإنّ السيرة لاتسقط على هذا المسلك؛ لأنّنا لم نحتج في التقليد إلى مؤونة زائدة، كتنزيل حالة المجتهد منزلة ثبوتها للعامّىّ؛ كي يقال بعدم قيام السيرة عليها.
ويمتاز مسلك التنزيل على هذا المسلك بموافقة نتيجته لما هو المركوز في جميع الأذهان من اتّحاد المجتهد والعامّىّ ـ دائماً ـ في الحكم الذي يستنبطه، فإذا كانت حالات المجتهد منزّلة منزلة ثبوتها للعامّىّ في جميع الآثار والأحكام، إذن اتّحد العامّىّ والمجتهد في الحكم دائماً، في حين أنّه يكون علم المجتهد ـ بناءً على مسلكنا الذي أشرنا إليه ـ علماً اعتباريّاً للمقلّد، لاتنزيليّاً، فقد يقع الاختلاف في الحكم بينهما، وذلك فيما إذا وجد حكم يختصّ بالعلم الوجدانىّ دون الاعتبارىّ، فإنّ هذا الحكم يثبت في حقّ العامّىّ على مسلك التنزيل؛ لثبوت العلم الوجدانىّ له تنزيلاً، ولايثبت في حقّه على هذا المسلك.
مثال ذلك: أنّه لو بنينا على ما ذهب إليه بعض من التفصيل ـ في كون العلم الإجماليّ علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة وعدمه ـ بين العلم الوجدانىّ والاعتبارىّ، بكون الأوّل كذلك دون الثاني، فالعلّيّة التامّة للتنجيز ثابتة للمجتهد لدى علمه الوجدانىّ بأحد حكمين إلزاميّين، وغيرُ ثابتة للعامّىّ؛ لأنّ علمه اعتبارىّ، وليس وجدانيّاً، فربّما تجب الموافقة القطعيّة على المجتهد دون العامّىّ. فهذا المسلك مخالف من حيث النتيجة لما هو المركوز في جميع الأذهان من اتّحاد المجتهد والعامّىّ ـ دائماً ـ في الحكم الذي يستنبطه(1).
$
', '(1) لايخفى أنّ هذه النتيجة المخالفة للارتكاز يوجد في مقدّماتها ـ أيضاً ـ ما هو خلاف الارتكاز، وهو فرض العلم الاعتبارىّ سبباً للتنجيز والتعذير؛ فإنّ العلم الاعتبارىّ ـ بالمعنى الذي يختلف جوهريّاً عن العلم التنزيلىّ ـ يكون تأثيره في التنجيز والتعذير غير معقول، كما سيبيّن ـ إن شاء الله ـ في المستقبل، وهو في نفس الوقت خلاف المرتكز العقلائيّ.
ولكن بالإمكان تبنّي نفس المسلك الأخير، وهو: (أنّ التقليد في كلّ مسألة ينقّح موضوع التقليد في المسألة التي بعدها) مع تبديل فرض تفسير حجّيّة فتوى المجتهد للمقلّد بمعنى كونها علماً اعتباريّاً له، بتفسيرها بمثل تنزيل فتواه للمقلّد منزلة العلم في الأثر، وبهذا تنتفي في المقام النتيجة المخالفة للارتكاز.
', 170), (21, 171, 'book', '
إلّا أنّ هذا الارتكاز لم يعلم كونه مأخوذاً من مدرك صحيح؛ كي يكون حجّة، بل هو ناشئ من عدم الالتفات إلى هذه المطالب.
وقد تلخّص من كلّ ما ذكرناه: أنّ عمليّة الإفتاء والتقليد في غير موارد قطع الفقيه بالحكم الواقعيّ، يمكن تفسيرها بأحد مسالك أربعة:
الأوّل: ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ تحقيقه في المقام الثالث من شمول الأحكام الظاهريّة بنفس أدلّتها للعامّىّ، فيفتيه المجتهد بها.
والثاني: ما مضى في المقام الأوّل من دعوى أنّ المجتهد يصبح ببركة الحكم الظاهريّ عالماً اعتباراً بالحكم الواقعىّ للعامّىّ، فيفتيه به.
والثالث: ما ذكرناه في هذا المقام من مسلك التنزيل.
والرابع: ما ذكرناه في هذا المقام من المسلك المتوسّط بين الأوّلين والثالث.
فلو ثبتت صحّة المسلك الأوّل فيما يأتي من بحث المقام الثالث، لم تصل النوبة إلى المسالك الاُخرى، وإلّا وصلت النوبة إلى تلك المسالك، وعندئذ نقول: إنّ المسلك الثاني قد مضى إبطاله، وأمّا المسلك الثالث، فيتوقّف على أمرين:
الأوّل: أن نمتلك دليلاً على التقليد غير سيرة العقلاء؛ لما مضى من أنّ سيرة العقلاء لم تقم على تنزيل حالات العالم منزلة ثبوتها للجاهل.
وهذا ثابت في المقام؛ فإنّ دليل التقليد غير منحصر بسيرة العقلاء.
والثاني: أن لايمكن الأخذ بمفاد دليل التقليد من دون الالتزام بمؤونة زائدة، وهي مؤونة التنزيل، فتثبت تلك المؤونة بدلالة الاقتضاء.
إذن فمادمنا نمتلك المسلك الرابع لاتصل النوبة إلى المسلك الثالث؛ لأنّ الرابع خال عن المؤونة الزائدة.
$
', '', 171), (21, 172, 'book', 'نعم، لو فرضنا أنّ ما أشرنا إليه من مخالفة نتيجة المسلك الرابع ـ أحياناً ـ للارتكاز مبطل لهذا المسلك، تعيّن المسلك الثالث.
هذا، والواقع: أنّ المسلكين الثالث والرابع كليهما مخالفان للارتكاز؛ فإنّ المرتكز هو: اشتراك الحكم في نفسه ـ وبغضّ النظر عن التقليد ـ بين العالم والجاهل. والاعتماد على هذا الارتكاز يعني الكشف إنّاً عن اشتراك الحكم بغضّ النظر عن التقليد ـ إن أمكن ذلك ـ كما في مورد الأمارات، أو في مطلق موارد الأمارات والاُصول، على بيان سيأتي ـ إن شاء الله ـ في ذيل البحث عن المقام الثالث.
وأمّا لو لم نثق بمفاد هذا الارتكاز ـ ولو لفرض قطعيّة بطلانه في موارد الاُصول التي ليس فيها علم اعتبارىّ ـ لم يمكن الكشف عن الحكم المشترك قبل جواز التقليد، ورجعنا مرّة اُخرى إلى المسلك الرابع.
ثُمَّ إنّ هنا امتيازاً لكلّ من المسلك الأول والثالث والرابع على المسلك الثاني، وهو: أنّ تلك المسالك ـ غير المسلك الثاني ـ كما يمكن تطبيقها في الأحكام المشتركة بين المجتهد والمقلّد، كذلك يمكن تطبيقها بوضوح في الأحكام الخاصّة بالمقلّد، كمسائل الحيض والنفاس للمرأة، إذا كان المجتهد رجلاً.
وأمّا المسلك الثاني، وهو: كون المجتهد ببركة الحكم الظاهريّ عالماً اعتباراً بالحكم الواقعيّ، فقد يشكل في الأحكام المختصّة بالمقلّد؛ إذ ليس بشأن المجتهد حكم ظاهريّ كي يكون ببركته محرزاً للحكم الواقعىّ.
والتحقيق في المقام: أنّه لا مانع ثبوتاً من إمكان تماميّة هذا المسلك في الأحكام المختصّة بالمقلّد؛ وذلك لكفاية ترتّب أثر واحد بشأن المجتهد في ثبوت الحكم الظاهريّ له، وذاك الأثر هو: جواز الإفتاء بناءً على أنّ العلم الاعتبارىّ كما يقوم مقام القطع الطريقىّ كذلك يقوم مقام القطع الموضوعىّ(1).
$
', '(1) ولو لا قيامه مقام القطع الموضوعىّ، لما أمكن تصحيح التقليد حتّى في الأحكام المشتركة بالعلم الاعتبارىّ للمجتهد، إلّا بدلالة الاقتضاء لدليل جواز التقليد، فإنّ علم المجتهد موضوع لجواز التقليد، فلايقوم العلم الاعتبارىّ مقام الموضوعيّ، وبالتالي لايتمّ التقليد إلّا بنكتة لزوم لغويّة دليل جواز التقليد الدالّة بالاقتضاء على قيامه مقام الموضوعىّ، وبهذا يسقط مرّة اُخرى أهمّ أدلّة التقليد، وهو سيرة العقلاء؛ إذ لامعنىً لفرض دلالة الاقتضاء للسيرة العقلائيّة.
', 172), (21, 173, 'book', '
ولكنّ الكلام في تماميّة ذلك إثباتاً؛ إذ ما كان من أدلّة حجّيّة الخبر بلسان (صدّق العادل)، أو (ليس لأحد التشكيك فيما يرويه ثقاتنا) ونحو ذلك ممّا ينظر إلى مرحلة العمل؛ لأنّ القطع والشكّ ليسا اختياريّين، فالمقصود هو التصديق والتشكيك العمليّان، أقول: ما كان من الأدلّة بلسان ترتيب الأثر العملىّ، إنّما يدلّ على جعل العلم واعتباره في خصوص المعلوم الذي له أثر عملىّ، فلابدّ من افتراض أثر عملىّ للمعلوم؛ كي يثبت العلم الاعتبارىّ به، ويترتّب بالتالي أثر العلم أيضاً.
أمّا لو لم يكن للمعلوم أثر عملىّ، وكان الأثر خاصّاً بالعلم، فلايشمله الدليل.
نعم، لو ورد مثلاً: (إن أخبرك الثقة، فأنت عالم اعتباراً) كان ذلك شاملاً لفرض ترتّب الأثر على العلم وإن لم يترتّب أثر المعلوم.
المقام الثالث: في أنّ الأحكام الظاهريّة هل تشمل العامّىّ بنفس أدلّتها بلا نظر إلى دليل التقليد، أو لا؟
والإشكال في ذلك كان تارة من ناحية أنّ القطع والظنّ والشكّ بخصوصيّاتها المخصوصة المترتّب عليها الحكم الظاهرىّ لاتحصل للعامّيّ إلّا نادراً.
واُخرى من ناحية أنّ الفحص إنّما يتمكّن منه المجتهد دون العامّىّ إلّا نادراً.
والإشكال من الناحية الاُولى لايمكن الجواب عنه؛ فإنّ نفس القطع والشكّ والظنّ بتلك الخصوصيّات موضوعة للحكم، وهي لاتحصل للعامّىّ(1).
وأمّا الإشكال من الناحية الثانية، وهي الفحص، فبالنسبة إلى الاُصول ـ أيضاً ـ لاعلاج له؛ لأنّها مشروطة بنفس الفحص(2)، والمفروض عجز العامّىّ عن الفحص.
وأمّا بالنسبة إلى الأمارات: فإن قلنا: إنّ حجّيّتها مشروطة بنفس الفحص عمّا بأيدينا من الأخبار، فأيضاً لاعلاج له مادام لم يتمّ الفحص من قبل العامّىّ.
$
', '(1) لو آمنّا في باب الاستصحاب بما احتمله المحقّق الخراسانىّ: من أنّ اليقين السابق إنّما اُخذ طريقاً إلى أن يكون الاستصحاب حكماً بقائيّاً، ونحن نؤمن بذلك، أمكن أن يقال في المقام: إنّ اليقين السابق للفقيه كاف لإفتائه للعامّىّ بالاستصحاب في الشبهات الحكميّة. وأمّا الشكّ، فهو حاصل للعامّىّ، وأمّا الظنّ، فليس هو بوجوده الموضوعىّ في النفس موضوعاً للحكم الظاهرىّ، وإنّما موضوع الحجّيّة هوالأمارة التي تكون في معرض الوصول، وهي أمر واقعيّ.
(2) بل بعدم الحاكم في معرض الوصول، وهذا أمر واقعيّ.
', 173), (21, 174, 'book', '
وأمّا إن قلنا: إنّ نفس الخبر الذي ليس له معارض في معرض الوصول، والعامّ الذي ليس له مخصّص في معرض الوصول و... حجّة، والفحص إنّما هو للكشف عن صغرى الحجّة، فالإشكال في ذلك مرتفع؛ فإنّ المجتهد يكشف بالفحص عمّا هو حجّة عليه وعلى العامّىّ.
فتحصّل: أنّ المسلك الأوّل إن تمّ فإنّما يتمّ في الجملة، ونحن نحتاج غالباً إلى الرجوع إلى غيره من المسالك.
بقي في المقام شيء، وهو: أنّ ما ذكرناه من الإشكال في عمليّة الاستفتاء: من أنّ الحكم الظاهرىّ ـ ابتداءً وقبل جواز التقليد ـ مختصّ بالمجتهد، أمر مغفول عنه في أذهان عامّة الناس من المجتهد والعامّىّ، فالمرتكز هو: أنّ ما يستنبطه المجتهد يكون من أوّل الأمر مشتركاً بينه وبين العامّىّ، ومن هنا يمكن أن يدّعى: أنّ مقتضى الإطلاق المقامىّ للأدلّة اللفظيّة للتقليد إمضاء ما في أذهانهم، بمعنى: أنّ الشارع جعل حكماً ظاهريّاً موحّداً للمجتهد والعامّىّ بحيث يترتّب عليه آثار الاشتراك الابتدائىّ.
وتوضيح ذلك: أنّنا تارة نفترض أنّ الدليل اللفظىّ للتقليد دلّ على رجوع العامّىّ إلى المجتهد في حكمه لنفس المجتهد، وهذا يعني: أنّ حكم العامّىّ هو عين حكم المجتهد، وعليه لايوجد في المقام إطلاق مقامىّ لدليل التقليد؛ فإنّه يكفي لكون حكم العامّىّ عين حكم المجتهد ما بيّنّاه في المسلك الرابع: من أنّ التقليد في كلّ مسألة ينقّح موضوع التقليد في مسألة اُخرى. وإن لم يتمّ هذا المسلك، دلّ دليل التقليد رأساً بدلالة الاقتضاء على مسلك التنزيل الذي يوحّد حكم العامّىّ مع حكم المجتهد، وبذلك ينتهي الحديث.
واُخرى نستظهر من الدليل اللفظيّ للتقليد رجوع العامّىّ إلى رأي المجتهد بشأن العامّىّ، لا رجوعه إلى رأي المجتهد بشأن نفسه، وعندئذ يقال: إنّ ظاهر قوله: «رأي المجتهد بشأن العامّىّ حجّة للعامّيّ» هو: أنّ موضوع هذا الحكم بالحجّيّة هو رأي المجتهد بشأن العامّىّ المفروض وجوده بقطع النظر عن هذا الحكم، لاالمتوقّف وجوده على نفس هذه الحجّيّة(1)، وهنا لايمكن حلّ الإشكال بالانتقال مباشرة إلى التنزيل بدلالة الاقتضاء
', '(1) لايبعد أن يقال: إنّ هذا البيان إنّما يتمّ بعد فرض عدم تماميّة المسلك الرابع، ولايقاوم المسلك الرابع؛ فإنّ ظهور دليل التقليد في كون الحكم الذي وقع موضوعاً للحجّيّة ثابتاً بشأن العامّىّ قبل التقليد، ليس بأكثر ممّا هو محفوظ في ضمن المسلك الرابع الذي يحلّ التقليد الواحد إلى عدّة تقاليد، ويكون كلّ تقليد سابق محقّقاً لموضوع التقليد اللاحق ومثبتاً ـ قبل التقليد اللاحق ـ للحكم الذي هو مصبّ التقليد اللاحق، وكان الحكم في مورد التقليد الأوّل مشتركاً بينهما قبل التقليد أيضاً، إذن فالمسلك الرابع لايبطل بهذا الوجه، ولانستطيع أن نستفيد ببركة هذا الوجه فوائد المسلك الأوّل أو الثاني.
', 174), (21, 175, 'book', '
ومن دون المرور بالإطلاق المقامىّ؛ وذلك لأنّ حكم العامّىّ قبل جواز التقليد غير حكم المجتهد، فحكم المجتهد ـ مثلاً ـ هو البراءة؛ للفحص، وانحلال العلم الإجمالىّ، في حين أنّ حكم العامّىّ هو الاحتياط؛ لعدم الفحص، وعدم انحلال العلم الإجمالىّ، فكان على المجتهد أن يفتي العامّىّ بالاحتياط، وإنّما أفتاه بالبراءة لغفلته عن هذه النكتة، واعتقاده بوحدة الحكم بينه وبين العامّىّ قبل جواز التقليد، فالواقع: أنّ المجتهد فهم من دليل التقليد أنّ الشارع أمضى وحدة الحكم الظاهريّ الثابت قبل جواز التقليد، واشتراكه بين المجتهد والعامّىّ، وعندئذ نقول: إنّه كلّما تكلّم المتكلّم بكلام يتخيّل الناس منه شيئاً، لالقصور في العبارة، بل لقصور في فهمهم، يكون مقتضى الإطلاق المقامىّ إمضاء ذلك الشيء، فنستنتج من ذلك كون الأحكام مشتركة بين المجتهد والعامّىّ بغضّ النظر عن التقليد.
ويبقى علينا أن نتصوّر ثبوتاً وجهاً يناسب هذا الاشتراك، فنقول:
إنّ الإشكال كان تارة من ناحية الفحص، واُخرى من ناحية اليقين، وأمّا الشكّ، فهو حاصل للعامّيّ.
أمّا الفحص، فيمكن أن يفرض عدم كونه شرطاً بنفسه، وكون الشرط عدم ثبوت المعارض أو الحاكم فيما بأيدينا من الأخبار، والفحص طريق إليه.
وأمّا اليقين، فيمكن أن يقال: إنّ الشرط في الاستصحاب ـ مثلاً ـ ليس خصوص يقين الشخص، بل يقينه أو يقين شخص آخر، بشرط موافقة يقين الشخص الآخر للواقع، هذا كلّه بلحاظ الأمارات والاُصول الشرعيّة.
وأمّا في الاُصول العقليّة، فيمكن الالتزام بجعل حكم شرعيّ مماثل له بشأن العامّىّ، وتصوير ثبوته بشأن العامّىّ في المرتبة السابقة على جواز التقليد هو عين تصويره في
', '', 175), (21, 176, 'book', 'الاُصول الشرعيّة؛ فإنّ ذاك الحكم المماثل شرعىّ لاعقلىّ(1).
$
', '(1) ونحن نستذوق إعادة البحث هنا بعيداً عن النقاط التي أوجبت التشويش في الشكل الذي أوردناه في المتن، فنقول:
قال الشيخ الأعظم الأنصارىّ(رحمه الله) في أوّل فرائده:
«اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعىّ فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه، أو القطع، أو الظنّ... ».
وعلّق على ذلك الشيخ الآخوند(رحمه الله) في أوّل تعليقه على كتاب فرائد الاُصول بقوله:
«مراده بالمكلّف: من وضع عليه القلم من البالغ العاقل لاخصوص من تنجّز عليه التكليف؛ وإلّا لما صحّ جعله مقسماً لما ذكر من الأقسام؛ إذ بينها من لم يكن عليه تكليف، أو لم ينجّز عليه... ».
وغيّر(رحمه الله) في كفايته في أوّل بحث القطع كلمة: «المكلّف» بكلمة: «الذي وضع عليه القلم»، ولعلّ كلامه في تعليقه على الفرائد يوضّح نكتة هذا التبديل في العبارة الوارد في الكفاية.
وعلى أيّ حال، فيمكن أن يكون المنظور له(رحمه الله) في تعليقته على الفرائد أحد أمرين:
الأوّل: أنّ كلمة (المكلّف) قد تنصرف ـ ولو بسبب ظهور المشتقّ في المتلبّس بالفعل ـ إلى من عليه التكليف الإلزامىّ ولو في الجملة، أو من تنجّز عليه تكليف مّا، أو من صار تكليف مّا فعليّاً عليه بمرتبة الفعليّة التامّة بحسب ما يراه(رحمه الله)من ثبوت المراتب للحكم ولفعليّته، في حين أنّ البالغ العاقل ربّما لايكون في أوّل بلوغه قد وجب عليه صوم أو صلاة أو أيّ واجب آخر، وهو ـ أيضاً ـ يتّصف بالشكّ أو الظنّ أو القطع، ويرجع إلى نفس وظائف الشكّ أو الظنّ أو القطع، فالأولى تغيير التعبير بــ «الذي وضع عليه القلم»؛ فإنّه أعمّ من أن يكون مكلّفاً بالفعل؛ وذلك إمّا بدعوى شمول مرحلة الجعل له بمجرّد البلوغ بناءً على كون التكليف ذا مراتب، وأوّلها مرتبة الجعل، وأنّ هذه المرتبة تنطبق على الإنسان من أوّل البلوغ، وإمّا بدعوى أنّ وضع القلم يشمل قلم الترخيص بناءً على أنّ الترخيص ـ أيضاً ـ أمر مجعول ويوضع بالقلم، والبالغ إن لم تشمله الواجبات شملته الترخيصات بلا إشكال.
فإن كان هذا هو المراد، فالجواب عنه واضح، وهو: أنّ البالغ لو لم تكن الواجبات فعليّة عليه في أوّل بلوغه، فلا إشكال في فعليّة المحرّمات عليه كشرب الخمر، فعنوان فعليّة التكليف في الجملة عليه ثابت بلا إشكال.
والثاني: أن يكون المقصود: أنّ عنوان «المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعىّ» يعني: المكلّف بنفس الحكم الشرعىّ الذي التفت إليه، وأراد تعيين وظيفته بالنسبة إليه، في حين أنّ ذاك الحكم الشرعيّ ربّما لايكون تكليفاً عليه، بل يكون حكماً ترخيصيّاً، في حين أنّ الحكم الترخيصىّ ـ أيضاً ـ يعتبر وضعاً للقلم مثلاً.
وهذا ـ أيضاً ـ يكون جوابه واضحاً، وهو: أنّه لا نكتة لفرض انصراف هذا العنوان إلى فعليّة التكليف بالنسبة إلى نفس الحكم الشرعيّ الذي أراد تعيين وظيفته بشأنه، بل تعرف فعليّة التكليف به وعدمها بنفس تعيين الوظيفة بشأنه.
وعلى أيّ حال، فلايعدو هذا النقاش عن كونه نقاشاً لفظيّاً غير ذي أهمّية.
وإنّما المهمّ في المقام بحثان:
البحث الأوّل: راجع إلى غير البالغ والذي كان مميّزاً وقابلاً للتكليف وإن رفع عنه امتناناً، فهل ينبغي شمول حديثنا له، أو لامورد للحديث عنه؛ لأنّه على أيّ حال خارج عن قلم التكليف، فلا أثر للبحث عنه؟
الظاهر: أنّ الصحيح هو الأوّل؛ فإنّه حتّى لو كان في علم الله غير بالغ يمكن تصوير شكّه في التكليف، فهو بحاجة إلى تعيين الوظيفة بالقياس إلى المورد مادام أنّ نفي التكليف عنه لم يكن بنكتة عدم قابليّة الشخص للتكليف، بل بنكتة الامتنان، ونذكر لذلك مثالين:
الأوّل: ما لو شكّ في البلوغ، كما لو شكّ في تماميّة الخامسة عشر من عمره، فهل يجري استصحاب عدم البلوغ مثلاً، أو لا؟
ولو لم نرغب في مثال الشبهة الموضوعيّة بسبب أنّ تعيين الوظيفة في مورد الشبهة الموضوعيّة كما في قاعدتي التجاوز والفراغ ليس من وظيفة علم الاُصول، فبالإمكان فرض الشبهة حكميّة، كما لو شكّ فيما جعل حدّاً للبلوغ هل هو الدخول في الخامسة عشر، أو إكمالها مثلاً، أو شكّ في مفهوم ما جعل حدّاً للبلوغ سعةً وضيقاً كالإنبات لو شكّ في أنّ مفهومه هل هو إنبات الشعر الخشن، أو يشمل الشعر الرقيق؟
ولنفترض أنّ هذا الشخص كان مجتهداً كي لايختلط هذا البحث بالبحث الآتي عن شمول حديثنا لغير المجتهد وعدمه، فهنا يبحث هذا الشخص عن أنّه هل يُوجد في أدلّة التكاليف عموم أو إطلاق يمكن الرجوع إليه لإثبات التكليف، أو هل يوجد استصحاب عدم التكليف، ويتقدّم على العموم أو الإطلاق ـ لو كان ـ في الشبهات الموضوعيّة، أو يتعارضان في الشبهات الحكميّة أو المفهوميّة، أم ماذا؟
الثاني: ذكر بعض الفقهاء ثبوت الأحكام الناشئة من قاعدة الملازمة بين حكم العقل بالقبح والحرمة الشرعيّة، أو استحقاق العقاب على غير البالغين كثبوتها على البالغين، وذلك من قبيل حرمة الظلم مادام أنّ نفي التكليف عنه لم يكن لأجل عدم قابليّة الموضوع، فلابدّ له من تحصيل مؤمّن من قطع أو ظنّ معتبر أو العمل بوظيفة الشاكّ الشرعيّة أو العقليّة.
البحث الثاني: راجع إلى غير المجتهد، فهل هذا التقسيم إلى الشاكّ والظانّ والقاطع ينبغي اختصاصه بالمجتهد، أو ينبغي شموله للعامّىّ؟
والبحث هنا يقع في مقامين:
الأوّل: في أنّه هل يكون غير المجتهد داخلاً في هذا التقسيم ولو لأجل كونه كالمجتهد في الجملة في ثبوت وظيفة الشاكّ والظانّ له؟؛ فإنّ ثبوت وظيفة الشكّ والظنّ له في الجملة كاف في دخوله في التقسيم.
والثاني: أنّه هل يثبت لغير المجتهد تمام الوظائف المقرّرة للظانّ والشاكّ كالمجتهد، أو لا؟
أمّا المقام الأوّل: فالصحيح أنّ غير المجتهد ينبغي إدخاله في التقسيم؛ فإنّه مكلّف بالأحكام الشرعيّة بلا إشكال، فلابدّ له من الالتفات إليها، وإذا التفت إليها فتارة يحصل له القطع بالحكم كما في الأحكام الضروريّة القطعيّة له، وعندئذ يعمل بقطعه، وهذا هو القسم الأوّل.
واُخرى لايحصل له القطع به، ولكن يوجد لديه طريق ظنّيّ إلى الحكم كفتوى المجتهد، وعلى هذا التقدير: تارة يحصل له القطع بحجيّة ذاك الطريق الظنّي، فيدخل في القسم الثاني.
واُخرى يشكّ في ذلك، أو لايوجد مجتهد، أو لايتمكّن من الرجوع إليه، فيدخل في القسم الثالث، ويعمل بما يحكم به عقله من الاُصول العقليّة من براءة أو احتياط أو تفصيل، فحال غير المجتهد في الأقسام هو حال المجتهد عيناً. إلّا أنّه قد يدّعى: أنّ الطرق الظنّيّة للمجتهد كثيرة، ولغيره منحصرة في فتوى المجتهد. وهذا لايوجب خروج غير المجتهد عن المقسم.
وأمّا المقام الثاني: فهو البحث عن أنّ الطرق الكثيرة الثابتة للمجتهد من الظنون الحجّة أو الاُصول العمليّة الكثيرة هل هي ثابتة للعامّىّ، أو لا؟
فقد يقال: إنّ هذه خاصّة بالمجتهد، ولاتشمل العامّىّ؛ لأنّ شروط الحجّيّة غير موجودة بشأنه، فحجّيّة خبر الواحد ـ مثلاً ـ مشروطة بالفحص عن المعارض والمخصّص والمقيّد والحاكم، والذي يقدر على ذلك هو المجتهد، وليس العامّىّ.
وهذا في الحقيقة ينتهي إلى الاستشكال في أصل عمليّة التقليد.
وتوضيح الحال هو: أنّ مسألة التقليد ـ بحسب ما هو مركوز في أذهان العقلاء ـ عبارة عن رجوع غير أهل الخبرة إلى أهل الخبرة، وهذا واضح بالنسبة إلى المسائل التي يصل فيها الفقيه إلى القطع واليقين بحكم الله الواقعىّ؛ فإنّ حكم الله الواقعىّ مشترك بين العالم والجاهل، إلّا أنّ الجاهل لايستطيع أن يصل إليه بنفسه؛ لأنّه ليس من أهل الخبرة والبصيرة، في حين أنّ المجتهد هو من أهل الخبرة والبصيرة، فإذا اكتشف الحكم رجع المقلّد إليه رجوع الشخص إلى أهل الخبرة والتخصّص، ولكن ماذا نصنع في الموارد التي لايصل الفقيه فيها إلى اكتشاف الحكم الواقعىّ اكتشافاً قطعيّاً، بل غاية ما يصل إليه عبارة عن الحكم الظاهرىّ من باب حجّيّة الأمارة أو الأصل، وفي غالب الأحيان ليس الحكم الظاهرىّ مشتركاً بين العالم والجاهل؛ لأنّ شروط الحجّيّة غير موجودة بشأن الجاهل: فحجّيّة خبر الواحد ـ مثلاً ـ مشروطة بالفحص عن المعارض والمخصّص والمقيّد والحاكم، والذي يقدر على ذلك هو المجتهد، وليس العامّىّ. وحجّيّة استصحاب النجاسة في الماء المتغيّر الزائل تغيّره تتوقّف على يقين سابق وفحص في الأخبار، وهما لايحصلان إلّا للمجتهد. وأصالة الاشتغال إنّما تجري عند تحقّق العلم الإجمالىّ بأحد حكمين، وهو إنّما يحصل للمجتهد... وعندئذ فالمجتهد بأيّ شيء يفتي العامّىّ؟ هل بالحكم الواقعىّ أو بالحكم الظاهرىّ؟
فإن أراد إفتاءه بالحكم الواقعىّ، لم يجز له ذلك؛ لأنّ حاله في ذلك حال العامّىّ، غاية الأمر إمكان افتراض كونه ظانّاً بالحكم الواقعىّ، ولكن الظنّ لايغني من الحقّ شيئاً.
وإن أراد إفتاءه بالحكم الظاهرىّ، ورد عليه: أنّ هذا الحكم مختصّ بالمجتهد نفسه، ولم يتحقّق موضوعه بشأن العامّىّ، ويكون حاله حال حكم الولاية والقضاء المختصّين بالفقيه، ولامعنىً لأن يفتي أحداً بما يختصّ بنفسه!!
ولايمكن دفع هذا الإشكال بأنّ مفاد الأمارات هو حكم واقعىّ، أي: إنّ الأمارة تحكي عن الحكم الواقعىّ وإن كانت حجّية الأمارات حكماً ظاهريّاً، فالمجتهد يفتي العامّىّ بمفاد الأمارات.
إذ من الواضح ـ بغضّ النظر عن أنّ هذا الحلّ لو تمّ لاختصّ بمورد الأمارات، ولايشمل مورد الاُصول ـ أنّ مجرّد كون الأمارات حاكية عن الحكم الواقعىّ لاأثر له في حلّ الإشكال؛ فإنّ الذي ينفعنا في مقام العمل هو حجّيّتها، والنتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، فالعمل يكون على الحكم الظاهرىّ لاعلى الحكم الواقعىّ.
كما لايمكن دفع هذا الإشكال بمثل مسلك الشيخ النائينىّ(قدس سره): من جعل العلم الاعتبارىّ.
ولابمسلك تنزيل غير العلم منزلة العلم.
فإنّه مضافاً إلى أنّ العلم الجعليّ أو الاعتبارىّ المطروح من قبل الشيخ النائينىّ(رحمه الله) قد طرحه في باب الأمارات دون الاُصول يرد عليهما: أنّ العلم الاعتبارىّ أو التنزيل لايحقّق الخبرويّة حتّى تنطبق في المقام قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة.
وإذا أفلست هذه الأوجه الثلاثة من الجواب بوضوح، قلنا: إنّ هنا أوجهاً اُخرى أكثر عُمقاً من هذه الأوجه التي أمكن تفنيدها بأقلّ التفات:
والوجه الأوّل: أن يقال: إنّ تقليد العامّىّ للمجتهد في الأحكام الظاهريّة ينحلّ في واقعه إلى عدّة تقاليد شبيهاً بما يقال في الأخبار مع الواسطة، فالتقليد في كلّ مسألة سابقة يثبت موضوع الحكم الظاهرىّ في المسألة اللاحقة:
فمثلاً: إذا علم المجتهد بأحد حكمين إلزاميّين، قلّده العامّىّ في ذلك، وثبت له ما هو بمنزلة العلم بأحدهما،أي: قامت الحجّة له على أحد الحكمين، فيفتيه المجتهد ـ عندئذ ـ بوجوب الاحتياط. ولو علم المجتهد بنجاسة الماء المتغيّر بملاقاة النجس، كان ذلك حجّة للعامّىّ على نجاسته، فيثبت بشأنه الاستصحاب عند زوال التغيّر، فيفتيه ببقاء النجاسة استصحاباً. وإذا فحص المجتهد عن المعارض ونفاه، قلّده العامّىّ في ذلك، فثبت له بالحجّة عدم المعارض، وهذا عبارة اُخرى عن فحصه عن عدم المعارض، فأصبح ذاك الخبر حجّة له، فيفتيه المجتهد بحجّيّة ذاك الخبر... وهكذا.
الوجه الثاني: لو لم نقبل بالتحليل الذي مضى؛ وذلك بدعوى: أنّ العامّىّ لايلتفت أصلاً إلى هذا التحليل حتّى تتمّ في قرارات نفسه عدّة تقاليد مترتّبة، فلم يتمّ بذلك تطبيق قانون الرجوع إلى أهل الخبرة على التقليد في الشرعيّات في الأحكام الظاهريّة، كفتنا غفلة الناس عن هذا الإشكال وتطبيقهم ذلك على الأحكام الظاهريّة في الشرعيّات؛ إذ لو لم ترض الشريعة بذلك، لكان عليها أن تردع العقلاء عن تطبيقهم هذا القانون على الفقه بلحاظ الأحكام الشرعيّة ولم تفعل، وهذا معناه: رضا الشريعة بهذه الغفلة وبهذا التطبيق غير الصحيح، فبهذا يصحّ التقليد في جميع الموارد الفقهيّة. ويثبت بذلك: أنّ التقليد المشرَّع في الشريعة الإسلاميّة لايشترط فيه رجوعه دائماً إلى قانون الرجوع إلى أهل الخبرة.
الوجه الثالث: أن يقال: إنّ دليل التقليد ليس منحصراً في السيرة العقلائيّة، بل لدينا نصوص كثيرة تدلّ على التقليد: من قبيل قوله: «أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم» الوسائل، ب 11 من صفات القاضي، ح 33. وقوله: «أما لكم من مفزع؟! أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من حارث بن المغيرة النصرىّ؟!» المصدر نفسه، ح 24. وقوله: «شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريّا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا» المصدر نفسه، ح 27. وغير ذلك من الروايات.
فهذه النصوص دلّت على تقليد الفقيه في جميع الأحكام الشرعيّة الواقعيّة والظاهريّة؛ وبهذا نفهم أنّه لايشترط في التقليد في الشريعة الإسلاميّة رجوعه بالدقّة إلى قانون الرجوع إلى أهل الخبرة.
الوجه الرابع: أن يقال: كما أنّ العامّىّ مشترك مع الفقيه في الأحكام الواقعيّة، فرجوعه إليه فيما قطع به من الأحكام الواقعيّة رجوع إلى أهل الخبرة كذلك هو مشترك معه في الأحكام الظاهريّة، وطبعاً لايفتي الفقيه بحكم ظاهرىّ إلّا إذا حصل له القطع بذلك، فرجوع العامّىّ إليه رجوع إلى أهل الخبرة بلاحاجة إلى تحليل التقليد إلى عدّة تقاليد، وبلاحاجة إلى إخراج التقليد من مساره المفهوم عقلائيّاً: من كونه رجوعاً إلى أهل الخبرة بدعوى إطلاق في روايات التقليد، أو بدعوى إمضاء السيرة العقلائيّة برغم خطئها.
والوجه في ذلك: أنّ موضوع الحكم الظاهرىّ والذي يتخيّل عدم توفّره بشأن العامّىّ: إمّا هو عبارة عن الفحص عن المعارض أو المخصّص أو المقيّد أو الحكم أو الوارد على الأمارات، في حين أنّه ليس الفحص بذاته هو الشرط، وإنّما الشرط هو واقع عدم معارض في معرض الوصول أو مقيّد كذلك أو... وحينما أحرز المجتهد هذا الواقع فقد أحرز أمراً واقعاً نسبته إليه وإلى العامّىّ على حدّ سواء، فيفتيه بالحكم الظاهرىّ المشترك بينهما.
وكذلك الفحص عمّا يدلّ على الوثاقة ليس هو الشرط بذاته لجعل الحجّيّة لخبر الواحد، وإنّما الشرط هو واقع وجود دليل على الوثاقة، وهذا ما يحرزه المجتهد، وهو أمر واقعىّ نسبته إلى الفقيه والعامّىّ على حدّ سواء.
وإمّا هو عبارة عن الشكّ والظنّ؛ فإنّهما المتواجدان في باب الأمارات والاُصول.
ولكنّا نقول: إنّ الشكّ حاصل للعامّىّ، وأمّا الظنّ فليس هو بوجوده الموضوعىّ في النفس موضوعاً للحكم الظاهرىّ، وإنّما موضوع الحجّيّة هو الأمارة التي تكون في معرض الوصول، وهي أمر واقعىّ.
وإمّا هو الفحص المشروط به جريان الاُصول.
وهنا ـ أيضاً ـ نقول: ليس الفحص بنفسه هو الشرط، وإنّما الشرط عدم وجود الحاكم في معرض الوصول، وهو أمر واقعىّ.
نعم، يبقى شيئان:
أحدهما: اليقين السابق في باب الاستصحاب في مثل استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره.
وهذا لاعلاج له إلّا إذا آمنّا بمقالة الشيخ الخراسانىّ(قدس سره): من أنّ اليقين السابق إنّما اُخذ طريقاً إلى أن يكون الاستصحاب حكماً بقائيّاً. ونحن نؤمن بذلك.
وثانيهما: العلم الإجمالىّ بمثل الظهر والجمعة الذي يكون موضوعاً لفتوى المجتهد بوجوب الاحتياط.
وهذا يمكن علاجه بأنّ العلم الإجمالىّ الواسع بالأحكام والمقتضي للاحتياط بقدر الإمكان ثابت للعامّىّ، فكان المهمّ حلّه في موارد الأمارات بحجّيّتها، وقد عرفت أنّ حجّيّتها تابعة لاُمور واقعيّة نسبتها إلى العامّىّ والمجتهد على حدّ سواء، وبقي الباقي الذي يفتي فيه الفقيه بوجوب الاحتياط.
وعلى أيّ حال، فهذا الوجه الرابع بقدر ما يتمّ لايُبقي مجالاً للوجوه السابقة: من دعوى انحلال التقليد إلى عدّة تقاليد، أو دعوى إمضاء السيرة العقلائيّة الخاطئة التي تُرجع التقليد إلى مراجعة أهل الخبرة، أو دعوى كون الأدلّة اللفظيّة مصحّحة للتقليد بعيدة عن النظر إلى مسألة الخبرويّة.
وفي رأينا أنّ هذا الوجه ألطف الوجوه وأصفاها.
', 176), (21, 177, 'book', '
$
', '', 177), (21, 178, 'book', '$
', '', 178), (21, 179, 'book', '$
', '', 179), (21, 180, 'book', '2 ـ حكم المجتهد غير الأعلم
ونبحث هنا عن مدى اعتماد غير الأعلم على رأي نفسه، بمعنى: أنّه هل يحصل له العلم بالوظيفة، فيعمل بما علمه، أو المفروض أنّه لايحصل له العلم، فلايمكنه العمل بالرأي من دون مراجعة الأعلم في ذلك؟؛ إذ من الواضح أنّه لابدّ ـ دائماً ـ من الانتهاء إلى العلم، وما عداه كالظنّ لايغني من الحقّ شيئاً، غاية الأمر أنّ متعلّق العلم هو الحكم الواقعىّ تارة، والحكم الظاهرىّ اُخرى.
والإشكال في اعتماد المجتهد على رأي نفسه يتبلور لدى اجتماع اُمور ثلاثة:
1 ـ أن يعتقد المجتهد أو يحتمل مفضوليّة نفسه عن غيره.
$
', '', 180), (21, 181, 'book', '2 ـ أن يخالفه الأعلم في فتواه.
3 ـ أن يكون مورد الخلاف بينهما من الاُمور الفنّيّة التي يتصوّر فيها البحث والنقاش وتغلّب أحدهما على الآخر، لامن الظهور العرفىّ الساذج الذي لايتصوّر فيه ذلك، ويبقى كلّ واحد منهما مدّعياً لظهور الكلام فيما يراه.
فإذا اجتمعت هذه الفروض الثلاثة، فغير الأعلم يقطع أو يحتمل أنّه لو ناقشه الأعلم في رأيه لعدل عنه، ومع هذا القطع أو الاحتمال لايحصل له العلم بفتواه، فكيف يجوز له العمل برأيه؟! وعدول غير الأعلم عن رأيه بسبب مناقشة الأعلم لرأيه يتصوّر على نحوين:
الأوّل: أن يخرج بذلك عن موضوع الحكم الذي كان يفتي به إلى موضوع حكم جديد، وذلك كما في مسألة البراءة التي موضوعها الشكّ، فغير الأعلم قد يجري البراءة بسبب شكّه في الحكم، في حين أنّه لو ناقشه الأعلم في المسألة قد يخرجه من الشكّ، فينتفي موضوع البراءة بالنسبة إليه، وكما في تمسّكه بإطلاق ﴿أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾ ـ مثلاً ـ الذي موضوعه الشكّ في التقييد، في حين أنّ الأعلم يثبت له التقييد.
والثاني: أن يظهر له خطأه في الحكم من دون تبدّل الموضوع، كما لو قال غير الأعلم باستحالة الترتّب، أو شمول دليل الاستصحاب للاستصحاب المثبت، وأثبت له الأعلم خلاف ذلك.
أمّا القسم الأوّل: فالإشكال فيه أهون منه في القسم الثاني؛ إذ المفروض أنّ مناقشة الأعلم له في الرأي لاتثبت خطأه، وإنّما تؤثّر في تبديل الموضوع، ومن هنا قد يقال: لايجب عليه تبديل الموضوع بمراجعة الأعلم في بحث المسألة، ويجوز له العمل بما يرتئيه.
نعم، يبقى هنا إشكال اشتراط التمسّك بالبراءة أو الإطلاق بالفحص، ومن أنحاء الفحص الرجوع إلى الأعلم في بحث المسألة.
وهذا الإشكال يمكن دفعه بأن يقال: إنّ دليل وجوب الفحص لايشمل الفحص بهذا المعنى، لافي باب الأمارات ولافي باب الاُصول.
أمّا في باب الأمارات، فالدليل على وجوب الفحص عندهم أمران:
$
', '', 181), (21, 182, 'book', 'الأوّل: العلم الإجماليّ، ولكنّ العلم الإجماليّ ـ هنا ـ لم يتحقّق من أوّل الأمر إلّا بمقدار من المخصّص يمكن الحصول عليه بالفحص المستقلّ عن مراجعة الأعلم، إذا كان الفاحص من أهل الفنّ ومصداقاً لعنوان الخبير بالصناعة كما هو المفروض، فالعلم الإجماليّ لايقتضي أكثر من الفحص المستقلّ عن مراجعة الأعلم.
والثاني: اختصاص بناء العقلاء، أو سيرة المتشرّعة على حجّيّة العامّ الصادر عمّن يعتمد ـ دائماً ـ على المخصّصات والمقيّدات المنفصلة بما بعد الفحص. وهذا البناء يمكن دعوى اختصاصه بالفحص المستقلّ ـ أيضاً ـ لمن هو خبير بالصناعة، ولايبنون على الفحص أكثر من ذلك.
وأمّا في باب الاُصول، فالدليل على وجوب الفحص ـ أيضاً ـ أمران:
الأوّل: الإجماع، ومن المعلوم اختصاصه بالفحص المستقلّ، وعدم قيام الإجماع على ضرورة الفحص بمعنى الرجوع إلى الأعلم في البحث.
والثاني: أخبار (هلّا تعلّمت)، وهي ليست في مقام بيان المقدار الواجب من التعلّم، وإنّما هي في مقام بيان أصل وجوب التعلّم(1) فلاتدلّ على وجوب الفحص بهذا المقدار، كما يأتي توضيح ذلك في محلّه إن شاء الله(2).
وأمّا القسم الثاني: فالإشكال فيه أركز منه في القسم الأوّل، ولايتمّ الجواب عنه بما أجبنا به في القسم الأوّل، كما هو واضح.
وهنا نردّ الإشكال، تارة بالنقض، واُخرى بالحلّ:
أمّا الأوّل: فبالنقض بالأعلم؛ فإنّه ربّما يحصل له احتمال مثل الاحتمال الحاصل لغير
', '(1) الأوجه من هذا البيان: دعوى انصراف الأمر بالتعلّم إلى المقدار المتعارف من التعلّم، ويكفي فيه فحص الخبير بالفنّ فيما بيديه من الأدلّة، من دون حاجة إلى مراجعة الأعلم في بحث المسألة.
(2) لايخفى أنّه بناءً على الوجه الذي اخترناه في البحث السابق، وهو تكييف أصل التقليد: بأنّ الأحكام الواقعيّة والظاهريّة مشتركة من أوّل الأمر بين المجتهد والعامّىّ، لايبقى مجال للبحث هنا بهذا الاُسلوب، بل ينبغي أن يقال: إنّ الفحص لم يكن هو الشرط الحقيقي، وإنّما الشرط عدم معرضيّة البيان للمعارض أو الحاكم أو المقيّد أو المخصّص أو التكليف للوصول، فلوكان يحتمل احتمالاً معتدّاً به عقلائيّاً أنّ ذلك يصله بالبحث مع الأعلم، فلامحالة سقطت فتواه عن الحجّيّة. وأمّا النقوض: بمثل فرض أعلم يأتي مستقبلاً، أو فرض أعلم مات، أو فرض صيرورة الأعلم الحالي بعد عشر سنين أعلم منه الآن وأمثال ذلك، فلاتجعل المعارض أو الحاكم أو المقيّد أو بيان الحكم أو نحو ذلك في معرضيّة وصوله الآن، فكلّ أمثال هذه النقوض ساقطة.
', 182), (21, 183, 'book', '
الأعلم، وهناك عدّة مناشئ لحصول هذا الاحتمال له:
الأوّل: أنّ الأعلم ليس ـ دائماً ـ في حالة انشراح الصدر وصفاء الذهن، بل ربّما يبتلي ببعض الأعراض الصحّيّة، أو الروحيّة، أو المشاكل الحياتيّة، ونحو ذلك ممّا يؤثّر في صفاء الذهن، ممّا يجعله يحتمل أنّه لو ناقشه غير الأعلم في رأي يرتئيه في هذه الحالة، لتغلّب عليه في النقاش(1).
الثاني: أنّ الأعلم ربّما يحتمل بشأن نفسه أن يصبح بالمستقبل أعلم منه في هذه الحال، ويعدل عن بعض فتاواه التي يفتي بها الآن.
الثالث: أنّه ليس الفرق ـ دائماً ـ بين الأعلم وغيره بمراتب كثيرة بحيث لايتّفق أن يصبح الأعلم مغلوباً لغير الأعلم في النقاش، بل قد يكون الفارق بينهما قليلاً بحيث قد يَغْلِب وقد يُغْلَب، وإن كانت غلبته أكثر من مغلوبيّته بأضعاف المرّات مثلاً.
الرابع: أنّه ربّما يفرض أعلم الموجودين مفضولاً بالنسبة إلى مجتهد ميّت كالشيخ الأنصاريّ(رحمه الله) مثلاً، ممّا يجعله يحتمل أنّه لو كان يناقشه لكان يعدله عن رأيه، أ فهل يقال: إنّه ـ عندئذ ـ لايجوز له الاعتماد على رأيه؟!
إلّا أنّ هذا الوجه قابل للنقاش؛ فإنّ أعلميّة العلماء الراحلين إنّما تكون بمعنى كونهم أصفى ذهناً وأقوى فهماً وأكثر تأثيراً في دفع عجلة العلم إلى الأمام، في حين أنّ المجتهد الحىّ قد يكون بمستوىً أنزل في هذه الاُمور، ولكنّه في نفس الوقت يكون أعلم الأحياء ـ دائماً ـ هو الأعلم حتّى بالنسبة إلى الأموات، بمعنى: الأجود استنباطاً؛ لأنّ إفادات الماضين بقيت لهذا الشخص، وأضاف إليها إفادات نفسه، فهو أعلم ممّن مضى وإن كانت إفادات من مضى أكثر من إفاداته هو، ففي فرض النقاش يكون هو الذي يغلب الشيخ الأنصاريّ(رحمه الله) إلّا أنّ هذه الغلبة تعني في الحقيقة غلبة جماعة من المحقّقين من حيث المجموع على الشيخ الأنصاريّ(رحمه الله)(2).
الخامس: أنّ كون الشخص أعلم من جميع الماضين والمعاصرين لايعني أنّ الله تعالى
', '(1) وقد يلتزم صاحب الإشكال بالنسبة إلى هذا المورد من النقض بأنّه متى احتمل الأعلم ذلك وجب عليه انتظار ساعة صفاء الذهن.
(2) هذا النقاش إنّما يتمّ عند وجود فاصل زمنىّ كبير بين الماضي والحىّ، أمّا مع قصر الفاصل الزمنيّ، فقد يتّفق كون الميّت أعلم من أعلم الأحياء بتمام معنى الكلمة.
', 183), (21, 184, 'book', '
غير قادر على أن يخلق رجلاً أعلم منه، فيكفي في النقض أن يعلم الأعلم أو يحتمل أنّ الله لو خلق رجلاً أعلم منه وناقشه لعدله عن بعض فتاواه(1).
السادس: لو لم يكفِ مجرّد الفرض، قلنا: إنّ هذا الفرض واقع؛ فإنّ الإمام(عليه السلام) أعلم منه، فهو يعلم أو يحتمل أنّ الإمام(عليه السلام) لو ناقشه فنّيّاً في الرأي، لعدله عن رأيه.
والإنصاف: أنّ التأمّل في هذه النقوض يورث القطع بوجود جواب حلّىّ لأصل الإشكال؛ إذ مع تعميم الإشكال للأعلم ينسدّ باب الاجتهاد على الشيعة كما سدّ من قبل على غيرهم، وهذا ممّا يقطع بخلافه، فينبغي أن تفرض حجّيّة فتوى الأعلم لنفسه مسلّمة قبل الجواب الحلّىّ بحيث يصحّ أن يبحث عن نكتة الحجّيّة على شكل البحث الإنّي. وهذه النقوض جملة منها قابلة للنقاش، ولكن تكفي تماميّة بعضها(2).
وأمّا الثاني: وهو الحلّ، فحاصل الكلام في ذلك: أنّ استنباط غير الأعلم تارة يكون مورده ظهور الدليل اللفظي، كدعوى شمول دليل الاستصحاب للشكّ في المقتضي مثلاً.
واُخرى يكون مورده حكم العقل، كدعوى استحالة الترتّب، أو اجتماع الأمر والنهي، أو إمكانهما.
أمّا القسم الأوّل: وهو ما لو أحرز الظهور بشكل لايتردّد فيه إلّا من ناحية مخالفة
', '(1) ينبغي أن يكون النقض الخامس على وفق هذه المنهجة: هو العلم بأنّه سيأتي في المستقبل من هو أعلم منه، أو احتمال ذلك في أقلّ تقدير، ويكون النقض بالفرض نقضاً سادساً.
(2) لايخفى أنّ الإشكال في اعتماد غير الأعلم على فتاوى نفسه من دون مراجعة الأعلم يمكن بيانه بشكلين:
الأوّل: أن يقال: إنّ غير الأعلم إذا التفت إلى احتمال تبدّل رأيه على تقدير مناقشة الأعلم له في الرأي، عجز عن تحصيل الوثوق بما يرتئيه، وبالتالي يسقط رأيه ـ غير البالغ مستوى الوثوق والاطمئنان أو العلم ـ عن الحجّيّة، وعلى هذا التفسير قديفترض ورود أكثر النقوض السابقة.
الثاني: أن يقال: ـ بعد تسليم حجّيّة رأيه له في الجملة برغم احتمال طروّ التبدّل؛ وذلك لدلالة سيرة العقلاء أو المتشرّعة، أو أىّ دليل آخر على ذلك ـ إنّ حجّيّته مشروطة بالفحص بقدر الإمكان عمّا يعارض هذا الرأي. وهذا لايرد عليه أكثر تلك النقوض؛ فإنّ رجوع غير الأعلم إلى الأعلم في البحث لو قلنا بوجوبه عند الإمكان، لاينبغي نقضه بمثل فرض أعلميّة الميّت، أو أعلميّة الإمام(عليه السلام)، أو أعلميّته هو في المستقبل، أو إمكان أن يخلق الله تعالى رجلاً أعلم منه، أو ماشابه ذلك؛ إذ في هذه الفروض لايمكنه الفحص بالرجوع إلى الأعلم، والفحص إنّما يجب بقدر الإمكان، أمّا احتمال الأعلم تبدّل رأيه لو انتظر ساعة صفاء الذهن، أو ناقش غير الأعلم الذي قد يغلبه في الرأي ولو نادراً، فإن وصل إلى مستوى سلب الوثوق بعدم تبدّل الرأي بانتظار ساعة صفاء الذهن، أو المناقشة لغير الأعلم، فقد يقال بوجوب انتظار ساعة الصفاء، أو النقاش مع الإمكان.
', 184), (21, 185, 'book', '
الأعلم، فنقول: إنّ الدليل على حجّيّة ذلك هو عين الدليل على حجّيّة الظهور من سيرة العقلاء أو المتشرّعة، فسيرة العقلاء أو المتشرّعة كما هي قائمة على حجّيّة الظهور كذلك هي قائمة على أنّ هذا المستوى من الإحراز غير العلمىّ من قبل من يعدّ من أهل الخبرة والبصيرة بالفنّ كاف في إثبات الظهور(1).
وأمّا القسم الثاني: وهو حكم العقل، فهو تارة يكون عمليّاً راجعاً إلى مسألة الحسن والقبح.
واُخرى يكون نظريّاً كالحكم بالإمكان والامتناع.
أمّا الأوّل: كما لو رأى غير الأعلم عدم قبح الكذب في مورد ما، فهو خارج عمّا نحن فيه؛ لأنّ حكم العقل العملىّ ليس إلّا من الأحكام الوجدانيّة، لاالفنّيّة التي تقبل النقاش، فهو فاقد للشرط الثالث من شرائط مورد الإشكال.
وأمّا الثاني: كما لو رأى امتناع اجتماع الأمر والنهي، أو الترتّب، أو إمكانهما، فخلاصة القول فيه: أنّ اجتهاده في مثل اجتماع الأمر والنهي، أو الترتّب يعني الفحص عن المقيّد العقلىّ لإطلاق (صلّ) لإثبات صحّة الصلاة في المكان المغصوب، أو عند تزاحم الأهمّ، فإن أدّى اجتهاده إلى الإمكان، فهذا يعني أنّه لم يظفر بالمقيّد، ولايجب عليه الفحص بمعونة الأعلم، وهذا داخل في القسم السابق الذي مضى أنّ الإشكال فيه أهون، وأنّ الجواب عنه هو منع دلالة دليل الفحص على هذا المقدار من الفحص.
وإن أدّى اجتهاده إلى الامتناع، فهذا يعني الظفر بالمقيّد العقليّ للإطلاق.
وعندئذ نقول: إنّ العموم أو الإطلاق الذي أدّى نظر الخبير البصير إلى وجود المقيّد له بحيث لو لامخالفة الأعلم لكان عالماً بذلك، لايكون حجّة في منطق سيرة العقلاء أو المتشرّعة.
$
', '(1) هذا مرجعه إلى مبدأ حجّيّة الظهور لدى الشخص كأمارة على ثبوت الظهور العرفىّ، وهذا يرجع في روحه إلى أنّ المسألة دخلت في الفرض الأوّل، وهو فرض أنّ عدوله عن رأيه يساوق تبدّل الموضوع له، لاانكشاف الخطأ في الحكم؛ لأنّ الظهور المتكوّن في نفسه كان حجّة في الكشف عن الظهور العرفىّ، وقد تبدّل ذلك بظهور آخر.
والواقع: أنّ لبّ الجواب بكلّ تشقيقاته يرجع ـ دائماً ـ إلى أحد أمرين:
إمّا إنكار كون المورد من الموارد التي يتصوّر فيها الأعلميّة.
وإمّا دخول المورد في القسم الأوّل الذي مضى حلّ الإشكال فيه.
', 185), (21, 186, 'book', '
وأمّا قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فحالها حال حكم العقل العملىّ، فالملازمة بينهما نفياً وإثباتاً أمر وجدانىّ يدركها واحد، ولايدركها آخر، ولاتقبل النقاش الفنّىّ.
الجهة الثانية في التثليث الوارد في التقسيم
يقع البحث في هذه الجهة عن التثليث الذي ذكره الشيخ(رحمه الله)، وهو: أنّ المكلف: إمّا أن يحصل له القطع، أو الظن، أو الشكّ.
وهنا إيرادان:
الإيراد الأوّل: دعوى لزوم التداخل؛ لأنّ الظنّ غير المعتبر حكمه حكم الشكّ، مع أنّه داخل في الظنّ، فإن كان داخلاً فيما أراده الشيخ(رحمه الله) بالشكّ لزم ما ذكرناه من التداخل، وإلّا ورد عليه: أنّه لابدّ من إدخاله في المراد بالشكّ؛ لأنّ حكمه هو حكم الشكّ، فتخصيص القسم الثالث بغير الظنّ ولو لم يكن معتبراً جزافٌ.
وأمّا الجواب عن ذلك: بأنّ المقصود هو التقسيم باعتبار الأحكام الذاتيّة(1) وهي ضروريّة الحجّيّة للقطع، وامتناعها للشكّ وإمكانها للظنّ، فغير صحيح؛ فإنّه إن اُريد بالشكّ الترديد ومجموع الاحتمالين، فامتناع جعل الحجّيّة له مسلّم، لكن هذا ليس استيعاباً للأقسام؛ إذ لم يذكر حكم أحد الاحتمالين.
مضافاً إلى أنّ إرادة مجموع الاحتمالين من الشكّ خلاف سياق كلام الشيخ(قدس سره) حيث جعله في سياق الظنّ والقطع، وكلّ منهما عبارة عن طرف واحد؛ إذ لايمكن الظنّ أو القطع بكلا الطرفين.
وإن اُريد به أحد الاحتمالين، فجعل الحجّيّة له بمكان من الإمكان؛ فإنّ الاحتمال له كشف ناقص بلا إشكال وإن كان معارضاً بكاشف مثله، ومن الممكن أن يجعل المولى الحجّيّة لأحد الكشفين، كما لو اعتقد ـ مثلاً ـ أنّ احتمال ثبوت التكليف أغلب مصادفة للواقع من احتمال عدمه، فجعل احتمال التكليف حجّة.
$
', '(1) كما قد يستظهر ذلك من عبارة الشيخ الأعظم(رحمه الله) في أوّل البراءة، فراجع.
', 186), (21, 187, 'book', '
والتحقيق في المقام: أنّه تارة يفرض أنّ مقصود الشيخ(قدس سره) من هذا التقسيم بيان أقسام مباحث الكتاب.
واُخرى يفرض أنّ مقصوده بيان أقسام موضوع الوظائف العمليّة:
أمّا على الأوّل: فيمكن حمل الشكّ في كلامه على ما يعمّ الظنّ غير المعتبر من دون أن يرد عليه إشكال التداخل؛ وذلك لأنّ الظنّ والشكّ وإن كانا قد يتصادقان في مورد واحد، ولكنّهما لايتداخلان من حيث العنوان، فالظنّ يبحث عنه في باب الظنّ من حيث أنّه هل هو معتبر، أو لا، وبعد فرض عدم اعتباره يدخل فيما يبحث عنه في باب الشكّ، وهو البحث عمّا هو الأصل الجاري في المقام ما دام المفروض عدم حجّيّته.
إلّا أنّ هذا الفرض لايناسب ما في عبارة الشيخ(رحمه الله) من الترديد حيث يقول: «إمّا أن يحصل له القطع، أو الظنّ، أو الشكّ»؛ فإنّ ظاهر ذلك عدم التصادق في المورد أيضاً، فالمناسب لتعبيره(قدس سره) هو الفرض الثاني.
وأمّا على الثاني: فيرد إشكال التداخل على كلام الشيخ(رحمه الله) ما لم يحمل الظنّ في كلامه على الظنّ المعتبر بإخراج الظنّ غير المعتبر من هذا العنوان، وإدخاله في العنوان الثالث، وهو الشكّ، ويشهد لهذا الحمل ما صنعه الشيخ(قدس سره) في أوّل البراءة حيث ذكر عين هذا التقسيم وقيّد الظنّ ـ على ما أتذكّر ـ بكونه معتبراً (1).
والإيراد الثاني: دعوى أنّ التثليث الذي جاء في عبارة الشيخ الأعظم(قدس سره) في غير محلّه، وينبغي تثنية الأقسام كما صنعه المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) بناءً منه على تعميم الحكم للواقعىّ والظاهرىّ، فالظنّ المعتبر على هذا يساوق القطع بالحكم، وغير المعتبر ملحق بالشكّ، فلا يبقى إلّا قسمان.
والجواب: أنّنا قد ذكرنا أنّ تقسيم الشيخ(رحمه الله): إمّا بلحاظ أقسام كتابه، أو بلحاظ أقسام موضوعات الوظائف العمليّة، فإن كان باللحاظ الأوّل، فالمتعيّن هو التثليث؛ لأنّ أبحاث كتابه ثلاثة لااثنان: (بحث القطع، وبحث الظنّ، وبحث الشكّ).
وإن كان بلحاظ الثاني فالمتعيّن ـ أيضاً ـ هو التثليث؛ فإنّ موضوعات الوظائف ثلاثة:
', '(1) الموجود في عبارة الشيخ(رحمه الله) في أوّل البراءة الإشارة إلى إمكانيّة اعتبار الظنّ، وعدم إمكانيّة اعتبار الشكّ، وحجّيّة القطع بنفسه، وهذا أقرب إلى ما مضى: من الحمل على الأحكام الذاتيّة للقطع والظنّ والشكّ ممّا ذكر هنا من الحمل على إخراج الظنّ غير المعتبر من العنوان الثاني، وإدخاله في العنوان الثالث.
', 187), (21, 188, 'book', '
العلم، والظنّ، والشكّ. ولاوجه لإلغاء الثاني وإرجاع الأقسام إلى قسمين؛ إذ ليس المقصود إرجاع الأقسام إلى عنوان جامع، وإلّا أمكن إرجاعها إلى عنوان واحد، وهو العلم بالوظيفة العمليّة الذي هو أعمّ من العلم بالوظيفة الشرعيّة أو العقليّة.
الجهة الثالثة في متعلّق الأقسام
بعد الفراغ من أنّه ينبغي تثليث الأقسام لاتثنيتها، هل ينبغي جعل متعلّق هذه الأقسام ـ وهي: العلم، والظنّ، والشكّ ـ خصوص الحكم الواقعىّ، أو ما هو أعمّ من الواقعىّ والظاهرىّ؟
ذهب السيّد الاُستاذ إلى الثاني، بتقريب: أنّه كما يكون القطع والظنّ والشكّ بالحكم الواقعىّ مورداً للأثر كذلك الحال في القطع والظنّ والشكّ بالحكم الظاهرىّ، فلاوجه لتخصيص الحكم بالواقعىّ.
والموجود في (الدراسات) هو جعل متعلّق الأقسام خصوص الحكم الواقعىّ، لكنّه قد صرّح في البحث بما نقلناه عنه(1).
$
', '(1) ذكر الاُستاذ الشهيد ـ (رضوان الله تعالى عليه) ـ: أنّه أورد على اُستاذه فيما بين الصلاة والدرس: أنّ الاُصول العمليّة لاتجري بلحاظ الحكم الظاهرىّ؛ لأنّ التنجيز والتعذير إنّما يكونان بلحاظ الواقع، ولامجال لجريان أصالة البراءة أو الاشتغال بلحاظ الحكم الظاهرىّ؛ لأنّها إن جرت بلحاظ الحكم الظاهريّ على خلاف ما هي جارية بلحاظ الحكم الواقعىّ، فلابدّ من الأخذ بما جرى بلحاظ الواقع، وإن جرت بلحاظ الحكم الظاهريّ بالشكل المماثل لجريانها بلحاظ الواقع، فهي لغو؛ إذ كان جريانها بلحاظ الواقع مغنياً من جريانها بلحاظ الظاهر.
قال الاُستاذ الشهيد (رضوان الله عليه): إنّ كلامي هذا كان على وفق مبنى السيّد الاُستاذ القائل بعدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة، فلاتبقى إلّا أصالة البراءة والاشتغال، وقد قلنا: إنّهما إنّما يجريان بلحاظ الواقع.
وقال اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): إنّ السيّد الاُستاذ أجاب عن الكلام بالنقض، فأجبت عن النقض، فأتى بنقض آخر،وأجبت عنه، وهكذا إلى النقض السابع، فأجبت عنه، وأخذ يفكّر في الموضوع، إلّا أنّه حان وقت الدرس، فبدأ بالدرس، وانقطعت سلسلة البحث في هذه المسألة.
وقد نقل لي الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) تلك النقوض السبعة مع أجوبتها من دون الالتزام بالترتيب بين النقوض بالشكل الذي جرى على لسان اُستاذه حيث كان (رضوان الله عليه) ناسياً للترتيب، إلّا في النقض الأوّل الذي ذكر(رحمه الله) أنّه هو النقض الأوّل من النقوض السبعة لاُستاذه.
وإليك النقوض السبعة مع أجوبتها:
الأوّل: أنّنا لو شككنا في تكليف ما مع احتمال أنّ الشارع أوجب علينا الاحتياط بالنسبة إليه، جرت البراءة عن وجوب الاحتياط.
والجواب: أنّ نفس التكليف الواقعىّ الذي لم يتنجّز لابوصوله بنفسه ولابوصول دليل احتياطه، تجري عنه البراءة، وتغنينا من إجراء البراءة عن وجوب الاحتياط، بل البراءة عن الواقع حاكمة على البراءة عن الاحتياط، لأنّها دليل اجتهادىّ على عدم وجوب الاحتياط، فيتقدّم على البراءة عن وجوب الاحتياط التي هي أصل عملي (1).
الثاني: إذا قامت الأمارة المحتملة الخطأ على حكم إلزامىّ في شيء معيّن، ثمّ وقع الاشتباه بينه وبين شيء آخر، فحصل العلم الإجمالىّ بأحد الشيئين بلحاظ الحكم الظاهرىّ، جرت أصالة الاحتياط بهذا اللحاظ.
والجواب: أنّ تلك الأمارة أسقطت الاُصول المؤمّنة بالنسبة إلى الواقع، فكان احتمال الواقع في كلّ واحد من الطرفين احتمالاً للواقع المنجّز، فيجب الاحتياط فيه بلحاظ نفس الواقع.
الثالث: إذا قامت الأمارة المحتملة الخطأ على حكم إلزامىّ، وشككنا في أنّها هل قامت على الوجوب أو على الحرمة، فقد دار الأمر بين المحذورين ظاهراً، والأصل الجاري فيه يجري بلحاظ هذا الظاهر.
والجواب: أنّنا إن قلنا: إنّ قيام الدليل على حكم إلزامىّ مع التردّد في أنّه هل قام على الوجوب، أو على الحرمة غيرُ كاف في البيان، وغيرُ مانع عن البراءة، جرت البراءة فيما نحن فيه بلحاظ الواقع؛ إذ لم يتمّ البيان بالنسبة إليه.
وإن قلنا: إنّ هذا كاف في البيان وتنجيز الواقع، وإنّ الأصل الجاري في المقام إنّما هو أصالة التخيير، لا البراءة، إذن فاحتمال التكليف الواقعىّ المنجّز موجود في كلا الطرفين من الفعل والترك، وعليه فكما أنّ الأمر مردّد بين المحذورين بالنسبة إلى الواقع في مورد القطع بدورانه بين الوجوب والحرمة ـ بلحاظ أنّ ارتكاب كلّ واحد من الطرفين موجب لاحتمال مخالفة تكليف منجّز ـ كذلك الحال في المقام؛ إذ نفس الاحتمال موجود فيما نحن فيه في كلّ واحد من الطرفين بلحاظ الواقع، وتجري أصالة التخيير بلحاظ الواقع.
وهنا أفاد الاُستاذ الشهيد(قدس سره) كلاماً مستقلّاً غير ما دار بينه وبين اُستاذه في تلك المباحثة، وهو: أنّنا حتّى لو قلنا بجريان البراءة الشرعيّة فيما لو حصل القطع بإلزام واقعىّ مردّد بين الوجوب والحرمة، أو قامت الأمارة على الجامع بينهما، لاتجري البراءة عند ما قامت الأمارة على حكم إلزامىّ معيّن، ثمّ اشتبه بين الوجوب والحرمة؛ لأنّ تلك الأمارة القائمة على أحدهما بالخصوص حاكمة على البراءة ومانعة عن جريانها(2).
الرابع: إذا صلّى بطهارة استصحابيّة، وشكّ بعد ذلك في الركوع مثلاً، جرت بشأنه قاعدة الفراغ؛ لتصحيح الصلاة، مع أنّ صحّة صلاته من أوّل الأمر لم تكن إلّا صحّة ظاهريّة؛ لأنّ طهارته استصحابيّة بحسب الفرض.
والجواب ـ بغضّ النظر عن أنّ هذا خروج عن المقام؛ لأنّ الكلام في الاُصول الجارية في الشبهاتــــــــــــــــــــــــ ؤ
(1) بناءاً على مبنى القوم من حكومة الأمارة على الأصل الموافق لها.
(2) هذا بناءً على تصوير الحكومة على أساس أنّ الأمارة علمٌ اعتباريّ أو تنزيليّ.
الحكميّة، لا الموضوعيّة ـ: أنّ قاعدة الفراغ إنّما جرت بلحاظ الواقع؛ كي تحكم بصحّة الصلاة الواقعيّة من هذه الناحية، وتفيد أنّك قد أتيت بالركوع.
وبتعبير آخر: أنّ كلّ جزء وشرط من أجزاء الصلاة وشرائطها لابدّ من إحرازه وجداناً أو تعبّداً، وقد أحرز الركوع بقاعدة الفراغ، والطهارة بالاستصحاب، فالاستصحاب وقاعدة الفراغ قد جريا في عرض واحد بلحاظ الواقع.
الخامس: إذا ثبتت طهارة الشيء بأصالة الطهارة في شبهة حكميّة، (1) ثمّ شكّ في تنجّسه بشبهة حكميّة أيضاً، كما لو لاقى المتنجّس، وشككنا في منجّسيّة ملاقاة المتنجّس، جرى استصحاب تلك الطهارة الظاهريّة.
قال اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): ولاضير هنا في إجراء الاستصحاب على مبنى السيّد الاُستاذ برغم أنّ الشبهة حكميّة؛ لأنّ السيّد الاُستاذ يرى جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة.
والجواب: أنّ هذا الاستصحاب غير جار؛ للقطع ببقاء المستصحب، وهو الطهارة الظاهريّة؛ لبقاء موضوعها، وهو الشكّ في الطهارة الواقعيّة، غاية الأمر أنّ منشأ الشكّ ابتداءً كان شيئاً واحداً، والآن حصلنا على منشأين للشكّ.
السادس: جريان الاستصحاب في الملكيّة الظاهريّة الثابتة بقاعدة اليد إذا شكّ في ارتفاعها بالبيع مثلاً.
والجواب ـ بغضّ النظر عن أنّه خروج عمّا نحن فيه؛ لكون الشبهة موضوعيّة ـ: أنّ الاستصحاب إنّما يجري بلحاظ الملكيّة الواقعيّة، فإنّ استصحابها صحيح أنّه كان بحاجة إلى اليقين والشكّ، لكنّ الشكّ ثابت بالوجدان، واليقين ثابت بالتعبّد بحكم قاعدة اليد (2).
السابع: أنّه في الاُصول المتعارضة لابدّ من الرجوع إلى وظيفة: من تخيير، أو تساقط، أو تقديم أحدهما على الآخر.
والجواب: أنّ الكلام إنّما هو في جريان الأصل مع كون موضوعه الشكّ في الحكم الظاهرىّ، لا في رفع ذاك الشكّ، وإثبات أحد طرفي الشكّ، ومورد النقض من هذا القبيل، فهو خروج عمّا نحن فيه.
أقول: هذا يعني: أنّ الحكم الظاهرىّ هنا حكم واحد، وهو الثابت بالأخير بعد إعمال وظيفة التعارض بين خبري البراءة والإحتياط، لابين نفس الأصلين، فلايقاس هذا باستصحاب الحكم الظاهرىّ الذي ثبت حدوثاً و شُكّ بقاءً.
', 188), (21, 189, 'book', '
$
', '', 189), (21, 190, 'book', 'ويرد عليه:
أوّلاً: أنّ الجمع بين التثليث وتعميم الحكم للواقعىّ والظاهرىّ مستلزم للتداخل(1)، فإنّ القطع بالحكم الظاهرىّ ظنّ معتبر بالواقع في مورد الأمارات، وشكّ فيه في مورد
', '(1) هذا بناءً على أنّ التقسيم بلحاظ الآثار، كما هو المستفاد من استدلال السيّد الخوئىّ على ضرورة كون متعلّق الأقسام هو الحكم الجامع بين الواقعىّ والظاهريّ باشتراكهما في ترتّب الأثر على ما يتعلّق بهما من القطع والظنّ والشكّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا داعي إلى هذا القيد.
(2) هذا بناءً على أنّ الأمارات تقوم مقام القطع الموضوعىّ.
', 190), (21, 191, 'book', '
الاُصول الشرعيّة.
وثانياً: أنّ ما ذكره من لزوم تعميم الحكم للواقعىّ والظاهرىّ موقوف على تسليم كون الشكّ في الحكم الظاهرىّ موضوعاً للوظائف العمليّة الثابتة بأمارة أو أصل، وكونهما منجّزين للحكم الظاهرىّ، في حين أنّه ليس الأمر كذلك.
وهنا خرجنا عن البحث اللفظىّ البحت في التقسيم الذي ذكره الشيخ الأعظم(قدس سره) الذي لا يعدو عن كونه مناقشة في التعبير، وانتهينا إلى بحث فنّىّ.
وحاصل هذا البحث الفنّيّ هو: أنّ الشكّ في الحكم الظاهرىّ هل هو كالشكّ في الحكم الواقعىّ يكون موضوعاً لوظيفة عمليّة ثابتة بالأمارة أو الأصل، وهما منجّزان لذاك الحكم الظاهرىّ، أو لا؟
والكلام في ذلك: تارة يقع في الاُصول غير التنزيليّة.
واُخرى في الأمارات والاُصول التنزيليّة:
أمّا الاُصول غير التنزيليّة، فمحطّ النظر منها هنا أربعة اُصول، وهي: أصالة البراءة، وأصالة الاشتغال الشرعيّتان والعقليّتان، ولايقع الشكّ في الحكم الظاهرىّ ـ بما هو كذلك ـ موضوعاً لواحد منها أصلاً.
أمّا أصالة الاشتغال الشرعيّة، فإنّما يجعلها الشارع بملاك الاهتمام بغرضه، وغرضه إنّما هو في الحكم الواقعىّ؛ إذ الحكم الظاهرىّ ليس إلّا طريقاً صرفاً، ولانقول بالسببيّة، فموضوع إيجاب الاحتياط ـ دائماً ـ هو الشكّ في الواقع، غاية الأمر أنّ الشكّ في الواقع تارة يجعل ـ على الإطلاق ـ موضوعاً لأصالة الاشتغال، واُخرى يجعل بقيد قيام أمارة ما على الواقع موضوعاً لها؛ لكون المصادفة للواقع في ظرف قيام الأمارة أكثر مثلاً، فيشتدّ ملاك الاهتمام بالواقع، وهذا غير مسألة وقوع الشكّ في الحكم الظاهرىّ ـ من حيث هو كذلك ـ موضوعاً لأصالة الاشتغال.
وأمّا أصالة الاشتغال العقليّة، فهي ـ أيضاً ـ إنّما تكون بملاك التحفّظ على مطلوب المولى عند سقوط الاُصول المؤمّنة، وليس مطلوب المولى إلّا الواقع، والحكم الظاهرىّ طريق صرف، غاية الأمر أنّه قد يكون قيام الحكم الظاهرىّ هو الموجب لسقوط الاُصول
', '', 191), (21, 192, 'book', 'المؤمّنة، كما لو قامت البيّنة على نجاسة أحد شيئين، فوجب الاجتناب من كليهما احتياطاً للعلم الإجماليّ، فهذا لايعني أنّ قيام البيّنة صار ـ بما هو ـ موضوعاً لوجوب الاحتياط، بل يعني: أنّ قيام البيّنة أسقط الاُصول المؤمّنة، وبقي احتمال الواقع بلا معذّر، فوجب الاحتياط فيه عقلاً.
وأمّا البراءة الشرعيّة، فسيأتي ـ إنْ شاء الله ـ أنّها في الحقيقة رفع لإيجاب الاحتياط الشرعىّ، إذن فموضوعها عين موضوعه.
وأمّا البراءة العقليّة، فهي عبارة عن قبح العقاب بلا بيان، والعقاب إنّما هو بلحاظ الواقع لا بلحاظ الحكم الظاهرىّ الذي هو طريق محض.
وإن شئت قلت في باب البراءة، شرعيّة كانت أو عقليّة: إنّها لو جرت بلحاظ الحكم الظاهرىّ، تساءلنا عن الحكم الواقعىّ، هل جرت بلحاظه البراءة أيضاً، أو لا؟ فإن لم تجر البراءة بلحاظ الواقع، وكان احتمال العقاب على مخالفة الواقع قائماً، فأىّ فائدة في إجراء البراءة عن الحكم الظاهرىّ عند ما لابدّ له من الاحتياط اتّجاه الحكم الواقعىّ؟!
وإن جرت البراءة بلحاظ الواقع، وأصبح مأموناً عن العقاب عليه، فأىّ حاجة تبقى للعبد إلى البراءة عن الحكم الظاهرىّ بعد أن أصبح مأموناً عن العقاب على الواقع، والحكم الظاهرىّ لاعقاب عليه؟!
وأمّا الأمارات والاُصول التنزيليّة، فقد يكون الشكّ في الحكم الظاهرىّ موضوعاً لها، كما لو دلّ الاستصحاب على بقاء حجّيّة خبر الواحد، أو دلّ ظاهر الكتاب على حجّيّته مثلاً، ولكنّ ذلك منجّز للواقع رأساً، وليس منجّزاً أوّلاً للحكم الظاهرىّ كي يسري ـ بعد ذلك ـ التّنجيز منه إلى الواقع، ولذا لو فرضنا أنّه ثبتت بظاهر الكتاب أو بالاستصحاب حجّيّة خبر الواحد القائم على وجوب صلاة الجمعة مثلاً، في حين أنّه لم يكن في الواقع خبر الواحد حجّة، وكانت صلاة الجمعة في الواقع واجبة، وتركها المكلّف برغم ثبوت وجوبها له ظاهراً، كان مستحقّاً للعقاب على المعصية، لاعلى صرف التجرّي؛ وذلك لأنّه خالف الواقع بلا عذر، في حين أنّه لو كان التنجيز ثابتاً على الحكم الظاهرىّ كي يسري
', '', 192), (21, 193, 'book', 'منه إلى الواقع، لم يكن معاقباً بغير عقاب التجري؛ لعدم ثبوت الحجّيّة في الواقع(1).
هذا تمام الكلام فيما ذكره الشيخ الأعظم(قدس سره) من التقسيم وموضوعه ومتعلّق الأقسام.
$
', '(1) وواقع المطلب: أنّ روح الحجّيّة عبارة عن التنجيز والتعذير، بمعنى: إبراز المولى ما يترتّب عليه عقلاً التنجيز والتعذير، والحكم الظاهرىّ لايقبل التنجيز والتعذير بلحاظ نفسه؛ لكونه طريقاً محضاً، وغير مشتمل على الملاك النفسىّ، ولذا لو قطعنا بعدم تنجيز الواقع لم يكن معنىً لافتراض حكم ظاهرىّ ملزم، إذن فحقيقة الأمر هي: أنّ التنجيز يثبت رأساً للواقع.
وبكلمة اُخرى: أنّ روح الحكم الظاهرىّ عبارة عن الحجّيّة التي هي في روحها عبارة عن التنجيز، ولامعنىً لتنجيز التنجيز إلّا تنجيز أصل الحكم.
', 193), (21, 194, 'book', '
$
', '', 194), (21, 195, 'book', 'بحث القطع
2
$
', '', 195), (21, 196, 'book', '$
', '', 196), (21, 197, 'book', 'ذكر المحقّق الخراسانىّ(قدس سره) وغيره: أنّ بحث حجّيّة القطع خارج من مباحث علم الاُصول، وإنّما يبحث هنا بالمناسبة.
والوجه في ذلك: أنّ حجّيّة القطع لايستنبط منها الحكم الشرعىّ؛ فإنّ المفروض في موضوعها هو الوصول إلى الحكم الشرعىّ؛ لأنّه القطع بالحكم الشرعىّ، فلو عرّفت القاعدة الاُصوليّة: بأنّها ما تقع كبرى في طريق استنباط الحكم الشرعىّ ـ مثلاً ـ كما قيل، فحجّيّة القطع لم تكن كذلك، بل الاُصول العقليّة ـ أيضاً ـ ليست كذلك؛ إذ لاتوصلنا إلى حكم الشرع.
ولو عطفت على ذلك جملة: (أو ما ينتهى إليه في مقام العمل) إدخالاً للاُصول العمليّة، أمكن القول: إنّ هذا لايدخل حجّيّة القطع في التعريف؛ لأنّ الانتهاء إليه في مقام العمل يعني: أنّه بعد الفحص واليأس ينتهي الأمر في مقام العمل إليه، في حين أنّ فرض القطع هو فرض الظفر بالمطلوب وعدم اليأس.
ويمكن القول في قبال ذلك: إنّه لايشترط في القاعدة الاُصوليّة الوصول عن طريقها إلى الحكم الشرعىّ مع عطف جملة (أو ما ينتهى إليه في مقام العمل) مثلاً، بل من أوّل الأمر نقول: إنّ ما يقع كبرى في قياس التنجيز والتعذير، فهو داخل في علم الاُصول، وحجّيّة القطع من هذا القبيل.
وذكر المحقّق الأصفهانىّ(رحمه الله): أنّ اُصول الفقه عبارة عن المبادئ التي يصل الفقيه بمعونتها إلى غرضه؛ ولذا سمّيت اُصولاً للفقه، وغرض الفقيه بما هو فقيه إنّما هو: فهم الحكم الشرعىّ الذي هو مفروغ منه في المرتبة السابقة على حجّيّة القطع، فهذا البحث خارج عن علم الاُصول.
ويرد عليه: منع كون غرض الفقيه بما هو فقيه منحصراً في ذلك، بل فهم التنجيز والتعذير العقليّين ـ أيضاً ـ داخل في غرضه؛ ولذا لو لم يجد الفقيه في مسألة ما دليلاً على
', '', 197), (21, 198, 'book', 'الحكم، حتّى على مستوى الأصل العمليّ الشرعىّ، ووصلت النوبة في رأيه إلى البراءة العقليّة، نراه يفتي في رسالته العمليّة بالإباحة؛ اعتماداً على ما نقّحه في علم الاُصول من البراءة العقليّة، مع أنّها ليست حكماً شرعيّاً.
والتحقيق(1): أنّ حجّيّة القطع خارجة عن المسائل الاُصوليّة؛ لأنّها غير دخيلة أصلاً في عمليّة الاستنباط في الفقه، ولاتشكّل أيّ مقدّمة في القياس الفقهىّ.
وتوضيح ذلك: أنّ هدف الفقيه في استنباطه ليس إلّا الوصول إلى القطع بالحكم، أو ما يقوم مقام القطع به: من الأمارات، أو الاُصول الشرعيّة، أو العقليّة، وبعد تحصيل القطع لايترقّب الفقيه ـ بما هو فقيه ـ أىّ شيء آخر، فمباحث الأمارات والاُصول الشرعيّة والعقليّة إنّما نعدّها من علم الاُصول؛ لأنّها دخيلة في القياس الفقهىّ ولو على مستوى تنجيز الحكم، لكن القطع لايعتبر داخلاً في القياس الفقهىّ وإن كان هو ـ أيضاً ـ منجّزاً للحكم، وعلم الفقه شأنه شأن كلّ العلوم الاُخرى التي تكون الغاية القصوى فيها هي تحصيل القطع بالنتائج، وبعد فرض حصول القطع لايترقّب شيء.
أساس حُجّيّة القطع
ولنبحث الآن أساس حجّيّة القطع.
إنّ حجّيّة القطع لها معنيان:
الأوّل: صحّة الاعتماد عليه في مقام اقتناص الواقع كشفاً وعملاً، وهذه هي الحجّيّة بالمعنى المنطقىّ، والتي أسميناها في كتاب (فلسفتنا) بنظريّة المعرفة، وليس هنا محلّ بحثها.
والثاني: كونه منجّزاً ومعذّراً، وهذه هي الحجّيّة بالمعنى الاُصولىّ، وهي المعنى المبحوث عنه هنا.
وهذه من أحكام العقل العمليّ التي أدخلوها جميعاً تحت قاعدة حسن العدل وقبح
', '(1) هذا البيان لإخراج حجّيّة القطع عن المسائل الاُصوليّة لم يذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) هنا في الدورة التي حضرت فيها بحث القطع، وإنّما أخذته من بحثه في تعريف الاُصول في أوّل علم الاُصول في دورته الأخيرة.
', 198), (21, 199, 'book', '
الظلم، فتكون حجّيّة القطع عندهم من صغريات قاعدة حسن العدل وقبح الظلم.
ومن هنا تختلف المبانىّ في حجّيّة القطع باختلافها في تلك القاعدة، فالمشهور بين الاُصوليّين: أنّ حسن العدل وقبح الظلم أمر واقعىّ يدركه العقل من قبيل الإمكان والامتناع، وعلى هذا فحجّيّة القطع ـ أيضاً ـ من هذا القبيل.
وذهب جماعة من الاُصوليّين إلى ما هو مبنى الفلاسفة: من أنّ حسن العدل وقبح الظلم حكم عقلائىّ حكم به العقلاء لصالح نظامهم الاجتماعىّ، وهذا ما يسمّى في المنطق بــ (المشهورات). وعلى هذا فحجّيّة القطع ـ أيضاً ـ من مجعولاتهم.
وربّما يتراءى من بعض العبائر مبنىً ثالث واضح البطلان، ولعلّه ليس مقصوداً بالعبارة، وهو: أنّ حسن العدل وقبح الظلم حكم إلزامىّ للعقل، فالعقل هو الذي يحكم على الإنسان بوجوب العدل، وينهاه عن الظلم، وعليه فحجّيّة القطع ـ أيضاً ـ من هذا القبيل. ولكن من الواضح: أنّ العقل وظيفته الإدراك لاالحكم.
وقد أورد السيّد الاُستاذ على المبنى الثاني إيرادين انتصاراً للمبنى الأوّل:
الأوّل: أنّ حجّيّة القطع لو كانت من مجعولات العقلاء لنظامهم الاجتماعىّ، لما كان حجّة للفرد الأوّل من البشر، في حين أنّ القطع كان حجّة له أيضاً.
والثاني: أنّها لو كانت من مجعولاتهم للنظام الاجتماعىّ، لم يكن حجّة بالنسبة إلى الأوامر غير الدخيلة في وضعهم الاجتماعىّ الثابتة تعبّداً بالشرع، فماذا يقال في تلك الأوامر؟!
ويرد على الأوّل: أنّه إن أراد بحجّيّة القطع لآدم(عليه السلام) حجّيّته بمعنى أنّه لو رأى مائعاً وقطع بكونه ماءً ـ مثلاً ـ لرتّب على قطعه الأثر بشربه عند ما يعطش، فهذا مسلّم وثابت في الحيوانات أيضاً، لكن هذه هي حجّيّة القطع بالمعنى المنطقىّ.
وإن أراد بالحجّيّة معنى التنجيز والتعذير، قلنا: لاسبيل لمعرفة حجّيّة القطع لآدم(عليه السلام) إلّا أحد أمرين:
الأوّل: التجربة بأن نظفر بإنسان عاش وحيداً، وفي غير مجتمع عقلائىّ، ورأيناه يعتقد بحجّيّة القطع لنفسه. وهذه التجربة لم تحصل.
والثاني: دعوى أنّ العقل قد أدرك حجّيّة القطع على الإطلاق، بلا فرق بين فرض
', '', 199), (21, 200, 'book', 'وجود مجتمع عقلائىّ وعدمه. وهذا يعني المصادرة على المطلوب.
ويرد على الثاني: أنّ المقصود بكون القطع حجّة ببناء العقلاء حفظاً للنظام الاجتماعىّ ليس هو دخل متعلّق الأمر في نظمهم، كي يقال: إنّ هناك أوامر غير دخيلة في النظم الاجتماعىّ، بل المقصود به: أنّ العقلاء رأوا أنّ في نفس التزامهم بأوامر رئيسهم مصلحة اجتماعيّة، ولو قطعوا في بعض أوامر الرئيس بأنّه أخطأ ـ مثلاً ـ في إصدار هذا الأمر، وأنّ متعلّقه لم يكن ذا مصلحة اجتماعيّة، فالمصلحة الاجتماعيّة في نظر العقلاء إنّما هي في نفس التقيّد بأوامر الرئيس.
والصحيح: أنّ استنتاج حجّيّة القطع من قاعدة حسن العدل وقبح الظلم في غير محلّه، سواء فسرّت القاعدة بالمبنى الأوّل، أو بالمبنى الثاني.
بيان ذلك(1): أنّ الظلم عبارة عن سلب ذي الحقّ حقّه، والعدل عبارة عن إعطائه إيّاه وعدم سلبه عنه، فلابدّ أن يفترض في المرتبة السّابقة حقّ، كي يقال: إنّ سلبه ظلم، وهذا الحقّ هنا عبارة عن حقّ المولويّة، فلو لم نفترض الآمر مولىً، لم يكن القطع منجّزاً أو معذّراً كما هو واضح. فإن كان المقصود من الاستدلال على حجّيّة القطع بقبح الظلم وحسن العدل إثبات مولويّة المولى بذلك، كان هذا دوراً واضحاً؛ فإنّ كون العمل بالقطع عدلاً ومخالفته ظلماً فرع مولويّة المولى، فلايمكن إثبات مولويّته بذلك.
وإن كان المقصود إثبات حجّيّة القطع بأمر المولى بعد فرض مولويّته في المرتبة السابقة، ورد عليه: أنّه بعد فرض مولويّة المولى فيما نقطع به من أحكامه تثبت الحجّيّة للقطع بلا حاجة إلى قاعدة حسن العدل وقبح الظلم التي يكون جريانها في طول المولويّة؛ فإنّ مولويّة المولى تعني: لزوم إطاعة أمره، وقد قطعنا بتحقّق الأمر بحسب الفرض.
وبكلمة اُخرى: أنّ حجّيّة القطع بمعنى التنجيز والتعذير ليست إلّا عبارة عما تتحقّق كبراها بفرض مولويّة المولى، وصغراها بنفس القطع بحكم المولى، وتكفي في ثبوت النتيجة تماميّة الصغرى والكبرى، ولو قطع العبد بحكم مولاه ومع ذلك لم يطعه، لم يكن له عذر إلّا أحد أمرين:
$
', '(1) ذكر اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في خارج مجلس البحث: أنّ أصل قاعدة حسن العدل وقبح الظلم قضيّة ضروريّة بشرط المحمول، ووضّح ذلك بما يقرب من نفس هذا البيان، ونحن لم نتعرّض لتوضيح ذلك هنا اعتماداً على ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ مفصّلاً في بحث الحسن والقبح العقليّين حيث تعرّض له اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)في بحثه هناك.
', 200), (21, 201, 'book', '
الأوّل: منع مولويّة المولى فيما قطع به من أمره، والمفروض هو الفراغ من مولويّته.
والثاني: إنكار وصول أمره إليه، والمفروض وصوله بالقطع الذي هو حجّة بالمعنى المنطقىّ بلا إشكال.
وهذه النتيجة أعني الحجّيّة يمكن نسبتها إلى القطع باعتبار وقوعه في صغراها، أمّا كونها من ذاتيّات القطع فلا، وإنّما هي من ذاتيّات مولويّة المولى.
وإن شئت فعبّر: بأنّها من ذاتيّات القطع بحكم المولى مع فرض التحفّظ على مولويّته فيما قطع به، أي: إنّها ذاتيّة لمجموع الصغرى والكبرى.
ومولويّة المولى على ثلاثة أقسام:
الأوّل: أن تكون مولويّة مجعولة لنفس المجتمع، كأن يجتمع العقلاء وينصبوا على أنفسهم سلطاناً؛ ليطيعوه باعتبار ما تقتضيه المصالح الاجتماعيّة. وفي هذا القسم تكون سعة دائرة الحجّيّة وضيقها دائرة مدار سعة جعل المولويّة وضيقها، فلو فرض ـ مثلاً ـ أنّهم جعلوه مولىً على أنفسهم في أوامره المظنونة دون أوامره المقطوعة، كان الظنّ هو الحجّة دون القطع.
والثاني: أن تكون مجعولة لمولىً فوق هذه المولويّة، كجعل مولويّة الرسول من قبلالله تعالى. والحجّيّة في هذا القسم ـ أيضاً ـ تتبع دائرة جعل المولويّة سعة وضيقاً، فلو فرض ـ مثلاً ـ جعل المولويّة في خصوص المظنونات، كان الظنّ هو الحجّة ـ أيضاً ـ دون القطع.
والثالث: أن تكون مولويّة ذاتيّة غير مجعولة لجعل جاعل. وفي هذا القسم لايتصوّر اختصاص المولويّة بغير ما قطع به من أوامره، فمن كان له حقّ الطاعة ذاتاً لا إشكال في ثبوت هذا الحقّ فيما قطع به من أوامره، فيكون القطع به حجّة.
والمفروض هو الفراغ من المولويّة الذاتيّة لله تعالى في علم الكلام(1)، وليس البحث عنها مربوطاً بعلم الاُصول. وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ القطع بحكم الشارع حجّة بلا إشكال.
$
', '(1) على أساس وجوب شكر المنعم، كما اشتهر على لسان المتكلّمين. وهناك أساس آخر له أيضاً، وهو: الملكيّة الحقيقيّة لله تعالى؛ إذ هو خالقنا وموجدنا، إذن فهو مالك لنا بالحقيقة. والأساس الصحيح ـ فيما أرى ـ هو الأوّل فحسب.
', 201), (21, 202, 'book', '
جعل الحُجّيّة ورفعها في القطع
وبعد هذا يبقى أن نرى أنّ هذه الحجّيّة هل هي قابلة للجعل التشريعيّ أو الردع، أو لا؟ فهنا مسألتان:
الاُولى: أنّ حجّيّة القطع غير قابلة للجعل التشريعىّ؛ لما عرفت: من أنّ حجّيّته بالمعنى الاُصولىّ ثابتة بضمّ مولويّة المولى إلى حجّيّة القطع بالمعنى المنطقىّ، فجعل حجّيّته بالمعنى الاُصولىّ لايكون إلّا بجعل حجّيّته بالمعنى المنطقىّ، أو بجعل المولويّة. ومن الواضح أنّ الشخص لايمكنه جعل مولويّة نفسه، كما أنّ حجّيّة القطع بالمعنى المنطقىّ ذاتيّة له، فلاتقبل الجعل، إذن فحجّيّة القطع بالحكم الشرعىّ بمعناها الاُصوليّ غير قابلة للجعل.
والثانية: أنّ حجّيّة القطع بحكم الشارع هل هي قابلة للردع، أو لا؟
ذكر بعض الأخباريّين حصول الردع عن العمل بقطع لم يحصل عن الأخبار والروايات. وقد شدّد النكير عليهم من قبل الاُصوليّين إلى مستوىً بدأ يبرز الأمر بما يشبه تشنيع إحدى طائفتين متعاندتين على الاُخرى. وعلى أىّ حال، فلابدّ من البحث في ذلك بشكل موضوعىّ، فنقول:
إن جميع ما ذكروه هنا لإثبات عدم إمكان الردع بعد دعوى البداهة يرجع إلى وجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ الردع عن العمل بالقطع يوجب اجتماع المتضادّين في الواقع، إن كان القطع مصادفاً للواقع، وفي الاعتقاد إن كان مخالفاً له، وكما أنّ اجتماع المتضادّين في الواقع مستحيل كذلك الاعتقاد بتحقّق المحال مستحيل.
الثاني: أنّ حكم الشارع بعدم حجّيّة القطع مناقض لحكم العقل بحجّيّته، ولايصحّ حكم الشارع بما يناقض حكم العقل.
الثالث: أنّ ردع الشارع عن العمل بالقطع نقض لغرضه.
أقول: تارة يفرض ردع الشارع عن حجّيّة تمام أفراد القطع، واُخرى يفرض ردعه عن بعض أفراده:
$
', '', 202), (21, 203, 'book', 'أمّا الأوّل: فلاإشكال في بطلانه؛ إذ لايمكن أن يترتّب أثر على هذا الردع، سواء وصل إلى المكلّف أو لم يصل، أمّا مع عدم الوصول، فواضح؛ إذ الأثر فرع الوصول، وأمّا مع الوصول وحصول القطع به؛ فلأنّ إسقاط تمام أفراد القطع عن الحجّيّة يساوق إسقاط نفس هذا القطع عن الأثر.
وأمّا الثاني: وهو الذي صدرت دعواه عن الأخباريّين، فلايرد عليه ما ذكرناه في الفرض الأوّل، ويبقى ما مضى من الوجوه الثلاثة لإبطاله، ففيما يلي نتعرّض لتمحيص تلك الوجوه:
أمّا الوجه الأوّل: وهو المضادّة بين الواقع والردع عن العمل بالقطع، فالتضادّ بينهما: إمّا أن يكون بلحاظ مبادئ الأحكام، وإمّا أن يكون بلحاظ المحرّكيّة.
أمّا التضادّ بلحاظ المبادئ، فهذا الإشكال بعينه يطرح في مسألة الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ أيضاً، فلابدّ من ملاحظة ما يختار من الجواب هناك؛ كي نرى أنّه هل يجري في المقام أيضاً، أو لا؟
والواقع: أنّ هذا يختلف باختلاف الأجوبة هناك، فمن كان مختاره هناك جواباً يجري في المقام، لايحقّ له إثبات عدم صحّة الردع عن القطع بلزوم التضادّ في المبادئ.
فمثلاً: من قال هناك في حلّ الإشكال: إنّ الحكم الظاهرىّ في طول الشكّ في الحكم الواقعيّ الذي هو في طول الحكم الواقعىّ، وإنّ تعدّد الرتبة كاف في دفع هذا التضادّ، وجب عليه أن يقول هنا ـ أيضاً ـ: إنّ الردع عن العمل بالقطع في طول القطع بالحكم الذي هو في طول الحكم، فيرتفع التضادّ.
وأمّا التضادّ بلحاظ المحرّكيّة، فهذا ـ أيضاً ـ من إشكالات الجمع بين الحكم الواقعىّ والظاهرىّ، ويجاب عنه في الجمع بين الحكم الواقعىّ والظاهرىّ: بأنّ الحكم الواقعىّ لو وصل، انتفى موضوع الحكم الظاهرىّ، ولو لم يصل، لم يكن محرّكاً.
وهذا الجواب ـ كما ترى ـ لايجري في المقام؛ إذ الحكم الواقعىّ واصل بالقطع، فيأتي ـ لامحالة ـ السؤال عن أنّه كيف يمكن الجمع بين محرّكيّة الحكم الواصل بالقطع، وبين الردع عن القطع؟
وتحقيق الكلام في المقام: أنّ التحرّك نحو أوامر المولى تارة يفترض بداعي المحرّكيّة
', '', 203), (21, 204, 'book', 'الشخصيّة، كما لو تحرّك نحو أوامر المولى حبّاً له، واُخرى يفترض بداعي ما يحكم به العقل من التنجيز ووجوب الطاعة وحجّيّة القطع، فإن كان المراد من التضادّ بين الردع والمحرّكيّة هو التضادّ بين الردع والمحرّكيّة الشخصيّة، قلنا: ليس هذا إشكالاً على ردع المولى؛ فإنّ المولى من شأنه ـ دائماً ـ الردع عن المحرّكيّات الشخصيّة، ولا استحالة في ذلك.
وإن كان المراد هو التضادّ بين الردع والمحرّكيّة العقليّة، قلنا: هذا رجوع إلى الوجه الثاني، وهو: أنّ ردع الشارع مناقض لحكم العقل، وهذا ما سنبحثه الآن.
وأمّا الوجه الثاني: وهو التضادّ بين ردع الشارع وحكم العقل، فتوضيحه على حدّ مصطلحات القوم: أنّ العقل حكم بكون الحجّيّة من ذاتيّات القطع، وذاتىّ الشيء يستحيل انفكاكه عنه.
إلّا أنّ صرف كون ما حكم به العقل من ذاتيّات القطع لايكفي في إثبات عدم إمكان الردع عنه، بل يجب أن يرى أنّ ما حكم به العقل، ويكون من ذاتيّات القطع، هل هو حجّيّة القطع المعلّقة على عدم الردع عنها، بحيث يكون الردع رافعاً لموضوع حكم العقل، أو هي الحجّيّة التنجيزيّة؟
فعلى الأوّل يصحّ الردع، وعلى الثاني لايصحّ الردع، وتعيين أحد الاحتمالين موكول إلى الوجدان، ولابرهان عليه.
وأمّا توضيحه على حدّ مصطلحاتنا، فهو: أنّ فرض مولويّة المولى هو فرض وجوب طاعته، فالردع عن ذلك ردع عن مولويّة المولى، وذلك مستحيل.
وهنا ـ أيضاً ـ نقول: إنّ صرف كون المولويّة عبارة عن استحقاق الطاعة لايكفي لإثبات عدم صحّة الردع، بل يجب أن يرى أنّ جوهر المولويّة هل هو عبارة عن حقّ الطاعة التنجيزيّ، أو عبارة عن حقّ الطاعة المعلّق على عدم إسقاطه؟ فعلى الأوّل لايقبل حقّ الطاعة الإسقاط، وعلى الثاني يقبل الإسقاط، من دون أن يستلزم ذلك إسقاط المولى نفسه عن المولويّة، كي يقال: إنّ هذا مستحيل. وتعيين أحد الاحتمالين هنا ـ أيضاً ـ موكول إلى الوجدان، ولابرهان عليه.
$
', '', 204), (21, 205, 'book', 'وأمّا الوجه الثالث: وهو كون إسقاط حجّيّة القطع نقضاً للغرض، فإن اُريد بالغرض الملاك الموجود في المتعلّق، رجع ذلك إلى الشقّ الأوّل من الوجه الأوّل، وهو: التضادّ بحسب عالم المبادئ.
وإن اُريد به الداعي إلى الجعل حيث يقال: إنّ المولى لو أراد الردع عن حجّيّة القطع بما أمر به، فما الذي دعاه إلى أصل الجعل؟!
قلنا: إنّ الداعي إلى أصل الجعل إنّما هو المحرّكيّة التي يقتضيها العقل، فيضيق ويتّسع بضيق تلك المحرّكيّة العقليّة وسعتها، فلو فرضنا أنّ تلك المحرّكيّة تعليقيّة، لم تكن مضادّة بين الداعي إلى الجعل والردع عن الحجّيّة، فلم يكن ذلك نقضاً للغرض، فلم يصحّ هذا الوجه على فرض تعليقيّة التحريك العقلىّ، كما لم يصحّ الوجه الثاني على هذا الفرض، أي: إنّ الوجهين متلازمان صحّة وبطلاناً. أمّا أنّ الصحيح هل هو تعليقيّة التحريك، أو تنجيزيّته؟ فقد مضى أنّ تعيين أحد الاحتمالين موكول إلى الوجدان، ولابرهان عليه.
أمّا الكلام في تحقيق أصل المطلب، فكما يلي:
إنّ غرض المولى تارة يفترض تعلّقه بحصّة خاصّة من الفعل، وهي: الإتيان به بداعي المحرّكيّة الشخصيّة على أساس حبّ العبد للمولى، لابداعي التنجيز العقلىّ، كما لو أراد المولى أن يمتحن عبده، ويرى أنّ حبّه له هل بلغ مرحلة تكفي لتحريكه للامتثال من دون تنجيز عقلىّ، أو لا؟
واُخرى يفترض تعلّقه بطبيعىّ الفعل من دون نظر إلى صدوره بالمحرّكيّة الشخصيّة أو المحرّكيّة المولويّة.
فإن فرض تعلّق الغرض بتلك الحصّة الخاصّة، كان إمكان إسقاط القطع عن الحجّيّة متوقّفاً على القول بتعليقيّة حقّ الطاعة، بمعنى كونه معلّقاً على عدم إسقاطه، فإن قلنا بتعليقيّة حقّ الطاعة، أمكن للمولى إسقاط القطع عن الحجّيّة بإسقاط حقّ الطاعة؛ كي يصبح أمره الإلزامىّ كالأمر الإلزامىّ الناشئ من قبل من لاتجب عقلاً طاعته على المأمور، وبذلك يجرّب المولى مدى حبّ العبد له، وأنّه هل بلغ حبّه إلى مستوىً يكفي
', '', 205), (21, 206, 'book', 'وحده لتحريك العبد نحو الامتثال، أو لا؟ وإن قلنا بتنجيزيّة حقّ الطاعة، لم يمكن ذلك(1).
وإن فرضنا تعلّق الغرض بطبيعىّ الفعل من دون نظر إلى صدوره بالتحريك الشخصىّ، أو التحريك المولوىّ، فهنا لايعقل الردع؛ لأنّ ردعه عن العمل بالقطع: إمّا أن يكون بالحكم النفسيّ، أو يكون بالحكم الطريقىّ:
أمّا الردع بالحكم النفسىّ، فغير معقول؛ لوقوع المضادّة بينه وبين الواقع من حيث المبادئ، وإنّما نحلّ هذا الإشكال في باب الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ باعتبار طريقيّة الحكم الظاهرىّ، وكونه ناشئاً بملاك التحفّظ على الواقع لابملاك نفسىّ، أمّا لو قيل: إنّ الحكم الظاهرىّ حكم نفسىّ، فلامفرّ من هذا الإشكال(2).
$
', '(1) الواقع: أنّ إسقاط حقّ الطاعة في المقام أو تعليقيّة حقّ الطاعة على عدم الإسقاط معقول بمعنى إسقاط الإلزام على نفس النسق المعقول في المستحبّات.
وتوضيح ذلك: أنّ هنا إشكالاً في تصوير الأمر غير الإلزامىّ الصادر عن المولى في المستحبّات، وهو: أنّه لماذا يجعل المولى أمره غير إلزامىّ؟ والجواب عنه (بأنّه إنّما جعله غير إلزامىّ لعدم بلوغ غرضه في الأهمّية إلى مستوى الإلزام) ربّما لايكفي في دفع الإشكال جذريّاً؛ إذ قد يقول القائل:
إنّ غرض المولى مهما كان ضئيلاً، فما دام تحقّقه خيراً من عدمه لاداعي لجعل الأمر به غير إلزامىّ، فلابدّ من تعميق الجواب بأن يقال:
إنّ غرض المولى قد تعلّق بالفعل، ومهما فرض ضئيلاً، ومعارضاً لمصلحة التسهيل مثلاً، فالمفروض أنّ الصعوبة الموجودة في الفعل على العبد لم تسقط الفعل ـ بالكسر والانكسار فيما بين المصالح ـ عن المحبوبيّة لدى المولى، وإلّا لما كان مستحبّاً أيضاً، ولكن يوجد في مقابل هذا الغرض غرض آخر للمولى متعلّق بعدم كون الأمر ملزماً، وهو غرض التسهيل، لابمعنى السهولة العمليّة للعبد بأن يترك الفعل لكون الترك أسهل من الفعل، بل بمعنى إعطاء الحرّيّة للعبد وعدم التضييق عليه بالإلزام، فالغرض الذي أوجب الأمر كامن في الفعل، والغرض الذي أوجب جعل الأمر غير إلزامىّ ليس كامناً في الترك كي يزاحم الغرض الأوّل ويسقطه، وإنّما هو كامن في كون العبد حرّاً في تصرّفه وعدم شعوره بالإلزام المولوىّ واللابدّيّة العقليّة، والجمع بين الغرضين يكون بإصدار الأمر غير الإلزامىّ، وما نحن فيه من هذا القبيل، فللمولى غرض متعلّق بالفعل، وفي نفس الوقت له غرض متعلّق بكون العبد حرّاً في تصرّفه، وأن لايشعر بالإلزام المولوىّ واللابدّيّة العقلّية، إلّا أنّه ليس هنا لأجل مصلحة التسهيل، وإنّما هو لأجل معرفة مدى تحرّك العبد بتحريك الحبّ وحده للمولى مثلاً، فالمولى ـ عندئذ ـ يصدر الأمر، ويجعله غير إلزامىّ، ويسمّى ذلك باسم إسقاط حقّ الطاعة، أو بأىّ اسم آخر.
(2) سيأتي في محله ـ إن شاء الله ـ أنّه بناءً على نفسيّة الحكم الظاهرىّ قد يدفع التضادّ بين المبدءين بافتراض أنّ الأمارة ليست سبباً لحدوث الملاك في نفس مصبّ ملاك الواقع، كي يقع التضادّ بينهما، بل هي سبب لحدوث الملاك في عنوان الانقياد.
إلّا أنّ هذا الوجه سواء تمّ هناك أو لم يتمّ لايعقل تطبيقه على المقام، إلّا بأن يحوّل إلى القول بأنّ ملاك الردع كامن في عدم الانقياد لمولويّة المولى، بمعنى عدم ثقل الكاهل بحقّ الطاعة، وهذا رجوع إلى الفرض الأوّل، وهو فرض تعلّق الغرض بحصّة خاصّة من الفعل، وهي: الحصّة التي لم تنشأ من التحريك المولوىّ.
', 206), (21, 207, 'book', '
وأمّا الردع بالحكم الطريقىّ، فغير ممكن؛ لأنّ الحكم الطريقىّ لايمكن أن يتنجّز على المكلّف بنفسه، وإنّما دوره هو دور تنجيز ما هو طريق إليه من الحكم الواقعىّ، والمفروض في المقام أنّ المكلّف قاطع بعدم وجود حكم واقعىّ يناسب تنجيزه بهذا الردع، فلايبقى أثر لهذا الحكم الطريقىّ.
وتوضيح ذلك:
أنّ الردع عن حجّيّة القطع بحكم طريقىّ لايخلو عن أحد فروض ثلاثة:
الأوّل: أن يفرض أنّ قطع المكلّف قد تعلّق بالإباحة، وأنّ المولى أراد ردعه عن حجّيّة القطع بإلزامه بفعل ما قطع بعدم وجوبه، أو ترك ما قطع بعدم حرمته؛ وذلك بملاك أنّ العبد يخطأ في بعض الأحيان في قطعه بالإباحة وعدم الإلزام؛ فحفاظاً على ملاك الواقع الكامن في موارد خطأ العبد حكم بعدم حجّيّة قطعه بنفي الإلزام حكماً طريقيّاً.
ويرد عليه: أنّ هذا الحكم الطريقىّ لا أثر له؛ إذ إنّه لايقبل التنجيز؛ لكونه طريقيّاً، ولايؤثّر في تنجيز الواقع؛ لأنّ المكلّف قاطع بعدمه.
فتبيّن: أنّ الردع عن معذّريّة القطع غير معقول بخلاف الردع عن معذّريّة الشكّ، فالردع عن معذّريّة الشكّ يكون بإيجاب الاحتياط إيجاباً طريقيّاً، أمّا الردع عن معذّريّة القطع لا يمكن أن يكون بحكم نفسىّ، ولابحكم طريقىّ، أمّا الأوّل، فلأنّه يؤدّي إلى التضادّ بين المبادئ، وأمّا الثانىّ، فلما قلنا: من أنّ هذا الحكم الطريقىّ لايقبل التنجيز؛ لكونه طريقيّاً، ولايؤثّر في تنجيز الواقع؛ لفرض القطع بعدمه.
الثاني: أن يفرض أنّ قطع المكلّف تعلّق بالإلزام، وأنّ المولى أراد إسقاط حجّيّة القطع بحكم طريقىّ؛ لعلمه بأنّ العبد قد يخطأ في قطعه، فيحصل له القطع بالإلزام في مورد لايوجد فيه الإلزام، ويفترض أنّ في التزام العبد بما تخيّله في موارد الخطأ من الإلزام مفسدة أكبر من المصلحة الكامنة في موارد عدم الخطأ، وهي مفسدة بروز الشريعة على شكل شريعة صعبة وغير سمحة مثلاً؛ فحذراً من هذه المفسدة الواقعيّة حكم المولى حكماً طريقيّاً بالردع عن حجّيّة قطع العبد بالإلزام.
ويرد عليه: أنّ هذا الحكم الطريقىّ لا أثر له؛ فإنّ هذا الترخيص في مخالفة القطع ترخيص اضطرارىّ بملاك التزاحم بين المصلحة في مورد والمفسدة في مورد آخر،
', '', 207), (21, 208, 'book', 'ودوران الأمر بينهما في كلّ ما قطع العبد فيه بالإلزام، ولكن المفروض أنّ العبد يقطع بعدم الدوران، وبأنّه قد ميّز موارد المصلحة من موارد المفسدة، فهو قادر على تحصيل كلا الغرضين، وفي هذا الفرض لايكون ترخيص المولى عذراً له.
الثالث: أن يفرض قطع المكلّف بالحكم الإلزامىّ في بعض الموارد، فى حين أنّه يكون الحكم في بعض موارد قطعه إلزاميّاً على عكس الإلزام الذي قطع به، بأن يكون بعض ما تخيّله واجباً محرّماً في الواقع أو بالعكس، فحرّم عليه المولى العمل بقطعه طريقاً للتحفّظ على الأحكام التي أخطأ العبد فيها.
وهذا الردع في الحقيقة له جانبان: جانب التنجيز للإلزام الذي قطع بخلافه، وجانب التعذير عن الإلزام الذي قطع به، والكلام في الجانب الأوّل هو الكلام في الفرض الأوّل، والكلام في الجانب الثاني هو الكلام في الفرض الثاني.
الفروع المُوهِمة للترخيص في مخالفة العلم
قد يذكر في المقام فروع يتخيّل فيها أنّ الشارع رخّص في مخالفة العلم بالحكم في تلك الفروع.
الفرع الأوّل: الدراهم عند الودعىّ
لو كان عند الودعىّ درهمان لزيد، ودرهم لعمرو، فُسرِق أحد الدراهم، فقد حُكِم بأنّ أحد الدرهمين يعطى لزيد، والآخر ينصّف بينهما. وهذا قد يؤدّي إلى مخالفة العلم التفصيلىّ، كما لو انتقل كلّ من النصفين إلى شخص، فاشترى بهما جارية، ووطأها.
أقول: تارة يقع الكلام في هذا الفرع من الناحية الفقهيّة، واُخرى من ناحية كونه نقضاً على حجّيّة القطع وعدم إمكانيّة الردع عنه.
أمّا الكلام من الناحية الفقهيّة، فتفصيله: أنّ هذه الدراهم تارة يفرض عدم معروفيّة ما كان منها لزيد، وما كان منها لعمروعلى أثر وقوع الخلط والامتزاج، واُخرى يفرض ذلك على أثر النسيان دون خلط أو امتزاج.
$
', '', 208), (21, 209, 'book', 'أمّا الفرض الأوّل: ففيه أقوال ثلاثة:
1 ـ إعطاء أحد الدرهمين لزيد، وتنصيف الآخر بينهما.
2 ـ تثليث الدرهمين، وإعطاء ثلثيهما لزيد، وثلثهما لعمرو.
3 ـ تشخيص مالك الدرهم الثاني بالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل.
أمّا القول الأوّل: وهو التنصيف، فيدلّ عليه أمران:
الأوّل: رواية السكونىّ، لكنّها ساقطة عن درجة الاعتبار؛ لضعف السند(1).
الثاني: قاعدة العدل والإنصاف، والدليل عليها ـ على ما أفاده السيّد الاُستاذ ـ هو السيرة العقلائيّة الممضاة من الشارع.
ومُفادها ـ على ما يستفاد من كلماته ـ مجموع أمرين:
الأمر الأوّل: الحكم التكليفىّ، وهو: أنّه إذا دار الأمر في مال بين وصول نصفه فقط قطعاً إلى المالك، أو وصول تمامه احتمالاً إليه، فمقتضى السيرة العقلائيّة هو الأخذ بالثاني.
والآخر: الحكم الوضعىّ، وهو: ثبوت الملك ظاهراً لكلّ من النصفين لمن يعطى له. وذكر في المقام: أنّ تنصيف المال بينهما الموجب لوصول أحد النصفين إلى صاحبه وفوات النصف الآخر عليه، يكون نظير صرف الحاكم نصف المال حسبة، مقدّمة لإيصال النصف الآخر إلى مالكه.
ولعلّه يقصد بذلك مجرّد التنظير والتقريب إلى الذهن.
وعلى أيّ حال، فتارة تفترض دعوى السيرة العقلائيّة على قاعدة العدل والإنصاف. وحجّيّتها في باب القضاء، ولعلّه المقصود للسيّد الاُستاذ، كما يشهد لذلك تنظيره بمسألة اختيار الحاكم إيصال نصف المال بصرف النصف الآخر.
واُخرى تفترض دعوى السيرة على ذلك، وحجّيّة القاعدة في نفسها، وبغضّ النظر عن باب القضاء. ولاتلازم بين حجّيّة الشيء في نفسه، وحجّيّته في مقام القضاء والحكم، فاليمين ـ مثلاً ـ حجّة في مقام الحكم، وليس حجّة في نفسه، والاستصحاب حجّة في
', '(1) المقصود بذلك ما ورد في الوسائل ج 13 باب 12 من الصلح ص 171 عن السكونىّ عن الصادق(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) «في رجل استودع دينارين، فاستودعه آخر ديناراً، فضاع دينار منها، قال: يعطى صاحب الدينارين ديناراً، ويقسّم الآخر بينهما نصفين» والسند ضعيف بالنوفلىّ.
', 209), (21, 210, 'book', '
نفسه، وليس حجّة في مقام الحكم.
أمّا الدعوى الاُولى: وهي دعوى السيرة على قاعدة العدل والإنصاف في مقام فصل الخصومة، فإن ثبتت، لم تفدنا شيئاً؛ لأنّ هذه السيرة مردوعة بإطلاق الأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ القضاء إنّما هو بالبيّنات والأيمان، فإنّها ناظرة إلى إسقاط كلّ ما يجعل فاصلاً للخصومة عدا البيّنة واليمين عن درجة الاعتبار، فلايمكن إثبات جواز فصل الخصومة بشيء آخر، إلّا بالنصّ الخاصّ، لا السيرة العقلائيّة(1).
وعلى أيّ حال، فلاحاجة لنا في باب فصل الخصومة إلى هذه السيرة؛ لدلالة النصّ الخاصّ على قاعدة العدل والإنصاف فيه، حيث ورد في فرض تعارض البيّنتين وعدم مرجّح لأحدهما على الاُخرى الحكمُ بالتنصيف(2).
ومقتضى الجمود على اللفظ هو الاقتصار في فصل الخصومة بهذه القاعدة على خصوص فرض تعارض البيّنتين المتساويتين، دون ما لم تكن هناك بيّنة أصلاً، لكن الظاهر عرفاً من الكلام: أنّ الحكم بالتنصيف يكون بنكتة أنّ البيّنتين بعد التعارض وعدم المرجّح كالعدم، فتتّجه حجّيّة هذه القاعدة في مقام فصل الخصومة حتّى مع عدم وجود البيّنة.
وأمّا الدعوى الثانية: وهي دعوى قيام السيرة على حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف في نفسها، فهي ممنوعة بكلا جانبيها التكليفىّ والوضعىّ.
والحاصل: أنّ السيرة إن سلّمت، فإنّما تسلّم في مورد فصل الخصومة، ولاحاجة إليها هناك؛ للردع أوّلاً، وللنصّ الخاصّ ثانياً، ولاتسلّم في غير باب فصل الخصومة.
$
', '(1) قد يفسّر قوله: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان» على وفق مناسبات الحكم والموضوع بحصر أدلّة تشخيص الحقّ في باب الترافع بالبيّنة والأيمان، في حين أنّ قاعدة العدل والإنصاف لا تستعمل لتشخيص الحقّ، بل تستعمل بعد فرض تردّد الحقّ بين من يقسّم المال عليهم بالعدل والإنصاف.
(2) من قبيل ما ورد عن غياث بن إبراهيم بسند تامّ عن أبي عبد الله(عليه السلام)، «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) اختصم إليه رجلان في دا بّة، وكلاهما أقام البيّنة أنّه أنتجها، فقضى بها للذي في يده، وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (الوسائل ج 18 باب 12 من كيفية الحكم، ح 3 ص 182) إلّا أنّه يوجد بهذا الصدد ـ أيضاً ـ ما دلّ على القرّعة، كما ورد بسند تامّ عن سماعة، قال: «إنّ رجلين اختصما إلى عليّ(عليه السلام) في دابّة، فزعم كلّ واحد منهما أنّها نتجت على مذوده، وأقاما كلّ واحد منهما بيّنة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين، فعلّم السهمين كلّ واحد منهما بعلامة... إلى أن قال: فخرج سهم أحدهما، فقضى له بها» (المصدر نفسه ج 12 ص 185).
', 210), (21, 211, 'book', '
ونقول بعنوان بيان نكتة الفرق (إن وجدت سيرة في باب الخصومة)، لابعنوان إقامة البرهان: إنّ الفارق بين باب الخصومة وغيره هو: أنّ في ذاك الباب كان المطلوب فصل الخصومة ورفعهما، والتنصيف يصلح لذلك، فقامت السيرة على التنصيف. وهذا بخلاف فرض عدم الخصومة.
يبقى الكلام فيما هو الحكم بالنسبة إلى هذا المال في غير باب الخصومة، فنقول: تارة يفرض الكلام فيما هو حكم الشخص الثالث الذي بيده هذا الدرهم المردّد مالكه بين شخصين.
واُخرى يفرض الكلام بالنسبة إلى نفس الشخصين اللذين تردّد المال بينهما.
أمّا الكلام بالنسبة إلى الشخص الثالث، فقد يقال: إنّه يجب على هذا الودعيّ إيصال الدرهم إلى مالكه؛ لأدلّة وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها. وعليه يدور أمره بين الموافقة الاحتماليّة المقرونة بالمخالفة الاحتماليّة، وذلك بإيصال الدرهم إلى أحد الشخصين، وبين الموافقة القطعيّة في نصف الدرهم المقرونة بالمخالفة القطعيّة في النصف الآخر، وذلك بالتنصيف. وهنا يمكن أن يقال بلزوم اختيار الشقّ الأوّل؛ لوجهين:
الوجه الأوّل: ما هو المختار في سائر موارد العلمين الإجماليّين: من أنّه إذا دار الأمر بين الموافقة القطعيّة لأحدهما المقرونة بالمخالفة القطعيّة للآخر، وبين الموافقة والمخالفة الاحتماليّتين لهما، تعيّن الثاني؛ لأنّ العلم الإجمالىّ علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة، دون وجوب الموافقة القطعيّة؛ وذلك بنكتة تعلّق العلم بالجامع، فيجب امتثاله، ويكفي في إيجاد الجامع إيجاد أحدهما(1).
ويرد عليه: أنّ تعلّق العلم بالجامع الذي نسبته إلى كلا الطرفين على حدّ سواء إنّما هو فيما نسمّيه بالعلم الإجمالىّ البسيط، كما لو علمنا إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة. أمّا فيما نسمّيه بالعلم الإجمالىّ المعقّد، وهو ما علم فيه بتعلّق التكليف بالشيء بالإضافة إلى
', '(1) لعلّ مقصوده (رضوان الله عليه) من كون المختار علّيّة العلم الإجمالىّ لحرمة المخالفة القطعيّة، كونه مختاراً له على المبنى المشهور: من علّيّة البيان للتنجيز ولو كان إجماليّاً، وإلّا فسيأتي منه أنّ المختار ـ بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ـ هو اقتضاء العلم الإجماليّ البسيط حرمة المخالفة القطعيّة فحسب، ووجوب الموافقة القطعيّة ـ أيضاً ـ في العلم الإجماليّ المعقّد. وبناءً على إنكار تلك القاعدة يكون مقتضياً لحرمة المخالفة القطعيّة، ولوجوب الموافقة القطعيّة مطلقاً.
', 211), (21, 212, 'book', '
عنوان، كوجوب إكرام العالم بما هو عالم، وكان التردّد في انطباق هذا العنوان على هذا الطرف أو ذاك الطرف، كما لو علمنا إجمالاً بعالميّة أحد الشخصين، فهنا ليس العلم متوقّفاً على الجامع الذي نسبته إلى الطرفين على حدّ سواء، بل نفذ العلم بالتكليف إلى عنوان (إكرام العالم)، ومن الواضح أنّه ليست نسبة ذلك إليهما على حدّ سواء، وإنّما تردّدنا نحن في انطباقه. فما تنجّز بالعلم إنّما هو إكرام العالم، وهو أكبر من الجامع الذي يعبّر عنه بمثل أحدهما. وسيأتي في محله ـ إن شاء الله ـ تفصيل الكلام في الفرق بين القسمين. وما نحن فيه من هذا القبيل؛ إذ وجب ردّ المال إلى المالك بما هو مالك، وتردّد لدينا انطباقه بين هذا وذاك.
الوجه الثاني: أنّه على رغم نفوذ العلم بالوجوب إلى ردّ المال إلى المالك بما هو مالك ـ ولذا لم نقبل بالوجه الأوّل ـ يمكن الترخيص في مخالفة ذلك مخالفة احتماليّة، ولايمكن الترخيص في مخالفتها مخالفة قطعيّة ولو في أحد النصفين؛ وذلك لأنّ الترخيص في المخالفة الاحتماليّة حكم ظاهرىّ قابل للجمع مع الحكم الواقعىّ بوجه يجمع به بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، أمّا الترخيص في المخالفة القطعيّة، فغير ممكن. فلابدّ من إرجاعه إلى تقييد الواقع؛ إذ يشترط في الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ عدم القطع بمخالفته للواقع، فإطلاق دليل الحكم الواقعىّ يطرد الترخيص في المخالفة القطعيّة(1).
إلّا أنّ تمام ما ذكرناه إلى هنا كان مبنيّاً على دعوى وجوب إيصال المال إلى مالكه على هذا الودعىّ.
لكن التحقيق: أنّه لادليل على وجوب ذلك عليه، بل إنّما يجب عليه التخلية بين المال ومالكه، بأن يقول لهما ـ مثلاً ـ: كلّ من كان منكما مالكاً لهذا المال، فليأخذه. وأمّا وجوب
', '(1) لعلّ هذا ـ أيضاً ـ مبنىّ على مبنى القوم: من أنّ العلم الإجمالىّ كالتفصيلىّ في علّيّته للتنجيز، ولكن مع ذلك يمكن الترخيص في المخالفة الاحتماليّة في مورد العلم الإجمالىّ، كما رخّص فيها في مورد العلم التفصيلىّ بمثل قاعدة الفراغ وغيرها.
إلّا أنّ الواقع: أنّ نفس النكتة التي جعلت الترخيص في المخالفة الاحتماليّة جائزاً في مورد العلم الإجمالىّ والتفصيلىّ، جعلت الترخيص في المخالفة القطعيّة في مورد العلم الإجماليّ جائزاً أيضاً، وسيأتي منه(رحمه الله)منع كون العلم الإجمالىّ علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة. وتفصيل الكلام يتّضح في الأبحاث الآتية في محلّها إن شاء الله.
', 212), (21, 213, 'book', '
إيصال المال إلى المالك، فلادليل عليه سوى أمرين:
أحدهما: قاعدة على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.
والصحيح: أنّ عمدة الدليل عليها هي السيرة العقلائيّة، وهي لاتقتضي فيما نحن فيه أكثر من التخلية بالشكل الذي أشرنا إليه.
وثانيهما: دليل وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها.
والتحقيق: أنّه ليس المستفاد منه عرفاً لزوم الإيصال؛ ولذا لم يفت الفقهاء بأنّه يجب على الأمين حمل المال إلى باب دار صاحبه، وإنّما قالوا بوجوب التخلية عليه، وهذا هو المفهوم عرفاً من دليل ردّ الأمانات. والتخلية بين المال والمالك ـ بمعنى رفع المانع من ناحية نفسه عن أخذ المالك ـ تحصل برفع الحاجب بين المال وكلا هذين الشخصين.
نعم، لايحصل بذلك رفع مانع احتمال مالكيّة ذاك الشخص الآخر الذي ليس في الحقيقة مالكاً، لكنّه لايقدر على رفع هذا المانع حتّى يجب عليه، إلّا بأن يقرّ بعدم مالكيّة الشخص الآخر، فيكون إقراره حجّة من باب حجّيّة إقرار ذي اليد، ولكن لايجوز له هذا الإقرار؛ لفرض كونه شاكّاً. بل لو فرض إمكان رفع هذا المانع، لم يجب ـ أيضاً ـ رفعه؛ إذ دليل وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها لايدلّ على وجوب التخلية بمعنىً يشمل ذلك، وإنّما يدلّ على وجوب التخلية بمعنى رفع المانع من قبله فقط(1).
وأمّا الكلام بالنسبة إلى من تردّد بينهما المال: فلو أرادا الصلح، أو رفع أحدهما أو كلاهما اليد عن المال، فلاكلام، وإلّا فإن كان كلّ منهما يدّعي القطع بأنّه المالك، خرجت
', '(1) بل الظاهر: أنّ المفهوم منه أكثر من هذا، فلو كان يعلم أنّ هذا المال لزيد، وليس لعمرو، لم يكن يكفي بأن يخلّي بين هذا المال وبينهما، ويبقيهما حائرين بشأن هذا المال، بل كان عليه أن يشهد بالواقع. وشأن السيرة العقلائيّة على قاعدة اليد ـ أيضاً ـ كذلك.
نعم، في خصوص ما نحن فيه ـ باعتباره غير قادر على شهادة من هذا القبيل إلّا بأن يشهد بغير علم ـ لايفهم عرفاً من دليل وجوب ردّ الأمانات إلى أهلها وجوب الشهادة بغير علم عليه، فيكتفي بالتخلية بين المال وبينهما.
نعم، لو كان كلّ منهما مصمّماً على أن يستأثر بالمال، فالتخلية بين المال وبينهما (لا بينه وبين المالك) إيجاد للحاجب عن المال، ومعه لاتتمّ التخلية الواجبة في الحالات الاعتياديّة، لكن في فرض الشكّ والتردّد بينهما لادليل على وجوب التخلية بالمعنى الشامل؛ لعدم إيجاد حاجب من هذا القبيل، لامن السيرة العقلائيّة، ولامن دليل ردّ الأمانات إلى أهلها. أمّا السيرة العقلائيّة، فلعدم ثبوتها على ذلك في مثل المقام، وأمّا دليل ردّ الأمانات، فهو ـ أيضاً ـ ينصرف عن ذلك في مثل المقام بالمناسبات العقلائيّة.
', 213), (21, 214, 'book', '
المسألة عمّا نحن فيه، وعليهما أن يرفعا النزاع إلى الحاكم، وقد مضى أنّ الحاكم يحكم بقاعدة العدل والإنصاف، وإن كان كلّ منهما يحتمل كون المال له، فبعد ما عرفت من عدم حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف في غير باب الحكومة، لايبقى شيء عدا القرعة، وتصل النوبة إليها.
وأمّا القول الثاني: وهو التثليث، فمنشؤه القول بحصول الشركة بالامتزاج، وهل هذه الشركة ظاهريّة، أو واقعيّة؟ فمقتضى كلام صاحب الجواهر(رحمه الله) أنّها ظاهريّة، والذي حمله على المصير إلى ذلك ما تسالموا عليه من كون الامتزاج موجباً للشركة من ناحية، ومن كون عقد الشركة موجباً للشركة ـ أيضاً ـ مشروطاً بالامتزاج من ناحية اُخرى.
فيرد الإشكال: بأنّ الامتزاج لو كان وحده موجباً للشركة، فافتراض كون عقد الشركة مشروطاً بالامتزاج موجباً للشركة ضمّ للحجر في جنب الإنسان. ففراراً من هذا الإشكال افترض أنّ الامتزاج إنّما يولّد الشركة الظاهريّة، في حين أنّه لو انضمّ إليها العقد، أصبحت الشركة واقعيّة.
أقول: إنّ كون الشركة ظاهريّة فيما نحن فيه غير متصوّر؛ إذ لو لم يكن الامتزاج موجباً للشركة الواقعيّة، إذن نحن نعلم بأنّ كلّ مال قد بقي في ملك مالكه، ومعه كيف نفترض الشركة الظاهريّة؟ ولامجال للحكم الظاهرىّ مع القطع بالخلاف!!
والواقع: أنّ دليله على كون الامتزاج شرطاً لحصول الشركة بالعقد هو الإجماع، ونحن لانراه في المقام بنحو يكشف عن رأي المعصوم. وتحقيق المقياس في ذلك يرجع إلى بحث الإجماع.
والدليل الصحيح على كون الامتزاج موجباً للشركة هو السيرة العقلائيّة، وهي لم تثبت في مطلق الامتزاج، وإنّما ثبتت فيما إذا كان الامتزاج بين الشيئين بنحو يأبى العرف عن كون المركّب موضوعين لحكمين بالملكيّة، كما في امتزاج الماء بالماء، أمّا امتزاج الدرهم بالدرهم، فليس كذلك. وحتّى لو كان دليلنا على الشركة هو الإجماع، فالقدر المتيقّن منه هو الامتزاج بالشكل الأوّل.
ومن هنا ينحلّ الإشكال الموجود في الجمع بين الفتوى بكون الامتزاج موجباً للشركة، والفتوى بكون تأثير العقد في إيجاد الشركة مشروطاً بالامتزاج ـ لو سلّمنا
', '', 214), (21, 215, 'book', 'الاعتماد على الإجماع المستدلّ به في المقام ـ وذلك لأنّ الامتزاج الموجب للشركة إنّما هو الامتزاج بالنحو الأوّل، سنخ امتزاج الماء بالماء، والقدر المتيقّن من اشتراط الامتزاج في نفوذ عقد الشركة هو أدنى مراتب الامتزاج الثابت في مثال الدرهم؛ لأنّ الدليل على اشتراط الامتزاج ليس لفظيّاً، وإنّما هو دليل لبّىّ لابدّ فيه من الاقتصار في مقام تقييد إطلاقات نفوذ عقد الشركة على القدر المتيقّن.
وأمّا القول الثالث: وهو تحكيم القرعة، فقد ظهر حاله ممّا سبق؛ فإنّه إن اُريد القرعة بمعنى حكم القاضي بذلك، فقد عرفت أنّ القاضي يجب أن يحكم بقاعدة العدل والإنصاف، بحكم النص، وإن اُريد القرعة بالنسبة إلى الشخص الثالث الودعىّ، فقد عرفت أنّه ليس عليه سوى التخلية بينهما وبين المال، وإن اُريد القرعة بالنسبة إلى نفس الشخصين الشاكّين، فقد عرفت صحّتها في ذلك.
وأمّا الفرض الثاني: وهو كون الاشتباه بسبب النسيان من دون أىّ خلط وامتزاج في المقام، فهذا حاله حال الفرض الأوّل في تمام ما مضى، عدا أنّ القول الثاني ـ وهو الشركة ـ لا مجال لتوهّمه هنا.
هذا تمام الكلام في هذا الفرع من الناحية الفقهيّة.
وأمّا افتراضه نقضاً على حجّيّة القطع وعدم الردع عنها، فخلاصة الكلام في ذلك:
أنّه بناءً على القول الثالث ـ وهو القرعة ـ لاتوجد في المقام مخالفة للعلم كما هو واضح. وكذلك الحال بناءً على القول الثاني، وهو الشركة؛ لما عرفت من أنّ الحقّ هو أنّ الشركة واقعيّة لاظاهريّة.
وأمّا بناءً على التنصيف لقاعدة العدل والإنصاف، فهنا قد يؤدّي العمل بآثار القاعدة إلى الانتهاء إلى مخالفة العلم، كما لو وقع النصفان في يد شخص ثالث، فهو يعلم إجمالاً بعدم مالكيّته لهما، وكما لو اشترى بهما جارية، فهو يعلم تفصيلاً بعدم الملكيّة المستقلّة، وحرمة الوطء.
لكنّنا نلتزم في مثل هذه الموارد بحرمة المخالفة، ونقتصر في مقام العمل بقاعدة العدل والإنصاف وترتيب آثارها على ما لايلزم منه مخالفة العلم بعد ثبوت منجزيّة العلم خصوصاً فيما إذا كان دليل القاعدة خصوص السيرة؛ فإنّ ثبوتها على ترتيب مثل هذه الآثار ممنوع.
$
', '', 215), (21, 216, 'book', 'الفرع الثاني: اختلاف المتبايعين في أحد العوضين
نبحث في هذا الفرع فيما لو وقع الخلاف في الثمن أو المثمن، كما لو قال البائع: بعتك كتاب الجواهر بعشرة دراهم، وادّعى المشتري: أنّك بعتني كتاب الحدائق بهذا الثمن، ولم يكن لأحدهما بيّنة، فالمورد مورد التحالف. فإن حلفا، حكم الحاكم للبائع بالكتابين، وللمشتري بالثمن. فلو وقع الكتابان في يد ثالث، علم إجمالاً بعدم مالكيّته لهما، ولو اشترى بهما جارية، علم تفصيلاً بعدم مالكيّته لها بالاستقلال، وعدم حلّيّة الوطء.
وذكر السيّد الاُستاذ: أنّه مع التحالف إمّا أن نقول بالانفساخ الواقعىّ، أو الظاهرىّ. فإن قلنا بالأوّل، فلا إشكال في المقام، وإن قلنا بالثاني، فإن كفى تصرّف ذي اليد ظاهراً في جواز تصرّف غيره واقعاً، فلا إشكال أيضاً، وإلّا التزمنا بلزوم اجتناب الشخص الثالث.
أقول: تارة يقع الكلام في التحالف.
واُخرى في الانفساخ الظاهرىّ.
وثالثة في الانفساخ الواقعىّ.
ورابعة في النقض بالمسألة على حجّيّة القطع.
أمّا الأوّل: وهو ثبوت التحالف هنا وعدمه، فهو مبتن على تحقيق نكتة في بحث القضاء، وهي: أنّه لا إشكال في أنّ البيّنة على المدّعي، والحلف على المنكر. فالتحالف إنّما يكون فيما لو كان كلّ منهما منكراً بلحاظ، أمّا إذا كانا مدّعيين من دون أن يصدق عليهما عنوان المنكر، فلامعنىً للتحالف.
ولا إشكال في أنّ كلّ واحد منهما منكر في ذاته، أي: إنّه ينكر بيع أحد الكتابين، وهو يطابق أصالة عدم البيع، إلّا أنّ هذا الأصل معارض للأصل في دعوى الطرف الآخر. فإن قلنا: إنّ المقياس في الإنكار هو مطابقة الكلام للأصل، أو الدليل في ذاته، وبغضّ النظر عن المعارض الذي قد يثبت في دعوى الطرف الآخر، إذن فكلّ منهما مدّع ومنكر، ويجري التحالف.
وإن قلنا: إنّ المقياس في الإنكار هو المطابقة للأصل، أو الدليل الذي يكون حجّة بالفعل، ولا تكفي الحجّيّة الشأنيّة ـ أي: الحجّيّة لولا المعارض ـ إذن فهما مدّعيان، ولامجال للتحالف. والمختار في باب القضاء ـ على ما أتذكّر ـ هو الأوّل، فكلّ منهما مدّع ومنكر. والخصومة في الحقيقة منحلّة إلى خصومتين بعدد البيعين اللذين اختلفا بينهما،
', '', 216), (21, 217, 'book', 'فكلّ منهما مدّع في إحدى الخصومتين، ومنكر في الاُخرى. ومن هنا يأتي التحالف.
وأمّا الثاني: وهو الانفساخ الظاهرىّ هنا ـ لو أنكرنا الانفساخ الواقعىّ ـ فمستحيل؛ للعلم بمخالفته للواقع. فإن كان هناك انفساخ، فهو الانفساخ الواقعىّ(1).
وأمّا الثالث: فيمكن الاستدلال على الانفساخ الواقعىّ في مطلق موارد التحالف في باب التنازع في المعاملات بوجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أنّ نفس التحالف يقتضي الانفساخ، من ناحية أنّ التحالف إنّما ثبت في باب القضاء لإنهاء الخصومة، ولو لم تنفسخ المعاملة، تكون الخصومة ثابتة على حالها.
ويرد عليه: أنّ إنهاء الخصومة في باب القضاء ليس بمعنى رفع موضوع الخصومة، بل بمعنى: أنّ حكم الحاكم يفرض عليهما ترك التخاصم، أي: لايجوز لأحدهما أن يخاصم الآخر، ويجب عليه السكوت والصبر حتّى لو علم بأنّه حكم عليه حكماً غير مطابق للواقع، وأنّه هو على الحقّ. فلو حكم عليه ـ مثلاً ـ بأنّ المال المتنازع فيه لصاحبه، لم يجز له أن يسرقه من صاحبه لعلمه بأنّه له، وأمّا انتفاء أصل منشأ الخصومة، فليس هو المقصود من قوانين باب الترافع.
الوجه الثاني: تطبيق قانون (تلف المال قبل قبضه من مال بائعه) على المقام، بدعوى أنّ من كانت دعواه غير مطابقة للواقع، فقد عجّز الآخر عن أخذ ماله ومطالبته به؛ إذ بحكم الحاكم قد حرم عليه مطالبته بالمال، وهذا بحكم تلف المال عليه، والتلف قبل القبض من مال البائع.
وقد فسّروا هذه القاعدة بالانفساخ.
ويرد عليه: أنّه لو سلّم(2) ذلك، فهو لايعمّ مطلق موارد التحالف في باب المعاملات؛ لثبوت القاعدة بنصّ خاصّ في باب البيع قبل القبض. وربّما يكون الترافع في غير البيع، وربّما يكون بعد القبض.
الوجه الثالث: أنّ المعاملة تنفسخ بعد التحالف؛ للغويّة بقائها؛ لعدم ترتّب فائدة عليها عندئذ.
$
', '(1) قد يقصد بالانفساخ الظاهرىّ نفي تحقّق كلّ واحد من البيعين ظاهراً. واحتمال مطابقة كلّ من الحكمين للواقع موجود، وإن علم إجمالاً بمخالفة أحدهما له.
(2) ولانسلّمه.
', 217), (21, 218, 'book', '
ويرد عليه: أنّه تترتّب على بقائها عدّة ثمرات(1): منها أنّه لو اهتدى بعد ذلك من كان على خطأ، وأقرّ بالحقّ، أعطى مال صاحبه لصاحبه، وأخذ ماله. وهذا بخلاف فرض الانفساخ.
والتحقيق: أنّه لاوجه للقول بالانفساخ بقول مطلق في تمام موارد التحالف في المعاملات. نعم، نثبت فيما نحن فيه الانفساخ بمقدّمتين:
الاُولى: أنّ من كان محقّاً منهما قد حصل له خيار تخلّف الشرط الضمنىّ؛ لأنّه انحرم من ماله بحكم الحاكم بسبب دعوى صاحبه، والمعاملة تشتمل على شرط ضمنىّ للتسليم والخيار(2) في فرض عدم التسليم، فكلّ واحد منهما بحسب دعواه يكون ذا خيار على أساس عدم تسليم صاحبه العوض.
الثانية: أنّ الظاهر عرفاً من هذه الدعوى والمرافعة: هو عدم رضا كلّ واحد منهما بالمعاملة إن لم يثبت مقصوده(3).
وهذا كاف في حصول الانفساخ عند جواز الفسخ، سنخ ما قال الفقهاء: من أنّ إنكار الوكالة فسخ لها، وإنكار الطلاق رجوع إلى الزوجيّة. وعليه فكلّ واحد منهما يكون بحسب دعواه فاسخاً. هذا حالهما.
وأمّا حال الشخص الثالث، فهو يعلم إجمالاً بأنّ أحدهما ذوخيار، وإنّ صاحب الخيار قد فسخ المعاملة، فيجوز له شراء كلا الكتابين.
وأمّا الرابع: فقد ظهر أنّه لامجال للنقض بهذه المسألة على حجّيّة القطع؛ لتحقّق الانفساخ واقعاً.
وأمّا لو أنكر ما مضى من الظهور العرفىّ، فمن الممكن لهما حلّ الإشكال بالفسخ،
', '(1) على أنّ مجرّد عدم ترتّب الثمرة على البقاء لامسّوغ لإيجابه للانفساخ، غاية ما هنا أنّه لايمكن ـ أيضاً ـ نفي الانفساخ بالاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب مشروط بالثمرة العمليّة.
(2) الشرط الضمنىّ ليس منصبّاً على الخيار، بل هو منصبّ على التسليم، ومع عدمه يحصل خيار تخلّف الشرط.
(3) بل الظاهر من ذلك: إنّما هو عدم رضا كلّ واحد منهما بالمعاملة التي يدّعيها الآخر لو كانت حقّاً، أي: إنّ إنكار تلك المعاملة يدلّ على عدم الرضا بها، سنخ ما قالوا في إنكار الوكالة وإنكار الطلاق. أمّا عدم الرضا بالمعاملة التي يدّعيها هو ـ لو كانت حقّاً ـ لمجرّد أنّها لم تثبت بحكم الحاكم، فلاموجب لاستظهاره. نعم، يمكن أن يقال: إنّ ظاهر الحال عدم رضا أىّ واحد منهما بمعاملة حجر فيها شرعاً عن التصرّف فيما انتقل إليه.
', 218), (21, 219, 'book', '
بعد ما عرفت من ثبوت الخيار.
فإن فسخا، لم يبق إشكال في المقام، وإن لم يفسخا، التزمنا بعدم جواز مخالفة القطع، وحرمة تصرّف الثالث، ومحظوريّة وطء الجارية المشتراة بهما(1).
الفرع الثالث: العلم الإجمالىّ بالجنابة
لو علم شخصان إجمالاً بجنابة أحدهما، أجرى كلّ واحد منهما أصالة عدم الجنابة بشأن نفسه مع أنّ هذا قد يوجب مخالفة العلم كما لو اقتدى أحدهما بالآخر.
أقول: نحن لا نكتفي بقولنا: (لا يجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر للزوم مخالفة العلم)(2)، بل نقول: لاتجري أصالة عدم الجنابة بشأن أىّ واحد منهما عند كون طهارة
', '(1) لا أدري لماذا فرض اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) الإشكال بالنسبة إلى الشخص الثالث، في حين أنّه يوجد لنفس المشتري ـ بعد فرض علمه إجمالاً بتحقّق أحد البيعين ـ العلم التفصيلىّ بأنّ الثمن ليس له؟! فإن حلّ إشكاله بوجه من الوجوه، لم يبق إشكال بالنسبة إلى الشخص الثالث، وإلّا فأصل الإشكال يكون بالنسبة إلى المشتري بلحاظ مخالفة العلم التفصيلىّ، وبالنسبة إلى البائع بلحاظ الكتاب الذي يعلم أنّه قد خرج من ملكه.
والواقع: أنّ القاضي لو علم بتحقّق أحد البيعين، وقلنا: إنّ علمه بهذا الموجب للتعارض بين أصالة عدم تحقّق هذا البيع وأصالة عدم تحقّق ذاك البيع يوجب عدم التحالف؛ لسقوط الأصلين، لوصلت النوبة إلى الحكم بالقرعة، ومعه لا إشكال في المقام بالنسبة إلى الشخص الثالث. وأمّا بالنسبة إلى البائع لو خرجت القرعة على خلاف ما يعتقد، فلا إشكال عليه في تصرّفه في الثمن؛ لأنّه ملكه على كلّ حال، ولا في الكتاب الباقي لديه حتّى لو كان أغلى قيمة من الكتاب الذي أخذ منه؛ لأنّ صاحبه راض بخسارة هذا الكتاب لقاء حصوله على ذاك الكتاب، وهذا كاف في أن يحقّ له التملّك وسقوط احترام يد صاحبه بهذا المقدار، أمّا لو لم يكن أغلى،فمن الواضح أنّه يحقّ له تملّكه بالتقاصّ، وكذا الحال بالنسبة إلى المشتري في تصرّفه في الكتاب الذي اُعطي له لو خرجت القرعة على خلاف ما يعتقد.
أمّا لو لم يعلم القاضي إجمالاً بصدق إحدى الدعويين، أو علم بذلك، ولكن مع هذا حكمنا بالتحالف، فالقاضي يحكم بنفي كلّ واحد من البيعين على وفق الحلف، وهذا نفي ظاهرىّ للبيع، وبعد ذلك سيكون للمحقّ خيار الفسخ، فإن فسخ، لم يبق إشكال في المقام، وإن لم يفسخ، كان من حقّه التصرّف في المال وتملّكهبعد أن كان صاحبه يرضى بهذا في مقابل أن يتمكّن من المال الآخر؛ إذ قد أسقط احترام يده بهذا المقدار. فإن تملّك، ارتفع الإشكال عن التصرّفات الموقوفة على الملك أيضاً، وإلّا فالإشكال يبقى بلحاظ التصرّفات الموقوفة على الملك. أمّا إذا باعه، فظاهر البيع أنّه تملكه، وهذا حجّة للشخص الثالث باعتباره يأخذ المال من يد ذي اليد.
(2) قد يقال: إنّ صحّة الصلاة ظاهراً للإمام تكفي للصحّة الواقعيّة لصلاة المأموم، فلامخالفة للعلم.
والجواب: أنّ صحّة الصلاة ظاهراً للإمام إنّما تكفي في الموارد المتعارفة للصحّة الواقعيّة لصلاة المأموم بنكتة عدم الإخلال بالركن. أمّا فيما نحن فيه، فيقطع ببطلان صلاة المأموم؛ لأنّ بطلان صلاة الإمام واقعاً يوجب بطلان الاقتداء واقعاً، فالمأموم يعلم ببطلان اقتدائه واقعاً؛ إمّا لجنابته، أو لجنابة الإمام، ومعه يكون ترك القراءة تركاً عمديّاً، وهو مبطل للصلاة.
', 219), (21, 220, 'book', '
الآخر ذا أثر ترخيصىّ لهذا حتّى لو لم يقتد به.
فمثلاً: لو جاز لكلّ واحد منهما الاقتداء بالآخر على تقدير عدم الجنابة، حصل له العلم الإجمالىّ بأنّه إمّا يجب عليه الاغتسال، أو يحرم عليه الاقتداء بالآخر، وهذا علم إجمالىّ منجّز.
نعم، لو لم يكن يترتّب على طهارة الآخر أثر ترخيصيّ لهذا الشخص، جرت بشأنه أصالة عدم الجنابة.
الفرع الرابع: الاختلاف في سببب نقل الملك
لو اختلفا في كون نقل أحدهما للكتاب ـ مثلاً ـ إلى ملك الآخر بالبيع أو الهبة، فادّعى المالك الأوّل البيع، والمالك الثاني الهبة، تحالفا، وبقي الكتاب للأوّل.
وذكر السيّد الاُستاذ (بعد إخراج فرض كون الهبة جائزة؛ لظهور الإنكار ـ عندئذ ـ في الفسخ كما في إنكار الوكالة والطلاق)(1): أنّ التحالف يوجب الانفساخ، فيكون الكتاب ملكاً للمالك الأوّل.
ومقصوده من التحالف هو: الحلف على إنكار البيع وإنكار الهبة.
أقول: إنّ هذا الفرع ليس من موارد التحالف، إلّا على بعض الفروض.
توضيح ذلك: أنّ في بحث القضاء كلاماً في أنّ تشخيص المدّعي والمنكر هل يكون بنفس مصبّ الدعوى، أو بالإلزامات التي يدّعيها أحدهما على الآخر؟ والمختار هو الثاني، ونحن نتكلّم هنا على كلا الفرضين، فنقول:
أمّا على الفرض الأوّل ـ وهو كون تشخيص المدّعي والمنكر بلحاظ مصبّ الدعوى ـ فقد يتوهّم: أنّ الأوّل يحلف على عدم الهبة، والثاني يحلف على عدم البيع.
والتحقيق: أنّ الثاني يحلف على عدم البيع، والأوّل ليس له الحلف على عدم الهبة؛
', '(1) فيتحوّل النزاع إلى النزاع في البيع وعدمه، ولامعنىً للتحالف.
', 220), (21, 221, 'book', '
لأنّ تحالفهما فرع أن تكون هناك خصومتان: خصومة في البيع، وخصومة في الهبة، وليس الأمر كذلك؛ فإنّه صحيح أنّ هناك تكاذبين، ولكن ليس كلّ تكاذب تطبّق عليه قوانين الخصومة. مثلاً: لو تكاذب شخصان في نزول المطر وعدمه من دون أن يكون ذلك مثمراً لثمر إلزامىّ لأحدهما على الآخر، فهل يعتبر هذا خصومة ترفع إلى الحاكم؟ طبعاً لا. والهبة فيما نحن فيه من هذا القبيل؛ إذ لايترتّب على الهبة شيء عدا ملكيّة الكتاب التي هي مترتّبة على البيع أيضاً، فكلاهما معترفان بها، وهما يختصمان في البيع من ناحية أنّه لو ثبت البيع، كان للأوّل إلزام الثاني بالثمن، وكان له ـ أيضاً ـ خيار الفسخ عند منع الثاني له عن الثمن؛ وذلك على أساس تخلّف الشرط الضمنىّ.
ولو ثبت عدم البيع، لم يكن للأوّل شيء من الإلزامين، وكان للثاني إلزام الأوّل بعدم تأثير الفسخ لو فسخ. وأمّا التكاذب الواقع في الهبة، فليس إلّا من قبيل التكاذب في نزول المطر؛ إذ لايترتّب على الهبة عدا الملكيّة المعترف بها منهما على كلّ تقدير. وليس عدم استحقاق الثمن مترتّباً على الهبة، وإنّما هو مترتّب على عدم البيع الملازم للهبة؛ ولذا ليس عدم الخيار مترتّباً على الهبة، بل على عدم الشرط الضمنىّ الملازم للهبة.
إن قلت: لا إشكال أنّ يد الثاني وقعت على ما كان لغيره، وقد وقع الخلاف في أنّ وضع اليد على مال غيره هل كان بتسليط مجّانىّ منه عليه، فيترتّب عليه عدم الضمان، أو بلاصدور تسليط مجّاني عنه عليه، فيترتّب عليه الضمان؟ والتسليط المجّانىّ هنا منحصر بالهبة، فيترتّب على الهبة عدم الضمان، وعلى عدمها الضمان. فليس النزاع في الهبة راجعاً إلى صرف التكاذب، بل يرجع إلى باب الخصومة؛ فإنّ اليد توجب الضمان عند عدم التسليط المجّانىّ، والتسليط المجّانىّ المختلف فيه هو الهبة.
قلت: ليس نفس عنوان وضع اليد عند عدم التسليط المجّانىّ موضوعاً للضمان، والتسليط المجّانىّ موضوعاً لعدمه، وليست قاعدة ثبوت الضمان في اليد مع عدم التسليط المجّانىّ إلّا أمراً انتزاعيّاً.
والواقع: أنّ موضوع الضمان أمران:
أحدهما: العقد المعاوضىّ. ودليل الضمان فيه هو دليل صحّة ذاك العقد. وهذا هو المسمّى بضمان المعاوضة، ويكون الضمان فيه بالقيمة المسمّـاة في العقد.
$
', '', 221), (21, 222, 'book', 'وثانيهما: وضع اليد على مال الغير بلا معاوضة مع اجتماع شرائط اُخرى. وهذا هو المسمّى بضمان اليد، ويكون الضمان فيه بالمثل أو القيمة. ودليل الضمان فيه هو السيرة العقلائيّة، أو رواية: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» مثلاً لو تمّت.
وننتزع من مجموع هذين الموضوعين عنوان اليد على مال الغير بلا تسليط مجّانىّ. وإنّما الموضوع الحقيقىّ ما عرفته من الأمرين. والأمر الثاني منهما فيما نحن فيه مقطوع العدم، والأمر الأوّل منهما ينطبق ـ فيما نحن فيه ـ على البيع، وهو مصبّ الخصومة. وأمّا الهبة، فليس حولها عدا صرف التكاذب، والموافق قوله للأصل هو منكر البيع، وهو المالك الثاني، فيحلف ويأخذ الكتاب. ولايبقى موضوع للنقض على حجّيّة العلم؛ إذ لم يقع الكتاب في يد من يعلم بعدم مالكيّته، وهو الأوّل.
هذا كلّه بناءً على المبنى المشهور في باب شرط الخيار: من كونه عبارة عن إنشاء مستقلّ، والتزام في الالتزام.
أمّا بناءً على أنّ شرط الخيار ليس إنشاءً مستقلّاً، بل هو تقييد للإنشاء الأوّل، وهو إنشاء الملكيّة، وهو يعني: أنّه أنشأ ملكيّة ما قبل الفسخ فقط، لا الملكيّة المستدامة إلى ما بعد الفسخ(1)، فالتكاذب في الهبة ـ أيضاً ـ يطبّق عليه قوانين باب الخصومة؛ إذ لو كان قد وهب المال فقد ملّكه لما بعد الفسخ أيضاً، في حين أنّه لو كان قد باع المال بيعاً فيه شرط الخيار على تقدير منع الثمن، فقد ملّكه تمليكاً لما قبل الفسخ فقط. إذن فالنزاع في الهبة وعدمها يعني النزاع في التمليك الدائمىّ وعدمه، فكما أنّ منكر البيع يحلف على عدم البيع، كذلك منكر الهبة يحلف على عدم الهبة.
$
', '(1) لايخفى أنّ توّهم كون ما نحن فيه من باب إنشاء ملكيّة ما قبل الفسخ فقط إنّما يكون على تقدير مجموع توّهمين:
أحدهما: توهّم رجوع خيار تخلّف الشرط إلى خيار الشرط، أو توهّم أنّ في موارد الشرط الضمنىّ يوجد شرط الخيار ـ أيضاً ـ على تقدير تخلّف الشرط الأوّل.
والواقع: أنّه لايوجد في المقام إلّا شرط ضمنىّ واحد، وهو شرط التسليم، ولايوجد شرط الخيار على تقدير عدم التسليم، وليس خيار تخلّف الشرط راجعاً إلى خيار الشرط. وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه.
ثانيهما: توهّم أنّ شرط الخيار يعني تقييد إنشاء الملكيّة بما قبل الفسخ.
والواقع: أنّ البيع تمليك لذات العين من دون أخذ مفهوم زمانىّ فيه من الدوام كي يكون شرط الخيار استثناءً من ذلك. وتفصيل ذلك ـ أيضاً ـ موكول إلى محلّه.
', 222), (21, 223, 'book', '
ولكن مع ذلك لايتمّ النقض على حجّيّة العلم؛ لا لما ذكره السيّد الاُستاذ: من أنّ التحالف يوجب الانفساخ ؛ فإنّك عرفت في الفرع الثاني أنّ وجوه اقتضاء التحالف للانفساخ مطلقاً غير صحيحة. والوجه الخاصّ الذي ذكرناه في الوجه الثاني لايأتي هنا؛ إذ هناك كنّا نعلم إجمالاً بأنّ أحدهما ذوخيار، وكنّا نعلم بفسخ من له الخيار، فبالتالي كنّا نعلم بحصول الانفساخ، في حين أنّه في هذا الفرع لا نعلم بثبوت الخيار إلّا على تقدير واحد، وهو كون العقد الواقع بيعاً، فلايمكن الحكم بثبوت الانفساخ، بل لأنّه بعد التحالف إن فرض عدم فسخ الأوّل، فالكتاب يعطى للثاني؛ للقطع بكونه ملكاً له، فلا إشكال، وإن فرض فسخه إمّا صريحاً وإمّا بدلالة نفس هذه المرافعة والتحالف على عدم رضاه بالمعاملة إن لم يثبت مقصوده(1)، فالكتاب يعطى للأوّل، ولاعلم بعدم مالكيّته بعد الفسخ، فلا إشكال أيضاً.
وأمّا على الفرض الثاني ـ وهو كون الميزان في تشخيص المنكر والمدّعي مطابقة الإلزامات للأصل ومخالفتها له بلا نظر إلى مصبّ الدعوى ـ فنقول: إنّ هناك إلزامات ثلاثة:
1 ـ إلزام الأوّل للثاني بالثمن.
2 ـ إلزام الأوّل للثاني عند منع الثمن بحقّ الخيار.
3 ـ إلزام الثاني للأوّل بعدم الخيار، وبقاء الملكيّة بعد الفسخ. وأمّا أصل مالكيّة الثاني للكتاب، فليس إلزاماً رابعاً في المقام؛ لأنّ المفروض تسالمهما عليه.
أمّا الإلزام الأوّل، فلا إشكال في أنّ المنكر فيه هو الثاني؛ لأنّ مقتضى الأصل عدم اشتغال ذمّته بالثمن، فيحلف على ذلك، ولايعطي الثمن.
وأمّا الإلزامان الأخيران، فهما متناقضان، وأىّ منهما كان على طبق الأصل فالأخر على خلافه، وكون المطابق للأصل هو الأوّل أو الثاني متفرّع على كون شرط الخيار(2)إنشاءً مستقلّاً والتزاماً في الالتزام، أو كونه تقييداً لإنشاء الملكيّة ورجوع الأمر إلى إنشاء ملكيّة ما قبل الفسخ فحسب. فعلى الثاني يكون قول الأوّل هو المطابق للأصل، فيحلف على عدم إنشاء ملكيّة ما بعد الفسخ، وحينئذ له أن يفسخ، وله أن لايفسخ.
$
', '(1) هذا البيان كما لم يكن وجيهاً في الفرع الثاني كما شرحناه، كذلك لايكون وجيهاً هنا. نعم، يمكن أن نقول بما أشرنا إليه هناك أيضاً: من ظهور الحال في عدم رضاه بالبيع مع المنع الشرعىّ عن استلام الثمن.
(2) مضى أنّه لايوجد فيما نحن فيه شرط الخيار، وإنّما الموجود هو خيار تخلّف الشرط.
', 223), (21, 224, 'book', '
فإن لم يفسخ، وأبقى الكتاب في ملك الثاني ـ على رغم حرمانه من الثمن ـ لم يكن مورداً للنقض على حجّيّة العلم؛ فإنّ الكتاب قد أصبح في يد مالكه.
وإن فسخ، وأخذ الكتاب لنفسه، لم يعلم بعدم كونه ملكاً له كي يرد النقض على حجّيّة العلم.
وعلى الأوّل يكون قول الثاني هو المطابق للأصل؛ إذ الأصل عدم جعل الخيار الذي هو إنشاء جديد، إذن فالثاني منكر محض، والأوّل مدّع محض، وكلّ الاُصول توافق قول الثاني. ولا تعارض الاُصول الموافقة له استصحاب عدم الهبة؛ لعدم ترتّب أثر عليه، إلّا بإثبات البيع به تعويلاً على الأصل المثبت، ووضع اليد مع عدم التسليط المجانىّ ليس موضوعاً للضمان كي يكون استصحاب عدم الهبة مثمراً من هذه الناحية كما مضى بيان ذلك.
والحاصل: أنّ الثاني هو المنكر، فيحلف، ويأخذ الكتاب بلا ثمن، ولايعلم بعدم مالكيّته كي تلزم مخالفة العلم.
الفرع الخامس: الإقرار لشخصين
لو أقرّ بعين لزيد، ثُمَّ أقرّ بها لعمرو، اُعطيت العين للأوّل، وغرّم للثاني المثل أو القيمة؛ إمّا لكون ذلك بدل التالف، كما هو ظاهر كلام السيّد الاُستاذ، أو لكونه بدل الحيلولة، كما هو المختار.
وغرامة المقرّ للقيمة أو المثل لعمروليست لما يستفاد من كلام السيّد الاُستاذ: من نفوذ إقراره الثاني بأنّ العين كانت لعمرو، بل لأنّ الإقرار الثاني حجّة بحسب المدلول الالتزامىّ؛ لعدم وجود مانع عن حجّيّته بحسبه. أمّا المدلول المطابقىّ لإقراره، فليس حجّة؛ إذ هو إقرار لشخص بمال ثبت شرعاً كونه لشخص آخر غير المقرّ. والإقرار إنّما يكون حجّة على المقرّ لاعلى شخص آخر. وهذا الإقرار بلحاظ مدلوله المطابقىّ ليس إلّا من قبيل أن يقرّ شخص بمال في يد غيره لشخص ثالث، ومن الواضح: أنّه لا أثر لهذا الإقرار. نعم، لإقراره فيما نحن فيه مدلول التزامىّ يثبت على نفسه، وهو إتلافه لمال الثاني، أو حيلولته
', '', 224), (21, 225, 'book', 'بين المال ومالكه، فيغرّم البدل؛ لعدم وجود مانع عن حجّيّة هذا المدلول الالتزاميّ(1).
وعلى أىّ حال، فالإشكال فيما نحن فيه عبارة عن أنّه لو اجتمعت العين والقيمة عند شخص واحد، علم إجمالاً بعدم مالكيّته لأحدهما، ولو اشترى بهما جارية، علم بعدم مالكيّته لها بالملكيّة المستقلّة، وعدم حلّها له.
والجواب: أنّنا نلتزم بعدم جواز تصرّفه فيهما، وعدم حلّ الجارية؛ تحكيماً لقانون منجّزيّة العلم.
وخلاصة الكلام: أنّنا إنّما نعمل بأىّ قاعدة من القواعد، أو ظاهر أىّ دليل من الأدلّة بمقدار لايخالف حكم العقل بمنجّزيّة العلم.
$
', '(1) وتبعيّة الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة إنّما هي في حجّيّتها في الكشف عن المقصود لا في النفوذ، والحجّيّة بذاك المعنى لا مانع عنها هنا بلحاظ الدلالة المطابقيّة. فإقراره يكشف عن إرادته للمعنى المطابقيّ كما يكشف عن المعنى الالتزامىّ، فلا نمنع حجّيّة المدلول المطابقيّ. اللّهمّ، إلّا بنكتة أنّ الحجّيّة بحاجة إلى أثر عملىّ، ولا أثر عملىّ للمدلول المطابقىّ. وأنت تعلم أنّ سقوط المطابقىّ عن الحجّيّة بهذا المعنى لايسقط الالتزامىّ عنها.
', 225), (21, 226, 'book', '
$
', '', 226), (21, 227, 'book', 'بحث القطع
4
$
', '', 227), (21, 228, 'book', '$
', '', 228), (21, 229, 'book', 'ليس المراد بالتجرّي خصوص مخالفة القطع بالحكم الشرعىّ، بل مخالفة مطلق المنجّز، سواء القطع أو الأمارة أو الأصل الشرعىّ أو الأصل العقلىّ، ولو باعتبار كون الشكّ قبل الفحص، أو كان المنجّز هو الحجّة على الحجّة كدلالة الإجماع أو الاستصحاب على حجّيّة خبر الواحد ـ مثلاً ـ المفروض دلالته على حكم إلزامىّ.
والكلام في التجرّي يقع في مقامات ثلاثة:
1 ـ حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه.
2 ـ قبح الفعل المتجرّى به عقلاً وعدمه.
3 ـ استحقاق العقاب عليه وعدمه.
وبعد ذلك يقع الكلام في تنبيهات المسألة:
حرمة الفعل المتجرّى به
المقام الأوّل: حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه. والدليل على حرمته:
تارة هو إطلاق الأدلّة الأوّليّة.
واُخرى قاعدة الملازمة.
وثالثة الإجماع.
ورابعة الأخبار.
إثبات الحرمة بالإطلاقات:
الدليل الأوّل: دعوى شمول إطلاقات الأدلّة الأوّليّة للفعل المتجرّى به، بمعنى: أنّ الخطابات الأوّليّة تعلّقت بالمعلوم لا بالواقع، فمثلاً: (لا تشرب الخمر) يقصد به تحريم
', '', 229), (21, 230, 'book', 'شرب معلوم الخمريّة لا تحريم شرب الخمر الواقعىّ. وهذا الوجه مختصّ بالشبهات الموضوعيّة؛ لوضوح عدم الإطلاق في الشبهات الحكميّة.
وأحسن ما يمكن أن يقال في تقريب هذا الوجه وأخصره: أنّ مثل قوله: «لاتشرب الخمر» ظاهره ابتداءً حرمة شرب الخمر الواقعىّ؛ إذ (الخمر) موضوع لغة للخمر بوجوده الواقعىّ لا لما هو معلوم الخمريّة، لكن هناك قرينة عقليّة دلّت على كون المراد حرمة شرب معلوم الخمريّة، وهي: إنّ عنوان شرب الخمر الواقعىّ لا يمكن أن يكون متعلّقاً للتكليف؛ لانطوائه على عنوان المصادفة للواقع، أي: إنّ هذا العنوان من نتيجة قضيّة: (أنّ هذا الشرب شرب للخمر واقعاً)، والمصادفة خارجة عن تحت القدرة؛ لخروج الخطأ عنها، وإلّا لما أخطأ أحد، وما يكون منطوياً على أمر خارج عن تحت القدرة لا يمكن أن يتعلّق به الحكم؛ لأنّ الحكم به لا يخلو عن شوب التكليف بغير المقدور، فلابدّ من صرف الحكم إلى عنوان آخر لاينطوي على المصادفة، وهو عنوان شرب معلوم الخمريّة.
وللمحقّق النائينىّ(قدس سره) كلام طويل في بيان دليل شمول إطلاقات الأدلّة الأوّليّة للفعل المتجرّى به، وهو على ما في أجود التقريرات عبارة عن مقدّمات ثلاث، ونحن نذكرها هنا بتلخيص:
المقدّمة الاُولى: أنّ موضوعات الأحكام لابدّ أن تكون مفروضة الوجود خارجاً في الرتبة السابقة؛ كي يحكم عليها بحكم.
المقدّمة الثانية: أنّ المحرّك للمكلّف نحو الاختيار والإرادة هو العلم لا الواقع.
وذكر(قدس سره) في وجه دخل هذه المقدّمة في المطلوب: أنّه لو كان المحرّك هو الواقع، ففي فرض التجرّي لا يوجد محرّك في الحقيقة؛ لعدم الواقع، ولكن بما أنّ المحرّك هو العلم كان المحرّك موجوداً لوجود العلم.
وأجاب عن هذه المقدّمة:
أوّلاً: بمنع كون العلم هو المحرّك، بل المحرّك هو الواقع بعد انكشافه بالعلم؛ لأنّ العلم إنّما يكون دخيلاً في موضوع المحرّكيّة والاختيار بما هو كاشف لابما هو صفة،
', '', 230), (21, 231, 'book', 'فلامحيص عن دخل المعلوم.
وثانياً: بأنّنا بعد التسليم نقول: إنّ العلم هو الداعي لإرادة ذاك الواقع والحركة نحوه، ولايتقيّد متعلّقها به.
المقدّمة الثالثة: أنّ حكم المولى يكون لأجل تحريك العبد نحو الاختيار والإرادة، فهو في الحقيقة متعلّق بالاختيار بالمعنى الاسمىّ.
والمتحصّل من هذه المقدّمات: أنّ الحكم في مثل (لا تشرب الخمر) متعلّق باختيار شرب ما اُحرز أنّه خمر، وهو ثابت عند التجرّي.
وأجاب عن هذه المقدّمة: بأنّ الاختيار ليس مأخوذاً بالمعنى الاسميّ: بأن يكون بنفسه ومن حيث هو متعلّقاً للتكليف، بل هو مأخوذ بالمعنى الحرفىّ وطريقاً إلى المختار، فمتعلّق الحكم هو الواقع المختار لا نفس الاختيار.
أقول: إنّ المقدمة الاُولى: أجنبيّة عن المقام إطلاقاً (1)، وأمّا المقدّمة الثانية وكذا الثالثة، فقد اُ لّفتا بشكل غير منتج للمطلوب:
أمّا المقدّمة الثانية: فإنّ المدّعى إنّما هو تعميم متعلّق الحكم لمعلوم الخمريّة، ولا يؤثّر في ذلك كون المحرّك هو واقع الحكم أو العلم به. وكأنّه(رحمه الله) جعل كون الحكم متعلّقاً بالخمر الواقعىّ مفروغاً منه، وتكلّم في أنّ المحرّك هل هو نفس الحكم أو العلم به، وهذا ـ كما ترى ـ نقض لغرض مدّعي الإطلاق(2).
وأمّا ما ذكره من دعوى أنّ المحرّك هو الواقع لا العلم به، فإن أراد به المحرّك التكوينىّ، فمن الواضح: أنّ الواقع لا يصلح للتحريك بهذا المعنى، وإنّما المحرّك هو العلم، ولو لم يكن
', '(1) وهذه المقدّمة غير موجودة في تقرير الشيخ الكاظمىّ رضوان الله عليه، إلّا ببيان سيأتي إن شاء الله.
(2) هذا التعليق من اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) إنّما جاء نظراً إلى ما في أجود التقريرات في مقام بيان وجه دخل المقدّمة الثانية في المطلوب؛ إذ إنّ تعبير أجود التقريرات في المقام يوحي إلى أنّ النظر ـ فيما ذكر في المقدّمة الثانية: من كون المحرّك هو العلم لا الواقع ـ إلى الحكم، فكأنّ البحث يدور في أنّ المحرّك نحو الامتثال هو الحكم بوجوده الواقعيّ، أو العلم به، إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا تشويش في البحث، وتقرير الشيخ الكاظمىّ(رحمه الله) خال عن هذا التشويش، وواضح في أنّ النظر إلى مسألة شرب الخمر، وأنّ المحرّك للخمّار هل هو واقع الخمر، أو العلم بالخمريّة.
', 231), (21, 232, 'book', '
العلم محرّكاً بل كان المحرّك هو الواقع، لزم من ذلك كون تحرّك المتجرّي تحرّكاً بلا محرّك؛ لأنّه حينما شرب المائع بتخيّل كونه خمراً قلنا: ما الذي حرّكه نحو شرب هذا المائع، هل هو خمريّته واقعاً، أو علمه بكونه خمراً؟ أمّا الثاني فهو خلف كون المحرّك هو الواقع لا العلم، وأمّا الأوّل فغير معقول؛ لأنّ المفروض عدم خمريّته واقعاً، فهل تحرّك هذا المتجرّي بلا محرّك؟!
نعم، بالإمكان التعبير بأنّ المحرّك هو المعلوم، على أن يقصد به المعلوم في أفق النفس الذي هو عين وجود العلم، أمّا وجوده في أفق الواقع، فلايعقل أن يكون محرّكاً.
وكون العلم دخيلاً في الموضوع على وجه الكاشفيّة لا يستدعي دخل المعلوم في الموضوع على نحو الجزئيّة فضلاً عن الاستقلال؛ لما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من أنّ القطع المأخوذ على وجه الكاشفيّة قد يكون تمام الموضوع.
وإن أراد به المحرّك المولوىّ، فكون المحرّك المولوىّ هو العلم أو الواقع مرتبط بالمقام الثاني الذي سنبحث فيه عن قبح الفعل المتجرّى به وعدمه، ولا علاقة له بما نحن فيه فعلاً.
وأمّا المقدّمة الثالثة: فلأنّه لا أثر في المقام لكون الاختيار بالنحو الذي بيّنه مأخوذاً بالمعنى الاسمىّ أو الحرفىّ؛ فإنّه بعد أن فرضنا أنّ متعلّق الاختيار هو شرب ما اُحرز أنّه خمر، لا شرب واقع الخمر، كان هذا كافياً لمدّعى الإطلاق وشمول الخطاب للمعلوم بالعلم المخالف للواقع، ولو فرض الاختيار مأخوذاً بالمعنى الحرفىّ، وأنّ الحكم تعلّق بنفس المختار، فإن نفس المختار ـ بحسب الفرض ـ هو شرب ما اُحرز أنّه خمر، وهذا ثابت في فرض التجرّي.
نعم، لو جعل متعلّق الاختيار نفس شرب الخمر، أمكن دعوى الفرق بين فرض أخذ الاختيار بالمعنى الاسمىّ أو بالمعنى الحرفىّ، بأن يراد بأخذه بالمعنى الاسمىّ أخذ اختيار شرب الخمر بالمعنى الثابت في فرض الخطأ أيضاً، مع أنّ نفس شرب الخمر غير ثابت في فرض الخطأ، ويراد بأخذه بالمعنى الحرفىّ أخذه بالمعنى الذي يدور مدار واقع
', '', 232), (21, 233, 'book', 'شرب الخمر، وهو غير ثابت في فرض الخطأ(1).
$
', '(1) لايخفى أنّ الموجود في أجود التقريرات في المقام في غاية التشويش، والذي يغلب على الظنّ هو: أنّ ما في تقرير الشيخ الكاظمىّ(رحمه الله) أفصح في توضيح مقصود المحقق النائينىّ(قدس سره)، وحاصل ما يظهر من مجموع التقريرين بعد حذف التشويشات الموجودة في أجود التقريرات، التي منها ما يتراءى كونه إضافة لمقدّمة أجنبيّة تماماً عن المقام، هو: أنّ البرهان على شمول التكليف لفرض التجرّي يتألّف من مقدّمتين:
الاُولى: أنّ التكليف ليس متعلّقاً بالفعل، وإنّما هو متعلّق بالإرادة؛ لأنّ إرادة المولى شأنها تحريك إرادة العبد، فكأنّ المولى عند طلبه يفترض أعضاء العبد أعضاء نفسه، ويوجّه الإرادة نحو تحريكها.
والثانية: أنّ إرادة العبد لا تتعلّق بالفعل بعنوانه الواقعىّ، وإنّما تتعلّق بما اُحرز العنوان فيه، أي: إنّ العلم اُخذ موضوعاً في متعلّق الإرادة، فمن شرب الخمر قد تعلّقت إرادته بشرب ما علم أنّه خمر. والبرهان على ذلك هو: ضرورة أنّ الواقع لا يحرّك الإنسان من دون انكشاف، فالعطشان قد يموت عطشاً ولا يمدّ يده إلى الماء ليشربه، لا لشيء إلّا لعدم علمه بذلك، وربّما لا يفرّ الإنسان من الأسد إلى أن يفترسه، لا لشيء إلّا لعدم علمه بوجوده، وأنّ العلم يحرّك الإنسان حتّى لو كان على خلاف الواقع، فيتحرّك الإنسان نحو الماء الذي علم به ولو كان في الواقع سراباً، ويهرب من الأسد الذي اعتقده ولو كان خيالاً.
فإذا ربطنا إحدى المقدّمتين بالاُخرى كان الأمر كما يلي:
1 ـ تكليف المولى متعلّق بالإرادة.
2 ـ والإرادة متعلّقة بما علم به، لا بالواقع.
إذن فتكليف المولى متعلّق بإرادة ما علم أنّه كذا، فالنهي في «لا تشرب الخمر» مثلاً متعلّق بإرادة شرب ما اُحرز أنّه خمر، وهذا ثابت في حالة التجرّي.
يبقى في المقام شيء: وهو أنّه قد يسلّم بهذه النتيجة، وهي: (أنّ النهي متعلّق بإرادة شرب ما اُحرز أنّه خمر) ولكن يدّعى أنّه يدخل في متعلّق التكليف قيد المصادفة للواقع.
والجواب عن ذلك ـ من قبل القائل بإطلاق الدليل لفرض التجرّي ـ هو: أنّ المصادفة أو المخالفة للواقع أمر خارج عن الاختيار.
وإن شئت فاجعل هذا مقدّمة إضافيّة إلى المقدّمتين السابقتين، فتكون المقدّمات ثلاثاً، إحداها: أنّ متعلّق التكليف يجب أن يكون مقدوراً، فالمصادفة للواقع ليست داخلة تحت التكليف. وهذا الكلام موجود في تقرير الشيخ الكاظمىّ(قدس سره) لا باسم المقدّمة. وفي أكبر الظنّ أنّ هذه المقدّمة الإضافيّة هي التي حوّلت بالتشويش إلى فكرة أنّ موضوع التكليف الخارج عن الاختيار يفرض مقدّر الوجود؛ كي يكون متعلّق التكليف عبارة عن القطعة الاختياريّة فحسب. وجعلت اُولى المقدّمات الثلاث في أجود التقريرات.
أمّا أجوبة المحقّق النائينىّ(رحمه الله) عن المقدّمتين:
فقد أجاب عن دعوى تعلّق التكليف بالإرادة لا بالفعل ـ لكون إرادة المولى محرّكة لإرادة العبد ـ بأنّه صحيح أنّ إرادة المولى محرّكة لإرادة العبد، ولكن ليست إرادة العبد بمعناها الاسمىّ هي المرادة للمولى، بل المراد هو الفعل الصادر بالإرادة والاختيار لا نفس الإرادة، والإرادة تكون مرادة بالمعنى الحرفىّ غير المستقلّ، والدليل على ذلك في أجود التقريرات هو: أنّ مصبّ المصلحة والمفسدة هو الفعل، وفي تقريرات الشيخ الكاظمىّ هو: أنّ الإرادة والاختيار مغفول عنها حين الفعل، ولا يلتفت الفاعل إليها، فلا تصلح لأن يتعلّق بهما التكليف. وما في أجود التقريرات أتقن.
وأمّا المقدّمة الاُخرى، وهي تعلّق إرادة العبد بالمعلوم لا بالواقع، أي: إنّ العلم اُخذ في موضوع الإرادة، فقد أورد عليها المحقّق النائينيّ(رحمه الله) إيرادين:
الأوّل: أنّ الإرادة تتعلّق بالفعل بوجوده الواقعىّ، والعلم ليس دخيلاً في متعلّق الإرادة، صحيح أنّه لولا العلم لما تحرّك العبد نحو الفعل، ولكن هذا ليس بمعنى كون متعلّق الإرادة هو المعلوم بوصف كونه معلوماً، بل بمعنى: أنّ العلم من مقدّمات وجود الداعي إلى الفعل، فلو لا العلم لم يوجد داع إلى الفعل، وحينما يوجد العلم يتكوّن الداعي إلى الفعل، وتوجد الإرادة المتعلّقة بالفعل.
والثاني: أنّنا لو سلّمنا أنّ العلم مأخوذ في موضوع الإرادة، وأنّ الإرادة تعلّقت بالمعلوم بوصف كونه معلوماً، قلنا: إنّ العلم هنا لم يصبح موضوعاً ومتعلّقاً للإرادة بما هو صفة بأن يكون العلم موضوعيّاً صفتيّاً، وإنّما هو موضوع للإرادة بوصفه كاشفاً عن المعلوم، أي: إنّ العلم هنا موضوعىّ طريقىّ، وإذا أخطأ العلم كما هو المفروض في موارد التجرّي، لم يكن العلم طريقاً إلى واقع المعلوم، فلم يتحقّق موضوع العصيان.
وشيء من هذين الإيرادين لا يرد عليه ما مضى عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّه لو كان المحرّك هو الواقع، للزم في باب التجرّي التحرّك بلا محرّك، فليس المدّعى كون الواقع محرّكاً، فليكن المحرّك للإرادة هو العلم، وإنّما المدّعى أنّ متعلّق الإرادة التي حرّكها العلم هو الواقع، أو المعلوم مع أخذ العلم موضوعاً بما هو كاشف.
نعم، يرد على الإيراد الثاني ـ من كون العلم بعد التسليم مأخوذاً في الموضوع بما هو كاشف، فلا يشمل فرض التجرّي ـ ما مضى عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّ كون العلم الموضوعىّ مأخوذاً بما هو كاشف لا يستدعي كون الواقع جزء موضوع، بل بالإمكان كون العلم الموضوعىّ بما هو كاشف تمام الموضوع.
وبتعبير أدقّ: أنّ كون العلم الموضوعىّ طريقيّاً لاصفتيّاً لايستدعي كونه جزء موضوع، ولاعدم انفكاكه عن الواقع بدعوى أنّ الكاشف لا ينفكّ عن المنكشف؛ فإنّ كاشفيّة العلم ثابتة حتّى عند الخطأ.
كما أنّ هناك ملاحظة اُخرى في البحث على المقدّمتين اللتين جعل البرهان مؤلّفاً منهما، وهي: إنّ واحدة منهما ـ وهي فرض أنّ الإرادة والاختيار تتعلّق بالعلم، ولا تتعلّق بالفعل ـ كافية في إثبات المطلوب: من شمول الحكم لفرض التجرّي لو تمّت، بلا حاجة إلى ضمّ المقدّمة الاُخرى إليه، وهي كون التكليف متعلّقاً بالإرادة لابالفعل؛ وذلك لما مضى عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّه إذا كان الاختيار يتعلّق بالمعلوم بما هو معلوم ـ والمنحفظ في ضمن التجرّي ـ فحتّى لو كان التكليف متعلّقاً بالفعل يجب أن يكون متعلّقاً بفعل المعلوم بالمعنى المنحفظ في ضمن التجرّي، لابواقع شرب الخمر الذي هو خارج عن الاختيار.
ويرد ـ أيضاً ـ على الجواب عن قيد المصادفة بخروجها عن القدرة: أنّ خروج قيد التكليف عن القدرة لايجعل التكليف تكليفاً بغير المقدور، وليس كخروج قيد المكلّف به عن القدرة. وهناك ـ أيضاً ـ نقض يرد على القول بأنّ التكليف تعلّق باختيار المعلوم، ذكره في مصباح الاُصول، وهو النقض بالواجبات؛ إذ إنّه يلزم من ذلك أنّ من صلّى قبل الزوال مثلاً؛ لتخيّل دخول الوقت، ثمّ انكشف خلافه، أجزأته صلاته؛ لأنّ التكليف متعلّق باختيار الصلاة فيما علم أنّه وقت الزوال، وقد فعل.
', 233), (21, 234, 'book', '
والذي ينبغي أن يذكر في مقام تقريب الاستدلال على شمول الخطابات الأوّليّة لفرض التجرّي هو ما بيّنّاه في مستهلّ البحث.
والجواب عنه: أنّ كون تعلّق الحكم بالواقع مستلزماً للتكليف بالمحال ممنوع.
$
', '', 234), (21, 235, 'book', 'وتوضيح ذلك: أنّ موضوعات الأحكام على قسمين:
الأوّل: ما لا يطلب من المكلّف إيجاده، ويعتبر مفروض الوجود(1)، كما في مثل: (أكرم العالم) الراجع في روحه إلى قولنا: (إن وجد عالم فأكرمه)، وفرض الفراغ من وجوده هو عين فرض المصادفة، فالمصادفة ليست مأخوذة في التكليف؛ كي يلزم التكليف بغير المقدور، بل التكليف يتوجّه بعد فرض المصادفة، وفرض عدم المصادفة يساوق فرض عدم التكليف.
والثاني: ما لا يفرض وجوده مفروغاً منه، ويجب إيجاده لو لم يكن موجوداً، كما في أمر الطبيب للمريض بشرب السكنجبين ـ مثلاً ـ المساوق لوجوب إيجاد السكنجبين لو لم يكن موجوداً، وعندئذ: تارة نفترض أنّ المكلّف يخطأ ـ صدفة ـ في كلّ المصاديق، واُخرى نفترض أنّه يخطأ في بعضها، ولا يخطأ في الكلّ، فإن فرض خطؤه في كلّ المصاديق، التزمنا بسقوط التكليف عنه؛ لعدم قدرته على الامتثال(2)، وإن فرض خطؤه في بعض المصاديق دون بعض، إذن هو قادر على الامتثال والإتيان بمفاد كان التامّة ولو في ضمن فرد آخر غير الفرد الذي أخطأ فيه، والذي هو خارج عن قدرته إنّما هو مفاد كان الناقصة، أي: كون هذا الشرب شرب السكنجبين، فدعوى تعلّق التكليف بغير المقدور فيه خلط بين مفاد كان التامّة ومفاد كان الناقصة.
وبكلمة اُخرى: أنّ التكليف مختصّ بفرض القدرة؛ لاستحالة التكليف بغير المقدور، وفرض القدرة هو عين فرض المصادفة ولو في الجملة وبلحاظ بعض المصاديق، فلابدّ أن تكون المصادفة مفروغاً منها، فرجع الأمر إلى ما ذكرناه من الجواب في القسم الأوّل.
$
', '(1) وبتعبير أدقّ: ما لا يطلب من المكلّف إيجاده، إمّا لأنّه اُخذ مفروض الوجود، كما في (أكرم العالم)، أو لأنّ التكليف كان تحريميّاً كما في (لا تشرب الخمر). هذا بناءً على ما نقّحه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في محلّه: من أنّ الموضوع في باب المحرّمات ليس ـ عادة ـ مأخوذاً مفروض الوجود، فعلى رغم أنّه لم يكن مفروض الوجود ليس النهي عن ارتكابه حكماً متعلّقاً بغير المقدور؛ إذ لم يطلب إيجاده ولا ترك إيجاده. وتعبيره (رضوان الله عليه) هنا جري على مشرب القوم.
(2) بل قد يكون قادراً على الامتثال إلّا أنّه لا يمتثل خطأً، وعندئذ يكون حال هذا حال الفرض الثاني، وتأتي فيه ضرورة التمييز بين مفاد كان التامّة والناقصة.
', 235), (21, 236, 'book', '
إثبات الحرمة بقاعدة الملازمة:
الدليل الثاني: قاعدة الملازمة بين حكم العقل بالقبح وحكم الشرع بالحرمة، وهذه القاعدة تدلّ على حرمة الفعل المتجرّى به بعد تسليم حكم العقل بقبحه. وسيأتي بحث حكم العقل بقبح الفعل المتجرّى به في المقام الثاني إن شاء الله، كما أنّ بحث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يأتي فى محلّه أيضاً إن شاء الله.
أمّا ما نبحثه هنا، فهو أنّه على تقدير تسليم الصغرى، وهي: قبح الفعل المتجرّى به، والكبرى، وهي: قاعدة الملازمة هل نستنتج حرمة الفعل المتجرّى به، أو لا؟
والوجه في الحاجة إلى هذا البحث هو: أنّه لا إشكال في أنّ تطبيق قاعدة الملازمة لإثبات حكم الشرع مشروط بقابليّة المورد للحكم الشرعىّ وعدم وجود مانع عنه، فيقع الكلام هنا في تحقيق هذا الشرط وعدمه. والصحيح عدم وجود مانع عن ثبوت الحكم الشرعىّ في المقام، وما يتخيّل كونه مانعاً عن ذلك وجوه:
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق النائينىّ(رحمه الله)، وهو: أنّه لو استكشف خطاب شرعىّ لحرمة التجرّي، فلا يخلو أمر هذا الخطاب عن فروض ثلاثة:
الأوّل: أن نفترض أنّ هذا الخطاب هو نفس الخطاب الأوّلىّ، فهو يشمل في وقت واحد شرب الخمر الواقعىّ ـ مثلاً ـ والفعل المتجرّى به معاً.
والثاني: أن نفرضه خطاباً مستقلّاً متعلّقاً بخصوص الفعل المتجرّى به.
والثالث: أن نفرض خطاباً مستقلّاً متعلّقاً بمطلق شرب معلوم الخمريّة مثلاً، سواء صادف الواقع أوْ لا. والفروض الثلاثة كلّها باطلة.
أمّا الفرض الأوّل: وهو شمول الخطاب الأوّلىّ للواقع وللفعل المتجرّى به في وقت واحد، فهو غير ممكن؛ لأنّ حرمة الفعل المتجرّى به الناشئة من القبح الناشئ من وصول حرمة شرب الخمر الواقعىّ وتنجّزها، تقع في طول حرمة شرب الخمر الواقعىّ ومتأخّرة عنها، فكيف يعقل أخذ أحدهما في عرض الآخر؟!
وأمّا الفرض الثاني: وهو فرض خطاب خاصّ بالفعل المتجرّى به، فهو لغو؛ لاستحالة وصوله إلى المكلّف؛ إذ ما لم يلتفت المكلّف إلى خطئه لا يرى نفسه متجرّياً ومشمولاً لهذا الخطاب، ولو التفت إلى خطئه، خرج عن عنوان التجرّي.
$
', '', 236), (21, 237, 'book', 'وأمّا الفرض الثالث: وهو حرمة شرب معلوم الخمريّة، فالنسبة بين هذا الخطاب والخطاب الأوّلىّ في نظر القاطع عموم مطلق؛ لأنّ النسبة بين شرب الخمر الواقعىّ وشرب معلوم الخمريّة في الواقع عموم من وجه، ولكن القاطع يرى ـ دائماً ـ ما علم بخمريّته خمراً واقعاً؛ إذ لا يحتمل خطأ نفسه، وبالتالي يرى أنّ الخمر الواقعىّ أعمّ مطلقاً من معلوم الخمريّة، فيرى النسبة بين الخطابين عموماً مطلقاً، وإذا كانت النسبة بين الخطابين عموماً مطلقاً، لزم اجتماع المثلين على الخاصّ، وكلّ خطابين يجب أن يكونا متباينين أو عامّين من وجه؛ كي يصحّ تعدّد الحكم بلحاظ مادّتي الافتراق، ويلتزم بالتأكّد في مورد الاجتماع، أمّا إذا كان بينهما عموم مطلق، لم يتمّ تعدّد الحكمين، ولزم اجتماع المثلين في مورد الخاصّ، فإذا كانت النسبة في نظر القاطع العموم المطلق، لزم في نظره اجتماع المثلين، وهو لا يصدّق بذلك؛ لأنّه في نظره تصديق بالمحال، وجعل الحكم المستحيل في نظر المكلّف لغو.
أقول: إنّ كلّاً من الفروض التي ذكرها سالم ممّا أورده عليه من الإشكال، وتوضيح ذلك مايلي:
الفرض الأوّل: فرض شمول الخطاب الأوّليّ للفعل المتجرّى به، وفرقه عمّا مضى في الدليل الأوّل من فرض إطلاق الخطابات الأوّليّة للفعل المتجرّى به: أنّ المقصود هناك كان عبارة عن فرض الخطاب الأوّليّ متعلّقاً بالمعلوم لا بالواقع، فالخمر الواقعيّ الذي لم يعلم به ليس حراماً، وإنّما الحرام ما علم كونه خمراً، في حين أنّ المقصود هنا فرض الخطاب الأوّليّ شاملاً للواقع وللفعل المتجرّى به. وكان إشكال المحقّق النائينىّ(رحمه الله) على ذلك: أنّه يلزم أخذ المتأخّر والمتقدّم في عرض واحد.
وجوابه: أنّنا لو ناقشنا في أصل تصوير جامع بين الواقع والفعل المتجرّى به، كان هذا إشكالاً آخر لا يعود إلى لزوم أخذ المتأخّر في عرض المتقدّم بصلة، أمّا إذا سلّمنا بوجود الجامع بينهما، ففرض تعلّق الخطاب بالجامع لايرد عليه إشكال أخذ المتأخّر في عرض المتقدّم؛ لأنّ هذا الخطاب منحلّ إلى جعلين عرضيّين، أحدهما: جعل تحريم الخمر الواقعىّ، والثاني: جعل تحريم الفعل المتجرّى به، وليس الجعلان طوليّين، غاية ما هناك أنّ الجعل الأوّل يحقّق موضوع الجعل الثاني. وإذا أردنا أن نتكلّم جرياً على لغة
', '', 237), (21, 238, 'book', 'الأصحاب من الجعل والفعليّة، قلنا: إنّ ما في طول حرمة شرب الخمر الواقعىّ إنّما هو فعليّة حرمة الفعل المتجرّى به لانفس جعل الحرمة؛ لأنّه اُخذ في موضوع حرمة الفعل المتجرّى به وصول حرمة الخمر الواقعىّ، وفعليّة الحكم تكون في طول تحقّق موضوعه، أمّا الجعل فليس متأخّراً عن الموضوع؛ لعدم توقّفه على وجود الموضوع خارجاً، وإنّما هو بحاجة إلى فرض وجود الموضوع، وفرض المتأخّر ليس متأخّراً، واللذان جمع بينهما في المقام في عرض واحد إنّما هما الجعلان، وهما ليسا طوليّين، واللذان هما طوليّان لم يجمع بينهما في عرض واحد.
ولايقاس المقام بمسألة أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، أو أخذ عنوان الامتثال فيه؛ فإنّ الإشكال المدّعى فيهما هو لزوم أخذ ما هو متأخّر عن الحكم في الحكم، في حين أنّ الإشكال المدّعى فيما نحن فيه هو لزوم أخذ أمرين طوليّين في عرض واحد، وقد عرفت جوابه.
الفرض الثاني: فرض حرمة الفعل المتجرّى به بالخصوص، وكان إشكاله استحالة الوصول إلى المكلّف، وهذا الإشكال لا يرد على الفرض الأوّل؛ إذ الحكم فيه كان متعلّقاً بالجامع بين الواقع والفعل المتجرّى به وهو واصل إلى المكلّف، وهذا بخلاف الفرض الثاني الذي يكون الحكم فيه خاصّاً بالفعل المتجرّى به ولايلتفت المكلّف إلى ذلك، وإلّا خرج عن عنوان التجرّي، فلايصل إليه الخطاب أبداً.
والجواب: أنّه يكفي وصوله إلى المكلّف بطرفيّته للعلم الإجمالىّ في فرض عدم العلم بالواقع، توضيح ذلك: أنّ التجرّي ـ كما مضى ـ لا يختصّ بفرض العلم بالواقع، بل يثبت في مطلق موارد تنجّز الواقع ولو بغير العلم، والمحقّق النائينىّ(رحمه الله)معترف بذلك، وعليه نقول: لو تنجّز الواقع بغير العلم، وفرضنا حرمة الفعل المتجرّى به، حصل للمكلّف العلم الإجمالىّ بحرمة هذا الفعل إمّا بعنوانه الأوّليّ، أو بعنوان كونه متجرّى به، وهذا المقدار من الوصول كاف في رفع الإشكال.
نعم، لو صيغ الإشكال بصياغة أنّ هذا الحكم ليس قابلاً للتحريك؛ لمسبوقيّته ـ دائماً ـ في نظر المكلّف بمحرّك آخر فيلغو، لم يتمّ الجواب عنه بما ذكرناه، لكن هذا الإشكال لا يختصّ بهذا الفرض، بل هو مشترك الورود بين الفروض الثلاثة.
$
', '', 238), (21, 239, 'book', 'الفرض الثالث: فرض حرمة المعلوم إضافة إلى حرمة الواقع، وكان إشكاله لزوم اجتماع المثلين، وتوضيح ذلك: أنّه لو وجد حكمان ليست لكلّ منهما جهة افتراق، كما لو تساويا، أو كان بينهما عموم مطلق، فإمّا أن يفرض التأكّد في تمام موارد الاجتماع، وهذا عين اتّحاد الحكم وعدم تعدّده، أو لا يفرض التأكّد، وهذا يعني اجتماع المثلين وهو محال، أمّا لو كان بينهما عموم من وجه، فيلتزم في مادّة الاجتماع بالتأكّد، وتكفي في تعدّد الحكم موارد الافتراق من الجانبين، والنسبة بين الحكمين فيما نحن فيه في نظر القاطع عموم مطلق.
وأجاب السيّد الاُستاذ عن ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّه يمكن فرض عدم وصول حرمة الخمر الواقعىّ إلى المكلّف أحياناً مع وصول حرمة معلوم الخمريّة إليه.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنّ هذا الفرض غير رافع للإشكال؛ إذ تبقى شبهة اجتماع المثلين في نظر من وصل إليه الحكمان، إلّا أن يلتزم بأنّ الحكم الثاني مخصوص بمن لم يصل إليه الحكم الأوّل، فمن يكون عالماً بحرمة شرب الخمر، لم يحرم عليه شرب معلوم الخمريّة، ومن يكون جاهلاً بذلك، فهو أسوأ حالاً من العالم؛ وذلك بحرمة شرب معلوم الخمريّة عليه، وهذا غير محتمل.
وثانياً: أنّ هذا الفرض غير ممكن؛ إذ المفروض أنّ حرمة شرب معلوم الخمريّة ناشئة من القبح الناشئ من وصول الحكم الواقعىّ وتنجّزه، ومع عدم وصول الحكم الواقعىّ وتنجّزه لايقبح شرب معلوم الخمريّة، وبالتالي لا تثبت الحرمة.
الثاني: أنّه لا مانع من تعدّد الحكم على نحو العموم المطلق، كما وقع ذلك في مثل تعلّق النذر بالصلاة الواجبة.
ويرد عليه: أنّ هذا التشبيه في غير محلّه؛ إذ الموجود في هذا المثال حكمان: أحدهما وجوب الصلاة، والثاني وجوب الوفاء بالنذر، والنسبة بينهما عموم من وجه؛ فإنّ الصلاة قد تكون منذورة، وربّما لا تكون منذورة، كما أنّ المنذور قد يكون هو الصلاة، وقد يكون غيرها. فهذان الجوابان لا يمكن المساعدة عليهما.
$
', '', 239), (21, 240, 'book', 'نعم، في أصل استحالة اجتماع حكمين متماثلين كلام.
والتحقيق: أنّه حتّى مع الالتزام باستحالة ذلك لا يتمّ ما أفاده المحقّق النائينىّ(رحمه الله)في الفرض الثالث، لا لما ذكره السيّد الاُستاذ من الجوابين، بل لأنّ النسبة بين الخمر الواقعىّ ومعلوم الخمريّة عموم من وجه حتّى في نظر المكلّف؛ فإنّه يعلم أنّه ربّما يكون شيء معلوم الخمريّة ولو عند غير هذا الشخص، ولايكون في الواقع خمراً، غاية الأمر أنّه يتخيّل أنّ تمام أفراد معلوم الخمريّة عنده داخلة في مادّة الاجتماع.
الوجه الثاني: ما ذكره في (الدراسات)، وهو: أنّ الحرمة المستكشفة من القبح إن فرض اختصاصها بفرض التجرّي، كان ذلك بلا موجب؛ إذ فرض التجرّي ليس بأسوأ حالاً من فرض المصادفة، وإن فرض شمولها لمورد المصادفة، لزم التسلسل؛ إذ لكلّ خطاب عصيان، وباعتبار ذاك العصيان يتولّد خطاب آخر، وله عصيان، ويتولّد منه خطاب آخر و...
والجواب: أنّ التسلسل المستحيل إنّما هو التسلسل الحقيقىّ، وهو: التسلسل في الوجودات الواقعيّة: بأن تكون كلّ حلقة مرتبطة بحلقة اُخرى، كما لو فرض إنكار واجب الوجود، وقلنا: إنّ كلّ ممكن معلول لممكن آخر إلى ما لا نهاية له، أمّا التسلسل المصطلح عليه بعنوان (لا يقف) بمعنى: أنّه لا يقف ما لم يقف تصوّر المتصوّر واعتبار المعتبر، فلا استحالة فيه، فالعقل يستمرّ في الاعتبار إلى أن يكلّ من المشي، فينقطع بوقوفه التسلسل، كما يقال: إنّ الإنسان ممكن، وإمكانه واجب، ووجوب إمكانه واجب، ووجوب هذا الوجوب واجب، وهكذا يتصوّر العقل ذلك إلى أن يكلّ(1)، وما نحن فيه من هذا القبيل، أي: إنّ التسلسل فيه ليس حقيقيّاً، فالعقل إذا التفت إلى أنّ هذا شرب معلوم الخمريّة وهو حرام، تحقّق قبح آخر، وتحدّدت حرمة ثالثة، وهكذا إلى أن يكلّ العقل، وينقطع التسلسل.
على أنّه لو سلّم إشكال التسلسل في المقام، التزمنا بالشقّ الأوّل، وهو: اختصاص الحكم بفرض التجرّي، بدعوى أنّ المقتضي للحكم ثابت في فرض المصادفة أيضاً، لكن هناك مانع عن شمول الحكم لفرض المصادفة، وهو لزوم التسلسل.
$
', '(1) كأنّ هذا المثال جري على مذاق القوم، وأمّا هو (رضوان الله عليه) فيرى أنّ الإمكان وهذه الوجوبات ليست اُموراً اعتباريّة، بل هي من الاُمور الموجودة في لوح الواقع بحسب مصطلحه، وهذا النحو من التسلسل لا استحالة فيه أيضاً.
', 240), (21, 241, 'book', '
الوجه الثالث: ما ذكر في (الدراسات) مشوّشاً، وذكره سيّدنا الاُستاذ في البحث بلا تشويش، وهو: أنّ حرمة التجرّي مسبوقة دائماً ـ في نظر المكلّف ـ بحكم مولوىّ وصل إلى المكلّف، وتنجّز عليه، فتحقّق بذلك موضوع التجرّي، وهذا يعني: وجود محرّك مولوىّ للمكلّف في نظره قبل حكم التجرّي، فإن كفاه ما يراه من المحرّك المولوىّ، لم تكن فائدة في الحكم الثاني، وإن لم يكفه ذلك وبنى على العصيان، لم يحرّكه الحكم الثاني أيضاً، فهذا الحكم على كلا التقديرين غير قابل للمحرّكيّة، فيلغو.
والجواب: أنّنا لو افترضنا أنّ تنجّز الواقع على المتجرّي كان بغير العلم، كان أثر حرمة الفعل المتجرّى به أنّ الإتيان به يصبح مخالفة قطعيّة بخلاف فرض عدم حرمته، والتمرّد على المولى في فرض القطع بالحكم ولزوم المخالفة القطعيّة أشدّ من التمرّد عليه في فرض الشكّ والاحتمال المنجّز، إذن فإنكار تأثير حرمة الفعل المتجرّى به في التحريك غير مقبول.
ولو افترضنا أنّ تنجّز الواقع عليه كان بالعلم، فسنمنع ـ أيضاً ـ عدم تأثير حرمة الفعل المتجرّى به في التحريك؛ وذلك لأنّ الحكم الأوّل صادر عن غرض، والحكم الثاني صادر عن غرض آخر، فيحصل التأكّد لا محالة في مقام المحرّكيّة تبعاً لتأكّد الغرض؛ لأنّ التمرّد على المولى والطغيان عليه يختلف شدّة وضعفاً باختلاف درجات الأغراض.
والمعنى الصحيح عندنا للتأكّد عند اجتماع حكمين هو: ما ذكرناه من التأكّد في مقام المحرّكيّة، لا اتّحادهما في نفس الجعل والاعتبار، بل هما باقيان على ما هما عليه من التعدّد جعلاً وإنشاءً.
هذا تمام الكلام فيما يفترض مانعاً عن تطبيق قاعدة الملازمة في المقام، وقد تحصّل أنّه لو سلّمنا قاعدة الملازمة في نفسها، فلاإشكال في تطبيقها في المقام وإثبات حرمة الفعل المتجرّى به. نعم، لنا كلام في أصل صحّة القاعدة أو إطلاقها سيأتي في محلّه إن شاء الله.
وبمناسبة المقام: لا بأس بالحديث عن القاعدة الموروثة من الميرزا الشيرازىّ الكبير(قدس سره)، وهي: إنّ الحسن والقبح العقليّين إنّما يستتبعان الحكم الشرعىّ إذا كانا في سلسلة علل الأحكام كقبح الغصب والتشريع، دون ما إذا كانا في سلسلة معلولاتها.
ولاينبغي أن يكون مدرك هذه القاعدة لزوم الدور، بدعوى أنّ الحسن والقبح لو كانا
', '', 241), (21, 242, 'book', 'معلولين للحكم، ثُمّ نشأ منهما الحكم، لزم أن يصبح المعلول علّة لعلّته، وهذا هو الدور؛ إذ من الواضح أنّ الحكم الذي يفترض معلولاً للحسن والقبح حكم جديد غير الحكم الذي يفترض أنّ الحسن والقبح وقعا في سلسلة معلولاته، فلا دور، فالظاهر أنّ مدرك هذه القاعدة هو لزوم التسلسل، أو لزوم عدم المحرّكيّة، وقد عرفت الجواب عن كلا الإشكالين.
وقد يقال لإثبات محذور عدم المحرّكيّة: إنّنا لا نتصوّر اختلافاً في مراتب الظلم، فلو سلّم ذلك أمكن تصوير عدم المحرّكيّة للحكم الجديد حينما يكون القبح معلولاً للحكم؛ وذلك لأنّ الحكم الأوّل المفترض كاف في أن تكون مخالفته ظلماً، ولا يتأكّد ذلك بحكم جديد؛ لأنّنا لانتصوّر اختلافاً في مراتب الظلم، فلا محركيّة ـ إذن ـ للحكم الجديد، وهذا بخلاف ما لو كان القبح واقعاً في سلسلة العلل كقبح الغصب مثلاً؛ إذ إنّ الظلم هناك ليس ظلماً للمولى، بل هو ظلم لشخص آخر، فأثر الحكم هو أن تصبح المخالفة ظلماً للمولى، والظلم الأوّل إذا كفى لاستحقاق العقاب ـ لما يقال مثلاً: من أنّ ارتكاب القبيح موجب للذمّ، وذمّ كلّ شخص بحسبه، وذمّ المولى عقابه ـ فهذا لا يمنع عن تأثير حكم المولى في المحرّكيّة؛ وذلك لأنّ الظلم الأوّل ظلم لغير المولى، والظلم الثاني ظلم للمولى، فهما ظلمان لشخصين، فقد يدّعى أنّ ما افترضناه من عدم قبول الظلم للاشتداد إنّما هو بشأن شخص واحد، أمّا لو كان العمل الواحد ظلماً لشخصين، فلا شكّ أنّ ظلم شخصين أشدّ من ظلم شخص واحد.
وهذا البيان لو تمّ فإنّما يتمّ بلحاظ التفصيل بين القبح الذي يكون معلولاً للحكم، والقبح الذي يكون راجعاً إلى ظلم العباد، ولا يتمّ بلحاظ القبح الذي يقع في سلسلة العلل، ولكنّه يعتبر ظلماً بشأن المولى، كالسجود بعنوان الاستهزاء بالله، أو كما يقال في التشريع؛ وذلك لأنّه في هذا الفرض سيكون كلا الظلمين ـ أيضاً ـ راجعين لشخص واحد، وهو المولى، فلا يتصوّر فيه الاشتداد، فإن كان القبح الأوّل موجباً لارتداع العبد فهو، وإلّا فتحريم المولى لا يؤثّر شيئاً. هذا بناءً على ما بنوا عليه: من أنّ قبح جميع القبائح يرجع إلى قبح الظلم ويتفرّع منه.
$
', '', 242), (21, 243, 'book', 'أمّا بناءً على أنّ قولنا: الظلم قبيح قضيّة بشرط المحمول، وأنّ قبح كلّ قبيح ثابت بملاكه الخاصّ، ولا يتفرّع من قبح الظلم، فقد تتوهّم تماميّة الفرق بين سلسلة العلل وسلسلة المعلولات؛ وذلك لأنّ القبح الثابت في سلسلة العلل يكون بملاكه الخاصّ، غير ملاك القبح الذي ينتج عن حكم المولى، فيتأكّد القبح بتعدّد ملاكه، وهذا بخلاف القبح الذي وقع في سلسلة المعلولات؛ فإنّ هذا القبح مع القبح الذي ينتج عن الحكم الجديد كلاهما بملاك معصية المولى، فيدّعى ـ مثلاً ـ عدم إمكان التأكّد واختلاف المراتب في القبح وملاكه حينما يكون الملاك واحداً، فالتأكّد ـ إذن ـ معقول فيما إذا كان القبح واقعاً في سلسلة العلل ولو كان بلحاظ حقّ المولى دون العباد، وغير معقول إذا كان واقعاً في سلسلة المعلولات.
ويرد عليه: أنّ تسليم الفرق في إمكان اختلاف المراتب والاشتداد وعدمه بين فرض تعدّد الملاك ووحدته لو تمّ لم يشفع لهذا التفصيل؛ وذلك لأنّ قبح ما يرجع إلى مخالفة حقّ المولى سيكون ـ دائماً ـ بملاك واحد، بلا فرق بين ما يكون في سلسلة العلل، وما يكون في سلسلة المعلولات؛ فإنّ ذلك كلّه بملاك مخالفة احترام المولى وشأنه وجلاله، سواء كان من ناحية المعصية ومخالفة الحكم، أو كان من ناحية اُخرى، كالسجود بعنوان الاستهزاء، أو التشريع كما يقال(1).
فهذا التفصيل لو تمّ فإنّما يتمّ فقط بلحاظ القبح الذي يكمن في مخالفة حقّ العباد كالغصب مثلاً، حيث يقال: إنّ قاعدة الملازمة تطبّق هنا باعتبار إمكانيّة تأكّد القبح باجتماع ملاكين: أحدهما بالنسبة إلى المولى، والآخر بالنسبة إلى شخص آخر. هذا بناءً على تسليم القبح العقليّ في سلسلة العلل.
أمّا لو قلنا: إنّ ما يدرك الناس قبحه في سلسلة العلل كما في الغصب ونحوه ليس قبحه إلّا من الاُمور العقلائيّة، وليس أمراً واقعيّاً يدركه العقل، فلا يبقى موضوع لقاعدة الملازمة في سلسلة العلل.
$
', '(1) سيأتي منّا ـ إن شاء الله ـ أنّ للمولى حقّين: حقّ تحصيل الغرض، وحقّ الاحترام، ولا يرجعان إلى حقّ واحد.
', 243), (21, 244, 'book', '
إثبات الحرمة بالإجماع:
الدليل الثالث: الإجماع، والصحيح: أنّنا لم نلحظ في كلمات المجمعين وقوع حرمة التجرّي بعنوانها معقداً للإجماع، لكنّنا نستكشف ذلك من إجماعهم على مسألتين:
الاُولى: أنّ من ظنّ ضيق الوقت، وجب عليه البدار، فلو أخّر كان آثماً ومستحقّاً للعقاب وإن تبيّن خطؤه. فهذا يكشف عن الإجماع على حرمة التجرّي بدعوى أنّ هذا الحكم لا يتمّ إلّا بناءً على القول بحرمة التجرّي.
ولكن لا يخفى أنّه لم يرد التصريح في كلماتهم جميعاً بكون هذا التأخير معصية، فبعضهم صرّح بالمعصية، ولكنّ البعض الآخر اكتفى بذكر استحقاق العقاب من دون ذكر المعصية، فلو تمّ إجماع فإنّما يتمّ على استحقاق العقاب، وهو لا يستلزم حرمة التجرّي؛ لما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من كون التجرّي قبيحاً وموجباً لاستحقاق العقاب وإن لم نقل بحرمته.
والثانية: أنّ من سافر سفراً مظنون الضرر، وجب عليه الإتمام وإن تبيّن له الخلاف؛ لأنّ سفره سفر معصية، فهنا ـ أيضاً ـ يقال: إنّ هذا لا يتمّ إلّا بناءً على حرمة التجرّي.
والاستدلال على حرمة التجرّي بالإجماع وكذلك بما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من الدليل الرابع وهو الأخبار واضح عند من لم يقل فيما مضى من الدليل الثاني بثبوت محذور في تحريم التجري، أمّا بناءً على ثبوت المحذور في ذلك، فقد يشكل الأمر هنا؛ لتأتّي نفس المحذور.
وتفصّى المحقّق النائينىّ(رحمه الله) من ذلك بجعل متعلّق الحرمة عنواناً آخر غير التجرّي يلازم تمام موارد التجرّي، وهو قصد السوء المبرز بالفعل.
وهذا التفصّي صحيح بناءً على كون محذور حرمة التجرّي عبارة عمّا مضى عن المحقّق النائينىّ(قدس سره)؛ إذ إنّ ذاك المحذور يرتفع بما صنعه من تغيير العنوان؛ فإنّ محذوره ـ في فرض تحريم التجرّي بحكم جديد يشمل فرض المصادفة ـ كان عبارة عن لزوم اجتماع المثلين في نظر المكلّف، وهذا يرتفع بفرض أنّ مصبّ الحكم الجديد إنّما هو قصد السوء المبرز بالفعل لانفس الفعل.
أمّا بناءً على مبنى السيّد الاُستاذ من ثبوت محذور عدم المحرّكيّة، فلا يتمّ هذا
', '', 244), (21, 245, 'book', 'التفصّي؛ لأنّ إشكال عدم المحرّكيّة لو تمّ لجرى في المقام أيضاً؛ إذ يقال: إنّ من يوجد تحريم الفعل في نفسه داعياً إلى الترك، لا حاجة في تحريكه إلى تحريم قصد السوء المبرز بالفعل، ومن لايرتدع بما قطع من حرمة الفعل، لايرتدع ـ أيضاً ـ بحرمة القصد.
لايقال: إنّ تحريم الفعل غير كاف في الردع عن القصد؛ لإمكان صدور القصد مطلقاً أو ببعض مراتبه بسبب داع يدعوه إلى إيجاد الشوق والقصد في نفسه.
فإنّه يقال: إنّه قد حقّق في محلّه عدم إمكان انقداح القصد إلّا بملاك في المقصود(1).
وعلى أىّ حال، فالكلام هنا يقع في جهتين:
الاُولى: في أصل إثبات حرمة التجرّي بالإجماع.
الثانية: في نفس المسألتين اللتين أشير إليهما في المقام.
أمّا الجهة الاُولى: فالتحقيق عدم تماميّة الاستدلال على حرمة التجرّي بالإجماع ؛ إذ يرد عليه:
أوّلاً: عدم حجّيّة الإجماع المنقول.
وثانياً: ثبوت المخالف على ما ذكره الشيخ الأعظم(رحمه الله).
وثالثاً: أنّ المسألة عقليّة كما أفاد الشيخ الأعظم(رحمه الله)، ولا أقصد بعقليّة المسألة أنّ عنوان المسألة عقلىّ حتّى يرد عليه ما أفاده المحقّق النائينىّ(قدس سره): من أنّ عنوان المسألة بالنحو الذي حرّرناه (وهو حرمة التجرّي وعدمها) شرعىّ، وليس عقليّاً؛ فإنّ مناط الإشكال ليس كون عنوان البحث عقليّاً، بل أقصد بعقليّة المسألة أنّ من مدارك هذا الحكم قاعدة الملازمة، وهي أمر عقلىّ، ومن المحتمل أن يكون مدرك المجمعين ذلك، وعلى تقدير أن يكون مدركهم ذلك فقد أجمعوا في الحقيقة على أمر عقلىّ، والإجماع لابدّ أن يكون كاشفاً عن دليل شرعىّ حتّى يركن إليه، أمّا لو كان مستنده العقل، فنحن نرجع إلى
', '(1) ولو سلّم إمكان انقداح القصد بملاك في القصد، فمن الواضح عدم إمكان اجتماعه مع الردع الفعلىّ عن المقصود، فلو كفاه النهي عن المقصود في الردع عنه، لم تعد حاجة إلى الردع عن القصد.
', 245), (21, 246, 'book', '
عقولنا لنرى هل تحكم بذلك، أو لا (1)؟
ورابعاً: أنّ من المحتمل أن يكون نفس السفر المظنون الخطر ونفس التأخّر مع ظنّ الضيق حراماً في نظر المجمعين بقطع النظر عن مسألة التجرّي. وهذا الإشكال الرابع بالنسبة إلى المسألة السفر المظنون الخطر واضح. وأمّا بالنسبة إلى المسألة ظنّ الضيق، فقد يقال بعدم تماميّته؛ وذلك بناءً على أمرين:
الأوّل: البناء على عصمة الإجماع من الخطأ عند من يرى حجّيّته.
والثاني: ما سيأتي منّا ـ إن شاء الله ـ من أنّ حرمة التأخير بما هو عند ظنّ الضيق غير محتمل فقهيّاً.
والنتيجة: أنّه لا نحتمل كون رأي المجمعين حرمة التأخير بما هو وبقطع النظر عن حرمة التجرّي؛ إذ يلزم من ذلك خطأ الإجماع.
ولكن مع ذلك يمكن توجيه الإشكال على مثال ظنّ الضيق بأن يقال: إنّ من المحتمل أن يكون بعض الفقهاء قد حكم بالإثم بالتأخير بلحاظ التجرّي، والبعض الآخر حكم به بلحاظ دعوى الحرمة المستقلّة، فلم يتحقّق الإجماع على أمر خطأ، وإن كان كلّ واحد من الأمرين خطأً.
وأمّا الجهة الثانية: فالكلام تارة يقع في المسألة الاُولى، واُخرى في المسألة الثانية.
أمّا المسألة الاُولى: وهي البدار عند ضيق الوقت، فإن قلنا: إنّ الظنّ بضيق الوقت له موضوعيّة في المقام، بأن يحرم التأخير ـ عندئذ ـ حرمة نفسيّة بغضّ النظر عن تنجّز الواقع، فلا إشكال في لزوم البدار واستحقاقه للعقاب بتركه، وإن لم نقل بذلك، لزم عليه البدار ـ أيضاً ـ من ناحية تنجّز الواقع عليه؛ لأنّ وجوب الصلاة في الوقت معلوم لديه، والاشتغال اليقينىّ يستدعي الفراغ اليقينىّ، وتأخيره مع احتمال ضيق الوقت مخالفة
', '(1) لعلّ المقصود من هذا الكلام مجرّد توجيه لكلام الشيخ الأعظم(رحمه الله)الذي ذكر عقليّة المسألة، وإلّا فمن الواضح أنّ الأولى الإشكال بمدركيّة الإجماع أو احتمال مدركيّته من دون فرق بين أن يكون مدركه حكم العقل أو غيره.
', 246), (21, 247, 'book', '
احتماليّة، فلا يحقّ له ذلك(1)، أمّا استحقاقه للعقاب وعدمه، فهو متفرّع على ما سيأتي
', '(1) قد يقال: إنّ استصحاب بقاء الوقت يجوّز له التأخير.
وأجاب اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) عن ذلك: بأنّ هذا الاستصحاب إن احتمل أنّه سينكشف له خلافه في الزمان الثاني لدى التأخير، لم يكن موجباً لجواز تأخيره؛ إذ الواجب بحكم العقل هو تحصيل الامتثال إمّا واقعاً أو تعبّداً، وهو ليس عالماً بأنّه لو أخّر صلاته كانت صلاته في الزمان الثاني امتثالاً واقعيّاً أو تعبّديّاً للأمر بالصلاة في الوقت، والاستصحاب لو كان معذّراً فإنّما هو معذّر بوجوده في زمان التأخير، في حين هو غير واثق بثبوت الاستصحاب في زمان التأخير، وأمّا إذا علم بأنّ هذا الاستصحاب سيبقى له ثابتاً إلى آخر الصلاة في الزمان الثاني، فأيضاً هذا الاستصحاب ليس مجوّزاً للتأخير وترك الصلاة فعلاً؛ وذلك لأنّ هذا الاستصحاب في طول هذا الترك وفي الرتبة المتأخّرة عنه، فلا يكون مجوّزاً لهذا الترك الذي هو مخالفة احتماليّة والذي هو المحقّق لموضوع الاستصحاب.
وبكلمة اُخرى: أنّ الترك متقدّم رتبة على الاستصحاب، ولايوجد في الرتبة المتقدّمة على الاستصحاب مؤمّن ومجوّز بالنسبة إلى الترك.
أقول: قد ينقض هذا الكلام بمن أخّر صلاته إلى أن لم يبق من الوقت إلّا بمقدار تحصيل الطهارة والصلاة، وكان متطهّراً بالطهارة الاستصحابيّة، ولا شكّ أنّه يجوز له أن يصلّي بتلك الطهارة الاستصحابيّة المستمرّة إلى آخر الصلاة من دون أن يتوضّأ، في حين ترك الوضوء هنا يؤدّي إلى المخالفة الاحتماليّة، والاستصحاب إنّما يجري في طول ترك الوضوء.
وقد يجاب عن هذا النقض بأنّ ترك الوضوء في هذا المثال ليس بنفسه مخالفة للأمر النفسىّ، وإنّما هو منشأ لتولّد المخالفة الاحتماليّة، وتولّد الاستصحاب في عرض واحد، فالاستصحاب ليس في طول ما يكون مخالفة احتماليّة كي لا يمكن أن يؤمّن من ناحيته، بل في عرضه، في حين فيما نحن فيه يكون الترك المحقّق لموضوع الاستصحاب بنفسه مخالفة احتماليّة، فلا يمكن للاستصحاب أن يؤمّن من ناحيته.
ويمكن الردّ على هذا الجواب: بأنّ ترك المقدّمة المؤدّي إلى فوات ذي المقدّمة بنفسه شروع في مخالفة أمر ذي المقدّمة. فيكون ترك الوضوء مخالفة احتماليّة، فلا فرق بين ما نحن فيه وبين هذا المثال.
ويمكن إبطال هذا الردّ ـ بناءً على أنّ المقصود بالأمن أو التجويز الذي يدّعى تأخّره رتبة عن الترك هو رفع الحرمة الشرعيّة ـ بأنّ ترك المقدّمة غير متّصف بالحرمة الشرعيّة حتّى نفتّش عن رفعها، في حين أنّ ترك الصلاة مع فرض ضيق الوقت مصداق للحرام الشرعىّ.
وعلى أىّ حال، فاُستاذنا الشهيد(رحمه الله) عدل بعد ذلك عمّا أفاده هنا: من أنّ الاستصحاب بما أنّه في طول الترك فلا يجوز الترك، ولا يوجد مؤمّن بالنسبة إلى الترك الذي هو في الرتبة المتقدّمة على الاستصحاب، ولم أسمع منه السبب في هذا العدول.
ولكن الحقّ على أىّ حال: أنّه لا مانع عن التأخير اعتماداً على الاستصحاب إذا كان يعلم بأنّه لا يظهر له خلافه في الزمان الثاني؛ وذلك لأنّنا نسأل: هل النظر في الإشكال في المقام إلى الحرمة الشرعيّة الثابتة للترك في هذا الزمان على تقدير ضيق الوقت بناءً على أنّ بغض المولى للترك في تمام الوقت يستلزم في آخر الوقت بغضه للترك في هذا الوقت الضيّق ـ أو قل: إنّ حبّه لجامع الأفراد الطوليّة يستلزم بعد انحصار الجامع في الفرد الأخير حبّ ذاك الفرد ـ أو النظر في الإشكال في المقام إلى المنع العقلىّ عن هذا الترك باعتباره تركاً للمصداق الذي انحصر الامتثال فيه بعد فوات باقي الأفراد؟
فإن كان النظر في الإشكال إلى الحرمة الشرعيّة للترك، فمن الواضح أنّ الحرمة الشرعيّة للترك موضوعها انحصار الجامع في هذا الفرد؛ كي يتعلّق الحبّ بهذا الفرد بالخصوص، ويحرم تركه، ونحن نستصحب عدم ذلك، ولا نقصد بالاستصحاب استصحاب بقاء الوقت في الزمان الثاني؛ كي يقال: إنّ هذا فرع الترك في الزمان الأوّل، بل نقصد به استصحاب عدم كون الصلاة في الزمان الأوّل هي الفرد المنحصر وكونها واجباً تعيينيّاً.
وإن كان النظر في الإشكال إلى المنع العقليّ عن هذا الترك باعتباره تركاً للمصداق الذي انحصر الامتثال فيه، فهذا المنع إنّما يرفع بالحصول على مصداق آخر للامتثال، وهو إنّما يكون باستصحاب بقاء الوقت في الزمان الثاني، وهذا الاستصحاب هو فرع الترك في الزمان الأوّل، ولكن المؤمّن العقلىّ ليس هو فعليّة الاستصحاب بأن يترك الصلاة في الزمان الأوّل حتّى يتمّ الاستصحاب بلحاظ الزمان الثاني حتّى يكون مؤمّناً (كي يرد عليه: أنّ الاستصحاب الذي هو في طول الترك لا يؤمّن الترك)، وإنّما المؤمّن العقليّ هو (ثبوت الاستصحاب على تقدير الترك)؛ فإنّ الذي يهمّ العقل هو تحصيل الجامع بين الامتثال الواقعىّ والظاهرىّ، فإذا عرف العقل أنّ الترك في الزمان الأوّل لا يحرمه هذا الجمع؛ لأنّ الترك بنفسه يحقّق موضوع الاستصحاب المثبت للامتثال الظاهرىّ، فلا مانع لديه من الترك، والحاصل: أنّه صحيح أنّ ثبوت الاستصحاب كان في طول الترك، ولكن (ثبوت الاستصحاب على تقدير الترك) ثابت قبل الترك، وليس في طول الترك، وهذا هو الذي يحكم العقل بالأمن على أساسه.
وهنا وجه آخر لإثبات عدم جواز الاعتماد عند خوف الضيق على الاستصحاب، وهو: أن يقال: إنّه متى ما كان الاعتماد على الاستصحاب إلى آخر الشوط في تأخير الواجب مستلزماً لفواته عادة؛ إذ لا يحصل العلم بضيق الوقت عادة إلّا بعد انتهائه، فعدم تعقّل العرف لإيجاب شيء مع الترخيص في تركه ترخيصاً شاملاً لكلّ الموارد إلّا ما شذّ يجعل دليل الاستصحاب منصرفاً عن مثل المورد، أو يجعل دليل الوجوب معارضاً لدليل الاستصحاب ومقدّماً عليه؛ إذ يرى تقديم الاستصحاب على دليل الوجوب نفياً لأصل الوجوب، في حين تقديم الوجوب على الاستصحاب ليس إلّا تخصيصاً لإطلاق دليل الاستصحاب.
وهذا الوجه ـ أيضاً ـ قابل للمناقشة؛ وذلك لأنّ الترخيص الذي دلّ عليه الاستصحاب لو كان شاملاً لغالبيّة دواعي التأخير إلّا ما شذّ، لكان من المحتمل دعوى كون ذلك منافياً عرفاً لتحريم التأخير عن الوقت واقعاً، ولكنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ هذا الترخيص الذي ينتهي بانتهاء أمد الشكّ لايرخّص في دواعي التأخير التي تدعو إلى التأخير إلى ما بعد أمد الشكّ، أي: التأخير إلى زمان القطع بانتهاء الوقت، ويكفي هذا فائدة عرفيّة للإلزام الواقعىّ بحيث لا يرى تناف بينه وبين الترخيص الظاهرىّ.
', 247), (21, 248, 'book', '
ـ إن شاء الله ـ في بحث استحقاق المتجرّي للعقاب وعدمه.
وذهب السيّد الاُستاذ على ما في (الدراسات) إلى أنّ التأخير مع الظنّ بضيق الوقت حرام في نفسه مستدلّاً بصحيحة الحلبىّ الواردة في الظهرين في «رجل نسي الاُولى والعصر جميعاً، ثُمّ ذكر ذلك عند غروب الشمس؟ فقال: إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما، فليصلّ الظهر، ثُمّ ليصلّ العصر، وإن هو خاف أن تفوته، فليبدأ بالعصر، ولا يؤخّرها فتفوته، فيكون قد فاتتاه جميعاً، ولكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها، ثُمّ
', '', 248), (21, 249, 'book', 'ليصلّ الاُولى بعد ذلك على أثرها»(1).
أقول: إنّ ما أفاده في المقام مشكل ثبوتاً وإثباتاً:
أمّا من حيث الثبوت، فيرد عليه:
أوّلاً: أنّ ما فرضه إشكالاً على تطبيق قاعدة الملازمة من محذور عدم قابليّة التحرّك لو تمّ يرد هنا أيضاً، فمن لا يتحرّك نحو البدار بتنجّز الواقع عليه، لا يحرّكه الأمر به أيضاً، ومن يتحرّك نحوه بتنجّز الواقع عليه، يكفيه ذلك(2).
وثانياً: أنّ كون البدار عند ظنّ الضيق واجباً مستقلّاً ـ وبغضّ النظر عن وجوب الصلاة في الوقت ـ بعيد جداً؛ فإنّ هذا الوجوب إن فرض اختصاصه بالظانّ بضيق الوقت، لزم كون حال الظانّ بالضيق أسوأ من حال العالم به، فمن أخّرها مع العلم بالضيق، وأدّى ذلك إلى فوات الصلاة في الوقت، صدرت عنه معصية واحدة، ولكن من أخّرها مع الظنّ بالضيق، وأدّى ذلك إلى فوات الصلاة في الوقت، فقد عصى معصيتين، وهذا ـ كما ترى ـ غير محتمل فقهيّاً.
وإن فرض ثبوت هذا الوجوب النفسىّ حتّى مع العلم بالضيق، لزم الفرق بين من أخّر عالماً بالضيق، ومن أخّر عمداً بنحو لم يحصل له العلم بالضيق، كما لو نام قبل ضيق الوقت عالماً بأنّه لاينتبه من النوم إلّا بعد فوات الوقت، فيكون حال العالم أسوأ من حال هذا الشخص، ولايكونان متساويين برغم أنّ الثاني ـ أيضاً ـ ترك الصلاة عمداً، وهذا غير محتمل فقهيّاً أيضاً.
وإن فرض ثبوت هذا الوجوب النفسىّ بعنوان يشمل حتّى مثل من نام متعمّداً، يلزم أن
', '(1) الحديث وارد في الوسائل ج 3، ب 4، من المواقيت، ح 18، ووارد في التهذيب ج 2، ح 1074. وسند الحديث ليس نقيّاً؛ فإنّه قد رواه الشيخ(رحمه الله) بسنده عن الحسين بن سعيد، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن الحلبىّ، وابن سنان مردّد بين عبد الله بن سنان وهو ثقة ومحمّد بن سنان الذي لم تثبت وثاقته. وقد روى الحسين بن سعيد عنهما، وورد بعض الأحاديث عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، فقد يكون حديثنا من هذا القبيل، ولعلّ رواية الحسين بن سعيد، عن محمّد بن سنان أكثر من روايته عن عبد الله بن سنان، كما أنّ روايته عنه أنسب من حيث الطبقة من روايته عن عبد الله، وإن شوهد قليلاً روايته عن عبدالله.
(2) لوفرض الوجوب النفسىّ للبدار مختصّاً بفرض الظنّ بالفوت دون العلم به، لم يرد هذا الإشكال؛ فإنّه لولا الوجوب النفسىّ للبدار، لم يكن يتنجّز عليه البدار بناءً على ما مضى منّا من بيان جريان استصحاب الوقت عند الشكّ في الضيق.
', 249), (21, 250, 'book', '
يكون تارك الصلاة عمداً في الوقت عاصياً لحكمين دائماً:
أحدهما: وجوب الإتيان بها في الوقت، والثاني: وجوب مستقلّ عن الوجوب الأوّل يستلزم عصيان الأوّل عصيانه دائماً، وهذا ـ أيضاً ـ غير محتمل فقهيّاً.
وأمّا من حيث الإثبات، فدلالة الحديث على الوجوب المستقلّ للبدار عند خوف الفوات ممنوعة لوجهين:
الأوّل: أنّ المفهوم من السياق الكامل للحديث سؤالاً وجواباً هو: أنّ الإتيان بالصلاة بعد أن ذكرها قبيل غروب الشمس كان مفروغاً منه، وإنّما الكلام في أنّ أيّهما تقدّم هل صلاة الظهر أو صلاة العصر؟ فبيّن الإمام(عليه السلام) أنّ الترتيب السابق قد سقط، وأنّه يقدّم العصر على الظهر، فلو فرض دلالة الرواية على أمر نفسىّ فإنّما تدلّ على الأمر النفسىّ بتقديم العصر على الظهر، لا بالبدار.
الثاني: أنّ ما ورد في الحديث من التعليل بقوله: «فتفوته، فيكون قد فاتتاه جميعاً» كالصريح في أنّ سقوط الترتيب وتقديم العصر يكون لأجل التحفّظ على الحكم الأوّل وعدم فوات كلتا الصلاتين، لاأنّه حكم نفسىّ جديد.
وكان الاُولى به أن يستدلّ على مقصوده بذيل الرواية، وهو قوله: «ثُمّ ليصلّ الاُولى بعد ذلك على أثرها»؛ إذ إنّ هذا أمر بالبدار عند خوف الفوت، وإن كان يرد ـ أيضاً ـ على الاستدلال بذلك: أنّه لا يتعيّن كونه أمراً بالبدار على نحو وجوب مستقلّ، بل يحتمل أن يكون بملاك التحفّظ على الواقع الأوّليّ، وهو إيقاع الصلاة في الوقت، بل هو الظاهر منه.
وأمّا المسألة الثانية: وهي السفر المظنون الضرر، فتحقيق الكلام في ذلك: أنّ الضرر المترقّب في السفر على ثلاثة أقسام:
الأوّل: أن يكون ضرراً تافهاً لا يحرم اقتحامه، وفي هذا الفرض لا إشكال في إباحة السفر، وكون الصلاة قصراً.
الثاني: أن يكون الضرر بالغاً مرتبة الحرمة، وعندئذ فإن لم نقل: إنّ الظنّ أمارة عليه، لم يلزم التحرّز في غير فرض العلم، وجرت البراءة، وإن قلنا: إنّ الظنّ أمارة عليه ببناء العقلاء كما قال جماعة بذلك، بل وبأماريّة الاحتمال عليه ـ أيضاً ـ بنكتة أنّ الضرر لا يحصل العلم به غالباً قبل تحقّقه، فقصر الصلاة وتمامها في سفر ظنّ باستلزامه للضرر، ثُمّ
', '', 250), (21, 251, 'book', 'انكشف خلافه يتفرّعان على تشخيص: أنّ موضوع التمام هل هو المعصية بمعنى مخالفة الواقع وإن لم يكن منجّزاً، أو مخالفة الواقع المنجّز، أو بمعنى مخالفة المنجز وإن لم يكن واقعاً، أو بمعنى مخالفة أحدهما، أي: الواقع وإن لم يكن منجّزاً، والمنجّز وإن لم يكن واقعاً؟ فعلى الأوّلين يجب القصر، وعلى الأخيرين يجب التمام.
والظاهر: أنّ موضوع التمام هو مخالفة الواقع المنجّز، إذن فالحكم في المقام هو القصر.
الثالث: أن يبلغ الضرر إلى مستوىً أوجب الشارع نفس التحفّظ عنه، كما لو كان في السفر خوف هلاك النفس، وعندئذ لاإشكال في تماميّة صلاته وإن تبيّن الخلاف؛ لأنّ الدخول فيما يخاف فيه الضرر خلاف التحفّظ الواجب، فسفره معصية.
إثبات الحرمة بالأخبار:
الدليل الرابع: الأخبار الدالّة على العقاب.
أفاد الشيخ الأعظم(قدس سره) أنّ تلك الأخبار واردة فيما لو كان التجرّي على المعصية بالقصد إلى المعصية. ويقصد بذلك: أنّ الأخبار واردة في موارد الشبهة الموضوعيّة، بأن يكون أصل حرمة ارتكاب الأمر الفلاني ثابتاً في الواقع، فهو معصية واقعاً، وقد قصدها العبد، دون ما إذا كان الأمر على نحو الشبهة الحكميّة.
وغاية ما يمكن دعوى دلالة تلك الأخبار عليه هو: ثبوت العقاب، وهو غير مستلزم للحرمة بناءً على ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من كون المتجرّي مستحقّاً للعقاب. فظهر أنّ هذا الدليل ـ أيضاً ـ غير تامّ، فلا دليل ـ إذن ـ على حرمة التجرّي أصلاً.
بقي هنا شيء، وهو: أنّه توجد في قبال الأخبار المدّعى دلالتها على العقاب أخبار اُخرى تدّعى دلالتها على نفي العقاب. وهاتان الطائفتان اُدّعي في بعض حواشي الرسائل(1) إمكان تواترهما. وقد وقع الكلام في وجه الجمع بينهما، فقد جمع في (الدراسات) بينهما بحمل الطائفة الاُولى على قصد المعصية المبرز في الخارج بفعل من الأفعال من دون أن يرتدع العبد عن ذلك في الأثناء باختياره، وحمل الطائفة الثانية على القصد الذي ليس كذلك بقرينة النبوىّ: «إذ التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في
', '(1) بحر الفوائد في شرح الفرائد للمحقّق الآشتيانىّ ص 26.
', 251), (21, 252, 'book', '
النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: لأنّه أراد قتل صاحبه»، بتقريب: أنّ هذا نصّ في فرض الإبراز مع عدم الارتداع باختياره، فتخصّص به الطائفة الثانية، فتنقلب النسبة بين الطائفتين إلى العموم المطلق، وتخصّص الاُولى بالثانية.
ويرد عليه ـ بغضّ النظر عن بطلان انقلاب النسبة ـ أنّ افتراض كون هذا الحديث نصّاً في القصد المبرز بالفعل إن كان بلحاظ التعليل، فالتعليل الوارد في الحديث إنّما هو تعليل بإرادة القتل، والمراد منها إمّا قصد القتل، أو محاولة القتل بالالتقاء بالسيف ونحوه، فعلى الأوّل لا توجد في التعليل دلالة على فرض الإبراز، وعلى الثاني ـ وهو الظاهر عرفاً من مثل هذا الكلام ـ يكون التعليل تعليلاً بفعل حرام واقعىّ؛ وذلك لأنّ محاولة القتل بمثل الالتقاء بالسيف بنفسها حرام مستقلّ ومعصية لله بغضّ النظر عن حرمة القتل، وذلك كحرمة سبّ المؤمن.
وإن كان افتراض نصوصيّة الحديث في القصد المبرز بالفعل بلحاظ مورد الحديث، قلنا ـ بغضّ النظر عمّا عرفت: من أنّ ما في الحديث هو العقاب على محاولة القتل لا على قصده ـ: إنّ مورد الحديث هو مقارنة القصد لفعل حرام واقعىّ، وهو الالتقاء بالسيف وإبرازه به، لاإبرازه بفعل غير محرّم في نفسه، فالحديث ليس نصّاً بمورده في القصد المبرز بفعل غير محرّم، ويقبل التخصيص بخصوص القصد المبرز بفعل محرّم.
نعم، لكلّ من الطائفتين قدر متيقّن من الخارج، فالقدر المتيقّن من الطائفة الاُولى فرض الإبراز، والقدر المتيقّن من الطائفة الثانية فرض عدم الإبراز، لكن وجود القدر المتيقّن من الخارج لا يكفي للجمع.
ثُمّ إنّ غالب الأخبار من كلّ من الطائفتين لا يدلّ على المدّعى، وفي البحث عن ذلك طول وخروج عمّا يناسب المقام، فلنتكلّم على فرض تسليم وجود ما تمّت دلالته في كلّ من الطائفتين، فنقول:
إنّ التحقيق في مقام الجمع حمل الطائفة الاُولى على استحقاق العقاب، والثانية على نفي فعليّته؛ لنصوصيّة كلّ منهما فيما حملناها عليه، فنصّ كلّ منهما قرينة لصرف الاُخرى عن ظاهرها، ونحن لم نقبل مثل هذا الجمع بين لسان الأمر ولسان النهي بنفي الوجوب بالثاني ونفي الحرمة بالأوّل؛ لأنّ الوجوب وجواز الفعل وكذلك الحرمة وجواز الترك
', '', 252), (21, 253, 'book', 'جزءان تحليليّان لمفاد الأمر والنهي، فلم يكن العرف مساعداً على هذا الجمع، وهذا بخلاف ما نحن فيه.
هذا بغضّ النظر عن أنّ الطائفة الاُولى لو دلّت على العقاب، فجلّها أو كلّها لا تدلّ بذاتها على أكثر من استحقاق العقاب، كقوله: «نيّة الكافر شرّ من عمله»، وقوله: «للداخل إثمان: إثم الدخول، وإثم الرضا» وأنّ الطائفة الثانية لو دلّت على نفي العقاب، فجلّها أو كلّها لا تدلّ بذاتها على أكثر من نفي فعليّة العقاب، كما ورد من أنّ الله تعالى جعل لآدم(عليه السلام) أن لا يكتب على ولده ما نووا ما لم يفعلوه. بل نقول في هذا الحديث: إنّه لو كان عدم العقاب لعدم الاستحقاق، لم يكن ذلك امتناناً على آدم(عليه السلام)، فهو يدلّ على الاستحقاق(1).
$
', '(1) لعلّ تفصيل البحث عن مدى دلالة الروايات على العقاب، أو نفيه على الفعل المتجرّى به، أو على النيّة أنسب بما عقد له اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) المقام الثالث من البحث، وهو ما سيأتي من البحث عن استحقاق المتجرّي للعقاب، ولكن بما أنّ كلامه (رضوان الله عليه) هنا انجرّ إلى مسألة دلالة الروايات على العقاب لا بأس بأن نذكر هنا شيئاً من التفصيل في ذلك، ولنبدأ في البحث من نقطة الروايات النافية للعقاب، ومصبّها كما يظهر من مراجعتها إنّما هو ذات النيّة غير المنتهية إلى فعل الحرام، ولا تشمل ما نحن فيه من الفعل المتجرّى به، وهي روايات عديدة من قبيل:
1 ـ ما عن زرارة (بسند فيه عليّ بن حديد)، عن أحدهما(عليهما السلام)، قال: «إنّ الله تبارك وتعالى جعل لآدم في ذرّيّته أنّ من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة وعملها، كتبت له عشراً، ومن همّ بسيّئة،لم تكتب عليه، ومن همّ بها وعملها، كتبت عليه سيّئة» الوسائل / ج 1 / الباب 6 / مقدّمة العبادات / الحديث 6 / ص 36.
2 ـ ما عن أبي بصير بسند تامّ، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: «إنّ المؤمن ليهمّ بالحسنة ولا يعمل بها، فتكتب له حسنة، وإن هو عملها، كتبت له عشر حسنات، وإنّ المؤمن ليهمّ بالسيّئة أن يعملها، فلايعملها، فلاتكتب عليه» المصدر نفسه / الحديث 7 / ص 36.
3 ـ ما عن بكير بسند تامّ، عن أبي عبدالله أو أبي جعفر(عليهما السلام)، قال: «إنّ آدم(عليه السلام)قال: يا ربّ، سلّطت علىّ الشيطان، وأجريته منّي مجرى الدم، فاجعل لي شيئاً. فقال: يا آدم، جعلت لك أنّ من همّ من ذرّيّتك بسيّئة، لم تكتب عليه، فإن عملها، كتبت عليه سيّئة، ومن همّ بحسنة فإن لم يعملها، كتبت له حسنة، وإن هو عملها، كتبت له عشراً. قال: يا ربّ زدني. قال: جعلت لك أنّ من عمل منهم سيّئة، ثُمّ استغفر، غفرت له. قال: يا ربّ زدني. قال: جعلت لهم التوبة أو بسطت لهم التوبة حتّى تبلغ النفس هذه. قال: يا ربّ حسبي» المصدر السابق ورد فيه قسمٌ منه / الحديث 8 / ص 37، وفي الجزء 11 / ب 93 من جهاد النفس / الحديث 1 / ص 369 / في مجموع المتن والتعليقة.
4 ـ ما عن جميل بن دراج بسند تامّ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إذا همّ العبد بالسيّئة، لم تكتب عليه، وإذا همّ بحسنة، كتبت له» المصدر نفسه / الحديث 10 / ص 37.
5 ـ ما عن حمزة بن حمران بسند ضعيف بمحمّد بن موسى بن المتوكّل وعليّ بن الحسين السعد آباديّ اللذين لم يرد نصّ على توثيقهما، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشراً، ويضاعف الله لمن يشاء إلى سبع مئة، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها، لم تكتب عليه حتّى يعملها، فإن لم يعملها، كتبت له حسنة، وإن عملها، اُجّل تسع ساعات، فإن تاب وندم عليها، لم يكتب عليه، وإن لم يتب ولم يندم عليها، كتبت عليه سيّئة» المصدر نفسه / الحديث 20 / ص 39.
6 ـ ما عن مسعدة بن صدقة ـ ولم يثبت توثيقه ـ عن جعفر بن محمّد(عليه السلام)، قال: «لو كانت النيّات من أهل الفسق يؤخذ بها، إذن لاُخذ كلّ من نوى الزنا بالزنا، وكلّ من نوى السرقة بالسرقة، وكلّ من نوى القتل بالقتل، ولكنّ الله عدل كريم ليس الجور من شأنه، ولكنّه يثيب على نيّات الخير أهلها وإضمارهم عليها، ولا يؤاخذ أهل الفسق حتّى يفعلوا» المصدر نفسه / الحديث 21 / ص 40.
والكلام تارة يقع عن حدود دلالة هذه الروايات، وأنّها هل تشمل ما نحن فيه، أو لا؟
واُخرى عما قد يقال بمعارضته لها؛ كي نعرف أنّها هل تعارضها، أو لا؟ وهل تدلّ على المقصود فيما نحن فيه من العقاب على التجرّي، أو لا؟
وثالثة في أنّه بعد فرض تماميّة كلتا الطائفتين سنداً ودلالة ما هو مقتضى الجمع بينهما؟
ورابعة في أنّ دليل الحجّيّة هل يشمل روايات من هذا القبيل ممّا يحكى عن العقاب وجوداً وعدماً دون أن يكشف عن حكم شرعىّ، أو أنّ حالها حال الروايات الحاكية عن موضوعات تكوينيّة كعدد السماوات والأرض والنجوم مثلاً؟ فهذه اُمور أربعة:
الأمر الأوّل: في معرفة حدود دلالة روايات نفي العقاب، فنقول:
أوّلاً: إنّ مفاد هذه الروايات إنّما هو نفي العقاب على النيّة لا على الفعل المتجرّى به.
لا يقال: إنّ مقتضى إطلاق دليل نفي العقاب ما لم يأت بالسيّئة ـ كما هو لسان هذه الروايات ـ هو نفي العقاب مطلقاً، سواء صدر عنه فعل متجرّى به أو لم يصدر، فالعقاب منحصر بما إذا أتى بتلك السيّئة المنويّة، والمفروض في مورد التجرّي أنّه لم يأت بها.
فإنه يقال: إنّ الإطلاق في نفي العقاب في هذه الروايات حيثىّ، سنخ الإطلاق في إباحة المباحات، فكما أنّ دليل إباحة الجبن ـ مثلاً ـ إنّما يدلّ على إباحة الجبن من حيث هو جبن، فلا يدلّ بإطلاقه على إباحته عند ما يكون مغصوباً مثلاً، كذلك فيما نحن فيه تدلّ هذه الروايات على عدم العقاب بمجرّد أن همّ بالمعصية، أمّا لو فعل فعلاً كان يعتقده المعصية المطلوبة فأخطأ ظنّه، فهذه حيثيّة اُخرى غير منظور إليها في هذه الروايات.
ولو غضضنا النظر عن كون الإطلاق حيثيّاً، قلنا: إنّ هذه الروايات إنّما دلّت على أنّ السيّئة التي نواها ولم يفعلها لا تكتب عليه، أمّا الفعل المتجرّى به فهو سيّئة اُخرى غير داخلة في منطوق الروايات، كما هو واضح.
ومن هنا ينفتح باب للاستشكال في دلالة هذه الروايات على نفي العقاب على النيّة؛ وذلك بأن يقال: إنّ لسان هذه الروايات هو لسان أنّ السيّئة المنويّة لا تسجّل على العبد بمجرّد النيّة، وهذا لا ينافي تسجيل نفس النيّة عليه.
إلا أنّ هذا الإشكال غير عرفىّ؛ فإنّ المفهوم عرفاً من هذه الروايات بمناسبة جوّ الامتنان هو نفي العقاب على المنوىّ والنيّة معاً.
وثانياً: إنّ هذه الروايات هل تنفي استحقاق العقاب، أو فعليّته؟ الصحيح: أنّه لا يستفاد منها أكثر من نفي فعليّة العقاب، بل قد يستفاد من جوّ الامتنان ثبوت الاستحقاق؛ إذ لولا الاستحقاق لما كان هناك مورد للامتنان خصوصاً في الروايات التي عبّرت بتعبير (جعل لآدم)؛ فإنّها صريحة في الامتنان.
نعم، قد تدلّ الرواية الأخيرة على نفي الاستحقاق حيث جاء فيها التعبير بـ (أنّ الله عدل كريم ليس الجور من شأنه)، إلّا أنّ هذه الرواية بعد أن كانت تتكلّم عن نفي الجور إذن ليس جوّها جوّ الامتنان، وحينئذ يمكن حملها أو حمل هذا المقطع منها على نفي العقاب على المنوىّ فحسب دون النيّة، على أنّ سندها ضعيف بمسعدة بن صدقة الذي لا دليل على وثاقته عدا وروده في أسانيد كامل الزيارات، وهذا الدليل غير مقبول عندنا.
إن قلت: لابدّ أن نستفيد من هذه الروايات نفي الاستحقاق؛ لأنّ الإخبار القطعىّ عن نفي العقاب على رغم الاستحقاق يغري العبد، ويورّطه فيما يوجب استحقاق العقاب، وهذا لا يليق بشأن المعصومين(عليهم السلام)، إذن فحينما يخبرون عن عدم العقاب على شيء يكشف ذلك عن عدم استحقاق العقاب عليه؛ ولذا لو دلّ دليل على نفي العقاب على مشكوك الحرمة، كان ذلك دليلاً على البراءة الشرعيّة والترخيص الشرعىّ، ولو دلّ دليل على نفي العقاب على عمل كشرب التتن مثلاً، كان ذلك دليلاً على الإباحة الواقعيّة.
قلت: إنّ نفي العقاب على النيّة المنفصلة عن الفعل لا يغري العبد، ولا يحفزه على النيّة؛ لأنّ الناوي يهدف الوصول إلى الفعل المنويّ لا إلى النيّة بذاتها، ولا يعقل افتراض أنّ الناوي يبني حين النيّة على الاقتصار على النيّة دون الفعل، فالإخبار عن عدم العقاب على النيّة ليس أثره تحفيز العبد على نيّة الشرّ، بل أثره تحفيز من نوى الشرّ على تركه؛ إذ هو يعلم أنّه لو تركه لما عوقب على نيّته، وهذا شبيه بالإخبار عن عدم العقاب على الصغائر عند اجتناب الكبائر في قوله تعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ سورة النساء، الآية: 31 حيث لا يغري الناس إلى ارتكاب الصغائر بقدر ما يدفعهم إلى ترك الكبائر؛ إذ إنّ من يرتكب الصغيرة لا يستطيع أن يثق من نفسه بأنّه لن يبتلي بالكبيرة كي يعلم بتنجّز عدم العقاب.
هذا، وقد يقال: إنّنا نعلم بعدم استحقاق العقاب على النيّة سواء دلّت هذه الروايات على نفي الاستحقاق أو لا؛ ولذلك قد صرّح المحقّقون في المقام بأنّ سوء السريرة ما لم يبرز بمبرز لا عقاب عليه، وإنّما وقعالخلاف بينهم في استحقاق العقاب وعدمه عند ما يبرز سوء السريرة في ثوب التجرّي.
إلّا أنّ الصحيح هو: أنّ النيّة أمر زائد على سوء السريرة، فسوء السريرة محضاً يوجب استحقاق اللوم فحسب، أمّا النيّة وهمّ العبد بالمعصية، فهي لون من ألوان هتك المولى بلا إشكال، وهذا موجب عقلاً لاستحقاق العقاب.
الأمر الثاني: فيما قد يدّعى معارضته لروايات نفي العقاب على النيّة من قبيل:
1 ـ بعض الآيات كقوله تعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا ما في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ واللّه عَلى كُلِّ شَي ء قَديرٌ﴾سورة البقرة، الآية: 284.
إلّا أنّ هذه الآية لو دلّت على ما يخالف تلك الروايات، فإنّما تدلّ بالإطلاق في كلمة ﴿ما في أَنْفُسِكُمْ﴾، ولكن دلالتها ـ حتّى بالإطلاق ـ ممنوعة عندنا؛ إذ لم تدلّ الآية على أكثر من فعليّة الحساب دون فعليّة العقاب، نعم لو فرض أنّ تلك الروايات كانت تنفي الاستحقاق أيضاً، فمن المعقول أن يقال: إنّ فعليّة الحساب دليل على استحقاق العقاب، فيقع التعارض مثلاً.
وقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيْعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ في الدُّنْيا وَ الاْخِرَةِ وَاللَّه يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾سورة النور، الآية: 19.
ولعلّ من الواضح: أنّه لا ينبغي الجمود في فهم هذه الآية على المعنى اللفظيّ البحت لقوله: ﴿الَّذينَ يُحِبُّونَ...﴾، بل الظاهر: أنّ المقصود بهذا العنوان هو الإشارة إلى الذين يشيعون الفاحشة عن حبّ لإشاعتها لا عن مجرّد اللامبالات، كما يناسب ذلك قصّة الإفك على زوجة النبىّ(صلى الله عليه وآله) أو أمّ ولده والتي وردت هذه الآية في سياقها.
على أنّه حتّى لو جمدنا على حاقّ اللفظ، فالآية إنّما دلّت على العقاب على حبّ شياع الفاحشة، وهذا لا يستلزم العقاب على النيّة، أو الفعل المتجرّى به الصادر عن الإنسان بتسويل الشهوات النفسيّة، فكم فرق بين من يحاول معصية طلباً للذّة نفسيّة، وبين من يحبّ أصل صدور المعصية وتحقّقها ولو من الآخرين، فمثلاً: تارة يحاول إشاعة فاحشة ما على أساس ميل النفس إلى التكلّم عن واقعة تجلب النظر مثلاً، واُخرى يحبّ أصل شياع الفاحشة ولو من قبل الآخرين، ومن الواضح أنّ الثاني أشدّ حالاً من الأوّل، ولا يمكن التعدّي من الثاني ـ لو دلّ دليل على عقابه ـ إلى الأوّل.
ولا أراني بحاجة إلى البحث عن الجواب عن آيات اُخرى ربّما يتوهّم عدّها في سياق المعارض لتلك الروايات أيضاً، كقوله تعالى:﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾سورة آل عمران، الآية: 183 حيث نسب القتل إلى المخاطبين مع تأخّرهم عن القاتلين بكثير؛ لرضاهم بقتلهم، وقوله تعالى: تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً في الْأرْضِ وَ لا فَسَاداً﴾ سورة القصص، الآية: 83.
2 ـ روايات نيّة الكافر شرّ من عمله:
كرواية السكونىّ غير تامّة السند، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الكافر شرّ من عمله، وكلّ عامل يعمل على نيّته» الوسائل / الجزء 1 / الباب 6 / مقدّمة العبادات / الحديث 3 / ص 35.
ورواية الحسن بن الحسين الأنصارىّ عن بعض رجاله، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه كان يقول: «نيّة المؤمن أفضل من عمله؛ وذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه، ونيّة الكافر شرّ من عمله؛ وذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ، ويأمل من الشرّ ما لا يدركه» المصدر نفسه / الباب 6 / من مقدّمة العبادات / الحديث 17 / ص 38 ـ 39.
ورواية الفضيل بن يسار غير التامّة سنداً، عن أبي جعفر(عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام)، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «نيّة المؤمن أبلغ من عمله، وكذلك نيّة الفاجر» المصدر نفسه / الحديث 22 / ص 40.
وهذه الروايات إضافة إلى ضعف أسانيدها لاتدلّ ـ كما ترى ـ على العقاب على النيّة، فلعلّ المقصود ـ كما يظهر من بعضها ـ مجرد أنّ الكافر أو الفاجر ينوي ما هو أشدّ ممّا يعمل، وهذا أمر طبيعىّ.
3 ـ روايات أنّ من أسرّ سريرة يصيبه شرّها، من قبيل ما عن عمر بن يزيد بسند تامّ، قال: «إنّي لأتعشّى مع أبي عبد الله(عليه السلام) إذ تلا هذه الآية: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ * بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه﴾، ثُمّ قال: ما يصنع الإنسان أن يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بخلاف ما يعلم الله؟ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يقول: من أسرّ سريرة رداه الله رداها، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً» الوسائل / الجزء 1 / الباب 11 / مقدّمة العبادات / الحديث 5 / ص 48.
وما عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «ما من عبد يسرّ خيراً إلّا لم تذهب الأيّام حتّى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسرّ شرّاً إلّا لم تذهب الأيّام حتّى يظهر الله له شرّاً» الوسائل / الجزء 1 / الباب 7 / مقدّمة العبادات / الحديث 2 / ص 41.
وسند الحديث كما يلي: الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن صالح بن السندىّ، عن جعفر بن بشير عن علىّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، ولا يوجد في السند من يتوقّف لأجله عدا صالح بنالسندىّ الذي لم يرد توثيق بشأنه، ولا يفيد نقل عليّ بن إبراهيم عنه؛ فإنّ عبارة عليّ بن إبراهيم في مقدّمة تفسيره وهي قوله: «ونحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا من مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم...» لا تدلّ على أكثر من وثاقة من روى عنه في تفسيره، ولم يعلم ورود رواية له عن صالح بن السندىّ في تفسيره، ولم تدلّ على أنّه بشكل عامّ لايروي إلّا عن ثقة.
وما عن جرّاح المدائنىّ ـ والسند غير تامّ ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث «... ما من عبد أسرّ خيراً، فذهبت الأيّام أبداً حتّى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسرّ شرّاً، فذهبت الأيّام حتّى يظهر الله له شرّاً» الوسائل/ الجزء 1 / الباب 12 / مقدمّة العبادات / الحديث 6 / ص 52.
إلّا أنّ هذه الروايات ـ كما ترى ـ لا تدلّ على كون المقصود بالشرّ الذي سيلقاه العقاب الاُخروىّ، بل بعضها واضحة في إرادة أنّه سيصير إلى الشرّ في هذه الحياة. على أنّه قد تفسّر هذه الأخبار بأنّ المقصود أنّ من جعل ما هو عليه من الخير أو الشرّ مستوراً عن الناس، فسوف يبرزه الله للناس، فإن كان شرّاً، فضحه، وإن كان خيراً، رداه رداء الخير أمام الناس، وليس المقصود من الإسرار مجرّد النيّة.
4 ـ ما دلّ على أنّ السبب في خلود الخالدين في النار هو عزمهم على الاستمرار على العصيان إلى الأبد لو بقوا خالدين، كما ورد عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا: أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنّما خلّد أهل الجنّة في الجنة لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا: أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً، فبالنيّات خلّد هؤلاء وهؤلاء، ثُمّ تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾، قال: على نيّته» الوسائل / الجزء 1 / الباب 6 / من مقدّمة العبادات / الحديث 4 / ص 36.
إلّا أنّ هذا الحديث ضعيف سنداً، ويمكن توجيهه دلالة بأن يكون المقصود أنّ عقاب العاصي يناسب درجة خبثه، وآية شدّة خبث هؤلاء العصاة أنّهم كانوا عازمين على المكث على المعاصي أبد الآباد لو بقوا.
5 ـ ما دلّ على أن الراضي بفعل قوم شريك معهم من قبيل:
ما عن طلحة بن زيد ـ والسند غير تامّ ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم» الوسائل / الجزء 11 / الباب 80 / جهاد النفس / الحديث 1 / ص 345، والجزء 12 / الباب 42 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2 / ص 128. وبنفس المضمون جاء في الجزء 11 / الباب 5 من الأمر والنهي / الحديث 6 / ص 410. والسند ضعيف بمحمّد بن سنان. أمّا طلحة بن زيد، فيمكن توثيقه، إمّا بتعبير الشيخ عنه بقوله: (هو عامّيّ المذهب إلّا أنّ كتابه معتمد)، أو برواية صفوان بن يحيى عنه، أو بوقوعه في أسانيد كامل الزيارات وإن كان هذا الوجه غير صحيح عندنا.
وما عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة مرسلاً من قوله: «الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه، وعلى كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به» الوسائل / الجزء 11 الباب 5 / من الأمر والنهي / الحديث 12 / ص 411.
وما عن عبد السلام بن صالح الهرويّ بسند تام، قال: «قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق(عليه السلام)، قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين(عليه السلام) بفعال آبائها؟ فقال(عليه السلام): هو كذلك، فقلت: قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ما معناه؟ قال: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين(عليه السلام) يرضون بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنّ رجلاً قتل بالمشرق، فرضي بقتله رجل بالمغرب، لكان الراضي عند الله عزّ وجلّ شريك القاتل، وإنّما يقتلهم القائم(عليه السلام) إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم... الحديث» الوسائل / الجزء 11 / الباب 5 / من الأمر والنهي/ الحديث 4 / ص 401.
وما عنه بنفس السند عن الرضا(عليه السلام) قال: «قلت له: لأىّ علّة أغرق الله عزّ وجلّ الدنيا كلّها في زمن نوح(عليه السلام)، وفيهم الأطفال، ومن لا ذنب له؟ فقال: ما كان فيهم الأطفال؛ لأنّ الله عزّ وجلّ أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاماً، فانقطع نسلهم، فغرقوا ولا طفل فيهم، ما كان الله ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأمّا الباقون من قوم نوح، فاُغرقوا بتكذيبهم لنبىّ الله نوح(عليه السلام)، وسائرهم اُغرقوا برضاهم بتكذيب المكذّبين، ومن غاب عن أمر فرضي به، كان كمن شاهده وأتاه» الوسائل / الجزء 11 / الباب 5 / من الأمر والنهي / الحديث 5 / ص 410.
والجواب عن مثل هذه الروايات ما مضى في ذيل آية حبّ إشاعة الفاحشة: من أنّ العذاب على الحبّ والرضا بصدور الذنب عن قوم لا يلازم العذاب على النيّة أو التجرّي الصادر عن شخص على أساس إغراء نفسه له باللذّات.
لايقال: إنّ الرضا والحبّ أمر غير اختيارىّ، فكيف يعاقب عليه؟! فإنّه يقال: إنّه اختيارىّ بالواسطة بلحاظ أنّ الإنسان قادر على أن يربّي نفسه بجعلها في ضمن أحوال من المطالعات، أو التفكير، أو الإصغاء إلىوعظ الوعّاظ، أو مصاحبة الأخيار، أو غير ذلك بحيث لا يحصل له الرضا بعمل قوم فاسقين.
6 ـ ما عن زيد بن عليّ(عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سُنّة، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله؛ هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: لأنّه أراد قتلاً» الوسائل / الجزء 11 / الباب 67 / من جهاد العدوّ / الحديث الوحيد في الباب ص 113.
ولا يبعد أن يكون المفهوم عرفاً من قوله: «أراد قتلاً» هو ما ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله):من أنّه حاول القتل عملاً بمثل تجريد السيف عليه، لا مجرّد النيّة، وهذا ليس عقاباً على التجرّي، بل على فعل المعصية؛ فإنّ مثل هذه المحاولة حرام مستقلّ كحرمة سبّ المؤمن بغضّ النظر عن القتل.
هذا، والراوي لهذا الحديث عن زيد بن عليّ هو عمروبن خالد، ولا دليل على وثاقته عدا وقوعه في أسناد كامل الزيارات، ونحن لا نقول بكون ذلك توثيقاً، وتوثيق ابن فضّال له بناءً على نقل الكشيّ.
7 ـ ما عن أبي عروة السلمىّ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة» الوسائل / الجزء 1 / الباب 5 / من مقدّمة العبادات / الحديث 5 / ص 34.
إلّا أنّ سند الحديث ضعيف، على أنّه لو عارض روايات العفو عن النيّة، فإنّما يعارضها بالإطلاق، فليس المصداق الوحيد للحشر على النيّات العقاب على النيّة، فمن مصاديقه ـ أيضاً ـ تأثير النيّة المقترنة بالعمل في العمل وبالتالي في الحشر، فعمل واحد يؤتى بنيّتين مختلفتين: كنيّة التعبّد، ونيّة الرياء، ويصدق في ذلك أنّ الناس يحشرون على نيّاتهم.
8 ـ روايات العقاب على بعض مقدّمات الحرام من قبيل:
ما عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الخمر عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها» الوسائل / الجزء 17 / الباب 34 / من الأشربة المحرّمة / الحديث 1 / ص 300. وسند الحديث ضعيف بعمروبن شمر.
وما عن زيد بن عليّ، عن آبائه(عليهم السلام)، قال: «لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها ومشتريها، وساقيها، وآكل ثمنها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه» المصدر نفسه / الحديث 2. وفي السند عمروبن خالد الذي تقدّم الكلام عنه.
وما عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «إنّ الرجل ليأتي يوم القيامة ومعه قدر محجمة من دم، فيقول: والله ما قتلت ولا شركت في دم، فيقال: بلى ذكرت عبدي فلاناً فترقى ذلك حتّى قتل، فأصابك مندمه» الوسائل / الجزء 19 / الباب 2 / قصاص النفس / الحديث 1 / ص 8. وسند الحديث تامّ، وتوجد روايات عديدة بشأن من أعان على الدم مقاربة لهذا المضمون واردة في الوسائل / الجزء 19 / الباب 2 / من قصاص النفس.
والواقع: أنّ تحريم مقدّمة من مقدّمات الحرام من قبل الشريعة الإسلاميّة أمر معقول، وما يقال في علم الاُصول: من عدم حرمة مقدّمة الحرام إنّما يعني: أنّ حرمة الشيء لا تستلزم حرمة مقدّمته، ولا يعني: أنّ الشريعة الإسلاميّة لا تستطيع أن تحرّم مقدّمة من المقدّمات لأجل أخذ مزيد من الحيطة.
على أنّ روايات الإعانة على القتل واردة في المقدّمة الموصلة، فحتّى لو تعيّن حملها على العقاب على التجرّي، فالعقاب على التجرّي بإتيان مقدّمة موصلة لا يستلزم العقاب على التجرّي بالإتيان بأمر حلال بتخيّل كونه حراماً كما هو محلّ البحث؛ إذ إنّ من المحتمل كون انتهاء ذاك التجرّي إلى تفويت الغرض على المولى دون هذا التجرّي فارقاً في المقام.
الأمر الثالث: في أنّه هل هناك جمع عرفىّ بين الطائفتين لو تمّتا سنداً ودلالة، أو لا؟
ذهب الشيخ الأعظم (رضوان الله عليه) إلى أنّ كلتا الطائفتين وردتا في القصد، وذكر في مقام الجمع بينهما احتمالين:
الأوّل: حمل طائفة نفي العقاب على من ارتدع عن قصده بنفسه، وحمل طائفة العقاب على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره.
والثاني: حمل الاُولى على من اكتفى بمجرّد القصد، وحمل الثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات.
وكلا هذين الجمعين جمع تبرّعىّ بحاجة إلى شاهد فنّىّ، وقد يجعل الشاهد الفنّيّ لذلك حديثالقاتل والمقتول في النار: «... قيل يا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: لأنّه أراد قتلاً» بدعوى أنّ هذا الحديث نصّ في مورده، وهو فرض عدم الارتداع عن القصد إلى أن يحصل له العجز، فيخرج ذلك بالتخصيص عن أدلّة نفي العقاب، وبذلك تصبح أدلّة نفي العقاب أخصّ ببركة قاعدة انقلاب النسبة من أدلّة العقاب، فتخصّص بها، وينتج التفصيل الأوّل من التفصيلين اللذين احتملهما الشيخ الأعظم(رحمه الله).
أو بدعوى أنّ هذا الحديث نصّ في مورده، وهو الاشتغال ببعض المقدّمات، فتخصّص به أدلّة نفي العقاب، ثُمّ ببركة انقلاب النسبة تخصّص أدلّة العقاب بأدلّة النفي، فينتج التفصيل الثاني من التفصيلين، كما وقد تجعل روايات العقاب على بعض المقدّمات ـ أيضاً ـ شاهداً لهذا الجمع الثاني، ولعلّه إلى ذلك يشير الشيخ(رحمه الله) حيث يقول: «كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم حيث عمّمه بعض الأساطين لإعانة نفسه على الحرام، ولعلّه لتنقيح المناط لا بالدلالة اللفظيّة».
وقد يقال: إنّ هذه الطريقة تثبت اشتراط العقاب بكلا القيدين، لو اعتمدنا في مقام ذكر الشاهد على رواية (القاتل والمقتول)، فيقال: إنّ هذه الرواية نصّ في موردها، وتوجد في موردها خصوصيّتان: إحداهما: أنّه لم يرتدع عن الحرام إلى أن عجز، والثانية: أنّه اشتغل ببعض المقدّمات، أو قل: أبرز قصده بمبرز عملىّ، فروايات عدم العقاب تخصّص بهذا المقدار، فمن قارنت نيّته هاتين الخصوصيّتين يعاقب، وبفقدان إحدى الخصوصيّتين ينتفي العقاب ببركة روايات نفي العقاب التي هي أخص ـ بعد انقلاب النسبة ـ من روايات العقاب.
وأورد على ذلك اُستاذنا الشهيد(قدس سره) ـ بغضّ النظر عن عدم قبول كبرى انقلاب النسبة، وبغضّ النظر عن المناقشة الدلالية لرواية القاتل والمقتول؛ إذ إنّ الإرادة هنا لا تحمل على النيّة، بل على محاولة القتل بمثل الهجوم الذي هو محرّم شرعاً ـ أنّ مورد الحديث يحمل خصوصيّة ثالثة، فيجب أخذها ـ أيضاً ـ بعين الاعتبار، وهي: اقتران النيّة بعمل محرّم في ذاته، وهو محاولة القتل بمثل الهجوم بالسيف.
وذكر الاُستاذ الشهيد(رحمه الله) وجهاً آخر للجمع بين الطائفتين ـ بعد فرض ورودهما في مورد التجرّي وتعارضهما ـ وهو: حمل أدلّة النفي على نفي فعليّة العقاب، وأدلّة الإثبات على إثبات استحقاق العقاب؛ وذلك لأنّ أدلّة النفي نصّ في نفي الفعليّة، وظاهرة في نفي الاستحقاق (لو لم نقلّ: إنّ كلّها أو جلّها تدلّ على نفي الفعليّة فقط)، وأدلّة الإثبات نصّ في إثبات الاستحقاق، وظاهرة في إثبات الفعليّة (لو لم نقل: إنّ كلّها أو جلّها تثبت الاستحقاق فقط)، فترفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر. وإنّما لا نجمع بين الأمر والنهي بجمع من هذا القبيل بحمل كلّ منهما على مجرّد الجواز لنصوصيّة كلّ منهما في الجواز في جانبه وظهوره في الإلزام؛ لأنّ تحليل الأمر والنهي إلى الجواز والإلزام تحليل عقلىّ، بخلاف ما نحن فيه.
أقول: إنّ روايات العقاب فيها ما هو نصّ في فعليّة العقاب كرواية تعليل خلود الخالد في النار بنيّة الاستمرار، وفيها ما لا يتلائم مع الوعد الجزمىّ بالعفو، كرواية القاتل والمقتول في النار، وروايات لعن الغارس والعاصر، وغير ذلك.
الأمر الرابع: في مدى إمكانيّة شمول دليل الحجّيّة لروايات العقاب، أو نفي العقاب في المقام:
إن كان الدليل يثبت أو ينفي فعليّة العقاب مع علمنا بالاستحقاق، فلا يعقل تنجيز أو تعذير زائد؛ كي نتعقّل الحجّيّة.
وإن كان الدليل يثبت أو ينفي الاستحقاق، وكان ذلك كاشفاً عن ثبوت الحكم الإلزامىّ وعدمه، فلا شكّ في الحجّيّة.
وإن كان الدليل يثبت الاستحقاق، ولم نجعل ذلك كاشفاً عن ثبوت الحكم الإلزامىّ، أو كان ينفي الاستحقاق، وكنّا نعلم من قبل بعدم الحكم الإلزامىّ، بدعوى استحالة الحكم في سلسلة معلولات الأحكام مثلاً، فلا معنىً ـ أيضاً ـ للحجّيّة؛ وذلك لأنّ روح الحجّيّة عبارة عن التنجيز والتعذير. والاستحقاق بواقعه يساوق التنجيز، وعدمه بواقعه يساوق التعذير، إذن فالتنجيز والتعذير هنا يدوران مدار الواقع، ولا معنىً للحجّيّة الظاهريّة.
', 253), (21, 254, 'book', '
$
', '', 254), (21, 255, 'book', '$
', '', 255), (21, 256, 'book', '$
', '', 256), (21, 257, 'book', '$
', '', 257), (21, 258, 'book', '$
', '', 258), (21, 259, 'book', '$
', '', 259), (21, 260, 'book', '$
', '', 260), (21, 261, 'book', 'قبح الفعل المتجرّى به
المقام الثاني: قبح الفعل المتجرّى به وعدمه. وهناك جهتان من البحث:
إحداهما: في مقابل الشيخ الأعظم(قدس سره) المنكر للقبح، وأنّه لا يوجد في المقام شيء عدا سوء سريرة العبد لا قبح فعله.
والثانية: في قبال المحقّق النائينىّ(رحمه الله) الذي سلّم بالقبح على ما في تقرير المحقّق الكاظمىّ(رحمه الله)، وقال: إنّه قبح فاعلىّ، وليس قبحاً فعليّاً.
مع المنكرين للقبح
أمّا الجهة الاُولى: فتحقيق الكلام في ذلك: أنّ في موارد استحقاق المولى ـ عزّ اسمه ـ على عبده الطاعة عنصرين: عنصر الحكم الإلزامىّ، وعنصر الوصول بمرتبة من مراتب الوصول المنجّزة. فما هو مصبّ حقّ الطاعة من هذين العنصرين؟
يبدو أوّل وهلة في النظر أربعة احتمالات:
1 ـ أن يكون مصبّه العنصر الأوّل، بمعنى: أنّ من حقّ المولى على العباد إطاعة حكمه الإلزامىّ سواء وصل أو لا.
2 ـ أن يكون مصبّه العنصر الثاني، بمعنى: أنّ من حقّ المولى على العباد إطاعة ما وصل إليهم من حكمه ولو كان الوصول خاطئاً: بأن لم يكن هناك حكم إلزامىّ في الواقع.
3 ـ أن يكون مصبّه مجموع العنصرين، أو قل: الحكم الواقعىّ الواصل.
4 ـ أن يكون مصبّه كلا العنصرين، أي: إنّ صدور الحكم وحده موجب لحقّ الطاعة ولو لم يصل، والوصول وحده موجب لحقّ الطاعة ولو لم يطابق الواقع.
$
', '', 261), (21, 262, 'book', 'ويمكن حصر الأمر بعد شيء من التأمّل في احتمالين: الثاني والثالث؛ وذلك بأن يقال: ما معنى كون العنصر الأوّل وهو صدور الحكم بلا وصول كافياً لتنجّز حقّ الطاعة؟ إن قصد بذلك أنّ ثبوت الحكم واقعاً حتّى مع العلم بالخلاف يوجب الطاعة على العبد، فهذا بديهىّ البطلان، وإن قصد بذلك أنّ صدوره عند وصوله الاحتمالىّ يوجب الطاعة، فهذا بناءً على الإيمان بقاعدة قبح العقاب بلا بيان باطل، وبناءً على عدم الإيمان بها راجع إلى الاحتمال الثالث؛ إذ معناه كون مصبّ الطاعة صدور الحكم مع مرتبة من الوصول منجّزة منضمّاً إلى الإيمان بأنّ مرتبة الوصول الاحتمالىّ منجّزة كما هو المفروض بناءً على إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان. إذن فالعنصر الأوّل وحده لا يمكن أن يكون مصبّاً لحقّ الطاعة، وبهذا يسقط الاحتمال الأوّل والرابع.
وبإمكانك أن تقول في مقام التعليق على الاحتمال الرابع: إنّه لو قصد بذلك أن يكون للمولى حقّان: حقّ امتثال الواقع ولو لم يصل، وحقّ امتثال الواصل ولو لم يطابق الواقع، لزم من ذلك اجتماع حقّين للمولى في فرض ثبوت الواقع مع الوصول، وكون العاصي ـ عندئذ ـ معاقباً بعقابين، وهذا غير محتمل(1).
ولو قصد بذلك أنّ للمولى حقّاً واحداً له عرض عريض: بأن يكون حقّ المولى هو الجامع بين الأمرين بناءً على تصوير الجامع بينهما.
قلنا ـ بعد وضوح ضرورة استثناء الواقع المقطوع بخلافه لبداهة عدم استحقاق الطاعة فيه ـ: إنّ ثبوت حقّ الطاعة في الواقع ولو لم يصل ـ بشرط عدم القطع بالخلاف ـ وفي الواصل ولو كان على خلاف الواقع مرجعه إلى الاحتمال الثاني، وهو كون مصبّ حقّ الطاعة هو الحكم الواصل بمرتبة التنجيز ولو كان على خلاف الواقع مع توسيع دائرة الوصول المنجّز بحيث يشمل الوصول الاحتمالىّ.
وعلى أىّ حال، فإذا دار الأمر بين احتمالين وهما الثاني والثالث، فقد يقال: إنّ الصحيح هو الاحتمال الثالث، بمعنى: أنّ حقّ الطاعة للمولى تعلّق بحكمه الواقعىّ الواصل
', '(1) سيأتي في أوّل تعليق نذكره بعد هذا ما يكون تعليقاً على هذا الكلام.
', 262), (21, 263, 'book', '
بمرتبة من مراتب الوصول، ولا حقّ له حينما لا يوجد حكم في الواقع، وذلك قياساً لحقّ المولى بسائر حقوق الناس، فكما أنّ من الواضح في حقّ الملكيّة الذي هو حقّ عقلائىّ، وحقّ عدم الإيذاء والقتل مثلاً: أنّ من تصرّف فيما اعتقد كونه ملكاً لزيد، ثُمّ تبيّن أنّه كان مملوكاً له، ولم يكن ملك زيد، أو قتل من اعتقد زيداً، ثُمّ تبيّن أنّه شخص آخر مهدور الدم مثلاً، لم يصدر عنه ما يهدر حقّاً من حقوق زيد إطلاقاً، ولم يكن ظالماً له. فحقّ زيد يدور مدار واقع ملكه، أو واقع حياته، وليس من حقّه ترك التصرّف فيما اعتقدنا خطأً أنّه ملكه، أو ترك قتل من اعتقدنا خطأً أنّه هو، فكذلك الحال بالنسبة إلى المولى تعالى، فحقّه يدور مدار واقع حكمه بشرط الوصول بمرتبة من المراتب. أمّا إذا لم يكن حكم في الواقع، وكان الوصول خطاءً محضاً، فليس له حقّ الطاعة، وبهذا يثبت أنّ الفعل المتجرّى به ليس قبيحاً.
ولكن الواقع: أنّ الصحيح هو الاحتمال الثاني، وليس الثالث، وأنّ قياس المقام بالحقوق الاُخرى قياس مع الفارق؛ وذلك لأنّ حقّ طاعة المولى ليس بملاك غرض المولى وحاجة يحتاجها بنحو يقبل انكشاف الخلاف نظير ما بين الناس من الحقوق، بل إنّما هو بملاك احترام المولى وإجلاله وعدم التوهين بشأنه، والمعصية والتجرّي متساويان في مرتبة مخالفة الاحترام، وعليه فمصبّ حقّ الطاعة إنّما هو الحكم الواصل بمرتبة منجّزة سواء كان ثابتاً في الواقع أو لا، فالتجرّي قبيح كالمعصية(1).
$
', '(1) أقول لا إشكال في أنّ أمر المولى ينشأ من غرض ما، وعندئذ لا يبعد القول بأنّ العقل يحكم بأنّ للمولى حقّ تحقيق غرضه كما أنّ له حقّ الاحترام. وفي مورد المعصيّة قد خولف كلا الحقّين، وفي مورد التجرّي خولف حقّ واحد، وهو حقّ الاحترام.
وبكلمة اُخرى: أنّ العنصر الثاني وهو مجرّد الوصول ولو خطأً مصبّ لحقّ الطاعة بملاك الاحترام، والعنصر الأوّل وهو عنصر الحكم الإلزامىّ بشرط مستوى من مستويات الوصول مصبّ لحقّ الطاعة بملاك تحصيل غرض المولى.
وبتعبير آخر: أنّ الاحتمال الثاني والثالث كلّ منهما مستقلّاً وبعنوانه صحيح. وما يلزم من ذلك من أشدّيّة العاصي من المتجرّي في استحقاق العقاب لا نتحاشى عنه، ولا نراه خلاف الوجدان، وإنّما الذي يكون خلاف الوجدان هو أشدّيّة وضع العاصي من المتجرّي أمام محكمة الوجدان وذمّ العقل، ونحن لا نقول بأنّ ذمّ المولى عقابه كي يسري حكم الوجدان بعدم كون العاصي أشدّ حالاً من المتجرّي في ذلك إلى مسألة العقاب.
ولايلزم ممّا ذكرناه من فرض حقّين للمولى ـ حقّ الاحترام، وحقّ تحصيل الطاعة بملاك تحصيل الغرض ـ أن يكون العاصي أشدّ حالاً أمام ذمّ العقل ولوم الوجدان كي يقال: إنّ هذا خلاف الوجدان.
وتوضيح ذلك: أنّ لوم الوجدان أو قل ذمّ العقل لا يتبع الحقّ الواقعىّ لشخص ما، بل هو تابع لوصول الحقّ ولو خطأً، فمن قتل شخصاً باعتقاده فلاناً من الناس الذي لا يجوز قتله، ثُمّ تبيّن له أنّ قتله كان حقّاً له؛ لأنّ المقتول كان قاتلاً لأبيه، فكان من حقّه القصاص، فهذا الإنسان على الرغم من أنّه لم يخالف حقّاً واقعيّاً للمقتول يكون ملوماً لدى الوجدان حتّى بعد انكشاف الواقع؛ لأنّه حينما قتله كان يعتقد ولو خطاءً أنّه ليس من حقّه قتله، هذا ما ندّعيه بالوجدان، وليس بالإمكان إقامة برهان على ذلك.
وبناءً عليه يكون المتجرّي والعاصي متساويين أمام محكمة الوجدان على الرغم من أنّ العاصي خالف حقّين للمولى، والمتجرّي خالف حقّاً واحداً له؛ وذلك لأنّ المتجرّي حين التجرّي كان يعتقد أنّ عمله كان معصية للمولى ومخالفة لحقّ طاعة الحكم الواقعىّ له، فهو ملوم لدى الوجدان على هذا العمل لهذه النكتة حتّى بعد انكشاف الخلاف.
أمّا لو لم نقبل ملامة الوجدان لمن يخالف باعتقاده حقّ أحد بعد أن ينكشف خطأ الاعتقاد، وقلنا: إنّ الوجدان المطّلع على حقيقة الأمر لا يلوم هذا الإنسان، فلازم ذلك بناءً على ما اخترنا: من ثبوت حقّين للمولى ـ (حقّ الاحترام، وحقّ تحصيل الغرض المطلوب) ـ عدم مساواة العاصي والمتجرّي أمام محكمة الوجدان. وهذه النتيجة الواضحة البطلان قد تسرّب البطلان إليها من المقدّمة الاُولى، وهي إنكار ملامة الوجدان عند انكشاف عدم الحقّ واقعاً، لا من المقدّمة الثانية، وهي فرض تعلّق حقّ للمولى بتحصيل غرضه. وعلى تقدير عدم حكم الوجدان باللوم عند انكشاف عدم الحقّ لا يحكم الوجدان بمساواة العاصي والمتجرّي في الذمّ والملامة.
', 263), (21, 264, 'book', '
وما ذكرناه واضح بناءً على أنّ قبح المعصية ـ الثابت بنفس مولويّة المولى كما هو الحقّ، أو بقاعدة قبح الظلم كما هو مبنى القوم ـ أمر واقعىّ يدرك بالعقل العملىّ.
أمّا لو قلنا بأنّ قبحها حكم عقلائىّ مجعول من قبل العقلاء تحفّظاً على النظام الاجتماعىّ، ولا واقع لباب الحسن والقبح وراء جعل العقلاء التابع لما يرونه من مصالح ومفاسد، فالالتزام بثبوت هذا الحكم العقلائىّ قد يرد عليه ما مضى في مسألة الحرمة: من إشكال عدم المحرّكيّة، أي: إنّ هذا الإشكال لو تمّ هناك تمّ هنا أيضاً، فيقال: إنّ المتجرّي الذي يعتقد كون عمله معصية وقبيحاً عند العقلاء لو لم يردعه هذا القبح المعتقد لا يردعه قبح التجرّي المفروض جعله من قبل العقلاء.
ومن هنا ظهر ما في كلام المحقّق الإصفهانىّ (رحمه الله) حيث يرى في بحث الحرمة أنّ حرمة التجرّي لغو؛ لعدم المحرّكيّة؛ إذ من لم تردعه حرمة الفعل التي اعتقد بها خطأً لا تردعه
', '', 264), (21, 265, 'book', 'حرمة التجرّي، ومع ذلك التزم في المقام بقبح التجرّي على الرغم من أنّه يرجع باب الحسن والقبح إلى المجعولات العقلائيّة.
ودليله على إرجاع باب الحسن والقبح إلى المجعولات العقلائيّة، واعتبارهما من المشهورات لا من الضرورات العقليّة: أنّ الضرورات العقليّة منحصرة في ستّة اُمور: الأوّليّات: وهي التي يكفي تصوّر طرفيها مع تصوّر النسبة بينهما في الجزم بها كقولنا: الكلّ أعظم من الجزء. والفطريات: وهي الّتي قياسها معها كقولنا: الأربعة زوج، فهذا الكلام قياسه معه، وهو كون الأربعة منقسمة إلى متساويين. والمتواترات: وهي القضايا المخبر بها بأخبار كثيرة حسيّة توجب القطع كقولنا مكة موجودة. والحسيّات، والتجريبيّات، والحدسيّات، في حين أنّ حسن العدل وقبح الظلم ليسا من الأوليّات؛ لأنّ تصوّر الطرفين مع النسبة لا يكفي في الجزم ولا من الفطريّات؛ إذ ليس معها قياس يدلّ عليها، ولا من المتواترات؛ إذ ليس مصدر العلم بها إخبارات حسيّة كثيرة، ولا من المحسوسات، أو التجريبيّات، أو الحدسيّات كما هو واضح، إذن ليس الحسن والقبح من الضروريّات(1).
ويرد عليه: أنّ انحصار الضروريّات في هذه الاُمور الستّة ليس داخلاً في هذه الاُمور؛ إذ ليس هو أوّليّاً؛ لعدم كفاية تصوّر طرفيه مع تصوّر النسبة للجزم به، ولا فطريّاً؛ لعدم كون قياسه معه، ولا متواتراً؛ لعدم إخبار جماعة كثيرة به عن حسّ، ولا من المحسوسات، أو التجريبيّات أو الحدسيّات كما هو واضح. وإنّما هو حكم استقرائىّ. وهذا الاستقراء موقوف على تسليم عدم كون باب حسن العدل وقبح الظلم ـ مثلاً ـ من الضروريّات العقليّة، إذن فلا يمكن الاستدلال على عدم ضروريّة الحسن والقبح بعدم دخولها في الضروريّات الستّ؛ فإنّ هذا البرهان دورىّ(2).
$
', '(1) راجع نهاية الدراية ج 2 ص 8.
(2) بإمكان المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) أن يقول: إنّ ضروريّة القضيّة إمّا أن تكون بمعنى كفاية تصوّر أطرافها للتصديق بها، أو بمعنى وضوح برهانها بحيث تعتبر القضيّة قياسها معها، والحسّيّات والتجريبيّات والمتواترات والحدسيّات كلّها راجعة إلى ما يكون قياسه معه. والقياس المتدخّل في هذه الاُمور هو ما يعتقدون به من قانون: أنّ الصدفة لا تكون أكثريّة، وبما أنّ حسن الشيء أو قبحه ليس من الاُمور التي يكفي تصوّر أطرافها للتصديق بها، ولا نمتلك قياساً حاضراً معه، فلا محالة نحتاج إلى برهان خارجىّ عليه.
فإن لم يكن في المقام برهان من هذا القبيل، فلا محالة نذهب إلى القول بأنّ الحسن والقبح من القضايا المشهورة لا اليقينيّة. فإن كان هذا هو واقع مقصود المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله)، لم يرد عليه الإشكال بكون حصر الضروريّة في الاُمور الستّة ليس من الاُمور الستّة. نعم، يرد عليه: منع عدم كون الحسن والقبح في كثير من الاُمور من الأوّليّات.
فصحيح أنّنا لا نقبل قانون حسن العدل وقبح الظلم؛ لرجوعهما إلى القضيّة بشرط المحمول، ولكنّا نرى أنّ حسن كثير من الاُمور وقبح كثير منها من الأوّليّات، أي: إنّه يكفي تصوّر الأطراف للجزم بالحسن والقبح وإن أنكره بعض الناس؛ لشبهة حصلت له، أو لما ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) خارج الدرس: من أنّ بالإمكان ثبوتاً أن تكون في الإنسان قوّة تسمّى بالعقل العملىّ تدرك بعض الأشياء كقبح الظلم، ولكنّها بحاجة إلى إعدادات ومقدّمات لابدّ من طيّها كي توجد تلك القوّة المدركة، كما في الحواس الظاهريّة المدركة لبعض الأشياء الحاصلة بعد استكمال النطفة للإعدادات والمقدّمات.
', 265), (21, 266, 'book', '
وعلى أىّ حال، فالصحيح هو كون قبح مخالفة المولى ثابتاً بنفس مولويّة المولى، وكونه أمراً واقعيّاً يدركه العقل، وليس حكماً مجعولاً للعقلاء. وعليه فلا إشكال في أنّ الفعل المتجرّى به قبيح بعنوانه الثانوىّ، وهو التجرّي بالبيان الذي عرفت.
بقي الكلام فيما استدلّ به المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) على عدم قبح الفعل المتجرّى به حيث ذكر لذلك وجوهاً ثلاثة برهانيّة ووجهاً آخر وجدانيّاً، ويمكن صياغته بشكل فنّيّ، فهذه وجوه أربعة:
الوجه الأوّل: أنّ الحسن والقبح من صفات الأفعال الاختياريّة، والمتجرّي لم يصدر عنه فعل اختيارىّ قابل للتوصيف بالقبح؛ فإنّ العنوان الذي يتصوّر في المقام كونه منشأً للقبح هو عنوان شرب مقطوع الحرمة مثلاً، ولكنّه لم يكن مريداً لهذا العنوان، فهذا العنوان ليس اختياريّاً له.
والجواب عن ذلك ما حقّقناه في بحث الطلب والإرادة: من أنّ اختياريّة الفعل ـ بالمعنى الذي يكون موضوعاً للأحكام العقليّة من الحسن والقبح واستحقاق الثواب والعقاب وغير ذلك ـ ليس هو تعلّق الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد، بل هو السلطنة، بمعنى: أنّ له أن يفعل وله أن لا يفعل، وهي متقوّمة بالقدرة والالتفات.
فإذا حصلت القدرة والالتفات، فقد تحقّق الاختيار، وهما حاصلان في المقام. أمّا
', '', 266), (21, 267, 'book', 'الإرادة فلا دخل لها في الاختيار. نعم، لو سمّيت الإرادة اختياراً كمصطلح، لانناقش في ذلك، فلامشاحّة في الاصطلاح، ولكن المهم أنّ مناط الأحكام العقليّة ـ كالحسن والقبح، أو استحقاق المدح والذم ـ هو الاختيار المتقوّم بالقدرة والالتفات، أمّا الإرادة فهي أجنبيّة عنه على ما برهنّا عليه في بحث الطلب والإرادة.
وقد أورد المحقّق الإصفهانىّ (رحمه الله) نقضين على دخل إراديّة الفعل في الاختيار، وأجاب عنهما(1):
النقض الأوّل: أنّه لو شرب الخمر عالماً، لكن لا للشوق إلى شرب الخمر، بل بقصد التبريد مثلاً، فهنا لا إشكال في قبح فعله، وكونه معاقباً على شرب الخمر، وصدور ذلك عنه اختياراً، في حين لم يكن هو مريداً لهذا العنوان ومشتاقاً إليه.
وأجاب عن ذلك بأنّ شرب الخمر أصبح مقدّمة للتبريد، ومن اشتاق إلى شيء اشتاق بالتبع إلى مقدّمته، فهو مريد لشرب الخمر.
وما نحن فيه ليس من هذا القبيل؛ فشوقه لم يكن متعلّقاً بشرب مقطوع الحرمة.
النقض الثاني: أنّه لو اشتاق إلى الجامع بين الحرام وغير الحرام كما لو احتاجت معدته إلى جامع المائع، فشرب الخمر عمداً لا بشوق منه وإرادة لهذا العنوان، بل بشوق منه وإرادة لشرب جامع المائع، فلا إشكال في قبح ما صدر عنه من شرب الخمر واختياريّته واستحقاقه للعقوبة عليه مع أنّ إرادته لم تتعلّق بذلك، وإنّما تعلّقت بشرب المائع. ولا يأتي على هذا النقض الجواب السابق؛ لانتفاء المقدّميّة في المقام.
وأجاب المحقّق الإصفهانىّ (رضوان الله عليه) عن ذلك بأنّه لو لم تتعلّق إرادته وشوقه بهذه الحصّة، لكان ترجيحها على حصّة اُخرى ترجيحاً بلامرجّح، وهو مستحيل، إذن هو يقصد الخصوصيّة ـ أيضاً ـ لا صرف الجامع.
وجواب المحقّق الإصفهانىّ عن النقض الأوّل في الحقيقة تصعيد لذاك النقض إلى مستوى النقض الثاني؛ إذ يثبت أنّ من قصد التبريد ـ مثلاً ـ قصد مقدّمته، ومقدّمته عبارة
', '(1) راجع نهاية الدراية ج 2 ص 9، 10.
', 267), (21, 268, 'book', '
عن الجامع بين شرب الخمر وشرب الماء، إذن فقد اشتاق إلى الجامع، واختار عملاً أحد فرديه. فإذا رجع النقض الأوّل إلى النقض الثاني، جاء جواب النقض الثاني.
وكلام المحقّق الإصفهانىّ في الجواب عن النقض الثاني إنّما يتمّ على مذهب الفلاسفة الذين طبّقوا قانون العلّة والمعلول على باب الأفعال الاختياريّة للفاعل.
ولو سلّمنا ذلك، أمكن ـ على رغم هذا ـ توجيه النقض إلى المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)بفرض أنّه إنّما اختار شرب الخمر لا لشوق إلى هذه الحصّة، بل لفقدان الحصّة الاُخرى، كما لو لم يكن لديه ماء، أو لمرجّح فيها يلازم هذا العنوان، كما لو كان الخمر في إناء نظيف، والماء في إناء وسخ، فقدّم شرب الخمر على شرب الماء؛ لنظافة الإناء على الرغم من أنّه لا اشتياق له إلى شرب الخمر، بل ربّما يكرهه، إذن فالنقض الثاني يتمّ إيراده على المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ولو بشيء من التعديل، وكذلك النقض الأوّل ـ أيضاً ـ يمكن إيراده بشيء من التعديل؛ وذلك لأنّ المفروض في النقض الأوّل كان عبارة عن كون العنوان المقصود حلالاً معلولاً للحرام، فأجاب عن النقض بأنّ الحرام مقصود مقدّمة وبالتبع، والآن لنفرض العكس: بأن كان العنوان المقصود حلالاً علّة للحرام، فليس الحرام مقصوداً لا بذاته ولا بالتبع؛ إذ ليس من اشتاق إلى العلّة فقد اشتاق إلى المعلول، ومثاله: ما لو أراد الشخص إنارة الكهرباء وسلكها متّصل بيد مؤمن، فإنارتها علّة لقتله، لكن المنير لا يقصد قتل المؤمن، وإنّما يقصد إنارة الكهرباء، وهو عالم بما يترتّب عليه من قتل المؤمن، فإنّه لا إشكال في ترتّب تمام آثار القتل الاختيارىّ عليه، في حين لم يكن الشوق متعلّقاً بذلك(1).
وقد يجاب عن كلّ هذه النقوض بدعوى أنّ إرادة أحد المتلازمين تلازم إرادة المتلازم الآخر، ففي كلّ موارد النقض قد أراد الحرام؛ لأنّه أراد ما يلازمه، وهذا بخلاف المقام؛ فإنّ
', '(1) أقول: إنّ النقض الثاني حتّى بعد تعديله يمكن الجواب عنه بما هو الحقّ عندنا وعند اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)كما ذكره في مبحث اجتماع الأمر والنهي: من أنّ حبّ الجامع يستلزم حبّ كلّ من الفردين على تقدير عدم الفرد الآخر، فهو حينما أحبّ جامع شرب المائع، ولم يكن كارهاً لشرب الخمر بدرجة تغلب هذا الحب ـ وإلّا لما كان يشرب حتّى لو لم يجد الماء ـ إذن فقد ثبت أنّه يحبّ تحقّق شرب الخمر على تقدير عدم تحقّق شرب الماء لأىّ سبب من الأسباب: من عدم وجدانه، أو وساخة الظرف، أو أىّ شيء آخر، إذن فقد صدر عنه عنوان شرب الخمر بالشوق والإرادة. نعم، النقض الأوّل بعد تعديله الذي مضى لا يرد عليه هذا الجواب.
', 268), (21, 269, 'book', '
عنوان مقطوع الحرمة لم يكن مراداً بذاته، ولا بلحاظ تلازمه مع المراد؛ فإنّ المراد كان هو شرب الخمر مثلاً، ولاإشكال في أنّ شرب الخمر ملازم لشرب مقطوع الحرمة، لكن تلك الحصّة من شرب مقطوع الحرمة الملازمة لشرب الخمر لم تتحقّق؛ لعدم تحقّق شرب الخمر، والحصّة التي تحقّقت لا تلازم شرب الخمر.
ويرد عليه: أنّ استلزام إرادة الشيء ـ بمعنى الشوق المؤكّد ـ لإرادة ما يلازمه ممّا لا يكون مقدّمة له ممنوع؛ فإنّ الإرادة إنّما تنشأ من ملاك في المراد، وذلك غير موجود في ملازمه. وليس حال الإرادة التكوينيّة في ذلك إلّا كحال الإرادة التشريعيّة التي أنكر صاحب الكفاية(رحمه الله) في المجلّد الأوّل من كفايته الملازمة فيها بين المتلازمين.
على أنّه لو تمّ هذا، فهو لا ينفع المحقّق الخراسانىّ في المقام، لا في موارد الشبهة الحكميّة، ولا في موارد الشبهة الموضوعيّة: ففي موارد الشبهة الحكميّة قد أراد ما يلازم شرب مقطوع الحرمة، فمن شرب التتن قاطعاً بحرمته وهو غير محرّم واقعاً، فقد أراد شرب التتن الملازم لشرب مقطوع الحرمة، فبناءً على التلازم في الإرادة بين المتلازمين قد أراد شرب مقطوع الحرمة.
نعم، في الشبهة الموضوعيّة بناءً على عدم صدور فعل اختياريّ عنه أصلاً لم يرد ما يلازم شرب مقطوع الحرمة. أمّا لو سلّمنا بصدور فعل اختيارىّ عنه، فذاك الفعل الاختيارىّ أيّاً كان ملازم لشرب مقطوع الحرمة، إذن فتتوقّف تماميّة هذا الوجه لإثبات عدم قبح الفعل المتجرّى به على القول بعدم صدور فعل اختيارىّ عنه أصلاً، في حين قد جعل صاحب الكفاية دعوى عدم صدور فعل اختياريّ عنه أصلاً في الشبهات الموضوعيّة وجهاً مستقلّاً لإثبات عدم القبح منفصلاً عن هذا الوجه(1).
وهنا إشكال آخر يرد على المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)، وهو: أنّ برهانه الذي مضى لإثبات
', '(1) لم يذكر صاحب الكفاية(رحمه الله) ذلك كوجه مستقلّ لإثبات عدم قبح الفعل المتجرّى به، وإنّما ذكره في سياق آخر وإن أمكننا صوغ برهان منه على مدّعاه من عدم القبح. فالاُولى في تتميم الإشكال في المقام على صاحب الكفاية بلحاظ الشبهات الموضوعيّة إنّما هو الإصرار على صدور فعل اختيارىّ عنه على رغم كون الشبهة موضوعيّة على ما سيتّضح ـ إن شاء الله ـ في بحث الوجه الثالث من وجوه إثبات عدم قبح الفعل المتجرّى به.
', 269), (21, 270, 'book', '
عدم قبح الفعل المتجرّى به (من أنّه لم يرد شرب مقطوع الحرمة) أخصّ من المدّعى؛ إذ قد يتّفق للشارب الشوق إلى شرب مقطوع الحرمة أيضاً.
الوجه الثاني: ما جعله المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) وجهاً غالبيّاً: وهو أنّ القاطع لا يلتفت غالباً إلّا إلى الواقع الذي قطع به، وأراده بعنوانه، أمّا عنوان كونه مقطوع الحرمة، فهو عنوان آلىّ، وغير ملتفت إليه غالباً، فكيف يكون موجباً للقبح؟!
وأورد المحقّق النائينىّ(رحمه الله) على ذلك النقض بالقطع الموضوعىّ؛ فإنّ المحقّق الخراسانىّ(قدس سره)يعترف بأنّ القطع قد يقع موضوعاً لحكم شرعىّ، في حين لو كان القطع ممّا لا يلتفت إليه، لما صحّ جعله موضوعاً لحكم شرعيّ؛ لأنّ الحكم على ما لا يلتفت إليه لا يمكن وصوله، فيلغو.
ويرد عليه: أنّ المحقّق الخراسانىّ لم ينكر عدم إمكانيّة الالتفات المستقلّ إلى القطع، فهو يعترف بإمكانيّة الالتفات الاستقلالىّ إليه؛ ولذا قيّد عدم الالتفات بقيد الغالب. ومقصوده(رحمه الله): أنّ القاطع يكون همّه وغرضه كامناً بحسب الغالب في المقطوع به، وعندئذ لا يلتفت غالباً إلى قطعه بالاستقلال، وإنّما يراه رؤية آليّة للوصول إلى المقطوع به. وأمّا إذا اُخذ القطع موضوعاً لحكم، فلا إشكال في أنّه حينما يلتفت إلى ذلك الحكم يلتفت إلى قطعه بالاستقلال؛ فإنّ هذا القطع ليس طريقاً إلى ما يريد امتثاله من الحكم كي لا يراه إلّا آليّاً، بل هو موضوع له، فيلتفت إليه استقلالاً.
ويرد على المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله):
أوّلاً: أنّ الالتفات الإجمالىّ الآلىّ كاف في اختياريّة الفعل. والقاطع إن لم يكن ملتفتاً بالاستقلال إلى قطعه، فلا إشكال في التفاته إليه آليّاً.
وثانياً: أنّ العنوان المدّعى قبحه في المقام ليس هو شرب مقطوع الخمريّة، كي يقال: إنّ هذا القطع طريقىّ لا يلتفت إليه غالباً بالاستقلال؛ لأنّ همّ القاطع وغرضه كامن في المقطوع به، وهو شرب الخمر، فلا يلتفت عادة إلى قطعه إلّا آليّاً، بل العنوان المدّعى قبحه هو شرب مقطوع الحرمة، وغرض الشارب ـ في غير فرض نادر ـ ليس متعلّقاً بشرب الحرام من حيث هو حرام حتّى يكون القطع طريقاً إلى غرضه، بل غرضه متعلّق بشرب
', '', 270), (21, 271, 'book', 'الخمر الذي قد يلتفت إلى القطع بحرمته مستقلّاً؛ كي يتّخذ تصميمه أمام الرادعيّة العقليّة لذلك، لكي يرتدع أو لا يرتدع بذلك.
الوجه الثالث: ما يكون مختصّاً بالشبهات الموضوعيّة: وهو أنّه في فرض الشبهة الموضوعيّة لم يصدر عنه فعل اختيارىّ أصلاً؛ فإنّ من شرب مائعاً قاصداً لشرب الخمر، وكان في الواقع ماءً، فما صدر عنه من شرب الماء لم يكن مقصوداً بحسب الفرض، وما قصده من شرب الخمر لم يصدر عنه، إذن لم يصدر عنه فعل اختيارىّ أصلاً (1). وهذا نظير ما لو رمى سهماً بقصد حيوان، فأخطأ السهم، وأصاب إنساناً، فلا يحكم عليه بحكم القتل العمدىّ، بل يحكم عليه بحكم القتل الخطئيّ.
وذكر المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) في حاشيته على الرسائل إشكالاً على هذا الوجه مع بيان جواب عنه:
أمّا الإشكال: فهو أنّه قد قصد الجامع بقصده للفرد؛ إذ يكفي في قصد الجامع قصد فرد منه، وقد وقع الجامع في الخارج؛ إذ يكفي في وقوعه وقوع فرد منه، إذن قد وقع ما قصده، وهو الجامع، فالجامع فعل اختيارىّ له.
$
', '(1) المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) أشار في كفايته إلى عدم صدور فعل اختياريّ عنه أصلاً في فرض الشبهة الموضوعيّة، لكنّه لم يظهر من عبارته جعل هذا برهاناً مستقلّاً على عدم قبح التجرّي.
وعلى أىّ حال، فالذي يبدوفي بادئ النظر أنّ جعل هذا برهاناً في مقابل البرهان الأوّل على عدم قبح الفعل ليس جيّداً؛ فإنّ المهمّ في المقام هو فرض عدم اختياريّة العنوان الذي يمكن أن يدّعى قبحه، وهو عنوان شرب معلوم الخمريّة، وهذا ما ركّز عليه في البرهان الأوّل. ولا يحتمل أحد أنّ مجرّد وجود عمل اختيارىّ ما كاف في قبح التجرّي؛ كي يبرهن على عدمه بالبرهنة على عدم وجود فعل اختيارىّ إطلاقاً.
نعم، قد يستظهر من عبارة صاحب الكفاية في تعليقته على الرسائل جعل هذا الوجه برهاناً مستقلّاً على نفي حرمة الفعل المتجرّى به شرعاً حيث برهن على ذلك أوّلاً بأنّ الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع الحرمة ليس اختياريّاً، ثُمّ قال بلحاظ الشبهة الموضوعيّة: (بل لا يكون اختياريّاً أصلاً)، وجعل هذا برهاناً مستقلّاً على عدم الحرمة الشرعيّة أمر معقول؛ إذ قد يخطر بالبال احتمال كون عنوان مقطوع الخمريّة حيثيّة تعليليّة لحرمة شرب الماء شرعاً مثلاً، فكون هذا العنوان غير اختيارىّ لا يكفي ـ عندئذ ـ للبرهان على عدم الحرمة، فيبرهن على ذلك بكون الفعل غير اختيارىّ بجميع عناوينه حتّى بعنوان شرب الماء مثلاً. أمّا بالنسبة إلى القبح، فلامجال لاحتمال كون العنوان الدخيل في موضوعه ـ وهو عنوان شرب مقطوع الخمريّة ـ حيثيّة تعليليّة، فإن كان دخيلاً، فإنّما هو بنحو التقييد والموضوعيّة، وقد فرضناه غير اختياريّ، وبه ينتفي القبح. أمّا عدم اختياريّة الفعل بسائر عناوينه، فلا دخل له في القبح وعدمه.
', 271), (21, 272, 'book', '
أقول: الجامع المتصوّر في المقام أحد اُمور ثلاثة:
الأوّل: عنوان شرب المائع الذي يكون مقصوداً في الضمن بلاشكّ؛ إذ المائعيّة داخلة في ماهيّة الخمر.
والثاني: عنوان التجرّي بمعناه الأعمّ الثابت في المعصية الحقيقيّة: وهو الهتك والإساءة.
والثالث: عنوان شرب مقطوع الخمريّة، أو مقطوع الحرمة، ونحو ذلك ممّا لا يكون داخلاً في ماهيّة الخمر. والجامع الثاني والثالث ليسا ممّا لابدّ أن يكون مقصوداً في الضمن وإن أمكن فرض قصدهما.
هذا. والمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ذكر فيما نحن فيه في تصوير الجامع الأمر الأوّل والثاني دون الثالث.
وأمّا الجواب: فهو أنّ الجامع إنّما هو مراد في الضمن لا استقلالاً، فشرب المائع ـ مثلاً ـ إنّما يكون مراداً في ضمن إرادة شرب الخمر، ومقتضى قانون الإرادة الضمنيّة أنّ الإرادة لا تتعلّق بالجامع، إلّا في ضمن المراد المستقلّ.
أمّا الحصّة الاُخرى من الجامع، فليست متعلّقة للإرادة، فهذا الشخص إنّما أراد جامع شرب المائع، أو جامع التجرّي الموجود في ضمن شرب الخمر، والذي وقع هو حصّة اُخرى من الجامع.
وبهذا البيان اتّضح أنّه لو أبطلنا الوجه الأوّل، وأثبتنا أنّ شرب مقطوع الخمريّة مراد، بقي للمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) هذا الوجه؛ إذ يقال: صحيحٌ أنّ شرب مقطوع الخمريّة مراد في الضمن، لكن الحصّة المرادة منه التي هي في ضمن شرب الخمر لم تقع، والحصّة التي وقعت لم تقصد(1).
$
', '(1) لعلّ هذا إشارة إلى الجواب عمّا ذكرناه آنفاً: من أنّ جعل هذا الوجه برهاناً مستقلّاً على عدم القبح في مقابل البرهان الأوّل ليس جيداً، فيقال في الجواب عن ذلك: إنّ البرهان الأوّل إن فرض بطلانه للإيمان بتعلّق الإرادة بشرب مقطوع الخمريّة، يبقى البرهان الثالث ثابتاً على قوّته؛ لأنّه يثبت أنّ أيّ عنوان من العناوين الجامعة المتصوّرة في المقام لو سلّم تعلّق الإرادة به، فإنّما تعلّقت الإرادة بالحصّة التي هي في ضمن شرب الخمر، ولم توجد، ولم تتعلّق بالحصّة التي وجدت من الجامع.
ولكن سيأتي ـ إن شاء الله ـ أنّ هذا الكلام يكون روحه روح البرهان الأوّل لا الثالث، فانتظر.
', 272), (21, 273, 'book', '
ويرد عليه:
أوّلا: النقض بالمعصية الحقيقيّة عند إرادة فرد من الجامع ووقوع فرد آخر منه، كما لو أراد شرب الخمر المتّخذ من الزبيب، ثُمّ تبيّن أنّ ما شربه كان متّخذاً من العنب، وكما لو أراد شرب الخمر الواقع في الساعة العاشرة من النهار، ثُمّ تبيّن وقوعه في الساعة التاسعة، ونحو ذلك من الفروض التي لا غبار على صدق عنوان القبيح على الفعل، واستحقاق العقاب عليه فيها وجداناً. ولا يمكن للمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)الالتزام بخلافه مع أنّ ما ذكره في المقام لو تمّ لجرى في هذه الفروض حرفاً بحرف، فيقال: إنّه إنّما قصد جامع المعصية في ضمن الفرد الذي لم يقع، والحصّة الواقعة منه غير مقصودة له.
وثانياً: أنّ ما ذكره لو تمّ فإنّما يتمّ بلحاظ شرب المائع دون الجامع الآخر، وهو عنوان التجرّي. وكان الأولى به أن ينكر انطباق عنوان التجرّي على هذا الفعل. أمّا ما فعله من تسليم انطباقه عليه مع تسليم أنّ هذا الفعل ليس قصديّاً، فهو جمع بين المتنافيين؛ لأنّ عنوان التجرّي والإهانة ليس من العناوين الواقعيّة للفعل التي يمكن انطباقها على الفعل من دون أن يكون الفعل قصديّاً كعنوان شرب المائع، بل هو في قبال عنوان التعظيم، وهما عنوانان قصديّان، وقوامهما بالقصد والإراده، فلا يعقل انطباقهما على فعل غير إرادىّ.
وحلّ المغالطة: أنّه تارة يفرض أنّ الميزان في اختياريّة الفعل كونه بنفسه مصبّاً للإرادة، واُخرى يفرض أنّ الميزان فيه كونه معلولاً لمحرّكيّة الإرادة وصادراً بتحريكها، فإن فرض الأوّل، تمّ ما ذكره من عدم صدور فعل اختياريّ عنه؛ إذ ما كان اختياريّاً لم يصدر، وما صدر لم يكن اختياريّاً. وأمّا إن فرض الثاني، فعدم كون ما صدر عنه اختياريّاً ممنوع؛ فإنّه صادر بمحرّكيّة الإرادة.
توضيح ذلك: أنّ الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد ـ دائماً ـ تتعلّق حقيقتها بالكلّي، وتحرّك الإنسان ـ بحسب الخارج ـ نحو الفرد بواسطة وصول انطباق ذاك الكلّي على هذا الفرد إليه بالعلم أو بغيره من أنحاء الوصول، وهذا الوصول يحرّكه نحو ذلك الفرد سواء كان مطابقاً للواقع أو لا(1).
$
', '(1) هذا كلّه بعد فرض التنزّل عمّا مضى: من أنّ المقياس في اختياريّة الفعل ليست هي الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد، بل هي السلطنة الموجودة في المقام حتماً.
وعلى أىّ حال، فهذا البيان من اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ـ وهو توضيح كفاية محركيّة الإرادة في اختياريّة الفعل ولو بواسطة وصول خاطئ للانطباق ـ قد أبطل البرهان الثالث؛ إذ أثبت أنّ الفعل الذي صدر عنه فعل اختيارىّ باعتباره صادراً عن إرادة عنوان اعتقد ـ ولو خطأً ـ انطباقه عليه، إذن فما صدر عنه من شرب الماء فعل اختيارىّ له، إلّا أنّ هذا البيان لم يبطل ما مضى من اُستاذنا الشهيد (رضوان الله عليه): من إمكان القول إنّه حتّى لو فرض بطلان البرهان الأوّل للإيمان بتعلّق الإرادة بعنوان شرب مقطوع الخمريّة أو مقطوع الحرمة، بقيت للمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) البرهنة على المقصود بأنّ الإرادة تعلّقت بتلك الحصّة من شرب مقطوع الخمريّة، أو الحرمة التي هي في ضمن شرب الخمر ولم تحصل، والحصّة التي حصلت من هذا العنوان لم تكن مقصودة، فهذا الكلام ـ كما ترى ـ باق على قوّته، على رغم هذا الجواب عن البرهان الثالث؛ فإنّ هذا الجواب غاية ما أثبت هو أنّ ذات الفعل الذي صدر عنه فعل إرادىّ، وليس هو إلّا ذات شرب الماء، أمّا عنوان شرب مقطوع الخمريّة أو الحرمة ـ تلك الحصّة التي تكون في ضمن شرب الماء ـ فليس مراداً حتماً؛ لأنّنا لو سلّمنا ـ مثلاً ـ أنّ إراديّة الفرد تجعل الجامع الذي في ضمنه إراديّاً ـ ولو لم يكن الجامع داخلاً في ماهيّة الفرد ـ فإنّما نسلّم ذلك في فرض الالتفات إلى ثبوت تلك الحصّة في ضمن الفرد، في حين هذا الفاعل لا يعتقد إلّا بوجود الحصّة الاُخرى، وهي الحصّة الموجودة في ضمن الخمر.
وهذا ينبّه إلى ما أردت أن أقوله: من أنّ ذاك الكلام ليس تصحيحاً للبرهان الثالث، وإنّما روحه روح البرهان الأوّل: وهو إثبات عدم إراديّة العنوان المدّعى قبحه، لا روح البرهان الثالث: وهو عدم صدور شيء عنه بالاختيار إطلاقاً، فلا تغفل.
', 273), (21, 274, 'book', '
الوجه الرابع: هو التمسّك بالوجدان؛ فإنّ الوجدان حاكم بأنّ العبد لو أنقذ غريقاً باعتقاد كونه عدوّاً للمولى، فتجرّى بإنقاذه، ثُمّ ظهر أنّه كان ابن المولى، كان ما تحقّق من إنقاذ الابن محبوباً للمولى.
وبيان هذا الوجه بتعبير فنّيّ هو: أنّه لو فرض قبح الفعل المتجرّى به، فإمّا أن يفرض انسلاخه من عنوانه الأوّليّ من المحبوبيّة للمولى، أو يفرض بقاؤه على ذلك العنوان. والأوّل خلاف الوجدان، والثاني جمع بين المتضادّين: بأن يكون هذا الفعل محبوباً وحسناً في حال كونه مبغوضاً وقبيحاً.
ويرد على هذا الوجه: أنّ هذا خلط بين باب الحسن والقبح وباب المصالح والمفاسد. فهذا الوجه إنّما يكون له مجال ـ وإن لم يصحّ أيضاً ـ لو قلنا: بأنّ الحسن والقبح في المقام من المجعولات العقلائيّة التابعة لملاكات المصالح والمفاسد، فتقع المزاحمة بين ملاك هذا الحكم وملاك محبوبيّة الفعل للمولى، ولا يعقل الجمع بين الحكم بقبحه ومحبوبيّته لدى المولى، أمّا بناءً على ما هو الصحيح: من كون حسن الطاعة وقبح المعصية للمولى أمرين واقعيّين كشفهما العقل، فلا مجال لادخالهما في باب مبادئ الحكم من المصلحة
', '', 274), (21, 275, 'book', 'والمفسدة والمحبوبيّة والمبغوضيّة. ولا تلازم بين محبوبيّة الفعل عند المولى وحسنه، ولا بين مبغوضيّته لديه وقبحه.
فقد يكون الفعل محبوباً للمولى؛ لما يشتمل عليه من مصالح كثيرة، لكنّه يقبح صدوره عن العبد؛ لكونه تجرّياً منه على المولى بسبب تشخيصه الخاطئ، وقد يكون مبغوضاً للمولى؛ لما يشتمل عليه من مفاسد كثيرة، ولكن يحسن صدوره عن العبد؛ لكونه انقياداً منه للمولى باعتبار ما وصله من الحكم الخاطئ.
مع القائلين بالقبح الفاعلىّ
وأمّا الجهة الثانية: وهي الكلام في كون قبح التجرّي فعليّاً أو فاعليّاً، فقد ذكر المحقّق النائينىّ(رحمه الله) (على ما في تقرير المحقّق الكاظمىّ): أنّ التجرّي قبيح بقبح فاعلىّ لا بقبح فعلي؛ فإنّ الفعل بنفسه ليس قبيحاً، وإنّما القبيح صدوره عن هذا الشخص.
وأمّا ما يستفاد من أجود التقريرات من تفسير القبح الفاعليّ بكشف الفعل عن سوء سريرة العبد، فهو يناسب إنكار قبح التجرّي رأساً كما صدر عن الشيخ الأعظم(قدس سره).
والتحقيق: أنّ افتراض كون الفعل غير قبيح، وإنّما القبيح هو صدوره عن هذا الشخص، إن قصد به أنّ هذا الفعل بعنوانه الأوّليّ ليس قبيحاً، وإنّما أصبح قبيحاً باعتبار صدوره عمّن اعتقد حرمته، فهذا عبارة اُخرى عن أنّ قبح هذا الفعل إنّما هو بعنوانه الثانوىّ، وهو التجرّي، لا بعنوانه الأوّليّ. وهذا ممّا لا غبار عليه، إلّا أنّ هذا ليس تصويراً لقبح فاعلىّ في قبال القبح الفعلىّ.
وإن اُريد بذلك أنّ القبيح ليس هو ذات الفعل، بل النسبة الثابتة بينه وبين الفاعل، ورد عليه ما حقّقنا في محلّه: من أنّ النسبة بين الفعل والفاعل والعلّة والمعلول ليست أمراً ثابتاً في الخارج، وإلّا لزم التسلسل، وإنّما هي أمر تصوّرىّ يرجع إلى تضييق المفهوم وتحصيصه، وأمّا في الخارج فليس هناك وجود ثالث غير وجود العلّة والمعلول أو الفعل والفاعل.
نعم، بالإمكان أن يقال ـ مع الاعتراف بأنّ القبيح دائماً هو الفعل ـ: إنّ مصدر القبح ومصبّه تارة يكون ذات الفعل بوصفه موجوداً من الموجودات تترتّب عليه آثار معيّنة
', '', 275), (21, 276, 'book', 'سيّئة، واُخرى يكون هذا الفعل بوصفه صادراً عن الإنسان لا بذاته بغضّ النظر عن حيثيّة الصدور.
والتفكيك بينهما أمر معقول، فمثلاً: كنس الشوارع بما هو هو حسن، وليس قبيحاً؛ إذ تترتّب عليه نظافة الشوارع، ولكن لو صدر عن شخصيّة محترمة لها مقام مخصوص، كان قبيحاً. فالأوّل هو القبح الفعلىّ، والثاني هو القبح الفاعلىّ.
وهذا الكلام يتوقّف تصويره على إرجاع باب الحسن والقبح إلى باب المصلحة والمفسدة.
أمّا بناءً على ما هو صحيح: من كونهما أمرين واقعيّين مدركين بالعقل العملىّ، وغير راجعين إلى باب المصلحة والمفسدة، فمصبّهما ـ دائماً ـ هو الفعل بلحاظ الصدور عن الفاعل المختار، لا ذات الفعل بغضّ النظر عن حيثيّة الصدور؛ فإنّ الفعل بغضّ النظر عن نسبته إلى الفاعل المختار لا يتّصف بالقبح أبداً، فقتل المؤمن الصادر عن الكهرباء ـ مثلاً ـ ليس قبيحاً، وإنّما يتّصف الفعل بالقبح باعتبار نسبته إلى الفاعل المختار.
نعم، قد يكون مطلق صدوره عن الفاعل المختار لا ضير فيه، وإنّما يصبح قبيحاً بعنوان مخصوص كعنوان التجرّي. وهذا هو الذي قلنا: إنّه راجع إلى كون القبح بعنوان ثانوىّ، لا إلى تصوير قبح فاعلىّ في مقابل القبح الفعلىّ. وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه:
أوّلاً: أنّ التقريب الموجود في تقرير المحقّق الكاظمىّ(رحمه الله) لتصوير قبح فاعلىّ في مقابل القبح الفعلىّ غير مقبول.
وثانياً: أنّ قبح الفعل لا يعقل تقسيمه إلى قبح فعلىّ بلحاظ ذات الفعل، وقبح فاعلىّ بلحاظ الصدور، إلّا بناءً على إرجاع باب الحسن والقبح إلى المصلحة والمفسدة، وإلّا فالقبح ـ دائماً ـ يكون بلحاظ الصدور.
بل نقول: إنّه حتّى بناءً على إرجاع ذلك إلى باب المصلحة والمفسدة لا يصحّ فرض كون القبح تارة فعليّاً واُخرى فاعليّاً (1).
$
', '(1) كأنّ مقصوده(رحمه الله) من فرض رجوع الحسن والقبح إلى باب المصلحة والمفسدة فرضهما مجعولين من قبل العقلاء بلحاظ المصلحة والمفسدة، وعندئذ يقال: إنّ تقسيم القبح إلى الفعلىّ والفاعلىّ غير صحيح حتّى بناءً على كونه جعليّاً؛ لأنّنا بما نحن عقلاء لا نشكّ في أنّ العقلاء لم يجعلوا قبحاً للفعل بغضّ النظر عن صدوره عن الفاعل المختار، وجعل العقلاء للحسن والقبح كان بحكمة الدفع والزجر، وكان خاصّاً بالصدور عن الفاعل المختار.
', 276), (21, 277, 'book', '
استحقاق المتجرّي للعقاب
المقام الثالث: استحقاق المتجرّي للعقاب وعدمه. والصحيح: هو استحقاق المتجرّي للعقاب كما يتّضح بالجمع بين أمرين مضى منّا بيانهما:
أحدهما: ما مضى من أنّ منجّزيّة القطع من الاُمور الواقعيّة المستكشفة بحكم العقل المدرك لحقّ المولويّة.
والثاني: ما بيّناه من أنّ التجرّي والمعصية متساويان في مخالفة حقّ المولى الذي هو عبارة عن حقّ الاحترام، فكلاهما في رتبة واحدة في مستوى الهتك وترك الاحترام(1)
', '(1) والواقع: أنّ استحقاق المتجرّي للعقاب وعدمه يترتّب على ما هو المختار في قبح الفعل المتجرّى به الذي مضى البحث عنه، فإن كان المبنى هو عدم القبح بمقتضى القواعد الأوّليّة، فمن الواضح أنّه لا مورد لاستحقاق العقاب بمقتضى تلك القواعد. ومن الغريب ما ذهب إليه صاحب الكفاية(رحمه الله): من الجمع بين إنكار قبح التجرّي والإيمان باستحقاق المتجرّي للعقاب، فهو يرى أنّ نفس سوء السريرة عند إبرازه بمبرز عملىّ يوجب استحقاق العقاب وإن كان قبل الإبراز لا يوجب إلّا اللوم، غفلة منه عن أنّ هذا يكشف عن قبح ذاك الإبراز.
وعلى أىّ حال، فلتبسيط الكلام شيئاً ما في مسألة استحقاق المتجرّي للعقاب نشير إلى عدّة مبان في قبح التجرّي:
المبنى الأوّل: أن يقال: إنّ حقّ المولى مرتبط بواقع التكليف، فلو لا التكليف لما كان له حقّ الامتثال، إذن فالمتجرّي لم يخالف حقّاً من حقوق المولى؛ فإنّ حقّ المولى عبارة عن حقّ تحقيق الغرض الذي كلّفنا به، وفي مورد التجرّي لا يوجد غرض كذلك، ولكن على رغم هذا نقول بقبح التجرّي على أساس أنّ القبح العقلىّ يدور مدار اعتقاد الفاعل بموضوع الحقّ ولو خطأً على رغم من أنّ فعليّة الحقّ تختصّ بفرض وصول موضوع الحقّ وصولاً مطابقاً للواقع.
وبناءً على هذا المبنى يثبت القبح، ولكن لا يثبت العقاب؛ لأنّ استحقاق العقاب إنّما يترتّب عقلاً على مخالفة حقّ من يعاقب، أمّا مجرّد القبح العقلىّ من دون مخالفة حقّ، فلا يوجب عدا استحقاق اللوم.
المبنى الثاني: أن نحصر القبح بدائرة مخالفة الحقّ واقعاً، ونوسع دائرة حقّ المولى بأن يقال: إنّ حقّ المولى عبارة عن حقّ الاحترام وعدم الهتك، ونسبة ذلك إلى موارد المعصية والتجرّي على حدّ سواء. وهذا هو مختار اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، ويترتّب على ذلك استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به.
المبنى الثالث: ما اخترناه من أنّه يوجد بالنسبة إلى المولى حقّان: حقّ تحصيل الغرض الذي كلّفنا به، وحقّ الاحترام. والحقّ الأوّل خاصّ بمورد المصادفة للواقع، والحقّ الثاني يعمّ موارد التجرّي، ويترتّب على ذلك استحقاق المتجرّي للعقاب بمستوىً أخفّ من العاصي على رغم تساوي التجرّي والمعصية في القبح بناءً على أنّ القبح يتبع اعتقاد الفاعل ولو خطأً.
المبنى الرابع: افتراض أنّ حقّ الامتثال ليس إلّا حقّاً عقلائيّاً لا عقليّاً، وبالتالي استحقاق العقاب ليس أمراً واقعيّاً يكشف عنه العقل، بل أمر يثبت بجعل العقلاء، أو بجعل الشارع.
وعلى هذا، فلا يمكن إثبات الاستحقاق في مورد التجرّي ببرهان أو وجدان، فمن المحتمل اختصاص جعل العقاب بفرض المعصية، والاقتصار في رادعيّة العقاب بالنسبة إلى موارد التجرّي على وصول الحكم إليه ولو خطأً، بل لو كان الحكم إليه بالقطع لا بغيره من المنجّزات، فجعل العقاب على التجرّي لا توجد فيه رادعيّة إضافيّة، وبالتالي ربّما لايبقى داع لجعل العقاب كما هو مشروح في المتن.
', 277), (21, 278, 'book', '
أمّا بناءً على عدم كون حقّ الطاعة أمراً واقعيّاً يدركه العقل، بل هو حكم عقلائىّ ـ كما عليه مشهور الفلاسفة، والمحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله)، وخلافاً لما عليه مشهور الاُصوليّين ـ فيشكل القول باستحقاق المتجرّي للعقاب؛ لأنّ المفروض أنّ استحقاقه للعقاب ليس ذاتيّاً، وإنّما هو بجعل الشارع، وجعل الشارع ليس بملاك التشفّي، وإنّما هو بملاك التحريك باعتبار أنّ غالبيّة الناس لا يعبدون الله بمجرّد جعل الحكم، ومن دون فرض خوف وطمع، فالله تعالى خلق الجنّة والنار، ووضع الثواب والعقاب تتميماً لتحريك العباد نحو الطاعة وترك المعصية.
والمتجرّي إذا كان الحكم قد تنجّز عليه بالقطع لا بغيره من المنجّزات، فلا فائدة بشأنه في جعل العقاب عليه؛ إذ هو لا يحتمل كونه متجرّياً، ويقطع بكونه عاصياً، ولا مجال لجعل عقاب آخر على الجامع بين العصيان والتجرّي؛ إذ يكفي عن هذا الجعل جعل ذاك العقاب على خصوص العاصي. ولا فرق بالنسبة إلى المولى بين هذا الجعل وجعل العقاب على الجامع، وبعد فرض عدم التشفّي في حقّه يختار المولى جعل العقاب على خصوص العاصي؛ لأنّ جعله على الجامع يستلزم أن يشوي لحم هذا المتجرّي في نار جهنّم بلا وجه.
هذا. مضافاً إلى أنّه لا دليل إثباتاً على استحقاق المتجرّي للعقاب بناءً على هذا المبنى.
وعلى أىّ حال، فقد ظهر أنّ الصحيح ـ على مبنانا من ذاتيّة الاستحقاق ـ: هو استحقاق المتجرّي للعقاب، بلا حاجة إلى ما تشبّثوا به من الوجوه لإثبات ذلك مع بطلانها في نفسها، وتلك الوجوه مايلي:
$
', '', 278), (21, 279, 'book', 'إنّ المحقّق النائينىّ(رحمه الله) نقل على ما في أجود التقريرات برهاناً عن السيّد الشيرازىّ الكبير(قدس سره) على استحقاق المتجرّي للعقاب مؤتلفاً من مقدّمات أربع، ولكن الاُوليين منها في الحقيقة غير مرتبطتين بما نحن فيه، وكلّ واحدة من الاُخريين لو تمّت لكانت وجهاً مستقلّاً لإثبات المطلوب. وهناك وجه آخر نقل في الرسائل وغيره، فهذه وجوه ثلاثة:
الأوّل: ما جعله في أجود التقريرات مقدّمة ثالثة لذاك البرهان، وهو: أنّ تمام الموضوع لحكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية هو العلم الثابت في فرض التجرّي ـ أيضاً ـ بلا دخل لفرض المصادفة للواقع في ذلك، وإلّا للزم سدّ باب حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية نهائيّاً؛ إذ مصادفة القطع للواقع غير محرزة، فقد يصادف وربّما لا يصادف.
وأجاب المحقّق النائينىّ(رحمه الله) عن ذلك بأنّه صحيح أنّ العلم تمام الموضوع لحكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية، ولكن الثابت في فرض التجرّي هو الجهل المركّب، وليس العلم.
أقول: ليس الكلام في تفسير كلمة (العلم)، وما هو المفهوم منه عرفاً كي يقال: إنّ الجهل المركّب علم، أو لا؟ وإنّما الكلام في أنّ أخذ المصادفة في موضوع حكم العقل معقول، أو غير معقول لعدم إحراز المصادفة؟ فلو تمّ القول بعدم معقوليّته، لزم كون الموضوع لحكم العقل هو الجامع بين العلم المطابق والجهل المركّب سواء سمّي الجهل المركّب علماً أو لا. والعمدة في ردّ هذا البرهان هي: إنّ مصادفة القطع محرزة بنفس القطع؛ فإنّ القاطع لا يحتمل خطأ قطعه، وإنّما يطرأ له هذا الاحتمال بالنسبة إلى قطع غيره، وبالنسبة إلى قطع نفسه ـ أيضاً ـ في غير حالة قطعه.
الثاني: ما جعله في أجود التقريرات مقدّمة رابعة لذاك البرهان، وهو: أنّ ما يوجب استحقاق العقاب هو القبح الفاعلىّ لا القبح الفعلىّ، وهو موجود في فرض التجرّي. والدليل على كون ملاك استحقاق العقاب هو القبح الفاعلىّ لا الفعلىّ: أنّه لو كان الملاك هو القبح الفعلىّ للزم ثبوت العقاب في موارد الجهل والشكّ؛ لأنّ القبح الفعلىّ للحرام لا يرتفع بالشكّ والجهل.
وأجاب المحقّق النائينىّ(رحمه الله) عن ذلك بأنّ ملاك استحقاق العقاب هو القبح الفاعلىّ
', '', 279), (21, 280, 'book', 'الناشئ من القبح الفعلىّ، أو قل: إنّ ملاك الاستحقاق ليس أحد القبحين، بل مجموعهما.
ويظهر ما في هذا الوجه مع جوابه من كلماتنا السابقة؛ فإنّ ذلك كلّه متفرّع على تصوير قبحين: قبح فعلىّ، وقبح فاعلىّ، وتخيّل رجوع باب الحسن والقبح إلى باب المصلحة والمفسدة، وقد عرفت أنّ القبح ليس إلّا قسماً واحداً، وهو متعلّق بالفعل بما هو مضاف إلى الفاعل، وأنّ باب الحسن والقبح غير باب المصلحة والمفسدة، وأنّ ثبوت القبح في فرض الشكّ والجهل المعذّر غير معقول. وقد عرفت ـ أيضاً ـ أنّ القبح الكامن في المعصية عبارة عن قبح مخالفة حقّ المولى، وثابت عند المعصية والتجرّي معاً.
الثالث: أنّا لو فرضنا شخصين شرب كلّ منهما مائعاً باعتقاد الخمريّة، فصادف قطع أحدهما الواقع دون الآخر، فإن قيل: إنّه يعاقب كلاهما، فهو المطلوب، وإن قيل: إنّه يعاقب من صادف قطعه الواقع فقط، لزم إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن القدرة، وهو المصادفة؛ فإنّ الخطأ والمصادفة لو كانا باختيار الإنسان، لما أخطأ أحد.
والجواب: أنّ فرض اختصاص العقاب بمن صادف قطعه الواقع لا يستلزم استناد العقاب إلى ما هو خارج عن الاختيار، وتوضيح ذلك:
أنّ هذا الشخص إنّما يعاقب على سدّ باب واحد من أبواب العدم، وهو العدم الناشئ عن عدم إرادته لشرب الخمر، وهو تحت اختياره قطعاً.
نعم، المتجرّي ـ عند من لايرى عقابه ـ إنّما لايعاقب لانفتاح باب من أبواب العدم عليه ولو بلااختيار، كالعدم الناشئ من الخطأ في قطعه.
وما أكثر من ينجو من استحقاق العقاب بسبب انفتاح باب من أبواب العدم عليه خارج عن اختياره، كالعدم الناشئ من عدم وجود الخمر في الخارج، أو من عدم قدرته على الشرب؛ لمرض يمنعه عن التحرّك نحو الخمر وأخذه، أو عدم قدرته على شرائه ونحو ذلك، ولابأس بذلك(1).
$
', '(1) العقاب إنّما هو على المعصية لاعلى سدّه لباب من أبواب عدم المعصية. ولعلّ هناك مسامحة في التعبير من قبل اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): بأن يكون المقصود بيان أنّ ما صدر عنه وعليه العقاب هو العصيان الاختيارىّ ولو باختياريّة سدّ باب واحد من أبواب عدمه.
', 280), (21, 281, 'book', '
تنبيهات
وينبغي التنبيه على اُمور:
الأوّل: قد عرفت أنّ التجرّي لا يختصّ بفرض القطع، بل يثبت عند التنجّز بمنجّز آخر، ونقول هنا: إنّه وقع الإشكال في ذلك في صورة واحدة، وهي ما لو شرب ما تنجّزت خمريّته ـ مثلاً ـ برجاء عدم كونه خمراً. فقد يقال بعدم كون هذا تجرّيّاً؛ لأنّ المفروض اعتناؤه بالمولى وعدم شربه لذلك إلّا برجاء عدم المصادفة.
ولكن التحقيق ثبوت التجرّي في هذا الفرض أيضاً؛ إذ المفروض أنّه يعلم بتنجّز حرمة شرب الخمر عليه بجميع حصصه التي منها هذه الحصّة، وهي الشرب برجاء عدم الخمريّة، وعلى رغم علمه بذلك ارتكب هذه الحصّة. ولا ينبغي الشكّ في أنّ هذا نوع إهانة للمولى، وجرأة عليه، وخروج عن رسوم العبوديّة، ومخالفة لحقّ المولويّة، وعنوان الرجاء ليس مؤمّناً.
ومن ثبت له مؤمّن من قطع أو غيره كأمارة أو أصل شرعىّ أو عقلىّ، لم يكن فعله تجرّياً بلاإشكال، إلّا في صورة واحدة وقع الإشكال فيها، وهي ما لو شرب ما تنجّز عدم خمريّته ـ مثلاً ـ برجاء كونه خمراً. فقد أفاد المحقّق النائينىّ(رحمه الله): أنّ هذا داخل في التجرّي، ويترتّب عليه حكمه.
لكن التحقيق خلاف ذلك، توضيحه: أنّ هذا الشخص تارة يشرب المائع برجاء خمريّته اعتماداً على المؤمّن، ولا منافاة بين هذا الرجاء وهذا الاعتماد، ومعنى ذلك: أنّه لو لم يكن مأموناً من ناحية الحكم الشرعىّ، لما كان يشربه، ولو كان عالماً بعدم خمريّته، لما كان يشربه أيضاً، فهو يحبّ أن يشرب الخمر مع المؤمّن من ناحية الحكم الشرعىّ؛ ليعرف طعم الخمر ـ مثلاً ـ من دون الابتلاء بتبعات الحرمة. وفي هذا الفرض لا ينبغي الإشكال في عدم صدور التجرّي عنه مادام معتمداً في فعله على ما هو مؤمّن من الحكم الإلزامىّ للشرع.
$
', '', 281), (21, 282, 'book', 'واُخرى يفترض شربه للمائع برجاء خمريّته بلا اعتماد على المؤمّن بحيث لولا المؤمّن لكان يشربه أيضاً، ولكنّه على أىّ حال عالم بكونه مأذوناً في عمله، وكون عمله مقترناً بالمعذّر. فأيضاً لا ينبغي الإشكال في أنّ عمله ليس تجرّياً منه؛ إذ لم يعمل إلّا ما علم بالإذن فيه. وإنّما الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة: أنّ في هذه الصورة يثبت التجرّي في حقّه بحسب أمر نفسانىّ، وهو استقلال إرادته عن مولاه، وعدم اهتمامه بأحكامه، لكن هذا النوع من التجرّي لا يختصّ بفرض الشرب، بل يثبت بشأن من لا يعتني بحكم مولاه، ولا يهتمّ بكون فعله مخالفاً لحكم مولاه سواء صدر عنه في الخارج ما يحتمل كونه خلاف حكم المولى على رغم المؤمّن، أو لا. فإن قلنا بثبوت استحقاق العقاب على مثل هذا التجرّي، فهو ثابت حتّى مع فرض عدم شربه لهذا المائع، إذن فشربه لهذا المائع المشمول للمؤمّن ليست فيه على أىّ حال نكتة إضافيّة ـ على فرض عدم الشرب ـ توجب استحقاق العقاب(1).
الثاني: اشتهر بينهم الخلط بين الحسن والقبح ومبادئ الأحكام من المصالح والمفاسد
والحبّ والبغض، ومن هنا ذهب صاحب الفصول(رحمه الله) إلى القول بوقوع الكسر والانكسار بين جهة التجرّي وجهة الواقع، وتقديم ما هو غالب منهما؛ لثبوت المنافاة بينهما.
وأفاد المحقّق العراقىّ(قدس سره) وجهاً لدفع المنافاة بين قبح التجرّي والحكم الواقعىّ، وهو: أنّ التجرّي عنوان ينتزع من الفعل في رتبة الامتثال والعصيان المتأخّرة عن الجهة الواقعيّة. فجهة التجرّي مع الجهة الواقعيّة ليستا في رتبة واحدة حتّى تقع المنافاة بينهما.
وبنفس هذا الجواب أعني تعدّد الرتبة جمع(قدس سره) بين الحكم الظاهريّ والحكم الواقعىّ.
وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في مبحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ ما في هذا
', '(1) نعم، لو شرب هذا المائع برجاء الحرمة لا بمجرّد رجاء الخمريّة، فلا يبعد أن يقال بكون هذا نوعاً من الهتك للمولى، فلا ينفعه المؤمّن في المقام.
', 282), (21, 283, 'book', '
الكلام صغرىً وكبرىً.
ونقول هنا: إنّه لو سلّمت الصغرى وهي تعدّد الرتبة، فإنّما هو في المقام بين قبح التجرّي والحرمة المتخيّلة، لا بين قبح التجرّي والوجوب الواقعىّ، إذن فلو سلّمت الكبرى وهي كفاية تعدّد الرتبة في دفع المنافاة، لم تنطبق على المقام؛ لأنّ المنافاة إنّما هي بحسب الفرض بين قبح التجرّي والوجوب الواقعىّ، في حين تعدّد الرتبة إنّما هو بين القبح وحكم آخر، وهو الحرمة لا الوجوب(1).
والتحقيق في المقام ما ظهر ممّا سبق: من أنّ باب الحسن والقبح غير باب مبادئ الأحكام. والخلط بينهما موقوف على القول بكون الحسن والقبح مجعولين عقلائيّين بحسب المصالح والمفاسد. وقد مضى أنّ المولى الحقيقىّ يكون حسن طاعته وقبح معصيته ذاتيّين. فقد اتّضح أنّه لا مجال لفرض التنافي بين قبح التجرّي وجهة الواقع كي يفترض وقوع الكسر والانكسار بينهما(2).
نعم، عدم المنافاة الذي وضّحناه هنا إنّما هو بين الوجوب الواقعىّ ـ مثلاً ـ وقبح التجرّي، وليس بين الوجوب الواقعىّ وتنجّز الحرمة بقطع أو أمارة أو غيرهما، فيمكن دعوى المنافاة بين الحكم الواقعىّ وهذا التنجّز سواء قلنا بقبح التجرّي أو أنكرنا قبحه، والكلام في هذه المنافاة مربوط ببحث الجمع بين الحكم الواقعىّ والظاهرىّ، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ أنّ الطرق المتعارفة للجمع بينهما لا تتكفّل إلّا الجمع بين الإلزام والترخيص: بأن يكون أحد الحكمين إلزاماً والآخر ترخيصاً دون ما إذا فرض أحدهما إيجاباً والآخر تحريماً.
وعلى أىّ حال، فتحقيق الكلام في ذلك مربوط بذاك البحث. وإنّما كان المقصود هنا
', '(1) يحتمل أن لايكون نظر الشيخ العراقيّ(رحمه الله) إلى تعدّد الرتبة، بل إلى تعدّد العنوان مع مبنى عدم سراية الحكم أو الحبّ والبغض من العنوان إلى المعنون. راجع فوائد الاُصول ج 3 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم ص 54 مع ص 42 وتعليق المحقّق العراقيّ(رحمه الله) في الموردين.
(2) قد يقال: إنّ الحسن والقبح يصلحان ملاكين للأحكام، فمعنى كون الأحكام تابعة للمصالحوالمفاسد ـ لاللحسن والقبح ـ إنّما هو: أنّ المصالح والمفاسد تكفي في انبعاث مبدأ الحكم في نفس المولى، لا أنّ الحسن والقبح لا يصلحان لذلك، وعليه فقد يقع الكسر والانكسار في طرف الحكم (لا في طرف حرمة التجرّي) بين قبح التجرّي ومصلحة الفعل.
وحلّ ذلك يكون بالجمع المختار فيما بين الحكم الواقعيّ والظاهريّ الذي سيتضح في محلّه إن شاء الله.
', 283), (21, 284, 'book', '
الإشارة إلى أنّ ما ادّعيناه في المقام كان هو عدم المنافاة بين الوجوب الواقعىّ وقبح التجرّي، وذلك لا ينافي فرض التنافي بين الوجوب الواقعيّ وتنجّز الحرمة. فلو سلّم هذا التنافي، وقد أثبتنا قبح التجرّي، تعيّن القول بارتفاع الوجوب الواقعىّ.
الثالث: ذكر المحقّق العراقىّ(رحمه الله) ثمرة لقبح التجرّي وعدمه، وهي: إنّه لو قامت الأمارة على حرمة صلاة الجمعة مثلاً، ومع ذلك صلّى المكلّف صلاة الجمعة برجاء كونها واجبة؛ لأنّه لم يكن قاطعاً بعدم الوجوب وإن تنجّزت عليه الحرمة، ثُمّ انكشف كونها واجبة، فبناءً على قبح التجرّي بطلت صلاته؛ لعدم صلاحيّتها للمقرّبيّة؛ لأنّ التقرّب إلى المولى بما هو قبيح غير ممكن، وبناءً على عدم قبحه صحّت صلاته؛ إذ لا قبح فيها يسقطها عن صلاحيّتها للمقرّبيّة.
أقول: الكلام تارة يقع في التوصّليّات، واُخرى في التعبّديّات:
أمّا التوصّليّات فلا تكون الصحّة والبطلان فيها مترتّبة على قبح التجرّي وعدمه، بل تكون مترتّبة على أن يستفاد من الدليل ثبوت ملاك هذا الواجب أو المستحبّ التوصّلىّ وعدمه، فعلى الأوّل يصحّ مطلقاً، وعلى الثاني لا يصحّ مطلقاً.
وأمّا التعبّديّات فالمتّجه فيها هو البطلان مطلقاً. أمّا على قبح التجرّي فواضح؛ إذ لا يكون ظلم المولى مقرّباً للعبد إلى المولى، وأمّا بناءً على عدم قبحه، فمن الممكن فرض صلاحيّتها للمقرّبيّة، كما إذا كان الدليل مثبتاً للملاك حتّى في فرض التجرّي، لكن العبادة لا يكفي في صحّتها صلاحيّتها للمقرّبيّة، بل تكون صحّتها مشروطة ـ أيضاً ـ بكون حركة العبد نحوها ناشئة من ناحية المولى، فإذا وجد الشرط الأوّل وهو صلاحيّة المقرّبيّة دون الثاني وهو الداعي الإلهىّ كما في السلام على المؤمن لا بداع إلهىّ، لم تكن عبادة. وكذا العكس كما لو أتى العبد بفعل بداعي القربة باعتقاد كونه مطلوباً للمولى، فتبيّن خلافه. ومن صلّى صلاة الجمعة ـ مثلاً ـ على رغم علمه بتنجّز حرمتها عليه، لا يكون متحرّكاً من ناحية المولى وبداع إلهىّ وإن فرض عدم قبح التجرّي؛ إذ هو يحتمل كون الإتيان بهذا الفعل ظلماً للمولى، ولا يحتمل كون تركه ظلماً له، فكيف يعقل إتيانه بداعي المولى؟!
$
', '', 284), (21, 285, 'book', 'نعم، في التجرّي بالنسبة إلى المولى العرفىّ الذي تنجّز حكم له على العبد مع احتمال أن يكون صلاح المولى في خلافه يعقل تحرّك العبد نحو الخلاف بداعي المولى(1).
$
', '(1) وفي ختام البحث عن التجرّي لا بأس بالإشارة إلى بحث الانقياد، وتوضيح فارق فنّيّ بين البابين فنقول:
إنّ من انقاد لأمر وصله بأىّ مرتبة من مراتب الوصول ولو غير منجّزة ـ بخلاف باب التجرّي الذي كان يشترط فيه التنجّز ـ فاستحقاقه للمدح على حسن السريرة لا إشكال فيه، كما لم يكن إشكال في استحقاق المتجرّي للذمّ على سوء السريرة حتّى عند المنكر لقبح التجرّي.
ونحن كما آمنّا في باب التجرّي بثبوت القبح، ودوران الذمّ مدار وصول موضوع الحقّ ولو خطأً، كذلك نقول في المقام بثبوت الحسن، واستحقاق المدح لمجرّد وصول موضوع الحقّ. ولو فرضنا تنزّلاً كون الحسن والقبح مشروطين بمطابقة الوصول للواقع، قلنا: قد ذكرنا في باب التجرّي أنّ أحد الحقّين للمولى هو حقّ الاحترام، وقد حصل بهذا الانقياد احترام المولى.
أمّا استحقاق الثواب، فلو قصد به وجوبه على الله تعالى كدين يطلبه الدائن أو أجرة يطلبها الأجير، فنحن لا نؤمن بذلك حتّى في الطاعة الحقيقيّة فكيف بالانقياد؛ فليس الثواب من الله تعالى إلّا فضلاً منه ورأفة ورحمة؛ لأنّ الوفاء بالحقّ لا يوجب شيئاً على ذي الحقّ، وليس حال الوفاء بالحقّ حال مخالفة الحقّ التي تثبت لذي الحقّ حقّ المجازاة.
ولو قصد به مجرّد حسن مثوبته، وأنّ هذا العبد أهل لأن يثاب، قلنا: إنّ هذا لا يدور مدار الوفاء بالحقّ واقعاً كما كان العقاب يدور مدار مخالفة الحقّ واقعاً، وإنّما يدور مدار الوفاء بما وصله ولو خطأً، إذن فحتّى لو قلنا في باب التجرّي بعدم استحقاقه للعقاب؛ لأنّ حقّ المولى عبارة عن حقّ عدم تفويت الفرض ولم يخالفه المتجرّي، أو قلنا ـ كما هو المختار ـ: إنّ عقاب المتجرّي أخفّ من عقاب العاصي؛ لأنّه خالف أحد الحقّين بخلاف العاصي الذي خالف كليهما، نقول هنا: بأنّ المنقاد المطابق فهمه للواقع مع المنقاد الذي أخطأ سيّان في استحقاق الثواب. وهذا هو الفارق الفنّىّ بين البابين الذي أردنا الإشارة إليه.
هذا. ولعلّه حينما يكون الوصول بشكل غير منجّز يكون استحقاق الثواب آكد؛ فإنّ من يتحرّك بوصول غير منجّز هو خير ممّن لا يتحرّك إلّا بالوصول المنجّز.
', 285), (21, 286, 'book', '
$
', '', 286), (21, 287, 'book', 'بحث القطع
4
$
', '', 287), (21, 288, 'book', '$
', '', 288), (21, 289, 'book', 'قسّم القطع إلى قسمين: طريقىّ، وموضوعىّ، فالأوّل ما كان الحكم ثابتاً بقطع النظر عنه سواء كان متعلّقاً بنفس الحكم كما في القطع بحرمة شرب الخمر، أو كان متعلّقاً بموضوعه كما في القطع بخمريّة هذا المائع مع كون الحكم ثابتاً للخمر الواقعىّ بلادخل القطع فيه، والثاني ما كان دخيلاً في الحكم، كما لو أوجب المولى إكرام معلوم العدالة، فأصبح العلم بالعدالة دخيلاً في وجوب الإكرام. وقد يكون قطع واحد طريقيّاً وموضوعيّاً بلحاظ حكمين، كما لو جعل القطع بخمريّة مائع ـ الذي يعتبر بلحاظ حرمة الشرب طريقيّاً ـ موضوعاً لوجوب الخروج من المكان الذي يوجد فيه ذاك المائع.
وما ذكرناه من انقسام القطع إلى طريقىّ وموضوعىّ ممّا لا إشكال فيه، ولكن يقع الكلام والإشكال في جهات:
أقسام القطع الموضوعيّ
الجهة الاُولى: في انقسام القطع الموضوعىّ إلى أقسام أربعة كما في كلام الشيخ الأعظم والمحقّق الخراسانىّ(قدس سرهما). ووجه التقسيم: أنّ القطع تارة يؤخذ موضوعاً لحكم الشرع بما هو صفة لشخص مع قطع النظر عن كاشفيّته عن متعلّقه، واُخرى يؤخذ موضوعاً له بما هو كاشف وطريق إلى متعلّقه. وعلى كلا الفرضين تارة يكون تمام الموضوع بلا دخل متعلّقه في الحكم، فيكون الحكم ثابتاً حتّى مع فرض خطئه، واُخرى يكون الموضوع مركّباً منه ومن متعلّقه، فلا حكم في فرض الخطأ.
وقد اُورد على هذا التقسيم: أنّ كاشفيّة القطع هي عين القطع، وليست صفة زائدة على ذات القطع كثقل الجسم ـ مثلاً ـ الذي هو صفة للجسم، وليس عين الجسم، فلا معنىً لأخذ القطع موضوعاً للحكم تارة بلحاظ كاشفيّته، واُخرى بقطع النظر عن كاشفيّته وبما هو
', '', 289), (21, 290, 'book', 'صفة من الصفات؛ فإنّ هذا يساوق فرض أخذ القطع موضوعاً للحكم بقطع النظر عن نفسه تارة وبالنظر إلى نفسه اُخرى، وأخذ الشيء بقطع النظر عن نفسه لا معنىً له، وليس من قبيل أخذ الجسم موضوعاً لحكم تارة بلحاظ ثقله، واُخرى بقطع النظر عن ثقله.
وكأنّ المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) تصدّى لتوضيح هذا التقسيم بنحو لا يرد عليه هذا الإشكال، فقال: «إنّ القطع لمّا كان من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة؛ ولذا كان العلم نوراً لنفسه ونوراً لغيره، صحّ أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصّة وحالة مخصوصة بإلغاء جهة كشفه، أو اعتبار خصوصيّة اُخرى فيه معها...».
فكأنّه يشير في صدر كلامه بقوله: «إنّ القطع من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة» إلى أنّ القطع لو كان من الصفات الانتزاعيّة كالفوقيّة والتحتيّة، والاُبوّة والبنوّة، ونحو ذلك ممّا تكون هويّتها عين انتزاعها وإضافتها، لصحّ القول: إنّه لا معنىً لافتراضه موضوعاً تارة بلحاظ هذه الإضافة والانتزاع، واُخرى بلحاظ آخر، لكن الواقع: أنّه من الصفات المتأصّلة في المحلّ بذاتها وبغضّ النظر عن انتزاع من هذا القبيل، فحاله من هذه الناحية حال اللون مثلاً، ولكنّه يختلف عنه من ناحية أنّه ـ إضافة إلى حاجته إلى محلّ يتأصّل فيه ـ يكون بحاجة إلى طرف يضاف إليه وهو المعلوم، فحاله حال الحبّ والبغض ونحو ذلك ممّا هو من الصفات التي هي حقيقيّة وغير انتزاعيّة من ناحية، وذات إضافة من ناحية اُخرى. فتارة يؤخذ القطع موضوعاً بما له من إضافة، أي: بحيثيّة إضافته إلى المعلوم، وهذا هو القطع الموضوعىّ الطريقىّ لوحظ فيه جانب من جانبي القطع، وهو جانب إضافته إلى المعلوم، واُخرى يؤخذ موضوعاً بلحاظ جانبه الآخر، وهو كونه صفة متأصّلة في شخصيّة القاطع، وهذا هو القطع الموضوعىّ الصفتىّ.
هذا. وكلام المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) مشتمل على تعبيرين بالإمكان أن يصاغ من كلّ منهما جواب مستقلّ عن الإشكال: أحدهما التعبير بأنّ القطع من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، وقدعرفت كيفيّة صياغة الجواب من هذا التعبير، والثاني قوله: «ولذا كان العلم نوراً لنفسه، ونوراً لغيره» فبالإمكان صياغة جواب مستقلّ من هذا التعبير؛ لتصحيح
', '', 290), (21, 291, 'book', 'تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الطريقىّ والصفتىّ (1).
وذلك بأن يقال: إنّ العلم ـ كما اشتهر عند الفلاسفة ـ نور في نفسه، ونور لغيره، فالعلم له جنبتان نوريّتان: نوريّة ذاتيّة، ونوريّة لغيره. فتارة يؤخذ موضوعاً بلحاظ نوريّته الاُولى، واُخرى بلحاظ نوريّته الثانية. فالأوّل هو الموضوعىّ الصفتىّ، والثاني هو الموضوعىّ الطريقىّ.
ويرد على هذا البيان: أنّ مقصود الفلاسفة من كون العلم نوراً في نفسه: كونه نفس النور، أي: الظهور.
وبتعبير آخر حضور باقي الأشياء في النفس ليس بذاتها، بل بواسطة العلم بها الموجد لصورتها في النفس، في حين أنّ العلم لا يحتاج حضوره في النفس إلى تعلّق العلم به؛ لأنّه بنفسه من موجودات عالم النفس المجرّدة كالحبّ والبغض والإرادة وغير ذلك.
وعليه نقول: لو اُخذ العلم موضوعاً للحكم بما هو فرد لطبيعىّ الحاضر في النفس ومن هذه الحيثيّة ـ وغُضَّ النظر عن خصوصيّة كاشفيّته لغيره ـ فما أكثر الاُمور الحاضرة للنفس كالحبّ والبغض وغيرهما، فيكون الموضوع في الحقيقة مطلق ما هو الحاضر في النفس ومن موجودات عالم النفس المجرّدة، وهذا خلاف الفرض. ولو اُخذ العلم موضوعاً بلحاظ نوريّته لغيره وكاشفيّته، فهذا هو القطع الموضوعىّ الطريقىّ، ولم نتعقّل قسمين للقطع الموضوعىّ(2). هذا هو تعليقنا على الصياغة الثانية.
$
', '(1) وإن كان ظاهر عبارته(قدس سره) أنّه يقصد بالتعبير الثاني التوضيح والتأكيد لنفس ما ذكره في صدر الكلام، فكأنّه يقول: إنّ العلم بنفسه نور متأصّل في النفس، وله إضافة إلى المعلوم باعتباره نوراً لغيره.
(2) جاء في ذيل عبارة الكفاية قوله: «صحّ أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصّة وحالة مخصوصة بإلغاء جهة كشفه، أو اعتبار خصوصيّة اُخرى فيه معها». وهذا يعني: أنّ صفتيّة القطع الموضوعىّ تتصوّر في نظر صاحب الكفاية باُسلوبين:
أحدهما: إلغاء جهة الكشف، والاقتصار على الجانب الآخر الموجود في القطع.
وهذا يرد عليه إشكال اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّه لو اقتصر على الجانب الآخر وهو نوريّته لنفسه ـ وهي بمعنى كونه من موجودات عالم النفس المجرّدة الحاضرة بذاتها لدى النفس ـ لزم ترتّب الحكم على مثل الحبّ والبغض أيضاً، وهذا خلف.
وثانيهما: عدم قصر النظر على جهة الكشف، فجهة الكشف ملحوظة، ولكن الجهة الاُخرى ملحوظة أيضاً، وهذا يكفي في أن يتّضح عدم قيام الأمارات والاُصول مقامه؛ فإنّ الدافع إلى هذا التقسيم في الحقيقة هو: أنّ قيام الأمارات والاُصول مقام الموضوعىّ الصفتىّ بدليل الحجّيّة غير معقول، في حين هناك مجال للبحث عن قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ بنفس دليل الحجّيّة بدعوى أنّ دليل الحجّيّة قد أعطاها طريقيّة، والعلم إنّما كان موضوعاً بنكتة طريقيّته، ونفس النكتة موجودة في الحجج الشرعيّة. وهذا الفارق كما ترى لا يتوقّف على فرض إلغاء جهة الكشف في الموضوعىّ الصفتىّ، بل يكفي فيه دخل جهة اُخرى غير الكشف في الحكم ولو إضافة إلى الكشف؛ فإنّ دليل الحجّيّة بما هو لا يفي بتأمين تلك الجهة الاُخرى.
ويرد على هذا البيان: أنّ نوريّة العلم لنفسه، أو قل: حضوره لدى النفس ليس أمراً وراء كاشفيّته، بل هو متمّم للكاشفيّة؛ فإنّ العلم إنّما يجعل الاُمور الاُخرى حاضرة لدى النفس بالعرض وبالصور، ومنكشفة لديها باعتبار حضوره هو بالذات لدى النفس. فلحاظ هذا الجانب لا يعني لحاظ أمر آخر غير الكاشفيّة مضافاً إلى الكاشفيّة كي يترتّب على ذلك وضوح عدم قيام الحجج الاُخرى مقامه ـ مثلاً ـ ولو في خصوص ما لو لم تكن تلك الحجّة من المعلومات الحضوريّة لدى النفس كالظنّ ـ مثلاً ـ الذي هو كالعلم في كونه من المعلومات الحاضرة لدى النفس.
', 291), (21, 292, 'book', '
أمّا الصياغة الاُولى المستفادة من صدر كلام صاحب الكفاية، فيرد عليها: أنّ إضافة العلم إلى المعلوم إن قصد بها إضافته إلى المعلوم بالذات، وهو الصورة الحاصلة لدى النفس، فهي إضافة إشراقيّة كإضافة الوجود إلى الماهيّة، لا إضافة مقوليّة التي هي عبارة عن النسبة المتكرّرة بين شيئين متباينين خارجاً كالأبوّة والبنوّة والفوقيّة والتحتيّة، والإضافة الإشراقيّة ليست إضافة بين شيئين متباينين إلّا بالتحليل، وهي عين ظهور المضاف إليه وإشراقه، إذن فهذه الإضافة هنا عين الانكشاف والعلم، وليست شيئاً آخر وراءه كي يقسّم العلم الموضوعيّ بلحاظه إلى قسمين: تارة بأخذه بعين الاعتبار، واُخرى بغضّ النظر عنه.
وإن قصد بها الإضافة إلى المعلوم بالعرض التي هي إضافة مجازيّة، فهذه كانت إضافة بين أمرين متباينين خارجاً وليست إشراقاً، ولكن ليس كلّ علم مشتملاً على هذه الإضافة؛ إذ ربّما لا يكون هناك معلوم بالعرض أصلاً كما في موارد الخطأ، فلا يتمّ تقسيم العلم الموضوعىّ بلحاظه إلى قسمين، إلّا في خصوص العلم المصادف للواقع. فهذا التقسيم إنّما هو يتعقّل على مبنى المحقّق النائينىّ(رحمه الله) القائل: إنّ العلم الموضوعىّ الطريقىّ
', '', 292), (21, 293, 'book', 'يجب أن يكون ـ دائماً ـ جزء الموضوع، أي: إنّ الواقع ـ أيضاً ـ دخيل في الحكم في موارد العلم الموضوعىّ الطريقىّ دائماً، في حين لا يقول بذلك صاحب الكفاية(رحمه الله). على أنّ لازم هذا البيان كون ظاهر دليل موضوعيّة العلم ـ لولا القرينة ـ هو الصفتيّة؛ لأنّ الطريقيّة تعني رفع اليد عن إطلاق الدليل لصورة الخطأ، إذن فمقتضى الإطلاق هو حمله على الصفتيّة الثابتة في كلا قسمي العلم، على عكس ما ذكره الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية في تعليقته على الرسائل: من أنّ مقتضى الظهور الأوّليّ لدليل موضوعيّة العلم هو الطريقيّة(1).
هذا. ولنا وجهان في تصوير تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ مع التحفّظ على انقسام كلّ منهما إلى كونه جزء الموضوع وتمامه: الأوّل منهما عرفىّ، والثاني بحاجة إلى تدقيق عقلىّ:
أمّا التصوير العرفىّ فهو: أن يقال: صحيح أنّ العلم بنفسه انكشاف، ولكن له ملازمات
', '(1) أقول: لم أر في تعليقة المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ما يدلّ على دعوى ظهور دليل الموضوعيّة في الطريقيّة، كما لم أر في الرسائل ما يدلّ على ذلك، عدا أنّه ذكر(رحمه الله) في فرض موضوعيّة الظنّ أنّ الغالب في الظنّ الموضوعىّ كونه موضوعاً بما له من الكشف لا بما هو صفة. فلعلّه(رحمه الله)ينظر إلى هذه العبارة في دعوى ذهاب الشيخ إلى أنّ ظاهر دليل الموضوعيّة هو الكاشفيّة، ولعلّه ينظر فيما نسبه إلى تعليقة المحقّق الخراسانيّ إلى إمضاء التعليقة لهذه العبارة بعدم التعليق عليها.
وعلى أىّ حال، فقد يقال بإمكان دفع كلا إشكاليه(رحمه الله) في الجملة: بأن يفترض أنّ المقصود بالإضافة هي إضافة العلم إلى المعلوم بالذات؛ إذ نقول ـ حينئذ ـ: إنّ الإشكال إنّما يتّجه لو أردنا تقسيم العلم الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ عن طريق افتراض أنّه تارة يؤخذ في الموضوع جانب الطريقيّة، واُخرى يغضّ النظر عن ذلك، فيقال ـ مثلاً ـ: إنّ الطريقيّة التي هي عبارة عن الإضافة الإشراقيّة ليست شيئاً إضافيّاً إلى العلم كي يمكن غضّ النظر عنها. ولكن هناك اُسلوب آخر لصاحب الكفاية للتقسيم كما مضى: وهو أن نفترض أنّ جانب الطريقيّة والإضافة الإشراقيّة دائماً ملحوظ، لكن تارة نلحظ مع ذلك جانب تأصّله في نفسه وإضافته إلى النفس إضافة اللون إلى الجسم والعرض إلى المحلّ، وبهذا يكون صفة خاصّة من الصفات لا وجه لقيام الحجج الشرعيّة مقامه، ولو في خصوص غير ما لو كانت تلك الحجّة صفة خاصّة للنفس ـ أيضاً ـ كالظنّ، واُخرى نقصر النظر إلى حيثيّة الإضافة الإشراقيّة، وهذا هو الصفتىّ الطريقىّ.
ويرد عليه سنخ ما مضى: من أنّ كون العلم صفة متأصّلة في النفس ـ أيضاً ـ عبارة اُخرى عن انكشاف المعلوم لدى النفس. وليست التجزئة إلى جانب الإضافة وجانب كونه صفة حقيقيّة للنفس عدا تحليل عقلىّ لنفس الانكشاف، فيعود القول: إنّ العلم ليس عدا محض الانكشاف، فلا معنىً لأخذه تارة بلحاظ الكشف، واُخرى بلحاظ الانكشاف.
', 293), (21, 294, 'book', '
في الخارج وجوديّة، أو عدميّة، كخلاص النفس من عذاب التردّد، ووجدانها لبرد اليقين، وصيرورتها مطمئنّة ساكنة وغير ذلك. فتارة يؤخذ العلم موضوعاً بما هو انكشاف مع قطع النظر عن ملازماته، وهذا هو العلم الموضوعىّ الطريقىّ، واُخرى يكون بعض ملازماته دخيلاً في الحكم مع الانكشاف أو بدلاً منه، وهذا هو الصفتىّ. وكلّ منهما يمكن أخذه تمام الموضوع أو جزءه، وظاهر دليل موضوعيّة العلم ـ لولا القرينة ـ هو الطريقيّة لا الصفتيّة؛ لأنّ دخل شيء آخر ـ غير الانكشاف بدلا منه أو منضمّاً إليه ـ خلاف ظاهر الدليل الذي جعل الموضوع هو العلم، وهو في حقيقته عبارة عن الانكشاف لا الملازمات.
وهذا الوجه مأخوذ من تمثيل الشيخ الأعظم(قدس سره) للقطع الصفتىّ بما لو نذر التصدّق في كلّ يوم ما دام متيقّناً بحياة ولده، فإنّ غرض الناذر عادة فيما يحرص عليه من كونه متيقّناً وقاطعاً بحياة ولده هو سكون نفسه واطمئنان خاطره.
ولو وجد في مورد ما ما دلّ على أخذ العلم موضوعاً على وجه الصفتيّة ـ وإن كنّا لم نجد ذلك إلى الآن ـ كان محمولاً على القطع الصفتىّ بهذا المعنى.
وأمّا التصوير الدقّي العقلىّ، فهو أن يقال: إنّ للعلم نسبتين إلى النفس: إحداهما نسبة كونه فيها كما هو شأن كلّ عرض بالنسبة إلى معروضه، والاُخرى نسبة كونه انكشافاً لها، وهذا أمر زائد على كونه فيها كما برهن عليه في الفلسفة. فلو فرض محالاً ثبوت العلم في الحجر الذي لا يفهم شيئاً، كان العلم ثابتاً فيه، ولم يكن ثابتاً له. فلو اُخذ العلم موضوعاً بما هو ثابت في النفس وغضّ النظر عن جانب ثبوته للنفس، كان هو العلم الصفتىّ، أمّا لو أخذ فيه جانب الانكشاف للنفس وحده، أو مع الجانب الأوّل، فهذا هو العلم الموضوعىّ الطريقىّ.
ولايقال: إنّ جانب الانكشاف للنفس داخل في هويّة العلم، فغضّ النظر عنه غضّ للنظر عن أصل العلم.
فإنّه يقال: إنّ جانب الانكشاف للنفس لاينفكّ خارجاً عن العلم بالنسبة إلينا، لكنّه
', '', 294), (21, 295, 'book', 'ليس داخلاً في هويّة العلم؛ ولذا نرى انفكاكه عنه في علم الله تعالى؛ لأنّ علمه ليس انكشافاً لذاته، وإنّما هو عين ذاته. والظاهر من دليل أخذ العلم موضوعاً هو موضوعيّته بعنوان كونه له وفيه معاً لا بعنوان كونه فيه فقط(1).
$
', '(1) أقول: من الملحوظ أنّه (رضوان الله عليه) قام في هذا الوجه بتكلّف تسمية العلم الذي جمع فيه بين جانب الصفتيّة وجانب الطريقيّة بالموضوعىّ الطريقىّ، في حين أنّه في التصوير الأوّل لم يفعل ذلك، بل فرض ما جمع فيه لحاظ الجانبين داخلاً في الصفتىّ، هذا لا لشيء إلّا لكي يصحّ القول: إنّ ظاهر دليل موضوعيّة العلم هو الطريقيّة لا الصفتيّة؛ إذ إنّه(رحمه الله)فرض أنّ ظاهر دليل موضوعيّة العلم هو موضوعيّته بوصفه للنفس وفي النفس، فاضطرّ إلى تسمية ما لوحظ فيه كلا الجانبين بالطريقىّ؛ كي يصحّ القول: إنّ ظاهر دليل موضوعيّة العلم هو الموضوعىّ الطريقىّ، في حين أنّه في التصوير السابق ليس ظاهر دليل موضوعيّة العلم دخل ملازماته في الموضوع؛ ولذا جعل فرض الجمع بين لحاظ جانب الانكشاف ولحاظ الملازمات داخلاً في الصفتىّ.
والواقع: أنّ أصل فكرة تقسيم العلم الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ نشأت من مسألة أنّ دليل جعل الحجج الشرعيّة كواشف ـ مثلاً ـ يكون أوفى بقيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ ـ لأنّه لو حظ فيه الكشف فحسب ـ من قيامها مقام الصفتىّ؛ لأنّه دخل فيه عنصر غريب عن الكشف من دون فرق في ذلك بين دخل عنصر الكشف ـ أيضاً ـ وعدمه، إذن فكان الأولى به (رضوان الله عليه) أن يبقي العلم الذي لوحظ فيه كلا الجانبين داخلاً في الصفتيّة، وينكر على هذا التصوير ظهور دليل موضوعيّة العلم في الطريقيّة، ويدّعي ظهوره في الصفتيّة.
على أنّنا لو سلّمنا ظهور دليل موضوعيّة العلم في النظر إلى كلا الجانبين الكشفىّ والصفتىّ، وسمّينا ذلك بالعلم الموضوعىّ الطريقىّ، فقدنا أصل الدافع إلى البحث عن هذا التقسيم؛ فإنّ دليل حجّيّة الأمارات ـ مثلاً ـ لن يكون أقرب إلى إقامة الأمارة مقام العلم الموضوعىّ الطريقىّ منه إلى إقامتها مقام الصفتىّ؛ إذ لو كان ذلك الدليل قد أعطى الأمارة جانب الكشف فحسب، إذن لا تقوم مقام العلم الموضوعىّ الطريقىّ الذي استظهرنا دخل كلا الجانبين فيه. ولو كان قد أعطاها كلا الجانبين، إذن كان وضوح قيام الأمارة مقام الصفتىّ المحض بمستوى وضوح قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ.
هذا. وهناك وجه آخر لتقسيم العلم الموضوعىّ إلى الطريقىّ والصفتىّ يمكن بيانه على مذاق من يرى أنّ الأمارة أو الأصل طريق وكشف بمعنىً من المعاني؛ ولهذا يفترضه قائماً مقام الموضوعىّ الطريقىّ، ويناقش في إطلاق قيامه مقام العلم مطلقاً حتّى الصفتىّ.
وذلك بأن يقال ـ بعد أن افترضنا أنّ الأمارة أو الأصل داخل في مصاديق الكشف: إمّا بتوسيع في معنى الكشف كما لو قصدنا به مطلق الحجّيّة مثلاً، أو بدعوى الحكومة في جانب دليل الأمارة أو الأصل بجعله منزّلاً منزلة الكشف، أو بجعله فرداً تعبّديّاً للكشف ـ: لا إشكال في أنّ هذا الفرد مصداق آخر للكشف غير العلم، فالعلم مصداق حقيقىّ بطبعه، وهذا مصداق تنزيلىّ أو تعبّدىّ أو حقيقىّ بواسطة التعبّد. وعليه، فإذا جعل العلم موضوعاً لحكم، فتارة يجعل موضوعاً له بما له من الكاشفيّة بالمعنى الجامع بين القسمين الحقيقىّ والتعبّدىّ، فيستظهر ـ حينئذ ـ قيام الفرد التعبّدىّ مقام الفرد الحقيقىّ؛ لاشتماله على نفس الجامع، واُخرى يجعل موضوعاً له لا بلحاظ الجامع بين الكاشفين، بل بلحاظ هذه الصفة بالخصوص، أي: هذا الفرد من الكاشف الذي له خصوصيّة تميّزه من الفرد الآخر كما هو شأن كلّ فرد يجمعه جامع مع فرد آخر، فيستظهر عدم قيام الفرد التعبّدىّ مقامه. وبهذا البيان اتّضح: أنّ هذا التفسير لتقسيم العلم الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ ينبع من حاقّ عقليّة الدافع إلى أصل هذا البحث.
وهذا أنسب بمثال النذر الذي ذكره الشيخ الأعظم(رحمه الله) من الوجه الذي استلهمه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) من هذا المثال؛ ذلك لأنّ مجرّد كون هدف الناذر حصول الطمأنينة وسكون النفس ـ مثلاً ـ لايجعل هذه الملازمات داخلة في موضوع النذر، وإنّما هي دواع إلى النذر، فلما ذا يعتبر العلم الذي كان متعلّقاً للنذر صفتيّاً، والعلم الذي جاء موضوعاً في بعض الأدلّة الشرعيّة طريقيّاً؟! في حين يكون من حقّ الشيخ الأعظم(رحمه الله) أن يقول: إنّ العلم الذي هو كشف إذا جعل موضوعاً في لسان الشارع الذي جعل الأمارة كشفاً أيضاً، فإنّي أستظهر من ذلك أنّه جعله موضوعاً بما هو كشف في مذاقه، والكشف في مذاقه يشمل الأمارة. أمّا الناذر حينما يكون موضوع نذره هو العلم، فإنّما يقصد طبعاً الفرد الحقيقىّ لا الجامع بين الحقيقىّ والتعبّدىّ. ودليل الوفاء بالنذر إنّما يدور مدار مقصود الناذر، فلا معنىً لقيام الأمارة هنا مقام العلم.
', 295), (21, 296, 'book', '
هذا. وقد اتّضح ممّا حقّقناه: أنّ ما ذكره المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) من إنكار انقسام القطع الموضوعىّ إلى ما اُخذ بنحو الصفتيّة وما اُخذ بنحو الكاشفيّة ناشئ من عدم الالتفات إلى تمام جهات المطلب.
بقي هنا شيء، وهو: أنّ المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) زاد على أقسام القطع الصفتىّ القطع المأخوذ بما هو صفة للمقطوع به: بأن كان جزء الموضوع أو تمامه.
ويرد عليه: أنّه إن قصد بذلك أخذه بما هو صفة للمعلوم بالذات، فهذا ليس قسماً جديداً؛ فإنّ كلّ قطع اُخذ موضوعاً بما هو صفة للقاطع قد لوحظ فيه صفتيّته للمقطوع به بالذات حتماً؛ إذ لولا ذلك للزم ترتّب الحكم على القطع بأىّ شيء من الأشياء. وكلّ قطع اُخذ موضوعاً بما هو صفة للمقطوع به قد لوحظت فيه صفتيّته للقاطع حتماً؛ إذ لولا ذلك لزم توجّه الحكم إلى هذا الشخص بمجرّد حصول القطع لشخص آخر.
وإن قصد بذلك أخذه بما هو صفة للمعلوم بالعرض، ورد عليه:
أوّلاً: أنّ هذا عين الكاشفيّة على تفسيره(رحمه الله) ؛ إذ فسّر الكاشفيّة بأخذ القطع بما له من إضافة إلى المقطوع به، وهذا عبارة اُخرى عن كونه صفة للمقطوع به.
وثانياً: أنّ هذا يلزمه اختصاص ما اُخذ بما هو صفة للمقطوع به بجزء الموضوع،
', '', 296), (21, 297, 'book', 'ولا يتصوّر فيه أن يكون تمام الموضوع؛ إذ لو كان القطع خطأً، لما كان وصفاً للمقطوع به بالعرض(1).
$
', '(1) أقول: لو أنّ المحقّق الخراسانىّ(قدس سره) قصد بإضافة العلم إلى المعلوم ـ حينما قال: إنّ العلم من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة ـ إضافته إلى أحد المعلومين الذاتىّ أو العرضىّ، وقصد بأخذ العلم كوصف للمعلوم المعلوم الآخر من المعلومين، لم يرد عليه الإشكال الأوّل من الإشكالين اللذين ذكرهما اُستاذنا الشهيد على الشقّ الثاني في كلامه.
أمّا ما ذكره في الشقّ الأوّل من كلامه: من أنّ صفتيّة العلم للمعلوم بالذات مأخوذة حتماً في العلم الصفتىّ الذي اُخذ كصفة للعالم، وكذلك العكس، وإلّا لزم ترتّب الحكم على القطع بأىّ شيء أو على حصول القطع لأىّ شخص، فقد ينقض عليه بأنّه على هذا يبطل أصل تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ؛ إذ حتّى في الطريقىّ لابدّ أن تلحظ صفتيّته للقاطع والمقطوع به، وإلّا لزم ترتّب الحكم على حصول القطع بأىّ شيء لأىّ شخص.
فإن أجيب عن ذلك بأنّ في الصفتيّة عنصراً آخر غير عنصر الكشف لهذا أو الكشف عن هذا، ويكفي في تخصيص الطريقىّ بشخص القاطع وخصوص المقطوع به أخذه بما هو كشف لهذا أو كشف عن ذاك.
قلنا: هذا بنفسه قد يدفع الإشكال عن المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ؛ إذ بإمكانه أن يفرض أخذ خصوصيّة الكشف لهذا القاطع في القطع الصفتىّ الذي اُخذ كصفة للمقطوع به، أو أخذ خصوصيّة الكشف عن هذا المقطوع في القطع الصفتيّ الذي اُخذ كصفة للقاطع؛ كي لا يلزم ترتّب الحكم على القطع بكلّ شيء أو على قطع كلّ إنسان، وفي نفس الوقت لاتتداخل الأقسام.
والواقع: أنّ امتياز الصفتيّة من الطريقيّة لابدّ أن يكون بأحد اُسلوبين: إمّا بافتراض وجود عنصر غريب عن الكاشفيّة في الصفتىّ، أو بافتراض كون المقصود بالكشف في الطريقىّ الجامع بين الكشف الوجدانىّ والكشف التعبّدىّ.
فإن فرض الأوّل، فنحن لا نتصوّر معنىً للصفتيّة بلحاظ المعلوم؛ فإنّ الصفتيّة بلحاظ العالم إنّما تتصوّر لوجود عنصر غريب عن الكشف إمّا هو إحدى ملازمات القطع كسكون النفس، أو هو النسبة الظرفيّة. وهذان هما الوجهان اللذان اختارهما اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) كما مضى. أمّا بلحاظ المعلوم فهو لم يتّصف بأىّ صفة عدا نفس الانكشاف.
وإن فرض الثاني، فهذا النوع من التقسيم إلى الصفتيّة والطريقيّة لا يتلاءم مع تقسيم الصفتيّة بعد ذلك إلى كونها صفة للعالم أو صفة للمعلوم؛ لأنّه لم يقصد بالصفتىّ إلّا ذاك القطع الذي لوحظ فيه خصوص الكشف الخاصّ لا الجامع بين الكشفين.
والواقع: أنّ الهدف من هذا التقسيم كما عرفت كان هو دعوى أقربيّة دليل حجّيّة الأمارة والأصل إلى إثبات قيامها مقام الطريقىّ منه مقام الصفتىّ. والنكتة في ذلك: كون الطريقىّ ملحوظاً في الموضوع بما هو كاشف، والأمارة والأصل كاشفان أيضاً، والصفتىّ ملحوظاً بما هو للعلم من خصوصيّة مفقودة في الأمارة. وقد عبّر الشيخ الأعظم عن هذا بتعبير: أنّه صفة للقاطع، ولا أظنّ أنّه كان هناك نظر إلى خصوصيّة العالم في مقابل المعلوم حتّى يقال إنّه: (وقد يلحظ فيه كونه صفة للمعلوم). فالحقيقة: أنّ تقسيم الصفتىّ إلى كونه صفة للعالم أو للمعلوم ليس إلّا ترفاً في البحث العلمىّ، وإنّما أصل المقصود كان هو أنّ العلم تارة يكون موضوعاً بخصوصه بحيث لا تقوم الأمارة أو الأصل مقامه، واُخرى يكون موضوعاً بما له من الكشف، فيقومان مقامه.
', 297), (21, 298, 'book', '
قيام الأمارات والاُصول مقام القطع
الجهة الثانية: في قيام الأمارات والاُصول مقام القطع بأقسامه وعدمه:
والكلام تارة يقع في قيامها مقام القطع الطريقىّ الصرف.
واُخرى في قيامها مقام القطع الموضوعىّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة.
وثالثة في قيامها مقام القطع الصفتىّ. فهنا مقامات ثلاثة:
1 ـ قيامها مقام القطع الطريقىّ الصرف
المقام الأوّل: في قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الطريقىّ الصرف فيما له من المنجّزيّة والمعذّريّة.
قد وقع التسالم بينهم (من غير من حكم بثبوت العقاب على نفس مخالفة الأمارات والاُصول) على قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الطريقىّ. والمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)قد نازع في ذلك بالنسبة الى الاُصول، لكن كلامه راجع إلى بحث لفظىّ، وبحسب المعنى يعترف بذلك.
ولنتكلّم الآن في قيام الأمارات والاُصول مقام القطع فيما له من المنجّزيّة، ويظهر من ذلك الكلام بالنسبة إلى المعذّريّة.
وقد ذكر في كلماتهم إشكال على هذا الأمر المتسالم عليه بداعي الفنّ لابداعي الإبطال الحقيقي: وهو أنّ لنا قاعدتين متقابلتين:
قاعدة حجّيّة القطع الراجعة إلى عدم قبح العقاب مع البيان، وقاعدة قبح العقاب بلا بيان. ولا يعقل قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الطريقيّ، إلّا بأن تكون مخرجة للمورد عن القاعدة الثانية، ومدخلة له تحت القاعدة الاُولى، وهذا ما لا يكون؛ لأنّ الأمارة والأصل ليست بياناً للحكم الواقعىّ، فما زال الحكم الواقعىّ ثابتاً في دائرة ما لم يبيّن، ودليل حجّيّة الأمارات والاُصول إنّما أثبت الحكم الطريقىّ لا الحكم الواقعىّ، وبما أنّ
', '', 298), (21, 299, 'book', 'الحكم الطريقىّ ليس وراءه في غير فرض المصادفة للواقع شيء من مبادئ الحكم من الحبّ والبغض والمصلحة والمفسدة، إذن فلا عقاب عليه، وإنّما العقاب على الواقع، والمفروض عدم تماميّة البيان بالنسبة إليه.
ولو التزمنا بثبوت العقاب على نفس مخالفة الأمارة والأصل إمّا بدعوى السببية، أو بدعوى استحقاق العقاب على مخالفة الحكم الطريقىّ. فهذا ليس قياماً للأمارة والأصل مقام القطع الطريقىّ؛ فإنّ القطع الطريقىّ ينجّز الواقع، وهذا لم ينجّز الواقع. هذا مع ما سيأتي في محلّه ـ إن شاء الله ـ من بيان بطلان هذين المبنيين.
وهذا الإشكال إنّما يتوجّه بناءً على مبنى القوم: من إسناد الحجّيّة إلى القطع، ودعوى قاعدة اُخرى في قبال قاعدة حجّيّة القطع: وهي قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
أمّا بناءً على ما هو المختار: من أنّ الحجّيّة ليست هي من شأن القطع بما هو قطع، بل من شأن مولويّة المولى، وأنّ حقّ مولويّة المولى كما يشمل أحكامه المقطوعة كذلك يشمل أحكامه المشكوكة، فمن احتمل وجود حكم للمولى، ولم يقطع بأنّه يرضى بتركه عند الشكّ ـ بالنحو الذي سنجمع به بين الحكم والرضا بتركه في بحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعيّ ـ وجب عليه عقلاً الطاعة والعمل بالحكم المحتمل.
أقول: بناءً على هذا المبنى لا يبقى موضوع للإشكال في منجّزيّة الأمارة والأصل؛ لأنّ نفس الاحتمال لحكم منجّز بحسب الفرض، ولا مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. فيرجع البحث فيما نحن فيه إلى تصوير وجه قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الطريقىّ في التعذير لا في التنجيز. وتصويره في غاية السهولة بناءً على ما سيأتي في بحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ من إمكانيّة اجتماع الحكم مع الرضا بتركه عند الشكّ. ونقول في المقام: إنّ العقل إنّما يحكم بوجوب الطاعة للحكم المشكوك فيما إذا لم يحصل القطع برضا المولى بمخالفة حكمه عند الشكّ، ودليل الأمارة أو الأصل أثبت رضاه بها.
أمّا لو بنينا على مباني القوم من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأنّ القطع حجّة بذاته بلحاظ كونه بياناً بخلاف الشكّ، فهنا يتّجه الإشكال: في أنّ الأمارة والأصل كيف ينجّزان الواقع على رغم من أنّ الشكّ في الواقع مازال محفوظاً؟! فبناءً على هذه المباني لابدّ من استئناف البحث، فنقول:
$
', '', 299), (21, 300, 'book', 'قد يجاب عن هذه الشبهة بمبنى المحقّق النائينىّ(رحمه الله): من جعل الطريقيّة، فيقال: إنّ البيان قد تمّ باعتبار أنّ الأمارة جعلت علماً وطريقاً تعبّداً، فالعقاب بلا علم قبيح، ولكن العلم قد حصل ولو بفرده التعبّدىّ، فقد انتهى موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وتحقيق الحال في مبنى جعل الطريقيّة وتصويره ثبوتاً، وتوجيهه إثباتاً سيأتي ـ إن شاء الله ـ في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعىّ الطريقىّ. ونقول هنا: إنّ هذا الجواب لو تمّ فإنّما يتمّ في باب الأمارات المدّعى فيها جعل الطريقيّة دون الاُصول التنزيليّة فضلاً عن غير التنزيليّة، فلابدّ في مقام دفع الشبهة من التفتيش عن نكتة لاستحقاق العقاب، وتنجّز الواقع تعمّ تمام الموارد. وربّما يظهر بعد فهم تلك النكتة أنّ ضمّ جعل الطريقيّة إليها كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.
هذا. وأجاب المحقّق العراقىّ(رحمه الله) عن الشبهة في المقام بجوابين:
الأوّل: أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تختصّ بما إذا لم نقطع بأنّ المولى على تقدير ثبوت الحكم المشكوك لا يرضى بتركه في ظرف الشكّ. وعلى هذا الأساس نقول بوجوب النظر في المعجز عند الشكّ في النبوّة؛ وذلك للقطع بعدم الرضا بالفوت على تقدير ثبوت الواقع. ودليل حجّيّة الأمارة أو الأصل يورث القطع بذلك. أمّا كيف يورث القطع بذلك، فظاهر عبارة المحقّق العراقىّ(رحمه الله) هو أنّ دليل حجّيّة الأمارة أو الأصل يحفظ الحكم في مورد الشكّ بجعل الاحتياط ونحوه، وهذا يدلّنا على اهتمام المولى بحكمه إلى حدّ لا يرضى بفواته عند الشكّ؛ فإنّ هذا الحفظ في الحقيقة معلول لذلك الاهتمام.
ونحن نوافق على أصل اختصاص قبح العقاب بلا بيان بما إذا لم نعلم باهتمام المولى بالحكم بدرجة لا يرضى بفواته عند الشكّ لو آمنّا بأصل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إلّا أنّه يرد على ظاهر كلام المحقّق العراقىّ في كيفيّة إثبات العلم بهذا الاهتمام عن طريق دليل الأمارة والأصل: أنّ هذا دور؛ فإنّ حفظ المولى للحكم بدليل الحكم الظاهرىّ يتوقّف على منجّزيّة الحكم الظاهرىّ للحكم الواقعىّ، في حين أنّ هذا التنجيز يتوقّف بحسب الفرض على علمنا باهتمام المولى بالحكم إلى حدّ لا يرضى بتركه عند الشكّ، وهذا العلم يتوقّف بدوره على حفظ المولى للحكم ؛ إذ افترض المحقّق العراقىّ(رحمه الله) أنّنا نكتشف اهتمام المولى بالحكم من حفظه له بدليل الاحتياط ـ مثلاً ـ عن طريق الإنّ.
$
', '', 300), (21, 301, 'book', 'ولكنّنا لو أوّلنا هذا الوجه لإثبات اهتمام المولى بالحكم بمايلي، أصبح وجهاً متيناً، وهو أن يقال: إنّ اكتشافنا لاهتمام المولى بالحكم بدليل الحكم الظاهرىّ يكون سنخ اكتشاف المعنى من اللفظ بالدلالة العرفيّة السياقيّة، فقوله ـ مثلاً ـ: «قف عند الشبهة» يدلّ دلالة لفظيّة على اهتمامه بحكمه عند الشكّ على تقدير وجوده. كما أنّ الأمر ـ مثلاً ـ يدلّ دلالة لفظيّة على الإرادة الجدّيّة للوجوب. وهذه النكتة سارية في تمام موارد الأمارات والاُصول لإثبات استحقاق العقاب على مخالفة الواقع. وضمّ جعل العلم والطريقيّة إليها ضمّ للحجر إلى جنب الإنسان. فلو جعل المولى الأمارة علماً من دون أن يقصد بذلك الاهتمام بحكمه في ظرف الشكّ، لم ينقطع العذر. ولو دلّ الدليل على اهتمام المولى بذلك، انقطع العذر سواء كان ذاك الدليل بلسان الإخبار عن اهتمامه، أو بلسان جعل العلم، أو جعل الاحتياط، أو الحكم المماثل، أو غير ذلك.
الثاني: ما يظهر بمقدّمتين:
الاُولى: أنّ عدم الشيء إنّما يسند إلى وجود المانع عند وجود المقتضي، وإلّا اُسند إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع.
والثانية: أنّ الحكم الواقعىّ مقتض للعقاب على مخالفته، وعدم البيان مانع عن ذلك.
واستنتج(رحمه الله) من هاتين المقدّمتين: أنّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما هو عدم البيان على تقدير وجود الحكم في الواقع لا مطلق عدم البيان. وهذه هي نكتة الجواب في المقام؛ إذ يقال: إنّ الخطاب الواصل بدليل الأمارة أو الأصل إن كان موافقاً للحكم الواقعىّ، إذن هو بيان للحكم الواقعىّ الناشئ عن مبادئ الحكم الحقيقيّة، وإن كان مخالفاً له، فهو صرف إنشاء بلا روح. وقد عرفت أنّ موضوع البراءة العقليّة إنّما هو عدم البيان على تقدير وجود الحكم في الواقع. وهذا الموضوع منتف بهذه الأمارة أو الأصل؛ لتحقّق البيان على تقدير تحقّق الحكم واقعاً.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنّه لو كان مراده بالبيان فيما يسلّمه من قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو ما يكون وظيفة للمولى، ومن الشؤون الراجعة إليه من ذكره لكلام يدلّ على حكمه، وجعل ذلك في معرض الوصول، للزم أن لا يقول بجريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة؛ لأنّ
', '', 301), (21, 302, 'book', 'البيان بقدر ما هو راجع إلى شأن المولى تامّ في المقام، فما كان على المولى بما هو مولى إنّما هو بيان الكبرى وقد فعله، وأمّا تشخيص الموضوع، فهو من شأن المكلّف، وليس من شأن المولى(1)، في حين هو ملتزم بالبراءة العقليّة حتّى في الشبهات الموضوعيّة.
ولو كان مراده بالبيان علم المكلّف بالحكم، فمن الواضح أنّ المكلّف لا يعلم بالحكم حتّى على تقدير ثبوت الحكم في الواقع. والخطاب الظاهرىّ الواصل إنّما يتكفّل البيان على تقدير ثبوت الحكم بالمعنى الأوّل لا البيان بالمعنى الثاني.
وثانياً: أنّه لو سلّمنا محالاً ثبوت العلم للمكلّف على تقدير ثبوت الحكم واقعاً مع أنّه ليس عالماً على جميع التقادير، فالبراءة العقليّة ثابتة بشأنه؛ لأنّه لا يعلم بتحقّق ذلك التقدير الذي هو على ذاك التقدير عالم بالحكم، إذن فهذا العلم لا يكفي لوصول الحكم؛ إذ هو بنفسه غير واصل.
وأمّا ما استنتجه من المقدّمتين: «من أنّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما هو عدم البيان على تقدير وجود الحكم في الواقع»، فهو في غير محلّه؛ فإنّه لو فرض في المقدّمة الاُولى أنّ ذات وجود المانع متوقّف على وجود المقتضي، لصحّ هذا الاستنتاج؛ إذ لازم ذلك أنّه لا يعقل عدم البيان إلّا على تقدير وجود الحكم في الواقع، فلو فرض ثبوت البيان على ذلك التقدير، لم يبق موضوع للقاعدة، لكن المفروض في المقدّمة الاُولى إنّما هو توقّف مانعيّة المانع على وجود المقتضي دون ذات المانع. أمّا ما هو المانع هل هو عدم البيان على تقدير الواقع، أو مطلق عدم البيان؟ فهذا ما لا تتكفّله المقدّمتان.
هذا. وما ذكرناهما من المقدّمتين ليستا موجودتين في كلام المحقّق العراقىّ(رحمه الله)، وإنّما ذكرناهما توضيحاً لمرامه(قدس سره). وتحقيق المقدّمة الاُولى موكول إلى محلّه. أمّا المقدّمة الثانية، فهي غير صحيحة؛ إذ ليس عدم البيان مانعاً عن العقاب، وإنّما البيان داخل في مقتضي العقاب سواء قلنا بمبنى الأصحاب من إسناد الحجّيّة إلى القطع بوصفه قطعاً
', '(1) وكذلك لزم عدم جريان البراءة العقليّة في الشبهات الحكميّة لو احتملنا أنّ المولى قد قام بما عليه وبما هو من شأنه من البيان، إلّا أنّ البيان اختفى بسبب ظلم الظالمين مثلاً. وهذا النقض الثاني قد يمكن التخلّص منه في بعض الموارد إذا افترضنا أنّ البيان الذي يرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان عبارة عن علمنا بإبراز الشارع للحكم على تقدير وجوده، ففي مورد النقض الثاني لو فرض عدم علم من هذا القبيل، ارتفع النقض، لكن يبقى في الأقل النقض الأوّل.
', 302), (21, 303, 'book', '
ووصولاً، أو قلنا بإسنادها إلى مولويّة المولى، وخصّصنا حقّ المولويّة بفرض البيان(1).
وقد تحقّق من جميع ما ذكرناه: أنّ الوجه المتين في مقام دفع ما ترد من الشبهة على مباني القوم ما مضى: من أنّ دليل حجّيّة الأمارة والأصل يدلّ على اهتمام المولى بالحكم بحيث لا يرضى بفواته حتّى في ظرف الشكّ بالتقريب الذي بيّناه. وحاصل هذا الوجه:
أنّ إنشاء الحكم على قسمين: الإنشاء الواقعىّ، والإنشاء الظاهرىّ، وهما من حيث الدلالة التصوّريّة سيّان، ولكنّهما يختلفان في الدلالة التصديقيّة، فالدّلالة التصديقيّة للأوّل هي ثبوت الإرادة الجدّيّة وروح الحكم في عالم الثبوت، والدلالة التصديقيّة للثاني ليست هي ثبوت الإرادة الجدّيّة وروح الحكم في عالم الثبوت، وإنّما هي الاهتمام بالحكم الواقعىّ على تقدير ثبوته، وهذا هو السرّ في تنجيز الحكم الواقعىّ بالحكم الظاهرىّ سواء قلنا في الحكم الظاهرىّ بجعل الحكم المماثل، أو بجعل الطريقيّة، أو بجعل المنجّزيّة، أو بأىّ شيء آخر، فلو فرض كون جعل الحكم الظاهرىّ لابهذا الداعي، بل بداعي أنّ شخصاً ما بذل ديناراً للمولى ـ مثلاً ـ لقاء جعله لهذا الحكم، لم يكن له أثر في تنجيز الواقع بأىّ لسان كان من ألسنة الحكم الظاهرىّ، وإن فرض كونه بداعي الاهتمام بالواقع وعدم الرضا بفوته عند الشكّ، كان موجباً لتنجيز الواقع بأىّ لسان كان من تلك الألسنة؛ فإنّ كلّ واحد منها مناسب عرفاً لإبراز هذا الاهتمام، ولا فرق بينها بحسب عالم
', '(1) الظاهر: أنّ كلام المحقّق العراقىّ(رحمه الله) لا علاقة له بالمقدّمتين، وإنّما هو يعتقد أنّ البراءة العقليّة على تقدير ما تتوقّف على عدم البيان على ذاك التقدير، فالبراءة العقليّة على تقدير ثبوت الحكم واقعاً تتوقّف على عدم البيان على ذاك التقدير، فإذا كان البيان على ذاك التقدير تامّاً، فاحتمال الحكم احتمال للحكم المنجّز، واحتمال الحكم المنجّز منجّز. ولم يشر من قريب أو بعيد إلى البرهنة على كون البراءة على تقدير ما متوقّفة على عدم البيان على ذاك التقدير لا عدم وصول البيان بالفعل ولو نتيجة لعدم وصول ذاك التقدير، فكأنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) إنّما ذكر المقدّمتين كتوجيه لهذا المدّعى: بأن تكون المقدّمتان برهاناً على هذا المدّعى، وإلّا فكلام المحقّق العراقىّ(رحمه الله) ليست فيه أي إشارة أو قرينة إلى الاعتقاد ببرهان من هذا القبيل.
وعلى أىّ حال، فيرد عليه ـ مضافاً إلى ما عرفت من كونه مدّعىً بلا برهان، وإلى ما عرفت من أنّ المقصود بالبيان لو كان هو ما يناسب شأن المولى، لزم عدم جريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة، ولو كان هو العلم، فهو غير موجود حتّى على ذاك التقدير ـ أنّه هل يقصد ببيان الحكم بيان نفس الحكم حقيقة، أو يقصد به بيان اهتمام المولى بالحكم في ظرف الشكّ على تقدير وجوده، وعدم رضاه بفوته في ظرف الشكّ لو كان موجوداً؟ فإن فرض الأوّل، فنحن نمنع كون دليل الحكم الظاهرىّ بياناً للحكم الواقعىّ بهذا المعنى على تقدير مصادفته للواقع، سواء كان المقصود بالبيان إبراز الحكم بالشكل المناسب لشأن المولى، أو المقصود به علمنا بالحكم. وإن فرض الثاني، فهذا رجوع إلى الوجه السابق، وليس وجهاً جديداً.
', 303), (21, 304, 'book', '
الثبوت أصلاً. فما أتعبوا به أنفسهم الزكيّة في مقام تشخيص ما هو المجعول في باب الأمارات والاُصول من الطريقيّة والمنجّزيّة وغير ذلك بداعي البحث الثبوتيّ في غير محلّه. نعم، تنتج تلك الألسنة بحسب مقام الإثبات في مقام تقديم الأمارات والاُصول بعضها على بعض، وكذلك في القيام مقام القطع الموضوعىّ الطريقىّ.
بقي هنا شيء، وهو: أنّ ما ذكرناه من اختصاص قاعدة قبح العقاب بلا بيان بفرض عدم العلم باهتمام المولى بالحكم على تقدير ثبوته في ظرف الشكّ أمر وجدانىّ لنا، أمّا إذا أنكر ذلك شخص، وكان له وجدان غير وجداننا يحكم بعدم الفرق بين الصورتين وجريان القاعدة في كلا الفرضين، قلنا بالنسبة إليه: إنّ مقتضى الجمع بين هذا الوجدان المزعوم له والوجدان الحاكم بتنجّز الواقع بمثل أمر المولى بالاحتياط والتحفّظ عليه ـ بعد فرض ثبوت هذا الوجدان لذاك الشخص ـ هو أن يلتزم بكون التنجيز من العناوين القصديّة سنخ التعظيم الذي يحصل بمثل القيام لو كان بقصد التعظيم، فيقال: بأنّ إنشاء الحكم الظاهرىّ بداعي التنجيز يكون منجّزاً للواقع، وهذا هو الذي يعبّر عنه المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) بالحكم الطريقىّ.
ثُمّ إنّ تمام ما مضى من البحث إنّما كان بالنسبة إلى الأمارات والاُصول الشرعيّة دون مطلق الاُصول، فإنّ هذا المبحث عقدناه للجواب عمّا عرفته من الشبهة، وهي غير جارية في الاُصول العقليّة.
2 ـ قيامها مقام القطع الموضوعىّ الطريقىّ
المقام الثاني: في قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الموضوعىّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة وعدمه، بعد الفراغ ممّا مضى في قيامها مقام القطع الطريقىّ الصرف.
والبحث هنا ليس في أصل إمكان إقامتها مقام القطع ثبوتاً؛ إذ من الواضح أنّه لا إشكال في إمكانها.
والشبهة التي وردت في قيامها مقام القطع الطريقىّ لا ترد هنا؛ إذ تلك الشبهة نشأت من أنّ أثر القطع الطريقىّ عقلىّ، وهو التنجيز والتعذير، فيدّعى أنّ العقل أدرك اختصاص
', '', 304), (21, 305, 'book', 'التنجيز بالقطع مثلاً، وأنّه عند عدم القطع تثبت قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فقيام الأمارة والأصل الشرعىّ مقامه يعني التخصيص في حكم العقل، وهو مستحيل. أمّا في المقام فأثر القطع الموضوعىّ قد ثبت بالشرع، وبإمكان الشارع نفسه أن يقيم شيئاً آخر مقامه، كما هو واضح، كما لا إشكال في أنّ بإمكانه إيصال قيام الأمارة والأصل مقام القطع الموضوعىّ بدليل خاصّ.
وإنّما الكلام في المقام يقع في أنّ نفس دليل حجّيّة الأمارة والأصل تعبّداً الذي دلّ على قيامهما مقام القطع الطريقىّ هل يكفي لإثبات قيامهما مقام القطع الموضوعىّ الطريقىّ، أو لا؟(1).
$
', '(1) ولنستذكر هنا خلاصة عمّا مضى من مبحث تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الطريقىّ والصفتىّ، فنقول: قد مضى فيما سبق: أنّ القطع هو عين الطريقيّة والكاشفيّة، ومن هنا وقع الإشكال في كيفيّة تصوير انقسام القطع الموضوعىّ إلى الموضوعىّ بما هو طريق، والموضوعىّ بما هو صفة، وكان لتصوير ذلك طريقان:
الأوّل: افتراض أخذ عنصر زائد على الطريقيّة في الصفتىّ بدلاً من الطريقيّة، أو إضافة إليها، إمّا بدعوى تحليل نفس القطع إلى الطريقيّة وشيء آخر كما عن صاحب الكفاية(رحمه الله)الذي ذكر أنّ القطع من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، أو بإدخال عنصر غريب عن القطع من ملازمات القطع في الحساب، كسكون النفس واطمئنان الخاطر كما عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله).
الثاني: افتراض أنّ المقصود بالطريقىّ ما لوحظ فيه الجامع بين الطريق التكوينىّ والطريق التعبّدىّ، فيقابله الصفتىّ، وهو ما لو حظ فيه خصوص الطريقيّة التكوينيّة. ومن هنا يتّضح أنّ الصفتىّ بالتصوير الثاني قد يكون طريقيّاً بالتصوير الأوّل.
وعليه فتارة يقع الكلام في قيام الأمارات والاُصول مقام الموضوعىّ الطريقىّ بالتصوير الثاني.
واُخرى في قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ بالتصوير الأوّل.
وثالثة في قيامها مقام الموضوعىّ الصفتىّ بمعنى أخذ شيء غريب عن الطريقيّة فيه.
أمّا قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ بالتصوير الأوّل، أو الصفتىّ بمعنى أخذ شيء غريب عن الطريقيّة فيه، فهما مبحوثان في المتن. وأمّا قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ بالتصوير الثاني ـ أي: ما إذا لو حظت في الموضوع الطريقيّة بالمعنى الجامع بين الطريق التكوينىّ والطريق الشرعىّ ـ فبقدر ما نؤمن بفرضيّة إرادة الجامع لا تبقى حاجة إلى مزيد بحث في قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ؛ إذ المفروض من أوّل الأمر أنّ دليل موضوعيّته قد جعل الموضوع هو الجامع بينه وبين الحجّة الشرعيّة، فكلّ ما كان داخلاً في ذاك الجامع فلا محالة يقوم مقام الفرد الأوّل، فإذا كان الموضوع هو جامع التنجيز والتعذير مثلاً، واُخذ القطع في الموضوع بوصفه فرداً من أفراد هذا الجامع، فكيف لا يقوم مقامه الفرد الآخر من الأصل أو الأمارة؟ وإذا كان الموضوع هو جامع الكشف الحجّة ـ مثلاً ـ المتواجد في القطع وفي الأمارة، فلم لا تقوم الأمارة مقامه؟! ولعلّ مقصود الشيخ الأعظم(رحمه الله) من القطع الموضوعىّ الطريقىّ كان هذا المعنى؛ ولذا أرسل قيام الأمارات والاُصول مقامه إرسال المسلّمات، ولم يكلّف نفسه الشريفة البحث عن ذلك والبرهنة عليه. نعم، الظاهر أنّ محطّ بحث الأصحاب الذين أطنبوا في الكلام في قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الموضوعىّ الطريقىّ وعدمه هو الموضوعىّ الطريقىّ بالتصوّر الأوّل، هذا.
ولو كان الموضوع هو جامع الكشف الحجّة وهو يشمل الأمارة ولا يشمل الأصل، فالأمر بلحاظ الأصل يلتحق بالبحث الوارد في القيام مقام الموضوعىّ الطريقىّ بالتصوير الأوّل.
', 305), (21, 306, 'book', '
ثُمّ إنّ دليل التنزيل تارة يفرض أنّ لسانه لسان إقامة المظنون مقام الواقع، بمعنى جعل حكم على طبق الأمارة بعنوان أنّه هو الواقع؛ ولذا يسمّى بالواقع الجعلىّ، واُخرى يفرض أنّ لسانه لسان إقامة الظنّ منزلة القطع بالواقع.
أمّا القسم الأوّل: فلا إشكال في أنّه إنّما يفيد قيام الظنّ مقام القطع الطريقىّ البحت بالبيان الماضي دون قيامه مقام الموضوعىّ الطريقىّ؛ إذ إنّ هذا بحاجة إلى تنزيل مفقود في المقام، فلم ينزّل الظنّ بالواقع والقطع بالظاهر منزلة القطع بالواقع في آثاره الشرعيّة.
وأمّا القسم الثاني: فهو الذي يبحث فيه عن أنّه هل يمكن إقامة الأمارات والاُصول مقام القطع بكلا قسميه بهذا اللسان، أو لا؟ فالتقريب الابتدائىّ لقيامهما مقامهما معاً هو: أنّ القطع له آثار عقليّة كالتنجيز والتعذير، وآثار شرعيّة، وهي التي جعل القطع موضوعاً لها. ومقتضى إطلاق تنزيل الظنّ منزلة القطع قيامه مقامه في كلا قسمي الأثر.
ولكن المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ذهب إلى عدم إمكان ذلك، ونبيّن مرامه(قدس سره) في ضمن اُمور ثلاثة:
الأوّل: أنّ عمليّة إقامة الظنّ مقام القطع الطريقىّ لا يمكن أن تكون عبارة عن تنزيل نفس الظنّ منزلة العلم في أثره من الكاشفيّة والتنجيز والتعذير؛ لأنّ هذه الآثار التكوينيّة أو العقليّة ليست بيد الشارع، وإنّما للحاكم تنزيل شيء منزلة شيء آخر في أحكام نفسه لا في الأحكام العقليّة أو التكوينيّة. وإنّما تكون عمليّة إقامة الظنّ مقام القطع الطريقىّ عبارة عن تنزيل المظنون منزلة الواقع، بمعنى جعل حكم على طبقه بعنوان أنّه هو الواقع، فإذا قال الشارع في مقام جعل الظنّ منزلة القطع الطريقىّ: نزّلت الظنّ منزلة القطع، يجب أن يحمل على أخذ الظنّ والقطع على وجه الآليّة، وأنّ النظر إنّما هو إلى المظنون والمقطوع؛ كي يرجع إلى ما ذكرناه.
هذا. وفرض عدم إمكان جعل الآثار العقليّة من التنجيز والتعذير مباشرة هو مبنى
', '', 306), (21, 307, 'book', 'الشيخ(رحمه الله)، وصاحب الكفاية جرى هنا على وفق مبنى الشيخ، وسجّل على الشيخ بطلان قيام الأمارات والاُصول مقام كلا قسمي القطع بدليل الحجّيّة، واختار صاحب الكفاية نفس هذا المبنى في بحث الاستصحاب، ولكنّه اختار في بحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ جعل نفس التنجيز والتعذير مباشرة.
الثاني: أنّ عمليّة إقامة الظنّ مقام القطع الموضوعىّ عبارة عن لحاظ الظنّ والقطع مستقلّين وتنزيل نفس الظنّ منزلة نفس القطع؛ إذ الظنّ والقطع ـ عندئذ ـ لم يلحظا مرآة إلى المظنون والمقطوع وكان الحكم الشرعىّ ثابتاً لذات القطع والظنّ.
الثالث: أنّ الجمع بين اللحاظ الآلىّ والاستقلالىّ جمع بين المتضادّين، ولا يمكن ذلك.
إذن لا يمكن أن يكون قوله: الظنّ بمنزلة القطع متكفّلاً لكلا التنزيلين.
بقيت هنا عبارة للمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ينبغي شرحها، وهي قوله: «نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما، يمكن أن يكون دليلاً على التنزيلين، والمفروض أنّه ليس».
ولا ينبغي تفسير هذه العبارة بفرض جامع بين اللحاظ الآلىّ والاستقلالىّ؛ فإنّ المفهوم الجامع بين مفهومي اللحاظ الآلىّ والاستقلالىّ ليس لحاظاً آليّاً ولا استقلاليّاً حتّى يتمّ به كلا التنزيلين، وإنّما هو بنفسه مفهوم يلحظ.
والذي ينبغي أن يفسّر به هذا النصّ هو: أنّه لو كان هناك مفهوم جامع بين العلم والمعلوم، ومفهوم جامع بين الظنّ والمظنون، فنزّل الثاني منزلة الأوّل، تحقّق بذلك كلا التنزيلين. هذا. وما ذكره صاحب الكفاية(رحمه الله): من أنّ الجمع بين التنزيلين يستلزم الجمع بين اللحاظين يكون بظاهره خلطاً بين العنوان والحقيقة أو المفهوم والمصداق؛ ذلك لأنّ الذي ينظر إلى العلم أو الظنّ تارة آليّاً، واُخرى استقلاليّاً إنّما هو نفس العالم والظانّ؛ فإنّ العلم والظنّ ليست لهما مرآتيّة إلّا لنفس العالم والظانّ، فتارة ينظر إلى المعلوم والمظنون من خلال المرآة، فيكون نظره إلى العلم والظنّ آليّاً، واُخرى ينظر إلى نفس العلم والظنّ بالاستقلال.
أمّا الشخص الآخر ـ والمفروض في المقام أنّه هو المولى ـ فهو إنّما يلحظ عنوانالعلم والظنّ ومفهومهما لاواقعهما ومصداقهما، ولحاظه للمفهومين لا محالة يكون مستقلّاً
', '', 307), (21, 308, 'book', 'ـ دائماً ـ في قبال ما يقصد بآليّة المرآة وفنائها. نعم، قد يلحظ العنوانين فانيين في أفرادهما لا في أفراد المظنون والمقطوع، واُخرى يلحظهما غير فانيين فيها، وهذا مطلب آخر غير مربوط بما نحن فيه.
نعم، يمكن توجيه كلامه(قدس سره): بأن يفترض أنّه(رحمه الله) لايقصد الآليّة والاستقلاليّة بالنسبة إلى التصوّر، وإنّما المقصود هو الآليّة والاستقلاليّة في القصد، بمعنى الصراحة والكناية. فتارة يكون مقصوده الجدّيّ، هو نفس العلم والظنّ كما هو مفاد المدلول الاستعمالىّ، وهذا هو الصراحة، واُخرى يكون مقصوده الجدّيّ المعلوم والمظنون، فيكون الكلام كناية عن قيام المظنون منزلة المعلوم، فلو فرض الجمع بين التنزيلين، لزم الجمع بين الصراحة والكناية.
والشاهد من كلام المحقّق الخراسانىّ(قدس سره) على إرادة هذا المعنى على الرغم من أنّه عبّر مراراً بتعبير اللحاظ الآلىّ والاستقلالىّ ما جاء مرّة واحدة منه في بحث الاستصحاب من التعبير بالكناية(1).
ثُمّ إنّ إشكال استحالة الجمع بين الصراحة والكناية في المقام هو فرع تسليم إمكان الكناية هنا في نفسها: بأن لا نشترط في باب الكناية كون المعنى الكنائىّ المقصود من
', '(1) هذا إشارة إلى ما جاء في الكفاية في بحث الاستصحاب ص 287 بحسب طبعة المشكينىّ، حيث قال: «إنّما يلزم لو كان اليقين ملحوظاً بنفسه وبالنظر الاستقلالىّ، لاما إذا كان ملحوظاً بنحو المرآتيّة وبالنظر الآلىّ، كما هو الظاهر في مثل قضيّة (لا تنقض اليقين) حيث تكون ظاهرة عرفاً في أنّها كناية عن لزوم البناء والعمل بالتزام حكم مماثل للمتيقّن تعبّداً إذا كان حكماً، ولحكمه إذا كان موضوعاً...».
إلّا أنّ ما جاء في تعليقة صاحب الكفاية(رحمه الله) على رسائل الشيخ الأعظم(قدس سره) ربّما لايلائم هذا التوجيه الذي ذكره اُستاذنا الشهيد لكلام صاحب الكفاية؛ ذلك لأنّه(رحمه الله) قد أورد في تلك التعليقة على مسألة كون الجمع بين التنزيلين جمعاً بين اللحاظين: أنّ هذا إنّما يتمّ إذا كان دليل الاعتبار مع لحاظ، أمّا إذا كان من دون ذلك، فلايرد هذا الإشكال.
وأجاب عن ذلك بأنّ هذا الإيراد لا مجال له إذا كان الكلام إنشاءً للتنزيلين؛ إذ إنشاؤه يستحيل أن ينفكّ عن تعيين المنزّل والمنزّل عليه وما فيه التنزيل تصوّراً ولحاظاً. نعم، إذا كان إخباراً عن تنزيل سابق تمّ فيه اللحاظ فلا يلزم الجمع بين لحاظين في خطاب واحد؛ لإمكان حكاية هذا الكلام عن تنزيلين مستقلّين، إلّا أنّه لايوجد دليل على إرادة الإخبار عن كلا التنزيلين إلّا الإطلاق، والإطلاق لا يتمّ عند كون أحدهما قدراً متيقّناً، والقدر المتيقّن في المقام هو التنزيل بلحاظ الحجّيّة، على أنّ الحمل على الإخبار دون الإنشاء خلاف الظاهر.
والسبب في قولنا: (إنّ هذا التعبير ربّما لايلائم توجيه كلام صاحب الكفاية بإرادة الكناية والصراحة) هو وضوح أنّ محذور الجمع بين الكناية والصراحة لا يختصّ بالإنشاء، فهو ثابت في الإخبار أيضاً، في حينأنّه قد يتخيّل ورود محذور الجمع بين اللحاظ الآلىّ والاستقلالىّ في الإنشاء الذي هو ـ في نظر صاحب الكفاية ـ إيجاد للمعنى دون الإخبار الذي ليس إلّا مجرّد الحكاية.
', 308), (21, 309, 'book', '
لوازم المعنى المطابقىّ الاستعمالىّ كما في زيد كثير الرماد، أو حكماً لما هو من لوازمه كما في أكرم كثير الرماد، أمّا لو اشترطنا ذلك، فالكناية في المقام في ذاتها غير معقولة؛إذ ليس تنزيل المظنون منزلة المقطوع لازماً لتنزيل الظنّ منزلة القطع، ولا حكماً لما يلزمه، أمّا الأوّل فواضح؛ لعدم أىّ ملازمة بين التنزيلين، وأمّا الثاني فلأنّه إنكان المراد بالمظنون المظنون بالذات ـ وهي الصورة الذهنيّة الملازمة للظنّ ـ فليس هو موضوعاً لهذا التنزيل، وإن كان المراد به المظنون بالعرض وهو الحكم الواقعىّ، فلا تلازم بينه وبين الظنّ.
والمحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) على الرغم من أنّه ذهب إلى اشتراط اللزوم في باب الكناية قال بإمكان الكناية في المقام؛ وذلك بدعوى أنّ المراد بالمظنون هو المظنون بالذات، ولكن لا بما هو، بل بما هو فان في المظنون بالعرض، فاللزوم ثابت؛ لأنّ المظنون بالذات يلازم الظنّ، وفي نفس الوقت لا يرى به إلّا المظنون بالعرض على ما هو شأن الفناء، وهو الحكم المجعول من قبل الشارع.
ويرد عليه: أنّه إن نظرنا إلى ظنّنا نظراً فنائيّاً، قلنا بهذا النظر: إنّه لا تلازم بين المظنون والظنّ؛ إذ لا نرى بهذا الظنّ إلّا المظنون بالعرض الذي هو قابل للانفكاك عن الظنّ، وإن نظرنا إليه بالنظر المستقلّ، لم يكن المظنون حكماً مجعولاً من قبل الشارع.
والصحيح: أنّ أصل ما جعله شرطاً في الكناية من اللزوم ممّا لا وجه له؛ فإنّ الذي يقوّم الكناية ـ وهو الانتقال من المدلول الاستعمالىّ إلى معنى آخر كي يصبح من الصحيح جعله مدلولاً جدّياً للكلام ـ تكفي فيه المناسبة، وهي غير منحصرة في اللزوم، ومن المناسبات نفس الكاشفيّة والمنكشفيّة، إلّا أن تفرض كلمة الكناية اصطلاحاً خاصّاً لفرض اللزوم، وعندئذ يرد عليه:
أنّنا لانحتاج فيما نحن فيه لإثبات المطلوب إلى تلك الكناية، بل نحتاج إلى ما هو أعمّ منها.
وقد يخطر بالبال الإيراد على المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) بمنع عدم إمكان الجمع بينالتنزيلين واللحاظين؛ وذلك ـ على رغم افتراضنا أنّ التنجيز والتعذير غير قابلين للجعل مباشرة ـ باعتبار أنّهما قابلان للجعل بالتبع: بأن يجعل المولى المظنون منزلة المعلوم،
', '', 309), (21, 310, 'book', 'فبالتبع سينتج الظنّ نتيجة العلم من التنجيز والتعذير، فليقصد بقوله: (نزّلت الظنّ منزلة القطع) تنزيله منزلته في الأثر الشرعىّ والعقلىّ معاً بلا كناية ولا لحاظ آلىّ؛ إذ بإمكانه ترتيب كلا الأثرين ولو كان أحدهما بالمباشرة والثاني بالتبع، فوزان هذا التعبير هو وزان قوله: (الناس مسلّطون على أموالهم) حيث نقول: إنّه يشمل بالإطلاق الحكم التكليفىّ، وهو حلّيّة التصرّف الاستهلاكىّ، والحكم الوضعىّ، وهو السلطة على البيع، على الرغم من أنّ السلطة على البيع ليست مجعولة بالأصالة كالحلّيّة، وإنّما هي بتبع جعل آخر، وهو تنفيذ البيع.
ولايقال: إنّ هذا البيان إنّما يتعقّل في الإخبار، أمّا مع استظهار كون قوله: (نزّلت الظنّ منزلة القطع) إنشاء، فلا يتمّ ذلك؛ لأنّ المفروض استحالة جعل الظنّ منزلة القطع في الآثار العقليّة، إلّا بأن يفرض أنّ المقصود هو إنشاء جعل المظنون منزلة المقطوع كي يصبح الظنّ بالتبع بمنزلة القطع، لكنّ هذا عبارة عن الكناية، فرجع المحذور مرّة اُخرى.
فإنّه يقال: إنّ هذا الإشكال نشأ من تخيّل أنّ عالم الثبوت كعالم الإثبات؛ فإنّ إنشائيّة الكلام وإخباريّته مرتبطة بعالم الإثبات لا بعالم الثبوت كي يكون إنشاء شيء مستلزماً لجعله ثبوتاً بالأصالة لا بالتبع كما هو إثباتاً متعلّق به بالأصالة لا بالتبع.
والجواب عن هذا الإيراد: أنّ قياس المقام بمثل: (الناس مسلّطون على أموالهم) قياس مع الفارق؛ لأنّ التنجيز والتعذير ليسا مترتّبين على جعل الشارع للمظنون منزلة المقطوع بلاتوسّط أمر تكوينىّ كي يكونا مجعولين بالتبع، كما هو الحال في ترتّب سلطنة المالك مباشرة على تنفيذ البيع، وإنّما يترتّبان عليه بتوسّط العلم به الذي هو أمر تكوينىّ، فالذي قام حقيقة مقام العلم بالواقع الحقيقىّ إنّما هو العلم بالواقع التنزيلىّ لاالظنّ بالواقع الحقيقىّ، فلا يمكن ثبوت إطلاق من هذا القبيل لمثل قوله: (نزّلت الظنّ منزلة القطع).
والتحقيق في مقام الإيراد على المحقّق الخراسانىّ(قدس سره) ذكر جوابين:
الأوّل: أنّ بالإمكان فرض قيام الظنّ مقام القطع بكلا قسميه من دون جمع بين اللحاظين؛ وذلك بأن يقصد بهذا الكلام بالمطابقة قيام الظنّ مقام القطع الموضوعىّ فحسب، ولكنّ إطلاق قيامه مقام القطع الموضوعىّ يدلّ بالالتزام على قيامه مقام القطع الطريقىّ؛ وذلك لأنّ دليل قيام الظنّ مقام القطع الموضوعىّ كما يدلّ على قيامه مقامه في
', '', 310), (21, 311, 'book', 'الأحكام الواقعيّة كجواز الائتمام ـ مثلاً ـ في العلم بالعدالة، كذلك يدلّ بالإطلاق على قيامه مقامه في إنهاء الأحكام الطريقيّة التنجيزيّة والتعذيريّة، كأصالة الاحتياط وأصالة البراءة الشرعيّتين، وقاعدة الفراغ والتجاوز، وغير ذلك من الأحكام الطريقيّة المغيّاة بالعلم، وصحيح أنّ هذا لايكون مستلزماً لتنجيز الواقع والتعذير عنه؛ إذ إسقاط المنجّزات والمعذّرات الشرعيّة لا يستلزم عقلاً التعذير أو التنجيز، ولكنّنا لا نحتمل فقهيّاً ثبوت سقوط الاُصول الشرعيّة بالنسبة إلى شيء من دون قيام حجّة عليه نفياً أو إثباتاً، وبهذا يثبت المطلوب(1).
الثاني: أنّنا لنسلّم أنّ حمل قوله مثلاً: (الظنّ كالقطع) على التنزيل بالمعنى المصطلح بلحاظ كلا قسمي القطع يورّطنا في مشكلة الجمع بين لحاظين؛ إذ إنّ حكم القطع الموضوعىّ يمكن إثباته للظنّ بالتنزيل، أمّا حكم القطع الطريقىّ، فلا يثبت بهذا التنزيل، لا بالأصالة؛ لأنّ المفروض عدم إمكان جعل المنجّزيّة والمعذّريّة، ولا بالتبع؛ لأنّ المفروض أنّ ترتّب التنجيز والتعذير على الظنّ يكون بواسطة الأمر التكوينىّ، وهو العلم بالواقع التنزيليّ، فنضطرّ إلى حمله على إرادة تنزيل المظنون منزلة الواقع، وهذا هو الجمع بين اللحاظين. إلّا أنّ التنزيل بالمعنى المصطلح لا يتعقّل في القطع الطريقىّ في موارد الشبهات الحكميّة حتّى بعد الحمل على إرادة تنزيل المظنون منزلة الواقع؛ إذ ما معنى تنزيله منزلة الواقع في الحكم، في حين أنّ الواقع هو الحكم، وهو المعنىّ بثبوته ظاهراً؟! فليس الهدف هو تنزيل المظنون منزلة الواقع في الحكم، وإنّما الهدف افتراض المظنون كأنّه هو الواقع، أي: أن يحكم المولى ظاهراً على وفق المظنون، إذن فالمفهوم من قوله: (الظنّ كالقطع) هو التشبيه لا التنزيل، والتشبيه من الممكن شموله لكلا قسمي الأثر
', '(1) أقول: إنّ هذا الإشكال ـ وإن كان وارداً على المحقّق الخراسانيّ(رحمه الله) على مستوى أنّه ادّعى استحالة دلالة دليل التنزيل على كلا التنزيلين، فثبت بهذا البيان عدم استحالة ذلك ـ لا يناسب عمليّاً ما بيدنا من منهج البحث؛ ذلك لأنّ هذا إنّما يتمّ فيما إذا استظهرنا من دليل التنزيل تنزيل الظنّ ابتداءً منزلة القطع الموضوعىّ، ثُمّ أردنا أن نتعدّى إلى تنزيله منزلة القطع الطريقىّ، فهذا بيان لطيف لإثبات التعدّي.
ولكن الواقع هو العكس؛ إذ نستظهر ابتداءً من دليل التنزيل تنزيل المظنون منزلة الواقع، أو قل: تنزيل الظنّ منزلة القطع بالنظر الآلىّ، ونلتمس وجهاً للتعميم والتعدّي إلى تنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعىّ، وهذا البيان لايفيد ذلك، فبحدود ما هو المفترض خارجاً من كون المتيقّن من مفاد الأدلّة إنّما هو الحجّيّة يكون إشكال المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) على التعميم مازال باقياً على قوّته.
', 311), (21, 312, 'book', '
بلا حاجة إلى الجمع بين اللحاظين أو الصراحة والكناية، فيكون معنى قوله: (الظنّ كالقطع) هو أنّ الظنّ يشبه القطع، أي: إنّ من يظنّ بشيء، فعليه أن يعمل بنحو كأنّه قاطع به سواء بلحاظ الآثار الشرعيّة أو بلحاظ الآثار العقليّة، وهذا لا بأس به، ولا يهمّنا في ذلك الفرق الموجود بين الأثرين: من أنّ الأثر الشرعىّ يترتّب مباشرة على الظنّ، والأثر العقلىّ يترتّب في الواقع على العلم بالحكم الظاهرىّ لا على الظنّ بالحكم الواقعىّ.
وهذا نظير ما لو قال المولى لعبده: إن رزقت ولداً، فاصنع ما يصنعه عبد فلان حينما يرزق ولداً، فإنّ هذا ليس تنزيلاً بالمعنى المصطلح؛ إذ ليس لهذا المولى حكم على ذاك العبد حينما يرزق ولداً حتّى يسريه بالتنزيل إلى مورد كلامه، وإنّما حكم ذاك العبد مرتبط بمولاه، ولكنّه تشبيه وبيان لوجوب فعل ما يشبه فعل ذاك العبد على هذا العبد.
وقد ظهر ممّا ذكرناه: أنّ جعل الحكم المماثل بتنزيل المؤدّى منزلة الواقع غير معقول؛ إذ ليس للواقع حكم مماثل يسري إلى المؤدّى، وإنّما الواقع هو الحكم الذي يراد جعل مثله، فيصحّ التشبيه لا التنزيل.
هذا. وقد أشكل المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) على ما مضى ـ من تقريبه لعدم إمكان فهم كلا التنزيلين من دليل واحد للزوم الجمع بين اللحاظين ـ بوجهين في تعليقته على الرسائل: أحدهما إشكال على تقدير واحد، والآخر إشكال على كلّ تقدير:
أمّا الوجه الأوّل: فهو إشكال على تقدير بيان التنزيل بلسان الإخبار دون الإنشاء، وتوضيح ذلك: أنّه لو فرض تحقّق كلا التنزيلين بإنشاء واحد: وهو إنشاء جعل الظنّ كالقطع، والإنشاء بنفسه موجد لمعناه من الجعل على مبنى المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)، فهذا محال؛ لاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلىّ والاستقلالىّ. أمّا لو جعل ابتداءً الظنّ مقام القطع الموضوعىّ باللحاظ الاستقلالىّ، وجعل ـ أيضاً ـ الظنّ مقام القطع الطريقىّ باللحاظ الآلىّ؛ وذلك بجعلين مختلفين لا بجعل واحد، فلم يلزم الجمع بين اللحاظين، ثُمّ أخبر: بأنّي جعلت الظنّ بمنزلة القطع، وأراد بذلك ما يقتضيه إطلاق الكلام من المفهوم الجامع بين الظنّ الآليّ والاستقلاليّ، والمفهوم الجامع بين القطع الآلىّ والاستقلالىّ، فقد أخبر بقيام كلّ من الظنّ الآلىّ والاستقلالىّ مقام ما يناسبه من القطع، فلا إشكال في المقام.
وبكلمة اُخرى نقول: إنّ مقتضى الإطلاق للإخبار هو ثبوت التنزيل في كلتا الحالتين
', '', 312), (21, 313, 'book', 'للظنّ (حالة كونه ملحوظاً آليّاً، وحالة كونه ملحوظاً استقلاليّاً)، ونفس اللحاظين الآلىّ والاستقلالىّ قد تحقّقا عند الجعلين قبل هذا الإخبار، فلم يلزم الجمع بين لحاظ آلىّ ولحاظ استقلالىّ.
ثُمّ استدرك هو(رحمه الله) في تعليقته على الرسائل على هذا البيان بأنّه: صحيح أنّ إشكال الجمع بين اللحاظين لا يرد على تقدير الإخبار، ولكن يبقى الدليل على ثبوت كلا التنزيلين هو الإطلاق، ولا إطلاق في المقام؛ لوجود القدر المتيقّن في المقام، وهو إقامة الظنّ مقام القطع الطريقيّ، وذلك يضرّ بتماميّة الإطلاق ومقدّمات الحكمة.
أقول: نحن قد حقّقنا في محلّه عدم مضرّيّة وجود القدر المتيقّن بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، سواء كان من الخارج أو في مقام التخاطب. ولكن مع ذلك نقول في المقام بعدم إمكان التمسّك بالإطلاق لإثبات التنزيل بكلا اللحاظين، لالوجود القدر المتيقّن كما قال، بل لأنّ ما يثبته الإطلاق هو إلغاء الخصوصيّات، ومقصودنا فيما نحن فيه هو الجمع بين الخصوصيّات، فليس حال الإطلاق في المقام حال الإطلاق في (أحلّ الله البيع) للبيع العقدىّ والمعاطاتىّ مثلاً، فلو قال: (أحلّ الله البيع)، كان مقتضى إطلاق الكلام عدم دخل المعاطاتيّة والعقديّة في الحكم، وهذا ينتج سريان الحكم إلى العقدىّ والمعاطاتىّ معاً. أمّا فيما نحن فيه، فسريان الحكم إلى كلّ من الظنّ الآلىّ والاستقلالىّ ليس نتيجة عدم دخل الآليّة والاستقلاليّة في الحكم، وإنّما هو نتيجة دخل كلتيهما في الحكم، والإطلاق لا يفيد ذلك.
نعم هنا كلام، وهو: أنّ في قوله: (أحلّ الله البيع) كما يحتمل عدم دخل المعاطاتيّة والعقديّة في الحكم كذلك يحتمل دخل كلتيهما في الحكم؛ لأنّ بيان الحكم الذي يكون في عالم الثبوت بنحو العموم بلسان الإطلاق إثباتاً ليس مخالفاً للبيان العرفىّ، فيمكن أن يتوهّم أنّ هذا بعينه يأتي في المقام، فيقال: صحيح أنّ الإطلاق لم يقتض الكشف عن دخل الآليّة والاستقلاليّة في الحكم، لكنّهما كانتا دخيلتين في عالم الثبوت، ولم يذكرهما المولى في عالم الإثبات، كما فرضنا أنّ العقديّة والمعاطاتيّة دخيلتان في عالم الثبوت، ولم يذكرهما المولى في مقام الإثبات، على ما هو شأن بيان ما هو عامّ ثبوتاً بلسان الإطلاق إثباتاً الذي قلنا: إنّه ليس مخالفاً للبيانات العرفيّة.
$
', '', 313), (21, 314, 'book', 'والجواب: أنّ الكشف عن المعاطاتيّة والعقديّة لم يكن شرطاً لفهم سريان الحكم إلى كلّ من العقدىّ والمعاطاتىّ؛ إذ كون الحكم ثابتاً على ذات البيع كاف للسريان إليهما، وعندئذ يقال: إنّ بيان الحكم العامّ بلسان الحكم المطلق الثابت على الجامع أمر عرفىّ. وهذا بخلاف ما نحن فيه؛ فإنّه ما لم يكشف عن الآليّة لم يفهم سريان الحكم من الظنّ إلى المظنون، وما لم يكشف عن الاستقلاليّة لا يفهم ثبوت الحكم لنفس الظنّ، فلابدّ من الكشف عن الآليّة والاستقلاليّة، وقد فرضنا أنّ وظيفة الإطلاق ليست هي الجمع بين الخصوصيّات.
وأمّا الوجه الثاني: فهو إشكال على كلا تقديري الإخبار والإنشاء، وبيانه: أنّ بالإمكان استفادة نتيجة التنزيلين من دون التورّط في الجمع بين اللحاظين؛ وذلك لأنّ قوله: (الظنّ كالقطع) لا يدلّ بالمطابقة إلّا على تنزيل واحد، وهو تنزيل المظنون منزلة الواقع، فليس هناك جمع بين لحاظين، ولكنّنا نستفيد بالدلالة الالتزاميّة أنّ القطع بهذا الواقع التنزيلىّ منزّل منزلة القطع بالواقع الحقيقىّ، وهذا يفيد نتيجة قيام الظنّ بالواقع مقام القطع به؛ فإنّ القطع بالواقع التنزيلىّ ملازم للظنّ بالواقع الحقيقىّ.
أمّا الوجه في هذه الدلالة الالتزاميّة، فالظاهر من عبارته في التعليقة على الرسائل أنّه هو مجرّد دعوى فهم العرف، فالعرف يرى أنّه إذا كان المظنون واقعاً تعبّداً، فالقطع به قطع بالواقع ـ أيضاً ـ تعبّداً، وذلك من قبيل أنّه لو كان ابن زيد بمنزلة ابني، فابن ابنه بمنزلة حفيدي.
إلّا أنّ المنقول عن المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) الذي هو تلميذ للمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله): أنّه فسّر عبارة اُستاذه في الكفاية بتفسير آخر: وهو ثبوت الملازمة بدلالة الاقتضاء، وصون كلام الحكيم من اللغويّة.
توضيح ذلك: أنّ صاحب الكفاية(رحمه الله) فرض الكلام فيما إذا كان القطع جزءاً للموضوع إلى صفّ الواقع، فيقال ـ عندئذ ـ: إنّ تنزيل المظنون منزلة الواقع من دون تتميم الأمر بتنزيل آخر لغو؛ إذ الواقع لم يكن إلّا جزءاً للموضوع، فلا يترتّب على المظنون أثر الواقع ما لم يحرز الجزء الآخر، فيدلّ ذلك بدلالة الاقتضاء على أنّ الجزء الآخر ـ أيضاً ـ قد نزّل شيء منزلته، والشيء المناسب لذلك هو القطع بالواقع التنزيلىّ، فهذا منزّل منزلة القطع
', '', 314), (21, 315, 'book', 'بالواقع الحقيقىّ ؛ كي يتمّ بذلك الموضوع، ويترتّب الأثر، وتنتفي اللغويّة.
وعلى أيّة حال، فقد أورد صاحب الكفاية(رحمه الله) على ذلك في كفايته ما يمكن شرحه في ضمن بيان أمرين:
الأوّل: أنّ تنزيل القطع بالواقع التنزيلىّ منزلة القطع بالواقع الحقيقىّ يكون في طول تنزيل المظنون منزلة الواقع، لا بمعنى الطوليّة بحسب عالم الدلالة؛ لكون الدلالة الالتزاميّة في طول الدلالة المطابقيّة كما قد يتراءى من بعض عبائر الكفاية، بل بمعنى الطوليّة بين ذات التنزيلين؛ لكون فعليّة تنزيل القطع بالواقع التنزيلىّ فرع فعليّة طرفه، وهو القطع بالواقع التنزيلىّ الذي هو في طول نفس الواقع التنزيلىّ الذي هو في طول تنزيل المظنون منزلة الواقع.
والثاني: أنّ الحكم الواحد لئن كان ينحلّ بحسب تعدّد أفراد الموضوع، فمن الواضح أنّه لا يعقل انحلاله على أجزاء الموضوع، فوجوب إكرام العالم العادل لا ينحلّ إلى حكمين باعتبار العلم والعدالة، ومن هنا يتّضح أنّ التنزيلين بلحاظ جزئي الموضوع لا يعقل فيهما الطوليّة زماناً أو رتبة؛ لأنّهما بروحهما تنزيل واحد؛ لما عرفت من عدم انحلال الحكم بلحاظ أجزاء موضوعه حتّى يترتّب أحد أفراد الحكم على ما نزّل منزلة جزء الموضوع، والتنزيل إنّما هو عبارة عن إسراء الحكم، فلابدّ من كون التنزيلين في عرض واحد، فبتنزيل الجزء الأوّل لا يترتّب الحكم؛ كي يتمّ التنزيل حقيقة؛ كي تصل النوبة إلى التنزيل الآخر الذي هو في طوله.
وبتعبير آخر: أنّ تنزيل شيء منزلة أحد جزئي الموضوع لا يعقل إلّا إذا كان الجزء الآخر ثابتاً حقيقة، أو بتنزيل في عرض ذلك التنزيل.
وأورد المحقّق العراقىّ(رحمه الله) على ما في الكفاية: أنّ تنزيل شيء منزلة جزء الموضوع لا يعني تنزيله منزلته في الحكم الفعلىّ؛ كي يقال: إنّ الحكم إنّما يترتّب على مجموع الجزءين لا على أحدهما، بل يعني تنزيله منزلته في الحكم التعليقىّ، أي: في ترتّب الحكم عليه على تقدير تحقّق الجزء الآخر، وهذا أمر معقول، فقد ينزّل المولى بعد هذا التنزيل شيئاً آخر منزلة الجزء الآخر؛ ليخرج ذلك الحكم التعليقىّ عن التعليق إلى الفعليّة، ولا ضير في ذلك.
$
', '', 315), (21, 316, 'book', 'ويرد عليه: أنّ هذا التخريج في خصوص ما نحن فيه غير وارد؛ لأنّ تنزيل المظنون منزلة الواقع إنّما هو حكم ظاهرىّ، فلو فرض حقّاً أنّه إجراء لنفس الحكم التعليقىّ الثابت على الواقع كما هو المفروض إرادته بكلمة التنزيل، قلنا: إنّ الحكم التعليقىّ الثابت على الواقع قبل التنزيل الثاني إنّما هو معلّق على العلم بالواقع، في حين أنّه لا يعقل تعليق حكم المظنون الذي نزّل منزلة الواقع على العلم بالواقع؛ إذ مع العلم به ينتفي أصل التنزيل الأوّل الذي كان حكماً ظاهريّاً.
فلو فرض المحقّق العراقىّ(رحمه الله) أنّ ما هو المعلّق عليه الحكم الذي جعل بالتنزيل الأوّل عبارة عن القطع بالواقع الحقيقىّ، لم يناسب ذلك كون التنزيل الأوّل حكماً ظاهريّاً.
ولو فرض أنّ ما هو المعلّق عليه لذلك الحكم عبارة عن القطع بالواقع الجعلىّ، ورد عليه:
أوّلاً: أنّ هذا خلف فرض التنزيل؛ لأنّ التنزيل عبارة عن إسراء نفس حكم المنزّل عليه إلى المنزّل، وحكم المنزّل عليه هو الحرمة المعلّقة على القطع بالواقع الحقيقىّ.
وثانياً: أنّ هذا خلف لما هو المفروض من الاحتياج بعد التنزيل الأوّل إلى تنزيل جديد؛ إذ بمجرّد العلم بالواقع الجعلىّ يتحقّق ما علّق عليه الحكم، وهو القطع بالواقع الجعلىّ، فيصير الحكم فعليّاً بلا حاجة إلى تنزيل جديد. أو قل: إنّ قوله: (جعلت الحرمة لمظنون الخمريّة على تقدير القطع بالواقع الجعلىّ) يكون في الحقيقة متكفّلاً لكلا التنزيلين.
وثالثاً: أنّه على هذا الوجه يلزم تعليق الحرمة على القطع بتلك الحرمة، والمحقّق العراقىّ(رحمه الله) لايجوّز تعليق الحكم على القطع به.
وجه اللزوم: أنّ المفروض أنّ الحرمة علّقت على القطع بالواقع الجعلىّ، وليس جعل الواقع إلّا عبارة عن التنزيل، وليس التنزيل إلّا عبارة عن إسراء الحكم ـ وهو الحرمة ـ إلى المنزّل عليه، وهذا عبارة عن جعل الحرمة، فلزم كون الحرمة معلّقة على القطع بالحرمة.
ولو فرض المحقّق العراقىّ(رحمه الله) أنّ ما هو المعلّق عليه الحكم المجعول بالتنزيل الأوّل عبارة عن الجامع بين القطع بالواقع الحقيقىّ والقطع بالواقع الجعلىّ، ورد عليه:
أوّلاً: أنّ المعلّق عليه الحكم الواقعىّ قبل التنزيل الأوّل كان هو القطع بالواقع الحقيقيّ،
', '', 316), (21, 317, 'book', 'والمفروض أنّ تحوّله بالتنزيل الثاني إلى الجامع بين القطع بالواقع الحقيقىّ والقطع بالواقع الجعلىّ إنّما صار بعد التنزيل الأوّل، إذن فمقتضى جرّ نفس الحكم بالتنزيل الأوّل كون المعلّق عليه الحكم المجعول به هو القطع بالواقع الحقيقىّ دون الجامع بين القطعين، إلّا أن يفترض أنّ للتنزيل نظراً إلى الحكم الواقعىّ المتأخّر عنه، وهو مستحيل.
وثانياً: أنّه إن اُريد بالجامع الجامع بين القطع بالواقع الحقيقىّ ونفس عنوان القطع بالواقع الجعلىّ، لم تكن حاجة إلى التنزيل الثاني؛ لكفاية القطع بالواقع الجعلىّ ـ عندئذ ـ في فعليّة الحكم.
وإن اُريد به الجامع بين القطع بالواقع الحقيقىّ وما كان منزّلاً منزلته بحيث اُخذ في الفرد الثاني من الجامع عنوان التنزيل، فعندئذ وإن كنّا نحن بحاجة إلى التنزيل الثاني، لكنّ التنزيل الأوّل على هذا ليس تنزيلاً حتّى لو تنزّلنا عن الإشكال الأوّل؛ لأنّنا لو تنزّلنا عن الإشكال الأوّل، وافترضنا المعلّق عليه الحكم الواقعىّ هو الجامع، فإنّما هو الجامع بين القطع بالواقع وواقع ما نزّل منزلته، وهو القطع بالواقع الجعلىّ، لا الجامع بين القطع بالواقع وعنوان ما نزّل منزلته.
وثالثاً: أنّه لا يعقل التعليق على الجامع بين القطع بالواقع الحقيقىّ والقطع بالواقع الجعلىّ؛ لعدم معقوليّة التعليق على الفرد الثاني ولو في ضمن الجامع؛ لاستلزامه أخذ القطع بالحرمة في موضوع تلك الحرمة.
وقد تحصّل بكلّ هذا: أنّ إشكال المحقّق العراقىّ(رحمه الله) على ما أورده في الكفاية كردّ لما جاء في تعليقته على الرسائل غير تامّ.
نعم، الصحيح: أنّ كلام صاحب الكفاية الذي أورده على ما في تعليقته على الرسائل ـ أيضاً ـ غير تامّ، سواء حمل ما في التعليقة على دعوى الملازمة العرفيّة، أو حمل على دعوى دلالة الاقتضاء.
أمّا على الأوّل وهو دعوى الملازمة العرفيّة؛ فلأنّه بالإمكان أن يقتصر أوّلاً في الاستفادة منها لتنزيل طولىّ على مورد ما إذا كان الواقع موضوعاً مستقلّاً للحكم، والعلم به موضوعاً لحكم آخر، فالدليل ينزّل المظنون منزلة الواقع بالمطابقة، وينزّل العلم بالواقع التنزيلىّ منزلة العلم بالواقع الحقيقىّ بالملازمة العرفيّة، وهما تنزيلان مستقلّان بلحاظ
', '', 317), (21, 318, 'book', 'حكمين متعدّدين، فلا ضير في فرض الطوليّة بينهما، ثُمّ نتعدّى من هذا المورد إلى مورد ما إذا كان كلّ من الواقع والعلم جزء الموضوع بمثل عدم احتمال الفصل(1).
وأمّا على الثاني وهو دعوى دلالة الاقتضاء، فهي تكون ابتداءً في مورد ما إذا كان كلّ منهما جزء الموضوع، ويتعدّى إلى غيره بعدم الفصل، إلّا أنّنا حتّى لو سلّمنا أنّ المناسب والمستظهر عرفاً هو تنزيل القطع بالواقع التنزيلىّ (لا الظنّ بالواقع الحقيقىّ) منزلة القطع بالواقع الحقيقىّ، فاستحالة ذلك عقلاً تجعلنا ننتقل إلى تنزيل الظنّ بالواقع الحقيقىّ ـ مثلاً ـ منزلة القطع به؛ إشباعاً لدلالة الاقتضاء لا أن نرفع يدنا من أصل دلالة الاقتضاء.
وأمّا أصل تقريب صاحب الكفاية(رحمه الله) لاستفادة التنزيلين المذكور في تعليقته، فأيضاً هو غير صحيح، سواء قصد بذلك دعوى الملازمة العرفيّة، أو قصد دعوى دلالة الاقتضاء.
أمّا إذا قصد دعوى الملازمة العرفيّة؛ فلأنّ فرض فهم العرف للملازمة إنّما ينتهي إلى حجّيّة شرعيّة لو كان بمستوىً أوجب دلالة التزاميّة للكلام، وفيما نحن فيه ليس الأمر كذلك؛ فإنّ العرف لا ينتقل ذهنه من تصوّر تنزيل المظنون منزلة الواقع إلى تصوّر كون القطع بالواقع الجعلىّ منزّلاً منزلة القطع بالواقع الحقيقىّ فضلاً عن أن يفهم ذلك بالدلالة الالتزاميّة من الكلام، ومجرّد افتراض أن لو ألفت شخص نظره إلى ذلك لاعتقد بالملازمة بين التنزيلين، لا يكفي لتماميّة الدلالة الالتزاميّة، ولو شكّ في الظهور العرفىّ والدلالة الالتزاميّة، كفى الشكّ في عدم ترتيب آثار القطع الموضوعىّ على القطع بالواقع الجعلىّ.
وأمّا إذا قصد دعوى دلالة الاقتضاء؛ فلأنّه يكفي لعدم اللغويّة شمول دليل تنزيل المظنون منزلة الواقع لموارد كون الواقع تمام الموضوع، وأمّا إطلاقه لموارد كون الواقع جزء الموضوع، فلايوجب التمسّك بدلالة الاقتضاء؛ لأنّ الإطلاق ـ دائماً ـ مقيّد بقيد لبّيّ كالمتّصل بثبوت الفائدة وعدم اللغويّة، فإثبات تحقّق القيد بنفس الإطلاق تمسّك
', '(1) ويكمّل هذا التقريب بدعوى أنّنا نتصوّر التنزيلين فيما تعدّينا إليه بشكل غير طولىّ: بأن يكونا عبارة عن تنزيل المظنون منزلة الواقع، وتنزيل الظنّ بالواقع منزلة القطع به مثلاً، لا تنزيل القطع بالواقع التنزيلىّ منزلة القطع بالواقع الحقيقىّ، وإلّا لعاد إشكال الطوليّة. ففائدة الاقتصار أوّلاً على مورد ما إذا كان كلّ منهما موضوعاً مستقلّاً لحكم، ثُمّ التعدّي بعدم الفصل إلى ما إذا كان كلّ منهما جزء الموضوع هي: إنّه لو ادّعي أنّ طرف الملازمة العرفيّة إنّما هو تنزيل القطع بالواقع التنزيلىّ (لا الظنّ بالواقع الحقيقىّ) منزلة القطع بالواقع، لم يضرّنا هذا الادّعاء؛ لأنّنا إنّما استفدنا من هذه الملازمة أوّلاً في حكمين مستقلّين لا ضير في الطوليّة بلحاظهما، ثُمّ تعدّينا إلى غير المورد بعدم الفصل بشكل لم يكن فيه إشكال الطوليّة.
', 318), (21, 319, 'book', '
بالمطلق في الشبهة المصداقيّة للقيد المتّصل، وهو واضح البطلان.
بقي في المقام تحقيق الحال في الكبرى التي طرحها صاحب الكفاية في كفايته: من أنّه متى ما اُريد تنزيل شيئين منزلة جزئي الموضوع، يجب أن يكون التنزيلان عرضيّين لاطوليّين.
فنقول:
تارة يراد تنزيل مجموع الجزءين منزلة مجموع الجزءين، بحيث لا يكفي التلفيق من أحد الجزءين الأصليّين مع أحد الجزءين التنزيليّين في تحقّق الحكم، وعندئذ لابدّ من اتّحاد التنزيليين رتبة وزماناً وسنخاً، بل وحدة التنزيل.
واُخرى يراد تنزيل الجزءين بشكل يمكن التلفيق، وعلى هذا الفرض نتكلّم في صورتين:
الصورة الاُولى: ما لو اُريد تنزيل شيئين منزلة جزئي الموضوع مع عدم كون أحد الجزءين عبارة عن القطع بالواقع، بل كان كلّ منهما أمراً واقعيّاً كالاجتهاد والعدالة في جواز التقليد مثلاً، وعندئذ تارة يفرض أنّ التنزيلين من سنخ واحد: بأن كان كلاهما واقعيّين أو كلاهما ظاهريّين(1)، واُخرى يفرض التنزيلان متخالفين في السنخ: بأن كان أحدهما ظاهريّاً والآخر واقعيّاً.
فإن فرضناهما من سنخ واحد، أمكن أن يكون التنزيلان عرضيّين، وأمكن أن يكونا طوليّين، وليس من الضروريّ أن يكونا عرضيّين؛ وذلك لما مضى عن المحقّق العراقىّ(رحمه الله): من إمكان التنزيل بلحاظ الحكم التعليقىّ، فمن الممكن أن ينزّل الكرم ـ مثلاً ـ منزلة العدالة، فيثبت بالنسبة إليه جواز التقليد معلّقاً على الاجتهاد، ثُمّ تنزّل الهاشميّة ـ مثلاً ـ منزلة الاجتهاد فيما له من جواز التقليد مهما انضمّ إلى جامع العدالة والكرم.
وإن فرضناهما من سنخين، فهنا لابدّ أن يكون التنزيل الظاهرىّ في طول التنزيل الواقعيّ؛ لأنّ التنزيل الظاهرىّ عبارة عن جعل حكم مماثل للواقع، والتنزيل الواقعىّ
', '(1) أفاد اُستاذنا الشهيد (رضوان الله عليه): أنّ التنزيل إذا كان يلائم الواقع ويجتمع معه، فهو ظاهرىّ، وإذا كان متكفّلاً لتغيير في دائرة الواقع، فهو واقعىّ، ومقتضى إطلاق الأدلّة الواقعيّة ـ دائماً ـ هو حمل التنزيل على كونه ظاهريّاً، فيحمل على الظاهريّة، إلّا إذا لم يمكن حمله عليها؛ لعدم الشكّ في الواقع، أو أمكن حمله عليها، لكنّه كان خلاف الظاهر كما إذا لم يكن موضوعه الشكّ. انتهى.
', 319), (21, 320, 'book', '
يتصرّف في دائرة المماثل (بالفتح)، وهو مقدّم على المماثل (بالكسر).
الصورة الثانية: هي ما كان مورد بحثنا في المقام، وهو تنزيل المظنون منزلة الواقع، وتنزيل شيء آخر منزلة القطع بالواقع. ولا إشكال هنا في أنّ تنزيل المظنون منزلة الواقع ظاهرىّ؛ لكون موضوعه الشكّ، وقابليّة كونه بنحو يكون بداعي التحفّظ على الواقع، فيجتمع مع الواقع. كما أنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ التنزيل الآخر تنزيل واقعىّ؛ إذ إنّ عدم القطع بالواقع معلوم، ولا شكّ في ذلك حتّى يجعل حكم ظاهرىّ بداعي التحفّظ على الواقع.
وعليه نقول: إنّ تنزيل المظنون منزلة الواقع الذي هو تنزيل ظاهرىّ يجب أن يكون في طول التنزيل الآخر؛ لما مضى: من أنّ التنزيل الظاهرىّ يكون بمعنى جعل حكم ظاهراً مماثل للواقع، والتنزيل الواقعىّ مربوط بتحديد حدود المماثل (بالفتح)، وهو مقدّم على المماثل (بالكسر). ومن هنا يجب أن يكون ما نزّل منزلة القطع بالواقع الحقيقىّ غير القطع بالواقع الجعلىّ، بناءً على أنّ القطع بالحكم لا يمكن أن يكون موضوعاً لنفس ذلك الحكم.
وعلى أىّ حال، فقد اتّضح بما ذكرناه: أنّ الطوليّة المذكورة في التعليقة على الرسائل غير معقولة، كما أنّ لزوم العرضيّة المذكورة في الكفاية غير صحيح. وإنّما الذي ينتج في المقام هو الطوليّة على عكس الطوليّة المذكورة في التعليقة، أي: إنّ تنزيل المظنون منزلة الواقع هو الذي يكون في طول التنزيل الآخر، لا العكس.
نعم، لو غفلنا عن اختلاف التنزيلين سنخاً في المقام، وتخيّلنا أنّهما معاً ظاهريّان، فالنتيجة بناءً على هذا هو إمكان العرضيّة وإمكان الطوليّة أيضاً: بأن يكون تنزيل المظنون منزلة الواقع في طول التنزيل الآخر، أمّا العكس فغير ممكن؛ إذ لو علّق الحكم الثابت بالتنزيل للمظنون على القطع بالواقع، استحال وصوله إلّا بفرض اجتماع الضدّين؛ إذ الظنّ والقطع ضدّان لا يجتمعان، ولو علّق على شيء آخر لم تتحقّق المماثلة بين الحكم الواقعىّ والحكم الثابت بالتنزيل.
فقد تحصّل: أنّه بعد فرض هذه الغفلة لا تصحّ ـ أيضاً ـ الطوليّة المذكورة في التعليقة، ولا لزوم العرضيّة المذكورة في الكفاية، بل يمكن العرضيّة، ويمكن الطوليّة بعكس الطوليّة المذكورة في التعليقة.
$
', '', 320), (21, 321, 'book', 'هذا تمام الكلام في هذا المقام بعد فرض البناء على مبنى المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله): من أنّ التنجيز والتعذير في الأمارات لا يمكن إلّا بجعل حكم تكليفىّ، بعد ضمّ ذلك إلى دعوى أنّ لسان دليل حجّيّة الأمارات هو تنزيل الظنّ منزلة القطع.
ولابدّ لنا من البحث في كلا هذين الأمرين، فيقع البحث:
أوّلاً: فيما هو الممكن في باب الأمارات والاُصول من العمليّة التي يترتّب عليها تنجّز الواقع والعذر عنه.
وثانياً: فيما هو الواقع من تلك الألسنة الممكنة.
وبعد ذلك نبحث ـ إن شاء الله ـ عن أنّ ما هو الواقع من تلك الألسنة، هل يتكفّل قيام الأمارة أو الأصل مقام القطع بكلا قسميه (الطريقىّ والموضوعىّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة)، أو لا؟ فهنا أبحاث ثلاثة:
الألسنة الممكنة لجعل الحجّيّة ثبوتاً
البحث الأوّل: فيما هو الممكن من ألسنة الحجّيّة المترتّب عليه التنجيز والتعذير.
وقد اشتهر أنّ ذلك لا يمكن إلّا بجعل حكم تكليفىّ.
وغاية ما يمكن أن يقال في وجه ذلك: إنّ آثار القطع من الكاشفيّة والتنجيز والتعذير بعضها تكوينىّ، وهو الأوّل، وبعضها عقلىّ، وهو الأخيران، والشارع لا يمكنه أن يوجد بالتشريع الأمر التكوينىّ أو الأمر العقلىّ.
والتحقيق: أنّه لو اُريد إيجاد نفس هذه الآثار وحقيقتها بالجعل، فهذا واضح الاستحالة، ولا نظنّ بأحد الالتزام بذلك، ولو اُريد إيجاد عناوينها اعتباراً وفرضاً من قبيل التبنّي في مجتمع يرى ذلك، فيجعل شخصاً بالجعل والاعتبار ابناً له، فهذا لا ينبغي الإشكال في إمكانه.
نعم، ينبغي الكلام في أنّه هل يترتّب على ذلك التنجيز والتعذير الحقيقيّان، أو لا؟ وفي تحقيق ذلك لابدّ من التفتيش عن نكتة التنجيز والتعذير حتّى يرى أنّ هذه النكتة هل هي موجودة في هذا الجعل والاعتبار، أو لا؟ فنقول:
إن سلكنا ما مضى منّا في المقام الأوّل من المسلك القائل بأنّ قاعدة قبح العقاب ليس
', '', 321), (21, 322, 'book', 'موضوعها خصوص عدم البيان، بل موضوعها عدم شيئين: أحدهما البيان، والآخر العلم بأنّ أهميّة الحكم عند المولى تكون بنحو لا يرضى بتركه عند الشكّ، كما لو غرق شخص، وكان فرض وجوب إنقاذه هو فرض كونه ابناً للمولى، ونحن نعلم أنّه لا يرضى بترك إنقاذ ابنه حتّى عند الشكّ، فنكتة التنجّز في ظرف الشكّ هي: العلم بعدم رضا المولى بمخالفة الحكم في ظرف الشكّ على فرض وجوده.
وهذه النكتة تنكشف بمثل قوله: جعلت الظنّ قطعاً، أو جعلته منجّزاً، أو نحو ذلك من الألسنة المناسبة للتعبير بها عن أهميّة الحكم في ظرف الشكّ على تقدير وجوده. فترتّب التنجيز على هذه الألسنة يكون بما لها من جهة الكشف لا بما لها من جهة الإيجاد كما تخيّل.
وإن لم نسلك هذا المسلك، وقلنا ـ كما لعلّه المشهور ـ: إنّ رفع قاعدة قبح العقاب بلابيان لايكون إلّا بالبيان، فعندئذ لابدّ من أن يكون ترتّب التنجيز على لسان الحجّيّة بما له من جهة الإيجاد، وبما أنّه لاشكّ عند أحد في تنجّز الواقع بقيام أمارة شرعيّة عليه لابدّ لأرباب هذا المسلك من دعوى أنّ المراد بالبيان في قاعدة قبح العقاب بلا بيان ما يعمّ البيان الحقيقىّ وبعض هذه الألسنة: من جعل الطريقيّة، أو المنجّزيّة، أو الحكم التكليفىّ، أو نحو ذلك، أو جميع هذه الألسنة. وأمّا لو اقتصر في تفسير موضوع القاعدة على البيان الحقيقىّ، فارتفاع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بمجرّد قيام الأمارة على رغم عدم العلم من المحالات. وإذا بني على تعميم البيان، وجعل موضوع القاعدة انتفاء أمرين: البيان الحقيقىّ، وبعض هذه الألسنة، فتعيين بعضها في قبال بعض لا يكون ببرهان فنّىّ، وينسدّ هنا باب البحث، ولا يكون تعيين ذلك إلّا بالوجدان، فربّما يعيّن شخص بوجدانه بعض الألسنة، وشخص آخر لساناً آخر، أو يرى ترتّب التنجيز على جميع هذه الألسنة.
لا يقال: إنّ المتعيّن هو لسان جعل الطريقيّة والبيان تعبّداً؛ لأنّه أنسب لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ فإنّ موضوعها هو البيان، ويناسبه جدّاً جعل البيان والطريقيّة.
فإنّه يقال: ليست كلمة البيان واردة فيما نحن فيه في حديث ـ مثلاً ـ كي يفتّش عمّا يناسبه، ويقال: إنّ المراد بالبيان ما يعمّه، وإنّما القاعدة عقليّة ووجدانيّة بحسب الفرض، فيجب أن يرى أنّ الوجدان هل يقبل بترتّب التنجيز على بعض هذه الألسنة؟ وما هو ذاك
', '', 322), (21, 323, 'book', 'اللسان الذي يحكم الوجدان بترتّب التنجيز عليه؟
وقد انقدح بما ذكرناه وجوه الخلل فيما أفاده المحقّق النائينىّ(رحمه الله) ؛ إذ إنّه بنى على إمكان التنجيز بغير الحكم التكليفىّ، لكنّه فصّل في ذلك بين جعل الطريقيّة وجعل المنجّزيّة والمعذّريّة. فذكر ـ ردّاً على مقالة المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) في بحث الجمع بين الحكم الواقعىّ والظاهرىّ ـ: أنّ جعل التنجيز والتعذير تخصيص في حكم العقل، وهو لا يجوز، وإنّما المعقول هو تبديل موضوع حكم العقل بجعل الطريقيّة والعلم.
أقول: إن اُريد بجعل التنجيز والتعذير أو الطريقيّة إيجاد واقع هذه الاُمور بالتشريع المباشر، فكلّ ذلك مستحيل، فالتنجيز والتعذير من مختصّات دائرة العقل، ولا تنالهما يد الشرع، كما أنّ الطريقيّة من مختصّات دائرة التكوين، ولا تنالها يد التشريع. ولا نظنّ بالمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) أنّه كان يقصد جعل واقع التنجيز والتعذير، ولا بالمحقّق النائينىّ(رحمه الله) أن يقصد جعل واقع الطريقيّة.
وإن اُريد بذلك اعتبارها وجعل عناوينها، فكلّ هذا ممكن، ولا يستلزم أىّ تخصيص في حكم العقل.
نعم، يبقى الكلام في أنّ التنجيز والتعذير العقليّين يترتّبان على أىّ واحد من هذه الاعتبارات؟ فالمحقّق الخراسانىّ يدّعي ترتّبهما على اعتبار التنجيز والتعذير، والمحقّق النائينيّ يدّعي ترتّبهما على اعتبار العلم والطريقيّة. ولا نعرف وجهاً فنّيّاً يرجّح أحد الرأيين على الآخر. ونحن قد اخترنا أنّهما يترتّبان على كلّ هذه الألسنة وغيرها بما هي تكشف عن اهتمام المولى بالحكم في ظرف الشكّ لا بما توجدها من اعتبارات، أمّا إذا غضضنا النظر عن كشفها عن ذلك، فلا قيمة عمليّة لأيّ شيء من هذه الاعتبارات، ولا يترتّب عليها أثر التنجيز والتعذير إطلاقاً. هذا.
وقد اشتهر الإيراد على المحقّق النائينىّ(رحمه الله): بأنّ جعل الأمارة علماً الذي يعني تنزيلها منزلة العلم عبارة اُخرى عن جعل أحكام العلم من التنجيز والتعذير لها، والمفروض استحالة ذلك، فما معنى جعل الأمارة علماً وطريقاً؟!
إلّا أنّ هذا خلط بين باب التنزيل وباب الاعتبار، فليس مقصود المحقّق النائينىّ(رحمه الله)تنزيل الأمارة منزلة العلم في الآثار، وإنّما مقصوده ـ كما أفاده في بعض كلماته ـ اعتبارها علماً من قبيل المجاز السكّاكىّ، أو التبنّي المتعارف في بعض الأوساط. نعم، يبقى الكلام
', '', 323), (21, 324, 'book', 'في أنّ هذا الاعتبار لو لم يترتّب عليه أثر، لكان لغواً، وهو(رحمه الله) يدّعي ترتّب أثر التنجيز والتعذير على ذلك.
وقد أورد المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) على جعل الأمارة علماً بالاعتبار كي يترتّب عليها قهراً التنجيز والتعذير: أنّه لايعقل ترتّب التنجيز والتعذير على اعتبار الأمارة علماً إطلاقاً، سواء فرض أنّ التنجيز والتعذير أثران عقليّان للعلم، أو فرضا أثرين عقلائيّين له كما هو مختار المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله). فإن فرض الأوّل، قلنا: إنّ الأحكام العقليّة لا تتقوّم إلّا بالاُمور الواقعيّة.
وإن فرض الثاني، قلنا: إنّ الأحكام العقلائيّة ليست بنحو القضايا الحقيقيّة ـ كأحكام الشارع ـ كي تشمل الأفراد الخارجيّة والمقدّرة حتّى يقال: إنّ الشارع أوجد لموضوع الحكم العقلائىّ فرداً جديداً، وإنّما حكم العقلاء عبارة عن عملهم الخارجىّ في الموارد الجزئيّة، والعقلاء ليسوا مشرّعين(1).
ويرد عليه: أنّنا تارة نختار الشقّ الأوّل كما هو الصحيح، وهو المشهور بين الاُصوليّين، وهو مختار المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، ونجيب عن الإشكال بأنّ المدّعى ليس هو تقوّم التنجيز والتعذير باُمور اعتباريّة، بل يدّعى تقوّمهما بأمر واقعىّ، وهو نفس اعتبار الشارع الأمارة علماً؛ فإنّ هذا أمر واقعىّ، لا بالمعتبر الذي هو أمر خيالىّ، ويستحيل فلسفيّاً تقوّم الواقعيّات به، فهذا نظير أن تحصل لشخص من تصوّر بحر من زئبق واعتباره حالة نفسانيّة حقيقيّة.
واُخرى نختار الشقّ الثاني، ونجيب عن الإشكال بأنّ العقلاء كثيراً ما يجعلون فيما بينهم قضايا كلّيّة، كجعل وجوب إطاعة أوامر الشخص الفلاني على أنفسهم، كما أنّه كثيراً ما يجعلون فيما بينهم اُموراً جزئيّة بالأعمال الخارجيّة، لكنّه بالتدريج ينعقد في أذهانهم حكم كلّىّ. فقد يدّعى أنّه صدر عنهم العمل الخارجىّ بالنسبة إلى الموارد الجزئيّة التي تمّ في بعضها البيان حقيقة وفي بعضها اعتباراً، وتحقّق من ذلك الحكم الكلّىّ.
وقد تحصّل: أنّ كلام المحقّق النائينىّ(رحمه الله) لايرد عليه الإيراد الأوّل المشهور، ولا الإيراد الثاني الذي نقلناه عن المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله).
$
', '(1) نهاية الدراية ج 2 ص 19.
', 324), (21, 325, 'book', '
والتحقيق في مقام الإيراد على المحقّق النائينىّ(رحمه الله): أن يقال ـ بعد وضوح أنّه ليس المراد بجعل الطريقيّة جعل واقع الطريقيّة والقطع؛ فإنّ هذا واضح الاستحالة، وإنّما المراد جعل عنوان الطريقيّة واعتباره ـ: إنّه إن كان تنجّز الواقع بذلك لكشفه عن أهمّيّة الحكم عند الشكّ على تقدير ثبوته، فهذا لا يفرّق فيه بين جعل الطريقيّة وجعل المنجّزيّة ونحو ذلك، وإن فرض تنجّز الواقع بذلك لا لكشفه عن أهمّيّة الحكم: بأن ادّعي أنّه يتنجّز الواقع بهذا الجعل والاعتبار ولو لم يكن الواقع مهمّاً عند المولى بحيث لا يرضى بتركه عند الشكّ، وإنّما أوجد هذا الاعتبار لأجل أنّه أعطاه شخص ديناراً ـ مثلاً ـ لإيجاده، فعهدة هذه الدعوى على مدّعيها.
وقد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ هذا المبحث إنّما صار معركة للآراء لما تخيّلوا ـ كما يبدومن بعض العبائر أو التفريعات ـ من أنّ ترتّب التنجيز على هذه الألسنة يكون لما لها من جهة الإيجاد، وبالالتفات إلى أنّه إنّما يترتّب عليها لما لها من جهة الكشف عن أهميّة الحكم تنحلّ الإشكالات ويسهل الأمر.
هذا. وقد مضى في المقام الأوّل أنّ الأمارات والاُصول كلتاهما تقومان مقام القطع الطريقىّ الصرف، ونقول هنا: إنّ شبهة الفرق بينهما إنّما تبدومن تخيّل كون ترتّب التنجيز على هذه الألسنة يكون لما لها من جهة الإيجاد، فيمكن أن يدّعى الفرق بين لسان ولسان، وأمّا بناءً على ما حقّقناه من كون ذلك بما لها من الكشف، فلا مجال لشبهة الفرق وعدم قيام الاُصول مقام القطع الطريقىّ، فهي تقوم مقامه بعين ملاك قيام الأمارات مقامه بلاإشكال.
هذا تمام الكلام فيما هو الممكن من ألسنة الحجّيّة. وقد عرفت أنّ جميع هذه الألسنة ممكنة.
لسان جعل الحجّيّة إثباتاً
البحث الثاني: فيما هو الواقع من تلك الألسنة بعد أن عرفت ثبوتاً أنّ جعل الحجّيّة كما يمكن بجعل الحكم التكليفىّ، كذلك يمكن بجعل الطريقيّة، أو المنجّزيّة، أو بجعل نفس الحجّيّة، أو نحو ذلك.
$
', '', 325), (21, 326, 'book', 'فنقول: أمّا بالنسبة إلى الاُصول، فنذكر هنا إجمالاً: أنّ المتعيّن فيها هو الحكم التكليفيّ إن لم نقل: إنّ ما ورد فيها ليس إلّا إرشاداً إلى أهمّيّة الحكم بنحو لا يرضى المولى بتركه عند الشكّ على فرض وجوده.
وتفصيل الكلام في ذلك يأتي في محلّه إن شاء الله.
وأمّا بالنسبة إلى الأمارات، فالمحقّق النائينىّ(رحمه الله) ذهب إلى أنّ المتعيّن فيها بحسب مقام الإثبات هو جعل الطريقيّة، وتبعه على ذلك السيّد الاُستاذ وغيره. وما استدلّ به(قدس سره) على ذلك يرجع في الحقيقة إلى مقدّمات ثلاث:
الاُولى: أنّ جعل الحجّيّة لا يعقل ثبوتاً إلّا بأحد وجهين: جعل الحكم التكليفىّ، وجعل الطريقيّة، على ما حقّقه(قدس سره) فيما مضى من البحث الأوّل.
الثانية: أنّ عمدة الدليل على حجّيّة أمارات الأحكام ـ أعني خبر الواحد والظهور ـ هي السيرة العقلائية؛ إذ ما عداها ممّا استدلّ به على حجّيّة خبر الواحد إن تمّ فإنّما هو مسوق مساق الإمضاء لطريقة العقلاء، فالعمدة هي السيرة الممضاة ولو بالسكوت وعدم الردع، ومن المعلوم أنّ المستفاد من إمضاء الشارع لسيرة العقلاء إنّما هو جعله لمثل ما جعلوا.
الثالثة: أنّ العقلاء بما هم عقلاء ليسوا مشرّعين وجاعلين للأحكام التكليفيّة، وليس من شأنهم البعث والزجر، وإنّما المعهود منهم هو جعل أحكام وضعيّة: كالملكيّة، والقضاء، والولاية، ونحو ذلك.
وبضمّ هذه المقدّمات بعضها إلى بعض يظهر أنّ المتعيّن فيما نحن فيه بحسب مقام الإثبات هو جعل الطريقيّة؛ وذلك لأنّ المجعول فيما نحن فيه للعقلاء هو الوضعىّ بحكم المقدّمة الثالثة، والحكم الوضعىّ منحصر هنا في جعل الطريقيّة بحكم المقدّمة الاُولى، فتحصّل: أنّ المجعول للعقلاء هو الطريقيّة، فيكون المجعول للشارع ـ أيضاً ـ الطريقيّة، كما ذكر في المقدّمة الثانية من مماثلة جعله لجعلهم. هذا أحسن ما يمكن أن يقال في توضيح مرام المحقّق النائينىّ(قدس سره).
أقول: إنّ المقدّمة الاُولى مضى تحقيقها في البحث الأوّل، كما أنّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بالسيرة يكون تحقيقه موكولاً إلى بحث حجّيّة خبر الواحد. وهنا نبني
', '', 326), (21, 327, 'book', 'نحن على فرض صحّة جميع المقدّمات الثلاث: من أنّ جعل الحجّيّة لا يعقل إلّا بأحد الوجهين، وأنّ السيرة العقلائيّة دليل على حجّيّة خبر الواحد، وأنّ ما عداها إن تمّ فهو مسوق لإمضاء طريقة العقلاء، وأنّ العقلاء بما هم عقلاء ليس من شأنهم البعث والزجر وجعل الحكم التكليفىّ. ومع ذلك نناقش فيما استدلّ به(رحمه الله) على جعل الطريقيّة في الأمارات.
وتوضيح ذلك: أنّ الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الواحد يتصوّر بأحد وجهين:
الأوّل: التمسّك بسيرة العقلاء بما هم عقلاء على العمل بخبر الواحد في مقام استيفاء أغراضهم الشخصيّة، أمّا كيف يتمّ الاستدلال بذلك على حجّيّة خبر الواحد في الأغراض المولويّة؟ فبيانه موكول إلى بحث حجّيّة خبر الواحد.
والثاني: التمسّك بسيرتهم بما هم موال لابما هم عقلاء بحتاً، بمعنى: أنّ سيرتهم قامت على أنّ كلّ واحد منهم لو تقمّص قميص المولويّة، لجعل خبر الواحد حجّة على عبده، ورافعاً لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
فإن فرض التمسّك لإثبات حجّيّة خبر الواحد بالوجه الأوّل، فهذا لا يدلّ على جعل العقلاء للطريقيّة؛ فإنّ سيرة العقلاء على استيفاء أغراضهم الشخصيّة عن طريق العمل بخبر الواحد لا تستبطن جعلاً أصلاً؛ فإنّ العاقل إنّما يتحرّك نحو العمل بخبر الواحد بلحاظ مدى اهتمامه بغرضه، ويجري خارجاً على طبق خبر الثقة، ويعمل به بلا حاجة إلى جعله أوّلاً حجّة على نفسه، ثُمّ العمل به، وإنّما يعمل به ابتداءً. وليس هنا دعوى جعل الطريقيّة أو الحكم التكليفىّ أو غير ذلك إلّا فضولاً من الكلام، ولو قال عاقل حينما أخبره الثقة بمجيء صديقه ـ مثلاً ـ من السفر: إنّي جعلت خبرك طريقاً لي، أو إنّي أوجبت على نفسي العمل بخبرك، ثُمّ عمل به تحصيلاً لغرضه، عدّ خارجاً من زمرة العقلاء.
وإن فرض التمسّك لإثبات حجّيّة خبر الواحد بالوجه الثاني ـ وهو سيرتهم بما هم موال على جعل الحجّيّة لخبر الواحد بالنسبة إلى عبيدهم، لا سيرتهم في أغراضهم العقلائيّة الشخصيّة بما هم عقلاء ـ قلنا: إنّ ما أفاده المحقّق النائينىّ (قدس سره) ـ: من أنّ العقلاء ليس من رأيهم البعث والزجر وجعل الحكم التكليفيّ ـ إنّما هو بالنظر إلى العقلاء بما هم
', '', 327), (21, 328, 'book', 'عقلاء، ولا مورد له بالنظر إليهم بما هم موال؛ إذ من الواضح أنّهم بما هم موال كما يناسبهم جعل الطريقيّة كذلك يناسبهم جعل الحكم التكليفىّ(1).
إذن فقد اتّضح بهذا أنّ السيرة العقلائيّة لا تعيّن ما ذهب إليه المحقّق النائينىّ(رحمه الله) من جعل الطريقيّة.
وبعد هذا يجب أن نرجع إلى الأدلّة اللفظيّة لحجّيّة خبر الثقة؛ كي نرى أنّه هل يستفاد منها جعل الطريقيّة، أو لا؟ والظاهر: أنّه لا يستفاد منها ذلك لو بنينا على فحص لنا في سالف الزمان؛ إذ إنّ الأدلّة اللفظيّة الدالّة على حجّيّة خبر الواحد ـ بحسب فحصنا السابق ـ على ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما لم يصرّح فيه بحجّيّة الخبر، ولكن ذكر فيه بعض آثار الحجّيّة، فنستكشف من ذلك الحجّيّة، وذلك من قبيل الأخبار العلاجيّة الدالّة على علاج التعارض الذي هو فرع حجّيّة أصل كلّ واحد من الخبرين في نفسه، وكآية النبأ بناءً على دلالتها على حجّيّة خبر الواحد من باب ذكر عدم لزوم التبيّن الذي هو أثر من آثار الحجّيّة بناءً على بعض المباني في تفسير ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ التي سوف يأتي شرحها في محلّه إن شاء الله، وكآية النفر بناءً على دلالتها على حجّيّة خبر الواحد لما فيها من ذكر حسن الحذر الذي هو فرع احتمال العقاب الذي هو من آثار الحجّيّة.
ومن المعلوم أنّ هذا القسم من الأدلّة لا يدلّ على كيفيّة لسان جعل الحجّيّة؛ إذ إنّما استفيدت الحجّيّة منها بذكر آثارها، أمّا ما هو لسان جعل الحجّيّة؟ فغير معلوم.
الثاني: ما دلّ مباشرة على الحجّيّة، لكنّه من حيث لسان جعل الحجّيّة مجمل، فلا يدلّ على أحد الألسنة بالخصوص من جعل الطريقيّة أو غيره، وذلك مثل قوله(عليه السلام): «نعم» في جواب قول السائل: «يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟»؛ فإنّ هذا إنّما يدلّ على أنّ يونس بن عبد الرحمن ممّن يؤخذ عنه معالم الدين، أمّا أنّ هذا هل هو من باب الحكم التكليفىّ بوجوب الأخذ مثلاً، أو من باب جعله طريقاً، أو غير ذلك؟ فغير معلوم.
$
', '(1) وإن تنبّهنا إلى ما أفاده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في حجّيّة القطع من رجوع الحجّيّة إلى حاقّ المولويّة وحدودها، وقلنا مبنيّاً على ذلك: إنّ هناك وجهاً ثالثاً لتصوير السيرة العقلائيّة في المقام: وهو دعوى أنّ العقلاء جعلوا حدود المولويّات المجعولة لهم عبارة عن حقّ المولويّة والطاعة في الأوامر المعلومة زائداً الأوامر الواصلة بخبر الواحد مثلاً، كان من الواضح ـ أيضاً ـ أنّ المسألة أجنبيّة عن جعل الطريقيّة.
', 328), (21, 329, 'book', '
الثالث: ما يمكن دعوى ظهوره في جعل الحكم التكليفىّ، وذلك كالأخبار الواردة في الأمر بالأخذ بقول الثقة، والنهي عن ردّه، والردع عن التشكيك فيه، ونحو ذلك، كقوله(عليه السلام)في كتب بني فضّال: «خذوا بما رووا وذروا ما رأوا»، وقوله(عليه السلام): «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر، فلا يجوز لك أن تردّه»، وقوله(عليه السلام): «فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك عمّا يروي عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّنا نفاوضهم سرّنا، ونحملهم إياه إليهم»؛ إذ ليس المراد الأخذ وعدم الردّ وعدم التشكيك بحسب الاعتقاد، وإنّما المراد الأخذ وعدم الردّ وعدم التشكيك بحسب الجري العملىّ؛ والوجه في ذلك: أنّ الأخذ الاعتقادىّ وعدم الردّ والتشكيك الاعتقادىّ ليس تحت اختيار العبد، وإنّما الذي تحت اختياره هو الجري العملىّ. وأمّا جعل الطريقيّة والاعتقاد تعبّداً، فهو فعل المولى لا فعل العبد كي يؤمر به.
ولاتقاس الطائفة الثانية بهذه الطائفة؛ فإنّ قوله فيما مضى من الحديث: «نعم» لاينحصر أمره في معنى: «خذ معالم دينك من يونس» كي يدخل في الطائفة الثالثة، ويقال ـ أيضاً ـ: إنّ الأخذ الاعتقادىّ خارج عن القدرة، وإنّما المقدور الأخذ العملىّ، وجعل الطريقيّة فعل المولى لا فعل العبد، فهذا حكم تكليفىّ بالجري العملىّ؛ وذلك لأنّ من المحتمل أن يكون المراد بهذا الحديث: نعم، هذا مصدر العلم، وممّن يؤخذ منه.
وعلى أىّ حال، فهذه الطائفة الثالثة يمكن أن يقال بظهورها في جعل الحكم التكليفىّ.
ويمكن أن يقال بأنّها ليست ظاهرة في لسان خاصّ من ألسنة جعل الحجّيّة؛ وذلك لاحتمال كونها إرشاداً إلى أهمّيّة الحكم عند المولى بحيث لايرضى بتركه عند الشكّ على فرض وجوده في الواقع، لا بياناً لحكم تكليفىّ خاصّ؛ ولذا وردت بألسنة مختلفة، كالأمر بالأخذ، وعدم جواز الردّ، وعدم العذر في التشكيك.
والخلاصة: أنّ احتمال الإرشاد إلى أهمّيّة الحكم يضرّ بظهور الكلام في كون لسان النصّ هو لسان جعل الحكم.
نعم، لو كان لسان النصّ عبارة عن جعل العلم والطريقيّة، فهذا ظاهر في حكايته عن لسان الجعل، ولا يرد عليه ما ذكرناه: من احتمال الإرشاد إلى أهمّيّة الحكم. والفرق بين اللسانين: أنّ ورود الإرشاد بلسان الأمر والنهي كثير جدّاً، بخلاف لسان جعل العلم والطريقيّة، فإذا ورد هذا اللسان، فكونه من باب الإرشاد بعيد جدّاً، وظاهره الاشتمال على نكتة زائدة، وكون المقصود حقيقة هو جعل العلم والطريقيّة اعتباراً.
$
', '', 329), (21, 330, 'book', 'وعلى أىّ حال، فهذه الأخبار لا تدلّ على مدّعى المحقّق النائينىّ(رحمه الله) من جعل الطريقيّة، بل إمّا تدلّ على جعل الحكم التكليفىّ، أو لا تدلّ على لسان خاصّ أصلاً.
وقد تلخّص من تمام ما ذكرناه: أنّ مبنى المحقّق النائينىّ(رحمه الله) ـ من جعل الطريقيّة الذي فرّع عليه اُموراً كثيرة: من تقديم الأمارات على الاُصول، وقيام الأمارة مقام كلا قسمي القطع، وغير ذلك ـ ممّا لا أساس له، ولم يدلّ عليه دليل أصلاً.
وفاء لسان الحجّيّة بالقيام مقام القطع
البحث الثالث: في أنّ اللسان المفروض في البحث الثاني هل يفي بقيام الأمارات والاُصول مقام كلا قسمي القطع، أو لا؟ ولنا هنا كلامان: كلام في نفسه، وكلام مع المحقّق النائينىّ(قدس سره).
أمّا الأوّل: فهو أنّ العبارات الواردة في أدلّة الحجّيّة ليس فيها ما يفي بقيامها مقام كلا قسمي القطع لا في باب الاُصول ولا في باب الأمارات:
أمّا الاُصول: ففي مثل البراءة الأمر واضح لا غبار عليه، والاستصحاب سيأتي تحقيق الحقّ فيه في محلّه ممّا يتّضح به عدم قيامه مقام القطع الموضوعىّ(1).
وأمّا الأمارات فليس فيما مضى من الطوائف الثلاث ما يمكن أن يقال بدلالته على قيامها مقام القطع بكلا قسميه عدا ما ورد من قوله(عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا، ونحملهم إيّاه إليهم» فيمكن أن يقال: إنّ هذا يدلّ على حرمة إظهار الشكّ من حيث العمل فيما يرويه الثقات، ووجوب ترتيب أثر العلم، وعدم الشكّ، وهذا بإطلاقه شامل لكلا قسمي الأثر العقلىّ والشرعىّ بالبيان الماضي عند الحديث عمّا أفاده المحقّق الخراسانىّ(قدس سره).
إلّا أنّ هذا الحديث لو راجعنا سنده فظهر صحّته(2)، يكفيه عدم تماميّته من حيث الدلالة على أصل الحجّيّة؛ فإنّ الظاهر من ذيل الحديث: أنّه ليس المقصود بالثقات مطلق
', '(1) لو فسّر اليقين والشكّ في رواية الاستصحاب: بمعناهما الاستقلالىّ والمطابقىّ، لأصبحت دليلاً على قاعدة اليقين لا الاستصحاب، ولو فسّرا بمعنى المتيقّن والمشكوك ـ وهو الملائم لمورد الرواية ـ إذن لم تدلّ على قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعىّ.
(2) يوجد في سنده علىّ بن محمّد بن قتيبة وأحمد بن إبراهيم المراغىّ، ولم تثبت وثاقتهما. والحديث موجود في وسائل الشيعة 27 / 49 ـ 50، باب 11 من صفات القاضي، الحديث 40.
', 330), (21, 331, 'book', '
ثقاة الشيعة، بل المقصود ثقاته هو بمعنى الأشخاص الخاصّين الذين وثق بهم، واعتمد عليهم خارجاً في مفاوضة السرّ والوساطة بينه وبين الشيعة في إيصال أوامره إليهم، فالحديث أجنبىّ عن حجّيّة خبر الثقة. هذا مع قطع النظر عمّا مضى من احتمال كون ذلك إرشاداً إلى أهميّة الحكم.
وأمّا الثاني: فهو أنّ المحقّق النائينّي(رحمه الله) حيث قد اختار فيما مضى من البحث الثاني أنّ الأمارة جعلت علماً، واعتبرت طريقاً بالتعبّد، اختار هنا قيامها مقام كلا قسمي القطع؛ لأنّ القطع الموضوعىّ ـ أيضاً ـ قطع، وقد افترضنا أنّ الأمارة جعلت من قبل الشارع قطعاً، فيترتّب عليها آثار القطع الموضوعىّ أيضاً.
أقول: إنّ شمول الدليل لموارد القطع الموضوعىّ وعدمه موقوف على مطلب في مبحث الحكومة لم يظهر لنا مختار المحقّق النائينىّ(قدس سره) فيه.
توضيح ذلك: أنّ المحقّق النائينىّ قد صرّح في كلماته بأنّ الحكومة تارة تكون بلحاظ عقد المحمول، كما في قاعدة لا ضرر ولا حرج، واُخرى بلحاظ عقد الموضوع، كما في لا شكّ لكثير الشكّ، ولا ربا بين الوالد وولده، والطواف في البيت صلاة. وصرّح ـ أيضاً ـ بالنسبة إلى القسم الأوّل بأنّ الحكومة تكون فيه بملاك النظر، وأمّا بالنسبة إلى القسم الثاني، فهل الحكومة تكون فيه بملاك النظر مطلقاً، فلو قال ـ مثلاً ـ: «العصير العنبىّ خمر، فهو حرام»، لم تثبت نجاسته بذلك إن لم تكن قرينة على كونه ناظراً في هذا الكلام إلى مسألة النجاسة أيضاً، وإنّما تتمّ الحكومة في فرض ثبوت قرينة على النظر ولو كانت تلك القرينة هي الإطلاق في مورد تمّت مقدّماته، أو لا تكون بملاك النظر مطلقاً، فنثبت الحكومة حتّى مع عدم النظر، أو أنّ هناك تفصيلاً في المقام؟ لم يظهر بنحو الجزم مختاره(قدس سره) في ذلك في تمام كلماته بالنسبة إلى الحكومة في موارد كثيرة متفرّقة، وبعض كلماته تشهد للقول بالحاجة إلى النظر، وبعضها تشهد للخلاف، ولا يستفاد منها شيء محصّل في ذلك. ويأتي منّا ـ إن شاء الله ـ تحقيق ذلك في محلّه.
ونقول هنا: إنّه إن لم نشترط النظر في الحكومة في عقد الموضوع، كان قوله ـ مثلاً ـ: «خبر الواحد علم» حاكماً على أدلّة أحكام العلم الموضوعىّ، كما أنّه حاكم على أدلّة
', '', 331), (21, 332, 'book', 'أحكام ما تعلّق به العلم، وأمّا إذا اشترطناه فيها، فلا تتمّ الحكومة فيما نحن فيه؛ لعدم قيام قرينة على النظر إلى أحكام القطع الموضوعىّ، ولا يصحّ جعل الإطلاق قرينة على ذلك.
وتوضيح ذلك: أنّ قول الشارع: «الأمارة علم» تارة يفرض بمعنى التنزيل منزلة العلم في الآثار، وعندئذ لا إشكال في استفادة الإطلاق من كلامه بلحاظ الآثار؛ إذ ترتّب الآثار مدلول مطابقىّ لكلامه، ويجري الإطلاق بلحاظ المدلول المطابقىّ، لكنّ هذا خلاف فرض جعل الطريقيّة.
واُخرى يفرض بمعنى اعتبار الأمارة علماً على نحو مجاز السكّاكىّ (وهذا هو المفروض في جعل الطريقيّة)؛ فإنّ المدلول المطابقىّ للكلام من اعتبار الأمارة علماً لا شكّ فيه كي يتمسّك بالإطلاق، وما فيه الشكّ من ترتّب آثار القطع الموضوعىّ وعدمه ليس مدلولاً مطابقيّاً للكلام، وإنّما يستفاد ترتّب الآثار بالنظر الذي صار منشأً لجعل الطريقيّة واعتبار الأمارة علماً، فهو تابع سعة وضيقاً لدائرة ذلك النظر، وهو ليس مدلولاً مطابقيّاً للكلام حتّى تثبت سعته بالإطلاق.
هذا في أمارة وردت في مورد كان للعلم فيه أثران: أثر القطع الطريقىّ، وأثر القطع الموضوعىّ، وأمّا في أمارة وردت في مورد لم يكن له إلّا أثر القطع الموضوعىّ، فيمكن أن يقال: إنّ النظر إلى أثر القطع الموضوعىّ لم يكن مدلولاً مطابقيّاً، لكنّه ملازم لما هو مدلول مطابقىّ، وهو اعتبار هذه الأمارة علماً؛ إذ لولاه لكان هذا الاعتبار لغواً، فنثبت هذا الاعتبار بالإطلاق، ويدلّ ذلك بالملازمة على ترتّب أثر القطع الموضوعىّ.
ولكنّ التحقيق: عدم تماميّة هذا الإطلاق؛ وذلك لأنّ كلّ إطلاق مقيّد ـ بتقييد لبّيّ كالمتّصل ـ بثبوت الأثر، وثبوت الأثر هنا موقوف على النظر، فلا يمكن إثبات النظر بنفس الإطلاق، ولا يمكن الاستدلال على ثبوت الأثر بالإطلاق؛ لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة(1).
$
', '(1) والصحيح: أنّ أصل فرض كون الجعل والاعتبار موجباً لسريان الأثر الذي موضوعه هو الفرد الوجدانىّ إلى الفرد الاعتبارىّ غير صحيح ما لم يرجع إلى التنزيل، أو يفرض أنّ الموضوع من أوّل الأمر كان هو الجامع بين الفرد الوجدانيّ والفرد التعبّديّ. فإذا فرض الأوّل، كفانا إطلاق التنزيل لو كان الدليل لفظيّاً فيه إطلاق، وإذا فرض الثاني، لم نحتج في الحكومة إلى النظر، وإن لم يفرض لا هذا ولا ذاك، لم تقم الأمارة مقام القطع الموضوعىّ.
', 332), (21, 333, 'book', '
تنبيهات
وينبغي التنبيه على اُمور:
الأوّل: لا إشكال في أنّ حكومة دليل حجّيّة الأمارة على أدلّة أحكام ما تعلّق به العلم إنّما تكون بلحاظ مرحلة التنجيز من دون تحقّق توسعة وضيق في مرحلة الواقع، ومن هنا لا بأس باستعمال مصطلح الحكومة الظاهريّة في المقام، بأن يقال: إنّ حكومة الأمارات على الأحكام الواقعيّة بالنسبة إلى قيامها مقام القطع الطريقىّ حكومة ظاهريّة.
وأمّا حكومة دليل حجّيّة الأمارات على أدلّة أحكام القطع الموضوعىّ لو قلنا بها، فليست حكومة ظاهريّة، وإن كان ذلك ظاهر كلام المحقّق النائينىّ(رحمه الله) وصريح كلام المحقّق الإصفهانىّ(قدس سره). فإذا قامت الأمارة على حياة ولد زيد مع فرض حكم الشارع على زيد بالتصدّق عند العلم بحياته(1)، لم يكن وجوب التصدّق الثابت له حكماً ظاهريّاً، بل هو حكم واقعىّ، ويكون موضوع وجوب التصدّق واقعاً أعمّ من علمه بحياة ولده وقيام
', '(1) كنت قد كتبت العبارة هنا هكذا: (فإذا قامت أمارة على حياة ولد زيد الناذر للتصدّق عند العلم بحياته)، ثُمّ قرأتها بحضور اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، فأمرني بتبديلها إلى ما هو موجود فعلاً في المتن. وذكر في وجه ذلك: أنّ مثال النذر وقع في كلام الشيخ الأعظم(قدس سره)، لكنّ التحقيق: أنّه بناء على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعىّ لا تقوم مقامه في باب النذر؛ وذلك لأنّ الموضوع لجعل الناذر إنّما هو القطع بحياة ولده، والشارع أمضى في دليل وجوب الوفاء بالنذر نفس ما جعله الناذر على نفسه، أي: جعل مثل جعله عليه، ولا معنى لحكومة دليل حجّيّة الأمارة على جعل الناذر، ولاعلى جعل الشارع: أمّا الأوّل فلأنّه لا معنى لحكومة كلام شخص على كلام جاعل آخر، وأمّا الثاني فلأنّ المفروض أنّ جعل الشارع في دليل الوفاء بالنذر إنّما كان بعنوان إمضاء جعل الناذر وبعنوان إيجاب الوفاء بالنذر، فالحكومة على هذا الجعل إنّما تكون بتبع الحكومة على جعل الناذر ونذره التي قد عرفت عدمها. نعم، لو ورد دليل على أنّ التصدّق عند قيام الأمارة على حياة الولد وفاء بالنذر تعبّداً، قلنا بوجوبه، لكنّ هذا غير ما هو المفروض في المقام: من أنّ الدليل إنّما دلّ على أنّ الأمارة القائمة على حياة الولد علم، فهذا إنّما يحكم على دليل وجوب الوفاء بالنذر بتبع حكومته على نذر الناذر، وقد قلنا: إنّ حكومته على نذر الناذر غير معقولة، فبالتالي لا تعقل حكومته على دليل وجوب الوفاء بالنذر؛ إذ لم يفرض التصدّق في هذا الدليل وفاءً بالنذر.
', 333), (21, 334, 'book', '
الأمارة عنده على حياته؛ إذ لو لم نفترض أنّ صورة قيام الأمارة على حياة الولد من دون علم بالحياة قد خرجت واقعاً من موضوع عدم وجوب التصدّق، ودخلت في موضوع وجوب التصدّق، لزم من ذلك أن يكون الحكم الواقعىّ ـ لمن لم يعلم بحياة ولده، ولكن قامت عنده الأمارة على حياة ولده ـ هو عدم وجوب التصدّق، وهذا الحكم واصل إليه بالقطع واليقين؛ لأنّ موضوعه ـ وهو عدم العلم ـ ثابت له وجداناً، فكيف يعقل جعل الحكم الظاهرىّ بشأنه؟!
ويمكن هنا فرض إشكال على ما ذكرناه: من دعوى الحكومة الواقعيّة، وهو: أنّهم ملتزمون بسقوط الأمارتين وكذا الأصلين عند العلم الإجمالىّ بكذب أحدهما، بلا فرق بين ما يترتّب عليها من آثار القطع الطريقىّ وما يترتّب عليها من آثار القطع الموضوعىّ، في حين أنّه لو كانت الحكومة بلحاظ آثار القطع الموضوعىّ واقعيّة، يلزم عدم سقوطهما بهذا اللحاظ؛ إذ محذور جعل الحجّيّة لكليهما هو لزوم طرح الحكم المعلوم بالإجمال، وهذا المحذور منتف بالنسبة إلى آثار القطع الموضعىّ بناءً على كون الحكومة واقعيّة؛ لأنّ الحكومة الواقعيّة تصرّف في نفس دائرة موضوع الحكم الواقعىّ، فلا يلزم طرح حكم أصلاً، في حين أنّ هذا خلاف ما هو المسلّم عندهم.
والتحقيق في المقام: أنّنا بالنسبة إلى الاُصول نلتزم بذلك ولا نتحاشى منه؛ لأنّ الاُصول إنّما تتساقط في أطراف العلم الإجماليّ للزوم طرح حكم إلزامىّ، فلا بأس بجريانها إذا لم يلزم من ذلك طرح حكم إلزاميّ، سواء لزم منه طرح حكم غير إلزاميّ، كما في مستصحبي النجاسة مثلاً، أو لم يلزم منه طرح حكم أصلاً، كما في المقام. وتحقيق ذلك يأتي في محلّه إن شاء الله.
وأمّا بالنسبة إلى الأمارات، فالمحذور الموجب للتساقط إضافة إلى لزوم طرح الحكم الإلزامىّ هو التكاذب الناتج عن حجّيّة مثبتات الأمارات والموجب لعدم إمكان الجمع بينهما، وهذا يثبت حتّى في غير موارد الحكم الإلزامىّ، ولكن بالنسبة إلى آثار القطع
', '', 334), (21, 335, 'book', 'الموضوعىّ بالإمكان أن يقال: لا محذور في الجمع بين التعبّدين: بأن يتعبّد الشخص بكونه عالماً بكذا، ويتعبّد بكونه عالماً بخلافه ـ أيضاً ـ على حسب اختلاف الأمارتين.
والتحقيق هنا: التفصيل بين ما إذا كان علمه بكذا موضوعاً لحكمه، وعلمه بخلافه موضوعاً لخلاف ذلك الحكم، فعندئذ يقع التعارض والتساقط، وما إذا لم يكن كذلك، فنلتزم بعدم التساقط بالنسبة إلى آثار القطع الموضوعىّ(1).
الثاني: تترتّب على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعىّ وعدمه ثمرات، لذكر كلّ واحد منها موضع خاصّ في الاُصول، إلّا أنّ هنا ثمرة لم يذكروها في موضع من مواضع الاُصول، فنحن نذكرها هنا: وهي عبارة عن جواز أو عدم جواز إسناد الحديث إلى الإمام مع عدم العلم بصدقه. والوجه في عدم الجواز أحد أمرين:
الأوّل: حرمة الكذب بمعنى الخبر المخالف للواقع، فنحن نعلم إجمالاً بأنّ هذا الإسناد أو نفيه كذب.
والثاني: حرمة إسناد ما لم يعلم أنّه من الشارع إليه، وهذا عنوان آخر غير الكذب، وهو المصطلح عليه بالتشريع؛ فإنّه أحد قسمي التشريع، وهو التشريع القولىّ في قبال التشريع العملىّ.
أمّا تطبيق حرمة الكذب على المقام وعدمه، فليس متفرّعاً على قيام الأمارات مقام القطع الموضوعىّ وعدمه، وإنّما هو متفرّع على حجّيّة خبر الواحد في الموضوعات وعدمه، فالخبر الذي ينقل شيئاً عن الإمام(عليه السلام) يدلّ بالملازمة على أنّ إسناد ذلك الشيء إلى الإمام ليس كذباً، وهذا إخبار في الموضوعات، فبناءً على حجّيّة خبر الواحد في
', '(1) لايخفى أنّنا إن تصوّرنا القطع الموضوعىّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة بالمعنى الذي احتملنا أن يكون مراد الشيخ الأعظم(رحمه الله): وهو أن يكون موضوع الحكم ابتداءً جامع الحجّة، أو جامع الكاشف الشامل للفرد التعبّديّ، فمتى ما تمّ التساقط بالنسبة إلى آثار القطع الطريقىّ، كان التساقط بالنسبة إلى آثار القطع الموضوعىّ واضحاً؛ إذ مع فرض التساقط بالنسبة إلى آثار القطع الطريقىّ لم تتمّ الحجّة أو الكاشف كي يكون موضوعاً لآثار القطع الموضوعىّ.
', 335), (21, 336, 'book', '
الموضوعات يثبت عدم انطباق حرمة الكذب في المقام، وبناءً على عدم حجّيّته فيها يأتي في المقام إشكال حرمة الكذب.
وأمّا تطبيق حرمة التشريع القولىّ على المقام وعدمه، فهو متفرّع على ما نحن فيه؛فإنّ إسناده إلى الإمام إسناد إليه بغير علم تكويناً، فإن قلنا بقيام الأمارة مقام العلم الموضوعىّ، فإسناده إليه إسناد عن علم تعبّديّ، فتنتفي الحرمة بهذا العنوان، وإلّا ـ كما هو الصحيح ـ ثبتت حرمة التشريع في المقام. وعلى هذا فلا يجوز إسناد شيء ممّا ورد في أخبارنا من خصوصيّات الصراط ـ مثلاً ـ والجنّة والنار وغير ذلك من الاُمور إلى الإمام(عليه السلام) ما لم يكن متواتراً عنه(عليه السلام)(1).
الثالث: لو قلنا بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعىّ، فكما يترتّب عليها آثار العلم، وينتفي بها آثار عدم العلم، هل يترتّب عليها ـ أيضاً ـ آثار عدم الشكّ، وينتفي عنها آثار الشكّ، أو لا؟
الظاهر من كلام المحقّق النائينىّ(رحمه الله): هو ذلك.
والتحقيق في المقام: أنّ مجرّد قيام الأمارة مقام العلم الموضوعىّ لا يكفي في انتفاء آثار الشكّ بها؛ فإنّ الشكّ ليس عبارة عن عدم العلم مفهوماً وإن كان مساوقاً له مورداً،وإنّما هو أمر وجودىّ في مقابل العلم، وهو حالة نفسيّة خاصّة من الترديد والتحيّر، كما أنّ العلم ـ أيضاً ـ حالة نفسيّة خاصّة، فنحتاج في نفي آثار الشكّ بها إلى أحد أمرين:
الأوّل: أن يستظهر ذلك من الدليل في عرض استظهار ترتّب آثار العلم عليها.
والثاني: أن تدّعى الملازمة العرفيّة بين ترتّب أثر العلم تعبّداً وانتفاء أثر الشكّ تعبّداً، فبمجرّد استظهار أحدهما من الدليل يستفاد الآخر بالملازمة.
$
', '(1) أمّا الإخبار عن تلك الخصوصيّة من دون نسبتها إلى الإمام، فحرمته ـ من ناحية حرمة الكذب ـ وعدمها فرع حجّيّة خبر الواحد في الموضوعات وعدمها، كما عرفت. وحرمته من ناحية حرمة الإخبار بغير علم فرع مجموع أمرين:
الأوّل: أن نقول: إنّ الحرمة لا تختصّ بالإسناد إلى الإمام بغير علم، بل تشمل مطلق الإخبار بغير علم.
والثاني: أن نقول بعدم قيام الأمارة مقام العلم الموضوعىّ.
', 336), (21, 337, 'book', '
3 ـ قيامها مقام القطع الموضوعىّ الصفتىّ
المقام الثالث: في قيام الأمارات والاُصول مقام القطع الموضوعىّ المأخوذ على وجه الصفتيّة وعدمه.
لا إشكال في عدم قيامها مقامه بناءً على ما اخترناه: من عدم قيامها مقام القطع الموضوعىّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة؛ إذ ليس المفروض ورود دليل خاصّ على قيامها مقام الموضوعىّ الصفتىّ، وإنّما الكلام يقع في أنّ نفس دليل قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ لو آمنّا به هل يتكفّل بقيامها مقام الموضوعىّ الصفتىّ ـ أيضاً ـ أو لا؟
أفاد المحقّق النائينىّ(رحمه الله): أنّ دليل حجّيّة الأمارة إنّما دلّ على اعتبار الكاشفيّة فيها، فهي إنّما تقوم مقام القطع الطريقىّ والقطع الموضوعىّ المأخوذ على وجه الكاشفيّة، دون القطع المأخوذ على وجه الصفتيّة.
وبكلمة اُخرى: أنّ دليل حجّيتها إنّما أعطاها تعبّداً جنبة الكشف دون جنبة الصفة الخاصّة.
ويرد عليه: ما مضى من أنّ الكشف بنفسه هو القطع، فلامعنىً لتقسيم القطع الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ بهذا النحو حتّى يقال: إنّ الدليل إنّما دلّ على قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ دون الصفتىّ.
والتحقيق في المقام: أنّه لابدّ من كون تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ بما مضى منّا من أحد الوجهين: (العرفىّ، والدقّىّ الفنّىّ). وعندئذ فإن كان الدليل المدّعى دلالته على قيامها مقام القطع المأخوذ على وجه الكاشفيّة عبارة عن السيرة العقلائيّة، فلابدّ في تحقيق البحث هنا من النظر إلى أنّ السيرة هل هي قائمة في كلا الموضعين، أو لا ؟ وهذا راجع إلى من يدّعي هذه السيرة بالنسبة إلى القطع الموضوعىّ الطريقىّ. أمّا نحن فلا نرى سيرة في المقام حتّى ننظر إلى عموميّتها أو اختصاصها بالموضوعىّ
', '', 337), (21, 338, 'book', 'الطريقىّ، ولكن مع ذلك نقول ـ على فرض تسليم السيرة ـ: إنّه إن اختير في مقام تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ الوجه الثاني الذي قلنا: إنّه دقّيّ عقلىّ، وهو الفرق بين عنوان (له) وعنوان (فيه)، فبما أنّ هذا وجه دقّيّ لا يلتفت إليه العرف نقول: إنّ مقتضى ما هو المناسب لحالة العقلاء المتعارفين عموميّة سيرتهم لكلا القسمين؛ لعدم خصوصيّة في نظرهم بالنسبة إلى أحدهما.
ولو اختير في مقام التقسيم الوجه الأوّل الذي هو وجه عرفىّ، فقيامها مقام القطع الصفتىّ بحاجة إلى مؤونة زائدة: وهي ثبوت السيرة بلحاظ تلك الخصوصيّة الملازمة للقطع إضافة إلى ثبوت السيرة بلحاظ ذات القطع، فتسليم السيرة بلحاظ ذات القطع لا يستلزم تسليمها بلحاظ تلك الخصوصيّة، بل يكون تسليمها بهذا اللحاظ من باب تسليم باطل في باطل.
وأمّا إن كان الدليل المدّعى دلالته على قيامها مقام القطع المأخوذ على وجه الكاشفيّة هو الدليل اللفظىّ، كما لو فرض أنّ الشارع قال: «اعتبرت الأمارة علماً»، فأيضاً يتّجه التفصيل بين الوجه العرفىّ في التقسيم والوجه الدقيق العقلىّ، فعلى الأوّل يكون قيامها مقام القطع الصفتىّ بحاجة إلى مؤونة زائدة، وهي تنزيلها ـ مثلاً ـ منزلة تلك الخصوصيّة الملازمة، وعلى الثاني يكون ظاهر قوله: «اعتبرت الأمارة علماً» اعتبارها علماً بما فيه من كلتا الجهتين، أعني: عنوان (له) وعنوان (فيه)(1).
$
', '(1) أمّا لو اخترنا في مقام تقسيم القطع الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ ما احتملنا كونه مقصوداًللشيخ الأعظم(رحمه الله) ـ: من أنّه إذا كان القطع موضوعاً بما هو مصداق لجامع الحجّة، أو لجامع الكاشف الشامل للوجدانىّ والتعبّديّ، سمّيناه بالموضوعىّ الطريقىّ، وإذا كان موضوعاً بما هو قطع، سمّيناه بالموضوعىّ الصفتىّ ـ فهنا أيضاً يكون قيام الأمارة مقام الموضوعىّ الصفتىّ بحاجة إلى مؤونة زائدة، في حين أنّ قيامها مقام الموضوعىّ الطريقىّ مستفاد من نفس دليل موضوعيّة القطع؛ لأنّنا افترضنا: أنّه إنّما دلّ على موضوعيّة القطع بما هو مصداق لجامع الحجّة، أو لجامع الكشف الوجدانىّ والتعبّديّ.
', 338), (21, 339, 'book', '
تقسيم القطع الموضوعىّ بلحاظ متعلّقه
الجهة الثالثة: في تقسيم القطع الموضوعىّ بلحاظ متعلّقه. فالقطع الموضوعىّ تارة يقسّم بلحاظ نفسه وقد مضى، واُخرى يقسّم بلحاظ متعلّقه، وذلك على خمسة أقسام بحسب عالم التصوّر؛ لأنّ القطع الموضوعىّ تارة يكون متعلّقاً بأمر خارجىّ، كما لو فرض القطع بخمريّة المائع موضوعاً لحرمة شربه مثلاً، واُخرى يكون متعلّقاً بالحكم الشرعىّ.
والقسم الأوّل: لا إشكال فيه ولا كلام.
والثاني: ينقسم إلى أربعة أقسام؛ لأنّ القطع المتعلّق بحكم تارة يكون موضوعاً لخلاف ذلك الحكم. واُخرى يكون موضوعاً لضدّه. وثالثة لمثله. ورابعة لنفس ذلك الحكم.
والقسم الأوّل: لا إشكال فيه ولا كلام، وإنّما الإشكال والكلام في بقيّة الأقسام.
ولايخفى أنّ البحث عن القسم الثاني ـ وهو أخذ القطع بحكم موضوعاً لضدّه، كما لو قال: «إن قطعت بوجوب الصلاة، حرمت عليك» ـ مرجعه إلى البحث عن إمكان الردع عن حجّية القطع وعدمه، وقد مضى ـ وفاقاً للمحقّقين(قدس سرهم) ـ عدم إمكانه لا لما أفادوه في وجه ذلك، بل لأنّ الردع عنها: إمّا بحكم حقيقىّ، أو بحكم طريقىّ، وكلّ واحد منهما غير ممكن ببرهان يخصّه سبق منّا ذكره. نعم، استثنينا فرضاً نادراً على تقدير القول بتعليقيّة حقّ الطاعة، أي: قابليّته للإسقاط، وهو فرض ما إذا تعلّق غرض المولى بحصّة خاصّة من الفعل: وهي الإتيان به بداعي المحرّكيّة الشخصيّة على أساس حبّ العبد لمولاه، لا بداعي التنجيز العقلىّ والتحريك المولوىّ، فعندئذ يتمّ الردع عن حجّيّة القطع بإسقاط المولى لحقّ طاعته. ويمكن أن يقال: إنّ ذاك الفرد النادر خارج في المقام عن محلّ البحث، بناءً على أن يكون المقصود من أخذ القطع بالحكم موضوعاً لضدّه أخذه موضوعاً لجعل واعتبار ضدّ ذاك الحكم، ولا يشمل فرضه موضوعاً لسقوط حقّ الطاعة.
$
', '', 339), (21, 340, 'book', 'أخذ القطع بالحكم موضوعاً لمثله
وأمّا البحث عن إمكان أخذ القطع بالحكم موضوعاً لمثله، كما لو قال: «إن قطعت بحرمة شرب الخمر، حرم ذلك عليك بحرمة اُخرى»، فمرجعه إلى ما مضى من بحث إمكان حرمة التجرّي بعنوان يشمل المتجرّي والعاصي معاً؛ فإنّ ذاك العنوان عبارة عن عنوان العلم بالحرمة مثلاً، فيتّحد مع بحثنا هنا، إلّا أنّ البحث هنا أعمّ منه من حيث شموله لفرض كون متعلّق القطع حكماً غير إلزامىّ بخلافه هناك، والعجب من السيّد الاُستاذ حيث اختار في البحث السابق عدم الإمكان، واختار هنا الإمكان، مع أنّه لا فرق بينهما إلّا بحسب العنوان، ولعلّ السهو من المقرّر.
وما قيل أو يمكن أن يقال في وجه الاستحالة وجوه أربعة:
الأوّل: ما ذكره السيّد الاُستاذ في ذاك البحث: من أنّ القطع بالحرمة لو كان رادعاً للعبد، كفى عن التحريم الجديد، ولو لم يردعه، فلا أثر للتحريم الجديد؛ فإنّه كالتحريم الأوّل المقطوع به.
وقد مضى فيما سبق الإيراد عليه: بأنّ التحريم الثاني له قابليّة للردع حتّى بشأن من لم يرتدع بالتحريم الأوّل؛ إذ ربّ من لا يرتدع بتحريم واحد وعقاب واحد لكن يرتدع بتحريمين وعقابين، وربّ من يستعدّ لمعصية ولا يستعدّ لمعصية أكثر أو أقوى.
الثاني: ما ذكره المحقّق النائينىّ(رحمه الله) هنا وفي بحث التجرّي: من أنّ النسبة بين الحرام الأوّلىّ ومقطوع الحرمة كانت عموماً من وجه، ولكن في نظر القاطع الذي لا يحتمل خطأ قطعه النسبة هي العموم المطلق، ولا يمكن ثبوت حكمين متماثلين على موضوعين بينهما عموم مطلق، وإن أمكن ذلك في العامّين من وجه؛ ذلك لأنّ أثر التعدّد يظهر في العامّين من وجه في مادّتي الافتراق، وإن كان يرجع الأمر في مادّة الاجتماع إلى التأكّد. أمّا إذا كانت النسبة عموماً مطلقاً، فالتأكّد في تمام موارد الخاصّ خلف فرض تعدّد الحكم، والحفاظ على تعدّده يعني اجتماع المثلين، وهو مستحيل، إذن فحينما يعتقد القاطع كون النسبة عموماً مطلقاً لا يستطيع أن يصدّق بالحكم الخاصّ، وبالتالي لا يكون
', '', 340), (21, 341, 'book', 'الحكم الخاصّ قابلاً للوصول، فيلغو(1).
وقد مضى في بحث التجرّي ذكر هذا الوجه مع جوابه، وهو منع كون النسبة بينهما عموماً مطلقاً حتّى في نظر القاطع؛ إذ القاطع ـ أيضاً ـ يرى خطأ قطع الآخرين، ويعلم أنّ مادّة الافتراق ثابتة من كلا الجانبين، إلّا أنّه يتخيّل أنّ ما قطع هو به الآن من مادّة الاجتماع.
الثالث: ما لم يذكروه دليلاً على الاستحالة، ولكنّه يتمّ دليلاً عليها بناءً على مبناهم في باب التأكّد: من أنّ اجتماع حكمين متماثلين غير معقول، فيسقط كلا الجعلين في مادّة الاجتماع، ويثبت جعل ثالث متأكّد.
وهو أنّه لو فرض أنّ القطع بثبوت الحكم لولا القطع موضوع لثبوت الحكم عند القطع بذاك الحكم اللولائىّ، فهذا خارج عمّا نحن فيه؛ إذ هما حكمان على موضوعين متباينين. ولو فرض أنّ القطع بثبوت حكم فعلىّ موضوع لثبوت حكم فعلىّ، فهذا هو محلّ الكلام، ونقول: إنّه تارة يفترض أنّ القطع بالحكم الأوّل ليس تمام الموضوع للحكم الثاني، بل نفس الحكم الأوّل ـ أيضاً ـ دخيل في الحكم الثاني وجزء لموضوعه، واُخرى يفترض عدم دخل الحكم الأوّل في الحكم الثاني:
أمّا الفرض الأوّل فمحال؛ إذ لا يعقل فيه التعدّد؛ للزوم اجتماع المثلين، ولا الوحدة والتأكّد؛ لأنّ الحكمين مختلفان رتبة؛ لأنّ أحدهما مأخوذ في موضوع الآخر، ويتوقّف عليه الآخر.
وأمّا الفرض الثاني فإمّا أن نفرض فيه أنّ متعلّق القطع هو الحكم المتأكّد، أو أنّه هو الحكم البسيط، فعلى الثاني لزم اجتماع المثلين في نظر القاطع، وعلى الأوّل لزم الخلف؛ لأنّ المفروض أنّ الحكم الثاني مترتّب على القطع، فلا يعقل كونه متعلّقاً لذاك القطع، على
', '(1) لايخفى أنّ التفصيل بين فرض العموم من وجه، وفرض العموم المطلق في المقام ليس إلّا مجرّد بحث لفظىّ غير مشتمل على محتوىً معقول؛ وذلك لأنّ واقع الأمر هو: أنّه بناءً على استحالة اجتماع المثلين حتّى في الاعتباريّات لا يمكن أن يكون العلم بحكم موضوعاً لمثله بالمعنى الحقيقىّ للكلمة، سواء في موارد العامّ والخاصّ المطلقين أو العموم من وجه، ففي مورد الاجتماع قد تساقط الحكمان في كلا الفرضين، وتولّد حكم ثالث مؤكّد في كلا الفرضين. نعم، يمكن أن يعبّر بتعبير: (إنّ العلم بالحكم أصبح موضوعاً لمثله) بشيء من المسامحة، باعتبار أنّ الحكمين كأنّهما اندكّا في مورد الاجتماع، وحقّقا التأكيد، وذلك في كلا الفرضين. إذن فالتفصيل بين الفرضين تفصيل بلا محتوى. وقد ذكرت هذا بمحضر اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) فصدّقه.
', 341), (21, 342, 'book', '
ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من بيان استحالة كون القطع شرطاً لمتعلّقه.
وهذا الوجه الذي ذكرناه هنا يكون من سنخ ما ذكر في بحث المقدّمة الداخليّة بناءً على تصويرها؛ إذ يقال فيها باتّصافها بالوجوب الغيرىّ كالمقدّمة الخارجيّة.
ويورد على ذلك: أنّ الأجزاء بنفسها متّصفة بالوجوب النفسىّ، فيلزم اجتماع المثلين.
ويجاب عن ذلك بالالتزام بالتأكّد.
ويورد على ذلك استحالة التأكّد؛ لأنّ الحكم الغيرىّ موقوف على ثبوت الحكم النفسىّ؛ إذ لولا الوجوب النفسىّ، لما اتّصفت المقدّمة بالوجوب، فهما حكمان طوليّان، وليسا في رتبة واحدة كي يعقل التأكّد.
وتصوّر السيّد الاُستاذ: أنّ المقصود من هذا الإشكال إثبات أنّ الحكمين ثابتان ومتحقّقان بحالهما من التعدّد، ولا تأكّد في البين، فأورد عليه: أنّ محذور اجتماع المثلين ناشئ من ضيق فم الزمان الثابت هنا، لا من وحدة الرتبة حتّى يدفع بتعدّدها.
وهذا اشتباه منه؛ فإنّ المقصود من الإشكال ليس ما تصوّره، وإنّما المقصود عدم معقوليّة الحكمين لا بنحو التأكّد؛ لتعدّد الرتبة، ولا بنحو التعدّد؛ لضيق فم الزمان.
والجواب عن هذا الوجه هو النقاش في المبنى، فمختارنا في باب التأكّد: أنّ التأكّد إنّما يتحقّق في ملاك الحكم، فيحصل حبّ شديد مثلاً، ولا يعقل التأكّد في الاعتباريّات، ولا مانع من اجتماع المثلين في الاعتباريّات أصلاً، فنفس الحكمين أعني: الجعلين والاعتبارين يبقيان على حالهما من التعدّد.
وهذا الجواب يرد على ما مضى من الوجه الثاني أيضاً (1).
$
', '(1) وبالإمكان استيعاب كلّ الشقوق المحتملة في المقام بأن يقال: إذا افترضنا الحكمين من سنخ الوجوب أو الحرمة أو الاستحباب أو الكراهة، فبناءً على الإيمان بمرحلة وسط بين مرحلة الحبّ والبغض ومرحلة الإبراز، وهي: مرحلة الجعل والاعتبار يأتي كلام اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من عدم الاستحالة في اجتماع المتماثلين في الاعتباريّات. وبناءً على عدم الإيمان بذلك ينبغي أن يقصد بكون العلم بالحكم موضوعاً لما يماثله: كون العلم بمرتبة من الحبّ ـ مثلاً ـ موضوعاً لمرتبة إضافيّة، ومن الواضح إمكان ذلك، أمّا لو قصد: كون العلم بالحبّ موضوعاً لحبّ آخر من دون حصول التأكّد، فمن الواضح استحالته.
أمّا لو كان الحكمان عبارة عن الإباحة، فبناءً على الإيمان بمرتبة الجعل والاعتبار في الإباحة، فمن الواضح معقوليّة تعدّده في العامّين من وجه، وكذا العموم المطلق لو كان جعل الحكم الخاصّ قبل جعل العامّ. وبناءً على عدم الإيمان بذلك لا يتصوّر تعدّد أو تأكّد في المقام.
', 342), (21, 343, 'book', '
وأمّا بالنسبة إلى المقدّمة الداخليّة، فبناءً على ما ذكر من الطوليّة بين الوجوب الغيرىّ والنفسىّ يستحيل التأكّد؛ لأنّ هذه الطوليّة بناءً على تسليمها ثابتة في ذلك حتّى بالنسبة إلى الحبّ، فلا يعقل التأكّد في ملاك الحكم، لكنّا أنكرنا في محلّه الطوليّة بين الوجوب الغيرىّ والنفسىّ، فلا يستحيل التأكّد من هذه الجهة.
نعم، هنا وجه آخر لاستحالته: وهو أنّه لايكون هناك ملاكان للحكم حتّى يلتزم بالتأكّد، وإنّما هناك ملاك واحد. وإشكال اجتماع المثلين لا يكون صحيحاً، لا بلحاظ ذات الوجوب النفسىّ والغيرىّ، ولا بلحاظ الملاك:
أمّا الأوّل: فلما ذكرناه: من أنّ الحقّ عدم استحالة اجتماع المثلين في الاعتباريّات.
وأمّا الثاني: فلما ذكرناه: من عدم تعدّد الملاك، وأنّه على فرض تعدّده لا مانع من التأكّد لمنع الطوليّة.
الرابع: ما لم يذكره القوم أيضاً، لكنّه يتمّ على ما عرفت من مبناهم في مسألة التأكّد، وحاصل هذا الوجه: أنّه لو فرض عدم التأكّد، لزم اجتماع المثلين، ولو فرض التأكّد، كان محالاً، مع قطع النظر عمّا مضى من إشكال تعدّد الرتبة.
توضيح ذلك: أنّهم يقولون في مثل قوله: «أكرم العالم، وأكرم الهاشمىّ» بتأكّد الحكم في العالم الهاشمىّ، بمعنى: أنّ ثبوت كلا الجعلين في العالم الهاشمىّ محال؛ للزوم اجتماع المثلين، وسقوط أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، فيتساقطان، ويتحقّق حكم ثالث مؤكّد في مادّة الاجتماع، فالحكمان الأوّلان لم يبقيا على إطلاقهما، بل اختصّا بغير مادّة الاجتماع، وثبت لمادّة الاجتماع حكم ثالث. وهذا لا يمكن الالتزام به فيما نحن فيه؛ وذلك لأنّه لو قيل بسقوط إطلاق الحكمين، لزم كون الحكم الأوّل مختصّاً بغير فرض القطع به،والحكم الثاني مختصّاً بغير فرض مصادفة القطع للواقع، وكلا هذين الأمرين محال:
أمّا الأوّل: فعلى مبناهم من استحالة كون القطع بالحكم مانعاً عن الحكم.
وأمّا الثاني: فلعدم قابليّة هذا الحكم للوصول؛ لأنّ القاطع ـ دائماً ـ يرى قطعه مصادفاً للواقع، فلا يرى موضوع هذا الحكم متحقّقاً، فلا يصل إليه الحكم حتّى يكون قابلاً
', '', 343), (21, 344, 'book', 'للمحرّكيّة، فيلغو(1).
هذا. ولكن قد مضى أنّ الحقّ عندنا عدم استحالة اجتماع المثلين في الجعل والاعتبار، فتحصّل: أنّه لامانع من أخذ القطع بالحكم موضوعاً لمثله.
أخذ القطع بالحكم موضوعاً لنفسه
بقي الكلام في إمكان أخذ القطع بالحكم موضوعاً لمتعلّقه وعدمه.
فنقول: تارة يفرض أخذ القطع بالحكم موضوعاً لمتعلّقه شرطاً، واُخرى يفرض أخذه موضوعاً لذلك مانعاً. وقد خلط الأصحاب في المقام بين أخذه كشرط في متعلّقه، وأخذه مانعاً عن متعلّقه، وقصدوا بأخذه في متعلّقه: الجامع بين الأمرين؛ ولذا حينما ذكر الشيخ الأعظم(رحمه الله) ـ كتعليق على ما يقال ردّاً على الأخباريّين الذين منعوا العمل بالعلم الناشئ من حكم العقل: من أنّ هذا يعني الردع عن حجّيّة العلم، وهو غير ممكن ـ ذكر الشيخ الأعظم أنّ بالإمكان حمل هذا على العلم الموضوعىّ، فلا يعود الردع إلى الردع عن حجّيّة العلم، فليس هذا دعوى لأمر محال(2).
أوردوا عليه(رحمه الله) أنّ هذا يعني: أخذ العلم موضوعاً في متعلّق نفسه، وهو مستحيل، في حين أنّ هذا لا يعني شرطيّة العلم لمتعلّقه، بل يعني: مانعيّة العلم الناشئ من العقل عن متعلّقه.
والأولى هو تفكيك البحثين أحدهما عن الآخر، فأوّلاً نبحث عن مدى إمكان شرطيّة العلم لمتعلّقه، ثُمّ نبحث ما إذا كانت أدلّة استحالة ذلك تسري إلى فرض المانعيّة أيضاً. إذن فالبحث يقع في مقامين:
$
', '(1) أمّا بناءً على عدم استحالة كون القطع بالحكم مانعاً عن الحكم، فمن الممكن الالتزام بسقوط الإطلاق من أحد الطرفين، وهو الحكم الأوّل دون كلا الطرفين، ولا يلزم ترجيح بلا مرجّح؛ لاستحالة التقييد في هذا الطرف دون ذاك الطرف.
(2) كأنّ هذا إشارة إلى ما ذكره الشيخ الأعظم في بحث انقسام القطع إلى الطريقيّ والموضوعيّ من التمثيل للقطع الموضوعيّ بقوله: «وقد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشيء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين: من عدم جواز العمل في الشرعيّات بالعلم غير الحاصل من الكتاب والسنّة» راجع فرائد الاُصول ص 23 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم.
', 344), (21, 345, 'book', '
أخذ العلم شرطاً في متعلّقه
المقام الأوّل: في أخذ العلم شرطاً في متعلّقه.
قد برهنوا على استحالة ذلك بلزوم الدور؛ لأنّ العلم بشيء متوقّف على متعلّقه، فإذا توقّف متعلّقه عليه،لزم الدور. ولعلّ أوّل من استدلّ بهذا الوجه هو العلّامة(قدس سره) في مقام ردّ المصوّبة من العامّة، وبعد ذلك جاء الإشكال والبحث في هذا الدليل. ومنشأ الإشكال في ذلك عدم صحّة التوقّف الأوّل؛ إذ العلم من موجودات عالم النفس، فهو متقوّم بما في النفس من المعلوم بالذات دون ما في الخارج، فالمتوقّف على العلم غير المتوقّف عليه العلم؛ لأنّ الأوّل هو المعلوم بالعرض، والثاني هو المعلوم بالذات. ويشهد لما ذكرنا من عدم تقوّم العلم بما في الخارج: أنّه ربّما يحصل العلم وليس له ما بإزاء في الخارج أصلاً، ويكون مخالفاً للواقع(1).
ومن هنا غيّر المحقّق النائينىّ(رحمه الله) نمط الاستدلال، واستدلّ بما حاصله: لزوم التهافت بين طبيعة العلم ومتعلّقه.
وتوضيحه: أنّ طبيعة العلم تقتضي الكشف عمّا فرض ثبوته بغضّ النظر عن العلم، وهذه طبيعة ذاتيّة له ككاشفيّته لا تعلّل بشيء، وهذا يتناقض مع طبيعة متعلّقه حيث فرضناه متوقّفاً على العلم ومترتّباً عليه(2).
$
', '(1) من الملحوظ أنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) لم يجعل عدم إصابة العلم للواقع في بعض الأحيان دليلاً مباشراً لعدم توقّف العلم على الوجود الخارجيّ للمعلوم، وإنّما جعله شاهداً لعدم تقوّم العلم بالوجود الخارجىّ للمعلوم. والسبب في ذلك ما ذكره(رحمه الله): من أنّه لو جعل هذا دليلاً مباشراً لعدم توقّف العلم على الوجود الخارجىّ للمعلوم، لأمكن أن يورد عليه: أنّ العلم المتعلّق بشخص الحكم يستحيل تخلّفه عنه، وإذا لم يكن في الواقع حكم، فهذا العلم في الحقيقة لم يتعلّق بذاك الشخص من الحكم، والشيء الذي ليس بموجود يستحيل تعلّق العلم بشخص ذاك الشيء.
(2) لايوجد في أجود التقريرات إشارة إلى هذا الوجه أصلاً، لا في بحث القطع، ولا في بحث التعبّديّ والتوصّلىّ، كما أنّ فوائد الاُصول للشيخ الكاظمىّ ـ أيضاً ـ لم يذكر هذا الوجه في بحث القطع، ولا يحضرني الجزء الأوّل من الفوائد فعلاً؛ لكي أرى هل ذكر ذلك في بحث التعبّديّ والتوصّلىّ، أو لا؟
والظاهر: أنّ المحقّق النائينىّ(رحمه الله) اعتمد على نفس برهان الدور على ما يبدومن أجود التقريرات، وذكر أنّ هذا الوجه مصبّه الأصلىّ هو مرحلة فعليّة المجعول، فهي تتوقّف على العلم توقّف الحكم على موضوعه، والعلم يتوقّف عليها توقّف العلم على المعلوم، فتستحيل فعليّة المجعول، وإذا استحال المجعول، استحال الجعل؛ فإنّ نسبة المجعول إلى الجعل نسبة الوجود إلى الإيجاد، وإذا استحال الوجود، استحال الإيجاد. ثُمّ أضاف(رحمه الله) وجهاً آخر صبّه رأساً على مرحلة الجعل: وهو أنّه يلزم من أخذ العلم في متعلّقه ما هو روح الدور في مرحلة الجعل: من تقدّم الشيء على نفسه، وليس الدور، وتعبير الأصحاب بالدور مبنىّ على المسامحة؛ وذلك لأنّ الجاعل على وجه القضايا الحقيقيّة يرى بمنظار الجعل الموضوع مفروض الوجود ومفروغاً منه، فإذا كان الموضوع هو العلم بالحكم، فهو يرى العلم بالحكم بمنظار الجعل مفروض الوجود ومفروغاً منه سابقاً، وبالتالي يرى الحكم كذلك؛ فإنّ العلم بالحكم بعد الحكم؛ إذ انقسام الحكم إلى العلم به وعدمه من الانقسامات اللاحقة، والجاعل الذي يرى الحكم بمنظار الجعل مفروغاً منه سابقاً كيف يجعله مرة اُخرى؟!
أقول: إنّ هذا التقريب الثاني: وهو تقريب روح الدور بالبيان الذي ذكره المحقّق النائينىّ(رحمه الله)يبطل ـ أيضاً ـ بما أورده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) على تقريب الدور: من أنّ العلم إنّما يتقوّم بالمعلوم بالذات، ولا يتقوّم بالمعلوم بالعرض، فليس العلم بالحكم بعد الحكم.
', 345), (21, 346, 'book', '
وهذا الوجه وجه وجدانىّ، وليس برهانيّاً، وهو وجه متين.
وبالإمكان أن نذكر في المقام وجهين برهانيّين لإثبات عدم إمكان أخذ العلم بالحكم شرطاً في متعلّقه:
الوجه الأوّل: أنّ الهدف من إيجاد المولى لهذا الحكم لو كان هو تحريك العبد: بأن يقع أحياناً في سلسلة علل علم المكلّف به، فيتحرّك به بواسطة العلم، قلنا: إنّ هذا الهدف لن يتحقّق أبداً؛ إذ من المستحيل وقوع وجود هذا الحكم في سلسلة علل علم المكلّف به؛ لأنّ هذا يستلزم الدور؛ إذ هذا يعني توقّف علم المكلّف عليه توقّف المعلول على علّته، في حين أنّه هو متوقّف على علم المكلّف توقّف الحكم على موضوعه.
أمّا لو لم يكن الهدف ذلك، كما لو كان المولى يكتفي بما قد يتّفق من حصول العلم للمكلّف بالحكم من دون أن يقع ذلك الحكم في سلسلة علل حصول العلم، إذن فيلغو إيجاد هذا الحكم؛ إذ ليس هو المحرّك للعبد، وإنّما المحرّك له هو علمه الذي سيحصل حتّى لو لم يوجد المولى ذلك الحكم. ولا يتأتّى هنا الإشكال الذي ذكرناه على السيّد الاُستاذ فيما سبق: من فرض حرمة التجرّي، حيث قلنا: إنّ هذه الحرمة تؤكّد الحرمة التي يعتقد بها المتجرّي، فقد توجب ردعه عن المعصية على الرغم من أنّ الحرمة الاُولى لم تكف لردعه؛ وذلك لأنّ المفروض أنّ الحكم المتوقّف على العلم هنا ليس حكماً جديداً يؤكّد أثر الحكم الأوّل المعتقد به في تحريك العبد، بل المفروض أنّه هو نفس الحكم الذي تعلّق به العلم.
هذا هو الوجه الأوّل من الوجهين البرهانيّين اللذين يمكن ذكرهما في المقام، إلّا أنّ
', '', 346), (21, 347, 'book', 'هناك إشكالاً يرد على هذا الوجه سيأتي ذكره ـ إن شاء الله ـ عن قريب.
الوجه الثاني: هو أنّه لا إشكال في أنّ العلم بفعليّة الحكم متوقّف على العلم بموضوعه، وليس من قبيل العلم بالمعلولات التكوينيّة الاُخرى التي قد يكون العلم بها هو المولّد للعلم بالعلّة على طريقة الإنّ؛ فإنّ الحكم الذي هو أمر اعتبارىّ لا يعقل الإحساس به مباشرة ثُمّ الانتقال منه إلى موضوعه، بل المعقول هو العكس: بأن يعلم العبد بموضوعه، فيعلم به، ولو فرض أنّ نبيّاً من الأنبياء أخبره بفعليّة الحكم في شأنه، نقلنا الكلام إلى علم النبىّ ـ مثلاً ـ بذاك الحكم، فهو يتوقّف على علمه بموضوعه(1)، فإذا اتّضح: أنّ العلم بالحكم متوقّف على العلم بموضوعه، قلنا: إذن لو كان العلم بنفسه داخلاً في موضوع الحكم، لكان هذا يعني: أنّ العلم بالحكم يتوقّف على العلم بالعلم بالحكم، والعلم بالعلم هو عين العلم؛ لأنّ العلم من المعلومات الحضوريّة لدى النفس، فيستحيل تعلّق علم آخر به؛ إذ ما هو منكشف بذاته لامعنىً لانكشافه بواسطة الصورة؛ لاستحالة انكشاف المنكشف، إذن فتوقّف العلم بالحكم على العلم به يعني توقّف الشيء على نفسه. ولو تنزّلنا وافترضنا إمكانيّة تعلّق العلم الحصولىّ بما هو منكشف لدى النفس حضوراً، قلنا: إنّ العلم بالعلم متوقّف على العلم الأوّل؛ إذ كما أنّ العلم بالمحسوسات الخارجيّة فرع الإحساس بها كذلك العلم بالوجدانيّات فرع وجدانها، وبهذا يثبت الدور؛ لأنّ العلم بالحكم توقّف على العلم بهذا العلم، في حين أنّ العلم الثاني متوقّف على العلم الأوّل، إذن فحكم من هذا القبيل غير قابل للوصول؛ لأنّ قابليّته للوصول تستبطن الدور، والحكم الذي لا يقبل الوصول يلغو.
إلى هنا اتّضح: أنّ أخذ العلم بشيء في متعلّقه بمعنى اتّحاد ما تعلّق به العلم وما ترتّب على العلم بالمعنى الدقيق لكلمة الاتّحاد مستحيل.
يبقى الكلام في أنّه لو اتّفق للمولى كون غرضه متعلّقاً بجعل حكم بحيث يختصّ بدائرة العالمين بالحكم، أفهل يوجد له طريق للوصول إلى هذا الهدف من دون الابتلاء بالمحاذير السابقة، أو لا؟
$
', '(1) بل لا يمكن في المقام حصول العلم بالحكم عن طريق إخبار النبىّ؛ لأنّ النبىّ لا يخبر بفعليّة الحكم إلّا إذا تحقّق موضوعه، والمفروض أنّ علم المكلّف بالحكم داخل في موضوعه، إذن لا يخبر النبىّ بفعليّة الحكم إلّا وقد فرض علم المكلّف سابقاً، ومعه يلغو الإخبار.
', 347), (21, 348, 'book', '
والواقع: أنّ البراهين الماضية ما تمّ منها لا يثبت عدا استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع متعلّقه بنحو يتّحد بالدقّة ما تعلّق به العلم مع ما توقّف على العلم. ولدينا وجهان لعلاج الموقف بشكل لا يعود أخذ العلم بالحكم في موضوع متعلّق الحكم إلى الاتّحاد الحقيقىّ بين ما تعلّق به العلم وما توقّف عليه:
الوجه الأوّل: أنّ بإمكان المولى أخذ العلم بالجعل في مرتبة المجعول، فلم يكن ما تعلّق به العلم عين ما ترتّب على العلم بالدقّة حتّى يلزم محذور، وفي نفس الوقت قد توصّل المولى إلى غرضه من اختصاص حكمه بدائرة العالمين.
ولافرق في ذلك بين أن نتصوّر الفرق بين الجعل والمجعول بالشكل المتعارف ذكره، أو نختار معنىً أدقّ وأعمق يأتي بيانه في محلّه إن شاء الله.
ولننهج هنا في مقام البيان المنهج المتعارف ذكره حيث يقال: إنّ الشارع لمّا جعل وجوب الحجّ على المستطيع مثلاً ـ ولنفرض أنّه في ذلك الحين لم يكن أحد مستطيعاً ـ فلاإشكال في أنّه وجد بذلك في عالم التشريع حكم لم يكن موجوداً قبله، وهذا هو المسمّى بالجعل، ولكنّا لو وجّهنا سؤالاً إلى أىّ إنسان في ذلك الزمان عن أنّه هل يجب عليك الحجّ ـ والمفروض بشأنه عدم الاستطاعة ـ لأجاب بالنفي، ولو سألناه عن ذلك بعد استطاعته، لأجاب بالإيجاب، إذن قد تحقّق بشأنه بعد تماميّة الجعل وجوب عند اتّصافه بالاستطاعة، وهذا الوجوب لم يكن موجوداً بشأنه قبل استطاعته، وهذا هو المسمّى بالمجعول.
إذن فالمجعول غير الجعل، وعليه فلا مانع من أخذ العلم بالجعل شرطاً لتحقّق المجعول. وقد ذكرنا للسيّد الاُستاذ هذا العلاج، أعني: أخذ العلم بالجعل موضوعاً للمجعول، فأجاب عنه بما ذكر في (الدراسات): من أنّ جعل الحجّ ـ مثلاً ـ على المستطيع ليس جعلاً بشأن زيد، إلّا إذا استطاع زيد، والجعل إنّما يكون جعلاً بشأن شخص ما حينما يكتمل بشأن ذاك الشخص كلّ شرائط المجعول، والمقصود من أخذ العلم بالحكم في متعلّق الحكم ليس هو أخذ العلم بحكم أحد في متعلّق حكم شخص آخر، وإلّا فإمكانه بمكان من الوضوح، وإنّما المقصود هو: أخذ العلم بحكم شخص في متعلّق حكم ذلك الشخص، وعليه فقد عاد المحذور؛ لأنّ جعل وجوب الحجّ ـ مثلاً ـ لا يكون جعلاً لهذا
', '', 348), (21, 349, 'book', 'الشخص إلّا باستطاعته، واستطاعته مساوقة لتحقّق المجعول في حقّه(1).
ويرد عليه: أنّنا نقصد بأخذ العلم بالجعل في متعلّق المجعول: أخذ العلم بجعل (لم يقع فاصل بينه وبين كونه جعلاً بشأن زيد عدا العلم به) في متعلّق المجعول، أو قل: أخذ العلم بجعل لو علم به لكان جعلاً بشأنه في متعلّق المجعول. وبهذا ينتهي المحذور(2).
$
', '(1) لا ندري هل المقصود بذلك إرجاع الأمر إلى المحذور بلحاظ المجعول والفعليّة، أي: أصبح في الحقيقة العلم بالحكم الفعليّ، أو قل بالمجعول موضوعاً للحكم الفعليّ أو المجعول، أو المقصود بذلك إبقاء المحذور في دائرة الجعل، بأن يقال: إذا اُخذ العلم بجعل وجوب الحجّ على زيد ـ مثلاً ـ في موضوع الوجوب الفعليّ للحجّ على زيد، لم يعد المتوقّف على العلم بالجعل هو المجعول فحسب كي يخلو من المحذور، بل أصبح نفس الجعل بشأن زيد متوقّفاً عليه؛ لأنّ كون الجعل جعلاً بشأن زيد متوقّف على تحقّق كامل أجزاء موضوع الجعل التي منها علمه بالجعل؟
(2) أقول: إنّ هذا الوجه وهو أخذ العلم بالجعل شرطاً في موضوع المجعول صحيح أنّه كاف لعلاج مشكلة الدور، ومشكلة التهافت بين طبيعة العلم وطبيعة المعلوم، ومشكلة عدم قابليّة الحكم للوصول لتوقّف العلم به على العلم به، ولكنّه لا يكفي لعلاج ما مضى نقله عن المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من محذور لزوم تقدّم الشيء على نفسه في منظار الجعل، فالجاعل الذي يفرض العلم بالجعل مفروغاً منه سابقاً وبالتالي يفرض نفس الجعل مفروغاً منه كيف ينشئ الجعل مرة اُخرى؟!
نعم، قد عرفت أنّ هذا الوجه في ذاته غير صحيح؛ إذ الفراغ من العلم بالجعل لا يستلزم عدا الفراغ من المعلوم بالذات، وهو وجود الجعل في نفس العالم، لا الفراغ من المعلوم بالعرض، وهو ذات الجعل.
بقي علينا شرح الحال فيما أشار إليه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّ هذا الوجه ـ وهو حلّ الإشكال بأخذ العلم بالجعل شرطاً في المجعول ـ يمكن إسراؤه إلى مبناه هو(قدس سره) في تصوير الجعل والمجعول.
فنقول: إنّنا تارة ننساق مع التصوّر المعروف عن المحقّق النائينىّ(رحمه الله): من قياس القضايا التشريعيّة بالقضايا التكوينيّة، فكما أنّ في قولنا: النار محرقة تكون القضيّة الحقيقيّة الراجعة إلى القضيّة الشرطيّة صادقة من أوّل الأمر، ولكن فعليّة الجزاء تتأخّر إلى حين فعليّة الشرط، كذلك وجوب الحجّ على تقدير الاستطاعة يثبت على شكل القضيّة الحقيقيّة والشرطيّة، ويصبح الوجوب فعليّاً عند تحقّق الشرط؛ ولذا نرى أنّه حينما يقول المولى: ﴿لله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ يثبت الحكم، وفي نفس الوقت لا وجوب على الأفراد غير المستطيعين، وعند ما تتمّ الاستطاعة بشأن أحد يثبت الوجوب له، فالثاني نسمّيه بالمجعول، والأوّل نسمّيه بالجعل. وحينئذ من الواضح صحّة الحلّ الذي قام به اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في المقام: من افتراض أنّ العلم بالجعل اُخذ في موضوع المجعول.
واُخرى لا نقبل هذا البيان، ونرى قياس المقام بالاُمور التكوينيّة قياساً مع الفارق، ففي الاُمور التكوينيّة يتحقّق الجزاء في لوح الخارج بتحقّق الشرط، أمّا في باب الأحكام، فلايتحقّق بتحقّق الشرط شيء، لا في لوح الخارج، ولا في لوح نفس المولى، على مستوى الحبّ والبغض، أو على مستوى الاعتبار والجعل: أمّا عدم تحقّق شيء في لوح الخارج، فواضح؛ لأنّ الأحكام ليست من الاُمور الخارجيّة كالاحتراق، وأمّا عدم تحقّق اعتبار آخر، فأيضاً واضح؛ إذ معنى تحقّقه تعدّد الجعل، وهو خلاف المفروض، وأمّا عدم تحقّقه في عالم الحبّ والبغض ـ بأن ينقدح حبّ وبغض للفعل يعتبر فعليّة لحبّه أو بغضه للقضيّة الشرطيّة ـ فلوضوح أنّ فعليّة الحكم المجعول على نهج القضيّة الحقيقيّة غير مشروطة بعلم المولى بتحقّق الشرط، ووضوح عدم انقداح حبّ أو بغض جديدين عند عدم علم المولى بتحقّق الشرط.
نعم، قد يقال: إنّ هناك قضيّة تكوينيّة شرطيّة يتحقّق جزاؤها عند تحقّق شرطها، وهي: إنّه لو علم المولى بتحقّق الأمر الفلاني، لأحبّ تحقّق العمل الفلاني، فمتى ما حصل الشرط، وهو علم المولى بتحقّق ذاك الأمر، تحقّق الجزاء.
إلّا أنّ هذا خروج عن المقصود؛ فإنّ الحكم في عالم الحبّ والبغض عبارة عن حبّ القضيّة الشرطيّة حبّاً فعليّاً سواء تحقّق الشرط أو لا، وسواء علم المولى بتحقّق الشرط أو لا، وليس عبارة عن قضيّة شرطيّة شرطها هو العلم بذاك الشرط، وجزاؤها هو الحبّ.
إذن فالذي يتحقّق في باب التشريع عند فعليّة الشرط إنّما هو فاعليّة الحكم وطرفيّة المكلّف لذاك الحكم، لا فعليّة الحكم بالمعنى الدقيق للكلمة، وإن صحّ التعبير عن ذلك بفعليّة الحكم بنوع من المسامحة، أو بافتراض مصطلح خاصّ، ولا مشاحّة في الاصطلاح.
أمّا المجعول بالمعنى الدقيق للكلمة، فهو لا ينفكّ من الجعل؛ فإنّه بالقياس إلى الجعل كالوجود بالقياس إلى الإيجاد، وكما أنّ الإيجاد والوجود خارجاً متّحدان كذلك الجعل والمجعول كما أفاده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله).
وعلى هذا الأساس قد يقال: إنّ الحلّ الذي ذكره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) يتمّ على مبنى مدرسة المحقّق النائينىّ رضوان الله عليه، ولكنّه لا يتمّ على مبناه هو(رحمه الله) ؛ إذ الجعل والمجعول ـ بحسب مبناه ـ أحدهما عين الآخر خارجاً، فلا اثنينيّة في المقام كي نفترض أنّ العلم بالجعل اُخذ في موضوع المجعول، ونتخلّص من محاذير وحدة متعلّق العلم وما يترتّب على العلم، كما لا نستطيع أن نفترض أنّ العلم بالجعل اُخذ في موضوع فاعليّة الحكم وطرفيّة المكلّف للحكم؛ إذ ليس هذا مجعولاً للمولى كي يستطيع أن يدخل في موضوعه بيد التشريع شيئاً.
والجواب: أنّ الجعل والمجعول صحيح أنّهما متّحدان خارجاً، وليس الفرق بينهما إلّا بلحاظ جهة الانتساب إلى الفاعل أو القابل تماماً كالإيجاد والوجود، إلّا أنّ هذا لا يضرّ بتماميّة الحلّ الذي تبنّاه اُستاذنا الشهيد.
توضيح ذلك: أنّه يتصوّر لربط المولى للحكم بالعلم به معنيان:
المعنى الأوّل: أن يقصد بذلك توقيف الجعل ابتداءً على العلم بالمعنى الحقيقىّ لكلمة التوقيف، وهذا يستحيل صدوره عن الجاعل بما هو جاعل حتّى لو غضّ النظر عن المحاذير السابقة؛ فإنّ الجعل عمل للجاعل، والعامل يستحيل أن يجعل عمله بنفس هذا العمل متوقّفاً (بالمعنى الحقيقىّ للتوقّف التكوينىّ) على شيء، فقد يكون عمل فاعل ما متوقّفاً على شيء ابتداءً، كتوقّفه على مقدّمات لولاها لما كان قادراً على ذاك العمل، أو متوقّفاً عليه بسبب تعجيز معجّز له عن ذاك العمل في فرض عدم ذاك الشيء ولو كان المعجّز نفس الفاعل، ولكن لا يعقل كونه معجّزاً لنفسه عن ذلك بنفس هذا العمل، كما هو واضح. إذن فهذا المعنى خارج عن محلّ الكلام أساساً.
المعنى الثاني: أن يقصد بذلك تضييق دائرة الحكم، فبدلاً من أن يجعل وجوب الحجّ على مطلق المستطيع يجعله على المستطيع العالم، وهذا ليس ابتداءً توقيفاً للجعل على العلم، بل تضييق وتحصيص للمفاد الذي جعله بالعلم، وهذا هو محلّ الكلام، وهذا التضييق والتحصيص يؤدّي قهراً إلى توقّف المجعول على العلم ـ بناءً على تصوّرات مدرسة المحقّق النائينىّ: من افتراض مجعول يولد عند تماميّة الموضوع ـ وإلى توقّف طرفيّة المكلّف لهذا الحكم، أو فاعليّة الحكم بالنسبة إليه، بناءً على تصوّرات اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّ ما يولد بتماميّة الموضوع إنّما هو طرفيّة المكلّف للحكم، أو فاعليّة الحكم بالنسبة إليه، وليست فعليّة الحكم. ومن هنا يتّضح: أنّه لافرق جوهرىّ ـ في خصوص ما نحن فيه ـ يترتّب على الاختلاف بين المبنيين:
فعلى مبنى مدرسة المحقّق النائينىّ(رحمه الله) يكون المجعول أو فعليّة الحكم قد توقّف قهراً على ما ضيّق المولى دائرة الحكم به. فإذا فرض أنّ المولى قد ضيّق دائرة الحكم بالعلم بالمجعول، وردت المحاذير السابقة، وإذا فرض أنّ المولى قد ضيّق دائرة الحكم بالعلم بالجعل، لم يكن هناك محذور.
وعلى مبنى اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) تكون طرفيّة العبد للحكم أو فاعليّة الحكم قد توقّفت قهراً على ما ضيّق المولى دائرة الحكم به، فإن فرض أنّ المولى قد ضيّق دائرة الحكم بالعلم بطرفيّة العبد للحكم وفاعليّة الحكم، وردت المحاذير السابقة، وإن فرض أنّ المولى قد ضيّق دائرة الحكم بالعلم بالجعل، لم يكن هناك محذور.
ولا يجعل المولى ابتداءً فاعليّة الحكم أو طرفيّة المكلّف للحكم متوقّفة على العلم كي يقال: إنّ فاعليّة الحكم أو طرفيّة المكلّف له أمر قهرىّ، وليس تشريعيّاً تناله يد المشرّع بما هو مشرّع، وإنّما الذي يصنعه المولى هو تضييق دائرة حكمه وتحصيصه، ويترتّب على ذلك قهراً توقّف فاعليّة الحكم أو طرفيّة المكلّف له على ما ضيّق المولى دائرة الحكم به.
', 349), (21, 350, 'book', '
$
', '', 350), (21, 351, 'book', 'بقي علينا أن نشير هنا إلى أنّه يتّضح بالالتفات إلى مسألة الجعل والمجعول ما يرد على ما مضى من الوجه الأوّل من الوجهين البرهانيّين لاستحالة أخذ العلم شرطاً لمتعلّقه: من أنّه إن كان الحكم دخيلاً في حصول العلم به، لزم الدور، وإلّا لزم اللغويّة.
فإنّ هذا يرد عليه: أنّنا نختار الشقّ الثاني، أي: عدم دخل الحكم ـ أعني المجعول ـ في حصول العلم به، فلا يلزم الدور، ولكنّنا نفرض دخل الجعل في تحقّق العلم؛ فلا تلزم اللغويّة أيضاً، فقد تصورّنا بهذا أخذ العلم بالمجعول شرطاً للمجعول بلا لزوم محذور الوجه الأوّل من الوجهين البرهانيّين.
الوجه الثاني: أن يؤخذ العلم بإبراز الحكم شرطاً في الحكم، كما يتّفق ذلك في الموالي العرفيّة، فيقول المولى العطشان ـ مثلاً ـ: من سمع كلامي فليأتني بماء. وهذا الوجه لاحاجة فيه إلى تصوير تعدّد الجعل والمجعول(1).
$
', '(1) أقول: قد عرفت أنّ المعتمد في مقام الإشكال على فرض وحدة متعلّق العلم وما يترتّب على العلم أمران:
أحدهما: التهافت بين طبيعة العلم ـ التي تتطلّب النظر إلى المتعلّق وكأنّه مستقلّ عن العلم ـ وبين طبيعة المتعلّق الذي ربط بحسب الفرض بالعلم، وأوقف عليه.
والثاني: عدم قابليّة الحكم للوصول؛ لأنّ العلم به متوقّف على العلم بموضوعه، فإذا كان موضوعه هو العلم به، توقّف العلم به على العلم بالعلم به، وهذا ما يعود إلى الدور، أو إلى روح الدور، أعني: توقّف الشيء على نفسه.
ولا إشكال في أنّ الوجه الثاني المذكور في المتن باستطاعته أن يحلّ المحذور الثاني، بلا حاجة إلى رجوعه إلى الوجه الأوّل، أو إلى روح الوجه الأوّل: من التمييز بين الجعل والمجعول، أو الجعل وفاعليّة الحكم، فحتّى لو فرضنا أنّ الإبراز الذي يكون العلم به شرطاً في الحكم متعلّق بنفس ما يترتّب على العلم، فالمجعول ـ مثلاً ـ يترتّب على العلم بإبراز المولى للمجعول، أو فاعليّة الحكم تترتّب على العلم بإبراز المولى لفاعليّة الحكم، كان المحذور الثاني مرتفعاً؛ إذ لا يلزم من أخذ العلم بإبراز الحكم في موضوع الحكم عدا توقّف العلم به على العلم بالعلم بإبرازه الراجع إلى توقّف العلم به على العلم بإبرازه، وهذا غير توقّف الشيء على نفسه، وكثيراً ما يتّفق توقّف العلم بشيء على العلم بإبرازه، فمثلاً فيما يخبر المخبر الثقة بقضيّة لا سبيل لنا إلى معرفتها غير إخباره يكون علمنا بتلك القضيّة متوقّفاً على علمنا بإبراز المخبر لها.
إلّا إنّه قد يقال: إنّ هذا الوجه لا يحلّ المحذور الأوّل إلّا بنفث روح الوجه الأوّل فيه: من التمييز بين الجعل والفعليّة، أو الجعل والفاعليّة؛ ذلك لأنّه لو غضّ النظر عن هذا التمييز، لأمكن أن يقال باستحالة توقّف الحكم على العلم بإبراز المولى للحكم؛ لأنّ العلم بشيء يقتضي بطبيعته النظر إلى ذاك الشيء وكأنّه مستقلّ عن العلم وغير متوقّف عليه، فإبراز الحكم يجب أن يفرض مستقلّاً عن العلم وغير متوقّف عليه، وهذا يعني: ثبوت إبراز المولى للحكم بغضّ النظر عن العلم بهذا الإبراز، وطبعاً إبراز المولى للحكم فرع ثبوت الحكم واقعاً، إذن هذا يعني: ثبوت الحكم واقعاً بغضّ النظر عن العلم بهذا الإبراز، في حين أنّ المفروض هو توقّف الحكم على العلم بهذا الإبراز.
وبتعبير آخر: أنّ توقّف الحكم على العلم بالإبراز يستدعي توقّف معلوله، وهو الإبراز على العلم بالإبراز، فقد أصبح متعلّق العلم وهو الإبراز متوقّفاً على العلم، وقد افترضنا استحالته؛ للزوم التهافت بين طبيعة العلم الذي يقتضي النظر إلى المعلوم وكأنّه مستقلّ عنه، وطبيعة المعلوم.
إذن نحن بحاجة إلى نفث روح الوجه الأوّل: من التمييز بين الجعل والفعليّة، أو الجعل والفاعليّة في هذا الوجه؛ كي نقول: إنّ فعليّة الحكم أو فاعليّته توقّفت على العلم بإبراز المولى للجعل.
', 351), (21, 352, 'book', '
هذا تمام كلامنا في بيان وجهين للهروب من إشكالات أخذ العلم بالحكم في متعلّق الحكم.
فلو اتّفق في الشريعة في بعض الموارد اختصاص الحكم بالعالمين بالحكم كما في مسألة الجهر والإخفات والقصر والإتمام ـ بناءً على أنّ المستفاد من روايات الإجزاء فيها هو اختصاص الحكم بالعالم ـ يحمل ذلك على أحد هذين الوجهين.
مسلك متمّم الجعل
إنّ المحقّق النائينىّ(رحمه الله) سلك في بيان المهرب من إشكال استحالة موضوعيّة العلم بالحكم لمتعلّقه مسلكاً آخر، وهو مسلك متمّم الجعل.
$
', '', 352), (21, 353, 'book', 'وحاصل رأيه في ذلك: أنّ الجعل ربّما لا يكون مطابقاً لغرض المولى ووافياً بتمام الغرض، وذلك كما فيما نحن فيه؛ إذ لا إشكال في أنّ الغرض: إمّا أن تعلّق بصدور الفعل عن خصوص العالم بالحكم، أو تعلّق بصدور الفعل عن مطلق العالمين والجاهلين، ولكنّ جعله لا يفي باختصاص الغرض بالعالم ولا بالإطلاق: أمّا الأوّل فلما مضى من استحالة أخذ العلم بالحكم شرطاً لذاك الحكم، وأمّا الثاني فلما مضى من عدم تفرقة القوم (ومنهم المحقّق النائينىّ(رحمه الله)) بين أخذ العلم شرطاً أو مانعاً، فيستحيل تقييد الحكم بالجهل أيضاً، وبالتالي يستحيل الإطلاق باستحالة التقييد؛ لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد في نظره(قدس سره): تقابل العدم والملكة، فهذا الجعل مهمل لا مطلق ولا مقيّد، ومن هنا احتجنا إلى جعل آخر متمّم للجعل الأوّل لإفادة غرضه، فيجعل وجوب ذاك الفعل مرّة اُخرى مقيّداً بالعلم بالجعل الأوّل أو مطلقاً، فتحصل نتيجة تقييد الجعل الأوّل أو إطلاقه بتقييد الجعل الثاني أو إطلاقه، وهذان الجعلان لبّاً وروحاً جعل واحد؛ لأنّهما مسوقان لغرض واحد. هذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله).
ولنا في هذا الكلام بحثان: أحدهما بلحاظ الجعل الأوّل، وثانيهما بلحاظ الجعل الثاني:
البحث الأوّل: في الكلام في الجعل الأوّل، وقد أورد السيّد الاُستاذ على ما مضى نقله في ذلك عن المحقّق النائينىّ(رحمه الله) إيرادين:
أحدهما: أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد صحيح أنّه تقابل العدم والملكة، ففي جانب العدم اُخذت مرتبة من قابليّة الوجود بانتفائها ينتفي ذلك العدم الخاصّ، لكن ليست القابليّة المأخوذة عبارة عن القابليّة الشخصيّة حتّى ينتفي بانتفائها العدم الملحوظ في باب العدم والملكة، بل هي قابليّة كلّيّة؛ ولذا ترى أنّه يصدق على العبد كونه جاهلاً بحقيقة الباري تعالى مع أنّ التقابل بين العلم والجهل تقابل العدم والملكة، ويستحيل علم العبد بحقيقة الباري عزّ اسمه، والسبب في صدق الجهل في المقام هو كفاية مطلق قابليّته للعلم لصدق عنوان الجهل عليه، ولا حاجة في صدقه عليه إلى قابليّته للعلم بشخص هذا الأمر، فكذلك نقول فيما نحن فيه بكفاية القابليّة الكلّيّة للتقييد في صدق الإطلاق، فإذا امتنع في مورد ما التقييد، لم يمتنع الإطلاق، بل تعيّن الإطلاق.
وهذا الكلام من السيّد الاُستاذ (الذي جاء ذكره في تعليقته على المجلّد الأوّل من
', '', 353), (21, 354, 'book', 'أجود التقريرات(1) وفي الدراسات) كان مبنيّاً على مبناه السابق: من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، وقد عدل بعد ذلك عن هذا المبنى إلى القول بأنّ التقابل بينهما تقابل التضادّ، وإنّ الإطلاق عبارة عن لحاظ عدم دخل القيد، والتقييد عبارة عن لحاظ دخل القيد، فهما أمران وجوديّان متباينان.
وعلى أىّ حال، فهذا الكلام منه في المقام خلط بين مبحثين لا علاقة لأحدهما بالآخر، فأحدهما بحث اصطلاحيّ صرف، والآخر بحث علمىّ واقعىّ.
توضيح ذلك: أنّ للفلاسفة اصطلاحاً في باب التقابل حيث سمّوا قسماً منه بتقابل التضادّ، والقسم الآخر بتقابل السلب والإيجاب، والثالث بتقابل التضايف، والرابع بتقابل العدم والملكة. وقد ذكر في كلمات القدماء تقابل العدم والملكة. ووقع البحث بين المتأخّرين في فهم مراد القدماء من هذا المصطلح، فذهب بعض إلى أنّ القابلية المأخوذة في باب العدم والملكة قابليّة شخصيّة، وبعض آخر أنّها قابليّة كلّيّة. وليس هذا إلّا بحثاً في المصطلح لا في أمر واقعىّ؛ إذ من الواضح الذي لم يشكّ فيه أحد: أنّ العدم المطلق، والعدم المقيّد بالقابليّة الكلّيّة، والعدم المقيّد بالقابليّة الشخصيّة، كلّها مقابل للوجود، ولا يمكن اجتماع واحد منها مع الوجود. وإنّما الكلام والبحث فيما هو المصطلح عليه في باب العدم والملكة، فلو وردت آية أو رواية تدلّ على أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة بالمعنى المصطلح عند الفلاسفة، كان للتفتيش عن معنى هذه الكلمة، والاستشهاد على كون الملكة المأخوذة ملكة كليّة بمثال العلم والجهل؛ لإطلاق هذا المصطلح عليهما في كلمات الفلاسفة، مجال.
ولكنّ الأمر ليس كذلك، وإنّما ينبغي البحث العلميّ بالنسبة إلى الإطلاق والتقييد عن أمر واقعىّ: وهو أن نرى أنّه ما هي النكتة التي توجب سريان الطبيعة إلى تمام أفرادها؟ هل هي العدم المأخوذ فيه القابليّة الكلّيّة، أو الشخصيّة، أو غير ذلك؟ وقد مضى منّا في بحث المطلق والمقيّد أنّ نكتة السريان إنّما هي ذات عدم التقييد، وأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل السلب والإيجاب.
الثاني: أنّ الإهمال في الحكم محال، بل هو إمّا مطلق أو مقيّد، وقد استنتج ذلك في تعليقته على المجلّد الأوّل من أجود التقريرات(2): من أنّ شوق المولى لا محالة: إمّا أن
', '(1) ص 104.
(2) ص 103.
', 354), (21, 355, 'book', '
يكون متعلّقاً بخصوص صدور الفعل عن العالم مثلاً، أو بالمطلق، لا بقسم خاصّ.
وهذا الكلام منه خلط بين باب الشوق وباب الحكم.
توضيح ذلك: أنّ الحكم غير الشوق، كما اعترف به السيّد الاُستاذ في إيراده على الشيخ الأعظم(قدس سره)، حيث استدلّ الشيخ الأعظم على رجوع قيد الهيئة إلى المادّة بأنّ المولى إذا تصوّر شيئاً: فإمّا أن لا يشتاق إليه، ولا كلام لنا في ذلك، أو يشتاق إليه، وعلى الثاني: فإمّا أن يشتاق إلى مطلق ذاك الشيء، أو إلى حصّة خاصّة منه، فعلى الأوّل يكون الحكم مطلقاً، وعلى الثاني يكون الحكم مقيّداً، لكنّ القيد رجع إلى متعلّق الاشتياق.
وأورد على ذلك السيّد الاُستاذ: أنّ هذا الكلام لا يثبت المقصود من رجوع قيد الهيئة في الأحكام إلى المادّة؛ لأنّ الحكم غير الشوق، وهذا التشقيق كان تشقيقاً في الشوق.
فإذا بنينا على أنّ الحكم غير الشوق، قلنا في المقام: إنّ استحالة الإهمال بما هو إهمال في باب الشوق لا تقتضي استحالة الإهمال بما هو إهمال في باب الحكم، ففي باب الشوق يكون الإهمال محالاً في ذاته ولو فرض التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل التضادّ بخلاف باب الحكم، فإنّ الشوق والحكم كلاهما مشتركان في كونهما من موجودات عالم النفس، إلّا أنّ الفرق بينهما: أنّه في باب الحكم يمكن أن يفرض الإهمال وعدم الإطلاق والتقييد والالتزام بلازم ذلك من عدم الانطباق على ما في الخارج، بعد قطع النظر عن إشكال اللغويّة، أمّا في باب الشوق فالانطباق على ما في الخارج ذاتىّ له، ولا يعقل تعلّق الشوق بالصورة الذهنيّة إلّا باعتبار انطباقها في نظر المشتاق على ما في الخارج، إذن فلا يعقل فيه الإهمال.
نعم، بناءً على ما حقّقناه في بحث المطلق والمقيّد: من أنّ التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب لا يعقل الإهمال، لكن لا لاستحالته هو، بل لاستحالة ارتفاع النقيضين وعدم تصوير الإهمال. أمّا بناءً على مبنى السيّد الاُستاذ من كون التقابل بينهما تقابل التضادّ، فلدعوى إمكان الإهمال في الحكم مجال واسع.
وعلى أىّ حال، فيرد على ما أفاده المحقّق النائينىّ(رحمه الله) في الجعل الأوّل من الإهمال ما عرفته: من أنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل التناقض دون العدم والملكة، فلا يتحقّق الإهمال.
البحث الثاني: في الكلام في الجعل الثاني. قد عرفت ما ذهب إليه المحقّق النائينىّ(رحمه الله):
', '', 355), (21, 356, 'book', 'من أنّ المولى يتوصّل إلى مطلوبه ـ من أخذ قيد العلم أو الإطلاق ـ بجعل ثان مقيّد بالعلم بالجعل الأوّل أو مطلق. ونورد على ذلك أمرين:
الأوّل: أ نّا إذا التفتنا إلى أنّ الذي يؤخذ في متعلّق الحكم هو العلم بالجعل، لم نحتج إلى متمّم الجعل؛ لما عرفت: من أنّ هذا ممكن في الجعل الواحد، أمّا لو لم نلتفت إلى ذلك، وتخيّلنا أنّ المجعول يتوقّف على العلم بالمجعول، أو قل: الحكم الفعلىّ يتوقّف على العلم بالحكم الفعلىّ، فتعدّد الجعل لا يحلّ المشكل؛ وذلك لأنّ الجعل الأوّل كيف يصبح فعليّاً كي يكون العلم بفعليّته سبباً لفعليّة الجعل الثاني؟ هل يصبح فعليّاً حينما نعلم به، فالمهملة في قوّة الجزئيّة؟، أو يصبح فعليّاً مطلقاً، أي: حتّى لو لم نعلم به، فالمهملة في قوّة المطلقة؟، أو لا يصبح فعليّاً أصلاً؟
فإن فرض الأوّل فهو غير معقول؛ إذ الجعل إنّما يصبح فعليّاً بفعليّة موضوعه، بمعنى تحقّق القيد المأخوذ فيه، أو انطباقه بالإطلاق، والمفروض عدم شيء منهما، على أنّه لو صحّ ذلك إذن لم نحتج لحصر الفعليّة في دائرة العلم إلى متمّم الجعل.
وإن فرض الثاني فهو ـ أيضاً ـ غير معقول؛ إذ مع فرض عدم الإطلاق الذي هو نكتة السريان لا يعقل الانطباق على تمام الأقسام، على أنّه لو صحّ ذلك لم نحتج في نتيجة الإطلاق إلى متمّم الجعل.
وإن فرض الثالث لم يمكن حصول العلم بمجعول الجعل الأوّل كي يتحقّق موضوع الجعل الثاني.
الثاني: أنّه لو أراد المولى تخصيص الحكم بالعالم بالحكم بما لهذه الكلمة من معنى، لم يصل إلى هدفه عن طريق تقييد الجعل الثاني ـ بطريقة المحقّق النائينيّ(رحمه الله) ـ بالعلم بالجعل الأوّل؛ لأنّ هذا الجعل الثاني ـ أيضاً ـ يكون بالقياس إلى نفسه مهملاً لا مقيّداً بالعلم به ولا مطلقاً، فهو بحاجة إلى جعل ثالث مقيّد بالعلم بالجعل الثاني، وهكذا إلى أن يتسلسل.
نعم، افترضنا أنّ عدم تقييد الجعل الثاني بالعلم بالجعل الأوّل دلّ على إطلاق الشوق والملاك لكلّ الناس؛ لأنّه لو كان الشوق والملاك مختصّين بشأن العالم، لكان إطلاق الجعل الثاني لفرض الجهل بالجعل الأوّل لغواً؛ لأنّ من كان جاهلاً بسابقه فلا شوق ولا ملاك في نظر المولى بالنسبة إليه، فلا داعي لجعل يحقّق نتيجة الإطلاق للجعل الأوّل.
$
', '', 356), (21, 357, 'book', 'ونحن قد فرغنا من أنّ اختصاص الغرض والملاك والشوق بدائرة العالمين أمر ممكن وجداناً، بل برهنّا على ذلك بالبيانين اللذين مضيا منّا لطريق الوصول إلى الغرض، أمّا وصول المولى إلى غرضه في اختصاص الحكم بدائرة العالمين عن طريق هذا البيان المرويّ عن الشيخ النائينيّ(قدس سره)، فأمر غير ممكن.
أخذ العلم مانعاً عن متعلّقه
المقام الثاني: في أخذ العلم بالحكم مانعاً عن متعلّقه، وجعل عدمه موضوعاً لذلك الحكم، وقد خلطوا بينه وبين أخذ العلم شرطاً في متعلّقه، فساقوهما بمساق واحد، وبرهنوا في كليهما ببرهان واحد، واختاروا الاستحالة. ومن هنا اتّجه الإشكال في أمرين:
الأوّل: ما أفاده الشيخ الأعظم(قدس سره) في مقام توجيه كلام الأخباريّين القائلين بعدم جواز اتّباع القطع الحاصل من طريق العقل، حيث ذكر الشيخ الأعظم(رحمه الله): أنّه من الممكن للأخباريّين أن يدّعوا كون القطع الحاصل من طريق العقل مانعاً عن الحكم، فبحصول هذا القطع ينتفي الحكم، ولا يلزم من ذلك الردع عن حجّيّة القطع الطريقىّ الذي هو محال.
والثاني: رواية أبان المعروفة في ديّة أصابع المرأة حيث ورد أنّه قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الديّة، فإذا بلغت الثلث، رجعت إلى النصف. يا أبان، إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست، محق الدين»(1).
فظاهر هذه الرواية: أنّ أباناً كان قاطعاً بأنّ قطع الإصبع الرابع لا يوجب تخفيف الديّة؛
', '(1) الوسائل ج 19 باب 44 من أبواب ديّات الأعضاء ح 1 ص 268.
', 357), (21, 358, 'book', '
ولذا قال: إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فالإمام(عليه السلام) ردعه عن هذا القطع بكونه حاصلاً من القياس، وأنّ السنّة إذا قيست، محق الدين، فهذا الحديث ـ أيضاً ـ نظير كلام الشيخ الأعظم(قدس سره) في جعل القطع مانعاً عن الحكم.
ووجّه المحقّق النائينىّ(رحمه الله) هذه الرواية وكلام الشيخ الأعظم(قدس سره) بمسلكه الذي مضى: من التقييد بواسطة متمّم الجعل.
والسيّد الاُستاذ سجّل الإشكال على الشيخ الأعظم، وأمّا الرواية فردّها بضعف السند، وبالنقاش في دلالتها: بأنّ من المحتمل أنّ أباناً لم يكن حصل له القطع بالحكم، وإنّما حصل له الظنّ(1).
أقول: التحقيق: أنّ هذه الرواية أجنبية عمّا نحن فيه: من مانعيّة القطع عن الحكم؛ فإنّ كون القطع مانعاً إنّما يتصوّر فيما إذا كان الحكم ثابتاً في الواقع، لكنّه كان مقيّداً بعدم القطع عن هذا الطريق. وأمّا في مورد الرواية، فالمفروض فيها عدم ثبوت الحكم الذي تخيّله أبان سواء قطع هو بثبوته، أوْ لا ؛ فإنّ المرأة ـ بحسب ما في هذه الرواية ـ تعاقل الرجل في الديّة إلى الثلث، وبعد ذلك ترجع ديّتها إلى النصف، وببالي ـ إن لم تخنّي الذاكرة ـ أنّي ذكرت هذا البيان للسيّد الاُستاذ، فعدل عن فرض كون الرواية واردة فيما نحن فيه.
وعلى أىّ حال، فهذه الرواية لا تنطبق على مسألة أخذ القطع مانعاً عن متعلّقه
', '(1) جاء في مصباح الاُصول النقاش في هذه الرواية:
أوّلاً: بضعف السند.
وثانياً: بأنّه لادلالة على كون أبان قاطعاً بذلك، فلعلّه كان مطمئنّاً به، وتعجّبه الذي كان يبرزه بقوله: (كنّا نقول من جاء به شيطان) لا يدلّ على أكثر من ذلك.
وثالثاً: بأنّ الإمام(عليه السلام) (على تقدير فرضه قاطعاً) قد أزال قطعه ببيان الواقع، لا أنّه ردعه عن العمل بقطعه مع فرض بقاء القطع على حاله.
أقول: إشكال ضعف السند غريب في المقام؛ فإنّ سنده واضح الصحّة، وهو كما جاء في الوسائل مايلي: محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبان بن تغلب. ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن محمّد ابن أبي عمير. ورواه الصدوق بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجّاج مثله.
', 358), (21, 359, 'book', '
أصلاً،(1) وإنّما تنطبق على الردع عن حجّيّة القطع الطريقىّ، أو سلب القطع من نفس أبان تكويناً، أو بيان أنّه لم يكن ينبغي له حصول القطع بذلك؛ لأنّ دين الله لا يصاب بالعقول، وأنّ القياس يمحق الدين.
وأمّا كلام الشيخ الأعظم(قدس سره) فتصحيحه يكون بتحقيق أصل المطلب، وبيان عدم استحالة أخذ القطع بالحكم مانعاً عن متعلّقه، وأنّ قياسه بأخذ القطع شرطاً لمتعلّقه قياس مع الفارق. وشرح الكلام في ذلك: أنّ أخذ القطع بالحكم مانعاً عن متعلّقه يتصوّر بوجهين:
الأوّل: أخذ القطع بالجعل مانعاً عن المجعول، وقد عرفت أنّ أخذ القطع بالجعل شرطاً للمجعول ممكن فضلاً عن أخذه مانعاً.
الثاني: أخذ القطع بالمجعول مانعاً عنه.
والتحقيق: أنّ هذا ـ أيضاً ـ ممّا لااستحالة فيه، ولا يأتي هنا شيء من الإشكالات التي مضى ذكرها في أخذ القطع بالحكم شرطاً لمتعلّقه، وهي أربعة:
الأوّل: الدور ببيان أنّ العلم بالحكم متوقّف على الحكم، فلو اُخذ في موضوعه، وتوقّف الحكم عليه، لزم الدور.
وأنت ترى أنّ هذا الإشكال لا يرد في المقام؛ إذ لو سلّم توقّف العلم بالحكم على نفس
', '(1) لايخفى أنّ من يحمل هذه الرواية على أخذ القطع القياسىّ مانعاً عن متعلّقه، ليس مقصوده كون القطع القياسىّ ـ دائماً ـ مطابقاً للواقع في حدّ ذاته، إلّا أنّه يمنعه ويفنيه؛ فإنّ هذا واضح البطلان، وإنّما مقصوده من مانعيّة القطع القياسىّ هو: أنّه لو كان الحكم الذي قطع به ثابتاً في نفسه، لزال بهذا القطع، وصدق هذه القضيّة الشرطيّة في مورد الرواية لا ينافي عدم صدق الشرط فيه كي يجعل انتفاء الحكم من أصله في مورد الرواية دليلاً على كون الرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه.
ولعلّ مقصود اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): مجرّد بيان أنّ الرواية لا دلالة فيها على مانعيّة القطع القياسىّ عن الحكم ما دمنا نعلم أنّ المفروض في مورد الرواية انتفاء الحكم من أصله، ولعلّ حمل المحقّق النائينىّ(رحمه الله) للرواية على مانعيّة القطع من الحكم كان لأجل علاج ما قد يفهم منه من الردع عن القطع الطريقىّ الناشئ من القياس، فبما أنّ الردع عن القطع الطريقىّ مستحيل كان هذا قرينة عند المحقّق النائينىّ على إرادة مانعيّة القطع القياسىّ التي يمكن تحقيقها في رأي المحقّق النائينىّ بمتمّم الجعل.
ولكن يرد عليه عندئذ: أنّ صرف الرواية عن الردع عن القطع الطريقىّ لا يحصر أمر الرواية بالحمل على مانعيّة القطع القياسىّ، ولا يوجب ظهورها في ذلك، بل يمكن حملها على إرادة إفناء قطع أبان تكويناً، أو مجرّد بيان أنّ هذا القطع لم يكن في محلّه.
', 359), (21, 360, 'book', '
الحكم، فمن الواضح: أنّ عدم العلم بالحكم لا يكون متوقّفاً عليه(1).
الثاني: لزوم التهافت بين طبيعة العلم وطبيعة المعلوم؛ إذ العلم إنّما يكشف عمّا فرض ثبوته بقطع النظر عنه، في حين أنّ الحكم المشروط بالعلم ليس ثابتاً بقطع النظر عن العلم.
ومن الواضح: أنّ هذا الوجه ـ أيضاً ـ لا يأتي في المقام؛ إذ الحكم مشروط هنا بعدم العلم لا بالعلم، فإذا علمنا بهذا الحكم المشروط، كان هذا الحكم ثابتاً بقطع النظر عن العلم، ولا تكون طبيعته متنافية مع طبيعة العلم.
الثالث: ثبوت المحرّك المولوىّ بقطع النظر عن ثبوت الحكم؛ لأنّ موضوعه هو العلم بالحكم، وهذا العلم كاف في التحريك سواء ثبت الحكم، أو لا، ولو ثبت الحكم لم يزد في التحريك شيئاً؛ إذ هو نفس الحكم الذي اُخذ انكشافه مفروغاً منه في مرحلة موضوعه لا حكم آخر.
وهذا الوجه ـ أيضاً ـ لا إشكال في عدم جريانه في المقام؛ لأنّ موضوع الحكم هنا عدم العلم، وليس العلم حتّى تتمّ المحركيّة المولويّة في مرحلة الموضوع.
الرابع: لزوم الدور في مرحلة الوصول؛ لأنّ العلم بالحكم متوقّف على العلم بموضوعه الذي هو العلم بالحكم على الفرض، فالعلم بالحكم يتوقّف على العلم بالعلم بالحكم، وهذا يوجب الدور، أو ما هو روح الدور من توقّف الشيء على نفسه؛ لأنّ العلم بالعلم: إمّا هو عين العلم الأوّل كما هو الصحيح، أو متوقّف عليه كما مضى بيانه.
وهذا ـ أيضاً ـ لا يأتي في المقام كما هو واضح؛ لأنّ موضوع الحكم هنا هو عدم العلم به عن طريق العقل مثلاً، وهو غير العلم، وغير متوقّف على العلم، فلا يلزم الدور، ولا توقّف الشيء على نفسه.
$
', '(1) وبهذا يبطل ـ أيضاً ـ إشكال تقدّم الشيء على نفسه في منظار الجعل المنقول عن المحقّقالنائينىّ(رحمه الله). ونحن لا نقبل فكرة كون النقيضين في رتبة واحدة، وكون انقسام الحكم إلى فرض العلم به وعدمه من الانقسامات اللاحقة لو استلزم كون العلم بالحكم متأخّراً عن الحكم لا يستلزم كون عدم العلم به ـ أيضاً ـ متأخّراً عنه؛ فإنّ تأخّر الانقسام لا يستلزم تأخّر كلا القسمين.
', 360), (21, 361, 'book', '
وهنا وجهان آخران لتوهّم الاستحالة يختصّان بفرض مانعيّة العلم عن الحكم، ولا يشملان فرض شرطيّته له.
الأوّل: أنّ الحكم إنّما يجعل لكي يكون محرّكاً بالوصول، وفيما نحن فيه قد خنق وصوله ومحرّكيّته في مهده؛ لأنّ موضوعه هو عدم العلم به، فبمجرّد وصوله ينتفي بانتفاء موضوعه.
وهذا الإشكال إنّما يتوهّم وروده فيما لو فرض مطلق العلم بالحكم مانعاً عنه دون علم خاصّ به، كالعلم الناشئ عن طريق العقل مثلاً، وإلّا لكان الحكم قابلاً للوصول بغير ذاك الطريق.
والواقع أنّه حتّى لو فرض مطلق العلم بالحكم مانعاً عنه، لا يرد هذا الإشكال؛ وذلك لإمكان وصول الحكم بحجّة شرعيّة غير علميّة(1). نعم، لو اُخذ مطلق وصوله ولو بحجّة شرعيّة مانعاً عنه،ثبت الإشكال.
الثاني: أنّه لو اُخذ عدم حصول العلم عن طريق العقل ـ مثلاً ـ موضوعاً للحكم، لزم عدم إمكان وصول هذا الحكم إلى من علم بالحكم عن هذا الطريق، فيكون جعل هذا الحكم بشأن هذا الشخص مستحيلاً، نظير استحالة جعل الحكم في حقّ المتجرّي بما هو متجرّ؛ لاستحالة وصوله إليه.
والجواب: أوّلاً: أنّ الحكم إنّما يشترط فيه قابليّة الوصول إلى من جعل في حقّه، ويكون موضوعاً له، ومن علم بالحكم عن طريق العقل ليس موضوعاً له بحسب الفرض، وإنّما جعل الحكم بشأن غيره، وهو قابل للوصول إلى من جعل له هذا الحكم، وهذا بخلاف الحكم المجعول على المتجرّي بعنوان التجرّي؛ فإنّ موضوعه هو نفس المتجرّي المفروض عدم إمكان وصول الحكم إليه.
وثانياً: أنّه إذا اُخذ العلم بشخص الحكم مانعاً عن ذلك الحكم، استحال تحقيق المانع
', '(1) طبعاً من دون أن تقوم تلك الحجّة مقام القطع الموضوعىّ في مانعيّته عن الحكم.
', 361), (21, 362, 'book', '
في الخارج، فلا يبقى مورد للإشكال بعدم إمكانيّة وصول الحكم إلى من جعل في حقّه؛ وذلك لأنّ شخص هذا الحكم متقوّم بعدم العلم به، وعدم العلم به لا يجتمع مع العلم به كما هو واضح(1).
لايقال: إذا كان حصول هذا المانع مستحيلاً في الخارج، فلا فائدة في أخذه مانعاً.
فإنّه يقال: إنّ استحالة حصوله في الخارج إنّما نتجت من أخذه مانعاً، وهذا بنفسه هو فائدة المانعيّة.
هذا تمام الكلام في معقوليّة أخذ القطع بالحكم مانعاً عنه. أمّا إنّ مقالة الأخباريّين يمكن توجيهها بالحمل على هذا الوجه، أو لا، فهذا ما سنبحثه في بعض الأبحاث الآتية إن شاء الله.
$
', '(1) أمّا لو لم يفرض أنّ المانع هو العلم بشخص هذا الحكم، بل فرض أنّ المانع هو العلم بالجامع بين الحكم المقيّد بعدم العلم وغير المقيّد به، فهذا خروج عمّا نحن فيه من أخذ العلم بالحكم مانعاً عن متعلّقه، وهذا الفرض ـ أيضاً ـ معقول، ولا يرد عليه لزوم عدم وصول شخص الحكم المقيّد بعدم العلم إلى من جعل في حقّه؛ وذلك لمكان الجواب الأوّل فحسب، وهو: أنّ اللازم في الحكم إنّما هو قابليّته للوصول إلى من جعل في حقّه، لاإلى غيره، وتلك القابليّة ثابتة هنا.
', 362), (21, 363, 'book', '
خاتمة في أقسام الظنّ
وفي ختام البحث عن أقسام القطع التي عرفتها نبحث عن مدى تصوّر تلك الأقسام في الظنّ:
إنّ التقسيمات الماضية للقطع كانت باعتبارات ثلاثة:
الأوّل: انقسامه إلى طريقىّ وموضوعىّ على وجه الصفتيّة وعلى وجه الكاشفيّة، وقد عرفت الوجوه الصحيحة لتصوير هذا التقسيم للقطع. أمّا الظنّ فلا إشكال في تصوّر طريقيّته، وكذلك فرض أخذه موضوعاً بما هو صفة. أمّا موضوعيّته بنحو الكاشفيّة، فتتصوّر ـ أيضاً ـ بناءً على تفسير تقسيم الموضوعىّ إلى الصفتىّ والطريقىّ، باعتبار عنوان (له) وعنوان (فيه)؛ فإنّ الظنّ ـ أيضاً ـ مشتمل على هذين العنوانين كالقطع. وأمّا بناءً على التفسير الآخر: وهو كون الموضوعىّ الصفتىّ ما لوحظ فيه بعض لوازمه، والموضوعىّ الطريقىّ ما لم يلحظ فيه ذلك، فهذا التقسيم متصوّر في الظنّ الذي يكون حجّة شرعاً، ولا يجري بالنسبة إلى الظنّ الذي لا يكون حجّة شرعاً إلّا بتأويل.
توضيح ذلك: أنّه إن اُريد بأخذ الظنّ الذي ليس حجّة موضوعاً لحكم بما هو كاشف أخذه موضوعاً بما له من الكشف الشرعىّ، فهذا خلف فرض عدم حجّيّته، وإن اُريد بذلك أخذه موضوعاً بما له من الكشف التكوينىّ الناقص، قلنا: هل المراد أخذ كشفه الناقص موضوعاً بما له من الحدّ العدمىّ، أي: بشرط لا عن المرتبة الأعلى من الكشف، وهي مرتبة القطع، أو المراد أخذ هذا المقدار من الكشف من دون دخل الحدّ العدمىّ في الحكم، فيكون الحكم مترتّباً على القطع أيضاً؛ لأنّ ذاك المقدار من الكشف موجود فيه وإن كان في ضمن كشف أقوى؟
فإن اُريد الأوّل، رجع هذا إلى الظنّ الصفتىّ؛ لأنّ الموضوع لم يكن متمحّضاً في ذات الكشف، وقد اُخذ فيه بعض الصفات المقارنة، وهو الحدّ العدمىّ.
وإن اُريد الثاني، لم يكن ذلك أخذاً للظنّ موضوعاً، بل كان أخذاً للجامع بين الظنّ والقطع موضوعاً، وهذا ما قصدناه بكلمة التأويل.
$
', '', 363), (21, 364, 'book', 'أمّا إذا كان الظنّ حجّة شرعاً، فأخذه موضوعاً بما هو كاشف من دون أن يرجع إلى أخذ الجامع بين القطع والظنّ بمكان من الإمكان؛ وذلك بأن يكون الموضوع الحجّيّة التعبّديّة، ومن المعلوم: أنّ القطع ليس حجّة تعبّداً (1).
الثاني: انقسام الموضوعيّ منه إلى كونه تمام الموضوع، أو جزء الموضوع. وهذا التقسيم كان متصوّراً في باب القطع. أمّا في الظنّ فلا إشكال في أخذه تمام الموضوع، كما لا إشكال في أخذه جزء الموضوع عند ما يكون الجزء الآخر شيئاً آخر غير متعلّقه. أمّا إذا فرض الجزء الآخر عبارة عن متعلّقه وجوداً أو عدماً، فهناك فرق بين الظنّ الذي يكون حجّة شرعاً، والظنّ الذي لا يكون حجّة:
ففي الظنّ الذي يكون حجّة نقول: إنّ من الممكن كون الموضوع مركّباً منه ومن متعلّقه وجوداً، فالجزء الأوّل من الموضوع ثابت بالوجدان، والجزء الثاني ثابت بالتعبّد، ولكن لا يمكن تركّب الموضوع منه ومن متعلّقه عدماً؛ لأنّ هذا الموضوع يستحيل وصوله إلى المكلّف؛ إذ لو كان الظنّ حجّة، فكيف يتصوّر ثبوت عدم متعلّقه عند المكلّف؟! ولو فرض قيام حجّة شرعيّة لدى المكلّف غير هذا الظنّ على عدم متعلّقه، وقع التعارض بينها وبين هذا الظنّ، وخرج هذا الظنّ عن كونه حجّة.
وفي الظنّ الذي لا يكون حجّة نقول: من الممكن كون الموضوع مركّباً منه ومن متعلّقه وجوداً أو عدماً؛ لإمكان وصول الموضوع بكلا جزئيه إلى المكلّف: أمّا الجزء الأوّل وهو الظنّ، فبالوجدان، وأمّا الجزء الثاني، فإن كان عبارة عن متعلّق الظنّ وجوداً، فيمكن أن يصل بأحد أمرين:
الأوّل: قيام حجّة شرعيّة على طبق ذلك الظنّ.
والثاني: ثبوت حكم شرعىّ على فرض مخالفة ذلك الظنّ للواقع، فيتشكّل ـ عندئذ ـ علم إجمالىّ بفعليّة ذلك الحكم، أو الحكم المترتّب على الظنّ.
وإن كان عبارة عن متعلّق الظنّ عدماً، فدائماً يتشكّل علم إجمالىّ بصحّة متعلّق الظنّ، أو فعليّة الحكم المترتّب على الظنّ، فإن قامت حجّة شرعيّة على خلاف ذلك الظنّ، ثبت
', '(1) وأمّا إذا فسّرنا الموضوعىّ الطريقىّ بما اُخذ موضوعاً بوصفه داخلاً في جامع الحجّة، والموضوعىّ الصفتىّ بما اُخذ موضوعاً بخصوص ذاته، فمن الواضح: أنّ هذا التقسيم إنّما يجري في الظنّ الحجّة، ولا يجري في غيره.
', 364), (21, 365, 'book', '
ظاهراً الحكم المترتّب على الظنّ، وإلّا كفى في وصوله نفس ذاك العلم الإجمالىّ.
الثالث: انقسام الموضوعىّ إلى كونه موضوعاً لخلاف متعلّقه، أو ضده، أو مثله، أو نفسه. وقد عرفت بالنسبة إلى القطع ما أمكن منها وما لم يمكن. وأمّا بالنسبة إلى الظن فتارة يقع الكلام في الظنّ الذي يكون حجّة، فلا إشكال في جعله موضوعاً لخلاف متعلّقه كالقطع. ويستحيل جعله موضوعاً لضدّ متعلّقه كالقطع؛ لوقوع التهافت بين حجّيّته والحكم المترتّب عليه. وأمّا جعله موضوعاً لمثل متعلّقه، فبمكان من الإمكان، كما قلنا بإمكانه في باب القطع، بل الإمكان هنا أوضح؛ لأنّ برهان المحقّق النائينىّ(رحمه الله) على الاستحالة لو تمّ هناك لا يأتي هنا، وهو: كون النسبة بين الحكمين عموماً مطلقاً في نظر القاطع؛ فإنّ النسبة هنا بينهما عموم من وجه حتّى في نظر الظانّ؛ فإنّ الظانّ يحتمل خطأ نفسه. وأمّا جعله موضوعاً لنفس متعلّقه شرطاً، فمحال كالقطع؛ لنفس ما كان مختاراً في باب القطع من الوجهين:
الأوّل: لزوم التهافت بين الطبيعتين؛ فإنّ طبيعة الظنّ هو الكشف الناقص عن شيء يرى ثبوته مستقلّاً عن الظنّ وبقطع النظر عنه.
والثاني: أنّ العلم بالحكم متوقّف على العلم بموضوعه الذي هو الظنّ بالحكم بحسب الفرض، والعلم بالظنّ بالحكم هو نفس الظنّ؛ لأنّ الظنّ من المعلومات الحضوريّة لدى النفس، ولا أقلّ من كونه متوقّفاً على الظنّ بالحكم كتوقّف العلم بالمحسوسات على الإحساس، فلزم كون العلم بالحكم معلولاً للظنّ بالحكم بلا واسطة، أو بواسطة العلم بالظنّ، وقد لزم من ذلك العلم باجتماع الضدّين، وهما الظنّ والعلم.
وأيضاً الظنّ بالحكم متوقّف على الظنّ بموضوعه الذي هو الظنّ بالحكم، فالظنّ بالحكم متوقّف على الظنّ بالظنّ، والظنّ بالظنّ محال: أمّا أوّلاً فللزوم الدور، أوالتسلسل، أوخلل بالدماغ الذي هو خارج عن محلّ الفرض، وأمّا ثانياً فلأنّ الظنّ من المعلومات الحضوريّة لدى النفس، فلا يمكن الشكّ فيه. ويأتي تصوير التسلسل في جانب العلم بالظنّ أيضاً.
وإن شئت فقل: إنّ جامع التصديق بالحكم متوقّف على جامع التصديق بالموضوع، والأوّل إمّا أن يفرض في ضمن القطع بالموضوع، أو في ضمن الظنّ به، فهناك صور أربع،
', '', 365), (21, 366, 'book', 'على مختلف الصور كما يظهر بالتأمّل، ولعلّ الإشكال هنا أشدّ من بعض الجهات من الإشكال في أخذ العلم شرطاً لمتعلّقه.
وأمّا جعله مانعاً عن متعلّقه، فغير ممكن بخلاف القطع، والفرق بينهما: أنّه في باب القطع ربّما يتعلّق غرض المولى بثبوت الحكم على غير القاطع بشخص الحكم المجعول، إمّا لعدم المقتضي بالنسبة إلى القاطع بشخص الحكم، أو لوجود المانع عن الجعل في حقّه، فيقيّد الحكم بعدم القطع بشخصه حتّى يفيد استحالة تحقّق القطع المانع. أمّا بالنسبة إلى الظنّ الذي جعله حجّة، فكان بإمكانه التوصّل إلى غرضه بعدم جعله حجّة، فجعله أوّلاً حجّة، ثُمّ أخذ الظنّ الذي يكون حجّة مانعاً ليس إلّا تبعيداً للمسافة.
وأمّا الظنّ الذي لا يكون حجّة، فلا إشكال في جعله موضوعاً لخلاف متعلّقه. وأمّا جعله موضوعاً لضدّ متعلّقه، فذهب المحقّق الخراسانىّ(قدس سره) إلى إمكانه بخلاف باب القطع؛ لانحفاظ مرتبة الحكم الظاهرىّ في المقام، وهي الشكّ، فيجمع بين الحكم المظنون والحكم المترتّب على الظنّ بلاإشكال.
وأورد عليه المحقّق النائينىّ والسيّد الاُستاذ: أنّ الجمع بين الحكمين لا يتمّ بمجرّد انحفاظ مرتبة الحكم الظاهرىّ، وإنّما يتمّ إذا كان أحدهما ظاهريّاً والآخر واقعيّاً، أمّا فيما هو المفروض من أخذ الظنّ موضوعاً لحكم واقعىّ، فلايمكن الجمع.
وهذا الإشكال منهم متين على مبناهم في باب الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ.
نعم، يبقى هنا استدراك، وهو: أنّه يمكن جعل الظنّ موضوعاً لضدّ متعلّقه بنحو الشرطيّة، بشرط أن يكون الظنّ جزء الموضوع، ويكون جزؤه الآخر عبارة عن عدم متعلّقه؛ إذ مع فرض كون الموضوع خصوص الظنّ المخالف للواقع لايأتي إشكال اجتماع الضدّين، لافي الواقع، ولا في ظنّ المكلّف. وهذا الحكم الذي هو ضدّ متعلّق الظنّ قابل للوصول إلى المكلّف بدليل شرعىّ يكون حجّة مع الظنّ بالخلاف، أو بنفس العلم الإجمالىّ الذي يتولّد من جعل ذلك الحكم على خصوص الظنّ المخالف، فمثلاً لو جعل الظنّ بوجوب الصلاة بقيد المخالفة موضوعاً لاستحبابها، يحصل للمكلّف علم إجمالىّ بوجوب الصلاة أو استحبابها، وبالتالي يعلم بأصل مطلوبيّتها.
$
', '', 366), (21, 367, 'book', 'وأمّا جعله موضوعاً لمثل متعلّقه، فبمكان من الإمكان، بل الإمكان هنا أظهر من الإمكان في باب القطع وفي باب الظنّ الذي يكون حجّة؛ إذ لا برهان المحقّق النائينىّ (رحمه الله)على الاستحالة يأتي في المقام: وهو كون النسبة بين الحكمين عند القاطع عموماً مطلقاً، ولا برهان السيّد الاُستاذ يأتي في المقام: وهو لزوم اللغويّة؛ لتماميّة المحرّك المولوىّ في المرتبة السابقة؛ وذلك لأنّ المفروض في المقام عدم حجّيّة الظنّ، فلم يتمّ المحرّك. نعم، يأتي هنا ما مضى من البرهان الثالث هناك. وأمّا البرهان الرابع فيأتي هنا من ناحية أن الحكم الأوّل لا يمكن تخصيصه بغير فرض الظنّ به على مبناهم: من استحالة أخذ الظنّ بالحكم مانعاً عن متعلّقه. وأمّا تخصيص الحكم الثاني بغير فرض المصادفة، فلا مانع منه هنا؛ إذ ربّما يصل بقيام حجّة شرعيّة على عدم المصادفة(1).
وأمّا جعله شرطاً لمتعلّقه، فلايمكن؛ لعين ما مضى من الوجهين.
وأمّا جعله مانعاً عن متعلّقه، فبمكان من الإمكان كالقطع، للفرق بينه وبين الظنّ الذي يكون حجّة؛ لأنّ الظنّ الذي يكون حجّة كان من الممكن نفيه خارجاً بعدم جعل الحجّيّة، فجعله حجّة، ثُمّ جعل الظنّ الحجّة مانعاً عن الحكم تطويل للمسافة. وأمّا ذات الظنّ فلا يمكن للمولى بما هو مولى نفيه خارجاً، إلّا بجعله مانعاً.
هذا تمام الكلام في أقسام الظنّ. وإنّما تعرضّنا لهذا البحث مع أنّه لم يقع مثل هذه التقسيمات في الشريعة تأسّياً بالشيخ الأعظم(قدس سره) حيث تعرّض لذلك في ذيل مبحث أقسام القطع.
$
', '(1) لايخفى أنّه إذا أمكن تخصيص أحد الحكمين، بطل البرهان الرابع، حيث يلتزم في مقابله بتخصيص أحد الحكمين دون الآخر، ولا يلزم من ذلك الترجيح بلامرجّح؛ لأنّ المفروض عدم إمكانيّة تخصيص الحكم الآخر، فتخصيص ما أمكن تخصيصه ليس ترجيحاً بلامرجّح، وهو كاف في رفع إشكال اجتماع المثلين، إذن فلو كنّا نحن والبرهان الرابع في المقام، لكانت النتيجة: أنّه لامانع من جعل الظنّ بالحكم موضوعاً لمثل الحكم، بشرط أن يكون الموضوع خصوص الظنّ المخالف للواقع؛ إذ في فرض المخالفة لايتمّ البرهان، أمّا في فرض المصادفة فلايمكن جعله موضوعاً لمثل الحكم؛ للزوم اجتماع المثلين الذي هو غير ممكن بحسب ما هو المفروض.
', 367), (21, 368, 'book', '
$
', '', 368), (21, 369, 'book', 'بحث القطع
5
$
', '', 369), (21, 370, 'book', '$
', '', 370), (21, 371, 'book', 'هل يستدعي القطع الموافقة الالتزاميّة كما يستدعي الموافقة العمليّة أو لا؟
تعرّض الأصحاب ـ قدّس الله تعالى أسرارهم ـ في المقام لمسألة الموافقة الالتزاميّة (وهي عمل اختيارىّ قلبىّ بمعنى عقد القلب وخضوع الجنان للحكم)، وذلك كمقدّمة لمعرفة ما إذا كان وجوب الموافقة الالتزاميّة مانعاً عن جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالىّ حينما لا يوجد مانع من ناحية المخالفة العمليّة، كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين، وموارد إثبات الاُصول للتكليف الإلزامىّ مع العلم الإجمالىّ بخلافه، كما في مستصحبي النجاسة مع القطع بطهارة أحدهما.
فيقع الكلام في جهتين:
وجوب الالتزام
الجهة الاُولى: في تحقيق حال وجوب الموافقة الالتزاميّة وعدمه.
إنّ تصوير وجوب الموافقة الالتزاميّة يكون بأحد وجوه:
الوجه الأوّل: افتراض أنّ الحكم الشرعىّ موضوع لحكم العقل بانصياع القلب له بالالتزام والخضوع النفسىّ، كما هو موضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال، فهما حكمان عقليّان عرضيّان. الثاني منهما ـ وهو وجوب الامتثال ـ مشروط عند الأصحاب القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بالوصول، والأوّل منهما ـ وهو وجوب الالتزام ـ يمكن افتراض اشتراطه بالوصول أيضاً، أو افتراض عدم اشتراطه بذلك. والثاني منهما خاصّ بالتكاليف الإلزاميّة المتوجّهة إلى المكلّف، في حين أنّ الأوّل منهما يشمل الأحكام الترخيصيّة والأحكام المتوجّهة إلى شخص آخر، فعلى الرجال ـ مثلاً ـ أن يلتزموا قلباً بالأحكام الخاصّة بالنساء، وكذا العكس.
الوجه الثاني: ـ أيضاً ـ هو افتراض أنّ للعقل حكمين تجاه الحكم الشرعىّ، وهما:
', '', 371), (21, 372, 'book', 'وجوب الامتثال بالأركان، ووجوب الالتزام بالجنان، إلّا أنّه يفترض وجوب الالتزام في طول وجوب الامتثال، أي: إنّ العقل يحكم بوجوب الالتزام بالتكليف الذي وجب امتثاله بما هو كذلك، فوجوب الامتثال مأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الالتزام، إذن فلا مورد لوجوب الالتزام بالنسبة إلى الأحكام الترخيصيّة، أو الأحكام المتوجّهة إلى إنسان آخر، ولا بالنسبة إلى أىّ حكم غير منجّز، كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين مثلاً.
الوجه الثالث: افتراض أنّ الموافقة الالتزاميّة هي شقّ من شقّي امتثال الحكم أوسع مورداً من شقّه الآخر الذي هو العمل بالأركان، فشقّ العمل بالأركان خاصّ بالأحكام الإلزاميّة المتوجّهة إلى شخص هذا الإنسان، في حين أنّ شقّ الموافقة بالجنان يشمل ما عدا ذلك أيضاً.
ووجوب الالتزام بناءً على هذا الوجه لا يمكن أن يشمل الحكم غير الواصل بناءً على مشرب القوم القائلين بأنّ حكم العقل بوجوب الامتثال متقوّم بالوصول، ومع عدمه تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
الوجه الرابع: أن يفترض أنّ وزان الموافقة الالتزاميّة في التعبّديّات والتوصّليّات هو وزان قصد القربة في التعبّديّات، فكما أنّ قصد القربة دخيل في الغرض في التعبّديّات، فلا يصحّ العمل من دونه، كذلك قد تكون الموافقة الالتزاميّة دخيلة في الغرض في التعبّديّات والتوصّليّات، فلا يصحّ العمل من دونها.
وهذا الوجه لو تمّ لاختصّ وجوب الالتزام بالحكم المنجّز، فهو من هذه الناحية أخصّ من الوجه الأوّل والثالث غير المختصّين بالحكم المنجّز، لكنّه في نفس الوقت أوسع من الوجه الثاني الذي كان ـ أيضاً ـ مختصّاً بالحكم المنجّز؛ وذلك لأنّ الوجه الثاني لم يكن يأتي في موارد دوران الأمر بين المحذورين؛ لأنّ وجوب الالتزام كان في طول التنجّز، ولا تنجّز في موارد دوران الأمر بين المحذورين، في حين أنّ هذا الوجه لو تمّ أصبح المكلّف متمكّناً من المخالفة القطعيّة باختيار أحد الطرفين مع ترك الالتزام، فقد خرج المورد عن الدوران بذاك المعنى(1).
الوجه الخامس: افتراض أنّ الالتزام القلبىّ واجب شرعىّ مستقلّ في قبال سائر
', '(1) أو يجب الالتزام بالجامع على احتمال يأتي في الجهة الثانية.
', 372), (21, 373, 'book', '
الواجبات الشرعيّة. وهذا متوقّف على ورود دليل شرعىّ على ذلك في الأحكام كما ورد في اُصول الدين، ويدور ـ حينئذ ـ سعة وضيقاً مدار مفاد ذاك الدليل المفترض.
ومقصود الأصحاب (رضوان الله عليهم) ممّا جعلوه مداراً إثباتاً ونفياً في المقام هو: الوجه الثالث من هذه الوجوه دون غيرها. أمّا الوجه الخامس فواضح(1)، وأمّا الأوّلان والرابع فيظهر من التأمّل في كلماتهم: أنّها غير مقصودة. ونحن نقتصر هنا على الاستشهاد بالقرائن الموجودة في كلام المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله):
فقوله في الكفاية في أوّل هذا المبحث: «هل تنجّز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملاً يقتضي موافقته التزاماً...» ينفي إرادة الوجه الأوّل؛ فإنّ وجوب الالتزام بناءً على الوجه الأوّل حكم عقلىّ في عرض التنجّز، وليس شقّاً من شقّي التنجّز، ولا مترتّباً على التنجّز، فقوله: «هل تنجّز التكليف يقتضي...» إنّما يتلاءم مع الوجه الثاني الذي يكون وجوب الالتزام فيه حكماً عقليّاً مترتّباً على التنجّز، أو الثالث الذي يكون وجوب الالتزام فيه شقّاً من شقّي التنجّز، أو الرابع الذي يكون الالتزام فيه دخيلاً في الغرض، فيتنجّز على العبد بتنجّز التكليف.
ثُمّ تصريحه(رحمه الله) في أثناء البحث بأنّ الموافقة الالتزاميّة بناءً على وجوبها تجب حتّى في غير موارد وجوب الموافقة القطعيّة أو حرمة المخالفة القطعيّة ينفي الثاني والرابع؛ فإنّ الثاني لا يكون إلّا في مورد يتنجّز العمل بالأركان، والرابع يجري في مورد الدوران بين المحذورين، لكنّه لايكون في موارد الترخيص.
وقد أشكل(رحمه الله) على وجوب الالتزام بالوجدان الحاكم بعدم ثبوت حقّ من هذا القبيل للمولى، في حين أنّ هذا الإشكال لا مورد له على الوجه الرابع الذي يفترض فيه دخل الالتزام في غرض المولى؛ فإنّ الوجدان غير مطّلع على ما له دخل في غرض المولى، أو ليس له دخل.
وأيضاً عبّر(رحمه الله) بناءً على وجوب الالتزام بأنّ للحكم امتثالين وطاعتين: إحداهما بحسب القلب والجنان، والاُخرى بحسب العمل بالأركان، وهذا ـ كما ترى ـ ظاهره تعدّد
', '(1) لعلّ وجه الوضوح دعوى أنّه لامجال لتوهّم ورود دليل شرعىّ على ذلك. وعلى أيّ حال، فالقدر المتيقّن عندي: أنّ الأصحاب لم يقصدوا الوجه الرابع؛ فإنّهم لم يتكلّموا في الوجوب الشرطىّ للالتزام، وإنّما تكلّموا فيما هو من سنخ الوجوب التكليفىّ.
', 373), (21, 374, 'book', '
الحقّ، فهو ينفي الرابع، وعرضيّة الحقّين، فهو ينفي الثاني.
وعلى أىّ حال، فهذا الوجه الثالث الذي عليه مدار البحث عند الأصحاب نفياً أو إثباتاً الحقّ فيه هو النفي؛ وذلك لوضوح: أنّ التكليف لا يدعو إلّا إلى ما تعلّق به، وهو لم يتعلّق إلّا بالعمل، وحكم العقل بتنجّز التكليف ليس إلّا ضماناً عقليّاً لتحقّق ما أراده التكليف من التحرّك، إذن فالالتزام غير مشمول لا لتحريك التكليف ودعوته؛ إذ لم يتعلّق به، ولا لحكم العقل بالتنجّز؛ إذ لم يكن داخلاً في تحريك التكليف كي ينجّزه العقل، فلو فرضنا حكم العقل بوجوبه، فليس إلّا حكماً جديداً غير داخل في صميم حكم العقل بتنجّز التكليف، وليس شقّاً من شقّي وجوب الامتثال.
ويرد على الوجه الأوّل والثاني والثالث التي تجمعها دعوى حكم العقل بحقّ الموافقة الالتزاميّة للمولى: ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) في المقام: من أنّ الوجدان حاكم بانتفاء حقّ من هذا القبيل، وأنّ العبد الذي امتثل بالأركان ولم يلتزم بالجنان لا يستحقّ إلّا الثواب.
وينبغي أن يكون المقصود بذلك: دعوى أنّ العقل العملىّ الحاكم في تشخيص علاقات العبد والمولى الحقيقىّ يدرك عدم حقّ من هذا القبيل، لا الاستشهاد على المقصود بالنسبة إلى العبد وخالقه بحالة العبيد والموالي الاعتياديّين؛ إذ يرد على ذلك: أنّ مولويّة الله تعالى ذاتيّة، ويستحيل أن تكون مجعولة، ومولويّة الموالي الاعتياديّين مجعولة، ويستحيل أن تكون ذاتيّة، ودائرة الحقّ المجعول سعة وضيقاً تتبع دائرة الجعل، ولا تكون سعة دائرة جعله وضيقها دليلاً على سعة دائرة الحقّ الذاتيّ وضيقها، كما هو واضح.
ويرد على الوجه الرابع: أنّه لا يدلّنا برهان ولا وجدان على دخل الالتزام في غرض المولى، وحينئذ فإن أمكن أخذه في الخطاب، دفعنا احتماله بالإطلاق، وإلّا نفيناه بالبراءة وبالإطلاق المقامىّ.
بل نحن نقطع على وفق عرفنا المتشرّعىّ، وأنسنا بمذاق الشارع بعدم دخل ذلك في غرضه(1).
ويرد على الوجه الخامس: عدم ورود أىّ دليل شرعىّ يدلّ عليه.
$
', '(1) إذ لم ترد أىّ إشارة إلى ذلك من قريب أو بعيد في كتاب أو سنّة على رغم الابتلاء به.
', 374), (21, 375, 'book', '
مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الاُصول
الجهة الثانية: في أنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة لو سلّم فهل يمنع ذلك عن جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالىّ حينما لا يكون مانع عملىّ عن ذلك، أو لا؟
وكان الجدير في منهجة البحث تأخير ذلك عن مبحث منجّزيّة العلم الإجمالىّ؛ لصعوبة بحث مانعيّة وجوب الموافقة الالتزاميّة عن جريان الاُصول قبل معرفة قواعد العلم الإجمالىّ، فهذا من تشويش الأبحاث.
إلّا أنّنا قد بحثنا على وفق ترتيب الكفاية، ولهذا نتعرّض لهذا البحث هنا.
وعلى أىّ حال، فقد وقع في كلماتهم تشويش في بيان وجه المانعيّة نشأ عنه التشويش في الجواب عن ذلك.
فقد جاء في الدراسات في بيان وجه المانعيّة: أنّ جريان الأصل في الأطراف يستلزم المخالفة الالتزاميّة تكويناً؛ لاستحالة الالتزام بشيء مع التعبّد بخلافه في تمام الأطراف، في حين أنّ هذا البيان ليس على ما ينبغي؛ إذ المفروض: أنّه لولا وجوب الموافقة الالتزاميّة، لجرت الاُصول في الأطراف بلا أىّ منافاة بينها وبين الحكم الواقعىّ، وقد افترضنا الفراغ من إمكانيّة الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ في مورد واحد، فما معنى تصوّر التنافي بين التزامين بشيئين غير متنافيين؟!(1)
فالذي ينبغي أن يفترض في مقام تصوير المانعيّة، ويجعل مصبّاً للبحث إثباتاً ونفياً إنّما هو القول بأنّ جريان الأصل في الأطراف يستلزم الترخيص في المخالفة الالتزاميّة. فلنفحص عن حال هذا التصوير للمانعيّة بناءً على كلّ واحد من الوجوه الخمسة الماضية لفرضيّة وجوب الموافقة الالتزاميّة:
أمّا على الوجه الأوّل: وهو كون وجوب الالتزام وجوباً عقليّاً منفصلاً عن مسألة التنجّز والامتثال إطلاقاً، فمن الواضح: أنّ دليل الأصل إنّما يؤدّي إلى نفي التنجيز وضرورة الامتثال، والمفروض أنّ هذا حكم عقلىّ آخر أجنبىّ عن ذاك.
نعم، لو كان هذا أثراً شرعيّاً للتكليف، لأمكن أن يقال: إنّ الأصل النافي للتكليف بناءً
', '(1) هذا لو لم نقل بإمكانيّة الالتزام بالمتنافيين ـ أيضاً ـ بناءً على أنّ الالتزام القلبىّ سهل المؤونة.
', 375), (21, 376, 'book', '
على تنزيليّته ينفي هذا الأثر، ونقصد بالتنزيليّة هنا: (كون الأصل ناظراً إلى تمام الآثار، لا ما وقع عليه الاصطلاح عند المشهور: من لحاظ نوع للكشف فيه)، ولكنّ المفروض أنّ هذا أثر عقلىّ بحت، والأصل التنزيلىّ إنّما يثبت أو ينفي الآثار الشرعيّة.
وأمّا على الوجه الثاني: وهو كون الالتزام حكماً عقليّاً اُخذ في موضوعه التنجّز ووجوب الامتثال، فمن الواضح ـ أيضاً ـ أنّ هذا لا يصلح مانعاً عن جريان الاُصول التي هي جارية لولاه؛ فإنّ المفروض انتفاء أىّ تنجيز أو وجوب امتثال في الرتبة السابقة على وجوب الالتزام، إذن لا موضوع لوجوب الالتزام.
وأمّا على الوجه الثالث: وهو كون وجوب الالتزام شقّاً من شقّي التنجّز مترتّباً على الوصول على حسب مبناهم، فيمكن تصوير المنافاة في المقام بين جريان الاُصول ووجوب الموافقة الالتزاميّة بأن يقال: إنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة على هذا الوجه شقّ من شقّي التنجّز ووجوب الامتثال، والمفروض أنّ الاُصول تؤدّي إلى انتفاء التنجّز ونفي وجوب الامتثال، فهي تنفي وجوب الالتزام، فكما أنّ لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة العمليّة تمنع ـ مثلاً ـ عن جريان الاُصول، كذلك لزوم الترخيص في المخالفة الالتزاميّة تمنع عن ذلك.
وهذا البيان إنّما يكون له مجال في المقام ـ بغضّ النظر عمّا سيأتي إن شاء الله تعالى من الجواب ـ إذا كان مفاد الأصل نفي الواقع، كقوله: «رفع ما لا يعلمون». وبذلك يرفع جميع الآثار الامتثاليّة، أمّا إذا كان مفاده ناظراً إلى جانب العمل فحسب، فلا علاقة له بحقّ الالتزام حتّى يمنع عن جريانه(1).
$
', '(1) كأنّ ظاهر هذا الرجوع إلى لسان دليل الأصل. والأولى في المقام أن يقال: إنّنا تارة نفترض أنّ دليل الأصل لا يمكن أن ينفي التنجيز أو التعذير العقليّين، ويثبت ما يقابله لا مباشرة ولا عن طريق حكم تكليفىّ كالترخيص في المخالفة أو إيجاب الاجتناب مثلاً، فحتّى لو كان دليل الأصل وارداً بهذا اللسان، يجب تأويله وحمله على إيجاد العلم التعبّديّ على خلاف الحكم المنفىّ، بدعوى أنّ هذا يترتّب عليه نفي التنجيز أو التعذير وإثبات عكسه تلقائيّاً.
واُخرى نفترض أنّ دليل الأصل ينفي التنجيز العقلىّ مباشرة، أو عن طريق حكم تكليفىّ. وثالثة نفترض إمكانيّة كلا الأمرين.
فعلى الفرض الأوّل لا يعقل التفكيك بين شقّي التنجيز من وجوب الالتزام ووجوب العمل بأن يرفع بالأصل الثاني دون الأوّل، فتقع المنافاة ـ مثلاً ـ بين الأصل ووجوب الالتزام.
وعلى الفرض الثاني يعقل التفكيك، وحينئذ إن لم يكن لدليل الأصل إطلاق يشمل نفي وجوب الالتزام، فلا منافاة بين الأصل ووجوب الالتزام، وإن كان له إطلاق ففي مثل مستصحبي النجاسة ودوران الأمر بين المحذورين، يسقط الإطلاق بالتعارض، وتجري الاُصول بلحاظ العمل، وفيما إذا كان الأصل في أحد الطرفين نافياً للإلزام، وفي الطرف الآخر إلزاميّاً، والعلم الإجمالىّ تعلّق بمخالفة أحد الأصلين للواقع، (كما لو علمنا إجمالاً إمّا بنجاسة الإناء المستصحب الطهارة، أو بطهارة الإناء المستصحب النجاسة)، فنفي الأصل لوجوب الامتثال العملىّ والقلبىّ في الطرف الأوّل يعارض نفي الأصل لوجوب الامتثال القلبىّ في الطرف الآخر.
وعلى الفرض الثالث نرجع إلى لسان دليل الأصل، فإن كان لسانه الفرض الأوّل، اُلحق به، وإن كان لسانه لسان الفرض الثاني، اُلحق به، أمّا مع الإجمال فإن فرض معنى الإجمال تردّد مفهوم الكلام بين الفرضين، التحق في النتيجة بأخسّ الفرضين، وإن فرض معنى الإجمال الدلالة على مفهوم جامع بين الفرضين، التحق في النتيجة بأخصّب الفرضين.
وهنا فرض رابع: وهو الذي نؤمن به: من أنّ روح الأصل ثبوتاً أجنبىّ عن كلّ تلك الفروض السابقة حتّى لو كان لسانه لسان أحد تلك الفروض، وإنّما واقع الأصل وحقيقته: هو إبراز اهتمام المولى أو عدم اهتمامه بالحكم الواقعىّ في ظرف الشكّ. ومن هنا يصبح كلّ أصل حاكياً عن اهتمام المولى بما يتطلّبه الحكم الواقعىّ من الالتزام به قلباً لو كان مطابقاً مع الواقع، ففي مستصحبي النجاسة يقتضي الاستصحاب التزامنا قلباً بالنجاسة الواقعيّة لكلّ من الإناءين، صحيح أنّ الاستصحاب حكم ظاهرىّ، لكنّ معنى ظاهريّته: أنّه وجب علينا ظاهراً الالتزام بالنجاسة الواقعيّة، فبناءً على عدم إمكانيّة الالتزام بالمتناقضات والمتضادّات يصبح الوجه الصحيح لبيان المنافاة بين وجوب الالتزام والاُصول هو التقريب الذي مضى عن السيّد الخوئىّ: من أنّه مع إجراء الاُصول نعجز تكويناً عن الالتزام بالحكم الواقعىّ المعلوم إجمالاً.
أمّا إذا قلنا بإمكانيّة الالتزام بالمتناقضات والمتضادّات، فحال الأصل النافي للمعلوم بالإجمال في هذا الفرض هو حال الأصل في الفرض الأوّل، أي: إنّه لا يعقل ـ أيضاً ـ التفكيك بين شقّي التنجّز، فتتمّ المنافاة بين الاُصول ووجوب الالتزام.
هذا كلّه حال الأصل النافي للمعلوم بالإجمال، كاستصحاب عدم الطهارة مع العلم بطهارة أحدهما. أمّا الأصل المثبت لما يضادّ المعلوم بالإجمال، كاستصحاب النجاسة مع العلم بطهارة أحدهما، ففي الفرض الأوّل والثاني والثالث لا تنافي بين وجوب الالتزام وجريان الاُصول بناء على عدم حجّيّة مثبتات الاُصول، وفي الفرض الرابع لا فرق بين الأصل المثبت لما يضادّ المعلوم بالإجمال والأصل النافي للمعلوم بالإجمال؛ فإنّه على أىّ حال يدلّ على اهتمام المولى بالحكم الذي أثبته لو كان هو الواقع في مقابل الحكم الآخر، أي: يهتمّ بالحكم الآخر لو كان هو الواقع، ولا فرق في ذلك بين افتراضها نقيضين أو ضدّين.
', 376), (21, 377, 'book', '
والصحيح: أنّ بيان المنافاة على هذا الوجه ـ أيضاً ـ غير تامّ، وذلك لأنّ الوصول الذي هو موضوع التنجيز لم يتمّ إلّا بقدر الجامع.
وتوضيح ذلك: أنّ هناك كلاماً في أنّ العلم في موارد العلم الإجمالىّ هل هو متعلّق بالواقع على قدره الحقيقىّ، أعني الفرد، أو بالجامع؟ فإن قلنا بالأوّل كما عليه المحقّق العراقىّ(رحمه الله) (وقد تُفرّعُ عليه علّيّة العلم الإجمالىّ لوجوب الموافقة القطعيّة)، صحّ القول في
', '', 377), (21, 378, 'book', 'المقام بالمنافاة بين جريان الاُصول ووجوب الالتزام؛ إذ الاُصول تنفي وجوب الالتزام بكلّ واحد من الأفراد، وبالتالي تنفي وجوب الالتزام بذاك الفرد المعلوم بالإجمال.
ولكن المختار لنا في باب العلم الإجماليّ هو تعلّق العلم بالجامع، فالوصول إنّما تمّ بهذا المقدار، والاُصول العمليّة حينما تؤدّي إلى الترخيص في ترك الحكم الإلزامىّ قد يقال بتساقطها؛ لأجل أنّ جريان بعضها دون بعض ترجيح بلا مرجّح، وجريانها في الجميع ترخيص في ترك الجامع؛ لأنّ ترك تمام الأفراد يساوق ترك الجامع. وهذا البيان كما ترى لا يأتي في طرف الالتزام، فلو لم تلزم من الاُصول مخالفة عمليّة، فلا بأس بإجرائها في تمام الأطراف؛ فإنّ غاية ما يستلزم جريانها هو الترخيص في ترك الموافقة الالتزاميّة لكلّ طرف من الأطراف، والوصول لم يتمّ إلّا بقدر الجامع، وترك الالتزام بالأطراف لا يساوق ترك الالتزام بالجامع.
وبتعبير آخر: إنّ الواجب هو الالتزام بالجامع فحسب، وجريان الأصل في تمام الأطراف لا يوجب الترخيص في ترك الالتزام بالجامع، إلّا بأحد وجوه ثلاثة:
الأوّل: توهّم قياس جانب الالتزام بجانب العمل، فكما أنّ ترك الفردين ترك للجامع كذلك ترك الالتزامين ترك للالتزام بالجامع، في حين أنّك ترى أنّ ترك الالتزامين إذا قسناه بترك العملين فصحيح أنّ تركهما يقتضي ترك الجامع بينهما، كما أنّ ترك العملين يقتضي ترك الجامع بينهما، لكنّ هذا لا يعني ترك الالتزام بالجامع، فكم فرق بين ترك الجامع بين الالتزامين وترك الالتزام بالجامع، والالتزام بالجامع يقف على الجامع كما يقف العلم بالجامع عليه.
الثاني: أن يقال: إنّ موضوع وجوب الالتزام هو الحكم الشرعىّ مع الوصول، والأصل قد نفى الجزء الأوّل من الموضوع، وهو الحكم الشرعىّ، فهذا يساوق نفي وجوب الالتزام.
والجواب: أنّ جزء الموضوع هو الجامع بين الحكمين لا واقع الفرد؛ لأنّ المقدار المنجّز هو الجامع، والجامع ليس منفيّاً بالأصل.
الثالث: أن يقال: إنّ نفي الفردين بالأصل يساوق نفي الجامع؛ فإنّ عدم الجامع ليس تكويناً أمراً وراء عدم أفراده، كما أنّ وجوده ليس أمراً وراء وجود أفراده، فإثبات الفرد إثبات للجامع، ونفيه نفي له.
$
', '', 378), (21, 379, 'book', 'والجواب: أنّ كون نفي الأفراد تكويناً مساوقاً لنفي الجامع تكويناً لا يستلزم كون نفيها تشريعاً مساوقاً لنفيه تشريعاً، وعدم الجامع مفهوم مغاير لمفهوم عدم الأفراد، فإثبات الأوّل بالأصل الذي يثبت الثاني تمسّك بالأصل المثبت(1).
وأمّا على الوجه الرابع: وهو افتراض كون وزان الالتزام وزان قصد القربة في دخله في غرض المولى.
فالمقصود بذلك: إن كان هو افتراض كون الالتزام بالفرد الثابت في الواقع دخيلاً في الغرض، كان أثر ذلك خروج موارد دوران الأمر بين المحذورين عن الدوران، وإمكانيّة المخالفة القطعيّة العمليّة، ولاتجري الاُصول، وإن كان هو افتراض كون الالتزام بالقدر المعلوم (وهوالجامع) دخيلاً في الغرض، فأحد جزئي الواجب وهو الالتزام بالجامع يمكن
', '(1) كلّ هذا البيان إنّما يتمّ على رأي المشهور من كون الوصول هو المنجّز للحكم.
والواقع: أنّه على هذا الرأي كان على المشهور الالتزام بجواز مخالفة العلم الإجمالىّ الاحتماليّة عملاً برغم تساقط الاُصول الشرعيّة؛ وذلك لأنّ ما وقع تحت التنجيز إنّما هو الجامع، أمّا خصوصيّة الأفراد فهي باقية تحت قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولا معنىً لإسراء محذور التعارض الإثباتىّ في الاُصول الشرعيّة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وعلى أىّ حال، فبناءً على الرأي المختار: من أنّ الحكم يكفي في تنجيزه احتماله، وأنّ الأصل الشرعىّ يمنع عن التنجيز عن طريق إبراز عدم اهتمام المولى بالحكم في ظرف الشكّ، وأنّ تساقط الاُصول في أطراف العلم الإجمالىّ إنّما هو بنكتة عرفيّة تمنع عن قبول إطلاق الدليل لإثبات عدم اهتمام المولى بالحكم مع العلم الإجمالىّ إلى حدّ الترخيص في المخالفة القطعيّة، وأنّ جريان الأصل في بعض الأطراف دون بعض ترجيح بلا مرجّح... أقول: بناءً على ذلك كلّه صحّ أن يقال فيما نحن فيه: إنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة ـ أيضاً ـ يمنع عن جريان الاُصول كوجوب الموافقة العمليّة؛ وذلك لأنّ إجراء الاُصول في تمام الأطراف يساوق الترخيص في المخالفة القطعيّة؛ لأنّ الواجب الذي يتطلّبه الحكم هو الالتزام بواقع الحكم لا بالجامع بين الحكمين، وإجراء الأصل في بعض الأطراف ترجيح بلا مرجّح، هذا إضافة إلى ما عرفته في التعليق السابق: من أنّ الإشكال بناءً على هذا الوجه (لو قلنا باستحالة الالتزام بالمتنافيات) ليس هو اقتضاء الاُصول للترخيص في ترك الالتزام، بل هو منعه تكويناً عن الالتزام. وهذا الإشكال لا يفرّق فيه بين فرض وجوب الالتزام بالواقع ووجوب الالتزام بالجامع؛ فإنّ الالتزام بنجاسة كلا الإناءين واقعاً والالتزام بجامع طهارة أحدهما واقعاً لا يجتمعان.
وقد ظهر بمجموع ما ذكرناه في هذا التعليق والتعليق السابق: أنّه بناءً على هذا الوجه الثالث من وجوه تصوير وجوب الالتزام يستفحل إشكال مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الاُصول، ولا يمكن حلّه لا عن طريق افتراض أنّ الأصل ليس عدا ترخيص في جانب العمل لا الالتزام، ولا عن طريق أنّ الوصول تمّ بقدر الجامع. نعم، يبقى أمل واحد لحلّ الإشكال وهو ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من بحث دفع وجوب الالتزام في المقام بمزاحمته لحرمة التشريع. وعلى أىّ حال، فلا يهمّنا الأمر بعد أن كان أصل الوجه الثالث غير صحيح بإشكال يخصّه كما مضى.
', 379), (21, 380, 'book', '
للعبد امتثاله على كلا الشقّين، أي: سواء اختار الفعل أو الترك، ومع امتثاله لذلك الجزء يكون أمره بالنسبة إلى الجزء الآخر دائراً بين المحذورين، فتجري البراءة عن الطرفين بناءً على جريانها في موارد الدوران بين المحذورين، ولا يمنعه وجوب الالتزام عن إجراء الأصل بالنسبة إلى الجزء الثاني(1).
وأمّا على الوجه الخامس: وهو كون وجوب الالتزام حكماً شرعيّاً مستقلّاً موضوعه الحكم الشرعىّ الأوّل، فأصل البراءة عن وجوبي الالتزام طبعاً غير جار؛ للتعارض والتساقط. أمّا الأصل الجاري في جانب العمل، فلا يشكّل وجوب الالتزام مانعاً عن إجرائه لو لم يكن فيه محذور عملىّ: بأن يؤدّي إلى جواز المخالفة العمليّة القطعيّة، سواء فرضنا الأصل تنزيليّاً بمعنى كونه ناظراً إلى كلّ آثار الواقع، أو فرضناه ناظراً إلى نفي ذات الحكم من دون أن ينفي آثاره الشرعيّة: أمّا على الثاني فواضح؛ لأنّ الأصلين لا ينفيان الأثر الشرعىّ المترتّب على الحكم، وهو وجوب الالتزام بحسب الفرض، فلا منافاة بينه وبين الأصلين، وأمّا على الأوّل، فلأنّ غاية ما يلزم سقوط إطلاق الأصلين بالنسبة إلى نفي هذا الأثر (وهو وجوب الالتزام)؛ لعلمنا الإجمالىّ بوجوب أحد الالتزامين، ولكن لا وجه لسقوط الأصلين من رأس(2).
هذا تمام الكلام في وجوب الموافقة الالتزاميّة، ومدى تأثيره في جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالىّ بغضّ النظر عن ابتلاء هذا الوجوب بمزاحم له: وهو حرمة التشريع (والمقصود من التشريع إسناد ما لم يعلم أنّه من الشارع إليه).
والآن نريد أن نتكلّم في النسبة بين وجوب الالتزام وحرمة التشريع، فنقول: لو اخترنا من الوجوه السابقة ما يتطلّب وجوب الالتزام بالجامع، إذن لا يوجد أىّ تصادم بينه وبين حرمة التشريع، أمّا لو اخترنا منها ما يتطلّب وجوب الالتزام بالفرد المعلوم بالإجمال بحدّه
', '(1) ولكن يمنعه عن إجراء البراءة من أصل الواجب الارتباطىّ المركّب من الفعل والالتزام، أو الترك والالتزام؛ لإمكانيّة المخالفة القطعيّة.
(2) لو افترضنا الأصل في أحد الطرفين إلزاميّاً، وفي الطرف الآخر نافياً للإلزام مع العلم الإجمالىّ بمخالفة أحد الأصلين للواقع، كما لو علمنا إجمالاً إمّا بطهارة الإناء المستصحب النجاسة، أو بنجاسة الإناء المستصحب الطهارة، فنفي الأصل لوجوب الالتزام في الطرف الأوّل يعارض نفي الأصل لوجوب العمل والالتزام في الطرف الثاني. نعم، الأصل في الطرف الأوّل بلحاظ العمل جار بلا معارض.
', 380), (21, 381, 'book', '
الفردىّ، فحينئذ: تارة يفترض أنّ وجوب الالتزام وحرمة التشريع حكمان عقليّان. واُخرى يفترض أنّهما حكمان شرعيّان.
وثالثة يفترض أنّ وجوب الالتزام عقلىّ، وحرمة التشريع شرعيّة.
ورابعة يفترض العكس.
ففي الفرض الأوّل: لابدّ من مراجعة العقل الذي هو الحاكم في تنظيم العلاقات بين العبد والمولى؛ كي يرى ماذا يحكم في مثل ما نحن فيه، من وجوب، أو تحريم، أو لا يحكم بشيء منهما؟
وفي الفرض الثاني: لابدّ من مراجعة الدليلين الشرعيّين المفترضين؛ كي يرى هل هناك مرجّح لدليل حرمة التشريع، وبالتالي يلغو وجوب الالتزام فيما نحن فيه نهائيّاً، أو هناك مرجّح لدليل وجوب الالتزام، وبالتالي تلغو حرمة التشريع في الفرد المعلوم بالإجمال، ولكن تبقى الحرمة في الفرد الآخر، ويصبح المورد من موارد العلم الإجمالىّ بواجب وحرام مع الاشتباه فيما بينهما، أو أنّه لا مرجّح لأحدهما على الآخر، فيتساقطان في الفرد المعلوم بالإجمال، وتبقى حرمة التشريع في الفرد الآخر، ويصبح المورد من موارد العلم الإجمالىّ بالحرام؟
وفي الفرض الثالث: لو كان حكم العقل بوجوب الالتزام تعليقيّاً، أي: كان معلّقاً على عدم ترخيص الشارع في الخلاف، فقد انتفى الوجوب بالترخيص المستفاد من دليل حرمة التشريع، ولو كان تنجيزيّاً، وقع التعارض بين دليل حرمة التشريع ودليل أصل ثبوت الحكم الذي يجب الالتزام به، ووجب الرجوع إلى قوانين باب التعارض في ذلك.
وفي الفرض الرابع: لو كانت حرمة التشريع عقلاً معلّقة على عدم ترخيص الشارع، فوجوب الالتزام ترخيص ناف للحرمة في الفرد المعلوم بالإجمال، فتقف حرمة التشريع على الفرد الآخر، ويصبح المورد من موارد العلم الإجمالىّ بواجب وحرام مع الاشتباه فيما بينهما(1).
وقد تلخّص من جميع ما ذكرناه إلى هنا: أنّه يشترط في سقوط الاُصول في أطراف
', '(1) أمّا لو كانت حرمة التشريع العقليّة تنجيزيّة، فوجوب الالتزام يسقط في المقام؛ لأنّ الدليل النقلىّ لا يقاوم عند التعارض حكم العقل. ولا أدري لماذا لم يوجد في المتن ذكر هذا الشقّ، ولعلّه سقط منّي عند تقرير البحث.
', 381), (21, 382, 'book', '
العلم الإجمالىّ من ناحية الالتزام القلبىّ ستة اُمور:
الأوّل: ثبوت مقتض لوجوب الالتزام بالأحكام الشرعيّة: بأن يعترف بأحد الملاكات الخمسة مثلاً.
الثاني: عدم مانعيّة استلزامه للتشريع عن ذلك.
الثالث: كون وجوب الالتزام عقليّاً لا شرعيّاً؛ إذ لو كان شرعيّاً، لقلنا بجريان الاُصول بالنسبة إلى الحكم الشرعىّ المتعلّق بالعمل دون هذا الحكم الشرعىّ المتعلّق بالالتزام، وإذا كان هذا الحكم من آثار ذاك الحكم، التزمنا بالتبعيض في آثار الأصل التنزيلىّ(1).
الرابع: أن يكون حقّ الالتزام شقّاً من شقّي التنجّز ووجوب الامتثال؛ إذ لو كان في الرتبة المتأخّرة عنه، فلا معنىً لمانعيّته عن جريان الاُصول الذي هو مساوق لعدم التنجّز في المرتبة السابقة، ولو كان حقّاً مستقلّاً عن حقّ الامتثال، لم يعقل ـ أيضاً ـ مانعيّته عن جريان الاُصول؛ لأنّ الاُصول إنّما تنفي حقّ الامتثال، ولا علاقة لها بحقّ آخر مستقلّ عنه.
الخامس: أن يكون العلم الإجمالىّ متعلّقاً بتمام الواقع لا بمقدار الجامع فقط، وإلّا لالتزمنا بالجامع، ولم يكن الترخيص في ترك الالتزام بالفردين ترخيصاً في ترك الالتزام بالجامع(2).
السادس: أن لا يكون مفاد الأصل ناظراً إلى الجانب العملىّ فحسب، بل يكون مفاده نفي الواقع (كقوله: رفع ما لا يعلمون)؛ كي يفيد رفع جميع الآثار الامتثاليّة(3).
هذا تمام الكلام في بيان ما هو المختار في مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالىّ.
$
', '(1) قد عرفت تعليقنا على ذلك حيث عرفت أنّ أحد الأصلين قد يسقط نهائيّاً عند ما يكون وجوب الالتزام شرعيّاً.
أمّا لماذا لم يذكر هنا(رحمه الله) سقوط الاُصول على تقدير كون وجوب الالتزام من سنخ وجوب قصد القربة، أي: وجوباً شرطيّاً؟ فلعلّه لأجل أنّه بناءً على هذا الوجه يرجع الأمر في الحقيقة إلى محذور المخالفة العمليّة لا الالتزاميّة.
(2) قد عرفت تعليقنا على ذلك.
(3) قد عرفت تعليقنا على ذلك.
', 382), (21, 383, 'book', '
آراء الأعلام في المسألة
بقي الكلام فيما أفاده الأعلام من الأجوبة عن ذلك، وعمدتها وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: ما يظهر من كلام الشيخ الأعظم(رحمه الله): من أنّ الاُصول إذا كانت موضوعيّة فهي حاكمة(1) على وجوب الالتزام؛ لأنّها ترفع موضوع الحكم الذي يجب أن يلتزم به.
وإذا كانت حكميّة، وكان وجوب الالتزام حكماً شرعيّاً(2) مترتّباً على تلك الأحكام التي نفتها الاُصول، فأيضاً تكون الاُصول حاكمة على وجوب الالتزام؛ لأنّها نفت موضوعه، وهو الحكم الذي يجب الالتزام به. نعم، إذا كانت الشبهة حكميّة، وكان وجوب الالتزام حكماً عقليّاً، أصبح وجوب الالتزام مانعاً عن جريان الاُصول، ولا يمكن تقديم الاُصول عليه بالحكومة؛ فالاُصول لاتحكم على وجوب الالتزام لا مباشرة برفع موضوعه ـ (وهو الحكم الذي يجب الالتزام به)؛ لأنّ الحكومة إنّما تعقل بين أحكام حاكم واحد، ولا تعقل حكومة(3) حكم شرعىّ على حكم عقلىّ ـ ولابواسطة حكومتها على الحكم الذي يجب الالتزام به برفع موضوعه؛ لأنّ المفروض أنّ الأصل حكمىّ، وليس موضوعيّاً(4).
ويرد عليه: أنّ وجوب الالتزام إن فرضناه وجوباً شرعيّاً موضوعه الأحكام الشرعيّة، فالاُصول لاتنفيه بالحكومة؛ فإنّ حكومة الاُصول على الأحكام الواقعيّة ظاهريّة، وليست واقعيّة، ومع العلم بثبوت موضوع وجوب الالتزام واقعاً نعلم بثبوت هذا الوجوب واقعاً، فيجب امتثاله، ولا مورد للحكم الظاهرىّ بهذا اللحاظ.
وإن فرضناه وجوباً عقليّاً، فإن كان معلّقاً على عدم ترخيص الشارع، فالاُصول تنفيه
', '(1) كلمة (الحكومة) غير واردة هنا في الرسائل، ولعلّ المقصود هو الجامع بين الحكومة والورود.
(2) الموجود فيما عندي من نسخة الرسائل هو دعوى تقديم الاُصول على وجوب الالتزام في الشبهات الحكميّة ـ أيضاً ـ برفع موضوعه، من دون تفصيل بين كون وجوب الالتزام شرعيّاً أو عقليّاً.
(3) لا تعقل الحكومة في طرف التضييق بمعناها الخاصّ لا بالمعنى الشامل للورود، وأمّا الورود فمعقول إذا كان حكم العقل تعليقيّاً، أي: معلّقاً على عدم الترخيص.
(4) وحتّى لو كان موضوعيّاً لا تعقل الحكومة بالمعنى الخاصّ على حكم عقلىّ برفع موضوعه. نعم، تعقل الحكومة بالمعنى الشامل للورود فيما لو فرض الرفع حكماً واقعيّاً لا ظاهريّاً، أو فرض حكم العقل بوجوب الالتزام تعليقيّاً.
', 383), (21, 384, 'book', '
بالورود بلا فرق بين الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، وإن كان تنجيزيّاً، فلايمكن رفع هذا الحكم العقلىّ التنجيزىّ بالاُصول، لا ابتداءً ولا برفع موضوعه وهو الحكم الواقعىّ: أمّا الأوّل فلأنّ المفروض تنجيزيّة الحكم العقلىّ في المقام، وكون العلم الإجمالىّ علّة تامّة لوجوب الالتزام، وأمّا الثاني فلما قلنا: من أنّ حكومة الاُصول على الأحكام الواقعيّة ظاهريّة(1)، والمفروض الفراغ من عدم المنافاة بين الحكم الواقعىّ والظاهرىّ. ولعلّه(رحمه الله)يشير إلى ما ذكرناه في نفي حكومة الاُصول على وجوب الالتزام بما ذكره في آخر عبارته من قوله: (ولكنّ التحقيق: أنّه لو ثبت هذا التكليف، أعني: وجوب الأخذ بحكم الله والالتزام مع قطع النظر عن العمل، لم تجر الاُصول؛ لكونها موجبة للمخالفة العمليّة
', '(1) أمّا لو كانت واقعيّة، فلامعنىً ـ أيضاً ـ للحكومة بمعناها الخاصّ على الحكم العقلىّ بتقليصه عن طريق نفي موضوعه تعبّداً، ولا فرق في عدم معقوليّة الحكومة بالمعنى الخاصّ بين الحكومة بالمباشرة بنفي موضوع وجوب الالتزام وهو الحكم الشرعىّ تعبّداً، والحكومة بواسطة الحكومة على الحكم الشرعىّ الذي يجب الالتزام به بنفي موضوع الحكم الشرعىّ تعبّداً. نعم، لو كان نفي موضوع الحكم الشرعىّ تعبّداً واقعيّاً لا ظاهريّاً، أنتج ذلك بالحكومة نفي الحكم الشرعىّ واقعاً، ويكون هذا وارداً على حكم العقل بوجوب الالتزام بالحكم الشرعىّ برفع موضوعه تكويناً.
وعلى أيّ حال، فلاإشكال في أنّ حكم العقل بوجوب الالتزام لو كان تنجيزيّاً، لم يعقل رفعه بالاُصول؛ لأنّه خلف تنجيزيّته، ولو كان تعليقيّاً، ارتفع بالاُصول.
ولعلّ هذا هو مقصود صاحب الكفاية(رحمه الله) فيما جاء في نسخة (حقائق الاُصول) من قوله بعد بيان عدم المانع عن جريان الاُصول من قبل لزوم الالتزام: «كما لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به، إلّا أن يقال: إنّ استقلال العقل بالمحذور فيه إنّما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام والاقتحام في الأطراف، ومعه لا محذور فيه، بل ولا في الالتزام بحكم آخر».
إلّا أنّ نسخة المشكينىّ تشير إلى بيان مسألة عدم رافعيّة الاُصول لوجوب الالتزام لو كان تنجيزيّاً في صياغة الدور، حيث جاءت العبارة كما يلي:
«كما لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به، بل الالتزام بخلافه لو قيل بالمحذور فيه حينئذ أيضاً، إلّا على وجه دائر؛ لأنّ جريانها موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام اللازم من جريانها، وهو موقوف على جريانها بحسب الفرض. اللّهمّ، إلّا أن يقال: إنّ استقلال العقل بالمحذور فيه...» إلى آخر ما مضى.
وهناك نسخة ثالثة بناءً على ما ذكره المشكينىّ(قدس سره) في تعليقته حذفت فيها تمام العبارة، وذكر المشكينىّ(رحمه الله)أنّ اُستاذه نقل: أنّ المحقق الخراسانىّ ضرب القلم على هذه العبارة.
أقول: إنّ بيان الإشكال على رفع وجوب الالتزام بجريان الاُصول بناءً على تنجيزيّته في صياغة الدور لابأس به؛ فإنّ جريان الاُصول متوقّف على عدم حكم العقل تنجيزيّاً بوجوب الالتزام، فلو كان هو في نفس الوقت رافعاً لذلك، للزم الدور، إلّا أنّنا لسنا بحاجة إلى إشكال الدور؛ فإنّ حكم العقل إن كان تنجيزيّاً، فنفس تنجيزيّته كافية في وضوح عدم ارتفاعه بالاُصول؛ لأنّ ذلك خلف تنجيزيّته، وإن كان تعليقيّاً، فيرتفع لا محالة بجريان الاُصول بلا لزوم دور في المقام.
', 384), (21, 385, 'book', '
للخطاب التفصيلىّ، أعني: وجوب الالتزام بحكم اللَّه، وهو غير جائز حتّى في الشبهة الموضوعيّة كما سيجيء، فيخرج عن المخالفة العمليّة).
الوجه الثاني: ما جاء في (الدراسات): من أنّه لا يجب الالتزام بالحكم بعنوانه التفصيلىّ حتّى يمنع ذلك عن جريان الاُصول في الأطراف، بل يكفي الالتزام به بعنوانه الإجمالىّ.
وهذا الجواب غير صحيح، سواء قرّبنا المانعيّة بفرضيّة: أنّ جريان الاُصول ينافي وجوب الالتزام، أو قرّبناها بفرضيّة أنّ إجراء الاُصول يجعل الالتزام بالحكم المعلوم غير ممكن.
أمّا على التقريب الأوّل، فأجنبيّة الجواب الذي ذكره عمّا نحن فيه في غاية الوضوح؛ فإنّ من يرى مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الاُصول بهذا التقريب يرى أنّ جريان الاُصول في تمام الأطراف والترخيص فيها جميعاً يوجب الترخيص في ترك الامتثال الجنانىّ للحكم المعلوم ثبوته في أحد الأطراف، ومن المعلوم: أنّه لا فرق في ذلك بين فرض كون الامتثال الجنانىّ عبارة عن الالتزام بالحكم بعنوانه التفصيلىّ وفرض كونه عبارة عن الالتزام بالحكم بعنوانه الإجمالىّ(1). ولعلّ نظر السيّد الخوئىّ في الجواب إلى التقريب الثاني من تقريبي المانعيّة، لا التقريب الأوّل الذي تكون أجنبيّة الجواب عنه في غاية الوضوح.
وأمّا على التقريب الثاني، فالصحيح ـ أيضاً ـ أنّ الجواب المذكور في غير محلّه؛ فإنّ منشأ دعوى التنافي بين الاُصول والالتزام هو توهّم أنّ الالتزام بشيء مع التعبّد بضدّه ظاهراً التزام بالضدّين(2)، مع توهّم أنّ الالتزام بالضدّين محال. وهذا ـ أيضاً ـ لا يفرّق فيه بين فرض الالتزام بالعنوان التفصيلىّ والالتزام بالعنوان الإجمالىّ؛ فإنّ الالتزام بشيء سواء كان بعنوانه التفصيليّ، أو الإجمالىّ مع الالتزام بما يضادّه التزام بالمتضادّين المفروض استحالته.
$
', '(1) لو قصد بالالتزام بالحكم بعنوانه الإجمالىّ الالتزام بالجامع، وقيل: إنّ الاُصول في الأطراف إنّما تنفي وجوب الالتزام بخصوصيّة الأفراد، فالإشكال غير وارد.
(2) أو اعتقاد أنّ الأصل يوجب علينا ظاهراً الالتزام بواقعيّة الحكم المنافي للمعلوم بالإجمال، كما يتّجه ذلك على بعض الشقوق، وقد مضى.
', 385), (21, 386, 'book', '
الوجه الثالث: ما ذكره المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)، وإليك نصّ عبارته:
«ثمّ لا يذهب عليك أنّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة ـ لو كان المكلّف متمكّناً منها ـ تجب ـ ولو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعيّة عملاً، ولا يحرم المخالفة القطعيّة عليه كذلك أيضاً؛ لامتناعها، كما إذا علم إجمالاً بوجوب شيء أو حرمته ـ للتمكّن من الالتزام بما هو الثابت واقعاً والانقياد له والاعتقاد به بما هو الواقع والثابت، وإن لم يعلم أنّه الوجوب أو الحرمة. وإن أبيت إلّا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه، لما كانت موافقته القطعيّة الالتزاميّة ـ حينئذ ـ ممكنة، ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعاً؛ فإنّ محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلاً ليس بأقلّ من محذور عدم الالتزام به بداهة، مع ضرورة أنّ التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام، لم يكد يقتضي إلّا الالتزام بنفسه عيناً، لا الالتزام به أو بضدّه تخييراً. ومن هنا انقدح: أنّه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الاُصول الحكميّة أو الموضوعيّة في أطراف العلم، لو كانت جارية مع قطع النظر عنه».
وظاهر العبارة أنّ كلمة «من هنا» في آخر عبارته إشارة إلى كلّ ما مضى، إذن فمقصوده(رحمه الله) هو الجواب عن مشكلة مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الاُصول:
أوّلاً: بأنّ الالتزام الواجب إنّما هو الالتزام بالواقع على إجماله، لا الالتزام به بعنوانه التفصيلىّ، والالتزام بالواقع على إجماله لا ينافي جريان الاُصول.
وثانياً: بأنّه لو تنزلنا وافترضنا كون الواجب هو الالتزام بالواقع بعنوانه التفصيليّ: «لما كانت موافقته القطعيّة الالتزاميّة ـ حينئذ ـ ممكنة؛ ولما وجب عليه الالتزام...» إلى آخره.
إلّا أنّ المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) فسّر العبارة بتفسير غريب، وهو: أنّه مع الاعتراف بأنّ الواجب هو الالتزام بالواقع على إجماله يصبح وجوب الالتزام مانعاً عن جريان الاُصول؛ لأنّ وجوب الالتزام ثابت حتّى في حالة دوران الأمر بين المحذورين، فيمنع عن جريان الاُصول على رغم عدم محذور عملىّ؛ لعدم إمكانيّة الموافقة القطعيّة ولا المخالفة القطعيّة، أمّا إذا افترضنا أنّ الواجب هو الالتزام بالواقع بعنوانه التفصيلىّ، إذن لا يشكّل هذا محذوراً عن جريان الاُصول في موارد دوران الأمر بين المحذورين؛ إذ على هذا الفرض «ما كانت موافقته القطعيّة الالتزاميّة ـ حينئذ ـ ممكنة...» إلى آخر عبارة الكفاية.
$
', '', 386), (21, 387, 'book', 'وعلى أىّ حال، فلو كان مقصود صاحب الكفاية هو الذي نحن فهمناه من عبارته: من افتراض عدم وجوب الالتزام بالعنوان التفصيلىّ، وكفاية الالتزام بالواقع على إجماله جواباً مستقلّاً عن مانعيّة وجوب الالتزام عن إجراء الاُصول، فهذا هو عين الجواب الذي نقلناه عن الدراسات، وقد عرفت تعليقنا عليه.
أمّا الذي نريد بحثه هنا، فهو جوابه عن تقدير وجوب الالتزام بالواقع بعنوانه التفصيلىّ.
وظاهر عبارته(رحمه الله): أنّه على هذا التقدير له جوابان. إلّا أنّ الذي يقتضيه الفنّ هو أن يكونا شقّين لجواب واحد عن فرضين مختلفين، بأن يقال:
تارة يفترض أنّ التكليف يتطلّب الالتزام به بعينه، ولكنّنا نتنزّل من الموافقة القطعيّة إلى الموافقة الاحتماليّة بالالتزام بأحد الطرفين؛ لعدم القدرة على الموافقة القطعيّة باعتبار استحالة الالتزام بالضدّين.
واُخرى يفترض أنّ التكليف ابتداءً لا يتطلّب عدا الالتزام به، أو بضدّه تخييراً.
فإن فرض الأوّل، قلنا: إنّ الالتزام بأحدهما كان موافقة التزاميّة احتماليّة، لكنّه في نفس الوقت يحتمل أن يكون التزاماً بضدّ التكليف، وليس محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلاً بأقلّ من محذور عدم الالتزام بالتكليف.
وإن فرض الثاني، قلنا: إنّ إشكال حرمة الالتزام بضدّ التكليف لايكون وارداً؛ لأنّ المفروض أنّ التكليف هو الذي يتطلّب منّا تخييراً الالتزام به أو بضدّه، إلّا أنّ هذا الفرض في نفسه ضرورىّ البطلان؛ بداهة أنّ التكليف لو كان يقتضي الالتزام، فإنّما يقتضي الالتزام به عيناً، لا الالتزام به أو بضدّه تخييراً.
ويرد عليه: أنّ فرضيّة عدم كون محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلاً أقلّ من محذور عدم الالتزام بالتكليف، لا تكفي لإسقاط وجوب الالتزام في المقام. نعم، يمكن إسقاطه لو فرض كون محذور الالتزام بضدّ التكليف أقوى، أمّا مع التساوي فستترجّح كفّة وجوب الالتزام بالتكليف على كفّة قبح الالتزام بضدّ التكليف؛ لأنّ في ترك الالتزام بشيء من الحكمين مخالفة قطعيّة لوجوب الالتزام، وفي الالتزام بأحدهما مخالفة احتماليّة لقبح الالتزام بضدّ التكليف، والمخالفة الاحتماليّة أهون من المخالفة القطعيّة.
$
', '', 387), (21, 388, 'book', 'توضيح ذلك(1) أنّنا تارة نتكلّم على مبنى علّيّة العلم الإجمالىّ لوجوب الموافقة القطعيّة وتعلّقه بالواقع، واُخرى على مبنى اقتضائه وتعلّقه بالجامع. أمّا على الثاني فلا تزاحم بين الحقّين أصلاً؛ لتمكّنه من الموافقة القطعيّة لكليها: بأن يلتزم بالجامع، ولا يلتزم بخصوصيّة أحد الفردين.
فالذي ينبغي فرضه في المقام هو المبنى الأوّل الذي هو مبنى المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله). وعليه نقول: إنّ هناك حقّين عقليّين للمولى قد تزاحما:
الحقّ الأوّل: هو حقّ الالتزام بحكم المولى، وبعد فرض عدم إمكان الموافقة القطعيّة بالالتزام بالضدّين، وفرض بقاء هذا الحقّ، وعدم سقوطه على رغم عدم إمكان الالتزام بالضدّين، لابدّ من افتراض تبدّل محور الحقّ، وتنزّله من الالتزام بالحكم بنحو الموافقة القطعيّة إلى الالتزام به بنحو الموافقة الاحتماليّة، وذلك بغضّ النظر عن الحقّ الثاني المزاحم لهذا الحقّ، وبمجرّد نكتة عدم إمكانيّة الموافقة القطعيّة وبقاء الحقّ في نفس الوقت.
الحقّ الثاني: هو حقّ ترك الالتزام بضدّ التكليف، وهذا الحقّ بغضّ النظر عن مزاحمه،
', '(1) هذا التوضيح في الحقيقة جواب عن إشكال قد يورد في المقام: وهو أنّ المخالفة القطعيّة لوجوب الالتزام بالواجب توأم مع الموافقة القطعيّة لحرمة الالتزام بضدّ الواجب، والمخالفة والموافقة الاحتماليّة لأحدهما توأم للمخالفة والموافقة الاحتماليّة للآخر، فالكفّتان متعادلتان.
ويمكن الجواب عن ذلك بوجهين:
الأوّل: ما قد يقال في موارد اشتباه عمل واجب بعمل آخر محرّم: من أنّه يجب التنزّل من الموافقة القطعيّة لأحدهما التوأم للمخالفة القطعيّة للآخر إلى الموافقة الاحتماليّة لكلّ منهما، فإذا كان الأمر كذلك في موارد اشتباه الواجب بالحرام، فكذلك الحال في المقام.
إلّا أنّ هذا غير تامّ في المقام لأمرين:
أوّلاً: أنّ هذا الرأي مبتن على أنّ العلم الإجمالىّ متعلّق بالجامع بحدّه الجامعىّ، لا الواقع بحدّه الواقعىّ، وأنّ العلم الإجمالىّ أصبح بذلك علّة تامّة لوجوب الامتثال بقدر الجامع، إذن فترجح كفّة الموافقة الاحتماليّة لكلا الطرفين المساوقة للإتيان بكلا الجامعين على كفّة الموافقة القطعيّة لأحدهما والمخالفة القطعيّة للآخر، في حين أنّنا في المقام نتكلّم على مبنى تعلّق العلم الإجمالىّ بالواقع، كما جاء توضيح ذلك في المتن.
ثانياً: أنّ كون العلم الإجمالىّ بناءً على تعلّقه بالجامع علّة تامّة لتنجّز الجامع فقط إنّما يعقل في العلم بالتكليف، لا في العلم بالحقّ العقلىّ؛ فإن مفهوم الحقّ قد استبطن فيه التنجّز، فمجرّد احتماله ينجزّه بحدّه الواقعىّ.
الثاني: ما جاء في المتن بتعبير (توضيح ذلك...) إلى آخره.
', 388), (21, 389, 'book', '
وهو الحقّ الأوّل، ليس فيه تنزّل عن الترك بنحو الموافقة القطعيّة إلى الترك بنحو الموافقة الاحتماليّة؛ وذلك لقدرة المكلّف على الموافقة القطعيّة بترك الالتزام بهما معاً.
فإذا كان الحقّ الأوّل بذاته متنزّلاً إلى حقّ الالتزام بنحو الموافقة الاحتماليّة بخلاف الحقّ الثاني، تبيّن لك: أنّ في الالتزام بأحد الطرفين موافقة قطعيّة لحقّ الالتزام، ومخالفة احتماليّة لحقّ ترك الالتزام بضدّ الواجب، وفي ترك الالتزام بهما معاً موافقة قطعيّة لحقّ ترك الالتزام بضدّ الواجب، ومخالفة قطعيّة لحقّ الالتزام بالواجب. إذن فكلا الفرضين يشتركان في موافقة قطعيّة، ويختلفان في أنّ أحدهما يشتمل على مخالفة احتماليّة، والآخر يشتمل على مخالفة قطعيّة، والمخالفة الاحتماليّة أهون من المخالفة القطعيّة.
إن قلت: بعد البناء على قبح التجرّي يكون للمولى فيما نحن فيه حقوق عقليّة ثلاثة:
1 ـ حقّ الالتزام بأحد الحكمين.
2 ـ حقّ ترك الالتزام بالوجوب.
3 ـ حقّ ترك الالتزام بالحرمة.
وباعتبار وجود التناقض بين متعلّقي الحقّين الآخرين بمجموعهما، ومتعلّق الحقّ الأوّل، يستحيل اجتماع الحقّين الآخرين مع الحقّ الأوّل، لا للتزاحم، وعجز المكلّف عن الجمع فحسب، بل لعدم تعقّل تعلّق الحقّ بالنقيضين في ذاته، فيتساقط الحقّ الأوّل مع أحد الحقّين الأخيرين، ويتحوّل الحقّان الأخيران إلى حقّ ترك الالتزام بأحدهما تخييراً.
قلت: مركز حقّ عدم الالتزام بضدّ الحكم إنّما هو ابتداءً عبارة عن أصل الحكم الواقعىّ المعلوم، ويجب ملاحظة حاله عند التزاحم مع حقّ الالتزام بالتكليف، فلو تقدّم عليه، وصلت النوبة إلى تحقّق حقّين بعدد الموافقتين الاحتماليّتين له، بناءً على كون القبح في الحقيقة للجامع بين التجرّي والمعصية، ولو تقدّم حقّ الالتزام عليه كما عرفت، لم تصل النوبة إلى ذلك(1) هذا.
$
', '(1) وينبغي ـ أيضاً ـ بيان أنّ مصبّ حقّ وجوب الالتزام بالتكليف ـ أيضاً ـ كان من أوّل الأمر هو ذات التكليف المعلوم، ولكن بما أنّ هذا الحقّ لو بقي محوره عبارة عن ذات التكليف، لوجبت موافقته القطعيّة بالالتزام بكلّ واحد من الحكمين؛ لأنّ مفهوم الحقّ مستبطن لمفهوم التنجّز، واحتمال المنجّز منجّز لا محالة، والاحتمال قائم في كلا الطرفين، في حين أنّ المفروض عدم إمكانيّة الموافقة القطعيّة. فالمفروض: أنّ محوره قد تبدّل من الواقع المعلوم إلى أحد محتملي الواقعيّة على سبيل التخيير، لا أنّ مصبّ الحقّ ابتداءً كان عبارة عن كلا محتملي الواقعيّة، وسقط أحدهما بالعجز؛ كي يقال: إنّه إذن في مقابل ذلك يكون حقّ ترك الالتزام بضدّ التكليف ـ أيضاً ـ ابتداءً عبارة عن حقّ ترك الالتزام بهذا، وحقّ ترك الالتزام بذاك، فرجعنا إلى فرضيّة الحقوق الثلاثة.
ثُمّ إنّني أعتقد أنّ هذا الإشكال على ما اُعمل فيه من دقّة وتحقيق غير واضح الورود على صاحب الكفاية؛ فإنّه لم يفترض التساوي بين حقّ ترك الالتزام بضدّ التكليف وحقّ الالتزام بنحو الموافقة الاحتماليّة بالتكليف، وإنّما افترض التساوي بين حقّ الالتزام بضدّ التكليف وحقّ الالتزام بذات التكليف، ومن حقّه أن يدّعي أنّ حقّ الالتزام بذات التكليف حينما يتحوّل (على أساس العجز عن الموافقة القطعيّة الالتزاميّة) إلى حقّ الالتزام بنحو الموافقة الاحتماليّة، سيكون الحقّ المتحوّل إليه أخفّ من الحقّ الأصلىّ، وأنزل درجة بقدر ما يوجد من مستوى الفرق بين درجة الموافقة القطعيّة والموافقة الاحتماليّة.
', 389), (21, 390, 'book', '
وكأنّ منشأ اشتباه المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) أنّه لاحظ كلّاً من الفردين على حدة، ورأى أنّ في الالتزام به احتمال حصول الالتزام بالحكم الواقعىّ، واحتمال حصول الالتزام بضدّه، والمفروض: أنّ حسن الأوّل ليس بأشدّ من قبح الثاني.
وعلى أىّ حال، فالذي يهوّن الخطب أنّ عنوان الحرام ليس هو الذي ذكره(قدس سره) في كلامه من الالتزام بضدّ التكليف، بل الذي دلّ على حرمته العقل والنقل هو التشريع الذي يكفي في تحقّقه بالإسناد والالتزام مجرّد الشكّ في كون هذا من الشارع.
ثُمّ إنّ ما أفاده(رحمه الله): من عدم التمكّن من الموافقة القطعيّة بناءً على وجوب الالتزام بالعنوان التفصيلىّ للحكم غير صحيح؛ فإنّ اجتماع الضدّين لاشكّ في استحالته، لكن الالتزام بهما ليس محالاً؛ فإنّ الالتزام بمعنى عقد القلب والاستسلام القلبيّ أمر اختيارىّ للقلب يحصل حتّى تجاه ما يعلم باستحالته كالضدّين، والضدّيّة بين الشيئين لا تسري إلى الالتزامين.
$
', '', 390), (21, 391, 'book', 'بحث القطع
6
$
', '', 391), (21, 392, 'book', '$
', '', 392), (21, 393, 'book', 'الدليل العقليّ
1
* تحرير محلّ النزاع.
* طرق استنباط الحكم الشرعىّ من العقل.
$
', '', 393), (21, 394, 'book', '$
', '', 394), (21, 395, 'book', 'لنمهّد قبل الدخول في البحث ـ عمّا وقع الخلاف فيه بين الاُصوليّين والأخباريّين من حجّيّة القطع بالأحكام الشرعيّة عن طريق العقل ـ مقدّمتين:
المقدّمة الاُولى في تحرير محلّ النزاع
إنّ كلمات بعض المتقدّمين في بيان ما هو المراد من الدليل العقلىّ في غاية التشويش، كتفسيرهم ذلك بالاستصحاب، والبراءة، وغير ذلك، إلّا أنّ الصحيح في ضابط محلّ النزاع هو: أنّ الخلاف قد وقع في إمكانيّة الاعتماد على استنباط الحكم الشرعىّ بدليل عقلىّ قطعىّ وعدمها.
وهذا غير النزاع الثابت بين الإماميّة والعامّة في حجّيّة الدلالة العقليّة المتقدّم تأريخيّاً على هذا النزاع، حيث ادّعى السنّة حجّيّة الظنون العقليّة في الاستنباط، ومنع الإماميّة عن ذلك، ولعدم التمييز بين النزاعين اتّهم بعض الأخبارييّن الاُصوليّين باتّباعهم الظنون العقليّة في استنباط الأحكام.
والواقع: أنّ الشيعة بأجمعهم أنكروا حجّيّة هذه الظنون تبعاً لأئمّتهم الذين كثر عنهم الردع عن ذلك، كقولهم: «دين الله لا يصاب بالعقول»، كما أنّه يكفي في عدم حجّيّتها بغضّ النظر عن العمومات والإطلاقات الرادعة عن العمل بالظنّ مجرّد أصالة عدم الحجّيّة.
وبعد هذا تطوّر النزاع إلى نزاع آخر بين الشيعة أنفسهم في مدى إمكانيّة الاعتماد في استنباط الحكم الشرعىّ على دليل عقلىّ مورث للقطع، وليس المقصود بإدراك العقل ـ الذي وقع الخلاف في الاعتماد عليه في استنباط حكم الشرع ـ الإدراكات العقلانيّة بالقوّة الخاصّة من قوى النفس المسمّاة بالقوّة العقليّة عند الفلاسفة، وإنّما المقصود هو: الإدراك المقرون بالجزم، سواء كان حصيلة تلك المرتبة الخاصّة، أو حصيلة سائر المراتب والقوى الموجودة في النفس.
كما ينبغي الإشارة إلى أنّ المقصود هو الإدراك العقلىّ الذي هو في عرض الكتاب والسنّة؛ فإنّ الكلام إنّما هو في استنباط الحكم من العقل على حدّ استنباطه من الكتاب
', '', 395), (21, 396, 'book', 'والسنّة، وليس الكلام في الحكم العقلىّ الذي هو في الرتبة المتقدّمة على الكتاب والسنّة، والذي به يثبت وجود الكتاب والسنّة أو حجيّتهما، ولا في الحكم العقلىّ في المرتبة المتأخّرة عن حكم الشرع، كحكمه بحسن الإطاعة وقبح المعصية، فكلّ هذا خارج عن محلّ النزاع. نعم، لو اُريد إثبات وجوب الإطاعة وحرمة المعصية شرعاً عن طريق حكم العقل بحسن الإطاعة وقبح المعصية بناءً على قاعدة الملازمة، فهذا داخل في محلّ النزاع.
والخلاصة: أنّ الأخباريّين يدّعون أنّ العقل ليس دليلاً على الأحكام الشرعيّة في قبال الكتاب والسنّة.
المقدّمة الثانية في أقسام أو طرق استنباط الحكم الشرعىّ من العقل
قد يقسّم العقل إلى النظرىّ والعملىّ، ويقال في الفرق بينهما: إنّ العقل النظرىّ عبارة عمّا يدرك ما هو واقع في نفسه، كالوجوب والإمكان، والعقل العملىّ عبارة عمّا يدرك ما ينبغي أن يقع، أو يقال:
إنّ الأوّل عبارة عمّا يدرك ما ينبغي أن يعلم، والثاني عبارة عمّا يدرك ما ينبغي أن يعمل.
والأولى أن يقال: إنّ الأوّل عبارة عمّا يدرك الواقع بنحو ليس له اقتضاء التأثير مباشرة في مقام العمل، ولو أثّر في ذلك بالواسطة، كإدراك العقل لوجود الله الذي يؤثّر في مقام العمل بتوسّط إدراك حقّ المولويّة له سبحانه، والثاني عبارة عمّا يدرك ما يقتضي إدراكه التأثير المباشر في العمل، وهو إدراك الحسن والقبح.
والحكم الشرعي تارة يستنبط من العقل النظرىّ بلا دخل للعقل العملىّ في ذلك، واُخرى يكون للعقل العمليّ دخل فيه.
أمّا القسم الأوّل: وهو الذي يستنبط بالعقل النظرىّ بلا دخل للعقل العملىّ فيه، فله طريقان:
الأوّل: تطبيق قوانين الإمكان والاستحالة على الحكم الشرعىّ؛ إذ هو ـ أيضاً ـ من الاُمور الخاضعة لتلك القوانين، وهذا يفيد ابتداءً في مقام نفي حكم شرعىّ محتمل، كأن تنفى ملكيّة الورّاث لمال المورث بالإشاعة بمعنى التبعيض في المملوك، بعد فرض كون
', '', 396), (21, 397, 'book', 'نسبة سببيّة موت المورث لملكيّة الوارث إلى تمام الأجزاء على حدّ سواء، وفرض كون بقاء هذه العين بلا مالك خلاف الضرورة الفقهيّة، فيقال ـ حينئذ ـ: إنّ ملكيّة الوارث للتركة بالإشاعة بأحد معنييها: وهو التبعيض في المملوك غير معقولة، سواء فرض المملوك لكلّ فرد من أفراد الوارث جزءاً معيّناً، أو جزءاً مردّداً، أو كلّيّاً في المعيّن:
أمّا الأوّل: فلاستحالة الترجيح بلامرجّح بعد أن فرضنا نسبة سببيّة الموت لملكيّة الوارث إلى تمام الأجزاء على حدّ سواء.
وأمّا الثاني: فلاستحالة الترديد في الواقع ؛ إذ الوجود الواقعىّ مساوق للتشخيص.
وأمّا الثالث: فلاستلزامه بقاء ذات العين بلا مالك، وهو خلاف الضرورة الفقهيّة، إذن فالمعنى الأوّل للإشاعة منفيّ في المقام.
هذا هو كيفيّة استنباط نفي الحكم الشرعىّ من الدليل العقلىّ النظرىّ.
وقد يقع ذلك في طريق استنباط الحكم الشرعىّ في جانب الإثبات؛ وذلك بأن يضمّ ـ مثلاً ـ هذا الحكم العقلىّ باستحالة الإشاعة بهذا المعنى إلى دليل شرعىّ دلّ على سببيّة موت المورث لملكيّة الوارث، ويستنبط من ذلك ثبوت الإشاعة بمعناها الآخر(1).
وخلاصة الكلام: أنّ استنباط الحكم عن طريق تطبيق قوانين باب الإمكان والاستحالة إنّما يفيد بلا واسطة في جانب النفي فقط، وإذا ضمّ إلى دليل شرعىّ دلّ على الجامع بين الممكن والمحال، أفاد تعيّن الممكن.
الثاني: تطبيق قوانين العلّيّة على الحكم الشرعىّ بالمستوى الذي يمكن تطبيقه على الأفعال الاختياريّة، وذلك يكون في ثلاثة أبواب:
1 ـ ما يناسب أن يسمّى بباب (المستقلّات العقليّة): وهو ما إذا كان الحكم الشرعىّ معلولاً لشيء وقد أدرك العقل العلّيّة والعلّة، أو كان الحكم الشرعىّ علّة لشيء وقد أدرك العقل العلّيّة والمعلول:
أمّا الأوّل: فكما لو أدرك العقل المصلحة التامّة في أمر، (أي: مصلحة لا معارض لها)، وأدرك علّيّة ذلك للحكم بقانون تبعيّة الأحكام الشرعيّة للمصالح والمفاسد.
وأمّا الثاني: فكما هو الحال في السيرة العقلائيّة وسيرة المتشرّعة، حيث يستنبط منها الحكم الشرعىّ بعد درك العقل بالقرائن التاريخيّة وغيرها ثبوت هذه السيرة بمرأىً
', '(1) وهو تصوير ملكيّات متعدّدة ناقصة على مملوك واحد.
', 397), (21, 398, 'book', '
ومسمع من الشارع، ودركه لكون السيرة معلولة للحكم الشرعىّ، أو كون عدم الردع معلولاً له؛ إذ لولاه لردع الشارع عنها. على تحقيق وتفصيل يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.
2 ـ باب الملازمات العقليّة، كباب وجوب مقدّمة الواجب. وفي هذا الباب يدرك العقل العلّيّة فقط، ويضمّ ذلك إلى الدليل الشرعىّ الدالّ على وجود العلّة، فمثلاً: العقل يدرك علّيّة وجوب الشيء لوجوب مقدّمته، والشرع يدلّنا على وجوب ذلك الشيء، فيثبت وجوب مقدّمته.
3 ـ باب قياس الأولويّة والمساواة. والعلّيّة هنا تؤخذ من الشرع، وتضمّ إلى إدراك العقل لوجود العلّة في المقيس، فيقال ـ مثلاً ـ: إنّ الحزازة التي أصبحت علّة للتحريم في (الأفّ) في الآية الكريمة موجودة في أىّ شتم أو ضرب، فيحرم الشتم والضرب.
وأمّا القسم الثاني: وهو الذي يستنبط بالعقل العملىّ، فهو المصطلح عليه بباب المستقلّات العقليّة. والعقل العملىّ وحده لا يمكن أن يدرك الحكم الشرعىّ، بل يجب تتميمه بالعقل النظرىّ، سواء طبّقنا العقل العملىّ على أفعالنا، أو طبّقناه على أفعال المولى:
أمّا الأوّل: فكما إذا حكم العقل العملىّ بقبح ضرب اليتيم، وضمّ إلى ذلك قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ـ وهي قاعدة مستفادة من العقل النظرىّ ـ فنستنتج من ذلك حرمة ضرب اليتيم شرعاً.
وأمّا الثاني: فكما إذا حكم العقل العملىّ بقبح ترخيص المولى في المعصية، فيستفاد من ذلك ـ بضميمة ما دلّ عليه العقل النظرىّ من استحالة صدور القبيح عن الحكيم ـ نفي ترخيص المولى فيها.
وبعد الانتهاء من هاتين المقدّمتين نشرع في أصل البحث، فنقول:
إنّ دعوى انسداد باب العلم بالأحكام الشرعيّة عن طريق العقل يمكن أن تكون ناظرة إلى إحدى مراحل ثلاث:
1 ـ دعوى قصور الحكم في مرحلة الجعل، فلا يشمل الجعل فرض العلم بالحكم عن طريق العقل.
2 ـ دعوى قصور الأدلّة العقليّة بحسب عالم الاستكشاف.
3 ـ دعوى القصور في عالم الحجّيّة.
إذن فيقع الكلام في ثلاث مراحل:
$
', '', 398), (21, 399, 'book', 'الدليل العقليّ
2
$
', '', 399), (21, 400, 'book', '$
', '', 400), (21, 401, 'book', 'المرحلة الاُولى: مرحلة الجعل، وقد حمل المحقّق النائينىّ(رحمه الله) كلام الأخباريّين على دعوى القصور في هذه المرحلة، لابمعنى نفي حجّيّة كشف الحكم الشرعىّ عن طريق العقل؛ فإنّه لوكشف الحكم الشرعىّ عن طريقه، لم يمكن سلب حجّيّته عندئذ، بل بمعنى تقييد أصل الجعل عن طريق متمّم الجعل؛ فإنّ هذا بمكان من الإمكان، فكأنّ هذا حمل لكلام الأخباريّين على أمر ممكن، وإخراج له عن فرضيّة إسقاط القطع عن الحجّيّة الذي هو غير ممكن.
أقول: قد مضى منّا بيان إمكانيّة جعل العلم عن طريق ما ـ كالعلم عن طريق العقل ـ مانعاً بلاحاجة إلى متمّم الجعل، وكذلك يمكن جعل العلم عن طريق الشرع ـ مثلاً ـ شرطاً بمعنى أخذ العلم بالجعل شرطاً للمجعول بلا حاجة ـ أيضاً ـ إلى متمّم الجعل.
ولكنّه يقع الكلام هنا في أنّ هذا التقييد هل يفيد لردع من توصّل إلى حكم شرعىّ عن طريق العقل عن العمل بدليله العقلىّ؛ كي نستطيع أن نسند عدم جواز الاعتماد على الدليل العقلىّ إلى هذا التقييد، أو لا؟
والجواب: أنّ هذا غير ممكن؛ إذ لو تمّ لدى هذا الشخص الكشف، فهذا يعني:أنّه ـ مثلاً ـ اعتقد الحصول على العلّة التامّة للحكم، فاعتقد ـ مثلاً ـ أنّ ضرب اليتيم قبيح، وأنّ القبح العقلىّ علّة حتميّة للحرمة الشرعيّة، فلو قيل له: إنّ الحرمة الشرعيّة منتفية بشأنك باعتبار حصول العلم لك بها عن طريق العقل، لا يستطيع أن يصدّق بذلك؛ إذ هو مساوق عنده لانفكاك المعلول من علّته التامّة.
ولو لم يتمّ لديه الكشف؛ لعدم اعتقاده بالعلّيّة التامّة مثلاً، فبإمكانه التصديق بمانعيّة العلم العقلىّ عن الحكم: بأن يكون ما أدركه مقتضياً للحكم فحسب، قابلاً لاقترانه بهذا المانع، ولكن يكفي ـ عندئذ ـ لعدم حجّيّة دليله العقلىّ عدم تماميّة الكشف، وإضافة عدم الحجّيّة إلى تقييد الحكم بغير حالة العلم العقلىّ ليست إلّا إضافة تبرّعيّة، وعليه فتوجيه كلام الأخباريّين بهذا التفسير ليس حملاً لكلامهم على أمر ممكن(1).
$
', '(1) اللّهمّ، إلّا أن يكون مقصود الأخبارىّ إلفات نظر الاُصولىّ إلى أنّ ما اكتشفه الاُصولىّ ليس علّةتامّة للحكم؛ لأنّ نفس حصول العلم به عن طريق العقل مانع عن ثبوت الحكم، بأمل أن يلتفت الاُصولىّ إلى ذلك، فيزول علمه بالحكم وكشفه له.
', 401), (21, 402, 'book', '
$
', '', 402), (21, 403, 'book', 'الدليل العقليّ
3
$
', '', 403), (21, 404, 'book', '$
', '', 404), (21, 405, 'book', 'المرحلة الثانية: مرحلة الاستكشاف، وعمدة(1) ما يوجد في المقام لتزييف مرحلة الكشف: هي القول بأنّنا نواجه كثيراً خطأ العقل في استنتاجاته، وهذا ما يسقطه عن الاعتبار، لا بمعنى سلب الحجّيّة عنه الذي يرجع إلى بحث المرحلة الثالثة، بل بمعنى عدم إمكان الاعتماد على طريق يكثر فيه الخطأ.
وهذا الكلام هو من سنخ كلام الفلاسفة الشكّاكين، لا من سنخ كلام الفلاسفة المادّيّين المنكرين للأدلّة العقليّة.
وتوضيح ذلك: أنّ الفلاسفة المادّيّين يرجع لبّ كلامهم إلى دعوى حصر مصدر المعرفة بالتجربة، لا إلى التشكيك في استنباط العقل على الإطلاق، فهم يقولون: إنّ المصدر الوحيد الذي يكون من حقّ العقل استقاء المعارف منه هو التجربة، وحتّى أبده البديهيّات، كقولنا: الكلّ أعظم من الجزء، والواحد نصف الاثنين، إنّما يعرف عن طريق التجربة التي مضت في عصر حياة الإنسانيّة ككلّ، أو تجربة الفرد الموجود من الإنسان بنفسه.
أمّا الفلاسفة الشكّاكون فهم يشكّكون في أصل إدراك العقل، سواء فرضناه مستمدّاً من التجربة، أو لا.
وكلام الأخباريّين في المقام يشبه هذا المدّعى دون مدّعى المادّيّين، فهم ينكرون أن يكون من حقّ العقل ـ مثلاً ـ درك وجوب مقدّمة الواجب ولو عن طريق التجربة: بأن نفترض إيقاع التجارب على أكبر عدد ممكن من أفراد الإنسان، فنعرف أنّ انقداح حبّ الشيء في النفس وإرادته يستلزم انقداح حبّ مقدّمته فيها وإرادتها.
$
', '(1) قد يكون مراد بعض الأخباريّين مجرّد إلفات نظر الاُصولىّ إلى أنّه لا ينبغي حصول الجزم بالأحكام الشرعيّة عن طريق العقل؛ لبعد مناشئها ـ وهي الملاكات ـ عن متناول العقل؛ وذلك بأمل أن يزول من الاُصولىّ جزمه بالحكم حينما يلتفت إلى هذا الكلام.
فإذا كان هذا هو مقصود الأخبارىّ، ينبغي لفت نظره إلى الموارد التي قد يكون الحكم فيها قريباً من متناول العقل، كما في الملازمات العقليّة، مثل: وجوب المقدّمة، أو تحريم ما قبّحه العقل، وتحبيذ ما حسّنه العقل.
', 405), (21, 406, 'book', '
هذا. ولا يفترق الحال ـ في مدى صحّة أو عدم صحّة شبهة الأخباريّين ـ بين القول بأنّ الأخطاء التي تقع في علوم البشريّة ترجع إلى زلّة قوّة واحدة في عملها واستنتاجها، أو القول بأنّها ترجع إلى الخلط بين القوى، بمعنى: أنّ كلّ قوّة من القوى لا تخطأ في عملها، ولكن بما أنّ جميع تلك القوى تمركزت في مصبّ واحد: وهو النفس يقع الخطأ من ناحية ما يصدر عن النفس من عمليّة التركيب وجعل المحمول المستنتج من إحدى القوى لموضوع مستنتج من قوّة اُخرى، فهذا الكلام سواء صحّ تماماً، أو في الجملة، أو لم يصحّ أصلاً: بأن افترضنا أنّ كلّ خطأ ينشأ من قوّة واحدة لا من الخلط بين القوى، فهذا لايؤثّر فيما نحن بصدده من دعوى أنّ كثرة الخطاء في الأدلّة العقليّة تمنع عن الاعتماد عليها.
وعلى أىّ حال، فالكلام في تحقيق حال هذه الشبهة ومدى صحّتها وبطلانها يقع في مقامين:
الأوّل: في العقل النظرىّ.
والثاني: في العقل العملىّ.
$
', '', 406), (21, 407, 'book', 'العقل النظرىّ
أمّا المقام الأوّل: وهو الكلام في العقل النظرىّ، فلا إشكال في كثرة الأخطاء الواقعة في العلوم المستنتجة من العقل النظرىّ، والمدّعى للأخباريّين بحسب الفرض ثبوت القصور لذلك في عالم استكشاف الحكم الشرعىّ منه.
ويرد على ذلك:
أوّلاً: النقض بالأحكام العقليّة الواقعة في الرتبة السابقة على الكتاب والسنّة ممّا يثبت به أصل حجّيّة الكتاب والسنّة، كدليل نبوّة الرسول(صلى الله عليه وآله) التي لابدّ من رجوع إثباتها إلى العقل النظرىّ، أو ما تثبت به نفس الكتاب والسنّة؛ فإنّ ثبوت ذلك: إمّا يكون بالتواتر، أو بالآحاد مع ثبوت حجّيّة خبر الآحاد بالتواتر، أو ما في حكمه، وليس التواتر عدا اجتماع آحاد كثيرة على أمر واحد يحكم العقل النظرىّ بأنّه يستحيل ـ بحسب الواقع العملىّ ـ خطؤها مثلاً مع ما لها من خصوصيّات عدديّة وغيرها، وكذا ما بحكم التواتر، كالسيرة العقلائيّة لابدّ من رجوع الاستدلال به إلى العقل النظرىّ.
وثانياً: النقض باستنباط الأحكام من نفس الكتاب والسنّة؛ فإنّه كثيراً ما يحتاج إلى إعمال العقل النظرىّ في مقام إيقاع النسبة بين الأدلّة المتعارضة، خصوصاً إذا كانت أزيد من اثنين، ونحو ذلك ممّا وقع الخطأ فيه كثيراً. على أنّه لا حاجة إلى فرض كثرة الخطأ فيه، بل تكفي كثرة الخطأ في سنخه، فما دمنا رأينا أخطاءً كثيرة في الاستنباطات العقليّة ولو في غير هذا المورد، فالمفروض سلب الاعتماد ـ مثلاً ـ عن ذلك حتّى في هذا المورد.
وأمّا الجواب الحلّىّ عن الإشكال، فالمتعارف في ذلك هو القول بأنّ العقل البشرىّ بحدّ ذاته يتورّط في أخطاء كثيرة، لكن يوجد لدينا قانون يعصمه من الخطأ حينما يلتزم الإنسان به، وهو قانون المنطق.
وكأنّ المحدّث الأستر آباديّ(رحمه الله) كان يهدف الجواب عن هذا الكلام حينما قال: إنّ علم المنطق إنّما يعصم من الخطأ في صورة الدليل، لكن تبقى الموادّ غير مضمونة الصحّة.
$
', '', 407), (21, 408, 'book', 'وهذا الجواب مع إبقائه على هذا المستوى من البحث يدفعه: أنّ علم المنطق اشترط في موادّ الأقيسة أن تكون داخلة في القضايا الستّ البديهيّة، أو منتهية إليها بقياس سابق. ومع مراعاة هذا الشرط لا يتصوّر خطأ في النتيجة، إلا بالنشوء من خطأ في بعض صور الأقيسة المتسلسلة، وقد افترضنا أنّ المنطق يعصمنا من الخطأ في ذلك.
وتحقيق الحال في المقام: أنّ معنى اليقين يختلف بحسب المصطلح المنطقىّ عنه بحسب المصطلح الاُصولىّ، فمفهوم اليقين في علم المنطق اُخذ فيه عنصر ضمان المطابقة للواقع، وذكروا أنّ البرهان علّة لحصوله، أمّا مطلق الجزم فقد يحصل من غير البرهان أيضاً، كالمغالطة، والجدل، والسفسطة، في حين أنّ مفهوم اليقين في مصطلح الاُصولىّ عبارة عن مطلق الجزم الخالي من أىّ تردّد في النفس.
وبعد هذا نقول: هل المراد من الاستشكال في حصول اليقين من الدليل العقلىّ هو الاستشكال في حصول اليقين المنطقىّ، أو في حصول اليقين الاُصولىّ؟
فإن اُريد الأوّل، فهذا غير مرتبط بما هو غرض الاُصولىّ، وإنّما هو بحث آخر، وقع فيه الخلاف بين الفلاسفة الشكّاكين والفلاسفة اليقينيّين(1)، طبعاً لا بمعنى الخلاف في ضمان الحقّانيّة لدى نفس المتيقّن؛ إذ لا إشكال في أنّ المتيقّن لا يحتمل حين يقينه خطأه، بل بمعنى الخلاف في ثبوت قضايا مضمونة الحقّانيّة بصورة عامّة بالنسبة إلى طريقة التفكير. وعلى أيّة حال، فالكلام فيما نحن فيه ليس في خصوص اليقين المنطقىّ الذي يحصل بالبرهان، بل في الجزم بمعناه العامّ، فلو أحرقنا كتاب البرهان بتمامه، لم يضرّنا شيئاً في المقام.
إنكار اليقين بمعناه الاُصولىّ
وإن اُريد الثاني، وهو إنكار إمكان حصول اليقين بالمعنى الاُصولىّ من الأدلّة العقليّة، قلنا: إنّ اليقين بنفسه موجود من الموجودات يخضع لقوانين العلّيّة، ولا يوجد من دون علّة كباقي المعلولات في العالم، وعلّته تتركّب من: المعلومات الضروريّة الثابتة في
', '(1) فالشكّاكون يدّعون أنّ التفاتهم إلى عدم وجود ضمان لمطابقة الجزم مع الواقع سلبهم الجزم، أي: إنّ عدم كون اليقين منطقيّاً جعلهم غير قادرين على تحصيل اليقين الاُصولىّ، وهو الجزم، وأنّه ينبغي لكلّ من لا يحصل على ضمان الحقّانيّة أن يشكّ، وينسلب عنه الجزم.
', 408), (21, 409, 'book', '
النفس، ومقدار استعداد الشخص، وما له من الإحاطة بالمعلومات الثانويّة، ومقدار الذكاء، وغير ذلك من خصوصيّات روحيّة وجسميّة، واُمور خارجة عن الروح والجسم. وشرائط حصول العلم تختلف باختلاف الأشخاص في مستوى الذكاء وسائر الخصوصيّات، وحصول العلم واليقين عند تحقّق علّته أمر غير اختيارىّ. نعم، يدخل تحت قدرة الشخص في الجملة تغيير الشرائط بالنسبة إلى نفسه. ولا يجب أن يكون مجرّد كثرة الأخطاء في الأدلّة العقليّة مانعاً عن علّيّتها لحصول القطع، نظير أنّ المشي الذي نفترضه علّة لتقوية الأعصاب والعضلات ـ مثلاً ـ لا تمنعه عن علّيّته كثرة زلّة الماشي وسقوطه على الأرض، أو تيهه في الطريق وعدم وصوله إلى مقصده.
ولو التفت الأخبارىّ إلى كلّ ما ذكرناه، وقال: إنّ المدّعى لنا هو أنّ عدم الالتفات إلى كثرة وقوع الخطأ في الأدلّة العقليّة هو بحدّ ذاته جزء العلّة لحصول اليقين، ومع هذا الالتفات لايحصل اليقين.
قلنا له:
أوّلاً: إنّنا جرّبنا ذلك، ورأينا حصول الجزم لنا بالوجدان على رغم التفاتنا إلى ذلك، فيعلم أنّ عدم الالتفات ليس جزءاً للعلّة بشكل عامّ، وإلّا للزم وقوع الانفكاك بين العلّة والمعلول.
وثانياً: إنّ الالتفات إلى الأخطاء الكثيرة يحصل كثيراً في الفكر البشرىّ حتّى الأطفال، فلو فرض هذا مانعاً عن حصول الجزم واليقين، انتفى الجزم واليقين بلا حاجة إلى أن يتعب المحدّث الأسترآبادىّ(رحمه الله) وأضرابه أنفسهم الزكيّة في مقام البحث مع الخصم بما لا يفيد الجزم واليقين؛ لكونه بحثاً عقليّاً أيضاً، وكان الأولى أن يدَعوا الاُمور التكوينيّة تؤدّي دورها، وتؤثّر أثرها، ويرتفع اليقين من البين.
وثالثاً: إنّ نفس دعوى الأخبارىّ الجزم بنحو الموجبة الكلّيّة بعدم إمكان حصول جزم من هذا القبيل مع الالتفات إلى كثرة الأخطاء... آية بطلان هذه القضيّة الكلّيّة؛ فإنّ نفس هذا الجزم هو خلاف هذه القاعدة المدّعاة.
يبقى أن يدّعي الأخبارىّ الشكّ وعدم الجزم في نفسه، واحتمال كون هذا الالتفات مانعاً عن حصول الجزم عند الآخرين، ويقول: إنّي لا أقطع بحصول الجزم عند
', '', 409), (21, 410, 'book', 'الآخرين(1)، فلو ادّعى هذه الدعوى، ومشينا معه إلى آخر نقوضها، وادّعى في جميعها الشكّ... لم يسعنا تكذيبه؛ لما مضى: من أنّ أجزاء العلّة لحصول الجزم تختلف من شخص لآخر، ولعلّ أحد أجزاء علّة حصول الجزم بالنسبة إلى هذا الشخص هو عدم الالتفات إلى كثرة الأخطاء، والمفروض التفاته إليها، لكنّا نقطع بأنّ هذا ليس جزء العلّة بصورة كلّيّة؛ لما نراه بالوجدان من تحقّق المعلول في أنفسنا، وهو الجزم، على رغم انتفاء هذا الجزء.
وهذا نظير أنّ ما نراه ـ مثلاً ـ من إحراق النار للقرطاس تحت السماء دليل على أنّه ليس من شرائط إحراقها للقرطاس كونها تحت السقف، فلو ادّعى أحد كون ذلك شرطاً له، كان جوابه نقضاً وحلّاً شيئاً واحداً، وهو ما جرّبناه خارجاً، بفرق أنّ هذه التجربة في مثل هذا المثال تهدينا إلى قضيّة عامّة حاصلها عدم اشتراط كون النار تحت السقف في الإحراق مثلاً؛ إذ لا نحتمل الفرق بين نار ونار، أو قرطاس وقرطاس، أو كون الملقي في النار زيداً أو عمراً... في حين أنّنا فيما نحن فيه لا تهدينا تجربتنا إلى قضيّة عامّة؛ لما قلناه: من أنّ أجزاء علّة حصول الجزم تختلف من شخص لآخر، فقد يكون عدم الالتفات إلى كثرة الأخطاء شرطاً لحصول الجزم في مزاج إنسان معيّن؛ لما له من خصوصيّات روحيّة وفكريّة وغيرها، ولا يكون الأمر بالنسبة إلى شخص آخر كذلك، فهو بما له من خصوصيّات فكريّة وروحيّة ومزاجيّة وغيرها يكون مضطرّاً إلى حصول الجزم له من الأدلّة العقليّة، وقد يكون أحد أجزاء العلّة لحصول الجزم له بكثير من الاُمور اعتقاده بكون ما له من مستوى الذكاء والخبرات والاطّلاع على سائر الآراء واصلاً إلى درجة لو فرض وجودها في أىّ شخص، واقترانها بالخصوصيّات التي اقترنت بها في هذا الشخص، لم تكثر أخطاؤه، بل كانت أخطاؤه في غاية القلّة بنحو لا موجب للتشويش من قبلها.
وخلاصة الكلام: أنّنا لا نمنع أن يدّعي أحد لنفسه الشكّ وعدم الجزم، لكن ليس له أن يقول لنا ـ بعنوان الإشكال والاعتراض ـ: لماذا يحصل لكم الجزم بالأدلّة العقليّة على رغم كثرة الأخطاء فيها؟! سنخ ما يقال لمن يذهب إلى صحراء كثيرة المخاطر: لماذا
', '(1) أو أن يقول: إنّ هذا الالتفات أصبح في نفسي مانعاً عن حصول الجزم، وألفت نظركم أيّها الاُصوليّون إلى أنّ هذا يناسب المانعيّة عن حصول الجزم، برجاء أن يكون نفس هذا الالتفات سبباً لانسلاب الجزم عنكم؛ كي اُنقذكم بهذا الطريق من اعتناق قطوع يكثر فيها الأخطاء.
', 410), (21, 411, 'book', '
تذهب إلى الصحراء على رغم كثرة المخاطر فيها؟! فإنّ حصول الجزم لنا ليس أمراً اختياريّاً. نعم، له أن يقول هذا الكلام بعنوان السؤال عن وجه حصول الجزم، فيقال له في الجواب: إنّ الوجه في ذلك هو: إنّنا خلقنا هكذا، وتكوّنت فينا خصوصيّات لا يكون معها الالتفات إلى كثرة الأخطاء مانعاً تكويناً عن حصول الجزم. نعم، لو كنّا نحتمل الملازمة بين نفس مدلولات الأدلّة، لكان انكشاف خطأ بعضها موجباً لعدم علمنا بصحّة باقي الأدلّة، لكنّنا لا نحتمل ذلك، وإنّما نعتقد بالتلازم العلّىّ بين نفس الدليل المقترن بشرائط خاصّة وحصول العلم بمدلوله.
وقد ظهر بما ذكرناه ما في كلام الاُصوليّين حيث سلكوا غير هذا المسلك في ردّ شبهة الأخباريّين.
هذا تمام الكلام في فرض كون مراد الأخباريّين إنكار اليقين بمعناه الاُصولىّ.
إنكار اليقين بمعناه المنطقىّ
أمّا إنكاره بمعناه المنطقىّ، فقد مضى أنّه خروج عمّا نحن فيه، ومع ذلك لا بأس ببحثه هنا على سبيل الإجمال.
فنقول: قد تعارف بهذا الصدد لدى أتباع منطق أرسطو القول بأنّ صفحة واحدة من صفحات المعارف البشريّة مضمونة الحقّانيّة، وهي صفحة (البرهان) من بين صفحات (الصناعات الخمس) وفي صدر الصفحة توجد (البديهيّات الستّ) وهي: الأوّليّات، والفطريّات، والحسّيّات، والتجريبيّات، والحدسيّات، والمتواترات. فهذه القضايا مضمونة الحقّانيّة ضماناً ذاتيّاً. وبعد ذلك يأتي في هذه الصفحة دور الأحكام المكتسبة التي تكتسب من تلك البديهيّات، وهي ليست مضمونة الحقّانيّة بالذات، ولكنّها تصبح مضمونة الحقّانيّة ببركة قوانين البرهان؛ فإنّ الخطأ في النتيجة إن كان ناشئاً من الخطأ في الصورة، فقوانين البرهان ـ لو روعيت ـ تمنع عن خطأ من هذا القبيل، وإن كان ناشئاً من الخطأ في المادّة، فهذا لابدّ من رجوعه إلى الخطأ في قياس سابق عليه، فننقل الكلام إلى ذاك القياس، ونضمن عدم خطئه في الصورة بمراعاة قوانين البرهان، وهكذا إلى أن نصل
', '', 411), (21, 412, 'book', 'إلى الموادّ الأوّليّة الثابتة في صدر الصفحة، وهي البديهيّات التي كانت مضمونة الصحّة بالذات.
وتوجيه إشكال الأخباريّين على ذلك يمكن أن يكون بأحد وجهين:
1 ـ أن يقال: إنّ نفس القانون المنطقىّ حكم عقلىّ يحتاج إلى عاصم له من الخطأ؛ إذ ليس هو من الأحكام الأوّليّة التي أدركها الإنسان منذ خلق، وإنّما اخترعه أرسطو بعد مضيّ آلاف الدهور من عمر الإنسان.
2 ـ أن يقال: إنّ نفس القانون المنطقىّ حقّ، ومراعاته في التطبيق تعصم من الخطأ، ولكنّنا بحاجة إلى عاصم آخر يعصمنا من الخطأ في نفس التطبيق، ولا تعقل عاصميّة نفس القانون لتطبيقه من الخطأ؛ إذ لا يعقل وجوده في رتبة تطبيقه.
ولابدّ لنا من تعمّق أكثر؛ كي نعرف حقيقة الحال. ولتوضيح ما هو التحقيق نتكلّم في جهتين:
إحداهما: في تحقيق الحال بالنسبة إلى القضايا البديهيّة.
والثانية: في تحقيق الحال بالنسبة إلى القضايا المكتسبة.
القضايا البديهيّة
أمّا الجهة الاُولى: فقد مضى أنّ اليقينيّات في نظر منطق أرسطو عبارة عن القضايا الستّ، إلّا أنّ لنا كلاماً في ضمان حقّانيّة بعض تلك القضايا:
فنحن نؤمن بضمان حقّانيّة (الأوّليّات) التي لا يحتاج الجزم بها إلى أكثر من تصوّر الطرفين، كقولنا: الكلّ أعظم من الجزء. و(الفطريّات) أي: القضايا التي قياساتها معها، والتي يصدق عليها ـ ولو بنوع من المسامحة ـ أنّها ـ أيضاً ـ لا يحتاج الجزم بها إلى أكثر من تصوّر الطرفين، كقولنا: الأربعة زوج.
أمّا الحسّيّات فعلى قسمين:
أحدهما: الإحساس بالاُمور المجرّدة النفسيّة، كالعلم، واللذّة، وهذه لا تقلّ عن الأوّليّات، فهي ـ أيضاً ـ مضمونة الصحّة.
وثانيهما: الإحساس بالاُمور الخارجيّة، وهذا تارة نتكلّم عنه بلحاظ اُفق الحسّ،
', '', 412), (21, 413, 'book', 'فالمرئي ـ مثلاً ـ له وجود في اُفق الرؤية، وهو عبارة عن نفس الإحساس الرؤيتي، وهذا راجع إلى القسم الأوّل من الإحساس، فحاله حاله.
واُخرى نتكلّم عنه بلحاظ اُفق الخارج، كإثبات وجود المرئي خارجاً، وهنا نفصّل بين إثبات أصل الواقع الموضوعىّ المستقلّ عنّا، وإثبات التفاصيل التي نحسّ بها: من طول، أو عرض، أو شكل، وهيئة، وما إلى ذلك.
أمّا الأوّل: فهو ـ أيضاً ـ كالأوّليّات في كونه مدركاً بالبداهة، وإن كان يفترق عنها في احتياج إدراكه إلى مقدّمات إعداديّة لا يحتاج درك الأوّليّات إليها(1).
وأمّا الثاني: فليس مضمون الحقّانيّة بالذات، ويقع فيه الخطأ كثيراً، كما أنّه ليس مضمون الحقّانيّة بواسطة البرهان أيضاً، وإنّما يدرك بإدراك أغفله المنطقيّون من الحساب، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في الجهة الثانية.
وأمّا التجريبيّات، فكالحسّيّات في عدم ضمان الحقّانيّة لها بصورة عامّة، بل قد تخطأ وقد تصيب؛ إذ لو جرّبنا ـ مثلاً ـ النار مرّات عديدة، فرأيناها محرقة، فهذا بالنسبة إلى الإنسان المتعارف سبب لحصول اليقين بالمعنى الاُصولىّ، ولكن كونه مضمون الصحّة موقوف على استقراء تمام الخصوصيّات التي يكون عالم التجربة أضيق منها(2)؛ ولذا يتّفق كثيراً انكشاف خطأ الجزم الناشئ من التجربة بالوصول إلى مادّة النقض.
وما ذكرناه في التجربة يأتي في الحدس أيضاً، وهو المسمّى في المصطلح الحديث بالملاحظة المنظّمة، كما في قولنا: نور القمر مستفاد من الشمس؛ فإنّها كالتجربة بفرق أنّ المجرّب يتدخّل في مورد التجربة بإدخال تغييرات وتعديلات عليه بخلاف الملاحظ.
وأمّا المتواترات فأيضاً ليست من اليقينيّات؛ فإنّ التواتر قائم على أساس الحسّ، وقد
', '(1) بل الصحيح: أنّ هذا إمّا مدرك بالاكتساب على أساس قانون العلّيّة، بأن يقال: التحوّلات التي نجدها في محسوساتنا في اُفق الإحساس تكشف بقانون العلّيّة عن واقع موضوعىّ متحوّل، أو أنّه ليس مدركاً حتّى بهذا القانون بناءً على احتمال نشوء هذه التحوّلات من حركة النفس الجوهريّة، فسيكون إذن حال إثبات الواقع الموضوعىّ هو حال إثبات التفاصيل مدركاً بحساب الاحتمالات.
وقد عدل اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) عن دعوى بداهة أصل الواقع الموضوعىّ في كتابه (الاُسس المنطقيّة للاستقراء).
(2) أو على استحالة أكثريّة الصدفة، وقد فنّد ذلك في كتاب الاُسس المنطقيّة للاستقراء، فراجع.
', 413), (21, 414, 'book', '
عرفت حال الحسّ. مضافاً إلى أنّنا نطالب القائل بيقينيّة المتواترات بتفسير المتواترات، وبيان العنصر الذي أوجب ضمان الحقانيّة.
فإن فسّره بتكاثر الأخبار إلى حدّ يفيد الجزم الاُصولىّ، قلنا: إنّ إفادته للجزم الاُصولىّ لا تستلزم ضمان الحقّانيّة، وإلّا لكانت تمام أخبار الوسائل مضمونة الحقّانيّة؛ لأنّها أفادت الجزم للأخباريّين المدّعين تواترها.
وإن فسّرها بتكاثرها إلى حدّ يستحيل خطؤها، أصبح قولنا: (إنّ الخبر المتواتر مضمون الحقّانيّة) قضيّة بشرط المحمول، أي: إنّ تكاثر الأخبار إلى حدّ ضمان الحقّانيّة يوجب ضمان الحقّانيّة، وهذا كما ترى لا يرجع إلى محصّل(1).
القضايا المكتسبة
وأمّا الجهة الثانية: فقد أفاد علماء المنطق: أنّ ما لا يكون بديهيّاً ومضمون الصحّة ذاتاً يجب أن يكتسب من البديهيّات بالحجّة، وهي على ثلاثة أقسام: القياس، والاستقراء، والتمثيل. والأخيران غير مرضيّين عندهم ما لم يرجعا إلى الأوّل، وهو القياس، وهو على أربعة أشكال، ثلاثة منها ترجع إلى الشكل الأوّل(2). فتمام الحجج والبراهين يجب أن ترجع إلى الشكل الأوّل، وهو ذوحدود ثلاثة: (الأصغر) وهو موضوع النتيجة والصغرى. و(الأوسط) وهو الحدّ المشترك بين المقدّمتين غير الموجود في النتيجة. و(الأكبر) وهو محمول النتيجة والكبرى. ويكون الأوسط همزة وصل بين الأصغر والأكبر، وموجباً لائتلافهما وحمل الأكبر على الأصغر. وكيفيّة الاستنتاج من الشكل الأوّل عبارة عن تطبيق الأكبر على الأوسط، وهو بديهىّ ومضمون الحقّانيّة. وتطبيق الأوسط على الأصغر، وهو بديهىّ ومضمون الحقّانيّة، فينطبق الأكبر على الأصغر
', '(1) قد يكون مقصودهم بالتواتر: درجة من الكثرة توجب الجزم الاُصولىّ عند عامّة الناس المتعارفين، فيدّعى أنّ هذا يستلزم استحالة الخطأ، وإن جاء في تعبيراتهم أنّ التواتر: هو درجة من الكثرة يستحيل معها التواطؤ على الكذب، فلا يبعد أن يكون هذا عنواناً مشيراً إلى كثرة كاثرة لا شرطاً للمحمول، فالأولى في إثبات عدم ضمان حقّانيّة المتواترات هو الرجوع إلى البراهين الواردة في كتاب الاُسس المنطقيّة؛ لإبطال قانون استحالة كون الصدفة أكثريّة.
(2) كما أنّ الاستثنائىّ يمكن إرجاعه إلى الاقترانىّ.
', 414), (21, 415, 'book', '
بحكم آخر للعقل بديهىّ ومضمون الحقّانيّة أيضاً، وهو: أنّ المنطبق على شيء منطبق على شيء ثالث يكون منطبقاً على ذاك الشيء الثالث.
وبهذا تحصّلت لدينا خريطة المعلومات المضمونة الصحّة، ففي أوّل الخريطة البديهيّات، وتجعل تحتها ما يكون أخصّ منها بدرجة، وهي أكثر عدداً ممّا في السطر الأوّل لا محالة. ثُمّ ما يكون أخصّ من الدرجة الثانية، وهي أكثر عدداً منها، وهكذا إلى أن نصل إلى الجزئيّات الصرفة، ويتشكّل من كلّ ثلاثة اُمور مترتّبة في هذه الخريطة قياس من الشكل الأوّل. ويجب أن يكون درك انطباق كلّ واحد من هذه الاُمور على ما يتلوه بلا فصل بديهيّاً لا اكتسابيّاً، وإلّا للزم وجود الفصل بينهما؛ لأنّ الاكتساب يكون بالقياس، وهو بحاجة إلى الأوسط، وإذا كان انطباق كلّ واحد من هذه الاُمور على تاليه بديهيّاً، كان تمام ما يثبت في هذه الخريطة مضمون الحقّانيّة.
وبهذا البيان ظهرت صحّة القول بأنّ منطق أرسطو لا يزيد شيئاً على المعارف البشريّة، ولا يثمر معرفة جديدة، على أن يكون المراد بهذا الكلام: أنّه كلّما عرف تفصيلاً بالاستنتاج من القياس، كان كامناً في الكبرى، فمنطق أرسطو إنّما يفيد في إلفات النظر تفصيلاً إلى جزئيّات الاُمور المعلومة إجمالاً.
وقد اتّضح بما مرّ: أنّ مراعاة قانون المنطق عاصمة في حدوده من الخطأ. وبالرغم من ذلك نرى الأخطاء الكثيرة في الفكر البشرىّ التي يضجّ منها العالم، فلابدّ من التفتيش عن نكتة ذلك، فنقول: لا يعقل سبب لهذه الأخطاء إلّا أحد اُمور ثلاثة:
الأوّل: ما مضى من دعوى أنّ نفس قانون المنطق من نتاج الفكر البشرىّ بعد ردح من الزمن، وليس بديهيّاً ومعصوماً بذاته كي يكون عاصماً.
ويرد عليه: ما عرفته: من بداهة إنتاج الشكل الأوّل بحكم العقل البديهىّ المدرك لقاعدة: أنّ (المنطبق على شيء منطبق على ثالث منطبق على ذاك الثالث) وعدم التفات البشر بالتفصيل ردحاً من الزمن إلى الشكل الأوّل ـ مثلاً ـ لا يعني عدم بداهته؛ لثبوت الالتفات الإجمالىّ لكلّ أحد إليه، على أنّ عدم التصديق الناشئ من عدم الالتفات لا ينافي البداهة؛ فإنّ التصديق بالبديهيّات ـ أيضاً ـ متوقّف على التصوّر بلا إشكال.
وخلاصة الكلام: أنّ قوانين المنطق منها ما هو بديهىّ ومضمون الصحّة بنفسه، فلا يحتمل فيه الخطأ، ومنها ما هو نظرىّ مكتسب من الأوّل، فهو مضمون الصحّة ببركة
', '', 415), (21, 416, 'book', 'الأوّل، إلّا من ناحية احتمال نشوء الخطأ في التطبيق، وهذا رجوع إلى الأمر الثاني.
الثاني: ما مضى ـ أيضاً ـ من دعوى أنّ قانون المنطق صحيح، ولكنّه لا يعقل كونه عاصماً من الخطأ في تطبيقه، فيقع الاشتباه في ذلك. وهذا صحيح لا إشكال فيه، إلّا أنّه لا يفيد الأخباريّين بنحو الإطلاق.
توضيح ذلك: أنّ الخطأ في تطبيق قانون المنطق يرجع في الحقيقة إلى أحد أمرين:
1 ـ الغفلة والذهول عن نفس شرائط الإنتاج: من كلّيّة الكبرى، وإيجاب الصغرى، وفعليّتها، أو عن مراعاتها على رغم بداهتها؛ إذ قد يغفل الإنسان أحياناً عن أمر بديهىّ، وهذا نادر جداً لمن له أدنى ممارسة في الاستدلالات، فلا يؤثّر بشكل ملحوظ في الموادّ البعيدة عن البديهيّات فضلاً عن القريبة منها.
2 ـ عدم الالتفات إلى الحدود الثلاثة، والغفلة عن مقدار شمولها، وغير ذلك من خصوصيّاتها؛ فإنّ معنى بداهة القضيّة ليس هو وضوح حدودها، وعدم الخطأ في ذلك حتّى مع عدم الالتفات، وإنّما معناها هو الوضوح، وعدم الخطأ في حدود البداهة عند الالتفات.
وهذا القسم من الخطأ كثير في الموادّ البعيدة عن البديهيّات كعلم الاُصول، وكلّما اقتربت المادّة إليها، قلّ فيها هذا الخطأ، والسرّ في ذلك: أنّ الخطأ في المادّة السابقة يؤثّر في اللاحقة دون العكس؛ ولأجل ما ذكرناه لا ترى الاشتباه في المنطق والحساب والهندسة وسائر الرياضيّات، إلّا في غاية الندرة؛ فذلك ناشئ من قربها من البديهيّات، إضافة إلى خلوّها عمّا سيأتي من السبب الثالث من أسباب الاشتباه.
وقد اتّضح بهذا: أنّ دعوى سقوط العقليّات عن درجة الاعتبار لكثرة الخطأ فيها، لم تتمّ بإطلاقها، بل ينبغي التفصيل بين الموادّ القريبة من البديهيّات والبعيدة عنها(1).
وهذا التفصيل صدر عن المحقّق الأسترآبادىّ(رحمه الله) ولكن كلام كثير من الأخباريّين مطلق في ذلك.
هذا. وما عرفته من الإشكال وارد عليهم حتّى بناءً على كون مرادهم من اليقين اليقين الاُصولىّ كما هو واضح.
$
', '(1) إلّا أن يكون المطلوب الحصول على العصمة الكاملة، وحينئذ فلاتشترط في نفي الحقّانيّة كثرة الأخطاء، بل الخطأ النادر ـ أيضاً ـ يكشف عن عدم الحقّانيّة.
', 416), (21, 417, 'book', '
ثُمّ الخطأ في التطبيق يقلّ بطول الممارسة، وتمرين الفكر، وتقوية الذكاء، وفي أىّ فنّ مارس العقل، وطال مرانه فيه، قلّت أخطاؤه مطلقاً وبصورة خاصّة في ذلك الفنّ.
الثالث: أنّ هنا منشأً آخر للخطأ في المعارف البشريّة لم يلتفت إليه أرسطو في فنّه، ولا الاُصوليّون، ولا من عارضهم من الأخباريّين، وهو: أنّ ما مضى ذكره من الخريطة في مقام التنازل من العالي إلى السافل كان من شرط عدم وقوع الخطأ فيها كون تطبيق أىّ شيء وجد في تلك الخريطة على ما بعده بلا فصل بديهيّاً، وهذا شرط أساس لاحظوه في فنّ المنطق، ولكن الإنسان قد يطبّق ـ مع الالتفات ومن دون غفلة ـ شيئاً على شيء بلا فصل من دون أن يكون هذا التطبيق بديهيّاً، وإلّا لما وقع في الخطأ.
فهذا التطبيق لا هو تطبيق مع فاصل، كي يكشف عن نقص في الخريطة، ويكون تتميمها بتحصيل الفاصل، ولا هو تطبيق بديهىّ ومعصوم من الخطأ، كي تصبح الخريطة بتمامها معصومة، بل هو تطبيق ينشأ من حساب الاحتمالات وتجميع القرائن إلى حدّ يفني الشكّ وينهيه تلقائيّاً، وليس المقصود بذلك فناء الشكّ رياضيّاً؛ فإنّ الاحتمال لا يفنى رياضيّاً بتجميع القرائن على خلافه، بل مهما كثرت القرائن، كان مقتضى الحساب الرياضىّ بقاء كسر ضئيل دون أن يزول، ولكن الإنسان خلق بنحو يضمر ويزول الاحتمال الضئيل في نفسه، وينتفي عند تظافر القرائن ضدّه في ضمن شروط لا مجال لبحثها هنا.
فمثلاً: حين نشير إلى محسوسنا في اُفق الحسّ، ونطبّق عليه عنوان المطابقة للواقع الخارجىّ، فهذا التطبيق ليس بالبداهة، ولا بوسيط محذوف، بل بحساب الاحتمالات، وإلى هذا يرجع كلّ (المحسوسات) الخارجيّة و(التجربيّات) و(الحدسيّات) و(المتواترات)(1).
وما أفاده الشيخ الرئيس في الشفاء: من أنّ إفادة التجربة للعلم تكون بضمّ قاعدة عقليّة، وهي: (أنّ الصدفة لا تكون دائميّة أو غالبيّة) غير صحيح؛ فإنّ هذه القاعدة بنفسها
', '(1) هذه القطعة من البحث لم أكتبها بالشكل الذي أفاده(رحمه الله) في الدرس في الدورة التي حضرتها، حيث ذكر(رحمه الله) هنا تفاصيل وبيانات عدل عنها بعد ذلك، فحذفتها وبدّلتها بهذا المقطع. وتفصيل مختاراته الأخيرة(رحمه الله)موجود في كتاب (الاُسس المنطقيّة)، كما غيّرت بعض العبائر في الأبحاث الآتية المرتبطة بهذا المقطع بالشكل الذي يلائم مختاره الأخير.
', 417), (21, 418, 'book', '
لامنشأ لها سوى التجربة، فلا تفيد ضمّ هذه المقدّمة إلى التجربة شيئاً (1).
والخلاصة أنّ العلوم التي تحصل للإنسان عن هذا الطريق ليست عدا يقين اُصوليّ. نعم، يمكن تقليل الخطأ في ذلك بطول الممارسة، وتمرين العقل، وتقوية الذكاء، وملاحظة مقاييس حساب الاحتمالات.
وكلّما كانت القضيّة أقرب إلى الموادّ البديهيّة، قلّ وقوع الخطأ فيها، كما أنّ القضايا التي لم يعمل فيها حساب الاحتمالات تبقى سليمة عن هذه الأخطاء، كما هو الحال في (المنطق) و(الحساب) و(الهندسة) وسائر الرياضيّات، هذا.
وحساب الاحتمالات ليس حاله حال منطق أرسطو في عدم إفادته لتكثير المعارف البشريّة؛ فإنّ هذا طريق للتخطّي إلى الخارجيّات(2).
وكذلك الحال بالنسبة إلى العقل المدرك للبديهيّات إلى حدّ ما؛ إذ لا أقلّ من كون إدراك الواقع الموضوعىّ المستقلّ مستفاداً منه(3).
$
', '(1) والدليل على عدم بداهة هذه القاعدة وضمان حقّانيّتها اُمور مذكورة في (الاُسس المنطقيّة) نكتفي هنا بالإشارة إلى وجهين منها:
الأوّل: إلفات الوجدان إلى أمرين:
أحدهما: أنّ إدراك العقل للأوّليّات يستبطن عنصر كون نسبة المحمول إلى الموضوع في المدرك نسبة الضرورة، ولا نمتلك قضيّة أوّليّة ولا فطريّة تكون نسبة المحمول إلى الموضوع فيها مجرّد نسبة الفعليّة والإطلاق العامّ (ومن هنا لا نؤمن بأوّليّة وجود العالم الموضوعىّ).
وثانيهما: أنّنا لا ندرك في قضيّة (الصدفة لا تكون أكثريّة) عنصر الضرورة بين المحمول والموضوع، مع أنّها لو كانت بديهيّة، لكانت من الأوّليّات ـ مثلاً ـ لا من المحسوسات.
الثاني: أنّنا لو افترضنا أقلّ درجات الكثرة المقطوع بعدمها في قولنا: (الصدفة لا تكون أكثريّة) عبارة عن عشرة مثلاً، وجرّبنا طعاماً أعطيناه لعشرة فتسمّموا، ثمّ اكتشفنا الصدفة في تسعة منهم مثلاً، فلا إشكال في أنّ الجزم الحاصل من التجربة يسلب منّا، في حين لو كانت هذه القضيّة عقليّة بديهيّة يمتنع خطؤها، لم يكن من المترقّب زوال ذاك الجزم.
(2) يلتقي الإنسان بأنحاء ثلاثة من المعلومات:
1 ـ ما يكون حاضراً لدى النفس باعتباره من المجرّدات الموجودة في اُفق النفس، كالألم واللذّة، وهذا يعرفه الإنسان مباشرة بلا حاجة إلى حساب الاحتمالات.
2 ـ ما في لوح الواقع (غير الخارجيّات)، وقد يدرك العقل بعض الاستحالات والضرورات في ذلك بلا حاجة إلى حساب الاحتمالات، كاستحالة اجتماع النقيضين، وكون اثنين زائداً اثنين يساوي أربعة.
3 ـ عالم الخارج، ولا سبيل له إلّا حساب الاحتمالات.
(3) قد مضى منّا عدم صحّة ذلك، وذكرنا عدوله(رحمه الله) عن ذلك في كتاب (الاُسس المنطقيّة للاستقراء). ويبدو أنّه في بحثه في دورته الأخيرة الذي لم أحضره جرى على وفق ما في كتاب الاُسس المنطقيّة.
', 418), (21, 419, 'book', '
العقل العملىّ
وأمّا المقام الثاني: وهو فيما يسمّى عند المنطقيّين بالعقل العملىّ(1)، وعند المتكلّمين بالحسن والقبح، وعند الفلاسفة بالخير والشر، وعند علماء الأخلاق بالفضيلة والرذيلة، فقد وقع الخلاف في ذلك بين الاُصوليّين والمحدّثين، فأثبت الاُصوليّون الحسن والقبح المدركين بالعقل، وأنكرهما الآخرون.
قد مضى أنّ العقل العملىّ يحتاج في مقام استنباط الحكم الشرعىّ منه إلى ضمّ حكم العقل النظرىّ إليه: من قاعدة الملازمة، أو استحالة صدور القبيح عن الحكيم. إذن يقع الكلام هنا في جهتين:
الاُولى: في تحقيق الحال في أصل العقل العملىّ.
والثانية: في تحقيق الحال في العقل النظرىّ المنضمّ إليه، أعني: قاعدة الملازمة، وأمّا استحالة صدور القبيح عن الحكيم، فليس هنا محلّ بحثها.
$
', '(1) ليس المقصود من تقسيم العقل إلى النظرىّ والعملىّ، وكذلك إلى ما قد يقال: من العقل المدرك للبديهيّات، والعقل المدرك للنظريّات بنحو التوالد الموضوعىّ، والعقل المدرك بحساب الاحتمالات بنحو التوالد الذاتىّ: دعوى التعدّد بلحاظ القوى، بل المقصود اختلاف المعقولات سنخاً بهذا النحو، أمّا كون المدرك لها جميعاً قوّة واحدة أو لا، فهذا بحث آخر.
', 419), (21, 420, 'book', '
الحسن والقبح العقليّان
أمّا الجهة الاُولى: فالقدر المتيقّن من كلمات المحدّثين هو: إنكار الحسن والقبح العقليّين، بمعنى: إنكار الاعتماد في ذلك على دركنا لها بعقولنا القاصرة، دون إنكار أصل الحسن والقبح.
لكن الاُصوليّين ـ إلّا من شذّ ـ ذهبوا إلى التصديق بأصل الحسن والقبح العقليّين، وإلى صحّة الاعتماد على العقل في إدراكنا لهما.
وهناك قول ثالث ذهبت إليه الأشاعرة، وهو: إنكار أصل الحسن والقبح الواقعيّين، وقالوا: إنّ الحسن ما حسّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه الشارع، ومقصودنا من نسبة ذلك إلى الأشاعرة نسبته إليهم بنحو الموجبة الجزئيّة (وكذلك في سائر الموارد عند ما ننسب شيئاً إلى طائفة؛ كي لا ينافي ذلك أفتراض مخالفة جملة منهم لذاك الرأي).
وقد ينسب إلى فلاسفة المسلمين القول بما يكون وسطاً بين قول الأشاعرة وقول الأخباريّين، وهو القول بأنّ الحسن ما حسّنة القانون، والقبيح ما قبّحه القانون، وذلك يختلف باختلاف المجتمعات والموالي والعبيد.
وقد تسرّب النزاع في الحسن والقبح العقليّين إلى غير المسلمين، فذهب رجال الدين المسيحيّون إلى أنّ الحسن والقبيح ما حسّنه الشارع أو قبّحه، وذهب فلاسفتهم إلى ثبوت الحسن والقبح في الواقع، والاعتماد على إدراك العقل لهما.
مع المنكرين على مستوى النقض
هذا، وقد اُورد نقضان على من ينكر الحسن والقبح إنكاراً (أشعريّاً) أو (أخباريّاً)، ولو تمّ النقضان، فهما واردان على فلاسفة المسلمين أيضاً؛ إذ إنّ كلامهم ـ كما سيأتي(1) ـ لا يرجع بعد التحليل إلى محصّل سوى ما مضى من كون الحسن والقبيح هو ما حسّنه أو
', '(1) سيأتي منه(قدس سره) إبراز احتمالين فيما هو مقصود الفلاسفة.
', 420), (21, 421, 'book', '
قبّحه القانون، ولا فرق بين هذا وقول الأشاعرة سوى أنّ الأشاعرة ـ بما هم متديّنون ـ أضافوا الحسن والقبح إلى قانون الشرع، والفلاسفة أضافوهما إلى مطلق القانون:
النقض الأوّل: حكم العقل العملىّ الواقع في طول الكتاب والسنّة، كوجوب المعرفة، ووجوب الطاعة، وحرمة المعصية؛ إذ مع إنكار العقل العملىّ لا يبقى ملزم لتحصيل المعرفة، ولا للطاعة وترك المعصية، وفرض إيجاب الشارع لهذه الاُمور غير مفيد: أمّا بالنسبة إلى وجوب المعرفة، فواضح؛ إذ المفروض أنّه لم يثبت بعد وجود الشارع كي يتمسّك بحكمه، وأمّا بالنسبة إلى وجوب الطاعة وحرمة المعصية، فلانّه لو لم يكن ذلك مدركاً بالعقل، واُريد تثبيته بحكم الشرع، نقلنا الكلام إلى إطاعة هذا الحكم، وهكذا إلى أن يتسلسل، أو يدور.
والنقض الثاني: حكم العقل العملىّ الواقع في الرتبة السابقة على الكتاب والسنّة، وهو حكمه بقبح إجراء المعجز على يد من يدّعي النبوّة كذباً؛ لكونه إضلالاً، فإنّه بناءً على إنكار ذلك لا يبقى مدرك لإثبات النبوّة.
والتحقيق: عدم ورود شيء من النقضين:
أمّا النقض الأوّل: فلأنّ بإمكان الأخبارىّ والأشعرىّ أن يدّعيا: أنّ المحرّك لنا لتحصيل المعرفة وللطاعة هو احتمال العقاب الذي هو المحرّك الوحيد حتّى بالنسبة إلى المعترفين بالحسن والقبح العقليّين، إلّا من شذّ وندر ممّن يعبد الله عبادة الأحرار، فاحتمال العقاب بذاته محرّك للإنسان بلا حاجة في تحريكه إلى توسيط حكم العقل بالقبح.
أمّا كيف ينشأ احتمال العقاب؟ فبإمكان الأخبارىّ أن يقول: إنّنا لا نعتمد على إدراك عقولنا القاصرة في درك الحسن والقبح، لكنّنا لاننكر أصل الحسن والقبح، ونحن نحتمل حسن الطاعة وقبح المعصية، ولا نحتمل العكس، وهذا الاحتمال يصبح منشأً ـ بحسب العقل النظرىّ ـ لاحتمال فعليّة العقاب في ترك الطاعة، وكذا الحال في ترك تحصيل المعرفة.
وبإمكان الأشعرىّ أن يقول: إنّنا أنكرنا أصل الحسن والقبح، فلا يأتي احتمال حسن الطاعة وقبح المعصية، ولكن ما دام لا يوجد حسن وقبح فالله تعالى حرّ في أفعاله، وقد أنذرنا بالعقاب على ترك الطاعة وفعل المعصية، والإنسان السوىّ في عقله وتفكيره
', '', 421), (21, 422, 'book', 'يحتمل لامحالة صدق هذا الإنذار احتمالاً راجحاً على احتمال كون العقاب على فعل الطاعة وترك المعصية (إن احتمل ذلك أيضاً)، وهذا بنفسه محرّك نحو الطاعة وترك المعصية، وكذا الحال بالنسبة إلى وجوب المعرفة.
وهناك جواب آخر يمكن للأخبارىّ والأشعرىّ أن يتمسّكا به ـ على وفق مبانيهما ـ بالنسبة إلى مسألة الطاعة فحسب دون مسألة المعرفة، وهو دعوى القطع بثبوت العقاب على المخالفة:
أمّا الأخبارىّ فلما ذهب إليه: من أنّ الدليل النقلىّ يورث القطع، وقد ورد كثيراً الإخبار بالعقاب على المخالفة، فنقطع بثبوت العقاب، بل بهذا الطريق يحصل لنا القطع بنفس الحسن والقبح؛ لدلالة الأخبار ـ أيضاً ـ على حسن الطاعة وقبح المعصية، فإذا ثبت الحسن والقبح، ثبت العقاب في المخالفة.
والإيراد على ذلك: بأنّه (لو سقط العقل عن الاعتبار، سقط النقل أيضاً؛ لتوقّفه عليه) إيراد على المبنى، ونقض وارد عليهم في باب العقل النظرىّ، وقد مضى ذكره. وهنا إنّما نتكلّم بلحاظ العقل العملىّ، فنرى أنّ هذا النقض غير وارد عليهم بناءً على مبانيهم.
وأمّا الأشعرىّ فصحيح أنّه أنكر الحسن والقبح بمعنى الجهة المترتّب عليها المدح والذمّ، لكنّه لم ينكر الكمال والنقص ودرك العقل لهما حتّى في الاُمور الخارجة عن الاختيار؛ ولذا استدلّوا على امتناع الجهل على الله بأنّ الجهل نقص، وأنّ النقص محال على الذات الواجبة الوجود، فاستنتجوا من هاتين المقدّمتين امتناع الجهل على الله. ولا نريد البحث هنا عن مدى صحّة هاتين المقدّمتين، ومدى إمكانيّة التفكيك بين درك الكمال والنقص ودرك الحسن والقبح، وإنّما نهدف للقول بأنّهم على مبانيهم يمكنهم الجواب عن النقض بدعوى أنّ الكذب نقص بحكم العقل النظرىّ، والنقص محال على الله بالعقل النظرىّ أيضاً، فيثبت بذلك صدق الإنذارات الواردة من الشارع(1).
هذا، مضافاً إلى أنّ الأشعرىّ يمكنه دفع النقض بالنسبة إلى كلّ من مسألتي الطاعة
', '(1) لا يخفى أنّ الكمال والنقص أحياناً يكونان ثابتين بشكل مستقلّ عن الحسن والقبح، كما في العلم والجهل، والقدرة والعجز، وما شابه، واُخرى يكونان نتيجة للحسن والقبح، فالكذب إنّما يكون نقصاً لأنّه قبيح، فلا ينبغي قياس باب الكذب بباب الجهل، ولا مسوّغ لافتراض امتناع الكذب على الله بعد فرض عدم القبح.
', 422), (21, 423, 'book', '
والمعرفة بما يتبنّاه: من أنّ كلّ ما يصدر عن الإنسان من فعل أو ترك فهو مجبور عليه(1).
وأمّا النقض الثاني: فيرد عليه:
أوّلاً: أنّ الاستدلال على النبوّة بقبح إجراء المعجز على يد الكاذب لكونه تضليلاً غير صحيح، على الرغم من أنّه هو الاستدلال الرسمىّ لعلم الكلام منذ وجد حتّى الآن؛ وذلك لأنّ المعجز إن لم يكن ـ بغضّ النظر عن قبح التضليل ـ دليلاً على النبوّة وصدق مدّعى من جرى على يده، إذن ليس إجراؤه تضليلاً، وإن كان دليلاً على ذلك، إذن ضمّ مسألة التضليل (المتوقّف على الدلالة في الرتبة السابقة) إلى تلك الدلالة ضمّ للحجر إلى جنب الإنسان(2).
$
', '(1) لايخفى أنّ مدّعي الجبر لا ينكر عادة الدوافع ومقدّمات الإرادة والشوق المؤكّد في النفس، وإنّما يقول: إنّ الأفعال التي تصدر عن الإنسان تكون واجبة الوجود بالغير، بمعنى: أنّها يجب أن تصدر عنه بدوافعها؛ لوجود علّة تامّة لذلك (كما أنّ صاحب الكفاية المدّعي للاختيار سمّى نفس هذا اختياراً). وعليه، فبالإمكان إيراد التساؤل على الأشعرىّ عمّا هو دافعه نحو الطاعة وتحصيل المعرفة على رغم إنكاره للحسن والقبح، ولا يصحّ الجواب عن ذلك بأنّه مجبور على ما يفعل.
(2) قلت له (رضوان الله عليه): إنّه قد يقال: إنّ المعجز دليل على النبوّة بقطع النظر عن قبح التضليل في مستوى فكر العوامّ غير الملتفتين إلى هذه المناقشات، وأمّا عند الخواصّ فهو بذاته ليس دليلاً على النبوّة، ولكن تتمّ دلالته على النبوّة عندهم ببيان: أنّه لو لم يكن نبيّاً فإجراء المعجز على يده تضليل للعوامّ، والتضليل قبيح يستحيل صدوره عن الله تعالى.
فأجاب(رحمه الله) عن ذلك:
أوّلاً: بأنّ هذا لو تمّ، فهو تصحيح للبرهان الكلامىّ على النبوّة، ولكنّه لا يفيد بحثنا في المقام لتثبيت الإشكال على الأخبارىّ والأشعرىّ؛ إذ بعد أن ثبتت في الجملة دلالة المعجز على النبوّة في المرتبة المتقدّمة على قاعدة قبح التضليل، فمن الممكن للأشعرىّ والأخبارىّ أن يدّعيا حصول العلم لهما من هذا الدليل، وعدم اختصاص دلالة المعجز بمستوى فهم العوامّ فقط. وحينئذ وإن كان يقع البحث في أنّ دلالة المعجز في الرتبة المتقدّمة على مسألة التضليل هل هي تامّة حقيقة، أو هي فهم بسيط للعوامّ والسذّج؟ لكن هذا غير انسداد باب إثبات النبوّة رأساً وورود النقض على الأخبارىّ والأشعرىّ.
أقول: لو غضّ النظر عمّا سيأتي في المتن من الجواب الثاني عن النقض: من كون المعجز بنفسه دليلاً على النبوّة، وكذلك توجد أدلّة اُخرى عليها، فهذا الجواب هنا لايرجع إلى محصّل؛ إذ غاية ما هناك أنّنا نبحث مع الأخبارىّ والأشعرىّ إلى أن نثبت لهما بعد النقاش: أنّ الإعجاز بحدّ ذاته ليس دليلاً تامّاً على النبوّة، وإنّما هو دليل في نظر العوامّ، وحينئذ يكون إجراؤه على يد الكاذب تضليلاً للعوامّ، فإن قبلتم قبح التضليل، ثبت النقض عليكم، وإلّا انهار أصل الإيمان بالنبوّة.
وثانياً: بأنّ هذا البيان بنفسه غير تامّ، بغضّ النظر عن مسألة تثبيت النقض على الأخبارىّ والأشعرىّ وعدمه؛ إذ لو لم يكن المعجز في المرتبة السابقة دليلاً على النبوّة إلّا على مستوى فهم العوامّ والسذّج، فدليل قبح التضليل عند الخواصّ إنّما يثبت لديهم كون هذا نبيّاً على العوامّ والسذّج، أمّا دعواه النبوّة حتّى على الخواصّ، فلا تثبت ما دام لا دلالة في المعجز على النبوّة في المرتبة المتقدّمة على التضليل؛ فإنّه ـ عندئذ ـ لا تضليل للخواصّ، فهم ملتفتون إلى أنّ المعجز ليس بحدّ ذاته دليلاً على النبوّة، فكيف يضلّون؟!
وبتعبير آخر نقول: هل دعوى النبىّ لشمول نبوّته للخواصّ مقبولة في نظر الخواصّ بغضّ النظر عن قبح التضليل، أو لا؟ فإن قبلت لم نحتج إلى ضمّ قاعدة قبح التضليل، وإن لم تقبل لاحتمال اشتباه النبىّ في دعوى الشمول ـ ولو اشتباهاً ناشئاً من إيهام الله تعالى له لمصلحة ما ـ فلا تضليل كي يتمسّك بقبحه. ودعوى نفي احتمال اشتباه من هذا القبيل عن النبىّ بحساب الاحتمالات لا يتناسب مع إنكار كون المعجز ـ في الرتبة المتقدّمة على التضليل ـ دليلاً على النبوّة، فمن لا يدرك بحساب الاحتمالات دلالة شقّ القمر وتسبيح الحصى وما أشبه ذلك على النبوّة، كيف يحكم بعدم صدور مثل هذا الاشتباه عن النبىّ.
أقول: هذا الكلام ـ أيضاً ـ لا يرجع إلى محصّل؛ فمن غفل عن نتيجة حساب الاحتمالات في مورد لشبهة حصلت له، لا يستلزم ذلك غفلته عنها في مورد آخر، فأيضاً نقول: لو غضضنا النظر عمّا في المتن من الجواب الثاني عن النقض وكون ذات المعجز دليلاً على النبوّة، أمكن تثبيت النقض على الأخبارىّ والأشعرىّ ببيان: أنّ دلالة المعجز على النبوّة عند الخواصّ تتوقّف على قاعدة قبح التضليل باعتبار كون إجراء المعجز على يد الكاذب تضليلاً للعوامّ، فإذا ثبتت بذلك نبوّته في الجملة وهو يدّعي الشمول، فلا نحتمل عقلائيّاً الاشتباه وعدم الشمول.
', 423), (21, 424, 'book', '
وثانياً: أنّه لا حاجة لنا في مقام إثبات النبوّة إلى الاستدلال بقبح التضليل الذي عرفت عدم تماميّته، بل النبوّة تثبت بحساب الاحتمالات، ومن دون لجوء إلى قبح التضليل من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: دلالة المعجز على ذلك في ذاته وبغضّ النظر عن قبح التضليل.
وتوضيح ذلك: أنّ المعجز عبارة عن خرق نواميس الطبيعة وقوانينها، فأوّلاً نثبت بالتجربة وحساب الاحتمالات أنّ شيئاً ما من قوانين عالم الطبيعة.
فمثلاً: قد دلّ حساب الاحتمالات على أنّ سكوت الحصى ليس من باب الصدفة، كسكوت الإنسان أحياناً، بل هو بمقتضى قوانين الطبيعة، فتسبيح الحصى خرق لقوانين الطبيعة ويكون بالتدخّل من وراء عالم الطبيعة، إذن فهذا دليل على أنّ صاحب الإعجاز ارتبط بما وراء عالم الطبيعة وبخالق الطبيعة للتوصّل إلى الإعجاز، وأنّ بارئ الطبيعة قد فتح باباً مباشراً لنفسه على صاحب المعجز حول ما ادّعاه، وبعد ذلك نقول: إنّنا لا نحتمل
', '', 424), (21, 425, 'book', 'كذب أو اشتباه هذا الذي انفتح أمامه هذا الباب حول مدّعاه في دعواه(1) وبهذا تثبت صحّة دعواه.
الوجه الثاني: أن تستقرأ بحسب التأريخ والزمان الحاضر المجتمعات المختلفة الكثيرة؛ لتحصيل القطع بالتجربة على أنّه لا ينبغ أحد في مجتمع ما، ولا يفوق ذاك المجتمع في الفهم والذكاء إلّا بنسبة خاصّة، وتحت مستوىً معيّن من الفرق، ثُمّ يلاحظ المجتمع الذي نبغ فيه النبىّ(صلى الله عليه وآله)، ويرى ما جاء به من أحكام وأفكار في شتّى الميادين، ويلاحظ أنّها تفوق بدرجات كثيرة أعلى درجات الذكاء الممكن لنابغة ينبغ في ذاك المجتمع بحسب الطبع البشرىّ، وإن كان من المحتمل علوّ ذكائه إلى حدّ تلك الأحكام والأفكار بلحاظ نبوّته، فيثبت بذلك: أنّ تلك الأحكام والأفكار ليست له، إن هي إلّا وحي يوحى علّمه شديد القوى.
هذا أساس لبرهان صحيح على النبوّة يؤثّر في النفوس أكثر وأشدّ من تأثير البرهان الكلامىّ المعروف ثبّتناه هنا بأمل أن يوفّق الله تعالى بعد هذا شخصاً لبيان إثبات النبوّة على هذا الأساس مع ما يحتاج إليه من مزيد تتّبع وتنقيح.
الوجه الثالث: ملاحظة أحوال الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأمانته، وصدق لهجته، وخلقه العظيم، واستقامته في أمره، وصموده أمام المحن والمصائب التي كانت كافية لرفع يد الكاذب عن كذبه، وعلوّ همّته بدرجة لو وضعت الشمس في يمينه والقمر في يساره وجعل سلطاناً على وجه الأرض، لما رفع اليد عن دعوته، فلا يعقل أن تكون دعوته استطراقاً إلى كسب
', '(1) أفاد اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): أنّ عدم الاحتمال هذا، أو قل: الجزم بصدق تمام مدّعى صاحب الإعجاز الذي أقام الإعجاز بعنوان إثباته (بعد ما ثبت إعجازه بحساب الاحتمالات كما عرفت) يمكن تصعيده إلى مستوى ضمان الحقانيّة، بدعوى أنّها قضيّة بديهيّة التصديق بعد استيعاب تمام أطرافها تصوّراً، قال(رحمه الله): إنّه لا مجال الآن لتحقيق وبيان ذلك.
أقول: بل الظاهر: أنّ هذا ـ أيضاً ـ نتيجة حساب الاحتمالات الذي هو الباب الوحيد للتطرّق إلى عالم الخارج كما مضى، وهذا شبيه تماماً بما يتّفق من أنّه يصل إلينا رسول من قبل شخص، ويبلّغنا رسالته، ونطالبه بعلامة على الصدق، فيرينا علامة نعلم أنّها لم تكن توجد إلّا عند المرسل، وأنّه لا داعي له لإعطائه إلى أحد إلّا بعنوان وضع العلامة.
', 425), (21, 426, 'book', '
المال والجاه وما أشبه ذلك. فمن لا حظ كلّ هذا وما إليه، حصل له القطع ـ إذا كان سليماً في فطرته وعقله ـ بنبوّته(صلى الله عليه وآله).
هذا تمام الكلام في البحث النقضىّ عن إنكار الحسن والقبح أشعريّاً أو أخباريّاً.
مع المنكرين على مستوى الحلّ
وأمّا البحث الحلّىّ في المقام: فالواقع أنّه توجد في كلمات الأصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ في بحث الموضوع تشويشات، ونحن نقول: تارة يفترض البحث في أصل إدراك البشر للحسن والقبح الذاتيّين وعدمه.
واُخرى يفترض البحث في أنّ باب الحسن والقبح ـ بعد فرض ثبوت إدراكهما ـ هل هو مرتبط بباب المصلحة والمفسدة، أي: إنّ سبب الحسن والقبح المدركين إنّما هو المصالح والمفاسد، أو هذا باب مستقلّ؟
وثالثة يفترض البحث في حقّانيّة هذا الإدراك بعد فرض ثبوته. فهذه أبحاث ثلاثة:
1 ـ إدراك الحسن والقبح
البحث الأوّل: في إدراك الحسن والقبح العقليّين وعدمه.
قد أنكر الأشعرىّ والأخبارىّ إدراك الحسن والقبح العقليّين، ولم يؤمنا إلّا بالحسن والقبح الشرعيّين.
في حين اعترف المعتزلىّ وكذلك الاُصولىّ من العدليّة بإدراكهما.
ويجب أن نلفت النظر هنا إلى الفارق الجوهرىّ بين الحسن والقبح الشرعيّين، والحسن والقبح الذاتيّين اللذين يدركهما العقل بحسب رأي الاُصولىّ والمعتزلىّ، فليست نسبة الحسن والقبح العقليّين إلى الحسن والقبح الشرعيّين كنسبة الموت الناشئ بفعل غير المولى إلى الموت الناشئ بفعل المولى؛ إذ إنّهما لا يختلفان في جوهرهما، وإنّما الفرق: في أنّ الموت تارة يكون بسبب قتل المولى لعبده، واُخرى بسبب قتل شخص آخر إيّاه مثلاً، وحقيقة الموت لا تختلف في كلتا الحالتين. وإنّما نسبة الحسن والقبح الذاتيّين إلى
', '', 426), (21, 427, 'book', 'الحسن والقبح الشرعيّين كنسبة السلطنة الواقعيّة إلى السلطنة الشرعيّة المختلفتين جوهريّاً: فالثانية عبارة عن عنوان السلطنة المجعول بتشريع الشارع وإنشائه، وهو الملكيّة مثلاً، في حين أنّ الاُولى عبارة عن نفس المعنون وواقع السلطنة الثابت في الخارج.
وكذلك الحال فيما نحن فيه، فالحسن والقبح الذاتيّان عبارة عن واقع الحسن والقبح ونفس المعنون، في حين أنّ الحسن والقبح الشرعيّان عبارة عن عنوان الحسن والقبح الثابت بالجعل والاعتبار، ولايؤثّر الجعل والاعتبار إلّا في إيجاد العنوان دون المعنون. وإن شئت فسمّ الأوّل بالحسن والقبح بالحمل الشائع، والثاني بالحسن والقبح بالحمل الأوّلىّ.
وبعد أن اتّضحت لك هذه النكتة، نقول: إنّ فرض النزاع في إدراك الحسن والقبح الذاتيّين يتصوّر بأحد وجوه:
الأوّل: أن تقول العدليّة ـ مثلاً ـ: إنّا ندرك الحسن والقبح الذاتيّين، ويكذّبهم الأشعرىّ، ويقول لهم: إنّكم لا تدركون ذلك.
وهذا ليس بحثاً علميّاً؛ فإنّ البحث العلمىّ قائم على أساس التخطئة لا التكذيب. والواقع: هو ثبوت هذا الإدراك في أكثر أفراد البشر.
الثاني: أن يقول هذا: إنّي اُدرك الحسن والقبح. ويقول ذاك: إنّي لا أدركهما. وهذا راجع في الحقيقة إلى البحث الثالث؛ إذ معنى ذلك: أنّ الأشعرىّ يقول للعدليّة: إنّ حقّانيّة ما عندكم من الإدراك غير ثابتة عندي، أو هي ثابتة العدم(1).
الثالث: أن يقول أحدهما للآخر: إنّي اُدرك ما تدركه، إلّا أنّ الخلاف فيما بيننا هو: أنّ هذا الأمر المدرك هل هو مضاف إلى ذات الشيء، أو إلى الشارع؟ وتشعر بذلك كلمات الأشعريّين في كيفيّة تحرير البحث؛ إذ إنّهم يقسّمون أوّلاً الأفعال إلى الحسن والقبيح، ويذكرون أقسام الحسن وأقسام القبيح، ثمّ يبحثون أنّ هذا الحسن والقبح عقلىّ، أو شرعىّ؟ فكأنّهم يرون أنّ الحسن والقبح لا يختلف ذاتهما على فرض كونهما عقليّين عنهما على فرض كونهما شرعيّين.
ويشعر بذلك ـ أيضاً ـ ردّ العدليّة للأشعرىّ بإدراك البراهمة ونحوهم ـ ممّن يقال عنهم:
', '(1) كأنّ المقصود: أنّ أحدهما يدّعي: أ نّي اُدركهما إدراكاً نابعاً من حاقّ نفسي، والآخر يقول: إنّي لا اُدركهما هكذا إدراك.
', 427), (21, 428, 'book', '
إنّهم غير متديّنين بأىّ شريعة ـ للحسن والقبح؛ فإنّ هذا ـ أيضاً ـ مشعر باتّحاد سنخ المدرك، وأنّ الاختلاف إنّما هو في إضافته إلى الشرع وعدمه، فيثبت بإدراك من لا يدين بشريعة للحسن والقبح عدم انتسابهما إلى الشرع.
وحلّ المغالطة يكون بما مضى: من بيان الاختلاف سنخاً وذاتاً بين الحسن والقبح العقليّين والشرعيّين؛ فإنّ هذه المغالطة إنّما نشأت من الخلط بين ما مضى ممّا أسميناه بالحمل الأوّليّ والحمل الشائع.
الرابع: أن تقول العدليّة: إنّا ندرك الحسن والقبح الذاتيّين بغضّ النظر عن الحسن والقبح الشرعيّين، ويقول الأشعرىّ: إنّي اُدرك نفس ما تدرك من الحسن والقبح الذاتيّين، لكن لامطلقاً، بل في طول الحسن والقبح الشرعيّين، فكلّ ما أوجبه الشارع كان فعله حسناً بعنوان إطاعة لله، وكلّ ما حرّمه كان قبيحاً بعنوان معصية لله.
وهذا التفسير للنزاع خارج عن مورد بحثنا؛ إذ المفروض فيه تسليم كليهما بإدراك العقل للحسن والقبح الذاتيّين، وإنّما الاختلاف يكون في سعة دائرة الحسن والقبح الذاتيّين وضيقهما، وأنّ الحسن والقبح هل يختصّان بطاعة المولى ومعصيته، أو لا؟ وهذا بحث آخر(1).
2 ـ الحسن والقبح مع المصلحة والمفسدة
البحث الثاني: في أنّ الحسن والقبح العقليّين ـ بعد فرض إدراكهما ـ هل يرجعان إلى باب المصلحة والمفسدة، أو لا؟
الواقع: أنّ الإدراك الموجود في نفوس الناس ـ سواء فرضناه حقّاً أوْ لا ـ غير مرتبط بباب المصلحة والمفسدة، بأن يقال: إنّ الكذب ـ مثلاً ـ إنّما يحكم بقبحه لما عرف بطول التجارب من ترتّب المفاسد عليه، وإنّ الصدق إنّما يحكم بحسنه لما عرف بطول التجارب
', '(1) والواقع: أنّ هذا نزاع في إدراك الحسن والقبح الذاتيّين في غير مصداق الطاعة والمعصية، وهذا النزاع حتماً يرجع إلى أحد الوجوه الثلاثة الماضية لتصوير النزاع، ولكن في دائرة غير الطاعة والمعصية: فإمّا أن يكون مرجعه إلى التكاذب، وليس هذا بحثاً علميّاً، أو إلى دعوى أحدهما إدراكه هو، ودعوى الآخر عدم إدراكه هو، وهذا راجع إلى البحث الثالث، أو إلى الخلط بين الحمل الأوّليّ والحمل الشائع، وحلّه هو توضيح الفرق بينهما.
', 428), (21, 429, 'book', '
من ترتّب المصالح عليه. والمقصود بالمصلحة: ما هو كمال لقوّة من القوى، وبالمفسدة: ما هو نقص لها(1).
ولا فرق فيما ذكرناه (من التغاير بين باب الحسن والقبح وباب المصلحة والمفسدة) بين ما لو قصد بالمصلحة والمفسدة المصلحة والمفسدة الشخصيّتان بالنسبة إلى قوّة من القوى، أو الشخصيّتان بالنسبة إلى خصوص النفس البشريّة، بمعنى كمال النفس ونقصها في قاموس علم الأخلاق دون ما لها من قوى، أو النوعيّتان؛ وذلك لتخلّف الحسن والقبح عن باب المصلحة والمفسدة في كلّ هذه الفروض الثلاثة. فيعلم أنّ الحسن والقبح لا يدوران مع المصلحة والمفسدة أينما دارتا:
أمّا الأوّل: فلأنّه لو فرض ربط الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة الشخصيّتين لكلّ قوّة من القوى، فإمّا أن يقصد بالمصلحة والمفسدة ما هو علّة تامّة لانقداح الداعي إلى الفعل أو الترك، وإمّا أن يقصد ما هو مقتض لذلك.
ومن الواضح: أنّه ليس من المعقول أن يكون المقصود هو الأوّل؛ إذ يلزم من ذلك: أن يصدر عن الإنسان ـ دائماً ـ ما هو حسن، ولا يصدر عنه القبيح.
وإن اُريد الثاني، أعني: ما هو مقتض لانقداح الداعي، قلنا: إنّ هناك فرقاً بيّناً في حالة الإنسان المدرك للحسن والقبح بين فرض ارتكابه لما يعتقد قبحه وفرض ارتكابه لما يعتقد كونه خلاف مصالحه.
فمثلاً: من كان يعتقد بكون التدخين خلاف مصلحته؛ لأنّه يؤثّر في انكسار قواه وانحراف مزاجه، وأنّ الضرر المترتّب على الصبر على تركه أهون بكثير من ذلك، ومع ذلك لا يترك هذا العمل معلّلاً بضعف الإرادة وما شابه ذلك، لا يشعر في نفسه إلّا بالأسف. وهذا بخلاف من كشف سرّ أخيه معتقداً لقبح ذلك؛ فإنّه يشعر في نفسه بالخيانة والخجل
', '(1) لا يخفى أنّ المصلحة والمفسدة بالمعنى الذي قد يفترض تبعيّة الحسن والقبح لهما: إمّا أن يقصد بهما ما يوجب الكمال والنقص، أو يقصد بهما ما يوجب اللذّة والألم، أو الجامع بينهما. واُستاذنا الشهيد(رحمه الله)فسّر في المقام المصلحة والمفسدة بمعنى الكمال والنقص، ولعلّه فرض اللذّة ـ أيضاً ـ كمالاً لقوّة من القوى والألم نقصاً. وعلى أىّ حال، فلو فسّرت المصلحة والمفسدة بخصوص ما يوجب اللذّة أو الألم، فأيضاً الحقّ انفصال باب الحسن والقبح عن باب المصلحة والمفسدة. ولا تخفى عليك (بعد الإحاطة بما في المتن) كيفيّة صياغة البيان بنحو يوضّح انفصال باب الحسن والقبح عن باب اللذّة والألم، وإن لم يكن ما في المتن بصدد ذلك بالخصوص.
', 429), (21, 430, 'book', '
ووخز الضمير ـ إن لم يكن قد مات ضميره بكثرة الممارسة مثلاً ـ حتّى إذا افترضنا أنّ ذلك لم يكن خلاف مصالحه الشخصيّة.
وأمّا الثاني: فلأنّه لو ربط الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة بمعنى ما هو كمال للنفس أو نقص لها بحسب علم الأخلاق، لزم أن يكون الحسن والقبح في طول كمال النفس ونقصها، في حين أنّ الأمر بالعكس، فما يتّصف بالحسن أو القبح يؤثّر بما هو كذلك في الكمال والنقص، دون العكس، وإلّا للزم إيقاع المزاحمة بين الكمالات والنقائص في مقام استنتاج كون هذا الفعل حسناً أو قبيحاً.
فمثلاً: لو كان كشف سرّ الأخ مقدّمة لتحصيل علم من أهمّ العلوم، فلا إشكال في أنّ من يكشف سرّ أخيه لكي يحصل على علم من هذا القبيل، يعدّ لدى المعترفين بقبح كشف السرّ خائناً غير نبيل، في حين لو فرضنا دوران الحسن والقبح مدار ما يوجبه الشيء من كمال أو نقص، يجب إيقاع التزاحم بين المقدار الذي يزول بسبب كشف السرّ مرّة واحدة من ملكة كتمان السرّ (التي هي في قاموس علم الأخلاق كمال من كمالات النفس) والمقدار الذي يحصل عليه من كمال العلم بسبب ذلك؛ ولرجحان الثاني يحكم بعدم قبح كشف السّر، بل بحسنه.
وكذلك لو فرض أنّ شخصاً قادراً على التصرّف في النفوس قال له: اكشف مرّة واحدة سرّ أخيك، وأنا أضمن لك تتميم هذه الملكة في نفسك، وجعلها أقوى ممّا كانت قبل كشف السرّ بدرجات كثيرة، ففعل ذلك، فلا إشكال في أنّه يعدّ رجلاً خائناً، ويعدّ فعله رذيلة من الرذائل.
وأمّا الثالث: فلأنّه لو ربط الحسن والقبح بمصلحة المجتمع ومفسدته، لزم في مثال مقدّميّة كشف السرّ لتحصيل ما هو من أهمّ العلوم ـ مثلاً ـ إيقاع التزاحم بين المفسدة النوعيّة المترتّبة على كشف السرّ وزوال ملكة الكتمان، والمصلحة المترتّبة على تحصيل ذلك العلم الذي يمكّنه من نفع المجتمع بمنافع عظمى. فمتى ما كانت هذه المصلحة أقوى، لزم أن لا يكون كشف السرّ قبيحاً، ولا يعدّ هذا الشخص خائناً وغير نبيل عند من يدرك قبح كشف السرّ، في حين ليس الأمر كذلك. هذا.
$
', '', 430), (21, 431, 'book', 'وللمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) في فوائده(1) بيان في شرح الحسن والقبح، يربط فيه باب الحسن والقبح بباب المصلحة والمفسدة باُسلوب آخر يختلف عن الوجوه الماضية. ولعلّه كان لتفطّنه على ما يرد على تلك الوجوه، أو لتفتيشه عن أساس أعمق. وحاصل كلامه ـ رضوان الله عليه ـ: أنّه طبّق أوّلاً مقالة الفلاسفة في تفسير الخير والشرّ على باب الأفعال.
توضيح ذلك: أنّ الفلاسفة ذهبوا إلى أنّ الوجود خير محض، وأنّ العدم شرّ محض، فكلّما كان أوسع وجوداً، كان أوسع خيريّة، وكلّما كان أضأل وأضيق وجانب العدم أغلب عليه، يكون أكثر شرّيّة. واتّصاف بعض الوجودات بالشرّ يكون باعتبار ما يلازمها، أو يترتّب عليها من الأعدام، كما أنّ اتّصاف بعض الأعدام بالخير يكون باعتبار ما يلازمها، أو يترتّب عليها من الوجودات. فالإنسان ـ مثلاً ـ أكثر خيراً وآثاراً من الحيوان؛ لكونه أوسع وأرقى وجوداً منه، وكذلك الحيوان أكثر بركة وآثاراً من النبات، والنبات من الجماد. هذا هو تطبيق كلام الفلاسفة على الأعيان الخارجيّة.
وكذا الكلام في تطبيقه على الأفعال: فكلّ فعل يكون جانب الوجود فيه أوسع، فهو أكثر خيريّة، وكلّما كان من الأفعال ضئيلاً وحقيراً، وكان جانب العدم هو الغالب عليه، كان أشدّ شرّيّة.
والمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) بعد ما طبّق كلام الفلاسفة على باب الأفعال ذكر: أنّ كلّ قوّة من القوى في الإنسان ـ كقوّة البصر والذوق والشمّ وغير ذلك ـ تنبسط وتنشرح بإدراك ما يلائمها، وتتضجّر وتنكمش من إدراك ما ينافرها. فالباصرة ـ مثلاً ـ تنبسط لرؤية الحديقة والأزهار، وتتضجّر لرؤية ما تستقبحه من صور الأشياء الكريهة، وكذلك الشامّة بالنسبة إلى الروائح وغيرها من القوى.
وكذلك الحال في رئيس تلك القوى، وهي القوّة العاقلة، فتنبسط لادراك ما يلائمها، وتنكمش من إدراك ما ينافرها. ومقياس الملائمة والمنافرة لها هي: درجة التسانخ وعدمه. وبما أنّ القوّة العاقلة موجود بسيط ومجرّد، ومن أوسع الوجودات وأرقاها، فكلّ فعل كان أوسع وجوداً، كان أشبه وأنسب بالقوّة العاقلة، وأكثر سنخيّة لها، فتنبسط القوّة
', '(1) وهي الفائدة 13 من كتاب الفوائد للشيخ الآخوند، وبحسب طبعة بصيرتي في ذيل حاشية الآخوند على الفوائد وقعت في صفحة 330 ـ 332.
', 431), (21, 432, 'book', '
العاقلة بإدراكه لها تصوّراً أو تصديقاً، وكلّ فعل كان أضيق وجوداً وجانب العدم أكثر غلبة عليه، كان أكثر مباينة لتلك القوّة، فتنكمش منه. وهذا هو معنى الحسن والقبح العقليّين(1). هذا هو ما اختاره المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) في المقام.
وتحقيق ما مضى من تفسير الفلاسفة للخير والشرّ مربوط ببحث الفلسفة، وإنّما نتكلّم هنا فيما أفاده المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) بالمقدار المناسب لبحثنا.
والواقع: أنّ ما ذكره(رحمه الله) كان ألطف ما ذكره الاُصوليّون في المقام من حيث التطبيق على المصطلحات، لكن التحقيق: أنّ كلامه لا يرجع إلى محصّل.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنّ ما ذكره(رحمه الله) هو خلط في الحقيقة بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض.
توضيح ذلك: أنّنا حقّقنا في بحث اجتماع الأمر والنهي أنّ الحالات النفسيّة من قبيل الإدراك والحبّ والبغض وغير ذلك لا تنصبّ ابتداءً على ما في الخارج، وإنّما يكون المدرك بالذات أو المحبوب والمبغوض بالذات ونحو ذلك هي الصورة الموجودة في صقع الإدراك أو الحبّ والبغض، وهي عين الإدراك أو الحبّ والبغض أو غير ذلك من الصفات النفسيّة. أمّا ما في الخارج فهو مدرك بالعرض أو محبوب أو مبغوض بالعرض.
وبعد هذا نقول: إنّ تنافر أىّ قوّة من القوى من إدراك شيء أو انبساطها منه عبارة عن المنافرة أو الملائمة بينها وبين المدرك بالذات، لا المدرك بالعرض؛ فإنّ المدرك بالعرض
', '(1)وقال(رحمه الله) ما نصّه: ومع ذا لا يكاد يبقى مجال لإنكار الحسن والقبح عقلاً؛ إذ لانعني بهما إلّا كون الشيء في نفسه ملائماً للعقل فيعجبه أو منافراً فيغربه. وبالضرورة أنّهما يوجبان صحّة المدح والقدح في الفاعل إذا كان مختاراً بما هو فاعل، كما لا يكاد يخفى على عاقل. ودعوى عدم اختلاف الأفعال في ذلك، كدعوى عدم إيراث ذلك تفاوتاً فيها ملائمة ومنافرة للعقل، كدعوى عدم صحّة مدح الفاعل وذمّه على صدور الفعل الملائم والمنافر بالاختيار، مكابرة واضحة... إلى أن قال: ثُمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا ـ من بيان ما هو سبب اتّصاف الأفعال عند العقل بالحسن والقبح ـ اتّصافها بهما أيضاً عنده جلّ شأنه، ولايبقى مجال لإنكار ذلك ـ بتقريب: أنّه من المحتمل أن يكون ملائمات العقل ومنافراته بالقياس إليه تعالى، كملائمات سائر القوى ومنافراتها بالنسبة إليه. فكما لا يتفاوت عنده الملائم والمنافر لها، بل على حدّ سواء، كذلك كان حال ملائماته ومنافراته بالإضافة إليه تعالى ـ وذلك لما عرفت: من أنّ سبب الاتّصاف هو الاختلاف في السنخيّة والبينونة في الوجود بحسب سعته وكماله وضيقه ونقصه، بما له من الأثر خيراً وشرّاً. ولايخفى أنّ هذا كلّما كان الوجود أكمل، كان أظهر وأبين؛ ولأجل ذلك يكون كلّما كان العقل أكمل، كان استقلاله بهما فيها أكثر، والملائمة والمنافرة أبين وأظهر، وكلّما كان أنقص، كان ذلك أقلّ، إلى أن لا يرى المنافر منافراً والملائم ملائماً، بل يرى بالعكس.
', 432), (21, 433, 'book', '
ليس هو الحاضر لدى القوّة كي يؤثّر في انبساطها وانقباضها.
مثلاً: القوّة الباصرة تلتذّ بإدراكها للحدائق والأزهار ولو فرض إدراكها غير مطابق للواقع الخارجىّ، وتشمئزّ من إدراكها للصور القبيحة ولو فرض غير مطابق للواقع. وحينئذ نسأل بالنسبة إلى القوّة العاقلة: هل المقصود انبساطها وانقباضها بالمدرك بالعرض باعتبار مسانخته أو عدم مسانخته لها، أو المقصود انبساطها وانقباضها بالمدرك بالذات باعتبار مسانخته أو عدم مسانخته لها؟ فإن فرض الأوّل قلنا: إنّ المدرك بالعرض ليس هو الحاضر لدى القوّة العاقلة كي يؤثّر بالمسانخة وعدم المسانخة ذاك التأثير، وإن فرض الثاني قلنا: إنّ المدرك بالذات ـ دائماً ـ على حدّ سواء من حيث التجرّد وسعة الوجود، بلا فرق بين أن يكون المدرك بالعرض وسيعاً أو ضيّقاً؛ فإنّ من أوّليّات علم النفس في الفلسفة: أنّ إدراكات قوّة واحدة تناسب تلك القوّة في التجرّد وسعة الوجود على نهج واحد، فليس ـ مثلاً ـ إدراك الأمر المادّىّ مادّيّاً والمجرّد مجرّداً، بل إدراك ما هو من أرقى الموجودات يساوي من حيث التجرّد إدراك ما هو من أخسّ الموجودات، كالبياض ـ مثلاً ـ الذي هو وجود عرضىّ حالّ في وجود مادّيّ.
وما للمدرك بالعرض من السعة والضيق أو الخيريّة والشرّيّة لا يسري إلى المدرك بالذات، وإنّما يحكم على المدرك بالذات بأحكام وخصائص المدرك بالعرض بمنطق الفناء، ولا يوجب الفناء سريان الخصائص والآثار من الخارج إلى الصورة حقيقة. فصورة النار ـ مثلاً ـ لن تحرق بفنائها في ذي الصورة، وإدراك الوسيع أو الضيّق لن يكون وسيعاً أو ضيّقاً بلحاظ حال المدرك بالعرض، كي يترتّب على ذلك انبساط القوّة العاقلة وانقباضها؛ ولذا ترى وجداناً: أنّ القوّة العاقلة ليس الأولى بها أن تدرك العدل فقط دون الظلم، كما كان الأولى بالقوّة الباصرة أن تدرك الصورة الحسنة دون القبيحة، والأولى بالقوّة الشامّة أن تشمّ الروائح العطرة دون الكريهة.
إذن فما مضى من المقدّمة الفلسفيّة بناءً على تماميّتها لا تنتج المطلوب.
وثانياً: أنّ هناك نقوضاً ترد على ما ذكره(رحمه الله) إن أمكن الجواب عن بعضها بتكلّف، فمجموع النقوض كاف في الإيراد عليه:
الأوّل: أنّه لو كان الحسن والقبح العقليّان باعتبار مدى مسانخة الفعل للقوّة العاقلة في
', '', 433), (21, 434, 'book', 'سعة الوجود، لزم أن يختلف العقل العملىّ ـ بالتعبير العلمىّ ـ والضمير الخلقىّ ـ بالتعبير الوعظىّ ـ باختلاف العقل النظرىّ، ويكون تابعاً له سعة وضيقاً. فمن يكون منّا أذكى في العقل النظرىّ وأقوى في مقام اقتناص الكلّيّات وفهم المجرّدات واستخلاصها من شوائب الموادّ والخصوصيّات، يكون أشدّ انقباضاً من إدراك الفعل القبيح واستقباحاً لصدوره عن شخص ما، ومن يكون أضعف في ذلك، يكون أقلّ انقباضاً منه واستقباحاً لصدوره عن نفس ذاك الشخص، في حين ليس الأمر كذلك.
الثاني: أنّه يلزم من ذلك أن تكون الاُمور المباحة وغير القبيحة في نظر الأدنى في العقل النظرىّ قبيحة في نظر الأعلى، حيث تكون نسبة قوّته العاقلة إلى هذا الفعل كنسبة القوّة العاقلة للأدنى إلى ما يستقبحه. فالفعل الخاصّ الصادر عن شخص خاصّ مباح في نظر الأوّل وقبيح في نظر الثاني. وليس الأمر كذلك.
الثالث: أنّه يلزم من ذلك أن يتساوى في نظر شخص واحد قبح العمل القبيح الصادر عن أىّ شخص مع قبح نفس العمل الصادر عن شخص آخر، مع وضوح أنّه يشتدّ قبحاً، ويخفّ بلحاظ الفاعل. فلو أنّه صدر ذلك عن نبىّ من الأنبياء مثلاً، فهو لايساوي في القبح فرض صدوره عن إنسان اعتيادىّ. وإذا فرض الكلام بلحاظ الأعدام الملازمة، قلنا حتّى مع افتراض تساوي الأعدام الملازمة يشعر العقل بأشدّيّة قبح صدوره عن النبىّ من قبح صدوره عن إنسان اعتيادىّ(1).
الرابع: أنّه هل المراد بقبح الكذب ـ مثلاً ـ كونه قبيحاً باعتبار الحدّ العدمىّ له، أو المراد كونه قبيحاً باعتبار الأعدام الملازمة له؟ فإن اُريد الأوّل، ورد عليه النقض بالصدق والكذب؛ فإنّهما بما هما كيف مسموع وكيفيّة نفسانيّة لا فرق بينهما من حيث الحدّ العدمىّ أصلاً، وإن اُريد الثاني، ورد عليه النقض بفرض عدم الالتفات إلى الأعدام الملازمة؛ فإنّه يلزم من ذلك ربط إدراك القبح بالالتفات إلى الأعدام الملازمة وعدم إدراكه
', '(1) الواقع: هو أنّ الفرق ليس في مقدار قبح العمل، وإنّما الفرق هو في درجة الانحطاط النفسىّ التي يكشف عنها هذا العمل؛ ذلك لأنّ الإنسان الاعتيادىّ كان المترقّب أن يكون أعلى مستوىً من صدور مثل هذا الفعل عنه بدرجة واحدة مثلاً، فكشف هذا العمل عن أنّه قد انحطّت نفسيّته بدرجة حتّى انقدحت في نفسه إرادة هذا العمل، في حين أنّ النبىّ ـ الذي هو أرفع مستوىً من هذا الفعل بمئات الدرجات ـ لو صدر عنه هذا الفعل، كشف عن أنّه قد انحطّت نفسيّته بمئات الدرجات، حتّى استعدّ لعمل من هذا القبيل.
', 434), (21, 435, 'book', '
عند عدم الالتفات إليها، في حين ليس الأمر كذلك. وكذا ربط إدراك حسن ترك الانتقام بالالتفات إلى وجودات ملازمة له وعدم إدراكه عند عدم الالتفات إليها، في حين ليس الأمر كذلك. هذا مضافاً إلى أنّ هذا الكلام ينافي مبناه(رحمه الله): من عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ(1).
وأمّا لو اُريد أنّ إسناد القبح إلى الكذب ـ مثلاً ـ إسناد مجازىّ باعتبار الأعدام الملازمة له، فهو بغضّ النظر عمّا عرفت من النقض بفرض عدم الالتفات إلى الأعدام المترتّبة عليه، يكون ممّا يكذّبه وجدان المدركين للحسن والقبح من العقلاء؛ فإنّهم يدركون قبح الكذب حقيقة لا مجازاً.
بقي هنا شيء، وهو: أنّ ما ذكره(رحمه الله) من انبساط القوّة العاقلة وانقباضها لا ترى له أىّ منشأيّة لصحّة المدح والذم، فلابدّ من التفتيش عن نكتة لصحّة المدح والذمّ. فإن فرضنا أنّها عبارة عن قانون العقلاء وجعلهم لصحّة المدح والذمّ، رجع هذا في الحقيقة إلى إنكار إدراك الحسن والقبح الذاتيّين، وإن فرضنا أنّها عبارة عن خصوصيّة ذاتيّة في الفعل، فهي بنفسها تفسير للحسن والقبح بلا حاجة إلى ضمّ انبساط القوّة العاقلة وانقباضها، إلّا أن يكون مقصوده(قدس سره) أنّ ذلك علامة ومعرّف للحسن والقبح، وإن كان هذا خلاف ظاهر كلامه (2).
ثُمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرناه عدم صحّة إرجاع ما يتراءى لدى الناس من إدراك الحسن والقبح إلى باب الميل والغريزة، وسلخهما من باب الإدراك؛ فإنّه يلزم من ذلك عدم صحّة
', '(1) قد يقول القائل: إنّنا لا ندخل الأعدام والوجودات الملازمة للشيء في الحساب، ولكن ندخل الأعدام والوجودات الناتجة عن الشيء في الحساب، فهذا يشبه اقتضاء النهي عن المعلول النهي عن علّته، لا اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.
(2) كان الأولى أن يصاغ هذا المقطع بصياغة اُخرى أشمل، وذلك بأن يقال: هل المقصود أنّ الحسن والقبح عبارة عن نفس الملائمة والمنافرة للقوّة العاقلة التي توجب الانبساط والانقباض، أو المقصود أنّ الحسن والقبح أمران واقعيّان بغضّ النظر عن الملائمة والمنافرة، مرتبطان بسعة الوجود وضيقه (أو هما عين سعة الوجود والضيق في العمل الاختيارىّ)، ومعنى إدراك العقل لهما: انبساطه للحسن وانقباضه للقبيح على أساس الملائمة والمنافرة؟ فإن فرض الأوّل، ورد عليه ما في المتن: من أنّ مجرّد الملائمة والمنافرة، أو تأثير المدرك في انبساط وانقباض العقل، ليس مصحّحاً للمدح والذم... إلى آخره.
وإن فرض الثاني، فهذا في واقعه إنكار لادراك الحسن والقبح؛ فإنّ الإدراك يعني الكشف، لا حالة الانبساط والانقباض؛ إلّا أن يفرض الانبساط والانقباض مجرّد علامة، وهذا خلاف ظاهر كلامه.
', 435), (21, 436, 'book', '
إسناد الحسن والقبح إلّا بالنسبة إلى من له هذا الميل الطبيعىّ والغريزة النفسانيّة، وعدم تطبيق الحسن على أفعال الله تعالى. فلا يصحّ أن يقال ـ مثلاً ـ: إنّ العدل منه حسن والظلم منه قبيح(1). وكذلك من عوّد نفسه على ارتكاب القبائح وترك المحسّنات إلى أن زال منه الميل الطبيعىّ إلى فعل الحسن وترك القبيح، وماتت غريزته، لزم أن لا يميّز بين الحسن والقبيح، مع أنّه ليس كذلك(2).
كما ظهر ـ أيضاً ـ ممّا ذكرناه ما في كلام الفلاسفة، حيث ربطوا إدراك الحسن والقبح بباب المصلحة والمفسدة، لكن ليس كلّ مصلحة ومفسدة، بل خصوص ما لا يحتاج منهما في مقام الإدراك إلى تأمّل عقلىّ، فيدركهما جميع العقلاء، ونتيجة لذلك يتطابقون ـ لأجل الحفاظ على المصالح والتجنّب عن المفاسد ـ على مدح فاعل ما فيه المصلحة، وذمّ فاعل ما فيه المفسدة. ومن هنا سمّوا القضايا التحسينيّة والتقبيحيّة بالمشهورات.
أقول: أمّا ربطهم لدرك الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة، فغير صحيح سواء اُريد المصلحة والمفسدة الشخصيّتان أو النوعيّتان، أي: ما يرجع إلى حفظ نظام المجتمع وبقاء النوع؛ فإنّه يلزم من ذلك على أىّ حال دوران الحكم لديهم بالحسن والقبح مدار نتيجة التزاحم بين المصالح والمفاسد، في حين ليس الأمر كذلك.
وأمّا ما ذكروه نتيجة لذلك: من أنّ هذه قضايا مشهورة، فلم يتّضح لنا ـ ممّا رأيناه من كلماتهم ـ ما هو مرادهم من ذلك؛ فإنّه يحتمل في كلامهم أمران:
الأوّل: أن يكون مرادهم من ذلك إنكار ضمان حقّانيّة هذه القضايا؛ لعدم ضامن لحقانيّتها عدا الشهرة التي لا تصلح لذلك؛ ولذا ترى الشيخ الرئيس يقول: إنّه لو خلق إنسان في مكان منفرداً، ولم يتعلّم المحسّنات والقبائح بالمعاشرة، لم يدرك بعقله ولا بوهمه ولا بحسّه حسن العدل وقبح الظلم. وذكر ـ أيضاً ـ هو وشارح إشاراته المحقّق الطوسىّ(رحمه الله): أنّ القضايا المشهورة ليست بيّنة الصحّة وإن كانت قد تصحّ.
$
', '(1) إن كان مقصود من يرجع الحسن والقبح إلى الغريزة هو غريزة الفاعل، ورد عليه هذا النقض، أمّا لو كان المقصود هو غريزة المدرك، فهذا النقض غير وارد عليه.
(2) معرفتنا بأنّه ليس الأمر كذلك إمّا أن تنشأ من علمنا السابق بأنّ باب الحسن والقبح يختلف عن باب الغريزة، وهذا لا يصلح بيانه كنقض، أو من التجربة والاستقراء، وهذا صعب. ولعلّ الأولى النقض بما هو سهل التجربة والاستقراء: من أنّ كثيراً من الناس الاعتياديّين يدركون أحياناً الحسن والقبح على خلاف ما هي نتيجة تزاحم غرائزهم، فمن يدافع ـ مثلاً ـ عن ابنه لغلبة غريزة حبّ الابن على غريزة حبّ العدل عنده، يحكم مع ذلك بأنّه قد خان في سبيل حبّه لابنه.
', 436), (21, 437, 'book', '
وهذا المعنى ـ الذي يظهر من بعض كلماتهم كما عرفت ـ راجع في الحقيقة إلى ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من بحثنا الثالث، وهو البحث عن حقّانيّة مدركات العقل العملىّ.
الثاني: أن يكون مرادهم ما يظهر من كلام المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) اختياراً أو إسناداً إلى الفلاسفة: من إنكار ما بإزاء له في الواقع للمدركات بالعقل العملىّ، وأنّ مرجع العقل العملىّ إلى تطابق آراء العقلاء، ولا واقع له وراء ذلك. وهو(قدس سره) بالرغم من إصراره على ذلك لم يذكر في كلامه عدا ما إذا تمّ لا يدلّ على أزيد من الأمر الأوّل، أعني: عدم ضمان الحقّانيّة؛ إذ إنّه ذكر(رحمه الله) في بحث التجرّيّ دليلاً على عدم كون قضايا العقل العملىّ من موادّ البرهان، وهذا المقدار ـ كما ترى ـ ينفع في سلب صفة ضمان الحقّانيّة عنها فحسب؛ لأنّ العقل البرهانىّ هو المضمون حقّانيّته دون غيره. ولا يثبت بذلك كذب هذا الإدراك وعدم وجود ما بإزاء له في الواقع حتماً.
وعلى أىّ حال، فإن كان هذا الوجه هو المقصود، فسيرجع محصلّه إلى إنكار العقل العملىّ رأساً، وإرجاعه إلى العقل النظرىّ، وجعل هذا العنوان مجرّد اصطلاح بحت بلا مائز فنّيّ. توضيح ذلك: أنّ المدرك بالعقل العملىّ على هذا: إمّا هو نفس تطابق العقلاء على صحّة المدح والذمّ، أو متعلّق هذا التطابق. فإن فرض الأوّل، فهذا التطابق إنّما هو مدرك بالعقل النظرىّ، كتطابقهم على حبّ الأولاد، وبغض الأعداء، وغير ذلك.
وإن فرض الثاني، فإن قيل: إنّ متعلّق هذا التطابق أمر واقعىّ وثابت بغضّ النظر عن تطابق العقلاء، فهذا خلاف فرض إنكار ما بإزاء له في الواقع للمدركات بالعقل العملىّ وإرجاعه إلى تطابق العقلاء، وإن قيل: إنّ متعلّق هذا التطابق هو فعل العقلاء من جعل قانون المدح والذمّ، أو تنفيذه عملاً، فهذا حاله حال سائر أفعال العقلاء المدركة بالعقل النظرىّ. وأيّ فرق بين فرض كون جاعل القانون هو العقلاء أو الشارع، حتّى يفترض أنّ القائل بالأوّل معترف بالعقل العملىّ، والقائل بالثاني غير معترف به؟ وهل هذا ـ كما قلنا ـ عدا اصطلاح بحت، خال من الملاك والمائز الفنّيّ؟
3 ـ حقّانيّة العقل العملىّ
البحث الثالث: في حقّانيّة إدراك الحسن والقبح الذاتيّين وعدمها، ونستقصي الكلام في ذلك بذكر اُمور ثلاثة:
الأوّل: في تصوير ما هو المعنى المبحوث عن حقّانيّة إدراكه.
$
', '', 437), (21, 438, 'book', 'الثاني: فيما يمكن الاستدلال به على عدم حقّانيّة ذلك.
الثالث: في أنّه ـ بعد الفراغ من عدم قيام برهان ناف لحقّانيّة العقل العملىّ ـ ما هو التحقيق في مدى حقّانيّة هذا الإدراك.
حقيقة الحسن والقبح العقليّين
أمّا الأمر الأوّل: وهو بيان ما هو المعنى المبحوث عن حقّانيّة إدراكه، وهو الحسن والقبح، فنقول: إنّهما عبارة عن الضرورة الخلُقيّة الثابتة في لوح الواقع بقطع النظر عن اعتبار أىّ معتبر. وهي مباينة للضرورة التكوينيّة ماهيّة ومرتبة؛ إذ إنّ الضرورة التكوينيّة عبارة عن الوجوب، وهذه الضرورة عبارة عن الانبغاء والأحرائيّة، والضرورة التكوينيّة في عرض السلطنة، وهذه الضرورة في طولها.
وتوضيح هذه المصطلحات يتوقّف على ذكر إجمالىّ لما هو المختار في باب الجبر والاختيار، وموضع تفصيله هو مبحث الطلب والإرادة، فنقول: ذكر الفلاسفة: أنّ نسبة شيء إلى شيء ـ بعد فرض إخراج الامتناع عن المقسم ـ إمّا هي الوجوب، أو الإمكان. فنسبة الشيء إلى قابله هي الإمكان، ونسبته إلى فاعله هي الوجوب. وقد قالوا بذلك في تمام عوالم الإمكان، بلا فرق بين الأفعال الاختياريّة وغيرها، فحركة يد المشلول وتحريك اليد اختياراً سيّان في هذا الأمر. ومن هنا وقعوا في إشكال في تصوير معنى الاختيار في الأفعال الاختياريّة. وحاصل ما يتلخّص من كلماتهم في تصوير ذلك أمران:
الأوّل: أنّه تفترق الأفعال الاختياريّة عن غيرها من ناحية الإمكان وقابليّة القابل، فانفتاح باب الإمكان على وجه الشيء الموجود يكون بمقدار رفعته وخسّته في سلّم الوجود، فالجماد ـ مثلاً ـ الذي هو أخسّ الموجودات ليست له إمكانيّة قبول العوارض والطوارئ إلّا في مجال ضيّق؛ ولذا ترى أنّ العالم الطبيعىّ بإمكانه أن يتنبّأ كيفيّة تحرّكالحجر ـ مثلاً ـ المرمىّ إلى فوق، في سير نزوله ومحلّ سقوطه.
وأمّا النبات الذي يتنعّم بنعمة الحياة بمقدار ما، فهو أرقى في سلّم الوجود، فقابليّته وإمكاناته تكون في دائرة أوسع، فهناك مجال للتشكيك فيما سوف يصنعه النبات؛ ولذا ترى بعض النباتات إذا اقترب في نموّه من جدار يمنع عن نموّه لو التصق به، يغيّر من
', '', 438), (21, 439, 'book', 'شكل حركته، ويتحرّك في نموّه من جهة اُخرى، فهو أوسع إمكاناً من الجماد.
وأمّا الحيوان فهو أرقى من النبات في سلّم الوجود، فتتّسع دائرة إمكاناته وحرّيّته في مجال أوسع. فإذا ضرب حيوان مثلاً، وصمّم على الفرار، وكانت لفراره عدّة طرق متساوية، لا يمكن للعالم الطبيعىّ أن يتنبّأ ما سوف يختاره هذا الحيوان من طريق الفرار.
وأمّا الإنسان فهو أرقى مرتبة من الحيوان في سلّم الوجود، ويعيش في دائرة أوسع من الإمكانيّات والحرّيّات. فبينما ترى الحيوان أسير غرائزه وميوله النفسانيّة لا يتخلّف عنها قدر المستطاع، ترى الإنسان له عقل باستطاعته أن يحكّمه على الغرائز والميول النفسانيّة، فيغيّر مجرى عمله من مسير الغرائز وتلك الميول، أو أن لا يحكّمه.
والخلاصة: أنّه كلّما كان الموجود في درجة أرقى من سلّم الوجود، فهو أكثر إمكاناً وحرّيّة في التصرّف. وبهذا يتّضح جوهر الاختيار في الأفعال الاختياريّة.
الثاني: أنّه تفترق الأفعال الاختياريّة عن غيرها من ناحية الوجوب؛ إذ إنّ الثاني واجب بوجوب غير مسبوق بالاختيار، والأوّل يكون وجوبه في طول الاختيار والإرادة. وما هو في طول الاختيار لا يعقل أن ينافي الاختيار، وإلّا لزم من وجوده عدمه.
والواقع: أنّ شيئاً من هذين الوجهين لا يفيدان الاختيار بالمعنى الذي هو موضوع لحكم العقل بالحسن والقبح، وصحّة المدح والذمّ.
ولعلّهم إنّما اصطلحوا على ما ذكروه باسم الاختيار، وتكلّموا بتلك الكلمات خجلاً من التصريح بالجبر.
توضيح ذلك: أنّ الوجه الأوّل إنّما يبيّن تفاوت الموجودات في المقدار الممكن من طروّ العوارض والخصوصيّات عليها، واختلاف درجات قابليّة القابل، وتسمية بعض الدرجات باسم الاختيار. وهذا لا يختلف في الروح والجوهر عن مثل أن يقال:
إنّ الجسم الفلانىّ لا تكون له قابليّة التلوّن بلون عدا لون السواد مثلاً، والجسم الآخر يقبل التلوّن بعدّة ألوان. فيسمّى الثاني بالاختيار، ويقال إنّ هذا الجسم مختار في اتّخاذ أىّ لون من هذه الألوان. أ فليس هذا عدا اصطلاح اعتباطىّ خال من النكتة الفنّيّة الموجودة في الاختيار المصحّح للمدح والذمّ والموضوع للحسن والقبح؟!
وأمّا الوجه الثاني: فما ذكر فيه: من أنّ ما هو في طول الاختيار لا ينافي الاختيار، وإن
', '', 439), (21, 440, 'book', 'كان صحيحاً، إلّا أنّ الكلام في الصغرى، وهو كون هذا الوجوب في طول الاختيار؛ فإنّهم يقصدون بذلك: أنّ الفعل في طول الإرادة، وسمّوا الإرادة بالاختيار. وهذه التسمية ـ أيضاً ـ ليست عدا اصطلاح اعتباطىّ فارغ من النكتة المطلوبة في تصحيح استحقاق المدح والذمّ، وحكم العقل العملىّ بالحسن والقبح؛ فإنّ الإرادة ليست عدا حالة نفسانيّة تعرض على الإنسان، كعروض سائر العوارض عليه، ونسبتها إلى الإنسان بعنوان الفاعل هي نسبة الوجوب ـ بحسب ما هو مفروض في كلامهم ـ وبعنوان القابل هي نسبة الإمكان، كما قالوا بذلك في جميع العوارض لعوالم الإمكان. فهل ترى لو أوجد شخص تكويناً إرادة الفعل في نفس شخص آخر، وترتّب عليها تكويناً صدور الفعل عنه، استحقّ ذاك الفاعل المدح أو الذمّ؟!
وحاصل الكلام: أنّ ما هو ثابت في الواقع، ومركوز في الأذهان، ومدرك بالعقل الفطرىّ، هو اختياريّة أفعال الإنسان بالمعنى المترتّب عليه الحسن والقبح والمدح والذمّ. فالمحدّد للاختياريّة عندنا إنّما هو العقل العملىّ. وأمّا هؤلاء الفلاسفة فلم يحدّدوا الاختياريّة بالعقل العملىّ، وإنّما حدّدوها باصطلاح خاصّ، ولا نزاع لنا معهم في اصطلاحهم.
ولكنّا نقول: إنّ هذه المصطلحات والنزاع فيها لا تعدوأن تكون نزاعاً لفظيّاً فارغاً لا محصّل لها ما لم يرجع الكلام إلى البحث عن اختيار مصحّح لما هو المدرك لدى الناس من الحسن والقبح بناءً على حقّانيّتهما.
نعم، إن صحّت نسبة المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) إلى الفلاسفة القول بما يرجع إلى إنكار العقل العملىّ رأساً، ورجوع التحسين والتقبيح والمدح والذمّ إلى تباني العقلاء وتواطئهم على ذلك، لم يبق لهم أثر عملىّ للبحث عن الاختيار بهذا المعنى. هذا.
وذكر المحقّق النائينىّ(رحمه الله) والسيّد الاُستاذ ومن حذا حذوهما في تصوير الاختيار أنّ قاعدة: أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد مختصّة بغير الأفعال الإراديّة، أمّا الأفعال الإراديّة فالنسبة فيها هي الإمكان بلحاظ الفاعل، كما كانت هي الإمكان بلحاظ القابل؛ وذلك لأنّ الأفعال الإراديّة تكون في طول الاختيار، بمعنى: أنّه يصدر عن الإنسان حين العمل أمران:
1 ـ إعمال القدرة، وهو فعل من أفعال النفس، لا حالة خاصّة عارضة عليها كالإرادة.
2 ـ العمل الخارجىّ. والثاني اختيارىّ بالأوّل، والأوّل اختيارىّ بنفسه. وترتّب الفعل
', '', 440), (21, 441, 'book', 'الخارجىّ على ذاك الفعل النفسىّ واجب، لكنّ هذا الوجوب لا ينافي الاختيار؛ لكونه في طول الاختيار، لا بمعنى كونه في طول الإرادة: بأن تسمّى الإرادة اختياراً، بل بمعنى كونه في طول إعمال النفس للقدرة. وخصوص هذا الفعل النفسانىّ خارج عن تحت قاعدة: أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، ويكفي فيه نفس الإمكان.
أقول: لا أدري لماذا لم يدّعوا ـ بعد فرض تطرّق الاستثناء إلى قاعدة: أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ـ كفاية الإمكان ابتداءً بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة. ثُمّ لا أدري ماذا يقصد بإعمال القدرة؟ فهل الإعمال غير العمل؟
وبتعبير آخر: هل المقصود بإعمال القدرة إيجاد نفس القدرة، أو إيجاد المقدور ـ وهو الفعل الخارجىّ ـ أو ماذا؟ فإن كان المقصود هو إيجاد نفس القدرة ـ والظاهر أنّه ليس هو المقصود ـ فمن الواضح: أنّ إيجاد القدرة عمل للواهب تعالى لا لهذا الشخص، وإن كان المقصود هو الثاني، ورد عليه أنّ الإيجاد عين الوجود، وإنّما يختلفان بالاعتبار، وليس كلّ من الإيجاد والوجود فعلاً مستقلّاً للفاعل في قبال الآخر.
وأظنّ أنّهم تفطّنوا إلى أنّه لو بني على استثناء الأفعال الإراديّة مباشرة من قاعدة: أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، وقيل بكفاية الإمكان فيها، لأمكن دعوى كفاية الإمكان في الاُمور التكوينيّة أيضاً، وبهذه الدعوى ينسدّ باب إثبات الصانع، فالتزموا بحالة متوسّطة بين الوجوب والإمكان في الأفعال الإراديّة بتوسيط أمر لا يتصوّر القول به في الاُمور التكوينيّة، وهو إعمال القدرة، غفلة منهم عن أنّ الكلام ينقل إلى هذا الأمر المتوسّط، وهو إعمال القدرة؛ إذ هذا اعتراف بكفاية الإمكان بالمباشرة وبلا توسيط أمر في تحقّق إعمال القدرة. ولو أمكن دعوى كفاية الإمكان في هذا الأمر، أمكن دعواها في الاُمور التكوينيّة؛ لعدم وجود نكتة فنّيّة للفرق.
وأساس كلّ هذه الاشتباهات هو تخيّل انحصار النسبة في الوجوب والإمكان.
ونحن نقول: إنّ نسبة الفعل الاختيارىّ إلى فاعله هي بالتعبير الاسمىّ نسبة السلطنة، وبالتعبير الحرفىّ نسبة (له أن يفعل، وله أن لا يفعل). فنحن ننكر انحصار النسبة في الوجوب والإمكان، ونؤمن بأنّ النسب ثلاثة: نسبة الوجوب، ونسبة الإمكان، ونسبة السلطنة، أو (له أن يفعل، وأن لا يفعل). ونؤمن بأنّ موضوع القاعدة العقليّة الصادقة في كلّ
', '', 441), (21, 442, 'book', 'العالم بالدقّة: هو الجامع بين الوجوب والسلطنة، لانفس الوجوب فقط. فالقاعدة التي تصحّ في كلّ المواضع هي: (أنّ الشيء لايوجد إلّا بالوجوب أو السلطنة)، لا (أنّ الشيء بشكل عامّ ما لم يجب لم يوجد) نعم، بما أنّ السلطنة غير موجودة في العلل التكوينيّة فوجود معلولاتها لا يكون إلّا بالوجوب. هذا.
وما ادّعيناه من وجود نسبة اُخرى إلى صفّ نسبة الوجوب والإمكان، يكون بحسب عالم التصوّر بديهيّاً، كبداهة الوجوب والإمكان والوجود والعدم، فلا غبار بحسب عالم التصوّر على وجود نسبة ثالثة في قبال نسبة الوجوب والإمكان، فهذه غير الوجوب وغير الإمكان: أمّا أنّها غير الوجوب؛ فللتضاد الواضح بين عنوان (له أن يفعل) وعنوان (لابدّ له أن يفعل).
وأمّا أنّها غير الإمكان؛ فلأنّ الإمكان عبارة عن القابليّة، وهي التأهّل للقبول، وهذا مفهوم لا يتصوّر إلّا بين الشيء وقابله، دون الشيء وفاعله، بخلاف مفهوم (له). هذا.
وبالإمكان أن نقيم برهاناً على وجود نسبة السلطنة واقعاً في الجملة، ويكون هذا أوّل مرّة في تأريخ هذه المسألة؛ لعدم الاقتصار في مقام إثبات هذه السلطنة على الوجدان، وإثباتها بالبرهان.
وبيان ذلك إجمالاً: أنّ هناك قاعدتين عقليّتين ثابتتين في محلّهما:
1 ـ إنّ الممكن بالذات يستحيل أن يصبح علّة للمحال بالذات ولو فرض أنّ المحال بالذات قد يكون معلولاً لمحال آخر.
2 ـ إنّ المحال بالذات يستحيل أن يكون معلولاً ولو لمحال ذاتىّ آخر.
وبعد هذا نقول: إنّ ارتفاع ضدّين وجوديّين لا ثالث لهما كالحركة والسكون ـ بعد فرض وجود جسم مثلاً كي يتّصف بالحركة والسكون ـ محال بالذات، كارتفاع النقيضين. وحينئذ نلفت النظر إلى ضدّين لا ثالث لهما، ونقول:
إنّ من الممكن أن لا يوجد في سلسلة العلل لهذين الضدّين مرجّح لأحدهما على الآخر. فلو ثبت هذا الإمكان (من دون حاجة إلى دعوى الفعليّة كما قيل في رغيفي الجائع وطريقي الهارب كي يقال لا برهان على عدم المرجّح)، قلنا: إنّه لو بني على انحصار النسبة خارجاً في الوجوب والإمكان، للزم كون الممكن بالذات ـ وهو عدم المرجّح لكلّ
', '', 442), (21, 443, 'book', 'من الضدّين ـ علّة لارتفاع الضدّين اللذين لا ثالث لهما، الذي هو محال بالذات. وهذا انخرام لكلتا القاعدتين العقليّتين اللتين أشرنا إليهما. ولو قلنا باستحالة انتفاء المرجّح في سلسلة العلل، لزم انخرام القاعدة الثانية فحسب، في حين لو سلّمنا وجود النسبة الثالثة في الخارج، فلا يبقى هناك إشكال؛ إذ يوجد أحد الضدّين ـ حينئذ ـ بالسلطنة بلا حاجة إلى مرجّح(1).
إذا عرفت هذا قلنا في المقام: إنّ الضرورة التكوينيّة ـ التي هي النسبة بين الفعل وفاعله، من دون فرق بين الأفعال، على مذهب الفلاسفة ـ تكون في عرض السلطنة التي هي النسبة عندنا بين الفعل وفاعله المختار، في حين أنّ الحسن والقبح عبارة عن ضرورة خلقيّة، وهي في طول السلطنة؛ إذ لا تتّصف الاُمور غير الاختياريّة بالحسن والقبح، وتباين ماهيّة الضرورة التكوينيّة، وإلّا لكانت خلف فرض السلطنة المفروضة في الرتبة السابقة عليها.
فالضرورة الخلقيّة عبارة عن كون الأولى أن يقع هذا الفعل أو أن لا يقع، والضرورة التكوينيّة عبارة عن أنّه لا يمكن أن لا يقع أو أن يقع. وليس المقصود بيان التعريف المنطقىّ؛ فإنّ الأولويّة وكذا الضرورة التكوينيّة وما أشبه ذلك كالإمكان والامتناع والوجود والعدم مفاهيم واضحة، ومن أوضح المفاهيم، ولا يمكن توضيحها بمفاهيم اُخرى، وإنّما المقصود إلفات النظر وتوجيهه نحو المعنى الخاصّ، وهو ـ كما اتّضح ـ الضرورة الخلقيّة: وهي نسبة واقعيّة بين السلطنة والفعل.
بقي هنا شيء، وهو: أنّ المشهور جعلوا الحسن والقبح عبارة عن صحّة المدح والذمّ عليه.
$
', '(1) قد يقال: إنّ هذا ليس دليلاً على وجود السلطنة خارجاً؛ إذ فرض وجود السلطنة خارجاً لايرفع الإشكال؛ ذلك لأنّه حتّى لو كانت السلطنة موجودة خارجاً بإمكاننا أن نقول: إنّ عدم المرجّح منضمّاً إلى عدم السلطنة ـ ولو محالاً ـ علّة لارتفاع الضدّين اللذين لاثالث لهما، في حين أنّ ارتفاعهما مستحيل بالذات، وقد قلنا: إنّ المستحيل بالذات لا يكون معلولاً ولو لأمر محال، فقد عاد الإشكال.
والجواب عن ذلك: أنّ السلطنة نسبتها إلى الوجود والعدم سيّان، فليست هي علّة للوجود كي يدخل عدمها في علّة العدم، فعلّة عدم الضدّين إنّما هي عدم المرجّح في ظرف عدم السلطنة، أي: إنّ عدم السلطنة قيد للعلّيّة لا للعلّة. فإن كان هذا القيد ثابتاً، إذن العلّيّة ثابتة، وبالتالي قد ثبت الإشكال؛ لأنّ عدم المرجّح أصبح علّة لمستحيل بالذات، وهو انتفاء ضدّين لا ثالث لهما، وإن كان هذا القيد غير ثابت: بأن كانت السلطنة موجودة خارجاً إذن فالعلّيّة غير ثابتة، فيرتفع الإشكال من أساسه.
', 443), (21, 444, 'book', '
ولكن التحقيق: أنّ هذا يستلزم المحال بعد الالتفات إلى وضوح عدم صحّة المدح والذمّ لمن فعل الحسن أو القبيح مع جهله بحسنه أو قبحه.
فمثلاً: من ارتكب القتل والغارة مع جهله بقبحه؛ لكونه قد عاش في مجتمع يفتخرون بذلك، ويرونه شجاعة، ويمارسونه باعتقاد كونه فضيلة وامتيازاً للإنسان، فتغطّى عقله العملىّ بعيشه في بيئة من هذا القبيل، فلم ير هذا الفعل قبيحاً، فارتكب القتل والغارة، لم يصحّ ذمّه ذمّاً عقابيّاً، وإن صحّ تنقيصه من سنخ تنقيص الشخص الغبىّ الذي لا يدرك ما هو من واضحات العقل النظرىّ. فلو كان الحسن والقبح يعني صحّة المدح والذمّ ـ في حين نرى أنّ صحّتهما تتوقّف على علم الفاعل بهما ـ لزم كون حسن فعله وقبحه متوقّفاً على علمه بذلك، وتوقّف الشيء على العلم به مستحيل.
والجواب بأخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول أو ما يشابه ذلك لا يأتي هنا؛ لاختصاصه بباب الجعل والتشريع، ومفروض الكلام هو كون الحسن والقبح أمرين واقعيّين وثابتين بغضّ النظر عن جعل أىّ جاعل واعتبار أىّ معتبر.
والتفكيك بين الجعل والمجعول ـ بمعنى من المعاني ـ إنّما يمكن في الاعتباريّات، دون ما هو من الموجودات الخارجيّة، ولا ما هو من موجودات لوح الواقع ـ بحسب مصطلحنا ـ الذي هو أوسع من لوح الخارج.
والتحقيق: أنّ صحّة المدح والذمّ أو عدم صحّتهما ليسا إلّا عبارة عن حسن المدح والذمّ أو قبحهما. وليس المدح والذمّ إلّا فعلاً من أفعال الإنسان، يتّصف ـ كسائر أفعاله ـ بالحسن والقبح، فالقتل والغارة ـ مثلاً ـ محكومان بالقبح، وذمّ صدورهما عن الشخص محكوم بالحسن، والحكم الثاني اُخذ في موضوعه علم الفاعل بالحكم الأوّل، ولا إشكال في ذلك(1).
$
', '(1) لا يخفى أنّ تعريف الحسن والقبح بالمدح والذمّ إن كان بمعنى التعريف المنطقىّ، فهذا غير معقول؛ فإنّهما مفهومان أوّليّان واضحان لا يعرّفان بشيء آخر. على أنّ صحّة المدح أو الذمّ لا تعني إلّا حسنهما أو عدم قبحهما، فهذا تفسير للشيء بنفسه، ولكنّ الواقع: أنّ المدح والذمّ هما عين قولنا: إنّ هذا حسن وهذا قبيح، فقولنا: (هذا حسن) هو مدح، وقولنا: (هذا قبيح) هو ذمّ. فصحّ أن يقال كإلفات للنظر ـ لا كتعريف ـ: إنّ الحسن والقبيح عبارة عمّا يستحقّ عليه المدح والذمّ، بمعنى: أنّ الحكم بالحسن والقبح هو عين المدح والذّم. وأمّا لزوم أخذ العلم بالشيء في موضوع نفسه؛ لأنّ صحّة المدح والذمّ تتوقّف على علم الفاعل بالحسن والقبح، فجوابه: أنّ المدح والذمّ تارة يرجعان إلى صدور الفعل عن الفاعل، أو قل: إلى ذات الفعل، واُخرى يرجعان إلى السريرة، وكون هذا الشخص في سريرته خبيثاً أو طيّباً. فإن قصد أنّ رجوعهما إلى الفعل مشروط بالعلم، فهو ممنوع، وإن قصد أنّ دلالة العمل على خبث السريرة وطيبها مشروطة بالعلم بحسن الفعل وقبحه، فهذا صحيح، ولا يلزم من ذلك أخذ العلم بالشي ء في موضوع نفسه. هذا.
والظاهر: أنّ المشهور عرّفوا الحسن والقبح بمدح الفاعل وذمّه، وكأنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) كان بصدد ردّ ذلك، وعليه كلامه (رضوان الله عليه) صحيح.
', 444), (21, 445, 'book', '
ما يستدلّ به على عدم الحقّانيّة
وأمّا الأمر الثاني: وهو الكلام فيما يمكن الاستدلال به على عدم حقّانيّة ما يدركه الناس من الحسن والقبح، فنذكر هنا براهين ثلاثة على ذلك:
البرهان الأوّل: برهان أشعرىّ، وهو مركّب من صغرى وكبرى استفادوهما من العقل النظرىّ: أمّا الصغرى فهي مجبوريّة الناس على أعمالهم. وهذه ممنوعة عندنا، وأمّا الكبرى فهي عدم اتّصاف الفعل الخارج عن القدرة بالحسن والقبح. وهذه صحيحة. ويستنتج من هاتين المقدّمتين عدم اتّصاف أفعال الناس بالحسن والقبح. وهذا هو الوجه الوحيد الموجود في كلمات الأشعريّين الذي يمكن أن يجعل دليلاً على بطلان العقل العملىّ. وأمّا ما عدا ذلك من الوجوه المذكورة في كلماتهم، فلا ينبغي الشكّ في أنّها لا تفيد أكثر من عدم ضمان حقّانيّة العقل العملىّ.
والتحقيق: أنّ هذا الوجه ـ أيضاً ـ لا يفيد إنكار صحّة العقل العملىّ؛ فإنّ العقل العملىّ لا يحكم إلّا بقضيّة شرطيّة، وهي: إنّ الفعل إن كان اختياريّاً، اتّصف بالحسن والقبح. وإنكار الشرط لا يؤدّي بنا إلى إنكار القضيّة الشرطيّة، بل ظاهر سوق الدليل بهذا الشكل هو التسليم بحسن الأفعال وقبحها على تقدير اختياريّتها.
نعم، يمكن أن يتخيّل أنّ العقل العملىّ يحكم ابتداءً بحسن بعض أفعال الناس وقبح بعضها، فيجعل ما مضى من البرهان الأشعرىّ برهاناً على بطلان العقل العملىّ، ولكن لدى التحليل يظهر أنّ حكم العقل بالبداهة بحسن بعض أفعال الناس وقبح بعضها مرجعه إلى حكم العقل النظرىّ بصغرى بديهيّة، وهي: الاختيار. وحكم العقل العملىّ بكبرى بديهيّة، وهي: اتّصاف الفعل الاختيارىّ بالحسن والقبح، فتنتقل النفس ـ التي هي مركز واحد
', '', 445), (21, 446, 'book', 'لكلا الإدراكين ـ إلى النتيجة بكمال الوضوح؛ إذ كانت المقدّمتان مع التطبيق بديهيّة، فصارت النتيجة في قوّة البديهىّ.
البرهان الثاني: برهان فلسفىّ، وأقصد بذلك برهاناً قد نصوغه على وفق مباني الفلاسفة، وإن كانوا هم لم يذكروا هذا البرهان، وهو: أنّ الحسن والقبح لو كانا واقعيّين: فإمّا أن يكونا انتزاعيّين، أو من الأعراض المتأصّلة في المحلّ.
وبتعبير آخر: إمّا أن يكونا من المعقول الثانوىّ بحسب مصطلح الفلاسفة، أو من المتأصّلة العارضة على المحلّ.
وتوضيح هذه الاصطلاحات: أنّ الشيء تارة يتصوّر بعناوينه الذاتيّة من الجنس، والفصل، والنوع، وهذه معقولات أوّليّة، واُخرى يتصوّر بعناوين غير ذاتيّة، كوجوبه، وإمكانه، وسواده، وبياضه، وغير ذلك، وهذه عناوين متأخّرة عن العناوين الأوّليّة. وهي على قسمين:
الأوّل: ما يكون انتزاعيّاً، وهو ما يكون ظرف عروضه هو الذهن، وظرف اتّصافه هو الخارج، كالوجوب والإمكان ونحوهما. وهذا هو المعقول الثانوىّ في المصطلح الفلسفىّ.
الثاني: ما يكون أصيلاً، وهو ما يكون ظرف عروضه واتّصافه هو الخارج، كالسواد والبياض ونحوهما.
فهل الضرورة الخلقيّة أو الحسن والقبح أمر انتزاعىّ ينتزع من الاُمور الحسنة والقبيحة، أو أنّ ظرف عروضها واتّصافها معاً هو الخارج؟ فإن قيل بالأوّل، لزم انتزاع شيء واحد من اُمور متباينة بما هي متباينة؛ إذ الأفعال المتّصفة بالحسن أو القبح قد تكون متباينة بحسب المقولة والماهيّة ولا جامع بينها، بل ربّما ينتزع هذا الشيء الواحد من الوجود والعدم، فوجود الإكرام ـ مثلاً ـ حسن، وعدم الانتقام ـ أيضاً ـ حسن، في حين أنّه لاجامع بين الوجود والعدم.
وإن قيل بالثاني، لزم عدم اتّصاف الأفعال قبل وجودها بالحسن والقبح؛ إذ لا يعقل وجود العرض قبل وجود المعروض، فقبل أن يضرب هذا الشخص اليتيم لا يقبح ضربه، وقبل أن يكرمه لا يحسن إكرامه.
وهذا ـ كما ترى ـ مناف لماهيّة الحسن والقبح والضرورة الخلقيّة، وخلف للعقل العملىّ.
$
', '', 446), (21, 447, 'book', 'ويرد عليه:
أوّلاً: أنّ هذا البرهان ـ كما ذكرنا ـ مصوغ على وفق مباني الفلاسفة، ولكن الإشكال في المبنى؛ فإنّ لوح الواقع عندهم عبارة عن لوح الخارج، فكلّما يدركه العقل إدراكاً صحيحاً، وليس ظرف عروضه هو الخارج، قالوا عنه: إنّه أمر انتزاعىّ انتزعه العقل، وليس أصيلاً.
ولكنّا نرى أن لوح الواقع أوسع من لوح الخارج؛ ولذا نقول: إنّ الإنسان ممكن سواء وجد شخص ينتزع الإمكان من الإنسان، أو لا، والخالق سبحانه واجب سواء تصوّر أحد وجوبه، أو لا، وكذلك نقول فيما نحن فيه: إنّ الحسن والقبح ليسا انتزاعيّين ـ بمعنى يقابل الوجود في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الخارج ـ حتّى يرد الإشكال الأوّل، ولا خارجيّين حتّى يرد الإشكال الثاني، بل هما من موجودات لوح الواقع.
وثانياً: لو سلّمنا المبنى، اخترنا في المقام الشقّ الأوّل، وهو كون ظرف العروض هو الذهن، وظرف الاتّصاف هو الخارج، وننكر عدم وجود الجامع الذي يكون منشأً للانتزاع؛ إذ الجامع بين الأفعال المختلفة ماهيّة والأعدام المتّصفة بالحسن والقبح هو دخولها تحت السلطنة وكونها في طول السلطنة. وقد مضى أنّ اتّصاف الأشياء بالضرورة الخلقيّة إنّما هو بهذا الاعتبار. فأصل الضرورة الخلقيّة تابع لأصل السلطنة، وهي الجامع، وتحصّصات هذه الضرورة ـ بكونها ضرورة الصدق، أو الوفاء، أو ترك الانتقام، وما إلى ذلك ـ تابعة لتحصّصات نفس السلطنة، بكونها سلطنة على الصدق، أو الوفاء، أو ترك الانتقام، وما إلى ذلك(1).
$
', '(1) قد يقال: لو كانت الضرورة الخلقيّة منتزعة من جامع كون الشيء داخلاً تحت السلطنة، للزم ثبوتها في كلّ الأفعال والتروك التي هي تحت السلطنة، في حين أنّه يوجد كثير من الاُمور تحت السلطنة التي لا تتّصف بالضرورة، ولزم كون فعل واحد وجوده وعدمه في آن واحد ضروريّاً بالضرورة الخلقيّة؛ لأن نسبة السلطنة إليها على حدّ سواء.
إلّا أنّ هذا الإشكال قد يجاب عنه بافتراض موانع عن هذا الانتزاع في كلّ ما لا يتّصف بصفة الضرورة الخلقيّة، بنوع من المانعيّة ملائمة مع عالم الانتزاع. هذا.
ولكنّ العقل المدرك للحسن والقبح لدى من يعترف به حاكم بأنّه ليس مجرّد كون الشيء تحت السلطنة تمام المقتضي للحسن والقبح، بل لمتعلّق السلطنة دخل اقتضائىّ في ذلك، فيلزم انتزاع الشيء من اُمور متباينة بما هي متباينة. فالجواب الصحيح هو الجواب الأوّل في المقام.
', 447), (21, 448, 'book', '
البرهان الثالث: ما ذكره بعض الكلاميّين، وهو مبتن على مقدّمة فرضت مفروغاً منها، وهي: إنّ ما يعرض على الأشياء حقيقة وواقعاً ـ لا جعلاً واعتباراً ـ يجب أن يكون ذاتيّاً لكلّ ما يعرض عليها أو لبعضها؛ إذ كلّ ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات.
ونحن لا نتكلّم هنا عن مدى صحّة هذه المقدّمة وعدمها؛ لاستلزامه الخروج عمّا يقتضيه المقام، ونبحث الأمر بناءً على صحّة هذه المقدّمة، فنقول:
إنّ البرهان الذي ذكر في المقام على عدم واقعيّة الحسن والقبح، هو أنّهما لو كانا واقعيّين لكانا ذاتيّين، مع أنّهما ليسا ذاتيّين؛ لما نرى من اختلافهما بالوجوه والاعتبارات.
وأجيب عن ذلك بأنّ الحسن ذاتىّ للعدل، والقبح ذاتىّ للظلم، ولا يختلف العدل والظلم في الحسن والقبح باختلاف الوجوه والاعتبارات. وأمّا ما نراه من كون الصدق ـ مثلاً ـ تارة حسناً، واُخرى قبيحاً، أو ضرب اليتيم كذلك، وما إلى ذلك من الاُمور، فهذا ينشأ عن اختلاف الحالات في الدخول تحت هذه الكبرى أو تلك. فمتّى ما كان الصدق أو ضرب اليتيم أو غير ذلك عدلاً، كان حسناً، ومتّى ما كان ظلماً، كان قبيحاً. فصحّ هنا ـ أيضاً ـ أنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات.
ويرد عليه: ما سيأتي إن شاء الله في الأمر الثالث: من أن قولنا: العدل حسن والظلم قبيح ليس إلّا قضيّة بشرط المحمول.
والصحيح في الجواب: أوّلاً: ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في الأمر الثالث: من أنّ الحسن والقبح لا يختلفان باختلاف الوجوه والاعتبارات. فالصدق في ذاته ـ دائماً ـ حسن، والكذب في ذاته ـ دائماً ـ قبيح، وهكذا غيرهما من العناوين التفصيليّة للفضائل والرذائل. ولكن ما يتراءى من الاختلاف ينشأ عن مسألة التزاحم، كما سنبيّن ذلك إن شاء الله.
وثانياً: لو سلّمنا وقوع الاختلاف في الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات، فتلك الوجوه والاعتبارات مأخوذة كقيد فيما هو حسن أو قبيح، لا كمجرّد حيثيّات تعليليّة. وهذا لا ينافي الذاتيّة بالمعنى الذي ينبغي أن يكون مقصوداً من قولهم: «إنّ الأمر الواقعىّ يجب أن يكون ذاتيّاً»؛ إذ لو أرادوا من هذه الجملة: أنّ الأمر الواقعىّ يجب أن لايؤخذ في متعلقه قيد، فهذا كلام غير قابل للتعقّل، ولو أرادوا منها ذاتيّة الأمر الواقعىّ للحصص، أو لبعضها ممّا ترجع إليها باقي الحصص، فهذا ثابت في المقام؛ لأنّنا افترضنا تلك الوجوه والاعتبارات كقيود محصّصه، لا كحيثيّات تعليليّة.
$
', '', 448), (21, 449, 'book', 'مدى حقّانيّة العقل العملىّ
وأمّا الأمر الثالث: وهو الكلام في مدى حقّانيّة العقل العملىّ، فهنا موقفان:
موقف المثبتين، وموقف المشكّكين.
أمّا الموقف الأوّل: فقد ذكروا لبيان حقّانيّة العقل العملىّ وجهين:
الوجه الأوّل: أنّ قضايا العقل العملىّ اتّفاقيّة بين تمام العقلاء، اذن فهي حقّة.
ومن الواضح: أنّ مجرّد اتّفاق العقلاء ليس بالمباشرة دليلاً على الصحّة والحقّانيّة. فكأنّ المقصود من الاستدلال به ما يكون من سنخ الاستدلال بالتجربة، بأن يقال: إنّ المعارف البشريّة النابعة من حاقّ النفس تكون مضمونة الصحّة، ويستحيل فيها الخطأ، بخلاف المعارف التي يتدخّل فيها الاُمور الخارجة عن النفس، ومعرفة الضرورة الخلقيّة هي من المعارف النابعة من حاقّ النفس؛ بدليل اتّفاق العقلاء عليها؛ إذ إنّ اتّفاقهم عليها شاهد على كون المنشأ لهذه المعرفة أمراً مشتركاً بين الجميع؛ إذ لو كان المنشأ لها أمراً غير مشترك بين الجميع، لما حصل اتّفاق الجميع عليها، وليس هناك شيء مشترك بين الجميع عدا النفس البشريّة، فتثبت أنّ هذه المعرفة نابعة من النفس وفطريّة للإنسان.
ويرد عليه: أنّ من عاشرناهم ورأيناهم من الناس لم يكن الأمر المشترك بينهم منحصراً في النفس البشريّة، بل هم مشتركون ـ أيضاً ـ في تعايشهم في مجتمع إنسانىّ، ومشاهدتهم لقوانين مقنّنة في المجتمع، وتربيتهم في حجر الأب والاُمّ أو المعلّم ونحو ذلك(1). فمن احتمل كون هذه المعرفة مستوحاة من تلك القوانين والمجتمعات والتربية والتعليمات، لم يمكن إثبات عدمه له بهذا الوجه، ومن لايحتمل ذلك لايحتاج إلى هذا الوجه.
الوجه الثاني: ما ذكره بعض: من أنّه لو خلق إنسان منفرداً، وعاش منفرداً، ولم يشاهد أىّ مجتمع أو تعليم وتربية ونحو ذلك، ثُمّ حمل على الإخبار بشيء ما، ولم توجد له أىّ فائدة صدفة في الكذب، فهذا الإنسان سيصدق في إخباره، وهذا شاهد على أنّه يدرك
', '(1) والمجتمعات والتعاليم المختلفة مشتركة في كثير من المناشئ، كالمصالح والغرائز، فمن لا يدرك بوجدانه حقّانيّة الحسن والقبح، يحتمل أنّ المقدار المشترك بين الناس من الحسن والقبح المعترف بهما عند جميع المجتمعات ناشئ من التعاليم الاجتماعيّة المستوحاة من تلك المصالح والغرائز. وطبعاً أنّ تعاليم من هذا القبيل لا يشترط فيها التطابق الكامل والشامل لتمام الموارد مع المصالح والغرائز حتّى ينقض ببعض الموارد التي نرى الحسن والقبح المعترف بهما اجتماعيّاً يتخلّفان عن المصالح والغرائز.
', 449), (21, 450, 'book', '
حسن الصدق وقبح الكذب.
وهنا ـ أيضاً ـ من الواضح: أنّ مجرّد إدراك هذا الشخص ليس دليلاً مباشراً على المطلوب. وكأنّه ذكر ذلك لجبر النقص الذي أحسّ به ـ ولو ارتكازاً ـ في الوجه الأوّل من ثبوت جامع آخر من التعايش في المجتمع وملاحظة القوانين وما شابه ذلك، ففرض شخص فاقد لذلك كي يكون توافقه لباقي العقلاء في درك الحسن والقبح دليلاً على كون هذا الدرك نابعاً من حاقّ الفطرة والنفس البشريّة.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنّ هذا صرف فرض وخيال، ولم نجرّبه خارجاً كي نرى هل يدرك هذا الإنسان الضرورة الخلقيّة، أو لا؟ وهذا الفرض يقابله فرض الشيخ الرئيس ابن سينا حيث ذكر بصدد الاستشهاد على عدم ثبوت واقعيّة العقل العملىّ: أنّنا لو فرضنا شخصاً وجد وعاش منفرداً، لا يكون مدركاً بعقله ولا بوهمه ولا بحسّه الحسن والقبح.
والواقع: أنّ كلا الفرضين لا يفيدنا بحسب الفنّ شيئاً.
وثانياً: أنّه لو سلّمنا في الجملة العلم بأنّ هذا الشخص سيختار الصدق، فإنّ هذا العلم لو تحقّق، فإنّما يتحقّق لمن يدرك سابقاً واقعيّة الحسن والقبح، فإدراكه السابق لذلك يجرّه إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان الذي وجد وعاش منفرداً سيختار الصدق. أمّا من لا يدرك واقعيّة الحسن والقبح، فلا مسوّغ له لدعوى العلم بأنّ هذا الشخص سيختار الصدق؛ كي يجعل هذا دليلاً على واقعيّة الحسن والقبح.
وثالثاً: لو سلّم ـ على رغم فرض عدم إدراكنا السابق لواقعيّة الحسن والقبح ـ أنّ هذا الإنسان سيختار الصدق، تطرّق احتمال أن يكون اختياره للصدق لميل وغريزة نفسانيّة في الطبع البشرىّ يدفعه نحو الصدق متى ما لم تكن له مصلحة في الكذب، أو أن يكون اختياره للصدق لإدراكه بالعقل النظرىّ مصلحة الصدق ومفسدة الكذب على ما قاله الفلاسفة من كون إدراك مصالح الاُمور الحسنة ومفاسد الاُمور القبيحة واضحة لدى كلّ عاقل، وقد مضى أنّ إدراك الحسن والقبح غير مرتبط بباب الميل والغريزة، وبباب المصلحة والمفسدة.
وأمّا الموقف الثاني: وهو موقف التشكيك في العقل العملىّ: فتارة يكون بالمنطق الأخبارىّ، واُخرى بالمنطق التجريبىّ، وثالثة بالمنطق العقلىّ.
أمّا المنطق الأخبارىّ: فهو دعوى كثرة الأخطاء في العقل العملىّ ببرهان وقوع
', '', 450), (21, 451, 'book', 'الاختلاف الكثير فيه بين الناس؛ إذ لا يمكن حقّانيّة الآراء المتضادّة جميعاً، فلا يبقى اعتماد على العقل العملىّ.
وهذا الكلام يمكن أن يكون المراد منه منع حصول الإدراك العقلىّ للحسن والقبح، وقد مضى الكلام فيه، ويمكن أن يكون المراد منه منع ضمان الحقّانيّة، وهذا هو الذي نتكلّم عنه الآن.
وقد اُورد على ذلك تارة بالنقض بمسألة قبح إجراء المعجز على يد الكاذب، وقبح المعصية، وحسن الطاعة والمعرفة. وقد مضى الجواب عن ذلك.
واُخرى بالحلّ: بأنّ العقل العملىّ قد أدرك حسن العدل وقبح الظلم، ولم يقع خلاف في ذلك، وإنّما الخلاف في تطبيق هاتين الكبريين العقليّتين.
والجواب: أنّ قولنا: العدل حسن والظلم قبيح ضروريّتان بشرط المحمول، ونحن نشرح الكلام في ذلك بالنسبة إلى قولنا: (الظلم قبيح)، ومنه يظهر الكلام في قولنا: (العدل حسن)، فنقول: لايتحصّل معنىً معقول للظلم عدا سلب ذي الحقّ حقّه. فقد فرض في الرتبة المتقدّمة على هذا الكلام حقّ للمظلوم، سواء كان هو غير الظالم، أو كان هو نفس الظالم، كما في ظلم الشخص نفسه(1) ؛ إذ يكفي التغاير بين الظالم والمظلوم بالاعتبار، ونحن نتكلّم فيما يجب أن يكون مفروضاً في الرتبة المتقدّمة على الظلم، وهو الحقّ، فنقول:
إنّ هذا الحقّ تارة يفترض أنّه ليس مدركاً بالعقل، وإنّما هو حقّ قانونىّ واعتبارىّ بحت، واُخرى يفترض كونه مدركاً بالعقل:
فإن فرض الأوّل: فمن الواضح: أنّ العقل العملىّ لا يدرك قبح مخالفته؛ لعدم اعترافه به، وإنّما الحاكم بقبحها هو القانون والمجتمع أو الفرد الذي اعتبر هذا الاعتبار؛ ولذا ترى أنّ ما يقبح في مجتمع رأس مالي من تصرّفات في أموال لايقبح في مجتمع شيوعىّ مثلاً، باعتبار أنّ ملكيّة الفرد وسلطنته أمر اعتبارىّ اعتبره المجتمع الأوّل، ولم يعتبره المجتمع الثاني.
وإن فرض الثاني: أي: إنّ العقل العملىّ أدرك الحقّ، فهذا بنفسه هو الإدراك للقبح. فمعنى قولنا مثلاً: (إنّ من حقّ اليتيم أن لايضرب) هو أنّه يقبح ضرب اليتيم. فقولنا: (الظلم
', '(1) ظلم الشخص نفسه بمنطق العقل العملىّ غير معقول، إلّا بمعنى: أن يرتكب في حقّ نفسه ما حرّمه عليه المولى، كقتل نفسه؛ إذ هو مملوك للمولى لا لنفسه، وهذا راجع إلى ظلم المولى. ولا نتعقّل أىّ تغاير اعتبارىّ في الرتبة المتقدّمة على الظلم بين الشخص ونفسه بنحو يوجب تعقّل ظلم الشخص نفسه.
', 451), (21, 452, 'book', '
قبيح) يرجع بالأخرة إلى قولنا: (القبيح قبيح)، وهذه قضيّة بشرط المحمول.
وبتعبير آخر: أنّ قولنا: الظلم قبيح لا يصلح إلّا أن يكون منبّهاً ومشيراً إلى عدّة قضايا مفروضة في الرتبة السابقة، فقد جعل الظلم اسماً لكلّ ما فرض في المرتبة السابقة قبحه، وهذا هو السرّ في عدم الخلاف في قبح الظلم.
والحاصل: أنّ إدخال قولنا: (الظلم قبيح والعدل حسن) في البراهين والأبحاث الفنّيّة ليس إلّا عبارة عن لعب الألفاظ بالاُمور العقليّة والمطالب الفنّيّة، نظير لعب كلمة (بيان) في قولهم: «يقبح العقاب بلابيان» بها، إذ إنّه جاء صدفة التعبير بكلمة (البيان) في لسان أوّل من عبّر عن هذا القانون «بقبح العقاب بلابيان»، ثُمّ اُسّس من زمان المحقّق النائينىّ(رحمه الله)إلى زماننا هذا ثلث الاُصول على هذا اللفظ، كما يتّضح ذلك بمراجعة ما مضى من بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقىّ، وما يأتي ـ إن شاء الله ـ من بحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ.
والصحيح في دفع منشأ التشكيك للأخبارىّ أن يقال: إنّ العقل العملىّ ينقسم إلى قسمين: عقل أوّل، وعقل ثان. كما قسّموا العقل النظريّ إلى قسمين: بديهىّ أوّلىّ، وبرهانىّ ثانوىّ (ونحن أضفنا إليهما الإدراك بحساب الاحتمالات). والعقل الأوّل يدرك حسن الأشياء وقبحها بقطع النظر عن مسألة التزاحم، والعقل الثاني يميّز الأهمّ من المهمّ عند التزاحم. وكثرة الاختلاف إنّما هي في الثاني، حتّى أنّ ما يحكى: من أنّ بعض المجتمعات تكون الرئاسة فيها مختصّة بقاتل الرئيس السابق، وليس قتل الرئيس قبيحاً عندهم، بل من يقتله ويقوم مقامه يرونه مستحقّاً للمدح، يرجع في الحقيقة إلى ما ذكرناه: من الاختلاف بينهم وبين المجتمعات التي شاهدناها في تمييز الأهمّ من المهمّ لدى التزاحم. فكلّ إنسان يدرك أنّ الطموح وطلب العزّ والرفعة في نفسه حسن(1)؛ ولذا ترى المجتمعات الاُخرى يحسّنون ذلك في غير موارد التزاحم بقبيح كالقتل. كما أنّ كلّ إنسان يدرك قبح قتل الإنسان في نفسه؛ ولذا ترى ذاك المجتمع الذي كان يحسّن قتل الرئيس
', '(1) الحسن والقبح العقليّان بالمعنى المدرك للعقل العملىّ لا يتصوّران بنحو تكون لهما واقعيّة حقيقيّة في فعل بشأن نفس الفاعل. نعم، يتصوّر بشأنه المصلحة والمفسدة والكمال والنقص. وحينما يؤمر من قبل المولى الحقيقىّ بعمل بشأن نفسه يصبح هذا العمل باعتباره امتثالاً لأمر المولى حسناً، لكن هذا بلحاظه امتثالاً لأمر المولى لا بشأن نفس الفاعل.
', 452), (21, 453, 'book', '
بهدف الوصول إلى العزّ يقبّح قتله بغير هذا الهدف، أو قتله قبل رئاسته، أو بعد سقوطه من الرئاسة. فالاختلاف بينهم وبين سائر المجتمعات في تشخيص ما هو الأهمّ من هذين الأمرين. أمّا عدم درك أصل الحسن والقبح، فلايوجد لدى إنسان إلّا ذاك الأبله الذي لا يدرك بديهيّات العقل النظرىّ أيضاً.
والحاصل: أنّ التشكيك الأخبارىّ هنا بلحاظ كثرة الخطأ في العقل العملىّ؛ لما نراه من الاختلافات الكثيرة، وكذا البرهان الثالث من براهين عدم حقّانيّة العقل العملىّ، وهو عدم ذاتيّة الحسن والقبح؛ لاختلافهما باختلاف الوجوه والاعتبارات، ناشئان عن الغفلة عن مسألة التزاحم في باب العقل العملىّ، وتخيّل أنّ العقل العملىّ يدرك حسن عدّة اُمور وقبح عدّة اُمور اُخرى مباينة للاُولى، فيتراءى ـ حينئذ ـ الاختلاف بين العقلاء(1)، كما يتراءى ـ أيضاً ـ الاختلاف في ذلك باختلاف الوجوه والاعتبارات. وبالالتفات إلى هذه النكتة يرتفع كلا الاشتباهين. وكأنّ الغفلة نشأت عن تخيّل أنّ الحسن والقبح المدركين للعقل العملىّ عبارة عن صحّة المدح والذمّ على الحسن والقبيح، وعدم الالتفات إلى أنّ الحسن والقبح المدركين للعقل العملىّ ثابتان في الرتبة المتقدّمة على المدح والذمّ؛ إذ إنّه على هذا لا يبقى مجال لتصوّر اجتماع حسن وقبح على شيء واحد بعنوانين، وترجيح أحدهما على الآخر؛ إذ حسن الشيء ليس إلّا عبارة عن صحّة المدح عليه، وقبحه ليس إلّا عبارة عن صحّة الذمّ عليه. فاختلاف الناس في صحّة المدح والذمّ ليس إلّا اختلافاً في أصل الحسن والقبح، في حين أنّ الواقع: أنّ صحّة المدح والذمّ تكون في المرتبة المتأخّرة عن اعتقاد الفاعل بحسن فعله أو قبحه(2).
$
', '(1) ولا يخفى أنّ الاختلاف بين العقلاء ينشأ كثيراً في الأخلاقيّات التي لا واقعيّة لها، وتكون وليدة للقانون والبيئة والعادات وما شابه ذلك، كما في كشف العورة وحجاب المرأة وغير ذلك ممّا لا حسن وقبح واقعىّ فيه ما لم يفرض أمر من قبل المولى الحقيقىّ، فيرجع إلى حسن الامتثال وقبح المعصية. وينبغي الفصل بين الأخلاقيّات التي لها واقع مستقلّ والأخلاقيّات التي لا واقع لها عدا القوانين والعادات، والخلط بينهما قد يؤدّي إلى التشكيك الأخبارىّ الذي عرفت باعتبار مشاهدة الاختلافات بين العقلاء.
(2) لايخفى أنّ القبح وكذا الحسن الثابتين بنحو المطلق الشمولىّ يسريان إلى الحصص، فالحصّة التي يتصادق عليها العنوانان يتكاسر فيها الحسن والقبح، ويثبت فيها الأقوى فقط. وهذا كاف في غفلة صاحب الشبهة عن مسألة التزاحم، حيث لايرى في الحصص الّا حسناً فقط أو قبحاً فقط، من دون حاجة إلى الرجوع إلى افتراض أنّ الحسن والقبح يعني صحّة مدح أو ذمّ الفاعل على الفعل. ولو كان مقصوده (رضوان الله عليه) من اجتماع الحسن والقبح عدم التكاسر في الحصّة لعدم سريانها إليها، فهذا غير صحيح.
', 453), (21, 454, 'book', '
وأمّا المنطق التجريبىّ: فهو دعوى أنّ المصدر الأساس للمعارف البشريّة المضمونة الصحّة هي التجربة، وكلّ علم لم ينشأ عن التجربة يمكن أن يكون مطابقاً للواقع، ويمكن أن يكون مخالفاً له، ومن هذا القبيل العلم بالحسن والقبح الذاتيّين.
وإشكالنا على هذا المنطق مبنائىّ؛ إذ حقّق في محلّه عدم كون التجربة المصدر الأساس للمعرفة، واحتياجها إلى الرصيد العقلىّ الثابت في الرتبة المتقدّمة عليها، وليس هنا مجال تفصيل الكلام في ذلك.
وأمّا المنطق العقلىّ: فهو دعوى عدم ارتباط العقل العملىّ بالبرهان بموادّها وفروعها.
وهذا الوجه قائم على أساس القول بانحصار ضمان حقّانيّة أىّ قضيّة في كونها برهانيّة، أي: من موادّ البرهان، وهي البديهيّات الستّ، أو من الفروع المترتّبة على ذلك بالحدّ الأوسط.
أمّا كيف يقرّب عدم ثبوت هذا الضمان بالنسبة إلى العقل العملىّ؟ فهذا ما يتحدّث عنه المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) بالشكل التالي:
ذكر(رحمه الله) أنّ البديهيّات منحصرة في ستّة أقسام: الأوّليّات، والفطريّات، والحسّيّات، والتجريبيّات، والحدسيّات، والمتواترات.
وقضايا العقل العملىّ لا تدخل في شيء من هذه الأقسام الستّة:
أمّا عدم دخولها في الأربعة الأخيرة، فواضح.
وأمّا الفطريّات فلا علاقة لقضايا العقل العملىّ بها؛ إذ القضايا الفطريّة ـ دائماً ـ تكون منطوية على قياس، كما في قولنا: الأربعة زوج، الذي قياسه معه، ولاينفكّ منه لغاية ظهوره، وهو انقسامها إلى المتساويين، أمّا في قبح الظلم ـ مثلاً ـ فلا نرى أىّ قياس مستبطن فيه.
وأمّا الأوّليّات فهي التي يكفي تصوّر طرفيها للجزم بالحكم، وليس الأمر في باب العقل العملىّ كذلك، وإلّا لما وقع الخلاف فيه.
أقول: أمّا ما أفاده تبعاً للمنطق القديم: من كون موادّ البرهان ـ وهي البديهيّات ـ ستّ، فقد مضى الكلام فيه، وعرفت أنّ الصحيح انحصارها في ثلاثة؛ لأنّ التجريبيّات والحدسيّات والمتواترات غير مضمونة الصحّة، والمضمون صحّته هو: الأوّليّات،
', '', 454), (21, 455, 'book', 'والفطريّات، وكذا الحسّيّات بالنسبة إلى وجود واقع في الجملة(1) دون مطابقة الواقع في الخصوصيّات. وعلى أىّ حال، فهذه النكتة لا تكون دخيلة فيما هو المقصود؛ إذ لا نزاع في عدم كون العقل العملىّ دخيلاً في الأربعة الأخيرة. وأمّا كيفيّة استنتاجه لعدم ضمان حقّانيّة العقل العملىّ، فكان الأفضل أن يغيّر نهج البيان لذلك؛ إذ ليس ضمان حقّانيّة كلّ واحد من القضايا الستّ أو الثلاث بملاك يخصّه، بل بنكتة مشتركة فيما بينها، وهي: إدراكها من حاقّ النفس ـ بلا دخل شيء آخر خارج عن النفس وقواها ـ أوحى إلى النفس بذلك الحكم، كقانون أو تأديب أو غير ذلك(2).
فينبغي أن يقال ابتداءً في مقام بيان عدم ضمان حقّانيّة العقل العملىّ: إنّ قضايا العقل العملىّ لا تنبع من حاقّ النفس؛ بدليل وقوع الخلاف فيها بين النفوس. وعلى أيّ حال، فهذا ليس إشكالاً على جوهر كلامه (رضوان الله عليه) بقدر ما هو تحسين لصياغة المنهج. هذا.
والذي ينبغي أن يكون مراده(قدس سره) من هذا الوجه هو التشكيك المنطقىّ في العقل العملىّ، لا التشكيك الاُصولىّ؛ فإنّ هذا الوجه لايفيد أزيد من ذلك.
وعلى أىّ حال، فالاستدلال على عدم ضمان حقّانيّة قضايا العقل العملىّ باختلاف العقلاء فيها باعتباره ـ على حدّ تعبيره ـ شاهداً على عدم كونها من الأوّليّات، أو ـ على حدّ تعبيرنا ـ شاهداً على عدم دخولها في جامع الضرورىّ، وعدم نبعها من النفس وقواها، غير صحيح؛ وذلك لأمرين:
الأوّل: منع ثبوت اختلاف العقلاء في ذلك؛ إذ لو كان المراد بالاختلاف الاختلاف في تمييز الحسن من القبيح بعد تسليم أصل الحسن والقبح، فقد مضى أنّ الاختلاف إنّما هو في باب الترجيح، لا في أصل كون هذا حسناً وذلك قبيحاً(3).
$
', '(1) قد مضى عدوله (رضوان الله عليه) عن ذلك. نعم، المحسوسات بالحسّ الباطنىّ مضمونة الصحّة.
(2) في المحسوسات بالحسّ الباطنىّ نكتة الضمان أقوى من ذلك، وهي: كونها معلومة بالعلم الحضورىّ لدى النفس.
(3)وهناك اختلاف ـ أيضاً ـ في أصل كون هذا حسناً وذاك قبيحاً في الاُمور التي يكون حسنها وقبحها راجعاً إلى القانون أو العادة، ولا واقعيّة في المرتبة المتقدّمة على القانون والعادة، كما في موضوع الحجاب والسفور.
', 455), (21, 456, 'book', '
ولو كان المراد مخالفة الأشعرىّ في أصل الحسن والقبح، قلنا: إنّ الأشعرىّ لم يخالف في الحسن والقبح، وإنّما خالفنا بفرض إسنادهما إلى الشارع. وهذا من باب الخلط بين الحمل الأوّلىّ والثانوىّ وعدم التمييز بينهما، وهو غير الاختلاف في أصل الحسنوالقبح. وهذا نظير الاختلاف في أنّ الوجوب والإمكان ـ مثلاً ـ هل هما انتزاعيّان،كما هو المشهور، أو من لوح الواقع، كما هو المختار، مع الاشتراك في الإيمان بأصل الوجوب والإمكان. إذن فالاختلاف الذي يشير إليه المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) غير ثابت، إلّا إذا قصد بذلك أنّه هو(رحمه الله) يخالفنا في ذلك، ويفرض عدم إدراكه(رحمه الله) لحسن الطاعة وقبح المعصية.
الثاني: أنّه لا مسوّغ لدعوى: أنّ كلّ ما هو مضمون الصحّة لكونه نابعاً من النفس بما لها من القوى فهو متّفق عليه بين العقلاء؛ وذلك لأنّه على رغم اشتراك الناس في قوى النفس قد يقع الخلاف بينهم في بعض ما هو مضمون الصحّة؛ لأحد أمرين:
الأوّل: أنّ الأشخاص مختلفون في تصاعدهم على وفق الحركة الجوهريّة في مراتب النفس وقواها؛ ولهذا تختلف دائرة البديهيّات سعة وضيقاً باختلاف الأشخاص إلى أن نصل إلى الأبله الذي لا يدرك كثيراً من بديهيّات العقل النظرىّ ـ مثلاً ـ التي يدركها متعارف الناس. ومن الممكن أن يوجد شخص في أعلى مراتب علوّ النفس ورقيّها، ويدرك بالبداهة كلّ ما هو نظرىّ عندنا.
الثاني: أنّ فهم النفس قد يغطّى بتأثير من الشبهات العلميّة، أو الشهوات النفسيّة، فلا يدرك ما كان يدركه لولا الشبهات أو الشهوات.
ولذا ترى أنّه في كلّ زمان من الأزمنة وإلى يومنا هذا كان يوجد في العقلاء المفكّرين والفلاسفة الفنّيّين من ينكر استحالة اجتماع النقيضين. هذا.
وقد اتّضح بما ذكرناه: أنّ كلّ ما أفاده القوم في المقام لإثبات مدركات العقل العملىّ أو نفيها أو التشكيك فيها غير صحيح.
$
', '', 456), (21, 457, 'book', 'العقل العملىّ لايخضع للبرهان
والواقع: أنّ أصل الحسن والقبح لا يمكن البرهنة عليه: لا بعقل التجربة، ولا بعقل البرهان، ولا بالبداهة.
أمّا الأوّل: فلوضوح عدم ارتباط قضايا العقل العملىّ بباب التجربة.
وأمّا الثاني: فلأنّ البرهنة على شيء عبارة عن تشكيل القياس، وإثبات الحدّ الأكبر للحدّ الأصغر بواسطة ثبوته للحدّ الأوسط. وذلك موقوف على درك ثبوته للحدّ الأوسط في المرتبة المتقدّمة على هذا القياس. فنحتاج فيما نحن فيه إلى حكم العقل العملىّ بالنسبة إلى الحدّ الأوسط، فننقل الكلام إليه إلى أن ينتهي الكلام إلى ما لا يكون انطباق الحكم عليه بواسطة حدّ آخر، وإلّا لتسلسل.
فنقول: إنّ تلك القضيّة الرئيسة غير ثابتة بالبرهان.
وأمّا الثالث: فلوضوح أنّه لا يمكن البرهنة على أىّ بديهىّ ببداهته.
نعم، يبقى في المقام شيء: وهو أنّ من يدرك حسن شيء أو قبحه هل يمكنه البرهنة على أنّ هذا الإدراك هل هو نابع من حاقّ النفس، أو أنّه ناشئ من تأديب المؤدّبين، وتعليم المعلّمين، وإيحاء المجتمع والقوانين، أو لا؟
والتحقيق: أنّ هذا ـ أيضاً ـ لا يمكن البرهنة عليه، وإنّما الشيء الممكن في المقام هو: أن يعرض هذا الشخص على نفسه في أىّ قضيّة من قضايا العقل العملىّ هذين الاحتمالين، أعني: كون هذا الإدراك ناشئاً عن حاقّ النفس، أو من التأديب والتلقين، فإن احتمل الثاني، أصبح هذا سبباً في الإنسان السوىّ؛ لزوال إدراكه وقطعه بتلك القضيّة. وإذا زال قطعه بذلك، لم يمكن إرجاع القطع؛ إذ احتمال كون هذا الإدراك معلولاً للتأديب والتلقين حاله حال سائر احتمالات معلوليّة شيء لشيء ممّا لايزول إلّا بأحد طريقين: إمّا التجربة، بإبعاد ما يحتمل علّيّته؛ كي يرى هل يبقى ما احتمل معلوليّته، أو لا؟ وإمّا بمخالفته لقوانين العلّيّة، كرفض معلوليّة شيء لشيء أخسّ منه وأسفل في سلّم الوجود.
', '', 457), (21, 458, 'book', 'وفيما نحن فيه لا يوجد شيء من الطريقين: أما التجربة فلأنّنا لم نجرّب أحداً بعزله عن المجتمع والتأديبات؛ كي نرى هل يدرك قضايا العقل العملىّ، أو لا؟ وأمّا قوانين العلّيّة فلأنّ معلوليّة ذلك للتلقين والتأديب ليست على خلاف قوانين العلّيّة.
أمّا إذا لم يزل إدراكه وقطعه بذلك مع كونه إنساناً سويّاً، فعدم زواله مع استعراض هذين الاحتمالين على النفس إمّا يكون ناشئاً عن عدم معلوليّته للتأديب أو التلقين، وإمّا عن اعتقاده بعدم معلوليّته لذلك. ومن يعتقد بذلك، يكفيه اعتقاده، ولا يحتاج إلى دليل.
والواقع: أنّ العقل العملىّ على قسمين: عقل أوّل مضمون الحقّانية، يدرك أصل الحسن والقبح، فنحكم به بحسن الصدق، وقبح الكذب، وحسن العفو، وقبح الإيذاء بلاتقصير(1)، إلى غير ذلك من القضايا التفصيليّة للعقل العملىّ. وعقل ثان يكثر فيه الخطأ يكون حاكماً في باب التزاحم وتغليب جانب الحسن أو القبح.
$
', '(1) لابأس هنا بالإشارة إلى أنّ الحسن والقبح المدركين بالعقل العملىّ أمران متباينان هويّة، وليس حسن الفعل أو الترك يعني قبح نقيضه، وقبح الفعل أو الترك يعني حسن نقيضه، وإن صحّ التعبير عرفاً عن نقيض الحسن بالقبيح، أو عن نقيض القبيح بالحسن.
وبتعبير أدقّ نقول: نحن لا نبحث عن المعنى اللغوىّ لكلمة الحسن والقبح، كي يعود البحث لفظيّاً، وإنّما نقصد في المقام: أنّ لدينا هويّتين متباينتين: إحداهما ما يمدح الإنسان على فعله أو تركه من دون أن يكون نقيضه محظوراً عقلاً وثانيتهما ما هو المحظور عقلاً فعلاً أو تركاً. وليسمّ الأوّل بالحسن، والثاني بالقبيح. وهذا هو الذي يفسّر لنا عنصر الإلزام تارة وعدم الإلزام اُخرى في منطق العقل العملىّ.
فمثلاً: نرى أنّ العقل يلزمنا بترك الكذب أو بكتمان السرّ أو طاعة المولى، في حين نرى أنّ العقل لا يلزمنا بالعفو عمّن ظلمنا، وإن كان يستحسن ذلك. والسرّ في هذا: أنّ الكذب أو إفشاء السرّ أو عصيان المولى قبيح، في حين أنّ القصاص ليس قبيحاً، وإن كان العفو حسناً. وليس الفرق بين ما يشتمل على عنصر الإلزام وما لا يشتمل عليه فرق درجة؛ ولذا ترى أنّ من يترك العفو، ويأخذ بحقّه من الظالم لا يذمّ أصلاً، لا أنّه يذمّ ذمّاً خفيفاً مثلاً؛ ولذا ترى ـ أيضاً ـ أنّه عند تزاحم الحسن والقبيح ـ دائماً ـ يغلب جانب القبح مهما كان قبحه ضئيلاً وحسن الحسن بالغاً ذروة الحسن ما لم يكن بمعنى قبح تركه.
فمثلاً: كشف سرّ للأخ تكون درجة سرّيّته ضئيلة جدّاً يكون قبيحاً، ولو ترتّب على ذلك نفع كبير للمجتمع، على رغم حكم العقل بحسن نفع المجتمع. فترى أنّ القبح هنا غلب الحسن مهما فرض القبح ضئيلاً والحسن بليغاً.
', 458), (21, 459, 'book', '
قاعدة الملازمة
وأمّا الجهة الثانية: وهي البحث عن قاعدة الملازمة، فنتكلّم في ذلك على مبان ثلاثة في العقل العملىّ:
المبنى الأوّل: افتراض أنّ الحسن والقبح عبارة عن قانون الشرع، وعلى هذا لا معنىً لافتراض الملازمة بين الحسن والقبح وحكم الشرع؛ إذ ليسا هما إلّا الحكم الشرعىّ، لا ملاكاً للحكم الشرعىّ.
والمبنى الثاني: افتراض رجوعهما إلى قانون العقلاء وتطابقهم على حكم مجعول لهم، كما نسبه المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) إلى الفلاسفة، وذكر المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله)(1):أنّ حكم العقلاء بما هم عقلاء بشيء وجعلهم له لايستلزم حكم الشارع بما هو شارع به، ولكنّه يستلزم حكمه به بما هو عاقل، بمعنى: أنّه يتضمّن حكمه به؛ إذ هو ـ أيضاً ـ أحد العقلاء، وقد فرض تطابق العقلاء عليه. وحكم الشارع بما هو عاقل ينتج نفس نتيجة حكمه بما هو شارع: من ترتّب الثواب والعقاب؛ فإنّ المدح والذمّ المترتّبين على فعل الحسن والقبيح يختلفان باختلاف فاعل المدح والذمّ، فمدح العبد الذليل العاجز وذمّه شيء، ومدح المولى العزيز القادر وذمّه شيء آخر. ومدح المولى عبارة عن ثوابه، وذمّه عبارة عن عقابه.
أقول: إنّ المفروض أنّ العقلاء إنّما تطابقوا على الحكم لا بمجرّد أنّهم عقلاء، وإلّا لرجع ذلك إلى حكم العقل لا إلى حكم العقلاء وجعلهم، بل إنّما تطابقوا على الحكم، وتوافقوا عليه لاشتراكهم في شيء آخر أيضاً، وهو: الميل النفسانىّ لهم إلى جلب المصلحة ودفع
', '(1) المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) تكلّم عن الحسن والقبح العقليّين في كتابه نهاية الدراية في عدّة مواضع بالمناسبة، ولكن عمدة كلامه في ذلك في موضعين، كلاهما في المجلّد الثاني من المجلّدات الثلاث لكتابه: أحدهما في بحث التجرّي ص 8، والثاني في بحث الانسداد ص 124 فصاعداً.
', 459), (21, 460, 'book', '
المفسدة. فلمّا رأوا ثبوت مصالح عامّة ونوعيّة في بعض الاُمور، ومفاسد كذلك في بعضها، تطابقوا على مدح مرتكب الأوّل، وذمّ مرتكب الثاني؛ كي يسعد بذلك المجتمع، وسعادة المجتمع ترجع إلى سعادة الأفراد، والشارع ليس شريكاً مع العقلاء في مصالحهم ومفاسدهم، ولا ينتفع بما ينتفعون به، ولا يتضرّر بما يتضرّرون به، وهو غنىّ عن العباد، غير محتاج إلى طاعتهم، ولا متضرّر بمعصيتهم. فدلالة تطابق العقلاء بالتضمّن على تطابق الشارع معهم غير صحيحة؛ لأنّ نكتة التطابق إنّما توجب تطابق العباد فيما بينهم، ولاترتبط بالمولى العزيز(1).
نعم، هنا كلام، وهو: أنّ هذا المولى صحيح أنّه لم يكن شريكاً معنا في المصالح والمفاسد، لكنّه يتحفّظ بأحكامه على مصالحنا، ودفع المفاسد عنّا، لكن هذا غير مرتبط بما هو محلّ الكلام فعلاً، وإنّما يرتبط باستكشاف الحكم الشرعىّ عن طريق العقل النظرىّ، باعتبار كشف العلّة عن المعلول، من باب تبعيّة الأحكام الشرعيّة للمصالح والمفاسد في نظر العدليّة.
المبنى الثالث: هو المبنى الصحيح: من أنّ الحسن والقبح العقليّين أمران واقعيّان يدركهما العقل.
$
', '(1) وبتعبير آخر: هل يفترض أنّ تطابق العقلاء على المدح والذمّ نشأ عن حرصهم على المصالح الشخصيّة، ودفعهم للمفاسد الشخصيّة، وإنّما جعلوا أحكام العقل العملىّ بنحو يحفظ المصالح النوعيّة، ويدفع المفاسد النوعيّة؛ لرجوع المصالح والمفاسد النوعيّة بوجه وآخر إلى المصالح والمفاسد الشخصيّة، ولو بمعنى رجوعها أحياناً إلى ذلك، فجعلوا أحكام الحسن والقبح عامّة بنكتة الاحتياط والتحرّز عمّا قد يترتّب من مفسدة شخصيّة، أو فوات مصلحة شخصيّة؟
أو يفترض أنّ العقلاء جعلوا أحكام العقل العملىّ بنكتة حبّهم العاطفىّ والغريزىّ لحفظ المصالح النوعيّة، ودفع المفاسد النوعيّة، ولو لم ترجع إلى الشخصيّة؟
أو يفترض أنّهم جعلوا هذه الأحكام لما أدركوا من حسن حفظ المصالح النوعيّة، ودفع المفاسد النوعيّة؟
والثالث لا يمكن المصير إليه؛ إذ ينقل الكلام إلى نفس حسن حفظ المصالح النوعيّة، ودفع المفاسد النوعيّة، فمن الذي جعل ذلك؟ ولماذا جعل؟!
والأوّل والثاني لا يدلّان بالتضمّن على موافقة المولى سبحانه؛ إذ هو غنىّ عن المصالح، ومنزّه عن العواطف. نعم، يبقى علمنا الخاصّ صدفة بأنّه تعالى يهتمّ بمصالح العباد، وهذا أمر آخر كما جاء بيانه في المتن.
', 460), (21, 461, 'book', '
والواقع: أنّ حكم العقل بالحسن والقبح بهذا المعنى لا يستلزم حكم الشرع على طبقه، ولا ينافي الحكم على طبقه، بتخيّل أنّه مع حكم العقل يكون حكم الشرع لغواً وبلا فائدة.
وتوضيح ذلك: أنّ نفس إدراك الحسن والقبح له اقتضاء للتحرّك نحو الفعل والترك، ولابدّ من ملاحظة النسبة بين هذا الاقتضاء ومدى اهتمام المولى بالفعل أو الترك، فإن كان الثاني أكثر من الأوّل، أبرز المولى ما في نفسه من شدّة الاهتمام عن طريق الحكم والجعل؛ إذ إنّ عدم الإبراز كاشف عن عدم الاهتمام. وليس حكم العقل في المقام موجباً للغويّة هذا الحكم؛ إذ بحكم المولى وإبرازه لشدّة الاهتمام يشتدّ الحسن أو القبح، ويضاف إلى الحسن والقبح الثابتين أوّلاً حسن طاعة المولى وقبح معصيته.
وإن لم يكن الثاني أكثر من الأوّل، لم يكن داع للمولى إلى جعل الحكم على وفق ما حكم به العقل العملىّ. إذن فحكم العقل العملىّ لا هو مناف لحكم الشارع، ولا هو مستلزم له، وإنّما يكون حكم الشارع وعدمه تابعاً لمدى اهتمام المولى بالفعل أو الترك. هذا.
وعدم جعل الحكم من قبل المولى بناءً على نفي الملازمة ـ فيما لو كان الحسن والقبح حكمين عقلائيّين ـ يؤمّن من عقاب المولى، لكنّه لا يؤمّن على هذا المبنى ـ وهو واقعيّة الحسن والقبح ـ من عقابه؛ فإنّ نفس الحسن والقبح الواقعيّين عند إدراكهما يكفيان للاستحقاق الواقعىّ للمدح والذمّ، ومدح المولى ثوابه، وذمّه عقابه. فالعقل العملىّ لم يكن مثبتاً للحكم الشرعىّ، لكنّه مثبت لنتيجته: من استحقاق الثواب والعقاب(1).
$
', '(1) لايخفى أنّ الحسن والقبح يستتبعان أمرين مختلفين في الهويّة: أحدهما ما قد نسمّيه بالمدح والذمّ بالمعنى الذي يكون عبارة عن مجرّد التحسين والتقبيح للفاعل وسريرته، والثاني المجازاة والمكافأة التي يستحقّها الشخص بحكم العقل العملىّ، وهو الثواب والعقاب. هذا بناءً على واقعيّة الحسن والقبح. أمّا بناءًعلى عقلائيّتها، فالتحسين والتقبيح ـ أيضاً ـ نوع مكافأة عقلائيّة تأديباً ومنعاً عن المفاسد. ويشهد لتعدّد الأمرين وعدم رجوع أحدهما إلى الآخر: أنّ المدح والذمّ يعدّان من حقّ كلّ أحد يطّلع على صدور الحسن أو القبيح عن هذا الإنسان، في حين أنّ الثواب والعقاب يثبتان ـ بناءً على واقعيّة الحسن والقبح ـ على من اُحسن بشأنه، ولمن هضم حقّه، ويثبتان ـ أيضاً ـ لوليّ المجتمع كتأديب، ودفع للمفاسد، وجلب للمصالح.
ورأيت المحقّق الإصفهانىّ(رحمه الله) في بحثه عن الانسداد في نهاية الدراية ملتفتاً إلى تعدّد الأمرين، إلّا أنّه يقول: إنّ المدح والذمّ قد يقصد بهما معنىً أعمّ بحيث يشمل الثواب والعقاب، وبهذا المعنى يؤمن بأنّ مدح المولى ثوابه، وذمّه عقابه. فإن كان اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)يقصد هذا المعنى، فلابأس بذلك، وأمّا إن كان المقصود إنكار وجود أمرين متباينين هويّة، يستتبعهما الحسن والقبح، وكأنّهما لايستتبعان إلّا شيئاً واحداً، وهو المدح والذمّ، ومدح المولى ثوابه، وذمّه عقابه، فهو غير صحيح.
ثُمّ إنّ استتباع الحسن والقبح العقليّين للثواب والعقاب من قبل المولى من دون استلزامهما لحكم المولى قد يورد عليه ـ بعد ما اتّضح من الفرق بين المدح والذمّ والثواب والعقاب، وأنّ العقاب إنّما هو شأن المظلوم، أو شأن وليّ المجتمع للتأديب ودفع المفاسد ـ: أنّه لامسوّغ للعقاب في عالم الآخرة من قبل المولى، لا بملاك التأديب ودفع المفسدة؛ لأنّ المفروض أنّه قد انتهت حياة الدنيا، ولا فائدة في التأديب، ولا بملاك المظلوميّة؛ لأنّه لم يظلم المولى؛ إذ لم يكن المولى قد حكم بشيء حتّى تكون مخالفته ظلماً له، فيستحقّ العقاب من قبله بحكم العقل العملىّ.
والواقع: أنّ حكم العقل العملىّ يكشف عن عدم رضا المولى بمخالفته؛ للقطع بأنّ المولى لا يرضى بالقبيح. فروح الحكم ثابت، وقاعدة الملازمة بهذا المعنى تامّة، ومخالفة العقل العملىّ مخالفة للمولى بهذا المعنى، فيكون قد ظلم المولى، ويستحقّ العقاب. نعم، الحكم بملاك اهتمام إضافيّ وزيادة على المقدار الذي أدركه العقل بحاجة إلى إبراز من قبل المولى، ولا يستلزمه حكم العقل. فإن كان مقصود اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) هو هذا المعنى الذي شرحناه، فهو تامّ.
وفي ختام الكلام لا بأس بأن نتعرّض بالمناسبة لما هو المحرّك الحقيقىّ للإنسان نحو الأعمال الحسنة وترك الأعمال القبيحة، فنقول: قد أفاد اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) في مقدّمة كتاب فلسفتنا ما حاصله: أنّ حبّ الذات يكمن وراء الحياة الإنسانيّة كلّها، ويوجّهها بأصابعه، فحبّ الذات ـ بمعنى حبّ اللذّة وبغض الألم ـ هو الذي يفسّر سلوك الإنسان في مجالات الأنانيّة والإيثار على السواء، ولايمكن تكليف الإنسان أن يتحمّل مختاراً مرارة الألم دون شيء من اللذّة في سبيل أن يلتذّ الآخرون ويتنعّموا، إلّا إذا انتزعت منه إنسانيّته، واُعطي طبيعة جديدة لا تتعشّق اللذّة، ولا تكره الألم. ولدى الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوّعة: مادّية، كالطعام والشراب والمتع الجنسيّة وما إليها، أو معنوية، كالالتذاذ الخلقىّ والعاطفىّ بقيم خلقيّة، أو أليف روحىّ أو عقيدة معيّنة وما إليها. وهذه الاستعدادات تنضج بعضها عند الإنسان بصورة طبيعيّة كاستعداده للالتذاذ الجنسىّ مثلاً، في حين نجد أنّ ألواناً اُخرى منها ربّما لا تظهر في حياة الإنسان، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعدها على نضجها وتفتّحها. وغريزة حبّ الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعاً تحدّد سلوك الإنسان وفقاً لمدى نضج تلك الاستعدادات. فطريق تربية الإنسان وجعله على مستوى التضحية والإيثار وما إلى ذلك هو: إدخال هذه الاُمور في دائرة التذاذاته، وإدراجها في حيطة حبّ الذات. وذلك يتمّ باُسلوبين قد سلكهما الأنبياء العظام صلوات الله عليهم أجمعين:
أحدهما: أن يفهم هذا الإنسان أنّ الحياة ليست عبارة عن هذه الحياة الدنيويّة القصيرة، بل وراءها حياة دائمة. وما يتراءى من التزاحم بين المصالح الشخصيّة الضيّقة ومصالح الإيثار والتضحية إنّما هو بلحاظ هذه الحياة القصيرة المدى، وما يرى بالنظرة القصيرة خلاف المصلحة الشخصيّة قد يرى بالنظرة الواسعة على وفق المصلحة الشخصيّة.
والثاني: إنضاج وتنمية تلك الاستعدادات الخلقيّة الخيّرة؛ كي يلتذّ الإنسان بالأعمال الخيّرة، وبذلك تدخل تلك التضحيات والإيثارات في دائرة اللذّات الشخصيّة وحبّ الذات.
أقول: إن كان المقصود بهذا الكلام كون العلّة الغائيّة لأفعال الإنسان ـ حتّى التضحيات والإيثارات ـ هي اللذّة الشخصيّة، والتخلّص الشخصىّ من الألم، فهذا خلاف الواقع؛ فإنّ اللذّة والألم الروحيّين إنّما ينشآن عن الوصول إلى المحبوب أو فقده، أو لقاء المبغوض أو فقده، فهناك حبّ وبغض متعلّق بشيء في المرتبة المتقدّمة على اللذّة والألم، أي: إنّ هناك ما يكون مطلوباً للإنسان، ويكون غاية يصبو إليها في المرتبة المتقدّمة على اللذّة والألم، والحبّ والبغض غير اللذّة والألم؛ ولذا يكونان فعليّين قبل اعتقاد فعليّة المحبوب والمبغوض، في حين أنّ اللذّة والألم يصبحان فعليّين باعتقاد فعليّة المحبوب والمبغوض.
والحاصل: أنّ العلّة الغائيّة لمن يحبّ الإحسان إلى اليتيم هي ارتياح اليتيم، لا ارتياحه هو فحسب، وان كان يترتّب على ذلك ارتياحه هو. وهذا هو السرّ فيما يحكم به العقل العملىّ: من أنّ من يحسن إلى شخص حبّاً له يكون مديناً له بدرجة غير ثابتة فيما لو أحبّ إحسانه، ولكنّه لم يقدر خارجاً على إحسانه، فلو كان صدور الإحسان عنه لأجل التذاذه هو فحسب دون التذاذ محبوبة، كان حاله حال من أحبّ ذاك المحبوب والإحسان إليه، ولكنّه لم يتمكّن من ذلك؛ فإنّ من تمكّن من ذلك وفعل إنّما فعل لأجل نفسه، فلا موجب للامتنان منه إلّا بنكتة أنّه سنخ إنسان يلتذّ براحة ذاك الشخص، وهذا أمر مشترك على حدّ سواء بين من قدر على الإحسان ومن عجز عنه.
وإن كان المقصود بهذا الكلام حصر العلّة الفاعليّة لتحريك الإنسان في اللذّة والألم دون العلّة الغائيّة، كما فسّر هو (رضوان الله عليه) كلامه بذلك حينما أشكلت عليه بما سبق أو ببعض ما سبق، فذكر: أنّه ليس المقصود أنّ الإنسان حينما يقوم بمثل عمليّات الإيثار يقوم بها لغاية التذاذه هو، بل غايته نفس النتائج التي يلتذّ بها، وإنّما المقصود: أنّ التذاذه بتلك النتائج هو العلّة الفاعليّة المؤثّرة في اندفاعه نحوها، ولولا التذاذه بها أو تألّمه من فقدها، لما تحرّك نحوها.
أقول: إن كان المقصود بهذا الكلام حصر العلّة الفاعليّة لتحريك الإنسان في اللذّة والألم، قلنا: إنّ كون اللذّة والألم علّة فاعليّة يجب أن يرجع إلى أحد معان ثلاثة:
1 ـ كون اللذّة والألم هما الدافعان القهريّان للإنسان بلااختيار.
2 ـ كونهما دخيلين في القدرة.
3 ـ كونهما دخيلين في تحقّق الإرادة مع فرض انحفاظ القدرة والاختيار بغضّ النظر عنهما.
والأوّل: يعني الجبر وعدم الاختيار، وينهي موضوع قيم العقل العملىّ والمعنويّات.
والثاني: ـ أيضاً ـ يعني الجبر؛ إذ لو كان الالتذاذ بالشيء أو التألّم من نقيضه هو الذي يحدث القدرة على الشيء، فهذا يعني عدم القدرة على النقيض؛ إذ لايلتذّ به، بل يتألّم منه، في حين أنّ القدرة يجب أن تكون متساوية النسبة بين الطرفين، وإلّا لخرجت عن كونها قدرة.
والثالث: يرجع إلى كون اللذّة والألم دخيلين في العلّة الغائيّة؛ إذ مع تماميّة الالتفات إلى العلّة الغائيّة ومع تماميّة القدرة على الشيء لامعنىً لتوقّف انقداح الإرادة على شيء آخر، كاللذّة والألم، فتوقّف ذلك عليه إمّا يعني دخله في القدرة، أو يعني دخله في الغاية المطلوبة.
وقد يقال: إنّ العلّة الغائيّة التي هي متأخّرة في الوجود عن المعلول تكون بوجودها العلمىّ هي العلّة الفاعليّة لتحريك الإنسان، وهي المقترنة بالمعلول زماناً والمتقدّمة عليه رتبة. وللإنسان في عمله للخير علّتان غائيّتان: إحداهما النتيجة المطلوبة التي يلتذّ بها أو يتألّم بفقدها، والثانية نفس ذاك الالتذاذ أو التخلّص من الألم. والاُولى وحدها لا تصبح بوجودها العلمىّ علّة فاعليّة، ولا تحرّك الإنسان؛ وذلك لأنّها مزاحمة بعلّة غائيّة اُخرى، وهي: راحة الفاعل؛ فإنّ الفاعل كما يحبّ راحة اليتيم كذلك يحبّ راحة نفسه، والمفروض أنّ ذاك العمل يتعبه، ويأخذ شيئاً من نشاطه، والإنسان يحبّ راحة ومصلحة نفسه ـ مهما كانت صغيرة وضئيلة ـ أكثر من حبّه لراحة ومصلحة الآخرين مهما كانت كبيرة. أمّا الثانية: فهي التي تعوّض ما فقده من الراحة الشخصيّة براحة شخصيّة اُخرى، وقد تكون أكبر بكثير من الراحة المفقودة، وبذلك تتمّ العلّة الفاعليّة، أي: يصبح العلم بها علّة فاعليّة. ولعلّ هذا هو مقصوده ـ رضوان اللَّه تعالى عليه ـ من كون اللذّة والألم علّة فاعليّة.
إلّا أنّ هذا البيان ـ أيضاً ـ غير تامّ لأمرين:
الأوّل: أنّ من البديهىّ أنّ الراحة الشخصيّة الثانية أحياناً تفوق الراحة الشخصيّة الاُولى، ومن الواضح ـ أيضاً ـ أنّ الراحة الشخصيّة الثانية تساوي مدى حبّه ورغبته فيما اشتاق إليه من راحة الآخرين، وهذا يعني: أنّ ما اشتاق إليه من راحة الآخرين يفوق اشتياقه إلى راحة نفسه، إذن فلماذا يفترض أنّ هذا لا يحرّكه نحو المطلوب ما لم ينضمّ إلى الراحة الثانية؟
والثاني: أنّه ليس ـ دائماً ـ التحرّك والعمل متعباً وفاقداً للراحة، فحينما نفترض مستوىً من العمل لا ينافي الراحة ولا يوجب التعب، غاية ما هناك أنّ صدوره عن الإنسان بحاجة إلى داع له، وفرضنا أنّه اشتاق ولو بدرجة ضعيفة إلى نتيجة هذا العمل من راحة الآخرين، فلماذا لايحرّكه ذلك ما لم ينضمّ إلى الراحة الشخصيّة التي تتولّد من راحة الآخرين؟
وخلاصة الكلام: أنّه ليس المحرّك الأساس الذي يكمن وراء كلّ الأعمال البشريّة ـ دائماً ـ هو حبّ اللذّة وبغض الألم، بل نفس اشتياقه إلى أعمال الخير يكون دافعاً ومحرّكاً. نعم، لا نتحاشى من ثلاثة اُمور:
الأوّل: بداهة استحالة انفكاك حبّ الذات ـ بمعنى حبّ اللذّة وبغض الألم ـ من الإنسان ما لم يبدّل إلى طبيعة اُخرى.
الثاني: أنّ اللذّة والألم يرافقان دائماً الأعمال الخيريّة ـ فيمن يحبّ الخير ـ أو فقدانها، باعتبار أنّ الوصول إلى المحبوب يوجب اللذّة، وفقدانه يوجب الألم.
الثالث: أنّ هذين اللذّة والألم يساعدان على الأعمال الخيّرة، ويصبحان دافعاً آخر إلى صفّ دافعه الأوّل، فيؤكّد أو يكمّل أثره، ويتّفق في كثير من الأحيان أنّ الدافع الأوّل ـ لولا الدافع الثاني ـ ناقص وغير كاف لتحريك الإنسان في مقابل ما يملكه من حبّ الراحة مثلاً. فتلك الانفعالات العاطفيّة والتأثّرات النفسيّة والالتذاذات الروحيّة تكمّل الدافع وتحرّك الإنسان. ولعلّ هذا هو الذي أوحى إلى ذهن سيدنا الاُستاذ الشهيد (رضوان الله عليه) بما قاله في مقدّمة فلسفتنا، ونقلناه عنه.
', 461), (21, 462, 'book', '
$
', '', 462), (21, 463, 'book', '$
', '', 463), (21, 464, 'book', '$
', '', 464), (21, 465, 'book', 'الدليل العقليّ
4
$
', '', 465), (21, 466, 'book', '$
', '', 466), (21, 467, 'book', 'المرحلة الثالثة: مرحلة الحجّيّة، فقد يدّعى القصور بحسب عالم الحجّيّة من ناحية ورود الردع من الشارع عن الأدلّة العقليّة.
ودعوى الردع عنها تتصوّر على نحوين:
الأوّل: دعوى الردع عن خوض الطريق العقلىّ والتفكير فيه لاستنباط الحكم الشرعىّ؛ باعتبار أنّ هذا الطريق سيوصلنا إلى القطع بخلاف الواقع، فصحيح أنّه بعد حصول القطع يكون القطع حجّة على رغم كونه خلاف الواقع، لكنّه مع ذلك سيعاقب هذا الإنسان على مخالفته للواقع؛ لأنّه فوّته باختياره؛ لسلوكه لذاك الطريق، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
الثاني: دعوى الردع عن نفس العمل بالقطع الحاصل عن طريق العقل بعد فرض حصوله. ويفترق الوجه الثاني عن الوجه الأوّل في اُمور:
منها: أنّه لو حصل له القطع صدفة بخلاف الواقع عن طريق العقل بلا تفكير وتعمّد في سلوك الطريق العقلىّ، كان معذوراً في العمل بقطعه على الأوّل دون الثاني.
ومنها: أنّ البحث على الأوّل يتمحّض في مرحلة الإثبات؛ إذ لا إشكال في إمكانه ثبوتاً. وعلى الثاني يقع البحث في أصل إمكانه ثبوتاً.
وعلى أىّ حال، فلنذكر أوّلاً البحث الثبوتىّ على الوجه الثاني، ثُمّ نعقّب ذلك بالبحث الإثباتىّ.
أمّا البحث الثبوتىّ: فقد أفاد الاُصوليّون في المقام: أنّ حجّيّة القطع ذاتيّة، وكلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، وحجّيّة كلّ شيء تكون بالقطع، وحجّيّة القطع تكون بذاته، فلا يمكن الردع عنها؛ فإنّ ذاتىّ الشيء لا يمكن انفكاكه منه. وفرّعوا على ذلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومعذّريّة الشكّ عقلاً ما لم تقم حجّة شرعيّة؛ وذلك لعدم وجود ما هو حجّة بالذات، وعدم الانتهاء إليه. ومن هنا وقعوا في حيص وبيص في كيفيّة تصوير حجّيّة
', '', 467), (21, 468, 'book', 'الأمارات بالعرض ورجوعها إلى ما بالذات، حتّى أدّى ذلك عند بعضهم إلى القول بجعل العلم والطريقيّة، والالتزام بكفاية صرف اعتبار العلم والطريقيّة في الحجّيّة، وما إلى ذلك ممّا أدّى إليه هذا المبنى.
وقد أوضحنا في أوّل مباحث القطع: أنّ ذاتيّة حجّيّة القطع ـ بالمعنى الذي تتفرّع عليه هذه الاُمور ـ ممّا لا أساس له، ويجب البدء في الحساب من مولويّة المولى، فلو أنكر أحد ـ والعياذ بالله ـ مولويّته رأساً، لم يبق موضوع لبحث حجّيّة القطع بحكمه، ولو سلّمت له المولويّة بمعنى حقّ الطاعة والتعظيم الخاصّ على العباد، فلابدّ أن ينظر في مقدار سعة هذا الحقّ وضيقه. فإن حكم العقل العملىّ باختصاصه بالأحكام المقطوعة، تمّ قبح العقاب عند الشكّ، وإن حكم بسعة دائرة الحقّ لفرض الشكّ، لم يبق أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وأمّا مسألة إمكان ردع الشارع عن حجّيّة القطع، فيمكن دفع هذه الدعوى بوجهين:
الوجه الأوّل: أن يقال: إنّ حقّ المولويّة تنجيزىّ، وليس معلّقاً على عدم إسقاط المولى له، وحينئذ لا معنىً للردع عن حجّيّة القطع؛ إذ مع فعليّة المولويّة لابدّ من الطاعة، ورفعها غير ممكن لتنجيزيّتها. فالترخيص في مخالفة القطع قبيح، وصدور القبيح عن المولى مستحيل.
إلّا أنّ كون حقّ المولويّة تنجيزيّاً أو تعليقيّاً لا يمكن البرهنة عليه.
فلو سلّم الأخبارىّ تنجيزيّة حقّ المولويّة، كان هذا جواباً كافياً في مقام الاحتجاج معه، أمّا لو ادّعى تعليقيّته، فهذا الجواب إنّما هو دعوى في مقابل دعوى، يدّعي صاحب كلّ من الدعويين وجدانيّتها.
الوجه الثاني: أنّ يقال: إنّ ترخيص الشارع ـ بعد تسليم كون حقّ المولويّة تعليقيّاً ـ إمّا أن يكون بحكم نفسىّ، أو يكون بحكم طريقىّ، وكلاهما مستحيل:
أمّا الأوّل: فلأنّ الحكم النفسىّ ينشأ عن مبادئ الحكم في نفس المتعلّق، والمفروض أنّ هذا الشخص يقطع بحكم آخر خلاف هذا الحكم، فيقطع بمبادئ اُخرى في المتعلّق، ولا يمكنه التصديق بكلا الحكمين؛ للتضادّ بين الأحكام في المبادئ، فيلزم اجتماع الضدّين في اعتقاد المكلّف فقط، أو فيه وفي الواقع.
$
', '', 468), (21, 469, 'book', 'وأمّا الثاني: فلأنّ الحكم الطريقىّ ينشأ ـ كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى في بحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ ـ بملاك التحفّظ على مبادئ حكم نفسىّ، وبعد فرض قطع العبد بحكم في المقام: من إباحة أو تحريم أو غير ذلك، فهو لا محالة قاطع بعدم وجود مبادئ حكم آخر في هذا الشيء، فلا يمكنه التصديق بالحكم الطريقىّ الذي يأتي لهدف التحفّظ على مبادئ الأحكام النفسيّة. وهذا بخلاف فرض الشكّ الذي نجمع فيه بين الحكم الواقعىّ والظاهرىّ؛ إذ هناك لا يعلم العبد بعدم ثبوت المبادئ في الشيء الفلاني، ويحتمل ثبوت المبادئ والحكم النفسىّ فيه، وعلى فرض ثبوته فيه يكون منجّزاً بالحكم الطريقىّ، واحتمال التكليف المنجّز منجّز. أمّا في المقام فلا يحتمل تكليفاً بالنسبة إلى هذا الشيء ينجّز على فرض ثبوته بالحكم الطريقىّ؛ كي يكون احتمال التكليف المنجّز منجّزاً له(1).
وهذا الجواب يمتاز من الجواب الأوّل بأنّه لا يختصّ بفرض تنجيزيّة حقّ المولويّة(2).
هذا. تبقى هنا صورة واحدة يمكن للمولى فيها الترخيص في مخالفة القطع بناءً على تعليقيّة الحقّ، وهي: فرض تعلّق غرض المولى بصدور الامتثال عن العبد بملاك حبّه للمولى ـ مثلاً ـ فحسب، لا بملاك التنجيز العقلىّ، فيرفع عنه المولويّة كي يكون عمل العبد لو عمله خالصاً لحبّه مثلاً، دون دخل التنجيز في الحساب. لكن هذا الفرض لا واقع له فيما نحن فيه.
وأمّا البحث الإثباتىّ: فنحن بحاجة إليه بالنسبة إلى فرض الردع عن الخوض في الأدلّة العقليّة. أمّا الردع عن حجّيّة القطع، فقد عرفت عدم إمكانه.
وما يمكن الاستدلال به على ذلك من الروايات طوائف خمس:
$
', '(1) يكفي لمعقوليّة وصول الحكم الطريقىّ برفع حقّ المولويّة: أن يحتمل هذا العبد خطأ بعض قطوعه في الواقع، ممّا أوجب اضطرار المولى إلى اتّخاذ احتياط في تمام قطوعه برفع حقّ المولويّة عنه. والقاطع كان لا يعقل أن يحتمل خطأ قطعه حين القطع، لكن احتماله لخطأ بعض قطوعه على الإجمال معقول. إذن فبناءً على تعليقيّة حقّ المولويّة لا يتمّ هذا الوجه، وإنّما يتمّ بناءً على تنجيزيّته، ويرجع بروحه إلى الوجه الأوّل.
(2) عرفت أنّه يختصّ بذلك، ويكون مرجع الوجهين بعد فرض الاختصاص بذلك إلى وجه واحد، وكلّ من البيانين مكمّل للبيان الآخر.
', 469), (21, 470, 'book', '
الاُولى: ما دلّ على تحريم الحكم بغير ما أنزل اللَّه(1).
ويرد على الاستدلال به: أنّ حكم العقل رافع لموضوع ذلك؛ لأنّ المفروض أنّنا قد أدركنا عن طريق العقل كون الحكم الفلاني ممّا أنزل اللَّه وحكم به.
الثانية: ما دلّ على تحريم الحكم والقول بغير علم، أو بلا هدى، أو بلا حجّة(2).
وهذه حالها حال الطائفة الاُولى، فبإدراك العقل يثبت العلم والبيّنة والهدى.
الثالثة: ما دلّ على النهي عن الاستقلال عنهم(عليهم السلام) في الأحكام(3).
والجواب: أنّ الرجوع إلى الأدلّة العقليّة لا يعني الاستقلال عنهم؛ فإنّنا إنّما نخوض فيها بعد مراجعة الأخبار الواردة عنهم؛ كي نعرف هل ورد عنهم نهي عن ذلك، أو لا؟ وهذا ليس استقلالاً عنهم.
الرابعة: ما دلّ على عدم قبول الأعمال من دون ولاية ولىّ اللَّه(4).
ويرد على الاستدلال بذلك:
أوّلاً: أنّ المقصود بتلك الروايات ليس هو البطلان، بل نفي مرتبة القبول والثواب.
وثانياً: أنّ الرجوع إلى الدليل العقلىّ لا ينافي التديّن بولاية ولىّ اللَّه.
الخامسة: الأخبار الرادعة عن الرأي الناهية عنه، أو المبيّنة لعدم معذوريّة المعتمد عليه، بدعوى: شمول إطلاقها للرأي العقلىّ القطعىّ(5).
وهذه الطائفة هي العمدة في الاستدلال.
ولكن يرد على الاستدلال بها:
أوّلاً: أنّ دعوى القطع بكون المراد من الرأي فيها ما كان متعارفاً في ذاك الزمان من الأدلّة العقليّة الظنّيّة ـ من القياس والاستحسانات ـ ليست مجازفة؛ وذلك لشهادة اُمور كثيرة على ذلك، يحصل من مجموعها القطع بذلك بحساب الاحتمالات:
فمنها: الشواهد التأريخيّة الدالّة على إطلاق الرأي في ذلك الزمان على الظنون العقليّة،
', '(1) راجع الوسائل ج 27 بحسب طبعة آل البيت، الباب 5 من صفات القاضي، مضافاً إلى الآيات القرآنيّة:«ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون». سورة المائدة، الآية: 44 و45 و47.
(2) المصدر السابق، الباب 4 من صفات القاضي، مضافاً إلى القرآن: ﴿َلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. سورة الإسراء، الآية: 36. ﴿إنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾. سورة يونس، الآية: 36.
(3) المصدر السابق، الباب 7 من صفات القاضي.
(4) الوسائل ج 1، الباب 29 من مقدّمة العبادات، ص 118 فصاعداً بحسب طبعة آل البيت.
(5) الوسائل، الباب 6 من صفات القاضي.
', 470), (21, 471, 'book', '
ممّا يشهد على أنّه كان مصطلحاً خاصّاً بينهم.
ومنها: ورود كثير من تلك الأخبار في مقام الردّ على أصحاب الرأي بذاك المعنى، كأبي حنيفة وابن شبرمة وغيرهما.
ومنها: ما فيها من التعبير تارة بالرأي، واُخرى بالقول بغير علم، ممّا يوحي إلى كون المراد منهما شيئاً واحداً.
وثانياً: أنّ هذه الأخبار لو تمّت دلالتها، فهي معارضة لطائفتين:
الطائفة الاُولى: ما دلّت على حجّيّة العقل، والحثّ على اتّباعه، ومع تعارضهما لابدّ من أحد اُمور ثلاثة:
الأوّل: أن يجمع بينهما بانقلاب النسبة، بأن يقال: إنّ العقل والرأي متساويان، ويشملان العقل والرأي الظنّيّين والقطعيّين، ولكن العقل الظنّىّ من القياس والاستحسان قد ثبت عدم حجّيّته بأخبار كثيرة، ممّا تقيّد روايات حجّيّة العقل واتّباعه، فتصبح روايات حجّيّة العقل واتّباعه بعد التقييد أخصّ من روايات الردع عن العمل بالرأي.
ويرد عليه بعد منع كبرى الجمع بانقلاب النسبة ـ كما يأتي بيانه في محلّه إن شاء الله ـ: منع ثبوت صغراها فيما نحن فيه كما سيظهر لك قريباً.
الثاني: أن يقال: إنّ النسبة بينهما ابتداءً عموم مطلق؛ لأنّ روايات حجّيّة العقل لم ترد لتشريع حكم زائد على أحكام العقل، والعقل بنفسه مستقلّ بالحكم بأصالة عدم حجّيّة العقل الظنّىّ ما لم يشرّع الشارع الحكم بحجّيّته، وأنّ الشكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدمها(1). فإذا كانت روايات حجّيّة العقل لا تدلّ على تشريع ذلك، فلا محالة لا تدلّ على حجّيّة العقل الظنّىّ.
وبتعبير آخر: أنّ هذه الروايات لم تدلّ إلّا على إمضاء العقل، ولا معنىً لإمضائه إلّا الاعتراف بمنجزيّة ما يراه منجّزاً ومعذّريّة ما يراه معذّراً، والمفروض أنّه لا يرى الظنّ في ذاته منجّزاً أو معذّراً. فإذا كانت روايات حجّيّة العقل بهذا البيان مختصّة بالأحكام القطعيّة للعقل، فهي أخصّ من روايات الردع عن الرأي، فتقدّم عليها بالأخصّيّة.
ويرد عليه: ما سيظهر لك من كون النسبة بينهما عموماً من وجه لا مطلقاً.
$
', '(1) قد يقال: إنّه بناءً على إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان تكون الحجّيّة بمعنى التنجيز ثابتة؛ لكن هذا لا يضرّ بأخصّيّة روايات حجّيّة العقل؛ إذ يكفي في ذلك عدم حجّيّة الظنّ في التعذير، سنخ أنّ الحجّيّة بمعنى التعذير ثابتة للشكّ والظنّ بناءً على القول بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولكن الحجّيّة بمعنى التنجيز غير ثابتة.
', 471), (21, 472, 'book', '
الثالث: أن يقال: إنّهما متعارضان بالعموم من وجه، ومتساقطان في مادّة التعارض، وهذا هو الحقّ في مقام العلاج(1)؛ وذلك لأنّه كما أنّ أخبار حجّيّة العقل أخصّ من أخبار الردع عن الرأي؛ لعدم شمولها للحكم العقليّ الظنّىّ، كذلك أخبار الردع عن الرأي أخصّ من ناحية اُخرى من أخبار حجّيّة العقل؛ لأنّها لا تشمل الأحكام البديهيّة للعقل، ولا القريبة من الموادّ البديهيّة التي لا تحتاج إلى مزيد تروّ وتأمّل؛ وذلك لعدم صدق عنوان الرأي الموجود في الأخبار عليها قطعاً؛ لأنّه ظاهر فيما يحتاج إلى مزيد تروّ وتفكّر(2).
وقد ظهر بما ذكرناه: أنّ النسبة بين الطائفتين عموم من وجه، سواء سلّمنا أنّ الأخبار الرادعة عن الرأي لا تشمل الأحكام العقليّة التي هي في المرتبة المتقدّمة على الأحكام الشرعيّة، بخلاف أخبار حجّيّة العقل، أو قلنا بعكس ذلك، أو قلنا بشمولهما معاً لذلك، أو قلنا بعدم شمولهما معاً لذلك؛ فإنّه يكفي في إثبات كون النسبة بينهما عموماً من وجه ما ذكرناه: من عدم شمول أخبار الردع عن الرأي للعقل البديهىّ وما يشبهه. وإذا كانت النسبة بينهما عموماً من وجه سقطتا في مادّة الاجتماع، وبالتالي لا يبقى دليل على الردع عن الأدلّة العقليّة.
هذا كلّه بعد تسليم صحّة سند الطائفتين، إلّا أنّ ما رأيناه من أخبار حجّيّة العقل هو الأخبار التي جمعها المحدّث الكلينىّ(رحمه الله) في الكافي، في باب العقل والجهل، وهي بين ما لا يدلّ على مطلوبنا، وما لا يكون صحيحاً سنداً.
فالأولى في مقام دفع الأخبار الرادعة عن الرأي ـ بعد فرض تسليم شمولها للرأي القطعىّ ـ هو إيقاع المعارضة بينها وبين الطائفة الآتية:
الطائفة الثانية: ما دلّت على الحثّ على اتّباع العلم، وبيانه للناس(3)، بنحو يدلّ على أصل الترخيص في تحصيله، لا على خصوص حجّيّته بعد حصوله. والنسبة بينها وبين ما دلّت على الردع عن الرأي ـ بعد تسليم شمولها للرأي القطعىّ ـ هي العموم من وجه؛ إذ
', '(1) يعني بعد ما سلّم افتراضاً من التعارض، وشمول الرأي للرأي القطعىّ.
(2) كأنّ هذا الكلام مأخوذ من اشتقاق الرأي من مادّة التروّي، ولا يبعد انصراف مثل قوله «دين اللَّه لا يصاب بالعقول» أيضاً إلى ما يحتاج إلى تعقّل وتروّ، على أنّ ذلك ليس ردعاً عن سلوك طريق العقل، وإنّما هو ردع عمّا يصيبه العقل. وقد عرفت عدم إمكانيّة الردع عن القطع العقلىّ، فلابدّ من حمله على مثل القياس والاستحسان.
(3) راجع اُصول الكافي ج 1، كتاب فضل العلم، الباب 1 ـ 4.
', 472), (21, 473, 'book', '
الأخبار الدالّة على وجوب اتّباع العلم تشمل العلم الحاصل من العقل والعلم الحاصل منالأخبار، وأمّا الأخبار الرادعة عن الرأي فتختصّ بما يكون حاصلاً من العقل، ولكنّها تعمّ الرأي العلمىّ والرأي الظنّىّ، ومادّة الاجتماع هي الرأي العلمىّ العقلىّ، وتتساقطان فيها بالتعارض، فلا يبقى ما يدلّ على الردع عنها.
قطع القطّاع
قد عرفت عدم إمكان الردع عن حجّيّة القطع، إمّا بالبيان المشهور، أو بأحد البيانين اللذين اخترناهما. وهذا الكلام يرد ـ تماماً ـ في قطع القطّاع، فلايمكن الردع عنه.
نعم، يمكن أن يقال: إنّ الإنسان لو التفت إلى كونه قطّاعاً، وأنّ هذه الحالة تورّطه كثيراً في تفويت الأغراض اللزوميّة للمولى، يجب عليه بقدر الإمكان علاج نفسه، والابتعاد عن العوامل غير المتعارفة التي تؤدّي به إلى تلك القطوع.
وهذه الدعوى تكون نظير دعوى الأخباريّ: عدم جواز الخوض في الأدلّة العقليّة المورثة للقطع.
وهذه مسألة جديدة يوجد ما يشبهها في الاُصول.
توضيح ذلك: أنّ الخطاب تصحّحه القدرة، وينجّزه العلم، وكما وقع البحث ـ بالنسبة إلى القدرة المؤثّرة في تصحيح الخطاب ـ عن أنّه هل يجوز للعبد تفويت القدرة؛ كي يقبح خطابه، ويستريح من حكم المولى، وذلك إمّا في زمان الواجب (وهذا ما بحث في علم الاُصول، وعبّر عنه بعنوان: الامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار)، أو قبل وقت الواجب (وهذا ما بحث في علم الاُصول تحت عنوان: المقدّمات المفوّتة) كذلك نبحث هنا ـ بالنسبة إلى العلم المنجّز للخطاب ـ عن أنّه هل يجوز للعبد تفويت العلم بالأحكام الإلزاميّة للمولى، بجعل نفسه قطّاعاً بالخلاف، أو عدم علاجه لهذا المرض مع الإمكان؛ كي يستريح من تنجّز ذلك الحكم عليه، أو لا؟ وهذا لم يحرّر حتّى الآن في علم الاُصول.
وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ هذا مربوط بمدى سعة دائرة مولويّة المولى وضيقها، الذي
', '', 473), (21, 474, 'book', 'لايمكن إدراكه إلّا بالوجدان والعقل العملىّ، فإن قلنا: إنّ حقّ المولى إنّما هو إطاعة الأحكام الواصلة مثلاً، وليس من حقوقه عدم إخراج العبد نفسه عن دائرة التنجيز بالشكل الذي يؤدّي إلى تفويت أغراضه اللزوميّة، إذن فلايجب عليه التحرّز من قطوع من هذا القبيل.
وإن قلنا: إنّ دائرة حقّ المولى قد اتّسعت لتحرّز من هذا القبيل، كما هو الصحيح، إذن وجب عليه ذلك، ولو خالف، استحقّ العقاب، لاعلى مخالفة الواقع؛ إذ الواقع المقطوع بخلافه خارج عن دائرة حقّ الامتثال، بل على تعريض نفسه لمثل هذه القطوع، أو تركه للعلاج؛ إذ أصبح هذا بنفسه مخالفة لحق المولى(1).
$
', '(1) الظاهر: أنّ مخالفة ذلك لحقّ المولى هي سنخ التجرّي، وقد خالف حقّ المولويّة في أصل مخالفته للحكم الواقعىّ، وهذا سنخ المعصية.
ولا يقال: إنّ هذا الحكم لم يكن منجّزاً عليه؛ لأنّه كان قاطعاً بالخلاف.
فإنّه يقال: إنّ هذا الحكم قد تنجّز بعلمه الإجمالىّ بأنّ كثيراً من قطوعه خلاف الواقع، وتنجّز ذلك لاينافي تنجّز العمل بالقطع عليه؛ فإنّ التنجّز الثاني الذي هو سنخ تنجّز حرمة التجرّي ليس تنجّزاً لخصوص العمل بالقطع، بل هو تنجّز لجامع ترك مخالفة القطع الذي يمكن أن يتجسّد بفراره من ذاك القطع. فالأمران المتنجّزان عليه كان الجمع بينهما ممكناً بشأنه، وإنّما فوّت على نفسه القدرة على الجمع بسوء الاختيار، والامتناع بالاختيار لاينافي الاختيار.
', 474), (21, 475, 'book', '
بحث القطع
7
$
', '', 475), (21, 476, 'book', '$
', '', 476), (21, 477, 'book', 'الكلام في العلم الإجمالىّ يقع تارة في تنجيز التكليف به، وعدم جريان الاُصول في أطرافه، واُخرى في الاكتفاء به في مقام الامتثال.
وبتعبير آخر: تارة يتكلّم في العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف، واُخرى يتكلّم في العلم الإجمالىّ في مرحلة الامتثال.
العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف
أمّا العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف، فقد تعارف في علم الاُصول عملاً بحثه مرّتين: مرّة هنا، ومرة اُخرى في باب البراءة والاشتغال، والمناسب فنّاً ـ كما ذكره المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) ـ هو التبعيض: بأن يتكلّم هنا عن مدى تنجيز العلم الإجمالىّ بنحو العلّيّة أو الاقتضاء، وبمستوى مرتبة حرمة المخالفة القطعيّة، أو وجوب الموافقة القطعيّة؛ فإنّ هذا بحث عن أحكام العلم، وبعد فرض الفراغ من عدم علّيّته للتنجّز بمستوى وجوب الموافقة القطعيّة تصل النوبة إلى البحث في باب البراءة والاشتغال عن مدى جريان الاُصول وعدمه في الأطراف.
ولكن بما أنّ الجهتين من البحث مترابطتان غاية الترابط، وتقع الحاجة لدى بيان الجهة الثانية إلى تكرار الكلام في الجهة الاُولى لمدى تأثيره في توضيح الأمر في الجهة الثانية، فالأولى ذكر الجهتين في مورد واحد فراراً من التكرار.
وبما أنّ بعض المباحث والمباني في العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف يتوقّف تنقيحه على تنقيح المباني في الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ، فالأولى تأخير بحث العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف عن مبحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ.
فمن تلك المباني ما أفاده المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله): من أنّه ما دامت رتبة الحكم
', '', 477), (21, 478, 'book', 'الظاهرىّ محفوظة مع العلم الإجمالىّ إذن لا مانع من قبل العلم من جريان الاُصول، فلا يصل تأثير العلم الإجمالىّ في التنجيز إلى مستوى العلّيّة؛ فإنّ تنقيح ذلك يبتني على معرفة نكتة الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ ؛ كي يرى مدى انحفاظ تلك النكتة مع العلم الإجمالىّ.
وعليه فنحن نؤجّل البحث استدلاليّاً عن العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف إلى باب البراءة والاشتغال.
لكنّنا نذكر هنا ما هو المختار في ذلك بنحو الفتوى محوّلين إثباته إلى مبحث البراءة والاشتغال. فنقول: المختار في باب العلم الإجمالىّ في مرحلة التكليف ـ بناءً على ما ذهبنا إليه من إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان ـ هو: أنّ العلم الإجمالىّ ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة، ولا لحرمة المخالفة القطعيّة، ولكنّه مقتض للتنجّز بكلا المستويين، ومعنى الاقتضاء للتنجّز هو: كون منجّزيّته معلّقة على عدم مجيء الترخيص من قبل الشارع، كما أنّ معنى العلّيّة هو: كون منجّزيّته غير معلّقة.
أمّا بناءً على المبنى المتعارف من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالمختار هو: التفصيل بين قسمين من العلم الإجماليّ.
توضيح ذلك: أنّ المعلوم بالعلم الإجمالىّ إذا لاحظناه في اُفق العلم فتارة يكون المقدار المعلوم من الواجب هو القدر القابل للانطباق على كلّ واحد من طرفي العلم الإجمالىّ، كما لو علمنا إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فالمقدار الداخل في اُفق العلم من الواجب الذي يشار إليه بمثل عنوان أحدهما نسبته إلى الظهر والجمعة على حدّ سواء، واُخرى يكون المقدار المعلوم من الواجب مشتملاً على قيد لا ينطبق إلّا على الواجب الواقعىّ، وإن تردّدنا نحن في التطبيق.
مثاله: ما لو علمنا بوجوب إكرام العالم بما هو عالم، واشتبه عالم بجاهل، فعلمنا إجمالاً بأنّ أحدهما واجب الإكرام بما هو عالم، فالمقدار الثابت في اُفق العلم الإجمالىّ من الواجب مقيّد بقيد لا ينطبق إلّا على الواجب الواقعىّ، وهو قيد العالميّة، ولكنّنا شككنا في التطبيق.
وفي القسم الأوّل لو علم المكلّف بأحد طرفي العلم الإجمالىّ، وكان في الواقع هو
', '', 478), (21, 479, 'book', 'الواجب، فقد حصل له العلم بالإتيان بذات الواجب، وإن لم يحصل له العلم بالإتيان بالواجب بما هو واجب.
وهذا بخلاف القسم الثاني؛ إذ لو أكرم أحدهما، وكان هو العالم واقعاً، لم يحصل له العلم بالإتيان بذات الواجب؛ فإنّ ذات الواجب عبارة عن إضافة الإكرام إلى العالم، وهو لا يعلم بالإتيان بها.
والمختار في القسم الأوّل هو: أنّ العلم الإجمالىّ مقتض للتنجّز على مستوى حرمة المخالفة القطعيّة، وليس علّة لذلك، وليس علّة ولا مقتضيّاً لوجوب الموافقة القطعيّة. وفي القسم الثاني هو أنّ العلم الإجمالىّ مقتض لحرمة المخالفة القطعيّة ولوجوب الموافقة القطعيّة، وليس علّة لشيء منهما.
وينبغي هنا المنع عن عدّة توهّمات:
الأوّل: أن يتوهّم أنّ مقصودنا ممّا مضى هو التفصيل بين الشبهة الحكميّة والشبهة الموضوعيّة. فالشبهة في القسم الأوّل حكميّة، والعلم الإجمالىّ يقتضي فيها حرمة المخالفة القطعية، وليس علّة لذلك، ولا مقتضيّاً لوجوب الموافقة القطعيّة. وفي القسم الثاني موضوعيّة، والعلم الإجمالىّ يقتضي فيها حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعيّة من دون أن يكون علّة لأحدهما.
ولكنّ الواقع: أنّ الشبهة الحكميّة داخلة تحت القسم الأوّل دائماً، لكن الشبهة الموضوعيّة قد تدخل تحت القسم الأوّل، وقد تدخل تحت القسم الثاني.
وتوضيح ذلك: أنّ الشبهة الموضوعيّة في الحكم تارة تنشأ عن الشبهة في جهة تقييديّة في متعلّق الحكم (والمقصود بالمتعلّق: ما يعمّ المتعلّق مباشرة، ومتعلّق المتعلّق)
ومثاله: ما مضى من فرض العلم بوجوب إكرام العالم، والشكّ في أنّ العلم الذي هو جهة تقييديّة في المتعلّق هل هو موجود في زيد، أو في عمرو؟ وهذا هو الذي جعلناه قسماً ثانياً من قسمي العلم الإجمالىّ.
واُخرى تنشأ عن الشبهة في جهة تعليليّة للحكم، كما لو قال المولى: إن نزل المطر، فأكرم زيداً، وقال: إن جاء العجاج، فأكرم عمراً، وعلمنا إجمالاً بنزول المطر أو مجيء العجاج، فنعلم إجمالاً بوجوب إكرام أحد الشخصين. فهذه شبهة موضوعيّة، ولكنّ العلم
', '', 479), (21, 480, 'book', 'الإجمالىّ فيها من القسم الأوّل؛ لأنّ الواجب إنّما هو إضافة الإكرام إلى ذات أحدهما لا إلى عنوان لا ينطبق إلّا على الواجب الواقعىّ.
وثالثة تنشأ عن التردّد في القيد المأخوذ في جانب المكلّف، كما لو قال المولى: يجب على الناذر الحانث لنذره الصوم، وقال: يجب على الحاجّ المرتكب لبعض محرّمات الإحرام التصدّق، وعلم شخص إجمالاً بكونه مصداقاً لأحد هذين العنوانين، فيعلم إجمالاً بوجوب التصدّق أو الصوم عليه. وهذه ـ أيضاً ـ شبهة موضوعيّة داخلة في القسم الأوّل دون الثاني؛ لعدم تعلّق التكليف بعنوان خاصّ لا ينطبق إلّا على الواجب الواقعىّ.
الثاني: أن يتوهّم أنّ العلوم الإجماليّة التي يتّفق وجودها خارجاً كلّها من القسم الثاني حتّى مثل العلم بوجوب الظهر أو الجمعة؛ إذ يوجد ـ دائماً ـ عنوان معلوم لاينطبق إلّا على الواجب الواقعىّ، ففي هذا المثال نعلم ـ مثلاً ـ بوجوب ما كان يعلم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بوجوبه، وهذا العنوان لا ينطبق إلّا على الواجب الواقعىّ.
والجواب: أنّ هذا العنوان ليس داخلاً تحت الوجوب كي يتنجّز بتعلّق العلم به، وإضافة الوجوب إليه إضافة تبرّعيّة.
الثالث: الخلط الواقع في كلمات الأصحاب بين باب العلم الإجمالىّ بالتكليف وباب العلم التفصيليّ به مع الشكّ في المحصّل، كما وقع في كلام السيّد الاُستاذ: من جعل العلم بوجوب الصلاة مع الشكّ في جهة القبلة من باب الشكّ في المحصّل مع العلم التفصيلىّ بالحكم.
وكأنّ منشأ الاشتباه ما رآه من إباء الوجدان والارتكاز من القول بعدم اقتضاء العلم في هذا المثال للامتثال القطعىّ، في حين أنّه هو يرى عدم اقتضاء العلم الإجمالىّ للامتثال القطعىّ، فأدخل هذا المثال في باب الشكّ في المحصّل مع العلم التفصيلىّ بأصل الحكم.
والواقع: أنّ الشكّ تارة يكون في عنوان المكلّف به، كما في مثال العلم بوجوب الظهر أو الجمعة.
واُخرى في مصداق المكلّف به، كما في مثال تردّد جهة القبلة، أو مثال وجوب إكرام العالم مع تردّد العالم بين زيد وعمرو.
وثالثة في مقدّمة حصول المكلّف به، كما لو علم بوجوب قتل الكافر، وشكّ في حصول القتل بالرصاص الأوّل.
$
', '', 480), (21, 481, 'book', 'فالثالث هو الشكّ في المحصّل، والأوّل والثاني كلاهما من العلم الإجمالىّ بالتكليف، إلّا أنّ الأوّل ضابط للعلم الإجمالىّ الذي لا يقتضي الامتثال القطعىّ، والثاني ضابط للعلم الإجمالىّ الذي يقتضي الامتثال القطعىّ، كما شرحناه. وبهذا يتحفّظ على إباء الوجدان والارتكاز عن عدم اقتضاء العلم في هذا المثال للامتثال القطعىّ(1).
العلم الإجمالىّ في مرحلة الامتثال
وأمّا العلم الإجمالىّ في مرحلة الامتثال، فالبحث عنه راجع إلى المقام، ولا علاقة له ببحث البراءة والاشتغال؛ فإنّ البحث عن كفاية الامتثال بالعلم الإجمالىّ في الحكم بفراغ الذمّة وعدمها بحث عن حكم العلم يناسب ذكره هنا.
وقد وقع الخلاف بين الأعلام في كفاية الامتثال الإجمالىّ مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ في العبادات بعد الاتّفاق على كفايته في التوصلّيّات.
ودعوى لزوم الامتثال التفصيلىّ في العبادات يمكن تفسيرها بأحد وجوه ثلاثة:
الأوّل: دعوى لزوم ذلك لا لوجوبه في نفسه، بل لتحقيق عنوان آخر يجب تحقيقه في العبادات، كقصد الطاعة مثلاً.
الثاني: دعوى وجوبه بنفسه وجوباً شرعيّاً خطابيّاً بناءً على إمكان أخذه في الخطاب، أو غرضيّاً بناءً على عدم إمكان أخذه في الخطاب.
الثالث: دعوى وجوبه عقلاً: إمّا باقتضاء التكليف ذلك وداعويّته له كما يقتضي العمل
', '(1) ما جاء في كتاب مصباح الاُصول للسيّد محمّد سرور تقريراً لبحث السيّد الخوئىّ الجزء الثاني صفحة (351) صريح في اقتضاء العلم الإجمالىّ بالتكليف مطلقاً لوجوب الموافقة القطعيّة؛ إذ ذكر عدم شمول البراءة العقليّة لشيء من الأطراف بنكتة تماميّة البيان. فلعلّ ما نقله اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) هنا عن السيّد الخوئىّ: من عدم اقتضاء العلم الإجمالىّ لوجوب الموافقة القطعيّة راجع إلى تأريخ سابق. هذا، والقول بعدم اقتضاءالعلم الإجمالىّ بالتكليف لوجوب الموافقة القطعيّة منقول في أجود التقريرات (ج 2 ص 245) عن المحقّق النائينىّ، فيرى(رحمه الله) أنّ التنجيز للموافقة القطعيّة إنّما هو بنكتة تساقط الاُصول، ولا علّيّة أو اقتضاء للعلم الإجمالىّ لوجوب الموافقة القطعيّة،إلّا بمعنى دخله في تساقط الاُصول. ولكن المنقول عنه في تقرير الكاظمي (ج 4 ص 9) هو اقتضاؤه لوجوب الموافقة القطعيّة. فيحمل هذا الاختلاف على اختلاف الزمان باعتبار ما قاله اُستاذنا الشهيد من كون تقرير الكاظمىّ تقريراً لدورة سابقة، وسيأتي ذلك في بحث البراءة والاشتغال إن شاء الله تعالى.
', 481), (21, 482, 'book', '
على طبقه، فهو داخل في حقّ الامتثال، أو بأن يقال بكونه حقّاً مستقلّاً للمولى في قبال حقّ الامتثال.
وهذا نظير ما مضى في مسألة الموافقة الالتزاميّة: من أنّ دعوى الوجوب العقلىّ لها تارة تكون بمعنى دعوى اقتضاء التكليف لها، واُخرى بمعنى دعوى حقّ مستقلّ في قبال حقّ الامتثال.
والبحث على الوجه الأوّل ليس بحثاً في حكم من الأحكام أو متعلّقه، فالحكم والمتعلّق معلوم، وقصد الطاعة ـ مثلاً ـ قد فرض الفراغ من وجوبه، وإنّما الكلام فيما يمكن أن يتحقّق معه متعلّق الحكم وما لا يمكن.
وعلى الوجه الثاني بحث فقهىّ صرف، فحال البحث عن وجوب كون الامتثال تفصيليّاً شرعاً وعدمه كحال البحث عن وجوب قصد القربة وعدمه.
وأمّا على الوجه الثالث، فهو بحث عن الأحكام العقليّة للقطع مربوط بما نحن فيه. وعلى أىّ حال، فالتقريبات التي ذكروها في المقام لأجل إثبات الامتثال التفصيلىّ يرجع بعضها إلى الوجه الأوّل، وبعضها إلى الوجه الثاني، وبعضها إلى الوجه الثالث. ومقتضى استيفاء البحث لتمام التقريبات والخصوصيّات في المقام هو الكلام في تمام الوجوه الثلاثة فنقول:
أمّا الوجه الأوّل: وهو دعوى الفراغ من وجوب شيء آخر غير تفصيليّة الامتثال في العبادات يتوقّف على تفصيليّة الامتثال، فهذا ما يستفاد من صدر عبارة المحقّق النائينىّ(رحمه الله)الواردة في التقريرات حيث يفهم منها: أنّ العقل يحكم بالاستقلال بأنّ قصد الطاعة الذي اعتبر في العبادات إنّما يحسن لدى التمكّن من الامتثال التفصيلىّ إذا كان قد انبعث من أمر المولى بالتفصيل، أمّا الانبعاث من مجرّد احتماله، فلا حسن فيه ما دام متمكّناً من الامتثال التفصيلىّ، ويشترط في العبادة أن يكون الانبعاث وقصد الطاعة بنحو حسن عقلاً.
وجاء في أجود التقريرات دليل على اختصاص الحسن لدى التمكّن من الانبعاث التفصيلىّ بالانبعاث التفصيلىّ، (ولم يذكر هذا الدليل في تقرير المحقّق الكاظمىّ(رحمه الله)) وهو: أنّ احتمال الأمر متأخّر رتبة عن نفس الأمر، إذن فيكون التحرّك والانبعاث عن احتمال الأمر متأخّراً رتبة عن التحرّك والانبعاث عن نفس الأمر، وبما أنّ التحرّك
', '', 482), (21, 483, 'book', 'والانبعاث في الامتثال التفصيلىّ يكون عن نفس الأمر، إذن فهو الأمر الحسن عند التمكّن منه، ولاتصل النوبة إلى الانبعاث من احتمال الأمر، إلّا لدى العجز عن الانبعاث من أصل الأمر.
أقول: إنّ تأثير تأخّر احتمال الأمر عن نفس الأمر رتبة في اختصاص الحسن بالانبعاث من نفس الأمر مع الإمكان دعوى لا برهان عليها... نعم، قد يدّعي المحقّق النائينىّ(رحمه الله)وجدانيّتها، وهي ليست إلّا كدعوى حكم العقل والوجدان بعدم حسن الامتثال الإجمالىّ مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ. وليس في ضمّ هذه الدعوى إلى دعوى عدم حسن الامتثال الإجمالىّ مع التمكّن من التفصيلىّ أثر في المقام.
ثمّ إنّنا لم نعرف لماذا يفترض أنّ الانبعاث في الامتثال التفصيلىّ انبعاث من نفس الأمر الذي هو مقدّم رتبة على احتماله، في حين أنّ الأمر بوجوده الواقعىّ لا يكون محرّكاً، وإنّما المحرّك هو ما في نفس المكلّف من العلم بالأمر أو احتماله، والعلم بالأمر حاله حال احتمال الأمر، ولا يتوهّم أيّ تقدّم رتبىّ له على الاحتمال.
وعلى أىّ حال، فما مضى من التقريب كان هو المستفاد من صدر كلام المحقّق النائينىّ(رحمه الله)، ولكن جاء في ذيل كلامه ما يناقض هذا المعنى حيث ذكر: أنّه لو تنزّلنا من القطع بعدم حسن الامتثال الإجمالىّ عند التمكّن من الامتثال التفصيلىّ، وشككنا في ذلك، دخل المورد في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، والأصل في تلك المسألة يقتضي التعيين. وهذا الذيل كما ترى يناسب افتراض كون الامتثال التفصيلىّ ـ على تقدير وجوبه ـ واجباً في نفسه، لا محقّقاً لعنوان آخر واجب، وهو قصد الطاعة بشكل حسن أو حسن الانبعاث، وإلّا فلا علاقة لذلك ببحث البراءة والاشتغال في دوران الأمر بين التعيين والتخيير، بل يدخل في مسألة القطع بشغل الذمّة والشكّ في الفراغ، والاشتغال اليقينىّ يستدعي الفراغ اليقينىّ(1).
وعلى أىّ حال، فلو سلّمنا دخول المسألة في باب البراءة والاشتغال، فبغضّ النظر عن النقاش في مبنى أصالة التعيين، وأنّ الصحيح عند الدوران بين التعيين والتخيير هو أصالة
', '(1) إرجاع المقام إلى باب الدوران بين التعيين والتخيير إنّما ورد في تقرير الكاظمىّ(رحمه الله). أمّا الوارد في أجود التقريرات، فهو أنّه مع فرض الشكّ ليس المورد مورداً للبراءة؛ لأنّ البراءة لا تجري في الاُمور المشكوك اعتبارها في الطاعة العقليّة. ولعلّه يقصد بذلك مسألة الشكّ في حصول الامتثال والفراغ.
', 483), (21, 484, 'book', '
التخيير، ننكر رجوع الأمر في المقام إلى باب التعيين والتخيير، بل الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فإنّنا نعلم بوجوب الإتيان بمتعلّق الأمر بقصد القربة بالمعنى الذي سيأتي إن شاء الله، ونشكّ في وجوب أمر زائد، وهو التحرّك عن نفس الأمر أو العلم به وعدمه، والأصل عند دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين هو البراءة.
أمّا أصل ما جاء في صدر التقرير لكلام المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من افتراض اشتراط العبادة بقصد أمر حسن عقلاً، فيرد عليه:
أوّلاً: أنّ الذي ثبت في الفقه في العبادات إنّما هو لزوم قصد التقرّب إلى الله مع كون الفعل قابلاً للتقرّب به، وكلا الأمرين ثابتان فيما نحن فيه، ولو كان الامتثال إجماليّاً مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ. ودليل العباديّة منحصر في الغالب بالإجماع، والقدر المتيقّن منه ما ذكرناه، ولا دليل على اشتراط كون العبادة بقصد أمر حسن عقلاً (1).
وثانياً: لو سلّمنا ذلك، فلانسلّم ما دلّ عليه وجدان المحقّق النائينيّ(رحمه الله): من عدم حسن الامتثال الإجمالىّ مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ، بل وجداننا يشهد بحسن ذلك.
ثُمّ إنّ إجماليّة الامتثال والانبعاث عن احتمال الأمر تارة يكون على أساس كون الأمر احتماليّاً وغير معلوم أصلاً.
واُخرى يكون على أساس العلم الإجمالىّ والدوران بين المتباينين.
وثالثة يكون على أساس الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
وما أفاده المحقّق النائينىّ(رحمه الله): من كون التحرّك عن نفس الأمر أو عن العلم به مقدّماً على التحرّك عن احتمال الأمر يتأتّى في الفرض الأوّل(2) بلا إشكال.
فلو لم يفحص لمعرفة ما إذا كان هناك أمر حقيقة أو لا، واكتفى بالإتيان بالفعل
', '(1) عبّرنا في صدر البحث وقبل الشروع في الإشكال على أصل التقريب بما يستفاد من عبارة التقرير: من اشتراط حسن الانبعاث والتحرّك، ولكنّ اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) عبّر بتعبير (قصد عنوان حسن). فإن كان المقصود من هذا التعبير ما يرجع إلى ذاك التعبير، فهذا الإشكال غير وارد عليه؛ لأنّ التحرّك والانبعاث لو لم يكن حسناً، لما كان مقرّباً، ولابدّ في العبادة من المقرّبيّة.
(2) وهو فرض كون الأمر احتماليّاً غير معلوم ولو بالعلم الإجمالىّ. نعم، لو كان هذا الاحتمال غير منجّز كما في الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة بعد الفحص، فقد ذهب من يدّعي تقدّم الامتثال التفصيلىّ إلى جواز الاكتفاء في هذا الفرض بالإجمالىّ. وسيأتي الكلام عن ذلك.
', 484), (21, 485, 'book', '
احتياطاً، فقد تحرّك عن احتمال الأمر، لا عن نفس الأمر أو العلم به.
وأمّا في الفرض الثاني فقد ذكر السيّد الاُستاذ (معترضاً على اُستاذه المحقّق النائينىّ(رحمه الله)): أنّ هذا الوجه لا ينطبق في المقام؛ لأنّ التحرّك في الحقيقة تحرّك عن أمر معلوم لا عن احتمال الأمر؛ فإنّه إنّما أتى بعملين لعلمه الإجمالىّ بثبوت الأمر بأحدهما.
أقول: إنّ أصل العلم بالأمر لا يحرّك الشخص ابتداءً نحو هذا الفرد أو ذاك الفرد، وإنّما يحرّكه نحو أىّ فرد بواسطة احتمال انطباقه على ذاك الفرد، فالاحتمال هو الجزء الأخير للعلّة المحرّكة، وهذا فرض متوسّط بين فرض كون المحرّك ابتداءً الأمر المعلوم، وفرض كون تمام المحرّك هو الاحتمال. وبما أنّ دعوى عدم حسن التحرّك عن احتمال الأمر مرجعها إلى الوجدان فسعة دائرتها وضيقها ـ أيضاً ـ بيد الوجدان، فبإمكان المحقّق النائينىّ(رحمه الله) أن يدّعي أنّ عدم الحسن شامل لهذا الفرض، كما أنّ بإمكان من يدّعي مثل هذا الوجدان أن ينكر شموله لهذا الفرض.
وبما ذكرنا ظهر الحال بالنسبة إلى الفرض الثالث، فإن قلنا بانحلال الأمر المتعلّق بالمركّب إلى الأوامر الضمنيّة، كان الجزء الأخير للمحرّك نحو الجزء المشكوك هو احتمال الأمر الضمنىّ بالنسبة إليه، وإن قلنا بعدم انحلاله كان الجزء الأخير للمحرّك نحوه احتمال انطباق الأمر المعلوم عليه.
وعلى أىّ حال، فسعة دائرة عدم الحسن وضيقها: بأن تشمل أو لاتشمل هذا الفرض ترجع إلى الوجدان، فمدّعي الوجدان قد يدّعي شموله لهذا الفرض، وقد ينكر ذلك(1).
وأمّا الوجه الثاني: وهو دعوى وجوب الامتثال التفصيلىّ خطابيّاً، أو غرضيّاً، فله تقريبان:
الأوّل: دعوى قيام الدليل ووجوب التفصيليّة في مقام الإتيان بالعبادة. وهو ما يدّعى في المقام: من قيام الإجماع على بطلان الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ، وهو كما ترى.
الثاني: أن يقال: صحيح أنّه لم يقم دليل على وجوب ذلك، لكنّه لم يقم دليل على
', '(1) وبالفعل قد أفتى المحقّق النائينىّ(رحمه الله) بجواز الاكتفاء بالامتثال الإجمالىّ في هذا الفرض، فكأنّ هذا راجع إلى دعوى ضيق دائرة الوجدان الذي يحسّ به.
', 485), (21, 486, 'book', '
عدم الوجوب أيضاً، فيبقى احتمال الوجوب منجّزاً مادام لا يمكن التأمين، لا بالإطلاق ولا بالبراءة.
أمّا الأوّل: فلعدم إمكان أخذ هذا القيد في الخطاب كقصد القربة؛ لأنّه ممّا لا يتأتّى إلّا من قبل الأمر ومترتّب عليه، وما لا يمكن أخذه في الخطاب لا يتمّ الإطلاق بلحاظه بحسب عالم الإثبات.
وأمّا الثاني: فلأنّ هذا الوجوب عقلىّ، وليس وجوباً شرعيّاً؛ لعدم إمكانيّة أخذه في متعلّق الخطاب. والبراءة إنّما ترفع الحكم الشرعىّ.
والواقع: أنّ وجوب تفصيليّة الامتثال أو ما شابه ذلك كقصد القربة وجوب شرعىّ حتّى بناءً على عدم إمكان أخذه في متعلّق الخطاب. فدخل الشيء في غرض الشارع عبارة عن الوجوب الشرعىّ، وأمّا العقل فهو يحكم بوجوب امتثال ما هو دخيل في غرض المولى ولا يرضى بفوته. وهذا غير كون متعلّق غرض المولى واجباً عقليّاً.
وشبهة عدم جريان البراءة نشأت عن التصوير المتعارف لحقيقة الحكم الظاهرىّ، أمّا بعد معرفة حقيقة الحكم الظاهرىّ ورجوعه إلى مدى اهتمام وعدم اهتمام المولى بغرضه ـ كما مرّت الإشارة إلى ذلك، وسيأتي تفصيلاً في بحث الجمع بين الحكم الظاهرىّ والواقعىّ ـ فيتّضح جليّاً ما ذكرناه هنا: من إمكانيّة الرفع الظاهرىّ في المقام بالبراءة.
على أنّ عدم تماميّة الإطلاق في المقام غير مقبول حتّى إذا تمّ ذلك في قصد القربة؛ وذلك لأنّ ما نسبه المحقّق النائينىّ(رحمه الله) ـ على ما ببالي ـ إلى الميرزا الشيرازىّ الكبير كوجه في مقام تصوير تقييد الخطاب في باب قصد القربة، يتمّ في المقام، وإن لم يكن تامّاً فى باب قصد القربة.
وتوضيح ذلك: أنّ المنسوب إلى الميرزا الشيرازىّ هو أنّ قصد القربة ـ و إن كان مترتّباً على الأمر، ولايتأتّى إلّا من قبله، فلا يمكن تقييد الأمر به ـ يمكن تقييده بمانعيّة الدواعي(1) الاُخرى. أقول: هذا الكلام لم يكن تامّاً في قصد القربة، لكنّه يتمّ في المقام.
$
', '(1) ما جاء في أجود التقريرات ( ج 1 ص 111 ) نقلاً عن المحقّق النائينيّ(رحمه الله) هو أنّه حكي عن بعض تقريرات العلّامة الشيرازيّ(قدس سره): أنّ نفس الداعي القربيّ لم يمكن أخذه في المتعلّق، إلّا أنّه يمكن أخذ عنوان ملازم له فيه. واُستاذنا الشهيد(رحمه الله) ذكر في بحث التعبّديّة والتوصّليّة تصويراً لهذا العنوان الملازم، وهو: افتراض أن يكون هذا العنوان عبارة عن عدم كون الفعل بداع نفسانيّ، أي: سائر الدواعي غير قصد الامتثال.
', 486), (21, 487, 'book', '
وتوضيح الفرق: أنّه في باب قصد القربة كما لا يتصوّر قبل الأمر صدور الفعل بداعي القربة ـ بحسب الفرض ـ كذلك لا يتصوّر صدوره لابداع آخر غير داعي القربة؛ لأنّ هذا مساوق لصدور الفعل بلا داع، وهذا غير معقول في الأفعال الاختياريّة، ولكن يصحّ نظير هذا الكلام فيما نحن فيه؛ وذلك بأن يؤخذ في متعلّق الأمر قيد عدم الامتثال الإجمالىّ بدلاً من أخذ قيد الامتثال التفصيلىّ، فيكون الواجب هي الصلاة المقيّدة بعدم كون الإتيان بها بقصد الامتثال الإجمالىّ، وهذا ممكن قبل الأمر. وفائدة هذا القيد هي: انتفاء ما يقابله بحسب الخارج؛ إذ بعد هذا القيد يصبح الامتثال الإجمالىّ مستحيلاً، فالتقييد في بعض الموارد يفيد رفع الحكم عن الفرد الفاقد للقيد، كما في أكرم الرجل العالم، وفي بعض الموارد يفيد إعدام ذاك الفرد في الخارج، كما فيما نحن فيه، وكما فيما مضى في باب أخذ العلم بالحكم مانعاً عن الحكم.
وأمّا الوجه الثالث: وهو دعوى وجوب الامتثال التفصيلىّ عقلاً، فتارة يقصد بذلك دعوى اقتضاء نفس التكليف لذلك باعتباره مقتضيّاً للامتثال، واُخرى يقصد به دعوى حكم العقل بحقّ مستقلّ للمولى غير حقّ الامتثال:
أمّا الأوّل: فيرد عليه: أنّه بعد فرض عدم دخل تفصيليّة الامتثال في خطاب المولى ولا في غرضه، لا معنىً لاقتضاء التكليف لها اقتضاءً امتثاليّاً بحكم العقل. وقد مضى توضيح ذلك في باب الموافقة الالتزاميّة، ونقول هنا ـ أيضاً ـ: إنّ للتكليف اقتضاءين للامتثال:
أحدهما: الاقتضاء الذاتىّ، وهو: اقتضاؤه له بمقدار رغبة العبد في نفسه لتحصيل أغراض المولى بغضّ النظر عن حكم العقل العملىّ بوجوب الطاعة. وهذا الاقتضاء ثابت في التماس العبد من المولى أيضاً، فالالتماس له محرّكيّة ذاتيّة للمولى بقدر ما في نفس المولى من الرغبة في تحصيل أغراض عبده. ومن الواضح: أنّ هذا الاقتضاء غير معقول فيما نحن فيه؛ إذ المفروض عدم تعلّق غرض المولى بتفصيليّة الامتثال، فرغبة العبد لتحصيل أغراض المولى لا أثر لها في المقام.
وثانيهما: الاقتضاء العرضىّ الثابت بحكم العقل الذي هو عبارة عن دركه لوجوب تحصيل غرض المولى الذي يهتمّ به. وهذا في الحقيقة متمّم للاقتضاء الذاتىّ. فالعبد إن
', '', 487), (21, 488, 'book', 'لم يكن يمتلك رغبة نفسيّة في تحصيل غرض المولى بمقدار يحرّكه نحو الطاعة، فحكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية يحرّكه نحوها. أمّا إذا فرض أنّ شيئاً ما غير دخيل في غرض المولى، وأنّه خارج عن دائرة الاقتضاء الذاتىّ للتكليف، فليس من المعقول اقتضاء التكليف له بحكم العقل.
وأمّا الثاني: فتقريبه: أنّ الإطاعة الإجماليّة بالتكرار مع التمكّن من الإطاعة التفصيليّة لعب واستهزاء بأمر المولى. وللمولى حقّ مستقلّ يحكم به العقل غير حقّ الامتثال، وهو: حقّ عدم الاستهزاء واللعب بأوامره، ويترتّب على ذلك بطلان العبادة حتّى بناءً على عدم استحالة اجتماع الأمر والنهي؛ وذلك على ما حقّقناه في محلّه: من أنّ النهي في العبادة يوجب البطلان؛ لاستحالة قصد التقرّب بالقبيح، سواء قلنا باستحالة اجتماع الأمر والنهي، أو لا.
ويرد عليه:
أوّلاً: النقض بالامتثال الإجمالىّ في التوصّليّات بناءً على ما ذهبوا إليه: من استحالة اجتماع الأمر والنهي؛ وذلك لأنّ كون التكرار لعباً واستهزاءً بأمر المولى لو تمّ لم يكن مختصّاً بالعبادات، ففي التوصّليّات ـ أيضاً ـ يكون ذلك لغواً أو استهزاءً، وبالتالي يكون قبيحاً، فيخرج عن تحت عنوان المأمور به؛ لاستحالة اجتماع الأمر والنهي، وبالتالي لا يقتضي الإجزاء، ويكون باطلاً.
وثانياً: ما ذكره المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله): من منع لزوم اللعب من التكرار والاحتياط؛ إذ قد يكون ذلك بداع عقلائىّ، كما لو كان أسهل عليه من تحصيل العلم. (وللمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله)) جواب آخر سيأتي إن شاء الله.
واُورد على هذا الجواب في (الدراسات): أنّ فرض كون التكرار والاحتياط بداع عقلائىّ لا يكفي لتصحيح العبادة؛ فإنّ العبادة بحاجة إلى قصد القربة، ولا يكفي فيها مجرّد عدم داعي اللعب، فإذا لم يكن الداعي هو قصد القربة، تبطل العبادة، سواء كان الداعي هو داعي اللعب، أو داعياً عقلائيّاً. ومن هنا اُفيد في (الدراسات) أنّ الصحيح في الجواب عن الإشكال إنّما هو الجواب الثاني من جوابي المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله).
أقول: لو كان الإشكال الذي أجاب عنه المحقّق الخراسانىّ عبارة عن دعوى: كون سالك الاحتياط تاركاً لقصد القربة اعتباطاً ومنبعثاً عن قصد اللعب، لكان كلام
', '', 488), (21, 489, 'book', '(الدراسات) في محلّه ؛ إذ يقال: إنّ تبديل داعي اللعب بداع عقلائىّ لا يؤثّر شيئاً، فالمهمّ إنّما هو تحقيق القربة؛ ولكن الإشكال الذي جاء في الكفاية وأجاب عنه لم يكن هو هذا، وإنّما هو عبارة عن أنّه مع اللعب بأمر المولى يستحيل قصد القربة.
وهذا الإشكال كما ترى ينتفي بتبديل داعي اللعب بداع عقلائىّ.
وثالثاً: أنّنا لو سلّمنا لزوم اللعب، كما هو كذلك في غير فرض ثبوت داع عقلائىّ، لم نسلّم كونه لعباً بأمر المولى، بل هو لعب في نفسه غير مربوط بأمر المولى، نظير ما لو اشتهى أحد بلا داع عقلائىّ أن يصلّي صلاة الظهر على قمّة جبل عال واقع في مكان خاصّ، فذهب إلى هناك، وصلّى متقرّباً إلى الله تعالى. فهذا صحيح أنّه صدر عنه اللعب، لكنّه لم يكن لعباً بأمر المولى واستهزاءً به كي يكون قبيحاً عقلاً.
هذا. والمحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) صاغ جوابه عن الإشكال ـ غير الجواب الذي مضى عنه ـ بصياغة: أنّ اللعب إنّما يضرّ إذا كان لعباً بأمر المولى، لافي كيفيّة الطاعة بعد حصول الداعي إليها، كما في المقام.
أقول: إن كان المقصود باللعب في كيفيّة الطاعة: ما يكون زائداً على الطاعة ومن مقارنات الطاعة، فصحيح أنّ هذا لا يضرّ بالقربة، أمّا إذا كان المقصود بذلك: كون تلك الكيفيّة مصداقاً للطاعة، فهذا لا ينبغي الشكّ كبرويّاً في أنّه يضرّ بالقربة.
أمّا الكلام في ذلك صغرويّاً، فلنوضّح أوّلاً أنّه ينبغي أن يكون المقصود بالطاعة في المقام الطاعة العقليّة، لا ذات الإتيان بالواجب؛ إذ لو كان الواجب في علم الله هو الجمعة ـ مثلاً ـ في مورد العلم الإجمالىّ بوجوب الظهر أو الجمعة، فمن الواضح: أنّ تكرار العمل بمعنى الإتيان بصلاة الظهر منضمّاً إلى الجمعة ليس لعباً في كيفيّة الإتيان بالجمعة؛ إذ ليس ضمّ الظهر إلى الجمعة كيفيّة للإتيان بالجمعة إلّا بنحو من المسامحة.
إذن فينبغي أن يكون المقصود هو افتراض اللعب في كيفيّة الطاعة العقليّة، بمعنى: أنّ العقل بعد الجزم بالتكليف يحكم بوجوب تحصيل الفراغ القطعىّ بأحد طريقين:
الأوّل: الإتيان بصلاة الجمعة ـ مثلاً ـ منضمّاً إلى تحصيل العلم التفصيلىّ بوجوبها.
والثاني: الإتيان بصلاة الجمعة منضمّاً إلى الإتيان بصلاة الظهر.
واختيار الثاني على الأوّل بلا داع عقلائىّ لعب.
$
', '', 489), (21, 490, 'book', 'وبعد هذا نقول: هل المفروض كون هذا اللعب مصبّه خصوص الإتيان بالصلاة الاُخرى غير الواجبة، وهي الظهر مثلاً، أو المفروض كون مصبّه المجموع المركّب من الإتيان بكلّ منهما(1)؟ فإن كان المفروض هو الأوّل، لم يضرّ ذلك بالصلاة الواجبة، وهي الجمعة مثلاً؛ لأنّ اللعب غير منصبّ عليها، وإن كان المفروض هو الثاني، فالإتيان بصلاة الجمعة جزء اللعب، وهذا حاله حال اللعب المستقلّ بصلاة الجمعة ينافي القربة، ويبطل الصلاة(2).
وعلى أية حال، فقد تحصّل من تمام ما ذكرناه: أنّ الإطاعة الإجماليّة تكون في عرض الإطاعة التفصيليّة.
تنبيهات
بقي التنبيه على اُمور:
الأمر الأوّل: أنّه لو سلّمنا الامتثال الإجمالىّ الوجدانىّ في طول التفصيلىّ الوجدانىّ، كما ذهب إليه المحقّق النائينيّ(رحمه الله)، فهل نسلّم ـ أيضاً ـ كونه في طول الامتثال التفصيلىّ التعبّدىّ، فلا يجوز التنزّل إليه إلّا بعد عدم التمكّن من التفصيلىّ التعبّدىّ أيضاً، أو لا؟ اختار المحقّق النائينيّ(رحمه الله) الطوليّة هنا أيضاً.
وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ الأمر يختلف باختلاف مباني المنع عن الامتثال الإجمالىّ الماضية:
فعلى المبنى الأوّل: الذي اختاره المحقّق النائينىّ(رحمه الله) يختلف الحال باختلاف تقريري بحثه، فإن اقتصر فيه على ما جاء في تقرير الشيخ الكاظمىّ(رحمه الله): من دعوى أنّ الامتثال
', '(1) ينبغي أن يكون المفروض هو الثاني؛ إذ الفرد غير الواجب ليس مشخّصاً لدى الفاعل كي يقع داعي اللعب له في خصوصه.
(2) لايبعد أن يكون مقصود المحقّق الخراسانىّ(رحمه الله) من التفصيل بين اللعب بأمر المولى واللعب في كيفيّة الطاعة: أنّه متى ما كان أصل الإتيان بمتعلّق الأمر بداعي اللعب بما أمر به الشارع بعنوان كونه مأموراً به من قبله، فهذا استهزاء بأمر المولى، وهو القبيح والمبطل للصلاة، ومتى ما كان جامع الإتيان بمتعلّق الأمر بداعي القربة، ولكن كانت هناك كيفيّتان للإتيان القطعىّ به، وكان اختياره لأحدهما على الاُخرى بداعي اللعب، فهذا لا يؤدّي إلى الاستهزاء بأمر المولى كي يكون قبيحاً ومبطلاً. وهذا كلام متين.
', 490), (21, 491, 'book', '
الإجمالىّ لا حسن فيه مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ، أمكن إجراء هذه الدعوى فيما نحن فيه، فإنّ هذا ليس كلاماً برهانيّاً، وإنّما هي دعوى وجدانيّة، أمر تمديدها وتقصيرها بيد صاحب هذا الوجدان.
وإن استدلّ على ذلك بما في أجود التقريرات: من أنّ التحرّك عن احتمال الأمر مؤخّر رتبة عن التحرّك عن عين الأمر؛ لأنّ احتمال الأمر مؤخّر رتبة عن الأمر، فهذا الكلام لا يأتي فيما نحن فيه؛ إذ لو سلّم أنّ التحرّك في الامتثال التفصيلىّ الوجدانىّ يكون عن عين الأمر، وغضّ النظر عمّا مضى: من أنّ التحرّك فيه تحرّك عن العلم بالأمر الذي هو في طول الأمر أيضاً كالاحتمال، فمن الواضح فيما نحن فيه: أنّ التحرّك يكون عن احتمال الأمر. فلو علم إجمالاً ـ مثلاً ـ بوجوب الظهر أو الجمعة، وقامت أمارة تعبّديّة على وجوب الظهر، فصلّى الظهر، كان تحرّكه ناشئاً عن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال واقعاً على الظهر.
ولو فرض أنّ دليل حجّيّة الأمارة يجعل العلم والطريقيّة اعتباراً؛ فإنّ العلم الاعتباريّ لو كان له أثر، فأثره إنّما هو جعل هذا الاحتمال منجّزاً، لا كونه بالمباشرة موجباً للتحريك كالعلم الحقيقيّ؛ ولذا لو جعل شيء علماً اعتباراً أو تشريعاً، وكان العبد يقطع بمخالفة ذلك للواقع، لم يتحرّك نحو أثر المعلوم قطعاً.
وهذا الكلام الذي ذكرناه إنّما هو مشي على مباني المحقّق النائينيّ(رحمه الله). أمّا نحن فنقول ـ على ما سيظهر مفصّلاً إن شاء الله ـ: إنّ هذا الاحتمال كان منجّزاً بواسطة العلم الإجمالىّ، وأثر الأمارة إنّما هو سلب المنجّزيّة عن احتمال الطرف الآخر، ولا نجعل هذا إشكالاً مستقلّاً على المحقّق النائينىّ(رحمه الله) ؛ لعدم تماميّته على مبانيه(1).
وعلى المبنى الثاني: وهو وجوب الامتثال التفصيلىّ خطابيّاً أو غرضيّاً يمكن تطبيق المبنى على ما نحن فيه ـ أيضاً ـ بكلا تقريبيه، أعني: تقريب الاستدلال بالإجماع، وتقريب الاستدلال باحتمال الدخل في الغرض.
$
', '(1) الظاهر: أنّ الإشكال الأوّل ـ أيضاً ـ إشكال مبنائيّ؛ فإنّ المحقّق النائينىّ(رحمه الله)يرى أنّ العلم الاعتباريّ كالعلم الوجدانىّ رافع لموضوع قبح العقاب بلا بيان، وأنّ المقصود بالبيان هو الوصول والعلم، وللوصول والعلم فردان: فرد وجدانىّ، وفرد اعتبارىّ. فصحيح ما أورده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله): من أنّ الأمارة إنّما تجعل الاحتمال منجّزاً؛ ولذا لو جعل المولى شيئاً علماً اعتباراً مع القطع بمخالفته للواقع، لم يكن محرّكاً، إلّا أنّ هذا ـ أيضاً ـ إشكال مبنائىّ، وليس بنائيّاً.
', 491), (21, 492, 'book', '
أمّا الأوّل: فلأنّ ما ذكر في كلماتهم من دعوى الإجماع على بطلان عمل تارك طريقي الاجتهاد والتقليد يشمل موارد الامتثال التعبّدىّ، كيف والتقليد ليس إلّا أخذاً بالتعبّد، وكذلك الاجتهاد غالباً.
وأمّا الثاني: فلأنّ من يحتمل دخل التفصيليّة في الغرض في الامتثال الوجدانىّ، قد يحتمل ذلك في الامتثال التعبّدىّ أيضاً، فيقدّمه على الامتثال الإجمالىّ الوجدانىّ.
وعلى المبنى الثالث: وأعني بذلك لزوم الامتثال التفصيلىّ؛ لكون الامتثال الإجمالىّ مع التمكّن من التفصيلىّ لعباً بأمر المولى، فهذا الوجه لا يتأتّى فيما نحن فيه(1)؛ إذ كيف يكون الامتثال الإجمالىّ في المقام لعباً؟ هل هو لعب في قبال التفصيلىّ التعبّدىّ، أو هو لعب في قبال الجمع بين التفصيلىّ التعبّدىّ والإجمالىّ؟
فإن قيل بالأوّل، ورد عليه: وضوح وجود داع عقلائىّ في الامتثال الإجمالىّ في المقام، وهو تحصيل القطع بامتثال الأمر الواقعىّ الذي لايحصل بالامتثال التفصيلىّ التعبّدىّ.
وإن قيل بالثاني، ورد عليه: أنّ الاقتصار على الامتثال الإجمالىّ الوجدانىّ في مقابل الجمع بينه وبين التفصيلىّ التعبّدىّ اقتصار على الأقلّ مؤونة في مقابل الأكثر، والأخفّ مؤونة في مقابل الأثقل. وهذا مشتمل على داع عقلائىّ، وليس لعباً.
فمثلاً: لو دار الأمر بين أن يعمل ابتداءً بالاحتياط بالجمع بين الظهر والجمعة، وأن يحصّل أوّلاً أمارة على وجوب أحدهما بالتعيين، ثُمّ يجمع بينهما، فمن الواضح: أنّ الأوّل أقلّ وأخفّ، وليس اختياره لعباً. وإن اتّفق أنّه لم تكن في تحصيل الأمارة أىّ مؤونة ومشقّة، كان اختيار كلّ واحد منهما في قبال الآخر اختياراً لأحد أمرين متساويين في المؤونة في قبال الآخر، ولا معنىً للحكم على أحدهما بكونه لعباً.
الأمر الثاني: أنّ المستشكلين في الامتثال الإجمالىّ يعترفون بعدم الإشكال فيه في موردين:
الأوّل: فرض عدم التمكّن من الامتثال التفصيلىّ.
وهذا واضح؛ لعدم تأتّي شيء من الوجوه السابقة فيه: فلا يأتي فيه ـ مثلاً ـ إشكال
', '(1) نعم، لو فرض كون تفصيليّة الامتثال من صميم الامتثال، وممّا يدعو إليه نفس التكليف، فقد تدّعى مثل هذه الدعوى فيما نحن فيه أيضاً.
', 492), (21, 493, 'book', '
تأخّر الانبعاث من احتمال الأمر عن الانبعاث من نفس الأمر؛ إذ المفروض عدم التمكّن من الانبعاث من نفس الأمر، ولا إشكال اللعب، كما هو واضح، ولا دخل لتفصيليّة الامتثال في الخطاب أو الغرض؛ إذ لو احتملنا دخلها في ذلك، فلا نحتمل دخلها بمستوى دخل الطهارة الحدثيّة بناءً على سقوط الصلاة عن فاقد الطهورين، وغاية الأمر فرض دخلها على حدّ دخل سائر الأجزاء والشرائط غير الركنيّة، أي: التي تسقط بالعجز.
نعم، بناءً على بعض مبان ضعيفة في مقام الاستشكال في الامتثال الإجمالىّ ـ تركنا فيما سبق ذكرها؛ لكونها في غاية الضعف ـ يسري الإشكال في المقام.
مثلاً: لو كان مبنى الإشكال اعتبار قصد الوجه(1) بالنحو الذي يقوله المتكلّمون، كان الإشكال سارياً. ولا يهمّنا تفصيل الكلام في ذلك.
الثاني: فرض عدم وجوب الامتثال عقلاً، كما لو كان الحكم استحبابيّاً، أو كان الحكم احتماليّاً غير معلوم إجمالاً مع وجود المؤمّن في قبال الاحتمال.
ولكن الواقع: أنّ الإشكال على بعض المباني يسري في المقام، كما لو كان مبنى الإشكال هو لزوم اللعب؛ إذ لا يفرّق ـ في كون التكرار لعباً بأمر المولى مع التمكّن من الامتثال التفصيلىّ ـ بين فرض وجوب الامتثال وعدمه(2).
الأمر الثالث: قد عرفت أنّ الحقّ كون الامتثال الإجمالىّ الوجدانىّ في عرض الامتثال التفصيلىّ لافي طوله.
وأمّا الامتثال الإجمالىّ التعبّدىّ، فهو ـ أيضاً ـ في عرض الامتثال التفصيلىّ؛ لما مضى: من بطلان تمام مباني الإشكال. فلو دلّت البيّنة أو أصالة الطهارة أو غير ذلك على طهارة أحد الثوبين، كفت الصلاة في كليهما على وجه التكرار، وإن كان متمكّناً من الامتثال التفصيلىّ.
$
', '(1) لو احتملنا دخل قصد الوجه والتمييز في العبادة بمعنىً لم يمكن هنا، فلانحتمل دخله في فرض العجز: بأن يكون حال العاجز عنه حال فاقد الطهورين بناءً على سقوط الصلاة عنه. وأنا أحتمل أنّ هذه القطعة من الكلام ذكرها شهيدنا الغالي(رحمه الله) في المقام اشتباهاً، وأنّها راجعة إلى الأمر الأوّل، وهو كون الامتثال الإجمالىّ الوجدانىّ في طول التفصيلىّ التعبّدىّ وعدمه؛ إذ يمكن القول هناك بأنّ الامتثال التفصيلىّ التعبّدىّ يحفظ الوجه والتمييز، ومعه لا تصل النوبة إلى الإجمالىّ الذي لا ينحفظ فيه الوجه أو التمييز.
(2) وبعض الوجوه لا يجري في المقام كالإجماع. أمّا عدم حسن الامتثال الإجمالىّ مع التمكّن من التفصيلىّ فإن كان بالوجدان، فأمره إلى صاحب الوجدان، وإن كان ببرهان طوليّة احتمال الأمر مع نفس الأمر، فهو يأتي في المقام.
', 493), (21, 494, 'book', '
نعم، قد يفترض أنّ دليل التعبّد إنّما أثبت التعبّد في فرض انسداد باب العلم وعدم التمكّن من تحصيله، فيكون الامتثال الإجمالىّ التعبّديّ ـ عندئذ ـ في عرضالامتثال التفصيلىّ التعبّديّ فحسب، ولايكون في عرض الامتثال التفصيلىّ الوجدانىّ، كما لا يكون في عرض الامتثال الإجمالىّ الوجدانىّ ـ أيضاً ـ إذا كان دليل التعبّد غير شامل لفرض التمكّن من العلم ولو إجمالاً. وهذا غير مرتبط بما نحن فيه.
والخلاصة: أنّ الامتثال الإجمالىّ التعبّدىّ في نفسه ليس في طول التفصيلىّ، بل في عرضه. أمّا عدم صحّته أحياناً في قبال الامتثال الوجدانىّ، فهو مطلب آخر.
ويستثنى من صحّة الامتثال الإجمالىّ التعبّدىّ مورد واحد.
توضيح ذلك: أنّ دليل التعبّد تارة ينصبّ على مورد معيّن، ثُمّ يقع الاشتباه، كما لو دلّت البيّنة أو أصالة الطهارة على طهارة ثوب معيّن، ثُمّ وقع الاشتباه بينه وبين ثوب آخر. وهنا لا إشكال في جواز الصلاة مرّتين: مرّة في هذا الثوب، ومرّة في الثوب الآخر؛ فإنّ هذا يؤدّي إلى العلم بالصلاة في ثوب محكوم بالطهارة تعبّداً.
واُخرى يفرض تردّد مورده من أوّل الأمر بين ثوبين مثلاً، وهذا يتصوّر على نحوين:
الأوّل: أن يكون لمورده نحو تعيّن في الواقع بغضّ النظر عن ذلك الحكم، بحيث يمكن لمن يعلم الغيب أن يشير إليه معيّناً ولو فرض كذب الدليل، كما لو كان أحد الثوبين ملكاً لزيد، ووقع الاشتباه بين ما هو ملك زيد وما ليس ملكه، والبيّنة أو أصالة الطهارة دلّت على طهارة الثوب الذي هو ملك لزيد. وهنا ـ أيضاً ـ يجوز تكرار الصلاة في الثوب؛ إذ بذلك يحصل له العلم بأنّه قد صلّى في ثوب محكوم بالطهارة واقعاً.
الثاني: أن لا يكون لمورده تعيّن كذلك بحيث لو كان الدليل كاذباً، لم يمكن حتّى لعلّام الغيوب أن يشير إلى فرد معيّن، ويقول: (هذا هو مصبّ الدليل)، كما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين، واحتمل نجاستهما معاً، ولم يمكن للثوب المعلوم نجاسته أىّ تعيّن من قبل غير تلك النجاسة، ودلّت أصالة الطهارة على طهارة الثوب الآخر، أو دلّت البيّنة
', '', 494), (21, 495, 'book', 'على طهارة غير ما علمت نجاسته من دون فرض أىّ تعيّن له بغير هذا العنوان. فلو فرض في الواقع كلاهما نجساً، لم يكن لمصبّ الأصل أو البيّنة تعيّن في الواقع.
وحينئذ لو كانت مثبتات ذاك الدليل حجّة كما هو الحال في البيّنة، جاز تكرار الصلاة في الثوبين؛ إذ يثبت ـ عندئذ ـ بالملازمة أنّه صلّى في ثوب محكوم بالطهارة تعبّداً، أمّا لو لم تكن مثبتاته حجّة كما في أصالة الطهارة، فلايجزي تكرار الصلاة في الثوبين؛ إذ لا تنفعه أصالة الطهارة في المقام شيئاً، لابمدلولها الالتزامىّ ولابمدلولها المطابقىّ: أمّا الأوّل فلأنّ المفروض عدم حجّيّة مثبتاتها، وأمّا الثاني فلأنّ من المحتمل أن لايكون لموردها تعيّن حتّى في الواقع، فلانستطيع أن نحكم بثبوت الطهارة لثوب وقعت فيه الصلاة(1).
هذا تمام الكلام فيما كان ينبغي التعرّض له في بحث العلم الإجمالىّ في مرحلة الامتثال. وذكر هنا بعض اُمور اُخرى لايهمّنا التعرّض له. وبهذا تمّ الكلام في القطع.
$
', '(1) قد يقال باستحالة ثبوت الحجّيّة للأصل في المقام؛ لعدم إحراز صحّة الإشارة إلى فرد معيّن عند الله وإجراء الأصل بالنسبة إليه.
والواقع: أنّه لااستحالة في المقام؛ فإنّ الحكم الظاهرىّ روحه عبارة عن إبراز درجة اهتمام المولى بغرضه، وبالإمكان أن تكون درجة اهتمام المولى بغرضه في المقام بنحو لا يرضى بالاقتصار على صلاة واحدة في أحد الثوبين، ولكنّه يرضى بتكرار الصلاة في الثوبين على رغم احتمال نجاستهما، ولا يطالب بالاحتياط التامّ، وحينئذ يبقى البحث إثباتيّاً كي نرى أنّ شيئاً من هذا القبيل هل يمكن إبرازه عرفاً بلسان إجراء أصالة الطهارة في الثوب الآخر غير معلوم النجاسة، على الرغم من أنّه بالدقّة العقليّة لم يثبت وجود ثوب آخر لاحتمال عدم تعيّن معلوم النجاسة في الواقع، وبالتالي عدم تعيّن الثوب الآخر، أو أنّ إبراز ذاك المطلب بهذا اللسان غير عرفىّ؟ وهل مثل قوله: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر يشمل عرفاً هذا المعنى، أو لا؟ والظاهر: أنّه عرفىّ، وأنّ الدليل يشمله، فيجري الأصل، ويثبت الإجزاء.
وقد يقال: إنّ المقدار الذي يصل إليه العرف إنّما هو نفي تعدّد النجاسة، وهذا أثره إنّما هو عدم تنجّز نجاستين على المكلّف. فلو كانا مائعين، وشربهما المكلّف، لم يعاقب إلّا عقاباً واحداً. أمّا صحّة الصلاة فترتبط بثبوت طهارة ثوب صلّى فيه أو نفي نجاسته، وهذا لا يثبت إلّا بالملازمة غير الحجّة في باب الاُصول، إلّا أنّ الأظهر هو ما ذكرناه؛ فإنّ العرف بعد العلم بنجاسة أحد الثوبين يجري أصالة الطهارة في الثوب الآخر، ويقول: (إنّنا صلّينا في الثوب الآخر)، وإن كان هذا بالتدقيق الفلسفىّ مناقشاً باحتمال عدم التعيّن في الواقع لعنوان: (الثوب الآخر).
', 495), (21, 496, 'book', '
$
', '', 496), (21, 497, 'book', '$
', '', 497), (21, 498, 'book', '$
', '', 498), (21, 499, 'book', '$
', '', 499), (21, 500, 'book', '$
', '', 500), (21, 501, 'book', '$
', '', 501), (21, 502, 'book', '$
', '', 502), (21, 503, 'book', '$
', '', 503), (21, 504, 'book', '$
', '', 504),